{"ً":{"ٌ":9798,"ٍ":"تفسير ابن كمال باشا","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tikba/","files":["tikb0.pdf|المقدمة","tikb1.pdf","tikb2.pdf","tikb3.pdf","tikb4.pdf","tikb5.pdf","tikb6.pdf","tikb7.pdf","tikb8.pdf","tikb9.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير ابن كمال باشا\n(يطبع لأول مرة محققا على ست نسخ خطية)\nالمؤلف: شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا الرومي الحنفي (ت ٩٤٠ هـ في القسطنطينية)\nالمحقق: ماهر أديب حبوش\nالناشر: مكتبة الإرشاد، إسطنبول - تركيا\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\nعدد الأجزاء: ٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":1592,"ٕ":3,"ٖ":1770155691,"ٗ":189},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7","8","9"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"أولا: تأكيد نسبة الكتاب إلى المؤلف","level":2,"page":10},{"title":"ثانيا: مصادر نقلت عن هذا التفسير","level":2,"page":11},{"title":"ثالثا: بيان خصائص هذا التفسير التي تميز بها عن غيره من التفاسير","level":2,"page":14},{"title":"١ - المنهج الذي اعتمده المؤلف وسار عليه في الكتاب كله","level":3,"page":14},{"title":"٢ - ومما تميز به هذا التفسير الاختصار والإيجاز اللذين اتسم بهما في جميع المسائل التي يتناولها","level":3,"page":19},{"title":"٣ - ولعل من أهم ما تميز به هذا التفسير","level":3,"page":21},{"title":"٤ - ومن ميزات هذا التفسير أيضا كثرة الاستنباطات والاجتهادات مما لا يوجد في أي كتاب آخر","level":3,"page":24},{"title":"٥ - ومن ذلك كثرة التعقبات والردود على بعض الأئمة كالبيضاوي والزمخشري","level":3,"page":26},{"title":"٦ - ومما تميز به هذا التفسير أيضا أنه نقل لنا كثيرا مما أبدعه من تقدمه من العلماء الذين لم تصل إلينا كتبهم، أو لا تزال حبيسة المكتبات تنتظر من يمسح عنها الغبار وينقذها من التلف","level":3,"page":27},{"title":"رابعا: بيان منهج المؤلف الذي سلكه في تأليف تفسيره","level":2,"page":29},{"title":"مصادره التي اعتمد عليها وكيفية إفادته منها","level":3,"page":29},{"title":"تفسير القرآن بالقرآن عند ابن كمال باشا","level":3,"page":50},{"title":"التفسير بالمأثور عند ابن كمال باشا","level":3,"page":57},{"title":"عقيدة المؤلف والرد على الشبه والأباطيل والمذاهب المنحرفة","level":3,"page":61},{"title":"موقف المؤلف من التأويل في آيات الصفات","level":3,"page":67},{"title":"منهج المؤلف في القراءات","level":3,"page":69},{"title":"الإسرائيليات في تفسير ابن كمال باشا","level":3,"page":73},{"title":"الفقه في تفسير ابن كمال باشا","level":3,"page":78},{"title":"النحو في تفسير ابن كمال باشا","level":3,"page":83},{"title":"العناية باللغة وشرح الألفاظ","level":3,"page":90},{"title":"التفسير الإشاري عند ابن كمال باشا","level":3,"page":92},{"title":"خامسا: المآخذ التي يمكن أن تذكر على هذا الكتاب الجليل","level":2,"page":97},{"title":"سادسا: وصف النسخ الخطية","level":2,"page":108},{"title":"١ - النسخة الأولى من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (م)، وتتألف من قطعتين","level":3,"page":108},{"title":"٢ - النسخة الثانية من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ف)","level":3,"page":109},{"title":"٣ - نسخة كوبريلي في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ك)","level":3,"page":110},{"title":"٤ - نسخة الحرم المكي (ح)","level":3,"page":111},{"title":"٥ - نسخة دوغملو باباس في المكتبة السليمانية باسطنبول ورمز لها بالحرف (د)","level":3,"page":112},{"title":"٦ - نسخة المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (س)","level":3,"page":113},{"title":"٧ - نسخة يني جامع في المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (ي)","level":3,"page":113},{"title":"٨ - نسخة عاطف أفندي في المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (ع)","level":3,"page":115},{"title":"ملاحظات على النسخ الخطية","level":4,"page":116},{"title":"سابعا: عملنا في الكتاب","level":2,"page":120},{"title":"أما عملنا في الكتاب فكما يلي","level":3,"page":120},{"title":"ترجمة العلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى","level":2,"page":122},{"title":"أولا: اسمه ونسبه ونشأته العلمية","level":3,"page":123},{"title":"ثانيا: مناصبه في التدريس والإفتاء والقضاء","level":3,"page":128},{"title":"ثالثا: مشاهير شيوخه","level":3,"page":131},{"title":"١ - المولى لطف الله التوقاتي، الشهير بـ (ملا لطفي) (ت ٩٠٠ هـ)","level":4,"page":131},{"title":"٢ - المولى مصلح الدين مصطفى القسطلاني (٩٠١ هـ)","level":4,"page":131},{"title":"٣ - المولى محيي الدين محمد بن إبراهيم الشهير بابن الخطيب، أو بخطيب زاده (٩٠١ هـ)","level":4,"page":132},{"title":"٤ - المولى سنان الدين يوسف المعروف بابن المعرف، أو معرف زاده","level":4,"page":133},{"title":"رابعا: مشاهير تلامذته","level":3,"page":134},{"title":"١ - المولى محيي الدين محمد بن بير محمد باشا الجمالي (٩٤١ هـ)","level":4,"page":134},{"title":"٢ - المولى سعد الله بن عيسى، المعروف بسعدي جلبي (٩٤٥ هـ)","level":4,"page":134},{"title":"٣ - المولى هداية الله بن مولانا بار علي العجمي (٩٤٨ أو ٩٤٩ هـ)","level":4,"page":135},{"title":"٤ - المولى محيي الدين محمد بن عبد الله الشهير بمحمد بك (٩٥٠ هـ)","level":4,"page":135},{"title":"٥ - المولى محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم (٩٥٥ هـ)","level":4,"page":136},{"title":"٦ - المولى عبد الكريم الويزوي (٩٦١ هـ)","level":4,"page":136},{"title":"٧ - المولى درويش محمد (٩٦٢ هـ)","level":4,"page":137},{"title":"٨ - المولى محيي الدين محمد بن عبد القادر، المشتهر بالمعلول (٩٦٣ هـ)","level":4,"page":137},{"title":"٩ - المولى مصلح الدين مصطفى بن المولى سيدي المنتشوي (٩٦٤ هـ)","level":4,"page":138},{"title":"١٠ - المولى يحيى جلبي بن أمين نور الدين، الشهير بأمين زاده (٩٦٤ هـ)","level":4,"page":138},{"title":"١١ - المولى محيي الدين محمد بن حسام الدين الشهير بقره جلبي (٩٦٥ هـ)","level":4,"page":139},{"title":"١٢ - المولى محيى الدين الشهير بابن الإمام (٩٧٣ هـ)","level":4,"page":140},{"title":"١٣ - المولى تاج الدين إبراهيم بن عبد الله (٩٧٣ هـ)","level":4,"page":140},{"title":"١٤ - المولى مصلح الدين المشتهر ببستان (٩٧٧ هـ)","level":4,"page":141},{"title":"١٥ - المولى أبو السعود بن محمد بن مصطفى العمادي (٩٨٢ هـ)","level":4,"page":142},{"title":"١٦ - المولى تاج الدين إبراهيم (٩٩٤ هـ)","level":4,"page":142},{"title":"١٧ - المولى بالي بن محمد","level":4,"page":143},{"title":"خامسا: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه","level":3,"page":144},{"title":"سادسا: وفاته","level":3,"page":151},{"title":"سابعا: مؤلفاته","level":3,"page":152},{"title":"سورة فاتحة الكتاب","level":1,"page":189},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":216},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":788},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":1011},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":1236},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":1262},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":1472},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":1687},{"title":"سورة براءة","level":1,"page":1768},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":1936},{"title":"سورة هود","level":1,"page":2043},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":2161},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":2283},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":2338},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":2400},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":2458},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":2571},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":2666},{"title":"سورة مريم ﵍","level":1,"page":2782},{"title":"سورة طه","level":1,"page":2848},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":2952},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":3030},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":3106},{"title":"سورة النور","level":1,"page":3175},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":3244},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":3295},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":3370},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":3433},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":3492},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":3538},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":3580},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":3609},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":3628},{"title":"سورة سبإ","level":1,"page":3705},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":3758},{"title":"سورة يس","level":1,"page":3802},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":3853},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":3935},{"title":"سورة النبإ","level":1,"page":3961},{"title":"سورة النازعات","level":1,"page":3982},{"title":"سورة الطارق","level":1,"page":4003},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":4011}],"ٛ":{"المقدمة,5":1,"المقدمة,6":2,"المقدمة,7":3,"المقدمة,8":4,"المقدمة,9":5,"المقدمة,10":6,"المقدمة,11":7,"المقدمة,12":8,"المقدمة,13":9,"المقدمة,14":10,"المقدمة,15":11,"المقدمة,16":12,"المقدمة,17":13,"المقدمة,18":14,"المقدمة,19":15,"المقدمة,20":16,"المقدمة,21":17,"المقدمة,22":18,"المقدمة,23":19,"المقدمة,24":20,"المقدمة,25":21,"المقدمة,26":22,"المقدمة,27":23,"المقدمة,28":24,"المقدمة,29":25,"المقدمة,30":26,"المقدمة,31":27,"المقدمة,32":28,"المقدمة,33":29,"المقدمة,34":30,"المقدمة,35":31,"المقدمة,36":32,"المقدمة,37":33,"المقدمة,38":34,"المقدمة,39":35,"المقدمة,40":36,"المقدمة,41":37,"المقدمة,42":38,"المقدمة,43":39,"المقدمة,44":40,"المقدمة,45":41,"المقدمة,46":42,"المقدمة,47":43,"المقدمة,48":44,"المقدمة,49":45,"المقدمة,50":46,"المقدمة,51":47,"المقدمة,52":48,"المقدمة,53":49,"المقدمة,54":50,"المقدمة,55":51,"المقدمة,56":52,"المقدمة,57":53,"المقدمة,58":54,"المقدمة,59":55,"المقدمة,60":56,"المقدمة,61":57,"المقدمة,62":58,"المقدمة,63":59,"المقدمة,64":60,"المقدمة,65":61,"المقدمة,66":62,"المقدمة,67":63,"المقدمة,68":64,"المقدمة,69":65,"المقدمة,70":66,"المقدمة,71":67,"المقدمة,72":68,"المقدمة,73":69,"المقدمة,74":70,"المقدمة,75":71,"المقدمة,76":72,"المقدمة,77":73,"المقدمة,78":74,"المقدمة,79":75,"المقدمة,80":76,"المقدمة,81":77,"المقدمة,82":78,"المقدمة,83":79,"المقدمة,84":80,"المقدمة,85":81,"المقدمة,86":82,"المقدمة,87":83,"المقدمة,88":84,"المقدمة,89":85,"المقدمة,90":86,"المقدمة,91":87,"المقدمة,92":88,"المقدمة,93":89,"المقدمة,94":90,"المقدمة,95":91,"المقدمة,96":92,"المقدمة,97":93,"المقدمة,98":94,"المقدمة,99":95,"المقدمة,100":96,"المقدمة,101":97,"المقدمة,102":98,"المقدمة,103":99,"المقدمة,104":100,"المقدمة,105":101,"المقدمة,106":102,"المقدمة,107":103,"المقدمة,108":104,"المقدمة,109":105,"المقدمة,110":106,"المقدمة,111":107,"المقدمة,112":108,"المقدمة,113":109,"المقدمة,114":110,"المقدمة,115":111,"المقدمة,116":112,"المقدمة,117":113,"المقدمة,118":114,"المقدمة,119":115,"المقدمة,120":116,"المقدمة,121":117,"المقدمة,122":118,"المقدمة,123":119,"المقدمة,124":120,"المقدمة,125":121,"المقدمة,127":122,"المقدمة,128":123,"المقدمة,129":124,"المقدمة,130":125,"المقدمة,131":126,"المقدمة,132":127,"المقدمة,133":128,"المقدمة,134":129,"المقدمة,135":130,"المقدمة,136":131,"المقدمة,137":132,"المقدمة,138":133,"المقدمة,139":134,"المقدمة,140":135,"المقدمة,141":136,"المقدمة,142":137,"المقدمة,143":138,"المقدمة,144":139,"المقدمة,145":140,"المقدمة,146":141,"المقدمة,147":142,"المقدمة,148":143,"المقدمة,149":144,"المقدمة,150":145,"المقدمة,151":146,"المقدمة,152":147,"المقدمة,153":148,"المقدمة,154":149,"المقدمة,155":150,"المقدمة,156":151,"المقدمة,157":152,"المقدمة,158":153,"المقدمة,159":154,"المقدمة,160":155,"المقدمة,161":156,"المقدمة,162":157,"المقدمة,163":158,"المقدمة,164":159,"المقدمة,165":160,"المقدمة,166":161,"المقدمة,167":162,"المقدمة,169":163,"المقدمة,171":164,"المقدمة,172":165,"المقدمة,173":166,"المقدمة,174":167,"المقدمة,175":168,"المقدمة,176":169,"المقدمة,177":170,"المقدمة,178":171,"المقدمة,179":172,"المقدمة,180":173,"المقدمة,181":174,"المقدمة,182":175,"المقدمة,183":176,"المقدمة,184":177,"المقدمة,185":178,"المقدمة,186":179,"المقدمة,187":180,"المقدمة,188":181,"المقدمة,189":182,"المقدمة,190":183,"المقدمة,191":184,"المقدمة,192":185,"المقدمة,193":186,"المقدمة,194":187,"المقدمة,195":188,"1,5":189,"1,6":190,"1,7":191,"1,8":192,"1,9":193,"1,10":194,"1,11":195,"1,12":196,"1,13":197,"1,14":198,"1,15":199,"1,16":200,"1,17":201,"1,18":202,"1,19":203,"1,20":204,"1,21":205,"1,22":206,"1,23":207,"1,24":208,"1,25":209,"1,26":210,"1,27":211,"1,28":212,"1,29":213,"1,30":214,"1,31":215,"1,35":216,"1,36":217,"1,37":218,"1,38":219,"1,39":220,"1,40":221,"1,41":222,"1,42":223,"1,43":224,"1,44":225,"1,45":226,"1,46":227,"1,47":228,"1,48":229,"1,49":230,"1,50":231,"1,51":232,"1,52":233,"1,53":234,"1,54":235,"1,55":236,"1,56":237,"1,57":238,"1,58":239,"1,59":240,"1,60":241,"1,61":242,"1,62":243,"1,63":244,"1,64":245,"1,65":246,"1,66":247,"1,67":248,"1,68":249,"1,69":250,"1,70":251,"1,71":252,"1,72":253,"1,73":254,"1,74":255,"1,75":256,"1,76":257,"1,77":258,"1,78":259,"1,79":260,"1,80":261,"1,81":262,"1,82":263,"1,83":264,"1,84":265,"1,85":266,"1,86":267,"1,87":268,"1,88":269,"1,89":270,"1,90":271,"1,91":272,"1,92":273,"1,93":274,"1,94":275,"1,95":276,"1,96":277,"1,97":278,"1,98":279,"1,99":280,"1,100":281,"1,101":282,"1,102":283,"1,103":284,"1,104":285,"1,105":286,"1,106":287,"1,107":288,"1,108":289,"1,109":290,"1,110":291,"1,111":292,"1,112":293,"1,113":294,"1,114":295,"1,115":296,"1,116":297,"1,117":298,"1,118":299,"1,119":300,"1,120":301,"1,121":302,"1,122":303,"1,123":304,"1,124":305,"1,125":306,"1,126":307,"1,127":308,"1,128":309,"1,129":310,"1,130":311,"1,131":312,"1,132":313,"1,133":314,"1,134":315,"1,135":316,"1,136":317,"1,137":318,"1,138":319,"1,139":320,"1,140":321,"1,141":322,"1,142":323,"1,143":324,"1,144":325,"1,145":326,"1,146":327,"1,147":328,"1,148":329,"1,149":330,"1,150":331,"1,151":332,"1,152":333,"1,153":334,"1,154":335,"1,155":336,"1,156":337,"1,157":338,"1,158":339,"1,159":340,"1,160":341,"1,161":342,"1,162":343,"1,163":344,"1,164":345,"1,165":346,"1,166":347,"1,167":348,"1,168":349,"1,169":350,"1,170":351,"1,171":352,"1,172":353,"1,173":354,"1,174":355,"1,175":356,"1,176":357,"1,177":358,"1,178":359,"1,179":360,"1,180":361,"1,181":362,"1,182":363,"1,183":364,"1,184":365,"1,185":366,"1,186":367,"1,187":368,"1,188":369,"1,189":370,"1,190":371,"1,191":372,"1,192":373,"1,193":374,"1,194":375,"1,195":376,"1,196":377,"1,197":378,"1,198":379,"1,199":380,"1,200":381,"1,201":382,"1,202":383,"1,203":384,"1,204":385,"1,205":386,"1,206":387,"1,207":388,"1,208":389,"1,209":390,"1,210":391,"1,211":392,"1,212":393,"1,213":394,"1,214":395,"1,215":396,"1,216":397,"1,217":398,"1,218":399,"1,219":400,"1,220":401,"1,221":402,"1,222":403,"1,223":404,"1,224":405,"1,225":406,"1,226":407,"1,227":408,"1,228":409,"1,229":410,"1,230":411,"1,231":412,"1,232":413,"1,233":414,"1,234":415,"1,235":416,"1,236":417,"1,237":418,"1,238":419,"1,239":420,"1,240":421,"1,241":422,"1,242":423,"1,243":424,"1,244":425,"1,245":426,"1,246":427,"1,247":428,"1,248":429,"1,249":430,"1,250":431,"1,251":432,"1,252":433,"1,253":434,"1,254":435,"1,255":436,"1,256":437,"1,257":438,"1,258":439,"1,259":440,"1,260":441,"1,261":442,"1,262":443,"1,263":444,"1,264":445,"1,265":446,"1,266":447,"1,267":448,"1,268":449,"1,269":450,"1,270":451,"1,271":452,"1,272":453,"1,273":454,"1,274":455,"1,275":456,"1,276":457,"1,277":458,"1,278":459,"1,279":460,"1,280":461,"1,281":462,"1,282":463,"1,283":464,"1,284":465,"1,285":466,"1,286":467,"1,287":468,"1,288":469,"1,289":470,"1,290":471,"1,291":472,"1,292":473,"1,293":474,"1,294":475,"1,295":476,"1,296":477,"1,297":478,"1,298":479,"1,299":480,"1,300":481,"1,301":482,"1,302":483,"1,303":484,"1,304":485,"1,305":486,"1,306":487,"1,307":488,"1,308":489,"1,309":490,"1,310":491,"1,311":492,"1,312":493,"1,313":494,"1,314":495,"1,315":496,"1,316":497,"1,317":498,"1,318":499,"1,319":500,"1,320":501,"1,321":502,"1,322":503,"1,323":504,"1,324":505,"1,325":506,"1,326":507,"1,327":508,"1,328":509,"1,329":510,"1,330":511,"1,331":512,"1,332":513,"1,333":514,"1,334":515,"1,335":516,"1,336":517,"1,337":518,"1,338":519,"1,339":520,"1,340":521,"1,341":522,"1,342":523,"1,343":524,"1,344":525,"1,345":526,"1,346":527,"1,347":528,"1,348":529,"1,349":530,"1,350":531,"1,351":532,"1,352":533,"1,353":534,"1,354":535,"1,355":536,"1,356":537,"1,357":538,"1,358":539,"1,359":540,"1,360":541,"1,361":542,"1,362":543,"1,363":544,"1,364":545,"1,365":546,"1,366":547,"1,367":548,"1,368":549,"1,369":550,"1,370":551,"1,371":552,"1,372":553,"2,5":554,"2,6":555,"2,7":556,"2,8":557,"2,9":558,"2,10":559,"2,11":560,"2,12":561,"2,13":562,"2,14":563,"2,15":564,"2,16":565,"2,17":566,"2,18":567,"2,19":568,"2,20":569,"2,21":570,"2,22":571,"2,23":572,"2,24":573,"2,25":574,"2,26":575,"2,27":576,"2,28":577,"2,29":578,"2,30":579,"2,31":580,"2,32":581,"2,33":582,"2,34":583,"2,35":584,"2,36":585,"2,37":586,"2,38":587,"2,39":588,"2,40":589,"2,41":590,"2,42":591,"2,43":592,"2,44":593,"2,45":594,"2,46":595,"2,47":596,"2,48":597,"2,49":598,"2,50":599,"2,51":600,"2,52":601,"2,53":602,"2,54":603,"2,55":604,"2,56":605,"2,57":606,"2,58":607,"2,59":608,"2,60":609,"2,61":610,"2,62":611,"2,63":612,"2,64":613,"2,65":614,"2,66":615,"2,67":616,"2,68":617,"2,69":618,"2,70":619,"2,71":620,"2,72":621,"2,73":622,"2,74":623,"2,75":624,"2,76":625,"2,77":626,"2,78":627,"2,79":628,"2,80":629,"2,81":630,"2,82":631,"2,83":632,"2,84":633,"2,85":634,"2,86":635,"2,87":636,"2,88":637,"2,89":638,"2,90":639,"2,91":640,"2,92":641,"2,93":642,"2,94":643,"2,95":644,"2,96":645,"2,97":646,"2,98":647,"2,99":648,"2,100":649,"2,101":650,"2,102":651,"2,103":652,"2,104":653,"2,105":654,"2,106":655,"2,107":656,"2,108":657,"2,109":658,"2,110":659,"2,111":660,"2,112":661,"2,113":662,"2,114":663,"2,115":664,"2,116":665,"2,117":666,"2,118":667,"2,119":668,"2,120":669,"2,121":670,"2,122":671,"2,123":672,"2,124":673,"2,125":674,"2,126":675,"2,127":676,"2,128":677,"2,129":678,"2,130":679,"2,131":680,"2,132":681,"2,133":682,"2,134":683,"2,135":684,"2,136":685,"2,137":686,"2,138":687,"2,139":688,"2,140":689,"2,141":690,"2,142":691,"2,143":692,"2,144":693,"2,145":694,"2,146":695,"2,147":696,"2,148":697,"2,149":698,"2,150":699,"2,151":700,"2,152":701,"2,153":702,"2,154":703,"2,155":704,"2,156":705,"2,157":706,"2,158":707,"2,159":708,"2,160":709,"2,161":710,"2,162":711,"2,163":712,"2,164":713,"2,165":714,"2,166":715,"2,167":716,"2,168":717,"2,169":718,"2,170":719,"2,171":720,"2,172":721,"2,173":722,"2,174":723,"2,175":724,"2,176":725,"2,177":726,"2,178":727,"2,179":728,"2,180":729,"2,181":730,"2,182":731,"2,183":732,"2,184":733,"2,185":734,"2,186":735,"2,187":736,"2,188":737,"2,189":738,"2,190":739,"2,191":740,"2,192":741,"2,193":742,"2,194":743,"2,195":744,"2,196":745,"2,197":746,"2,198":747,"2,199":748,"2,200":749,"2,201":750,"2,202":751,"2,203":752,"2,204":753,"2,205":754,"2,206":755,"2,207":756,"2,208":757,"2,209":758,"2,210":759,"2,211":760,"2,212":761,"2,213":762,"2,214":763,"2,215":764,"2,216":765,"2,217":766,"2,218":767,"2,219":768,"2,220":769,"2,221":770,"2,222":771,"2,223":772,"2,224":773,"2,225":774,"2,226":775,"2,227":776,"2,228":777,"2,229":778,"2,230":779,"2,231":780,"2,232":781,"2,233":782,"2,234":783,"2,235":784,"2,236":785,"2,237":786,"2,238":787,"2,241":788,"2,242":789,"2,243":790,"2,244":791,"2,245":792,"2,246":793,"2,247":794,"2,248":795,"2,249":796,"2,250":797,"2,251":798,"2,252":799,"2,253":800,"2,254":801,"2,255":802,"2,256":803,"2,257":804,"2,258":805,"2,259":806,"2,260":807,"2,261":808,"2,262":809,"2,263":810,"2,264":811,"2,265":812,"2,266":813,"2,267":814,"2,268":815,"2,269":816,"2,270":817,"2,271":818,"2,272":819,"2,273":820,"2,274":821,"2,275":822,"2,276":823,"2,277":824,"2,278":825,"2,279":826,"2,280":827,"2,281":828,"2,282":829,"2,283":830,"2,284":831,"2,285":832,"2,286":833,"2,287":834,"2,288":835,"2,289":836,"2,290":837,"2,291":838,"2,292":839,"2,293":840,"2,294":841,"2,295":842,"2,296":843,"2,297":844,"2,298":845,"2,299":846,"2,300":847,"2,301":848,"2,302":849,"2,303":850,"2,304":851,"2,305":852,"2,306":853,"2,307":854,"2,308":855,"2,309":856,"2,310":857,"2,311":858,"2,312":859,"2,313":860,"2,314":861,"2,315":862,"2,316":863,"2,317":864,"2,318":865,"2,319":866,"2,320":867,"2,321":868,"2,322":869,"2,323":870,"2,324":871,"2,325":872,"2,326":873,"2,327":874,"2,328":875,"2,329":876,"2,330":877,"2,331":878,"2,332":879,"2,333":880,"2,334":881,"2,335":882,"2,336":883,"2,337":884,"2,338":885,"2,339":886,"2,340":887,"2,341":888,"2,342":889,"2,343":890,"2,344":891,"2,345":892,"2,346":893,"2,347":894,"2,348":895,"2,349":896,"2,350":897,"2,351":898,"2,352":899,"2,353":900,"2,354":901,"2,355":902,"2,356":903,"2,357":904,"2,358":905,"2,359":906,"2,360":907,"2,361":908,"2,362":909,"2,363":910,"2,364":911,"2,365":912,"2,366":913,"2,367":914,"2,368":915,"2,369":916,"2,370":917,"2,371":918,"2,372":919,"2,373":920,"2,374":921,"2,375":922,"2,376":923,"2,377":924,"2,378":925,"2,379":926,"2,380":927,"2,381":928,"2,382":929,"2,383":930,"2,384":931,"2,385":932,"2,386":933,"2,387":934,"2,388":935,"2,389":936,"2,390":937,"2,391":938,"2,392":939,"2,393":940,"2,394":941,"2,395":942,"2,396":943,"2,397":944,"2,398":945,"2,399":946,"2,400":947,"2,401":948,"2,402":949,"2,403":950,"2,404":951,"2,405":952,"2,406":953,"2,407":954,"2,408":955,"2,409":956,"2,410":957,"2,411":958,"2,412":959,"2,413":960,"2,414":961,"2,415":962,"2,416":963,"2,417":964,"2,418":965,"2,419":966,"2,420":967,"2,421":968,"2,422":969,"2,423":970,"2,424":971,"2,425":972,"2,426":973,"2,427":974,"2,428":975,"2,429":976,"2,430":977,"2,431":978,"2,432":979,"2,433":980,"2,434":981,"2,435":982,"2,436":983,"2,437":984,"2,438":985,"2,439":986,"2,440":987,"2,441":988,"2,442":989,"2,443":990,"2,444":991,"2,445":992,"2,446":993,"2,447":994,"2,448":995,"2,449":996,"2,450":997,"2,451":998,"2,452":999,"2,453":1000,"2,454":1001,"2,455":1002,"2,456":1003,"2,457":1004,"2,458":1005,"2,459":1006,"2,460":1007,"2,461":1008,"2,462":1009,"2,463":1010,"3,7":1011,"3,8":1012,"3,9":1013,"3,10":1014,"3,11":1015,"3,12":1016,"3,13":1017,"3,14":1018,"3,15":1019,"3,16":1020,"3,17":1021,"3,18":1022,"3,19":1023,"3,20":1024,"3,21":1025,"3,22":1026,"3,23":1027,"3,24":1028,"3,25":1029,"3,26":1030,"3,27":1031,"3,28":1032,"3,29":1033,"3,30":1034,"3,31":1035,"3,32":1036,"3,33":1037,"3,34":1038,"3,35":1039,"3,36":1040,"3,37":1041,"3,38":1042,"3,39":1043,"3,40":1044,"3,41":1045,"3,42":1046,"3,43":1047,"3,44":1048,"3,45":1049,"3,46":1050,"3,47":1051,"3,48":1052,"3,49":1053,"3,50":1054,"3,51":1055,"3,52":1056,"3,53":1057,"3,54":1058,"3,55":1059,"3,56":1060,"3,57":1061,"3,58":1062,"3,59":1063,"3,60":1064,"3,61":1065,"3,62":1066,"3,63":1067,"3,64":1068,"3,65":1069,"3,66":1070,"3,67":1071,"3,68":1072,"3,69":1073,"3,70":1074,"3,71":1075,"3,72":1076,"3,73":1077,"3,74":1078,"3,75":1079,"3,76":1080,"3,77":1081,"3,78":1082,"3,79":1083,"3,80":1084,"3,81":1085,"3,82":1086,"3,83":1087,"3,84":1088,"3,85":1089,"3,86":1090,"3,87":1091,"3,88":1092,"3,89":1093,"3,90":1094,"3,91":1095,"3,92":1096,"3,93":1097,"3,94":1098,"3,95":1099,"3,96":1100,"3,97":1101,"3,98":1102,"3,99":1103,"3,100":1104,"3,101":1105,"3,102":1106,"3,103":1107,"3,104":1108,"3,105":1109,"3,106":1110,"3,107":1111,"3,108":1112,"3,109":1113,"3,110":1114,"3,111":1115,"3,112":1116,"3,113":1117,"3,114":1118,"3,115":1119,"3,116":1120,"3,117":1121,"3,118":1122,"3,119":1123,"3,120":1124,"3,121":1125,"3,122":1126,"3,123":1127,"3,124":1128,"3,125":1129,"3,126":1130,"3,127":1131,"3,128":1132,"3,129":1133,"3,130":1134,"3,131":1135,"3,132":1136,"3,133":1137,"3,134":1138,"3,135":1139,"3,136":1140,"3,137":1141,"3,138":1142,"3,139":1143,"3,140":1144,"3,141":1145,"3,142":1146,"3,143":1147,"3,144":1148,"3,145":1149,"3,146":1150,"3,147":1151,"3,148":1152,"3,149":1153,"3,150":1154,"3,151":1155,"3,152":1156,"3,153":1157,"3,154":1158,"3,155":1159,"3,156":1160,"3,157":1161,"3,158":1162,"3,159":1163,"3,160":1164,"3,161":1165,"3,162":1166,"3,163":1167,"3,164":1168,"3,165":1169,"3,166":1170,"3,167":1171,"3,168":1172,"3,169":1173,"3,170":1174,"3,171":1175,"3,172":1176,"3,173":1177,"3,174":1178,"3,175":1179,"3,176":1180,"3,177":1181,"3,178":1182,"3,179":1183,"3,180":1184,"3,181":1185,"3,182":1186,"3,183":1187,"3,184":1188,"3,185":1189,"3,186":1190,"3,187":1191,"3,188":1192,"3,189":1193,"3,190":1194,"3,191":1195,"3,192":1196,"3,193":1197,"3,194":1198,"3,195":1199,"3,196":1200,"3,197":1201,"3,198":1202,"3,199":1203,"3,200":1204,"3,201":1205,"3,202":1206,"3,203":1207,"3,204":1208,"3,205":1209,"3,206":1210,"3,207":1211,"3,208":1212,"3,209":1213,"3,210":1214,"3,211":1215,"3,212":1216,"3,213":1217,"3,214":1218,"3,215":1219,"3,216":1220,"3,217":1221,"3,218":1222,"3,219":1223,"3,220":1224,"3,221":1225,"3,222":1226,"3,223":1227,"3,224":1228,"3,225":1229,"3,226":1230,"3,227":1231,"3,228":1232,"3,229":1233,"3,230":1234,"3,231":1235,"3,235":1236,"3,236":1237,"3,237":1238,"3,238":1239,"3,239":1240,"3,240":1241,"3,241":1242,"3,242":1243,"3,243":1244,"3,244":1245,"3,245":1246,"3,246":1247,"3,247":1248,"3,248":1249,"3,249":1250,"3,250":1251,"3,251":1252,"3,252":1253,"3,253":1254,"3,254":1255,"3,255":1256,"3,256":1257,"3,257":1258,"3,258":1259,"3,259":1260,"3,260":1261,"3,263":1262,"3,264":1263,"3,265":1264,"3,266":1265,"3,267":1266,"3,268":1267,"3,269":1268,"3,270":1269,"3,271":1270,"3,272":1271,"3,273":1272,"3,274":1273,"3,275":1274,"3,276":1275,"3,277":1276,"3,278":1277,"3,279":1278,"3,280":1279,"3,281":1280,"3,282":1281,"3,283":1282,"3,284":1283,"3,285":1284,"3,286":1285,"3,287":1286,"3,288":1287,"3,289":1288,"3,290":1289,"3,291":1290,"3,292":1291,"3,293":1292,"3,294":1293,"3,295":1294,"3,296":1295,"3,297":1296,"3,298":1297,"3,299":1298,"3,300":1299,"3,301":1300,"3,302":1301,"3,303":1302,"3,304":1303,"3,305":1304,"3,306":1305,"3,307":1306,"3,308":1307,"3,309":1308,"3,310":1309,"3,311":1310,"3,312":1311,"3,313":1312,"3,314":1313,"3,315":1314,"3,316":1315,"3,317":1316,"3,318":1317,"3,319":1318,"3,320":1319,"3,321":1320,"3,322":1321,"3,323":1322,"3,324":1323,"3,325":1324,"3,326":1325,"3,327":1326,"3,328":1327,"3,329":1328,"3,330":1329,"3,331":1330,"3,332":1331,"3,333":1332,"3,334":1333,"3,335":1334,"3,336":1335,"3,337":1336,"3,338":1337,"3,339":1338,"3,340":1339,"3,341":1340,"3,342":1341,"3,343":1342,"3,344":1343,"3,345":1344,"3,346":1345,"3,347":1346,"3,348":1347,"3,349":1348,"3,350":1349,"3,351":1350,"3,352":1351,"3,353":1352,"3,354":1353,"3,355":1354,"3,356":1355,"3,357":1356,"3,358":1357,"3,359":1358,"3,360":1359,"3,361":1360,"3,362":1361,"3,363":1362,"3,364":1363,"3,365":1364,"3,366":1365,"3,367":1366,"3,368":1367,"3,369":1368,"3,370":1369,"3,371":1370,"3,372":1371,"3,373":1372,"3,374":1373,"3,375":1374,"3,376":1375,"3,377":1376,"3,378":1377,"3,379":1378,"3,380":1379,"3,381":1380,"3,382":1381,"3,383":1382,"3,384":1383,"3,385":1384,"3,386":1385,"3,387":1386,"3,388":1387,"3,389":1388,"3,390":1389,"3,391":1390,"3,392":1391,"3,393":1392,"3,394":1393,"3,395":1394,"3,396":1395,"3,397":1396,"3,398":1397,"3,399":1398,"3,400":1399,"3,401":1400,"3,402":1401,"3,403":1402,"3,404":1403,"3,405":1404,"3,406":1405,"3,407":1406,"3,408":1407,"3,409":1408,"3,410":1409,"3,411":1410,"3,412":1411,"3,413":1412,"3,414":1413,"3,415":1414,"3,416":1415,"3,417":1416,"3,418":1417,"3,419":1418,"3,420":1419,"3,421":1420,"3,422":1421,"3,423":1422,"3,424":1423,"3,425":1424,"3,426":1425,"3,427":1426,"3,428":1427,"3,429":1428,"3,430":1429,"3,431":1430,"3,432":1431,"3,433":1432,"3,434":1433,"3,435":1434,"3,436":1435,"3,437":1436,"3,438":1437,"3,439":1438,"3,440":1439,"3,441":1440,"3,442":1441,"3,443":1442,"3,444":1443,"3,445":1444,"3,446":1445,"3,447":1446,"3,448":1447,"3,449":1448,"3,450":1449,"3,451":1450,"3,452":1451,"3,453":1452,"3,454":1453,"3,455":1454,"3,456":1455,"3,457":1456,"3,458":1457,"3,459":1458,"3,460":1459,"3,461":1460,"3,462":1461,"3,463":1462,"3,464":1463,"3,465":1464,"3,466":1465,"3,467":1466,"3,468":1467,"3,469":1468,"3,470":1469,"3,471":1470,"3,472":1471,"4,7":1472,"4,8":1473,"4,9":1474,"4,10":1475,"4,11":1476,"4,12":1477,"4,13":1478,"4,14":1479,"4,15":1480,"4,16":1481,"4,17":1482,"4,18":1483,"4,19":1484,"4,20":1485,"4,21":1486,"4,22":1487,"4,23":1488,"4,24":1489,"4,25":1490,"4,26":1491,"4,27":1492,"4,28":1493,"4,29":1494,"4,30":1495,"4,31":1496,"4,32":1497,"4,33":1498,"4,34":1499,"4,35":1500,"4,36":1501,"4,37":1502,"4,38":1503,"4,39":1504,"4,40":1505,"4,41":1506,"4,42":1507,"4,43":1508,"4,44":1509,"4,45":1510,"4,46":1511,"4,47":1512,"4,48":1513,"4,49":1514,"4,50":1515,"4,51":1516,"4,52":1517,"4,53":1518,"4,54":1519,"4,55":1520,"4,56":1521,"4,57":1522,"4,58":1523,"4,59":1524,"4,60":1525,"4,61":1526,"4,62":1527,"4,63":1528,"4,64":1529,"4,65":1530,"4,66":1531,"4,67":1532,"4,68":1533,"4,69":1534,"4,70":1535,"4,71":1536,"4,72":1537,"4,73":1538,"4,74":1539,"4,75":1540,"4,76":1541,"4,77":1542,"4,78":1543,"4,79":1544,"4,80":1545,"4,81":1546,"4,82":1547,"4,83":1548,"4,84":1549,"4,85":1550,"4,86":1551,"4,87":1552,"4,88":1553,"4,89":1554,"4,90":1555,"4,91":1556,"4,92":1557,"4,93":1558,"4,94":1559,"4,95":1560,"4,96":1561,"4,97":1562,"4,98":1563,"4,99":1564,"4,100":1565,"4,101":1566,"4,102":1567,"4,103":1568,"4,104":1569,"4,105":1570,"4,106":1571,"4,107":1572,"4,108":1573,"4,109":1574,"4,110":1575,"4,111":1576,"4,112":1577,"4,113":1578,"4,114":1579,"4,115":1580,"4,116":1581,"4,117":1582,"4,118":1583,"4,119":1584,"4,120":1585,"4,121":1586,"4,122":1587,"4,123":1588,"4,124":1589,"4,125":1590,"4,126":1591,"4,127":1592,"4,128":1593,"4,129":1594,"4,130":1595,"4,131":1596,"4,132":1597,"4,133":1598,"4,134":1599,"4,135":1600,"4,136":1601,"4,137":1602,"4,138":1603,"4,139":1604,"4,140":1605,"4,141":1606,"4,142":1607,"4,143":1608,"4,144":1609,"4,145":1610,"4,146":1611,"4,147":1612,"4,148":1613,"4,149":1614,"4,150":1615,"4,151":1616,"4,152":1617,"4,153":1618,"4,154":1619,"4,155":1620,"4,156":1621,"4,157":1622,"4,158":1623,"4,159":1624,"4,160":1625,"4,161":1626,"4,162":1627,"4,163":1628,"4,164":1629,"4,165":1630,"4,166":1631,"4,167":1632,"4,168":1633,"4,169":1634,"4,170":1635,"4,171":1636,"4,172":1637,"4,173":1638,"4,174":1639,"4,175":1640,"4,176":1641,"4,177":1642,"4,178":1643,"4,179":1644,"4,180":1645,"4,181":1646,"4,182":1647,"4,183":1648,"4,184":1649,"4,185":1650,"4,186":1651,"4,187":1652,"4,188":1653,"4,189":1654,"4,190":1655,"4,191":1656,"4,192":1657,"4,193":1658,"4,194":1659,"4,195":1660,"4,196":1661,"4,197":1662,"4,198":1663,"4,199":1664,"4,200":1665,"4,201":1666,"4,202":1667,"4,203":1668,"4,204":1669,"4,205":1670,"4,206":1671,"4,207":1672,"4,208":1673,"4,209":1674,"4,210":1675,"4,211":1676,"4,212":1677,"4,213":1678,"4,214":1679,"4,215":1680,"4,216":1681,"4,217":1682,"4,218":1683,"4,219":1684,"4,220":1685,"4,221":1686,"4,225":1687,"4,226":1688,"4,227":1689,"4,228":1690,"4,229":1691,"4,230":1692,"4,231":1693,"4,232":1694,"4,233":1695,"4,234":1696,"4,235":1697,"4,236":1698,"4,237":1699,"4,238":1700,"4,239":1701,"4,240":1702,"4,241":1703,"4,242":1704,"4,243":1705,"4,244":1706,"4,245":1707,"4,246":1708,"4,247":1709,"4,248":1710,"4,249":1711,"4,250":1712,"4,251":1713,"4,252":1714,"4,253":1715,"4,254":1716,"4,255":1717,"4,256":1718,"4,257":1719,"4,258":1720,"4,259":1721,"4,260":1722,"4,261":1723,"4,262":1724,"4,263":1725,"4,264":1726,"4,265":1727,"4,266":1728,"4,267":1729,"4,268":1730,"4,269":1731,"4,270":1732,"4,271":1733,"4,272":1734,"4,273":1735,"4,274":1736,"4,275":1737,"4,276":1738,"4,277":1739,"4,278":1740,"4,279":1741,"4,280":1742,"4,281":1743,"4,282":1744,"4,283":1745,"4,284":1746,"4,285":1747,"4,286":1748,"4,287":1749,"4,288":1750,"4,289":1751,"4,290":1752,"4,291":1753,"4,292":1754,"4,293":1755,"4,294":1756,"4,295":1757,"4,296":1758,"4,297":1759,"4,298":1760,"4,299":1761,"4,300":1762,"4,301":1763,"4,302":1764,"4,303":1765,"4,304":1766,"4,305":1767,"4,309":1768,"4,310":1769,"4,311":1770,"4,312":1771,"4,313":1772,"4,314":1773,"4,315":1774,"4,316":1775,"4,317":1776,"4,318":1777,"4,319":1778,"4,320":1779,"4,321":1780,"4,322":1781,"4,323":1782,"4,324":1783,"4,325":1784,"4,326":1785,"4,327":1786,"4,328":1787,"4,329":1788,"4,330":1789,"4,331":1790,"4,332":1791,"4,333":1792,"4,334":1793,"4,335":1794,"4,336":1795,"4,337":1796,"4,338":1797,"4,339":1798,"4,340":1799,"4,341":1800,"4,342":1801,"4,343":1802,"4,344":1803,"4,345":1804,"4,346":1805,"4,347":1806,"4,348":1807,"4,349":1808,"4,350":1809,"4,351":1810,"4,352":1811,"4,353":1812,"4,354":1813,"4,355":1814,"4,356":1815,"4,357":1816,"4,358":1817,"4,359":1818,"4,360":1819,"4,361":1820,"4,362":1821,"4,363":1822,"4,364":1823,"4,365":1824,"4,366":1825,"4,367":1826,"4,368":1827,"4,369":1828,"4,370":1829,"4,371":1830,"4,372":1831,"4,373":1832,"4,374":1833,"4,375":1834,"4,376":1835,"4,377":1836,"4,378":1837,"4,379":1838,"4,380":1839,"4,381":1840,"4,382":1841,"4,383":1842,"4,384":1843,"4,385":1844,"4,386":1845,"4,387":1846,"4,388":1847,"4,389":1848,"4,390":1849,"4,391":1850,"4,392":1851,"4,393":1852,"4,394":1853,"4,395":1854,"4,396":1855,"4,397":1856,"4,398":1857,"4,399":1858,"4,400":1859,"4,401":1860,"4,402":1861,"4,403":1862,"4,404":1863,"4,405":1864,"4,406":1865,"4,407":1866,"4,408":1867,"4,409":1868,"4,410":1869,"4,411":1870,"4,412":1871,"4,413":1872,"4,414":1873,"4,415":1874,"4,416":1875,"4,417":1876,"4,418":1877,"4,419":1878,"4,420":1879,"4,421":1880,"4,422":1881,"4,423":1882,"4,424":1883,"4,425":1884,"4,426":1885,"4,427":1886,"4,428":1887,"4,429":1888,"4,430":1889,"4,431":1890,"4,432":1891,"4,433":1892,"4,434":1893,"4,435":1894,"4,436":1895,"4,437":1896,"4,438":1897,"4,439":1898,"4,440":1899,"4,441":1900,"4,442":1901,"4,443":1902,"4,444":1903,"4,445":1904,"4,446":1905,"4,447":1906,"4,448":1907,"4,449":1908,"4,450":1909,"4,451":1910,"4,452":1911,"4,453":1912,"4,454":1913,"4,455":1914,"4,456":1915,"4,457":1916,"4,458":1917,"4,459":1918,"4,460":1919,"4,461":1920,"4,462":1921,"4,463":1922,"4,464":1923,"4,465":1924,"4,466":1925,"4,467":1926,"4,468":1927,"4,469":1928,"4,470":1929,"4,471":1930,"4,472":1931,"4,473":1932,"4,474":1933,"4,475":1934,"4,476":1935,"5,7":1936,"5,8":1937,"5,9":1938,"5,10":1939,"5,11":1940,"5,12":1941,"5,13":1942,"5,14":1943,"5,15":1944,"5,16":1945,"5,17":1946,"5,18":1947,"5,19":1948,"5,20":1949,"5,21":1950,"5,22":1951,"5,23":1952,"5,24":1953,"5,25":1954,"5,26":1955,"5,27":1956,"5,28":1957,"5,29":1958,"5,30":1959,"5,31":1960,"5,32":1961,"5,33":1962,"5,34":1963,"5,35":1964,"5,36":1965,"5,37":1966,"5,38":1967,"5,39":1968,"5,40":1969,"5,41":1970,"5,42":1971,"5,43":1972,"5,44":1973,"5,45":1974,"5,46":1975,"5,47":1976,"5,48":1977,"5,49":1978,"5,50":1979,"5,51":1980,"5,52":1981,"5,53":1982,"5,54":1983,"5,55":1984,"5,56":1985,"5,57":1986,"5,58":1987,"5,59":1988,"5,60":1989,"5,61":1990,"5,62":1991,"5,63":1992,"5,64":1993,"5,65":1994,"5,66":1995,"5,67":1996,"5,68":1997,"5,69":1998,"5,70":1999,"5,71":2000,"5,72":2001,"5,73":2002,"5,74":2003,"5,75":2004,"5,76":2005,"5,77":2006,"5,78":2007,"5,79":2008,"5,80":2009,"5,81":2010,"5,82":2011,"5,83":2012,"5,84":2013,"5,85":2014,"5,86":2015,"5,87":2016,"5,88":2017,"5,89":2018,"5,90":2019,"5,91":2020,"5,92":2021,"5,93":2022,"5,94":2023,"5,95":2024,"5,96":2025,"5,97":2026,"5,98":2027,"5,99":2028,"5,100":2029,"5,101":2030,"5,102":2031,"5,103":2032,"5,104":2033,"5,105":2034,"5,106":2035,"5,107":2036,"5,108":2037,"5,109":2038,"5,110":2039,"5,111":2040,"5,112":2041,"5,113":2042,"5,117":2043,"5,118":2044,"5,119":2045,"5,120":2046,"5,121":2047,"5,122":2048,"5,123":2049,"5,124":2050,"5,125":2051,"5,126":2052,"5,127":2053,"5,128":2054,"5,129":2055,"5,130":2056,"5,131":2057,"5,132":2058,"5,133":2059,"5,134":2060,"5,135":2061,"5,136":2062,"5,137":2063,"5,138":2064,"5,139":2065,"5,140":2066,"5,141":2067,"5,142":2068,"5,143":2069,"5,144":2070,"5,145":2071,"5,146":2072,"5,147":2073,"5,148":2074,"5,149":2075,"5,150":2076,"5,151":2077,"5,152":2078,"5,153":2079,"5,154":2080,"5,155":2081,"5,156":2082,"5,157":2083,"5,158":2084,"5,159":2085,"5,160":2086,"5,161":2087,"5,162":2088,"5,163":2089,"5,164":2090,"5,165":2091,"5,166":2092,"5,167":2093,"5,168":2094,"5,169":2095,"5,170":2096,"5,171":2097,"5,172":2098,"5,173":2099,"5,174":2100,"5,175":2101,"5,176":2102,"5,177":2103,"5,178":2104,"5,179":2105,"5,180":2106,"5,181":2107,"5,182":2108,"5,183":2109,"5,184":2110,"5,185":2111,"5,186":2112,"5,187":2113,"5,188":2114,"5,189":2115,"5,190":2116,"5,191":2117,"5,192":2118,"5,193":2119,"5,194":2120,"5,195":2121,"5,196":2122,"5,197":2123,"5,198":2124,"5,199":2125,"5,200":2126,"5,201":2127,"5,202":2128,"5,203":2129,"5,204":2130,"5,205":2131,"5,206":2132,"5,207":2133,"5,208":2134,"5,209":2135,"5,210":2136,"5,211":2137,"5,212":2138,"5,213":2139,"5,214":2140,"5,215":2141,"5,216":2142,"5,217":2143,"5,218":2144,"5,219":2145,"5,220":2146,"5,221":2147,"5,222":2148,"5,223":2149,"5,224":2150,"5,225":2151,"5,226":2152,"5,227":2153,"5,228":2154,"5,229":2155,"5,230":2156,"5,231":2157,"5,232":2158,"5,233":2159,"5,234":2160,"5,237":2161,"5,238":2162,"5,239":2163,"5,240":2164,"5,241":2165,"5,242":2166,"5,243":2167,"5,244":2168,"5,245":2169,"5,246":2170,"5,247":2171,"5,248":2172,"5,249":2173,"5,250":2174,"5,251":2175,"5,252":2176,"5,253":2177,"5,254":2178,"5,255":2179,"5,256":2180,"5,257":2181,"5,258":2182,"5,259":2183,"5,260":2184,"5,261":2185,"5,262":2186,"5,263":2187,"5,264":2188,"5,265":2189,"5,266":2190,"5,267":2191,"5,268":2192,"5,269":2193,"5,270":2194,"5,271":2195,"5,272":2196,"5,273":2197,"5,274":2198,"5,275":2199,"5,276":2200,"5,277":2201,"5,278":2202,"5,279":2203,"5,280":2204,"5,281":2205,"5,282":2206,"5,283":2207,"5,284":2208,"5,285":2209,"5,286":2210,"5,287":2211,"5,288":2212,"5,289":2213,"5,290":2214,"5,291":2215,"5,292":2216,"5,293":2217,"5,294":2218,"5,295":2219,"5,296":2220,"5,297":2221,"5,298":2222,"5,299":2223,"5,300":2224,"5,301":2225,"5,302":2226,"5,303":2227,"5,304":2228,"5,305":2229,"5,306":2230,"5,307":2231,"5,308":2232,"5,309":2233,"5,310":2234,"5,311":2235,"5,312":2236,"5,313":2237,"5,314":2238,"5,315":2239,"5,316":2240,"5,317":2241,"5,318":2242,"5,319":2243,"5,320":2244,"5,321":2245,"5,322":2246,"5,323":2247,"5,324":2248,"5,325":2249,"5,326":2250,"5,327":2251,"5,328":2252,"5,329":2253,"5,330":2254,"5,331":2255,"5,332":2256,"5,333":2257,"5,334":2258,"5,335":2259,"5,336":2260,"5,337":2261,"5,338":2262,"5,339":2263,"5,340":2264,"5,341":2265,"5,342":2266,"5,343":2267,"5,344":2268,"5,345":2269,"5,346":2270,"5,347":2271,"5,348":2272,"5,349":2273,"5,350":2274,"5,351":2275,"5,352":2276,"5,353":2277,"5,354":2278,"5,355":2279,"5,356":2280,"5,357":2281,"5,358":2282,"5,361":2283,"5,362":2284,"5,363":2285,"5,364":2286,"5,365":2287,"5,366":2288,"5,367":2289,"5,368":2290,"5,369":2291,"5,370":2292,"5,371":2293,"5,372":2294,"5,373":2295,"5,374":2296,"5,375":2297,"5,376":2298,"5,377":2299,"5,378":2300,"5,379":2301,"5,380":2302,"5,381":2303,"5,382":2304,"5,383":2305,"5,384":2306,"5,385":2307,"5,386":2308,"5,387":2309,"5,388":2310,"5,389":2311,"5,390":2312,"5,391":2313,"5,392":2314,"5,393":2315,"5,394":2316,"5,395":2317,"5,396":2318,"5,397":2319,"5,398":2320,"5,399":2321,"5,400":2322,"5,401":2323,"5,402":2324,"5,403":2325,"5,404":2326,"5,405":2327,"5,406":2328,"5,407":2329,"5,408":2330,"5,409":2331,"5,410":2332,"5,411":2333,"5,412":2334,"5,413":2335,"5,414":2336,"5,415":2337,"5,419":2338,"5,420":2339,"5,421":2340,"5,422":2341,"5,423":2342,"5,424":2343,"5,425":2344,"5,426":2345,"5,427":2346,"5,428":2347,"5,429":2348,"5,430":2349,"5,431":2350,"5,432":2351,"5,433":2352,"5,434":2353,"5,435":2354,"5,436":2355,"5,437":2356,"5,438":2357,"5,439":2358,"5,440":2359,"5,441":2360,"5,442":2361,"5,443":2362,"5,444":2363,"5,445":2364,"5,446":2365,"5,447":2366,"5,448":2367,"5,449":2368,"5,450":2369,"5,451":2370,"5,452":2371,"5,453":2372,"5,454":2373,"5,455":2374,"5,456":2375,"5,457":2376,"5,458":2377,"5,459":2378,"5,460":2379,"5,461":2380,"5,462":2381,"5,463":2382,"5,464":2383,"5,465":2384,"5,466":2385,"5,467":2386,"5,468":2387,"5,469":2388,"5,470":2389,"5,471":2390,"5,472":2391,"5,473":2392,"5,474":2393,"5,475":2394,"5,476":2395,"5,477":2396,"5,478":2397,"5,479":2398,"5,480":2399,"5,483":2400,"5,484":2401,"5,485":2402,"5,486":2403,"5,487":2404,"5,488":2405,"5,489":2406,"5,490":2407,"5,491":2408,"5,492":2409,"5,493":2410,"5,494":2411,"5,495":2412,"5,496":2413,"5,497":2414,"5,498":2415,"5,499":2416,"5,500":2417,"5,501":2418,"5,502":2419,"5,503":2420,"5,504":2421,"5,505":2422,"5,506":2423,"5,507":2424,"5,508":2425,"5,509":2426,"5,510":2427,"5,511":2428,"5,512":2429,"5,513":2430,"5,514":2431,"5,515":2432,"5,516":2433,"5,517":2434,"5,518":2435,"5,519":2436,"5,520":2437,"5,521":2438,"5,522":2439,"5,523":2440,"5,524":2441,"5,525":2442,"5,526":2443,"5,527":2444,"5,528":2445,"5,529":2446,"5,530":2447,"5,531":2448,"5,532":2449,"5,533":2450,"5,534":2451,"5,535":2452,"5,536":2453,"5,537":2454,"5,538":2455,"5,539":2456,"5,540":2457,"6,7":2458,"6,8":2459,"6,9":2460,"6,10":2461,"6,11":2462,"6,12":2463,"6,13":2464,"6,14":2465,"6,15":2466,"6,16":2467,"6,17":2468,"6,18":2469,"6,19":2470,"6,20":2471,"6,21":2472,"6,22":2473,"6,23":2474,"6,24":2475,"6,25":2476,"6,26":2477,"6,27":2478,"6,28":2479,"6,29":2480,"6,30":2481,"6,31":2482,"6,32":2483,"6,33":2484,"6,34":2485,"6,35":2486,"6,36":2487,"6,37":2488,"6,38":2489,"6,39":2490,"6,40":2491,"6,41":2492,"6,42":2493,"6,43":2494,"6,44":2495,"6,45":2496,"6,46":2497,"6,47":2498,"6,48":2499,"6,49":2500,"6,50":2501,"6,51":2502,"6,52":2503,"6,53":2504,"6,54":2505,"6,55":2506,"6,56":2507,"6,57":2508,"6,58":2509,"6,59":2510,"6,60":2511,"6,61":2512,"6,62":2513,"6,63":2514,"6,64":2515,"6,65":2516,"6,66":2517,"6,67":2518,"6,68":2519,"6,69":2520,"6,70":2521,"6,71":2522,"6,72":2523,"6,73":2524,"6,74":2525,"6,75":2526,"6,76":2527,"6,77":2528,"6,78":2529,"6,79":2530,"6,80":2531,"6,81":2532,"6,82":2533,"6,83":2534,"6,84":2535,"6,85":2536,"6,86":2537,"6,87":2538,"6,88":2539,"6,89":2540,"6,90":2541,"6,91":2542,"6,92":2543,"6,93":2544,"6,94":2545,"6,95":2546,"6,96":2547,"6,97":2548,"6,98":2549,"6,99":2550,"6,100":2551,"6,101":2552,"6,102":2553,"6,103":2554,"6,104":2555,"6,105":2556,"6,106":2557,"6,107":2558,"6,108":2559,"6,109":2560,"6,110":2561,"6,111":2562,"6,112":2563,"6,113":2564,"6,114":2565,"6,115":2566,"6,116":2567,"6,117":2568,"6,118":2569,"6,119":2570,"6,123":2571,"6,124":2572,"6,125":2573,"6,126":2574,"6,127":2575,"6,128":2576,"6,129":2577,"6,130":2578,"6,131":2579,"6,132":2580,"6,133":2581,"6,134":2582,"6,135":2583,"6,136":2584,"6,137":2585,"6,138":2586,"6,139":2587,"6,140":2588,"6,141":2589,"6,142":2590,"6,143":2591,"6,144":2592,"6,145":2593,"6,146":2594,"6,147":2595,"6,148":2596,"6,149":2597,"6,150":2598,"6,151":2599,"6,152":2600,"6,153":2601,"6,154":2602,"6,155":2603,"6,156":2604,"6,157":2605,"6,158":2606,"6,159":2607,"6,160":2608,"6,161":2609,"6,162":2610,"6,163":2611,"6,164":2612,"6,165":2613,"6,166":2614,"6,167":2615,"6,168":2616,"6,169":2617,"6,170":2618,"6,171":2619,"6,172":2620,"6,173":2621,"6,174":2622,"6,175":2623,"6,176":2624,"6,177":2625,"6,178":2626,"6,179":2627,"6,180":2628,"6,181":2629,"6,182":2630,"6,183":2631,"6,184":2632,"6,185":2633,"6,186":2634,"6,187":2635,"6,188":2636,"6,189":2637,"6,190":2638,"6,191":2639,"6,192":2640,"6,193":2641,"6,194":2642,"6,195":2643,"6,196":2644,"6,197":2645,"6,198":2646,"6,199":2647,"6,200":2648,"6,201":2649,"6,202":2650,"6,203":2651,"6,204":2652,"6,205":2653,"6,206":2654,"6,207":2655,"6,208":2656,"6,209":2657,"6,210":2658,"6,211":2659,"6,212":2660,"6,213":2661,"6,214":2662,"6,215":2663,"6,216":2664,"6,217":2665,"6,221":2666,"6,222":2667,"6,223":2668,"6,224":2669,"6,225":2670,"6,226":2671,"6,227":2672,"6,228":2673,"6,229":2674,"6,230":2675,"6,231":2676,"6,232":2677,"6,233":2678,"6,234":2679,"6,235":2680,"6,236":2681,"6,237":2682,"6,238":2683,"6,239":2684,"6,240":2685,"6,241":2686,"6,242":2687,"6,243":2688,"6,244":2689,"6,245":2690,"6,246":2691,"6,247":2692,"6,248":2693,"6,249":2694,"6,250":2695,"6,251":2696,"6,252":2697,"6,253":2698,"6,254":2699,"6,255":2700,"6,256":2701,"6,257":2702,"6,258":2703,"6,259":2704,"6,260":2705,"6,261":2706,"6,262":2707,"6,263":2708,"6,264":2709,"6,265":2710,"6,266":2711,"6,267":2712,"6,268":2713,"6,269":2714,"6,270":2715,"6,271":2716,"6,272":2717,"6,273":2718,"6,274":2719,"6,275":2720,"6,276":2721,"6,277":2722,"6,278":2723,"6,279":2724,"6,280":2725,"6,281":2726,"6,282":2727,"6,283":2728,"6,284":2729,"6,285":2730,"6,286":2731,"6,287":2732,"6,288":2733,"6,289":2734,"6,290":2735,"6,291":2736,"6,292":2737,"6,293":2738,"6,294":2739,"6,295":2740,"6,296":2741,"6,297":2742,"6,298":2743,"6,299":2744,"6,300":2745,"6,301":2746,"6,302":2747,"6,303":2748,"6,304":2749,"6,305":2750,"6,306":2751,"6,307":2752,"6,308":2753,"6,309":2754,"6,310":2755,"6,311":2756,"6,312":2757,"6,313":2758,"6,314":2759,"6,315":2760,"6,316":2761,"6,317":2762,"6,318":2763,"6,319":2764,"6,320":2765,"6,321":2766,"6,322":2767,"6,323":2768,"6,324":2769,"6,325":2770,"6,326":2771,"6,327":2772,"6,328":2773,"6,329":2774,"6,330":2775,"6,331":2776,"6,332":2777,"6,333":2778,"6,334":2779,"6,335":2780,"6,336":2781,"6,339":2782,"6,340":2783,"6,341":2784,"6,342":2785,"6,343":2786,"6,344":2787,"6,345":2788,"6,346":2789,"6,347":2790,"6,348":2791,"6,349":2792,"6,350":2793,"6,351":2794,"6,352":2795,"6,353":2796,"6,354":2797,"6,355":2798,"6,356":2799,"6,357":2800,"6,358":2801,"6,359":2802,"6,360":2803,"6,361":2804,"6,362":2805,"6,363":2806,"6,364":2807,"6,365":2808,"6,366":2809,"6,367":2810,"6,368":2811,"6,369":2812,"6,370":2813,"6,371":2814,"6,372":2815,"6,373":2816,"6,374":2817,"6,375":2818,"6,376":2819,"6,377":2820,"6,378":2821,"6,379":2822,"6,380":2823,"6,381":2824,"6,382":2825,"6,383":2826,"6,384":2827,"6,385":2828,"6,386":2829,"6,387":2830,"6,388":2831,"6,389":2832,"6,390":2833,"6,391":2834,"6,392":2835,"6,393":2836,"6,394":2837,"6,395":2838,"6,396":2839,"6,397":2840,"6,398":2841,"6,399":2842,"6,400":2843,"6,401":2844,"6,402":2845,"6,403":2846,"6,404":2847,"6,407":2848,"6,408":2849,"6,409":2850,"6,410":2851,"6,411":2852,"6,412":2853,"6,413":2854,"6,414":2855,"6,415":2856,"6,416":2857,"6,417":2858,"6,418":2859,"6,419":2860,"6,420":2861,"6,421":2862,"6,422":2863,"6,423":2864,"6,424":2865,"6,425":2866,"6,426":2867,"6,427":2868,"6,428":2869,"6,429":2870,"6,430":2871,"6,431":2872,"6,432":2873,"6,433":2874,"6,434":2875,"6,435":2876,"6,436":2877,"6,437":2878,"6,438":2879,"6,439":2880,"6,440":2881,"6,441":2882,"6,442":2883,"6,443":2884,"6,444":2885,"6,445":2886,"6,446":2887,"6,447":2888,"6,448":2889,"6,449":2890,"6,450":2891,"6,451":2892,"6,452":2893,"6,453":2894,"6,454":2895,"6,455":2896,"6,456":2897,"6,457":2898,"6,458":2899,"6,459":2900,"6,460":2901,"6,461":2902,"6,462":2903,"6,463":2904,"6,464":2905,"6,465":2906,"6,466":2907,"6,467":2908,"6,468":2909,"6,469":2910,"6,470":2911,"6,471":2912,"6,472":2913,"6,473":2914,"6,474":2915,"6,475":2916,"6,476":2917,"6,477":2918,"6,478":2919,"6,479":2920,"6,480":2921,"6,481":2922,"6,482":2923,"6,483":2924,"6,484":2925,"6,485":2926,"6,486":2927,"6,487":2928,"6,488":2929,"6,489":2930,"6,490":2931,"6,491":2932,"6,492":2933,"6,493":2934,"6,494":2935,"6,495":2936,"6,496":2937,"6,497":2938,"6,498":2939,"6,499":2940,"6,500":2941,"6,501":2942,"6,502":2943,"6,503":2944,"6,504":2945,"6,505":2946,"6,506":2947,"6,507":2948,"6,508":2949,"6,509":2950,"6,510":2951,"7,7":2952,"7,8":2953,"7,9":2954,"7,10":2955,"7,11":2956,"7,12":2957,"7,13":2958,"7,14":2959,"7,15":2960,"7,16":2961,"7,17":2962,"7,18":2963,"7,19":2964,"7,20":2965,"7,21":2966,"7,22":2967,"7,23":2968,"7,24":2969,"7,25":2970,"7,26":2971,"7,27":2972,"7,28":2973,"7,29":2974,"7,30":2975,"7,31":2976,"7,32":2977,"7,33":2978,"7,34":2979,"7,35":2980,"7,36":2981,"7,37":2982,"7,38":2983,"7,39":2984,"7,40":2985,"7,41":2986,"7,42":2987,"7,43":2988,"7,44":2989,"7,45":2990,"7,46":2991,"7,47":2992,"7,48":2993,"7,49":2994,"7,50":2995,"7,51":2996,"7,52":2997,"7,53":2998,"7,54":2999,"7,55":3000,"7,56":3001,"7,57":3002,"7,58":3003,"7,59":3004,"7,60":3005,"7,61":3006,"7,62":3007,"7,63":3008,"7,64":3009,"7,65":3010,"7,66":3011,"7,67":3012,"7,68":3013,"7,69":3014,"7,70":3015,"7,71":3016,"7,72":3017,"7,73":3018,"7,74":3019,"7,75":3020,"7,76":3021,"7,77":3022,"7,78":3023,"7,79":3024,"7,80":3025,"7,81":3026,"7,82":3027,"7,83":3028,"7,84":3029,"7,87":3030,"7,88":3031,"7,89":3032,"7,90":3033,"7,91":3034,"7,92":3035,"7,93":3036,"7,94":3037,"7,95":3038,"7,96":3039,"7,97":3040,"7,98":3041,"7,99":3042,"7,100":3043,"7,101":3044,"7,102":3045,"7,103":3046,"7,104":3047,"7,105":3048,"7,106":3049,"7,107":3050,"7,108":3051,"7,109":3052,"7,110":3053,"7,111":3054,"7,112":3055,"7,113":3056,"7,114":3057,"7,115":3058,"7,116":3059,"7,117":3060,"7,118":3061,"7,119":3062,"7,120":3063,"7,121":3064,"7,122":3065,"7,123":3066,"7,124":3067,"7,125":3068,"7,126":3069,"7,127":3070,"7,128":3071,"7,129":3072,"7,130":3073,"7,131":3074,"7,132":3075,"7,133":3076,"7,134":3077,"7,135":3078,"7,136":3079,"7,137":3080,"7,138":3081,"7,139":3082,"7,140":3083,"7,141":3084,"7,142":3085,"7,143":3086,"7,144":3087,"7,145":3088,"7,146":3089,"7,147":3090,"7,148":3091,"7,149":3092,"7,150":3093,"7,151":3094,"7,152":3095,"7,153":3096,"7,154":3097,"7,155":3098,"7,156":3099,"7,157":3100,"7,158":3101,"7,159":3102,"7,160":3103,"7,161":3104,"7,162":3105,"7,165":3106,"7,166":3107,"7,167":3108,"7,168":3109,"7,169":3110,"7,170":3111,"7,171":3112,"7,172":3113,"7,173":3114,"7,174":3115,"7,175":3116,"7,176":3117,"7,177":3118,"7,178":3119,"7,179":3120,"7,180":3121,"7,181":3122,"7,182":3123,"7,183":3124,"7,184":3125,"7,185":3126,"7,186":3127,"7,187":3128,"7,188":3129,"7,189":3130,"7,190":3131,"7,191":3132,"7,192":3133,"7,193":3134,"7,194":3135,"7,195":3136,"7,196":3137,"7,197":3138,"7,198":3139,"7,199":3140,"7,200":3141,"7,201":3142,"7,202":3143,"7,203":3144,"7,204":3145,"7,205":3146,"7,206":3147,"7,207":3148,"7,208":3149,"7,209":3150,"7,210":3151,"7,211":3152,"7,212":3153,"7,213":3154,"7,214":3155,"7,215":3156,"7,216":3157,"7,217":3158,"7,218":3159,"7,219":3160,"7,220":3161,"7,221":3162,"7,222":3163,"7,223":3164,"7,224":3165,"7,225":3166,"7,226":3167,"7,227":3168,"7,228":3169,"7,229":3170,"7,230":3171,"7,231":3172,"7,232":3173,"7,233":3174,"7,237":3175,"7,238":3176,"7,239":3177,"7,240":3178,"7,241":3179,"7,242":3180,"7,243":3181,"7,244":3182,"7,245":3183,"7,246":3184,"7,247":3185,"7,248":3186,"7,249":3187,"7,250":3188,"7,251":3189,"7,252":3190,"7,253":3191,"7,254":3192,"7,255":3193,"7,256":3194,"7,257":3195,"7,258":3196,"7,259":3197,"7,260":3198,"7,261":3199,"7,262":3200,"7,263":3201,"7,264":3202,"7,265":3203,"7,266":3204,"7,267":3205,"7,268":3206,"7,269":3207,"7,270":3208,"7,271":3209,"7,272":3210,"7,273":3211,"7,274":3212,"7,275":3213,"7,276":3214,"7,277":3215,"7,278":3216,"7,279":3217,"7,280":3218,"7,281":3219,"7,282":3220,"7,283":3221,"7,284":3222,"7,285":3223,"7,286":3224,"7,287":3225,"7,288":3226,"7,289":3227,"7,290":3228,"7,291":3229,"7,292":3230,"7,293":3231,"7,294":3232,"7,295":3233,"7,296":3234,"7,297":3235,"7,298":3236,"7,299":3237,"7,300":3238,"7,301":3239,"7,302":3240,"7,303":3241,"7,304":3242,"7,305":3243,"7,309":3244,"7,310":3245,"7,311":3246,"7,312":3247,"7,313":3248,"7,314":3249,"7,315":3250,"7,316":3251,"7,317":3252,"7,318":3253,"7,319":3254,"7,320":3255,"7,321":3256,"7,322":3257,"7,323":3258,"7,324":3259,"7,325":3260,"7,326":3261,"7,327":3262,"7,328":3263,"7,329":3264,"7,330":3265,"7,331":3266,"7,332":3267,"7,333":3268,"7,334":3269,"7,335":3270,"7,336":3271,"7,337":3272,"7,338":3273,"7,339":3274,"7,340":3275,"7,341":3276,"7,342":3277,"7,343":3278,"7,344":3279,"7,345":3280,"7,346":3281,"7,347":3282,"7,348":3283,"7,349":3284,"7,350":3285,"7,351":3286,"7,352":3287,"7,353":3288,"7,354":3289,"7,355":3290,"7,356":3291,"7,357":3292,"7,358":3293,"7,359":3294,"7,363":3295,"7,364":3296,"7,365":3297,"7,366":3298,"7,367":3299,"7,368":3300,"7,369":3301,"7,370":3302,"7,371":3303,"7,372":3304,"7,373":3305,"7,374":3306,"7,375":3307,"7,376":3308,"7,377":3309,"7,378":3310,"7,379":3311,"7,380":3312,"7,381":3313,"7,382":3314,"7,383":3315,"7,384":3316,"7,385":3317,"7,386":3318,"7,387":3319,"7,388":3320,"7,389":3321,"7,390":3322,"7,391":3323,"7,392":3324,"7,393":3325,"7,394":3326,"7,395":3327,"7,396":3328,"7,397":3329,"7,398":3330,"7,399":3331,"7,400":3332,"7,401":3333,"7,402":3334,"7,403":3335,"7,404":3336,"7,405":3337,"7,406":3338,"7,407":3339,"7,408":3340,"7,409":3341,"7,410":3342,"7,411":3343,"7,412":3344,"7,413":3345,"7,414":3346,"7,415":3347,"7,416":3348,"7,417":3349,"7,418":3350,"7,419":3351,"7,420":3352,"7,421":3353,"7,422":3354,"7,423":3355,"7,424":3356,"7,425":3357,"7,426":3358,"7,427":3359,"7,428":3360,"7,429":3361,"7,430":3362,"7,431":3363,"7,432":3364,"7,433":3365,"7,434":3366,"7,435":3367,"7,436":3368,"7,437":3369,"7,441":3370,"7,442":3371,"7,443":3372,"7,444":3373,"7,445":3374,"7,446":3375,"7,447":3376,"7,448":3377,"7,449":3378,"7,450":3379,"7,451":3380,"7,452":3381,"7,453":3382,"7,454":3383,"7,455":3384,"7,456":3385,"7,457":3386,"7,458":3387,"7,459":3388,"7,460":3389,"7,461":3390,"7,462":3391,"7,463":3392,"7,464":3393,"7,465":3394,"7,466":3395,"7,467":3396,"7,468":3397,"7,469":3398,"7,470":3399,"7,471":3400,"7,472":3401,"7,473":3402,"7,474":3403,"7,475":3404,"7,476":3405,"7,477":3406,"7,478":3407,"7,479":3408,"7,480":3409,"7,481":3410,"7,482":3411,"7,483":3412,"7,484":3413,"7,485":3414,"7,486":3415,"7,487":3416,"7,488":3417,"7,489":3418,"7,490":3419,"7,491":3420,"7,492":3421,"7,493":3422,"7,494":3423,"7,495":3424,"7,496":3425,"7,497":3426,"7,498":3427,"7,499":3428,"7,500":3429,"7,501":3430,"7,502":3431,"7,503":3432,"8,7":3433,"8,8":3434,"8,9":3435,"8,10":3436,"8,11":3437,"8,12":3438,"8,13":3439,"8,14":3440,"8,15":3441,"8,16":3442,"8,17":3443,"8,18":3444,"8,19":3445,"8,20":3446,"8,21":3447,"8,22":3448,"8,23":3449,"8,24":3450,"8,25":3451,"8,26":3452,"8,27":3453,"8,28":3454,"8,29":3455,"8,30":3456,"8,31":3457,"8,32":3458,"8,33":3459,"8,34":3460,"8,35":3461,"8,36":3462,"8,37":3463,"8,38":3464,"8,39":3465,"8,40":3466,"8,41":3467,"8,42":3468,"8,43":3469,"8,44":3470,"8,45":3471,"8,46":3472,"8,47":3473,"8,48":3474,"8,49":3475,"8,50":3476,"8,51":3477,"8,52":3478,"8,53":3479,"8,54":3480,"8,55":3481,"8,56":3482,"8,57":3483,"8,58":3484,"8,59":3485,"8,60":3486,"8,61":3487,"8,62":3488,"8,63":3489,"8,64":3490,"8,65":3491,"8,69":3492,"8,70":3493,"8,71":3494,"8,72":3495,"8,73":3496,"8,74":3497,"8,75":3498,"8,76":3499,"8,77":3500,"8,78":3501,"8,79":3502,"8,80":3503,"8,81":3504,"8,82":3505,"8,83":3506,"8,84":3507,"8,85":3508,"8,86":3509,"8,87":3510,"8,88":3511,"8,89":3512,"8,90":3513,"8,91":3514,"8,92":3515,"8,93":3516,"8,94":3517,"8,95":3518,"8,96":3519,"8,97":3520,"8,98":3521,"8,99":3522,"8,100":3523,"8,101":3524,"8,102":3525,"8,103":3526,"8,104":3527,"8,105":3528,"8,106":3529,"8,107":3530,"8,108":3531,"8,109":3532,"8,110":3533,"8,111":3534,"8,112":3535,"8,113":3536,"8,114":3537,"8,117":3538,"8,118":3539,"8,119":3540,"8,120":3541,"8,121":3542,"8,122":3543,"8,123":3544,"8,124":3545,"8,125":3546,"8,126":3547,"8,127":3548,"8,128":3549,"8,129":3550,"8,130":3551,"8,131":3552,"8,132":3553,"8,133":3554,"8,134":3555,"8,135":3556,"8,136":3557,"8,137":3558,"8,138":3559,"8,139":3560,"8,140":3561,"8,141":3562,"8,142":3563,"8,143":3564,"8,144":3565,"8,145":3566,"8,146":3567,"8,147":3568,"8,148":3569,"8,149":3570,"8,150":3571,"8,151":3572,"8,152":3573,"8,153":3574,"8,154":3575,"8,155":3576,"8,156":3577,"8,157":3578,"8,158":3579,"8,161":3580,"8,162":3581,"8,163":3582,"8,164":3583,"8,165":3584,"8,166":3585,"8,167":3586,"8,168":3587,"8,169":3588,"8,170":3589,"8,171":3590,"8,172":3591,"8,173":3592,"8,174":3593,"8,175":3594,"8,176":3595,"8,177":3596,"8,178":3597,"8,179":3598,"8,180":3599,"8,181":3600,"8,182":3601,"8,183":3602,"8,184":3603,"8,185":3604,"8,186":3605,"8,187":3606,"8,188":3607,"8,189":3608,"8,193":3609,"8,194":3610,"8,195":3611,"8,196":3612,"8,197":3613,"8,198":3614,"8,199":3615,"8,200":3616,"8,201":3617,"8,202":3618,"8,203":3619,"8,204":3620,"8,205":3621,"8,206":3622,"8,207":3623,"8,208":3624,"8,209":3625,"8,210":3626,"8,211":3627,"8,215":3628,"8,216":3629,"8,217":3630,"8,218":3631,"8,219":3632,"8,220":3633,"8,221":3634,"8,222":3635,"8,223":3636,"8,224":3637,"8,225":3638,"8,226":3639,"8,227":3640,"8,228":3641,"8,229":3642,"8,230":3643,"8,231":3644,"8,232":3645,"8,233":3646,"8,234":3647,"8,235":3648,"8,236":3649,"8,237":3650,"8,238":3651,"8,239":3652,"8,240":3653,"8,241":3654,"8,242":3655,"8,243":3656,"8,244":3657,"8,245":3658,"8,246":3659,"8,247":3660,"8,248":3661,"8,249":3662,"8,250":3663,"8,251":3664,"8,252":3665,"8,253":3666,"8,254":3667,"8,255":3668,"8,256":3669,"8,257":3670,"8,258":3671,"8,259":3672,"8,260":3673,"8,261":3674,"8,262":3675,"8,263":3676,"8,264":3677,"8,265":3678,"8,266":3679,"8,267":3680,"8,268":3681,"8,269":3682,"8,270":3683,"8,271":3684,"8,272":3685,"8,273":3686,"8,274":3687,"8,275":3688,"8,276":3689,"8,277":3690,"8,278":3691,"8,279":3692,"8,280":3693,"8,281":3694,"8,282":3695,"8,283":3696,"8,284":3697,"8,285":3698,"8,286":3699,"8,287":3700,"8,288":3701,"8,289":3702,"8,290":3703,"8,291":3704,"8,295":3705,"8,296":3706,"8,297":3707,"8,298":3708,"8,299":3709,"8,300":3710,"8,301":3711,"8,302":3712,"8,303":3713,"8,304":3714,"8,305":3715,"8,306":3716,"8,307":3717,"8,308":3718,"8,309":3719,"8,310":3720,"8,311":3721,"8,312":3722,"8,313":3723,"8,314":3724,"8,315":3725,"8,316":3726,"8,317":3727,"8,318":3728,"8,319":3729,"8,320":3730,"8,321":3731,"8,322":3732,"8,323":3733,"8,324":3734,"8,325":3735,"8,326":3736,"8,327":3737,"8,328":3738,"8,329":3739,"8,330":3740,"8,331":3741,"8,332":3742,"8,333":3743,"8,334":3744,"8,335":3745,"8,336":3746,"8,337":3747,"8,338":3748,"8,339":3749,"8,340":3750,"8,341":3751,"8,342":3752,"8,343":3753,"8,344":3754,"8,345":3755,"8,346":3756,"8,347":3757,"8,351":3758,"8,352":3759,"8,353":3760,"8,354":3761,"8,355":3762,"8,356":3763,"8,357":3764,"8,358":3765,"8,359":3766,"8,360":3767,"8,361":3768,"8,362":3769,"8,363":3770,"8,364":3771,"8,365":3772,"8,366":3773,"8,367":3774,"8,368":3775,"8,369":3776,"8,370":3777,"8,371":3778,"8,372":3779,"8,373":3780,"8,374":3781,"8,375":3782,"8,376":3783,"8,377":3784,"8,378":3785,"8,379":3786,"8,380":3787,"8,381":3788,"8,382":3789,"8,383":3790,"8,384":3791,"8,385":3792,"8,386":3793,"8,387":3794,"8,388":3795,"8,389":3796,"8,390":3797,"8,391":3798,"8,392":3799,"8,393":3800,"8,394":3801,"8,397":3802,"8,398":3803,"8,399":3804,"8,400":3805,"8,401":3806,"8,402":3807,"8,403":3808,"8,404":3809,"8,405":3810,"8,406":3811,"8,407":3812,"8,408":3813,"8,409":3814,"8,410":3815,"8,411":3816,"8,412":3817,"8,413":3818,"8,414":3819,"8,415":3820,"8,416":3821,"8,417":3822,"8,418":3823,"8,419":3824,"8,420":3825,"8,421":3826,"8,422":3827,"8,423":3828,"8,424":3829,"8,425":3830,"8,426":3831,"8,427":3832,"8,428":3833,"8,429":3834,"8,430":3835,"8,431":3836,"8,432":3837,"8,433":3838,"8,434":3839,"8,435":3840,"8,436":3841,"8,437":3842,"8,438":3843,"8,439":3844,"8,440":3845,"8,441":3846,"8,442":3847,"8,443":3848,"8,444":3849,"8,445":3850,"8,446":3851,"8,447":3852,"8,451":3853,"8,452":3854,"8,453":3855,"8,454":3856,"8,455":3857,"8,456":3858,"8,457":3859,"8,458":3860,"8,459":3861,"8,460":3862,"8,461":3863,"8,462":3864,"8,463":3865,"8,464":3866,"8,465":3867,"8,466":3868,"8,467":3869,"8,468":3870,"8,469":3871,"8,470":3872,"8,471":3873,"8,472":3874,"8,473":3875,"8,474":3876,"8,475":3877,"8,476":3878,"8,477":3879,"8,478":3880,"8,479":3881,"8,480":3882,"8,481":3883,"8,482":3884,"8,483":3885,"8,484":3886,"8,485":3887,"8,486":3888,"8,487":3889,"8,488":3890,"8,489":3891,"8,490":3892,"8,491":3893,"8,492":3894,"8,493":3895,"8,494":3896,"8,495":3897,"8,496":3898,"8,497":3899,"8,498":3900,"8,499":3901,"8,500":3902,"8,501":3903,"8,502":3904,"8,503":3905,"8,504":3906,"8,505":3907,"8,506":3908,"8,507":3909,"8,508":3910,"8,509":3911,"8,510":3912,"8,511":3913,"8,512":3914,"8,513":3915,"8,514":3916,"8,515":3917,"8,516":3918,"8,517":3919,"8,518":3920,"8,519":3921,"8,520":3922,"8,521":3923,"8,522":3924,"8,523":3925,"8,524":3926,"8,525":3927,"8,526":3928,"8,527":3929,"8,528":3930,"8,529":3931,"8,530":3932,"8,531":3933,"8,532":3934,"9,7":3935,"9,8":3936,"9,9":3937,"9,10":3938,"9,11":3939,"9,12":3940,"9,13":3941,"9,14":3942,"9,15":3943,"9,16":3944,"9,17":3945,"9,18":3946,"9,19":3947,"9,20":3948,"9,21":3949,"9,22":3950,"9,23":3951,"9,24":3952,"9,25":3953,"9,26":3954,"9,27":3955,"9,28":3956,"9,29":3957,"9,30":3958,"9,31":3959,"9,32":3960,"9,35":3961,"9,36":3962,"9,37":3963,"9,38":3964,"9,39":3965,"9,40":3966,"9,41":3967,"9,42":3968,"9,43":3969,"9,44":3970,"9,45":3971,"9,46":3972,"9,47":3973,"9,48":3974,"9,49":3975,"9,50":3976,"9,51":3977,"9,52":3978,"9,53":3979,"9,54":3980,"9,55":3981,"9,59":3982,"9,60":3983,"9,61":3984,"9,62":3985,"9,63":3986,"9,64":3987,"9,65":3988,"9,66":3989,"9,67":3990,"9,68":3991,"9,69":3992,"9,70":3993,"9,71":3994,"9,72":3995,"9,73":3996,"9,74":3997,"9,75":3998,"9,76":3999,"9,77":4000,"9,78":4001,"9,79":4002,"9,83":4003,"9,84":4004,"9,85":4005,"9,86":4006,"9,87":4007,"9,88":4008,"9,89":4009,"9,90":4010,"9,293":4011,"9,294":4012,"9,295":4013,"9,296":4014,"9,297":4015,"9,298":4016,"9,299":4017,"9,300":4018,"9,301":4019,"9,302":4020,"9,303":4021,"9,304":4022,"9,305":4023,"9,306":4024,"9,307":4025,"9,308":4026,"9,309":4027,"9,310":4028,"9,311":4029,"9,312":4030,"9,313":4031,"9,314":4032,"9,315":4033,"9,316":4034,"9,317":4035,"9,318":4036,"9,319":4037,"9,320":4038},"ٜ":{"المقدمة":[5,195],"1":[5,372],"2":[5,463],"3":[7,472],"4":[7,476],"5":[7,540],"6":[7,510],"7":[7,503],"8":[7,532],"9":[7,320]},"ٝ":["المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39","المقدمة,40","المقدمة,41","المقدمة,42","المقدمة,43","المقدمة,44","المقدمة,45","المقدمة,46","المقدمة,47","المقدمة,48","المقدمة,49","المقدمة,50","المقدمة,51","المقدمة,52","المقدمة,53","المقدمة,54","المقدمة,55","المقدمة,56","المقدمة,57","المقدمة,58","المقدمة,59","المقدمة,60","المقدمة,61","المقدمة,62","المقدمة,63","المقدمة,64","المقدمة,65","المقدمة,66","المقدمة,67","المقدمة,68","المقدمة,69","المقدمة,70","المقدمة,71","المقدمة,72","المقدمة,73","المقدمة,74","المقدمة,75","المقدمة,76","المقدمة,77","المقدمة,78","المقدمة,79","المقدمة,80","المقدمة,81","المقدمة,82","المقدمة,83","المقدمة,84","المقدمة,85","المقدمة,86","المقدمة,87","المقدمة,88","المقدمة,89","المقدمة,90","المقدمة,91","المقدمة,92","المقدمة,93","المقدمة,94","المقدمة,95","المقدمة,96","المقدمة,97","المقدمة,98","المقدمة,99","المقدمة,100","المقدمة,101","المقدمة,102","المقدمة,103","المقدمة,104","المقدمة,105","المقدمة,106","المقدمة,107","المقدمة,108","المقدمة,109","المقدمة,110","المقدمة,111","المقدمة,112","المقدمة,113","المقدمة,114","المقدمة,115","المقدمة,116","المقدمة,117","المقدمة,118","المقدمة,119","المقدمة,120","المقدمة,121","المقدمة,122","المقدمة,123","المقدمة,124","المقدمة,125","المقدمة,127","المقدمة,128","المقدمة,129","المقدمة,130","المقدمة,131","المقدمة,132","المقدمة,133","المقدمة,134","المقدمة,135","المقدمة,136","المقدمة,137","المقدمة,138","المقدمة,139","المقدمة,140","المقدمة,141","المقدمة,142","المقدمة,143","المقدمة,144","المقدمة,145","المقدمة,146","المقدمة,147","المقدمة,148","المقدمة,149","المقدمة,150","المقدمة,151","المقدمة,152","المقدمة,153","المقدمة,154","المقدمة,155","المقدمة,156","المقدمة,157","المقدمة,158","المقدمة,159","المقدمة,160","المقدمة,161","المقدمة,162","المقدمة,163","المقدمة,164","المقدمة,165","المقدمة,166","المقدمة,167","المقدمة,169","المقدمة,171","المقدمة,172","المقدمة,173","المقدمة,174","المقدمة,175","المقدمة,176","المقدمة,177","المقدمة,178","المقدمة,179","المقدمة,180","المقدمة,181","المقدمة,182","المقدمة,183","المقدمة,184","المقدمة,185","المقدمة,186","المقدمة,187","المقدمة,188","المقدمة,189","المقدمة,190","المقدمة,191","المقدمة,192","المقدمة,193","المقدمة,194","المقدمة,195","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320"],"ٞ":{"1":[1],"10":[2],"11":[3],"14":[4,5],"19":[6],"21":[7],"24":[8],"26":[9],"27":[10],"29":[11,12],"50":[13],"57":[14],"61":[15],"67":[16],"69":[17],"73":[18],"78":[19],"83":[20],"90":[21],"92":[22],"97":[23],"108":[24,25],"109":[26],"110":[27],"111":[28],"112":[29],"113":[30,31],"115":[32],"116":[33],"120":[34,35],"122":[36],"123":[37],"128":[38],"131":[39,40,41],"132":[42],"133":[43],"134":[44,45,46],"135":[47,48],"136":[49,50],"137":[51,52],"138":[53,54],"139":[55],"140":[56,57],"141":[58],"142":[59,60],"143":[61],"144":[62],"151":[63],"152":[64],"189":[65],"216":[66],"788":[67],"1011":[68],"1236":[69],"1262":[70],"1472":[71],"1687":[72],"1768":[73],"1936":[74],"2043":[75],"2161":[76],"2283":[77],"2338":[78],"2400":[79],"2458":[80],"2571":[81],"2666":[82],"2782":[83],"2848":[84],"2952":[85],"3030":[86],"3106":[87],"3175":[88],"3244":[89],"3295":[90],"3370":[91],"3433":[92],"3492":[93],"3538":[94],"3580":[95],"3609":[96],"3628":[97],"3705":[98],"3758":[99],"3802":[100],"3853":[101],"3935":[102],"3961":[103],"3982":[104],"4003":[105],"4011":[106]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132,133,134,135,136,137,138,139,140,141,142,143,144,145,146,147,148,149,150,151,152,153,154,155,156,157,158,159,160,161,162,163,164,165,166,167,168,169,170,171,172,173,174,175,176,177,178,179,180,181,182,183,184,185,186,187,188,4011,4012,4013,4014,4015,4016,4017,4018,4019,4020,4021,4022,4023,4024,4025,4026,4027,4028,4029,4030,4031,4032,4033,4034,4035,4036,4037,4038]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة التحقيق</span>\n﷽\nالحمدُ لله الذي أنزل كتابًا غيرَ ذي عِوَج، وأرسل رسولَه بالبيِّنات والحُجَج، والصلاةُ والسلامُ على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه إلى يوم الدِّين.\nوبعد:\nفإنَّ القرآن كتابُ الله المنزل ومنهجُه القويم، وهو المعجزةُ العُظْمَى والآيةُ الكُبرى إلى يوم الدِّين، مستمرًّا في التحدِّي على مرِّ السنين، ومبكِّتا بالحجة كلَّ المعاندين، آتيًا مِن أساليبِ البَلَاغةِ بالعَجَبِ العُجَاب، راقيًا مِن ذُرَى الفصاحةِ مَرْقًى لا يُجاب، تحدَّى العرب في أعظمِ شيءٍ بَرَعوا به، فإنَّ العربَ الذين بُعِثَ فيهمُ النَّبيُّ ﷺ كانوا قد بلَغوا مِن الفصاحةِ والبلاغةِ وأَفانينِ الكلام الغايةَ التي ظنُّوا أنْ ليس بعدَها غاية، فتحدَّاهم أوَّلًا أنْ يأتوا بمثْلهِ فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، فلمَّا عَجَزوا تحدَّاهم بعشرِ سورٍ فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣]، ثُم لمَّا ظَهرَ عَجزُهم تحدَّاهم بمقدارِ سورةٍ فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] حتى أَعْجَزَ عن الإتيان بأقصر سورةٍ منه العربَ الفُصَحاء، وأَفْحَمَ مَن رام معارضتَه من البلغاء، فأطبق المعاندون على أن طوقَ البشر قاصِرٌ عن الإتيان بمثله.","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"فلا عَجَبَ أنْ تسابَقَ العلماءُ وتسارَع الفضلاء منذ فجر الدعوة إلى خدمته، وبيانِ ما دقَّ من معانيه، وفتح ما اسْتَغْلَقَ من مَبَانيه، فأَبدعوا في تفسيره الكثيرَ من المصنفات، التي كان بعضُها مطوَّلاتٍ شِبْهَ الموسوعات، وبعضُها موغلًا في الاختصار، ومنها ما أجاد وأفاد لكنْ قد شابَهُ شيءٌ من دَرَن الإسرائيليات أو دخَن الأفكار.\nأمَّا هذا التفسير الذي بين أيدينا فكان وسطًا بين التفاسير بالتوسُّطِ بين الطُّولِ والقِصَر، مع نفي دَخَنَ تلك الفِكَر، وهو مع ذلك جامعٌ للفوائد، مشتمِلٌ على النكت والعوائد، بما أبدعتْهُ قريحةُ مؤلِّفه من الزوائد، وأَوْراهُ زنادُ فكره من الفرائد، هذا مع وضوحِ العبارةِ، وقوَّةِ التَّحريرِ وحُسنِ الإشارة.\nوإنَّ الباحث في سيرورةِ مؤلِّفه العلَّامةِ الجليل ابنِ كمال الوزير ليجدُ عنايته الفائقةَ بتفسير القرآن الكريم، واهتمامَه البالغَ ببيان معانيهِ، والدلالةِ على مواطن الإعجاز فيه، فرسائلُه الكثيرة قد خصَّ التفسيرَ بقسطٍ منها كبير، وحتى التي ألَّفها في مسائل أخرى كالنحو مثلًا تجد جانبًا كبيرًا منها يتناول ما يتعلق بتلك المسألة في الآيات القرآنية.\nوالمؤلفُ ﵀ يمكن اعتبارُه من أصحاب المدرسة الزمخشريَّة، التي كان أساسُها \"الكشاف\"، وكانت منطلَقًا لحركةٍ هائلةٍ في التأليف والتفسير، والتحشية والتعليق والتحرير، وليس تفسيرُ البيضاويِّ والنَّسفيّ، وأبي السُّعود والآلوسيّ، وغيرِها، ومعها مئاتُ الحواشي والتعليقات، سوى نتائج هذه المدرسة، عدا عن أن أكثر مَن جاء بعد الزمخشريِّ قد كان له تأثُّر بهذا التفسير وإن تفاوتت الدرجات، فالمتعمِّق في \"بحر\" أبي حيان مثلًا يجد تأثير \"الكشاف\"","vol":"المقدمة","page":6},{"text":"فيه واضحًا، فلا تكاد تمر بصحيفةٍ إلا وتجد فيها ذكرًا للزمخشري، إمَّا مُقِرًّا أو محسِّنًا أو متعقِّبًا، عدا عن كثير مما نقله عنه مختارًا لكن دون تصريحٍ به.\nوقد بيَّن السيوطيُّ ﵀ مكانة هذا الكتاب فقال: اشتَهر في الآفاق اشتهارَ الشمس، وجُهر به في محافل الفضلاء من غير همس، واعتنى الأئمةُ والمحقِّقون بالكتابة عليه، وتسارَع العلماء والفضلاء في المناقشة والمنافسة إليه، فمِن مميِّزٍ لاعتزالٍ حادَ فيه عن صَوْبِ الصَّواب، ومن مناقشٍ له فيما أتى به من وجوه الإعراب، ومن مُحَشٍّ وضَّح ونقَّح، وتمَّم ويمَّم، وفسَّر وقرَّر، وحبَّر وحرَّر، وجال وجاب، واستشكل وأجاب، ومن مخرِّج لأحاديثه عزا وأسند، وصحَّح وانتقد، ومن مختصرٍ لخَّص وأوجز، وكمَّل ما أَعْوز (^١).\nقال: وسيِّد المختصرات منه كتاب \"أنوار التنزيل وأسرار التأويل\" للقاضي ناصر الدِّين البيضاويّ، لخَّصه فأجاد، وأتى بكلِّ مستَجاد، وماز منه أماكن الاعتزال، وطرح مواضعَ الدسائس وأزال، وحرَّر مُهِمَّات، واستدرك تَتِمَّات، فبرز كأنه سبيكةُ نُضَار، واشْتَهَرَ اشتهارَ الشمس في وسط النهار، وعَكَفَ عليه العاكفون، ولَهِجَ بذكر محاسنه الواصفون، وذاق طعم دقائقه العارفون، فأكبَّ عليه العلماء والفضلاء تدريسًا ومطالعةً، وبادروا إلى تلقِّيه بالقبول رغبةً فيه ومسارعةً، ومرُّوا عليه طبقةً بعد طبقة، ودرجوا عليه من زمن مصنفه إلى زمن شيوخنا متَّسِقة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"نواهد الابكار\" (١/ ٨ - ٩).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ١٣).","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"فهذان التفسيران قد كانا أساسًا لمدرسة في التفسير تعتمد الألفاظَ والتراكيب القرآنية أساسًا، وتنطلق منها لبيانِ مواطنِ الإعجاز، واستنباطِ المعاني التي لا تظهر إلا لصاحب القريحة الوقَّادة، والعقل النيِّر، والعلم الغزير باللغة والنحو والمعاني وأساليب العرب في الكلام، وقد رسم معالم هذه المدرسة العلَّامة أبو السعود في خطبةِ \"تفسيره\"، حيث قسم التفاسير إلى قسمين:\nالأول: منهج المتقدِّمين الذين اقتصروا على تمهيدِ المعاني، وتشييدِ المباني، وتبيينِ المرام، وترتيبِ الأحكام، حَسْبَما بلغهم من سيد الأنام.\nوالثاني: منهج المتأخِّرين المدقِّقين، الذين رامُوا مع ذلك إظهارَ مزاياه الرائقة، وإبداءَ خفاياه الفائقة؛ ليُعاين الناسُ دلائلَ إعجازه، ويشاهدوا شواهدَ فضله وامتيازه …، فدوَّنوا أسفارًا بارعة، جامعةً لفنون المحاسن الرائعة، يتضمَّن كلٌّ منها فوائدَ شريفةً تَقَرُّ بها عيون الأعيان، وعوائدَ لطيفةً يتشنَّف بها آذانُ الأذهان، لاسيما \"الكشاف\" و\"أنوار التنزيل\"، المتفرِّدان بالشأن الجليل والنعت الجميل، فإن كلًّا منهما قد أحرز قَصَبَ السَّبْق أيَّما إحراز، كأنه مرآةٌ لاجتلاءِ وجهِ الإعجاز (^١).\nوإذا عُرِفَ أنَّ للمؤلِّفِ ﵀ حاشيةً على كلِّ واحدٍ من التَّفسيرينِ المذكورَينِ، ثم توَّج ذلك بتفسيره المبارك هذا، مرورًا بعشرات الرسائل التي تناولت المعاني القرآنية والملامح الإعجازية، والتي كان من أهم معالمها\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير أبي السعود\" (١/ ٤).","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"تناوُلُ ما جاء في التفسيرين المذكورين، وما جادت به أكفُّ المحققين من أصحاب الحواشي عليهما؛ كالعلَّامةِ القزوينيِّ، والسعد التَّفتازانيِّ، والشَّريفِ الجُرْجانيِّ، وغيرِهم، ومناقشةُ ما حرَّروه، وتلوينُه بفكره الوقَّاد، مع زيادات كثيرةٍ وترجيحاتٍ وردود، فعند ذلك يتَبيَّن حقيقةُ هذا التفسير ومكانتُه التي يستحقُّها بين التفاسير.\nلكن لا بدَّ هنا من التنبيه على حقيقةٍ مهمَّة، وهي أن هذه الطريقة في التفسير ليست بديلًا عن التفسير بالمأثور عن النبيِّ ﷺ وأصحابه والتابعين وتابعيهم، بل هي حاجةٌ لمحها المتأخِّرون للعودة بالمسلمين في تعاملهم مع الكتاب الكريم إلى العصر الأول، عصرِ البلاغة والفصاحة، والذين كانوا يفهمون القرآن بالفطرة، لكنْ لما توسَّعتْ رقعة الإسلام، ودانَ به كثيرٌ من غير العرب، واختَلَطَ الحابِلُ بالنَّابِل، وامتَزجَ العربُ بالعجَم، وبَعُدَ بالناس العهد، وتغلغلت ألسنة العجم والكُرد، حتى صارَ كثيرٌ مما في الكتاب خارِجًا عن المألُوف، وأسلُوبهُ في البيانِ غيرَ مُستَوعَبٍ ولا معروف، رام علماءُ البيان بيانَ إعجاز هذا القرآن، فاخترعوا علمَ البلاغة والمعاني، ليكون أَوْصَلَ إلى معرفة التراكيب والمباني، وأَيْسرَ لفهم مَن مِن أجل ذاك يعاني، وبها تدرَك وجوه الإعجاز، ويزول بفهمها كلُّ غموضٍ أو إلغاز.\nولله درُّ أبي السعود، فقد لخَّص كلَّ ما ذكرناه، بكلمة واحدة في قوله الذي نقلناه، حيث قال في وصف منهج المتأخرين: (الذين راموا مع ذلك إظهارَ مزاياه الرائقة ..)، فانظر إلى قوله: (مع ذلك) وقارنه بقوله قبله في وصف المتقدِّمين: (الذين اقتصروا على تمهيدِ المعاني ..)، يظهر لك حقيقة ما أوضحناه، وأن","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"المنهجين كلٌّ منهما مكمِّل للآخر وليس بديلًا عنه، وأن ما أبدعه الأواخرُ ليس إلا متابعةً لما أسَّسه الأوائل.\nولعل من غرائب التقادير أنَّ الذين انبرَوا للقيام بهذه المهمَّة، وانتدَبوا لتحقيق ذاك المرام، فألَّفوا في مباحث إعجاز القرآن المصنفات، وأبدَعوا في تقعيد علم البلاغة الأمَّهات، كان معظمهم أعجميَّ النسب، وليس من أبناء العرب.\nفمؤسِّس علمِ البلاغة وهو أبو بكر عبد القاهر بنُ عبد الرحمن بنِ محمد، مصنِّف \"دلائل الإعجاز\" و\"أسرار البلاغة\"، فارسيُّ الأصل، جُرْجانيُّ الدار، وكانت قد تناثرت كتابات الناس في هذا الفن قبله؛ ولكنها على كثرتها لا تعدُّ شيئًا بجانب ما صنف، فصار يُنسب إليه وحده تأسيسُ هذا العلم وإقامةُ بنيانه، لمَّا كانت له اليد الطولى في ضبطه ونصبِ فسطاطه.\nوأمَّا أبو القاسم محمود بنُ عمر بنِ أحمد الزمخشريُّ جارُ الله، صاحبُ \"الكشاف\" و\"أساس البلاغة\"، فهو قد ولد بزَمَخْشَرَ من ضواحي خُوارزم، وتوفِّي بقصبة خوارزم، وإن كان قد جاور بمكةَ زمانًا، حتى سمي: جار الله، وأصبح هذا الاسم علمًا عليه.\nوكذا يوسف بن أبي بكرٍ محمدِ بن عليٍّ السكَّاكيُّ الخوارزميُّ الحنفيُّ أبو يعقوب، صاحب \"مفتاح العلوم\"، ولد وتوفِّي بخوارزم.\nومحمد بن عبد الرحمن القزوينيُّ الشافعيُّ صاحب: \"الإيضاح في علوم البلاغة\" والذي يعدُّ من أوفى الكتب في بحوث البلاغة وأوضحها نظامًا وأسلوبًا أصله من قزوين، وإن كان مولده بالموصل.","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"ولعل ما يفسر هذا الأمر هو أنهم عاينوا أكثر من غيرهم بعد الناس عن فهم كتاب الله والعيش في ظلاله كما كان عليه الأولون.\nوثمة ملاحظة أخرى يجب التنبيه عليها قبل الدخول في الكتاب، وهي أن بيان النِّكات البلاغيَّة والإشارات الخفيَّة في القرآن لم يكن مقتصرًا على الزمخشري والبيضاوي، بل إن كل واحد ممن صنف في هذا الفن قد كان له إضافات حسنة تستحق الوقوف عندها، ومنهم المؤلفُ ﵀، الذي أبدع الكثير من الاستنباطات التي لم ينتبه إليها الآخرون، كما سيظهر جليًّا لمن يُبحر في هذا السفر الكريم.\nوهذا الذي ذكرناه هو تمهيدٌ لا بد منه للدخول في التعريف بهذا الكتاب المفيد والتفسير الفريد، الذي تعمَّق مؤلِّفه في كتب البلاغة، كما يشهدُ لذلك رسائلُه الكثيرة المؤلَّفة في هذا الشأن، كما درَس وتفهَّم كتب التفاسير وخصوصًا \"الكشاف\" و\"البيضاوي\" وحواشيهِما كما تقدم وسيأتي في هذه الدراسة، حتى جادت قريحتُه بهذا التصنيف الماتع، وخطَّت يراعُه هذا التفسيرَ الرائع، وسوف نقوم في هذه المقدِّمة بدراسة هذا التفسير من خلال الموضوعات التالية:\nأولًا: تأكيد نسبة الكتاب لمؤلفه.\nثانيًا: مصادر نقلت عن هذا التفسير.\nثالثًا: بيان خصائص هذا التفسير وميزاته التي تميز بها عن غيره من التفاسير.\nرابعًا: بيان منهج المؤلف الذي سلكه في تأليف تفسيره.","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"وهذا هو البحث الأهم في هذه المقدمة، ونتناول فيه:\n- مصادرُه التي اعتَمد عليها وكيفيَّةُ إفادته منها، وخصوصًا \"الكشاف\" و\"تفسير البيضاوي\"، ويتضمَّن بيانَ أسلوبه في الردود والتعقُّبات.\n- تفسير القرآن بالقرآن في هذا الكتاب.\n- التفسير بالمأثور فيه.\n- عقيدته وردوده على المذاهب الفاسدة.\n- موقفه من التأويل في المتشابهات.\n- منهجه في النحو.\n- منهجه في الفقه.\n- منهجه في القراءات.\n- تعامله مع الإسرائيليات.\n- ما جاء فيه من لطائف الإشارات.\nخامسًا: المآخذ التي يمكن أن تذكر عليه.\nسادسًا: وصف النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وما يتعلق بها.\nسابعًا: عملنا في الكتاب.\nثم سأفرد في نهاية الدراسة ترجمةً للعلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى.\nونسأل الله سبحانه أن يوفقنا في هذا إلى رسم الصورة الحقيقية لهذا التفسير، وبيان مكانته التي يستحقُّها بين التفاسير.","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"وأسأل الله أن يتقبل عملنا هذا، وأن ينفعنا به وأهل العلم أجمعين، ولا أنسى أن أقدم شكري الكبير إلى دار اللباب للدراساتِ وتحقيق التراث والتي ساهمَ فريقها العلمي في نشر هذا الكتاب نسخًا ومقابلةً وإخراجًا، وقامت الدارُ مشكورةً بتوفير النُّسخِ الخطيِّة لهذا الكتابِ، فالله وحده يجزيهم ويثيبهم على حسنِ صنيعِهم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.\n* * *","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>أولًا: تأكيد نسبة الكتاب إلى المؤلف</span>\nلا شكَّ في نسبة هذا التفسير للعلَّامة ابنِ كمال باشا، حيث أشار لذلك ونبَّه عليه كثيرٌ ممن ترجمه أو نقل عنه:\nففي \"الشَّقائق النعمانية\": وله من التصانيف تفسيرٌ لطيفٌ حسنٌ قريبٌ من التَّمام، وقد اخترمتْه المنيَّة ولم يُكمله (^١).\nوذكر العبارة نفسَها الغزِّي في \"الكواكب السائرة\" (^٢).\nوفي \"كشف الظنون\": \"تفسير ابن كمال باشا\" أحمد بن سليمان بن كمال، بلغ فيه إلى سورة الصافات، وهو تفسيرٌ لطيف فيه تحقيقاتٌ شريفة، وتصرُّفات عجيبة (^٣).\nوفي \"شَذَرات الذهب\": العلَّامة الأوحد، المحقِّق الفهَّامة، صاحبُ التفسير (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٢٧).\n(^٢) انظر: \"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة\" لنجم الدين الغزي (٢/ ١٠٨).\n(^٣) انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٤٣٩).\n(^٤) انظر: \"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٣٣٥).","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>ثانيًا: مصادر نقلت عن هذا التفسير</span>\nوقد نقل عنه جمع من كبار العلماء، وفي نقولهم زيادة تأكيد في نسبة الكتاب للمؤلف، فممن نقل عنه العلَّامة الآلوسيُّ في \"روح المعاني\" في كثير من المواضع، مع التصريح أحيانًا بأن النقل من \"تفسير ابن كمال باشا\"، كقوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]: وذكر ابن كمال في \"تفسيره\" لبيان الموصول صفية وجُوَيْريَة (^١).\nوكذا نقل عنه الشهاب الخفاجي في حاشيته على البيضاوي المسماة: \"عناية القاضي وكفاية الراضي\"، لكن يلاحظ في نقله عدة أمور:\nمنها: أنه لم يعين المؤلف بالاسم ولا تفسيره لكن من الواضح أن النقل من التفسير، هذا مع العلم أنه قد نقل عنه من كتب أخرى وسماه.\nومنها: أن الغالب في نقله عنه أنه ينقلُه ليردَّه ويدافعَ عن البيضاوي فيما ذهب إليه، فمن الأمثلة على ما ذكرناه:\nما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢] قال المؤلف: (وقراءةُ (زيَّن) على البناء للفاعل و(الحياةُ) بالنصب (^٢) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن له فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها، ومَن قال: المزيِّن في الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل …). ثم بيَّن كلَّ واحد منهما.\n_________\n(^١) انظر: \"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني\" (٢١/ ٣٨٦).\n(^٢) وهي قراءة شاذة كما سيأتي في مكانه.","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"وهذا الكلام تعقَّب المؤلف فيه البيضاويَّ حيث قال في \"تفسيره\": والمزيِّن في الحقيقة هو الله تعالى؛ إذ ما من شيء إلا وهو فاعله، وَيدلُّ عليه قراءة (زَيَّنَ) على البناء للفاعل.\nوقد نقل الشهاب في الحاشية كلام المؤلف بحرفه تقريبًا ثم رده بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضعَ؛ كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] وفي مواضعَ إلى الشيطان كقوله: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] فلا شك أنّ فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فلا شك أنَّ فاعله عندهما الشيطان …) إلى آخر ما قال (^١).\nومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقد ذكر المؤلف في تفسيرها كلامًا نقله كلٌّ من الشهاب والآلوسي، وقد عزاه الآلوسي لبعض الأجلَّة، وبينما أطال الشهاب في تعقُّبه، اقتصر الآلوسي على القول: (وفيه ما فيه، فتأمل) (^٢).\nوإياه أراد الآلوسي بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية الشهاب\" (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ١٦٤)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ٢٢٤).","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]: وقال بعض الكاملين: إن ما في النظم الجليل نظير قوله ﷺ: \"لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه\" يعني: بالشراء المذكور، وإن اختلاف العنوان يكفي في صحة الترتيب والتعقيب (^١).\nفإن قائل ذلك هو المؤلف قاله عند تفسير الآية المذكورة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني\" (٣/ ٤٠٥).","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>ثالثًا: بيان خصائص هذا التفسير التي تَميَّز بها عن غيره من التفاسير</span>\nيعدُّ العلامة المؤلِّف لهذا التفسير من كبار علماء عصره، وقد ألمَّ بجميع الفنون وصنَّف فيها، حتى قيل في وصفه: قلَّما يوجد فنٌّ من الفنون وليس لابن كمال باشا مصنَّفٌ فيه (^١)، أضف إلى ذلك أنه من المتأخرين الذين قد اطَّلعوا على قسطٍ كبير من التراث الإسلامي العظيم، ودرسوا كلَّ ما وصل إليهم من تفاسير وأقوالٍ لمن سبقهم من العلماء، هذا مع ما ذكرنا عنه من العناية الفائقة بتفسير القرآن الكريم، فجاء هذا التفسير خلاصةً لما أنتجه فكر هذا العلامة، فإنه كان من أواخر مؤلفاته، حيث اخترمَتْه المنية قبل إتمامه كما تقدم، فلا شك أنه قد اجتمع فيه من الخصائص ما يَندر أن يجتمع في غيره، وقد أشار لهذا مَن ذكروا تفسيره ممن تقدَّم نقلُ كلامهم، وسنذكر بعض هذه الخصائص التي لمسناها من خلال تحقيق هذا السفر الكريم، فأول هذه الخصائص:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>١ - المنهج الذي اعتمده المؤلف وسار عليه في الكتاب كلِّه:</span>\nوهو المنهجُ الذي يعتمد على استيعاب فكرِ أئمَّةِ النحوِ وأبحاثِ كتبِ المعاني والدراساتِ البلاغيَّةِ، ثُمَّ استعمالِ ذلك والإفادةِ منهُ لإبرازِ خصائصِ التَّعبيرِ القرآنيِّ المعجِزِ وبيانِ مَعانيهِ.\nفهو إذًا تفسير يدلُّك على مواطن الإعجاز ومعالم البلاغة في كتاب الله، من خلال الغوصِ في أعماق المعاني، والبحثِ في مدلولات الألفاظ، وليس\n_________\n(^١) انظر: \"الأعلام\" (١/ ١٣٣).","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"مجرَّدَ تفسير يشرح المفردات والجمل، وينقل ما جاء فيها من المأثور والأقوال، بل يعلِّم القارئ لكتاب الله كيف يتفكَّر، ويقف عند كلِّ لفظ ويتدبَّر، ويستنبط من كلِّ عبارة، باحثًا فيها ومقارنًا بين معانيها، ومنقِّرًا - عند اتحاد الموضوع - عن سبب الاختلاف بين لفظٍ وآخَر، أو بين جملةٍ وقرينتها.\nوبمعنًى آخَر هو تفسيرٌ يجعل القارئ لكتاب الله يقرأ بعيون الجيل الأول، ويفهم المعاني كما فهموها، ويتدبَّر الإشارات والدلالات كما تدبَّروها، ويتلمَّس عظمة هذا الكتاب كما تلمسوها، فيعيشُ في ظلاله كما عاشوا، ويغوصُ في أعماقه كما غاصوا، ويسترشد به كما استرشَدوا، فيزداد به إيمانًا، وبدِينه يقينًا، بعد أن رأى وفهم، ولمس وعلم، أعظم معجزة أوتيها نبي هذه الأمة.\nومن الأساليب التي اتَّبعها المؤلف للوصول إلى هذا الغرض: التنبيهُ على الحكمة من استعمال لفظ دون آخر، أو تقديم لفظ على آخر، أو الاقتصار على لفظ دون غيره، وقد جمع كل ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤] فمَن منا لم يقرأ هذه الآية مئات المرات، ولم يَفهم - إن كان قد فهم - من قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ أكثر من النصر أو الشهادة، لكن انظر ما ذكر المؤلف فيها، حيث قال: (لم يقل: فيُغلَبْ أو يَغلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجر له، ولم يقل: فيُقتَلْ أو يَقتُلْ؛ للتنبيه على أنه يستحِقُّ الأجر بالغلبة قُتِلَ أو لم يُقتَلْ، وعلى أن حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحقِّ وإعزازِ الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر، والاقتصارُ","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يَثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعِزَّ نفسه بالشَّهادة أو الدِّينَ بالظَّفَر والغلبة).\nوقريبٌ من هذا تنبيهُه على استعمال لفظِ الربِّ دون غيره في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] حيث قال: (وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقُّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة).\nوعكسه: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ [الكهف: ١٤] قال: (لم يقل: (ربًا) لأنَّ جهة توحُّده تعالى ألوهيَّةٌ لا ربوبيَّة).\nومن محاسن تنبيهاته تنبيهُه على الحكمة من النداء بـ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ في قصة إبليس مع آدم، حيث قال: (لا يخفى على الفطِن ما في هذا التعبير من الإشارة إلى أنهم مَظِنَّة الافتتان لكونهم ذريةُ من افتتن).\nومن ذلك قوله: (قال في صفةِ الحور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وفي صفة الولدان: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، وأشار بذلك إلى أن الحور للصحبة دون الولدان؛ لأنَّ اللؤلؤ للنَّظر لا للذَّوق، والبَيض لهما).\nومن أحسن الأمثلة على هذا المنهج قولُه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ: (وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وتقديمُ: ﴿عَلَيْنَا﴾ لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في ﴿بِعَزِيزٍ﴾ لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ؛ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ).","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"فكيف استنبط من عبارة مؤلفة من أربع كلمات أربعَ حكمٍ وتعليلات، بكلام مقتضب واضح لا إخلال فيه ولا غموض، ولا شك أن ذلك نابع من اليقين بأن كتاب الله هو الكلام المعجز الذي ليس فيه حشوٌ ولا تطويل.\nومنه قوله: (﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] الإسراء: سير الليل خاصَّة، فقوله: ﴿لَيْلًا﴾ لقَطْع مجاز السير خُفيةً، كما أنَّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ بعدَ قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لقطع مجاز السَّير السَّريع).\nومن الاستنباطات من الألفاظ ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] قال: (﴿فَإِذَا هُمْ﴾: فاجَؤوا الحُصولَ ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: وَجهِ الأرْضِ، فالعَربُ تسمي وَجهَ الأرضِ مِن الفَلاة: سَاهرةً؛ أي: ذاتَ سَهرٍ؛ لأنَّه يُسهَر فيها خَوفًا؛ وفيهِ إشارةٌ إلى حصولهم فيها أحياءً).\nوفي تفسير ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا﴾ [آل عمران: ١٠٠] قال: (والتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين).\nوقال في قوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]: (أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالةٌ على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية).\nومنه: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] قال: (وإنما قال: ﴿لَهُمْ﴾ تنبيهًا على غاية حماقتهم، حيث عبدوا ما يملكونه).\nوكذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ","vol":"المقدمة","page":21},{"text":" (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥] قال: (لفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على امتداد تلك الحالة، ويؤيده ما في عبارة المكان من الإشعار بالتمكُّن).\nومنه: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٦] قال: (في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا بعذابٍ شديدٍ).\nومنها ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ [يس: ٥٧] قال: (عبَّر عن كلِّ ما يُرزقون فيها بالفاكهة؛ للتنبيه على أنَّهم مستغنُون عن حفظِ الصحةِ بالأقوات، بأنَّهم أجسامٌ محكمةٌ مخلوقةٌ للأبد، فكلُّ ما يأكلونه على سبيل التلذُّذ).\nومن ذلك: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [يونس: ٧٣] قال: (والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ).\nومن استنباطاته الحسنة ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ قال: (هذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم).\nونحو ذلك: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] قال: (أقحمَ القلبَ - والمعنى: عليكَ - لأنَّه محلُّ الوحيِ والتَّثبيت، وليُعْلَمَ أنَّ المنزَلَ محفوظٌ","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"عن المخالطة والمغالطة؛ لوصوله إلى القلب بالذَّات، لا بواسطة الصَّوت وآلة السَّمع، فافهم هذا السِّرَّ الدَّقيقَ).\nوالأمثلة على هذا كثيرة جدًّا، وسيرد الكثير منها في المواضع الأخرى من هذا البحث.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>٢ - ومما تميز به هذا التفسير الاختصار والإيجاز اللذين اتسم بهما في جميع المسائل التي يتناولها:</span>\nفقد كان واضحًا أن المؤلف قد تعمَّد عدم الإطالة في تفسيره هذا، مع أنه رجلٌ طويل النفَس واسع المعرفة كما يظهر من كتبه ورسائله، لكنه أراد هنا التركيز على الموضوع الأساسي من هذا التفسير، وهو ما فصَّلناه في البند السابق، فإن التطويل قد يضيِّع الفائدة ويقلِّل الاهتمام.\nفلا نجده في مسائل النحو مثلًا والإعراب يبالغ في سرد الوجوه أو الإطالة فيها، ولا يتصدَّى للردِّ على فلان، وتفنيدِ قولِ فلان، وتحسين قولِ آخَرَ، والرجوعِ إلى أصول المسائل النَّحوية وتفريعاتها، وعرضِ إشكالاتها، كما نجد ذلك في \"البحر المحيط\" مثلًا، لكنه مع ذلك لا يهمل ما فيها من أقوال وجيهة، فيعرضُها بدقَّة ووضوح مع الإيجاز غيرِ المخِلِّ.\nوكذا في المسائل الفقهية قد يتعرَّض لبعض الآيات التي كانت مدارًا لاستدلالات الأئمة المجتهدين، أو سببًا لاختلافهم حَسَب استنباطهم، ولعل من أسبابِ ذلك التنبيهَ على كون هذه الآية لها موقعٌ كبير في كتب الفقهاء، أو الرد على استدلال بالآية في غير مكانه، فيَعْرِض لِمَا استنبطه كلُّ مجتهد منها","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"في قالب من الإيجاز وعدم التطويل، ولا يذهب مشرِّقًا ومغرِّبًا في عرض كل ما يتعلق بها، بل وما له صلة بما يتعلق بها، وباحثًا في الأحكام الفقهية والاختلافات المذهبية البعيدة عنها والقريبة، لمجرَّد أنها ذكرت حكمًا فقهيًّا معيَّنًا، ولا ناقلًا ما جادت به كتب التفسير والفقه والأصول، لمجرَّد ذكر مسألة فقهيةٍ في الآية، كما يلاحظ في \"تفسير القرطبي\" مثلًا.\nوكذا في المسائل العَقَدية والمذهبية لا يفعل كما فعل الفخر الرازي ﵀ من عرض الشُّبه والردود مع الإطالة التي تضيِّع القارئ، فلا يدري هل يقرأ تفسيرًا أم كتابًا في علم الكلام.\nوحتى المواضيع التي تتعلق بالآية والأقوال التي قيلت فيها ليس مَعنيًّا - كما فَعل الَالوسيُّ مثلًا - بعرضها والاستفاضة فيها، وفتح حلقةِ نقاشٍ تذكر فيها الأقوال، ثم ما قيل عليها من تعقبات، ثم ما جاء في الإجابة على تلك التعقبات، ثم الردود على الإجابات، ثم الإيراد على الردود، إلى آخر تلك السلسلة، التي وإن كان فيها تفصيل للمسألة وإشباع البحث فيها لكنها ليست هي مراد المؤلف، بل مراده ما تقدم ذكره مما قد أوضحنا بيانه.\nومن مظاهر الاختصار في هذا الكتاب أنه لا يُكثر من ذكر الأعلام أو المراجع، مع احتوائه على نسبةٍ كبيرة من كلامِ مَن سبَقه من الأعلام، لكنْ لعله - والله أعلم - أراد المبالغة في العناية بغاية الكتاب التي قدَّمناها، فأهملَ كلَّ ما عدَاها؛ اختصارًا واقتصارًا على بيان الفائدة دون الحاجة إلى بيان القائل، وحتى الردودُ والتعقُّبات الكثيرة التي حفل بها الكتاب كغيره من مؤلفاته تجدُه لا يُعنى","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"فيها بالتفصيلات؛ من ذكر القائل، ثم نقلِ قوله، ثم ذكر الردِّ عليه، بل يتجه مباشرة صوبَ الردِّ بكلمات مقتضَبة لكنها كافيةٌ في أداء الغرض، والأمثلة على ما ذكرناه أكثر من تحصى، وسنسوق - إن شاء اللهُ - الكثير منها عند بيان طريقته في التعامل مع الزمخشري والبيضاوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>٣ - ولعل من أهم ما تميز به هذا التفسير:</span> أنه تنزه عن متابعة ما تناثر في \"الكشاف\" من دسائس الاعتزال، وبعض الإساءات الناشئة عن شدة الاعتداد والاختيال، ولم يقع فيها كما وقع غيره من كبار الأئمة كالبيضاوي ﵀.\nفمن ذلك قول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]: كناية عن الجناية؛ لأن العفو رادف لها، ومعناها: أخطأت وبئس ما فعلت.\nفتابعه البيضاوي قائلًا: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ كناية عن خطئه في الإذن، فإن العفو من روادفه.\nفي حين قال المؤلف في تفسيرها: (ولا يخفى ما في تقديم العفو على ذِكْرِ ما يُوْهِمُ العِتاب من تعظيم شأنه ﵇، والتنبيه على لطف مكانه، ومَن لم يتنبَّه لذلك قال: إنَّه كناية عن الجناية، ومعناه: أخطأْتَ وبئسَ ما فعلْتَ. ثم إنه لم يدرِ أنَّ الإذن المذكور مِن قَبِيل الخطأ في الاجتهاد، فهو مظنَّة الثَّواب لا العقاب، والله تعالى أعلم بالصواب).\nومعروف عن الزمخشري رده لبعض القراءات المتواترة كقراءة حمزة:","vol":"المقدمة","page":25},{"text":" ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (والجر على عطف الظاهر على المضمر، وليس بسديد لأن الضمير المتصل متصل كاسمه، والجار والمجرور كشيء واحد …).\nوقال البيضاوي متابعًا: (وقرأ حمزة بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وهو ضعيف لأنَّه كبعض الكلمة).\nوقد شنع العلماء ومنهم أبو حيان في \"البحر المحيط\" على الزمخشري وغيرِه ممَّن ردَّ هذه القراءة، مع أنها متواترة، وصحيحة على قول الكوفيين، وهو الصحيح في هذه المسألة كما قال أبو حيان.\nوكذا فعل المؤلف مثبتًا للقراءة، ومعرِّضا في آخر كلامه بالزمخشري، فقال: (وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).\nكما أنه نزَّه كتابه عمَّا وقع فيه البيضاويُّ من ذكر الأحاديث الموضوعة في فضل السُّوَر عند نهاية كلِّ سورة، مما نبَّه على وضعه العلماء.\nوكان للزمخشريِّ بالمرصاد في تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] فقال: (أي: بل أتسمُّونهم شركاءَ بمجرد ظاهر القول، وإطلاق لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]،","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقِ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف مِن نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقد أتى بكلمة حقٍّ أُريدَ بها باطل، يدندنُ بها مَن هو عن حِليَة الإنصاف عاطل).\nمعرِّضًا بالزمخشري القائل: وهذا الاحتجاجُ وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسان طلقٍ ذلقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عَرف وأَنصف من نفسه، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقد تعقَّبه ابن المنير أيضًا بقوله: هذه الخاتمة كلمةُ حقٍّ أراد بها باطلًا؛ لأنَّه يُعرِّض فيها بخلق القرآن، فتَنبَّهْ لها، وما أسرعَ المُطالعَ لهذا الفصل أن يمرَّ على لسانه وقلبه ويستحسنَه وهو غافلٌ عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ، والله أعلم.\nكما شنَّع على الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] فقال: (وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ ﷺ: \"ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها\".\nوالحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ، ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ).\nوهذا تعريض بالزمخشري الذي تردَّد في صحته قائلًا: (اللهُ أعلم بصحَّته)، ثم قال في تأويله ما قال، مما هو جارٍ على طريقة أهل الاعتزال - كما قال أبو حيان - متَّهمًا أهل السنَّة بأنهم أهلُ الحشو.","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"ومنه عدمُ إعجابه بما ذهب إليه الزمخشري من تعليق قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو الوجه الذي اقتصر عليه الزمخشري، وجعله أبو حيان من روائح الاعتزال.\nوهذا غيضٌ من فيضٍ، وسيأتي له أمثلة كثيرةٌ أخرى إن شاء الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>٤ - ومن ميزات هذا التفسير أيضًا كثرة الاستنباطات والاجتهادات مما لا يوجد في أي كتاب آخر:</span>\nوهذا كثيرٌ جدًّا في هذا الكتاب، وهو نابعٌ من شخصية مؤلفه الموسوعية، ومن قوَّة عقله وعُمق نظره، وسعة علمه وحسن تحريره:\nفمن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قال: أي: (ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم.\nثم قال: هذا ما عندَهم، والذي عندي: هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ، بخلافِ ما قالوه).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] قال: (قيل: في ذكر اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيهٌ على أنْ لا كالئ غيرُ رحمته العامة، وأنَّ اندفاع البأس عن النَّاس لا يكون إلَّا بها).\nثم تعقب ذلك بقوله: (وعندى أنَّ التَّنبيه فيه على أنَّ رحمته العامة لا تمنعه عن الغضب، فلا تغتروا بها، ولا يخفى أنَّ هذا هو الأنسب للمقام).","vol":"المقدمة","page":28},{"text":"وكثيرًا ما يستعمل في عرض رأيه بعد إيراده لقول غيره نحو عبارة: (هذا بحسب جليل النظر والذي بحسب دقيقه …)، كما جاء بعد ذكره لمسألةٍ في الرضاع حيث قال: (هذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب …).\nومنه ما جاء في تفسير آية المداينة، حيث قال: (وإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ - مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دَينٍ كان قليلًا أو كثيرًا، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ، وأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكورًا، بل يكفي أن يكون مفهومًا في ضمن الكلام السابق).\nثم قال: (هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة).\nومن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [النساء: ١٥٧]: (شيءٍ من جنس العلم ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] استثناء منقطع، والمعنى: أنهم مستمرُّون على الشك، لكنْ قد يَلوح لهم أمارةٌ فيحصل ظنٌّ، ثم يزول ويعود الشك، وهذا أدلُّ على شدة الحيرة من استمرار الشك بلا انقطاعٍ).","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"ثم قال: (هذا ما بحسب جليل النظر، والذي هو بحسَب دقيقه: أن المراد من الشك ما يلزمه من الحيرة التي لا محيص لهم عنها، وعبارةُ (في) الدالةُ على الثبوت والتقريرِ إنما تساعد هذا.\nومن أمثلة ذلك أيضًا: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] قال: (ولا فرقَ فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، وتخصيصُ المحصنات لخصوص الواقعة، أو لأن قذفهنَّ كان أغلبَ.\nهذا ما قالوا، وأنا أقول: أُريدَ الأنفسُ المحصنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فلا تخصيص).\n\n<span data-type='title' id=toc-9>٥ - ومن ذلك كثرة التعقبات والردود على بعض الأئمة كالبيضاوي والزمخشري:</span>\nوله فيه أسلوب حسن، وهو أنه يَقتصر على ذكر الرد، دون ذكر القائل ودون نقل كلامه بالنص، بل بالاقتصار على ما يفيد الغرض ويوضح الرد، وسيأتي عليه الأمثلة إن شاء الله تعالى.\nوهذا يدل على أنه لم تكن غاية المؤلف في ذلك التشهير أو التجريح، بل بيانُ الوجه الصحيح كما يراه هو، مع ما يستلزم ذلك من التعرُّض للوجه المخالف؛ ليتميز الأمر وتكتمِلَ الصورة، لكن دون أيِّ تجريح، بل ولا تصريحٍ بنسبة المردود لقائل، مما يدل على سلامة النية وطهارة الطوِيَّة، والحرصِ على الإخلاص في الأعمال لتكون مقبولةً عند الملك المتعال.","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>٦ - ومما تميز به هذا التفسير أيضًا أنه نقل لنا كثيرًا مما أبدعه مَن تقدَّمه من العلماء الذين لم تصل إلينا كتبهم، أو لا تزال حبيسة المكتبات تنتظر من يمسح عنها الغبار وينقذها من التلف:</span>\nفمن ذلك أنه نقل الكثير عن أحد أهم الحواشي على \"الكشاف\"، وهو كتاب: \"الكشف على الكشاف\" لسراج الدين عمر بن عبد الرحمن القزويني، لكنه لم يصرِّح به في أيِّ موضع من مواضع نقله، علمًا أنه قد صرَّح بالنقل عنه في \"أربعينياته\" وبعضِ رسائله كرسالته في وضع كاد، ورسالةِ السينات، ورسالةِ نسبةِ الجمع، وغيرها، لكنه هنا لم يصرح بذلك أبدا اتِّباعًا لمنهجه في هذا التفسير من الاقتصار على ذكر الأقوال دون عزوٍ - في الغالب - سواءٌ لهذا الكتاب أو لغيره.\nولرُبَّ سائل يسأل: إذا كان المؤلف لم ينسب الكلام، والمصدرُ غير موجود، فكيف عُرف أن النقل من هذا المصدر؟\nفالجواب: أن هذا كان اعتمادًا على \"روح المعاني\" حيث إن الآلوسي ﵀ قد أكثر كالمؤلف من النقل عن المصدر المذكور، لكنه كان في الغالب يعيِّنه باسمه، وكثيرًا ما يتطابق نقله مع نقل المؤلف، ويكون النصُّ منقولًا بالحرف عندهما، فبذلك استدللنا على نقل المؤلف عن ذلك المصدر، فمِن ذلك ما نقلَه عنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، وقوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ [الرعد: ١٣]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]، وقوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]، وغيرها كثير، وقد بيَّنَّا النقل عند هذه الآيات وغيرها كلٌّ في مكانه، وهذا كله مما هو مشترَك بينه وبين الآلوسي، وهو - مع الأخذِ بعين الاعتبار ما قدَّمناه من منهجه في عدم نسبة الكلام لقائله - يدلُّ على نقله في غير هذه المواضع عن هذا المصدر، كما يدل على نقله عن غيره، والله أعلم.\nفهذا ما ألهمَنا الله إياه وعرَّفَنا من ميزات هذا الكتاب، وليس هذا كلُّ ما حفل به هذا السفر الكريم، بل هناك الكثير الذي لا يظهر إلا بخوض غماره، والتأمل في معانيه وإبداعاته.\nولننتقل إلى بحث لا يقل أهمية عنه، بل هو من أهم أبحاث هذه المقدمة، وهو بيان منهج المؤلف في هذا التفسير، والأسسِ التي بني عليها.","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>رابعًا: بيان منهج المؤلف الذي سلكه في تأليف تفسيره</span>\nوسوف نتناول في هذا البحث عدة موضوعات لعلها ترسم الصورة الحقيقية له، وتكونُ كافيةً في بيان طريقة المؤلف التي سلكها في تفسيره هذا، فأول المواضيع التي نبحثها هو:\n\n<span data-type='title' id=toc-12>مصادره التي اعتمد عليها وكيفية إفادته منها</span>\nفقد نقل المؤلف عن الجم الغفير من أئمة التفسير واللغة والمعاني، فأولهم الزمخشري والبيضاوي، ثم عن كثير غيرهم كالزجاج والفراء والماتريدي، وأبي علي الفارسي، والراغب والقشيري، وابن عطية والقرطبي، والمرزوقي والجرجاني والواحدي، وأبي حيان والنسفي.\nوكلُّهم ممن صرَّح بالنقل عنهم، إلا أنه كان يَنقل دون تصريحٍ في الغالب، لكن يمكن معرفة المصدر من خلال المقارنة والمقابلة.\nوسيكون التفصيل الأكثر في علاقته بالزمخشري والبيضاوي من خلال تفسيريهما، وكيفية إفادته منهما، وطريقته في تعقبهما.\nويمكن تلخيص تأثُّر المؤلف بهذين التفسيرين بأمرين: اختيارات وتعقبات، فهو من جانب ينقل منهما وبلفظهما التفسير والقراءات والأخبار وأسباب النزول، ويتابعهما في كثير من الوجوه الإعرابية وتوجيه القراءات والمعاني القرآنية، ومن جانب آخر يُكثر من التعقُّب عليهما وتخطئتهما إلى درجةٍ أصبح معها ردودُه وتعقباته عليهما من أبرز سمات هذا الكتاب:\nفمن الأمور التي تابعهما فيها دون النظر إلى ما قاله غيرهما: ما جاء عند","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩]، قال في إعرابها: (صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و(ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق؛ لاعتمادهِ على الموصوف).\nكذا نقل هذا الاتفاق عن الزمخشري في \"الكشاف\"، وتابعه البيضاوي في \"تفسيره\"، لكن بالبحث فيما قاله العلماء نجد أن القول بالاتفاق هنا قد يكون مقتصرًا على الزمخشري ومتابعيه، بينما أجاز الكثير من العلماء المعتبَرين فيهما الابتداء والخبر، منهم مكيُّ بن أبي طالبٍ والعُكْبريُّ والقرطبيُّ وأبو حيان والآلوسيُّ. وإن كان أبو حيان قد استبعده بقوله: ولا حاجة إلى هذا؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأَولى جعْلَها من قبيل المفرد (^١).\nومن الأمثلة أيضًا على متابعته لهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٠٣] حيث نقل بالحرف قول البيضاوي: (﴿خَيْرٌ﴾ جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيرًا مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه).\nوفي تفسير ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] نقل بالحرف قول\n_________\n(^١) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب (١/ ٨١)، و\"الإملاء\" للعكبري (١/ ٣٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١/ ٣٢٧)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٢٤١)، و\"روح المعاني\" (١/ ٤٨٠).","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"الزمخشري: (وقرئ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء، وبفتحتين، وفتحةٍ وسكونها. والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة).\nومثله في النقل عن الزمخشري قوله: (ثم إنه كنَى بمجموع قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] عن الجماع، وقد كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً).\nوالأمثلة على هذا كثيرة لا تحتاج إلى تدليل، ولكن أردنا أن لا نُخْلي البحث من بعض الأمثلة على نقله عن كلِّ منهما، وإنما الذي يُحتاج للوقوف عنده هو ما كان فيه مع النقل زيادةٌ أو تغييرٌ أو تعقُّب، فمن أمثلة الزيادة:\nما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: (مفعول ﴿يَوَدُّ﴾، و﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية للابتداء، وفسر الخير بالوحي، والمعنى:","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة).\nوهذا منقول بالحرف من البيضاوي، ثم قال البيضاوي: ولعل المراد به ما يعم ذلك.\nوقال المؤلف: (والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة).\nوقد تكون الزيادة خلال الكلام لا في آخره، ومن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] قال: (من الأنبياء ﵈، والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇، يعني: أنه عبادةٌ قديمة ما أَخْلَى الله تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس).\nوهو من البيضاوي دون قوله: (يعني: أنه عبادةٌ قديمة ما أَخْلَى الله تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم).\nومن أمثلة التغيير: ما جاء في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: (بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها).\nومثله في البيضاوي إلا أنه قال: (… ولعل الأمر بها …)، بزيادة كلمة: (لعل).\nومن أسلوب الزمخشري في \"الكشاف\" طريقة (فإنْ قيل .. - أو قلتَ .. - قلتُ ..)، لكن المؤلف - ولعله من باب الاختصار - كثيرًا ما يُجمل الكلام","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"ويجعله خلوًا عن الأسلوب المذكور، فمن ذلك تفسير قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال: (وتنكيرُ الرشد معناه: نوعًا من الرشد، وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو: طرفًا من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه، ونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب ﴿إِذَا﴾ المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم).\nوقال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى تنكير الرشد؟ قلتُ: معناه: نوعًا من الرشد، وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو: طرفًا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلتَ: كيف نظم هذا الكلام؟ قلتُ: ما بعد (حَتَّى) إلى ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جعل غاية للابتلاء، وهي (حتى) التي تقع بعدها الجمل … والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن ﴿إِذَا﴾ متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط ﴿بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم.\nفانظر كيف غيَّر المؤلف ﵀ واختصر، لكن مع المحافظة على المعنى.\nومثله في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ قال: (وتنكيرها لأن المطر","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"يأتي على تناوُبٍ بين البقاع، فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض، ﴿بِقَدَرِهَا: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضارٍّ، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر).\nبينما قال الزمخشري: فإن قلتَ: لم نكرت الأودية؟ قلتُ: لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض. فإن قلتَ: فما معنى قوله: ﴿بِقَدَرِهَا﴾؟ قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ لأنَّه ضرب المطر مثلًا للحق، فوجب أن يكون مطرًا خالصًا للنفع خاليًا من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.\nفغيَّر المؤلف في الأسلوب، واختصر، وزاد قولًا في آخر كلامه.\nلكنه في المقابل لا يقبل كلَّ ما يقوله الزمخشريُّ والبيضاوي، بل يردُّ عليهما في كثير جدًّا من المواضع، وهذا ينقلنا إلى عرضِ طريقته في التعقُّبات والردود، والتي تعدُّ من أبرز السمات في منهج المؤلف كما سيرد في الأمثلة الكثيرة التي سنسوقها:\nفمن ذلك ردُّه على كلٍّ من الزمخشري والبيضاوي وشرَّاحهما تأويلاتهم في آية: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ فقال: (والمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"تجوُّزٍ بحسَب اللفظ كما في قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلًا للموصوف مَنزلتَه …).\nثم قال: (وفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ من اَمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضًا لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء).\nففي هذا رد على الزمخشري في التقديرين المذكورين، وعلى مَن تابعه كالبيضاوي والنسفي وغيرهما، ولا ندري هل غفل هؤلاء الأئمة عن الوجه الذي نحاه المؤلف في تفسير الآية، أم عرفوه لكنهم ما اعتبروه؟\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قال: (نزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ ﵇ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي الآية دلالةٌ على جواز النسخ، بل على وقوعه.\nقيل (والقائل البيضاوي): وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلًا من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره).","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"ثم تعقب القيل المذكور بقوله: (وكأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضبًا على قوم.\nثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ).\nوانظر إلى قوله: (﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]: ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة فيجوز تذكيرها - ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ - والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾؛ لتقدُّمه عليها).\nفقوله: (ولا حاجة …) رد على البيضاوي، وقوله: (والعامل …) نقله منه بالحرف معتمدًا إياه.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال: (تقبيحٌ بليغٌ لِمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً؛ كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾.\nقيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ. ولا يخفى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه).","vol":"المقدمة","page":40},{"text":"وصاحب القيل المذكور هو الزمخشري، وتابعه فيه البيضاوي.\nومن تعقُّباته على البيضاوي قولُه في تفسير: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ﴾ [النساء: ١٢]: (أي: ولواحد منهما، فلا ضرورة للحمل على الاقتصار كما ذهب إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه).\nوالقائل المذكور هو البيضاوي في \"تفسيره\".\nومن أجمل الأمثلة على تعقُّبه للبيضاوي كلامُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] حيث قال: (ومَن قالَ في تفسيره [أي: تفسير الكظم، والقائل هو البيضاوي]: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدرةِ عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: مَن كظَم غيظًا وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ الله قلبَهُ أمنًا وإيمانًا).\nقلتُ: ومراد المؤلف ﵀: أن الكف عن إمضاء الغيظ مع القدرةِ عليه ليس داخلًا في معنى الكظم، بدلالة تقييدِه به في الحديث، ولو كان منه لَمَا قيِّد به، والبيضاوي جعله داخلًا في معنى الكظم.\nومن الأمثلة الحسنة أيضًا قولُه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١]: (إذا نالهم وسوستُه، قيل [والقائل البيضاوي]: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم).","vol":"المقدمة","page":41},{"text":"ثم تعقبه بقوله: (ومبناه الغفول عن دلالة المس).\nفنسبه إلى الغفلة هنا، وأحيانًا ينسبه إلى الوهم كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] قال: (وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ).\nوالقائل هو البيضاوي.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] قال: (وهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا ولكنْ لمَّا لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم.\nوأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقَّدوها في الساعة التي علَّقوا بها الرجاء فيها. فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرَّة، فلا احتمال للتفقُّد).\nوكلا القيلين ذكرهما الزمخشري وتابعه عليهما البيضاوي.\nوردَّ عليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] قال: (بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ … وقد دل الباء السببية على أنهم","vol":"المقدمة","page":42},{"text":"يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة).\nوعليهما في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ [يوسف: ١٠١] قال: (بعضَ الملك، وهو مُلك مصر، ومَن قال: أو بعضَ ملك مصر، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]).\nومثله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] قال: (لئلا يقولوا: لولا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له. ومَن قال: وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثرِ عن إدراك كلياتها = فلم يتنبه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكر بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الإفهام.\nوصاحب القول المذكور هو البيضاوي.\nوأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهًا، من قولهم: أسمعه فلان، إذا سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أظهروا الخلاف والشقاق).\nوهذا المردود هو قول أجازه الزمخشري وتابعه عليه البيضاوي لكنه زاد عليه قصد النفاق.","vol":"المقدمة","page":43},{"text":"ومثل ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: (بكلِّ معبودٍ سوى الله، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]).\nثم قال: (وبهذا التفصيل … تَبيَّن الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون الله، أو صدَّ عن عبادة الله).\nوفيه رد على الزمخشري والبيضاوي، حيث قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وزاد عليها القاضي: (أو كل ما عبد من دون الله، أو صد عن عبادة الله تعالى)، وهي عينها عبارة المؤلف.\nومن ردوده عليهما ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] قال: (وجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولًا)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ).\nوالمجوِّز الزمخشري وتابعه البيضاوي.\nوفي تفسير: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١] قال: (عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومَن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه","vol":"المقدمة","page":44},{"text":"فقال: إذ ما من أمر دينيٍّ إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يَدْر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل.\nوقوله: (ومَن لم يتنبه لهذا ..) أراد به البيضاوي.\nوهناك ردود خفيَّةٌ مَطْويَّة في ثنايا الكلام لا يُتنبَّه إليها إلا بالمقارنة والمقابلة، وهي أكثر من أن تُحصى، فمن ذلك:\nما جاء في تفسير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] قال: (رُوي أنَّ سريَّةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فدك، فهربوا وبقي مرداسٌ ثقةً بإسلامه، فلما رأى الخيلَ أَلجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحَقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسول الله، السلامُ عليكم. فقتله أسامةُ ﵁ واستاق غنمه، فنزلت).\nثم قال: (ولا دلالة فيه على صحة إيمان المكرَه، وإنَّ ما رُوي ليس من الاجتهاد المعهودِ في شيء).\nردَّ على البيضاوي في قوله: وفيه دليل على صحة إيمان المكره، وأن المجتهد قد يخطئ، وأن خطأه مغتفر.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] ذكر سبب النزول، وهو أنه فقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كان مع النبيِّ ﷺ: لعلَّ رسولَ الله ﷺ أخَذَها، فنزَلَتْ.\nثم عقبه بقوله: (وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا).","vol":"المقدمة","page":45},{"text":"وهذا رد على الزمخشري والبيضاوي في جعل القائل منافقًا.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] قال بعد أن ذكر تفسيرها: (ولا يجوز أن يكون معناه: إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ).\nوفيه رد على البيضاوي القائل: أي: لا تقربوا الصلاة جنبًا في عامة الأحوال إلا في السفر، وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم.\nومثله في تفسير: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قال: (أي: مدعوًّا عليك بـ: لا سمعتَ؛ لصممٍ أو موت، أو: اسمع غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمَعٍ كلامًا ترضاه …\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال في نهاية كلامه: (وليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه).\nوفيه رد على البيضاوي حيث قال: وفيه دليل على وجوب الوقوف بها؛ لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾.\nوكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: (استئنافٌ تعليليٌّ، فلا وجه لتقدير: ولكن).\nوفيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إذ الإِكراه في","vol":"المقدمة","page":46},{"text":"الحقيقة إلزامُ الغير فعلًا لا يرى فيه خيرًا يحمله عليه، ولكن ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ …\nوكذا في تفسير ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: (بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريرًا لقيوميته كما قيل لاتَّحد مع ما قبله في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ).\nوالكلام رد على ما قاله البيضاوي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لقيوميتَّه، واحتجاج به على تفرده في الألوهية.\nوقال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]: (بسبب ظلمهم، وهو تعنُّتهم في السؤال، فلا دلالة فيه على استحالة المسؤول).\nرد للبيضاوي في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا.\nوكذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] قال: (ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بمضمر يفسره الظاهر، و﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفة له، ولا يجوز أن يكون حالًا عن المستكنِّ في ﴿هَلَكَ﴾ لأنَّه تفسير غيرُ مقصود).","vol":"المقدمة","page":47},{"text":"وهو رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفة له [يعني: لـ ﴿امْرُؤٌ﴾] أو حال من المستكن في ﴿هَلَكَ﴾.\nقلت: ومعنى كون ﴿هَلَكَ﴾ تفسيرًا غير مقصود: أنه مفسر للرافع لـ ﴿امْرُؤٌ﴾، ولذلك فهو غير مقصود.\nوقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [هود: ٤٥]: (أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله: ﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ؛ فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خلوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها).\nرد على الزمخشري والبيضاوي؛ إذ الأول قال: فإن قلتَ: فإذا كان النداء هو قوله: ﴿رَبِّ﴾، فكيف عطف ﴿فَقَالَ رَبِّ﴾ على ﴿نَادَى﴾ بالفاء؟ قلت: أريد بالنداء إرادةُ النداء، ولو أريد النداء نفسه لجاء كما جاء قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] بغير فاء.\nواختصر كلامه البيضاوي بقوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ: وأراد نداءه، بدليل عطف قوله: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ فإنه النداء.\nوكثيرًا ما كان يأتي التنبيه على الردود في حواشي النسخ الخطية:\nفمن ذلك قوله: (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ).\nجاء في هامش بعض النسخ الخطية: (من قال: أي: لا يهتدي إلى تأويله، فقد ضل؛ لأن الاهتداء لا يجوز إسناده إليه تعالى. منه). وفيه ود بل تشنيع على الزمخشري القائل للعبارة المذكورة.","vol":"المقدمة","page":48},{"text":"وكذا قوله: (﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا﴾ وقتَ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] عودَنا، هذا هو الذي يقتضيه المساق، وتقدير الخذلان من خذلان التقدير).\nجاء في هامش إحدى النسخ: (دس الزمخشري هنا مذهبه الباطل ولم يتفطن البيضاوي. منه).\nوالمراد قول الزمخشري: فإن قلتَ: فما معنى قوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ والله تعالى متعال أن يشاء ردَّةَ المؤمنين وعودَهم في الكفر؟ قلت: معناه: إلا أن يشاء الله خذلاننا ومنعنا الألطاف، لعلمه أنها لا تنفع فينا وتكون عبثًا، والعبث قبيح لا يفعله الحكيم.\nوتابعه البيضاوي مختصرًا كلامه بقوله: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا: وما يصح لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ خذلانَنا وارتدادنا.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] قال البيضاوي: والإمام اسم لمن يُؤتمُّ به، وإمامته عامةٌ مؤبدة، إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان من ذريته مأمورًا باتباعه.\nبينما قال المؤلف: (وإمامتُه ﵇ مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأمورًا باتِّباعه).\nوجرى التنبيه في هوامش النسخ على الحذف الذي أحدثه المؤلف في عبارة البيضاوي بالقوله: (لم يقل كما قال القاضي: إلا كان من ذريته .. إلخ؛ لأنَّه مع استدراكه في مقام التعليل محل مناقشة. منه).","vol":"المقدمة","page":49},{"text":"ومن ذلك قوله: (﴿فَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]).\nجاء في هوامش بعض النسخ: (مَن زاد على هذا قوله: (المؤمن) فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. منه).\nوهو رد على قول البيضاوي في \"تفسيره\": أي: فإن كان المؤمن المقتول.\nومما كثر فيه الردود وجرى التنبيه عليه في هوامش النسخ ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] قال المؤلف: (نُهوا عن تَمنِّي ما فضَّل الله به بعضَ الناس على بعضٍ من الجاه والمال والعلم، مع قطع النظر عن كونه ذريعةً إلى التحاسد والتباعد؛ لأن ذلك التفضيلَ قسمةٌ من الله تعالى على ما اقتضتْه حكمتُه، فليَرْضَ كلُّ واحد بما قُسم له، علمًا بأنه هو الذي فيه صلاحه.\nولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِنًا للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظًّا، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (^١) = لم يكن على بصيرةٍ.\nثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧١ - ٧٢).","vol":"المقدمة","page":50},{"text":"ثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور).\nوقد جرى التنبيه في هامش إحدى النسخ أن الكلام رد على البيضاوي، وهو كما قال، وهذا نص كلامه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ومن الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير، والمقتضي للمنع كونه ذريعةً إلى التحاسد والتعادي، معربةً عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنَّه تشهٍّ … - إلى قوله - ضائعٌ وباطلٌ.\nونحوه: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] قال: (ينتظرون تجدد حال بكم).\nجاء في هامش إحدى النسخ (نافعًا كان أو ضارًّا، ومن قال: وقوعَ أمر بكم، فقد خصه بالثاني لأن الوقوع إذا تعدَّى بالباء يختص به على ما ذكره الجوهري، ولا وجه لتخصيص المذكور. منه).\nقلت: والقائل المشار إليه هو البيضاوي.\nومن الأمثلة الحسنة أيضًا قول المؤلف: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] حينئذٍ، أو في الدنيا، والمراد بالسبيل: الحجة، ولا متمسَّك فيه لأصحاب الشافعي على فساد شراء الكافر المسلم، ولا للحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد).\nجاء في هامش إحدى النسخ: (والمفهوم من كلام القاضي خلاف ذلك. منه).","vol":"المقدمة","page":51},{"text":"قلت: فقد قال القاضي: واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلمَ، والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد، وهو ضعيف لأنَّه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة.\nومن ذلك قوله في شرح الكلالة: (وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلَال، فاستُعيرت لقرابةٍ لا يقارنُها النسبة).\nجاء في هامش بعض النسخ: (من قال: ليست بالبعضية، لم يُصب لأنَّه حينئذ تخرج الأم والجدة من الكفالة. منه).\nوالقائل المذكور هو البيضاوي، ولفظه: .. فاستعيرت لقرابة ليست بالبعضية؛ لأنها كالة بالإِضافة إليها …\nفانظر إلى هذه الدقة العجيبة عند المؤلف في اختيار الألفاظ، وكيف ينقل العبارة بحرفها لكنه يدقق في كل لفظة فينتقي كلمة يراها هي الأنسب بدل أخرى رآها لا تناسب المقام.\nوهذا منهج مطرد عند المؤلف، وقد ورد في هذا الكتاب الكثير من أمثاله، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ قال: (وفيه دلالةٌ على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ).\nفجاء في هامش إحدى النسخ: (عبارة القاضي: محال، ولا دلالة في الكلام المذكور على الاستحالة، منه).\nوعبارة القاضي: (.. وأن خلاف مراده محال)، فوضع المؤلف كلمة (غير واقع) بدل كلمة: (محال) للتعليل المذكور في الهامش.","vol":"المقدمة","page":52},{"text":"ومثله ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: (رُوي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعونُ ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين).\nفجاء في هامش إحدى النسخ: (فيه رد للقاضي في قوله: وصادفوهم في شاطئ البحر). وفي هامش أخرى: (فيه رد للقاضي في قوله: فصبحهم). وعبارة البيضاوي: (فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر).\nومن أمثلة هذا النهج أيضًا ما جاء عند تفسير: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨١] قال: (كانَ الظاهرُ أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ …)\nفعند كلمة: (كان الظاهر) جاء في هامش بعض النسخ: (عبارة القاضي: وكان اللائق، ولا يخفى أنها ليست لائقة لمقامها. منه).\nومن ذلك قوله: (والواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك … ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح","vol":"المقدمة","page":53},{"text":"البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر).\nفجاء في هامش بعض النسخ: (من قال: لنقصان القوة البشرية، لم يدر أنه لا يكفي في تمام التقرير على ما نبهت عليه. منه).\nوالقائل المذكور هو البيضاوي.\nوإن مَن يعرف أسلوب المؤلف وينقِّب في ثنايا كلامه يجد أن الكتاب قد امتلأ بالردود والتعقُّبات - كالتي مرت ونحوِها - كما هو شأن كتاباته كلها، فهو أبعد ما يكون عن التسليم لأحد مهما كانت مكانته العلمية، ولعله مِن هنا تستمِدُّ كتاباته تلك المكانة، وهو كونه ليس مجرد ناقل بل محقِّقٌ باحث دأبُه إعمالُ الفكر والعقل، والبحثُ عن مواضع النظر في كلام السابقين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-13>تفسير القرآن بالقرآن عند ابن كمال باشا</span>\nلقد عُني العلماء بتفسير القرآن بالقرآن عنايةً كبيرة، حتى عَدُّوه أصحَّ طرق التفسير، كما قال بعضهم: إن أصح الطرق في التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجْمِلَ في مكان فإنه قد فُسِّرَ في موضع آخر، وما اخْتُصِر من مكان فقد بُسِطَ في موضع آخر.\nلكن ينبغي التنبيه هنا على أن تفسير القرآن بالقرآن - فيما عدا ما فسره النبيُّ ﷺ من ذلك - هو نوعٌ من أنواع التفسير بالرأي، فإن عملية التفسير المعتمِدةَ على الفهم والاجتهاد بين الآيتين، والحكمَ بأن إحداهما مبيِّنةٌ للأخرى، أو","vol":"المقدمة","page":54},{"text":"مفصِّلةٌ لمجمَلها، أو مطلِقةٌ لمقيِّدها، أو ناسخةٌ لحكمها، إنما هو من قبيل التفسير بالرأي.\nوثمة أمرٌ آخر لا بد من التنبيه عليه أيضًا، أن تفسير القرآن بالقرآن عن طريق الاجتهاد قد يدخله الاختلاف؛ لِمَا جُبل عليه البشر من اختلاف العقول، فالآية التي يجتهد عالم في تفسيرها بآية أخرى قد يجتهد غيره فيفسرها بغيرها، كما أنه ليس كلُّ مَن حمل آيةً على أخرى يُقبل قوله بحجةِ أنه من تفسير القرآن بالقرآن، فإن هذا الأسلوب قد يستعمله أحيانا أهل البدع لتقرير بدعتهم، كما فسر بعض المعتزلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] بأنها تنتظِر ثواب ربها، وينفون رؤية الباري، ويستشهدون لذلك بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ولو لا قولهم بعدم رؤية الباري لما حملوا هذه الآية على تلك.\nوبالعودة إلى هذا التفسير الذي بين أيدينا نجد أن لتفسير القرآن بالقرآن عند هذا العلَّامة نكهةً خاصة، وأسلوبًا متميزًا، فليس أسلوبه مقتصرًا على تفسير الآية بآية أخرى أو آيات، ولا منحصرًا في بيان الرابط بينهما، لكنه يذهب إلى أبعد من هذا، حيث يجعل الآيات مكمِّلة لبعضها، وكأنها بمجموعها موضوعٌ واحد، بحيث تؤدِّي كلّ آيةٍ جزءًا من الغرض، ليتكامل باجتماعها الموضوع:\nفمن ذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ [النور: ٢٤] هذا في حقِّ القَذَفة، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥] في حقِّ المشركين،","vol":"المقدمة","page":55},{"text":"فلا منافاة، ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعترفونَ بها بإنطاق الله تعالى، على ما نطَق به قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] بغير اختيارهم على ما دلَّ عليه قولهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وفي ذلك مزيد تهويلِ العذاب.\nفانظر إلى هذا الجمع العجيب والدمج الغريب، والذي لا تجده عند غير هذا العلامة.\nومن ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل من ثمرتها، دلَّ هذا على أن المراد من الأكل في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] بدايتُه، كما دلَّ هو على أن المراد من الذوق هنا نهايتُه، فالقرآن يفسِّر بعضه بعضًا).\nومن أمثلة عنايته بتفسير القرآن بالقرآن قوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: إلا عبد أُرسلت بشيرًا ونذيرًا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] متعلّق بالبشير، ومتعلَّق النذير محذوف للتعميم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]).\nوبعدها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: من جنسها؛ لقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]).\nومنه قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى: بشارةً ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] متعلِّق بـ ﴿وَبُشْرَى﴾، ومن حيث المعنى متعلِّق ب ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضًا\" لقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣]).\nوتجده أحيانًا يربط بين الآيتين من خلال اختيار وجه في الأولى","vol":"المقدمة","page":56},{"text":"استدلالًا بما في الثانية، ومن أجمل الأمثلة عليه ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] قال: (هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفيٌ للصَّمم والعَمى .. يعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّدًا وبُكيًّا، سامعينَ بآذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا).\nفانظر إلى روعة الاستنباط، وجمال الاستدلال، وحسن الاختيار.\nوأحيانًا يكون الأمر على عكس الطريقة السابقة، يعني يردُّ على قولٍ في آية وبفنِّده بدلالةِ آيةٍ أخرى:\nفمن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] حيث قال المؤلف: (قيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]).\nوأكثر ما يكون هذا في القصص القرآنية:\nومن أمثلة ذلك ما جاء في آخر تفسير قصة اَدم في سورةْ البقرة، حيث قال: (وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا","vol":"المقدمة","page":57},{"text":"رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآيةَ [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريح في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه).\nومن الأمثلة الحسنة عليه ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] حيث قال: (وكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة كالكعبة شرَّفها الله تعالى).\nوفي تفسير ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦] أوردَ قيلًا وردَّه بالطريقة نفسِها فقال: (وقيل: قام عند الباب فناداهما. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٥] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء).\nثم قيلًا ثانيا فقال: (وقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما. ورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله).\nقال: (ويردُّه قولُه تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال).\nوعند تفسير: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه: ٢٢] قال: (قيل: والمراد: إلى جنبك تحت العَضُد، دل على ذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾. ويردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢] لأنَّه صريح في أنَّ المراد الدُّخول في الجيب والخروج منه).","vol":"المقدمة","page":58},{"text":"وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣]: مِن تعلُّمه .. وقيل: من العمل به في معارضة المعجزة؛ لِمَا روي ألَهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعلَ، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر؛ لأنَّ السَّاحر إذا نام بطل سحرُه، فأبى إلَّا أن يعارضوه.\nويردُّه قوله تعالى: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فإنَّه ظاهر في الرِّضا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، فإنَّ الظَّاهر منه عدمُ علمهم بشأن موسى ﵇.\nومثلُه في رد بعض الأخبار الواردة في تفسير آيةٍ بدلالةِ آيةٍ أخرى ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢] قال: (قيل: لَمَّا نُودِيَ: ﴿يَامُوسَى﴾، قال: مَن المتكلِّم؛ فقال اللهُ تعالى جلَّتْ عظمتُه: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾، فوسوس إليه الشَّيطان: لعلَّك تسمع كلام الشَّيطان، فقال: أنا عرفْتُ أنَّه كلام الله تعالى بأني أسمعه من جميع الجهات، وأسمعه بجميع أعضائي).\nثم تعقبه بقوله: (قوله: أسمعه من جميع الجهات، يردُّه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢]؛ فإنَّه صريح في سماعه النِّداء من جهةٍ واحدةٍ، لا مِن جميع الجهات).\nوالخبر المذكور أورده البيضاوي وغمز فيه الآلوسي بقوله: في صحة الخبر خفاء، ولم أر له سندًا يعوَّل عليه.","vol":"المقدمة","page":59},{"text":"ومن ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ قال: (وأمَّا ما قيل: الباء مزيدة، والمعنى: فاتبعهم فرعون جنودَه. فمبناه الغفول عن قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠]، ثمَّ إنَّ فيه إيهامَ عدم اتِّباع فرعون بنفسه).\nومن ردِّ الأقوال بالآيات أيضًا: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ قال: (قيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ. ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢].\nوأحيانا يستعمل الأسلوبين، أعني إثبات قول وإبطال آخر بدلالة آياتٍ أُخَر:\nومن أمثلته قوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ أي: بالماء لأنَّه أقرب لفظًا ومعنًى، لا إلى البلد على أن الباء للظرفية؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فإن جميع أنواعها لا يخرج في البلد، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] صريح في المعنى الأول، والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا).\nوفيه ردٌّ خفي على البيضاوي في تجويزه عود الضمير إلى البلد، حيث قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾ بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوق أو بالريح، وكذلك: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ ويحتمل فيه عود الضمير إلى الماء …).\nوفي تفسير: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ قال: (أي: نخاف أن يَعْجَل علينا بما يَحول بيننا وبين إتمام الدَّعوة وإظهار المعجزة …).","vol":"المقدمة","page":60},{"text":"ثم قال: (وإنَّما قلنا: (بما يحول)، ولم نقل: (بالعقوبة) كما قيل؛ لأنَّه مردود بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، فإنَّه مذكور قبل قولهما هذا، بدلالة قوله: ﴿سَنَشُدُّ﴾، وقد دلَّ على أنهما محفوظان من عقوبته).\nوالأمثلة على هذا كثيرة لا تنتهي، ولكن ما ذكرناه كافٍ في بيان المراد، والتعريفِ بسعةِ علم المؤلف، وقوةِ عقله، وأسلوبه الفريد في جمع الآيات والربط فيما بينها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-14>التفسير بالمأثور عند ابن كمال باشا</span>\nونعني به: كلَّ ما جاء عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين من تفسير للقرآن. وقد رسم ابن تيمية معالم التفسير بالمأثور فقال بعد أن ذكر أن أصح الطرق في التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن: فإن أعياك ذلك فعليك بالسنَّة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كلُّ ما حَكم به رسول الله ﷺ فهو مما فَهِمَه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]،","vol":"المقدمة","page":61},{"text":"ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"ألا إنِّي أوتيت القرآن ومثله معه \" (^١) يعني السنة.\nوالسنة أيضا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى …\nوالغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة …\nوحينئذ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك؛ لِمَا شاهدوه من القرآن، والأحوالِ التي اختصُّوا بها، ولمَا لهم من الفهم التامِّ، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين؛ مثل عبد الله بن مسعود …\nإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر\" فإنه كان آية في التفسير … (^٢).\nولكن لا بد هنا من التنويه على أمر هام، وهو: أن السنة بالنسبة إلى القرآن لها تعلقان: خاصّ وعام:\nفالأول: هو ما روي عن النبي ﷺ من تفسير لبعض الآيات بعينها، كقوله: \"إنَّ في الجنَّةِ لشجرةً يسيرُ الرَّاكبُ في ظِلِّها مئةَ سنةٍ، واقرءوا إِنْ شِئْتُم ﴿وَظِلٍّ\n_________\n(^١) راوه أبو داود (٤٦٠٤) من حديث المقدام بن معدي كرب وضي الله عنه.\n(^٢) انظر: \"مقدمة في أصول التفسير\" (ص: ٣٩ - ٤٤).","vol":"المقدمة","page":62},{"text":"مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٥] \" (^١)، وكحديث أنس أن النبي ﷺ قرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٢] ثُم قال: \"أتَدْرُود ما الكوثرُ؟ \" فقُلنا اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: \" فإنَّه نهرٌ وعَدنيهِ ربِّي ﷿، عليه خَيْرٌ كثيرٌ … \" (^٢).\nفهذا وأمثاله مما صح عن النبيِّ ﷺ لا يقدم عليه شيء - والله أعلم - ولو كان من تفسير القرآن بالقرآن؛ لأن هذا نقليّ وذاك يدخله الاجتهاد كما قدمنا.\nوأما الثاني: فهو السنن القولية والفعلية الواردة عن النبي ﷺ، والتي هي بمجملها تفسير للقرآن وتبيين له، لكن تعلُّقها بالآيات عامّ غيرُ مباشر، وربطُها بها يكون عن طريق الاجتهاد، مثال ذلك: قوله ﷾: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: ٣٤] بعض المفسرين المتأخرين حملوا هذه الآية على حديث سليمان أنه قال: \"والله لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأةٍ، تلد كلُّ امرأةٍ منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل إن شاء الله، فنسي فطاف بهن، فلم تأت امرأة منهن بولد إلا واحدة بشق غلام \"، فقالوا: إن هذا هو الجسد الذي أخبر الله ﷾ عنه، والرسول ﷺ لم يربط هذا الحديث بالآية، وإنما أخبر بخبرٍ عن سليمان ﵇، فحَمْلُ الحديثِ على الآية ليس من فعل الرسول ﷺ، وإنما من عمل المجتهد، فهذا النوع يدخله الاجتهاد،\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٤٠٠).","vol":"المقدمة","page":63},{"text":"فالمفسِّر هو الذي اجتهد في بيان أن هذا الحديث - الذي لم يرد من الرسول ﷺ على سبيل التفسير؛ لأنَّه لم يذكر آيةً يفسرها مفسِّر وموضِّح لمعنىً في هذه الآية.\nومما ورد في هذا الكتاب من التفسير بالمأثور ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] قال: (أي: تحسُّرٌ أو هُلْكٌ، روى عثمان عن النبي ﷺ: \"الويل جبل في النار\"، وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: \"واد في جهنم\".).\nوكلاهما ضعيف كما بيِّن في محله، ولعل هذا هو السبب في أن المؤلف أخرهما.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ قال: (وهي صلاةُ العصر؛ لمَا روي أنه ﵇ قال يوم الأحزاب: \"شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ الله بيوتَهم نارًا\".).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ذكر من معانيه: لا تفتنِّي ببناتِ الأصفر؛ قال: لِمَا رويَ: أنَّ جدَّ بنَ قيسٍ قال: قد علمَتِ الأنصارُ أني مستَهْترٌ ببنات الأصفر - يعني: نساء الرُّوم - فلا تفتنِّي بهنَّ، ولكن أُعِيْنُك بمالٍ فاتركني).\nكما أنه قد حوى قَدْرًا لا بأس به مما نقل عن الصحابة وخصوصًا ابن عباس ﵄، وفيه أيضًا آثار عن بعض التابعين كمجاهد وعكرمة والحسن البصري وغيرهم.","vol":"المقدمة","page":64},{"text":"لكننا إذا ما قارنَّا هذا التفسير بالتفاسير التي تصنَّف ضمن التفسير بالمأثور كـ\"تفسير الطبري\" و\"تفسير ابن كثير\" و\"الدر المنثور\" فسوف نجد أنه ليس من التفاسير التي يمكن أن تصنف في هذا الباب، ولعل السبب في ذلك هو ما قدَّمناه من منهج المؤلف المعتمِد على إبراز النواحي البلاغية والجمالية واستنباط المعاني الكثيرة من الألفاظ والعبارات، وهذا الأسلوب كما بينَّا فيما سبق ليس بديلًا عن التفسير بالمأثور ولكنه رديفٌ له ومُعينٌ على فهم القرآن كما فهمه الأوائل من الصحابة والتابعين وتابعيهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-15>عقيدة المؤلف والرد على الشبه والأباطيل والمذاهب المنحرفة</span>\nمن المعروف عن المؤلف ﵀ التزامُه بعقيدة أهل السنة والجماعة ودفاعُه عنها، وإبطالُ المذاهب الفاسدة، والأقاويل الباطلة، وتفنيدُها لكن بالحجة والبرهان لا بسلاطة اللسان.\nوقد أكَّد انتماءه لأهل السنة عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فقال: (ونحن معاشرَ أهل السُّنَّة نقول بما هو مُوجَب النَّص: مِن أنَّ الإيمان النَّافع مجموعُ الأمرين، فلا حجَّة فيه للمخالف …).\nوهو في تفسيره هذا لم يَدَعْ آية فيها ردُّ على أهل الباطل، أو إبطالٌ لتأويلهم الفاسد، إلا بيَّنها وبيَّن مذهب أهل الحق فيها، فهو يردُّ على الحشوية والجبرية والكرَّامية والمعتزلة وغيرهم، وللأخيرينَ عنده موقع","vol":"المقدمة","page":65},{"text":"خاص في إبطال تأويلاتهم الفاسدة، وسنؤخر إيراد الأمثلة عليهم حتى آخر هذه الفقرة لكثرتها:\nفمِن رده على الحشوية قولُه في آخر تفسير قصة آدم في سورة البقرة: (ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم).\nوبين ضلال المعطِّلة والدهرية في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] قال: (أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم).\nكما رد على الدهرية في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فقال: (ففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله ﷺ، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب. وعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقًا بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات. وفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ).\nوعلى الجبرية فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾","vol":"المقدمة","page":66},{"text":" [الأعراف: ٣٠]: (بإبطالهم الاستعدادَ الأصلي والقابليةَ الفِطْريةَ لا باقتضاءِ القضاءِ الأزلي كما زعمت الجبريةُ؛ لأن القضاء تابعٌ للمقضيِّ لا متبوعٌ له).\nوفنَّد إحدى شُبَه الزمخشريِّ بأنها على طريقة الجبرية المنافية لمذهب الحق مشنِّعًا عليه فيما ذهب إليه، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] فقال: (ولا دلالة فيه على استقلال العبد في أفعاله؛ إذ يكفي في استحقاقه الملامةَ أن يكون لقدرته الكاسبة مدخلًا فيه [أي: في فعله]، ومَن قال أهو الزمخشري]: وهذا دليل على أنَّ الإنسان هو الذي يختار الشَّقاوة والسَّعادة ويحصِّلهما لنفسه، وليس من الله إلَّا التَّمكين، ولا من الشَّيطان إلَّا التَّزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبِرة (^١) لقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإنَّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه - فقد خلَّط في كلامه، وخَبط في تمشية مرامه؛ فإنَّ ما ذكره أوَّلًا يساعده فيه أهل الحقِّ، وما ذكره ثانيًا - وهو مذهب الباطل - لا يساعده الشَّيطان أيضًا، وقد نبَّهْت فيما سبق على أنَّه لا دلالة في كلامه عليه، وما ذكره أخيرًا إنَّما يتَّجه على الجبريَّة، لا على أهل الحقِّ القائلين: لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين ذلك).\nوفي تفسير: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ قال: (وكون الأمور مقدَّرةً لا تتغير، لا يصلحُ علَّةً لفساد مكرهم؛ لِمَا قرَّرناه في مواضعَ مِن أنَّه لا تأثيرَ في التَّقدير كما زعمتْه الجبريَّة).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ\n_________\n(^١) يعني: أهل السنة الملقبين عند الزمخشري بالمجبرة، وقد بيناه في موضعه.","vol":"المقدمة","page":67},{"text":"أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قال: (وفي الآية دلالةٌ على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض).\nوأما الردود على المعتزلة فقد حفل بها هذا التفسير؛ ولعل ذلك لكثرة تأويلهم للقرآن لإثبات مذهبهم، وخفاءِ دسائسهم في كثير من الأحيان، وقد يكون من أسباب ذلك أيضًا شدة التصاقه بـ \"كشاف \" الزمخشري الذي دسَّ فيه كثيرًا من التأويلات الموافقة لمذهبه، فكان لزامًا على المؤلف الوقوفُ عند كلِّ شبهة، وردُّ كل تأويل يخالف مذهب أهل السنة والجماعة، فلم يترك آيةً فيها ردٌّ على المعتزلة إلَّا وَقَفَ عندها واسْتَنْبَطَ منها ما يفنِّد مذهَبَهم، أو أبرز ما ينفي فاسدَ تأويلهم، وأظهر الحجة لأهل السنَّة عليهم، وهذه الردود منها ما كان من خلال الردِّ على الزمخشري، ومنها ما هو ردٌّ مباشر عليهم:\nفمن ذلك ما جاء في تفسير: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء: ١٢] قال: (وفي عبارة الفضل إشارة إلى أنَّه لا يجبُ على الله تعالى أن يرزقَ عبادَه، وإنَّما ذلك تفضُّلًا، ففيه رَدٌّ على المعتزلة).\nومنه ردُّه عليهم معرِّضًا بالزمخشري في قوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حيث قال: (وهو حجَّةٌ على مَن منع إيتاءَ اللهِ الملكَ الكافرَ من المعتزلة. والجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحانًا إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان).\nفقوله: (والجواب بأن …) تعريض بالزمخشري حيث ذكر في \"الكشاف\"","vol":"المقدمة","page":68},{"text":"هذين الجوابين في صرف الآية عن ظاهرها دفاعًا عن مذهبه في الاعتزال القائم على وجوب رعاية الأصلح.\nونحوه قوله في تفسير: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]: (أي: بواحدة، هذا بحكم الوعد، لا باقتضاء العدل كما توهَّمه المعتزلة؛ إذ لا حقَّ للخلق على الخالق).\nيردُّ بذلك على الزمخشري في قوله: ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل.\nومن بيان دسائسهم قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له ظهورَ المرئيِّ للرائي بأنْ خلق الله تعالى فيه حياةً وحسًّا، وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابن عباس ﵄، وهو الموافق لمساق الكلام، المطابقُ لأصل أهل السنَّة والجماعة، ومَن صرَفه عن الظاهر فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال).\nومثله في تفسير: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١١٥] قال: (ليَخلقَ فيهم الضَّلالة، ومَن قال: يسمِّيهم ضلَّالًا؛ فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال).\nوكثيرًا ما يشنِّع عليهم واصفًا إياهم بالزَّيغ والضلال كما في تفسير قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: وما أنتم إلا تخمِّنون وتقدِّرون أنَّ الأمرَ كما زعموا، وليس كذلك \" لِمَا مَرَّ مِن بطلان مبنَى ذلك الظنِّ، فلا متمسَّك فيما ذكر لأهل","vol":"المقدمة","page":69},{"text":"الزَّيغ والضَّلال من أصحاب الاعتزال، ولا حاجة إلى التَّوجيه والتَّأويل بتقييد المشيئة أوَّلًا؛ أي: فيما مرّ، وإجرائها على إطلاقها آخرًا؛ أي: فيما يستمرّ).\nولعل من أشد ما رد به على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] حيث قال: (ومن غلاةِ أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع: \"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ … \".).\nثم قال: (قوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوعٌ مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصدِّيقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل. أورده مسلمٌ في \"صحيحه\" عن صهيبٍ ﵁ عنِ النبي ﷺ، وأوردَه البخاري في \"صحيحه\" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه. فالحديثُ متفقٌ على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح، ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتَ، اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨].\nوهذا ردٌّ صريح على الزمخشري بأقسى العبارات.\nوقول الزمخشري: (المشبِّهة والمجبِرة) يريد أهل السنة القائلين بجواز","vol":"المقدمة","page":70},{"text":"رؤيته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك.\nوقد شنَّع غير المؤلف أيضًا على الزمخشري في ذلك، ومنهم الآلوسي الذي قال: وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحا).\nوأخيرًا فمن أجمل ما رأيت من تحريراتِ المؤلف أنه ردَّ على اليهود والنصارى والثنوية والمجوس والمعتزلة في آية واحدة، حيث قال في تفسير الآية (١١١) من سورة الإسراء: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ على الخلوص ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ﴾ كما زعم اليهودُ والنصارى ومشركو العرب في العُزَيْر والمسيح ﵇ والملائكةِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما زَعَمت الثَّنَويَّة ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كما قالت المجوس: إنَّه تعالى لم يَخلُق الظُّلمة، ولا كما قالت المعتزلة: إنَّه تعالى غيرُ خالقٍ لأفعال العباد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-16>موقف المؤلف من التأويل في آيات الصفات</span>\nاتَّفَقَ السَّلَفُ والخلَفُ على تنزيهِ الله تعالى عن ظواهِرِ المتشابهاتِ المستحيلةِ على الله تعالى، ثُم اختَلفوا بَعْدُ؛ فأَمْسَكَ أكثرُ السَّلَفِ عن الخوضِ في تعيينِ المُرادِ مِن ذلك المُتشَابِه، وفَوَّضوا عِلْمَه إلى الله تعالى، وهذا أَسْلَمُ لأنَّ مَن أَوَّلَ لم يَأمَنْ مِن أنْ يَذكُرَ معنًى غيرَ مُرادٍ له تعالى فيقعَ","vol":"المقدمة","page":71},{"text":"في ورطةِ التَّعيِين وخَطَرِه، وخاضَ أكثرُ الخَلَفِ في التأويلِ، ولكنْ غيرَ جازِمِينَ بأنَّ هذا مرادُ الله تعالى مِن تلك النصوصِ، وإنما قَصَدُوا بذلك صَرْفَ العامَّةِ عن اعتقادِ ظواهِرِ المتشابِه والردَّ على المُبْتَدِعةِ المتمسِّكِين بأكثر تلك الظَّواهرِ المُوافِقةِ لاعتقاداتهم الباطلةِ (^١).\nوالمؤلف ﵀ على مذهب الخلف القائلين بالتأويل، وهذا واضح في تفسيره، بل بيَّنه هو بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة ولا يعتريهم شبهة.\nومن أوضح الأمثلة على مذهب المؤلف هذا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حيث قال: (بيانٌ لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ).\nقلت: كذا نقل المؤلف هذا القول عن الزمخشري، وظاهر سياقه اختياره، وكذا يظهر من صنيع البيضاوي حيث قدَّمه، وساق ما بعده بصيغة: (قيل)، على عادته في تضعيف الأقوال حيث يؤخرها ويقدم لهاب (قيل).\n_________\n(^١) انظر: \"مرقاة المفاتيح \" (١/ ٣٥٤).","vol":"المقدمة","page":72},{"text":"وهذا القول هو الذي عليه أكثر الخلف كما ذكر الآلوسي حيث قال: وهذا الذي اختاره الجمُّ الغفير من الخلف فرارًا من توهُّم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم …\nلكن الآلوسي ﵀ تعقب ما ذهبوا إليه بقوله: وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية، فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهُّم التجسيم لا يعبًا به، وإلا لَلَزم نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له، وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علمًا، وفوَّضوا علمه إلى الله تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-17>منهج المؤلف في القراءات</span>\nأما عن أسلوبه في القراءات فنهجُه أقرب إلى نهج الزمخشري من عدم ذكر صاحب القراءة مع عدم العناية بالتمييز بين المتواتر والشاذ، فتجدُه يذكر ما يَرِدُ من القراءات المتواتر منها والشاذ متداخلةً مع بعضها، بينما نجد البيضاوي يُعنى كثيرًا بنسبةِ كلِّ قراءة لأصحابها من السبعة أو العشرة.\nويظهر إصرار المؤلف على هذا النهج من خلال نقله كثيرًا من قراءاتِ السبعة أو العشرة عن البيضاوي أو النسفي مع حذف القارئ:\n_________\n(^١) انظر: \"روح المعاني\" (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"المقدمة","page":73},{"text":"ومثال ذلك عند البيضاوي: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ١٢٨] قال: (أن يتصالَحا بأنْ تحطَّ له بعضَ المهر أو القَسْم، أو تَهبَ له شيئًا تستميلُه، وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ مِن أَصلَحَ بين المتنازعَين …).\nفهذا الكلام منقول بالحرف من البيضاوي، لكن البيضاوي ﵀ قال: (وقرأ الكوفيون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ فجعلها المؤلف: (وقرئ …) وحذف الكوفيين، والكوفيون هم عاصم وحمزة والكسائي من السبعة.\nوانظر هنا كيف تابع البيضاوي أيضًا بالتصدير بقراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو من السبعة.\nومن ذلك قوله: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون، والفتحُ لحنٌ؛ لأنَّ النُّون إنَّما تُفتَح في موضع الرَّفع، وهذا موضعُ النَّصب، وأصله؛ تَشهدونني، فحذفت النُّون الأولى للنَّصب، والياءُ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف).\nوالكلام منقول من \"تفسير النسفي \"، والقراءة بالياء عزاها النسفي ليعقوب، لكن المؤلف حذف كلمة يعقوب مع أنه نقل باقي الكلام بحرفه.\nلكن الغالب في القراءات عنده النقل عن الزمخشري سواءٌ المتواترُ والشاذُّ، وكذا توجيهُها، فمن ذلك ما نقله عنه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ نقل عنه نحو صحيفة كاملةٍ ما جاء في هذه الآية من قراءات مع توجيه كلِّ قراءة منها.\nولا ضرورة للإكثار من الأمثلة فأغلبُ القراءات فيه كذلك، لكن سنقف عند أمر آخر، وهو عدم سكوته على ما وقع من الزمخشري من ردٍّ لقراءاتٍ","vol":"المقدمة","page":74},{"text":"ثابتة متواترةٍ لمجرد الرأي أو مخالفة قاعدة نحوية هي عنده مقدَّمة على القراءة المتواترة:\nفمن أشد ما ردَّ به عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كلامَه في قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، حيث قال: (فقد رُدَّتْ بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة .. فكيف به في غيره؟).\nوهذا الكلام هو بعض ما قاله الزمخشري في رد قراءة ابن عامر.\nثم تعقب كلام الزمخشري بقوله: (لكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تَثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس الفهم … واعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِن ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد).\nلكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤلف رغم كلامه المذكور كان أكثر اعتدالًا ممن ردوا على الزمخشري، فقد شنع عليه العلماء رده لقراءةٍ متواترة، حتى قال أبو حيان: اعْجَبْ لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربيٍّ صريح محضٍ قراءةً متواترة … واعجب من سوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيَّرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقًا وغربًا .. إلى آخر ما قال.\nوكان الآلوسي ﵀ أكثر شدة في الرد حيث قال: وقد ركب في هذا","vol":"المقدمة","page":75},{"text":"الكلام عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمةَ الوجوه السبعة اختار كلٌّ منهم حرفًا قرأ به اجتهادًا لا نقلًا وسماعًا كما ذهب إليه بعض الجهَلة، فلذلك غلَّط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبيِّن منشأَ غلطه، وهذا غلط صريح يُخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى، فإن القراءات السبعةَ متواترةٌ جملةً وتفصيلًا عن أفصح مَن نطق بالضاد ﷺ، فتغليطُ شيء منها في معنى تغليط رسول الله ﷺ، بل تغليطِ الله ﷿، نعوذ بالله سبحانه من ذلك.\nقلت: والعجب من البيضاوي على إمامته تأثر بما ذهب إليه الزمخشري، فقال متابعًا له - كما ذكر الشهاب - في تضعيف هذه القراءة: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر.\nومن تعقباته على الزمخشري ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦]، حيث قال: (وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجع أكثر. فدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً).\nوفيه رد على الزمخشري في قوله: هي لغة مرذولة.\nكما رد عليه في طعنه بقراءة حمزة: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالجر، فقال: (وقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور، وما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد).","vol":"المقدمة","page":76},{"text":"وقد تقدم تفصيل الكلام فيها. وما ذكرناه كاف في بيان المراد، والله وليُّ السداد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-18>الإسرائيليات في تفسير ابن كمال باشا</span>\nالإسرائيليات: جمع إسرائيلية، نسبةً إلى بني إسرائيل، وهي معارف اليهود وثقافتهم المتمثلة بالتوراة وشروحها، والأسفارِ وما اشتملت عليه، والتلمودِ - وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعةُ قواعدَ ووصايا وشرائع دينية وأدبية ومدنية، وشروح وتفاسير وتعاليم وروايات كانت تتناقل وتدرَّس شفهيًّا من حين إلى آخر - وشروحِه، والأساطيرِ والخرافات، والأباطيلِ التي افترَوها أو تناقلوها عن غيرهم، وهذه كلُّها كانت المنابعَ الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق ففيها كذب صُرَاح، وإن كان فيها سمين ففيها غثٌّ كثير، فمِن ثَم انجرَّ ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيَرهم، ونحو ذلك؛ وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم.\nوالحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء","vol":"المقدمة","page":77},{"text":"قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب (^١).\nوقد كثر في كتب التفسير إيراد الإسرائيليات وأكثرها كما تقدم طامات لم ينبِّه ناقلوه على أصله، ولم يوقف على قائله، فكانت مثارًا للشك والطعن والتقوُّل على الإسلام ونبيِّه ﷺ.\nويمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام لا حجةَ في ذكرِ أيٍّ منها:\nفمنها: ما علِمنا صحته بشرعنا، فما جاء به شرعُنا أولى بالذكر.\nومنها: ما علمنا كذبه لكونه خالف ما عندنا، فلا يجوز ذكره.\nومنها: ما هو مسكوت عنه، فلا نكذبه ولا نصدقه، وتجوز حكايته، لكن لا فائدة فيه تعود على الدين، وإنما لجأ إليه كثير من المفسرين لملء الفراغات التي يتركها القرآن في القصص بأسلوبه المعجز المترفِّع عن إيراد التفصيلات التي لا لزوم لها، بل قد تشتِّت الذهن وتصرف عن العبرة التي سيقت القصة لأجلها.\nومن أهم ملامح هذا التفسير إعراضُه شِبْهُ التام عن الإسرائيليات وتجنُّبُه لذكرها مع ما تحويه من التفاصيل التي لا لزوم لها، وقد أوضح منهجه هذا بقوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]: (اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه).\n_________\n(^١) انظر: \"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير\" لمحمد أبو شهبة (ص: ١٢ - ١٤).","vol":"المقدمة","page":78},{"text":"فأعرَضَ عما اختلفوا فيه عندما رأى أن لا فائدة فيه، بالإضافة إلى عدم ورود شيء يبيِّن ذلك في شرعنا.\nوأشار أيضا إلى هذا المنهج في تفسير سورة الصافات فقال في تفسير قصة يونس ﵇: (واختُلفَ في مُدَّةِ لبثه في بطن الحوت، ولا طائلَ تحتَ ذِكْرِه).\nفهذه الإسرائيليات بما تحويه من التفصيلات لا حاجة لها عند أمثال المؤلف ممن أوتي العلم الواسع والذهن الثاقب والنظر العميق، فهو قادر بما اَتاه الله تعالى من النظر والاستنباط أن يستخرج التفاصيل من ثنايا الألفاظ وخفايا التراكيب.\nفلذلك تجده يُهملها حتى في المواضع التي لم يَخْل منها كتاب من كتب التفسير المعروفة، معتمدًا على الاستنباط من ثنايا الألفاظ، وما تُخفيه من دلالات لا تظهر إلا لمن آتاه الله الذوق في الفهم والقدرة على الاستنباط كما سنراه من خلال ذكر بعض الأمثلة عليه:\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ وقال: (العجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ).\nومنه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ٤٦] قال: (وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلُّمُ المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة).","vol":"المقدمة","page":79},{"text":"ومنه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال: (قيل: هنا جملٌ محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ).\nوكذا ما جاء بعده في القصة نفسها: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ الفاء فصيحة، وقبله مضمَرٌ؛ أي: فاستجاب الله دعاءهم ونصرهم).\nومثله قوله بعده: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ لم يبيِّن الله تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة).\nومن ذلك ربط القصص القرآنية بعضها ببعضٍ بالتنبيه على فصاحة الواو والفاء الواردة في إحدى القصص معبِّرة عن محذوفٍ يفهم من سياق القصة نفسها في موضع آخر:\nفمن ذلك قوله في سورة النمل: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُه يُفهَم مِن التَّفصيل المذكور في سورة طه، لا على ﴿بُورِكَ﴾؛ لأنَّ الفصل بينهما بتجديد النِّداء في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ يأباه).\nقلت: يريد قوله في سورة طه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾.\nوقريب منه ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] قال: (والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا","vol":"المقدمة","page":80},{"text":"يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب).\nوليس ذلك فحسب بل يرد على الروايات والقصص الواردة في تفسير بعض الآيات بآيات القرآن الأخرى:\nومن أجمل الأمثلة وأبينها على ردها بما في القرآن وعدم اعتداده بها: كلامه على ما في سورة يوسف من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾، قال: وفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردود بنصِّ الكتاب فافهم، والله الهادي إلى الصواب).\nومن ذلك ما ذكره من أن قوله تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] يردُّ ما قيل: وإنما قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكة موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فقال: (فإن مبنى هذا الغفولُ عن أنه ﵇ أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ).","vol":"المقدمة","page":81},{"text":"ومثله: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] قال: (يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].\nقيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضًا الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له ﵇ بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات ٣١].\nوكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نَمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.\n﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضعٍ آخرَ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات ٢٩]).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-19>الفقه في تفسير ابن كمال باشا</span>\nلم يَترك المؤلف ﵀ الوقوف عند الآيات التي تتعلق بالأحكام، وبيانَ ما استنبطه منها الأئمةُ المجتهدون، وذكرَ اختلافهم فيها، مع التصريح بمذهبه في أكثر الأحيان، والترجيح له في بعض، سالكًا في ذلك سبيل الإنصاف دون تعصُّبٍ ولا اعتساف، بل قد يتعقَّب أحيانًا أصحاب مذهبه حيق يرى استدلالهم خلاف استدلاله.","vol":"المقدمة","page":82},{"text":"فمن أمثلة العرض دون ترجيح وقوفُه عند آيات الحج في سورة البقرة، حيث أكثر من ذكر المذهبين الشافعي والحنفي دون ترجيح كما في تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث قال: (فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.\n﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهدي ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ و: في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفةَ، ولا يجوز في أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.\n﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة).\nومثله ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]: أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي).\nوفي تفسير ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] قال: (أخذ الشافعي بظاهر الآية وقال: لا يجوز نكاح الأمة إلا بثلاث شرائطَ؛ اثنان في الناكح: عدمُ طَول الحرة وخشيةُ العنت، والثالث في المنكوحة وهي أن تكون مؤمنةً، وهذه الأشياء عندنا للاختيار لا للاشتراط).","vol":"المقدمة","page":83},{"text":"ولا يقتصر على المذهبين فقط، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] قال: (ظاهرٌ في تحريم المتروك عليه اسمُ الله تعالى عمدًا أو نسيانًا، وعليه أحمدُ ومالكٌ وداودُ، خلافا للشافعي؛ لقوله ﵇: \"ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يَذكر اسم الله عليه \" (^١)، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان، وأوَّلَه بالميتة وما ذُكر اسمُ غير الله عليه، لقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]).\nوقد يلمّح أحيانًا لترجيح مذهبه الحنفي كما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث قال: (والمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه حيث حُصر عند الشافعي ﵁، فإن النبيَّ ﷺ أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث على يده يومَ أمارة، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]).\nوعند تفسير: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: قال: ﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي عندها حكمُ الغَسل عند زفرَ والشافعيِّ ومالكٍ رحمهم الله تعالى، فلا يجب غسلُها لأن الحدَّ لا يدخل تحت المحدود، وعند أئمتِنا الثلاثةِ يجب غسلها؛ لأن ضرب الغاية لا بد له من فائدةٍ، وهي إما مدُّ الحكم عليها، أو إسقاطُ ما\n_________\n(^١) حديث مرسل معلول كما سيأتي في مكانه.","vol":"المقدمة","page":84},{"text":"وراءها، والأول يحصل هاهنا بدونه لأن اليد اسمٌ لذلك العضو إلى الإبط، فتَعيَّن الثاني، ومُوْجَبُه دخول الغاية في حكم المغيَّا، وبهذا التقدير تبيَّن أنه لا حاجة إلى التقدير ولا إلى التغيير).\nوجاء عند قوله: إلا حاجة إلى التقدير) في هامش إحدى النسخ: (فيه رد لمن قال: تقديره وأيديكم مضافة إلى المرافق …).\nوعند قوله: (ولا إلى التغيير) في هامش النسخة المذكورة: (فيه رد لمن زعم أن إلى بمعنى في).\nومن الاستنباطات الحسنة للاستدلال على مذهبه قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من جماع ودواعيهِ، والخلوةُ الصحيحةُ أقيمت مقامه، ولفظة (ما) تدل على أنَّ يَسير التمتع يوجبُ إيتاء الأجرة).\nثم إنه إذا رأى الآيةَ لا تساعد قولَ إمامٍ نبَّه عليه، ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى من سورة النساء: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢]، قال: (والشافعي حمله على مؤمنٍ اختلط بأهل الحرب، ويأباه قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون منهم).\nوهذا ينسحب حتى على مذهبه حين يرى أنْ لم يساعد مذهبَه الدليل كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] حيث قال: (وقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبُكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها).","vol":"المقدمة","page":85},{"text":"ثم عقبه بقوله: (ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\nومما يدل على قوة عقله وتحرره من التقليد الأعمى قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: اختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني: الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ).\nقال المؤلف: (ونحن نقول: إن التشبيه بالخيط للتنبيه على أن العبرة لأوَّلِ طلوعه فلا مساغ للاختلاف المذكور).\nومثله في الآية نفسها: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ قال: (تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهر فيما ذكره المخالفُ، حيث قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر).\nلكن تبقى السِّمة العامة لمنهجه في الأحكام الفقهية الاختصارَ وعدمَ الخوض والتوسع في المسائل التي وقع فيها اختلاف بين العلماء وسُطرت في بيانها الصفحات في التفاسير الأخرى، فاكتفَى - مثلًا - في الخلاف الواقع في المؤلفة وإعطائهم من الصدقات بقوله؛ (واختُلف في انقطاع هذا الصِّنف بعزَّة الإسلام وظهوره).\nوفي قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قال: (إمساكُ الكلب","vol":"المقدمة","page":86},{"text":"الصيدَ على صاحبه: أن لا يأكل منه؛ لقوله ﷺ لعدي بن حاتم: \"وإنْ أَكَل منه فلا تأكُلْ، إنَّما أمسك على نفسه \" (^١)، هذا في صيد الكلب ونحوِه، فأما صيدُ البازي ونحوِه فأكلُه لا يحرِّمه عندنا، وُيعْرف هذا في الفقهيات).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-20>النحو في تفسير ابن كمال باشا</span>\nمن المعروف أنَّ النحو من أهمِّ عناصر تفسير القرآن الكريم، فهو المرقاةُ إلى فهم معاني التنزيل، وبه تظهر وجوه المعاني التي تحتمِلها الآيات، وقد تفاوتت العناية به بين التفاسير، فتلك التي تُعنَى بالمأثور يقلُّ فيها العناية بالإعراب، أما التي تعتمد الاستنباط والتأويل، فلا بد فيها من التوسع في الإعراب وتقليب الوجوه للتوصل بذلك إلى بيان المعاني المختلفة التي تحتملها الآيات.\nوعلى كلِّ حالٍ فلا بد للمفسِّر من أن يكون عالمًا بالنحو، متعمِّقًا في مسائله، مطَّلعًا على ما ألِّف فيه، والمؤلِّف ﵀ إلى جانب تعمُّقه في كتب التفسير، وإلمامه بعلوم القرآن، يُعدُّ من كبار علماء النحوِ المتأخرين كما يشهَد بذلك كتاباتُه ورسائله الكثيرة في مباحث النحو أصوله وفروعه، والتي تدلُّ على تمكنه منه، وجدارتهِ بأن يكون من السابقين المقدَّمين في تفسير القرآن الكريم.\nوهذا التفسير خير دليل على ما ذكرنا، فهو لا يُهمل فيه موضعًا يحتاج إلى\n_________\n(^١) متفق عليه كما سيأتي في مكانه.","vol":"المقدمة","page":87},{"text":"الإعراب إلا أعربه، ولا آيةً يتطلب بيان معناها الإعرابَ حتى يُعربها إعرابًا تامًّا ممهِّدًا بذلك لتفسيرها على الوجه الأكمل، مستفيدًا من ذاك الكم الهائل الذي خلَّفه العلماء الأوائل، وما أبدعوه من المسائل:\nفمن ذلك قوله: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو لأن الأممَ تتشعَّبُ منه ﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفة لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾؛ أي: وممَّن معكَ أمم سنمتِّعُهم).\nومنه: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا﴾ [الأنعام: ١٦١] بدلٌ من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾؛ لأن معناه: هداني صراطًا؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، أو مفعولُ فعلٍ مضمَر دلَّ عليه الملفوظ، أو حالٌ من ﴿صِرَاطًا﴾؛ لاختصاصه بالصِّفة، أو نصبٌ على المدح؛ أي: أعني - أو: أخصُّ - دينًا … ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيان لـ ﴿دِينًا﴾، إنَّما ذَكَرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم ﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.\nلكنه في إعرابه يُعنى بالاختصار وعدم التطويل مع عدم ترك شيء من الوجوه، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧] قال في إعراب ﴿الَّذِينَ﴾: بدلٌ من قوله: ﴿مَنْ كَانَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿مَنْ﴾، قال: ﴿مُخْتَالًا﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم قال: ﴿الَّذِينَ﴾","vol":"المقدمة","page":88},{"text":"حملًا على المعنى، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليه؛ أي: هم الذين، أو مبتدأٌ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويأمرون ويكتمون أحقَّاءُ بالمقت والتعذيب).\nويلاحظ أنه زيادة على الإعراب يُعنى ببيان بعض الفوائد النحوية والقواعد الضرورية، ومنها دقائقُ يصعب العثور عليها في كتب النحو:\nفمن ذلك تناوله بعضَ القواعد التي تتعلق بـ (لو) في قوله: (والهمزة في: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ … (لو) في مثل هذا التركيبِ تجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: \"أعطوا السائل ولو جاء على فرسٍ\" (^١)، والمعنى: على كلِّ حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعلَ، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادُها لاستقصاء الأحوال. ولما كانت الواوُ للحال لم تَحتجْ (لو) إلى جواب؛ لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط).\nومنه كلامه في بعض ما يتعلق بأفعل التفضيل في قوله: ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: ٨] قال: (إنما وحَّد ﴿أَحَبُّ﴾ مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا\n_________\n(^١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٩٦) عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مرسلًا. وانظر تتمة تخريجه في مكانه.","vol":"المقدمة","page":89},{"text":"يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران).\nومن إيراده للفوائد أيضًا قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ [التوبة: ٣٦] لما كان جمعُ الحُرُم للقلَّة عاد الضميرُ عليها بالنون، تقول العرب: الجذوع انكسرت؛ لأنَّه جمع كثرة، والأجذاع انكسرْنَ؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ.\nوفي قوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] قال: (وإذا اجتمعَ ضميران وليس أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها).\nومن ذلك كلامه في ضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ﴾ [مريم: ٤٠] حيث قال: (﴿نَحْنُ نَرِثُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ الرفع خبرُ (إنَّ)، ولا يجوز أن يكون (نحن) فَصْلًا؛ لأنَّ (نرث) نكرةٌ، والفَصْل لا يقع إلا بين معرفتين، أو قريبين من المعرفة).\nوكذا كلامه في علة العطف بالمضارع في قوله تعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ بعد الماضي في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر: ٩]، فقال: (على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، وقد خُولِفَ به عمَّا قبلَه وما بعدَه إلى المضارع؛ استحضارًا لتلك الصُّورة البديعة الدَّالة على القدرة الباهرة من إثارة الرِّيح السَّحابَ، وما يقارنُه من إنزال المطر وغيره.\nوهكذا يُغيَّر النَّظم في كلِّ أمرٍ عجيبٍ وفعلٍ يختصُّ بحالٍ يُستَغرَبُ، أو يهمُّ المخاطِبَ أو المخاطَبَ، أو يتميَّز بنوعِ شرفٍ، وغير ذلك).","vol":"المقدمة","page":90},{"text":"ومن الأمثلة الحسنة لوقفات المؤلف النحوية، ولعنايته بالناحية النحوية والإعرابية المتعلقة بالمعاني مع ردِّه لما ذهب إليه الزمخشري والبيضاوي: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣]، حيث قال: ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٣] على حذف الخبر؛ أي: فحقّ أنَّ له، أو على تكرير (أنَّ) للتَّأكيد.\nقيل [القائل الزمخشري وتابعه البيضاوي]: يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ ويكون الجوابُ محذوفًا، تقديره: مَن يحاددِ اللهَ ورسولَه يهلك، فيكون ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في موضع نصب.\nوهذا الذي قرَّره لا يصح؛ لأنهم نصُّوا على أنَّه إذا حُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشَّرط ماضيًا في اللَّفظ، أو مضارعًا مجزومًا بـ (لم)، فمن كلامِهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز: إن تفعل، وهنا حذف جواب الشَّرط، وفعلُ الشَّرط ليس ماضيَ اللَّفظ ولا مضارعًا مقرونًا بـ (لم)، وذلك إن جاء في كلامهم فمخصوصٌ بالضرورة، وأيضًا فتجدُ الكلامَ تامًّا دونَ تقدير هذا الجواب).\nوالكلام هنا منقول من \"البحر المحيط\" (^١).\nكما يلاحظ أن منهجه في إيراد الأقوال النحوية هو أنه يجزم بالأقوى والأولى عنده ولا يلتفت إلى غيره بل يهمله ولا يذكره أصلًا، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]\n_________\n(^١) انظر: \"البحر\" (١١/ ٣٣٩).","vol":"المقدمة","page":91},{"text":"قال: (و(مِن) للتبعيض، فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن).\nهذا بينما أجاز الزمخشري: فإن قلت: فيم انتصب رِزْقًا؟ قلت: إن كانت \"من\" للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كانت مبنية، كان مفعولًا لأخرج.\nوقال الطيبي معقبا مؤيدا لما ذهب إليه الزمخشري من احتمال (من) للوجهين وموجِّها له: قيل: إذا كانت \"من\" للتبعيض يكون محلها منصوبا على المفعول به، ورزقا على المفعول له، ومحل \"لكم\" منصوب على أنه مفعول به لـ \"رزقا؛ لأنَّه مصدر، وإن كانت للتبين كانت حالا ورزقا مفعول به، و\"لكم \" صفة لـ \"رزقا \".\nومن ذلك جزمه بوجه مع إهمال غيره، ففي قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] بأن وجد بمعنى علم ولم يذكر غيره من قريب ولا بعيد، بينما أجاز غيره غير ذلك كما في \"البحر\" (^١).\nوكما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، حيث قال: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ استئنافٌ، أو صفةٌ لـ ﴿أَصْحَابَ﴾؛ أي: لم يَدْخلوها بعدُ.\nكذا اقتصر على هذين الوجهين مع الاختصار في بيانهما، في حين أن\n_________\n(^١) انظر: \"البحر\" (٢/ ٣٣٤).","vol":"المقدمة","page":92},{"text":"فيها وجوها وتفصيلات ذكرها صاحب \"الدر المصون\" (^١).\nوأكثر من ذلك جزمه بوجه مع نفي غيره، كما في ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ﴾ [البقرة: ٥٠]، حيث جزم بكون الباء في ﴿بِكُمُ﴾ للسببية، ونفى أن تكون للاستعانة أو الملابسة، وهو ما أجازه غيره، كما في \"روح المعاني\" (^٢).\nومثله ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠]، حيث قال: و﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف يبيِّنه ﴿الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله.\nوهذا الذي جزم بنفيه قد أجازه غيره بلا توقف، قال ابن الحاجب: في \"أماليه\": إنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لِمَا فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبَيْنَ صلة (أل) وغيرها فرْق، فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الدر المصون\" (٥/ ٣٣٥).\n(^٢) انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ١٦٥).\n(^٣) انظر: \"أمالي ابن الحاجب\" (١/ ٢٨٣)، و\"فتوح الغيب\" (٣/ ١٢) (٨/ ٢٨٣)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٦٥)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ٢٥٤).","vol":"المقدمة","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>العناية باللغة وشرح الألفاظ</span>\nإن من أبرز سمات هذا التفسير عنايته الفائقة بالمعاني اللغوية للألفاظ القرآنية، فلا يمر على لفظ يحتاج إلى شرح وبيان إلا بينه وشرحه شرحا وافيا، وساق تصريفاته إن تطلب الحال ذلك، ومثل هذا لا يحتاج لكثير استدلال لأنَّه سمة ملازمة له من أوله وحتى النهاية، لكن سنسوق بعض الأمثلة زيادة في التوثيق:\nفمن ذلك قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقًا، جمعُ شيعة، وهي الفرقة المُتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِنْ شاعه: إذا تبعَه، وأصله الشِّياع، وهو الحطب الصغار يوقَد به الكبار.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا﴾ قال: أي: أعرضوا، مِنْ صَدَّ عنه يَصُدُّ صُدودًا، أو: مَنعوا من صدَّه عنه يَصُدُّه صدًا.\nوقد جاء فيه بعض المعاني الدقيقة التي لم أجد لها مصدرًا فيما توفر من مصادر:\nفمن ذلك: ما ذكره في قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ حيث شرح الفئة فقال: والفئة: الجماعة المنقطِعة عن غيرها، مِنَ الفأو، وهو قطعُ الرَّأس بالسَّيف.\nوكذا قوله: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد.\nوكذا في تفسير سورة إبر اهيم: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: ١٨] قال:","vol":"المقدمة","page":94},{"text":"الاشتدادُ: الإسراعُ بالحركة على عظم الحقوة، ومنه: اشتدَّ به الوجع؛ لأنَّه أسرع إليه على قوَّةِ ألمٍ.\nفهذه المعاني لم أجد من ذكرها.\nوأما قوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ [هود: ٣٤] النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ.\nفقد جاء ما هو قريب منه كقول النسفي: وحقيقة النصح: إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك، أو النهاية في صدق العناية (^١).\nوالأمر فيها واسع حيث قال ابن الأثير: النَّصيحةُ: كلمةٌ يُعَبَّرُ بها عن جملةٍ، هي إرادةُ الخير للمنصوح له، وليس يمكنُ أنْ يُعَبَّر هذا المعنى بكلمةٍ واحدةٍ تجمع معناه غيرِها (^٢).\nويجزم أحيانًا بمعنى مع وجود معان أخرى، ومن ذلك قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان.\nبينما قال أبو حيان: الذكر بكسر الذال وضمها بمعنى واحد ويكونان باللسان والجنان (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير النسفي\" (١/ ٥٧٦).\n(^٢) انظر: \"النهاية\" (مادة: نصح).\n(^٣) انظر: \"البحر\" (١/ ٤٦٩) و\"الدر المصون\" (١/ ٣١١)، و\"حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٤٤) و\"روح المعاني\" (٢/ ١٣٨).","vol":"المقدمة","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>التفسير الإشاري عند ابن كمال باشا</span>\nولم يخلُ هذا التفسير من بعض العبارات اللطيفة التي قد تكون أقرب إلى كلام أهل الإشارة، لكنها مع ذلك لا تخرج عما في القرآن من العبارة، كما وقع عند بعض المنتمين إلى الصوفية، من الخروج بالكليَّة عن الألفاظ القرآنية والمعاني الربانية، وما ذكره المؤلف بعضُه منقول عن أهل هذا الفن، وبعضه عن غيرهم، ومنه ما هو من إنشاءاته الجميلة وعباراته البديعة.\nفمن عباراته الجميلة قولُه في أول الفاتحة ملخِّصًا ما قيل في اشتقاق الإله: فمجموع الأقاويل: هو المعبودُ للخواصِّ والعوامِّ، المفزوعُ إليه عند الأمور العِظامِ، المرتفِعُ عن الأوهامِ، المُحتجِبُ عن الأَفهامِ، الظاهرُ بالأَعلامِ، الذي تحيَّر في صفاته الأَحلامُ، وسَكنَتْ في عبادتِه الأَجسام، ووَلعَتْ به نفوسُ الأنام، وطرِب إليه قلوبُ الكرام.\nوقال أيضًا في تفسير سورة الفاتحة: وإنَّما خصَّ إضافةَ (مَلِك) إليه لأنَّ الأملاك يومئذٍ زائلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، فكأَنَّه يقول: خلقتكَ أولًا فأنا إلهٌ، ثمَّ ربيتكَ بوجوه النِّعمة فأنا ربّ، ثمَّ عصيتَ فسترتُ عليكَ فأنا رحمن، ثم تُبتَ فغفرتُ لكَ فأنا رحيم، ثمَّ لا بدَّ من إيصال الجزاءِ إليك فأنا مالكُ يوم الدِّينِ.\nومن ذلك قوله: ثمَّ إنَّ ربوبيَّته تعالى بمعنى الخالِقيَّة والمالِكيَّة والسَّيِّديّة والمَعبوديَّة عامَّةُ، وبمعنى التَّربية والإصلاح خاصةٌ، بحسب أنواعِ الموجوداتِ","vol":"المقدمة","page":96},{"text":"متفاوتةٌ، فهو مربِّي الأشباحِ بأنواع نِعَمه، ومربِّي الأرواحِ بأصناف كرمِه، ومربِّي نفوسِ العابدِينَ بأحكام الشَّريعة، ومربِّي قلوب العارفينَ بآداب الطَّريقةِ، ومربِّي أسرار الأبرارِ بأنواع الحقيقةِ، ولقد أحسنَ مَن قال: إنّه تعالى يملِك عبادًا غيرَك كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنتَ ليس لك ربّ سواه، ثمَّ إنكَ تتساهل في خدمته كأنَّ لكَ ربًّا غيرُه، وهو يعتَني في تربيتك كأنْ ليس له عبدٌ سِواكَ، يحفظكَ بالنَّهار عن الآفاتِ بلا عِوَضٍ، ويحرسُك باللَّيل عن المخافاتِ من غيرِ غرضٍ، فما أحسنَ هذه التريبة!\nومنه قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦]: وزيادة ﴿هُمْ﴾ لأنَّ غيرهم يتَّعظون باختبارهم أنَّ سنَّة الله تعالى أنْ لا يُخْليَ أرباب التكليف من دلائل التَّعريف، والتّحريكِ لهم في كلِّ وقتٍ بنوعٍ من البيان، والتَّعريكِ في كل أوان بضربٍ من الامتحان، فمنهم مَن لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادة الخذلان، والحجبةَ عن قرائر البيان.\nومنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] قال: مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا نفعُ ولا أرفعُ إن أراد الله بكم شيئًا، ولم يُرِدْ به اتِّقاء الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التقدير؛ لأنَّه لا يناسب شأن النبيِّ ﵇ أن يوصيَ بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التقدير بالتدبير بحسب الظاهر المتبادر إلى الأفهام، بما مرجعه إلى أن الحذر","vol":"المقدمة","page":97},{"text":"لا يُغني من القدر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن مظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nوقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: قيل: لما رأى أمره إلى الكمال، علم أنه على الزوال، فسأل سعادة الانتقال، وليس فيه سؤالُ التوفِّي للحال، بل سؤالُ الختم على الإسلام متى كان، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا.\nومن ذلك ما نقله عن القشيري في شرح قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ٢٦] قال: مَن تبرَّأ عن اختياره في احتياله، وصَدَق رجوعه إلى الله تعالى في أحواله، ولم يستعن بغير الله مِن أشكاله؛ آواه إلى كهف أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيَّأ له محلًّا يتفيَّا فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (^١).\nوقال في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: لا دنياهم بكرائمها، ولا عُقباهم بعظائمها … لمَّا قصَّر لهم لسان المعارَضة سكتوا متضرِّعين بقلوبهم بين يدي الله تعالى، داعين له بحسن الابتهال، فتولَّى ﷾ خصومَتهم فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلخ: لا تنظر يا محمَّد إلى خِرقتهم على ظواهرهم، وانظر إلى حُرقتهم في سرائرهم، كانوا مستورين فشهَرهم الله تعالى (^٢).\nومنه أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]\n_________\n(^١) انظر: \"لطائف الإشارات\" (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) المصدر السابق (١/ ٤٧٥).","vol":"المقدمة","page":98},{"text":"قال: بيَّنَ أنَّ الآيات وإنْ توالَتْ، وشُموسَ البرهان وإنْ تعالَت، فمَنْ قصمَتْه العزَّة، ووكسته القسمة، لم يزدْه ذلك إلا ضلالًا، فلم يَستجدْ إلَّا للقسوة حالًا (^١).\nوقوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ بيان أنه رأى الرِّفقَ في الجوار لا في المبارِّ (^٢).\nوصرح بالنقل منه عند تفسير: ﴿مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؛ فقال: وقال القشيريُّ: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، فقلبُ العادة من الله ليس بمستبدَعٍ (^٣).\nومما نقل عن النسفي: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] قال: أضاف الإطعام إلى وليِّ الإنعام؛ لأنَّ الرُّكون إلى الأسباب عادةُ الأنعام.\nوبعده: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ لم يقلْ: أَمرضني؛ لأنَّه قصدَ الذِّكْرَ بلسانِ الشُّكر، فلم يُضفْ إليه ما يقتضي الصَّبر، ولأنَّ ذلك لم يكون مقصودًا بذاته كسائر ما ذُكِرَ مِن أفعاله تعالى الكمالية، وإنَّما هو من روادف الطَّعام والشَّراب (^٤).\nفهذا ما وفَّقَنا إليه سبحانه في بيان منهج المؤلف وتوضيحه، ولعله يكون\n_________\n(^١) المصدر السابق (١/ ٤٩٥)، ولفظه: \"لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت، فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالًا\".\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٥٦).\n(^٣) المصدر السابق (٢/ ٣٧٨).\n(^٤) انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٦٨).","vol":"المقدمة","page":99},{"text":"كافيًا في إعطاء الوصف الصحيح له، ورسم الصورة التي يستحقُّها، والكلام في هذا طويل، لكن اقتصرنا منه على هذا النَّزْر اليسير، ظنًّا بأنه كافٍ في أداء الغَرض، والله وليُّ التوفيق.\nلكن كل عمل مهما بلغ شأنه، وعلا مقدارُه، واتَّسعت فوائدُه، لا بد وأن يكون فيه بعض المآخذ، وأن يقع مؤلفه ببعض السقطات؛ لأن الكمال لم يجعل إلا لكتاب اللهِ وكلامِ رسوله، فرأينا لزامًا علينا التنبيهَ إلى بعض ما ورد فيه من التغريبات، وما وقع فيه مؤلفه من الأخطاء أو السقطات.\n* * *","vol":"المقدمة","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-23>خامسًا: المآخذ التي يمكن أن تذكر على هذا الكتاب الجليل</span>\nوهذه المآخذُ منها ما يتعلق بالاستدلال بالأحاديث الموضوعة أو التي لا تعرف، ومنها ما يتعلق ببعض الآراء التي خالف فيها المؤلف العلماء وردوا عليه فيها، ومنها ما تابع عليه غيرَه في سهو أو خطأ، ومنها غير ذلك.\nفمن استدلاله بالأحاديث التي لا أصل لها: قوله في مستهلِّ سورة البقرة في تفسير ﴿الم﴾ بعد أن ذكر الوجه الأوجه فيها: والمرويُّ عن الصَّدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه، وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما.\nقال: والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇، ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ: \"علمتُ\"، فقال: ها، قال: \"علمتُ\"، فقال: يا، قال: \"علمتُ\"، فقال: عين قال: \"علمتُ\"، فقال: صاد، قال: \"علمتُ\"، فقال جبرائيلُ ﵇: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ؟\nوهذا الخبر لم أجده في كتاب من كتب الحديث ولا غيره، فلا يصلح هذا حجة لما قاله المؤلف؛ لأن مثله يحتاج لدليل صحيح ثابت.\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ","vol":"المقدمة","page":101},{"text":"تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] قال: وإنَّما ذكر آلة العلم في مقام الامتنان والحثِّ على الشكر دون آلة القدرة تعظيمًا للعلم، وتنبيهًا على أنَّ المقصود من خلق ابن آدم - بل من إيجاد العالم - هو العلمُ، على ما عُلم من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: ليَعْرِفون، ومن قوله ﵇: \"كنت كنزًا مخفيًّا فأحببْتُ أنْ أُعْرَفَ … \" الحديث.\nوهذا الحديث قال عنه الزركشي في \" اللآلئ المنثورة\": قال بعض الحفاظ: ليس هذا من كلام النبي ﷺ ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف (^١).\nومن ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] استَدل بحديث نسبه إلى النَّبيِّ عليه الصلاة السلام أنه قال: \"اليمين للوضوء واليسار للاستنجاء \".\nوالحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه، وإن كانت قد وردت أحاديث كثيرة لاستحباب استخدام اليمين في الوضوء وما يستحسن، والنهي عن استخدامها في الاستنجاء.\nوفي الكلام عن صلاة الخوف في سورة النساء ذكر مذهب أبي حنيفة: أنه يُتمُّ صلاتَه إن كانت ركعتين، ثم تقف هذه بإزاء العدوِّ وتأتي الأخرى فتؤدي الركعةَ بغير قراءةٍ لأنهم لاحقون، ويُتمُّون الصلاة ثم يَحرسون، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ لأنهم مسبوقون ويُتمون الصلاة.\nثم ختم ذلك بقوله: كذلك رواه ابن مسعود وابن عمر ﵃.\n_________\n(^١) انظر: \"اللآلئ المنثورة\" (ص: ١٣٦).","vol":"المقدمة","page":102},{"text":"وفي نسبة ما ذكر لحديث ابن مسعود وابن عمر نظر، فليس في حديثهما هذه الهيئة من التنصيص على أن الأولى قضت بلا قراءة والأخرى بقراءة، وإنما هو شيء عزاه الميرغيناني لخبر ابن مسعود، والصواب أنه من كلام أبي حنيفة كما في \"أحكام القرآن\" للجصاص و\"المحلى\" لابن حزم وقال ابن حزم: وهي زيادة لم تعرف عن أحد من الأمة قبله (^١).\nقلت: وحديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وحديث ابن مسعود رواه أبو داود (^٢).\nومما يؤخذ عليه أيضًا عدمُ تمكنه من معرفة الحديث، فيجعل كلام التابعي حديثًا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]، حيث قال في آخرها: فالآيةُ جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: \"مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان \".\nولم نجده حديثًا بل رواه ابن أبي شيبة عن أبي ميسرةَ قوله (^٣).\nوأحيانا يقع في عكس هذا حيث ينسب الحديث المتفق عليه لكلام صحابي، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال:\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام القرآن \" للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و\"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٣٩)، و\"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٩٧)، و\"نصب الراية\" (٢/ ٢٤٣).\n(^٢) انظر تخريجه في موضعه من التفسير.\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٩٠).","vol":"المقدمة","page":103},{"text":"أي: حبِّ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ ﵁ لمَّا سُئل: أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيح تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر.\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (^١).\nوقد ينسب الصحة إلى الحديث الضعيف كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ قال: وما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على ما خرَّجه الترمذي - وقال فيه: حسن صحيح - من قوله ﵇: \"لِسُرادق النَّار أربع جُدُرٍ … \" يعضدُ ما ذكرنا.\nوالحديث المذكور قد رواه الترمذي كما قال، لكنه ما صححه ولا حسنة، بل أشار لضعفه بقوله: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تُكُلِّم فيه من قِبَل حفظه (^٢).\nوالمؤلف في نقل التصحيح عن الترمذي تابع في ذلك القرطبي (^٣).\nومما يمكن أن يؤخذ عليه في هذا الباب أيضًا: هو رد الحديث الصحيح بعقله، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨] قال: مَوثقًا أن يؤتيَه ذلك، روي أن خبَّاب بن الأرتِّ صَاغَ للعاصِ بنِ وائل حَلْيًا، فاقتضاهُ الأجرَ، فقال: إنَّكم تزعمون أنَّكم تُبعَثون وأنَّ في الجنة ذهبًا\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وفيهما: \"تخشى الفقر وتأمل الغنى\"، وفي رواية لمسلم: \" وتأمل البقاء\".\n(^٢) \"سنن الترمذي\" (٢٥٨٤).\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٦٢).","vol":"المقدمة","page":104},{"text":"وفضَّة فأنا أَقضيكَ ثَمَّ؛ فإني أُوتى مالًا وولدًا حينئذٍ.\nثم تعقبه بقوله: وفيه أن قوله: وولدًا، لا يناسب المقامَ ومساقَ الكلام حينئذ.\nوهذا الكلام مردود لأن الحديث متفق عليه (^١)، ولعله ظنه من الأخبار التي يذكرها الزمخشري ولا يعرف لها إسنادٌ، حيث إنه نقله عن الزمخشري.\nومن هذا الباب ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١]: أنَّثَ الضَّمير على تأويل الجنَّة أو الطَّبقة، فإنَّه أوسط الجنان وأعلاها طبقةً، ومن هنا تبيَّن أنَّ ما قيل: إنَّهم يرثون من الكفَّار منازلهم فيها حيث فوَّتوها على أنفسهم لأَنه تعالى خلق لكلِّ إنسان منزلًا في الجنَّةِ ومنزلًا في النَّار - لا يُناسِبُ المقامَ.\nكذا قال، وفي كلامه نظر، فقد رد به تفسيرًا مرفوعًا للنبي ﷺ، رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهلُ الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ \" (^٢). وصحح إسناده القرطبي وابن حجر، ولذلك فقد قال الآلوسي بعد ما أتبع الحديث بما اختاره المؤلف ورجحه من أن الإرث مستعار للاستحقاق في نه أقوى أسباب\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢)، من حديث خباب ﵁.\n(^٢) رواه ابن ماجه (٤٣٤١).","vol":"المقدمة","page":105},{"text":"الملك: واختير الأول لأنَّه تفسير رسول الله ﵊ على ما صححه القرطبي.\nقلت: ولعل المؤلف اغترَّ بصنيع البيضاوي حيث قدم ما اختاره المؤلف، وأخر القول بالحديث المرفوع مقدِّما له بـ (قيل) على عادته في تضعيف ما لا يرتضيه من أقوال.\nومما تابع عليه البيضاوي أيضًا قوله في سورة الحجر: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى.\nفتابع المؤلف البيضاوي في قوله: \"بالياء مسندًا … \"، وأُورد عليه: أنَّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضًا، بينما بنى البيضاوي تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض. قال الآلوسي: وهو خلاف ما سلكه في تفسيره، ولعله ﵀ قد سها (^١).\nوتابع الزمخشريَّ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَار﴾ [الأحزاب: ١٥] فذكر عن ابن عباس ﵄ قوله: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم.\nفقول ابن عباس هذا قد نقله من \"الكشاف\"، وفيه نظر من جهتين:\nالأولى: في نسبته، فقد ذكره السمعاني والثعلبي والبغوي في تفاسيرهم\n_________\n(^١) انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٥/ ٢٨٤)، و\"حاشية القونوي على البيضاوي\" (١١/ ١٢٢)، و\"روح المعاني\" (١٣/ ٤٣٠)","vol":"المقدمة","page":106},{"text":"عن مقاتل والكلبي لا عن ابن عباس، فنسبته لابن عباس لا تصح؛ وحتى لو كان من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فلا يصح.\nوأما الثانية: ففي معناه، فقد قال السمعاني والبغوي: وهذا القول ليس بمرضيٍّ؛ لأن الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة لم يكن فيهم شاك ولا من يقول هذا القول.\nومن ذلك متابعة الزمخشري والبيضاوي في التصدير بالقراءة الشاذة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٠] بالتاء. ثم قال: (وقرئ بالياء …)، ففي هذا تأكيد على أن المصدَّر بها هي القراءة بالتاء، وهي قراءة شاذة تنسب للحسن بن أبي الحسن، أما المتواتر فهو القراءة بالياء، وكان الأولى بالمؤلف ﵀ تقديم القراءة المتواترة، لكنه تابع الزمخشري والبيضاوي في التصدير بقراءة الحسن، على عكس أبي حيان والآلوسي اللذين سلكا الجادة في تقديم المتواتر ثم الإشارة إلى الشاذ.\nولا يخلو الأمر من بعض أوهام وقعت له هو نفسه، فمن ذلك: قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨]: أُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ولم يُقصد الإخبار عن فعل الكلب، وعند الكسائي وهشامٍ، وأبي جعفرٍ من البصريين: كونُه بمعنى المضيِّ غيرُ مانعٍ من العمل.\nفقوله: (من البصريين) لعله وهم منه ﵀، فالذي في \"البحر المحيط\" والكلام منه: (ذهب الكسائي وهشام ومن أصحابنا أبو بجعفر بن مضاء)، فلعل","vol":"المقدمة","page":107},{"text":"المؤلف استبدل (من أصحابنا) بـ (من البصريين)، والصواب والله أعلم أن مراد أبي حيان بأصحابه هو: الأندلسيون، فأبو جعفر المذكور هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي، وهو قرطبي جَيَّانيُّ الأصل توفي بإشبيلية سنة (٥٩٢ هـ)، وكان محدثًا مقرئًا مجتهدًا في العربية.\nومما يمكن أن يعدَّ من الأوهام وأن يعدَّ من تحريف النساخ ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] حيث قال: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾، أو تفسير لعامله إنْ جعلتَه مرفوع المحلِّ بإضمار فعلٍ لا با لابتداءِ، أي: هل يرزقُكُم مِن خالقٍ، أو استئنافٌ دلَّ على أنْ لا خالقَ غير الله، وعلى وجوب شكر نعمتِه، فهو أحسنُ الوجوه، وعلى الوجهَيْن الأخيرَيْن لا محلَّ له من الإعراب ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة منصوبة مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجه الثَّالثِ ..\nقوله: (منصوبة) كذا جاء في أكثر النسخ، وفي إحداها: (منصوب)، وكلاهما تحريف، مع وقوع سقط بعدها يجعل الكلام غير مستقيم، وصواب العبارة كما في \"الكشاف\" والكلام منه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة مفصولة لا محل لها، مثل: يرزقكم في الوجه الثالث. اهـ. فتأمل.\nومن أكثر الأمور التي تعقبوه فيها وعدُّوها من غرائبه كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] فإنه بعد أن ذكر أنه مِن بابِ تسميةِ الشَّيءِ بما يَؤُولُ إليه، أي: وما يعمَّرُ مِن أحدٍ، لرجوع الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إليه، والنُّقصانُ مِن عُمرِ المعمَّرِ مُحالٌ، فهو مِن التَّسامحِ في العبارة ثقةً بفهم السَّامع.","vol":"المقدمة","page":108},{"text":"عقبه بقوله: هذا بحسب الجليل مِن النَّظر، وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيَحكم بصحَّة أنَّ المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ حَدَّ ذلك العمرِ وأنْ لا يبلغَ عمرَه، فيزيدُ عمرُه على الأوَّل وينقص على الثَّاني، ومع ذلك لا يلزمُ التَّغييرُ في التَّقدير، وذلك لأنَّ المقدَّرَ لكلِّ شخصٍ إنَّما هو الأنفاس المعدودة، لا الأيَّام المحدودة والأعوام الممدودة، ولا خفاء في أنَّ الأيَّام قَدْرٌ مِن الأنفاسِ يزيدُ وينقصُ بالصِّحة والحضور والمرض والتَّعب. ثم ختم كلامه هذا بقوله: فافهم هذا السِّرَّ العجيبَّ.\nويضاف إلى هذا ما كتب بهامش أكثر النسخ الخطية: (حتى ينكشف لكَ سِرُّ اختيار حبس النفس، ويتضح وجه صحة قوله ﵇: الصَّدقة والصِّلة تعمران الدِّيار وتزيدان في الأعمار. منه).\nوقول المؤلف قد نقله الشهاب في \"الحاشية على البيضاوي\" مشنعًا عليه فيما ذهب إليه، لكنه لم يسمه، بل قال: ومن العجيب ما قيل هنا: إنَّ المعمر المقدَّر له عمر طويل، وهو يجوز فيه أن يبلغ فيه حدّ ذلك العمر وأن لا يبلغه … - إلى آخر كلام المؤلف - وعدَّه سرًّا دقيقًا، وهو مما لا يعوِّل عليه عاقل، ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود، مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ لأم حبيبة ﵂ وقد دعت بطول عمر: \"سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة\"، وقد أطال المحشي فيه وفي رده وهو غنيٌّ عنه. اهـ.\nأما الآلوسي فقد نقل كلامه أيضا معيِّنا إياه باسمه، ونقل كذلك ما ذكر في","vol":"المقدمة","page":109},{"text":"حواشي النسخ الخطية، مصدِّرًا كلَّ ذلك بالتعجُّب منه، ومتعقِّبا إياه بما أوردناه من ردِّ الشهاب، وهو - والله أعلم - الموافق للصواب.\nومما قد يؤخذ عليه أيضًا المبالغةُ في الاختصار بحيث يَغمض المعنى ولا يظهر عود الضمائر، فنضرب عليه مثالًا ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]، قال: ﴿يَلْعَبُونَ﴾: حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾، ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.\nفقوله: (حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ الأَولى أن يقوله: (حال من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾) كما هي عبارة \"البحر\".\nوقوله: (و﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له)؛ أي: صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.\nوقوله: (أو حال منه)؛ أي: ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ حال من الضمير في ﴿يَلْعَبُونَ﴾.\nوقوله: (أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾؛ أي: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من ضمير ﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾.\nكل هذا واضح في عبارات \"الكشاف\" و\"البحر المحيط\".\nومن الأمثلة على ذلك أيضًا ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ [الأعراف: ١٨] قال: ﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُومًا) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْمًا.\nومعنى الكلام: أن فيه على هذه القراءة وجهين كما قال الآلوسي، ولفظه: فيه احتمالان: الأول أن يكون مخففًا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن","vol":"المقدمة","page":110},{"text":"ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع، وكان قياسه على هذا: مذيم كمبيع، إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم: مكول، في مكيل، مع أنه من الكيل (^١).\nومما قد يؤخذ عليه أيضًا قلة التحري في اللغة أحيانًا كما في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] قال: وقرئ بفتح الشين وضمِّها، أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْدًا فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل.\nفقوله: (من حد علم) يعني في الماضي والمضارع فقط، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، وكان الأجدر أن يقول: من حد طَرِبَ - كما في \"مختار الصحاح \" - فهو المطابق له في كل التصريفات.\nوقوله: (من حد دخل) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في \"مختار الصحاح \" لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى.\nفهذه أمثلة على بعض الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذا الكتاب، لكنها لا تَغضُّ من قيمته ولا تَحطُّ من مكانته، ولا تُذكر إلى جانب ما حواه من الفوائد، واشتمل عليه من النكت والعوائد.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٥٥).","vol":"المقدمة","page":111},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>سادسًا: وصف النسخ الخطية</span>\nتمَّ الاعتمادُ في تحقيق هذا السِّفر العظيم على عدد من النسخ الخطية النفيسة، علمًا أن للكتاب نسخًا كثيرة تزيد عن الأربعين، بعضها يشمل كل ما وجد من التفسير وهو إلى سورة الصافات، وبعضها الآخر يحوي قطعة منه من أوله أو وسطه، وقد زيد في أواخر بعضها تفسير السور التالية: الملك والنبأ والنازعات والطارق جميعها أو بعضها، وكل ما ذكرناه سيظهر من خلال الوصف الآتي للنسخ، ونبدأ بنسختي مكتبة فيض الله:\n\n<span data-type='title' id=toc-25>١ - النسخة الأولى من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (م)، وتتألف من قطعتين:</span>\nالقطعة الأولى: وهي قسم من التفسير؛ تحت رقم (٥١)، تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة يوسف. وجاء على غلافها: \"الجلد الأول من تفسير ابن الكمال\"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: \"وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ\"، وفيها تفردات صحيحة، وزيادات كأنَّها شرح، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٤٠٥) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٣٣) سطرًا، وفي كل سطر (١٤) كلمة تقريبًا.\nالقطعة الثانية: وهي قسم من التفسير؛ تحت رقم (٥٢)، تبتدئ بأول تفسير سورة الرعد، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات. وجاء على غلافها؛ \"جلد أخير من تفسير كمال باشا زاده\"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: \"وقف","vol":"المقدمة","page":112},{"text":"شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ\".\nوهي بخطِّ نسخٍ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٣٢٣) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٠) كلمات تقريبًا.\nثم يأتي عند نهاية سورة الصافات تفسير كلٍّ من السور التالية: (الملك والنبأ والنازعات والطارق)، وجاء في خاتمة ذلك ما نصُّه: \"انتهى ما وجد من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى، وكان الفراغ من كتابته في ليلةٍ يُسفر صبحُها عن يوم الثلاثاء، ثاني شهر رجب الفرد الحرام، من شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، بلغ مقابلة حسب الطاقة على أصله المنقول منه، على ما في أصله من بعض التحريفات، مع إصلاح ما فيه من بعض الكلمات، والله الموفق للطاعات \".\n\n<span data-type='title' id=toc-26>٢ - النسخة الثانية من مكتبة فيض الله في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ف):</span>\nوهي نسخة خطيَّة كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (٥٣)، وهي أيضًا نسخة نفيسة، لكنها حوت مِن التحريفات أكثر مِن باقي النسخ، رغم تفردها بالصواب أحيانًا وكثرة الهوامش، وجاء على غلافها: \"تفسير ابن كمال باشا هو الفاضل العلامة شمس الدين أحمد بن سنان، المتوفى سنة أربعين","vol":"المقدمة","page":113},{"text":"وتسع مئة، بلغ فيه إلى سورة الصافات\"، وعليها تملكات، ووقف ونصُّه: \"وقف شيخ الإسلام السيد فيض الله أفندي، غفر الله له ولوالديه، بشرط ألا يخرج من المدرسة التي أنشأها بقسطنطينية سنة ١١١٢ هـ\".\nوهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، وهي بخطّ فارسيّ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (٤٧٠) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا، وجاء في خاتمتها ما نصُّه: \"تمَّ الكتاب بعون الملك الوهاب، في صبيحة الإثنين العاشر من شهر شوال من شهور سنة اثنين وتسعين وتسع مئة، أحسن الله ختامها بمحمد وآله وصحبه \".\nثم يأتي بعدها بشكل مستقلٍّ تفسير سورتي الملك والنبأ، وجاء في خاتمة هاتين الرسالتين ما نصُّه: \"تمَّ تنميق الرسالتين لأفضل المتأخرين أحمد بن سليمان بن كمال، عفا عنهم الملك المتعال، والحمد لله وحده \".\n\n<span data-type='title' id=toc-27>٣ - نسخة كوبريلي في اسطنبول، ورمز لها بالحرف (ك):</span>\nوهي نسخة خطيَّة كاملة للقسم الموجود من التفسير، تحت رقم (٦٤)، تبتدئ من أول التفسير، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، ثم يأتي بعدها بشكل مستقلٍّ تفسير سورة الملك كاملة، وهنا تنتهي هذه النسخة، حيث جاء في خاتمة سورة الملك ما نصُّه: \"هذا ما وجد من هذا التفسير، وصلى الله على البشير النذير، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:\nرقم المرجِّي عفوَ ذي الجلال … محمدُ بنُ الصالحي الهلالي","vol":"المقدمة","page":114},{"text":"يرجو من المولَى بجاهِ المصطفى … سحابَ أفضالٍ بعفوٍ وكفَى\nوذلك في أواخر سنة (٩٩٠ هـ)، والحمد لله وحده\"، وهي بخطٍّ فارسيٍّ واضح، عدد أوراقها (٥٩٦) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٨) كلمة تقريبًا، وعليها وقف نصُّه: \"هذا ما وقفه الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبي عبد الله محمد عرف بكوبريلي، أقال الله عثاره \".\nوهي الوحيدة بين النسخ المعتمدة التي خلت هوامشها تقريبًا من الحواشي أو التعليقات، ويكثر فيها السقوطات مقارنة مع باقي النسخ، وإن كانت قليلة من حيث الواقع.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>٤ - نسخة الحرم المكي (ح):</span>\nوهي قطعة من التفسير؛ تحت رقم (٥٤٨ عام)، وجاء على غلافها: \"الجزء الأول من تفسير ابن كمال باشا ﵀ ونفع به، آمين \"، وعليها تملك ووقف، وبهامشها تعليقات نفيسة، وورد على الوجه الثاني من الورقة الأولى منها - وبخطٍّ مختلف عن خطِّ النسخة الخطية - ترجمة لمؤلِّف هذا التفسير ابن كمال باشا نقلًا عن كتاب \"الشقائق النعمانية في الدولة العثمانية\".\nوهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الأنعام، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٢٠٦) ورقات، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٣١) سطرًا، وفي كل سطر (١٦) كلمة تقريبًا، ولم يرد فيها خاتمة.","vol":"المقدمة","page":115},{"text":"ويكثر في هو امشها التنبيه على الردود بلفظ: (رد) دون زيادة، كما أنها تشترك مع باقي النسخ عدا (ك) بكثرة التعليقات على الهوامش، وفي هامشها نقل عن \"قطف الأزهار\" انفردت به. وهو كتاب للسيوطي عنوانه الكامل: \" قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-29>٥ - نسخة دوغملو باباس في المكتبة السليمانية باسطنبول ورمز لها بالحرف (د):</span>\nوهي قطعة من التفسير؛ تحت رقم (٥)، وجاء على غلافها: \"كمال باشا زاده تفسير\"، وعليها تملكات وأوقاف، وبهامشها بعض التعليقات المفيدة، خطها جيد واضح وهي من النسخ الجيدة على ما فيها من بعض التحريفات الواضحة، وجاء في خاتمتها ما نصُّه: \"والحمد لله على التمام والصلاة على نبيِّه سيِّد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام، ما تعاقب الليالي والأيام، تمَّ الكتاب بعون الله وحسن التوفيق، قد وقع الفراغ من تحرير هذه النسخة الشريفة المباركة على يد العبد الضعيف العبد الفقير الحقير المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى، قليل الخير والإحسان، كثير الذنب والعصيان، أحمد بن حاجي الأكوز غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه، في أواسط ربيع الآخر، سنة ثلاث وستين وتسع مئة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات .... \".\nوهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة آل عمران، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٣٤١) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (١٧) سطرًا، وفي كل سطر (١٢) كلمة تقريبًا.","vol":"المقدمة","page":116},{"text":"حواشيها مليئة بالتعليقات الممهورة بكلمة: منه. وأكثر هذه التعليقات مشترك بين النسخ، وإن كانت هذه النسخة قد تفردت في بعضه، يضاف إلى ذلك كثير من التنبيهات على ما في كلام المؤلف من ردود على من سبق مختصرا ذلك بكلمة: رد. وقد يعيَّن المتعقَّب أحيانا مثل: (رد للتفتازاني) كما في تفسير ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ الورقة (١٨٢)، وقد أثبتنا بعضها وأهملنا الكثير لكثرته. ومن الملاحظات عليها وقوع التحريف في كثير من المواضع لت (أي) إلى: (إلى).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>٦ - نسخة المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (س):</span>\nوهي قطعة من التفسير؛ تبتدئ من أول تفسير سورة مريم، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الحج، وهي بخطٍّ فارسيِّ واضح، وعليها تعليقات وتعقبات نفيسة، عدد أوراقها (١٤٧) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (١٩) سطرًا، وفي كل سطر (١٦) كلمة تقريبًا، وجاء في هامش خاتمتها ما نصُّه: \"تاريخ الفراغ من تأليف هذه السورة: يوم (١٣) شهر الله المحرم، من شهور سنة (٩٣٣)، فهي نسخة نفيسة جدًّا لقدمها فهي منسوخة في حياة المؤلف، وحسبتها أولًا بخط المؤلف لتشابه شكلِ الخطِّ، ثم تبيَّن لي أنها بخطٍّ آخر، لكنها لم تشتمل إلا على قدر يسير من التفسير، وهو الذي ذكرناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>٧ - نسخة يني جامع في المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (ي):</span>\nوهي نسخة خطية كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (٢٠)، وبهامشها بعض التعليقات المفيدة.","vol":"المقدمة","page":117},{"text":"كتب على وجه الورقة الأولى: وقف في (سنة ١١٣٧).\nوهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، وفيها قطعة من تفسير سورة المائدة حتى نهاية تفسير الآية (١٢) منها.\nثم يأتي بعد نهاية تفسيرِ سورةِ الصافات تفسيرُ كلٍّ من السور التالية: (الملك والنبأ والطارق والنازعات)، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٥٠٤) ورقات، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا.\nوقد بدأنا الاستفادة منها في أول تفسير سورة المؤمنون.\nوعلى هامشها كثير من التنبيهات على ردود بلفظ: رد.\nوقد جاء خلالها بعض الإشارات إلى كونها منقولة عن نسخة المؤلف؛ بل ومع التنبيه على تصحيح هذا الذي وقع في نسخة المؤلف إن كان فيه خطأ أو تحريف:\nففي تفسير قوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [المائدة: ٢] وقع في متنها: (يصدوكم)، وجاء في هامشها: (هكذا عن نسخة المؤلف، وصوابه: أن صدوكم).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] وقع بعدها في النسخ عدا (ي): \"مِن سلم \"، وأثبتنا ما جاء في (ي): (من أسلم)، وقد جاء في هامشها: \"في نسخة المؤلف: من سلَّم، ولا وجه له \".","vol":"المقدمة","page":118},{"text":"وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] جاء ضمن كلام المؤلف فيها: (فهو أمدحُ لهم مِن أنْ يقول: وأنتم المضعفون). جاء في هامش (ي): \"وأنتم، كذا في نسخة المؤلف بالواو، وإن كان الفاء أظهرَ به \".\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [لقمان: ٢٧] قال المؤلف: ﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرَّفع عطفًا على محلِّ (أنَّ) … وبالنَّصب عطفًا على اسم (أنَّ)، أو إضمارِ فعلٍ ..). وقع في النسخ: \"وإضمار\"، وجاء في هامش (ي): \"كذا في نسخة المؤلف، والموافق للقاضي - وهو الظاهر - أن يقال: أو إضمار\". وهذا الذي في (ي) هو الصواب، والموافق لما في \"تفسير البيضاوي \"، فلذلك أثبتناه.\nوعند تفسير الآية نفسها ذكر في هامش (ي) تنويهات كثيرة، وفي نهايتها قال: (وبالجملة؛ في هذا المحل غلط كثير إلا أنا اتبعنا أثر المؤلف).\nوهذا وغيره مما ذكرناه يدل على نفاسة هذه النسخة، وأنها مصححة ومقروءة على علماء أعلام فضلًا عن كونها منقولة عن نسخة المؤلف.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>٨ - نسخة عاطف أفندي في المكتبة السليمانية في اسطنبول ورمز لها بالحرف (ع):</span>\nوهي نسخة خطية كاملة للقسم الموجود من التفسير؛ تحت رقم (١٠)، وجاء على وجه الورقة الأولى من الغلاف قائمةٌ بأسماء السور المتضمنة في هذا التفسير، وجاء على وجه الورقة الثانية منها ما نصُّه: \"من الكتب التي وقفها فيما","vol":"المقدمة","page":119},{"text":"بنى وشاد، لمن طالعها واستفاد من العباد، سائلًا منه أن يذكره بالخير والرحمة، فرحم الله من كان من أهل الخير والرحمة، العبدُ الأقل مصطفى العاطف، كفاه الله تعالى يوم لا عاطف \"، وبهامشها بعض التعليقات المفيدة.\nوهي تبتدئ بأول تفسير سورة الفاتحة، وتنتهي بنهاية تفسير سورة الصافات، ثم يأتي بعد ذلك تفسيرُ سورة كلٍّ من الملك والنبأ والطارق والنازعات، وهي بخطِّ نسخٍ واضح، عدد أوراقها (٤٩٦) ورقة، وفي كل ورقة لوحتان، وفي كل لوحة (٢٩) سطرًا، وفي كل سطر (٢٠) كلمة تقريبًا.\nوهي نسخة نفيسة تفردت مع النسخة (ي) من بين النسخ باحتوائها على تفسير أول المائدة حتى الآية (١٢)، كما جاء فيها الكثير من الهوامش التي تتشارك فيها على الأغلب مع النسخ (ف) و(م) و(ي)، أو مع بعضها. وقد وقفنا على هاتين النسختين قُبيل الانتهاءِ من تحقيق الكتاب، وأفدنا منهما كثيرًا وللهِ الحمد.\nكما أننا اعتمدنا على النسخةِ الخطيِّةِ لمكتبة بغدادي وهبي في المكتبة السليمانية في اسطنبول تحت رقم (٢٠٤١)، وذلك في سور (الملك - النبأ - النازعات - الطارق)، ورمزنا لها بالحرف (ب).\n\n*<span data-type='title' id=toc-33> ملاحظات على النسخ الخطية:</span>\nلهذا التفسير الكثير من النسخ الخطية، وقد اطَّلعنا على ما يزيد على أربعين نسخة له بعضُها كامل وبعضها جزئي، ثم اجتهدنا في انتقاء الأحسن والأقرب إلى زمن المؤلف، لكن هناك بعض الملاحظات التي لا بد من بيانها:","vol":"المقدمة","page":120},{"text":"فأول هذه الملاحظات: اتفاق هذه النسخ على أن سورة المائدة ليست موجودة في التفسير عدا عن القطعة التي وجدت في نسختي عاطف أفندي (ع) ويني جامع (ي)، وقد تم التأكيد على ذلك في النسخ الأخرى: فقد جاء في هامش (ح) عند تفسير ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] من سورة النساء العبارة التالية: (لم يفسر ابن كمال هذا أواخر سورة النساء ولا جميع سورة المائدة بل هذا القدر هو الذي وجد في نسخ المصنف ﵀. لكنها استمرت بعد ذلك حتى سورة الأنعام، مع غياب سورة المائدة بكاملها.\nوجاء في نهاية الآية (١٧٠) من النساء في هامش (م): \"انتهى ما وجد من سورة النساء كما هو في أصله المنقول منه، ويتلوه سورة الأنعام كما هو في أصله أيضًا \".\nوفي نفس الموضع في هامش (ك): \"آخر النساء وسورة المائدة ساقط من الأصل \".\nوأما الملاحظة الثانية: فهي اتفاق النسخ كذلك على انتهاء التفسير عند نهاية سورة الصافات، وقد جاء في هذا الموضع في خاتمة النسخة (ف): \"تم الكتاب بعون الملك الوهاب في صبيحة الاثنين العاشر من شهر شوال من شهور سنة اثنين وتسعين وتسع مئة، أحسن الله ختامها بمحمد وآله وصحبه \".\nوجاء في خاتمة النسخة (ع): \"والمشهور في تفسير المرحوم لابن كمال الوزير تحريره إلى هنا \".\nلكن جاء في النسخ في درج الكلام في هذا الكتاب ما يناقض","vol":"المقدمة","page":121},{"text":"كِلَا الملاحظتين، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ [الفرقان: ١٩] قال المؤلف: (المعنى فقد كذبكم المعبودون وهذه مفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول، وقد سبق تحقيق هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] من سورة المائدة).\nوهذا الموضع لم يرد حتى في النسختين (ع) و(ي) حيث إن ما فيهما ينتهي خلال تفسير الآية (١٢) من سورة المائدة كما تقدم.\nومثله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٤٩] قال: (النكاح: العقد، وتخصيص المؤمنات مع أن الحكم المذكور يستوي فيه المؤمنات والكتابيات تعليم لما هو الأَولى وتحريض عليه، فإن الأَولى بالمؤمن أن يتخيَّر لنطفته ولا يختار للنسل إلا الطيبة الظاهرة، وجاء في المائدة بيان الجواز).\nوالبيان المذكور لم يرد في القطعة الواردة من تفسير سورة المائدة.\nوفي تفسير سورة النازعات قال: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: ٣٥] عندَ تَمثُّلِ الأعمالِ بصُورِها وهيئاتها على ما نَطقَ به الأحادِيثُ، وسيأتي تَفصيلهُ في سورةِ الزَّلزَلةِ).\nوتفسير سورة الزلزلة ليس في هذا التفسير.\nوالذي يترجحُ لي: أن العلَّامة ابن كمال باشا كتب التفسير كاملًا دون تحرير، ثم حرَّره بخطه ووصل في تحريره وتبييضهِ إلى سورة الصافاتِ ووقف،","vol":"المقدمة","page":122},{"text":"يدل لذلك اتفاق جميع النسخ التي وقفنا عليها والتي تزيد عن الأربعين وقوفها عند سورة الصافات، وما جاء في النسخة (ع) أنَّ المشهور في تحرير التفسير إلى هذا القدر. أما ما جاء من قطعٍ أخرى في آخر التفسير من سور (الملك والنبأ والنازعات والطارق) فقد يظهر للمتأمل بعض تفاوتٍ عن باقي التفسير الذي حرَّره، والأمر يحتاج إلى زيادة بحثٍ والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"المقدمة","page":123},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>سابعًا: عملنا في الكتاب</span>\n<span data-type='title' id=toc-35>أما عملنا في الكتاب فكما يلي:</span>\n١ - تم تحقيق الكتاب على عدد من النسخ الخطية النفيسة التي تقدم وصفها آنفًا، وقد حرصنا على إثبات الصواب أو الأنسب بسياق الكلام، مع الإشارة إلى الفروق إن كانت وجيهة في الحواشي، وإهمال الفروق التي التحريف فيها ظاهر ولا فائدة في إثباتها بل تثقل الحواشي بلا داع، مع إثبات أكثر ما جاء في حواشي النسخ الخطية من تعقيبات وتعقبات وإشارات لردود وغير ذلك، ولم نترك إلا القليل مما كثر فيه التحريف أو لم يظهر له ارتباط واضح بالنص.\n٢ - ضبط النص وتفصيله وترقيمه بعلامات الترقيم المناسبة التي تساعد على فهمه، مع العناية بضبط المشكل.\n٣ - الحرص على أن يكون النص صحيحًا سالمًا من الأخطاء والتحريفات والسقوطات، ومن ذلك مقابلته على المراجع التي اعتاد المؤلف النقل منها، والاستفادة من ذلك في تصحيح التحريف، واستدراك الساقط بين معكوفتين، وشرح المبهم، والتنبيه على الخطأ، وغير ذلك.\n٤ - تخريج جميع الأحاديث المرفوعة من مصادر التخريج مقتصرين على الصحيحين أو أحدهما إن وجد فيه الحديث، وإلا فمن باقي الكتب الستة و\"مسند الإمام أحمد\"، فإن لم يوجد الحديث فيها فمن باقي كتب التخريج، مع شرح ما فيها من غريب، وبيانِ علةٍ إن وجدت.","vol":"المقدمة","page":124},{"text":"٥ - تخريج الأخبار والآثار وأسباب النزول الواردة فيه من كتب التخريج والتفسير وأسباب النزول.\n٦ - تخريج الشواهد الشعرية وغيرها من كتب دواوين الشعر، فإن تعذَّر فمن باقي كتب الأدب المعتمدة.\n٧ - توثيق ما ينقله المصنف من مصادره مع مقابلته على ما جاء في تلك المصادر لضمان صحة النص، وبيان الاختلاف إن وجد وكان وجيهًا.\n٨ - تعقب المصنف إن وقع خطأ أو سهو أو سبق قلم، والتعليق في المواضع التي تحتاج إلى تعليق.\n٩ - كتابة مقدمة للكتاب تتضمن بيان موقع هذا التفسير وأهم المراجع التي نهل منها، مع ترجمة المؤلف ودراسة وافية لخصائص هذا التفسير ولمنهج المؤلف فيه.\n١٠ - تذييل الكتاب بالفهارس العلمية المناسبة.\nوالحمد لله ربِّ العالمين\nماهر حبوش\n١٩/ ٢/ ٢٠١٨\nدمشق الشام\nحرسها الله من الشرور والآثام\n* * *","vol":"المقدمة","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>ترجمةُ العلَّامةِ ابنِ كمال باشا رحمهُ الله تعالى </span>(^١)\nقلما اجتمع العلم عند أحد كما اجتمع عند هذا العلَّامة، فكيف إذا رافقَ العلمَ الفضلُ والزعامة؟ وتصديق هذا المقال ما سيأتي في هذه الترجمة من قرائن الأحوال، وسوف نتناول سيرته ﵀ من خلال المباحث التالية:\nأولًا: اسمُه ونسبُه ونشأتُه العلمية.\nثانيًا: مناصبه في التدريس والقضاء.\nثالثًا: مشاهير شيوخه.\n_________\n(^١) ينظر: \"مقدمة تحقيق مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا\" الذي أصدرته دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث بإسطنبول، وعليها جل الاعتماد في جمع هذه الترجمة. وانظر من مصادر ترجمته التي اعتمدنا عليها: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٢٦)، و\"كتائب أعلام الأخيار\" للكفوي (٤/ ٣٨٣ - ٣٩٣)، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" لحاجي خليفة، و\"طبقات المفسرين\" للأدنه وي (ص: ٣٧٣)، و\"الطبقات السية في تراجم الحنفية\" للتميمي (١/ ٣٥٥)، و\"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة\" للغزي (٢/ ١٠٨)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٣٣٥)، و\"الفوائد البهية\" للكنوي (ص: ٤٢)، و\"الأعلام\" للزركلي (١/ ١٣٣)، و\"معجم المؤلفين\" لعمر رضا كحالة (١/ ٢٣٨)، و\"معجم المفسرين\" لعادل نويهض (١/ ٣٩).","vol":"المقدمة","page":127},{"text":"رابعًا: مشاهير تلامذته.\nخامسًا: مكانتُه العلميَّةُ وثناءُ العلماءِ عليه.\nسادسًا: وفاته.\nسابعًا: مؤلفاته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-37>أولًا: اسمُه ونسبُه ونشأتُه العلمية</span>\nهو العلَّامة المحقِّق المدقِّق، شمسُ الدِّين، أحمدُ بنُ سليمان بنِ كمال باشا، المولود بتوقات والمتوفى بقسطنطينيةَ سنة أربعين وتسعِ مئة، عن سبعٍ وستين سنةً، وكان والدُه من الأمراء وجدُّه من الوزراء.\nكان إمامًا بارعًا في التفسير والفقه، والنحو والتصريف، والمعاني والبيان، والكلام والمنطق والأصول، وغير ذلك، بحيث إنه تفرَّد في إتقان كلِّ علم من هذه العلوم، وقلَّما يوجد فنٌّ من الفنون إلا وله فيه مصنَّفٌ أو مصنَّفات.\nوقد نُسب إلى جدِّه كمال باشا، فعُرف بابن كمال باشا، أو كمال باشا زادَه (^١)، أو ابن كمالِ الوزير، واشتهر أيضًا بـ (مفتي الثَّقلين)، لسعة اطلاعه على العلوم الشرعية في مختلف فنونها، وقوة محاكماته، وتميُّز تعقُّباته وتحريراته.\n_________\n(^١) كلمة فارسية معناها: ابن.","vol":"المقدمة","page":128},{"text":"ولد سنةَ (٨٧٣ هـ) بمدينة طُوقاتَ من نواحي سِيواسَ (^١)، ونشأ في بيتِ عزٍّ وجاه، إذ كان والدُه سليمانُ بنُ كمال باشا من قادة الجنود الإسلاميَّة الخاقانيَّة زمنَ السلطانِ محمَّدٍ الفاتحِ، وكان في فتحِ القُسطنطينيَّة مع جنودِ سنجقِ أماسيَا عام (٨٥٧ هـ)، وصار بعد الفتحِ وكيلًا لجند السُّلطان برتبةِ صُوباشي؛ أي: منصب مَن تتوفَّرُ فيه الكفايةُ لضبطِ البلدِ من جهةِ السلطانِ، ثُم تُوفِّي في إسطنبول، ودفنَ إلى جانبِ مدرسةِ أبيهِ كمال معه.\nوكذلك كان جدُّه من أمراءِ الدَّولة العُثمانيَّة ومربِّيًا لبايزيد الثاني، وكان ذا حَظوةٍ لدى سلاطينِها، حتى صار نِيْشانجِي (^٢) الدِّيوانِ السُّلطانيِّ.\nوأما أمُّه فهي بنتُ المولى الفاضلِ مُحيي الدِّينِ محمَّد الشهير بابن كُوبَلو (ت ٨٧٤ هـ)، وهو من العلماء المشهورين بالفضلِ في زمانهم، جعله السلطان محمد الفاتح قاضيًا بالعسكر بعدما تولَّى بعضَ المناصب، ثم عزلَه في سنة (٨٧٢ هـ)، وكان للمولى المذكور بنتانِ، تزوَّج إحداهما المولى سِنان باشا، وتزوَّج ثانيتَهما سليمانُ جلبي ابن كمال باشا، فولِد له منها العلَّامة المترجَم أحمد.\nنشأ العلَّامة في صباه في هذا العزِّ والجاه، وغلبَ عليه حُبُّ الكمال، فاشتغل وهو شابّ بالعلم ليلًا ونهارًا، وأنفق ربيعَ عمره في تحصيل كلِّ فضيلة، وصرفَ حداثة سنِّه في إحراز كلِّ معرفة، ثُم لحقَ بزمرة أهل العسكر، وانقطع\n_________\n(^١) طوقات (أو: توقات) وسيواس: مدينتان تقعان شمال شرق تركيا.\n(^٢) أي: الذي يختم المراسم والمكاتيب بختم السلطان المعروف بطغراء السلطان.","vol":"المقدمة","page":129},{"text":"بذلك عن طلب العلم، وظلَّ يشتغل ويترقَّى في رتَبِ الجيش، وكان يُرتقبُ منه أن يغدُوَ قائدًا عسكريًّا حازمًا مثل آبائِه وأجداده، لكنَّ حادثة - سيأتي ذكرُها - غيَّرت ما كان يُرتقب منه، فترك الجيشَ، ولازمَ العلماء، وواظبَ في نهلِه من عذبِ مَوردِ أكابرِ الفضلاء، حتى صار من أكابر المدرسين، ثم نال أعلى المراتب والدرجات، كما سيأتي تفصيله بإذن رب العباد.\nيحكي ابن كمالٍ عن نفسِه فيقول: إنَّه كان مع السلطانِ بايزيد خان في سفر، وكان الوزيرُ وقتئذٍ إبراهيمَ باشا بن خليل باشا، وكان وزيرًا عظيمَ الشأن، وكان في ذلك الزمانِ أميرٌ يُقال له: أحمد بك بنُ أَوْرَنُوس، وكان عظيمَ الشأن جدًّا، لا يتصدَّرُ عليه أحدٌ من الأمراء.\nقال العلامة رحمه اللهُ تعالى: وكنتُ واقفًا على قدميَّ قدَّام الوزيرِ المزبور، والأميرُ المذكورُ عندَه جالسٌ، إذ جاء رجل من العلماء، رثُّ الهيئة، دنيءُ اللِّباس، فجلس فوق الأمير المذكورِ (أي: متقدمًا عليه في المجلس) ولم يمنعْه أحدٌ عن ذلك، فتحيَّرتُ في هذا، فقلتُ لبعض رفقائي: مَن هذا الذي جلسَ فوقَ هذا الأميرِ؟! فقال: هو رجلٌ عالم مُدرِّسٌ بمدرسةِ فليبه يقال له: المولى لُطفي، قلتُ: كم وظيفتُه؟ قال: ثلاثونَ درهمًا، قلتُ: فكيف يتصدَّرُ هذا الأميرَ ومنصبُه هذا المقدارُ؟! قال رفيقِي: إنَّ العُلماءَ معظَّمونَ لعلمِهم، ولو تأخَّرَ لم يرضَ بذلك الأميرُ ولا الوزير.\nقال: فتفكَّرتُ في نفسي فقلتُ: إنِّي لا أبلغُ رتبةَ الأمير المذكور في الإمارة،","vol":"المقدمة","page":130},{"text":"وإنِّي لو اشتغلتُ بالعلم يمكنُ أن أبلغَ رُتبةَ العالمِ المذكورِ، فنويتُ أن اشتغلَ بعد ذلك بالعلم الشَّريفِ.\nقال: فلمَّا رجعنا من السَّفر وصلتُ إلى خدمةِ المولى المذكورِ، وقد اعطيَ هو عندَ ذلك مدرسةَ دار الحديث بمدينة أدرنةَ، وعُيِّنَ له كلَّ يوم أربعون درهمًا، قال: فقرأتُ عليه حواشِيَ \"شرح المطالع \".\nقال الكَفوي: أخذ العلَّامةُ العلمَ من أفواه الرجال النَّحارير، وقرأ الفنون على أفاضل الفضلاء المشاهير، منهم المولى لطفي المزبور، والمولى مصلح الدِّين القَسْطَلَّاني، والمولى خطيب زاده، والمولى معرِّف زاده؛ فأخذ علم الفروع والأصول عن المولى القسطلاني، عن المولى خضر بك، عن المولى يكان، عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن الإمام قوام الدِّين الكاكي، عن الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي صاحب \"النهاية\" عن الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر المَرْغِيْنَاني صاحب \"الهداية\"، عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.\nفهذه طريق العنعنات، بلَّغه الله تعالى أقصى درجات الكمال، ومتَّعه بما خوَّله في الحال والمآل.","vol":"المقدمة","page":131},{"text":"ولما كان العلامة ابن كمال باشا في فتح مصر مع السلطان سليم خان، كان قاضيًا بالعسكر، فلما دخل القاهرة لقيه أكابر العلماء وأعظم الفضلاء، وناظروه وباحثوه وتكلموا بما عندهم، فامتحنوه فأعجبوا بفصاحة لسانه وحسن كلامه وبلاغة بيانه وبسط مَرامه، وأقروا له بالفضل والكمال، وكانوا يذكرونه بغاية التبجيل والإجلال، ويشهدون أن ليس له في العرب عديل ولا في أفاضل العجم والروم عوض ولا بديل.\nلكن بعض الحساد سعوا به عند السلطان سليم فعزله، ثم عاد إليه بالإحسان مبتدرًا لمَّا فطن أنّ أمر الفتوى سيكون متعذرًا، فأعطاه مدرسة دار الحديث بمدينة أَدْرَنة، وعيَّن له كل يوم مئة درهم وعطايا سنية في السنة … إلى آخر ما سيأتي من تعيينه مدرسًا بمدرسة السلطان بايزيد خان الثاني للمرة الثانية بمدينة أدرنةَ، انتهاء باستلامه إفتاء الدولة العثمانية.\n* * *","vol":"المقدمة","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>ثانيًا: مناصبه في التدريس والإفتاء والقضاء</span>\nظل ابن كمال باشا ﵀ ينهل من العلم، ويتقلب بين أفاضل العلماء في مصره، حتى اكتمل تكوينُه العلميُّ، وصار من أكابر علماءِ عصره، وبلغَ في العلم منزلةً يُشارُ إليه بالبنان، فكان مُتقنًا للُّغةِ الترُّكيةِ والعربيَّة والفارسيَّة، له في كلٍّ منها مصنفاتٌ تدلُّ على علوِّ كعبه وتقدُّمه في علوم كثيرة، ما جعله يتقلب في مناصب التدريس والقضاء والإفتاء حتى وصل إلى أرفع منصب علمي في السلطنة.\nففي سنةِ (٩١١ هـ) صار مُدرِّسًا بمدرسة علي بك الشهيرةِ بالمدرسة الحجريَّة بأدرنةَ، بثلاثين درهمًا يوميًّا، وكُلِّف في الوقت نفسه من السلطانِ بايزيدَ الثاني أن يكتب تاريخ الدولة العثمانيَّة، بتوصيةٍ من عبد الرَّحمنِ بن عليِّ بن المُؤيَّدِ (٩٢٢ هـ)، وكانَ قاضيًا بالعسكرِ المنصور في ولايةِ أناطولي آنذاك، ولأجلِ ذلك أعطَى له السلطانُ ثلاثين ألفَ درهمٍ، وقد قام العلَّامةُ ابنُ كمال بهذه المُهمَّة خيرَ قيام، فكتب \"تواريخَ آلِ عُثمانَ\" باللُّغة التّركيَّة، بدءًا من سنةِ (٦٩٩ هـ) - وهي تاريخُ قيام الدولة العثمانيَّة، وانتهاءً إلى عامِ (٩٣٣ هـ)؛ أي: قبلَ تاريخِ وفاتِه بسبعِ سنينَ.\nوفي سنةِ (٩١٧ هـ) وليَ التَّدريسَ بمدرسةِ إسحاق باشا بمدينة أسكوبَ في البلاد اليونانيَّة، بأربعين درهمًا يوميًّا.\nوفي سنة (٩١٨ هـ) وليَ التَّدريس بالمدرسةِ الحلبيَّة بأدرنةَ، بستِّين درهمًا يوميًّا.","vol":"المقدمة","page":133},{"text":"ثُمَّ صار مُدرِّسًا بإحدى المدرستين المُتجاورتينِ بأدرنةَ.\nوبعدَها بإحدى المدارسِ الثَّمانِ بإستانبولَ.\nإلى أن أصبحَ مُدرِّسًا بمدرسةِ السلطان بايزيدَ الثاني بأدرنةَ، وهي من أكبرِ المدارسِ العثمانيَّة آنذاك.\nوفي سنةِ (٩٢٢ هـ)، بعدَ عودةِ السلطانِ سليمٍ الأوَّل من سفرِه إلى جالدِرانَ، صارَ قاضيًا لأدرنةَ.\nوفي السَّنةِ نفسِها جعلَه السلطانُ سليمٌ الأوَّلُ قاضيًا بالعسكرِ المنصور في ولايةِ الأناضول، وذلك قبلَ (٤) جُمادَى الأولى من سنة (٩٢٢ هـ)، وهو تاريخُ خروجِ السُّلطانِ سليمٍ الأوَّلِ إلى القاهرة، وكان هو مع السلطانِ في هذا السَّفر، وعلى ذلك المنصبِ.\nوفي أثناءِ وجوده بمصر مع السُّلطانِ أُسندَ إليه الإشرافُ على تنظيمِ الأمورِ فيها.\nوعند عودةِ السلطان من القاهرةِ سنةَ (٩٢٤ هـ (أُسندَ إليه الإشرافُ على تنظيمِ الأمورِ المِلْكيَّةَ وتحريرِها بمدينةِ قونيَة.\nويرَى البعضُ - ومنهم الكفوي كما تقدم - أنَّه عُزلَ من القضاءِ بالعسكرِ المنصورِ في ولايةِ الأناضُول في سنةِ (٩٢٥ هـ) بوشايةٍ من حُسَّادِه إلى السُّلطانِ، في حين يرَى آخرونَ أنَّه اعتزلَ من المنصب بطلبٍ منه.\nوفي السَّنةِ نفسِها - أي: (٩٢٥ هـ) - عُيِّن مدرِّسًا في مدرسة دارِ الحديث بأدرنةَ، وعُيِّن له كلَّ يوم مئةُ درهم.","vol":"المقدمة","page":134},{"text":"ثُم أعطاه السلطانُ سليمان القانونيُّ مدرسةَ جدِّه السلطان بايزيد خان الثاني للمرة الثانية بمدينة أدرنةَ، وذلك بعد سنةِ (٩٢٦ هـ)، ومكثَ فيها إلى أن صار مفتيًا بالقُسطنطينيَّة؛ أي: مُفتي الخلافة العليَّة العثمانيَّة، فكان شيخَ الإسلامِ في الدولة العثمانيَّة، وذلك بعدَ وفاة المولَى علاءِ الدِّينِ عليٍّ الجماليِّ الشهيرِ بزنبيلي علي أفندِي في سنة (٩٣٢ هـ).\nولم يزَل في منصبِ الإفتاءِ معزَّزًا مكرَّمًا محترمًا مقبولًا عند الخاص والعام، ونالت عقود الفضل في زمانه حسن النظام، إلى أن توفِّي ﵀ في عهدِ السُّلطانِ سليمانَ القانونيِّ.\n* * *","vol":"المقدمة","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>ثالثًا: مشاهير شيوخه</span>\n<span data-type='title' id=toc-40>١ - المولى لُطفُ الله التُّوقاتيُّ، الشهيرُ بـ (مُلَّا لُطفي) (ت ٩٠٠ هـ):</span>\nقرأ العلومَ على المولى سِنان باشا، وتخرَّج به، وحضَل العلوم الرياضيةَ على عليٍّ القوشجيِّ لمَّا دخل بلادَ الرُّوم، وحصَّلَها سنان باشا بواسطته، وربَّاه سنان باشا حالَ وزارته عند السلطان محمد خان الثاني أبي الفتح، فجعلَه أمينًا على خزانةِ الكتب، فاطَّلعَ على غرائبَ منها، وأُعطِيَ في زمن السلطان بايزيد خان الثاني مدرسةً ببرُوسَة، ثم مدرسةَ دارِ الحديثِ بأدرنةَ، ثم إحدى المدارس الثَّمانِ، ثم مدرسةَ المُراديَّة ببروسة، وكان ﵀ فاضلًا لا يُجارَى، وعالمًا لا يُبارَى، وله عدَّةُ مصنَّفاتٍ منها: حواشٍ على \"شرحِ المطالعِ \"، وحواشٍ على \"شرحِ المفتاحِ\" للسَّيّد الشريف، وغيرِ ذلك. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-41>٢ - المولى مُصلحُ الدِّينِ مصطفى القسطلانيُّ (٩٠١ هـ):</span>\nقرأَ على علماء الرُّوم، ثم تتلمذَ على خَضِر بك، ودرَّس في عدَّة مدارسَ، ثم في إحدى المدارس الثَّمانِ، ثم صارَ قاضيًا في كلٍّ من أدرنةَ وبرُوسةَ وقُسْطنطينيَّةَ، ثم قاضيًا بالعسكرِ المنصور، وكان عالمًا مشتهِرًا، ذا منزلةٍ خطيرةٍ\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"كتائب أعلام الأخيار\" للكفوي ٤١/ ٣٨٦)، و\" الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ١٦٩ - ١٧١)، و\"الفوائد البهية\" للكنوي (ص: ٢١)، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" لحاجي خليفة (٣/ ٤٠)، و\"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة\" للغزي (١/ ٣٠٢)، و\"الأعلام\" للزركلي (٥/ ٢٤٢).","vol":"المقدمة","page":136},{"text":"بينَ علماء عصره، وكان لا يُدارِي الناس، ويتكلَّمُ بالحقِّ على كلِّ حالٍ، شغلَه التَّدريسُ والقضاءُ عن التَّفرُّغ للتأليف، توفِّي سنةَ (٩٠١ هـ)، ودُفن إلى جوارِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁.\nومن مصنَّفاته: حواشٍ على \"شرحِ العقائدِ\" للسَّعد، وكتبَ رسالةً يذكرُ فيها سبعةَ إشكالاتٍ على \"المواقف\" و\"شرحه\"، وكتب حواشٍ على \"المقدِّمات الأربع\" لصدر الشريعة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-42>٣ - المولى مُحيِي الدِّين محمدُ بنُ إبراهيمَ الشَّهيرُ بابن الخطيب، أو بخطيب زادَه (٩٠١ هـ):</span>\nقرأ على والده العلومَ، وعلى العلَّامة عليٍّ الطُّوسيِّ، والمولى خَضِر بك، ثم صار مدرِّسًا في مدارسَ عديدةٍ، وهو من أول المُدرِّسين بإحدى المدارسِ الثَّمانِ، وكان طليقَ اللِّسان، جريء الجَنان، قويًّا فصيحًا عند المحاورة، ولهذا قهرَ كثيرًا من علماء زمانِه، توفِّي سنةَ (٩٠١ هـ).\nومن مصنَّفاته: حواشٍ على \"حاشيةِ شرحِ التَّجريدِ\" للسَّيِّد الشريف، وحواشٍ على \"حاشية الكشاف\" للسَّيِّد الشريف، وغير ذلك (^٢).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٨٧ - ٨٩)، و\"الفوائد البهية\" للكنوي (ص: ٢١)، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" لحاجي خليفة (٣/ ٣٤٠).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٩٠ - ٩٢)، و\"الفوائد البهية\" للكنوي (ص: ٢٥٤).","vol":"المقدمة","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-43>٤ - المولى سِنانُ الدِّينِ يوسفُ المعروفُ بابنِ المُعَرِّف، أو معرِّف زاده:</span>\nوهو من ولايةِ بالي كسر، حصَّلَ العلومَ على علماء عصره، ووصل إلى خدمة المولى خَضِر بك بنِ جلالِ الدِّين، ثم اشتغل مدرِّسًا ببعض المدارس، ثم صار معلِّمًا للسلطان بايزيد خان، ونال عنده القبولَ التَّامَّ، وأحبَّه محبَّةً عظيمةً، وقد عَمِيَ في آخرِ عُمره، وما ترك السلطانُ بايزيد خان صحبتَه إلى أن توفّي، ﵀ رحمةً واسعةً، ولم يذكُر المؤرِّخون تاريخَ وفاته (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص:١١٩).","vol":"المقدمة","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>رابعًا: مشاهير تلامذته</span>\n<span data-type='title' id=toc-45>١ - المولى مُحيي الدِّين محمدُ بنُ بيرٍ محمد باشا الجمالِيُّ (٩٤١ هـ):</span>\nحصَّل العلومَ على والده، ثم على المولى الفاضلِ أحمدَ بنِ كمال باشا، ثم على المولى علاءِ الدِّين عليٍّ الجماليِّ المُفتِي، ثم صار مدرِّسًا في المدارس الثَّمانِ، ثم قاضيًا بمدينة أدرنةَ، وتوفِّي وهو قاضٍ بِها، وكان عاليَ الهمَّةِ، رفيعَ القدرِ، عظيمَ النَّفسِ، صاحبَ وقارٍ وأدبٍ، وكان له حظٌّ من العلومِ المُتداولةِ والعلومِ الرياضيَّة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>٢ - المولى سعدُ الله بنُ عيسى، المعروفُ بسعدِي جَلبِي (٩٤٥ هـ):</span>\nحصَّلَ العُلومَ على علماء عصرِه، ثم وصل إلى خدمة المولى محمدٍ السَّامسوني، ثم انتقلَ مدرِّسًا في مدارسَ عدَّةٍ، ثم صار مُدرِّسًا في إحدى المدارس الثَّمانِ، ثم قاضيًا بمدينة قُسطنطينيَّةَ، وشيخَ الإسلامِ بعدَ وفاةِ شيخِه العلَّامةِ ابنِ كمال باشا، وكان مرضيَّ السِّيرةِ في قضائه، محمودَ الطَّريقة، طاهرَ اللِّسان، لا يذكرُ أحدًا إلَّا بخيرٍ، وكان من جملة الذين صرفوا جميعَ أوقاتِهم في الاشتغالِ بالعِلمِ، له حواشٍ على \"تفسيرِ البيضاويِّ \"، و\"شرحٍ مختصَرٍ للهدايةِ\"، و\"فتاوى\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٧٣ - ٢٧٤)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٣٤٦ - ٣٤٧).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٦٥)، و\"الطبقات السنية\" للتميمي (٤/ ٢٧ - ٣١)، و\"الأعلام \" للزركلي (٣/ ٨٨ - ٨٩).","vol":"المقدمة","page":139},{"text":"<span data-type='title' id=toc-47>٣ - المولى هدايةُ الله بنُ مولانا بار عليٍّ العجميِّ (٩٤٨ أو ٩٤٩ هـ):</span>\nقرأَ على علماء عصره، منهم: المولى بير أحمد جَلبي، والمولى مُصلحُ الدِّين مُصطفى بن خليلٍ، والدُ طاشكُبرِي زادَه، والمولى مُحيي الدِّين الفناريِّ، والعلامةُ ابن كمال باشا، ثم اشتغلَ بالتدريس في مدارسَ عديدةٍ، وبإحدى المدارسِ الثَّمانِ، ثُم صار قاضيًا بمكةَ المُكرَّمةَ، ثُم اختلَّت عيناه فتركَ القضاء وذهبَ إلى مصرَ وتوفِّي بها.\nوكان عالمًا مُشاركًا في العلوم، وله معرفةٌ بالأصولَين والفقه، أديبًا، لبيبًا، وقورًا، حليمًا، مُتواضعًا، مُتخشِّعًا، كريمَ النَّفسِ، مرضيَّ السِّيرةِ، رحمَه الله تعالى رحمةً واسعةً (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>٤ - المولى مُحيِي الدِّينِ محمدُ بنُ عبد الله الشهيرُ بمحمد بك (٩٥٠ هـ):</span>\nكان من عبيد السلطان بايزيد خان، وسلكَ طريقَ العِلم، وقرأ على علماء عصرِه، منهم المولى الشَّيخُ مُظفَّرُ الدِّين العجميُّ، والمولى مُحيي الدِّين الفناريُّ، والمولى بير أحمد جلبي، ثم وصل إلى خدمةِ العلامة الفاضلِ ابنِ كمال باشا، وصار مُعيدًا لدرسِه، ثُم أصبح مدرِّسًا في مدارسَ عديدةٍ، ثُم اختلَّ دماغُه، وتركَ التَّدريس، وسافرَ إلى مصرَ، وأُسرَ في أيدي النَّصارى، واستردَّه بعضُ أصدقائِه منهم، ورجع إلى قُسطنطينيَّةَ، واشتغلَ بالتَّدريس، حتى توفِّي\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٩٧)، \"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة\" للغزي (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"المقدمة","page":140},{"text":"ببلدةِ كُوتاهْيةَ في سنة (٩٥٠ هـ)، وكان أديبًا، محبًّا للعلمِ وأهله، وله مشاركةٌ في العلوم العقليَّة والرِّياضيَّة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>٥ - المولى محمدُ بنُ عبد الوهَّاب بنِ عبدِ الكريم (٩٥٥ هـ):</span>\nكان جدُّه عبدُ الكريم قاضيًا بعسكرِ دولةِ السُّلطان محمد خان أبي الفتح، ووليَ أبوه عبدُ الوهَّاب الدَّفتردارَّيةَ في عهد السلطانِ سليم خان.\nحصَّلَ العُلومَ على علماء عصرِه، منهم المولى إسرافيل زادَه، والمولى جِوِي زادَه، والمفتي أبي السُّعود، ثم وصل إلى محطِّ رحالِ الرِّجالِ، المخصوصِ في عهده بالإفادة، المولى الشَّهير بكمال باشا زاده، فتبحَّر في العلوم، وغلب على أقرانه، ثُم اشتغل بالتَّدريس والقضاء، ثُم توفِّي وهو في السِّتِّين من عُمره.\nوكان ﵀ يَنظمُ الأبياتَ بعدَّةِ لغاتٍ، وكانت له عدَّةُ مؤلَّفاتٍ، ذكرها ابنُ بالِي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-50>٦ - المولى عبدُ الكريمِ الويزَويُّ (٩٦١ هـ):</span>\nقرأَ على علماء عصره، ثُم وصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن كمال\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٩٤ - ٢٩٥)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٤٠٧ - ٤٠٨).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٣٨٤ - ٣٨٩)، و\"الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة\" للغزي (٣/ ٥٧ - ٥٨)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٥٥٥)، و\"الأعلام\" للزركلي (٦/ ٢٥٦).","vol":"المقدمة","page":141},{"text":"باشا المفتِي، ثُم اشتغلَ بالتَّدريس في المدارسِ المختلفةِ، ثُم صار مُدرِّسًا ومُفتيًا بسلطانيَّةِ مَغنيسَا، وتوفِّي وهو مُدرِّسٌ بها.\nوكان ﵀ عالمًا فاضلًا، قويَّ الطَّبع، شديدَ الذَّكاء، لطيفَ المُحاورة، حسَنَ المُحاضرة، لذيذَ الصُّحبة، وكانت له مشاركةٌ في العُلوم كلِّها، ﵀ رحمةً واسعة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-51>٧ - المولى درويش محمدٌ (٩٦٢ هـ):</span>\nكانت أمُّه بنتُ العالمِ الفاضلِ سِنان باشا، قرأَ على عُلماءِ عصرِه، ثُم وصل إلى خدمةِ العلامة الفاضلِ ابنِ كمال باشا، ثُم اشتغلَ بالتَّدريسِ، وتوفَي وهو مُدرِّسٌ بإحدَى المدرستينِ المُتجاورتينِ بأدرنةَ.\nوكان ﵀ عالمًا فاضلًا، سليمَ النَّفس، مُستقيمَ الطَّبيعة، مُحبًّا للخيرِ وأهله، مُلازمًا لمُطالعة الكتب وتحصيل العُلوم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>٨ - المولى مُحيِي الدِّين محمدُ بنُ عبدِ القادر، المُشتهِرُ بالمعلُول (٩٦٣ هـ):</span>\nوهو والدُ الفاضلِ السَّيِّد محمدٍ جَلبِي النَّقيبِ في المماليك العثمانيَّةِ في زمنِ الكفويِّ (١٠٦٩ هـ).\nقيل عنه: إنَّه زبدةُ آلِ الرَّسول، وصفوةُ أولادِ العُقول، شريفُ الأصلِ، لطيفُ الشَّمائلِ.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص:٣٠٢).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٣٠٧).","vol":"المقدمة","page":142},{"text":"أخذَ العِلمَ عن علماءِ عصرِه، منهم المولى مُحيي الدِّين الفناريُّ، والعلامة ابنُ كمال باشا، ثُم اشتغل بالتَّدريس، ثُم صار قاضيًا بمصرَ المحروسةِ، ثُم قاضيًا بالعسكرِ المنصورِ في ولاية أناطولِي، تم توفِّي ودُفنَ عند دارِ القُرَّاء التي بناها بإسطنبول.\nوكان عالمًا، فاضلًا، صالحًا، مُحقِّقًا، مُدقِّقًا، عالمًا بالعُلوم الشَّرعيَّة والعقليَّة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-53>٩ - المولى مُصلحُ الدِّينِ مُصطفى بنُ المولى سيدي المنتشويِّ (٩٦٤ هـ):</span>\nقرأَ على عُلماء عصرِه، ثُم وصل إلى خدمة العلامة الفاضلِ ابنِ كمال باشا، ثُمَّ اشتغلَ بالتَّدريس، وصارَ مُدرِّسًا بإحدَى المدرستينِ المُتجاورتينِ بأدرنةَ، توفِّي وهو مُدرِّسٌ بها.\nوكان ﵀ جيِّدَ القريحةِ، مُستقيمَ الطَّبعِ، مُلازمًا لمطالعةِ الكُتبِ والعُلومِ، وكانت له مُشاركةٌ في العُلومِ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>١٠ - المولى يَحيى جَلبي بنُ أمينٍ نورِ الدَّينِ، الشَّهيرُ بأمين زادَه (٩٦٤ هـ):</span>\nولد بإسطنبول، وكان أبوه من أمراءِ الدَّولة العثمانيَّةِ، واشتَغل بالعلم،\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص:٣٠٧ - ٣٠٨).","vol":"المقدمة","page":143},{"text":"وحصَّل العلومَ على علماءِ عصره، منهم المولى ابنُ المؤيَّد، والعلامة ابنُ كمال باشا، ثُم وصلَ إلى خدمةِ المولى الفاضلِ علي جَلبِي الجماليِّ المُفتِي بإسطنبول قبل ابنِ كمال باشا، وصار مُعيدًا لدرسِه، واشتغلَ بالتَّدريس والقضاء.\nكان رحمه اللهُ تعالى عالمًا، زاهدًا، صاحبَ أدبٍ ووقارٍ، وكان أبعدَ النَّاسِ من ذكرِ مساوِئ النَّاس.\nوكانت له معرفةٌ تامَّةٌ بالتَّفسير، وأصولِ الفقهِ، والعلومِ الأدبيَّة بأنواعها، وكتبَ رسائلَ على بعضِ المواضعِ من \"تفسير البيضاويّ \"، وعلى بعضِ المواضعِ من \"وقاية الدِّراية\"، وكان له إنشاءٌ بالعربيَّة والفارسيَّة في غايةِ الحُسنِ والقبول (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-55>١١ - المولى مُحيي الدِّينِ محمَّد بنُ حسامِ الدِّينِ الشَّهيرُ بقُرَّه جَلبِي (٩٦٥ هـ):</span>\nعالمٌ فاضل، له اطِّلاعٌ على عِلم الكلام، ومهارةٌ في الفقه، وكانت له ممارسةٌ في النَّظمِ، واطِّلاعٌ على علمِ التَّواريخ والمُحاضراتِ.\nقرأ على والدِه حُسامِ الدِّينِ، والعلَّامة ابنِ كمال باشا، واشتغل بوظيفة التَّدريس والقضاء، وتوفِّي وهو قاضٍ بإسطنبول (^٢).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٣١٣ - ٣١٤ هـ).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده=","vol":"المقدمة","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>١٢ - المولى مُحيِى الدِّينِ الشَّهيرُ بابنِ الإمامِ (٩٧٣ هـ):</span>\nكان أبوه إمامًا في جامعِ محمود باشا، قرأ على العلامة ابن كمال باشا وغيره من أربابِ الفضل والكمال، ثُم اشتغلَ بالتَّدريس والقضاء والإفتاء في أماكنَ عديدةٍ.\nوكان من العلماءِ العاملين والفضلاء الكاملين، يُحقِّقُ كلامَ القُدماء، ويُدقِّقُ النَّظرَ في مقالات الفُضلاء، وقد علَّق على أكثرِ الكُتب المُتداولة حواشٍ، إلَّا أنَّه لم يتيسَّر له الجمعُ والتَّرتيب، والتَّبييضُ والتَّهذيب (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-57>١٣ - المولى تاجُ الدِّينِ إبراهيمُ بنُ عبدِ الله (٩٧٣ هـ):</span>\nحصَّل العلومَ على فُضلاءِ عصره، واتَّصل بنورِ الدِّين الشَّهيرِ بصارُو كُوزْ، وصار مُلازمًا له، ثُم اشتغلَ بالتَّدريس والإفتاء، وكتب حاشيةً على صدرِ الشَّريعة، ردَّ فيها على شيخِه ابنِ كمال باشا، وحاشيةً على بعضِ المواضع من \"شرح المفتاح\"، يردُّ فيها على ابن كمال باشا في المواضعِ التي يدَّعي التَّفرُّدَ فيها، وله عدَّةُ رسائلَ على مواضعَ من \"حاشية التَّجريد\" للسَّيِّد الشَّريفِ، وله شرحٌ لمتنِ \"المراحِ\" من علمِ التَّصريف (^٢).\n_________\n= (ص:٢٩٧ - ٢٩٨).\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٣٧٠)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٥٤٧).\n(^٢) انظر ترجمته في: \"الطبقات السنية في تراجم الحنفية\" للتميمي (١/ ٢٠٢ - ٢٥٣)، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" لحاجي خليفة (١/ ٣٣)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٥٤٠)، و\"هدية العارفين\" للبغدادي (١/ ٢٧ - ٢٨).","vol":"المقدمة","page":145},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>١٤ - المولى مُصلحُ الدِّينِ المُشتهرُ ببستانِ (٩٧٧ هـ):</span>\nولدَ بقصبةِ تِيرَةَ، وأخذَ العلمَ عن المولى مُحيِي الدِّين الفناريِّ، والمولى شجاعٍ، ثُم عطفَ الزمامَ نحوَ الاشتغالِ على العلامة ابنِ كمال، ثُم صار مُلازمًا من المولى خيرِ الدِّين معلِّمِ السُّلطانِ سُليمانَ، ثُم اشتغل بالتَّدريس والقضاء بمدينة بروسةَ، وأدرنةَ، وإسطنبول، ثُم ولي قضاءَ العسكرِ بولايةِ أناطولي، وبعدَ عشرةِ أيامٍ توفِّي المولى المُشتهرُ بِجِوِي زادَه وهو قاضٍ بالعسكرِ بولايةِ رُوم إيلِي، فنُقلَ مصلح الدين إلى مكانِه.\nكان ﵀ من أكابرِ العُلماء، والفُحولِ الفضلاء، يغبطُه النَّاسُ على نقاءِ قريحته، وسُرعةِ بديهته، فطنًا ألمعيًّا، لبيبًا لوذعيًّا، فذًّا أديبًا، وكانت المشاهيرُ من كبارِ التَّفاسير مركوزةً في صحيفةِ خاطرِه، وأمَّا العلومُ العقليَّةُ فهو ابنُ بجدتِها، وآخذٌ بناصيتها.\nكتبَ حاشيةً على \"تفسيرِ البيضاويِّ \" لسورةِ الأنعامِ، وعلَّقَ حواشٍ على مواضعَ أُخر. وكان يختمُ القرآنَ الكريم في صلواتِه في كلِّ أسبوعٍ مرَّةً، توفِّي في العشرِ الأخيرِ من رمضانَ سنةَ (٩٧٧ هـ) ﵀ رحمةً واسعةً (^١).\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٣٩٥ - ٣٩٦)، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" لحاجي خليفة (٣/ ٣٣٧)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٥٦٣)؛ و\"الأعلام\" للزركلي (٧/ ٤٠ هـ)، و\"هدية العارفين\" للبابرتي (٢/ ٤٣٥)، و\"معجم المؤلفين\" لعمر بن رضا كحالة (١٢/ ٢٨٠ - ٢٨١).","vol":"المقدمة","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>١٥ - المولى أبو السُّعودِ بنُ محمَّد بنِ مُصطفى العماديُّ (٩٨٢ هـ):</span>\nكان ﵀ من تلاميذِ ابنِ كمال باشا الخواصِّ، وهو خاتمةُ العُلماءِ المُحقِّقينَ الذين شرَّفُوا القرنَ العاشرَ بالعِلمِ.\nقرأَ على ابنِ المؤيَّدِ، وابنِ كمال باشا، والمولى القَرمانِي، وأعطَى له شهادتَه العِلميَّةَ المُسمَّاةَ (بالإجازةِ) ابنُ كمال باشا، واشتغل مدَّةً بالتَّدريس، ثُم بالقضاءِ بَبرُوسةَ وإسطنبول، ثُم صار قاضيًا بالعسكرِ في رُوم إيلي، وقد نشأ في حلقاتِه العِلميَّة عُلماءُ وأدباءُ وشعراءُ أجلاءُ، مثلُ المولى سعدُ الدِّينِ، والشَّاعرُ المَشهورُ باقي، وابنُ الحِنَّائيِّ.\nوله مؤلَّفات عديدةٌ، ورسائلُ مفيدةٌ، من أشهرِها: \"إرشادُ العقلِ السَّليمِ إلى مَزايا القُرآنِ الكريمِ \"، وهو تفسيرُه المطبوع (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>١٦ - المولى تاجُ الدِّينِ إبراهيمُ (٩٩٤ هـ):</span>\nقرأ على علماءِ زمانِه، ووصل إلى خدمةِ العلامة ابن كمال باشا زادَه، فعكفَ على التَّحصيلِ والاستفادةِ، وسعَى في تكميلِ ذاتِه، وبقي مُلازمًا له إلى وفاتِه.\nواشتغلَ بالتَّدريس في أماكنَ مُختلفةٍ، ثُم عُيِّنَ مُدرِّسًا للمدرسة التي بناها السلطانُ سليمانُ بمدينةِ دمشقَ، وفوَّضَ إليه الفتوى في هذه الدِّيارِ، فدامَ عليها حتى توفِّي.\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\" لحاجي خليفة (١/ ٩٤)، \"وشذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٥٨٤ - ٥٨٦)، و\"معجم المفسرين\" لعادل نويهض (٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦)، و\"الأعلام\" للزركلي (٧/ ٥٩ - ٦٠).","vol":"المقدمة","page":147},{"text":"وكان ﵀ عارفًا بالعلومِ الدِّينيَّة والمسائلِ اليقينيَّة، خُصوصًا الفقه، فإنَّه كان معروفًا بين أصحابِه، ومعدودًا في عدادِ أربابِه، وكان ﵀ ليِّنَ الجانب، صحيحَ العقيدة، صاحبَ الأخلاقِ الحميدة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-61>١٧ - المولى بالِي بنُ محمد:</span>\nوالدُ صاحبِ \"العقد المنظوم في ذكرِ أفاضل الرُّوم\" عليّ بنِ بالِي (٩٩٢ هـ)، ولدَ رحمَه اللهُ تعالى سنةَ (٩٠١ هـ)، ولم يذكُر ابنُه في ترجمتِه سنةَ وفاتِه، غيَر أنَّه ذكرَ أنَّه توفِّي في شهرِ رجبٍ في قصبةِ جُوْرلي.\nوكان ﵀ حادَّ الذِّهنِ، ذكيَّ القريحة، صحيحَ العقيدة، بحَّاثًا بالعِلم، معروفًا به بينَ الأهالِي.\nوقد كتبَ تفسيرًا من المُعتبراتِ بخطِّه، وصبَّ اهتمامَه خصوصًا لمؤلَّفاتِ أستاذِه العلامة ابنِ كمال باشا، حيثُ كتبَ جميعَ كُتُبِه ورسائله، وعلَّقَ حواشٍ على بعضِ المواضعِ من شرحِه الفرائضَ، وعلى بعضِ المواضعِ من \"الإصلاحِ والإيضاحِ \"، وكان له اليدُ الطُّولَى في الكلام والهيئة والحساب، وكتبَ على بعض المواضعِ منها كلماتٍ لطيفةً، وكان ﵀ محمودَ السِّيرةِ في قضائه، عاملَه اللهُ بلطفِه يومَ جزائه (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) انظر ترجمته في: \"الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية\" لطاشكبري زاده (ص: ٣٨٣)، و\"شذرات الذهب\" لابن العماد (١٠/ ٥٤٩).\n(^٢) انظر: \"ابن كمال باشا وآراؤه الاعتقادية\" (١/ ٩٠).","vol":"المقدمة","page":148},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>خامسًا: مكانتُه العلميَّةُ وثناءُ العلماءِ عليه</span>\nيكفي العلامةَ ابنَ كمال باشا أنه لما دخل القاهرة منبع العلماء وملتقى الأدباء ومنتهى الفضلاء، أُعجب علماؤها بفصاحةِ لسانه، وحُسنِ كلامِه، وبلاغةِ بيانِه، وأقرُّوا له بالفضلِ والكمالِ، وأجازَ له بعضُ علماءِ الحديثِ بها، وأفادَ واستفادَ، وحصَّلَ بها علوَّ الإسنادِ، وشُهدَ له بالفضائلِ الجمَّة، والإتقانِ في سائرِ العلوم المُهمَّة، وكانوا يذكرونه بغايةِ التَّبجيل والإجلال (^١).\nوقد صارَ للعلَّامةِ ابنِ كمال اليدُ الطولى في علوم العربيَّة والتفسير والكلام، وما مؤلفاته إلا شواهد ناطقةٌ بتقدمهِ فيها وعلوِّ كعبه بين من يعانيها، وإجالةُ نظرٍ عَجْلى على بعض فيها توقِفُ المرءَ على مكانتهِ العلميَّة الرفيعة، ومن هنا فإنَّنا لا نرى داعيةً إلى الموازنة بين العلامةِ ابنِ كمال باشا وغيرهِ من العلماء؛ كالسّيوطي وأبي السُّعود وطاشكُبري زاده وغيرهم ممن كان في عصره أو يقرُب منه؛ فلكلِّ واحدٍ من العلماء فنّ أتقنهُ وعُرف به، وشاركَ في غيره من الفنونِ وكتبَ فيها وإنْ لم يكن ممن برز فيها.\nفالعلامةُ ابنُ كمال ﵀ أراد أن يبرزَ في العلوم النقلية كما السُّيوطي لكنه وقف دون غايته، والسُّيوطي أرادَ أن يبرز في العلوم العقليَّة فما وصل إلى مَرامه، ونرى أنَّ الموازنة بينهما - إنْ تمت - تكون في كثرةِ التَّأليف وقوةِ التَّحرير بوجهٍ عام، وفي ترجيحِ كفة أحدِهما على الآخَر هاهنا تختلفُ الأنظار (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"كتائب أعلام الأخيار\" للكفوي (٤/ ٣٩٠).\n(^٢) انظر: \"مقدمة مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا\". ط دار اللباب.","vol":"المقدمة","page":149},{"text":"فقد ذهبَ التَّميميُّ إلى أنَّ ابنَ كمال قد حازَ السَّبقَ على السُّيوطيِّ فقال: وعندي أنَّ ابنَ كمال باشا أدقُّ نظرًا من السُّيوطيِّ، وأحسنُ فهمًا، وأكثرُ تصرُّفًا، على أنَّهما كانا جمالَ ذلك العصرِ، وفخرَ ذلك الدَّهرِ، ولم يخلُف أحدًا منهما بعدَه مثلُه، رحمَهما اللهُ تعالى (^١).\nأما العلَّامةُ أبو الحسناتِ عبدُ الحيِّ اللَّكنويُّ (١٣٠٤ هـ) فقد رجَّح كفَّةَ الإمام السُّيوطيِّ، فقال عقبَ كلامِ التَّميميِّ: أقولُ: هو إن كان مساويًا للسُّيوطيِّ في سعة الاطِّلاع في الأدب والأصولِ، لكن لا يُساوِيه في فنونِ الحديثِ، فالسُّيوطيُّ أوسعُ نظرًا، وأدقُّ فكرًا في هذه الفنون منه، بل من جميعِ مُعاصرِيه، وأظنُّ أنَّه لم يُوجد مثلُه بعدَه، وأمَّا صاحبُ التَّرجمةِ فبضاعتُه في الحديثِ مُزجاةٌ، كما لا يخفَى على من طالعَ تصانيفَهما، فشتَّانَ ما بينهما كتفاوتِ السَّماءِ والأرضِ وما بينهُما (^٢).\nقلت: وما قاله هذا العلامة في حقِّ ابن كمال باشا يمكن تلمُّسه في جميع مؤلفاته، حيث يظهر منها ضعفُ الصنعة الحديثية عنده، لكنه في المقابل إمام المباحث العقلية، فكم تعقب من عالم، وكم رد على إمام، وكم أبدع من مسألة، وبحث في موضوع، فأفاد فيما أبدع وأفاض فيما بحث.\nوحام حول ما ذكرناه الدكتورُ حسَن عِتر ﵀، فقال بعدَ إيرادِ أقوالِ العُلماءِ في مُوازنتِهما: قلتُ: اتَّفقوا على تفضيلهما على جميع علماءِ ذلك العصر، واختلفوا في ترجيح فضلِ أحدهما على الآخر، فإمَّا أن يكون\n_________\n(^١) انظر: \"الطبقات السنية في تراجم الحنفية\" للتميمي (١/ ٣٥٧).\n(^٢) انظر: \"الفوائد البهية\" للكنوي (ص: ٢٢).","vol":"المقدمة","page":150},{"text":"أحمدُ بنُ سليمانَ كالسيوطيِّ تمامًا، أو أنَّه يليه مباشرةً، فلا يتوسَّطُ بينَهما أحدٌ في العلمِ والفضل، والحقُّ أنَّ لكلٍّ منهما مزيَّتُه ورجحانُه في جانبٍ من العلوم، ولا ريبَ أنَّ السُّيوطيَّ أطولُ باعًا وأعظمُ تضلُّعًا من علوم الحديثِ، وفي كلٍّ منهُما خيرٌ عظيم، وعلمٌ غزير، رحمهما الله وجزاهما خيرًا عن الإسلام والمسلمين (^١).\nهذا وذهبَ كثيرٌ من المؤلِّفينَ إلى تفضيل العلَّامة ابن كمال باشا - لانتشارِ شهرتِه العلميَّةِ في عصرِه - على أكابرِ علماءِ الشَّرقِ، أمثالِ العلَّامةِ التَّفتازانيِّ، والفاضلِ السَّيِّدِ الشَّريفِ الجُرجانيِّ، وفي هذا من المبالغةِ ما لا يخفى على باحثٍ مدقِّق، فقد أمضى العلامةُ ابنُ كمال عمرَه في العيشِ تحتَ كَنفِ عِلمَي هذين العلَمَين وأبحاثِهما، ناقلًا مُسلِّمًا، أو مُناقشًا مُتعقبًا.\nكما يرَونَ تفوُّقَ العلَّامةِ أبي السُّعودِ في الأدبِ، وعظمةِ الأسلوبِ، وتناسبِ البيانِ، والأشعارِ العربيَّةِ.\nوهنا لا بدَّ من الإشارةِ أيضًا أنَّ العلامةَ طاشكبري زاده قد مَضى على سَنَنِ العلامةِ ابن كمال باشا، من حيثُ كثرةُ التأليفِ والإفادةِ من كتب ابن كمال ورسائلِه، حتى إنَّ كثيرًا من أسماء كتبه ورسائله شابَهتْ رسائلَ ابنِ كمال وكتبَه، تمامًا كما ابن طولونَ مع السُّيوطي، رَحمَ اللهُ الجميع.\nوبعد، فقد كثُر الثناءُ على العلامةِ ابن كمال باشا قديمًا وحديثًا، ومن\n_________\n(^١) مقدمة \"تفسير سورة الملك\" لابن كمال باشا، تحقيق: د. حسن عتر (ص: ٢٣ - ٢٤).","vol":"المقدمة","page":151},{"text":"أجمل ما قيل فيه قولُ العلامةِ الكَفويّ (٩٩٠ هـ) في كتابه: \"كتائب أعلام الأخيار\":\nمن لطائف صنع الله وألطافه التي جلَّت أن تُعد، وكبرت لعظم شأنها عن أن تُحد: أنه لم يُخلِ في عصر من الأعصار المدائنَ والأمصار عن ذي ذهن وقَّاد، وصاحب طبع نقَّاد، يبذُل جهده في ارتفاع ما يَرفع في الدارين قدرَه، ويطلع من أُفق النَّباهة بدرُه، فتصدَّى لاقتباس العلم ودراسته، واجتهد في صَونه عن الضياع وحراسته، وصرف همَّته إلى تجديد مراسم الشرع، وأجرى سواد الحبر في بياض الورق، ووقفَ نهمتَه على تمهيد قواعد الأصل والفرع، وسوَّد وجهَ الباطل وبيَّض مُحيَّا الحق، به كلُّ من يقتدي يسترشد ويهتدي، وما هو في عهده إلا هذا المولى، سجيَّتُه التأليف والدرس والفتوى، ولا يفتر لمحةَ ناظرٍ عن التأليف والتدريس والإفادة، يقرِّر غاية مَرامه غير مُتلعثم في كلامه:\nفسَلْ عن جلايا مجدِه كلَّ شارقٍ … وطارِحْ خفايا فضله كلَّ غاسق\nأضاءت سماءُ الفضل منه بثاقبٍ … تُفدِّيه سيَّاراتُ ذات الطرائق\nوليس له ثانٍ من النَّاس كلَّما … علا درجاتٍ في بيان الدَّقائق\nيذلُّ مصاعيبَ العلوم فتنثني … إليه هوادسُها طرو الوسائق\nويسحر في علم البيان محافظًا … على نسبٍ يزهى بها وعلائق\nومَنْ لكلام لله يُبدي كنوزَه … سواه بكشفٍ للغوامض رائق\nوأنفاسُه في روض نعمان عضَّه … لواقح قد شقَّت حبوبَ الشَّقائق","vol":"المقدمة","page":152},{"text":"تمر سِنُو الدُّنيا فتُخْلِد ذِكْرَه … تصانيفُ قد زانت بطون المهارق (^١)\nوكذلك وصفَه العلَّامةُ الكَفويُّ بأنَّه: أستاذُ الفضلاءِ المشاهيرِ، إسنادُ العُلماءِ النَّحاريرِ، إمامُ الفروعِ والأصولِ، علَّامةُ المعقولِ والمنقولِ، كشَّافُ مُشكلاتِ الكلامِ القديمِ، حلَّالُ معضلاتِ الكتابِ الكريمِ، فارسُ ميدانِ البلاغةِ والأدبِ، ومؤسِّس طريقةِ الخلافِ والمذهب، مُفتِي الثَّقلينِ، لسانُ الفريقينِ، السائرُ تصانيفُه مسيرَ الخافقينِ، شيخُ الإسلامِ والمسلمينَ، شمسُ الملَّةِ وضياءُ الدِّينِ.\nثم قال: وله تصنيفاتٌ كثيرةٌ معتبرةٌ متداولة بينَ أيدِي العُلماءِ، ومقبولةٌ لدَى الفضلاءِ، كان يكتب ما سنح بباله الشريف بأداءٍ حسنٍ وتحريرٍ لطيف، وقد فتر الليلُ والنهارُ ولم يفتُر قلمُه، ولم يُذكَر في مجلسِه مسألةٌ من كلِّ الفنونِ إلَّا وهو كان يعلمُه.\nقال: وكلُّ تصانيفِه مقبولةٌ بينَ الأعيانِ، مُتداولَةٌ بينَ أهالِي الزَّمانِ، وكان عددُ رسائلِه قريبًا من مئةِ رسالةٍ، كلٌّ منها جامعةُ الفوائد، عامَّةُ العوائد.\nوبالجملةِ أنسَى ﵀ ذكرَ السَّلفِ بينَ النَّاسِ، وأحيا رباعَ العلمِ بعدَ الاندراسِ، وكان من مفرداتِ الدُّنيا، ومنبعًا للمعارفِ العُليا، شهرتُه تُغنِي عن التَّفصيلِ والإطنابِ، والحاصلُ ما من فنٍّ إلَّا وله فيه حكمةٌ وفصلُ خطابٍ (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"كتائب أعلام الأخيار\" للكفوي (٤/ ٣٨٩).\n(^٢) انظر: \"كتائب أعلام الأخيار\" للكفوي (٤/ ٣٨٣ - ٣٩٣).","vol":"المقدمة","page":153},{"text":"وقال العلَّامةُ طاشكُبري زادَه (٩٦٨ هـ): وكان رحمَه اللهُ تعالى من العلماءِ الذين صرفُوا جميعَ أوقاتِهم إلى العلم، وكان يشتغلُ بالعلمِ ليلًا ونهارًا، ولم يفتُر قلمُه، وصنَّفَ رسائلَ كثيرةً في المباحثِ المهمَّةِ الغامضةِ، وكان صاحبَ أخلاقٍ حميدةٍ حسنة، وأدبٍ تامٍّ، وعقلٍ وافر، وتقريرٍ حسنٍ ملخَّص، وله تحريرٌ مقبولٌ جدًّا؛ لإيجازِه مع وضوحِ دلالتِه على المرادِ.\nوكان ابنُ الحنائِيِّ، علاءُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ (٩٧٩ هـ) اتَّخذَ من أسماءِ المشهورينَ طبقةً في كتابِه \"طبقاتُ الحنفية\"، وجعلَ العلَّامةَ ابنَ كمال باشا عنوانَ طبقتِه، وإن دلَّ صنيعُه هذا على شيءٍ، فإنَّه يدلُّ على علو كعبه في العلوم، فقال: ثُمَّ انتقلَ الفقهُ إلى طبقةِ المولَى الفاضل مفتي الثقلين أحمدَ بنِ سليمانَ الشهير بابنِ كمال باشا (^١).\nووصفَه تلميذُه العلَّامةُ أبو السُّعودِ العماديُّ (٩٨٣ هـ) بأنَّه: العالمُ الرَّبانيُّ، والعارفُ الخاقانيُّ، فاضلُ الرُّومِ، والفائقُ في جميعِ العلومِ، شيخُ الخافقينِ، ومُفتِي الثَّقلينِ، ابنُ كمالٍ باشا (^٢).\nوقال عنه تقيُّ الدِّينِ التَّميميُّ (١٠٠٥ هـ): الإمامُ، العالمُ، العلَّامةُ، الرُّحلةُ، الفهَّامةُ، أوحدُ أهلِ عصرِه، وجمالُ أهلِ مصرِه، من لم يُخلَف بعدَه مثلُه، ولم ترَ العيونُ مَن جمعَ كمالَه وفضلَه، كان رحمَه اللهُ تعالى\n_________\n(^١) انظر: \"طبقات الحنفية\" لابن الحنائي، المنسوب خطأ لطاشكبري زاده (٣/ ٨٢).\n(^٢) انظر: \"رسالة في معرفة لفظ: جلبي) لأبي السعود، تحقيق: صفاء صابر مجيد البياتي، مجلة آفاق الثقافة والتراث (ص: ١٦٣ - ١٦٤) بالعراق.","vol":"المقدمة","page":154},{"text":"إمامًا بارعًا في التَّفسيرِ والفقهِ والحديثِ، والنَّحوِ والتَّصريفِ، والمعاني والبيانِ، والكلامِ والمنطقِ والأصولِ، وغيرِ ذلك، حيثُ إنَّه تفرَّدَ في إتقانِ كلِّ علمٍ من هذه العلومِ، وقلَّما يُوجدُ فنٌّ من الفنونِ إلَّا وله مصنَّفٌ أو مصنَّفاتٌ، وصارَ إمامًا في كلِّ فنٍّ، بارعًا في كلِّ علمٍ، تُشدُّ الرِّحالُ إليه، وتُعقدُ الخناصرُ عليه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الطبقات السنية في تراجم الحنفية\" للتميمي (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦).","vol":"المقدمة","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>سادسًا: وفاته</span>\nوافت العلامةَ ابنَ كمالٍ المنيةُ يومَ الخميسِ الثَّانِي من شهرِ شوالَ سنةَ (٩٤٠ هـ)، بعدَ طلوعِ الشَّمسِ، في مدينةِ إسطنبولَ، وصُلِّي عليه بعدَ الظُّهرِ من ذلك اليومِ، في جامعِ السُّلطانِ محمَّد خان عليه الرَّحمةُ والرِّضوانُ.\nوقد قيل في تاريخِ وفاتِه حسبَ حِسابِ الجُمَّل:\nحَلَّ عليه رحمةُ الحقِّ.\nوقيل: ماتَ النِّحريرُ.\nوقيل: ارتحلَ العُلومُ بالكمالِ.\nوكُتبَ على قبرِه: هذا مقامُ أحمدَ.\nوعلى أكفانِه: هي آخرُ اللِّباسِ.\nوكلُّها يتضمَّنُ تاريخَ وفاتِه.\nوكان يقول رحمَه اللهُ تعالى وهو يُحتضرُ: يا أحدُ نَجِّنا ممَّا نخافُ، فحُسِبَت بعدَ موتِه، فكانت تاريخًا لوفاتِه أيضًا.\nوحكى بعضُ المُترجمينَ له أنَّه لمَّا بلغَ خبرُ وفاتِه الدِّيارَ الشَّاميَّةَ، صلَّوا عليهِ غائبةً بجامعِ دمشقَ، وذلك ثانِي ذي القَعدةِ سنةَ (٩٤٠ هـ)، وكذلك بالمسجدِ الحرامِ، رحمه الله تعالى وغفر له.\n* * *","vol":"المقدمة","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>سابعًا: مؤلفاته</span>\nيعدُّ المؤلف ﵀ من العلماء الموسوعيين، والمصنفين المكثرين، الذين لم يدعوا بابًا من أبواب العلم إلا ومدوا إليه يد التأليف، ويشهد لهذا كثرة كتبه ورسائله التي وصلت إلينا، ولكن لا بد هنا من التنبيه على ملاحظة مهمة، وهي أن هذا العلامة قد نسب إليه الكثير من المؤلفات والرسائل التي ليست له، حتى جعلها البعض ومنهم التميمي تزيد على ثلاث مئة، لكن الذي تبين بعد التمحيص والبحث الدقيق، أن ما كان له حقيقة هو أقل بكثير من تلك الأرقام المبالغ فيها، ويمكن أن نرجع هذا الأمر إلى الأسباب التالية:\n١ - ما وقع فيه مُفهرِسو المخْطوطاتِ مثل بروكلمان وآدسز وغيرِهما، الذين نَسبوا إلى العلَّامةِ ابنِ كمالٍ ما ليس له، كما وقع في جملةٍ مِن رسائلِ التفسيرِ، كـ\"تفسيرِ سُورةِ الفَجرِ\" والتي هي في الحقيقة قطعةٌ من تفسيرِ الإمامِ البَيضاويِّ \"أنوارِ التَّنزيل\".\n٢ - ما وقع فيه المفهرسون أيضًا من ذِكر عناوينَ كثيرةٍ للرسالةِ الواحدةِ، فيُظن أنها رسائل عديدة، في حين أن الأصل واحد.\n٣ - ما فعله النُّسَّاخِ من نسبة رسائلَ كثيرةً إلى العلامة ليستْ له جَهلًا أو قَصدًا؛ جَهلًا لأنَّ طائفةً منهم يُثبتونَ اسمَ علَمٍ مِن الأعلامِ بمجرَّدِ أنْ يرَوْا اسمَه في رسالةٍ مَذكورًا (^١)، .........................................\n_________\n(^١) كما في الرسالة المتعلقة بمعنى لفظ (جلبي) لأبي السعود المفسر، حيث نسبت في كثير من =","vol":"المقدمة","page":157},{"text":"وقَصدًا بغاية الترويج؛ لِمَا كان للعلَّامةِ ابنِ كمال مِن مَكانةٍ رفيعةٍ في الدَّولةِ العُثمانيَّةِ.\n٤ - أن هناك الكثير من الرسائل القصيرة المقتطعة من أخرى أكبر منها، أو من بعض الكتب الكبيرة للمؤلف، فجعلُوها رسائلَ مفردةً، كما جرى في أكثرِ مِن ثلاثينَ رسالةً أُفردتْ مِن هذا التفسير، ومن شرح المؤلف على كتابِ \"الهدايةِ\" للمرغِينانيِّ، وغيرِها.\nوهكذا وبعدَ الوقوفِ على ما يُقارِبُ مِن أربعِ مِئةِ رسالةٍ مَنسوبةٍ إلى العلَّامةِ ابنِ كمال، ومن خلال النَّظرِ الدقيق فيها واحدةً واحدة، تبين أن ما يصح نسبته إليه هو ما يقارب من مئةٍ وأربع عشرة رسالة، وهو مجموع ما نشرته دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث في اسطنبول تحت عنوان: \"مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا\" في ثماني مجلدات، فكان هذا العددِ مُقارِبًا لما ذكره العلَّامةِ الكَفويِّ (ت ٩٩٠ هـ) من أنَّ عددَ رسائلِ ابنِ كمالٍ قَريبٌ مِن مئةِ رسالةٍ (^١).\nوفنونُ تلك الرسائلِ التي تم نشرها تَندرجُ تحتَ علومٍ ستَّةٍ هي: التفسيرُ وعلومُ القرآن، والحديثُ الشريفُ وعلومُه، والفقهُ، واللغةُ العربيةُ وعلومُها، والعقائدُ، وعلمُ الكلام. وسنذكرها إن شاء الله جميعًا ثم ننتقل إلى كتبه الأخرى التي لم تنشر ضمن المجموع المذكور:\n_________\n= النسخ الخطية لابن كمال ﵀.\n(^١) انظر: \"كتائب أعلام الأخيار\" للكفوي (٤/ ٣٩٣).","vol":"المقدمة","page":158},{"text":"أولًا: رسائل التفسير وعلوم القرآن:\n١ - \"تفسيرُ سورةِ المُلكِ\".\n٢ - \"تفسيرُ سُورةِ النَّبأ\".\n٣ - \"تفسيرُ سُورةِ النَّازعاتِ\".\n٤ - \"تَفسيرُ سُورةِ الطَّارقِ\".\nوهذه السور الأربع وقعت مستقلة في بعض المخطوطات، وجاءت كلها أو بعضها ملحقة بكثير من النسخ الخطية المعتمدة في هذا التفسير، ولذلك ألحقناها به.\n٥ - \"تحقيقُ إعجازِ القُرآنِ\".\n٦ - \"شَرحُ العَشرِ في مَعشرِ الحَشرِ\".\n٧ - \"مقالةٌ في المُغيَّباتِ الخَمسِ\".\n٨ - \"تَحقيقُ القولِ بأنَّ الشُّهداءَ أحياءُ في الدُّنيا\".\n٩ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ الغَيبِ\".\n١٠ - \"تَعليمُ الأَمرِ في تَحريمِ الخَمرِ\".\n١١ - \"مُختصرُ تَعليمِ الأَمرِ في تَحريمِ الخَمرِ\".\nثانيًا: الرسائل المتعلقة بالحديثِ النَّبويِّ الشَّريف:\n١٢ - \"مُصطلحاتُ أهلِ الحديثِ\".\n١٣ - \"الأَربعونَ حديثًا الأُولى\".","vol":"المقدمة","page":159},{"text":"١٤ - \"الأربعونَ حديثًا الثَّانية\".\n١٥ - \"الأربعونَ حديثًا الثَّالثة\".\n١٦ - \"الأربعون حديثًا الرابعة\".\n١٧ - \"حاشية على أوَّلِ صحيحِ البُخاريِّ\".\n١٨ - \"رسالةٌ في شرح قوله ﷺ: اللَّهمَّ إنَّا نَسْتعِينُكَ ونَسْتَهْدِيكَ ونَسْتَغْفِرُكَ … \".\n١٩ - \"رسالةٌ في بيانِ قولهِ ﵇: كانَ اللهُ ولمْ يكنْ شيءٌ معهُ\".\n٢٠ - \"رسالةٌ في شرحِ قولهِ ﵇: سأُخبرُكم بأوَّلِ أَمري\".\nثالثًا: الرسائل المتعلقة بالفقه:\n٢١ - \"رسالةٌ في مَنشَأ الاختلافِ بينَ الأئمَّةِ\".\n٢٢ - \"رسالةٌ في مِقْدارِ فَرْضِ مَسْحِ الرَّأسِ\".\n٢٣ - \"رسالة في جَوازِ الجُمعَةِ في مَوْضِعَينِ\".\n٢٤ - \"الاستِخلافُ للخُطبةِ والصَّلاةِ للجُمُعة\".\n٢٥ - \"رسالةٌ في جَوازِ الاسْتئجارِ على تَعليمِ القُرآنِ\".\n٢٦ - \"رسالةٌ في الزَّكاة\".\n٢٧ - \"رسالةٌ في طبقةِ السُّكْر\".\n٢٨ - \"رسالةٌ في بيانِ حدِّ الخمرِ\".\n٢٩ - \"رسالةٌ في بيانِ طبيعةِ الأَفْيُونِ\".","vol":"المقدمة","page":160},{"text":"٣٠ - \"رسالةٌ في بيانِ حقيقةِ الرِّبا\".\n٣١ - \"دُخولُ ولدِ البنتِ في الموقوفِ على الأولادِ\".\n٣٢ - \"رسالةٌ في تحقيقِ الخِضَابِ\".\n٣٣ - \"حاشيةٌ على كتابِ أدبِ القاضي مِن الهدايةِ\".\n٣٤ - \"رسالةٌ في التَّعزيرِ\".\n٣٥ - \"كشفُ الدَّسائسِ في الكَنائسِ\".\n٣٦ - \"رسالةٌ في بيانِ الرَّقصِ والدَّورانِ\".\n٣٧ - \"الفَرائدُ والفَوائدُ\".\n٣٨ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ الصَّبرِ\".\n٣٩ - \"مَدحُ السَّعي وذَمُّ البَطَالةِ\".\nرابعًا: الرسائل المتعلقة باللُّغةِ العربيَّةِ وعلومها: وهي رسائل تتعلق بمواضيع البلاغة والنحو واللغة، فرسائل البلاغة:\n٤٠ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ التَّغليبِ\".\n٤١ - \"رسالةٌ في أقسامِ الاستِعارةِ\".\n٤٢ - \"رسالةٌ في أنواعِ المجازِ\".\n٤٣ - \"رسالةٌ في التَّضمينِ\".\n٤٤ - \"رسالةٌ في اللفظِ المستعمَلِ بطريقِ المجازِ\".\n٤٥ - \"رسالةٌ في بيانِ أُسلوبِ الحَكيمِ\".","vol":"المقدمة","page":161},{"text":"٤٦ - \"رسالةٌ في تحقيقِ المُشاكَلة\".\n٤٧ - \"رسالةٌ في بيانِ تَلوينِ الخِطابِ\".\n٤٨ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ التَّوسُّعاتِ\".\n٤٩ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ مَعنى النَّظمِ والصِّياغةِ\".\n٥٠ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ الخَواصِّ والمَزايا\".\n٥١ - \"رسالةٌ في علمِ البيانِ\".\n٥٢ - \"رسالةٌ في الإيجازِ والإطنابِ\".\n٥٣ - \"رِسالةٌ في تَوجيهِ التَّشبيهِ في: كما صلَّيتَ عَلى إبراهيمَ\".\n٥٤ - \"تعليقاتٌ على مِفتاحِ العُلومِ\".\n٥٥ - \"رسالةٌ في مُشاركةِ صاحبِ المَعاني اللُّغويَّ\".\nأما رسائل النحو واللغة فهي:\n٥٦ - \"شَرحُ خُطبةِ شرحِ الكَافيَةِ للمُلَّا الجامِي\".\n٥٧ - \"شرحُ تعريفِ الكَلمةِ\".\n٥٨ - \"رسالةٌ في الجَمعِ\".\n٥٩ - \"رسالةٌ في نِسبةِ الجَمعِ\".\n٦٠ - \"رسالةٌ في خِطابِ الواحدِ والمثنَّى\".\n٦١ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ الإِضافةِ\".\n٦٢ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ وضعِ كادَ\".","vol":"المقدمة","page":162},{"text":"٦٣ - \"رسالةٌ في دَفعِ ما يتعلَّقُ بالضَّمائرِ\".\n٦٤ - \"رسالةٌ في (مِنْ) التبعيضيَّةِ\".\n٦٥ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ السِّيناتِ\".\n٦٦ - \"رسالةٌ في بيانِ: أَكثَر مِنْ أَنْ\".\n٦٧ - \"رسالةٌ في بيانِ السَّرابِ والآلِ\".\n٦٨ - \"التَّنبيهُ على غَلطِ الجاهلِ والنَّبيهِ\".\n٦٩ - \"رسالةٌ في بيانِ مَزيَّةِ لسانِ الفارِسيَّةِ\".\n٧٠ - \"تَعليقةٌ على مَرثيَةِ آدمَ ابنَه هابيلَ\".\n٧١ - \"إِظهارُ الأَزهارِ على أَشجارِ الأَشعارِ\".\nخامسًا: الرسائل المتعلقة بأبحاث العَقائدِ:\n٧٢ - \"مُنيرةٌ في المَواعِظِ والعَقائدِ\".\n٧٣ - \"رسالةٌ في تَقْريرِ أنَّ القُرآنَ العظيم كلامُ اللهِ القَديم\".\n٧٤ - \"رسالةٌ في بيانِ مَسألةِ خَلْقِ القُرآنِ\".\n٧٥ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ مَسألةِ الجَبرِ والقَدرِ\".\n٧٦ - \"رسالةٌ في بيانِ الأَجل\".\n٧٧ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ المُعجزةِ\".\n٧٨ - \"رسالةٌ في أَفضليَّةِ محمَّدٍ ﷺ \".\n٧٩ - \"رسالةٌ في حقِّ أبوي النَّبيِّ ﷺ \".","vol":"المقدمة","page":163},{"text":"٨٠ - \"تَفصِيلُ ما قيلَ في أَمرِ التَّفضيلِ\".\n٨١ - \"رسالةٌ في بيانِ عدمِ نِسبةِ الشَّرِّ إلى اللهِ تعالى\".\n٨٢ - \"رسالةٌ في بيانِ وزنِ الأَعمالِ\".\n٨٣ - \"تَصحيحُ لَفظِ الزِّنديقِ وتَوضيحُ مَعناهُ الدَّقيقِ\".\n٨٤ - \"رسالةٌ في حالِ شاهِ إسماعيلَ وأتباعهِ\".\n٨٥ - \"صورةُ فَتوى في الشَّيخِ ابنِ عربيٍّ\".\n٨٦ - \"رسالةٌ في بيانِ أنَّ أسماءَ اللهِ تَوقيفيَّةٌ\".\nسادسًا: الرسائل في علمِ الكَلامِ:\n٨٧ - \"رسالةٌ في زِيادةِ الوجودِ\".\n٨٨ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ الوجودِ الذِّهنيِّ\".\n٨٩ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ وجوبِ الواجبِ\".\n٩٠ - \"رسالةٌ في ثُبوتِ الماهيَّاتِ\".\n٩١ - \"رسالةٌ في تحقيقِ مَقالِ القائلينَ بالحالِ\".\n٩٢ - \"رسالةٌ في بيانِ معنى الجَعْلِ وتَحقيقِ أنَّ الماهيةَ مَجعولةٌ\".\n٩٣ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ الأَيسِ واللَّيسِ\".\n٩٤ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ أنَّ الممكنَ لا يكونُ أحدُ طرفَيهِ أَولى بهِ لذاتهِ\".\n٩٥ - \"رسالةٌ في بيانِ قولهِ ﵇: الفَقرُ فَخْرِي - تحقيقِ أنّ التَّعلُّقَ بالغيرِ فيمَ؟ وأنّ الحاجةَ إليه بمَ؟ \".","vol":"المقدمة","page":164},{"text":"٩٦ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ لُزومِ الإِمكانِ للمُمكنِ\".\n٩٧ - \"رسالةٌ في أنَّه هلْ يَستَنِدُ القديمُ المُمكِن إلى المُؤثِّر\".\n٩٨ - \"رسالةٌ في تحقيق أنَّ الله تعالى قادرٌ مُختارٌ\".\n٩٩ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ مُرادِ القائلينَ بأنَّ الواجبَ تعالى مُوجِبٌ بالذات\".\n١٠٠ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ تَقدُّمِ العِلّةِ التامّةِ على المَعْلولِ\".\n١٠١ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ حَشْرِ الأَجسادِ\".\n١٠٢ - \"إشاراتٌ لطيفةٌ في عِلم الكلامِ\".\n١٠٣ - \"رسالةٌ في تَحقيقِ نَوْعَي الحصُولِ ما على سبيلِ التَّدْريجِ، وما لا على سبيلِ التَّدْريجِ\".\n١٠٤ - \"رسالةٌ في تحقيقِ حقيقةِ الجِسْم\".\n١٠٥ - \"رسالةُ الرُّوح - أو: رسالةٌ في بيانِ الهيكَلِ المَحْسُوس\".\n١٠٦ - \"رسالةٌ في بيانِ حقيقةِ النَّفسِ والرُّوح\".\n١٠٧ - \"رسالةٌ في بيانِ العَقْلِ الإنسانيِّ\".\n١٠٨ - \"رسالةٌ في حقيقةِ الزَّمانِ\".\n١٠٩ - \"شرح تجويد التجريد\".\n١١٠ - \"حاشيةٌ على أَوائلِ الأُمورِ العامَّةِ مِن شرحِ المواقفِ\".\n١١١ - \"حاشية على أوائلِ الإلهيَّاتِ مِن شرحِ المَواقفِ\".\n١١٢ - \"شرحُ تحسينِ تَهْذيبِ الكلامِ\".","vol":"المقدمة","page":165},{"text":"١١٣ - \"رسالةٌ في آدابِ البحثِ\".\n١١٤ - \"رسالةٌ أُخرى في آدابِ البحثِ\" (^١).\nومن أهم كتبه الأخرى:\n١١٥ - \"حاشية على الكشاف\".\n١١٦ - \"شرح الهداية\" للمرغيناني (^٢).\n١١٧ - \"الإصلاح والإيضاح\" كتاب فِي الفِقه متن وشرح.\n١١٨ - \"تَغْيِير التَّنْقِيح\" كتاب فِي الأصول متن وَشرح أيضًا.\n١١٩ - كتاب في الْمعَاني متن وَشرح أيضًا.\n١٢٠ - كتاب فِي الْفَرَائِض متن وَشرح أيضًا.\n١٢١ - \"حواش على شرح المِفْتَاح\" للسَّيِّد الشريف.\n١٢٢ - \"حواش على التَّلْوِيح\".\n١٢٣ - \"حواش على التهافت\" للمولى خواجه زَاده.\n١٢٤ - \"حواش على أوائل تفسير البيضاوي\".\nومن تصانيفه بالفارسية كتاب سماه:\n١٢٥ - \"نكارستان\"، على منوال كتاب \"الكلستان\".\n_________\n(^١) كل ما تقدم منقول من مقدمة \"مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا\"، والتي أشرف عليها وقدم لها الأستاذ محمد خلوف العبد الله حفظه الله، وقد كان لي شرف تحقيق قسم منها بفضل الله تعالى.\n(^٢) تقوم دار اللباب على العمل عليه وتحقيقه ولعله يرى النور قريبًا بإذن الله.","vol":"المقدمة","page":166},{"text":"١٢٦ - \"دقائق الحقائق\"، أبدع فيه إلى الغاية، حتى قيل: لو لم يكن له في هذا اللسان إلا هذا الكتاب لكفاه.\n١٢٧ - وصنف كتابًا بالتركية في تواريخ آل عثمان (^١). قال في \"الشقائق\": أبدع في إنشائه وأجاد.\nوقال أيضًا: هذا ما شاع بين النَّاس، وأمَّا ما بقي في المسودة فأكثرُ ممَّا ذكر، وله يدٌ طولَى في الإنشاء والنَّظم بالفارسيَّةِ والتركية … وكلُّ تصانيفه مقبولةٌ بين النَّاس، وكان صاحبَ أخلاقٍ حميدةٍ حَسَنةٍ وأدبٍ تامٍّ وعقلٍ وافرٍ وتقريرٍ حسنٍ ملخص، وله تحريرٌ مقبول جدًّا لإيجازه مع وضوح دلالته على المُراد.\n* * *\n_________\n(^١) ذكرت هذه المصنفات في \"الشقائق\" و\"الطبقات السنية\".","vol":"المقدمة","page":167},{"text":"صور المخطوطات","vol":"المقدمة","page":169},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية من مكتبة فيض الله (الأولى)، والمرموز لها بـ (م)","vol":"المقدمة","page":171},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة فيض الله (الأولى)، والمرموز لها بـ (م)","vol":"المقدمة","page":172},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة فيض الله (الأولى)، والمرموز لها بـ (م)","vol":"المقدمة","page":173},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة فيض الله (الثانية)، والمرموز لها بـ (ف)","vol":"المقدمة","page":174},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة فيض الله (الثانية)، والمرموز لها بـ (ف)","vol":"المقدمة","page":175},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة فيض الله (الثانية)، والمرموز لها بـ (ف)","vol":"المقدمة","page":176},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة كوبريلي، والمرموز لها بـ (ك)","vol":"المقدمة","page":177},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة كوبريلي، والمرموز لها بـ (ك)","vol":"المقدمة","page":178},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة الحرم المكي، والمرموز لها بـ (ح)","vol":"المقدمة","page":179},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة الحرم المكي، والمرموز لها بـ (ح)","vol":"المقدمة","page":180},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة الحرم المكي، والمرموز لها بـ (ح)","vol":"المقدمة","page":181},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة دوغملوا باباس في السليمانية، والمرموز لها بـ (د)","vol":"المقدمة","page":182},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة دوغملو باباس، والمرموز لها بـ (د)","vol":"المقدمة","page":183},{"text":"صورة اللوحة قبل الأخيرة من نسخة دوغملو باباس، والمرموز لها بـ (د)","vol":"المقدمة","page":184},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة دوغملو باباس، والمرموز لها بـ (د)","vol":"المقدمة","page":185},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة مكتبة السليمانية، والمرموز لها بـ (س)","vol":"المقدمة","page":186},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة مكتبة السليمانية، والمرموز لها بـ (س)","vol":"المقدمة","page":187},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة يني جامع، والمرموز لها بـ (ي) - نهاية سورة الصافات","vol":"المقدمة","page":188},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة يني جامع، والمرموز لها بـ (ي) - نهاية السور القصار","vol":"المقدمة","page":189},{"text":"صورة غلاف النسخة الخطية لمكتبة عاطف أفندي، والمرموز لها بـ (ع)","vol":"المقدمة","page":190},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من نسخة عاطف أفندي، والمرموز لها بـ (ع) - نهاية سورة الصافات","vol":"المقدمة","page":191},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي، والمرموز لها بـ (ب) - سورة تبارك","vol":"المقدمة","page":192},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي والمرموز لها بـ (ب) - سورة النبأ","vol":"المقدمة","page":193},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي والمرموز لها بـ (ب) - سورة النازعات","vol":"المقدمة","page":194},{"text":"صورة اللوحة الأولى من نسخة بغدادي وهبي والمرموز لها بـ (ب) - سورة الطارق","vol":"المقدمة","page":195},{"text":"﷽\nوهو حسبي ونعم الوكيل (^١)\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>سورة فاتحة الكتاب</span>\nالسُّورةُ عبارةٌ عن طائفةٍ من القرآن مترجَمةٍ، أقلُّها ثلاثُ آياتٍ، وهي:\nإنْ جُعلت واوُها أصليةً منقولةٌ من سُور المدينة، أو من (^٢) السُّورة التي هي الرُّتبةُ.\nوإن جُعلت مُبدَلةً من الهمزة، فمِن السُّورة التي هي البقيَّةُ أو القطعةُ من الشيء.\nوفائدةُ تقطيع القرآن سورًا: أنَّ تنويع الجنس أحسنُ من كونه بيانًا واحدًا، وأنشطُ للقارئ، وأسهلُ للحفظ.\nوأمَّا إفرادُ الأنواع وتلاحُقُ الأشكال فلا يَصلحُ وجهًا لِمَا ذُكر؛ لأنَّه غيرُ مراعًى في ترتيب الآيات وتقطيعِها سوَرًا كما لا يَخْفى على من تتبَّع وتأمَّل (^٣).\n_________\n(^١) جملة: (وهو حسبي ونعم الوكيل) من \"ح \" و\"م\".\n(^٢) في \"ف\": (عن).\n(^٣) في هامش \"ف\" و\"م\": (رد لصاحب الكشاف والقاضي).","vol":"1","page":5},{"text":"وفاتحةُ الشيء أوَّلُه وخاتمتُه آخرُه؛ إذ بهما الفتحُ والختْمُ، والتاءُ للنقل من الوصفيَّة إلى الاسميَّة (^١).\nوقيل: هي في الأصل مصدرٌ بمعنى الفتح، ثم أُطلقت على أوَّل الشَّيء تسميةً للمفعول بالمصدر، والفاعليَّةُ في المصادر غيرُ عزيز.\nوإضافتُها إلى (الكتاب) - وهو مجموعُ كلام الله المُفْتَتَحِ بالتحميد والمُخْتَتَمِ بالاستعاذة - بمعنى اللَّام؛ لأنَّ أوَّل الشيء جزؤُه، وإضافةُ الجزء إلى كلِّه بمعنى اللَّام.\nثم إنَّ وجْهَ تسميةِ هذه السُّورةِ بـ (فاتحة الكتاب)، و(الفاتحةِ)، و(سورةِ الحمد)، و(الشُّكرِ)، و(الدُّعاءِ)، و(تعليمِ المسألة)، ظاهرٌ.\nأمَّا تسميتُها بـ (أُمِّ القرآن): فلاشتِمالها على كُليَّات المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله تعالى، ومن التعبُّد بالأمر والنَّهي والوعدِ والوعيد.\nوأمَّا التَّسميةُ بـ (الأساسِ): فلأنَّها مفتتحُ الكتاب ومَبدؤه، فكأنها أصلُه ومَنشَؤه.\nوأمَّا تسميتُها بـ (سورة الكنز): فلِمَا قال النبيُّ ﷺ: \"إنما أنزلتْ مِن كنْزٍ تحتَ العرْشِ\" (^٢).\n_________\n(^١) في هامش \"ف\" و\"م\": (صرح به صاحب الكشاف في تفسير سورة الأحزاب. منه).\n(^٢) رواه ابن الأعرابي في \"معجمه\" (١٨١٠) من حديث علي ﵁ مرفوعًا. ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ٨٩)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٩)، عن علي ﵁ موقوفًا. والموقوف والمرفوع كلاهما من طريق الفضيل بن عمرو عن علي ﵁، ولم يسمع منه فهو منقطع. ورواه أبو يعلى في \"مسنده\" كما في \"المطالب العالية\" (٣٤٧٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٢٢٥)، من حديث معقل بن يسار ﵁، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وهو متروك كما في \"التقريب\".","vol":"1","page":6},{"text":"وأما تسميتُها بـ (سورة الشِّفاء) و(الشَّافية): فلقولهِ ﵇: \"هي أمُّ القرآنِ وهي شفاءٌ من كلِّ داءٍ\" (^١).\nوأمَّا تسميتُها بـ (سورة الصَّلاة): فلِوجوبِ قراءتها فيها، وقد تُسمَّى بالصَّلاة كما وقع في الحديث القدسيِّ: \"قَسمتُ الصَّلاة بيْنِي وبينَ عبْدِي\" (^٢)، وذلك من باب تسميةِ الشيء باسمِ ما يُلازمه.\nوأمَّا تسميتُها بـ (الوافية) و(الكافية): فلأنَّها تكفي في الصَّلاة عن غيرها، ولا يكفي غيرُها عنها (^٣)، والمرادُ من الصَّلاة: الرَّكعتانِ الأخيرتانِ من الرباعيَّة؛ لأنَّ ضمَّ السُّورة عليها واجبٌ في الأُوليَينِ.\nوأمَّا تسميتُها بـ (السَّبع المثاني): فلأنَّها سبعُ آيات تُثنَّى في الصلاة.\nوقيل: لأنَّها ثُنِّيتْ في النزولِ، فإنَّها نزلت بمكةَ حين فُرضت الصلاةُ، وبالمدينة (^٤) حين حُوِّلت القِبلةُ.\nوفيه: أنَّ الوصف المذكورَ قد ثَبَت لها بمكة بدلالةِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ\n_________\n(^١) رواه بهذا اللفظ الثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ١٢٩) بإسناد منقطع، وتسميتها بأم القرآن رواه البخاري (٤٧٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁. أما باقي الحديث فرواه الدارمي (٣٣٧٠) عن عبد الملك بن عمير عن النبي صلى الله على وسلم مرسلًا. وروى سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٧٨ - تفسير) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: \"فاتحة الكتاب شفاء من السم\"، وإسناده ضعيف جدًّا. وانظر ما رواه البخاري (٥٠٠٧)، ومسلم (٢٢٠١)، من حديث أبي سعيد ﵁.\n(^٢) رواه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) في \"م\": (عنها غيرها).\n(^٤) في \"ف\" و\"ك\": (والمدينة).","vol":"1","page":7},{"text":"سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧] يعني: فاتحةَ الكتاب، على ما نصَّ عليه النبيُّ ﵇ حيث قال في رواية أبي هريرةَ ﵁: \"فاتحةُ الكتابِ إنَّها السَّبْعُ المَثاني والقراَنُ العظيمُ الذي أُوتيْتُه\" (^١)، والآيةُ مكيةٌ بالنصِّ، وبذلك استدلُّوا على مكِّية هذه السورة، قُدم (^٢) دليل مكيَّتِها آنفًا، ووجهُ الدلالة ظاهرٌ، والمكيُّ ما نزل قبل الهجرة، والمدنيُّ ما نزل بعدها سواءٌ نزلَ (^٣) بالمدينة أو في سفَرٍ من الأسفارِ (^٤).\nوهي سبعُ آياتٍ بالاتِّفاق، إلا أن قُرَّاء المدينة والبَصْرة والشام وفقهاءَها عَدُّوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً، ولم يَروا التسميةَ آيةً منها (^٥)، وعليه مالكٌ وأصحابه، وأبو حنيفةَ وأصحابه، ولهذا لم يذكُرها مالكٌ في الصَّلاة، ويُسِرُّ بها أبو حنيفةَ ﵀ ويقول: إنَّها آيةٌ من القرآن أُنزلت للفصل بين السُّور والافتتاحِ بها تبرُّكًا، وقراءُ مكةَ والكوفةِ وفقهاؤها على أنها آية مِن الفاتحة ومن كلِّ سُورةٍ، وعليه الشافعيُّ وأصحابه، ولهذا يُجهر بها في الصَّلاة، ولا دلالةَ في الإجماع على أنَّ ما بينَ دفَّتي المُصحفِ كلامُ الله تعالى، والوِفاق على إثْباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريْد (^٦) القرآن حتَّى لم تُكتب \"آمين\" = على صحَّة القول الثاني؛ إذ لا يلزم من كونها كلام الله تعالى أنْ تكونَ آيةً من الفاتحة.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٧٠٤) بلفظ: \"أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثَانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ\"، ورواه أبو داود (١٤٥٧) بلفظ: \"الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ أُمُّ الْقُرْآنِ وأُمُّ الْكِتَابِ والسَّبْعُ المَثَانِي\".\n(^٢) في \"د\": (قد مر).\n(^٣) في \"ف\": (أنزل).\n(^٤) في هامش \"ف\" و\"م\": (نص على هذا القرطبي في تفسير سورة المائدة. منه).\n(^٥) في هامش \"ف\": (ذكره الفقيه أبو الليث. منه).\n(^٦) في \"ف\" و\"م\": (تحرير).","vol":"1","page":8},{"text":"نعَم فيما روى أبو هريرةَ ﵁ من أنَّه ﵇ قال: \"فاتحةُ الكتاب سبْعُ آياتٍ أُولاهُنَّ بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم\" (^١) دلالةٌ عليها.\n\n<span id=\"aya-1\"> </span>(بسم الله الرحمن الرحيم) قد جاء في الخبر عن خَير البَشر أنَّه كان يكتب: باسمكَ اللهمَّ، فلمَّا نزلتْ سورة هودٍ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] كَتب بسم الله، فلمَّا نَزلتْ سورةُ بني إسرائيلَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] كَتب باسم الله الرحمن، فلما نزلتْ سورة النَّمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كَتب بسم الله الرحمن الرحيم (^٢).\nففي الخبَر دلالةٌ على أنَّه ليس من أول كلِّ سورة، ولكنَّها بعضُ آيةٍ من كتاب الله تعالى في سورة النَّمل.\nوقالوا: اللُّطف من الله في عَدمِ كونها آيةً تامَّةً: أنْ لا يكون الجُنُبُ والحائضُ والنُّفساءُ ممنوعِينَ عندَ كلِّ أمرٍ ذي بالٍ، كالشَّهادتينِ لم يجمعا (^٣) في القرآن في موضعٍ واحد؛ لئلا (^٤) يُتوهَّم أنَّهما آيةٌ، وربما يُحتضَرُ الجُنبُ ونحوُه فلا يُمكنه التكلُّمُ بها عند ختْمِ عُمُرِهِ.\n(بسم) نَصبٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديره: بسم الله أقرأُ، وتقديمُ المعمول للاهتمام\n_________\n(^١) روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه بالصواب. انظر: \"العلل\" للدارقطني (٨/ ١٤٨).\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٨١) عن عامر الشعبي مرسلًا. وجاء في هامش \"ف\" و\"م\": (قال الفقيه أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي: حدثنا خليل بن أحمد السراج قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا خالد، عن داود، عن عامر قال: كان رسول الله يكتب .. منه). وانظر: تفسير أبي الليث المسمى: \"بحر العلوم\" (١/ ١٣).\n(^٣) في \"ف\" و\"م\": (يجيئا).\n(^٤) في \"ك\": (حتى لا).","vol":"1","page":9},{"text":"والاختصاصِ، وأصلُه: (باسم) بالألِف حُذفت لكثرة الاستعمالِ، ولذلكَ تُثبَتُ عند استعمالها بحرفٍ آخرَ؛ نحوَ قولكَ: لاسمِ اللهِ حلاوةٌ في القلوب، أو مضافًا إلى اسمٍ آخرَ نحو: (باسم ربِّك) (^١)، وطُوِّلت الباءُ لأجلِه، وهي للخفض كُسرتْ لتُشابِهَ حركتُها عملَها.\nوعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قال لكاتبِهِ: طَوِّلِ الباءَ، وأَظهِرِ السِّيناتِ، ودَوِّرِ الميمَ (^٢).\nوكان القياسُ: السِّنَّات؛ لأنَّه جمعُ السنِّ، إلا أنه عَدَل عنه حذَرًا عن الالتباسِ ببعض المصادر كما قال الجوهريُّ في (الدِّينار): أصله (الدِّنَّار) بالتشديد، فأُبدِل من أحد أحرفِ تضعيفهِ ياءٌ لئلا يلتبِسَ بالمصادر التي تجيءُ على (فِعَّال)؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨] (^٣).\nافْتتَحَ كتابَه العزيزَ بحرف الباء، وآثَرها على سائرِ الحروف لا سيَّما على الألِف، حيثُ أَسقطه وأَثبتَ هيئة الباءِ مكانَه؛ إشارةً إلى أنَّها وإنْ كانت متبوعًا للباء صورةً،\n_________\n(^١) في هامش \"م\": (ومن غفل عن هذا قال ما قال. منه)، ومثله في هامش \"ف\" لكن بلفظ: (عدل) مكان (غفل).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٥)، ووقع في مطبوعه: (السنات)، لكن بالرجوع إلى نسختين خطيتين نفيستين له وجدناه فيهما كما نقل المؤلف ﵀: (السينات)، وكذا جاءت عند الطيبي في حاشيته على \"الكشاف\" المسماة \"فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب\" (١/ ٦٩٨) حيث قال: قوله (يعني الزمخشري): (السينات)، ويروى: (السنات)، وهو أصح درايةً، والأولُ روايةً، جمع سنَّة وهي رأس القلم وسنَّة السين.\n(^٣) انظر: \"الصحاح\" (مادة: دنر). وللمؤلف رسالة في تحقيق معنى السنات في هذا الخبر، وهي مطبوعة ضمن \"مجموع رسائل ابن كمال باشا\".","vol":"1","page":10},{"text":"لكنَّه من توابعها معنًى، وذلكَ أنَّكَ إذا نظرتَ إلى صورة وضعِ الحروف وجدتَ الألِفَ مقدَّمًا على الباء متبوعًا له، وإذا تلفَّظْتَ بالباء وجدتَ الألِفَ تابعًا لها.\nوالاسمُ من السُّمُوِّ لأنها رِفعة للمُسمَّى وشِعارٌ له، صِلةٌ (^١) لدفعِ توهُّم اختصاصِ الاستعانةِ بلفظ (الله) فقط، فإنَّ القائل: إذا قال: (بالله أبتدِئ (^٢» فمعناه: بهذا الاسمِ، وإذا قال: (بسم اللهِ أبتدئ (^٣) معناه: باسمه تعالى ابتِدائي، فإنَّ المقصود به حينئذٍ المُسمَّى.\n(الله): اسمُ عَلمٍ خاصٌّ له تعالى عند الخليلِ ومَن تَبِعه، وعلاقةُ الاشتقاقِ بينهُ وبينَ غيره إنَّما يُنافي عَلَميَّتهُ إذا ثبتَ أصالةُ ذلك الغير، وذلكَ لم يَثبتْ بعدُ (^٤).\nوقيل: وصفٌ لكنَّه غلَب (^٥) عليه تعالى بحيثُ لا يُستعمَلُ في غيرِه، وصار كالعَلَم لا عَلَمًا؛ لأنَّ ذاتَه تعالى من حيثُ هو بلا اعتبارِ أمرٍ حقيقيٍّ أو غيرِه غيرُ معقولٍ (^٦) من البشَر (^٧)، فلا يمكنُ أنْ يُدلَّ عليه بلفظهِ.\nوَيرِدُ عليه: أنَّ المعتبَرَ في اسمِ الذَّاتِ تجريدُ الموضوعِ له عن معنًى زائدٍ على الذات، لا تجريدُ الذات عنه عند الوضعِ، فملاحظتُه بوصفٍ مخصوصٍ لا ينافي\n_________\n(^١) في \"د\": (وحله).\n(^٢) في \"د\" و\"م\": (ابتداء)، وفي \"ك\": (ابتدائي).\n(^٣) في \"ك\": (ابتدائي).\n(^٤) في هامش \"م\": (استدل هاهنا على العلمية بأنه لا يوصف به، وجوز التوصيف به في سورة سبأ عليه). ونحوه في هامش \"ف\" مع بعض التغيير، ولعله من التحريف في العبارة.\n(^٥) في \"ف\": (غالب).\n(^٦) في \"ح \" و\"ف\": (غير منقول).\n(^٧) قوله: \"من البشر\" من \"م\".","vol":"1","page":11},{"text":"كونَه اسمَ ذاتٍ إذا لم يكنْ ذلك الوصفُ معتبَرًا في الموضوع له، على أنَّ في وضعِ الأعلام لا حاجةَ إلى معرفة الموضوعِ له وملاحظتِه بشخصهِ (^١)؛ بل يكفي معرفتُهُ وملاحظتُهُ على وجهٍ ينحصرُ ذلك الوجهُ في الخارج فيه، ألَا تَرى أنَّ الأبَ يَضعُ عَلَمًا لولده قبلَ أنْ يَراه؟\nولو سُلِّم أنَّه يستحيلُ أنْ يُوضَعَ لهُ تعالى عَلمًا؛ ولكنْ لِمَ لا يجوزُ أن يُسمِّيَ الحقُّ نفسَه باسمٍ يدلُّ على ذاتِهِ تعالى بالمُطابقة ثمَّ يعرِّفَنا بذلك؟\nأو يقال: لو دلَّ على مجرَّد ذاته تعالى لَمَا أفاد ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، معنًى صحيحًا؛ لأنَّ اللازم حينئذٍ عدمُ دلالته وضْعًا على معنًى زائدٍ، لا عدمُ دلالتِه عليه أصلًا؛ كـ: (حاتم)؛ فإنَّه عَلَمٌ، ومع ذلكَ دلَّ على معنى السَّخاوَة لاشتِهاره بها.\nأصلُه: (إله)، فلمَّا دخلَ عليه الألِفُ واللامُ حُذفتِ الهمزةُ تخفيْفًا وعوِّضت عنْها حرْفا التعريفِ.\nفإنْ قلتَ: إذا كان دخولُهما قبلَ حذفِها فكيفَ يكونُ عِوَضًا عنْها؟\nقلتُ: دخولُهما قبلَ حذفها لا بطريقِ اللُّزوم، وبعدَ الحذفِ يكونانِ لازمينِ، فهُما باعتبارِ اللُّزوم يكونانِ عِوَضًا عنها، ولذلك قُطِعتِ الهمزةُ في: (يا الله).\nوهو اسمُ جنْسٍ وُضِعَ لكلِّ معبودٍ بحقٍّ أو باطلٍ، ثمَّ غَلَبَ منكَّرًا على المعبود بحقٍّ، كبعوضةٍ وسَنَةٍ، وقد دلَّ على ذلكَ - أيْ: على غَلَبته منكَّرًا - كلمةُ التَّوحيدِ (^٢)، ثم\n_________\n(^١) في هامش \"ف\" و\"م\": (ولا حاجة هاهنا إلى الالتزام بالتوقف في الأسماء كلها. منه).\n(^٢) في هامش \"ف\" و\"م\": (في الكشاف: كالنجم والبيت والكتاب، والغلبة فيها معنى التعريف فلا حاجة للتنظير بها).","vol":"1","page":12},{"text":"اختَصَّ بذاته تعالى بعدَ حذْفِ الهمزةِ وتعويضِ التعريفِ عنْها، ويدلُّ على هذا أيضًا كلمةُ التَّوحيدِ، مشتقٌّ (^١) من (أَلَهَ) كعَبَدَ وزْنًا ومعنًى وتصرُّفًا، أو من (أَلِهَ) بمعنى فزِع، أو من (أَلِهَ) بمعنى وَلِعَ، أو من (أَلِهَ) بمعنَى تحيَّر، أو من (أَلِهَ) بمعنى سَكَنَ، أو من (وَلِهَ) كعَلِهَ ودَلِهَ وزنًا ومعنىً وتصرفًا؛ أي: تحيَّر ودُهِشَ، أو من (وَلِهَ) بمعنى طَرِبَ، أو من (لاهَ) بمعنى: ارتفع، أو بمعنى: احتجَبَ، أو بمعنى: استَتَرَ.\nفمجموع الأقاويل: هو المعبودُ للخواصِّ والعوامِّ، المفزوعُ إليه عند الأمور العِظامِ، المرتفِعُ عن الأوهامِ، المُحتجِبُ عن الأَفهامِ، الظاهرُ بالأَعلامِ، الذي تَحيَّرَ في صفاته الأَحلامُ، وسَكنَتْ في عبادتِه الأَجسامُ، ووَلِعَتْ به نفوسُ الأنام، وطرِب إليه قلوبُ الكرامِ.\n(الرحمن الرحيم): أصلُهما واحدٌ؛ لأنَّهما من الرَّحمة، والأولُ أبلغُ من الثاني لأنَّ (فعيلًا) لمن كثُرَ منه الفِعْل، وفَعْلان لمن كَثر منه وتكرَّر، وحقُّ الأبْلغِ التأخيرُ إلَّا أنَّه قُدِّم لأنَّه لاختصاصهِ به تعالى كالعَلَم.\nووصْفُهُ تعالى بالرَّحمة - ومعناها: العَطْفُ، ومنه: الرَّحِمُ - مِن قَبيْلِ إطلاقِ السَّببِ على المُسبَّب وهو الإنعامُ والإحسانُ، فإنَّ الملِك إذا عطَف على رعيَّته أنعم عليهم وأحسنَ في حقِّهم.\nوما في معْنَى الرَّحمن من الزيادة كمًّا وكيفًا - حيثُ يقالُ تارةً: يا رحمنَ الدُّنيا ورحيمَ الآخرةِ (^٢)، وأُخرى: يا رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَ الدُّنيا (^٣) -\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (مشتقا)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) هذا باعتبار الكم، فإن (يا رحمن الدنيا) يعمُّ المؤمن والكافر.\n(^٣) هذا باعتبار الكيف، فإن النعم الأخروية كلها جسام، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة. انظر: \"روح المعاني\" (١/ ٢٢٨) ط: الرسالة، بتحقيقنا.","vol":"1","page":13},{"text":"فمرجِعُه إلى الصيغةِ، فإنَّ زيادة البِناء لزيادةِ المعْنى (^١)، وهذا بعدَ الرجوع إلى أصلٍ واحد في الاشتِقاق بشْرطِ الاتِّحاد في النَّوع، فلا نقْضِي بنحو: حاذِر (^٢) وحَذِر؛ لأنَّ أحدَهما اسمُ فاعل والآخرُ صفةٌ مشبَّهة، فالرَّحمنُ عامُّ المعنى خاصُّ اللَّفظ حيثُ لمْ يُستعملْ في غير اللهِ تعالى إلا تَعنُّتًا؛ كرحمنِ اليمامةِ، والرَّحيمُ على عكس ذلك.\n\n<span id=\"aya-2\"> </span>﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحمدُ هو المدْحُ والوصفُ بالجميل، ولا اختصاصَ له باللهِ تعالى، يُفصِح عن ذلك قولُ عائشةَ ﵂: نحمدُ اللهَ لا نَحمدُكَ (^٣).\nوقولُ عليٍّ ﵁:\nلا تَحْمَدَنَّ امرءًا حتَّى تجرِّبَه (^٤)\n_________\n(^١) في هامش \"م\": (صرح بذلك العلامة السكاكي في تصريف المفتاح. منه). ومثله في هامش \"ف\" لكن فيه: (نص على ذلك …).\n(^٢) في \"ك\": (فلا نقضي بحاذر).\n(^٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٤٠١٣)، والبخاري (٤٧٥٧)، من حديث عائشة ﵂، والبزار في \"مسنده\" (٨٠١١) من حديث أبي هريرة ﵁، واللفظ له، ولفظ أحمد: (بحمد الله لا بحمدك)، ولفظ البخاري (فقُلْتُ: لا واللهِ لا أَقُومُ إليهِ، ولا أَحْمَدُهُ ولا أَحْمَدُكُمَا، ولكِنْ أَحْمَدُ اللهَ الذي أَنْزَلَ براءتي).\n(^٤) صدر بيت للنجاشىِ الحارثي كما في \"عيون الأخبار\" (٣/ ١٩٠)، و\"الشعر والشعراء\" (١/ ٣٢٠)، كلاهما لابن قتيبة، وعجزه:\nولا تَذُمَّنَ مَن لم يَبْلُه الخُبْرُ\nونسب للنابغة الشيباني واسمه عبد الله بن المخارق كما في \"المؤتلف والمختلف\" للآمدي (ص: ٢٥٣)، وعجزه:\nولا تذمَّنَّه من غيرِ تجريبِ","vol":"1","page":14},{"text":"بل لا اختصاصَ له بذي عِلْم وشعورٍ، يُرشدكَ إليه قولُه تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] (^١)، وقولُ العرب في المَثَل السَّائر:\nعندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القومُ السُّرَى (^٢)\nومن هاهنا تبيَّن أنَّ المحمودَ لا يَلزم أنْ يكون فاعلًا لِمَا حُمد به، فضلًا عن أنْ يكونَ مختارًا فيه كما تُوهِّم.\nومَن وَهَمَ قيامَ الفَرقِ بينَ الحمدِ والمدح بصحَّةِ تعلُّقِ الثاني بالجماد دونَ الأوَّل فقد وَهِمَ (^٣).\n_________\n(^١) في هامش \"م\": (أقول: رُد عليه أنه قال في تفسير تلك الآية: ومعنى كونه محمودًا أنه تعالى يقيمه ﵇ فيه، فيشفع فيحمده الخلق، وهذا صريح في أن المحمود هناك وصف للنبي ﵇ حقيقة، وإنما أطلق على مقامه بطريق التجوز فلا يثبت به ما ادعاه هنا. ويمكن أن يجاب أيضًا بأن الحمد في تلك الآية وأمثالها ليس بالمعنى الذي نحن بصدده، وهو الوصف بالجميل، بل هو بمعنى الرضاء فإنه يجيء في اللغة بذلك المعنى؛ قال الجوهري: أتيت موضع كذا فأحمدته؛ أي: صادفته محمودًا موافقًا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مَرعاه. ولا يتجه ما قيل من أن المعنى: محمودًا فيه النبي، أو الله، ففيه حذف وإيصال، ولكن كلام المصنف في تفسيره بظاهره يدل على أن المقام نفسه محمود، انتهى. فإن كلام المصنف هناك إما مبني على كون الحمد بمعنى الرضاء، أو على التجوز الذي ذكرناه، ولا يخفى أن ذلك أقل مؤنة من الحذف والإيصال. غني زاده).\n(^٢) الرجز للجُمَيح كما في \"مجمع الأمثال\" للميداني (٢/ ٤٢)، و\"المستقصى\" للزمخشري (٢/ ١٦٨)، ونسب لخالد ﵁ كما في \"مجمع الأمثال\" (٢/ ٣)، ولمحمد بن دكين كما في \"معجم الشعراء\" للمرزباني (ص: ٤٠٧)، وقال أبو عبيد في \"الأمثال\" (ص: ٢٣١): يقال: إنه للأغلب العجلي، ويقال: لغيره، وقال: معناه: أنهم يدأبون في ليلهم بالسهر، فإذا أصبحوا وقد طووا البعد حمدوا ذلك حينئذ.\n(^٣) وَهَمَ كوَعَدَ: ذهب وهمه إليه، ووَهِمَ كوَجِلَ: غَلِطَ. انظر: \"القاموس\" (مادة: وهم). فيكون معنى العبارة: ومن ذَهَبَ وهمُه إلى قيام الفرق … فقد غلط. وهذه العبارة كثيرة الدوران في مؤلفات المصنف.","vol":"1","page":15},{"text":"واتَّضح أنه لا دخْلَ لمسألة خلْقِ العِباد أفعالَهم في هذا المقامِ؛ لأنَّ الكلامَ في الحمْد اللُّغوي، والمرجعُ فيه من وُثِقَ بعربيَّتِهم، وقد ثبتَ بالنَّقل الصريحِ والاستعمالِ الصحيح من قِبَلِهم عدمُ اختصاص الحمدِ به تعالى.\nوأمَّا حمْلُ التَّعريفِ (^١) على الجنْس دونَ الاستغراقِ فمنشَؤه أمرٌ آخَرُ، وهو أنَّ مقتَضَى مَقام الخطابةِ تخصيصُ (^٢) حقيقةِ الحمد به تعالى تنزيلًا لأفْراد الحمدِ الثابتة لغيره بمَنزِلة العدَم (^٣)، والقصدُ إلى هذا المعنى ظاهرٌ عند كونِ التعريفِ للجنْس دونَ الاستغراقِ؛ لأنَّه قد يكونُ عُرفيًا كما في: جمَعَ الأميرُ الصَّاغةَ، ويساعده مقامُ الخطابة، فلا يوجدُ استيعابُ جميعِ الأفرادِ، فلا يتحققُ مقتَضَى المقام (^٤).\nوالشُّكْرُ: بمقابَلةِ النِّعمة بالقول أو العمل (^٥)، ولكونه (^٦) بالفعل كما يكون بالقول قيل: دابَّةٌ شَكورٌ، إذا ظهَر سِمَنُه بأدنى عَلْفٍ له، وقال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]، فهو أخصُّ من الحمدِ متعلَّقًا، وأعمُ منه مَورِدًا، وهو اللِّسان والأركانُ.\nومُقابِل الشُّكرِ: الكُفْرانُ، ومقابِلُ الحمدِ: الذمُّ الذي يُقابل المدحَ على ما نصَّ\n_________\n(^١) في \"ف\" و\"م\": (التفريق)، وهو تحريف.\n(^٢) في \"ف\" و\"م\": (بتخصيص).\n(^٣) في هامش \"ف\": (أما كونه في مقابلة شيء واقترانه بقصد التعظيم فواحد منها غير معتبر في مفهومه اللغوي إنما اعتبار ذلك في معناه العرفي. منه).\n(^٤) في \"ف\": (الكلام).\n(^٥) في \"م\": (بالعمل).\n(^٦) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (أو لكونه)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":16},{"text":"عليه الجوهريُّ (^١)، ومِن هاهنا ظَهَر أنهما مترادفانِ لغةً، وأمَّا الجَنان فليسَ بمَوردٍ له؛ بل هو شرطٌ لكون القولِ شكرًا، ولا دلالة في قول الشاعر:\nأفادتْكُمُ النَّعماءُ منِّي ثلاثةً … يدِي ولساني والضميرَ المُحجَّبا (^٢)\nعلى استقلالِ كلٍّ منهما (^٣) مَوردًا.\nولمَّا كان الحمدُ في مقابَلة النِّعمة من شُعَب الشُّكر أَشْيَعَ لها وأدلَّ على مكانها لِمَا في آداب الجوارح من الاحتمال، جُعِل رأسَ الشُّكر والعُمدة، وقال ﵇: \"الحَمدُ رَأسُ الشُّكرِ، ما شَكرَ اللهَ مَن لم يَحْمَدْهُ\" (^٤).\nورُفِعَ (الحمْدُ) بالابْتداء، وخبرُه (لله)، وأصلُه النَّصبُ على المصدر بإضمار فعْله؛ لكونهِ من المصادر التي حقُّها أنْ تكون كذلكَ، ولا يُذكر الفعلُ معها البتَّةَ؛ كـ: شُكرًا وعَجبًا، وقد قرئ (^٥) على الأصل (^٦)، والعدولُ إلى الرفع على الأوَّلِ للثَّبات؛ لِمَا في الفعل من التجدُّد؛ لِدلالتِه على الأزمنة، ولذلك كانت تحيةُ إبراهيمَ ﵇ أحسنَ في قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩].\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: حمد وذمم).\n(^٢) البيت دون نسبة في \"الكشاف\" (١/ ٨).\n(^٣) في \"ح \" و\"ف\": (منها).\n(^٤) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٩٥٧٤) - ومن طريقه الخطابي في \"غريب الحديث\" (١/ ٣٤٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤٠٨٥) - من طريق معمر، عن قتادة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، وإسناده ضعيف لانقطاعه، قتادة لم يسمع من عبد الله بن عمرو.\n(^٥) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (ترك)، والمثبت من \"د\".\n(^٦) هي قراءة رؤبة بن العجاج كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ١).","vol":"1","page":17},{"text":"ولأنَّ معناه على الرَّفع: أنَّ الحمد حقٌّ لله يستحقُّه لذاته، وعلى النَّصب لا دلالةَ على ذلك.\nولأنَّ الغافلَ عن معناهُ، وكذا السَّاهي عن ملاحظته، إذا تكلَّم به على النَّصب يكونُ كاذبًا؛ لإخباره عن نفسه بكونهِ حامدًا مع أنَّه ليس كذلكَ، بخلافِ ما إذا تَكلَّم به على الرفع.\nوإنما خُصَّ الاسمُ المذكور هاهنا لتكونَ المَحامِدُ كلُّها مقرونةً بمعانيها المستدعيةِ لها، فإنَّه اسمٌ يُنبِئ عن جميع صفات الكمال، لمَّا أَخبر بأنَّه تعالى حقيقٌ بالحمْد باعتبار ذاتِه المستجمِعةِ لجميع صفاتِ الكمال، وعامَّةِ نُعوتِ الجلال، حُمِدَ أو لمْ يُحمدْ، نبَّه على استحقاقِه لهُ باعتبارِ أفعالهِ العِظام وآثارِه الجِسام أيضًا، مِن رُبوبيَّته لِلكل، وشُمولِ رحمتِه الظاهرة للجميع، وخصوصِ رحمتهِ الباطنة لِعباده المؤمنينَ، وذلك أنَّ ترتيب الحُكم على الوصف كما يُشعر بالعِلَّيةِ، كذلك تعقيبُ الحكم بالوصف يُشعر بها، كأنَّه قال: حقيقةُ الحمد مخصوصةٌ لذاته الواجبةِ الكاملة بذاتها، ولِكمالاتِها التي لا يَشتركُ فيها غيرُه.\n﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: الربُّ يُطلق على المُربِّي، والمُصلِح، والسَّيد، والمالِك، والخالق، والمعبودِ، وكلُّ ذلك يتحمَّله المقام، فيَصحُّ أنْ يُراد به هاهنا كلٌّ منها، وكفى ذلك وجْهًا لإيْثاره على المالِك ونحوهِ.\nثمَّ إنَّ ربوبيَّته تعالى بمعنى الخالِقيَّة والمالِكيَّة والسَّيِّديّة والمَعبوديَّة عامَّةٌ، وبمعنى التَّربية والإصلاح خاصةٌ، بحسب أنواعِ الموجوداتِ متفاوتةٌ، فهو مربِّي الأشباحِ بأنواع نِعَمهِ، ومربِّي الأرواحِ بأصناف كرمِهِ، ومربِّي نفوسِ العابدِينَ بأحكام الشَّريعة، ومربِّي قلوب العارفينَ بآداب الطَّريقةِ، ومربِّي أسرار الأبرارِ بأنواع الحقيقةِ،","vol":"1","page":18},{"text":"ولقد أحسنَ مَن قال: إنَّه تعالى يملِك عبادًا غيرَك كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وأنتَ ليس لك ربٌّ سواه، ثمَّ إنكَ تتساهل في خدمته كأنَّ لكَ ربًّا غيرُه، وهو يعتَني في تربيتكَ كأنْ ليس له عبدٌ سِواكَ، يحفظكَ بالنَّهار عن الآفاتِ بلا عِوَضٍ، ويحرسُك باللَّيل عن المخافاتِ من غيرِ غرضٍ، فما أحسنَ هذه التريبةَ!\nوإطلاقُ الربِّ على غيره تعالى لا يجوزُ شرعًا، لا مُطلقًا ولا مقيَّدًا (^١)؛ لِمَا رواه الشيخان عن أبي هريرةَ ﵁ مرفوعًا: \"لا يَقلْ أحدُكم: أطْعِمْ رَبَّكَ وضِّئْ ربَّكَ اسْقِ ربَّك، ولا يَقُلْ أحدُكم: ربِّي وليَقُلْ سيِّدِي\" (^٢).\nوأمَّا قولُ يوسفَ ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] و: ﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾ [يوسف: ٢٣] فمحمولٌ على الحكاية مِن الله تعالى؛ لأنَّه ﵇ كان يتكلَّم بالعِبْرِيَّة، فلا حاجةَ إلى ما قيل: إنَّه ملحَقٌ بقوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] في الاختصاص بزمانِهِ؛ بل لا وجهَ له كما لا يخفَى.\nويجوزُ لغةً ولو مطلَقًا كما وقع في شِعر الحارث بنِ حِلِّزة - من شعراء الجاهليَّة - يَمدحُ مَلِكًا:\nوهو الرَّبُّ والشهيدُ على يَو … مِ الحِيَارَينِ والبَلاءُ بَلاءُ (^٣)\n_________\n(^١) في هامش \"ف\" و\"م\": (فيه رد للزمخشري والبيضاوي. منه).\n(^٢) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).\n(^٣) انظر: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري (ص: ٤٧٦)، و\"شرح القصائد العشر\" للتبريزي (ص: ٢٦٧)، و\"الكشاف\" (١/ ١٣٦). قال ابن الأنباري: والرب عني به المنذر بن ماء السماء، يخبر أنه قد شهدهم في هذين اليومين فعلم فيه صنيعهم وبلاءهم الذي أبلوا، وكان المنذر بن ماء السماء غزا أهل الحيارين ومعه بنو يشكر فأبلوا بلاء حسنًا.","vol":"1","page":19},{"text":"و﴿الْعَالَمِينَ﴾: جمْعُ عالَم، وهو في لسان العرب: اسمٌ لنوعٍ من المخلوقِينَ فيه علامةٌ يمتازُ بها عن خلافه من الأنواعِ كالمَلَك والإنْسِ والجِنِّ، فتقول العربُ: عالَم البَرِّ وعالَم البَحرِ وعالَم الأرضِ وعالَم السَّماء، على ما نقله أئمةُ اللِّسان، وهو جمعٌ لا واحدَ له من لفظه كالأنام والرَّهْطِ والجيش.\nوهو مأخوذٌ من العَلَم والعَلامة، فجُعل اسمًا لما يُعلَم به الصانعُ، فإنَّ فاعَلًا كثيرًا ما يجيءُ في اسم الآلةِ التي يُفعل بها الشيءُ كالخاتَم والقالَب والطَّابَع، فجُعل بناؤه على هذه الصيغةِ لكونه كالآلة في الدَّلالة على صانعٍ.\nوأمَّا جمْعهُ فلأنَّه لو أُفرِد لربَّما يَتبادر إلى الفهم أنَّه إشارةٌ إلى هذا العالَم المُشاهَد بشهادة العُرْف، أو إلى الجنْس والحقيقة على ما هو الظاهرُ عندَ عدم العَهْدِ، فجُمع ليشملَ كلَّ جنسٍ سُمِّي بالعالَم لعدم العَهدِ.\nوفي الجَمع دلالةٌ على أنَّ القصدَ إلى الإفراد دونَ نفسِ الحقيقةِ والجنسِ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ قِلَّةٍ والظاهرُ يستدعي الإتيانَ بجَمْع الكَثرةِ - قال وهبٌ: للهِ ثمانيةَ عشرَ ألفَ عالَمٍ، والدُّنيا عالَمٌ منها - تنْبيهًا على أنَّهم وإنْ كَثُروا قليلونَ في جَنْب عظَمتِهِ وكبريائهِ. وأمَّا جمعُه بالياء والنُّون فلِتَغليبِ العُقلاءِ منْهم.\n\n<span id=\"aya-1\"> </span>﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ذكرَهما عَقِيْبَ الحمْدِ لذاتهِ على صفاتهِ؛ كما قال ﵇ فيما رُوي عنه: \"يقول العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقولُ اللهُ: حَمِدَنِي عبْدِي، ويقولُ العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يقولُ اللهُ: أَثْنَى عَليَّ عَبْدِي\" (^١)، فذكرَهما في البَسْملة لاستِمالة قلوبِ العِباد على العُبوديَّة بالرَّحمة والغُفران، وفي الفاتحة للثَّناء على الله تعالى بالجَمال والجَلال للقُربَة والرِّضوانِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٣٩٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":20},{"text":"<span id=\"aya-4\"> </span>﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المِلْك: تمامُ القُدرة.\nوقُرِئ: ﴿مَلِكِ﴾ (^١) مِن المُلك: وهو التَّسلُّطُ العامُّ والاستعلاءُ التَّامُّ، وهو أشدُّ مناسَبةً للهِ تعالى، والإضافةِ إلى ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ فإنَّ مَدار الجزاءِ على الأعمال - مِن الثَّواب والعِقاب، وأخْذِ حقِّ الضعيفِ من القويِّ - على الاستعلاء والسَّلطَنةِ.\nوإضافةُ المُلك والسَّلطنةِ إلى الوقت شائعٌ دونَ إضافة المِلك.\nوقيلَ في ترجيح قراءة (مالِك): إنَّ فيه زيادةَ حرفٍ، وبه زيادةُ ثوابٍ؛ لقوله ﵇: \"مَن قرأَ القرآنَ كُتِبَتْ له بكلِّ حرفٍ عشرُ حسناتٍ، ومُحيَت عنه عشرُ سيئاتٍ، ورُفعتْ له عشرُ درجاتٍ\" (^٢).\nوإضافتُه إلى اليوم إضافةُ اسمِ الفاعلِ إلى الظَّرف المُجرى مُجرى المفعولِ اتِّساعًا، وإنَّما ساغَ وقوعُه صفةً للمعرفة لأنَّ إضافةَ اسم الفاعل إنَّما تكونُ غيرَ حقيقيَّةٍ إذا أُريدَ به الحالُ والاستقبال؛ لكونه في تقدير الانفِصال، والمرادُ هنا الزمانُ المستمرُّ أو الماضي؛ لقراءةِ (مَلَكَ) على الماضي (^٣).\nواليومُ: مدَّةُ كون الشَّمس فوقَ الأرض عُرفًا، وعبارتُه عن وقت استطارةِ الفجر الثَّاني إلى غروب الشَّمس شرْعًا، وهو الوقتُ المطلَقُ لغةً؛ ليلًا كان أو نهارًا، طويلًا كان أو قصيرًا، وهو المراد في الآية لعدم الطُّلوع والغروبِ ثمَّة.\n_________\n(^١) قرأ عاصم والكسائي: ﴿مَالِكِ﴾، وباقي السبعة: ﴿ملك﴾. انظر: \"التيسير في القراءات السبع\" للداني (ص: ١٨).\n(^٢) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٤٩٢٠) من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) نسبت لأنس بن مالك ﵁ كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ١)، ولغيره كما في \"المحرر الوجيز\" (١/ ٦٨).","vol":"1","page":21},{"text":"و(الدِّين): الجزاءُ، خيرًا كان المَجزيُّ به أو شرًا؛ كما يقال: \"كما تَدينُ تُدان\" (^١).\nوإنَّما خصَّ إضافةَ (مَلِك) إليه لأنَّ الأملاك يومئذٍ زائلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]، فكأنَّه يقول: خلقتكَ أولًا فأنا إلهٌ، ثمَّ ربَّيتكَ بوجوه النِّعمة فأنا ربٌّ، ثمَّ عصيتَ فسترتُ عليكَ فأنا رحمن، ثم تُبتَ فغفرتُ لكَ فأنا رحيمٌ، ثمَّ لا بدَّ من إيصال الجزاءِ إليك فأنا مالكُ يوم الدِّينِ.\n\n<span id=\"aya-5\"> </span>﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنَّك مالكٌ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ ما سِواك هالكٌ.\n(إيَّا) ضميرٌ منفصل منصوب، وكافُه للخِطاب مثل كافِ (ذلكَ)، وهو: (أي يا) وهما حرفا التنبيه والنداء، فأُدغم الياء وكُسرت الألفُ لجِوار الياء.\nوالعبوديَّة: التذلُّلُ، والعبادة أبلغُ منها؛ لأنَّها غايةُ التَّذللِ، ولهذا اختَصَّتْ بالربِّ.\nعدَلَ عن الغَيْبة إلى الخِطاب وهو صنعةُ (^٢) الالتفاتِ، وقد اقتضاهُ المقام، وذلكَ من أوَّل السورة إلى هناك ثناءٌ، والثناءُ في الغَيبة أَولى، ومن هاهنا إلى آخره دعاءٌ، والدُّعاء في الحضور أَوْلى.\nوالمعنى: نخصُّكَ يا مَن لا تسوغُ العِبادةُ إلَّا لهُ؛ لاتِّصافه بما ذُكر من إضافة النِّعم الدُنيويَّة والأُخرويَّةِ، ولا تجوزُ الاستعانةُ إلَّا به؛ لكمال قُدرته، وإحاطةِ ملكوته بكلِّ شيءٍ، بغاية التَّذللِ في طلب المعونةِ، لا نعبدُ غيرك ولا نستعين بِسواكَ، قُدِّم الضميرُ\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٠٢٦٢) من طريق أبي قلابة عن النبي ﷺ مرسلًا. ومن طريق عبد الرزاق رواه الإمام أحمد في \"الزهد\" (ص: ١٤٢) لكن عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قوله. وله شاهد موصول من حديث ابن عمر ﵁ رواه ابن عدي في ترجمة محمد بن عبد الملك وضعفه. انظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" لابن حجر (ص: ٣).\n(^٢) في \"ح\" و\"ك\": (صفة).","vol":"1","page":22},{"text":"المنفصل للتخصيص والتَّوحيدِ، وقطْعًا لاحتمال تعلُّق العِبادة لغيرهِ من أوَّل الأمر؛ لأَنَّه كفرٌ لا بدَّ من الاحتياط عن ذَهاب الوهمِ إليهِ.\nولمْ يُسلكْ في (الحمد لله) ذلكَ المَسلكَ؛ إذ لا بأسَ في تعلُّق الحمد بغيرهِ تعالى.\nوآثَرَ الضميرَ المستكنَّ الشامل للقارئ ولِسائر الموحِّدينَ للتَّعميم والتَّشريكِ، ودَرْجًا لعبادته في تضاعيفِ عبادتِهم وخلْطًا لحاجته بحاجتِهم، لعلَّها تُقبَلُ ببركتها ويُجاب إليْها، ولهذا شُرعت الجماعةُ وكان في ذلك إيفاءٌ لكلِّ مقام حقَّه؛ فكأنَّه يقول: أنتَ منفردٌ في المعبوديَّة ونحنُ شركاء في العُبوديَّة.\nولكَ أنْ تقول: إنَّ في (أعبدُ) معنى التَّوحيدِ المُشعرِ عن التَّكبُّر، وفي (نعبدُ) معنى التَّواضعِ المناسب لمقام العبادةِ والتَّذلل، فكأنَّه يقول: إني واحدٌ من عبيدِكَ.\nوقدَّم العبادةَ على الاستعانة تعليمًا للعِباد، وجَريًا على ما انطبعَ في الغرائزِ من تقديم الوسيلةِ على الحاجة؛ لأَنَّه أنجحُ لحصول المَطلبِ، وأسرعُ لوقوع الإجابَةِ.\nوأَطلقَ الاستعانة ليَعمَّ كلَّ مستعانٍ عليه، ثمَّ خصَّصَها بقوله: (اهدنا) ليتكرَّر إجمالًا وتفْصيلًا، فيدلَّ على أنَّ أهمَّ المهمات الاستعانةُ به وبتوفيقه في طلبِ الهداية والسَّعادة الأُخرَوَّيةِ الباقية.\nوكرَّر الضَّمير المنفصلَ للتنصيص على التخصيص في كلٍّ من العبادة والاستعانةِ، ولولا ذلك لكان التَّخصيص في مجموعهما، ولا يلزمُ من ذلكَ التَّخصيصُ في كلٍّ منهما.\n\n<span id=\"aya-6\"> </span>﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الدِّينَ القويمَ، وما يدلُّ عليه القرآنُ العظيم.","vol":"1","page":23},{"text":"قال عليٌّ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ ﵄: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ﴾: ثبِّتنا عليه (^١)، كما يقالُ للقائم: قُمْ حتى أعودَ (^٢) إليك؛ أي: دُمْ على ما أنتَ عليه.\nقيل: وقُرئ: (ثبِّتنا) (^٣)، وفي التعبير عنه بـ (اهدنا) إشارةٌ إلى أنَّ المطلوبَ هو الثباتُ في ضِمن التَّجدُّد، يعني: ثبِّتنا على أصل الهِداية وزِدْنا فيها في كلِّ وقتٍ.\nوالهداية: دلالةٌ بلُطف، ومنه الهديَّةُ. وخُصَّ ما كان دلالةً بـ (فعلتُ) نحو: هديتُه الطَّريق، وما كان من الإعطاء بـ (أفعلتُ) نحو: أهديتُ الهديَّة، واستعمالُها في الشرِّ كما في قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] فعلى طريق التَّهكُّم كالبِشارة في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].\nوالفعل منه (هَدَى) يتعدَّى إلى ثاني مَفْعولَيْهِ باللَّام تارةً وبـ (إلى) أُخرى، ففي حذفِ أداةِ التَّعدية على طريقة: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] إخراجٌ له مُخرجَ المتعدِّي إلى المفعولين بالذَّات.\nولا بُعْدَ في أنْ يُقصد بذلكَ الإشارةُ إلى قوَّة الهِداية المطلوبةِ، فكأنَّه قيل: اهدِنا هدايةً كاملة لا نحتاجُ إلى الواسطة.\nوإنَّما قال: (اهدِنا) دونَ: اهدِني (^٤)، رعايةً للمناسَبة مع (نعبدُ) و(نستعين)، ولأنَّ الدُّعاء مهما كان أعمَّ كان إلى الإجابة أقربَ؛ كان بعضُ العلماء يقول لِتلامِذتهِ: إذا\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥).\n(^٢) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (أدعو)، والمثبت من \"د\".\n(^٣) لم أجدها.\n(^٤) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (اهد)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":24},{"text":"قرَأتُم في خُطبة السبق (^١): (ورضي اللهُ عنْكم وعن جماعة المسلمينَ) إنْ ذكَرتني (^٢) في قولك: (رضي الله ..) فحَسَنٌ، وإلا فلا حرج، ولكنْ إياك وأنْ تنساني في قولك: (وعن جماعة المسلمين)؛ [لأنَّ قوله: (رضي الله عنك) تخصيصٌ بالدعاء فيجوز أن لا يُقبل، وأمَّا قولُه: (وعن جماعة المسلمين)] فلا بدَّ وأنْ يكونَ في المسلمينَ مَن يستحقُّ الإجابةَ، وإذا أجاب الله تعالى الدُّعاءَ في البعض فهو أكرمُ من أنْ يردَّه في الباقي، ولهذا السببِ قالوا: السُّنَّة إذا أراد أحدٌ أن يذكر دعاءً أنْ يُصلي أولًا على النَّبيِّ ﷺ، ثمَّ يَذكر ذلك الدعاءَ، ثم يصلي على النبيِّ ﷺ ثانيًا؛ فإنه إذا أجيب في طرفي دعائه امتَنَع أن يُردَّ في وسطه.\nوقد قال ﷺ: \"ادعُوا اللهَ بألسِنَةٍ ما عَصيْتُموهُ بها\"، قالوا: يا رسولَ الله! فمِن أينَ لنا بتلك الألسِنةِ؟ قال: \"يَدعو بعضُكم لبعضٍ؛ لأنَّك ما عصيتَ بلسانهِ، وهو ما عَصى بلسانِكَ\" (^٣).\nو(الصراط) كالطريق في التَّذكير والتَّأنيثِ، أمَّا في المعنى فبينَهما فَرْقٌ لطيفٌ، وهو أنَّ الطريقَ: كلُّ ما يَطرقُه طارقٌ معتادًا كان أو غيرَ معتادٍ، والسبيلُ من الطُّرق: ما هو معتادُ السُّلوكِ، والصِّراطُ من السُّبُل: ما لا الْتِواءَ فيه ولا اعوِجاجَ، بل يكونُ على جهةِ القصد، فهو أخصُّ الثَّلاثةِ (^٤).\nوفائدةُ وصْفِه بالمستقيم: أنَّ الصِّراطَ يُطلق على ما فيه صُعودٌ أو هُبوطٌ،\n_________\n(^١) في \"تفسير الرازي\" (١/ ٢٠٧): (السابق)، والكلام وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) في المصدر السابق: (نويتني)، ولعلها أنسب بالسياق.\n(^٣) ذكره الرازي في \"تفسيره\" ولم أجده عند غيره.\n(^٤) في \"ف\": (الثلاث).","vol":"1","page":25},{"text":"والمستَقيمُ: ما لا مَيلَ فيه إلى جهةٍ من الجهات الأربعة، وأصلُ الاستقامة في قِيام الشَّخصِ: أنْ لا يكون مُنحَنيًا ولا مُنْثَنيًا (^١)، ولا مائلًا إلى يمينٍ أو يسارٍ.\n\n<span id=\"aya-7\"> </span>﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدَلٌ من ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وفائدتهُ: التَّوكيدُ - للتَّكرير - والتَّفصيلُ بعدَ الإجمالِ.\nوأُطلق الإنعامُ ليَنتظمَ كلَّ نِعَمٍ.\nشُدِّدت اللامُ في (الَّذينَ) لأنَّها لامانِ، والأصلُ: (لَذٍ) مثلُ: (عَمٍ) (^٢)، ثمَّ دخلت الألفُ واللَّام للتعريف، والتَّشديدُ من أجل ذلكَ.\nوالإنعامُ: نفْعُ العالي مَنْ دُونَه بأمرِ عظيمٍ خاليًا عن العِوَض والتَّبِعَة.\nولمَّا كان الكفَّارُ من جُملة الذينَ أنعمَ اللهُ عليهم - على ما صرَّح بهِ في (^٣) قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]- خصَّهم بقوله:\n﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ في دار الدُّنيا ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ في دار الآخرة، والمشهورُ أنَّ نِعمةَ اللهِ تعالى على نوعين:\nدُنْيويَّةٍ: وهي أوفَرُ في حقِّ الكافر، لقوله ﵇: \"الدُّنْيا سِجنُ المؤمنِ وجَنَّةُ الكافرِ\" (^٤).\n_________\n(^١) في \"م\": (متعيبًا).\nوفي \"ف\": (متعنتًا)، وغير واضحة في \"ح \"، وسقطت من \"د\"، والمثبت من \"ك\".\n(^٢) يعني: (الذين) جمع، ومفرده: (لذٍ) اسم منقوص مثل: (عمٍ) و(شجٍ) المنقوصان، فلما دخلته الألف واللام ولزمتا عادت الياء كما تعود في قاض، ففلت: الذي، وأصله أن يكتب بلامين، إلا أنهم حذفوا إحدى اللامين لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وجرى الجمع على الواحد إذ هو مبني مثله إذ هو أقرب إليه في الإعراب وكتبت التثنية بلامين على الأصل. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب (١/ ٧١).\n(^٣) كلمة: (في) ليست في \"ك\".\n(^٤) رواه مسلم (٢٩٥٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":26},{"text":"وأُخْرَوَّيةٍ: وهي مختصَّةٌ بالمؤمن.\nونحن نقولُ: إنَّ النِّعمةَ الأُخرويَّة على قِسْمينِ: نعمةِ نفْعٍ وهي المختصَّةُ بالمؤمن، ونعمةِ دفْعٍ (^١) ولا شُبْهةَ في عمومِها للكافر أيْضًا؛ لأنَّه تعالى لا يُعذِّب كافرًا من الكفَّار بنوعٍ من العذاب إلَّا وهو قادرٌ على أنْ يُعذِّبه بأشدَّ منه، وترْكُ ذلك نعمةُ تخفيفٍ منه تعالى عليهِ.\n﴿غَيْرِ﴾ صفةٌ مقيِّدة؛ أي: جَمعوا بينَ النِّعمة والسَّلامةِ منهما، وإنَّما وصَفَ المعرفةَ بـ (غير) تنزيلًا للموصول منْزلةَ النَّكرةِ إذْ (^٢) لم يقصدْ به مَعهودًا (^٣)، أو رفعًا لـ (غير) إلى درجة المعرفةِ؛ لِزوالِ إبهامهِ بالإضافة إلى ما لَهُ ضِدٌّ واحدٌ (^٤).\nاعلَمْ (^٥) أنَّ (غيرًا) لها ثلاثةُ مواضعَ:\nأحدها: أنَّ تقعَ موقِعًا لا تكونُ فيه إلا نكِرةً، وذلكَ إذا أُريد بها النَّفيُ السَّاذجُ في نحو: مررتُ برجلٍ غيرِ زيدٍ.\nالثاني: أنْ تقعَ موقعًا لا تكونُ فيه إلا معرفةً، وذلك إذا أُريد بها شيءٌ قد عُرِفَ بمضادَّة المضافِ إليه في معنًى لا يُضادُّه فيه إلَّا هو، كما إذا قلت: مررتُ بغيرِك؛\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (رفع)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"د\": (إذا)، وفي \"ف\": (إن).\n(^٣) في \"ك\": (معهود).\n(^٤) قال العلماء: إذا أضيفت (غَيْر) إلى معرَّف له ضدٌّ واحد فقط تعرفت لانحصار الغيرية، وهنا المنعم عليهم ضد لما بعده. انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي (١/ ١٤٣)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (١/ ٧٧)، و\"مغني اللبيب\" (ص: ٢١٠)، و\"روح المعاني\" (١/ ٣٠٩).\n(^٥) في \"ح \" و\"ف\": (واعلم).","vol":"1","page":27},{"text":"أي: المعروفِ بمُضادَّتِك، إلَّا أنَّها في هذا لا تَجري صفةً، فتُذكَر غير جارية على الموصوف (^١).\nالثالث: أنْ تقعَ موقِعًا تكونُ فيه نكرةً تارةً ومعرفةً أُخرى؛ كما إذا قلتَ: مررتُ برجلٍ كريمٍ غيرِ لئيمٍ، وعاقلٍ غيرِ جاهلٍ، والرجلُ الكريمُ غيرُ اللئيم، كذا قال صدر الأفاضل (^٢).\nوقدْ تَبيَّنَ منه أنَّ مَن قال: إنَّ (غير) لا تتعرَّفُ أصلًا وإنْ أُضيفَ إلى المعارف لم يُصِبْ، وأنَّ مَن زعَم أنَّه بالإضافة إلى ما لَهُ ضدٌّ واحد تَعيَّنَ (^٣) تعيُّنَ الحركةِ مِن غيرِ السُّكون فقدْ أخطَأَ من وجوهٍ:\nأمَّا الأوَّل: فِلأنَّهُ وإنْ أُضيْفَ إلى ما لَه ضِدٌّ واحدٌ، لكنَّه لم يُعرف ما أُريد به بمضادَّة المضافِ إليه في معنىً لا يُضادُّه فيه إلّا هو، ولهذا لم يكنْ مِن قبيلِ الثاني، فلَمْ يتعيَّنْ تعيُّنَ الحركةِ من غيرِ السُّكونِ.\nوأما ثانيًا: فلأنَّه حيْنئذٍ (^٤) يكونُ معرفةً بالحقيقة على ما مرَّ، لا بالتأويل كما ظنَّه ذلكَ الزاعمُ.\nوأمَّا ثالثًا: فلأنَّه حينئذٍ لا يَجري صفةً، وإنما يُذْكر غيرَ جارٍ على الموصوف،\n_________\n(^١) في \"ف\": (الموصول).\n(^٢) القاسم بن الحسين بن أحمد الخوارزمي، مجد الدين، الملقب بصدر الأفاضل، عالم بالعربية، من فقهاء الحنفية، من كتبه: \"شرح المفصل\" للزمخشري، و\"ضرام السقط في شرح سقط الزند\"، و\"التوضيح\" في شرح المقامات، و\"الزوايا والخبايا\" في النحو، وله نظم. قتله التتار سنة (٦١٧ هـ). انظر: \"معجم الأدباء\" (٥/ ٢١٩١)، و\"الأعلام\" (٥/ ١٧٥).\n(^٣) في \"م\": (تبين).\n(^٤) في هامش \"ف\": (أي: على تقدير تعين الحركة من غير السكون. منه).","vol":"1","page":28},{"text":"وهو في صدَدِ توجيهِ كونه صفةً لِمَا قَبْله، وقيل: هو بدلٌ مِن (الذين)، ولا يُعجبني ذلكَ؛ لأنَّ (غيرًا) أصلُ وضْعِه للوَصْف، والبدلُ بالوصفِ ضعيفٌ.\nوالغضبُ: تغيُّرٌ يحصلُ عندَ غليانِ دمِ القلبِ لإرادة الانتِقام، والقانونُ في أمثال هذا: أنَّ جميعَ الأعراض النَّفسانيَّةِ - مثل: الرَّحمةِ والفرَحِ والسُّرورِ والغضب والحياءِ والتَّكبُّر والاستِهزاء - لها أوائلُ ولها نهاياتٌ، ويتبيَّنُ ذلكَ في الغضب؛ فإنَّ له غليانَ الدَّمِ، وغايتُهُ إرادةُ إيصالِ الضَّررِ إلى المغضوب عليهِ، فلفظ (الغضب) في حقِّ الله تعالى لا يُحملُ على أوَّله الذي هو مِن خواصِّ الجسمِ، بل يُحمل على غايته، وهذه قاعدةٌ شريفةٌ.\nبقي هاهنا نكتةٌ لطيفة، وهي: أنَّه صرَّحَ بالخِطاب لمَّا ذَكَر النِّعمة، ثمَّ لوَّنه (^١) حيث قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولمْ يقلْ: غيرِ الذينَ غَضِبتَ عليهم، عَطفًا على الأوَّل، فجاءَ باللَّفظ مُنْحرِفًا بهِ عن ذِكْر الغاضبِ، فأَسنَد النِّعمةَ إليه لفْظًا، وزَوَى عنه لفظَ الغضبِ تحَسُّنًا ولُطفًا.\nقيل: يعني بالأوَّل: اليهودَ؛ لقوله تعالى في قِصَّتهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وبالثاني: النَّصارى؛ لقوله تعالى في حقِّهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [المائدة: ٧٧]. وهذا على وَفْقِ ما رُوِيَ عنه ﵇: من أنَّ رَجلًا سأله وهو بوادي القُرى: مَن المغضوب عليهم؟ فقال: \"اليهودُ\"، ومَنْ الضَّالين؟ فقال: \"النَّصارى\" (^٢).\n_________\n(^١) في \"د\": (ثم وإنه)، وفي \"ف\": (ثم لوى به)، وفي \"ك\": (بل لوح به).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٠٣٥١) من حديث رجل سمع النبي ﷺ، وإسناده صحيح، ولا تضر جهالة صحابيه.","vol":"1","page":29},{"text":"فإن قلتَ: كيفَ فسَّر ذلك وكِلا الفريْقَينِ ضالٌّ ومغْضوبٌ عليهم (^١)؟\nقلتُ: خصَّ كلَّ فريقٍ منهم بصِفةٍ كانتْ أغلبَ عليهم، وإنْ شاركوا غيرَهم في صفات ذمٍّ.\nو﴿عَلَيْهِمْ﴾ هاهنا في محلِّ الرفعِ؛ لأنَّه نائبٌ منابَ الفاعل، بخلافهِ في ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فإنَّه في محلِّ النَّصب على المفعوليَّة.\nو(لا) مزيدةٌ لِتأكيد ما في (غيرِ) مِن معْنى النَّفي، فكأنَّه قيل: لا المغضوبِ عليهم ولا الضَّالين، وعَيَّن دخولَها العطفُ على قوله: (المغضوبِ عليهم)، لمُناسبة (غير)؛ لئلا يُتوهَّم في أوَّل الوهلةِ بتركها عطفَ (الضَّالِّين) على (الذينَ).\nوالضَّلال: فقدانُ الطريق السَّويِّ، سواءٌ سبقه وُجدانٌ أو لا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].\nوإنما عدَلْنا عن تفسيرهِ بـ: العُدول عن الطَّريق السَّويِّ عَمدًا أو خطأً؛ لأنَّ مَن طلبَ الطريقَ السويَّ ولم يجدْه، أو قصَّر (^٢) عن الطلب، ضالٌّ (^٣)، ولا عدولَ ثمَّة لا عمدًا (^٤) ولا خطأً.\n(آمينَ) مبنيٌّ على الفتحة (^٥) كـ (أينَ) لالتقاءِ السَّاكنينِ، وجاء مَدُّ ألِفه وقصرُها، والأصلُ فيه القصرُ، وإنَّما مُدَّ ليرتفع الصوتُ بالدُّعاء، كذا قال ابنُ خالوَيْه في \"إعراب القرآن\".\n_________\n(^١) في \"م\": (عليه).\n(^٢) في \"د\" و\"م\": (قعد).\n(^٣) في \"م\": (الطلب يكون ضالًا).\n(^٤) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\": (ثمة عمدًا).\n(^٥) في \"م\": (الفتح).","vol":"1","page":30},{"text":"وذَكَر ابنُ دَرَسْتَوَيْه أنَّ القصْرَ ليسَ بمعروف، وإنَّما قصَرَه الشاعرُ في قوله:\nأمِينَ فزادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعْدًا (^١)\nللضَّرورةِ، وذلكَ وهمٌ إذْ لا ضرورةَ، فإنَّه لو قدَّم الفاءَ فقال:\nفَآمينَ زادَ اللهُ ما بيْنَنا بُعدًا\nانْدفعَ الضَّرورةُ (^٢).\nولا يُشدَّد ميْمُه فإنَّه لحْنٌ، والعامَّة ربَّما فَعلوا ذلكَ، وأمَّا في قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] فالميمُ مشدَّدةٌ لأنَّه من أمَمْتُ؛ أي: قَصَدْتُ.\nمعناه على قول ابنِ عبَّاسٍ ﵄: كذلكَ يكونُ (^٣).\nوقيل: اسمُ فعلٍ؛ أي: استَجِبْ.\nورُوي عن كعبِ الأحبار أنَّه قال: آمين خاتَم ربِّ العالمينَ، يَختمُ دعاءَ عبدِهِ المؤمنِ (^٤).\nوليسَ من القرآن إجماعًا، وقراءتُه سُنَّةٌ في الصَّلاة وخارجَ الصَّلاة بعد الفاتحة مفصولةً عنها.\n* * *\n_________\n(^١) عجز بيت ذكره ابن الأنباري في \"الزاهر\" (١/ ٦٦)، والجوهري في \"الصحاح\" (مادة: أمن)، وصدره:\nتباعَدَ مني فُطْحُلٌ إذ سألتُه\n(^٢) انظر: \"تصحيح الفصيح\" لابن درستويه (ص: ٤٦٦).\n(^٣) انظر: \"الزاهر\" لابن الأنباري (١/ ٦٦)، و\"تفسير السمرقندي\" (١/ ٤٤)، و\"تفسير الثعلبي\" (١/ ١٢٥).\n(^٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" (١/ ٤٥).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>سُورَةُ البَقَرَةِ</span>\nعن سهْلِ بنِ سعدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ: \"إنَّ لكلِّ شيءٍ سَنامًا، وسنامُ القرآنِ سورةُ البقرةِ\" (^١).\nولا حُجَّةَ فيه على مَن استَكرَهَ أنْ يُقال: سورةُ البقرةِ، وقال: ينبغي أنْ يُقال: السُّورةُ التي يُذكر فيها البَّقرةُ، كما قال ﵇: \"السُّورة التي يُذكر فيها البقرةُ فُسطاطُ القرآنِ\" (^٢)؛ لأنَّ ما يُكره من الأمة قد لا يُكره منه ﵇، ألَا ترى أنَّه قال: \"لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهما\" (^٣)، وقد أَنْكرَ قولَ الأعرابيِّ: ومَن عصاهُما فقَدْ غَوى، وقال: \"بِئْسَ خطِيبُ القومِ أنتَ\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٦)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٥٨٦٤). وفي إسناده خالد بن سعيد المدني، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح بخلاف هذا اللفظ وأما في تمثيل القرآن فليس فيه شيء يثبت.\n(^٢) رواه الديلمي في \"الفردوس\" (٣٥٥٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٣١٥١)، والبخاري (١٦)، ومسلم (٤٣)، من حديث أنس ﵁. ولفظ الصحيحين: \"ثَلَاثٌ من كُنَّ فيه وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إليه مِمَّا سِوَاهُمَا … \".\n(^٤) رواه مسلم (٨٧٠) من حديث عدي بن حاتم ﵁. وكلام المؤلف هذا فيه نظر، فقد روى البخاري (١٧٥٠)، ومسلم (١٢٩٦)، عن الأَعْمَش، قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ، يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آل عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا =","vol":"1","page":35},{"text":"(١ - ٢) - ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﷽\n\n<span id=\"aya-8\"> </span>﴿الم﴾ في الفواتح المقطَّعة أوجُهٌ، والأوجَهُ أنَّها أسماءُ السُّورة، وعليه الأكثر، ومحلُّها رفعٌ على الابتداء، وقيل: نصبٌ أو جرٌّ على حذْف حرفِ الجرِّ وإضمارهِ.\nوالمرويُّ عن الصدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه.\nوقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما (^١).\nوالمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇.\nويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ: \"علمتُ\"، فقال: ها، قال:\n_________\n= النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْترَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: \"مِنْ هَا هنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أنزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ \". قال الآلوسي في \"روح المعاني\" (١/ ٣١٧): وهو معارِض لما روي من منع ذلك، وتعيُّنِ أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سور القرآن كله، ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير كراهة.\n(^١) هذا الكلام للسجاوندي كما في \"فتوح الغيب\" للطيبي (٢/ ٣٣)، و\"نواهد الأبكار\" للسيوطي (١/ ٢٦٩)، وزادا: وتفيد تحريض الحاضرين إلى استماع ما بعد ذلك، وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي ابتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.","vol":"1","page":36},{"text":"\"علمتُ\"، فقال: يا، قال: \"علمتُ\"، فقال: عين قال: \"علمتُ\"، فقال: صاد، قال: \"علمتُ\"، فقال جبرائيلُ ﵇: كيفَ علمتَ ما لم أعلمْ (^١)؟\n\n<span id=\"aya-9\"> </span>﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أصلُ (ذلك): (ذا) اسمٌ مبهَم للإشارة، واللامُ عِوضٌ عن (ها) التي للتنْبيهِ، ولهذا لا يُجمع بينَهما، والكافُ للخطاب، فلا دلالةَ في أصل وضْعِه للبُعد (^٢)، وإنَّما ذلكَ بحَسَبِ العُرفِ الطَّارئِ، فالإشارةُ به هاهنا إلى الحاضر: إمَّا على الوضْع اللُّغويِّ، أو لأنَّ ما لا يُحسُّ بالبصرِ فالإشارةُ إليه بلفظ (ذلك) و(هذا) سواءٌ؛ لأَنَّه من حيثُ إنَّه لا يُحسُّ بالبَصر أشبهَ المحسوسَ الغائبَ، ومن حيثُ إنَّه مُدرَكٌ بالعقل أو السَّمعِ أشبهَ المحسوسَ الحاضرَ، فصحَّ فيه استعمال اللفظين، ولهذا قال جمعٌ من أئمة التَّفسيرِ والعربيَّة: إنَّ معنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ، وتذكيرُه لأنَّ المُشار إليه المسمَّى - وهو ذلكَ البعضُ من القرآن - ليسَ بمؤنَّثٍ، وكذا اسمُهُ المذكورُ وهو ﴿الم﴾ ليس بمؤنَّث.\nنَعَم له اسمٌ آخرُ مؤنَّثٌ وهو السُّورة، لكنَّ الإشارةَ ليستْ باعتبارها، فلا حاجةَ إلى التَّأويل في تذكيره.\nوهو مبتدأٌ ثانٍ، و(الكتابُ) خبرُه، والجملةُ خبرُ المبتدأ الأوَّل، والمعنى: إنَّ ذلك هو الكتابُ الكامل.\nأو خبرُ المبتدأ و(الكتابُ) صفتُه، ومعناه: هو (^٣) ذلك الكتابُ الموعود، مصدرٌ بمعنى المفعول.\n_________\n(^١) لم أجده، ولا يصلح هذا حجة لما قاله المؤلف؛ فإن مثله يحتاج لدليل صحيح ثابت.\n(^٢) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (إلى البعد).\n(^٣) في \"م\": (ومعناه وهو)، وفي \"ف\": (والمعنى هو).","vol":"1","page":37},{"text":"قال الراغبُ: الكَتْبُ: ضمُّ أَديمٍ إلى أديْمٍ بالخياطة، وفي المُتعارف: ضمُّ الحروفِ بعضِها إلى بعض [بالخطِّ، وقد يقالُ ذلك للمضمومِ بعضِها إلى بعضٍ] في اللَّفظ، ولهذا سُمِّيَ كتابُ الله (^١) - وإنْ لم يُكتَبْ - كتابًا (^٢).\nفمَن قال (^٣): أُطلق على المنْظوم عبارةً (^٤) قبلَ أنْ يُكتبَ؛ لأنَّه مما يُكتب (^٥)، فكأنَّه لم يُفرِّقْ بين الخطِّ والكتابةِ.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في محلِّ الحال، والعاملُ فيه معنى الإشارةِ، وفيه إشارةٌ إلى كماله في نفسه.\nوقوله: ﴿هُدًى﴾ إشارةٌ إلى كونه مُكمِّلًا لغيره، فيكونُ وصفًا له بالتكمِيْل بعدَ وصْفِه بالكمال.\nقال الراغبُ في الفرْق بينَ الشكِّ والمِريةِ والرَّيْب:\nإنَّ الشكَّ: وقوفُ النَّفْس بينَ شيئينِ متقابلينِ بحيثُ لا يترجَّح أحدُهما على الآخر بأَمارة.\nوالمِريةُ: التردُّد في المتقابلَينِ، وطلبُ الأمارةِ، مأخوذٌ من مَرَى الضَّرع؛ أي: مسَحَه ليدُرَّ، فكأنَّه يحصلُ مع الشكِّ تردُّدٌ في طلب ما يَقتضي غلبةَ الظنِّ.\n_________\n(^١) في المصدر: (كلام الله).\n(^٢) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" للراغب (ص: ٦٩٩) (مادة: كتب)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) في هامش \"م\": (رد على البيضاوي)، وفي هامش \"ف\": (البيضاوي. منه).\n(^٤) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\": (عبارته)، والمثبت من \"د\" و\"م\"، وهو الموافق لما في المصدر.\n(^٥) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٦).","vol":"1","page":38},{"text":"والرَّيبُ: أنْ يُتوهَّمَ في الشَّيء أمرٌ (^١) ما، ثُمَّ يَنكشفَ عمَّا تُوهِّم (^٢) فيه (^٣).\nولمَّا كان الرَّيبُ أضعفَ كان نفيُه أبلغَ.\nثمَّ إنَّ المَنفيَّ عنه مَنشأُ الرَّيب لا نفسُه؛ لأنَّه حالةٌ قائمة بالمُرتاب لا يَحتمِلُ أنْ توجدَ في جنس الكلامِ، فلا حاجةَ إلى نفْيِها؛ بل لا وَجهَ لهُ في مقامِ المدحِ، فتَأخيرُ الظَّرف لا (^٤) لأنَّ الحصر المستفادَ من تقديمه باطلٌ؛ لأنَّ باقيَ الكتبِ السَّماوية ليسَ بمعجِز فلا قاطعَ لعِرْقِ الرَّيب فيه، بل لتجريدِ الكلام لمَا سيْقَ له، فإنَّ المفهومَ من الحصر المذكورِ فضلةٌ في المقام (^٥)، واختيارِ ما هو أحسنُ نظمًا، وتوسيعِ دائرة القراءة (^٦) على ما ستَقِفُ عليه بإذن الله تعالى.\nوقُرئ: (لا ريبٌ) بالتَّنوينِ والرَّفع (^٧)، والفرْقُ بينَها وبين المشهورةِ: أنَّ المشهورةَ تُوجب الاستغراقَ وهذه تُجوِّزُه.\n﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: المشارِفينَ للتَّقوى الصائِرينَ إليه، ففيه مجازٌ وإيجازٌ وهما من أقوى أسبابِ الإعجازِ، ونكتةُ المجازِ: التنْبيهُ على قوَّة ترتُّبِ اهتدائهم على هدايتِه بحيثُ لا يتخلَّلُ بينهما زمانٌ، فكأنَّ هدايتَه بالذينَ يهتدون به هدايةٌ بالمهتدِينَ.\nوإنَّما لم يقل: هدًى للطالبينَ؛ لئلا يَندرجَ تحتَ عمومه المطبوعُ على قلوبهم.\n_________\n(^١) في \"ف\": (أمرًا). ومثله في \"تفسير الراغب\"، ولفظه: (أن تتوهم في الشيء أمرًا).\n(^٢) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\": (يتوهم)، وفي \"تفسير الراغب\": (توهمت).\n(^٣) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١١٥).\n(^٤) كلمة: (لا) سقطت من \"ح \" و\"ف\" و\"ك\".\n(^٥) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (في الكتاب المقام)، والمثبت من \"د\".\n(^٦) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (القرآن)، والمثبت من \"د\".\n(^٧) عزاها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢) لزهير الفرقبي.","vol":"1","page":39},{"text":"(هدى) مبتدأٌ خبرُه (فيه) قُدِّم عليه محقَّقًا على قراءةِ مَن وقفَ على: (لا ريب)، ومقدَّرًا على قراءةِ مَن وَقفَ على (فيه)؛ للعناية والاهتمام، تنبيهًا على أنَّ المقصودَ بالإخبار كونُ الكتاب متضمِّنًا لهدايتهِم لا كونُهم مُهتدينَ به، وللمُحافظة على الفاصلة. وإيثارُ الظَّرف على الضَّمير المُنفصِل للإشارة إلى أنَّ الهدايةَ من بعضِ الفوائد التي تضمَّنَها.\nوتنكيرُه للتَّعظيم، والهدى في الأصل مصدرٌ على (فُعَل) كالسُّرَى، وقد مرَّ تفسير الهداية وما يَتعلَّقُ به.\nوالتَّقوى على ما قال عليٌّ ﵁: ترْكُ الإصرارِ على المعصية، والاغترارِ بالطَّاعةِ (^١).\nوالمتَّقي: اسمُ فاعلٍ من قولهم: وَقَى فاتَّقى (^٢)، والوِقاية: فرْطُ العِنايةِ.\nوقيل: التَّقيُّ (^٣) مَنْ سلَكَ سبيلَ المُصطفى، ونبذَ الدُّنيا (^٤) وراءَ القَفا، وكلَّفَ نفسَه الإخلاصَ والوفا، واجتنبَ الحرامَ والجَفا.\nولو لم يكنْ فضلٌ إلَّا ما فُهِم من هنا فكَفى، فإنَّه تعالى بيَّنَ في غيرِ موضعٍ أنَّ القرآنَ هدىً للنَّاس، وقال هنا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فكأنَّه يقول: إنَّ المتَّقينَ هم كلُّ النَّاسِ فمَنْ لا يكونُ متَّقِيًا ليس منهم.\nولمَّا كان معنى قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: للَّذين يتقون (^٥)، صحَّ أنْ يكونَ قولُه:\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الخازن\" (١/ ٢٧).\n(^٢) في \"م\": (وقاه فاتقاه).\n(^٣) في \"ك\": (المتقي).\n(^٤) في \"ك\": (الدينار).\n(^٥) في \"ح \" و\"ف\": (الذين ينفقون)، وفي \"ك\" و\"م\": (الذين يؤمنون)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":40},{"text":"<span id=\"aya-10\"> </span>(٣) - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ موصولةً بالمتَّقينَ (^١) على أنَّه صفةٌ مجرورة، أو مدحٌ منصوبٌ بتقدير: أعني أو أمدحُ، أو مرفوعٌ بتقديرِ: هم.\nوأمَّا فصْلُه عنه على أنَّه مرفوعٌ بالابتداء مخبَرٌ (^٢) عنه بـ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فضعيفٌ (^٣)؛ لانفلاته ممَّا قبلَه، والذَّهابِ به مذهبَ الاستئنافِ، مع وضوح اتِّصاله بما قبلَه وتعلُّقِه به، ومبْنى الاستئنافِ على تقدير أن يُسألَ: ما بالُ المتَّقينِ مخْصوصينَ بذلكَ؟ فلا يتِمُّ الجواب إلَّا بمجموعِ القصَّتينِ، فيكونُ القطْعُ بينَهما لكمال الاتِّحاد، والظَّاهرُ أنَّه لكمال الانفصالِ في الغَرضِ والأسلوب، على ما شهِد لذلك تصديرُ القصَّة الثَّانية بـ (إنَّ) المشعرةِ بالأخذ في فنٍّ آخرَ.\nوالإيمان: إفْعالٌ من الأمْن، يقال: أمِنْتُه، وآمَنَنيه غيري، ثم نُقل إلى التصديق فقيل: آمَنَه [إذا صدَّقه، وحقيقتُه: آمَنه] (^٤) التكذيبَ والمخالفة، ثم ضُمَن معنى أقرَّ واعترفَ فعُدِّي بالباء.\n﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بما غاب عن الحسِّ والعقل غيبةً كاملة حيثُ لا يُدركه واحدٌ منهما لا بالبديْهة ولا بالاستدلال، يعني: أحوالَ البعثِ والجنَّة والنار؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٢٦].\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (للمتقين)، والمثبت من \"د\". وجاء في هامشها: (فيه رد للقاضي التفتازاني)، ومثله في هامش \"م\" لكن فيه: (للفاضل) بدل: (للقاضي).\n(^٢) في \"م\": \"مخبرًا\".\n(^٣) في \"م\": (ضعيف)، وجاء في هامشها وهامش \"ف\": (فيه رد للزمخشري والبيضاوي ومن تبعهما. منه).\n(^٤) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (١/ ٣٨).","vol":"1","page":41},{"text":"ولقوَّة غَيْبَتِه - حيثُ غاب عن مَظهَري الحسِّ والعقل - عبَّر عنه بالمصدر؛ كما يقال لمَن بلغ الغايةَ في العدالة: عَدْلٌ.\nولكماله في معنى الغَيبة - حيثُ لم يُمكنِ استحضارُه لا بالبديهة ولا بالنظر - عُرِّفَ بتعريف الجنس، كأنَّ معنى الغَيبة إنما تمَّ فيه، وباقي الغائبينَ بمنزلة الشاهد نظرًا إليه.\nففيه إشارةٌ إلى قوَّة تصديقهم برسول الله ﷺ، ووفورِ اعتقادِهم بنبوَّته، حيثُ صدَّقوه في أخبارٍ لا طريق إلى العلم بصِدْقها لا بالحسِّ ولا بالعقل، لا بالبديهة ولا بالكسب.\nوعدمُ التعرُّض للتَّصديق بالمبدأ للتنبيه على أنَّ شأنَه تعالى أظهرُ الأمور، بحيثُ كان التصديقُ به تصديقًا بأجلى المعلومات، فلا يناسب ذكره في مقام المدح بالتَّصديق بأخفى المجهولات.\nوفيه نعيٌ على الدَّهْرية على أبلغ وجهٍ.\n﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: إقامةُ الشيء: جعْلُه قائمًا، والقيامُ: انتصابُ القامة، ولمَّا كانت هيئةُ الانتصاب أكملَ هيئاتِ مَن له القامةُ وأحسنَها استُعيرت الإقامةُ للتكميل والتَّحسين، ومنه: أقام الأمرَ: إذا أتمَّه، وجاء به معطًى حقوقَه.\nوأيضًا لمَّا كان استعمالُ مَن له القامةُ بإقامتها، استُعيرت الإقامةُ للاستعمال أيضًا، ومنه: أقام القومُ سيوفَهم: إذا استعمَلوها ولم يُعطِّلوها.\nفالمعنى على الأول: يُعدِّلون أركانها ويُكمِّلون حدودها.\nوعلى الثاني: يحافظونَ عليها في مواقيتِها ولا يُعطِّلونها.\nوالصَّلاةُ: الأذكار المعروفةُ، والأفعالُ المشهورة، وأصلها: الدُّعاء، قال الله","vol":"1","page":42},{"text":"تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادعُ لهم، وفيما نقلَها الشَّرع إليه اشتمالٌ على الدُّعاء.\nوفائدةُ الإطنابِ بزيادة الإقامة: التنبيهُ على أنَّه لم يُرِدْ إيقاعَها فقط، ولهذا لم يأمرْ بالصَّلاة ولم يمدحْ بها إلَّا بلفظ الإقامة، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [الإسراء: ٧٨] و﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ولم يقلْ: والمصلين، إلا في المنافقين حينَ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥].\nومنْ ثمَّة قيل: المصلُّون كثير، والمقيمونَ لها قليلٌ، كما قال [ابن] عمر ﵁: الحاجُّ قليلٌ والرَّكبُ كثيرٌ (^١).\nوكثيرٌ من الأفعال التي حَثَّ الله تعالى على تَوفية حقِّه ذَكَره بلفظِ الإقامة؛ نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦]. و﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ [الرحمن: ٩].\nولمَّا كان المعنى: يَعبدون الله تعالى بكلٍّ من نوعي العِبادة البَدنيَّة والماليَّة، عقَّبه بقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقدَّم ما هو الأشقُّ، وبالتقديم أحقُّ؛ لأنَّه أمُّ العبادات وعِمادُ الدِّين.\nولم يقلْ: ويؤتون الزكاة، لئلا يختصَّ المدحُ بالأغنياء.\n_________\n(^١) في \"د\" و\"ف\" و\"م\": (والراكب كثير). والمثبت موافق لما في المصادر. انظر: \"قوت القلوب\" لأبي طالب المكي (٢/ ١٩٢)، و\"الإحياء\" (١/ ٢٦٣)، وما بين معكوفتين منهما. وروى عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨٨٣٦) عن مجاهد قال: قال رجل عند ابن عمر: ما أكثر الحاج! فقال ابن عمر: ما أقلهم! و(٨٨٣٧) عن سعيد بن جبير قال: سمعت شريحًا العراقي يقول: الحاج قليل والركبان كثيرة.","vol":"1","page":43},{"text":"وأيضًا لمَّا ذَكَر البدنيّةَ مطلقةً شاملةً للواجبة منها وغيرِ الواجبة، ناسَبَ أنْ يَذكرَ الماليةَ أيضًا على وجهِ الإطلاق.\nوالرِّزقُ: اسمٌ لكلِّ ما يَنْتفِعُ به الحيوانُ، وأصله: الحظُّ والنَّصيب مِن أَيِّ نوعٍ كانَ، ثمَّ شاع إطلاقُه (^١) على ما أعطى اللهُ تعالى عبْدَه ومكَّنه من التَّصرُّف فيه حلالًا كان أو حرامًا؛ لقوله ﵇: \"لقد رَزَقكَ اللهُ طيِّبًا، فاخترتَ ما حَرَّم اللهُ عليكَ مِن رِزقه مكانَ ما أحلَّ اللهُ لكَ مِن حلالهِ\" (^٢).\nوأمَّا ما قيلَ: لو لمْ يكنْ الحرامُ (^٣) رِزقًا لم يكنْ المُغذَّى به طولَ عُمُره مَرزوقًا، وليسَ كذلكَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].\nفيَرِدُ عليهِ: أنَّ الملازمةَ مسلَّمةٌ، وكذلكَ بُطلانُ التَّالي مسلَّمٌ إنَّما الشَّأن في وقوع المقدَّم فافْهَم.\nنَعمْ هو محمولٌ هاهنا على المُباح دونَ المحظورِ، بقرينة إضافتهِ إلى الله تعالى، فإنَّ ما يُضاف إليهِ تعالى بخصوصه مُفصَّلًا حقُّه أنْ يكونَ خاليًا عن الكراهة فضْلًا عن الحُرمةِ، وإنْ كان قد تُضاف إليه الأفعالُ كلُّها على سبيل العمومِ والإجمال.\n_________\n(^١) كلمة: (إطلاقه) من \"د\" و\"م\".\n(^٢) رواه ابن ماجه (٢٦١٣) من حديث صفوان بن أمية ﵁، وفيه قصة. وفي إسناده يحيى بن العلاء البجلي وبشر بن نمير، وهما متهمان متروكان. قال الذهبي في \"الميزان\" في ترجمة يحيى ابن العلاء: قال أبو حاتم: ليس بالقوي، وضعفه ابن معين وجماعة، وقال الدارقطني: متروك، وقال أحمد بن حنبل: كذاب يضع الحديث، وروى عباس عن يحيى: ليس بثقة. ثم ذكر هذا الحديث وقال: وبشر هالك، فلعل الحديث من وضعه.\n(^٣) في \"ح \" و\"ف\" و\"م\": (الحلال). والصواب المثبت. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (١/ ٣١).","vol":"1","page":44},{"text":"وأمَّا الحثُّ على الإنْفاق والمدحُ للمُنفِق وكونُه من المتَّقينَ، فإنَّما يَصلُح قرينةً لكون المنفَقِ مُباحًا، ولا دلالةَ فيه على عدم كونِ الرِّزق الذي ذلك المنفقُ بعضٌ منه مشتمِلًا على الحرام.\nوزيادةُ حرْف التبْعيض للحثِّ على الاقتصاد المحمود؛ لأنَّه الجودُ الذي هو وسطٌ بينَ الإسراف والإقتارِ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، ففيه إخبارٌ صريحٌ في حقِّ الغابرينَ (^١) ونهيٌ ضِمنًا في حقِّ الحاضرِينَ.\nوأمَّا التبذيرُ فلا حاجةَ للاحتراز عنهُ إلى أداة التَّبْعيض؛ لأنَّه بمعْزِلٍ عن مَظنَّة المدحِ به، كيفَ وهو حرامٌ منهيٌّ عنه بأبلغِ وجهٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]؟\nبخلافِ الإسرافِ، فإنَّه قد شاعَ أنَّه لا إسراف في الخير، فكانَ مظِنَّة أنْ يُمدحَ به.\nولمَّا كان المدحُ باعتبار تخصيصِهم الإنفاقَ بالبعض الحلالِ من رِزْقِهم لا بالإنفاق مُطلقًا، كان ذِكرُ المفعولِ وتعيينُه أهم (^٢) من الإخبار عن نفْس الفعلِ، فقدَّمه عليه إظهارًا للاهتمام به والاعتناءِ بشِأْنه، ومحافظةً على الفاصلة.\nوالإنْفاقُ: صرْفُ المالِ إلى ذي الحاجة، لا إنفاقهُ وإذهابه مطلقًا، فالإحراقُ مثلًا ليس بإنفاق.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (الغائبين).\n(^٢) في \"ك\": (أتم).","vol":"1","page":45},{"text":"<span id=\"aya-11\"> </span>(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ هم مؤمِنو أهلِ الكتابِ كعبدِ الله بن سَلامٍ وأضرابِه، معطوفون (^١) على ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، داخلونَ معهم في جُملة المتَّقينَ دخولَ أخصَّ (^٢) تحتَ أعمَّ؛ إذْ المرادُ بأولئك: الذينَ آمنوا وليْسوا بأهل الكتابِ، وبهؤلاء مُقابِلوهُم، فكانتْ الآيتانِ الكريمتان تفْصيلًا للمتَّقين.\nوانَّما قدَّم غيرَ الكتابيِّ لأنَّ تصديقَهم بتلك المغيَّباتِ أغربُ، إذْ هم لم يسمعوا شيئًا منها إلى أنْ أَخبر به النبيُّ ﷺ، فهُم بالمدح بذلك الوصفِ أحقُّ، ومن ذلك تبيَّن وجهُ تخصيصِ التَّعبيرِ بالغيبِ عن المصدَّقِ به في حقِّهم، مع أنَّ مُتعلَّق التَّصديق لكلا الفريقينِ واحدٌ، وظهر أنَّ ما فُصِّل بقوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآيةَ هو بعَيْنه ما عُبِّر عنه إجمالًا بقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.\n﴿إِلَيْكَ﴾ أصله: إلَاكَ، قُلِبَ فرْقًا بينَ الإضافة إلى المُكنى وغيرِه.\nوالإنزال: نقْلُ الشَّيءِ من أعلى إلى أسفلَ، وهو إنَّما يَلحق المعانيَ بتوسُّطِ لُحوقه الذَّواتِ الحاملةَ لها؛ كما في إنزال القرآنِ، فإنَّه أُنزل جملةً من اللَّوح إلى سماء الدُّنيا، ثمَّ نُزِّل منها على لسان جبريلَ مُنجَّمًا على الرَّسول ﵇، أو للنُّقوش الدالةِ عليها؛ كما في إنزال التَّوراةِ، فإنَّها قد أُنزلت على موسى ﵇ مكتوبةً على الألواح، فإنْ كان المرادُ جميعَ ما أُنزل عليه ﵇ إلى حينِ نُزول هذه الآية كما هو الظاهر، فالأمرُ هيِّنٌ، فإن الإيمان (^٣) بالمُترقَّب غيرُ واجبٍ وذلك بيِّنٌ،\n_________\n(^١) في \"ف\": (عطف).\n(^٢) في \"ح \" و\"د\" و\"ف\": (أخصين).\n(^٣) في \"ح \" و\"ف\": (فالأمر حين الإيمان)، وفي \"ك\" و\"م\": (فالأمر بين فإن الإيمان\"، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":46},{"text":"وإنْ كان المرادُ مجموعَ القرآن والشريعةِ فمَبْناه على تنزيلِ المترقَّبِ منزلةَ النّازلِ؛ لتحقُّق وقوعهِ، أو لارتباطِ بعضهِ ببعضٍ كالشَّيء الواحد، ونظيرهُ قولكَ: كلُّ ما خطَب به فلانٌ فهو فصيحٌ، ولا تريدُ به الماضيَ فقطْ بل الآتي أيضًا، أو تغليبِ (^١) النَّازلِ على ما لم ينزلْ.\nوفي ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ القرآنَ غيرُ متفاوِتِ الأبعاضِ في البلوغِ إلى حدِّ الإعجازِ، فمَن آمنَ ببعضِه يؤمِنُ بكلِّه لا محالةَ.\nوالعدولُ عن صيغة الماضي إلى المستقبل لِمَا فيهِ مِن الحدوث والتَّجدُّدِ المتضمِّنِ للإشارة إلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل إليه ﵇ يَتجدَّدُ بحسب تجدُّدِ نزولِ الآيات والأحكامِ، وإلى أنَّ إيمانَهم بما أُنزل مِن قبلِه إيمانٌ حادثٌ لا إيمانٌ ثابتٌ؛ لأنَّ إيمانَهم السابقَ إنكارٌ له في الحقيقة لا تصديقٌ به.\nوقدَّم الإيمان بما أُنزل إليه لأصالَتهِ، حيثُ كان صحةُ إيمانهم بما أُنزل من قَبله في ضِمن الإيمان بما أُنزل إليه وسببِه، ولهذه النُّكتةِ لم يُكرَّر الباءُ في قوله:\n﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما كرِّر في: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] والمراد بذلك: ما أنزل على الأنبياء الذينَ كانوا قبلَ محمَّدٍ عليه وعليهم السَّلام، والإيمانُ به واجبٌ إجمالًا؛ لأنَّ الله تعالى ما تعبَّدَنا الآنَ به حتى يُلزمَنا معرفَته تفْصيلًا.\nنَعم إنْ عرفنا شيئًا من تفاصيلهِ فهناكَ يجب علينا الإيمانُ بتلك التفاصيلِ.\n﴿وَبِالْآخِرَةِ﴾ تأنيثُ الآخِرِ، صفةٌ للدَّارِ كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣]، أو النَّشأةِ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، سمِّيت بذلك لأنَّها متأخِّرةٌ عن الدُّنيا أو النَّشأةِ الأُولى زمانًا.\n_________\n(^١) عطف على (تنزيل) في قوله: (على تنزيل المترقب …).","vol":"1","page":47},{"text":"وقيل: الدُّنيا دُنيا لأنَّها أَدنى من الآخرة رُتبةً.\n﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ تقديمُ الظَّرف للقَصر عليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨]. وتقديمُ المسندِ إليهِ وهو ضميرٌ مع بناء الفعلِ عليه أيضًا للقَصر عليه؛ كما في قولك: أنا سعيتُ في حاجتِكَ، والقَصران إضافيانِ كما هو الغالِبُ في استعمالاتِ البُلغاء.\nوالمعنى المستفادُ من القَصر الأوَّل: أنَّ (^١) إيقانَهم مقصورٌ على حقيقة الآخرة لا يتعدَّاها إلى ما هو على خلافِ حقيقتِها، وتعريضٌ (^٢) بسائر أهلِ الكتاب وبما هُم عليه من أمر الآخرةِ.\nوالمعنى المستفادُ من القَصر الثاني: أنَّ الإيقانَ المذكورَ لا يتعدَّاهُم إلى غيرهِم، وهذا تصريحٌ بأنَّهم على جهالةٍ في أمرِ الآخرةِ، والإيقانُ إيقانُ العِلم بإزالة الشكِّ والشُّبهة عنه، فاليقينُ: هو العِلم بالشَّيء بعدَ أنْ كان صاحبُه شاكًّا فيه، ولذلك لا يُطلق على عِلمه تعالى.\nقال الإمام: ويقالُ ذلكَ في العِلم الحادث بالأمورِ، سواءٌ كان ذلكَ العِلم ضرورّيًا أو استدلاليًّا، فيقولُ القائل: تيقَّنتُ ما أردتُه بهذا الكلامِ، وإنْ كان قد عَلِم مرادَه بالاضطرار، ويقول: تيقَّنتُ أنَّ الإلهَ واحدٌ، وإنْ كان قد عَلمه اكتسابًا (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) كلمة: (أن) من \"د\" وليست في باقي النسخ.\n(^٢) في \"م\": (أو تعريض).\n(^٣) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":48},{"text":"<span id=\"aya-12\"> </span>(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: أهلُ هذه الصِّفاتِ، فيُبتنَى الحكمُ على الوصفِ فيَنتفي بانتفائِه، وهذا معنى الاختصاصِ.\nو(أولاءِ): كلمةٌ معناها الكِنايةُ عن الجماعة نحو: (هم)؛ جمعٌ لا واحدَ له من لفظه، بُني على الكسر، والكافُ للخطاب، والجملةُ استئنافٌ لا محل لها، فكأنَّه نتيجةُ الأحكامِ والصفات المتقدِّمةِ.\n﴿عَلَى هُدًى﴾ مَثَلٌ لتَمْكُّنهم مِن الهدى، شُبِّهتْ حالُهم بحالِ مَن اعْتلى الشَّيءَ ورَكِبَهْ، ونكَّر (هدًى) ليُفيد ضربًا مُبْهمًا لا يُبلَغُ كُنْهُه؛ نحوَ: لقد وقعتُ على لحمٍ.\nومعنى كونِهم على الهدى: تمسُّكُهم بمُوجَبِ الدَّلائل؛ لأنَّ الواجبَ على المتمسِّك بالدَّليل (^١) أنْ يدومَ على ذلكَ، فكأنَّه تعالى لمَّا مدَحَهُم بالإيمان بما أَنزل اللهُ عليه أولًا، مدَحَهم بالإقامة على ذلكَ ثانيًا.\n﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بنَفْي (^٢) الكسْبِ، وإثباتِ كونهِ لمحضِ العِناية والعطاءِ كالشَّيء الذَّاتيِّ المقارِنِ لوجودِهم في أوَّل الكونِ، وفيه زيادةُ تعظيمٍ لتلك الهدايةِ.\nوإضافةُ الربِّ إليهم للتَّشريف، فكما تُفيد إضافةُ العبد إليهِ تعالى تشريفَه، فكذلك إضافتُه تعالى إليه تفيدُه، بلْ ذلك أقوى إفادةً له.\n﴿وَأُولَئِكَ﴾ أعاد اسمَ الإشارةِ تنْبيهًا على أنَّ المقتَضِيَ للفلاح أيضًا هو اتِّصافُهُم بتلكَ الصِّفاتِ، وأنَّ كلَّ واحدةٍ من الأثرتينِ لهم بالاستقلال والانفرادِ،\n_________\n(^١) في (م): \"بالدلائل\".\n(^٢) في \"د\": (نفي)، وتحرفت في \"ح \" إلى: (مع).","vol":"1","page":49},{"text":"لا بتبَعيَّةِ إحداهما للأُخرى، ولو انفردتْ إحداهما لكفَتْ في تفوُّقهم بالكمال وإنافتِهم على غيرهم.\nوتوسيطُ العاطفِ لتناسُبِهِما في الوجود حيثُ كان أحدُهما علةً للآخَرِ، وتغايُرِهما في المعنى المقصودِ، فإنَّ الهدى حاصل في الدُّنيا والفلاحَ في الآخرة، فالجملتانِ متوسِّطتانِ بين كمال الاتِّصال وكمالِ الانقطاعِ، بخلافِ ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾ و﴿الْغَافِلُونَ﴾ فإنَّهما شيءٌ واحدٌ بحسب المقصودِ والمآلِ، وإنْ تعدَّدا بحسب اللَّفظ والمفهومِ (^١).\n﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (هم) فصلٌ يفصِلُ الخبرَ عن الصِّفة، وُيؤكِّد النِّسبة، ويُفيد اختصاصَ المسنَدِ بالمسنَد إليهِ، أو مبتدأٌ و(المفلِحون) خبرُهُ، والجملةُ خبرُ (أولئك).\nوالمفلحُ: الظافرُ بمطلوبه، والفلاحُ: الخيرُ المقطوع، ومنه يقال: الفلَّاحُ، للمُكاري والأكَّارِ؛ لقَطْعِهما الأرضَ في الكِراءِ والكرابِ (^٢).\nوفي المثَلِ: (الحديدُ بالحديد يُفْلَحُ) (^٣)؛ أي: يُقْطَعُ ويُصْلَحُ.\nوالتعريفُ للدَّلالة على أنَّ المتَّقينَ هم الناسُ الذين بلغكَ أنَّهم المفلِحونَ في الآخرة، أو الإشارةِ إلى ما يَعرفُه كلُّ أحدٍ من حقيقة المُفلِحينَ وخصوصيَّاتِهم.\n_________\n(^١) يعني أن ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾ و﴿الْغَافِلُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وإن اختلفا مفهومًا فقد اتحدا مقصودًا، إذ لا معنى للتشبيه بالأنعام إلا المبالغة في الغفلة، فالجملة الثانية مع مشاركتها للأولى في المحكوم عليه مؤكدة لها فلا مجال للعطف. انظر: \"حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي\" (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠)، و\"روح المعاني\" (١/ ٣٧٧).\n(^٢) الكراب: إثارة الأرض للزرع. انظر: \"القاموس\" (مادة: كرب).\n(^٣) انظر: \"مجمع الأمثال\" (١/ ١١)، و\"المستقصى\" (١/ ٤٠٣).","vol":"1","page":50},{"text":"ولا دلالةَ في الآية على خلودِ الفُسَّاقِ من أهل القِبلةِ في العذاب؛ لأنَّ الفائزَ بمطلوبهِ في الآخرة مَن زُحْزِحَ عن النَّار وأُدْخِلَ الجنَّةَ، فالمعذَّبُ بالنَّار وإنْ لم يُخلَّدْ فيها غيرُ مفلِحٍ.\nنَعَم، لو قيل: إنَّ فيها دلالةً على أنَّ الفاسقَ - بل تاركُ الصَّلاة - وإنْ كان تائِبًا لا بدَّ له مِن العذاب = لاحْتِيْجَ في جوابه إلى أنْ يقال: إنَّ المرادَ بالمُفْلحِينَ: الكاملون في الفَلاح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-13\"> </span>(٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا أنجزَ الكلامَ في تقرير ما سيْقَ له إلى ذِكْر خاصَّةِ عِباده وخُلاصةِ أوليائه بصفاتهم التي أهَّلتُهم للهُدى والفلاح، قفَّى على أثرِهِ بذِكْرِ أضدادِهم، وهُم العُتاةُ المَرَدَةُ من الكفَّار المطبوعِ على قُلوبهم، بحيثُ لا ينجعُ فيهِم الهُدى، ولا يَجري إليهم اللُّطفُ والدَّعوةُ والإنذارُ، وإنَّما فصَل بينهما لتَباينِهِما في الغرض، فإنَّ الأُولى سيْقَت لبيان شأنِ الكتابِ، والثانيةَ سوقُها لشرح تمرُّدهِم وانهماكِهم في الضَّلال.\nوالتأكيدُ بـ (إنَّ) لأنَّ الخبرَ قد بَولِغَ فيهِ، وعُلِّل بما عسى أنْ يُستنكَرَ ويُستَبْعَدَ.\nوالتعريفُ للإشارة إلى أُناس معهودِينَ؛ أَخرجَ ابنُ جريرٍ وغيرُه بسنَدٍ صحيح عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: أنَّ المرادَ به الكفارُ من اليهود خاصَّةً (^١).\nوهو الظاهرُ بقرينةِ إيلاءِ المؤمنينَ من أهل الكتابِ، ولأنَّ السُّورةَ مدنيَّةٌ وأكثرُ الخِطاب فيها لليهود.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٢٥٨).","vol":"1","page":51},{"text":"والكُفْر - بالضم والفتح (^١) - في اللغة: السَّتْر، ومنه سمِّي الزَّارعُ كافرًا، فإنَّه يسترُ البذرَ، ونُقلَ في الشَّرع إلى عدَم قَبُول ما عُلِم مجيءُ الرَّسولِ ﵇ به عقْدًا أو قَولا؛ لِمَا فيه مِن سَتْر نورِ الفِطرةِ الأصليَّةِ الذي هو بذْرُ الكمالِ، هذا هو الكفر المقابِلُ للإيمان المُنْجي.\nوأمَّا الكفرُ المقابلُ للإيمان الشَّرعي الذي لا بُدَّ فيه من الاحتراز عن أمارات عدَمِ قَبول ما ذُكِر، فيَكفي في تحقُّقهِ (^٢) وجودُ إحدى تلك الأماراتِ.\nوالإخبارُ بلفظ الماضي نظرًا إلى حال المخاطَبِ؛ لأنَّه مقصودٌ بالإفادة، والمتكلِّمُ (^٣) ليس بزمانيٍّ، فلا يختلفُ الإخبارُ (^٤) - بحسب دلالتِها على الأزمنة الثلاثةِ - نظرًا إليه.\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: مستوٍ، عُدِل عنه مبالغةً، وإيثارُ الاسم (^٥) على الوصف؛ لتَجرُّده عن معنى الحدوثِ، وتمحُّضهِ للدَّلالة على الثُبوت.\nوالسَّواءُ: الاعتِدالُ في الوسَط، والوسَط: الاعتدال في المقدار، ولكون ذلكَ الاستواءِ ضارًّا (^٦) لهم غيرَ نافعٍ، قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقلْ: سواءٌ لهم.\nوالفعلُ في تأويل المصدَرِ، وإنَّما عُدل عنه لِما في الفِعل من إيهام التَّجدُّد،\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"ف\" و\"م\": (قال الراغب: يقال: كفر كفرًا وكفورًا، نحو: شكر شكرًا وشكورًا. منه).\n(^٢) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\": (في الحقيقة)، وفي \"د\": (في تحقيقه)، والمثبت من \"م\".\n(^٣) في \"ف\" و\"ك\": (والتكلم).\n(^٤) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\": (الإخبار بزيادة).\n(^٥) في \"ح \" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (وإيثارًا للاسم)، والمثبت من \"ك\".\n(^٦) في \"م\": (صار).","vol":"1","page":52},{"text":"وحَسُنَ دخولُ الهمزة و(أَمْ) عليه لتقريرِ معنى الاستواءِ وتأكيدهِ، فإنَّهما جُرِّدتا عن معنى الاستفهامِ لمجرَّد الاستواءِ.\nوالمعنى: سواءٌ عليهمُ الإنذارُ وعدمُه، فالإنذارُ وما عُطف عليه مبتدأٌ في المعنى، و(سواءٌ) الخبرُ، والجملة خبر (إنَّ).\nوإنَّما قلنا: إنَّ (سواءٌ) هو الخبر؛ لأنَّ موضعَ الفائدة الخبرُ، والشكُّ إنَّما وقَع في استواء الإنذار وعدمهِ لا في نفي الإنذارِ، ومن هاهنا خرجَ وجْه العناية الدَّاعيةِ إلى تقديمه، ولفظُ الاستفهامِ لا يَمنعُ من ذلكَ، إذْ المعنى على اليَقِين (^١) والتَّحقيقِ لا على الاستفهام؛ لِمَا عرفتَ من أنَّ الهمزةَ هنا مستعارةٌ للتَّسوية.\nوالإنذارُ: الإعلامُ بالتَخويفِ.\nوقال ابنُ عطيَّةَ: ولا يكادُ يكونُ إلَّا في تخويفٍ يَسعُ زمانُه الاحترازَ، فإنْ لم يَسعْ زمانُه الاحترازَ كان إشعارًا (^٢).\nوالاقتصارُ عليه لأنَّ الكفارَ ليْسوا أهْلًا للبِشارة المُطلَقة (^٣)، والبِشارةُ المعلَّقة على الإيمان تنقلبُ في حقِّهم إنذارًا؛ لأنَّهم مُصِرُّون على الكفر مصمِّمونَ. عليه، فيَنتظِم الإنذارُ هذا القسمَ من البِشارة في حقِّهم.\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ف\": (التعيين).\n(^٢) لم أجده في \"المحرر الوجيز\"، لكن عزاه إليه أيضًا السيوطي في حاشيته على \"تفسير البيضاوي\" المسماة \"نواهد الأبكار وشوارد الأفكار\" (١/ ٣٤٢)، والشهاب الخفاجي في حاشيته على \"تفسير البيضاوي\" المسماة \"عناية القاضي وكفاية الراضي\" (١/ ٢٧٢)، وقاله القرطبي في \"تفسيره\" (١/ ٢٨١) دون عزو لقائل.\n(^٣) في هامش \"م\": (فكأنه قيل: فما وجه الاقتصار على الإنذار؟ قال: لأن الكفار ليسوا أهلًا للبشارة المطلقة).","vol":"1","page":53},{"text":"<span id=\"aya-14\"> </span>﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مفسِّرةٌ لإجمال ما قبْلَها، فلا محلَّ لها من الإعراب، أو خبرُ (إنَّ)، وما قبلها اعتراضٌ.\nولا دلالةَ في الآية على وقوعِ التَّكليف بما لا يُطاق؛ لأنَّ الإخبارَ بوقوع الشَّيء أو عدمِهِ لا ينفي القدرةَ عليه، واستحالةُ الكذبِ على الله تعالى اللَّازمِ على تقدير وقوعِ ما أَخبر بعدم وقوعِه، إنَّما تدلُّ على عدم وقوعِ الملزومِ، لا على عدم كونِه مَقْدورًا، فإنَّ استحالةَ اللازمِ لا تستلزمُ استحالةَ الملزومِ.\nوفائدةُ الإنذار بعدَ العِلم بأنَّه لا ينجَعُ: إلزامُ الحُجَّة، وحيازةُ (^١) الرسولِ ﵇ فضلَ الإبلاغِ، ولذلكَ حَكَم بالتَّسوية نظرًا إليهم دونَ إليه ﵇.\n* * *\n(٧) - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nولمَّا كان مظنَّةَ أن يُسألَ عن سبب الحُكم السَّابقِ لغَرابته استُؤنفُ الجوابُ عنه بقوله:\n﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ الختْمُ والطَّبعُ: الأثرُ الحاصلُ عن نقشٍ، ويُتجوَّز بهِ عن الاستيثاق عن الشَّيء والمنعِ منه، نظرًا إلى ما يَحصلُ بالختْم على الكُتب والأبواب بالمنْع، وقد يقالُ ذلك وُيعنى به بلوغُ آخرِ الشَّيء نظرًا إلى أنَّه آخرُ فصلٍ في إحراز الشَّيء، ومنه: ختمتُ القرآن.\nولم يُرِدْ به هنا الختمَ في بَدْءِ الفِطرةِ ليكونَ التَّكليفُ ضائعًا، ويخالفَ ما رُوي عن النبيِّ ﵇ شائعًا مِن أنَّ: \"كلّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ\" (^٢)؛ أي: على\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (وصيانة)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":54},{"text":"الخِلقةِ القابلةِ للإسلامِ، ويُخرجَ النَّعيُ (^١) عليهم شناعةَ صفتهم مُخرجَ التَّشنيعِ على فاقد البصرِ بعَدَم الإبصارِ؛ بل أرادَ الخَتْم بعدما أعرَضوا عن الحقِّ وأصرُّوا على ذلكَ على ما وردَ في قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥].\nوأفصَحَ عنه ما رَوى ابنُ عُمرَ ﵁ مرفوعًا قال: \"الطَّابعُ (^٢) معلَّقٌ بقائمة العَرشِ، فإذا اشتكتِ الرَّحمُ، وعُملَ بالمعاصي، واجتُرئَ على اللهِ تعالى، بعثَ اللهُ الطابعَ فطبَعَ على قلبهِ فلا يعقِلُ بعدَ ذلكَ شيئًا\" (^٣).\nفالإسناد إليه تعالى مجازيٌّ، لكنَّ المسنَدَ على حقيْقَتهِ (^٤).\n﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أُريد بالقلب محلُّ القوَّة العاقلةِ مِن الفؤاد.\n﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ السَّمع: محلُّ القوَّةِ السَّامعةِ مِن الأُذنِ، وكانَ في الأصلِ مصْدرًا، ولذلكَ وُحِّدَ في مَواضع الأمنِ عن اللَّبسِ جَرْيًا على مُقتضى الأصلِ.\nوإعادةُ الجارِّ للدَّلالة على أنَّ الختْم على السَّمع بالاستقلال والأصالةِ لا تَبَعًا لختْم القلبِ؛ لأنَّ الختْمَ على السَّمع لا يتبعُ الختْمَ على القلب، بل الأمرُ على العكس، فإنَّ الختمَ على السَّمع يتبعُهُ الختْمُ على القلبِ في الجملة، ولذلكَ تركَ إعادةَ الجارِّ حيثُ قدَّمَ ختْمَ السَّمعِ على ختْم القلبِ في قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ [الجاثية: ٢٣].\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ف\": (النفي)، وفي \"م\": (للنعي)، والمثبت من \"د\" و\"ك\"، وهو الصواب.\n(^٢) في \"ف\" و\"م\": (الطابع فطبع)، وفي \"ح \" و\"ك\": (الطابع مطبع). والمثبت من \"د\" وهو الصواب.\n(^٣) رواه البزار في \"مسنده\" (٥٩٨١)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ١٣٩)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٢٨٦). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٦٩): فيه سليمان بن مسلم الخشاب، وهو ضعيف جدًّا.\n(^٤) في \"ح \" و\"ف\": \"المسند على رد حقيقة\"، ومثله في \"ك\" لكن بلفظ: (حقيقته).","vol":"1","page":55},{"text":"وأمَّا ذِكْره في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ فليسَ بإعادة؛ لأنَّه متعلِّقٌ بما بعدَه، فإنَّ الأبصارَ داخلةٌ في حُكمِ التَّغشيةِ دونَ الختْم بخلافِ الأسماعِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣] وللوفاقِ على الوقف على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ دونَ ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، ولأنَّ التَّغشيةَ ليستْ بمانعةٍ للسامعةِ عن الإدراك بخلاف الباصِرةِ.\n﴿غِشَاوَةً﴾ رفعٌ على الابتداء، وتقديمُ الخبرِ للاهتمامِ، فإنَّ المقصودَ بالإخبارِ كونُها على الأبصارِ، والعدولُ إلى الاسميَّةِ لإفادةِ الدَّوامِ والثبوتِ تقويةً لحُكم التَّغشيةِ، وجبْرًا لِنُقصانهِ عن حُكم الختْمِ.\nوقُرئ بالنَّصب (^١) عَطفًا على المختوم من باب الاستغناءِ بأحدِ (^٢) الفِعلينِ عن الآخرِ، فإنَّ العربَ إذا اجتمعَ فعلانِ متقاربانِ في المعنى، ولكلِّ واحدٍ متعلَّقٌ على حِدَةٍ، جوَّزتْ ذِكْرَ أحدِهما وعطفَ متعلَّقِ الآخرِ المتروكِ على المذكور؛ كقوله:\nمتقلِّدًا سيْفًا ورُمحًا (^٣)\nوالمصيرُ إلى تقدير فعل أو الحذفِ والإيصالِ في مثل هذا مِن ضِيْق العَطَن.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢).\n(^٢) في \"ح \" و\"ف\": (استغناء أحد).\n(^٣) أي: وحاملا رمحًا. وهذا عجز بيت كثير الدوران في كتب التفسير والنحو للاستدلال على هذه المسألة، وقائله عبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (٢/ ٦٨)، و\"الخصائص\" لابن جني (٢/ ٤٣١)، وغيرها، وصدره:\nيا ليت زوجك قد غدا","vol":"1","page":56},{"text":"ولو لا الوفاقُ على الوقف على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ لجازَ أنْ يكون (غشاوةً) اسمًا وُضِعَ موضعَ مصدرٍ من معنى ﴿خَتَمَ﴾ (^١)؛ لأنَّ معنى (خَتَم): غشَّى وسَتَر، كأنه قيل: تغشيَةً، على سبيل التأكيدِ، وتكونُ قلوبُهم وسمعُهم وأبصارُهم مختومًا عليها مغشَّاةً.\nولمَّا كان الختْم والتّغشيةُ مسبَّبًا ممَّا (^٢) اقترَفوه، ناسبَ تعقيْبَهُ بوعيدٍ وبيانٍ لِمَا يستحقُّونه، لا على وجْهِ التقْريعِ كيْلا يُتوهَّمَ أنَّ ما سبَق من الختْم والتَّغشيةِ سببٌ لذلكَ فقيلَ:\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ اللَّامُ الجارَّةُ إذا اتَّصلتْ بالضمير غيرِ الياءِ بُنيتْ على النَّصب، والعذابُ: كلُّ ما يمنعُ من المطلوب، يُقال (^٣): عَذِبَ الرجلُ وعَذَبَ: لم يأكل غيرَ صائمٍ.\nوالعِظَمُ: شِدَّةُ القوَّةِ، ومنه العَظْم، أو الزائدُ القَدْرِ، وذلك في الدنيا الإسَار، وفي العُقبى النَّارُ.\nوالمعنى: أنَّ تلكَ الطائفةَ مخصوصةٌ من بينِ الطَّوائف بنوع من العذاب، على أنَّ التَّنوينَ للتنويع كما في (غِشاوة)؛ أي: نوعٌ من العذاب لا يتعارَفُه النَّاسُ، وفائدتُه التَّهويلُ، وتوصيْفُه بالعظيم تأكيدٌ له، وترْكهُ في الغِشاوة تنْبيهًا على الفرق بين مَقامي التَّهويل، فإنَّ الأوَّلَ في أحوال الدُّنيا، والثاني في أحوال الآخرة، وكم بيْنَ الحالين وما فيهِما مِن الهَولَينِ.\n_________\n(^١) في \"ك\": (الختم).\n(^٢) في \"ح \": (سببا مما)، وفي \"م\": (سببا فيما).\n(^٣) في \"م\" و\"ك\": (ويقال).","vol":"1","page":57},{"text":"<span id=\"aya-15\"> </span>(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nثُمَّ بعدَ ذِكْرِ المؤمنينَ وأحوالِهم، والكافرينَ وأفعالِهم، ذَكَر المنافقينَ وأقوالَهم وأعمالَهم وخصالَهم بقوله:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (الناس) أصله: أُناسٌ جمعُ: إنسان، ولذلكَ لا يُستعمل إلَّا في معنى جماعةٍ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠]، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]، فحُذفت الهمزةُ وعُوِّض عنها حرفُ التَّعريفِ، وهي هنا للعهد.\nو(مَن) في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ موصولةٌ، والقولُ عبارةٌ عن جملةِ ما يتكلَّم به المتكلِّمُ على وجه الحكايةِ، وَحَّدَ (يقول) نظرًا إلى لفظ: (مَن)، وجَمعَ (مَن) نظرًا إلى معناها؛ اعتُبرت جهةُ وحدتِه عند ذِكْر مقالِهم، وجهةُ تعدُّده عند بيانِ أحوالِهم، إشارةً إلى أنَّهم وإنْ كانوا متفرِّقينَ على عقائدَ شتَّى في الكُفر الباطنِ، لكنَّهم مجتمعون على كلمة واحدةٍ في إظهار النِّفاقِ.\nخَصَّ هذا الصنفَ مِن بينِ الأصناف بمبالَغات وتشديداتٍ، وأبرزَ نظْمَ قصَّتِهم إبرازًا غريبًا حيثُ قدَّم الخبرَ على المبتدأ، وأبهَمهُ غايةَ الإبهام، ووصفَه بصفاتٍ عجيبةٍ؛ ليتشوَّقَ السَّامعُ إلى ذِكْر ما بعدَه مِن قبائِحهم، ونكَّرهم نعْيًا عليهم وتعجيبًا من شأنهم، يعني: انظُروا إلى هؤلاء الخَبَثةِ وقبيحِ ما ارتكبوه، كيفَ اختصُّوا مِن بينِ سائرِ النَّاس بِما لم يرضَ العاقلُ أنْ يَنْتسبَ (^١) إليه.\nولمَّا كانت فائدةُ الإخبارِ بكونهِم مِن بعض النَّاسِ استعظامَ أنْ يكونَ من جنسهِ مَن اختصَّ بمثلِ هذه الصفاتِ، فإنَّها تُنافي الإنسانيةَ بحيثُ كان ينبغي أنْ لا\n_________\n(^١) في \"ك \"و\"م\": (ينسب).","vol":"1","page":58},{"text":"يُعدَّ المتَّصفُ بها من جنس الإنسِ، ناسَب تصديرَ الكلامِ به (^١) وإنْ كان حقُّه التأخيرَ، وهذا النَّوعُ من الاعتبار اللطيف مدارهُ على دلالةٍ رائعةٍ خطابيةٍ لا يعتبرُها البليغُ إلا بمعونة المقامِ واقتضاءِ الحالِ، فلا يُطالَبُ بالاطِّراد.\nوهذا الصنفُ أبغضُ الكفرةِ إلى الله تعالى، وأمقتُهم عنده؛ لاستعدادِهم الاهتداءَ وإمكانِ قَبولِهم لذلكَ لعدم انطفاءِ نور الفِطرةِ فيهم، مع بقائهم على الكفر، وخَلْطِهم بالكفر تمويهًا وتلبيسًا واستهزاءً وخداعًا.\nوقصَّتُهم عن آخرها معطوفة على قصَّة المصرِّينَ، والاقتصارُ في وصفه الكفارَ الصِّرفَ المطبوعَ على قلوبهم على آيتين، والإطنابُ في وصْف المنافقين في ثلاثةَ عشرَ آيةً؛ للإضراب عن أولئكَ صفْحًا؛ إذ لا ينجعُ فيهم الكلامُ، ولا يُجدي لهم الخطابُ، وأمَّا المنافقونَ فقدْ يَنجعُ فيهم التَّوبيخُ والتَّعييرُ، وعسى أنْ يرتدِعوا بالتَّشنيع عليهم وتفظيعِ شأنِهم وسيرتِهم، وتهجينِ عادتِهم، وخُبْثِ نيَّتهم وسريرتِهم، وينتبهوا (^٢) بتَقبيْح صورةِ حالِهم، وتفضيحِهم بالتَّمثيل بهم وبطريقتِهم، فتلينُ قلوبُهم، وتنقادُ نفوسُهم، وتتزكَّى (^٣) بواطنُهم، وتضمحلُّ رذائلُهم، فيرجعون عمَّا هم عليه، وَيصيرونَ من المستثنَينَ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦] (^٤).\n_________\n(^١) \"به\" ليست في \"ك\" و\"ف\".\n(^٢) في هامش \"م\": (وتنبيههم).\n(^٣) في \"خ\"و\"ك\": (بتزكي).\n(^٤) هذا التعليل للاقتصار والإطناب في وصف كل من الكافرين والمنافقين فيه نظر، فالمنافق كما يظهر من استقراء السيرة والواقع ليس أقل بعدًا عن الإيمان من الكافر، وإنما كان الإطناب - والله أعلم - في وصف المنافقين للتعريف بهم وبخطرهم العظيم على المجتمع المسلم؛ لمحاولتهم إخفاء=","vol":"1","page":59},{"text":"﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر﴾، أي: يومِ البعثِ، وتوصيفُه بالآخِرِ لتأخُّره عن الدُّنيا، والمرادُ: صدَّقنا بالمبدأ والمعادِ، وفيه إحاطةُ الإيمان بقُطريه، وفي تكرير الجارِّ ادعاءُ التعريفِ بكلٍّ منهما على الأصالة.\nوما قيلَ: فيه إيذان بأنَّهم منافقون فيما يظنُّونَ أنَّهم مخلصونَ فيه، فكيفَ بما يقصدونَ به النفاقَ، فإنَّ القومَ كانوا يهودًا، وكانوا يؤمنون بالله واليوم الآخرِ إيمانًا كلا إيمانٍ، لاعتقادهِم التَّشبيهَ واتخاذَ الولدِ، وأنَّ الجَنَّة لا يدخلُها غيرُهم، وأنَّ النّارَ لم تمسَّهم إلّا أيامًا معدودةً وغيرَها، ويرونَ المؤمنينَ أنَّهم آمنوا مثْلَ إيمانِهم (^١) = مبناهُ على أنْ يكونَ التصرُّفُ بتخصيصها بالذِّكر في الحكاية دونَ المحكيِّ، وذلك خلافُ الظَّاهرِ.\nثُمَّ إنَّ تَمْشيةَ ما ذُكَر على تقديرِ أنْ لا يكونَ مرادُهم من الإيمان بالله وباليوم الآخرِ التصديقَ بجميع ما لا بدَّ منه في دين الإسلامِ، والظاهرُ خلافه على ما مرَّ الإشارةُ إليه.\nثمَّ إنَّ بيانَه بقوله: فإنَّ القومَ كانوا ..، إنَّما يُفيد أنَّهم مخطئونَ فيما يعتقدونَ أنَّهم مصيْبون فيه، لا أنَّهم منافقونَ فيما يظنُّونَ أنَّهم مُخلِصونَ فيه؛ لأنَّ الخطأَ لا يستلزمُ النِّفاقَ، وذلك ظاهرٌ؛ بل نقولُ: شرْطُ النِّفاق الكتمُ، وهم لا يكتمونَ ذلكَ.\n﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (ما) نائبةٌ عن (ليس)، ولهذا أُعقبتْ بالباء، والضميرُ للمعهودِينَ، والمعنى: نفيُ ما انتَحلوا إثباتَه، ولأجل التَّأكيدِ والمبالغة في نفْي إيمانِهم\n_________\n= حقيقتهم، وتسترهم بستار الدين، فكان لا بد من التوسع في التعريف بهم، بينما الكفار معروفون مكشوفون، بل كثيرًا ما تجد الكافر بعيدًا عن سمة النفاق، واضحًا في إظهار حقيقته، والله أعلم.\n(^١) القائل البيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ٤٤).","vol":"1","page":60},{"text":"جاءت الجملةُ المنفيَّةُ اسميةً مصدَّرة بـ (هم)، وسُلِّط (^١) النَّفي على اسم الفاعلِ الذي ليس مُقيَّدًا بزمانٍ ليشملَ (^٢) النَّفيُ جميعَ الأزمان، ويُجرَّد الكلام للدَّلالة على ما سيقَ له، ولم يُؤت بشيءٍ زائدٍ عليه إلَّا ما يشدُّ من عضُدِه كحرف الباء لتأكيد النَّفي.\nوإطلاقُ الإيمان في سياق النَّفي - وكان مقيَّدًا في الإثبات - لأنَّه غيرُ منجَّزٍ، فمَن أخلَّ ببعضِ ما لا بدَّ منه ليس بمؤمنٍ أصلًا، لا أنَّه مؤمنٌ ببعضٍ دونَ آخر.\nوالآيةُ الكريمةُ لا تنهضُ حُجَّة على الكرَّاميَّة، لا لأنَّهم (^٣) يشترطونَ في كون الشَّهادتينِ إيمانًا عدمَ مخالفة القلبِ اللسانَ، أعمَّ من أنْ يكونَ موافقًا له أو فارغًا عنهما؛ لأنَّ احتجاجَهم بأنَّه تواترَ أنَّ الرسول ﵇ والصحابةَ والتَّابعين - رضوانُ الله تعالى عليهم أجمعينَ - كانوا يَقنَعون بالكلمتين ممَّن أتى بهما، ولا يَستَفسرونَ عن علمه وتصديقه القلبيِّ وعملِه، فيَحكمون بإيمانه بمجرَّد الكلِمتينِ، فعلمنا أنَّه الإيمان بلا عِلم وعملٍ، صريحٌ (^٤) في عدم الاشتراط بالقيد المذكور، بل لأنَّ كلامَهم - على ما دلَّ سياقُ احتجاجِهم - في الإيمان الشَّرعيِّ المعتبرِ عندنا في إجراء أحكامِ الإسلام في الدُّنيا، لا الإيمانِ الحقيقي المعتبر عند الله تعالى المُنْجي عن (^٥) الخلود في النَّار، فلا يندفعُ قولُهم بالإجماع على أنَّ المنافقَ كافرٌ، ولا بالإجماع على أنَّ مَن هَمَّ بالشَّهادتينِ فمنَع مانعٌ من خرَسٍ أو خوفٍ مؤمنٌ.\n_________\n(^١) في \"ح \" و\" ف\" و\"ك\" و\"م\": (وسلطوا)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (يشمل)، والمثبت من \"د\". وكلمة (النفي) بعدها ليست في \"ح \".\n(^٣) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (لأنهم) بإسقاط (لا)، والمثبت من \"د\"، وهو الصواب.\n(^٤) قوله: (صريح) خبر (أنَّ) في قوله: (لأنَّ احتجاجَهم …).\n(^٥) في \"ف\": (من).","vol":"1","page":61},{"text":"<span id=\"aya-16\"> </span>(٩) - ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ يعني: رسولَه، فالتجوُّزُ في الإسناد تفخيمًا لشأنه ﵇، وتنبيهًا على أنَّ المعاملةَ معه فيما يتعلَّق بالرِّسالة معامَلةٌ مع المرسِل في الحقيقة، وكونُهم من أهل الكتابِ العارفينَ بأنَّه تعالى لا ينخدعُ، فلا يُناسبهم قصدُ خداعهِ، وإنَّما يُناسبهم قصدُ خداعِ الرَّسولِ؛ لأنَّهم يُنكرون نبوَّته، كفى قرينةً (^١) للمجاز.\nوالمعنى: يعملون له عملَ المخادعِ.\nوالخِداعُ: إظهارُ ما يخالفُ (^٢) الإضمارَ، ويرادُ به التغريرُ، ومنه: الأخْدَعانِ؛ لاستتارِهما تارةً وظهورِهما أُخرى، وأنَّه مفاعلةٌ من واحد نحو: طارقتُ النَّعلَ، وعاقبتُ اللِّصَّ، وما في الصِّيغة من المبالغة للإفصاح عن بلوغهم الغايةَ في وجهَي النِّفاقِ؛ لأنَّه بيانٌ لـ (يقولُ) تابعٌ لصلة (مَن).\nأو لا محلَّ له من الإعراب في موضع الاستئنافِ بذِكْر ما هو الغرَضُ منه، كأنَّه سئلُ عن أصل دعواهُم، وعن كيفية مبالغتِهم فيه المُنْفهمةِ من ذِكر الإيمان بقُطريه وتكرير الباءِ، فأُجيبَ عنهما معًا: عن الأصْل بالأصلِ، وعن الوصْف بالوصف.\nوعلى تقديرِ اعتبارِ الخداع من الجانبينِ يزيدُ البيانُ على قَدْر الحاجةِ، وُيفصَل الكلامُ عن مُقتضى المقامِ.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ يجوزُ أنْ يكونَ ذِكرُ اللهِ تعالى توطئةً، والمرادُ مخادعةُ المؤمنين، مِن قولهم: أعجبَني زيدٌ وكرمُه، وفائدةُ هذه الطريقةِ بيانُ قوة اختصاصِهم، وكونِهم من اللهِ تعالى بمكانٍ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧].\n_________\n(^١) في \"ح \": (يكفي قرينته)، وفي \"ف\" و\"ك\" و\"م\": (كفى قرينته)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\": (يخاف).","vol":"1","page":62},{"text":"﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ نفْسُ الشَّيءِ: ذاتُه، وهي من النَّفاسة.\nيقال: خادَعَ إذا لم يبلغْ مرادَه، وخدَعَ: إذا بلَغ مرادَه، فلمَّا لم يَنفُذْ خداعُهم فيما قصدوا كان مخادعةً، ولمَّا وقعَ (^١) ضررُ فعلِهم على أنفُسِهم كان في حقِّ أنفُسهم خَدْعًا (^٢)؛ أي: لم يرجعْ وبالُ خداعِهم إلَّا إليهِم؛ لأنَّهم لمَّا سلَكوا مسْلَكَ الخِداع نزلوا بقدَمِ النِّفاقِ الدَّرْكَ الأسفلَ مِن النَّار (^٣)، فكانتْ مفسدةُ خداعِهم راجعةً إلى أنفُسِهم.\nوالواو عاطفةُ الجملةِ على الجملة، وفي ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ واوُ الحال، أو بالعكس.\nوالشُّعور: هو الإدراكُ الحِسِّيِّ، ومشاعرُ الإنسان: حواسُّه الظاهرةُ والباطنة؛ أي: ما يُحِسُّون أنَّ ضررَ الخِداع لا يلحقُ إلَّا بهِم؛ لِتمادِي غفلتِهم، فإنَّه منْ شِدَّة ظهورِه كالمحسوس المشاهَدِ، فكأنَّه لا حِسَّ لهم أصلًا.\nوليس نفْيُ الشُّعورِ هنا كنَفيهِ في قوله تعالى: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨]؛ لأنَّه لبيانِ العُذر (^٤) من جهتِهم، وهذا لتعظيم الأمرِ على المنافقينَ، وأنَّهم مع جهلهِم يجهلون جهلَهم؛ كما قال:\nجهلتَ ولم تعلمْ بأنَّكَ جاهلٌ … وذاكَ لَعَمري من تمَام الجهالةِ\n_________\n(^١) في \"ك\": (كان).\n(^٢) في \"م\": (خداعًا).\n(^٣) في هامش \"م\": (أي: لما قصد المنافقون أن يخدعوا بالسلوك مسلك الخداع وإن لم يصل المطلوب لعدم نفود خدعهم إلى الله ورسوله، نزلوا بقدم النفاق الدرك الأسفل من النار).\n(^٤) في \"ح \" و\"ك\": (بيان للعذر)، وفي \"ف\" و\"م\": (بيان العذر).","vol":"1","page":63},{"text":"<span id=\"aya-17\"> </span>(١٠) - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ آثَر حرفَ الظَّرفِ على أداة الملابَسةِ؛ ليدلَّ على الاستقرار (^١) والرُّسوخ.\n﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: تردُّدٌ واضطرابٌ، استُعيرَ المرضُ للعَرَض النَّفسانيِّ، وتنكيرُه للتنويع؛ أي: نوعُ مرضٍ ليس ما يتعارفُه النَّاسُ، شبَّههم بمرضَى لاضطرابهم في الدِّين؛ لأنَّهم كانوا يُظهرونَ الموافقةَ للمؤمنينَ بالقول، ويُضمِرونَ لهم الخلافَ بالقلب، فكان حالُهم كحالِ المريض إذ هو مشرِفٌ على الموت، ويُرجى الإقبالُ منه ثانيًا.\nوأمَّا سائرُ الكفَرةِ فإنَّهم لم يضطَرِبوا في الدِّين، بل أظهَروا بالقول ما أضمَروا بالقلب، فسمَّاهم اللهُ تعالى موتى، وسمَّى المؤمنينَ أحياءً؛ لأَنَّهم اطمَأنوا على الإيمان قولًا وعقيدةً.\n﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ بتكرير الوحي وازديادِ التَّكاليف، ولا تجوُّزَ في الإسناد كما تَوهَّم مَن لا يرى صدورَ القبيحِ عنه تعالى، ولا يدري أنَّ القبيحَ بالنسبةِ إلى الكاسبِ لا بالنِّسبة إلى الفاعل، وأصلُ الكلامِ: فزاد اللهُ مرضَهم.\nوإنَّما عدَل إلى ما في النَّظم لنكتة سَرِيةَّ، فلا دلالةَ في تنكير المرضِ الثاني على مغايرته للأوَّل حقيقةً، كيفَ وفي تصدير الكلامِ بالفاء دلالةٌ على تفريع الثاني على الأوَّل؟\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلِمٌ؛ نحو: سميعٍ وخَصيبٍ، بمعنى: مُسْمِعٍ ومُخْصِبٍ، ذَكَره الرَّاغب (^٢)، وُصفَ (^٣) به العذابُ للمبالغةِ.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\" و\" ك\": (الاستمرار).\n(^٢) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١٠٠).\n(^٣) في \"م\": (ووصف).","vol":"1","page":64},{"text":"وإنَّما وُصف عذابُ المختومِ على قلوبهم بالعِظَم؛ لأنَّهم حُرموا عن جدوى المشاعرِ، وحُجِبوا عن عالَم النُّور، وحُبِسوا في سجون الظُّلماتِ، فما أعظَم عذابَهم وإن لم يُحسُّوا بإيلامهم كعُضوِ الميِّت والمفلوجِ! وعذابُ المنافقينَ بشدَّة الإيلامِ؛ لأنَّ مشاعرَهم غيرُ مؤوفة (^١)؛ لعدَم انطفاءِ نورِ فطرتِهم، والألمُ بقدْر إدراكِ المؤلمِ، فلمنافاة نورِ استعدادِهم لِمَا رسخَ فيهم من الرذائل والملَكات الرَّديَّة والصِّفاتِ الظُّلمانيَّة يتألَّمون، وكان إدراكُهم لذلك أشدَّ إيلامًا، وعذابُهم أقوى وأنكى، وإنْ كان عذابُ الأوَّلينَ - لشدَّة حِجابِهم وغايةِ بُعدِهم من النُّور - أعظمَ؛ لعدَم منافاةِ ذواتِهم لصفاتهم، وضعفِ إدراكِهم لذلكَ، فلم يُحسُّوا بالألم بخلاف هؤلاء.\n﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ بسبب ثباتِهم واستمرارِهم على الكذب، وزيادةُ (كان) للثَّبات، وصيغةُ الفعل للاستمرار التَّجَدُّدِي.\nوفيه دلالةٌ على أنَّ العذابَ الأليمَ لاحقٌ بهم من أجْل كذبِهم الذي هو أدنى حالِهم في الكفر والنِّفاقِ، فكيفَ سائرُ الأحوال؟\nولا دلالةَ فيه على أنَّ الكذبَ - وهو الإخبار بالشَّيء على خلاف الواقعِ - يُستحَقُّ به العذابُ مطلقًا، كيفَ وقد صُرِّح في كتب الفقهِ أنَّ الكذبَ لإحياء الحقِّ مباحٌ؟\nقال الإمامُ الغزاليُّ: إذا اختفى مسلمٌ من ظالم وسألَ عنه وجبَ الكذبُ بإخفائه (^٢).\n_________\n(^١) المؤوفة بزنة معونة - بفتح فضم يليه واو ونون وهاء -: هي التي أصابها ما أفسدها وأبطل إحساسها. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (١/ ٢٨٢).\n(^٢) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٣/ ١٣٧)، و\"الأذكار\" (ص: ٣٠١)، وعنه نقل المؤلف.","vol":"1","page":65},{"text":"<span id=\"aya-18\"> </span>(١١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ عطفٌ على (يقولُ) فلا محلَّ له من الإعراب، ولا بأسَ بالتخلُّل بين أجزاء الصِّلة بالبيان والاستئنافِ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ، فالآياتُ على سَنن تعديد قبائحِهم وتوصيفِهم بالأوصاف المذكورة قصدًا واستقلالًا.\nويحتملُ أنْ تكونَ مستأنفةً؛ إذ هذه الجملةُ والجملتانِ بعدَها من تفاصيل الكذبِ ونتائجِ النِّفاقِ.\nألَا ترى قولَهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١]، وقولَهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، وقولَهم عند لقاءِ المؤمنينَ: ﴿آمَنَّا﴾ [البقرة: ٨] كذبٌ محضٌ، فناسَب جعْلُ ذلك جُملًا مستقلَّةً ذُكرتْ لإظهار كذبِهم ونفاقِهم.\nوالإفسادُ: جعْلُ الشَّيءِ فاسدًا خارجًا عمَّا ينبغي أنْ يكونَ عليه، وعن كونِه منتفَعًا به، وكان (^١) من إفسادِهم في الأرض (^٢) هَيْجُهم الحروبَ والفِتنَ؛ لمُخادعة المسلِمينَ، وممالأةِ الكفَّارِ عليهم، بإفشاءِ الأسرارِ إليهم.\nوالظَّاهرُ أنَّ القائلَ مَن شافَهَهُم من الرَّسول والصَّحابة، والثاني أقرب.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لمَّا كان نهيُهم عن الإفساد مُشعِرًا بأنَّ فيه إفسادًا نَفَوا ذلك عن أنفسِهم بادِّعاءِ أنَّهم مقصورونَ على الاصلاحِ من غير شائبةِ إفسادٍ، وآثروا (إنَّما) دلالةً على أنَّ ذلكَ الدعوى ظاهرٌ بيِّنٌ لا ينبغي أنْ يُشكَّ فيه.\n_________\n(^١) في \"ح \"و\"م\": (فكان).\n(^٢) (في الأرض) ليست في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\".","vol":"1","page":66},{"text":"وفيه تنبيهٌ على أنَّهم يتصورونَ إفسادَهم بصورة الإصلاحِ لِمَا في قلوبِهم من المرض؛ كما قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فردَّ الله تعالى ذلكَ بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-19\"> </span>(١٢) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ قصْرُ قلبٍ؛ أي: هم مقصورون على الإفساد لا ينتظِمونَ في جملة المصلِحينَ أصلًا، مع المبالغةِ على أبلغ الوجوهِ وآكدِها؛ من الاستئنافِ المقصودِ به تمكُّنُ الحكمِ في ذهن السَّامعِ فضْلَ تمكُّنٍ؛ لحصوله بعد التشويقِ الحاصلِ من ذِكْر ادِّعائِهم الإصلاحَ على وجهٍ أبلغَ مع توغُّلهم في الإفساد، فإنَّه يُشوِّق السامعَ أنْ يعرفَ (^١) ما حَكَم اللهُ عليهم، والشَّيءُ إذا وُجِد بعد الطَّلبِ يكونُ أعزَّ ممَّا فوجِئَ (^٢) به من غيرِ النَّصَب.\nوتصديرِ (^٣) الجملةِ بـ (ألَا) و(إنَّ) للتنبيهِ والتَّحقيقِ، وذلكَ أنَّ (ألَا) مركَّبةٌ مِن همزةِ الاستفهامِ وحرفِ النَّفي لإعطاء معْنَى التنْبيهِ على تحقّقِ ما بعدها، والاستفهامُ إذا دخلَ النَّفيَ أفاد التَّقريرَ والتَّحقيقَ؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر﴾ [القيامة:٤٠]، وتكونُ همزة الاستفهام بهذه المثابةِ من التَّحقيق تُتَلقَّى بما يُتلقَّى به القسَمُ، وأختُها (^٤)\n_________\n(^١) في \"ح \" و\"ك\" و\"م\": (يصدق)، وفي \"ف\": (يقصد)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"م\": (جيء).\n(^٣) قوله: (وتصديرِ …) معطوف على كلمة (الاستئناف) في قوله: (من الاستئناف المقصود به …). وانظر ما سيأتي بعد تعليق.\n(^٤) أي: أخت (ألا).","vol":"1","page":67},{"text":"التي هي (أمَا) من مقدِّمات القسَمِ وطلائعهِ، وتوسيطِ (هم)، وتعريفِ الخَبرِ، والاستدراكِ (^١) بقوله:\n﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون﴾ وهذا أَولى من نفي العِلم مُطْلقًا، المستلزمِ لنفْيِ العِلم الخاصِّ؛ لأنَّ مَن لا يشعرُ بالضَّروريات لا سيَّما المحسوساتُ منها أَولى أنْ لا يعلمَ غيرَها، وهذا من هذا الوجه؛ لأنَّه نفيٌ مع دليلٍ، ولأنَّه يُنادي عليهم بانحطاطِ رُتبتهم عن رُتبة البهائمِ، ويُؤذِن بأنَّ معلومَه من أجلِّ المعلوماتِ، ولا كذلك: لا يعلمون، وهذا الأخير هو الأصل والباقي مؤيِّد.\n\n<span id=\"aya-20\"> </span>(١٣) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا﴾ نُهوا عن الإفساد ثُمَّ أُمروا بالسُّلوك إلى (^٢) سبيل الرَّشادِ، وبدأ بالمنهيِّ عنه لأنَّه الأهمُّ وهو ترْكٌ، والتركُ أسهلُ عن إتيان المأمورِ به، فكان في ذلكَ تدريجٌ لهم.\n﴿كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ (كما آمن) في محلِّ النَّصبِ على المصدرَّيةِ، وهو في الحقيقة\n_________\n(^١) قوله: (وتوسيط … وتعريف … والاستدراك) كلها مجرورة بالعطف على (الاستئناف)، كما تقدم في قوله: (وتصديرِ …)، ومعنى الكلام: أي: مع المبالغة على أبلغ الوجوه: بالاستئناف المقصود به تمكين الحكم في ذهن السامع، وبالتأكيد بحرفي التنبيه والتحقيق المقصود بهما تنبيه السامع للحكم، وتقرره عنده بحيث لا مجال فيه للريبة، وبتعريف الخبر المفيد للحصر، وبتوسط ضمير الفصل المؤكد لذلك، وبقوله (ولكن لا يشعرون) الدال على أن كونهم مفسدين مما ظهر ظهور المحسوس، لكن لا إحساس لهم ليدركوه.\n(^٢) في \"م\" و\"ك\": (في).","vol":"1","page":68},{"text":"صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا مثلَ إيمانِ النَّاسِ، واللَّامُ في (النَّاس) للجنْس، إمَّا لأنَّهم الكاملون في الإنسانيَّةِ من بابِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، وإمَّا لأنَّ غيرَهم ليس بناسٍ حقيقةً؛ لقُصُورهم وانحطاطِهم عن رُتبةِ الإنسانيَّةِ، بل رتبةِ البهيميَّةِ، وفي الأول نظرٌ إلى كمال المؤمنينَ، وفي الثاني إلى قُصور غيرِهم على نحو:\nإِذِ النَّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زمانُ (^١)\nوهذا أبلغُ في هذا المقامِ، ولا دلالةَ فيه على قَبول توبةِ الزِّنديقِ؛ لأنَّ النِّفاق غيرُ الزَّنْدقةِ، كيفَ ويُقتلُ الزِّنديقُ دونَ المنافقِ؟ ولم يقلْ أحدٌ: إنَّ في عدمِ قتْله ﵇ المنافقَ (^٢) دلالةٌ على عدم قتْلِ الزِّنديق.\nثُمَّ إنَّ دلالةَ التقييدِ على أنَّ في أفراد الإيمانِ تفاوتًا بالكمال والنُّقصانِ، لا على أنَّ الإقرارَ باللِّسان وحدَه إيمانٌ.\n﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ الاستفهامُ للإنكارِ.\n﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ لمَّا كان المأمورُ به مشبَّهًا آتَوا بإنكارهم مشبَّهًا (^٣)، واللَّامُ للعهد والإشارةِ إلى الناس، والسَّفهُ: خِفَّةٌ في البَدَنِ أو في المقال يقْتَضِيْها نقصانُ العقلِ، والحِلْم: رَزانةٌ في البَدنِ يقتَضيْها وفورُ العقلِ.\nنَصحُوهم بأمرين (^٤): تقبيحِ ما هُم (^٥) فيه لأدائهِ إلى الفساد والفِتنةِ، وتبصيرِهِم\n_________\n(^١) عجز بيت كما في \"يتيمة الدهر\" للثعالبي (٤/ ٣١١)، وصدره:\nبلاد بها كنا وكنا نحبها (٢)\n(^٢) في \"ح \" و\"ك\" و\"م\": (عدم قتله دم المنافق)، وفي \"ف\": (عدم قتل المنافق)، والمثبت من \"د\".\n(^٣) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (شبيهًا أتوا بإنكارهم شبيهًا)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\": (يصحون بأمر من)، والمثبت من \"د\" و\"م\".\n(^٥) في \"م\" و\"ك\": (حالهم).","vol":"1","page":69},{"text":"طريقَ الهدى والصَّلاحِ، فما كان جوابُهم إلَّا أنْ سفَّهوهم وادَّعوا الصلاح فيما كانوا عليهِ بجهلِهم المركَّبِ، وتماديْهِم في غيِّهم، وإفراطِهم في السَّفه، واعتقادِهم أنَّ ما هم عليه هو الحقُّ، وأنَّ ما عليه المؤمنون هو الباطلُ، فكانوا عندَهم سفهاءَ.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ردٌّ على وجه المبالغةِ في تجهيْلِهم، فإنَّ الجاهلَ الجازمَ على خلافِ ما هو الواقعُ أتمُّ جهالةً وأعظمُ ضلالةً من المتوقِّف المعترِفِ بجهلِه، فإنَّه ربَّما يُعذرُ (^١) وتنفعُه الآياتُ والنُّذرُ.\nوالتفصيلُ بـ (لا يعلمون) (^٢)؛ لأنَّ تسفيْهَهم العلماءَ الأعلامَ لا يكونُ إلا لغاية السَّفهِ والجهل المركَّبِ، ومعرفةُ الحقِّ والإيمانُ به، وكونُ المؤمنينَ على الحقِّ، وكونُهم على الباطل، أمرٌ نظريٌّ لا يتعلق بالحسِّ، بخلافِ الفسادِ في الأرض، ولأنَّ ذِكْرَ العِلم مع السَّفهِ - وهو جهْلٌ - أحسنُ طباقًا.\n\n<span id=\"aya-21\"> </span>(١٤) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تقول: لَقيْتُه ولاقَيْتُه: إذا استقبَلْتَه قريبًا منه، بيانٌ لمعاملَتِهم مع المؤمنينَ والكفارِ، وما سبَقَ سيْقَ لبيانِ مذهبِهم وتمهيدِ نفاقِهم، فلا تكرير، على أنَّ المعنى: من النَّاس مَن يتفوَّه (^٣) بالإيمان نِفاقًا للخداع، وذلكَ\n_________\n(^١) في \"ح \" \"ف\" و\"ك\": \"يفيد\"، وفي \"م\": (يعتذر)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في هامش \"م\": (أي: تفصيل هذه الآية بـ (إلا يعلمون)، والآية السابقة بـ (لا يشعرون). منه.) وتحته: (التفصيل من الفاصلة كالتقفية من القافية. منه).\n(^٣) في \"ح \" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": \"ينفق\"، وفي \"د\": (يتفق). والمثبت من \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (١/ ٣٣٨)، و\"روح المعاني\" (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":70},{"text":"عندَ لقاءِ المؤمنينَ، وفيهِ زيادةُ بيان أنَّهم ضَمُّوا إلى الخداع الاستهزاءَ، ولا يتفوَّهون بالكلمة إلَّا عند الحاجةِ.\n﴿قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا﴾ تقول: خلَوْتُ به وإليه: إذا انفَرَدْتُ معه.\n﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ الشيطان: فيْعالٌ مِن شَطَنَ: إذا بَعُدَ؛ لِبُعدِه عن الحقِّ، أو فَعْلانُ من شاطَ: إذا بطَل، ومن أسمائه: الباطلُ.\nوقال الرَّاغبُ: مِن شاطَ: إذا احترقَ غضَبًا (^١).\nوالمراد: متَمرِّدوهُم وشُطَّارُهُم.\n﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ خاطَبوا المؤمنينَ بالجملة الفعليَّةِ ادِّعاءً لإحداث الإيمانِ، إذ لا يَروجُ عنهم دعوى التَّحقيقِ (^٢)، أو (^٣) لا تساعدهم أنفسُهم على ذلك، إذْ ليسَ لهم صِدْقُ رغبةٍ ولا قوَّةُ داعٍ. وشياطينَهم بالاسميَّة مع التأكيدِ؛ لوجود الأمرينِ، ونفْيِ الشكِّ والتردُّدِ عنهم في كذب قولهم: (آمنَّا)، واستمرارِهم على دينهم وموافقتِهم.\nولكَ أنْ تقولَ: إنَّ مقتضَى المقامِ في الأوَّل تجريدُ الكلامِ عن جنْس المؤكِّد؛ لأنَّ التأكيدَ والتقويةَ فيه لا يخلو عن تذكيرٍ لنفاقهم، من حيثُ باعتبارِ أنَّ فيه دلالةً على إنكار المخاطَبِ وسوءِ ظنِّه، وهمْ في صدد التجنُّبِ فيه، والاحترازِ عن مظانِّه.\nومقتضَى المقامِ في الثاني تحليةٌ به؛ لأنَّ إظهارَهم الإيمانَ وموافقتَهم المسلمينَ في ظاهر الأحكامِ كان مظنّةً لإنكارِ المخاطَبينَ ثباتَهم على اليهوديَّةِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١٠٣).\n(^٢) أي: لا يتوقعون رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار مع ما هم عليه من الرزانة والذكاء. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٧)، و\"روح المعاني\" (١/ ٤٤٦).\n(^٣) في \"ف\": (إذ)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر المصدرين السابقين.\n(^٤) (على اليهودية) ليست في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\".","vol":"1","page":71},{"text":"﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ الهُزءُ: السُّخرية من شيء يحقُّ عند صاحبهِ ولا يحقُّ عندَ الهازئِ.\nاستئنافٌ، كأنَّهم اعترَضوا عليهم حين قالوا: (إنَّا معكم)، فقالوا: فما بالُكُمْ توافقونَ؟ فقالوا: (إنَّما نحنُ مستَهزئونَ).\nويجوز أنْ يكونَ تأكيدًا لقوله: (إنا معكم)؛ لأنَّه لمَّا كان معنى قوله: (إنَّا معكم) هو: إنَّا معكم قُلوبًا، وتوهَّم أصحابُ محمدٍ الإيمانَ، وقَع قولهُ: (إنما نحن مستهزئون) مقرِّرًا له؛ لأنَّ الاستخفافَ بالشَّيء إنكارٌ له، ودفع للاعتداد به، ودفعُ نقيضِ الشَّيء تأكيدٌ لثُبوته.\nأو أنْ يكونَ بدلًا؛ لأنَّ مَن حقَّر الإسلامَ فقدْ عظَّم الكفرَ.\nوالأولُ أوجهُ؛ لزيادة الفائدةِ، وكونِ المحرِّكِ للسؤال - أعني قوله: (إنا معكم) - في غاية الظُّهورِ.\n\n<span id=\"aya-22\"> </span>(١٥) - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ يقال: هَزِئْتُ واستَهْزَأتُ، نحو: أجَبْتُ واستَجَبْتُ، والصحيحُ أنَّ الاستهزاءَ: ارتيادُ الهُزءِ، وإنْ كان قد يُعبَّر به عنهُ، وكذا الاستجابةُ في الأصل معناها مخالفٌ للإجابةِ، وإنْ كان قدْ يجري مجراها، كذا قال الراغب (^١).\nلمَّا ذَكرَ استِهزاءَهم بالمؤمنينَ استأنفَ الكلام إظهارًا للسُّخط، وإنَّما قال: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ ليدلَّ على دوامِ تجدُّد الاستهزاءِ وقتًا فوَقتًا، وفي الجملة الاسميَّةِ والخبر\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":72},{"text":"الفعليِّ مع المعنى المذكورِ تقوِّي الإسنادِ؛ لتكرُّره والتخصيصِ؛ أي: هو الذي يتولَّى الاستهزاءَ بهم - خاصةً - الاستهزاءَ الأبلغَ الأقوى الذي يكونُ استهزاؤُهم بالنِّسبة إليه كلَا استهزاءٍ، ولا يُحْوجُ المؤمنينَ إلى معارضتهم.\n﴿بِهِمْ﴾ ذُكِر هاهنا لعدم الدَّاعي إلى الحذف، بخلافِ ما تقدم، فإنَّ فيه باعثًا لَفظيًّا وهو المحافظةُ على الفاصلة، وداعيًا مَعنويًّا وهو تحرُّجُهم من إبلاع المؤمنينَ، وإبقاءُ اللفظِ محتمَلًا ليكونَ لهم مجالُ التَّوجيهِ عندَ الحاجةِ إليه، والمعنى: أنَّه تعالى عاملَهم في الدُّنيا على وَفقِ معامَلَتِهم، فإنَّهم أظهَروا الإيمانَ وفي باطنهم النِّفاقُ، واللهُ تعالى أظهرَ لهم في الحال الأمانَ، وعاقبتُهم الإحراقُ (^١) بالنيران، وعلى هذا يكونُ الكلامُ المذكورُ من قَبيل الاستعارةِ التبعيَّةِ.\nوقيل: إنَّ معناه: يُجازيهِم في الآخرة جزاءَ استهزائهم، والعربُ تُسمِّي الجزاءَ باسم الابتداءِ، قال عمرو بن كلثومٍ:\nألَا لا يَجْهلَنَّ أحدٌ علَيْنا … فنَجْهَلَ فوقَ جهْلِ الجاهِليْنا (^٢)\nوفي القرآن العظيمِ (^٣): ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠]. وهذا توسُّعٌ مخصوصٌ غير المشاكلةِ.\nوقيل: إنَّه تعالى يجعلُ المؤمنينَ يطَّلعونَ على المنافقينَ من الجَنَّة، فيقولون لهم: أتُحبُّون أنْ تخرجوا من النَّار وتدخلونَ الجنَّةَ، فيقولون: نعَم، فيُفتح لهم بابٌ من النَّار، فيَقصِدون إليه فيُغلَق عليهم، ثمَّ يُفتحُ بابٌ آخرَ فتقصدُونه فيُغلَق،\n_________\n(^١) في \"ف\": (وعاقبهم بالإحراق)، وفي \"م\": (وعاقبهم الإحراق).\n(^٢) انظر: \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري (ص: ٤٢٦).\n(^٣) (العظيم): ليست في \"م\" و\"ك\".","vol":"1","page":73},{"text":"ولا يزالُ يُفعَل بهم كذلكَ والمؤمنونَ يضحكونَ منهم، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]. إلى أنْ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] (^١). وعلى هذا يكون التجوُّزُ في إسناد الاستهزاءِ إلى الله تعالى.\n﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ مِن مَدَّ الجيشَ وأَمدَّهُ: إذا زادَه وأَلحقَ به ما يقوِّيهِ ويُكثِّرُه، لا مِن المدِّ في العُمُر فإنَّه يُعدَّى باللَّام كـ (أُمْلِي لهُم)، والحذفُ والإيصالُ خلافُ الأصلِ فلا يُصارُ إليه إلَّا بدليل، وهنا دليل على خلافه، وهو قراءةٍ: (ويُمِدُّهم) (^٢).\n﴿فِي طُغْيَانِهِم﴾ الطغيانُ بالضمِّ والكسْرِ: تجاوُزُ الشَّيء عن مكانه، والمرادُ: غلُوُّهم في الكفرِ وتجاوزُهم الحدَّ في العتوِّ، وإنَّما أُضيفَ إليهم (^٣) لأنَّه أُريد الطُّغيانُ الذي عُرفَ لهم، واشتُهِر بصُدوره عنهم، فلا دلالةَ في إضافته إليهِم على أنَّه فعلُهم.\n﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محلِّ النَّصبِ بالحال مِن مفعول (يَمُدُّهم) أو فاعلِ (طغيانِهم).\nالعَمَه في البَصيرة، والعَمى في البصر، وهو التحيُّر والتَّردُّد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤].\n_________\n(^١) رواه بنحوه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١٠١٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس.\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢)، وعزاها لابن محيصن. ومحل الشاهد أن (يمدهم) بضم الياء من المزيد لم يسمع في مد العمر. انظر: \"روح المعاني\" (١/ ٤٥١).\n(^٣) في \"ف\": (لهم).","vol":"1","page":74},{"text":"<span id=\"aya-23\"> </span>(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لاستحقاقهم الاستهزاءَ الأبلغ، والمدِّ في الطُّغيان، ويحتملُ (^١) أنْ تُجعلَ مقرِّرةً لقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nواستُعيرت (^٢) الضَّلالةُ - وهو الجورُ عن القصد - للذَّهاب عن الحقِّ والصوابِ في الدِّين، والهدى - وقد مرَّ بيانُ معناه - للنُّور الفِطريِّ والدِّينِ القيِّم الأصليِّ، والاشتراءُ - وهو إعطاءُ بدلٍ وأخذُ آخرَ - للاستبدال؛ أي: اختاروا الضَّلالةَ واستبْدَلوها بالهُدى.\n﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ الرِّبحُ: الفَضلُ على رأس المالِ. والتَّجارةُ: تعاطي الأمتِعةِ بالبيْع والشِّراءِ للرِّبح، وعدمُ الرِّبحِ كِنايةٌ عن الخُسران، ويسْبتهُ إلى التِّجارة على التوسُّع الشائعِ.\nقال الرَّاغبُ: والرِّبحُ والخُسرانُ يُنسبانِ مرَّةً إلى صاحب السِّلعةِ، ومرةً إلى السِّلعة، ومرةً إلى الصَّفقة (^٣)؛ إذْ لا اشتباهَ فيه (^٤).\nوحُسْنُ تلكَ الكِنايةِ التي هي ترشيحٌ للاستعارةِ (^٥) المذكورة يظهرُ في وجه قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لطريق التِّجارةِ؛ فإنَّه كنايةٌ عن إضاعة الطَّلِبةِ الأصليَّةِ وهي سلامةُ رأسِ المال؛ لأنَّ مَن لم يهتدِ لطريق التِّجارةِ تكثرُ الآفاتُ في أمواله، ويعمُّ الحِرمانُ أكثرَ أحوالهِ.\n_________\n(^١) في \"ف\": (ويجوز).\n(^٢) في \"ف\": (استعيرت).\n(^٣) في \"ح \" و\"م\": (الصفة)، وفي \"ف\" و\"ك\": (الصنعة)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١٠٦).\n(^٥) في \"ف\" و\"م\": (الاستعارة).","vol":"1","page":75},{"text":"وقد استبانَ من هذا التَّوضيحِ أنَّه يَشدُّ من عَضُد التَّرشيحِ، وزيادةُ (كان) لاستمرار النَّفي، على أنَّ النَّفي اعتُبِرَ أوَّلًا ثمَّ قُيِّدَ، والتَّعويلُ في مثل هذا على القرائنِ.\n\n<span id=\"aya-24\"> </span>(١٧) - ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\n﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لمَّا بيَّنَ أوصافَهم عقَّبها بضرْب المَثَلِ زيادةً في الكشْفِ والتَّبيينِ، فإنَّه أوقعُ في القلب، وأقمعُ للخصْم الألدِّ؛ لأنَّه يُريكَ المتخيَّلَ محقَّقًا والمعقولَ (^١) محسوسًا.\nولشأنِهِ العجيبِ في إبراز الحقائقِ المستورةِ، ورفعِ الأستار عن وجه الخفيَّاتِ، أكْثَرَ اللّهُ تعالى في القرآن وسائرِ كُتبهِ الأمثالَ، وفَشَتْ في كلام رسولِ اللهِ ﷺ وسائرِ الأنْبياءِ.\nوالمثلُ في الأصل بمعنى: النَّظير، ثُمَّ نُقل في العُرف إلى القول السَّائرِ الممثَّل مَضْرِبُه بموردهِ، ولم يُسيِّروه ولم يجعلوهُ مَثَلًا إلَّا إذا خُصَّ بنوع من الغَرابة، ولهذا لم يُغيِّروه عمَّا وردَ عليه، ثُمَّ استُعير للصِّفة والحالِ والقصَّةِ إذا كانت عجيْبةَ الشَّأنِ وفيها غرابةٌ.\nفالمعنى: حالُهم العجيبُ الشَّأنِ كحال المُستوقِد، فلا حاجةَ إلى معنى الجمعِ كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ [الجمعة: ٥].\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ك\": (المقول).","vol":"1","page":76},{"text":"واستَوقدَ: من الوُقود، وهو سُطوع النَّار وارتفاعُ لهَبِها، وسينُ الاستفعالِ ليس للطَّلب والسؤال، بل للاهتمام والمبالغةِ في الإيْقاد.\nوالنَّارُ: جسمٌ لطيفٌ مُحرِقٌ، اشتقاقُها من نارَ ينورُ نَوْرًا: إذا نفَر؛ لأنَّ فيها حركةً واضطرابًا.\n﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الإضاءةُ: فرْطُ الإنارةِ، من الضوء الذي هو النُّور البالِغُ القويُّ، ومصداقُه قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. وتأليفُ الحولِ: للدَّورانِ والإطافةِ، وقيل للعامِ: حَوْلٌ؛ لأنَّه يدورُ.\nو(أضاءتْ) إمَّا متعدٍّ و(حولَه) مفعولٌ به، و(ما) زائدة. أو (ما) موصولةٌ مفعولٌ به، و(حوله) ظرفٌ صِلتُه؛ أي: جعلتْهُ النَّارُ مُضيْئًا.\nوإمَّا لازمٌ مستنِدٌ إلى (ما حوله)، و(ما) موصولةٌ؛ أي: أضاءت الأماكنُ التي حولَ المستوقِدِ. أو إلى النَّار، و(ما حولَه) ظرفٌ لغوٌ لـ (أضاءت)، و(ما) زائدة، أو (حول) ظرفٌ في موضع الصِّلةِ، و(ما) موصولةٌ عبارة عن الأمكنة، والموصولُ مع الصِّلة مفعولٌ فيه.\nوجوابُ (لمَّا) إمَّا قولُه: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ والضميرُ لـ (الذي)، وجمعُه للحمل على المعنى، وإنَّما لم يقلْ: بنارهم؛ لأنَّ في النار شيئينِ: حرارةً ونورًا، والله تعالى أذهبَ النُّورَ، وبَقيَ عليهم الحرُّ المحذور.\nوإمَّا محذوفٌ دلَّ عليه ما بعدَه كما حُذِف في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]؛ لاستطالة الكلامِ مع الأمنِ مِن اللَّبْس (^١)، وفي الحذف إيجازٌ مع\n_________\n(^١) ولا يخفى ما فيه على من له أدنى إنصاف، وإن ارتضاه الجم الغفير، ويُجل عن مثل هذه الألغاز كلام الله تعالى اللطيف الخبير. انظر: \"روح المعاني\" (١/ ٤٦٥).","vol":"1","page":77},{"text":"الإفصاحِ (^١) عن الصِّفة التي عليها المستوقِدُ بما هو أبلغُ في الدَّلالة على المعنى من اللَّفظ وهو العقلُ، كانه قال: فلمَّا أضاءت ما حوله خمدتْ فبَقُوا خابطينَ (^٢) في ظلام، متحَسِّرينَ على فوات الضَّوء، خائبينَ بعدَ الكدحِ في إحياء النَّارِ. وما ذُكِر استئنافٌ؛ أي: جوابٌ للسؤال عن وجه الشَّبهِ لعدم ظهورهِ، أو بيانٌ لجملة المثَل (^٣).\nوإسنادُ الإذهابِ إلى الله تعالى لقصْد (^٤) المبالَغةِ، ولذلكَ عُدِّي الفعلُ بالباء دونَ الهمزةِ؛ لِما فيها من معنى الاستِصْحابِ والاستمساكِ، يقال: ذهبَ السُّلطانُ بماله، إذا أخذَهُ، وما أخذَه اللهُ تعالى وما أمسكَه فلا مرسلَ لهُ.\nوعدَلَ عن الضَّوء الذي هو مقتضَى الظَّاهرِ إلى النُّور، فإنَّه لو قيلَ: ذهبَ اللهُ بضوئهم، احْتَمَلَ أنْ يكونَ الذَّاهبُ ما في الضَّوء مِن الزِّيادة، والغرضُ إزالةُ النُّورِ عنهم رأسًا، ألا ترى كيفَ قرَّر ذلك وأكَّد بقوله:\n﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذَكرَ الظُّلمةَ التي هي عدمُ النُّورِ والطُّمأنينةِ بالكلِّيّة، وجمَعَها ونكَّرها، ووصَفَها بالخلوص.\nو(ترَكَ) بمعنى: طرَح وخلَّى، و(في ظلمات) متعلِّقٌ به، و(لا يُبصرونَ) في موضعِ الحالِ. أو (في ظلمات) في موضع الحال فيتعلَّق بمحذوفٍ، و(لا يبصرونَ) حالٌ أيضًا: إمَّا من الضمير في (تركَهم)، وإمَّا مِن الضمير المستكنِّ في المجرور.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (الإيضاح)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"ف \"و\"م\": (خائضين).\n(^٣) في \"ف\": (لجملة المستوقد).\n(^٤) في \"ك\": (بقصد).","vol":"1","page":78},{"text":"وإنْ ضمِّنَ (تَرَك) معنى: صيَّر، يكونُ ثاني المفعولَينِ (في ظلمات)، و(لا يبصرون) حال، ولا يجوزُ العكسُ؛ لأنَّ الخبرَ لا يكونُ مؤكِّدًا. وقولُ الشَّاعر:\nفتَركْتُه جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ (^١)\nيَحتمِلُ الوجهينِ لأنَّ (جَزرَ السِّباع) وإنْ كانَ معرفةً يَحتمِلُ الحالَ، كما أنَّ (يسبُّني) في قوله:\nولقدْ أَمُرُّ على اللَّئيمِ يَسُبُّنِي (^٢)\nيحتملُ الصِّفةَ وإنْ كانَ (اللَّئيم) معرفةً.\nوالظُّلمة مأخوذة من ظلَمَه: إذا منَعَ حقَّهُ؛ لأَنها تَمنعُ البصرَ من النُّفوذِ وتسدُّه. وظلماتُهم: ظلمةُ الجهلِ، وظلمةُ الكفْرِ، وظلمةُ النِّفاقِ.\nوقيل: يجوزُ أنْ يُرادَ بالنَّار: نارٌ مجازَّيةٌ كنارِ فتنةٍ أو حربٍ، وليس بقويٍّ؛ لأنَّ الغرضَ من التمثيل إبرازُ المعقولِ في صورة المحسوسِ ليكونَ مُشاهدًا، وعلى هذا التقديرِ يفوتُ الغرضُ منه.\nوفي الآيةِ دلالةٌ على أنَّ وجودَ النُّورِ شرْطٌ لرُؤية الألوانِ لا لوجودِها، إذ حينئذٍ يَمتنعُ الإبصارُ فلا يخرجُ قولُه: (لا يبصرون) مخرجَه.\n_________\n(^١) صدر بيت لعنترة من معلقته، وهو في \"الكشاف\" (١/ ٧٤)، وعجزه كما في \"شرح القصائد السبع\" لابن الأنباري (ص: ٣٤٧):\nما بينَ قُلَّةِ رأَسِه والمِعْصمِ\n(^٢) صدر بيت لشمر بن عمر الحنفي، وعجزه كما في \"الأصمعيات\" (ص: ١٢٦):\nفمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني","vol":"1","page":79},{"text":"<span id=\"aya-25\"> </span>(١٨) - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿صُمٌّ﴾ جمعُ الأصمِّ (^١)، النَّعتُ من الصَّمَم، وهو انسدادُ خرُوقِ المَسامعِ، ومنه: القناةُ الصماءُ التي ليستْ بمجوَّفة، وكذا كلُّ فعلٍ كان نعْتًا مما هو خلقةٌ فجمعه: الفُعْلُ، ومثلُه: البُكْم والعُمْيُ، وإنْ كان اسمًا فعلى الأَفاعِل يُجمع؛ كالأرنب والأرانِبِ، والأعجم والأعاجِم، وإنْ كان نعْتًا لِمَا هو آفَةٌ فعلى الفَعْلى؛ كالأعجَف والعَجْفى، والأحْمَق والحَمْقى.\n﴿بُكْمٌ﴾ من البَكَم: وهو الخرَسُ، وهو آفَةٌ في اللِّسان لا يَتمكَّنُ معها أنْ يعتمدَ مواضعَ الحروفِ.\n﴿عُمْيٌ﴾ من العَمَى، الأعمى في العيْن وجمعُه: العُمْيُ، ومن القلب: العَمِي، وجمعُه: العَمُونَ، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [النمل: ٦٦].\nلمَّا سَدُّوا مسامعَهم عن الإصاخَة إلى الحقِّ، وأبَوا أنْ يُنْطِقوا به ألسنتَهم، ويُبْصِروا الآياتِ بأبصارِهم، جُعلوا كأنَّما فُقِدت مشاعرُهم، ولم توجدْ قُواهم.\nوإيرادُ هذه الصِّفاتِ مع سلامةِ حَواسِّهم تشبيهٌ بليغٌ؛ إذْ شرْطُ الاستعارةِ الإعراضُ عن المستعارِ له صَفْحًا ونسْيانُه مُطلَقًا، وهاهنا وإنْ حُذِفَ المبتدأُ الذي هو ضميرُ المنافقينَ لكنَّه في حُكمِ المقدَّر المنْويِّ؛ لاستنادِ الخبرِ إليه، ونظيرُه قولُه:\nصُمٌّ إذا سمِعوا خيْرًا ذُكرْتُ بهِ … وإنْ (^٢) ذُكِرتُ بسُوءٍ عندَهم أَذِنوا (^٣)\n_________\n(^١) في \"م\": (لأصم).\n(^٢» (وإن) ليست في \"ك\"و\"ف\".\n(^٣) البيت لقعنب بن أم صاحب كما في \"عيون الأخبار\" لابن قتيبة (٣/ ٩٦)، و\"الصحاح\" (مادة: أذن)، ودون نسبة في \"الكشاف\" (١/ ٧٦).","vol":"1","page":80},{"text":"وأمَّا قولُه:\nأَسدٌ عليَّ وفي الحُروبِ نَعامَةٌ (^١)\nففي كونِه من هذا البابِ نظرٌ.\n﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: جوابًا؛ لأنَّ مَن اشتدَّتْ عليه تلكَ المشاعرُ لا يمكنُ أنْ يَرجعَ جوابًا؛ بل يخاطبُه لا بالعبارة ولا بالإشارة، من الرَّجْع بمعنى الصَّرفِ، لا من الرجوعِ بمعنى الانصرافِ، فإنَّ (رجَعَ) لازمٌ ومتعدٍّ.\n\n<span id=\"aya-26\"> </span>﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩].\n﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ مجرورٌ بمضافٍ محذوفٍ؛ أي: كمَثَل ذَوي صيْبٍ.\n﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ صفةٌ في محلِّ الجرِّ.\nأمَّا تقديرُ المَثَل فلا بد منه للعطف على السَّابق، وأمَّا تقديرُ (ذَوِي) فلقوله: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ﴾، وإلَّا فنَفْسُ التَّشبيهِ لا يقْتَضي تقديرَ شيءٍ، إذْ لا يلزمُ في التَّشبيه المركَّب أنْ يكونَ ما يلي الكافَ هو المشبَّهَ بهِ كما في قوله:\nوما النَّاسُ إلَّا كالدِّيارِ وأهْلُها (^٢)\n_________\n(^١) صدر بيت لعمران بن حطان السدوسي يؤنب الحجاج، كما في \"تاريخ خليفة بن خياط\" (ص: ٢٧٤)، و\"الأغاني\" (١٨/ ١٢٢)، وعجزه:\nفتخاءُ تجفلُ من صفيرِ الصافر\n(^٢) صدر بيت للبيد، وعجزه كما في \"الأغاني\" (١٥/ ٣٦٢)، و\"الكشاف\" (١/ ٨١):\nبها يومَ حلُّوها وغَدْوًا بلاقعُ","vol":"1","page":81},{"text":"و(أو) في الأصل للتَّساوي في الشكِّ، ثمَّ اتُّسع فيْها فأُطلق للتَّساوي من غيرِ شكٍّ؛ مثلَ: جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرينَ، ومعناهُ: أنَّ قصَّة المنافقينَ مشبَّهةٌ بهاتينِ القصَّتينِ، وألَهما سواءٌ في صحَّة التَّشبيهِ بهما.\nوتثْنيَةُ التَّمثيلِ كشفٌ بعدَ كشفٍ، وإيضاحٌ غِبَّ (^١) إيضاحٍ، وكما يجبُ على البليغ في مظانِّ الإجماعِ والإيجازِ أنْ يُجملَ ويُوجزَ، فكذلكَ الواجبُ عليهِ في موارد التَّفصيلِ والإشباعِ أنْ يفصِّلَ ويُشبعَ، أنشدَ الجاحظُ:\nيَرمونَ بالخُطَبِ الطِّوالِ وتارةً … وحْيَ المُلاحظِ خِيفةَ الرُّقَباءِ (^٢)\nوالصيِّبُ يقالُ للمَطَر والسَّحابِ، وفي الآية يحتملُهما، وتنكيرُه للتَّعظيم؛ كتَنْكير النَّارِ في المثَل الأوَّلِ.\nوالسماءُ: هذه المُظِلَّةُ، قد يُطلق على جهة الفَوقِ، وهو المراد هاهنا.\nوتعريفُها للدَّلالة على إطباق ذلكَ الصَّيِّبِ (^٣) الآفاقَ كلَّها، فإنَّ كلَّ أُفُقٍ يُسمَّى سماءً، أمدَّ بهِ (^٤) ما في (صيِّبٍ) من المبالغة مِن جهة التَّركيبِ، فإنَّ الصَّادَ\n_________\n= قال الطيبي في حاشيته على \"الكشاف\" المسماة \"فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب\" (٢/ ٢٦١): قوله: (بلاقع) خبر مبتدأ محذوف، و(غدوًا) متعلق به، والجملة حال عطفًا على قوله: (وأهلُها بها)، و(يوم) ظرف للمقدَّر في (بها) الذي هو الخبر؛ أي: الناس كالديار مأهولة يوم حلوا فيها، وبلاقع يوم رحلوا عنها.\n(^١) في \"م\": (بعد). والمعنى واحد.\n(^٢) انظر: \"البيان والتبيين\" (ص: ٣٨ و٩٦) وعزاه لأبي دؤاد بن جرير، و\"الكشاف\" (١/ ٧٩)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٣) في \"م\" و\"ف\": (الغيث).\n(^٤) قوله: (أمدَّ به …) خبرٌ آخر لقوله: (وتعريفها)، وأمدَّ بمعنى: قوَّى وأكَّد. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":82},{"text":"من المستَعليَة والياءَ مشددةٌ والباءَ من الشَّديدة، ومن جهةِ المعنى فإنَّ الصَّوبَ: فرطُ الانسكابِ والوقوعِ، ومن جهة البِناءِ فإنَّ فَيْعلًا صفةٌ مشبَّهةٌ دالَّةٌ على الثُبوت، ومن جهة العارِضِ؛ لأنَّ التَّنكيرَ للتَّعظيم والتَّهويلِ.\n﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ صفةٌ أُخرى في محلِّ الجرِّ، و(ظلماتٌ) مرفوعٌ بفاعلية الظَّرفِ بالاتِّفاق (^١)؛ لاعتمادهِ على الموصوف، والمعنى: في أثنائه وتضاعيفِه إنْ أُريدَ بالصَّيِّب المطرُ، وجَعلُه مكانًا للرَّعد والبرْقِ؛ لأنَّهما في أعلاه ومنْحَدَرِه جُعلا كأنَّهما فيه بطريقِ استعار كلمةِ (في) للتَّلبُّس المخصوصِ الشبيهِ بتلبُّس الظَّرفيةِ الحقيقيَّةِ، والظُّلماتُ: تكاثفُ المطرِ بتَتابُعِ القَطْر والسَّحابِ وسُحْمتِه وتطبيقه معَ ظلمةِ اللَّيلِ.\nوإنْ أُريدَ به السَّحابُ ففيهِ الرعدُ والبرْقُ، وأمَّا الظُّلمات فما ذُكِرَتْ بعَيْنِها إلَّا المطرَ، فإنَّه قد يكونُ وقد لا يكونُ (^٢).\nوالرَّعدُ: الصَّوتُ الذي يُسمَع من السَّحاب عندَ تمزيقِ الرِّيح إياه، وهو تحريق (^٣) الدُّخانِ البُخارَ عندَ احتِقانهِ فيه بتكاثُفه.\nوالبَرْقُ: ما يَلمَعُ مِن السَّحاب إذا تحاكَّتْ أجزاؤُه، مِن بَرَقَ الشَّيءُ بريْقًا: إذا لَمَعَ.\n_________\n(^١) قوله: (بالاتفاق)، كذا قال الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٨٣)، وتابعه البيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ٥١)، والمؤلف كما هنا، لكن أجاز غيره فيهما الابتداء والخبر. انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب (١/ ٨١)، و\"الإملاء\" للعكبري (١/ ٣٥)، و\"تفسير القرطبي\" (١/ ٣٢٧)، و\"روح المعاني\" (١/ ٤٨٠). وذكره أيضًا أبو حيان لكنه استبعده بقوله: ولا حاجة إلى هذا؛ لأنَّه إذا دار الأمر بين أن تكون الصفة من قبيل المفرد، وبين أن تكون من قبيل الجمل، كان الأولى جعلها من قبيل المفرد. انظر: \"البحر المحيط\" (١/ ٢٤١) ط: الرسالة، بتحقيقنا.\n(^٢) وقعت العبارة في \"د\" هكذا: (وأما الظلمات فما ذكرت بعينها فما ذكرت فإنه قد لا يكون).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (تحريف)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":83},{"text":"ولم يُجمَع (رعدٌ وبرقٌ)، وإنْ كان الجمعُ أشدَّ مناسبةً لقوله تعالى: (ظلماتٌ) وأكثرَ مبالغةً كما في قول البُحتريِّ:\nيا عارِضًا مُتَلفِّعًا بِبُرودِه … يَختالُ بيْنَ بُرُوقهِ ورُعودِهِ (^١)\nلكونِهما في الأصل مصدَرينِ، فإنْ أُريد العينانِ رُوعِي الأصلُ فلمْ يُجمَعا، وإنْ أُريد الحدَثانِ؛ أي: الإبراقُ والإرعادُ فحقُّهما الإفراد، وأيضًا قُصِدَ التَّهويلُ المناسب للمقامِ بغرابةِ (^٢) نوعهما المستفاد من التنْكير، لا بتَعدُّدِ أفرادهما المسْتَفادِ مِن صيغةِ الجمْعِ.\n﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾ جملةٌ استِئْنافيّةٌ، وذلك أنَّه لمَّا ذَكَر الظلماتِ والرَّعدَ والبَرْق على ما يُؤذِنُ بالهول والشدَّةِ، فكأنَّ قائلًا قال (^٣): فكيفَ حالُهم مع ذلك الرعدِ؟ فقال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم﴾، ثمَّ قال: فكيفَ حالُهم مِن ذلك البرقِ؟ فقيل: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ثم قال: فكيفَ حالُهم مع تلك الظلماتِ؟ فقيل: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.\nأو صفةٌ للمضاف المحذوفِ في محلِّ الجرِّ؛ أي: ذوِي صيِّبٍ يجعلونَ، وصحَّ رجوعُ الضَّمير إلى ذلك المضافِ لكونهِ في الحكم المذكورِ.\nوفي ذِكر الأصابعِ من المبالغة ما ليسَ في ذِكر الأناملِ، ومبناها على أنْ تكونَ الأصابعُ بمعناها لا بمعنى الأناملِ، وفي العُدول عنْ: (يُدخلون) - وهو الظاهرُ - إلى المذكور نوعُ تقويَةٍ لتلك المبالغةِ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٨٣). العارض: السحاب. يقال: تلفعت، أي: تلحَّفْتُ كما تلحَّفَتِ المرأة بمرطها، والاختيال: التبختر. انظر: \"فتوح الغيب\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٢) في \"ف\": (بقرينة).\n(^٣) في \"م\": (بالهول فقال: يجعلون أصابعهم في آذانهم ثم قال).","vol":"1","page":84},{"text":"ثمّ إنَّه كنايةٌ عن كمال الحَيْرةِ وفرْطِ الدَّهشةِ، فيَستقيم المعنى بلا حاجةٍ إلى تنزيلِ الكلام عَن درجتِه البَليغةِ حذَرًا عن عدم مطابقتِه للواقع (^١).\n﴿مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ متعلِّق بـ (يجعلون)؛ أي: مِن أجلها يَجعلون، كقولك: سقاهُ من العَيمة (^٢).\nوالصَّاعقةُ: قصفةُ رعدٍ تنقَضُّ معها شُقَّةٌ من نارٍ لطيفةٍ حديدةٍ لا تمرُّ بشيءٍ إلَّا أتتْ عليه، لكنَّها مع حدَّتِها سريعةُ الخُمودِ لِلَطافَتِها، وهي تنْقدحُ مِن السَّحاب إذا اصطَكَّتْ أجرامُه.\nأو جِرْمٌ ثقيلٌ مُذابٌ مفرَغٌ من الأجزاء اللَّطيفةِ الأرضيَّة الصَّاعدةِ المُسماةِ دخانًا، والمائيَّةِ المُسماة بخارًا، حارٌّ حادٌّ في غاية الحدَّةِ والحرارة لا يقعُ على شيءٍ إلا ثُقب وأُحرق (^٣) ونفذَ في الأرض حتى بلغَ الماءَ فانطفى ووقفَ، ومنه الخارصينُ (^٤).\nمن الصَّعق: وهو شدَّةُ الصَّوتِ، وقد يُطلق على كلِّ هائلٍ مسموعٍ أو مشاهَدٍ، ويقال: صعَقَتْهُ الصَّاعقةُ: إذا أهلَكَتْهُ بالإحراق أو شدَّةِ الصَّوتِ.\nوقُرِئ: (من الصَّوَاقع) (^٥) وهو ليس بقلبٍ لـ (الصواعق)؛ لاستواءِ البِناءينِ في\n_________\n(^١) في \"م\": (مطابقة الواقع).\n(^٢) في \"م\": (القيم)، وفي \"ف\": (القيامة). والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، والعيمة: شهوة اللبن، والعطش. انظر: \"القاموس\" (مادة: عيم).\n(^٣) في \"م\": (أو أحرق).\n(^٤) هو التوتياء: معدن صلب أبيض ضارب إلى الزرقة يلين بالإحماء ويطرق، ويستعمل لتغطية سطوح البيوت القلية الانحدار، ويطلى به الحديد فيقيه الصدأ، وربما استعملوا بعض أملاحه سمادًا وسيطًا. انظر: \"معجم متن اللغة\" (مادة: خرص).\n(^٥) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٨٥).","vol":"1","page":85},{"text":"التَّصرُّف، يقال: صَقعَ الدِّيكُ (^١)، وخطيِبٌ مِصْقَعٌ، ونظيرُه (جبَذ) في (جذَب)، وهي في الأصل إمَّا صفةٌ لقَصْفة الرَّعدِ أو للرَّعد، والتاءُ للمبالغةِ كما في الرَّاوية، أو مصدرٌ كالعافية والكاذبةِ.\n﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ منصوبٌ على المفعول لهُ، والموتُ: زوالُ الحياةِ.\n﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جملةٌ اعتراضيّة لا محلَّ لها، وإحاطةُ اللهِ بالكافرينَ مجازٌ، معناه: أنَّهم لا يَفوتونَهُ كما لا يفوتُ المُحاطُ به المحيطَ.\n\n<span id=\"aya-27\"> </span>(٢٠) - ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (كادَ) من أفعال المقارَبةِ، وُضِعتْ لمقاربةِ الخبرِ مِن الوجودِ لعُروض سببِه، لكنَّه لم يوجدْ: إمَّا لفَقْد شرْطهِ، أو لعُروض مانعٍ.\nوالخطفُ: الأخذُ بسرعةٍ.\n﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ المشيُ: السَّيرُ السَّهل، و(أضاءَ)؛ إنْ جُعل متعدِّيًا؛ أي: أضاءَ لهم ممشًى، ورجَع الضَّميرُ في (فيه) إليه لكونِه مَنْوِيًّا، ويُؤيِّده قراءةُ: (كلَّما ضاء لهم) (^٢).\n_________\n(^١) أي: صاح. انظر: \"القاموس\" (مادة: صقع).\n(^٢) قوله: (ويؤيده قراءة: كلما ضاء لهم) كذا قال المؤلف، وفي الاستدلال بها على التعدي وهم، فهي دليل للُّزوم لا للتعدي. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٨٦)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٢٥٣)، و\"روح المعاني\" (١/ ٤٨٩).","vol":"1","page":86},{"text":"وإنْ كان لازمًا - وهو الظاهرُ - كأظْلَم، ومعناه: مشَوا في الضَّوء؛ أي (^١): في مَطْرَحه أو به، أو كلَّما نارَ البريق (^٢) فأَنارَ الطريقَ مشَوا فيهِ.\n﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ (أظلَمَ) غيرُ متعدٍّ على الظَّاهر، وَيحتملُ أنْ يكونَ متعدِّيًا من: ظَلِمَ الليل، ويعضُدُه قراءةُ: (أُظلِم) على ما لم يُسمَّ فاعلُه (^٣).\nومعنى (قاموا): وقَفُوا وثَبَتوا في مكانهم، ومنهُ قامتِ السُّوقُ: إذا ركَدتْ، وقامَ الماءُ: إذا جَمَدَ.\nوإنَّما جاء مع (أضاء) بـ (كلَّما)، ومع (أظلم) بـ (إذا)؛ لقوَّة دواعيهِم إلى مكان المشْي، والخلاصِ عمَّا هم فيه من الشدَّة والحَيْرةِ، وحرصِهم على ما همُّهُم به معقودٌ من السَّعي والحركةِ، فلا يَسعُهم الإهمالُ (^٤) وتركُ الفرصةِ، أمَّا الوقوفُ فليس كذلكَ لأنَّه يلزمُهم للعجز.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: ولو شاء اللهُ أنْ يَذهبَ بسمْعِهم وأبصارِهم، وقُرئ: (لأذْهبَ بأسماعِهم) (^٥) بزيادة الباءِ؛ كقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n_________\n(^١) في \"ك\"و\"م\": (أو).\n(^٢) في \"ف\": (البرق).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٨٦)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٠٤).\n(^٤) في \"م\": (الإمهال)، وفي \"ك\": (الآمال).\n(^٥) في النسخ: (لأذهب الله بأسماعهم) بزيادة لفظ الجلالة، وزيد بعده في بعضها: (تعالى)، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٨٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ٥٢)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٢٥٧)، وقد نبهنا على مثل هذا الخطأ أيضًا في \"روح المعاني\" (١/ ٤٩٠).","vol":"1","page":87},{"text":"شاعَ حذفُ مفعولِ (شاء) و(أراد) مع حرفِ الشَّرط لدلالة الجوابِ عليهِ، حتَّى لا يكادُ يُذْكَر إلَّا إذا كان مسْتَغرَبًا، كقوله:\nولو شِئتُ أنْ أبْكي دَمًا لَبَكَيْتُهُ (^١)\nأرادَ: ولو شاء اللهُ لزاد في قَصيْف الرَّعد فأصمَّهم، وفي خُفوق البرقِ فأعْماهم.\nوفائدةُ هذه الشَّرطيَّةِ: التنْبيهُ على أنَّ كلَّ محنةٍ معها مِنْحةٌ، وأنَّ نعمةَ الدَّفع تفوقُ نعمةَ النَّفعِ.\nولا دلالةَ فيه على وجود ما يقتضي الجزاءَ المذكورَ، ولا على أنَّ تأثيرَ الأسبابِ شرْطٌ لمشيئة اللهِ تعالى، وأمَّا أنَّ الكلَّ واقعٌ بقدرتهِ تعالى فالتنبيهُ عليه بقوله تعالى:\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ تقريرٌ لِمَا تقدَّم، ولا اختصاصَ لـ (الشَّيء) بالموجود، كيفَ وهو أعمُّ العامِّ يقعُ على الواجب والمُمكن والممتنعِ؟ نصَّ على ذلك سيبَويْه حيثُ قال في \"كتابه\": إنَّ (الشَّيء) يقعُ على [كلِّ] ما أُخبرَ عنه (^٢).\nوخُصَّ هاهنا بالممكنِ بدليل العقلِ وقرينةِ القدرةِ؛ إذ القدرةُ هي مبدأُ الأفعالِ المتضادَّةِ على نسبةٍ متساويةٍ، والواجبُ راجحُ الوجودِ، والممتنعُ راجحُ العدمِ، فلا يمكنُ تساوي الطَّرفينِ الذي هو شرطُ تعلُّقِ القدرةِ إلَّا في المُمكن، فكأنَّه قيل: على كلِّ شيءٍ ممكنٍ قديرٌ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكامل\" للمبرد (٤/ ٣)، و\"ذيل الأمالي\" للقالي (ص: ٢٢١)، و\"الكشاف\" (١/ ٨٧). وهذا صدر بيت للخريمي كما ذكر البكري في \"اللآلي\" (٣/ ٥٧)، قال: والخريمي - وقد كثر التصحيف في اسمه - هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قُوهي من شعراء الدولة العباسية. وعجز البيت:\nعليه ولكن ساحة الصبر أوسع\n(^٢) انظر: \"الكتاب\" (١/ ٢٢).","vol":"1","page":88},{"text":"نعَم إنَّه في الأصل مصدرُ (شاء)، إلَّا أنَّ إطلاقَه بمعنى مشيءٍ (^١) لا يَستلزِمُ الوجودَ في الجملة؛ لأنَّ متعلَّق المشيئةِ قد يكونُ زوالَ الوجودِ، وعدمَ الإيجادِ.\nواشتقاقُ القُدر من القَدْر؛ لأنَّ القادرَ يُوقعُ الفعلَ على مِقدار قوَّته (^٢)، والقادرُ هو الذي يصحُّ منه الفعلُ والتَّركُ.\nوأمَّا الذي إنْ شاءَ فعلَ وإنْ لم يشأْ لم يفعلْ فهو المختارُ، ولا يلزمه أنْ يكونَ قادرًا؛ لجواز أنْ تكونَ مشيئة (^٣) الفعلِ لازمًا لذاته، وصحَّةُ الشَّرطيةِ لا تقتضي وجودَ المقدَّم.\nواعلم أنَّ ما ذُكر تَتميمٌ لتمثيل شدَّة الأمرِ على المنافقينَ بشدَّته على أصحاب الصيِّب من الحَيرة والخوفِ والدَّهشةِ، بحيثُ إذا صادَفوا خفقةً من البرق انتهزُوها فرصةً، مع خوفِ أنْ يخطفَ أبصارَهم، فخَطَوا خُطواتٍ يسيرةً، وإذا انطوتْ وانطَفتْ حُبسوا عن الحركة وبَقوا متحيِّرينَ خائبينَ.\nثمَّ إنَّ التَّمثيلينِ المذكورينِ جازَ أنْ يكونا مُفْرديْنِ، إلَّا أنَّ الأصحَّ الأفصحَ الذي عليه الفحولُ من علماء البيانِ أنْ يكونا من التمثيلات المركَّبةِ، لا يُتكلَّف لكلِّ جزءٍ جزءٍ من أجزاء الجملةِ الممثَّل لها فُرادى بشيءٍ مشبَّهٍ به من أجزاء الجملةِ الممثَّل بها مُفرَّقةً، كما في قول امرئِ القيْس:\nكأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطْبًا ويابِسًا … لدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحشَفُ البالِي (^٤)\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (شيء)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"م\": (قدرته).\n(^٣) في \"ك\": (نسبة).\n(^٤) انظر: \"ديوان امرئ القيس\" (ص: ٣٨)، و\"الكشاف\" (١/ ٨٠). العناب: ثمر، والحشف: اليا بس الفاسد من التمر.","vol":"1","page":89},{"text":"بل تشبَّهُ هيئةٌ حاصلةٌ من أشياءَ تضامَّتْ وتآلَفَت (^١) وصارت شيئًا واحدًا بأخرى مثلِها مِن غيرِ مراعاةِ أفرادِهما، والنَّظرُ إلى تشبيه شيءٍ من هذه بشيءٍ من تلكَ، فإنَّ الغرضَ تشبيهُ حالِ المنافقينَ في حيرتِهم، وما خبَطوا فيه من الضَّلالة وشدَّةِ الأمرِ عليهم، وخِزيهم وافتضاحِهم، بحالِ مَن يُكابد شدَّةَ أمرهِ عند انطفاءِ نارهِ بعدَ إيقادها ورجاءِ الانتفاعِ بها والتَهدِّي بإضاءتها، أو بحالِ مَن أخذتهُ السماءُ في ليلةٍ مظلمةٍ مع رعدٍ وبرقٍ وخوفٍ من الصواعق والموتِ.\n\n<span id=\"aya-28\"> </span>(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ التفَتَ من الغَيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ الكلامَ السَّابق كان في تعداد فِرَقِ المكلَّفينَ، وحكاياتِ أحوالِهم وبيانِ مآلِهم، ويناسبُه أسلوبُ الغَيبةِ، وأمَّا هذه الآيةُ فمُصدَّرةٌ بأمرٍ وتكليفٍ، وحقُّ الأوامرِ والنَّواهي أن يُسلكَ فيها مَسْلكَ الخطاب، خصوصًا إنْ كان ما كُلِّف به مما فيه مشقَّةٌ، فإنَّ فيه جَبرًا لتلك الكلفةِ بلذة المخاطبةِ.\nوالنِّداءُ: إحضار الغائب، وتنبيهُ الحاضر، وتوجيهُ المُعرِض، وتفريغُ المشغول، وتهييجُ الفارغ.\nو(يا) حرْفٌ وُضِعَ في أصله (^٢) لنداء البَعيدِ، واستعمالهُ هاهنا في نداء القريبِ لبُعدهِ عمَّا خوطِبَ به معنىً، وقد يُستعمل لنداءِ القريبِ الفَطِنِ للدلالة على أنَّ الخِطابَ المذكورَ بعدَه معنيٌّ به جدًا.\n_________\n(^١) في \"م\": (وتلاقت).\n(^٢) في \"ف\": (ويا حرف في أصله وضع).","vol":"1","page":90},{"text":"وأمَّا نداءُ الدَّاعي المتضرِّعِ لربِّه بقوله: (يا ربِّ) مع علمهِ بأنَّه أقربُ إليه من حبل الوريدِ، فلِهَضم نفسهِ؛ استقصارًا لها، واستبعادًا من مظانِّ القُربة والزُّلفى.\nو(أي): وصلة إلى نداءِ ما فيه الألفُ واللَّام؛ لتعذُّر الجمعِ بينَ حرفي التَّعريف، وهو اسمٌ مبهَمٌ يَفتقر إلى ما يُزيل إبهامَه؛ من اسم جنسٍ، أو ما يجري مجراهُ صفةً له حتى يحصلَ المقصودُ بالنِّداء.\nوكلمةُ التنْبيهِ لمُعاضدة حرفِ النِّداءِ بتأكيد معناه، ووقوعِها عِوضًا عمَّا يستحقُّه (أي) من الإضافةِ.\nو(النَّاسُ) صفة لـ (أي) واجبٌ رفْعُها، خاطبَهم مُقبِلًا عليهم بالنِّداء لأنَّ فيه هزًّا لِما يُلقيه إليهم من أمر العبادةِ لهُ.\n﴿اعْبُدُوا﴾ قد مرَّ تفسيرُ العبادةِ، والأمرُ به يعمُّ أفرادَ المكلَّفين؛ لأنَّ اسمَ الجمع المحلَّى باللام للعموم حيثُ لا عهدَ، وما رُوي عن علقمةَ أنَّ كلَّ ما نزلَ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فمَكِّيٌّ (^١)، إنْ صحَّ (^٢) فلا يوجبُ تخصيصَه بالكفَّار، وليسَ المرادُ إحداثَ العِبادةِ خاصَّةً؛ بل ما يعمُّه والمواظبةَ عليها، فإنَّ هذا هو المناسبُ للمقام، وإنْ كان الأولُ هو المتبادرَ من الكلام، والعبرةُ في الكلام البليغِ لمقتضى المقامِ لا لِما (^٣) يتبادرُ إلى الأفهام.\n_________\n(^١) رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص: ٣٦٧)، وصحح إسناده الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٨٩).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (وإنما قال: إن صح؛ لأنَّه بعيد عن الصحة، كيف فإن سورة النساء مدنية وأولها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. منه).\n(^٣) في \"ف\": (بمقتضى الكلام لا لما)، وفي \"ك\" و\"م\": (بمقتضى الكلام لا بما).","vol":"1","page":91},{"text":"واعلمْ أنَّ النبيَّ ﵇ بُعث بدعوة (^١) الكفَّارِ إلى الإيمان، وورد في ذلك نصوصٌ، وأنَّهم أُخبِروا في بعض النُّصوصِ بأنَّ العبادةَ لا صحةَ لها بدونه، وبعدَ هذا أمَرَهُم بالعبادة في هذا النصِّ وغيرِه، وإنْ وردَ مطلقًا عن قيْد الإيمانِ لفظًا، لكنَّه مقيَّدٌ به معنىً بحكم النَّصِّ المخبِر عن اشتراط صحةِ العباداتِ بالإيمان، وليس في ذلك أمرٌ بالإيمان في ضِمن الأمر بالعبادة حتى يلزمَ إيجابُ الأصلِ تبَعًا لإيجاب الفرعِ فيُنافيَ حكمَ الأصالةِ.\n﴿رَبَّكُمُ﴾ عبارةُ الربِّ صادَفَ (^٢) مَحزَّها؛ إذ هو السيِّد والمُصلِح، ومَن كان مالكًا أو مُصلِحًا أحوالَ العبدِ فجديرٌ أن يُعبدَ ولا يُشركَ به.\nولمَّا أَمر بعبادته - وهي موقوفةٌ على معرفة وجودِه - ناسَب أنْ يَذكرَ من الأوصاف ما يتضمَّنُ الدَّليل على وجوده واستحقاقِه العبادةَ، فقال:\n﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فالتوصيفُ المذكور للتَّعليل كما هو الأصلُ في ترتيب الأمر بالشيء على الموصوف والموصول، وفي التَّعليل المذكورِ باعتبار تضمُّنه الإشارةَ إلى أنَّ ما لا قدرةَ له على الخَلْق والإيجاد لا استحقاقَ له للعبادة تعريضٌ للمشركين حيث عَبدوا ما لا قدرةَ له على شيء.\nوما قيل: على تقديرِ أنْ يكون الخطاب للمشركين يكونُ الوصف المذكور للتَّخصيص، وهمٌ منشؤه عدمُ فهم معنى (ربكم)، فإنَّ المعنى المتبادِرَ منه: الرَّبُّ المشترَكُ فيما بينَهم، وليس ذلك إلا اللهُ تعالى؛ لأنهم ما اتَّفقوا على واحدٍ من معبوداتهم الباطلةِ، فإذًا لا شركةَ في معنى (ربكم)، فلا حاجةَ إلى مخصّصٍ.\n_________\n(^١) في \"ح\" و، \"ف\": (لدعوة).\n(^٢) في \"ح\" و\"ك\" و\"م\": (صادق).","vol":"1","page":92},{"text":"وأصلُ الخَلْق: التَّقديرُ، يقال: خَلَقَ النَّعْل: إذا قدَّرها وسوَّاها بالقياس، والمراد: إيجادُ الشيء على تقديرٍ واستواء.\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ذَكَر خَلْقَ مَن قبلَهم؛ لأنهم أصولُهم، وخَلْقُ الأصول إنعامٌ على الفروع، وقدَّم خَلْق المخاطَبين وإنْ تَقدَّم خَلْقُ مَن قَبْلَهم زمانًا؛ لأنَّ علمَ الإنسان بحالِ نَفْسه أظهرُ مِن عِلمهِ بأحوالِ غيره، ولأنَّهم المواجَهون به بالعبادة، فتنبيهُهم أولًا على أحوال أنفسهم أهمُّ وآكَدُ.\nوبدأ أوَّلًا بصفةِ الخلق إذ كانت العرب مُقرَّةً بأنَّ الله تعالى خالقُهم، وهم المخاطَبون.\nولك أن تقول: أخرجه (^١) مُخرج المقرَّر المعلوم: إمَّا لاعترافهم به كما أَفصحَ عنه قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١]، أو مبالغةً في ظهوره حيث نُزِّل - لتمكُّنهم من العلم به بأدنى نَظَرٍ - منزلةَ المعلوم.\nودخلت (مِن) على الزمان، إذ التقديرُ: مِن زمنٍ قبلَ زمانِ خَلْقِكم.\nوقُرئ: (مَن) بفتحِ الميم (^٢) على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ هو صدرُ الصلة، تقديرُه: والذين هم أناسٌ قبلَكم، وحذفُ صدرِ الصِّلة كثيرُ الدَّور في الكلام، وفيه تأكيدُ إبهام (^٣) يتضمَّن التنبيهَ بما فيه مِن التفخيم على أنَّ خَلْقَ مَن قبلَهم أَدخلُ في القدرة، وعلى هذا تكون (مَن) موصوفةً و(قبلَكم) صفتَها، ويحتمِلُ أن تكون موصولًا مقحَمًا كما أُقحم (تيم) في:\n_________\n(^١) في \"ف\": (إخراجه).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٩١).\n(^٣) في \"ف\" و\"م\": (إيهام).","vol":"1","page":93},{"text":"يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ (^١)\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: تجعلون العبادةَ وقايتَكم (^٢)، و(لعلَّ) فيها لغاتٌ، ولم يَجئْ في القرآن إلا أفصحُها، وهي للترجِّي والإطماع، وذلك بالنِّسبة إلى المخاطَبين، والمعنى: إذا عبدتُم ربَّكم رَجَوْتُم حصولَ التَّقوى، وهي التي تحصلُ بها الوقايةُ من النار والفوزُ بدار القَرار، فتعلَّقت جملةُ الرجاء بـ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾.\nوقيل: تعلُّقها بـ (خَلَقكم).\nولا يُعجبني ذلك؛ لأنَّ الذي سِيقَ الكلامُ لأجْله هو الأمرُ بالعبادة، وذُكر الموصولُ وصلتُه لِمَا قُصد بالتبَّع، فلم يَجئ الموصولُ ليُحدَّث عنه، وكذا صلتُه، كيف وهي لتتميم ما قبلَها، فلا يناسبُ أن يتعلَّق بها ترَجٍّ، بخلافِ (اعبدوا)، فإنها الجملة المفتَتَحُ بها أوَّلًا، والمطلوبةُ من المخاطَبين، وإذا تعلَّقت بـ (اعبدوا) ناسَبَ خطابَ (لعلكم).\n\n<span id=\"aya-29\"> </span>(٢٢) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿الَّذِي﴾ نصبٌ على أنَّه صفةٌ بعد صفةٍ، ولزومُ توسيطِ الأجنبيِّ بين الوصفين لا يُضعفُه؛ لأنَّه أولى من توسيطه بين الموصوف والصفة، الواقعِ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]، أو على المدح، أو رفعٌ عليه على أنه خبرُ مبتدأ محذوف (^٣)، …\n_________\n(^١) قطعة من بيت لجرير، وهو في ديوانه (١/ ٢١٢)، وتمامه:\nيا تيم تيم عدي لا أبا لكم … لا يوقعنكم في سوءة عمر\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (ضمن تقدير الكلام الرد لما سبق إلى بعض الأفهام. شراح الكشاف. منه).\n(^٣) في النسخ عدا \"د\": (أو على أنه خبر مبتدأ محذوف) وسقطت العبارة كلها من \"د\"، والصواب المثبت، يعني: بحذف (أو) لأنها تفصح عن وجه جديد والصواب أنه وجه واحد، يعني: الرفع على المدح هو الرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف. انظر: حاشية الطيبي على \"الكشاف\" المسماة \"فتوح=","vol":"1","page":94},{"text":"أو بالابتداءِ (^١) وخبرُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾، وفيه ضعفٌ لمُضيِّ الصلة، فلا يناسبُ دخولَ الفاء في الخبر، وللربط بالاسم الظاهر.\n﴿جَعَلَ﴾ الجعل هاهنا بمعنى التصيير، فيتعدَّى إلى مفعولين ثانيهِما ﴿فِرَاشًا﴾.\n﴿لَكُمُ﴾ فيه منَّةٌ على عباده، وفي تقديمِه (^٢) إشارةٌ إلى عزَّة عبيدِه، وفضيلتِهم على (^٣) باقي المخلوقات، حيث خَلَق السماوات والأرضَ لأجْلهم خاصَّةً.\n﴿الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ الفِراش والمِهاد والبِساط متقارِبةُ المعاني، والمرادُ: ما يُفرش، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الأرض لم تُخلق مبسوطًا، بل خُلِقَت على وضعٍ آخر ثم بُسطت، على ما أَفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].\nومَن ظنَّ أن (فراشًا) حالٌ فقد اشتبه عليه حقيقةُ الحال.\n﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ مصدرٌ سمِّي به المبنيُّ.\n﴿وَأَنْزَلَ﴾ عطف على (جعل).\n﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ متعلِّق بـ (أنزل)، أو في موضع الحال فيتعلقُ بمحذوف، والمعنى: من جهة السماء؛ لأن الأصل الذي لا يُعدل عنه إلا بصارفٍ: أنَّ المعرفة إذا أُعيدت تكون الثانيةُ عينَ الأولى، و(مِن) للابتداء.\n﴿مَاءً﴾ هو جوهرٌ سيَّالٌ يضادُّ النارَ برطوبتهِ وبرودتهِ، وتنكيرُه للتنويع، يعني:\n_________\n= الغيب في الكشف عن قناع الريب\" (٢/ ٣٠٢).\n(^١) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد للكشاف ومن لم يفرق بين الرفع على الابتداء والرفع به في صدد توجيه كلامه. منه).\n(^٢) في \"ف\" و\"ك\": (وتقديمُه).\n(^٣) في \"م\" و\"ك\": (عند).","vol":"1","page":95},{"text":"أَنزل من السماء نوعًا مَن الماء، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ في ذلك الجنسَ ما لم يَنزل من السماء، وهو ما يَحدث في الأرض بطريق الانقلاب من الهواء وغيره.\n﴿فَأَخْرَجَ بِه﴾ الخروج في الأصل: الانفصال من المحيط إلى الخارج (^١)، ويلزمُه الظهور، وإنما عُطف على (أنزَلَ) بحرف التعقيب - وإنْ كان متراخيًا عنه - لسرعةِ خروجِ النَّبات بالمطر، كأنَّه (^٢) لم يتخلَّلْ بينهما زمان تصويرًا لشدَّة قدرته تعالى، وفي توسيط الأسباب حِكَمٌ ليست في الإنشاء بغتةَّ.\nثم إنَّه تعالى جَعَل بلطفه منافعَ السماء متَصلةً بمنافع الأرض، فإنَّ أكثرَ ما يخرجُ من الأرض بما ينزلُ من السماء، ليُعلم أنَّ منشأها واحدٌ؛ لأنَّه لو كان منشأُ هذا غيرَ الآخَر لم تتَصل منافعُ هذا بمنافعِ الآخر (^٣) على بُعد ما بينَهما، وتوهُّمِ خلافِ أحدِهما الآخَرَ، فلمَّا دلَّ هذا على أنَّ مُنشئها واحدٌ (^٤) لا شريك له فلا تجعلوا له أندادًا.\n﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرةُ أصلُها: الزيادةُ والنَّماء، لِقال: ثمَّر اللهُ ما لَه؛ أي: زاده وكثَّره، وحَملُ الشجرة يسمَّى ثمرةً لهذا، ويُجمع على ثَمَرٍ بحذفِ الهاء التي هي للتَّوحيد، ثم على ثمارٍ؛ كالبلد يُجمع على البلاد، ثم الثمارُ يُجمع على الثُّمُرِ؛ كالحِمَار يُجمع على الحُمُر، وهذه جموعُ تكسير، وجمعُ السَّلامة هو الثَّمَرات.\nوالمراد منها هاهنا: المأكولاتُ كلُّها من الحبوب والفواكه وغيرِها ممَّا يَخرج من الأرض والشجر، وقد بسَط الله تعالى ما اختصَره في هذه الآية في آيةٍ أخرى فقال:\n_________\n(^١) في النسخ: (الانفصال من الحصن إلى العورة)، والمثبت من هامش \"د\"، وهو الموافق لما في \"الكليات\" لأبي البقاء (ص: ٤٤٩).\n(^٢) في \"ك\": (فكأنه).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (بمنافع الأرض)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (على منشئ واحدٍ)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":96},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام: ٩٩].\nوقولُه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] صريحٌ في عموم الثمرة؛ لأنَّ الحصاد إنَّما يكون للزَّرع.\nواللامُ لتعريف الجنس، وإنَّما جُمع لاختلافِ أنواعه.\nثمَّ إنَّ جمع التصحيح إنما يكونُ للقِلَّة إذا لم يعرَّف باللام، فلا حاجةَ إلى أن يقال: إنَّ الجموع يَتعاوَرُ بعضُها في موضعِ بعضٍ.\nو(مِن) للتبعيض؛ فإن ما يَصلح رزقًا لنا بعضُ الثمرات المخرَجة، ولا يَصلح للتبيين إذ لم يتقدَّم ما يبيَّن (^١).\n﴿رِزْقًا﴾ مصدر، فيكون مفعولًا له، وَيحتمِلُ أن يكون بمعنى: مرزوقًا، فينتصب على الحال، وعلى الأول تكون الكاف في: ﴿لَكُمْ﴾ مفعولًا به، واللامُ مقوِّيةً لتعدِّي المصدر إليه، وعلى الثاني يكون في موضع الصِّفة، فتعلَّق اللام بمحذوف؛ أي: كائنًا لكم، ولا يَمتنِعُ عكسُ ذلك، وَيجوزُ أن يتعلَّق بـ (أَخْرَج).\n﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ نِدُّ الشيء: مُشارِكُه في الجوهر (^٢)، وذلك ضربٌ من المماثلة، فإن المِثْلَ يقال في أيِّ مشاركةٍ كانت، فكلُّ ندٍّ مِثْلٌ ولا ينعكس.\n_________\n(^١) في هامش \"د\": (لا لفظًا ولا تقديرًا لأن مرزوقًا لا يصلح أن يكون مفعولًا به لأخرج كما ذكر سائر المفسرين. منه). وفيه أيضًا: (إذا قلت: أكلت من هذا الخبز، يكون للتبعيض لا غير، وإذا قلت: من هذا الخبزِ الجيدَ المطبوخَ، يكون هذا بيانا، وكان الجيدَ مفعولا. ط). قلت: يعني أن (الجيد) في هذه العبارة بالنصب كما صرح بذلك الطيبي في \"فتوح الغيب\" (٢/ ٣٠٥).\n(^٢) في \"م\" و\"ك\": (مشاركته فيما يحويه).","vol":"1","page":97},{"text":"ولمَّا كانوا اتخذوا أندادًا جاء النهيُ عن جَعْلِ الأنداد للهِ تعالى على حَسَب الواقع، وإلا فحقُّ النَّهي أن يتعلَّق بجَعْلِ ندٍّ له تعالى.\nوهذه الجملة متعلِّقة بـ (الذي) على ما جعلناه خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: هو الذي منَّ عليكم بأنواع النِّعَم العِظام: مِن خَلْقِ السماء سقفًا مرفوعًا، وجَعْلِ الأرض فراشًا موضوعًا، وإخراجِ النبات بالمطر رزقًا مجموعًا، فلا تجعلوا لله أندادًا.\nوإنَّما عدل إلى الظاهر نعيًا عليهم بأنَّ جَعْلَهم له أندادًا جَعْلُ الأنداد لذات موصوفةٍ بصفةٍ لا شريكَ له فيه، فأنَّى الشركاء؟\nويجوز أن يكون متعلِّقا بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] والفاء للسبب، أي: تَسبَّبَ عن إيجاد هذه الآيات الباهرةِ النهيُ عن اتخاذكم الأندادَ، ولولا هذا الاعتبارُ لكان الأنسبَ عطفُه بالواو كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ﴾ [النساء: ٣٦].\nويجوزُ أن يكون نفيًا منصوبًا بإضمارِ (أنْ) على جواب الأمر كما في: زُرْني فأُكرمَكَ.\nلا يقال: شرط انتصاب المضارع بإضمار (أنْ) في جواب الأمر - وهو كونُ الأول سببًا للثاني -مُنْتفٍ هاهنا. لأنَّه يجوز أنْ يُكتفَى بسببيةِ الأول للإخبار بمضمون الثاني؛ كما اكتُفي بسببية الشرط للإخبار بمضمون الجزاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (^١).\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: والحالُ أنتم من أهل العلم، على أنَّ (تعلمون) من الأفعال المنزَّلة مَنزلةَ اللازم فلا يقدَّرُ له مفعولٌ، ويجوزُ أن يقدَّر له المفعول على\n_________\n(^١) في هامش \"د\": (رد للشريف).","vol":"1","page":98},{"text":"أنَّ المعنى: وأنتم تعلمون امتناعَ الأنداد (^١) وأنها لا تفعل مثلَ هذه الأفعال، وعلى هذا فالمقصودُ منه التوبيخُ والتنبيه (^٢) على قبح فعلهم؛ لأنَّ مرتكبَ القبيح مع علمه بقُبحه أعظمُ جرمًا، لا تقييدُ الحكم وتخصيصُه (^٣) به، فإنَّ العالِم والجاهل المتمكِّنَ من العلم سواءٌ في التكليف.\nوإنَّما خَصَصْنا التوبيخَ بالوجه الأخير لأنَّ الظاهر أنَّ المراد على الأوَّل الهزُّ (^٤) لترك الأنداد، ووجْهُ ذلك: أنَّ التلطيف بعد التَّغليظ أَدْخَلُ في الأسماع وأَعْوَنُ على الإصغاء من التَّغليظ بعد التَّغليظ؛ ألا ترَى كيف وصَّى رسوله إذ أُرسل إلى عدوِّه وقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].\n\n<span id=\"aya-30\"> </span>(٢٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ لمَّا قرَّر وحدانيته، وبيَّن الطريق الموصِلَ إلى العلم بها، عقَّبه بذِكر ما هو الحجَّةُ على نبوَّة محمدٍ ﵇، وهو القرآنُ المعجِز بفصاحته، وعرَّف ما يُتعرَّفُ به إعجازه، ويُتيقَّن أنه من عند الله.\nثمَّ إنَّه سلك مَسْلَكَ الإطناب حيث لم يَقُل: وإن ارتبتُم، سَوقًا للكلام على وَفْق\n_________\n(^١) في \"د\" و\"م\": (النداء)، وفي \"ح\" و\"ف\": (الند)، والمثبت من \"ك\".\n(^٢) في \"ح\" و\"ك\" و\"ف\": (أو التنبيه).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (وتحقيقه)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (النهي)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":99},{"text":"حالهم، وتنبيهًا على توغُّلهم في الارتياب، واستمرارِهم على ذلك، واستقرارِهم فيه، وتضمينًا للنَّعي عليهم حيث بلَغوا النهاية فيما لا يجوز لأُولي الألباب الوقوعُ في بدايته، وهل هذا إلا (^١) غايةُ الغباوة والغواية؟\nوأتى بكلمة الشك مع تحقُّق الريب على خلافِ الظاهر؛ تكميلًا للنَّعْي عليهم بتنزيلِ حالهم المحقَّقِ منزلةَ المقدَّر؛ للتنبيه على أنَّ مثلَ ذلك الحالِ حقيق بأنْ يُعدَّ من قَبيل ما يُفرض كما يُفرض المحالُ.\nوالتنكيرُ في (ريبٍ) للتحقير، وفيه تنبيهٌ على أنَّ وضوح دلائل الإعجاز في المنزَّل المذكور بلغ إلى حدٍّ لا ينبغي أن يُفرض فيه ريبٌ إلا على وجه القِلَّة.\nو(مِن) تحتمِلُ (^٢) ابتداءَ الغاية والسببيةَ، و(ما) موصولةٌ؛ أي: مِن الذي نزَّلنا، والعائدُ محذوفٌ؛ أي: نزَّلناه، وتضعيفُ (نزَّلنا) بمنزلةِ همزةِ النَّقل، ويؤيِّده قراءةُ: (أنزلنا) (^٣)، ولا دلالة فيه على نزوله منجَّمًا في أوقاتٍ مختلفة؛ لأنَّ مَبناه على أن يكون التضعيفُ للتكثير، وذلك في المتعدِّي نحو: جرَّحتُ (^٤) وقطَّعتُ، ولا يكون في اللازم إلا نادرًا نحو قولهم: مات المالُ وموَّت (^٥)، إذا كثُر ذلك فيه، وحينئذ لا يجعله متعديًا كيلا يلزمَ الجمع بين\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\": (إلا أنه)، وفي \"د\": (إلا آية)، والمثبت من \"م\".\n(^٢) في \"م\" زيادة: (أن تكون).\n(^٣) هي قراءة يزيد بن قطيب. انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ١٠٦)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٢٨٦).\n(^٤) في \"ح\" \"ف\" و\"ك\": (خرجت)، والمثبت من \"د\" و\"م\" وهو الصواب؛ لأن (خرج) قبل التضعيف لازم، والكلام في الأفعال التي تكون متعدية قبل التضعيف. انظر: \"البحر المحيط\" (١/ ٢٨٧)، و\"روح\" المعاني\" (٢/ ٢٩).\n(^٥) في \"د\": (مات الإبل وموت الإنسان).","vol":"1","page":100},{"text":"معنى التضعيف، وذلك غيرُ جائز، وفيما نحن فيه لا بدَّ من معنى التعدية، فلا مجالَ لإرادةِ معنى التكثير.\nوالتَّعبير بـ (ما نزلنا) دون: القرآن، للتنبيه على أن الريب فيه باعتبارِ ذلك الوصف.\nوالعبادةُ لمَّا كانت أشرفَ الخصال، والتَّسمِّي به أنفسَ الحظظ، حتى قال الشاعر:\nلا تَدعُنِي إلا بيا عبده … فإنه أشرفُ أسمائي (^١)\nسمَّى نبيَّه عبدًا وأضافه إلى نفسه تنويهًا بذكره، وتنبيهًا على أنه مختصٌّ به ومنقادٌ لأمره لا يخالفُه (^٢)، فكأنه يقول: على الرسولِ الذي كلُّ ما يبلِّغه من عندنا.\nوقد شارَكَه ﵇ في ذلك التشريفِ بعضُ الأنبياء ﵈، إنما اختصاصُه ﵇ بتسميته بالعبد المطلَق، فإنه لم يُسمَّ غيره إلا بالعبد المقيَّد باسمه؛ كما قال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ [ص: ١٧] ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص: ٤١] وغيرهما، وذلك لأنَّ كمال العبودية ما تهيَّأ لأحدٍ من العالَمين إلا لحبيبه ﵇، وكمالُ العبودية في الحرِّية عمَّا سوَى اللهِ تعالى، وهو مختصٌّ بهذه الكرامةِ كما أَثنى الله تعالى عليه بذلك فقال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٦].\n_________\n(^١) البيت لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله المغربي الزاهد، كما في \"طبقات الصوفية\" للأزدي (ص: ١٩٦)، وهو دون نسبة في \"تفسير القرطبي\" (١/ ٣٤٩)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٢٨٨)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٣٠). ووقع في النسخ: (عبده)، والمثبت من المصادر وهو الصواب؛ لقوله قبله:\nيا قوم قلبي عند زهراءِ … يعرفه السامع والرائي\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (لا محالة). وفي \"ك\": (لا مخالفة).","vol":"1","page":101},{"text":"فلمَّا اختصَّ بهذه الحريَّة أُكرم باسم العبد المطلَق، كما قال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].\nوقرئ: (على عبادنا) (^١) يعني: النبيِّين الذين أُنزل عليهم الكتب، وفيه تنبيهٌ على أن مَن شكَّ في القرآن مع ظهورِ إعجازه فهو شاكٌّ في سائر الكتب الإلهية أيضًا حقيقةً أو حكمًا.\nويجوزُ أن يراد: مَن أَخبر بنبوةِ محمدٍ ﵇ وبشَّر بمجيئه من الأنبياء كموسى وعيسى ﵉.\nوالأمرُ في ﴿فَأْتُوا﴾ للتعجيز؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، والفاءُ لأنَّه جوابُ الشرط، وبدونها يقال: (ايتوا) الألِفُ مجتلَبة والهمزةُ صارت ياءَ لكسرةِ ما قبلَها، وسقطت همزتُها كراهةَ التقاء الهمزتين، وتثبت الياء كتابةً في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ [طه: ٦٤]؛ لأنَّه يُوْقَف على ﴿ثُمَّ﴾ ويبدأ: ﴿ائْتُوا﴾ ولا تثبت في قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ وفي قوله: ﴿وَأُتُوا﴾ لتعذر الفصل بين الفاء والكلمة، وكذا بين الواو والكلمة.\nوالسورة مأخوذةٌ من قولهم: سَار يسُور: إذا ارتفع وعلا، وسمِّي الجدار المحيط بالمدينة سورًا لارتفاعه، فالسورةُ من القرآن: مجموعُ آياتٍ مفصَّلةٍ ارتَفَعتْ وعَلَتْ وظهرت وصارت كالعَلَم في مُغايَرتها لسائر السُّوَر.\nوهي بإطلاقِها تتناولُ أقصرَ السُّوَر، وهي في القرآن سُورة الكوثر، وهي ثلاثُ آياتٍ قِصَارٍ، وهذا أبلغُ إلزامٍ وأتمُّ قطعٍ لأهل الخصَام، فقد كان التحدِّي أولًا بالإتيان\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٩٧).","vol":"1","page":102},{"text":"بمثلِ كلِّ القرآن لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ثم أَخبر (^١) عن عجزهم عن ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] ثم بعشرِ سورٍ مِثْلِه بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] ثم لمَّا ظهر عجزهم عنها أيضًا تحدَّاهم بسورةٍ بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وقد عجزوا عن ذلك كلِّه.\n﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ في محلِّ الجر صفةً لـ (سورةٍ)؛ أي: بسورةٍ كائنةٍ مِن مِثله، والضميرُ لـ (ما نزَّلنا)، والمعنى: إنْ كنتم في شكٍّ مما أنعمْنا على عبدنا لحُسنِ استعداده (^٢) في كمالِ العبودية بإنعام الوحي، ومن (^٣) نعمة القرآن في أنَّه من عندنا، زاعِمِين أنَّ معارضته بإيرادِ المثلِ مقدورٌ للبشر - على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]- ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ أي: مثلِ المقدور للبشر في زَعْمِكم، وقد أَفصح عن هذا المعنى في التحدِّي بعشرِ سورٍ، ولولا القصدُ إلى هذا لكان الظاهرَ أنْ يقال: فأتوا بمِثْلِ سورةٍ منه.\nورجوعُ الضميرِ للمنزَّل عليه لا يساعدُه المقامُ ولا الكلام:\nأمَّا الأولُ: فكما عرفتَ فيما تقدَّم أنَّ المقام مقامُ توسيعِ دائرة التحدِّي، حيث تنزَّل من التحدِّي بكلِّ القرآن إلى التحدِّي بعشرِ سورٍ، ثم إلى التحدِّي بسورةٍ، فلا يناسبه التضييقُ باشتراطِ أنْ يكون الآتي به أميًّا في هذه الصورة دون الصور السابقة.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"م\": (أخبرهم).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\" و، \"ك\": (بحسن اعتقاده).\n(^٣) في النسخ عدا \"م\": (ومنه)، والمثبت من \"م\".","vol":"1","page":103},{"text":"وأمَّا الثَّاني: فلأنَّ قوله: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في مَعْرِض ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨]- في قولكم: إنه مفترًى، اخْتلَقه محمدٌ ﵇ من عند نفسِه فأعانه عليه قومٌ آخرون (^١) - فهو أمرٌ بأن يستعينوا بكلِّ مَن يُعينهم في ذلك (^٢).\nفعلى هذا لا وَجْهَ للاشتراط المذكور.\nوأيضًا لا بُدَّ من اعتبارِ قيدِ المماثَلةِ بين المنزَّلِ والمأمورِ بإتيانه، وعلى تقديرِ عودِ الضمير المذكورِ إلى المنزَّل عليه يلزم أن يكون الكلام خلوًا عن ذلك القيدِ المهم.\nوالشُّهداءُ: جمع شهيد، معناها على ما قال ابن عباس ﵄: أعوانكم؛ لأنَّ الشاهد كالعون للمدَّعِي في استخراج حقِّه، والمراد من الدعاء: دعاءُ استصراخٍ.\nوكلمة (دون) لها معانٍ، والمراد هاهنا معنَى (غير)، وهي في الأصل اسمٌ، ولهذا دخله الخافضُ وخَفَضَها، ولكنها تُستعمل استعمالَ الحروف مفردةً عن اللام الذي هو للتعريف والتنوينِ الذي هو للتنكير - وهما من خصائص الأسماءِ - لأنها تفيد المعنى في غيرها كالحروف، فأُجريت مُجراها لذلك.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم السابق ذكرُه، والصدق: الإخبارُ المطابِقُ للواقع، هذا إذا كان وصفًا للمتكلِّم، وأمَّا إذا كان وصفًا للكلام فهو الخبرُ المطابق للواقع.\n_________\n(^١) ما بين حاصرتين زيادة من \"م\".\n(^٢) في \"م\": (يعينهم على ذلك في زعمهم).","vol":"1","page":104},{"text":"ولمَّا كان الأمر المذكور أمرَ تهكُّم وتعجيزٍ أَخبر أنهم ليسوا قادرينَ على إتيان المأمور به بقوله:\n\n<span id=\"aya-31\"> </span>(٢٤) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ لمَّا أَرشدهم إلى الدليل الذي يتبيَّن به أمرُ النبيِّ ﵇ وصِدقُه، وكونُ ما جاء به حقًّا، صرَّح بنتيجته لاستلزامِ نفي اللازم - وهو امتناعُ معارضته - نفيَ الملزوم الذي هو انتفاءُ الرَّيب فلزمَهُم تصديقُه والإيمانُ به، وإلا استوجَبوا أشدَّ العذاب.\nوإنَّما أَوْردَ الفعلَ في موضع الإتيانِ لأنَّه ما من شيءٍ من الأحداث إلا ويصحُّ أن يعبَّر به عنه وذلك؛ لِمَا ذكره الرَّاغبُ: أنَّ معناه أعمّ من معنى سائرِ أخواته نحوَ العمل والصُّنع والإحداث (^١).\nفالمعنى: فإنْ لم تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله ولن تأتوا بسورةٍ مِن مِثْله، ولا يخفى ما فيه من حسن الإيجاز (^٢).\nوأتَى بكلمة (إنْ) دون: إذا، مع تحقّقِ الشرط: إمَّا تهكُّمًا به، وإمَّا بناء على ظنِّهم قبل ظهور العجزِ عن المعارضة.\nو(لم) كلمةُ نفي تدخلُ على المستقبل وتجعلُه بمعنى الماضي، ثم دخولُ (إنْ)\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الراكب\" (١/ ١١٩).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد لمن زعم أنه من باب الكناية لأنَّه من قبيل ذكر العام في موضع الخاص، فإن أريد معنى الخاص بخصوصه فمجاز مرسل وإلا فحقيقة. منه).","vol":"1","page":105},{"text":"وهو للشرط يجعلُه بمعنى المستقبل، فكأنه فيه إشارةٌ إلى انقلاب حال المخاطَبين.\nولا محلَّ لقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾؛ لأنَّه اعتراضٌ قبل تمام المَرام، وهو من محاسن الكلام، إثارةً لهمَمِهم؛ ليكون عجزُهم بعد ذلك أبلغَ، ومعناه: لستُم بفاعلين ذلك أبدًا؛ لأنَّ (لن) لتأكيد النفي في المستقبل، فيشاركُ (لا) في نفيه ويُبايِنُه في التأكيد والتَّشديد.\nواختُلف في أصله فقيل: (لا أنْ)، وقيل: (لا) أُبدلت ألفُه نونًا، والظاهرُ أنه حرفٌ مقتضَبٌ برأسه، كما هو قولُ سيبويه وإحدى الروايتين عن الخليل (^١).\nقيل: فيه دليل على صحَّة نبوَّته ﵇ حيث أَخبر عن الغيب على ما هو به.\nوفيه: أنه من باب الكرامة، ولا اختصاصَ لها عند أهل الحقِّ بالأنبياء.\nوأمَّا الاستدلالُ بعدم كونه ﵇ شاكًّا في أمره فممَّا لا وجه له؛ لأن مَبْنَى دلالته على صحَّة دعواهُ على ثبوتِ عصمته عن الخطأ، وهو فرعُ ثبوتِ (^٢) نبوَّته، فإثباتُه به مصادَرةٌ.\n﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ جوابُ الشرط، وكُنيَ به عن ترك العناد تقريرًا للمكنيِّ عنه، وتهويلًا لشأن العناد، وتصريحًا بالوعيد مع الإيجاز، وذلك (^٣) أن مَن عانَدَ بعد وضوح الحقِّ له استَوْجَب العقاب بالنار، واتِّقاءُ النار من نتائج تركِ العناد.\nو(النار): هي نار جهنم.\n_________\n(^١) انظر: \"العين\" (٨/ ٣٥٠)، و\"الكتاب\" (٣/ ٥).\n(^٢) كلمة: (ثبوت)، ليست في \"م\".\n(^٣) في \"ف\": (في ذلك) بدل: (وذلك).","vol":"1","page":106},{"text":"وقيل: النار مجازٌ عن العناد، وهذا (^١) أشدُّ تهويلًا؛ لِمَا فيه من إبراز العناد في صورة النار بخلافِ الأولِ، فإنَّ النار حينئذٍ على حقيقتِها، والتهويلُ إنما جاء من إنابةِ اتِّقاءِ النار مَنابَ ترك العناد.\nثم إنَّ الأمر بالاتِّقاء أبلغُ من الأمر بالترك في النَّهي عن ملابَسة العناد.\nوتعريفُها بناء على أنَّ تلك النارَ كانت معلومةً للمخاطَبين بسماعهم من النبيِّ ﵇ بالذات أو بواسطةِ المؤمنين، وأيضًا هذه الآيةُ مدنيَّةٌ، فنزولُها بعدَ نزولِ قوله تعالى: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] لأنَّها مكيةٌ، فصحَّ تعريفها لكونها معروفةً قبل ذلك؛ ضرورةَ أن المكيَّات لنزولها (^٢) قبل الهجرة متقدِّمةٌ على المدنيات النازلةِ بعدها.\nولتفظيعِ شأن العناد هوَّلَ (^٣) وصفَ النار بقوله: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وكونُ الصلة معلومةً إنما اشتُرط في غير مقام التفخيم والتهويل، ألَا يُرى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]؟\nوالوَقود - بالفتح - ما يوقَدُ به النار، وبالضَّم: التهابُها، فهو مصدرٌ والأولُ اسمٌ، وقد جاء في المصدر بالفتح والاسمِ بالضمِّ، وقُرئ بهما (^٤).\nوالظاهرُ المناسبُ لبلاغة القرآن: أن يكون المراد به المصدرَ على أنَّ المجازَ\n_________\n(^١) في \"ف\": (وهو).\n(^٢) في هامش \"م\": (فيه تنبيه أن المكي ما نزل قبل الهجرة لا ما نزل بمكة كما يفهم من كلام الكشاف وكلام القاضي).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (بقول)، وفي \"م\": (وهو)، وفي \"ك\": (بهول)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) هي بفتح الواو قراءة الجمهور، أما القراءة بالضم فتنسب لعيسى بن عمر وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٤)، و\"المحتسب\" لابن جني (١/ ٦٣).","vol":"1","page":107},{"text":"عقليٌّ؛ فإن الغرض - وهو المبالغةُ في التهويل - يَحصل حينئذٍ على وجهٍ أتمَّ وأكملَ، وفي المصير إلى حذفِ المضاف تنزيلٌ لشأن التنزيل.\nو(الناس) هنا هم الكفار، و(الحجارة): جمع حَجر؛ كالجَمَل والجِمالة، وهذا جمعٌ على غير قياسٍ، والقياسُ فيه: الأحجار؛ كالشَّجر والأشجار.\nوقد صحَّ عن ابن عباس ﵁ على ما أخرجه ابن جريرٍ في \"تفسيره\"، وعن ابن مسعود ﵁ على ما أخرجه البيهقيُّ في \"البعث والنُّشور\": أنها حجارةُ الكبريت (^١).\nوإنَّما خُصَّت من بين أنواعِ الأحجار لأنها أسرعُ وُقودًا، وأبطأُ خمودًا، وأنتنُ رائحةً، وأكثرُ دخانًا، وأشدُّ حرًا، وألصقُ بالبدن.\nوالظاهرُ: أنَّ مرادَهما بيانُ الواقع لا تفسيرُ المراد هاهنا من لفظ الحجارة، فلا يتَّجهُ أنه تقييدٌ للمطلَق بغيرِ دليلٍ، فهي على إطلاقها، فلا يَفوت ما قُصد به من تهويلِ شأنِ تلك النارِ وتَفاقُمِ لهبها حيث تَتَّقد بما لا يَتَّقد به غيرُها.\nوأمَّا احتمالُ أنْ يراد بها الأصنامُ فيأباه العموم المستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] فإن بعض ما عَبدوا ليس من جنس الحجر، ومعنى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أن تلك النارَ لا تَتَّقد إلا بها.\n﴿أُعِدَّتْ﴾ إن (^٢) الإعداد - وهو التهيئةُ والإرصاد - أكثرُ استعماله في الموجود،\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٤٠٣ - ٤٠٤) عن ابن عباس وابن مسعود، والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٥٠٣) عن ابن مسعود، ورواه عنه أيضا عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٤٠).\n(^٢) كلمة: (إن) ليست في \"ك\".","vol":"1","page":108},{"text":"وقد يُستعمل فيما هو في معنى الموجود؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] فدلالةُ الآية على أنَّ النار مخلوقةٌ الآن كما هو مذهبُ أهل الحق ليست بقويَّةٍ.\n﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ختمٌ بما وقع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفر الموجِبَ للنار فإنها أُعدَّت للكفار، والجملةُ استئنافٌ يؤيِّدُه عطفُ (وبُشِّرَ) - على لفظِ المبنيِّ للمفعول (^١) - عليه.\nوقيل: صلةٌ بعد صلةٍ بلا عاطفٍ بينهما على قياسِ ما يقع في الأخبار والصفات، ويؤيدُه قولُه تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأمَّا العطفُ بترك العاطف فتجويزُه يؤدِّي إلى الإلباس في مواضعِ الفصل والوصل.\nودلالةُ لام الاختصاص على أنَّ إعداد تلك النَّار للكفار، ولا يلزمُ من ذلك اختصاصُها بهم، كما لم يَلزم من اختصاص إعداد الجنة للمتَّقين أنْ لا يدخلها غيرُهم، فلا حاجة إلى أنْ يقال: إنَّ النار التي وقودُها الناسُ والحجارة هي للكفَّار خاصةً ولغيرهم نارٌ غيرها (^٢).\n\n<span id=\"aya-32\"> </span>(٢٥) - ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n_________\n(^١) هي قراءة زيد بن علي كما في \"الكشاف\" (١/ ١٠٤). وهي شاذة، وقراءة الجمهور بالمبني للمعلوم.\n(^٢) في هامش \"د\": (رد).","vol":"1","page":109},{"text":"﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البشارة في اللغة اسمٌ لخبرٍ يغيِّر بَشَرةَ الوجهِ مطلَقًا سارًّا (^١) كان أو محزنًا، إلَّا أنَّه غَلب استعمالُها في الأول، وصار اللفظ حقيقةً له بحكم العُرف حتى لا يُفهمُ منه غيرُه، واعتُبر فيه الصدقُ على ما نُصَّ عليه في الكتب الفقهيَّة، فالمعنى العُرفيُّ للبشارة: الخبر الصادقُ السارُّ الذي ليس عند المُخبَر به علمُه.\nوالمأمورُ بالتبشير على قراءةِ: (بشِّر) على لفظ المبنيِّ للفاعل: الرسولُ ﵇.\nولا وجهَ للتعميم لكلِّ مَن يقدرُ على البشارةِ مِن غيرِ تعيينٍ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مدار البشارة على الصِّدق، فحقُّها أن يكون المبشِّرُ صادقًا ومُصدَّقًا، كأنه ما اتَّكل في أمرِ التبشير على كلِّ قادرٍ عليه، بل نصَّ على أعظمِهم وأصدقِهم؛ ليكون ذلك أوثقَ عند المبشَّرين، وأقطعَ في الإخبارِ بهذه البشارةِ الجليلة، وفيه من التعظيم لأمرِ البشارة والمؤمنين ما لا يَخْفَى.\nوالجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ قصةٍ على قصةٍ بينهما جهةٌ جامعةٌ بحيث تقتضي أنْ يُقفَّى (^٢) ذكرُ إحداهما بذكرِ الأخرى؛ توفيةً لحقِّ الكلام، ورعايةً لِمَا يقتضيه المقام، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ خطابٌ عامٌ يشمل الفريقين: الموافقَ والمخالفَ.\nثم إنَّ قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ مختصٌّ بالفريق الأوَّل ومضمونُه الإنذارُ، وأنَّ قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣) مختصٌّ بالفريق الثاني ومضمونُه البشارةُ، كأنه أوحَى\n_________\n(^١) في \"م\": (مُسرًا).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\": (يقع)، والمثبت من \"د\".\n(^٣) في \"د\": (وبشر الذين)، وفي \"ك\": (وبشر المؤمنين).","vol":"1","page":110},{"text":"إلى نبيِّه أن يدعوَ الناس قاطبةً إلى عبادته وتوحيده وتصديقِ رسوله، ثم أَمر أن يُنذِر مَن أبَى وعانَدَ، ويبشِّرَ من آمن وعَبد، وهذا هو المعتمَد.\nوقيل: معطوفةٌ على مقدَّرٍ بعد ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: فأنذِر الذين كفروا بتلك النارِ وبشِّر الذين آمنوا، وعلى هذا تكون الواو فصيحةً كما في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]؛ أي: فاحذَرْني [واهجُرني] (^١).\nوقيل: معطوفةٌ على قولٍ مقدَّرٍ قبل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: قل كذا وكذا وبشِّر المؤمنين، ولا يأبى عن ذلك قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، فإنه قد جاء في كلام الله تعالى في غيرِ موضعٍ (^٢)، منها قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، قالوا: كان حقُّه: على قلبي، لكنه جاء على حكايةِ كلامِ الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.\nوجوِّز أن تكون معطوفة على قوله: ﴿فَاتَّقُوا﴾ على أنه ليس جوابًا للشرط، بل هو محذوف، وهذا مرتَّب عليه، فعلى هذا يكون تقديرُ الكلام: إذا تَبيَّن عجزُكم عن المعارضة فقد صحَّ عند المعاند والموافق (^٣) صدقُه، وإذا كان كذلك فاحذَروا أيها المعانِدون العقابَ وبشِّر يا محمدُ المصدِّقين بالثواب، وعطفُ الأمر لمخاطَبٍ على الأمرِ لمخاطَبِ آخَرَ مما أخطأ في منعه النُّحاة؛ لوقوعه قطعًا في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، وستقف على تتمة هذا الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (٣/ ٢١).\n(^٢) في هامش \"د\": (من وهم أن فيه تعسفًا فقد وهم. سعد الدين).\n(^٣) في \"ك\": (والمنافق).","vol":"1","page":111},{"text":"﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الصالحة نحوُ الحسنة في جَرْيها مَجرى الاسم، وهي ما ورد به الأمر إيجابًا أو ندبًا من الأعمال، وتأنيثُها على تأويل الخصلة، والتَّعريفُ للجنس، لكن لم يُرَد بالصالحات جنسُ الجمع، بل جميعُ الجنس باعتبار التوزيع، واللازمُ منه أن يَعمل كلُّ مكلَّف ما يَختصُّ به من مَواجِب التكليف؛ كما في: لَبِس القوم ثيابهم، ودخلوا مساجدهم، لا أنْ يَعمل كلُّ واحد منهم عملًا واحدًا منها كيف ما كان.\nوفي مقارنةِ الإيمان والعمل الصالح في القرآن إيذانٌ بأنهما كالمتلازِمَين في توقُّف مجموع النَّجاة والثواب عليهما، وهذا لا ينافي لكون الإيمان المجرَّد عن العمل الصالح منجيًا.\nثم إنَّ (بشَّر) يتعدَّى إلى مفعولٍ بنفسه وإلى آخَرَ بحرف الجر، وهو قوله:\n﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وحُذف منه الحرفُ، وهو في موضع نصبٍ على مذهبِ الخليل (^١)، لا في موضعِ جرٍّ، خلافًا لمن قال: مذهبُه أنه في موضع جرٍّ (^٢)، وهو ابنُ مالكٍ، قاله في \"التسهيل\" (^٣)، وهو قليلُ الإلمام بكتابِ سيبويه.\nواللامُ للاختصاص، إلا أنَّ التَّخصيص بفضلِ الله تعالى لا بالاستحقاقِ الذَّاتيِّ، والمختصُّ بهم منازلُ عاليةٌ من دارِ الثَّواب لا الدارُ نفسُها حتى يُشْكِلَ بالنُّصوص الدالَّة على عدم اشتراطِ العملِ في الدخول بها، ولذلك قال: ﴿جَنَّاتٍ﴾ دون: الجنة؛ فإنها عَلَمٌ لتلك الدَّارِ.\n_________\n(^١) ذكره عنه سيبويه في \"الكتاب\" (٣/ ١٢٧)، لكن سيبويه قوَّى القول بالجر أيضًا.\n(^٢) في هامش \"د\": (كذا قال أبو حيان).\n(^٣) انظر: \"شرح التسهيل\" (٢/ ١٥٠)، وتابعه في نسبة القول بالجر للخليل أبو حيان في \"البحر\" (١/ ٣٠٨).","vol":"1","page":112},{"text":"وحملُ الجنَّات على الجِنَانِ الثمانيةِ لا يلائمُه مقابلةُ الجمعِ بالجمع؛ لأنَّ مقتضاها الانقسامُ والتوزيع، وقد رُوعيَ (^١) ذلك في قَرِينتها السَّابقة، ولا مجالَ لرعايتها هاهنا لعَدَم العهد في توزيعها.\nثم إنَّ ذلك الاختصاصَ مشروطٌ بسلامةِ العاقبةِ؛ لأنَّ الاعتبار للخاتمة على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وأمَّا الاستمرار على الإيمانِ المقارنِ (^٢) بالعمل الصالح فليس بشرط.\nوالجَنَّة في الأصلِ: المرَّةُ من الجَنِّ، وهو مصدر جَنَّه: إذا ستره، ومدارُ التركيب على ذلك، سمِّي به الشجر المظلِّل لالتفاف أغصانه وسترِ ما تحته، ثم البُستانُ لِمَا فيه من الأشجار المتكاثفةِ المُظلَّة، ثم دارُ الثواب لِمَا فيها من الجِنَان.\nوالمراد هاهنا: الغرفُ، وهي المواضع العالية والمنازلُ الرَّفيعة من بساتين الجَنة، على ما أَفصح عن ذلك في قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٥٨] فإنَّ القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا.\nوتنكيرُ الجنات للتعظيم؛ أي: جنَّاتٍ أيَّ جنَّاتٍ (^٣) لا يُكتَنه وصفُها، ثم أكَّده بالأوصاف الغريبة (^٤).\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (روي)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"د\": (القارن).\n(^٣) (أي جنات): من \"م\" و\"ك\".\n(^٤) في \"ح\" و\"ف\" و\"م\": (القريبة).","vol":"1","page":113},{"text":"ويجوز أن يكون المراد: جنَّات شتَّى مرتبة في مراتبَ بحسب طبقاتهم ودرجات أعمالهم وعلومهم وأخلاقهم.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الضمير للجنات، يعني: من تحت تلك الغرف، وفيه تنبيهٌ على أنها منازلُ عالية، وقد جاء في الآثار: أن الجنة درجاتٌ والنارَ دركاتٌ (^١).\nوالنَّهَر - بالفتحتين، وبسكونِ الثاني (^٢) -: المَجْرَى الواسع، والمراد: الأنهارُ المعهودة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] فإنَّ الأصل في التعريف العهدُ، ولا يُعْدَل عنه إلا عند التعذُّر ولا تعذُّرَ هاهنا؛ إذ لا حاجةَ في ثبوت العهد إلى سبق نزول تلك الآية؛ فإن المخاطَب بتبليغ البشارة هو النبيُّ ﵇، فكفى عملُه بها بإعلامٍ من الله تعالى، وفي البيان بقوله: ﴿مِنْ مَاءٍ﴾ دلالةٌ قاطعة على أن المراد: ماءُ الأنهار، على التجوُّز فيها أو الإضمار.\n﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ صفةٌ ثانية لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هي (^٣)، أو جملة مستأنفة على تقدير سؤال يَختلج في ذهن السامع: أَثِمارُها من جنسِ ثمار جنات الدنيا أم أجناسٌ أُخَر؟ فقيل: من جنسها.\nو﴿مِنْ﴾ الأولى لابتداء الغاية، وكذا الثانيةُ، واقعتان موقع الحال، و﴿رِزْقًا﴾\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٣٠٤).\n(^٢) في هامش، \"د\" و\"م\": (من قال بالفتح والسكون فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾).\n(^٣) في هامش \"د\": (وهنا بحث، وهو أن الجملة المحذوفة المبتدأ إما أن تجعل صفة أو استئنافًا، فاعتبار الضمير لغو، وإما أم يكون كلاما مبتدأ غير صفة ولا استئناف، فليكن بدون اعتبار الحذف كذلك. سعد الدين).","vol":"1","page":114},{"text":"مفعول ثان بمعنى: المرزوق، وأصل الكلام ومعناه: كلَّ حينٍ أو مرةٍ رزقوا مرزوقًا مبتدأً من الجنات مبتدأً من الثمرة، قيِّد الرزق المطلقُ بكونه من الجنات، ثم المقيَّدُ بكونه من الجنات قيِّد بكونه مبتدأً من أيِّ ثمرةٍ من ثمارها، فصاحب الحال الأولى ﴿رِزْقًا﴾ وصاحب الحال الثانية ضميرُه المستكِنُّ في الحال.\nويجوز أن تكون الثانيةُ للتبعيض؛ أي: كلَّما رزقوا من تلك الجنات بعضَ الثمرات، على أنه مفعول ثان، و﴿رِزْقًا﴾ حال أو نصبٌ على المصدر (^١).\nوليس المراد من الثمرة: الثمرةُ الواحدة بالشخص، وإنما المرادُ النوع الواحد من أنواع الثمار، يقال: فلانٌ أدركتْ ثمرةُ بستانه، والمراد الجنس.\nويجوز أن تكون بيانًا؛ كما تقول: رأيت منك أسدًا؛ أي: أنت أسدٌ، وعلى هذا الوجهِ يصحُّ أن يراد بالثمرة النوعُ، والجَناةُ الواحدةُ.\n﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ هذا في الدنيا، والمقول جملة تشبيهية لقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي: هذا مثلُ الذي - أو: كالذي - رزقنا من قبلُ، حُذف حرف التشبيه لاستحكام الشَّبَه كأنَّ ذاتَه ذاتُه.\nوإنما جُعل ثمارُ الجنة من جنس ثمار الدنيا لتميل النفس إليها أولَ ما رأت، فإنه لو لم يكن من جنسها لأَمْكَن أن تنفرَ منها طباعُهم وتعافَها نفوسُهم في أول الوهلة\n_________\n(^١) في \"م\": (المصدرية). ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول، ورِزْقًا مصدر مؤكد أو في موقع الحال من ﴿رِزْقًا﴾؛ لبُعده، مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع، على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزاء لمجرورها لا جزئيًّا، فتأتي الركاكة هاهنا. انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":115},{"text":"وبادئ النظر (^١)، وهذا لا ينافي الْتذاذَه به فوقَ الْتذاذِه (^٢) بمَأْلوفاتِه بعد الوقوف على طعمه، ولا يخالفُ ما اشتَهَر فيما بينهم من أنَّ لكلِّ جديد لذةً، ولأنهم إذا صادفوا ما الْتذُّوا به وأَلِفوه من جنسِ ما (^٣) كان معهودًا لهم، ورأوا بينه وبين ما عَهِدوه تفاضُلًا بيِّنًا وتفاوتًا عظيمًا، عرفوا قَدْر النعمة وحقَّها، وبلغ استلذاذُهم به واستحسانُهم له إلى ما لا يمكن وصْفُه؛ لكونه نعمةً غيرَ مترقَّبةٍ، ولو كان من جنسٍ آخر - وإنْ فاق وبلغ غايةَ الحُسن وراق - لحسبوا (^٤) أن ذلك الجنسَ لا يكون إلا كذلك، ولم يقع في أنفسهم وَقْعَ تلك النعمةِ.\nوتكرارُهم هذا القولَ واستئنافُهم له عند كلِّ ثمرةٍ يُرزقونها دليل على تناهي الأمرِ في الفضيلة والمزيَّة، وأن ذلك الفرقَ البيِّنَ والتفاوتَ العظيم هو الذي يستدعي تلفُّظَهم بذلك ويَستنطقُهم ويَستَهِشُّهم فرحًا وحبورًا، ولا يدعُهم يَقَرُّوا ويسكتوا بل يستفزُّهم لذةً وسرورًا.\nوعن مسروقٍ: نخل الجنة نضيدٌ من أصلها إلى فرعها (^٥)، كلما نُزعت\n_________\n(^١) في هامش \"د\": (قوله - أي: قول صاحب \"الكشاف\" -: \"لأنَّ الإنسان بالمألوف آنس\" هذا جيد لو لم يضم إليه قوله: \"وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه\" فإنَّ بطلانه ظاهر، ولكل جديدة لذة، والحديث المعتاد مثلٌ في الكراهة. سعد الدين). ونقله الشهاب في \"حاشيته على البيضاوي\" (٢/ ٧٠) ثم تعقبه بقوله: وليس بشيء. وفيه: (… والحديث المعاد …).\n(^٢) في \"د\": (فوق ما التذ).\n(^٣) في النسخ عدا \"د\": (من جنسها)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) في النسخ عدا \"د\": (ظنوا)، والمثبت من \"د\".\n(^٥) في هامش \"د\": (أي: نخل ثمارها [كذا، ولعل الصواب: ثمار نخلها] منضود من أولها إلى آخرها، يعني أن الثمر في كل جزء من أجزاء النخلة، لا في بعضها كما في الدنيا. قطب الدين).","vol":"1","page":116},{"text":"منها ثمرةٌ عادت مكانها أخرى، وأنهارُها تجري في غيرِ أُخدود (^١).\nوالضمير في ﴿بِهِ﴾ يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة؛ لاشتمال الكلام عليهما (^٢)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أي: بجنسي الغنيِّ والفقير، ولو رجع إلى المذكور لقال (^٣): أولى به.\nويجوز أن يكون المعنى: مِن قَبْلِ هذا في الجنة؛ لأن طعامها متشابهُ الصورة، كما حكى الحسن: يؤتَى أحدُهم بالصَّحْفة (^٤) فيأكل منها، ثم يؤتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُتينا به من قبلُ، فيقول الملَك: كُلْ، فاللَّونُ واحدٌ والطَّعمُ مختلِفٌ (^٥). وعلى هذا يرجع الضمير إلى الرزق المطلَق كما أن ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إليه.\nولا يَخفَى أن الوجه هو الأولُ؛ لعدم المساعدة في نكتة ﴿كُلَّمَا﴾ للأخير. والجملة اعتراضيةٌ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] (^٦)، والواوُ في: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ عاطفةُ الجملة من تتمَّة وصفِ ثواب المؤمنين.\n_________\n(^١) رواه الثوري في \"تفسيره\" (ص: ٢٨٠)، ومن طريقه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٣/ ٢٦٧)، وهناد في \"الزهد\" (١٠٤).\n(^٢) في \"ح\" و\"د\" و\"ك\" و\"م\": \"عليها\"، والمثبت من \"ف\".\n(^٣) في \"د\": (لقيل)، وفي \"ك\": (لكان).\n(^٤) في هامش \"د\": (هي القصعة التي يأكل منها خمسة رجال).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٠٩)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٤١٠) من قول يحيى بن أبي كثير.\n(^٦) في هامش \"د\": (هذا على تجويز الاعتراض في آخر الكلام، والأكثرون يسمونه تذييلًا. سعد الدين).","vol":"1","page":117},{"text":"و﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ بالتوحيد، و(مُطهَّراتٌ) بالجمع (^١)، لغتان فصيحتان في وصف ﴿أَزْوَاجٌ﴾ لكونه جمعَ التكسير وإن كان جمعَ المؤنث الحقيقيِّ، بخلافِ ما لو قال: زوجاتٌ، لسلامة الواحد فيه فلم يجز إلا: مطهراتٌ، كأنه قال: جماعةُ (^٢) أزواج مُطهَّرةٌ.\nوبناؤه للمفعول أفخمُ؛ إذ فُهِم أنَّ لها مطهِّرًا، وليس إلا اللهُ تعالى، فتكون (^٣) طهارتُهن أعظمَ من كلِّ طهارة.\nفإن قيل: هذا معارَض بأن فيه إشعارًا بسابقةِ التلوُّث (^٤) بما يُستقذَر، والكمالُ في كون الطهارة خَلْقيَّةً، بخلافِ بناء الفاعل فإن المتبادِر منه بمعونةِ المقام أن تكون طهارتُهن خَلْقيَّةً.\nقلنا: نعم، هو (^٥) كذلك، إلا أن الأول أرجحُ لكونه أدخَلَ في البلاغة؛ لِمَا فيه من تعظيم المؤمنين، وهو المناسبُ للمقام، ورعايةِ جانبِ مَن سيقَ له الكلامُ، وتطهيرُهنَّ من الأوصاف القبيحةِ في الخَلْق والخُلق.\nلمَّا كانت مَجامعُ اللَّذةِ في المسكن الهنيِّ، والمشرَب الرَّوِيِّ، والمَطعَم الشهيِّ، والمنكَحِ الرَّضيِّ (^٦)، ذكَرها تعالى فيما يبشَّر به المؤمنُ، وبدأ بالمسكنِ\n_________\n(^١) هي قراءة تنسب لزيد بن علي. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١١٠).\n(^٢) في \"ك\": (جمع).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\" و\"م\": (لتكون).\n(^٤) في \"ح\" و\"ف\": (التعويث)، وفي \"ك\": (التغويث)، وفي \"م\": (التلويث).\n(^٥) كلمة: (هو) من \"م\".\n(^٦) في \"د\": (العرضي)، وفي \"ح\" و\"ف\" و\"ك\": (الوحي)، والمثبت من \"م\".","vol":"1","page":118},{"text":"لأنَّه به الاستقرارُ، ثم بالمشرب والمطعم لأن بهما قوامَ الجسم، وقدَّم المشرب لِمَا فيه من تشريف المسكن، ثم بالأزواج لأنَّ بها تمامَ اللذة والأُنس.\nولمَّا ذكر مجامعَ اللذةِ وذلك يَنقُصُ (^١) بخوفِ الزوال، فنَفَاه بقوله:\n﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الخلد: البقاء الدائم الذي لا يَنقطِع؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وتقييدُه بالتأبيد بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] يقطعُ التجوُّزَ، فإنَّ استعماله في الثبات المديدِ وإن لم يَدُمْ متعارَفٌ شائع (^٢).\n\n<span id=\"aya-33\"> </span>(٢٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ لمَّا بيَّن التَّوحيدَ، وأَثبت صحَّة النبوَّة بالبرهان، وهداهم أساس الدِّين وأصلَ الإيمان، وأرشدهم إلى معرفة حقيقةِ القُرآن، وأفحمَهم بالتحدِّي، ورتَّب الوعيدَ على الكفر به والوعدَ على الإيمان، شَرَع في إبطال الاعتراضات والشُّبهات التي طَعن لها الجاحدون الجهَلةُ:\nكقولهم: إن الله أجلُّ قَدْرًا وأعظمُ شأنًا من أن يمثِّل بهذه المحقَّرات كالذُّباب والعنكبوت.\nوقولهِم: أمَا يستحي ربُّ محمد؟\n_________\n(^١) في \"ف\": (ينتقص)، وفي \"د\": (ينفضّ).\n(^٢) في هامش \"د\": (رد للقاضي).","vol":"1","page":119},{"text":"فأجابهم بما دلَّ على أن التمثيل أمرٌ يستدعيه حالُ الممثَّل له، فكلَّما كان أعظمَ كان الممثَّلُ به أعظمَ، وكلَّما كان أحقرَ كان الممثَّلُ به أحقرَ؛ كقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] فيَلزم أن يكون لآلهتهم المثلُ الأدنى؛ لأنها جماداتٌ لا قوةَ لها ولا شعور؛ إذ الغرضُ من التمثيل تصويرُ المعقول بصورةِ المحسوس، وتقريرُ المعنى المرادِ في النفس، ولا يعارض العقلَ في المعاني المعقولةِ إلا الوهمُ؛ لميله إلى الحسِّ وامتناعِ إدراكه المعانيَ الكليَّةَ، فإذا تمثَّل المعنى العقليُّ (^١) بصورةٍ محسوسةٍ أَذعن له وانقاد، وقَبِل المعنى المراد، ولهذا كثُر التمثيل في كلام البلغاء والحكماء والأنبياء، وفشا في الكتب الإلهية.\nولا يتعلَّق حالُ المثَل في الحُسْن والقبح بحالِ الممثِّلِ إلا فيما يُصار إليه من وجه الشَّبَه (^٢) بين الممثَّل به والممثَّل له، فإنْ لم يكن مطابقًا بأنْ لا يكون الوصف المشترَك المقصودُ إظهارُه في الممثَّل به أجلى وأقوى وأشهرَ كان الممثِّل قاصرًا في البلاغة، منسوبًا إلى الدناءة.\nوإن كان مطابقًا بأنْ كان المعنى المرادُ إفهامُه في الممثَّل به أبلغَ وأتمَّ، وأكملَ وأعمَّ، كان الممثِّل أجلَّ قَدْرًا وأعلى شأنًا.\nولهذا كان تمثيلُ الله تعالى آلهتَهم بالبعوضة فما فوقها في المعنى الممثَّل له من الحقارة؛ أي (^٣): ما هو أحقرُ منها كجناحها ومخِّها - وكما قيل: أقلُّ من لا شيء - في غايةِ الحُسن والجزالة، ونهايةِ الفصاحة والبلاغة؛ كما تقول: فلانٌ أقلُّ قَدْرًا من الكلب، فيقول صاحبك: وفوق ذلك؛ أي: في قلَّة القَدْر.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ك\": (للعقل)، وفي \"ف\": (العقل).\n(^٢) في \"د\": (التشبيه)، وسقطت من (م).\n(^٣) في النسخ عدا \"د\": (إلى)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":120},{"text":"وقد جاء في الإنجيل تمثيلُ غلِّ الصدر بالنخالة، ومعارضةِ السفهاء بإثارة الزنابير، وفي كلام العرب: أصرد (^١) من جرادٍ، وأسمعُ من قُرادٍ.\nوَيحتمِل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ العنكبوتَ والذُّباب، وما ورد في المثَل مما هو أعظمُ من البعوضة، ردٌّ لِمَا استنكروه؛ كما قيل: فلانٌ بخيلٌ بدرهم، فتقول: إنه بخيل بدانق فما فوقه؛ أي: فضلًا عما فوقه في العِظَم من الدرهم.\nوالحياء: انقباضُ النفس بمخافةِ الذَّمِّ، وهي الوسطُ بين الوقاحةِ التي هي الجرأةُ على القبائح وعدمُ المبالاةِ بها، والخجالةِ التي هي انحصار النفس عن الفعل مطلقًا.\nواستعمالُ الاستحياء لله تعالى مجازٌ على سبيل التمثيل؛ أي: لا يَترك ضربَ المثل بالمحقَّرات تَرْكَ مَن يَستحْيِي بحقارتها، وقد جاء في الحديث: \"إنَّ الله ليستحيي (^٢) من ذي الشَّيبةِ المسلمِ أن يعذِّبه\" (^٣).\nوفي التمثيلِ من المبالغةِ ما لا يَخْفَى على الفَطِن؛ للتَّخييل، وتصويرِ المعقول بصورة المحسوس أو الوجدانيِّ (^٤) المدرَك بالضرورة.\n_________\n(^١) في النسخ: (أجرد)، وفي هامش \"م\": (لعله: أبصر). والصواب المثبت، يقال: صَرِدَ الرجل يَصْرَد صَرَدًا فهو صَرِدٌ ومصْراد: للذي يجد البرد سريعًا، وذلك أن الجرادة لا تُرى في الشتاء أبدًا لقلة صبرها على البرد. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١١٢)، و\"فتوح الغيب\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) في \"م\": (يستحيي).\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"الزهد\" من حديث أنس بنحوه، وابن أبي الدنيا في كتاب \"العمر\" من حديث سلمان بنحوه. انظر: \"نواهد الأبكار\" (٢/ ١٤٣). وروى ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥٢٨٦)، عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعًا: \"إن الله ﷿ ليستحيي من ذي الشيبة المسلم إذا كان مسدَّدًا لَزومًا للسنَة أن يسأل الله فلا يعطيه\". قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٤٩): وفيه صالح بن راشد وثقه ابن حبان وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) في النسخ عدا \"د\": (أو القصد إلى)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":121},{"text":"ويجوز أن يكون وقوعه على سبيل المقابلة وتطبيقِ الجواب والسؤال، فإنه لمَّا جاء في كلام الكفَرة: أمَا يَستحيي ربُّ محمدٍ أن يضرب المثَل بالذباب والعنكبوت، قابلَه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ﴾ وهو في كلامهم نوعٌ بديعٌ وفنٌّ عجيبٌ يستحبُّونه ويَرتضونه لمراعاةِ المشاكَلة.\nوضربُ المثل: صُنْعُه واعتمالُه، من ضَرْبِ اللَّبِن وضربِ الخاتم، وأصله: وَقْعُ شيء على آخَرَ، والاستحياءُ يتعدَّى بنفسه وبـ (مِن)، فعَلى الأول يكون ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾ منصوبَ المحلِّ على المفعولية، وعلى الثاني يكون مجرورَ المحل بتقدير: (مِن)، أو منصوبًا (^١) بنزع الخافض حذفًا (^٢)، وتعديَةُ الفعل إليه بنفسه.\nو(مثَلًا) مفعولٌ لـ (يضربَ)، و(ما) إبهاميةٌ منصوبةُ المحلِّ صفةُ ﴿مَثَلًا﴾ تزيدُه شياعًا وعمومًا وإبهامًا وسدًّا لباب التقييد، أو مزيدةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. أي: مَثَلًا حقًّا.\nو(بعوضةً) منصوبٌ بدلٌ أو مفعولٌ به، وقيل: عطف بيان لـ (مثلًا)، وفيه: أنه لا يكونُ في النكرات عند الجمهور.\nو(مثلًا) حالٌ متقدِّمةٌ عليها لتنكيرِها، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (يضربَ) إجراءً لـ (ضَرَب) مُجرى جَعَل وصَيَّر.\nوإنْ رفعتَ (بعوضةٌ) (^٣) فـ (ما) موصولةٌ حُذف صدرُ صِلَتها؛ كما في قوله\n_________\n(^١) في النسخ: (منصوب)، والمثبت هو الجادة.\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (أي: حُذف نسيًا منسيًا لا مقدرًا كالملفوظ. منه). وزاد في \"م\" قبل (كالملفوظ): (لأنَّه) أو: (بأنه).\n(^٣) وبها قرأ جماعة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٤)، و\"المحتسب\" لابن جني (١/ ٦٤).","vol":"1","page":122},{"text":"تعالى: (تمامًا على الذي أحسنُ) بالرفع (^١)، أو موصوفةٌ كذلك؛ أي: صفتُها جملةٌ محذوفةُ المبتدأ، ولـ (ما) الوجوهُ الأربعةُ المذكورةُ في (بعوضةً) بالنصب، ووجهٌ آخرُ أعربُ وأفصحُ، وهو أن تكون (ما) استفهاميةً مبتدأً خبرُه (بعوضةٌ)؛ أي: ما البعوضةُ فما فوقها؟ كما يقال: فلان لا يبالي ما دينارٌ وديناران؟\nوالبعوضُ من البَعْضِ؛ كالقَطوع والخَموش من القَطْع والخَمْش، ومعنى البَعْض: القَطْع كالبَضْع والعَضْب، ومنه: بعضُ الشيء؛ لأنَّه قطعةٌ منه، وهو في الأصل صفةٌ غلبت على هذا النوع.\n﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ عطفٌ على (بعوضة)، أو على (ما) إنْ جُعل اسمًا.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ (أمَّا) حرف التفصيل، وفيه معنى الشرطِ، ولذلك يجاب بالفاء، يفيد الكلامَ توكيدًا؛ تقول: زيد ذاهب، فإذا أكَّدتَ قلتَ: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ.\nوما بعدَ (أمَّا) جملةٌ جزائية حقُّها أن تصدَّر بالفاء لولا دخولُ (أمَّا) عليها، فأخِّر إلى الخبر لوجودها، وجُعل المبتدأ سادًّا مسدَّ الشرط المحذوف لفظًا.\nومعنى التفصيل في (أمَّا) وتصديرِ الجملتين بها: أن بين الفريقين غايةَ البُعد والتضادِّ في فضل الفريق الأول وتحقيقِهم في علمِهم وإصابةِ نظرهم وهدايتهم وسدادهم، ونقصِ الفريق الثاني وتعمُّقِهم في جهلهم وإزاغة بصرهم وغوايتهم وزيغهم، أو عنادِهم ومكابرتهم؛ لأنهم بين أن لا يتفطَّنوا لوجهِ التمثيل وحسنه وحقيقته، وبين أن يُعانِدوا ويكابروا كِلَا الأمرين، وفيه بُعْدٌ عن مقتضى الفطرةِ،\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١١٥).","vol":"1","page":123},{"text":"وسقوطٌ عن درجة الإنسانية، وتجافٍ عن الصَّواب والسَّداد، وانهماكٌ في الغيِّ (^١) والفساد.\nوالحقّ: هو الأمر الثابت الصحيح في نفس الأمر، الذي لا يَسوغُ عند العقل إنكارُه، يقال: حَقَّ الأمرُ: إذا ثبت.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ﴾ إنما قال في مقابلةِ قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾؛ لدلالته على عدم العلم بأبلغ الوجوه وآكَدِ البرهان، فإن صُدور القول المذكور منهم يدلُّ على فَرْط الغباوة من عدم التفطُّن، أو مخالفةِ العلم بالمكابرة، وإهمالُ العمل بمقتضى العلمِ جهلٌ أيضًا.\n﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ يحتمل أن تكون (ما) استفهاميةً، و(ذا) بمعنى الذي وما بعدَه صلتُه، والمجموعُ خبرُ (ما)، وأن يكون مع (ما) اسمًا واحدًا بمعنى: أيَّ شيء، منصوبَ المحل على المفعولية، مثلَ: ما أراد الله؟ والأحسنُ في جوابه الرفعُ على الأول والنصبُ على الثاني؛ ليطابق الجوابُ السؤالَ.\nوالإرادة: نَزْعُ النفس وميلُها إلى الشيء، وهو نقيضُ الكراهة التي هي النُّفرة.\nوإرادةُ الله تعالى ليست بصفةٍ زائدةٍ على ذاته كإرادتنا، بل هي عينُ حكمته التي تخصِّص وقوعَ الفعل على وجهٍ دون وجهٍ، وحكمتُه عينُ علمه المقتضي لنظام الأشياء على الوجه الأصلح والترتيبِ الاكمل، وانضمامها مع القدرة هو الاختيار.\nوفي لفظةِ (هذا) استرذالٌ واستحقارٌ، كما في قول عائشة ﵂ في عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: يا عجبًا لابن عمرٍ وهذا (^٢).\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (وانهما كما في البغي)، وفي \"م\" و\"ك\": (وانهما كما في النفي)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) قطعة من حديث رواه مسلم (٣٣١).","vol":"1","page":124},{"text":"و(مثلًا) نصب على الحال، كقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، أو على التمييز كما في قولك لمن أجاب بجواب ضعيف: ما أردتَ بهذا جوابًا؟\n﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ بيانٌ للجملتين المصدَّرتين بـ (أمَّا)، وتقريرٌ لأنَّ العلم بكونه حقًّا من بابِ الهدى الذي ازداد به المؤمنون نورًا إلى نورهم، والجهلَ به واستنكارَه من باب الضلال والفسق الذي ازداد به الجهلةُ ظلمةً إلى ظلمتهم، وفيه تسجيلٌ على الفريقين بهداية المحقِّقين (^١) ورشدِهم وضلالةِ المنكِرين وفسقِهم، وكونِ كلٍّ منهما موصوفًا بالكثرة في أنفسهم لا بالقياس إلى الآخر، أو الضالين بالعدد والمهديِّين بالقَدْر والحقيقة؛ كما قال:\nإنَّ الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإنْ … قَلُّو كما غيرُهم قَلٌّ وإنْ كَثُروا (^٢)\nفإنَّ المهديِّين أقلُّ من الضالين بالعدد، ولهذا قدم ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾.\nوأمَّا احتمالُ كونه جوابًا لما في (ماذا)؛ أي: المراد إضلالُ كثيرٍ وهدايةُ كثيرٍ، أو: أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثيرٍ، فيأباه قوله: (مثلًا) فإن التمثيل لا يناسب أن يراد به الإضلال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿الحشر: ٢١].\n﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ الفسق لغةً: هو الخروج عن القصد؛ قال رؤبةُ:\nفَوَاسِقًا عن قَصْدِها جَوَائِرا (^٣)\n_________\n(^١) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (المحقين).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١١٨).\n(^٣) وقبله:\nيَهوِين في نجد وغورًا غائرا","vol":"1","page":125},{"text":"ويستعمل في مجرد الخروج، يقال: فسقتِ الرطبة عن قشرها.\nوشرعًا: هو الخروج عن أمر الله تعالى بارتكاب الكبيرة.\nوالمراد بالفاسقين هاهنا: الخارجون عن الإيمان؛ لدلالة ما بعده عليه، وقَصْرِ الخسران عليهم، وترتيبُ الضلال على الفسق يدلُّ على كونه مسبَّبًا عن الفسوق (^١).\n\n<span id=\"aya-34\"> </span>(٢٧) - ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ منصوبُ المحل صفة لـ (الفاسقين) للذمِّ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ويكون بيانًا للفاسقين، وتسجيلًا عليهم بالخسران.\nوالنقض: الفسخُ وفكُّ التركيب (^٢)، وأصلُه في طاقات الحبل، واستعمالُه في العهد من باب الاستعارة بالكناية بإيرادِ صفة المستعارِ منه دون إيراده، لينبِّه (^٣) بالرمز\n_________\n= وعزاه لرؤبة أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\" (١/ ٤٠٦)، وابن الأنباري في \"الزاهر\" (١/ ١٢٠)، وهو في ملحق ديوانه (ص: ١٩٠)، وعزاه سيبويه في \"الكتاب\" (١/ ٩٤) للعجاج.\nالقصد: الطريق المستقيم، والنجد: ما ارتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها، و(غائرًا) صفة له من لفظه مؤكِّدة كـ: ليل أليل، و(غورًا): عطفٌ على محل الجار والمجرور، يصف نوقًا يمشين في المفاوز يذهبن عن استقامة الطريق. انظر: \"فتوح الغيب\" (٢/ ٤٠١)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ١٠١).\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (سببًا على الفسق)، وفي \"ح\" و\"ف\": (مسببا عن الفسق)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"م\": (الترتيب).\n(^٣) في النسخ عدا \"د\": (بعينه)، والمثبت من \"د\"، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٢٠)، و\"نواهد الأبكار\" (٢/ ١٦٨).","vol":"1","page":126},{"text":"على أن العهد حبلٌ (^١) في ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وعلى هذا لا يَلزم أن يكون النقضُ مستعمَلًا في معنى الإبطالِ منقولًا عن معناه الأصلي (^٢)، كما أن استعارة الأسد للشجاع واستعارةَ البحر للعالِم بطريق الكناية (^٣) لا يلزمها (^٤) خروج الافتراس والاغتراف عن معناهما الأصليين، بل نقول: مقتضى تلك الاستعارةِ أن يكون ما به الكنايةُ قارًّا في معناه الأصلي حتى يكون من خواصِّ المستعارِ منه حقيقةً.\nوالعهد: المَوْثِقُ، ولهذا قال في الوصية: عهد الله في كذا، إذا وصَّاه به ووثَّقه عليه، ووضْعُه لِمَا (^٥) يُحفظ وُيراعى ويُتعهد كالوصية والشرط واليمين، ويقال للدار التي تراعَى والتاريخِ الذي يُحفظ: عهد.\nوهذا العهدُ: إمَّا العهدُ المأخوذ بالفعل، وهو الحجَّة القائمة على عباده الدالَّةُ على جميع تصديقه في الإيمان، وعلى هذا أُوِّل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] أو المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بُعث إليهم رسول الله المصدَّق بالمعجزات صدَّقوه واتَّبعوه، ولا تكتموا أمره، ولم يخالفوا حُكمه، وإليه (^٦) أشار بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\" و\"م\": (حبال)، والمثبت من \"د\" و\"ك\"، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١١٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ٦٤)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٧٠).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": \"فمن قال استعارة النقض للإبطال إنما جازت بعد استعارة الحبل للعهد لم يصب. منه\". وكتب فوقها في \"د\": (سعد الدين).\n(^٣) في نحو قولك: عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه. انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ٧٠).\n(^٤) في النسخ عدا \"د\": (يلزم)، والمثبت من \"د\".\n(^٥) في النسخ عدا \"د\": (ووصفه بما)، والمثبت من \"د\".\n(^٦) في (م): \"وإلى ذلك\".","vol":"1","page":127},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الميثاقُ ما وثِّق به العهد من القبول الإلزام والحَلِف وأمثاله، مِفْعَالٌ من الوَثاقة، والأصل في مفعالٍ أن يكون صفةً كمعطارٍ، أو آلةً كمِحْراث.\nوقال ابن عطيةَ: اسمٌ بمعنى المصدر (^١)، ولا نعلم مفعالًا جاء مصدرًا ولا عَدُّوه في أبنيته.\nوالضمير عائدٌ على العهد إنْ عُني به ما وثِّق به العهد، وعلى الله أو عليه إن عُنيَ به معنى (^٢) المصدر.\n﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ يحتمل كلَّ قطيعة، لكن الظاهر أنه توصيفٌ للفاسقين بأنهم يضيعون حقَّ خَلْقِ الله تعالى بعد توصيفهم بأنهم يضيِّعون حقَّه تعالى، وتضييعُ حقِّه (^٣) تعالى بنقضِ عهده، وتضييعُ حقِّ خَلْقه بقطيعةِ أرحامهم.\nوالأمرُ: طلب الفعل ممن هو دونك، وبه سمِّي الأمر الذي هو واحدُ (^٤) الأمور تسميةً للمفعول به بالمصدر، كأنَّ الداعيَ الذي يدعو إليه ويبعث عليه آمرٌ يأمر به، فهو مأمور به، كما سمي شأنًا، والشأن: الطلب والقصد، يقال: شَأَنْتُ شَأْنه؛ أي: قَصَدْتُ قَصْدَه.\nو(أنْ يوصل) مخفوضُ المحلِّ بدلٌ من الضمير في (به) للاشتمال، أو على تقدير اللام.\n﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بقطع الزرع والنسل، وهَيْجِ الحروب والفتن، وإحداثِ الهَرْج والمَرْج، ولذلك قصر في قوله:\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ١١٣).\n(^٢) قوله: (معنى)، وقع في \"ك\" بدلًا منه: (غير)، وسقط من \"ف\" و\"م\".\n(^٣) في \"ف\": (حقوقه).\n(^٤) في \"ف\": (أحد).","vol":"1","page":128},{"text":"﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الخسارَ عليهم؛ لخروجهم عن مقتضى الفطرةِ، واستبدالِهم ظلمةَ الجهل بالنور الفِطري، والغوايةَ بالهداية الأصلية التي هي نور العقل، والنقضَ بالوفاء، والقطعَ بالوصل، والفسادَ بالصلاح، والعقابَ بالثواب.\n\n<span id=\"aya-35\"> </span>(٢٨) - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ (كيف) للاستفهام عن الحال، والمراد: الإنكار والاستبعاد والتعجُّب، وليس فيه معنى الإخبارِ وإلا يلزم الجمع بين المعنى الحقيقيِّ والمجازيِّ.\nولمَّا عُلم امتناعُ وقوع الشيء على غير حالٍ من الأحوال، كان إنكار حالٍ مّا من (^١) أحوال الكفر إنكارَ نفسِ الكفر على الطريق البرهاني، فيكونُ من باب الكناية بنَفْي اللازم عن نفي الملزوم، فيفيدُ كونَ الكفر بالله مع العلم بالحالةِ الآتي ذكرُها كالمستحيل في نفسه؛ لقوَّة الدليل الموجِبِ للإيمان؛ فإنها آياتٌ بيِّنات، ولهذا كان الاستفهام الإنكاري بـ (كيف) أبلغَ من الاستفهام الإنكاري بالهمزة.\nوحملُ الكفر على معنى الكفران المقابلِ للشكر (^٢) تأباه الباء في قوله:\n﴿بِاللَّهِ﴾ لأنَّه لا يقال: كَفَر بالمنعِم وبالنعمة، بل يقال: كَفَر المنعِمَ والنعمةَ، ولأن بعضَ ما ذُكر ليس من النِّعم كما لا يخفى.\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"م\": (هي)، والمثبت من \"م\".\n(^٢) في هامش \"د\": (رد للقاضي حيث جوز ذلك).","vol":"1","page":129},{"text":"والخطاب مع الذين كفروا؛ لمَّا وَصَفهم بالكفر، وسوءِ المقال، وخُبثِ الفعال، خاطَبهم على طريق الالتفات، ووبَّخهم على كفرهم مع علمه (^١) بحالهم المقتضيةِ خلافَ ذلك.\n﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾؛ أي: أجسامًا لا حياة لها عناصرَ وأغذيةً، ونطفًا ومضغًا.\nوالأموات: جمع الميْت؛ كالأقيال جمع القيْل (^٢)، وإطلاقُها على تلك الأجسام من قَبيل إطلاق المقيَّد على المطلَق مجازًا كإطلاق المَرْسن (^٣) على الأنف.\nوقيل: بطريق الاستعارة؛ للاشتراك مع الأموات الحقيقية، وهي التي زال عنها الحياة في عدم الروح والإحساس، وفيه نظر (^٤).\nوالواو للحال، والمنصوبُ على الحال ليس فعلًا واحدًا بل جملةُ قوله: ﴿وَكُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وهي وإن كانت بعض أجزائها ماضيًا وبعضُها مستقبلًا، ولا يصحُّ كونها حالًا حتى يكون فعلًا مقارنًا لوجود ما هو حالٌ عنه، لكن معناها: وحالُكم المشهورةُ وفضلكم (^٥) المعلومةُ هذه، فيَؤُول معناها إلى قوله: كيف تكفرون في حال علمكم بهذه القصة.\n﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ بنفخ الأرواح فيكم، وأمَّا خلقُ الأرواح فلا دليل على تأخُّره عما\n_________\n(^١) في \"د\": (علمه)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٦٥).\n(^٢) القيل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وأصله: قيِّل، بالتشديد، كأنه الذي له قول؛ أي: ينفذ قوله، ومن جمعه على أقيال لم يجعل الواحد منه مشددًا. انظر: \"فتوح الغيب\" (٢/ ٤١٥).\n(^٣) المرسن: أنف فيه رسن، ويستعار لمطلق الأنف. انظر: \"فتوح الغيب\" (١٢/ ١١٧).\n(^٤) في هامش \"م\": \"وجه النظر هو أن حق الاستعارة أن يكون المستعار منه أقوى من المستعار في وجه الشبه وهنا على عكس هذا. منه\".\n(^٥) كذا في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\"، وفي \"د\": (وفضكم).","vol":"1","page":130},{"text":"ذكر، بل الظاهرُ من بعض الأحاديث تقدُّمُه عليه، والعطفُ بأداةِ التعقيبِ لأنَّه متصلٌ بما عُطف عليه من (^١) غيرِ ترَاخٍ عنه بخلافِ البَوَاقي.\n﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء آجالكم.\n﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالنشورِ، يومَ يُنفخ في الصور، لا للسؤال في القبور؛ إذ لا يناسبه التنزيلُ منزلةَ البديهيِّ في الظهور.\n﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الحشر ليجازَيكم بأعمالكم، أو: تُنشرون إليه من قبوركم للحساب.\nوهذه الأمورُ بعضُها معلومٌ بالضرورة، وبعضُه - لوضوح أدلَّته النقليَّة - جُعل كالمعلوم بالبديهة لقوةِ التَمكُّن من العلم به.\n\n<span id=\"aya-36\"> </span>(٢٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ لأَجْلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم: أمَّا الأولُ فظاهر، وأمَّا الثاني فبالنَّظرِ فيه وما فيه (^٢) من عجائبِ الصنع الدالَّةِ على الصانع القادر الحكيم، يعني: إنَّ الحكمة والمصلحة في خَلْقه انتفاعُكم، وهذا لا يُنافي التوقُّفَ في الانتفاع به على الرخصة من جهةِ الشرع، حتى يكون فيه دلالةٌ على أن الأصل في الأشياء الإباحةُ، ولا الاختصاصَ في البعضِ ببعضِ الطارئ بسببِ\n_________\n(^١) \"من\": ليس في (م) و(ك).\n(^٢) قوله: (وما فيه) من \"م\".","vol":"1","page":131},{"text":"بعضِ العوارض، حتى يُحتاج إلى أن يقال: إن الكل للكلِّ على التوزيع، فإنَّ المعتبرَ صلاحيةُ الانتفاع بالفعل.\nوإيرادُ الضمير مبتدأً، وبناءُ (الذي) عليه دونَ إيقاعه صفةً لله تعالى، يفيدُ التخصيصَ والتعظيم؛ أي: هو الخالقُ لِمَا ذُكر دون غيرِه.\nوالمراد من (الأرض): الجهةُ السفلية، فـ (ما في الأرض) يتناولُ الأرضَ وما فيها.\n﴿جَمِيعًا﴾ نصبٌ على الحال من (ما في الأرض)، وهو للمبالغة في التكثير لا (^١) للاستغراق؛ كلفظ (كل) في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وقولهِ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩]؛ لأن في الأرض ما لا صلاحيةَ فيه للانتفاع، ولا هو في مَعرِض الاعتبارِ لكونه مستورًا عن النظر.\n﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الاستواء: الاعتدال والاستقامة، مِن استوى العُودُ: إذا قام واعتدل، واستوى إليه: قَصَده قَصْدًا مستويًا لا اعوجاجَ فيه؛ كالسهم المرسَل من غيرِ ميلٍ إلى غيره، وسوَّاه: عَدَّله وقوَّمه.\nوالاستواءُ (^٢): طلبُ السَّواء، وإطلاقُه على الاعتدال لِمَا فيه من تسويةِ وضعِ الأجزاء، ولا يمكن حملُه عليه لأنَّه من خواصِّ الأجسام.\nوقيل: استوى إليه، بمعنى: استوى عليه ومَلَك؛ قال:\nقد استَوَى بِشرٌ على العِراق (^٣)\n_________\n(^١) كلمة: (لا) سقطت من النسخ عدا \"د\".\n(^٢) في هامش \"ف\" و\"م\": (لم يقل: وأصل، كما قال القاضي، لما تقدم من الإشارة إلى دفعه. منه).\n(^٣) صدر بيت منسوب للأخطل كما في \"المحرر الوجيز\" (١/ ١١٥)، و\"التاج\" (مادة: سوى وعزاه=","vol":"1","page":132},{"text":"والأولُ أوفق للأصل، والتسويةِ المرتَّبة عليه.\nوالمرادُ من السماء: هذه الأجرامُ العلويَّةُ، أو جهاتُ العلوِّ.\n﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (هن): ضميرٌ مبهَمٌ فسَّره (سبعَ سماوات) بيانًا (^١) له.\nوقيل: راجع إلى (السماء) لأنَّه في معنى الجنس، و(سبعَ سماوات) حال، وقيل: جمع سماءةٍ، والوجهُ الأولُ.\nوقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ جملة اعتراضية.\nو(ثمَّ) للتفاوت بين الخَلْقَين، وبيانِ فضلِ خَلْقِ السماء على الأرض، استُعيرَ من معنى التَّراخي لبُعدِ خَلْقِ السماء مِن خَلْقِ الأرض في الرُّتبة، ولهذا عضَده ورشَّحه بالإبهام والتفسيرِ ليفيدَ عظمةً ورِفعةً في النَّفس، ثمَّ قوَّاه بالجملةِ الاعتراضيةِ؛ لإفادةِ أنَّ مثلَ ذلك الخَلْقِ لا يكونُ إلا عن علمٍ تامٍّ بالغٍ فوقَ كلِّ ذي علمٍ، فمعنى (ثمَّ): أنه مع خَلْق هذه الأشياءِ البديعة العجيبة أَقْدَم على خَلْق ما هو أبدعُ منها وأعجبُ، وأبعدُ من الوهم والقياس، من غيرِ ميلٍ إلى شيءٍ غيرِه، فلا يدلُّ على تأخُّر خلقِ السماء عن الأرض بالزمان، بل على شدة تبايُنهما وتفاضُلهما.\n\n<span id=\"aya-37\"> </span>(٣٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n= المرزوقي في \"الأزمنة والأمكنة\" (١/ ٣٨) للبعيث، وهو دون نسبة في \"الصحاح\" (مادة: سوى). وقال ابن القيم في \"مختصر الصواعق المرسلة\" (ص: ٣٥٩): وهو غير معروف في شيء من دواوين العرب وأشعارهم التي يرجع إليها.\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (بيان)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":133},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (إذ) ظرفٌ ينتصِب بإضمارِ: اذكُرْ، فيكون عطفًا على قوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ على الوجه الذي جُعل (^١) عطفَ قصةٍ على قصة، وما تخلَّلَ ليس بأجنبيٍّ بل مِن تمامِ القصة.\nوأحسنُ منه لقرب مأخذه وصحتِه على الأوجهِ أن يقدَّر: (فتدبَّرْ) أو نحوُه، بعد قوله: ﴿وَهُوَ (^٢) بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ويكون (واذكر) عطفًا عليه، ولمَّا كان هذا من أجلِّ النِّعم على نوع البشر، ومن أدلِّ الدليل على عناية الباري تعالى بشأن (^٣) هذا النوع، كان العطف عقيبَ تعداد النعم مناسبًا؛ كأنه قيل: فتدبَّرْ ذلك واذكر هذه النعمةَ خاصةً فإن فيها بلاغًا لمَن تَذكَّرَ.\nويجوز أن ينتصب بـ ﴿قَالُوا﴾، وحينئذٍ يتعيَّن أن يكون عطفَ قصةٍ على قصةٍ متقدِّمةٍ من قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، أو من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ وقد سبق أنها قصةٌ واحدة في المساق والغرض (^٤)، وأنَّه لا يجبُ مراعاة الخبر والطلب في هذا الضرب.\nوالملائك: جمع ملأكٍ على الأصل؛ كالشمائل في جمع شمألٍ، وإلحاقُ التاء لتأنيث الجمع، كما في الصَّياقِلة في جمع صَيْقَلٍ.\nوالخليفة: فَعيلةٌ بمعنى الفاعل، مَن خَلَفَ غيرَه: إذا قام مَقامَه، والتاءُ فيه للمبالغة.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (على الوجه الأول جعل)، ومثله في \"م\" و\"ك\" لكن بإسقاط كلمة: (جعل)، والمثبت من \"د\"، وانظر ما تقدم من وجوه في إعراب ﴿وَبَشِّرِ﴾.\n(^٢) في النسخ عدا \"م\": (والله)، والمثبت من \"م\".\n(^٣) في \"ك\": (بنشأة).\n(^٤) في \"ك\": (والعرض).","vol":"1","page":134},{"text":"﴿فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ كانا في الأصل مبتدأً وخبرًا انتَصَبا بمفعولي ﴿جَاعِلٌ﴾ من (جَعَل) المتعدِّي إلى مفعولين بمعنى (صيَّر)، والمعنى: إني جاعلٌ في الأرض خليفةً مني؛ أي: مَن يخلُفني ويقومُ بأمري في الأرض.\nوقيل: منكم؛ أي: مَن يخلُفكم ويسكنُ مكانَكم؛ لأنهم كانوا قبل آدم سكانَ الأرض، فخلَفهم منها آدمُ وذرَّيتُه، واستُغنيَ بذكر آدم عن ذكر ذريته كما يُستغنَى بذكر أبي القبيلة عنها في قولك: مُضَرُ وهاشمٌ.\nأو أُريدَ به الجنس؛ أي: مَن يخلُفكم.\nوإنما أخبرهم بذلك ليَعرفوا بسؤالهم وجوابه حكمةَ الله تعالى في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ إذ الملائكةُ تطَّلع على تفاصيل وجوده وخواصِّ قُواه؛ من الإفسادِ في الأرض وسفكِ الدماء المختصَّين بالقُوى الشَّهْوانية والغَضَبية، ولا تطَّلع على خواصِّ الهيئة الاجتماعية، وعلى خواصِّ ما فوق أطوارهم من المعارف والأسرار الإلهية، أو قاسُوا الإنسَ على الجنِّ حيث أُسكنوا الأرض قبل الملائكة فأفسدوا فيها، ولذلك استبعَدوه وتعجَّبوا منه.\nوليس فيه تعليمُ المشاوَرة؛ لأنَّه ليس بطريقِ المشورة؛ قال الراغب: ليس قولُه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ على [سبيل] الاستشارة، فإنَّ (^١) الاستشارةَ استمدادٌ في العلم من المستشار، واللهُ منزَّهٌ عن ذلك، وإنَّما هو إعلامٌ كإعلامه إيانا كثيرًا من الكائنات لمصلحةٍ مّا (^٢). ولا البشارةُ بوجود المجعول؛ لأنها إنما تكون بالخبر السارِّ، والقيدُ المذكور مقصودُ (^٣) هاهنا على ما يُفصح عنه قولُهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ … إلخ.\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\" (لأن).\n(^٢) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١٤٠)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) في \"د\": لعلها (معقود) أو (مفقود).","vol":"1","page":135},{"text":"﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لمَّا كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرَ الاعتراض، تأوَّله العلماء على وجوهٍ أحسنُها عندي: أنهم كانوا حين الخطاب لهم مجمَلين، وإبليسُ مندرجٌ في جملتهم، فورد منهم الجوابُ مجمَلًا، فلمَّا انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه واستكباره انفصَل الجواب إلى نوعين: فنوعُ الاعتراض كان عن إبليس، ونوعُ التقديس والتسبيح كان من الملائكة، فانقسم الجواب إلى قِسمَين كانقسام الجنس إليهما، وناسَبَ كلُّ جوابٍ لمن ظَهر عنه.\nوكان (^١) الظاهر المطابق للخطاب السابق أن يقولوا: أتجعلُ فيها خليفةً مَن يُفسد؟ وإنما عدَلوا عنه إلى ما ذُكر صرفًا للتعجُّب إلى جعلِ المفسِد وخلْقهِ في الأرض مع قطع النظر عن معنى الخلافة، يعني: إن وجودهم فيها محلُّ استبعادٍ فأنَّى كونُهم خليفة.\nوَيحتمِل أن يكون القصد تجريدَ التعجب عن شَوْب التعصب، فإن في ذكرهم بوَصْفِ الخلافة تعرُّضًا لِمَا هو مطمحُ نظرهم.\nوأمَّا قصدُ الاستكشاف عمَّا خَفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسدَ، والاستخبارِ عمَّا يرشدهم ويزيحُ شبهتهم كسؤالِ المتعلِّم معلِّمَه (^٢)، فيأباه ما في توصيفهم أنفسَهم بالتسبيح والتقديس من التَّعريض، وما في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من عدمِ البيان لِمَا اشتَبهَ عليهم لا يناسبه.\n﴿مَنْ يُفْسِدُ﴾ أحد مفعولي (تَجعلُ)، والثاني ﴿فِيهَا﴾ وإنما قدَّم للاهتمام، وفي تكرير ﴿فِيهَا﴾ تنبيهٌ على أنَّ ما كان محلًّا للعبادة لا يناسب أن يكون محلًّا للفساد.\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"م\": (كان) دون الواو، والمثبت من \"م\".\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (عبارة القاضي: عن معلمه، ولا وجه لها؛ لأن سأل يتعدى إلى أول المفعولين بالذات وإلى ثانيهما بعن. منه).","vol":"1","page":136},{"text":"والسَّفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والسَّنُّ والشَّنُّ والصَّبُّ متقاربةٌ وبينها فروق: فالصبُّ أعمُّ من هذه الألفاظ والسَّفكُ يقال في الدم والدمع، والسبكُ في الجواهر المذابة، والسفحُ في الصبِّ من أعلى، والشَّنُّ والسَّنُّ للصبِّ عن القِربة ونحوِها.\n﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ الواو في ﴿وَنَحْنُ﴾ للحال؛ كما تقول: أتُحْسِنُ إلى فلان وأنا أحقُّ منه بالإحسان؟!\nوقوله: ﴿بِحَمْدِكَ﴾ في محل الحال؛ أي: ملْتبِسِينَ بحمدك، بمعنى: حامِدِينَ لك.\nوالتسبيح: تنزيهُ الله (^١) تعالى من النقص والسوء قولًا واعتقادًا، أصله من السَّبْحِ وهو سرعةُ الذهاب في الماء، واستُعير لمرِّ النجوم في الفلك ولجَرْي الفَرَس، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]؛ أي: سعةَ ذهاب.\nوسبَّحْتُه عن كذا؛ أي: نزَّهْتُه.\nوالتقديس: التطهير، من قَدَسَ في الأرض إذا ذهب فيها وأَبْعَدَ، ثم استُعمل في التطهير لأنَّ مطهِّر الشيء مبعدُه عن الأقذار.\nومعنى (نقدِّس لك): نقدِّسُك، واللامُ مزيدةٌ.\nوقيل: نقدِّس نفوسَنا لأجلك، كأنهم قابَلوا الفسادَ بالتسبيح، وسفكَ الدماء بتطهير النفس، وليس ذلك إظهارًا للمنة، بل هو على حسَبِ ما يقول مجتهدٌ يجب أن يفوِّض صاحبه إليه خدمةً مّا، فيقول: تأمر الخدمة لغيري (^٢) وأنا مجدٌّ فيها، وعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦].\n_________\n(^١) في \"م\": (لله).\n(^٢) في \"د\" و\"م\": (بغيري).","vol":"1","page":137},{"text":"﴿قَالَ﴾ تعالى في جوابهم (^١): ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعرَّض ولم يصرِّح هاهنا؛ ليُريَهم فضيلة الإنسان وما خُصوا به من العلم والعمل اللذَين يَقصُر الملَك عنهما عِيانًا ومشاهَدةً، وإنما أَبْهم بيانَ استحقاقه فيه ليُقرُّوا بالعبودية، ويعرفوا أن له وراء علمهم علمًا هم عنه محجوبون، وكفى العبادَ علمُهم بذلك ليزدادوا تعظيمًا له، ويتبيَّنوا نقصَهم وكمالَه.\nثم بيَّن لهم بعضَه فيما بعدُ ليَعظُم عندهم وقعُه، فيرجعوا ويسلِّموا ويعترفوا بنقصهم، وتلينَ شكائمُهم.\nهنا جملةٌ محذوفة يَتمُّ بها المعنى ويصحُّ (^٢) العطف، وتقديرُها: فجعل في الأرض خليفةً، وسماه آدمَ، فالواوُ المذكورةُ فصيحةٌ.\n\n<span id=\"aya-38\"> </span>(٣١) - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ التعليم حقيقةً: فعلٌ يترتَّب عليه العلم ولا يتخلف عنه، وقد يُطلق مجازًا على إلقاء مقدِّمات العلم، وهو الذي يترتب عليه العلم غالبًا، وقد يتخلف عنه، وهو المراد في قولهم: علَّمتُه فلم يَتعلَّم.\nومعنى تعليمِ الأسماء: أنه أراه أجناس المخلوقات، وبيَّن أن هذا اسمُه فرس وأن هذا اسمُه بقر، على أن المراد من (الأسماء): الألفاظُ الموضوعة للمعاني مفردةً كانت أو مركَّبةً مخبَرًا عنها أو خبرًا، أو رابطةً بينهما.\n_________\n(^١) في \"ك\": (في شأنهم).\n(^٢) في \"ك\": (ويصلح).","vol":"1","page":138},{"text":"أو بيَّن أن هذا للركوب وهذا للحرث، على أن المراد منها سماتُ (^١) الأشياء وخصائصُها.\nولا علم لنا بطريق تعليمه تعالى آدم الأسماء (^٢).\nواعلم أنهم بعدما اتفقوا على أن دلالة الألفاظ وضعيَّةٌ اختلفوا في تعيين الواضع: فذهب قوم إلى أنه هو الله تعالى، ويسمى هذا المذهب مذهبَ التوقيف.\nوذهب قوم إلى أنه هو الناس، ويسمى هذا المذهب مذهبَ الاصطلاح.\nوبعضُهم إلى التوزيع (^٣)؛ أي: بعضُه توقيفيٌّ وبعضُه اصطلاحيٌّ.\nوذهب بعضهم إلى التوقُّف (^٤).\nفإن كان النزاع في الظهور لا في القطع فالظاهرُ من الآية (^٥) هو الأول المذكور، وعلى المذهب الثاني لا يلزم من الحاجة إلى سابقةِ اصطلاحٍ التسلسل؛ إذ يجوز أن يُعرف القَدْرُ المحتاجُ إليه في الاصطلاح بالترديد والقرائن كما يُعرف الأطفال، والله أعلم بحقيقة الحال.\nوآدمُ وزنه فاعَل - كآزرَ وعازَرَ وشالَخَ وفالَغَ - إن كان عجميًا (^٦)، وأَفْعَلَ على أنه مشتقٌّ من أديم الأرض إنْ كان عربيًّا.\n_________\n(^١) في \"ح\": (مسماة)، وفي \"ف\": (مسمى)، وفي \"م\" و\"ك\": \"مسميات\".\n(^٢) في \"ك\": (الأشياء).\n(^٣) في \"د\": (التوضيح).\n(^٤) وقع هنا في النسخ اضطراب كثير، وتقديم وتأخير، وتحريف أحيانًا، والمثبت إن شاء الله هو الصواب. انظر لتوضيح ذلك: \"المزهر\" للسيوطي (١/ ١٨)، وقد جعل التوقُّف مذهب المحققين.\n(^٥) بعدها في \"م\": (المذكورة).\n(^٦) في \"ك\": (أعجميًا).","vol":"1","page":139},{"text":"قال الجواليقي في \"المعرَّب\": أسماء الأنبياء كلُّها أعجمية إلا أربعةَ أسماء، وهي: آدمُ وصالحٌ وشعيبٌ ومحمدٌ ﵈ (^١).\nوقد صحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنَّما سُمي آدمُ لأنَّه خُلق من أديم الأرض. أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (^٢).\nوورد مثلُه عن عليٍّ وابن مسعود ﵄ أخرجه ابن جرير (^٣).\nوأديمُ الأرض: ظاهرُ وجهِها.\nوقرئ: (عُلِّمَ) على البناء للمفعول ورفعِ (آدمُ) (^٤).\nومُنِعَ الصَّرفَ للعَلَمية والعُجمة أو وزنِ الفعل.\n﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الضميرُ للمسمَّيات المدلولِ عليها - كما في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ [النساء: ١١]- إن كان الألف واللام في ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ للجنس، أو المقدَّرةِ إن كان التعريف باللام عوضًا عن التعريف بالمضاف إليه على أن المراد: أسماء المسميات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وإنما ذكِّر الضمير للتغليب فإن في المسمَّيات العقلاءَ.\nولفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على تأخير الغرض عن التعليم وذلك ليتحقَّق (^٥)\n_________\n(^١) انظر: \"المعرب\" (ص: ٦١).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٥١١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣٧٠) و(٨٢٤٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٤٣٦)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٨١٦).\n(^٣) رواه عنهما الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٥١٢).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٤).\n(^٥) في النسخ عدا \"د\": (لتحققه)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":140},{"text":"ويظهرَ فضلُ آدم وجهةُ أحقِّيَّته للخلافة وقتَ قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنه يَدلُّ على أنهم غيرُ صادقين في زعمهم أنهم أحقَّاءُ للخلافة، وذلك بثبوت فضل آدم في ذلك الوقت.\n﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الإنباء: إخبارٌ فيه إعلامٌ، ولذلك أُجري مُجرى كل واحد منهما، فقيل: أنبأتُه بكذا، كقولك: أخبرتُه بكذا، وأنبأته كذا، كقولك: أَعلمتُه كذا. ولمَّا كان المراد هاهنا معنى الإخبار قال: ﴿بِأَسْمَاءِ﴾.\nثم إنه لا يقال: (نبأٌ) إلا لخبرٍ فيه خطرٌ، ففي عبارة الإنباء تعظيمٌ لشأن علمِ الأسماء.\nوإنما استنبأهم للتبكيت، والردِّ عليهم فيما أظهَروا من عدمِ استحقاقه للخلافة، وما أبطَنوا من أولويَّتهم بذلك، لا للتكليف، لا لأنَّه من باب التكليف بالمُحال لأنَّه معلَّق، بل لأن التعليق المذكورَ لا يناسبُ التكليفَ.\nوجواب الشرط في ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ محذوف دل عليه ﴿أَنْبِئُونِي﴾.\nفإن قيل: الصدق إنما يتعلق بالخبر، وهم استَخبَروا ولم يُخبِروا، فكيف يصدَّقون أو يكذَّبون؟\nقلتُ: الصدق والكذب وإن كانا لا يتعلقان بالاستخبار بالقصد الأول ومن حيث المنطوقُ، فقد يتعلقان به بالقصد الثاني ومن حيث المفهومُ، وذلك إذا كان الاستخبار على وجهٍ يُفهم منه معنى الخبر، وقد نبَّهت فيما تقدَّم أن الأمر فيما نحن فيه كذلك، فإن مَساق كلامهم لمَّا كان كاشفًا عن زعمهم أنَّهم أحِقَّاءُ للخلافة كان استخبارُهم متضمِّنًا لمعنى الخبر.","vol":"1","page":141},{"text":"فإن قيل: أليس زعمهم المذكورُ فاسدًا متضمنًا لتجويزهم صدورَ ما (^١) يخالف الحكمة عن الله تعالى، وشأنُ الملائكة أعلى من ذلك؛ لأنهم عِبَاد مُكرمون لا يَسبقونه بالقول وهم بأمرِه يعملون.\nقلت (^٢): الآن قَوِيَ الإشكال، وقد مرَّ منَّا الإشارةُ إلى وجه الانحلال بإرجاع الزعم المذكور إلى إبليس، واللهُ أعلم.\n\n<span id=\"aya-39\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيه منهم له تعالى عن فعلِ ما لا مصلحةَ فيه ولا حكمةَ؛ أي: نُبعِّدك عن فعلِ ما يمكنُ أن يكون أصلحُ منه.\nوأمَّا الإشعارُ بأن سؤالهم كان استفسارًا محضًا فلا يناسب المقام؛ لِمَا فيه من التَّلبيس، ولأنه مردودٌ بقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ على ما تقف عليه بإذن الله تعالى.\nو(سبحان) من المصادر اللازمِ حذفُ فعلها سماعًا، وهو عَلَم التسبيح يجري ذِكْرُه مَجرى ذكر الفعل؛ أي: نسبِّحك تسبيحًا.\n﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ اعترافٌ منهم بالنَّقص ولزومِ الحدِّ؛ أي: لا يمكننا الاكتساب والتَّرقِّي.\nولمَّا كان قولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ من باب الشكر، أفادت الآية أن العبد ما ينبغي له أن يغفل عن نقصانه، وعن فضل الله وإحسانه.\n_________\n(^١) في \"ح، و\"ف\" و\"ك\": (ما لا)، والمثبت من \"د\" و\"م\" وهو الصواب.\n(^٢) في \"م\": (قلنا).","vol":"1","page":142},{"text":"وفي وجه هذا الجوابِ من الحُسن ما يبهر الألباب، حيث قدَّموا بين يديه تنزيهَ الله تعالي، ثم اعترفوا بالجهل، ثم نَسبوا العلم لله تعالى، وأَردفوا صفةَ العلم صفةَ الحكمة، إذ بان لهم وصفُ الحكمة في قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقدَّموا وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزيَّةُ لآدم هو العلم، ولأن الحكمة من آثاره.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ سلبٌ للعلم والحكمة عن أنفسهم بقَصْرهما عليه، وإنَّما قصَروهما عليه بتوسيط الضمير، وإيرادِ اللام وصدَّروا الجملة بـ (إنَّ) التوكيديِّ الرافعِ للشكِّ والإنكار؛ لإيهام كلامهم بأن استخلافَ آدمَ على خلافِ مقتضى العلم والحكمة، ودعواهم العلمَ لأنفسهم، وشكِّهم في استحقاقه وإنكاره لمزيَّته (^١) عليهم، فرجعوا عن ذلك وأقرُّوا بأنَّ ماهيةَ العلم والحكمة مخصوصةٌ به دون غيره، وأنَّه محقَّق عندهم.\nو(الحكيم) فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ؛ أي: محكِمٌ لمبدَعاته، وذلك لأنَّه لا يفعل إلا ما فيه حكمةٌ بالغة.\n\n<span id=\"aya-40\"> </span>(٣٣) - ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\n﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ ناداه باسمه العَلَمِ، وكذا سائرُ الأنبياء ﵈، وهو خطابُ تعريفٍ، ونادى محمدًا ﵇: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] و: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وهو خطاب تشريف، فانظر تفاوتَ ما بين النداءَين (^٢)،\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (بمزيته)، والمثبت من \"د\". ولعل الصواب: (وإنكارهم لمزيته).\n(^٢) في \"ف\": \"الخطابين\".","vol":"1","page":143},{"text":"وقال الله تعالى: ﴿أَنْبَأَهُمْ﴾ فجَعل مَن اعترضوا به معلِّمًا لهم، ومنبئَهم بما تقاصرت علومُهم عنه؛ ليظهر بذلك فضلُه عليهم.\n﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ بَيْنَ هذه الجملة والتي قبلها جملةٌ محذوفة تقديرها: فأنبأهم، فالفاءُ المذكورة فصيحةٌ؛ أي: أخبَرهم بها وعَلِموا فضلَه وظهر عجزهم وقصورهم.\n﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ إنكارٌ داخلٌ على النفي فيفيدُ التقريرَ؛ لأن نَفْيَ النَّفي إثباتٌ.\n﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ استحضارٌ لقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لكنه جاء به (^١) على وجهِ البَسْطِ ليكونَ كالحجة عليه، وإضافةُ ﴿غَيْبَ﴾ بمعنى (في) كـ: ضَرْبُ اليومِ؛ أي: ما غاب في السماوات والأرض.\nوالغيبُ هاهنا: ما خفي عنهم فيهما، وفي الأصل: ما غاب عن الحس؛ أي: الغائبُ المقابلُ للشهادة بمعنى الشاهد.\n﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ عطفٌ على ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ لا على ﴿أَعْلَمُ﴾؛ لأنَّه ما كان مقولًا لهم في قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهو مقولٌ لذاك (^٢).\nويجوز أن يكون واوَ الحال، والمراد بـ (ما تبدون): ما صدَر عنهم من التصريح والتلويح، فينتظمُ ما تعرَّضوا له بطريق التعريض، وبـ (ما تكتمون): ما أسرَّه إبليسُ من الكبر والعصيان، فهو من قبيل خطاب الجمع بفعلِ الواحد منهم كما في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [هود: ٦٥].\n_________\n(^١) في \"م\": (قد جاء به).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (لذلك)، وفي (م): (فهو مقول لذلك القول لا لذاك).","vol":"1","page":144},{"text":"واعلم أن في (^١) هذه الآيات دلالةً على شرف الإنسان، ومزيَّةِ العلم وفضلهِ على العبادة، وأنَّه شرطٌ في الخلافة، بل العمدةُ فيها، وأن التعليم يصحُّ إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصحَّ إطلاقُ المعلِّم عليه؛ لاشتهاره فيمَن يَحترف بالتعليم وإن لم يكن مختصًا به، على ما يُفصِح عنه تلقيبُ الفارابيِّ بالمعلِّم الثاني.\n\n<span id=\"aya-41\"> </span>(٣٤) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ نَظْمُه بما قبلَه من حيث إنَّ في أول هذه الآية كشفَ ما أُجمل في ضمِّ تلك الآية مما نُسب إليهم من كتمان إبليس من الكبرِ والعصيان.\nو(إذ) هذه عطفٌ على التي قبلَها إنْ نصَبْتَها بإضمارِ: اذْكُرْ، وإنْ نصبْتَها بـ ﴿قَالُوا﴾ فهذه منصوبةٌ بـ (اذكُرْ) مقدَّرٍ، والواو حينئذٍ عاطفةُ الجملة على الجملة.\nولك أن تقول: إن العامل محذوف بتقدير (^٢): انقادوا فسجدوا؛ لأن السجود كان ناشئًا عن الانقياد.\nوفي ﴿قُلْنَا﴾ خروجٌ عن ضميرِ المتكلِّم المفرَد إلى ضمير الجمع؛ لأن التعظيم (^٣) من حيث إنه أَدْعى لامتثالِ الأمر من غير بُطءٍ يناسبُ المقام.\n﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فيه إيجازٌ ونقلٌ للأمر التعليقيِّ إلى صورة التنجيز اعتبارًا للحاصل، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ﴾\n_________\n(^١) (في): ليست. في \"م\".\n(^٢) في \"م\": (تقديره).\n(^٣) في \"ف\": (لأنه للتعظيم).","vol":"1","page":145},{"text":"سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإنه صريحٌ في أن الأمر بالسجود كان قبلَ تسوية خلق آدم ﵇، فلمَّا لم يكن أمرُهم بالسجود (^١) مرتَّبًا على إنبائهم بالأسماء بل على ظهورِ شأنِ نفخِ الروح في قالبِ آدمَ ﵇، لم يَصلُح (^٢) أن يكون ذلك اعترافًا بفضله وأداءً لحقِّه واعتذارًا عمَّا قالوا فيه.\nقال أبو عمرٍو: يقال: سجد: إذا طأطأ رأسَه وانحنى (^٣).\nفالسجود: التطأطؤُ مع خفضِ الرأس، وبه يفارقُ الركوعَ.\nوأمَّا التذلُّلُ فاعتبارُه في مفهومه العُرفيِّ دون اللغويِّ، وقد جاء في المثَل: (أَسْجَدُ مِن هُدْهُدٍ) (^٤) وليس في سجوده تذلُّلٌ.\nوفي الشرع: وضعُ الجبهة على الأرض، ولا يَلزم أن يكون على قَصْدِ العبادة، فإنَّ صلاة المُرائي صلاةٌ حقيقةً وليست على قَصْدِ العبادة.\nوالسجودُ المأمورُ كان على سبيل التَّكرمة؛ كسجودِ إخوةِ يوسفَ ﵇ له.\nوكونُ السجود لله تعالى على أن يكون آدمُ ﵇ قِبلةً يَردُّه قوله تعالى نقلًا\n_________\n(^١) قوله: (بالسجود) ليس في \"ك\".\n(^٢) في \"م\": (يصح).\n(^٣) انظر قول أبي عمرو في \"الصاحبي في فقه اللغة\" لابن فارس (ص: ٤٥)، و\"تهذيب اللغة\" للأزهري (١٠/ ٣٠٠)، و\"الصحاح\" (مادة: سجد)، و\"المغرب\" للمطرزي (مادة: سجد)، و\"تفسير القرطبي\" (١/ ٤٣٤)، و\"المزهر\" للسيوطي (١/ ٢٣٦)، وعندهم جميعًا: (أسجد)، مكان (سجد). وزاد الأزهري والمطرزي نقلًا عن أبي عمرو أيضًا: وسَجَدَ إِذا وضعَ جبهتَه بالأرضِ.\n(^٤) انظر: \"مجمع الأمثال\" (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":146},{"text":"عن إبليس: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] لأن الاعتراض بكونه طينًا إنما يتَّجه أنْ لو كان مسجودًا حقيقةً لا قبلةً للسجدة (^١) كالكعبة شرَّفها الله تعالى.\nقال الإمامُ أبو منصورٍ: فيه دليل على أن الكتاب نُسخ بالسنَّة، فإن جواز السجود لغير الله تعالى ثبت بقصةِ آدم ﵇، ثم نُسخ ذلك بالخبر (^٢).\nوقيل: هو بيانُ استغنائه عن عبادتهم إياه، وإنكارِه عليهم قولَهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال لهم: لا حاجة إلى عبادتكم وخدمتكم فاخدموا عبدًا من عبادي لم يخدمني كثيرَ خدمةٍ.\n﴿فَسَجَدُوا﴾ عن وهب قال: أولُ مَن سجد (^٣) جبريلُ ﵇، ثم ميكائيلُ، ثم إسرافيلُ، ثم عزرائيلُ، ثم سائرُ الملائكة، وكان ذلك كما نُفخ فيه الروحُ من غيرِ تأخيرٍ بقوله ﷿: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن الفاء للتعقيب بلا تراخٍ.\n﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ استثناءٌ متَّصلٌ، لا لأنَّه من جنس الملائكة ولا ينافيه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن صنفًا منهم يُطلق عليه الجنُّ على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، ولا لأنَّه كان جنيًّا واحدًا بين أظهُر الألوف من الملائكة مغمورًا بهم فغلِّبوا عليه في قوله: ﴿لِلْمَلَائِكَةَ﴾ ثم استُثنيَ منهم استثناءَ واحدٍ منهم؛ لِمَا في قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] دلالةٌ على أنَّ تناوُلَ الأمر إياه بطريق الدلالة؛ لأن المعنى: أمرُكَ دائرٌ بين أن تكونَ أدنى من المأمورين بالسجود فيتناولكَ الأمر دلالةً فيلزم الاستكبار،\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (للسجود).\n(^٢) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" لأبي منصور الماتريدي (١/ ٤٢١).\n(^٣) في \"ك\": (أولهم).","vol":"1","page":147},{"text":"أو أعلى منهم فتكونَ من زمرة العالينَ الذين لم يتناولهم الأمر= بل لأنَّ تقدير الكلام: فسجد المأمورون (^١) به تبعًا، إلا إبليسَ فإنه امتنع عن السجود، واستَعظَمَ نفسَه، ورفَعها عن حيِّزِ المأمورين تبعًا.\nوهذا ما قيل: إن الجن أيضًا كانوا مأمورين مع الملائكة، إلا أنه استُغنيَ بذكر الملائكة عن ذكرهم؛ لأنَّه إذا عُلم أن الأكابر مأمورون بالتذلُّل لأحد عُلم أن الأصاغر أيضًا مأمورون به، وليس مَبْنَى هذا على أنْ يرجعَ الضمير في ﴿فَسَجَدُوا﴾ إلى القبيلَين؛ لأن قوله: ﴿فَسَجَدُوا﴾ هنا في موضع: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] في آيات أُخَر.\nوامتَنع (إبليس) من الصرف للعَلَمية والعُجْمة، ومَن جعله مشتقًّا من الإبلاس بمعنى اليأس قال: وشِبْهِ العُجْمة؛ لكونه لم يُسمَّ به أحدٌ من العرب، فصار خاصًا بمَن أطلقه الله عليه، فكأنه دخيلٌ في لسانهم، وهو عَلَمٌ مُرْتجَل.\nوالإباء: امتناعٌ بالاختيار.\nوالتكبُّر: أن يرى الرجلُ نفسَه أكبرَ من شأنه، والاستكبارُ: طلبُ ذلك بالتشبُّع، فهو من أفعال القلوب، وإنما قُدِّم الإباءُ عليه وإن كان أدلَّ؛ لأن مفهوم الاستثناء - وهو عدمُ صدور السجود عنه - ناشٍ عن إبائه، وإباؤه ناشٍ عن استكباره، فرُوعيَ هذا الترتيبُ واستُؤنف في ﴿أَبَى﴾ لأنَّه موضعُ سؤالٍ؛ لاحتمالِ أن يكون تركُ السجود لعذرٍ دون استكبارٍ (^٢)؛ لظهورِ أن الامتناع بالاختيار أمرٌ فيه تذلُّلٌ لا يكون إلا عن الاستكبار، وكان استكبارُه مسبَّبًا (^٣) عن كفره الأصليِّ، ولهذا ذيَّله بالجملة الاعتراضيَّة للتعليل، وهو قوله:\n_________\n(^١) في \"د\": (فسجدوا والمأمورون).\n(^٢) في النسخ عدا \"م\": (استكبر)، والمثبت من \"م\".\n(^٣) في \"د\": (سببًا).","vol":"1","page":148},{"text":"﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: كان أصله من كَفَرة الجنِّ، فلذلك ارتكبَ المعصية، على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].\nقيل: أي: صار منهم باستقباحه أمرَ الله تعالى. ولو كان المعنى هذا لقيل: فكان من الكافرين.\n\n<span id=\"aya-42\"> </span>(٣٥) - ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾ عطف على (إذ قلنا) لا على (قلنا)، وفائدةُ النداء تنبيهُ المأمور لِمَا يُلقى إليه من الأمر.\n﴿اسْكُنْ﴾ من السُّكنَى؛ أي: اتَّخِذْها مسكَنًا، ولهذا ذُكر متعلَّقُه بدون (في)، لا من السكون بمعنى تركِ الحركة، وإن كان ذلك في الحقيقةِ راجعًا إلى السكونِ؛ لأنَّه نوعٌ من اللَّبْث والاستقرار.\n﴿أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ معطوفٌ على الضميرِ المستكنِّ في ﴿اسْكُنْ﴾ المؤكَّدِ بـ ﴿أَنْتَ﴾، والفصلُ بالتأكيدِ لتصحيحِ الوصلِ على سبيل التغليب؛ إشعارًا بدنوِّ رُتبتها وتَبَعيَّتِها، وكأنَّ فيه توطئةٌ للاكتفاء بذكره في قوله ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.\n﴿الْجَنَّةَ﴾ اللام للعهد، والمعهودُ دار الثواب لا غير.\n﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾ عدل هاهنا عن أسلوب التغليب تنبيهًا على أن تبعيَّتها لزوجها في السُّكنَى دون الأكل.\n﴿رَغَدًا﴾ وصفٌ للمصدر؛ أي: أكلًا رغدًا، والرَّغَدُ: العيشُ الدارُّ الهنيُّ الذي لا عناءَ فيه كما ذكره القرطبيُّ (١).","vol":"1","page":149},{"text":"وقال الليث (^١): الرَّغد أن يأكل ما شاء إذا شاء حيث شاء.\n﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (حيث) للمكان المبهَم، أي: أيَّ مكانٍ من الجنة شئتُما، ومحلُّ ﴿حَيْثُ﴾ مضافًا إلى الجملة النصبُ على الظرفيَّة علَّقه بالأكل مع ظهورِ تعلُّقه بالسُّكنى؛ لأن إباحة الأكل من أيِّ مكانٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان مستلزِمةٌ لإباحة السُّكنى فيه بحسَب العادة، بدون العكس.\nوإنما أُطلق لهما الأكلُ من الجنة حيث شاءا ومتى أرادا مع سعتها وكثرةِ أشجارها، ولم يقيَّد بوقتٍ ولا موضعٍ ولا أكلٍ مخصوصٍ بشيءٍ دون شيءٍ؛ كي لا يبقى لهما عذرٌ في التناول من شجرةٍ واحدةٍ مَنْهيِّ عنها بتلك المبالَغة.\n﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ نهى عن الأكل منها بطريق الكناية مبالغةً، فلا نهي عن القرب منها، وقد أفصحَ عن هذا قو له: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٠] حيث أشار بما يشار به إلى القريب.\nثم إنه لم يقل: عن القُرْب من هذه الشجرة.\nو﴿الشَّجَرَةِ﴾ نعتٌ أو عطفُ بيانٍ، واختلفوا في تعيينها، وقال ابن جَريرٍ: والأَوْلى أنْ لا تُعيَّن؛ لأنَّ العلم بها علمٌ لا ينفعُ، والجهلَ بها جهلٌ لا يَضُرُّ (^٢).\nولك أن تقول: في التَّعيين بأنها الكَرْمةُ - كما ذهب إليه بعضُهم - فائدةُ الإشارةِ إلى أنَّ الخمر أمُّ الخبائث؛ لأنَّ أصلها هو الذي كان السببَ في الخروج من الجنة أولًا، فيجب الاجتنابُ عنها لئلَّا يكونَ مانعًا من العَوْدِ إليها.\n_________\n(^١) في \"م\": (أبو الليث)، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر: \"الوسيط\" للواحدي (١/ ١٢١).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١/ ٥٥٦ - ٥٥٧).","vol":"1","page":150},{"text":"﴿فَتَكُونَا﴾ مجزومٌ عطفٌ على ﴿تَقْرَبَا﴾، أو منصوبٌ بتقدير (أنْ) جوابًا للنَّهي، والفاء تفيدُ السببيَّة سواءٌ جعلْتَه للعطف على النَّهي أو الجوابِ له.\nوفي جَعْلِه سببًا للكون المذكورِ مبالغةٌ أخرى في تأكيدِ النهي.\n﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم بنقصِ حقوقِها بالعصيانِ، وحطِّها عن درجةِ القُرْبِ والكرامات إلى مَهُول الحرمانِ والهوان، و(الظالم) أبلغُ من (الذي ظَلَم) ففيه أيضًا مبالغةٌ.\n\n<span id=\"aya-43\"> </span>(٣٦) - ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: حملهما على الزَّلَّةِ.\nوالضمير في: ﴿عَنْهَا﴾ للشجرة؛ أي: بسببها، وتحقيقُه: أَصدر الشيطان زلَّتَهما عنها، و(عن) هذه مثلُها في قوله تعالى ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢].\nقيل: يجوز أن يكون الضمير للجنة؛ أي: أذهبهما عنها وأبعدهما، مِن زلَّ: إذا ذهب، يقال: زلَّت عن الشهر (^١) كذا: إذا ذهبت، ويأباه قراءةُ حمزة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ (^٢) إذ على هذه القراءةِ لا يكون إلا للجنة، والفرقُ بينهما: أنَّ (أزلَّ) من الزَّلَل وهو عثورُ القدم، و(أَزالَ) من الزَّوال وهو التنحية ويقوِّي هذه القراءةَ أنهما أُمرا بالثبات والاستقرار في الجنة، فناسب أن يقال بعد ذلك: فأزالهما\n_________\n(^١) قوله: (زلت عن الشهر) كذا في النسخ، وفي المصادر: (زل من الشهر). انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٢٨)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٤٣٩). قال أبو حيان: وزَلَّ مِن الشَّهْرِ كذا؛ أي: ذَهَبَ وسَقَطَ.\n(^٢) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد (ص: ١٥٣)، و\"التيسير\" للداني (ص: ٧٣).","vol":"1","page":151},{"text":"الشيطان بالمعصية عن المكان الذي أُمرا بالثبات فيه على وجهِ الطاعة.\nوإزْلالُه بقوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] وقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ومقاسمتِه إياهما بقوله: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وهذا صريحٌ في أن إلقاءَه إليهما كان مشافَهةً لا على طريق الوسوسة، وهو قولُ ابن عباس وابن مسعود (^١) وجمهورِ العلماء.\nواختُلف في كيفية توصُّله إلى إزْلالهما بعدما قيل له: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤ وص: ٧٧].\nفقيل: إنه مُنع من الدخول على جهةِ التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولم يُمنع من الدخول على جهةِ الوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ (^٢).\nوقيل: قام عند الباب فناداهما.\nويردُّه قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] لأن الوسوسة لا تُجامِع النداء.\nوقيل: أَرسل بعضَ أتباعه فأزلَّهما.\nورجِّح هذا الوجهُ بأنهما يَعْرفانه، وَيعْرفان ما عنده من العداوة والحسد، فيستحيل في العادة أنْ يقبَلا قوله.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٥٦٣).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (وأما ما قيل: دخل في فم الحية أو متمثلًا بصورة دابة، فلا يصلح جوابًا للإشكال).","vol":"1","page":152},{"text":"ويردُّه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] لأنَّه صريحٌ في مباشَرة الشيطان للإزلال، والله أعلمُ بحقيقة الحال.\n﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من النعيم والكرامة، والإبهامُ للتعظيم؛ أي: مما لا يدخل تحت الوصف، أو من الجنة إنْ خُصَّ الضمير في ﴿عَنْهَا﴾ بـ ﴿الشَّجَرَةَ﴾.\nوالإسناد هنا وفيما تقدَّم مَجازيٌّ؛ لأن الفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، والشيطانُ سببٌ عادي.\n﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا﴾ هبط لازمٌ ومتعدٍّ، ومصدر المتعدي: الهَبْط، ومصدر اللازم: الهبوطُ، وهو النزولُ من عُلوٍ إلى سُفلٍ.\nوالخطابُ لآدم وحواء؛ لقوله تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]، والخطابُ تلوينٌ على ما تقف عليه، فلا مجال للتعدُّد، فلا وجه لِمَا قيل: المراد هما وإبليسُ، وكذا لِمَا قيل: المراد هما وذريتُهما؛ لأن ما وُضع لخطابِ المشافَهة لا يَنتظِم المعدومَ حالَ الخطاب، لا عبارةً ولا دلالةً، خلافًا للحنابلة.\nوإنما جُمع الضمير هنا رفعًا لشأنهما؛ كما جُمع الضمير (^١) في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].\n﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ جملة في محلِّ النصب بالحال، استُغني بالضمير عن الواو؛ أي: مُتعَادِينَ، والمعاداةُ: فقدانُ الملاءَمةِ والموافَقة، ومنه قيل: مكان ذو عدوٍّ، و(^٢) قومٌ عِدًى، للأعداء والغرباء (^٣)؛ لِمَا بينهم من فقدانِ الملائمة، وذلك بين الرجل\n_________\n(^١) قوله: (جمع الضمير)، من \"م\".\n(^٢) في \"د\": (على أو) وفي \"ح\": (عدم أو) وفي \"م\": (عدوى أو).\n(^٣) في (م): \"والغربى\".","vol":"1","page":153},{"text":"والمرأةِ كثيرٌ في الخَلْق والخُلُق، حتى إن عامَّة ما يُحمد من أخلاق الرجال يُذمُّ من المرأة، وليس الأمر تكليفيًّا حتى يَلزمَ الإذنُ في المعاداة بناءً على أن الحال قيدٌ والأمرُ بالمقيَّد يتناول القيدَ.\n﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ إمَّا حالٌ برأسها بالواو، وإمَّا عطفٌ عليها.\nوالمستقَرُّ: إما موضعُ استقرارٍ أو استقرارٌ (^١)، والقرارُ: هو السكونُ عن برودةٍ، ولمَّا كان من شأنِ البرودة السكونُ ومن شأن الحرارةِ الحركةُ قيل في الساكن: بَرَد، وفي المتحرِّك: اشتَعَلَ والْتَهَبَ، حتى يشبَّهُ السريع بنارٍ متَّقدةٍ والساكنُ بماءٍ (^٢) جامد.\n﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ المتاع: انتفاعٌ ممتدُّ الوقت، ومنه قيل: متَّعه الله بكذا، والمراد بالحِين: وقتُ الحَين (^٣)، إذ لا انتفاعَ تمتُّعٍ بعده.\nوجَعْلُ ابتداءِ يومِ القيامة من الموت تكلُّفٌ مستغنًى عنه، وكذا جَعْلُ السُّكنى في القبر تمتُّعًا في الأرض.\n\n<span id=\"aya-44\"> </span>(٣٧) - ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ التَّلَقِّي كالتَّلَقُّنِ، إلا أن التَّلقِّيَ يقتضِي استقبالَ الكلام وتصوُّرَه، والتَّلَقُّنَ يقتضِي الحذقَ في تناوله، والتلقُّفُ يُقارِبُه لكنْ يقتضِي الاحتيالَ في التناول.\nوصيغةُ التفعُّل للتكلُّف؛ أي: تكلَّف في لقائها بالجهد في التفصُّل والتوجُّه.\n_________\n(^١) أي: إما اسم مكان، أو مصدر ميمي. انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ١٢٦).\n(^٢) في النسخ عدا \"د\": (بما هو)، والمثبت من \"د\".\n(^٣) الحَين: الهلاك. انظر: \"القاموس\" (مادة: حين).","vol":"1","page":154},{"text":"وعلى قراءة النصبِ في (آدمُ) والرفعِ في (كلماتٌ) (^١): تكلَّفتِ الكلماتُ في الوصول إليه؛ ليكون تزكيةً وتصفِّي قلبه بالتوبة متدرِّجًا، وفي إسنادِ التلقِّي إلى الكلمات مجازٌ، شبِّه نزولُها على التدرُّج بالتكلُّف في النزول إليه.\nوحاصل المعنى: استقبلَها بالقبول والعمل، أو استقبلتْه بالبلوغ والو صول إليه.\nواختُلف في المراد بالكلمات، وأكثر المفسرين على أنها قوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقيل غيرُه.\nوأصل الكلمة: الكَلْم، وهو التأثيرُ المدرَكُ بإحدى الحاسَّتين: السمعِ والبصرِ، والكلام [مُدرَكٌ بحاسَّة السَّمْع والكَلْم] بحاسَّة البصر، فكلَمْتُه: جَرَحْتُه جِراحةَ بانَ أثرُها، ذكره الراغب (^٢).\nولتضمُّن البناء (^٣) في قوله: ﴿فَتَلَقَّى﴾ معنى التوبة قال:\n﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ مضمِّنًا إياه معنى العطف؛ أي: فرجع متعطِّفًا عليه بالقبول والرحمة بعد إعراضه، وأُخبر عنه وحده لأنَّه هو المواجَهُ بالأمر والنهي وهي تابعةٌ له، أو طُويَ ذكرُها كما طُويَ في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، وطيُّ ذكرِ النساء في القرآن والحديثِ كثيرٌ.\n﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ﴾ الرجَّاع على عباده بالمغفرة، وأصلُ التوبة: الرُّجوعُ، وتوبةُ العبد: رجوعُه إلى ربِّه من ذنبه، وتمامُها من العبد بالنَّدَم على ما كان، وتركِ الذنب الآنَ، والعزمِ على أن لا يعود إليه في مستأنَفِ الزمان، وفي المظالم لا بدَّ مع ذلك من إرضاءِ الخصم.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٣).\n(^٢) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" للراغب (مادة: كلم)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\": (ويتضمن البناء)، وفي \"م\": (ولتضمن الفاء)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":155},{"text":"﴿الرَّحِيمِ﴾: المبالغُ في الرحمة، يَرحَمُ التائبَ فيغفرُ حَوبتَه ويقبلُ توبتَه.\n\n<span id=\"aya-45\"> </span>(٣٨) - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كُرِّر هذا لا لأنَّ الأولَ من الجنة إلى سماءِ الدنيا والثاني منها إلى الأرض؛ لأنَّه مردودٌ بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾، ولا لاختلاف المقصود حيث دلَّ الأولُ على أن هبوطهم إلى دارِ بليَّةٍ يتعادَون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعَرَ بأنهم أُهبطوا للتكليف؛ لأن ما ذُكر لا يقتضي التكرار، فإن الدلالتين المذكورتين يمكنُ أن تُجمعا= بل لتعليق الزيادةِ به في قوله:\n﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ ليدلَّ على أن هذا الغضب مسبوقٌ برحمةٍ إلى رحمةٍ، ولهذا أورد (ما) لتأكيد الملازمة، والتزموا لتقويتها زيادةَ النون في الشرط، وإنما أورد كلمة الشك - مع أنَّ إتيانَ الهدى محقَّق عنده - نظرًا إلى أنه محتملٌ في نفسه غيرُ واجب عقلًا، وفي هذا النظر إظهارٌ لِمَا (^١) فيه من جهة التفضل والإحسان، فلذلك حسن.\nو﴿جَمِيْعًا﴾ حال في اللفظ تأكيدٌ في المعنى، كأنه قال (^٢): اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمانٍ واحد كقولك: جاؤوا جميعًا.\n﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ (مَن) شرطيَّةٌ، ويجوز أن تكونَ موصولةً، ويعضدُه إتيان الموصول في قَسيمه، ودخولُ الفاء على الجملة الخبريَّةِ جائزٌ هنا، جُعل الهدى\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (بما)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"ح\" و\"ف \": (قال).","vol":"1","page":156},{"text":"بمنزلة الإمام المتبع المقتدَى به، وفي إضافته إليه من التعظيم ما لا يكونُ لو أتى (^١) معرَّفًا باللام وإن كان ذلك سبيلَ ما يكون نكرةً ثم يُعاد.\nوجواب ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾.\n﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: فلا خوفٌ عليهم من الضلالة في الدنيا، ولا حزنِ الشقاوة في العُقبى؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].\nوقدِّم انتفاءُ الخوف على انتفاءِ الحزن لأنَّ انتفاءَ الخوف فيما هو آتٍ أكثرُ من انتفاءِ الحزن على ما فات، ولذلك أُبرزت الجملة الأولى (^٢) مصدَّرةً بالنكرة التي هي أدخلُ في باب النفي، وأُبرزت الثانيةُ مصدَّرةً بالمعرفة، وفيها إشارةٌ إلى اختصاصهم بانتفاءِ الحزن وإلى غيرهم بالحزن (^٣).\n\n<span id=\"aya-46\"> </span>(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ عطف على (من تبع هداي ..) إلخ، قَسيمٌ له، وهو أبلغ من قوله: ومَن لم يَتْبع هُداي، وإن كان ظاهرُ التقسيم يقتضيهِ؛ لأنَّ نفي الشيء قد يكون لعدمِ القابليَّة في المحل، فأُبرز القَسيم في صورةٍ ثُبُوتيَّةٍ مُزِيلةٍ لهذا الاحتمالِ.\n_________\n(^١) في \"ك\": (لو أن كان)، وغير واضحة في \"ح\" و\"ف\"، والمثبت من \"د\" و\"م\".\n(^٢) في النسخ عدا \"م\": (أبرزت جملة)، والمثبت من \"م\".\n(^٣) في \"ح\" و\"د\" و\"ف\" (وإلى غيرهم بحزن)، وعند غير المؤلف: (وأن غيرهم يحزن). انظر: \"البحر المحيط\" (١/ ٤٦٣)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ١٤٢)، و\"روح المعاني\" (٢/ ١٣٢).","vol":"1","page":157},{"text":"وإنَّما ذكر الصلتين ومعناهما واحد تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].\nوالآيات: العلاماتُ الدالَّةُ على وحدانيَّةِ الله تعالى وصفاتهِ؛ من الكتبِ المنزلةِ وغيرِ ذلك، وسمِّيت آيةُ القرآن بها لأنها علامة لانقطاعِ كلامٍ عن كلامٍ وانفصالهِ.\nوقيل: سمِّيت آيةً لأنها جماعةُ حروفٍ من القرآن وطائفةٌ من الكَلِم؛ كما يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعَتِهم.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الاصطحاب: اجتماع مع طول لبثٍ.\nو﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ويجوز أن يكون عطفَ بيان أو بدلًا فيكون ﴿أَصْحَابُ﴾ خبرًا عن ﴿وَالَّذِينَ﴾، و﴿هُمْ فِيهَا﴾ خبرٌ ثانٍ أو تفسيرٌ.\nولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم.\nوأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريحٌ في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه.\n\n<span id=\"aya-47\"> </span>(٤٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.","vol":"1","page":158},{"text":"﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ انتظامُه بخَتمِ قصةِ آدم ﵇: أنه وَعَد متَّبعَ الهدى بالجنة وأَوْعَد مخالِفَه بالنار، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعةُ، ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة.\nوالخطابُ لأولاد يعقوب ﵇، فإنَّ إسرائيل لقبَه معناه بالعبرانية: صفوةُ الله، وقيل: عبد الله، ولم يَنصرف للعجمة والعلَمية.\nوأصل (بني): بنين، وهو جمع ابنٍ سقطتْ نونُه للإضافة، والبَنونَ يطلق على الذكور والإناث من الأولاد إذا اجتمعوا.\nوالابن (^١) من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء (^٢)، شبِّه الأبً بالأسِّ والابنُ بما بُني عليه.\n﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان، أمرَ بذكر النِّعَم (^٣) - وكان المطلوبُ القيامَ بشكرها - إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانعَ للعاقل من القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.\nواختيرَ تحريكُ الياء في ﴿نِعْمَتِيَ﴾؛ لأنَّه لقيَها الألِفُ واللامُ، فلم يكن بدٌّ من إسقاطها أو تحريكِها، وكان التحريكُ أولى لأنَّه أدلُّ على الأصل، وأَشكَلَ بما يَلزمُ اللامَ في الاستئناف من فتحِ ألِفِ الوصل، وإسكانُ الياء في قوله:\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (والأبناء)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) قوله: (على الشيء) من \"م\".\n(^٣) في \"م\": (النعمة).","vol":"1","page":159},{"text":"﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] أجودُ؛ لأن مِن حقِّ ياء الإضافة أن لا تَثبت في النداء، وإذا لم تثبت (^١) فلا طريق إلى تحريكها.\n﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من السابقةِ واللاحقة، والظاهرةِ والباطنة.\nوالنعمة: اسمٌ للشيء المنعَمِ به، أضافها إلى ذاته أولًا، ثم أَسندها إليه تعظيمًا لها، ثم قيَّدها بهم هزًّا لهم، وحثًّا لطباعهم المجبولةِ على حبِّها على القيام بشكرها.\nوأمَّا ما قيل: لأن الإنسان غيورٌ حسودٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أَنعم الله تعالى على غيره حملَه الغيرةُ والحسد على الكفران والسخط - فإنما يصلحُ وجهًا لعدم تقييدها بغيرهم، وهو بمعزلٍ عن هذا المقام؛ لِمَا عرفْتَ أن المطلوب القيامُ بالشكر لا مجردُ الذكر.\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الوفاء: مراعاةُ العهد، والغدرُ: تضييعُه، كما أن الإنجاز: مراعاة الوعد، والخُلفَ: تضييعُه، فالوفاءُ والإنجازُ في الفعل كالصدق في القول، والغدرُ والخُلف كالكذب فيه.\nوأَوْفَى أبلغُ من وَفَى كما أن أَسْقَى أبلغُ من سَقَى.\nوالعهد هو (^٢) حفظُ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا، قال الخليل: أصلُه الاحتفاظ بالشيء وإجدادُ العهد به، وسمِّي الموثقُ عهدًا للُزوم مراعاته، يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد وهاهنا أضيف إلى المفعول؛ أي: أوفوا بعهدي في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في أنْ لا أمنع منكم خيري.\n_________\n(^١) بعدها في \"ف\": (في النداء).\n(^٢) في \"د\" و\"م\": (وهو).","vol":"1","page":160},{"text":"إيفاؤه تعالى بعهدهم: هو ترتيبُ إنجاز ما وعدهم على ذلك، وإنما سمَّاه عهدًا على سبيل المقابَلة، أبرزه في صورة المشروط الملتزَمِ به.\nوانجزامُ ﴿أُوفِ﴾ على جواب الأمر، وهل ضمِّن الأمرُ معنى الشرط فانجزم، أو نابت عن الشرط إذ حُذفت جملتُه؟ قولان.\nويجوز أن تكون إضافتُه في الأول إلى الفاعل؛ أي: أوفوا بعهدي الذي قبلتُم يومَ الميثاق أُوفِ بعهدكم الذي ضمِنْتُ لكم يومَ التَّلَاق.\nوقيل: هو ما أُخذ عليهم من العهد في كتابهم بالإيمان برسولنا محمدٍ ﵇؛ قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\n﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ من باب الإضمار على شريطة التفسير؛ كقولك: زيدًا رهبتُه، والفاءُ بتقدير الشرط؛ أي: وإياي ارهبوا إنْ كنتُم رهبتُم شيئًا فارهبون، وهو أوكدُ في إفادةِ التخصيص من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لتكرار (^١) الرهبة مضمَرةً ومظهَرةً، وإيقاعِها على المفعول مرَّتين مع التقدُّم في الأولى، وإخراجِ الكلام على الجملة الشرطية.\nوالرهبةُ: خوفٌ مع تحرُّز واضطرابٍ، ولتضمُّنه الاحتراز اختيرت على الخوف؛ لأن المقام مقامُ الحثِّ على التحرُّز عن نقض العهد.\nوحُذف الياء من ﴿فَارْهَبُونِ﴾ لدلالة الكسرة عليه، وكونِ الفواصل كالقوافي.\n_________\n(^١) في \"م\": (لتكرار).","vol":"1","page":161},{"text":"<span id=\"aya-48\"> </span>(٤١) - ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.\n﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾؛ أي: بالقرآن الذي أنزلتُه على محمدٍ ﵇.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتب الإلهية، حيث نزل حسب ما نُعت فيها، حالٌ وذو الحال الضميرُ في ﴿أَنْزَلْتُ﴾، أو الموصولُ، ويحتمل أن تكون (ما) مصدرَّيةً، والتقدير: آمنوا بإنزال (^١) مصدِّقًا لِمَا معكم.\nوفيه تنبيهٌ على أنه لا منافاةَ بين ما أتى به الأنبياءُ ﵈ من أصول العبادات، وإنَّما الاختلافُ بينهم في جزئيَّات الكلام وفروعِها كفاءَ ما يقضيه مصلحةُ كلِّ قوم وزمانٍ، فكلٌّ مصدِّقٌ للآخَر فيما أتى به، من حيث إنَّ كليات شرائعهم متساويةٌ وأن فروعَها حقٌّ بحسب الإضافة إلى زمانِ كلِّ واحد منهم وأمَّتهِ، حتى لو كان أحدهم في زمنٍ الآخَرُ لم يَرَ المصلحةَ إلا فيما أتَى به الآخَرُ.\nوأمَّا قوله ﵇: \"لو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتِّباعي\" (^٢) فليس وجهه هذا، بل كونُه ﵇ مبعوثًا لكافةِ الناس، فلا يَسَعُ مَن في زمنه كائنًا مَن كان إلا اتِّباعُه، بخلاف سائر الأنبياء ﵈.\n﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ لا مفهومَ هنا لقوله: ﴿أَوَّلَ﴾ فيكونَ قد أُبيح لهم ثانيًا أو آخِرًا، وإنما ذُكرت الأوَّلية (^٣) لأنها أفحشُ؛ لِمَا فيها من الابتداء بالكفر، ولأنَّ المعنى: لا تكونوا أئمَّةً في الكفر، فيقتدي بكم أتباعُكم، فتكونوا حاملين لأوزارهم،\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"ك\": (بإنزال)، والمثبت من \"ك\".\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٥١٥٦) من حديث جابر ﵁.\n(^٣) في \"م\": (الأولوية).","vol":"1","page":162},{"text":"كما قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥] فلا بدَّ من القيد المذكور لإفادته (^١).\nوأُضيف إلى مفردٍ وإن كان قبلَه جمعٌ؛ لأن المفرد إذا كان صفةً جاز أن يطابقَ وأن يُفرَد، وقد جاء ذلك في قوله:\nوإذا هم طَعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ … وإذا هم جاعوا فشرُّ جِيَاعِ (^٢)\nأَفْرَدَ في (طاعِمٍ) وطابَقَ في (جِيَاعٍ)، وتأوَّله النحاةُ فقدَّره الفرَّاء: أَلْأمُ مَن طَعِمَ (^٣)، وقدَّره غيرُه: أَلْأمُ فريقٍ طاعِمٍ.\nوالضمير في ﴿بِهِ﴾ للمنزَل أو المنزَلِ عليه، ويجوز أن يكون لِمَا معهم، فإن فيه نعتَه، فالكفرُ به كفرٌ لِمَا يصدِّقه، وعلى هذا أيضًا لا يكون القيدُ المذكور على ظاهره؛ لأنَّ مشركي العربِ سبقوهم إليه.\nهذا بحَسَبِ جليلِ النظر، وأمَّا الذي بحَسَب دقيقِهِ: فهو أنَّه إنَّما وُجد الخبرُ عن ضمير الجمع؛ لأنَّ حكمهم (^٤) - لتَسانُدهم واتفاقِهم على ديدنٍ (^٥) واحد، واتِّحادِهم لذلك والأُلفةِ (^٦) فيما بينهم - كان حكمًا واحدًا فكأنهم شخصٌ واحد، وعلى هذا وردَ قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦].\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"م\": (فلا اتجاه لما في تفسير القاضي من السؤال والجواب).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٣٣)، و\"النوادر\" لأبي زيد (ص: ١٥٢)، و\"الاشتقاق\" لابن دريد (ص: ٤١٧)، ونسبه أبو زيد لرجل جاهلي.\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٣٢).\n(^٤) بعدها في \"م\" زيادة: (استبان).\n(^٥) في هامش \"د\": (الديدن: الدأب والعادة).\n(^٦) في \"م\": (وللإلف).","vol":"1","page":163},{"text":"و(أوَّلُ): أَفْعَلُ، ولا فعلَ له وزنُه أفعل (^١)، وأصله: ووَّل، أو أَوْأَل، أو أَأْوَل (^٢).\n﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ استُعير الاشتراءُ للاستبدال، والثمنُ القليل هو الرياسةُ التي كانت لهم في قومهم، فاستبدلوها (^٣) بآياتِ الله لأنهم خافوا فواتَها لو آمنوا بمحمدٍ ﵇ وصدَّقوا بكتابه، وما أقلَّها بالنسبة إلى الحقِّ الذي كلُّ كثيرٍ بالنسبة إليه قليل، والهدى الذي كلُّ كبيرٍ بالنسبة إليه حقيرٌ، فكيف بالمتاعِ الدُّونِ اليسيرِ، فلا مفهومَ لقوله: ﴿قَلِيلًا﴾، بل فيه التنبيهُ على خساسةِ أنفسِهم إذ يبدِّلون الشيء العظيم في تحصيل الشيء الحقير.\nوإنما أُوثر الثمنُ على الشيء - مع أنه أبلغُ في التحقير - للتنبيهِ على أن الحظوظَ الدنيويَّة وسائلُ لا مقاصدُ، والنَّعْىِ على تعاكُس أحوالهم وأفعالهم، حيث جعلوا المثمَّن ثمنًا والثمن مثمَّنًا، وفي كلمةِ الباء والاستعارةِ السابقِ ذكرُها وجهُ تقويَةٍ لهذا المعنى.\n﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ باتِّباعِ الحقِّ والإعراضِ عن الباطل، فُصلت الآية الأولى بالرهبة لأن التحذير فيها عن الكفران ونقضِ العهد وهما من المعاصي، وهذه الآيةُ بالاتِّقاء - وهو فرطُ الصيانة - لأنَّ التحذير هنا عن الكفو عَقْدًا (^٤) وعملًا.\n_________\n(^١) قوله: (أفعل) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (فَعَلَ)، قال الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢/ ١٤٣): ولا فِعْلَ له؛ لأن فاءه وعينه واو، وقد دل الاستقراء على انتفاء الفعل لما هو كذلك، وإن وجد فنادر، وما في الشافية من أنه من (وَوَلَ) بيان للفعل المقدر. وانظر: \"شرح الشافية\" للرضي (٢/ ٣٣٥ و٣٤٠).\n(^٢) اضطربت هذه الألفاظ في النسخ، والمثبت من المصادر. انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٠)، و\"البحر المحيط\" (١/ ٤٧٠)، و\"روح المعاني\" (٢/ ١٤٣).\n(^٣) في النسخ عدا \"م\": (فاستبدلوا)، والمثبت من \"م\".\n(^٤) في (م): \"عقلًا\".","vol":"1","page":164},{"text":"ولك أنْ تقول: إنَّ التقوى فوقَ الرَّهبةِ، فحيثُ ما خاطَبَ العامَّةَ عالِمَهم ومقلِّدَهم، وحثَّهم على شكر النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي من مبادئ التقوى، وحيث خاطَبَ العلماءَ منهم خاصةً وحثَّهم على مراعاة آياته والتنبيهِ على ما يأتي به أولو العزم من الرسل أمرهم بالتقوى التي هي منتهَى الطاعة.\n\n<span id=\"aya-49\"> </span>(٤٢) - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ عطف على ما قبله، واللَّبْس والسَّتر أخَوان، وضدُّ السَّتر: الكشف، وضدُّ اللَّبس: الإيضاح.\nواللباسُ: ما واريتَ به جسدَك، ومن جملة أسبابه الخلطُ.\nوقد تقدَّم الكلام في الحق، وأمَّا الباطل فممَّا لا ثبات له عند الفحص عنه، والحقُّ يناقِضُه، وذلك عامٌّ في الاعتقاد والمقال والفعال.\nوالباء صلةٌ معناها الإلصاقُ؛ أي: لا تخلطوا الحقَّ بالباطل بأنْ تكتبوا في التوراة ما ليس منها. أو للاستعانة؛ أي: لا تجعلوه ملتبِسًا بسببِ الباطل الذي تكتبونه، فلا نظر حينئذٍ إلى معنى الاختلاطِ كما لا نظر في الأوَّل إلى معنى الاشتباه.\n﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ بأنْ تقولوا: ليس وصفُ محمدٍ ﵇ أو هذا الحكمُ في التوراة، فليس المراد من الحقِّ في الموضعين شيئًا واحدًا.\nو(تكتموا) جزمٌ داخلٌ تحت حكم النهي، بمعنى: ولا تكتموا، أو منصوبٌ بإضمار (أنْ)، والواوُ بمعنى الجمع، وحقيقتُه: لا يكنْ منكم لبسُ الحق وكتمانُ الحق، والقصدُ إلى أن يَنعيَ عليهم سوءَ فعلهم الذي هو الجمعُ بين أمرين كلُّ واحدٍ منهما مستقِلٌّ بالقُبح ووجوبِ الانتهاء عنه.","vol":"1","page":165},{"text":"ويجوز أن يكون المرادُ من (الحق) في الموضعين واحدًا، ويكون إعادة صريحِ الحق دون ضميره لأنهم يكرِّرون أسماء الأجناس والأعلام كثيرًا، ولا سيَّما إذا قصدوا التفخيم، صرَّح به الإمامُ المرزوقيُّ (^١) والشيخُ عبدُ القاهر.\nوعلى ذلك وردَ قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].\nوحينئذٍ يجوز أن يكون النهيُ عن الجمع؛ لأنَّ الخلط بالباطل قد يكون لترويج الحق وإسماعه، فإنَّ أسماع العوامِّ يَمُجُّون عن الحق الصرف لأنَّه مرٌّ، فخلطُ الباطلِ الحلوِ به لئلا يَنفرَ (^٢) عنه طبع السامع ليس مما يُنكَر كلَّ الإنكار، فإنَّ الضرر اليسيرَ قد يُتحمل للنفع الكثير، ومثلُ هذه الرخصة ترغيبًا للمخاطَب إلى الاستماع من مقتضياتِ البلاغة ومُوجبات الخطابة (^٣).\nألَا ترى قولَه تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] كيف سُرد فيه المقال على إبهام الحال، وإظهارِ التردُّد فيه توسعةً لدائرة الاحتمال.\nوفي مصحف ابن مسعود ﵁: (وتكتمون) (^٤)، وهو في موضع الرفع على حذف المبتدأ؛ أي: وأنتم تكتمون.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب بالحال؛ أي: في حال عِلمكم بذلك وبقبحه، وإنما قيِّد به لأن الجهل ربما يُغتفرُ ويُجعلُ عذرًا، فعلى هذا يكون الحذفُ اختصارًا ورعايةً للفاصلة.\n_________\n(^١) انظر: \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (ص: ٢٩ و٨٨ و٧٨٤).\n(^٢) في \"د\": (ينبو).\n(^٣) في النسخ عدا \"د\": (الخطاب)، والمثبت من \"د\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٣٣).","vol":"1","page":166},{"text":"ويجوز أن يكون اقتصارًا؛ أي: وأنتم من ذوي العلم، ولا يناسبُ مَن كان عالمًا أنْ يكتم الحق وَيلْبِسه بالباطل، ففيه تعييرٌ لهم بأنهم يفعلون فعلَ الجهلاء، وتذكيرٌ لِمَا فيهم من صفة العلم، وحثٌّ على العمل بمقتضاه، وذلك أَدْخلُ في قبول الحقِّ وإسماعِه من التَّقريعات الشديدة.\n\n<span id=\"aya-50\"> </span>(٤٣) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ التعريفُ فيهما للعهدِ والإشارةِ إلى الصلاة المعلومةِ والزكاةِ المعيَّنة، أو للجنس كقولهم: هو الرجل، كأنَّ ما عدا صلاةَ المسلمين ليس بصلاةٍ وكذا الزكاةُ؛ لكونهما منه (^١) غيرَ مقبولَين.\nوالزكاةُ مِن زَكَى الزرعُ؛ أي: نمى، فإنها تُنمِّي المالَ باستجلابِ بركةِ الله تعالى.\nأَمَرهم بفروع الإيمان بَعْدَما أمرهم بأصوله، فيَحْتمِلُ أن يكون الأمرُ الثاني مشروطًا بالامتثال بالأول، فلا تكون الآيةُ حجةً على المنكِرين؛ لكونِ الكفار مخاطَبين بالفروع.\n﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضُل صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً؛ لِمَا فيها من فضيلةِ المشقَّةِ وفضيلةِ الانتظار، وقد تَقرَّرَ في موضعه أنَّ مَن أدركَ الإمامَ في الركوع فقد أَدْركَ فضيلةَ (^٢) الجماعة، والإدراكُ فيما قبله ليس بشرطٍ، ولا عبرةَ للإدراك فيما بعده، وهذا هو السرُّ في تخصيص الركوع بالذكر وإيثارِ عبارة ﴿مَعَ﴾ على عبارة: في.\n_________\n(^١) كلمة: (منه) ليست في \"د\".\n(^٢) كلمة: (فضيلة) ليست في \"ك\".","vol":"1","page":167},{"text":"وأمَّا الاحترازُ عن صلاة اليهود فلا حاجة إليه بعدما أُريد من الصلاة فيما تقدَّم صلاةُ المسلمين.\nوأصل الركوع: الانحناءُ، قال صاحب \"العين\": كلُّ شيءٍ يَنكبُّ لوجهه فتمسُّ ركبته الأرض أو لا تمسُّ بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكعٌ (^١).\n\n<span id=\"aya-51\"> </span>(٤٤) - ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ اعتراض، والبِرُّ: التوسُّعُ في أفعالِ الخير، واشتقاقُه من البَرِّ الذي هو الفضاءُ الواسع، ويتناولُ كلَّ معروف.\n﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتتركونها من البِرِّ، والنسيانُ يجيء بمعنى التركِ، ومنه: النِّسيُ، وهو ما يسقط في منازل المرتحلينَ من رُذالِ أمتعتهم.\nوالهمزةُ للتقرير، معناه: أن الأمر الذي ورد عليه الاستفهام مكشوفٌ لا يمكن للمخاطَب إنكارُه فإنه (^٢) مُلجئٌ إلى الإقرار، والتعجيبِ (^٣) من حالهم، والتوبيخِ على الجمع بين الأمر بالبِر وتركه في حق أنفسهم؛ رُوي أنها نزلت في أحبارِ اليهود، كانوا يأمرون سرًّا مَن نصحوه [باتِّباع محمدٍ ﷺ] ولا يتَّبعونه (^٤).\n﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراةَ، تبكيتٌ بالحجَّة كقوله ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،\n_________\n(^١) انظر: \"العين\" (١/ ٢٠٠).\n(^٢) في \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (فلأنه)، وفي \"ك\": (ولأنه)، والمثبت من \"م\"، ولعل الأحسن: (فكأنه).\n(^٣) عطف على: (للتقرير).\n(^٤) يروى عن ابن عباس، انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٣٣)، و\"وتفسير البيضاوي\" (١/ ٧٧)، وما بين معكوفتين منهما.","vol":"1","page":168},{"text":"وفي عبار التلاوةِ إشارةٌ إلى وضوح ما في التوراة من النهي عن هذا الوصفِ الذميم، بحيث يقف عليه كلُّ مَن يتلوه من أهل اللسان.\nوالتلاوة: إتْباعٌ اللفظِ اللفظَ، سواءٌ تُدُبِّر المعنى أو لا.\nوفي الآية التحريضُ على تقديم العمل على القول، والوعيدُ على مخالفةِ القول العملَ، والنَّعْيُ على مَن يَعِظُ الغيرَ ولا يَعِظُ نفسَه.\nوكان المنكَرُ تركَهم أنفسَهم لا أمرَهم غيرَهم بالمعروف، إلا أنه بدأ بالتوبيخ به إيماءً إلى أن ذلك التركَ بلَغ في الشناعة غايةً خرج ما يقارنُه من الفعل المندوبِ إلى مَعرِض المستنكَر، وفيه من المبالغة في الإنكار على سوء صنيعهم ما لا يَخفى.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ توبيخ عظيمٌ بالهمزةِ وتوسيطِ الفاء؛ أي: أتفعلون ذلك فلا تعقلون، كأنكم مسلوبو العقولِ فلا تَفْطَنون لقبح ما ترتكبون فتنتهون.\nوالعقل أصله: المنع الشديد، ومنه: عقل البعير؛ لمنْعه إياه من الشرود، ومنه: العقل للدِّيَة لأنها تمنعُ وليَّ المقتول عن قتل الجاني.\nوفي إيثار نفي العقل على نفي العلم نوعُ تأييدٍ لِمَا قدَّمناه، يعني: أن المحتاج في إداركه عند التلاوة إنما هو العقلُ الجِبِلِّيُّ لا الإدراكُ المكتسَبُ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ قُبح هذه الأشياءِ عقليٌّ، بل دلالةٌ على أنه شرعيٌّ، حيث رتَّب التوبيخَ على ما صدر عنهم بعد تلاوة الكتاب.\nوالفاءُ للعطف، كان الأصل تقديمَها، لكنَّ الهمزة لها صدرُ الكلام فتقدَّمت على الفاء، وحكم الواو و(ثمَّ) في نحو: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الروم: ٩] و﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١] حكمُ الفاء.","vol":"1","page":169},{"text":"<span id=\"aya-52\"> </span>(٤٥) - ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.\n﴿وَاسْتَعِينُوا﴾؛ أي: اطلبوا المعونة في دفع المكاره وجلبِ المنافع، فالاختصار للتعميم.\n﴿بِالصَّبْرِ﴾ وهو حبسُ النفس، وقدِّمت الاستعانةُ بالصبر لتقدُّم تكاليفَ عظيمةٍ يَشُقُ التزامُها على مَن يألَفُها.\n﴿وَالصَّلَاةِ﴾ كان رسول الله ﷺ إذا حزَبه (^١) أمر فزع إلى الصلاة، وهي أرفعُ منزلةً من الصَّبر؛ لأنها تجمع ضُروبًا من الصبر؛ إذ هي حبسُ الحواسِّ على العبادةِ، وحبسُ الخواطر والأفكار على الطاعة.\nبل نقولُ: الأمر بالصبر تمهيدٌ للأمر بالصلاة؛ فإنَّ مرجع الجمعِ بينهما أن يصلُّوا صابرينَ على تكاليف الصلاة، محتمِلينَ لمشاقِّها وما يجبُ فيها من إخلاصِ القلب بدفعِ الوسواس ومُراعاةِ الآداب، ولهذا قال:\n﴿وَإِنَّهَا﴾ وخصَّها بردِّ الضمير إليها دون (الصبر)، ولولا ذكرُ الصبرِ تمهيدًا لكان حقَّ (الصلاةِ) أن يعادَ فيها حرفُ الباء الدالَّةِ إعادتُها على الأصالة، والجملةُ اعتراضيَّةٌ.\nوقيل: الصبر: الصوم؛ لأنَّه حبسٌ عن المفطِّرات، ومنه قيل: شهرُ رمضان شهرُ الصبر، وعلى هذا ردُّ الضميرِ إلى (الصلاة) ليس بطريقِ التخصيص، بل بطريقِ الاكتفاء بالأعمِّ أو الأقدم؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤] وقولهِ تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا\n_________\n(^١) في \"ح\": (أخبر به)، وفي \"ف\": (أضربه)، وفي \"م\": (أحزنه).","vol":"1","page":170},{"text":"إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] فإن الكناية في أحدهما (^١) ردّ إلى الفضة لأنها الأغلبُ والأعمّ، وفي الآخرِ إلى التجارة لأنها أفضلُ وأهمّ.\n﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ من كبُر بمعنى عظُم، تمثيل وتصوير لمعنى ثقلِها وكونِها شاقَّةً على غير الخاشعين، لا من كبُر بمعنى ثقُل وشَقَّ حقيقةً أو مجازًا.\n﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ يعني: لا تهونُ على أحد إلا على الخاشعين؛ لأنَّه استثناءٌ مفرَّغٌ من كلامٍ موجَبٍ، فلا بد من تأويل النفي.\nوالخشوع هيئةٌ في النفس يظهرُ منها في الجوارح سكونٌ وتواضعٌ، وفيه إشارةٌ إلى أن الصلاة التي تَخِفُّ على غير الخاشع مسماةٌ باسمها وليست هي في حكمِها.\nفإن قيل: هلَّا يلزمُ أن يكون ثوابُ غيرِ الخاشع أكثرَ؛ لِمَا جاء في الخبر: أن أكثر الأعمال ثوابًا أشقُّها (^٢).\nقلنا: لا يلزمُ ذلك؛ لأن مفهوم الخبر: أنَّ الأعمال المتساوية في اشتمالِ الأركان والشرائطِ وسائرِ ما يجبُ رعايتُه أو يستحبُّ أكثرُها (^٣) أشقُّها.\n\n<span id=\"aya-53\"> </span>(٤٦) - ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ لمَّا كانت الملاقاةُ متعذِّرةَ الحملِ على الحقيقة\n_________\n(^١) في (م): \"إحداهما\".\n(^٢) انظر حديث عائشة عند البخاري (١٧٨٧)، ومسلم (١٢١١/ ١٢٦).\n(^٣) بعدها في \"د\": (ثوابًا).","vol":"1","page":171},{"text":"جُعلت كنايةً عن رؤيته تعالى، وهو الوجهُ فيما يُروى في الأخبار: \"لقيَ اللهَ تعالى وهو عليه غضبانُ\" (^١).\nوالظنُّ بمعنى العلم، ويعضدُه أنَّ في مصحفِ ابن مسعود ﵁: (يعلمون) (^٢)، ولا يُصار إلى التضمين إلا عند قيام القرينة اللفظية، وهي ذكر ما يتعلق بالمضمَّن، وهي مفقودةٌ هنا (^٣).\nوفي عبارة الظن إشارة إلى أنه يكفي في حصول الخشوع الذي يزول به ثقل الصلاة أدنى مراتب الاعتقاد بملاقاته تعالى.\nوقيل: المراد: ملاقاةُ (^٤) ثوابه، وحينئذ يكون الظنُّ بمعنى التوقُّع؛ لأنَّه وإنْ عَلِم أنه لا بد من ثوابٍ أو عقابٍ، لكنْ من أين يَعلم ما يُختم به عملُه، فلا بد مِن صرفِ الظن عن معنى العلم إلى معنى التوقُّع اللازم له.\nويأباه قولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى مشهدِ حكومتهِ يومَ العرض والسؤال ﴿رَاجِعُونَ﴾ إذ لا يناسبه معنى التوقُّع، وتقديرُ عامل آخرَ له خلافُ الظاهر.\nوإنما ثقُل على غيرهم لأنهم لم يعتقدوا بالجزاء (^٥)، ولم يرجوا الثوابَ، فكانت في حقهم مشقةً خالصةً، ولم تثقل عليهم لأنهم اعتقدوا بلقاء (^٦) الجزاء، وتوقَّعوا ما ادَّخر للصابرين على متاعها، فزاولوها برغبةٍ ونشاط وانشراح صدرٍ،\n_________\n(^١) قطعة من حديث رواه البخاري (٢٣٥٦)، ومسلم (١٣٨)، عن ابن مسعود ﵁.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٣٤).\n(^٣) في هامش \"د\": (رد للقاضي).\n(^٤) في \"ح\" و\"د\" و\"ف\": \"وقيل الملاقاة\"، وفي (ك): (وقيل لملاقاة)، والمثبت من \"م\".\n(^٥) في \"ك\": (الجزاء).\n(^٦) في \"ك\": (لقاء).","vol":"1","page":172},{"text":"واستلذُّوا بها، ومن ثَمَّةَ قال رسول الله ﷺ: \"وجُعلتْ قرَّةُ عيني في الصَّلاة\" (^١).\n\n<span id=\"aya-54\"> </span>(٤٧) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرٌ تمهيدًا لتذكير نعمة التفضيل، وقد جاء تفصيلها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]، وذكرُ تلك النعمة على الآباء إلزامُ الشكر على الأبناء؛ لأنهم يَشْرُفون بشَرَفهم، ولذلك قال:\n﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ ولم يقل: فضَّلت آباءكم.\nوالفضل: الزيادة في الخير، والجملة في محلِّ النصب معطوفةٌ على معنى ما تقدم؛ أي: أنِّي أنعمتُ عليكم وأنِّي فضَّلتكم.\n﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الظاهرُ هو الاستغراق، وقد خرج إلى حيِّز النصِّ بقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] ولا حاجةَ إلى الصرف إلى الاستغراق العُرفيِّ بقرينةِ أن المتبادِر من الموجود المعتبر في مفهوم العالم الموجودُ (^٢) بالفعل؛ لعدم الدلالة فيه على التفضيل من كلِّ جهةٍ عمومًا، ولا من جهة القُرْب والمكانة عند الله تعالى خصوصًا، ولذلك لم يكن فيه متمسكٌ لمن فضَّل البشر على الملك.\n_________\n(^١) رواه النَّسَائِيّ (٣٩٣٩) و(٣٩٤٠)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١٢٢٩٣)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٣٤٨٢)، من حديث أنس. وإسناده حسن.\n(^٢) في \"م\" و\"ك\": (الوجود).","vol":"1","page":173},{"text":"<span id=\"aya-55\"> </span>(٤٨) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يريد يوم القيامة، وعظَّمه بالتنكير، ثم بالتوصيف، والمقصود: بيان كون ذلك معيارًا للمخاوف بحيث لا يكون آنٌ من آنائه خاليًا عن الخوف، وهذا يجعل نفسَ اليوم مَخوفًا لا ما (^١) فيه.\n﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي نفسٌ ما من النفوس عن نفسٍ - أيِّ نفسٍ كانت - حقًّا من الحقوق، و﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع المصدر؛ أي: قليلًا من الجزاء، وعلى قراءةِ: (لا تُجْزِئُ) (^٢) من أَجْزأَ عنه: إذا أَغْنَى عنه، لا يكون إلا بمعنى: شيئًا من الإجزاء.\nوالجملةُ في محل النصب صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾ والعائد محذوفٌ؛ أي: لا تجزي فيه، وهل الحذف بتدريج، أم حذفٌ برمَّته ابتداءً؟ قولان.\n﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي (^٣): أيَّةُ شفاعة كانت، والضمير في ﴿مِنْهَا﴾ راجعٌ إلى النفس الثانية العاصية، أي: إن جاءت بشفاعةِ شفيعٍ لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى الأولى؛ أي: لا تجزي منها شيئًا وإن شفعت لها لا يقبل، وقِسْ على هذا قولَه:\n﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ والعدل: الفديةُ؛ لأنها تعادل المَفديَّ، والشفاعةُ من الشَّفع، كأن الجانيَ كان فردًا فجعله الشفيعُ شفعًا بضم نفسه إليه.\n_________\n(^١) في \"ح\": (لا يلو)، وفي \"ك\": (لأمر)، وفي\"م\": (لا أمن)، وغير واضحة في \"ف\"، والمثبت من \"د\".\n(^٢) تنسب لأبي السمال العدوي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٥)، و\"المحرر الوجيز\" لابن عطية (١/ ١٣٩).\n(^٣) كلمة: (أي) من \"م\" و\"ك\".","vol":"1","page":174},{"text":"وضمير الجمع في ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يرجع إلى ما دلَّت عليه النفسُ المنكَّرة في سياق النفي الدالَّةُ على العموم، والتذكيرُ بمعنى العِباد والأناس، والنصر أخصُّ من المعونة؛ لاختصاصه بدفع الضرر.\nوإنما عَدَل عن الجملة الفعلية المعطوفةِ على أخواتها إلى الاسمية؛ للدلالة على الدوام الوضعي؛ أي: ولا هم ينصرون دائمًا ما دامو هم هم، وفيه إيماءٌ إلى أنه يَنصرُ غيرَهم.\nوإنما قنَّطهم الإقناطَ الكليَّ لأن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم.\nولمَّا كان الخطاب لليهود كان تقديره: لا تجزي نفسٌ ما منكم عن نفسٍ ما منكم، فلا دلالة فيه على أن الشفاعة لا تُقبل للعصاة مطلقًا.\nوكأنه أُريدَ بالآية نفيُ أن يَرفع (^١) العذابَ أحدٌ عن أحدٍ من كلِّ وجهٍ محتمَلٍ، فإنه إمَّا أن يكون بإعطاء شيء أو مجانًا:\nفإن كان الأولَ: فإما أن يكون بأداءِ ما كان عليه وهو الجزاءُ، أو غيره وهو الفدية.\nوإن كان الثانيَ: فإما أن يكون على سبيل العطف وهو الشفاعةُ، أو على سبيل القهر وهو النصرةُ.\nوإنما عدَل عن الترتيب الذي هو مقتضَى هذا التقسيمِ اختيارًا لأسلوب التَّرقِّي، كأنه قيل: النفسُ الأولى غيرُ قادرة على استخلاصِ صاحبها بقضاء الواجب وتدارُكِ التَّبِعات (^٢) لأنها مشتغلةٌ عنها بشأنها؛ كما أفصَحَ عنه قولُه تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) في \"ك\": (يدفع).\n(^٢) في \"ك\": (الفائت).","vol":"1","page":175},{"text":"شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧]، ثم إنْ قَدَرتْ على سعيٍ ما مثلَ الشفاعة فلا يُقبل منها، وإن زادت عليها بأنْ يضمَّها الفداء فلا يؤخذُ منها، وإن حاولت الخلاصَ بالقهر والغلبةِ وأنَّى لها ذلك فلا تتمكن منه، فالترقِّي من السعي إلى السعي.\n\n<span id=\"aya-56\"> </span>(٤٩) - ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ (إذ) نصبٌ بـ: اذكروا، والتنجيَةُ: التَّخليصُ من مكروهٍ وشدَّةٍ، ومثْلُه الإنجاءُ.\nقيل: معنى ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾: ألقيناكم على نَجْوةٍ من الأرض، وهي ما ارتفَع منه، هذا هو الأصل، ثم سمِّى كلُّ فائز ناجيًا، فالناجي: مَن خرج من ضِيقٍ إلى سعةٍ، ومعناه: خلَّصنا آباءَكم، وجعل ذلك نعمةً عليهم لأنهم نَجَوا بنجاتهم، ومن عادة العرب هذا؛ يقولون: قتلناكم يوم عكاظٍ، أي: قتل آباؤنا آباءَكم.\nوقرئ: (نجَّيتُكم) (^١) فوافَقَ الضميرُ ضميرَ ﴿نِعْمَتِيَ﴾، وعطفُها عليها كعطف جبريل وميكائيل ﵉ على الملائكة، أو تفصيلٌ لِمَا أجمله في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ والتفصيلُ لا يلزم أن يكون على وجه الاستيعاب، بل قد يكتفى فيه بذكر المعظَّمات.\n﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أصل (آل): أهل؛ لأن تصغيره: أُهَيلٌ، فأُبدلت هاؤه ألفًا، وخُصَّ بالإضافة إلى أعلام الناطقين، دون النكرات والأمكنة والأزمنة والصناعات.\n_________\n(^١) تنسب للنخعي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٥).","vol":"1","page":176},{"text":"و(فرعون) عَلَمُ شخصٍ سُمِّي (^١) به كلُّ مَن يملك العمالقة - وهم جبابرةُ مصر - وضعًا ابتدائيًّا (^٢)، دلَّ على ذلك منعُ صرفه، وجمعُه باعتبار الأفراد؛ كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس.\nولشهرةِ الفراعنة بالعتوِّ اشتُقَّ منه: تَفَرْعَن، إذا عتَا وتجبَّر (^٣).\nوآلُه: قومُه المناسبون له، وحقيقةُ الآل: هم الذين يَؤُولُ أمرُهم (^٤) إليه في نسبةٍ أو صحبة.\n﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالٌ من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو استئناف (^٥) حكاية حال، والسَّوم أصلُه: الذهاب في ابتغاء الشيء، فهو لفظٌ مفردٌ بمعنًى مركَّبٍ من الذهاب والابتغاء، فأُجري مُجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمةٌ، ومُجرى الابتغاء في قولهم: سمْتُه كذا، ومنه: السَّومُ في البيع.\n﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ نصب على المفعولية (^٦) لـ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، والسوء مصدرُ ساء؛ أي: قَبُحَ، ومعنى سوءِ العذاب - مع أن نفسه سيئٌ -: أقبحُه وأفظعُه.\n﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ من ضمير الفاعل في ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾، أو بدل منه، أو معطوفةٌ عليه حُذف منها حرفُ العطف، ويؤيِّدُه ثبوتُه في سورة إبراهيم ﵇.\n_________\n(^١) في \"د\" و\"م\": (يسمى).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (وليس بلقب في أصل وضعه كما توهمه القاضي. منه).\n(^٣) \"ك\": (وفجر).\n(^٤) \"د\": (أمورهم).\n(^٥) في \"د\" و\"م\": (واستئناف).\n(^٦) في \"ك\": (المفعول).","vol":"1","page":177},{"text":"﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ والاستحياء: استفعالٌ من الحياة؛ أي: يبقون بناتكم للخدمة، سمِّينَ بما يَؤُول إليه أمرُهن. ولمَا في صيغةِ الاستفعال من الدلالة على أنَّ إبقاءَهن كان لمصلحتهم، كان المذكور من جملةِ الشدائد.\n﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾ البلاء: هو الاختبار، ويكون بالشَّرِّ ليَصبروا فيكونُ محنةً، وبالخير ليشكروا فيكون مِنحةً، وكلاهما محتملٌ هاهنا بحسَب احتمالِ (^١) المشارِ إليه أن يكون مصدرًا لـ ﴿نَجَّيْنَاكُمْ﴾، أو مصدر (يسومون) و(يذبِّحون) و(يستحيون).\nوالأولُ أَوْفقُ بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وأَليَقُ بأصل المقام، فإنه لتعديدِ النِّعم، والثاني أَلْصقُ (^٢) بمقامِ تفصيلِ المحن، وأنسبُ للتذييل بهذه الجملة الاعتراضية.\n﴿عَظِيمٌ﴾ صفة ﴿بَلَاءٌ﴾.\nوفيما ذُكر من المبالغة والتأكيد بالإجمال والتفصيل، والتسجيلِ بان الذبح (^٣) أشدُّ العذاب وأفظعُه، ما لا يَخفى، ولهذا ذيَّله بالاعتراض تأكيدًا وتقويَةً له.\n\n<span id=\"aya-57\"> </span>(٥٠) - ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ الفَرْق والفَلْق كالفَصْل، لكنَّ الفلْقَ لا يكون إلا بينَ جسمين، والفرقَ يكون فيهما وفي المعاني.\nوقرئ: (فرَّقْنا) (^٤) على بناء التكثير؛ لأنَّ المسالِكَ كانت اثني عَشَرَ بعددِ الأسباط.\n_________\n(^١) كلمة: (احتمال) من \"م\".\n(^٢) في \"م\" و\"ك\": (أليق).\n(^٣) في \"م\" زيادة: (المذكور).\n(^٤) تنسب للزهري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٣٣).","vol":"1","page":178},{"text":"والباء في: ﴿بِكُمُ﴾ للسببية؛ أي: بسببكم وبسببِ إنجائكم، ولا يجوز أن يكون للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بكم، ولا للاستعانة؛ أي: تسلكونها وتتفرَّقُ بكم كما يتفرَّقُ الشيء بالسكِّين عند قطعه؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] صريحٌ في أن انفصال البحر بعضِه عن بعضٍ وحصولَ المسالك كان بضربِ العصا قبل أخذِهم في السلوك، فإن في الفاء الفصيحة في قوله: ﴿فانفلق﴾ دلالةً على عدم تراخي الانفلاقِ عن الضرب.\n﴿الْبَحْرَ﴾ هذا البحرُ كان قريبًا من مصرِ فرعونِ موسى ﵇، يقال له أسافًا، ويسمى اليوم: بحرَ القلزم (^١).\n﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ من خطرِ عبورِ البحر، وأخرجناكم من ضِيقِ مسالكه إلى سَعةِ البرِّ، وهذه الفاءُ أيضًا فصيحةٌ.\n﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ غَرِقَ في الماء من حدِّ عَلِمَ؛ أي: رسب فيه، فهو غَرِقٌ إذا كان لم يَمتْ بعدُ، فإذا مات فهو غريقٌ وجمعه: الغرقى.\n﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أتباعَه، فهو أول الغرقى وأَوْلى (^٢) به، فكان غرقه معلومًا دلالةً، وفيما في العدول من الضمير إلى المظهَر من التنبيه على أنَّ السبب لذلك الحال كونُهم (^٣) أتباعَه نوعُ تأييد لتلك الدلالة.\n﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ تقلِّبون أبصارَكم في الجهات نظرَ المبهوت إذا فاجأه خطبٌ (^٤)،\n_________\n(^١) وهو المعروف اليوم بخليج السويس من البحر الأحمر. انظر: \"معجم متن اللغة\" (مادة: قلزم).\n(^٢) في\"د\": (وأدنى).\n(^٣) بعدها في \"د\": (فيما)، ولا يظهر لها وجه ارتباط بالسياق.\n(^٤) في \"ك\": (الخطب).","vol":"1","page":179},{"text":"أو تنظرون ما يُفعل بأعدائكم، فعلى الأول يكون النظر بمعنى طلبِ (^١) الإبصار، وعلى الثاني بمعنى الانتظار.\nرُوي أنه تعالى أمر موسى ﵇ أن يسري ببني إسرائيل، فأَتْبعهم فرعون وجنوده مشرقين، فلما تراءى الجمعان وهم على شاطئ البحر أوحى الله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، فضرب فظهر فيه اثنا عشر طريقًا يابسًا، فسلكوها حتى جاوَزوا البحر، ثم وصل إليه فرعون ورآه منفلِقًا اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين (^٢).\n\n<span id=\"aya-58\"> </span>(٥١) - ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الوعد هو التَّرجيَةُ بالخير، وَعَد الله تعالى موسى ﵇ بعد هلاك فرعون أن يُنزل عليه كتابًا يَنتمون إليه ويتمسَّكون به، وعيَّن له ميقاتًا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما عبَّر عنه بالليالي لأنها غُرر الشهور.\nوانتصابُ ﴿أَرْبَعِينَ﴾ على المفعول به، إذ هي الموعودة (^٣) على الاتِّساع المعهودِ بجَعْلِ الزمان (^٤) - لكونه شرطَ الموعود - موعودًا، ولا يجوز نصبه على الظرفيَّة (^٥)\n_________\n(^١) بعدها في \"ح\" و\"ف\": (الفعل)، وفي \"ك\": (فعل).\n(^٢) في هامش \"د\": (فيه رد للقاضي في قوله: وصادفوهم في شاطئ البحر). وفي هامش \"م\": (فيه رد للقاضي في قوله: فصبحهم. منه). وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٨٠)، وفيه: فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطئ البحر.\n(^٣) في \"م\": (الموعدة).\n(^٤) في \"م\": (على الاتساع والمفهوم الزمان). وسقطت العبارة من \"ك\".\n(^٥) في \"د\" و\"م\": (الظرف).","vol":"1","page":180},{"text":"لأنَّه معدودٌ، فيلزم أن يكون وقوعُ العامل في كلِّ فردٍ فردٍ منها، وليس كذلك.\nوقرئ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ (^١) وقال الزجَّاج: هذا جيد؛ لأنَّ الطاعة في القبول بمنزلةِ المطاوَعة (^٢)، فمِن الله تعالى وعدٌ ومن موسى قبولٌ (^٣).\nو(موسى) اسمٌ عجمي لا ينصرفُ للعُجمة والتعريف، رُوي أنَّ القِبْطَ يقولون للماء: مو، وللشجر: سا، فلما وُجد موسى ﵇ في التابوت عند ماءٍ وشجرٍ سُمي موسى.\n﴿لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: اتَّخذْتُموه إلهًا، وحُذف المفعول الثاني للعلم به، ولسَمَاجةِ ذكرِه، وفيه تفظيعٌ لشأنه حيت ترك تطهيرًا؛ أي: جعلتُموه لأنفسكم معبودًا.\nونُسب الاتِّخاذ إلى جميعهم وإن كان بعضهم لم يتَّخذ ولم يرضَ به؛ لأن القبيلة قد تُذمُّ وتُمدح بما وقع من (^٤) بعضها، وفيه تنبيهٌ على زيادة القبح في ذلك الاتخاذ، حتى خرَّج البريء مخرج الذم لمقارنته (^٥) المباشِرَ له (^٦).\nوالتعريفُ في ﴿الْعِجْلَ﴾ للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].\n_________\n(^١) هي قراءة السبعة عدا أبي عمرو فإنه قرأ: (وعدْنا). انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٣).\n(^٢) قوله: (المطاوعة) كذا في النسخ، والذي عند الزجاج: (المواعدة).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (١/ ١٣٣).\n(^٤) في \"م\" و\"ك\": (في).\n(^٥) في \"م\" و\"ك\": (بمقارنة).\n(^٦) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد للقاضي في قوله باشر كلهم. منه).","vol":"1","page":181},{"text":"و﴿ثُمَّ﴾ للبعد بين مشاهَدة النعم المذكورة واتِّخاذِ العجلِ معبودًا؛ لأن معنى التراخي قد فُهم من قوله (^١):\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ الضميرُ لموسى ﵇، والمعنى: بعد غيبته، وهي بالمضيِّ إلى الطور.\n﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ إخبارٌ بأن سجيَّتهم الظلم (^٢)، يرشدك (^٣) إلى هذا قولُه تعالى في موضعٍ آخَرَ: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨].\nوالاتخاذُ المذكورُ يدلُّ على أنهم مجسِّمة أو حُلوليةٌ.\n\n<span id=\"aya-59\"> </span>(٥٢) - ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ عَفَوْنَا﴾؛ أي: تجاوَزْنا ﴿عَنْكُمْ﴾ حين تبتُم.\nفإنْ قلتَ: أنهم عُوقبوا بالقتل - على ما يأتي عن قريبٍ - فما معنى العفو؟\nقلتُ: العفو قد يكون قبل العقوبة وقد يكون بعدها، بخلافِ الغفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ البتة (^٤)، على أن العقوبة كانت لبعضهم.\nوأصلُ العفو: المحوُ، من عَفَتِ الريحُ الأثرَ: إذا أَذْهَبتْه، لا من عفا المنزلُ: إذا دَرَس، فإنه يَتعدَّى ولا يَتعدَّى.\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد للقاضي في قوله باشر الحكيم. منه).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد للقاضي في قوله: بإشراكهم. منه).\n(^٣) في \"م\": (يرشد).\n(^٤) في هامش \"د\" و\"م\": (نص على ذلك الإمام القرطبي. منه).","vol":"1","page":182},{"text":"و﴿ثُمَّ﴾ للبُعد، فإنَّ العفو بعد ارتكابهم ما هو الموجِبُ لأشدِّ العذاب في غايةِ البعد.\nو﴿ذَلِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ لتعظيم الشرك؛ أي: عفَوْنا من بعدِ ذلك الأمر العظيم البعيد عن العفو ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ العفو.\nومعنى الشكرِ في اللغة: عرفانُ الإحسانِ بالجَنان، ونشرُه باللسان.\nوتفسير (لعل) بـ (كي) مردودٌ بأنَّ جمهور أئمَّة اللغة اقتصروا في بيان معناها الحقيقيِّ على الترجِّي والإشفاق، وعدمُ صُلوحها لمجرَّد معنى العلِّيَّة والغَرَضيَّة مما وقع عليه الاتِّفاق، ألَا تَرى تقول: دخلت على المريض كي أعودَه، وأخذتُ الماء كي أشربَه، ولا يصحُّ: لعل.\nوحملُها على الإرادة إنما يصحُّ على أصل الاعتزال، وأمَّا على أصلِ أهلِ الحق فلا صحةَ؛ لأن إرادته تعالى تستلزمُ الوقوعَ عندهم ولم يقع، فلا بد من الحمل على كونهم في صورةِ مَن يُرجَى منه الشكرُ وإنْ لم يتعلَّق به الإرادةُ.\n\n<span id=\"aya-60\"> </span>(٥٣) - ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الواو بينهما هو التي توسَّطُ (^١) بين الصفات، والمفيدةُ كونَ الموصوف جامعًا لها؛ أي: الشيءُ الجامع بين كونه كتابًا منزلًا من عند الله وبين كونه فرقانًا يَفْرُق (^٢) بين الحقِّ والباطل، وهو التوراة.\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"م\": (تواسط)، والمثبت من \"م\".\n(^٢) (يفرق): ليست في \"م\".","vol":"1","page":183},{"text":"وفي توصيفه (^١) بالكتاب في مقام المدح إشارةٌ إلى نزوله من السماء مكتوبًا.\nوحمل (الفرقان) على النصر الذي فرَق بينه وبين عدوِّه - كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] يعني: يومَ بدر - لا يناسبُه قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ باتِّباع ذلك الكتاب المنزَل والعملِ بما فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤].\n\n<span id=\"aya-61\"> </span>(٥٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ القوم اسمٌ جمع لا واحدَ له من لفظه، ويختصُّ بالرجال.\n﴿يَاقَوْمِ﴾ المنادى إذا أضفْتَه إلى نفسكَ جاز فيه حذفُ الياء وإثباتُها كما في قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وفتحُها كما في قراءةِ مَن فتحَ الياء، والأجودُ الاكتفاء بالكسر.\n﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: ضَرَرْتُم أنفسكم بإيجاب العقوبة عليها، أو نَقَصْتُموها ثواب الإقامة على عهدي، فإن الظلم في اللغة: النَّقصُ، وفي العُرف: الضررُ الخالي عن نفعٍ يزيد عليه، ودفع مَضرَّةٍ أعظمَ منه، وظلمُ الإنسان نفسَه أفحشُ من ظلم غيرها.\n﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الفاء الأولى للسببية؛ لأن الظلم سبب التوبة، والثانيةُ للتعقيب، فإن كانت توبتُهم نفسَ القتل فقوله: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ تفسير\n_________\n(^١) في \"ك\": (وصفه).","vol":"1","page":184},{"text":"وتفصيلٌ لقوله: ﴿فَتُوبُوا﴾، ولا حاجة إلى تقدير العزيمة، وإن كانت تتمَّةَ التوبة وسببَ قبولها فمعناه: توبوا فأَتْبِعوا توبتكم القتلَ تمامًا لها، والتعديةُ بـ (إلى) لمَا في التوبة من معنى الرجوع.\nوخُصَّ البارئُ بالذكر من (^١) سائر أسمائه؛ لأن البارئ هو الذي خلقهم أبرياءَ من التفاوُت في النوع والتشابُهِ في الشخص، وذلك من عجيبِ حكمته وبديعِ قدرته، فعيَّرهم على تركهم عبادةَ مَن هذا شأنُه إلى عبادةِ ما هو مَثَلٌ في الغباوة حتى عرَّضوا أنفسَهم لسخطه، فناسب خلقَهم وجَمْعَ بِنييهم باللُّطف قَتْلُهم وفكُّ تركيبهم بالقهر حيث تقابَلا.\nوالنفسُ هاهنا هي هذه البِنيةُ الإنسانيَّة، والقتلُ هو إزهاقُ الروح.\nوحُمل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ على الظاهر وهو النَّجْع؛ أي: قتل أحدٍ نفسَه، ويجوز أن يكون على التجوُّز بجَعل المقتولِ نفسَ القاتل؛ لِمَا (^٢) بينهما من التعلُّق والاتحاد في الاعتقاد، قيل: أُمروا أن يقتل بعضُهم بالسيف بعضًا، وقيل: مَن لم يعبدِ العجل أن يقتل العبَدةَ.\n﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: ذلك القتلُ والرجوعُ أنفعُ لكم من الحياة بالإصرار المؤدِّي إلي العذاب المخلَّد في النار، ولمَّا كان ظهور نفعِه في الآخرة بالحياة الأبدية والبهجةِ السَّرْمديَّة نبَّه عليه بقوله:\n﴿عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ وإعادة ﴿بَارِئِكُمْ﴾ كإعادة (الحق) في قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥].\n_________\n(^١) في \"ف\": (من بين).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (بما).","vol":"1","page":185},{"text":"﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ إخبار بالتوبة، وعطفٌ على محذوفٍ؛ أي: فامتثَلْتُم ذلك فتاب عليكم.\nوهاتان الجملتان مندرِجتان تحت الإضافة إلى الظرف الذي تقدَّم، والْتِفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، حيث عبَّر عنهم بطريق الغيبة بلفظ (قومه)، وأمَّا اندارجُه تحت قول موسى ﵇ على تقدير شرطٍ محذوف؛ أي: إنْ فعلتُم، ففيه أنَّ دخول الفاء الجزائية على الماضي المتصرِّف من غير (قد) غيرُ جائزٍ، وإضمارُها ضعيف، وحذفُ فعل الشرط وأداتهِ معًا وإبقاءُ الجواب مما نُوزع في صحته.\n﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المبالغةُ في الوصف الأول لكثرة توفيقه تعالى في (^١) التوبة وقبولها مرةً بعد أخرى، والمبالغةُ في الوصف الثاني لعدم الاستعجال في أمر العقوبة، والإهمالِ إلى زمان التوبة بدءًا وعودًا.\n\n<span id=\"aya-62\"> </span>(٥٥) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى﴾ يعدِّدُ عليهم ما صدر عنهم من سوء الاقتراح، وفي ندائهم موسى كليمِ الله باسمه دليلٌ على سوء أدبهم معه، وقد تكرَّر ذلك منهم.\n﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ تعديَةُ الإيمان باللام باعتبارِ تَضْمينهِ (^٢) معنى الوثوق.\nوما قيل: أي: لأجل قولك، يأباه قوله: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ لأنَّ عدم إيمانهم لأَجْل قوله لا ينتهىِ عند رؤيته تعالى بل يستمر.\n_________\n(^١) كلمة (في) ليست في \"د\" و\"م\" و\"ك\"، وكلمة (تعالى) ليست في \"ح\" و\"ف\".\n(^٢) في \"ك\": (تضمنه).","vol":"1","page":186},{"text":"والرؤية بصَريَّةٌ، وأكِّدت بقوله: ﴿جَهْرَةً﴾ - أي: غيرَ مستترٍ عنا بشيءٍ - مبالغةً في الإبصار، وانتَصَب على المصدر (^١) لأنها نوعٌ من الرؤية، أو على الحال بمعنى ذوي جهرةٍ.\nوقرئ: (جهَرةً) (^٢) بفتح الهاء، وهي إمَّا مصدرٌ كالغلبة، وإمَّا جمعُ جاهرٍ.\nوأوجَهُ الأوجُهِ هو أن يكونَ بمعنى (جَهْرة) لأنَّ كلَّ اسم كان ثانيهِ من حروف الحلْق يجوز تحريكُه قياسًا مطَّردًا كبَحْر وبَحَر، ونَهْر ونَهَر، والأصل في القراءتين التَّوافُقُ.\nوالجهرُ حقيقة في ظهور الشيء بإفراطٍ صوتًا (^٣) كان أو غيرَه.\nوالقائلون هم النُّقباءُ السبعون الذين خرج بهم موسى ﵇ إلى الطُّور.\nوقيل: قاله عشرةُ آلافٍ منهم.\nوالمؤمَنُ به: أن هذا كتابُ الله تعالى، وأنك سمعتَ كلامه، وأنَّه أَمَرنا بقبوله والعملِ به.\n﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ لا لاستحالة المسئول، بل لأنهم لم يَسألوا سؤالَ استرشادٍ (^٤)، بل سألوا سؤالَ تعنُّتٍ، وأساؤوا الأدب في السؤال حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾.\nوالصاعقة: كلُّ أمرٍ هائلٍ مميتٍ، أو مزيلٍ للعقل والفهمِ غالبًا، والمراد: الصيحةُ\n_________\n(^١) في \"ك\": (المصدرية).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥).\n(^٣) في \"ك\": (صورة).\n(^٤) في \"م\" و\"ك\": (لم يسألوا الرسول استرشادا).","vol":"1","page":187},{"text":"الهائلةُ الحاصلةُ بالرجفة؛ لقوله (^١) تعالى في سورة الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨] وأصلها: الاضطراب، فخرُّوا صَعِقينَ ميتين يومًا وليلة.\n﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ دلَّ هذا على أنها جاءتهم مُعاينةً بالنهار وهم أيقاظٌ يُبصرونها، وذلك أقطعُ وأشدُّ وقعًا.\n\n<span id=\"aya-63\"> </span>(٥٦) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾ البعثُ: إثارةُ الباركِ والنائمِ عن مكانه، ونشرُ الميت كبعثِ النائمِ، فالتقييدُ بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ - أي: بسبب الصاعقة - لتعيينِ المراد ودَفعِ الاشتِباه.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ البعث، أو نعمةَ الهداية بعد الضلالة.\n\n<span id=\"aya-64\"> </span>(٥٧) - ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾؛ أي: وجَعلْنا الغمامَ يُظلُّكم، وذلك في التِّيه سخَّر الله تعالى لهم السحابَ يسيرُ بسَيرِهم يظلُّهم (^٢) من الشمسِ.\nوالظلُّ في اللُّغة: السَّترُ.\nوالغمامُ: جمع غمامةٍ، وهي ما ابيضَّ من السحاب، سمِّي بها لستره، فإن كلَّ ما يَستر شيئًا فهو غمَّةٌ.\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (بقوله).\n(^٢) في \"ك\": (السحاب يسترهم ويظلهم).","vol":"1","page":188},{"text":"﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ هو التَّرنجبينُ، وكان ينزل كهيئةِ الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\n﴿وَالسَّلْوَى﴾ هو السُّمَانَى، وكانت ريحُ الجَنوب تحشرُه عليهم.\n﴿كُلُوا﴾ على إرادة القول ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من المشتهَيَات الخاليات عن الأدواء والمَضرَّات، وعن الحُرمة والكراهة؛ لأن أمر الإباحة لا يتناولُهما.\n﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: فظلموا بكُفرانهم هذه النِّعم وما ظلَمونا، فالواوُ فصيحةٌ.\nولمَّا أَخبر عن وقوع الظلم، ونَفَى أن يصل إليه، تشوَّقت (^١) النفسُ إلى ذكرِ مَن وقع به الظلمُ، واتَّصل به ضررُه، فاستدرك بيانَه فقال:\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فتقديمُ المفعول للتخصيص، والجمعُ بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّديِّ.\n\n<span id=\"aya-65\"> </span>(٥٨) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا﴾ الدخول: الانتقال من العورة إلى الحصن (^٢).\n﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ هو كقولك: هذا المالُ، وذاك الرجلُ، تنبيهًا على كماله، فإن الشيء إذا عظُم أمرُه يُوصف باسمِ جنسه.\n_________\n(^١) في \"ك\": (تشوفت)، والمعنى متقارب.\n(^٢) تقدم نحو هذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢] فانظره لزاما.","vol":"1","page":189},{"text":"والقرية: الأبنيةُ التي هي مجتمَعُ الناس، من قولك: قريتُ الماءَ في الحوض؛ أي: جمعتُه.\nوالمراد بالقرية هنا: بيتُ المقدس.\nوقيل: إيلياء، وهي البلدةُ التي فيها بيتُ المقدس.\nوقيل: أريحا، وهي بقربِ بيت المقدس.\nأُمروا به بعد التِّيهِ، وقد أُمروا بالدخول في الأرض المقدَّسة مرةً (^١) أخرى، وذلك الأمرُ قبل التِّيه، دل على ذلك ما في سورة المائدة من ترتيبِ التِّيه على عدم امتثالهم بهذا الأمر.\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي: أَبَحْنا لكم ووسَّعْنا عليكم، فتعيَّشوا فيها أين شئتُم بلا تضييقٍ ولا منعٍ، وذُكر الأكلُ لأنَّه معظَمُ المقصود.\nوالفاءُ أفادَ تَسبُّب (^٢) دخولهم للأكل منها؛ لأنَّه كنايةٌ عن استيلائهم عليهم، وهو سببُ المِلك المعبَّرِ عنه بالأكل.\n﴿رَغَدًا﴾ واسعًا، نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، ويجوز أن يكون في موضعِ الحال.\n﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾ يعني: بابَ القرية، قال مجاهد والسدِّيُّ: هو البابُ الثامن من بيت المقدس، يُعرف اليوم بـ: باب حِطَّة.\nوالأمرُ على لسانِ يوشَعِ بن نونٍ ﵇، فلا ينافي عدمَ دخولهم بيتَ المقدس في حياة موسى ﵇.\n﴿سُجَّدًا﴾ أُمروا بالسجود عند الانتهاءِ إلى الباب شكرًا للهِ تعالى وتواضُعًا.\n_________\n(^١) بعدها في (م) زيادة: (بعد).\n(^٢) في \"ك\": (سبب).","vol":"1","page":190},{"text":"وقيل: أُمروا بالدخول بخشوعٍ وإخباتٍ.\n﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فِعْلة مِن الحَطِّ، وهو إنزالُ الشيء مِن عُلوٍ.\nوحطُّ الذَّنبِ: إسقاطُه، وهو كإلقاءِ الحَملِ عن الظهر، وحَطَّ حَطًّا متعدٍّ، وحَطَّ حُطوطًا لازمٌ.\nوهي خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: مسألتُنا حِطَّةٌ، أو: أمرُكَ حِطَّةٌ، والأصلُ النَّصبُ بمعنى: حُطَّ عنَّا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفعتْ لتعطيَ معنى الثَّباتِ.\nوقُرئ بالنصب على الأصل (^١) على أنه مفعولُ (قولوا).\nوقيل: معناه: أمرُنا حطةٌ؛ أي: أن نَحُطَّ في هذه القريةِ ونُقيمَ بها.\n﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ جواب الأمر، مترتِّبٌ على دخول الباب بقيدِ السجود وقولِ: ﴿حِطَّةٌ﴾.\nالغَفْرُ والغُفْرانُ والمغفرةُ: السترُ، ومنه الجمُّ الغَفيرُ: الجمعُ الكثيرُ الذي يَستر بعضُه بعضًا.\nوالخطايا: جمع خطيئةٍ بمعنى الإثم، يقال: خَطِئَ: إذا أَثِمَ متعمِّدًا، وأخطأ: إذا لم يتعمَّدْ.\n﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ثوابًا، يعني: مَن كان خاطئًا غفرْنا له خطاياه، ومَن كان مُحسنًا زِدْنا في عطاياه، ففي الكلام جمعٌ وتفريقٌ.\nأمَّا عدمُ انْجِزامِ (سنزيدُ) مع عطفه على مجزومٍ فلِخروجه عن صورة الجواب بدخول السين المانعةِ عن (^٢) الانجزام.\n_________\n(^١) تنسب لابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥).\n(^٢) في \"م\" و\"ك\": (من).","vol":"1","page":191},{"text":"ونكتةُ الإخراج الدلالةُ على أنه يُفعل البتةَ؛ لأن تلك الزيادةَ إذا (^١) كانت عن وعدِ الله تعالى كانت أقطعَ مما إذا كانت مسبَّبةً عن فِعْلِهم.\n\n<span id=\"aya-66\"> </span>(٥٩) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\n﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وُضع المظهَرُ موضعَ المضمَرِ ليدلَّ على أن التبديل ظلمٌ، أو مسبَّبٌ عن ظلمِهم وعادتِهم في وضع الأشياء غيرَ مواضعها، وأن المبدِّلين بعضُهم لا كلُّهم.\n﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: أمر وا بقولٍ معناه التوبةُ والاستغفارُ، فبدَّلوا به قولًا معناه غيرَ ذلك (^٢)، وليس الغرض أنهم أُمروا بلفظةٍ معيَّنةٍ فجاؤوا بغيرها؛ لأنهم لو قالوا مكان ﴿حِطَّةٌ﴾: نستغفرُك ونتوبُ إليك، وما أشبهَ ذلك ولم يؤاخَذوا به ولم يعذَّبوا.\nوقيل: قالوا مكانَ ﴿حِطَّةٌ﴾: حنطةٌ، استهزاءً وإعراضًا عن طلبِ ما عند اللهِ تعالى إلى طلبِ ما اشتَهَتْ نفوسُهم.\n﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الإظهارُ في موضعِ الإضمار للتَّنصيص على عدمِ تَعَدِّي العذابِ عن الذين ظلموا إلى غيرهم، فإنَّ منه ما يتعدَّى إلى غير الظالم على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]،\n_________\n(^١) في \"م\": (إن).\n(^٢) في \"م\": (غيره)، وسقطت كلمهَ (ذلك) من \"ح\" و\"د\" و\"ف\"، والمثبت من \"ك\".","vol":"1","page":192},{"text":"وأما الإشعارُ بأن الإنزال عليهم بظلمهم المذكور فقد حصل من الفاء الدالة على التسبُّب فيما تقدم.\n﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ عذابًا في غايةِ الاشتدادِ، خارجًا عن حدِّ المعتاد، فإن النسبة إلى السماء للإشارةِ إلى هذا المعنى، رُوي أنه مات منهم بالطاعون في ساعةٍ واحدةٍ (^١) أربعةٌ وعشرون ألفًا، وقيل: سبعون ألفًا.\nوهاهنا وجهٌ آخرُ وهو أن العذاب ضربان: ضربٌ يحصل بالأسباب (^٢) الظاهرة فيُظنُّ أنه يمكن دفاعه كالهدم والغرق، وضربٌ يحصل بأسبابٍ غير ظاهرةٍ فلا يُظن أنه يمكن دفاعه كالطاعون والصاعقة، وقد شاع في متعارَف الناس نسبةُ هذا الضرب إلى السماء.\nوالرِّجز إنما يطلق على العذاب الموجِب للاضطراب، يقال: ارتَجز، إذا ارتَعش.\n﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب اعتيادهم بالخروج عن الطاعة.\n\n<span id=\"aya-67\"> </span>(٦٠) - ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الاستسقاء: طلبُ السَّقْي أو الإسقاء (^٣)، والسَّقْيُ:\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (الساعة الواحدة).\n(^٢) في \"م\": (بالأشياء).\n(^٣) في \"ك\": (الاستقاء).","vol":"1","page":193},{"text":"أن يجعل له ما يشربُه، والإسقاءُ: التعريضُ للماء وجعلُه له ليتناوله (^١) متى أراد، فهو أخصُّ معنًى من السَّقْي.\nوقد دلَّ ذلك على أنهم عطشوا واشتدَّ حاجتُهم إلى الماء، وكان العطش والتضليل (^٢) في التِّيه، ودخولُ القرية بعدها، ولم يراعَ الترتيب في ذكرها لأن المقصود تعديدُ النعم (^٣) والتقريعُ على كفرانها نعمةً نعمةً على التفصيل، والتفريقُ أدلُّ على ذلك؛ لأنها لو وردت مرتَّبةً كانت قصةً واحدةً، فيُظنُّ أن المراد ذكرُ نعمةٍ واحدةٍ.\n﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ كانت عصاه من آسِ الجنة وله شعبتان تتَّقدان في الظُّلمة، واللام في ﴿الْحَجَرَ﴾ للعهد على ما رُوي أنه كان حجرًا أَهبطه آدم ﵇ من الجنة، فوقع (^٤) إلى شعيبٍ ﵇، فأعطاه إليه مع العصا.\nأو حجرًا طُوريًا حمله معه (^٥).\nأو الحجر الذي فرَّ بثوبه لمَّا وضعه عليه ليغتسل وبرَّأه الله تعالى به عمَّا رمَوه [به] من الأُدْرة (^٦)، فأشار إليه جبريل ﵇ بحمله.\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (يتناوله).\n(^٢) قوله: (والتضليل) من \"د\".\n(^٣) في النسخ عدا \"م\": (تقدير النعم)، والمثبت من \"م\"، وجاء في هامشها وهامش \"د\": (مبنى هذا على أن الأبناء ممنونة بنعمة الآباء على ما تقدم بيانه. منه).\n(^٤) في \"م\": (فرفع)، وفي \"ك\": (فدفع).\n(^٥) في النسخ عدا \"م\": (منه)، والمثبت من \"م\".\n(^٦) في \"ك\": (لما رموه بالأدرة)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\"، وما بين معكوفتين منه.","vol":"1","page":194},{"text":"أو للجنس على ما قيل: لم يأمره أن يضرب حجرًا معيَّنًا، ولكنْ لمَّا قالوا: كيف بنا لو أَفضينا إلى أرضٍ لا حجر بها؟! حمل حجرًا في مِخْلاته، وهذا أظهرُ في الحجة، والأول أنسبُ لتعريف قَرينه.\nقال ابن عطيةَ: لا خلاف أنه كان حجرًا منفصِلًا مربَّعًا، تطَّردُ من كل جهةٍ ثلاثةُ عيون إذا ضربه موسى ﵇، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفَّت العيون (^١).\nوإياك أن تتوهَّم أن هذا من قبيل ما يستنِدُ إلى الطبائع من الخواص؛ كجذب بعض الأحجار الحديدَ، وحلقِ بعضِها الشعرَ؛ لأنَّه لا يتبع الإرادة والحاجة، والحقُّ أن فتح باب أمثالِ هذا التوجيه الباطل في خوارق العادات الصادرةِ عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم سعيٌ في سد طريق دلالة المعجزة على صدق النبوة.\n﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ متعلِّق بمحذوف يُفصح عنه الفاءُ الفصيحة، تقديره: فضَرب فانفجرت، ونكتةُ الحذف: الدلالةُ على سرعة الامتثال، وظهورِ الأثر في الحال، وعلى أنَّ المقصود بالأمر أثرُ الضرب لا الضربُ نفسه، والإشارةُ إلى أن ترتُّب الانفجار وإن كان في الظاهر على ضرب موسى ﵇ لكنه في الحقيقة على أمر الله تعالى به وبتعليقه عليه.\nوالفَجْرُ: الشَّقُّ، ومنه: الفاجر؛ لأنَّه فَسَقَ فشَقَّ عصا المسلمين بخروجه إلى الفِسق.\nوالعين: الينبوع، وهي مؤنَّثة سماعًا، ونُصب على التمييز.\nوجاز اجتماعُ علامتي التأنيث في ﴿اثْنَتَىْ عَشْرَةَ﴾ لأنهما في شيئين.\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ١٥٢).","vol":"1","page":195},{"text":"﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ الأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد: كلُّ سبط من أسباط بني إسرائيل، وكانوا على عدد العيون.\n﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ المشرب: موضع الشرب، والعلمُ بموضعِ الشرب كنايةٌ عن عدم التجاوز عنه؛ كما يقال: فلان يعرف حده؛ أي: لا يَتجاوز عنه، ففي الكلام إيجاز بليغ حيث دل على سَبْق التعيين (^١) والتخصيص.\nقيل: كانوا ستَّ مئةِ ألفٍ، وسعةُ العسكر اثني عشر ميلًا.\n﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ على تقدير القول.\nوقيل: الماء يَنبت منه الزرع والثمار، فهو رزق يؤكل منه ويشرب. ولا وجه له في هذا المقام؛ لأنهم في التِّيه ما كانوا يأكلون من زرع الماء وثمره.\n(من رزق الله) من المنِّ والسلوى وماء العيون، (مِن) للابتداء أو للتبعيض، والرزق: المرزوق، والإسناد إلى الله تعالى لعدم التوقُّف على الكسب العادي، وإلا فالرزق كلُّه مستندٌ إليه تعالى خلقًا وإيجادًا.\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لمَّا كان قد تهيَّأ لهم المأكولُ والمشروب من غيرِ تعبٍ نُهوا عن الفساد؛ إذ كان ذلك قد يدعو إليه؛ كما قال الشاعر:\nإن الشبابَ والفراغَ والجِدَةْ … مَفْسدةٌ للمرءِ أيُّ مَفْسَدةْ (^٢)\nوالعِثِيُّ على ما ذُكر في \"العين\": أشدُّ الفساد (^٣)، والفسادُ: خروجُ الشيء عن أنْ يكونَ منتفَعًا به، وربما لا يكون منهيًّا بل يكون واجبًا؛ كهدم دُور المشركين وحرق\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (اليقين).\n(^٢) البيت لأبي العتاهية، وهو في ديوانه (ص: ٤٤٨).\n(^٣) انظر: \"العين\" (٢/ ٢٣١)، ولفظه: عثِي يعثَى في الأرض عِثِيًّا وعَثَيانًا: أفسد.","vol":"1","page":196},{"text":"زروعهم، ولذلك قيِّد بقَصدِ (^١) الإفسادِ المستفادِ من قوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾، فإنَّ المفسِدَ مَن باشَرَ الفسادَ عَمْدًا، لا مَن صدر عنه الفسادُ مطلقًا ولو سهوًا.\nوفائدةُ ما في مفهوم العِثِيِّ من الشدة: الدلالةُ على أنَّ أشدَّ الفساد غيرُ منهيٍّ إذا كان لمصلحةٍ فكيف (^٢) الفسادُ في الجملة (^٣).\nقال الراغب: والعَيْثُ العِثِيُّ يتقاربان؛ نحو: جَذَبَ وجَبَذَ، إلا أنَّ العيثَ أكثرُ ما يقال فيما يُدرَكُ حِسًّا، والعُثُوَّ (^٤) فيما يدرَك حكمًا (^٥).\n\n<span id=\"aya-68\"> </span>(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ يعني: ما رزقوا به في التِّيه، قيل: كان\n_________\n(^١) في \"م\": (بقيد).\n(^٢) في النسخ عدا \"م\": (غير منتهي فكيف)، والمثبت من \"م\".\n(^٣) في هامش \"ف\" و\"م\": (من لم يتنبه لهذا قال: ورد الكلام نهيًا لهم عما كانوا عليه، وإلا فالفساد منكر منهي عنه كيف ما كان. منه). وفوقها في \"ف\": (كشاف وسعد الدين).\n(^٤) قوله: (والعثو) كذا في النسخ، والذي في \"المفردات\": (والعثي)، وهو الأنسب بالسياق وإن كان معناهما واحدًا.\n(^٥) انظر: \"مفردات الراغب\" (مادة: عثا).","vol":"1","page":197},{"text":"ينزل عليهم المنُّ وحده، ثم ملُّوه فأُرسلت عليهم السلوى، وكان هذا الكلام منهم قبل نزول السلوى.\nوقيل: أريد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدل، فلا ينافي التعدُّدَ.\n﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ سَلْهُ لنا بدعائكَ إيَّاه وفي معنى التربية التي هي مأخَذُ الربِّ مناسَبةٌ للمقام.\n﴿يُخْرِجْ لَنَا﴾ جزمٌ على أنه جوابُ ﴿فَادْعُ﴾، كأنهم طلبوا حصول ما طلبوه على سبيل خرق العادةِ؛ كنزول المنِّ والسلوى، ولذلك قالو ا: ﴿يُخْرِجْ﴾؛ أي: يُظهِرْ، ولم يقولوا: يُنبت.\nوإنما كُرِّر (لنا) - مع أنَّ في الثاني منهما غنًى عن الأول - إظهارًا لصلة الدعاء النافع؛ اهتمامًا في شأنه.\n﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ (مِن) للتبعيض، والإنبات: عمل طبيعةِ الأرض في تربية البذر ومادةُ النبات (^١) بتسخيرِ الله تعالى إياها وتدبيرِه، وذلك أمرٌ آخَرُ وراء إيجاده وإيجادِ أسبابه، والعملُ إنما يُسند حقيقةً إلى مَن باشرَه لا إلى مَن خلقه وأوجَدَه، فالمنبتُ والمولِّد والمصوِّر ونحو ذلك حقيقةً المباشرُ لأسباب (^٢) هذه الأعمالِ لا الباري تعالى، وإنما نُسب إليه كنسبةِ القتل والقطع والكسر إليه؛ لكونه الممكِّنَ منها.\n﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ تفسيرٌ وبيانٌ وقع موقعَ الحال من الضمير، تقديره: مما تنبتُ كائنًا من بقلها، أو بدلٌ بإعادة الجارِّ.\nوالبقل: كلُّ ما يؤكل مع الطعام مِن الخُضَرِ.\n_________\n(^١) في \"ف\": (الإنبات).\n(^٢) في \"د\" و\"م\": (بأسباب).","vol":"1","page":198},{"text":"والفُومُ: الحنطةُ عند الأكثر، وقال مجاهد: الفوم: الخبز (^١)، يقال: فوِّموا لنا؛ أي: اختَبِزوا؛ قال الفرَّاء: هي لغةٌ قديمة (^٢).\nوقيل: الثوم، ولا دلالة في قراءة: (وثومِها) (^٣) عليه؛ لأن الثاء تُبْدل من الفاء؛ كما قالوا: مغافيرُ ومغاثيرُ، وجَدَفٌ وجَدَثٌ، ولو كان المراد الثومَ لكان المناسبُ أن يُذكر بعد العدس (^٤).\nوالقثَّاء: جمع قُثَّاءةٍ وهو نوعٌ آخر من جنسِ الخيار، واختير صيغةُ الجمع هنا لفصاحتها، وأما معنى الجمعِ فقد بَطَل بالتعريف؛ لعدم مناسبة المقام.\nقيل: كان القوم فلَّاحةً، فنزعوا إلى عَكَرهم واشتَهَوا ما أَلِفُوه.\n﴿قَالَ﴾؛ أي: اللهُ، أو موسى ﵇؛ أي: دعا فأجابه الله تعالى لِمَا دعا، فقال الله تعالى - أو موسى ﵇ بإذنه -:\n﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾؛ أي: أتطلبون تبديلَ الذي هو أدنى، والمنصوبُ هو الحاصل، والذي يَدخل عليه الباء هو الزائلُ، و(أدنى) أفعلُ\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٦).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٤١).\n(^٣) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦).\n(^٤) قوله: (لكان المناسب أن يذكر بعد العدس) كذا قال، ولم يَذكر السبب، ولعله يريد أن المناسب ذكره مع البصل لاقترانهما في العادة والأخبار، ولم يشترط غيرُه هذا الشرط لترجيح وجه الثوم، قال الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢/ ٢٠٦): هو بالعدس والبصل أوفق. وقال أبو حيان في \"البحر\" (٢/ ١٢٧): وهو المناسب للبقل والعدس والبصل. وقال القرطبي في \"تفسيره\" (٢/ ١٤٦): قيل: هو الثوم لأنَّه المشاكل للبصل.","vol":"1","page":199},{"text":"تفضيلٍ من الدنوِّ المستعار من القرب المكانيِّ للخسَّة؛ كالقرب المستعارِ للشرف والرِّفعة (^١)، أو من الدُّون وهو الرديءُ، فقُلب، أو أصله: أدنأ، فسُهِّلت همزتُه بإبدالها أَلِفًا من الدَّناءة، وقد قُرئ بالهمزة (^٢).\n﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (^٣) المنُّ والسلوى، وإنما كان خيرًا لحصوله بلا تعبٍ، ووصوله من جهة الربِّ تشريفًا، وخلوصِه عن شبهة الخطر، وكونه ذا خطر بخلافِ البقول.\n﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ انحدِروا إليه، فإن القادم على خطرٍ كأنه منصبٌّ عليه، والمِصرُ: البلد العظيم؛ أي: انزلوا بعضَ الأمصار إن كنتم تريدون هذه الأشياء.\nويحتمل أن يريد العَلَم؛ أعني: مصرَ فرعون وصرفُه لعدم سببٍ آخر على إرادة البلد، أو لسكونِ وسطه، ويؤيده أنه غيرُ منوَّنٍ في مصحف أبيٍّ وقراءةِ ابن مسعود (^٤).\nوقيل: أصلُه: مصرائيم، فعرِّب، ولصرفه حينئذٍ وجهٌ آخر، وهو أنه لا اعتداد بالعُجمة؛ لوجود التعريب والتصرُّف.\n﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ لمَّا كان هذا في قوةِ قوله: فوجدوا ما سألوهم، عُطف\n_________\n(^١) قوله: (كالقرب ..)، كذا قال، والصواب: (كالبعد)، فهو المستعار للشرف، فيقال: بعيد المحل بعيد الهمة، يريدون الرفعة والعلو. وأما القرب فهو كالدنو يعبر به عن قلة المقدار كما قال الزمخشري، لا عن الشرف كما ذكر المؤلف. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٤٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ٨٤)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) تنسب لزهير الكسائي - ويعرف أيضًا بالفرقبي - كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦).\n(^٣) بعدها في \"م\": (يريد)، وفي \"ك\": (يريد به).\n(^٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ٢٥)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦)، و\"الكشاف\" (١/ ١٤٥)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٥٤)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ١٣١).","vol":"1","page":200},{"text":"عليه قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ وفي الجمع بينهما إشارةٌ إلى أن الذلَّةَ والمسكنةَ من روادفِ ما ابتغَوه من الزراعة والحراثة (^١)، وقد جاء في الخبر: \"والذلُّ في أذناب البقر\" (^٢).\nوالكلامُ كنايةٌ عن كونهم أذلَّاء متصاغرين، مبناها على الاستعارة: أمَّا في (الذلَّة) - تشبيهًا لها بالقبَّة - فهي مَكْنيَّةٌ، وإثبات الضرب تخييلي (^٣)، وأمَّا في الفعل - أعني: (ضُربتْ) تشبيهًا لإلصاق الذلة ولزومها بضرب الطين على الحائط - فتكون تصريحيةً تبَعيةً.\nوالذلَّة: فِعْلةٌ من الذُّلِّ، كأنها هيئةٌ وحالٌ.\nوالمسكنة: من المسكين، وقال الزَّجَّاج: هي مأخوذةٌ من السكون، وهي هنا ذلُّ الفقر وخضوعُه، وإن وجد يهوديٌّ غني (^٤) فلا يخلو من زي (^٥) الفقر ومهانته مخافةَ أن تضاعَفَ جزيتُهم.\n﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: رجعوا به؛ أي: لزمَهم ذلك، ومنه قولُه ﵇ في دعائه ومناجاته: \"أبوء بنعمتك\" (^٦)؛ أي: أُقرُّ بها وأُلزمها نفسي، هذا على ما ذكره الفرَّاء أن (باء) بمعنى: رجع.\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (والحرث).\n(^٢) رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٨٤) من حديث أنس ﵁ وقال: حديث منكر.\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (تخييل).\n(^٤) في \"ك\": (غنيًا).\n(^٥) في \"ك\": (يخلو من ذل)، وفي \"م\": (يخلو منه).\n(^٦) قطعة من دعاء النبي ﷺ، رواه البخاري (٦٣٠٦) من حديث شداد بن أوس ﵁، وفيه: \"أبوء لك بنعمتك … \".","vol":"1","page":201},{"text":"وقال (^١) الكسائي: ولا يكون (باء) إلا بشيء، إما بخيرٍ وإما بشرٍّ، ولا يكون لمطلَق الانصراف.\nأو: حَلُّوا مبوَّأهم ومعهم غضبُ الله تعالى؛ أي: عقوبتُه، وقوله: (بغضبٍ) في محلِّ الحال؛ نحو: خرج بسيفه، واستعمالُ (باءَ) للتنبيه على أنَّ مكانهم الموافقَ يلزمُهم فيه غضبُ الله فكيف غيره من الأمكنة؟ وهذا على ما ذكره الراغب من أنَّ أصل البَوَاء: مساواةُ الأجزاء في المكان، خلاف النَّبْو الذي هو منافاتُها (^٢).\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما سبق من الضرب والبَوْء.\n﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بسبب أنهم جمعوا بين الثبات على أصل الكفر والدوامِ عليه وبين تجدُّد أنواعه، والمراد من الآيات: المعجزات، أو الكتبُ المنزلة.\n﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ أنهم قتلوا شعيبًا وزكريا ويحيى وغيرَهم صلوات الله عليهم أجمعين.\n﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ليس احترازًا إذ لا يقع قتلُ نبي إلَّا بغير الحق، فهو قيد لازم، نحو: دعوت الله سميعًا، وجاء تعظيمًا للشُّنعة والذنبِ الذي أَتَوه.\nوما قيل: معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، يردُّه أنهم كانوا يقولون: هؤلاء كاذبون، وما أتوا به تمويهاتٌ وليست من الله تعالى، ويقتلونهم بهذا الاعتقاد الباطل.\n﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى السبب المذكور، والباءُ في ﴿بِمَا﴾\n_________\n(^١) في \"ك\": (قال) بلا واو.\n(^٢) انظر: \"مفردات الراغب\" (مادة: باء).","vol":"1","page":202},{"text":"للسببية، فيكون بيانًا لسببِ السبب مبالغةً في جوابِ اجتنابِ المعصية والاعتداء، بأنهما يُفضيان إلى الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء، وهما من أشنع القبائح.\nويجوز أن يكون ذلك تكريرًا للدلالة على أن ضرب الذلة والمسكنة، والبوءَ بالغضب، مسبَّبٌ عن أمورٍ كثيرةٍ كلُّ واحدٍ منها يوجب ذلك.\nوالعصيان والاعتداء هنا من الأفعال التي جعلت لازمةً، وتركت مفاعيلُها نَسيًا منسيًا.\nوالاعتداءُ وإن كان في أصل وضعِه تجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، لكنَّ عرفَه الظلمُ والمعاصي، والعدول عن قوله: واعتدوا، لمثلِ ما مر من النكتةِ في قوله: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\nوأما التأكيدُ ثمةَ دون هنا: فلأن الكفر بالمعجزات الباهرة، وقتلَ الأنبياء المبعوثين بالبينات الظاهرة، مظنةُ أن يُستبعد، بخلافِ مطلَق العصيان والاعتداء.\n\n<span id=\"aya-69\"> </span>(٦٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بألسنتهم من غير مواطأةِ القلوب، لا بد من هذا القيد (^١) ليدخلوا في عداد الكفرة وينتظموا معهم، فيصحَّ الإبدال والإخبار بأن مَن آمن منهم إيمانًا خالصًا فله كذا.\n﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يقال: هاد يهودُ: إذا دخل في اليهودية، ويهود من هاد بمعنى تاب، سمُّوا بذلك لمَّا تابوا من عبادة العجل.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (التقييد).","vol":"1","page":203},{"text":"﴿وَالنَّصَارَى﴾ اختُلف في أصلها، والأقربُ ما قيل: إن المسيح ﵇ كان من قريةٍ يقال لها: نصران، فإمَّا أن سُمُّوا بها ثم جمعته العربُ على نصارى؛ نحو: سكران وسكارى، أو جعلوا منسوبين إليها ثم جمعت (^١)؛ نحو: مَهْريٍّ ومَهَارَى، كذا قال الراغب (^٢)، فالياء في نصرانيٍّ للنسبة إلى تلك القرية، أو إلى ذلك الجيل، أو للفرق بين اسم الجمع والواحد كما في اليهوديِّ والمجوسيِّ.\n﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئ مِن صبأ: إذا خرج من الدِّين، وهم قومٌ خرجوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة أو الكواكب (^٣).\n﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ في محلِّ النصب بدلٌ من اسم (إنَّ) وما عُطف عليه، وخبر (إنَّ): ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ودخولُ الفاء لتضمُّن الموصول معنى الشرط.\nأو في محل الرفع بالابتداء وخبره: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، والجملة خبر (إنَّ).\nوالمعنى: مَن آمَنَ مِن هؤلاء الكفرة إيمانًا صادقًا، مصدِّقًا بقلبه بجميع ما يجب تصديقُه (^٤)، عاملًا بمقتضَى شرع نبيِّ أرسل إليه.\nوما قيل في تفسيره (^٥): مَن كان منهم في دينه قبل أن يُنسخ، لا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن المراد من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المنافقون، والصابئون لم يَثبت لهم دينٌ سماويٌّ، ولذلك اختُلف في حلِّ نكاحهن.\n_________\n(^١) في \"ك\": (جعلت).\n(^٢) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٢١٤).\n(^٣) في (م) و(ك): \"أو الكواكب\".\n(^٤) بعدها في \"م\": (به).\n(^٥) (في تفسيره) من \"م\" و\"ك\".","vol":"1","page":204},{"text":"﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾؛ أي: ثوابُ إيمانهم وعملِهم الصالح، سمَّاه أجرًا لأنَّه جزاءُ عمله بوعده الصادق فضلًا منه.\nوترتيبُ الحكم على الموصول دلَّ على أن الاستحقاق له مسبَّب عمَّا ذكر في الصلة من الإيمان العمل الصالح مقدَّر بحَسَبه، والجملة اعتراض بين خطابي بني إسرائيل.\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ كناية عن كون ذلك الأجرِ مأمونًا عن (^١) الضياع لكونه عند أمينٍ حافظ.\n﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي: لا ينالُهم خوفٌ ولا يصيبهم حزنٌ في الآخرة؛ لأنهم يصيرون إلى النعيم المقيم والأمن الدائم.\nوالتنكير في الخوف للتقليل، وفي قوله: ﴿وَلَا هُمْ﴾ دلالةٌ على ثبوت الحزن لغيرهم.\n\n<span id=\"aya-70\"> </span>(٦٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بالعمل على ما في التوراة، والدليل على اختصاصه قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾؛ أي: حتى قبلتُم وأعطيتُم الميثاق.\nوالميثاق مِفْعالٌ من وَثِقَ يَثِقُ، مثل ميزانٍ من وَزَنَ يَزِنُ، وحِّد وإنْ أُضيف إلى الجمع تنبيهًا على أن المأخوذ على الكلِّ ميثاقٌ واحد.\n_________\n(^١) في \"م\" و\"ك\": (من).","vol":"1","page":205},{"text":"قال الواحديُّ: (الطور): الجبل بالسُّريانيَّة، وقد تكلَّمت به العرب (^١).\nوقيل: عَلَمٌ للجبل الذي ناجى عليه الله تعالى موسى ﵇، وهو المراد هنا.\n﴿خُذُوا﴾ على إرادة القول.\n﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾؛ أي: التوراةَ.\n﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجِدٍّ واجتهاد، امتَنعوا من أخذ التوراة والتزامِ أحكامها الشاقة، فأُكرهوا على ذلك برفع الطور فوقهم.\n﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ أمرٌ بحفظه وعدمِ تَناسِيه قولًا وعملًا.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قد مر في تفسير ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] ما يُغني عن بسط الكلام في هذا المقام، بتوضيح المرام وردِّ الأوهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-71\"> </span>(٦٤) - ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: أعرضْتُم عن الوفاء بالميثاق بعد أَخْذِه على الكيفية المذكورة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الإعراض بعد تأكيد الميثاق بما ذُكر أمر بعيد، ورشَّحه عبارة ﴿ذَلِكَ﴾.\n﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بقبول التوراة ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بالعفو عن الزلَّة.\n_________\n(^١) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (١/ ١٥٠).","vol":"1","page":206},{"text":"وارتفاع ﴿فَضْلُ﴾ على الابتداء، و﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿فَضْلُ﴾ والخبر محذوف واجبُ الحذف على المختارِ لدلالةِ الجواب عليه.\n﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: من المغبونِينَ بالوقوع في العذاب وحرمانِ الثواب، جوابُ (لولا)، وكثُر دخول اللام عليه إذا كان موجَبًا.\nو(لو) في الأصل لامتناع الشيء لامتناعِ غيره، فإذا دخل على (لا) أفاد إثباتًا، وهو امتناع الشيء لثبوت غيره، والتفريغ المستفاد من الفاء باعتبارِ أنَّ في مدخولها دلالةً على أنهم كانوا على شرف الخُسران لولا تدارُكُ فضل الله تعالى، وذلك مسبَّبٌ عما تقدَّم ذكره من أحوالهم القبيحة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-72\"> </span>(٦٥) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ اللامُ موطِّئةٌ للقسَم، مسهِّلةٌ لتفهيم (^١) جوابه على السامع.\nو(عَلِمَ) هنا تعدَّى إلى واحدٍ، يعني: قد عرفتُم أصحاب السبت وما أحلَلْنا بهم من النَّكال في الدنيا بالمسخ حين اعتدَوا بالاصطياد يوم السبت، فلم يكن تأخيرنا العقوبةَ عن أسلافكم الذين كانوا قبلكم على عصيانهم ونقضِهم ميثاقَهم للعجز عن تعجيل ذلك، بل فضلًا ورحمةً، ولو شئنا لعاجَلْنا لهم بما عاجلْنا به أصحاب السبت، فيكون هذا التذكيرُ لتقرير ما ذُكر من أنَّ نجاتهم عن الخسران بمَحْضِ فضلِ الله تعالى ورحمته.\n﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾؛ أي: الذين جاوَزوا الحدَّ الذي حُدَّ لهم مِن ترك الصيد يوم السبت من أسلافكم، وهو يومٌ معروفٌ سمِّي به لأنَّه سُبِتَ فيه خَلْقُ\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ك\" و\"ف\": (لتفهم).","vol":"1","page":207},{"text":"كلِّ شيء؛ أي: قُطع وتُمم وأصل السبت: القطع، ومنه السُّبات لأنَّه يقطعُ الأفعال الاختيارية، واليهود يَسبِتون فيه؛ أي: يقطعون الأعمال.\nوقيل: هو مأخوذ من السُّبوت الذي هو الراحةُ والدَّعَةُ، والسبتُ هنا مصدر سَبَتَت اليهود: إذا عظَّمت السبتَ، فمعنى ﴿فِي السَّبْتِ﴾: في تعظيم يوم السبت (^١)، وتعظيمُه عبارةٌ عن ترك العادات، والاشتغالِ بالعبادات (^٢)، والإعراضُ عما يؤدِّي إلى ما يؤذي الحيوانات داخلٌ في حدِّه.\nوذكرُ الموصول مع الصلة يفيدُ تعلُّق العلم بالوصف المذكور الموجبِ للمسخ المذكور لا بذواتهم، وتفصيلُ القصة يأتي في سورة الأعراف بإذن الله تعالى.\n﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ مجازٌ لتعلُّق إرادة لله تعالى بمسخهم في آنٍ واحد.\nوالقِرَدةُ: جمع قردٍ، كالدِّيَكةِ جمع ديكٍ، والقياسُ في فِعْلٍ الاسمِ: فُعولٌ؛ نحو: قرود، وجمعُه على فِعَلةٍ لا يَنْقاس.\n﴿خَاسِئِينَ﴾ خبرٌ آخر لـ ﴿كُونُوا﴾، أو صفةٌ لـ ﴿قِرَدَةً﴾ باعتبارِ أنهم كانوا من العُقلاء؛ أي: جامعِينَ بين القِرْديَّة والخُسوءِ، وهو الصَّغارُ والطَّردُ، وفعله خسأ يجيء متعديًا ولازمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-73\"> </span>(٦٦) - ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوالضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ للمَسخة.\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"ف\" و\"م\": (كأن صاحب الكشاف غفل عن هذا، فلذلك تكلف في تصحيح معنى الظرفية. منه).\n(^٢) في \"ف\": (والانتقال للعبادات)، وفي \"ح\" و\"د\" و\"م\": (والاشتغال للعبادات)، والمثبت من \"ك\".","vol":"1","page":208},{"text":"﴿نَكَالًا﴾ النَّكال: العقوبة الغليظةُ المنكِّلة للغير؛ أي: المانعة من الذنب، فإنَّ أصله المنع، ومنه النكلُ للقيد واللِّجام؟\n﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ مَن يأتي بعدها ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ مَن تقدَّمَها وُجودًا، والتقدُّمُ بحَسَب الوجود لا ينافي حضورَ المتقدِّم عند المتأخِّر.\nأو: ما بحضرتها وما بعدها فظرفا المكان مستعاران للزمان وأنَّ (ما) أُقيمت موقعَ (مَن) لا تحقيرًا لشأنهم لأنَّه لا يناسب المقام، بل لاعتبارِ وصفِ المعتبَرِين.\n﴿وَمَوْعِظَةً﴾ مَفْعِلةً من الاتِّعاظ والانْزِجار، والوعظُ: التَّخويفُ، والعِظَةُ: الاسم.\n﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ لكلِّ مَن اعتَبر بها (^١) واتَّقى؛ أي: لم يفعل ذلك قصدًا للتشفِّي كفعل الآدميينَ، بل لمصلحة العباد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-74\"> </span>(٦٧) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ أولُ هذه القصة قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] وإنما فُكَّ عنه أول القصة وأُخرج مخرج (^٢) الاستئناف كأنه قصةٌ مستقلةٌ، بالتقريع (^٣) على القتل والتدافُع، والتنبيهِ على القدرة\n_________\n(^١) في (م): \"اعتبرها\".\n(^٢) في \"د\": (وإنما فكت عنه وأخرج إلى القصة مخرج).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\" و\"م\": (بالتفريع).","vol":"1","page":209},{"text":"في إحياء الميت والإعجاز، وقدِّم آخرُها لاستقلاله بنوعٍ آخر من مساويهم، وهو الاستهزاءُ بالأمر، والاستقصاءُ في السؤال، وتركُ المسارَعة إلى الامتثال، ولذلك لم يقل: قال موسى لقومه يا قوم، كما قال فيما تقدم، فإنه لمَّا كان جوابَ سؤالٍ لا ابتداءَ خطابٍ لم يناسب التصديرَ بالنداء، ثم أضمر في الثانية ضمير البقرة ليدلَّ بهذا الربط أنها قصةٌ واحدةٌ، وفيما يراد منها من التقريع والتعيير قصتان، ولو أُوردت مسرودةً على الترتيب لأَمْكن أن يُغفل عن ذلك.\nوقصتُه: أنه كان فيهم شيخٌ موسِر، فقتله بنو عمِّه طمعًا في ميراثه، وطرَحوه على باب المدينة، ثم جاؤوا يطالبون بدمِه، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرةً ويَضربوه ببعضها ليَحْيَى فيُخبِرَ بقاتله.\nوالبقرُ اسمٌ للأنثى، واسم الذكر: الثور؛ مثل: ناقة وجمل.\nوقيل: البقرة واحد البقر، الأنثى والذَّكر سواءٌ، وأصله من بَقَر؛ أي: شَقَّ، فالبقر يشقُّ الأرض بالحرث.\n﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾؛ أي: أتجعلُنا نَفْسَ الهُزو؟! للمبالغةِ وفَرْطِ الاستهزاء، أو: أهلَ هُزء؟ أو: مكانَ هزء؟ أو: مهزوءًا بنا؟ للاختصار والإيجاز.\nوأمَّا كونُ المفعول الأول جماعةً فلا دخل له في اقتضاءِ التأويلِ بالحذف، أو التجوُّزِ في المفرد أو الحكم؛ لأن ما أصلُه المصدرُ يجوز أن يكون خبرًا عن الاثنين وعن الجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١)\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"م\": (قال صاحب الكشاف: جعل الرسول هنا بمعنى الرسالة، فجازت التسوية فيه - إذا وصف به - بين الواحد والتثنية والجمع. منه).","vol":"1","page":210},{"text":"[الشعراء: ١٦] وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] كيف بالمصدر (^١)؟\nظنُّوا أن موسى ﵇ يستهزئُ بهم ويداعبُهم (^٢)، قالوا: نخبرُك أن رجلًا منا قُتل فتقول لنا: اذبحوا بقرة؟! فيحتمل أن موسى ﵇ أمرهم بذبحها ولم يبيِّن المرادَ والثمرةَ بها في أول الأمر، فلذلك وقع هذا القولُ منهم موقعَ الهزءِ في بادئ نظرهم.\nقيل: قُرئ: (أيتَّخذُنا) بالياء (^٣)؛ أي: اللهُ تعالى، ولا يناسبه قولُه تعالى:\n﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ تبرَّأ عن الاستهزاء على وجهٍ أبلغَ، حيث عدَّه من الجهل واستعاذ منه استفظاعًا له، وذلك لكونه في مقام التبليغ والإرشاد، فلا يُنافي قصدَه في مقام الاحتقار والتهكُّم، بمثلِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] فمرجعُ الجهل هنا إلى عدم العلم بمقتضَى المقام، فلا حاجةَ إلى صَرْفه إلى معنى السَّفَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-75\"> </span>(٦٨) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا﴾ قد مرَّ نظيرُه عن قريب.\n﴿مَا هِيَ﴾ لمَّا رأوا ما أُمروا به على حالٍ ليست من أحوالِ جنس البقر اشْتَبَه\n_________\n(^١) من قوله: (وأما كون المفعول ..) إلى هنا وقع في \"ك\" و\"م\" بعد قوله الآتي: (غالبًا عن الجنس).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (ويراعيهم).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦).","vol":"1","page":211},{"text":"عليهم وجهُ الامتثال، فلذلك قالوا (^١): ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فإن الحاجة إلى البيان إنَّما تكون في موضع الاشتباه، والسؤالُ بـ (ما هي) يكون غالبًا عن الجنس.\n﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ﴾ إنما زِيدَ هذا كيلا يُتوهَّمَ أن ما ذُكر قولُ موسى ﵇، وقد رُوعِيَ هذه النكتةُ في مواضعَ من هذه القصة.\n﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾ تكرير الاسم (^٢) لتقرير المعنى المراد؛ دفعًا لاحتمالِ أن يراد جنسٌ آخرُ لغرابةِ ما ذُكر من الأثر كما سبق إلى وهم السائلين.\n﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ صفةٌ للبقرة النكرة، وإذا وُصفت النكرة بما دخل عليه (لا) كُررت، وكذا الخبرُ والحالُ إلا ما نَدَر.\nوالفارض: المُسنَّة التي انقطَعَتْ ولادتُها من الكبر.\nوالبِكْر: الصغيرة التي لم تَلِدْ من الصغر.\n﴿عَوَانٌ﴾: نَصَفٌ.\nالفعل من الفارض: فَرَضَتْ تَفرِضُ فروضًا، ومن العوان عوَّنتْ تُعوِّن تعوينًا، ولم يُسمع من البِكر فعلٌ إلا أنَّ في تركيبها الأوَّليَّةُ، ومنه: البُكرةُ والباكورة، وإنما لم تدخل الهاءُ في هذه الصفاتِ للتأنيث؛ لأنها من خصائصِ أوصافِ الإناث، فصارت كالحائض والطالق.\n﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين البكر والفارض، ولم يقل: بين تينِكَ، ترجيحًا لمَا في عبارة (ذلك) من الفخامة على ما في (تينك) من الجناس مع بين، وقد مرَّ وجه التعبيرِ عن الاثنين بـ (ذلك) (^٣).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"قال\".\n(^٢) (الاسم) من \"م\" و\"ك\".\n(^٣) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد لصاحب الكشاف حيث توهم أن في العدول إلى (ذلك) على تأويل ما=","vol":"1","page":212},{"text":"﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ (ما) موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، وأصله: ما تؤمرون به؛ لأن الأمر يتعدى إلى المأمور بنفسه وإلى الفعل المطلوب بالباء، يقال: أمرته بكذا، ثم حُذف الجارُّ وأُوصل بنفسه، ثم حُذف المفعول به.\nلا مصدريةٌ، أي: أمرَكم، بمعنى: مأمورَكم؛ لأن المصدر بمعنى المفعولِ شائعٌ، وأمَّا المصدر بمعنى المفعول به فقليلٌ جدًا (^١).\nتجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت والمسارَعة إلى الامتثال، ولم يُجْدِ حيث أعادوا السؤال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-76\"> </span>(٦٩) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ الفُقوع: أشدُّ ما يكون من الصُّفرة وأنصعُه، واستعماله للتأكيد، يقال: أصفرُ فاقعٌ، وأحمرُ قانئٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأسودُ حالكٌ، وأبيضُ يَقَقٌ. فهذه التوابعُ تدل على شدَّة الوصفِ وخُلوصه.\nوفي ارتفاعِ اللونِ بـ ﴿فَاقِعٌ﴾ مزيدُ تأكيدٍ لذلك، كأنه صفراءُ شديدُ الصُّفرةِ صُفرتُها، وعلى هذا لا تقِفْ على ﴿صَفْرَاءُ﴾ لئلا تفصلَ بين الصفة والموصوف.\n_________\n= ذكر اختصارًا، فإن مبناه الغفول عن أن العدول في الحقيقة عن (تينك) لا عن الفارض والبكر. منه).\n(^١) انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ٢٣٦)، وقد قال في تعليل استبعاد المصدرية: لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر. ولعله أوجه من تعليل المؤلف.","vol":"1","page":213},{"text":"وإنْ جعلت ﴿صَفْرَاءُ﴾ بمعنى سوداءَ وقفْتَ عليها، ويكون الفُقوعُ بمعنى الخُلوصِ صفةُ اللون، كأنه قال: لونُها خالصٌ، على أنَّ ﴿فَاقِعٌ﴾ واقعٌ خبرًا عن اللون، فلم يقع تأكيدًا لـ ﴿صَفْرَاءُ﴾ حتى ينافيَ تفسيرَه بالسوداء.\n﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: أي: تَروقُ هذه البقرةُ مَن نَظَر إليها وتُعْجبُه وتُفْرحُ قلبَه؛ لتمام خَلْقها ولطافةِ شكلِها وحُسنِ لونها.\nوالسرور: لذَّةٌ في القلب عند حصولِ نَفْعٍ، أو توقُّعه، أو اندفاعِ ضرٍّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-77\"> </span>(٧٠) - ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ طلبوا تمامَ (^١) الكشف ببيانِ ما يرفعُ الاشتِباهَ ويدفعُ الصِّدقَ على متعدِّدٍ، ولمَّا أرادوا التَّعيين الزائد على التعيين بالعوارض المشتركة، سألوا بـ (ما هي)، فكأنهم طلبوا ما في منزلة الذاتي المميَّز من الأوصاف المخصوصة بشخصٍ معيَّن.\n﴿إِنَّ الْبَقَرَ﴾ وقُرئ: (إنَّ الباقِرَ) (^٢) وهو اسم لجماعةِ البقر (^٣)، قال القرطبيُّ: البقر والباقر والبَيقور والبَقير لغاتٌ بمعنًى، والعربُ تذكِّرُه وتؤنِّثُه وإلى ذلك ترجع [معاني] القراءاتِ في ﴿تَشَابَهَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (إتمام).\n(^٢) عزاها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧) لمحمد ذي الشامة، وهو محمد المعيطي، وعزاها ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (١/ ١٦٣) ليحيى بن يعمر وعكرمة.\n(^٣) قوله: (وهو اسم لجماعة البقر) من \"م\" و\"ك\".\n(^٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٨٨)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"1","page":214},{"text":"﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ اعتذارًا عنه، ولم يقل: إنَّ البقرة تشابه علينا، إذ لم يُردْ تشابه المعهود، بل أُريدَ أن الأوصاف المذكورةَ صدَقت على جماعةٍ من الجنس المذكور، فأشكَلَ علينا الأمر فيها؛ للتشابُه والتشارُك في تلك الأوصاف.\nوقرئ: (تشابَهَتْ) مخفَّفًا ومشدَّدًا، قال القرطبيُّ وفي مصحفِ أبيٍّ: (تشَّابَهَتْ) بتشديد الشين، قال أبو حاتم: وهو غلط؛ لأن التاء في هذا الباب لا تُدغم إلا في المضارع (^١).\nوإنَّما ذكِّر الفعل لتذكير اللفظ؛ كقوله تعالى: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، وكلُّ جمعٍ حروفُه أقلُّ من حروفِ واحدِه جاز تذكيرُه، مثل: بقر ونخل وسحاب.\n﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ إلى البقرة المرادِ ذبحُها؛ لِمَا جاء في الحديث: \"لو لم يَستثنوا لمَا بُيِّنتْ لهم آخِرَ الأبد\" (^٢)؛ أي: لو لم يقولوا: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وإنَّما سُمِّيت استثناءً لصَرْفها الكلامَ عن الجزمِ، وعن الثبوت في الحال من حيث التعليقُ\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ١٨٧). وذكر أبو حيان في \"البحر\" (٢/ ١٨٦) عن أبي أنه قرأ: (تشَابهت) بالتخفيف، أما قراءة التشديد فعزاها لابن أبي إسحاق، لكنه استبعد ذلك بقوله: وهذا لا يظن بابن أبي إسحاق، فإنه رأس في علم النحو، وممن أخذ النحو عن أصحاب أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو، وقد كان ابن أبي إسحاق يزري على العرب وعلى من يستشهد بكلامهم - كالفرزدق - إذا جاء في شعرهم ما ليس بالمشهور في كلام العرب، فكيف يقرأ قراءة لا وجه لها؟!\n(^٢) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٩٣ - تفسير) عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا، والطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٩٩) عن ابن جريج مرفوعًا معضلًا، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ١٤١) عن أبي هريرة مرفوعًا متصلًا، لكنه ضعيف لضعف سرور بن المغيرة الواسطي وعباد بن منصور، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.","vol":"1","page":215},{"text":"بما لا يعلمه المستثني، و(آخِرَ الأبد) كنايةٌ عن المبالغة في التأبيد، والمعنى: الأبد الذي هو آخِرُ الأوقات.\nوتقدير الكلام: وإنا لمهتدون إن شاء الله، فقدِّم على ذكر الاهتداء اهتمامًا به، وحفظًا لرؤوس الآي.\nولا متمسَّك فيه لأصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله تعالى؛ لأن دلالته على أن مراده تعالى واقعٌ، وأمَّا أن الواقع ليس إلا مرادَه فلا تعرُّضَ له (^١)، ولا على أن الأمر قد ينفكُّ عن الإرادة؛ لأن محل الخلاف الأمرُ التكليفيُّ، وهذا الأمر للإرشاد على ما يرشد إليه قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ ولا خلاف فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-78\"> </span>(٧١) - ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ صفة لـ ﴿بَقَرَةٌ﴾؛ أي: لم تُذلَّل للكِرَاب، من الذلِّ بكسر الذال، وهو خلافُ الصعوبة؛ يقال: ذلَّت الدابَّةُ ذِلًّا فهي ذلولٌ، وذلَّ الرجل ذُلًّا - بضم الذال - فهو ذليل.\n﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ صفةٌ لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ داخلةٌ تحت النَّفي، والمقصود نفيُ إثارتها\n_________\n(^١) أقول فيه بحث أما أولًا فلأن قائل هذا القول لو لم يعلم أن الحوادث بإرادة الله تعالى لم يصح تعليقه بقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ بل يصير تعليقه عبثًا فدل هذا التعليق على طريق البرهان على أن الحوادث بإرادة الله تعالى.\nوأما ثانيًا فلأن هذا الأمر تكليفي وإلا لما قيل ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ ولما قيل عقيبه ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآية ولما شددوا وشدد الله ولما امتثلوا حتمًا، فإن الامتثال في الإرشادي غير واجب وامتثالهم إنما هو بعلمهم بأن الأمر تكليفي وقولهم ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ لا يرشد على الإرشادي فإنه صادر منهم في بادئ نظرهم على ما صرح به. هداية الله. ويسمى مثل هذه الدلائل في عرف الأصول إشارة.","vol":"1","page":216},{"text":"الأرضَ. ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ نفيٌ معادلٌ لقوله: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾، والمعنى: أنها لم تذلَّل بالعمل في حرثٍ ولا سقي.\nوقيل: (لا) في قوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ زائدةٌ للتوكيد، وأن المعنى: لا ذلولٌ تُثير الأرضَ وتَسقي الحرثَ، والفعلان صفتان لـ ﴿ذَلُولٌ﴾ كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ، فيَلزم حينئذ الوصفُ بـ (لا) غيرِ مكرَّرةٍ، ولا مقابل منفي، وذلك لا يكون إلا في الشعر.\nوقرئ: (لا ذلولَ) بالفتح على أنَّ (لا) لنفي الجنس، والخبرُ محذوف، والجملة صفةُ (ذلولَ) كناية عن نفي الذل عنه كما يقال: الذليل حيث هو كنايةٌ عن إثبات الذلِّ له.\nوالحرث: الأرضُ المهيَّأة للزرع، ومعنى الإثارةِ هنا: قلبُ الأرض للزراعة، يقال: أثَرْتُ الشيءَ واستثَرْتُه: إذا هيَّجْتَه.\n﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من العيوب؛ أي: سلَّمها الله تعالى، أو: من العمل؛ أي: سلَّمها أهلها، وقيل: مخْلَصة اللونِ، من سَلِمَ له كذا: إذا خَلُص له؛ أي: لم يَشُبْ صُفرتَها شيءٌ من الألوان، وَيرِدُ عليه أنَّ حق هذا البيان حينئذ أنْ يعقب السؤال السابق ويُذكر في آخر جوابه.\n﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾؛ أي: لا علامة فيها تَشينُها.\nوقيل: لا لون فيها يخالفُ لونَ جلدها، مأخوذٌ من وَشْي الثوب: إذا نُسج على لونَينِ مختلفين، يقال: فرسٌ أبلقُ، وكبشٌ أخرجُ، وتيسٌ أمرقُ، وغرابٌ أبقَعُ، وثورٌ أشيَهُ، كلُّ ذلك بمعنى البَلَقيَّة، وَيرِدُ على هذا ما وَرَدَ على المعنى الأخيرِ لـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.\n﴿قَالُوا الْآنَ﴾ هو حدُّ الزمانينِ: الماضي والمستقبل، مبنيٌّ لتضمُّنه معنى الإشارةِ، تقديرُه: هذا الوقتَ.","vol":"1","page":217},{"text":"﴿جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما تحقَّقنا به، المراد: من البقرة، ففيه دلالةٌ على أنهم عرفوها بعينها، وروي أنَّه كان في بني إسرائيل شيخٌ صالح له عِجلةٌ، فأتى بها الغَيضة وقال: اللهم إني أَستودِعُكَها لابني حتى يكبرَ، وكان برًّا بوالديه، فشبَّت وكانت وحيدةً بالصفات المطلوبة، فساوَمُوها اليتيمَ وأمَّه، حتى اشتروها بملءِ مَسْكها ذهبًا، وكانت [البقرة] إذ ذاك بثلاثة دنانير (^١).\n﴿فَذَبَحُوهَا﴾؛ أي: فحصَّلوا البقرة الجامعةَ لهذه الصِّفات (^٢) كلِّها فذبحوها، وإنما حُذف ما حُذف اختصارًا لدلالة المذكور عليه، والفاء ليست فصيحة لأن شرطها أن يكون المحذوف سببًا للمذكور، والتحصيل ليس سببًا للذبح وإنما سببُه الأمر به، بل للتعقيب وللدلالة على أنهم كما حصَّلوها ذبحوها (^٣).\n﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني: شيئًا من الذَّبح ومقدماتهِ؛ من تحصيل المأمور بذبحه، وتهيئةِ أسبابه وبهذا الاعتبارِ (^٤) كان المذكورُ أبلغَ من: يذبحون.\nو(كاد) من أفعال المقارَبة، وُضع لدنوِّ الخبر حصولًا، فالفعلُ المقرون به مقيَّد، والنفي الداخلُ عليه قد يُعتبر سابقًا على القيد، فيفيدُ معنى الإثبات بالتكلُّف كما في هذه الآية، وقد يعتبر مسبوقًا به (^٥) فيفيد البعد عن الإثبات والوقوع؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣].\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥٢)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (م) و(ك): \"الأوصاف\".\n(^٣) في هامش \"د\": (فلا وجه لما قيل إنهم طلبوها أربعين سنة. رد سعد الدين).\n(^٤) في \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (لإفادة هذا التعميم) بدل: (وبهذا الاعتبار).\n(^٥) كلمة: (به) ليست في \"ح\" و\"ف\".","vol":"1","page":218},{"text":"ومَن غفل عن هذا توهَّم التدافُعَ بينه وبين قوله: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ فتكلف (^١) في التوفيق.\nواعلم أنه لا خلاف في أن ظاهر اللفظ في أول الأمر بقرةٌ مطلقةٌ مبهمةٌ، ولا في أن الامتثال في آخِرِ الأمر إنما وقع بذبح بقرةٍ موصوفة معيَّنة، حتى لو ذبحوا غيرها لم يكن مطابقًا، لكن اختلفوا في أن المراد به في أول الأمر هو البقرةُ المعيَّنة وأُخر البيان عن وقت الخطاب، أو المبهمة ولحقها التغييرُ إلى المعيَّنة (^٢) بسبب تثاقلهم في امتثالهم وكثرةِ سؤالهم واستكشافهم.\nوالحقُّ هو الثاني؛ لقوله ﵇: \"لو اعترضوا أدنى بقرةٍ فذبحوها لكفَتْهم، ولكن شدَّدوا فشدَّد الله تعالى عليهم\" والاستقصاءُ شؤمٌ (^٣).\nورُوي مثلُه عن ابن عباس (^٤)، وهو رئيس المفسِّرين.\nولأن اللازم على الأول تأخيرُ البيان عن وقتِ الحاجة؛ لدلالة قوله: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة: ٦٨] على أنهم أُمروا بإيقاع ذبح البقرة قبل بيان اللون وكونِها مسلَّمة غيرَ مذلَّلةٍ، وهذا اللازم محذورٌ عند المخالِف أيضًا.\nومَن ذهب إلى الأول تمسَّك أولًا: بأن الضمائر في الأجوبة - أعني: (إنها بقرة\n_________\n(^١) في \"ف\": (وتكلف).\n(^٢) في \"م\": (إلى المعينة الماهية).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥١). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٠٠) عن ابن عباس ﵄ موقوفًا، وله شاهد رواه البزار (٢١٨٨ - كشف) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، وفي سنده عباد بن منصور، وفيه ضعف، وقال ابن كثِر: حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. قلت: وقوله: (والاستقصاء شؤم) من كلام الزمخشري.\n(^٤) انظر التعليق السابق.","vol":"1","page":219},{"text":"كذا وكذا) - للمعيَّنة قطعًا، فكذا في السؤال للتطابقُ، والسؤالُ إنما هو عن البقرة المأمورِ بذبحها فتكون هي المعيَّنةَ.\nوجوابه: أنهم لمَّا تعجَّبوا من بقرةٍ ميتةٍ يُضربُ ببعضها ميتٌ فيَحْيَى، ظنُّوها معيَّنةً خارجةً عما هو عليه صفةُ الجنس، فسألوا عن حالها وصفتِها، فوقعت الضمائر لمعيَّنةٍ بزعمهم واعتقادهم، فعيَّنها الله تشديدًا عليهم، وإن لم يكن المراد من الأمر هي المعيَّنةَ.\nوثانيًا: بأنه قد دلَّ السياقُ ووقع الاتِّفاقُ على أنه لم يَرِدْ أمرٌ متجدِّد غيرُ الأول، فالامتثالُ ليس إلا بالأمر الأول، فلزم أن لا يكون منسوخًا، وأن يكون أمرًا بذبح المعيَّنة؛ لظهور أن الامتثال لم يقع إلا بذبح المعيَّنة.\nوجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة لا يلزمُه ارتفاعُ حكم الأمرِ الأول حتى يحتاجَ إيجاب المخصوصة إلى أمرٍ متجدِّد، بل على أنه (^١) كان متناولًا لها ولغيرها، بمعنى حصولِ الامتثال بأيِّ فردٍ كان، فارتفع حكمه في حقِّ ما عداها وبقي الامتثالُ بذبحها خاصةً، فكان ذبحها امتثالًا للأمر الأول، ولم يكن هذا منافيًا لنسخ الأمر الأول في الجملة، ولا موجبًا لكون المراد به أولًا ذبحَ المعيَّنة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-79\"> </span>(٧٢) - ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ خطابُ الجمع لأن القتل صدر عن جماعةٍ، وهم بنو عمِّ المقتول.\n_________\n(^١) قوله: (بل على أنه …) لا يظهر تعلقه بما قبله، وحق العبارة حتى يظهر ذلك التعلق أن تكون: (وجوابه: أن انتقال الحكم إلى المخصوصة ليس مبنيا على ارتفاع حكم الأمرِ الأول … بل على أنه ..). انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ١٧٨).","vol":"1","page":220},{"text":"﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾؛ أي: تخاصمتُم؛ لأن المتخاصمينَ يدرأُ بعضُهم بعضًا، أو: تدافعتُم؛ لأن كلًّا منهم يدفعُ التهمة عن نفسه إلى الآخَرِ، والبراءةَ عن الآخرِ إلى نفسه.\nوأصله: فتدارأتُم، فأُدغمت التاء في الدال لأنها من مخرجها، فسكِّنت وأدخلت ألفُ الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن.\nو(في) في ﴿فِيهَا﴾ للتعليل؛ كما في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].\n﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ﴾ مظهِرٌ لا محالةَ، حُكي ما كان مستقبلًا وقت التدارُؤ، فأُعمل، فنُصب به ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ على المفعولية، كما حُكي ما كان حاضرًا وقت التقليب في قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-80\"> </span>(٧٣) - ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ عطفٌ على ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾، وما بينهما اعتراضٌ مشعِرٌ بأنَّ التَّدارؤ لا يُجدي إذ اللهُ مخرجٌ ومظهِرٌ ما كتموه، والضميرُ البارز للقتيل، وفي تذكيره تنبيهٌ على زوال حكم النفس عن الجسد بعد القتل.\n﴿بِبَعْضِهَا﴾ أيِّ بعضٍ كان، دلَّ على ذلك الإبهام.\n﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ خطاب لمنكري البعثِ من مشركي مكَّة، أو للَّذين حضروا القتيل على تقدير: فقلنا لهم، والكاف (^١) في محل النصب على المصدر؛ أي: مثلَ ذلك الإحياءِ العجيب الشأنِ، و(ذلك) إشارةٌ إلى ما دلَّ عليه المحذوف المدلولُ عليه بهذا الكلام وما قبله وهو قوله: فأُحيي.\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد لمن قصر الدلالة على الأول لأن الدلالة على الفاء إنما هي بالثاني. منه).","vol":"1","page":221},{"text":"رُوي أنه لما ضُرب قام بإذن الله تعالى وأوداجُه تَشخَبُ دمًا فقال: قتلني ابنا عمي فلانٌ وفلانٌ، وسقط ميتًا، فأُخذا وقُتلا ولم يورَّث قاتل بعد ذلك.\n﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائلِه؛ لأن مَن قدر على إحياءِ نفسٍ واحدةٍ قدر على إحياء الكل؛ لعَدَم الفرق عند العقل.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تستدلُّون به، أو: تعملون على قضية عقولكم، وقد مرَّ معنى (لعل) غيرَ مرةٍ، وإنما جَعل إحياءَه مسبَّبًا عن ذبح البقرة وضربِه ببعضها وهو قادر على إحيائه ابتداءً ليُعلم أن في الأسباب والشرائط حِكَمًا وفوائدَ؛ كالتقرُّب بالقربان، والتنبُّه (^١) على حُسن تقديم القُربة في الطلب، وتَحرِّي الأحسن والغالي في الثمن، وعلى وجوب المسارعة في امتثال الأمر ولو كان للإرشاد، وأن التشديد موجِبٌ لتشديد الله تعالى على مَن شدَّد، وأن الاستهزاء مِن فِعْلِ الجُهَّال، وأن بِرَّ الوالدين له بركةٌ، وكذا التوكُّل، والشفقةُ على الأبناء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-81\"> </span>(٧٤) - ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾\n﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد أحياءِ القتيل، وهو أمر عظيم خارقٌ للعادة، موجِبٌ للاعتبار.\nقيل: ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعاد. وفيه: أن معناها الحقيقيَّ غيرُ متعذِّرٍ.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (والتنبيه).","vol":"1","page":222},{"text":"قال الواحدي: يقال قسا قلبُه يَقسو قَسْوةً وقَساوةً، وهي الشدةُ والصلابةُ واليبس (^١).\nو﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ استعارةٌ تبعيةٌ واقعةٌ على سبيلِ التمثيلِ، شُبهت حالةُ قلوبهم وهي نُبوُّها عن الاعتبار بحالة قسوة الحجارة في أنها لا يجدي فيها لطفُ العمل وحُسنُ الحيَل، ولاعتبارِ هذه الاستعارة حَسُنَ التفريعُ والتعقيب بقوله:\n﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ تشبيهٌ في القساوة بالحجارة ثم رجوعٌ عنه بتفضيلها في القساوة على الحجارة (^٢)، وبيانه وتقريرُه:\n﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ لدلالته على أنها في شدة القسوة مفضَّلةٌ على الحجارة؛ لمطاوَعةِ الحجارة لأمر الله تعالى دونها.\nوعلى هذا قولُه: ﴿أَوْ أَشَدُّ﴾ معطوفٌ على قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ من قبيل عطف المفرد على المفرد؛ كما تقول: زيد على سفر أو مقيم.\nوقرئ: (أشدَّ) بالفتح (^٣) عطفًا على (الحجارة): أو مثلَ شيءٍ أشدَّ من الحجارة.\nقال الواحدي: قال المفسرون: إنما شبَّه قلوبهم بالحجارة في الغِلظة والشدة، ولم يُشبِّه بالحديد وإن كان الحديد أصلبَ من الحجارة؛ لأن الحديد يليَّن بالنار ولا تليَّن الحجارة بمعالجةٍ أبدًا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (١/ ١٥٨).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (من قال هنا: لإرادة الله تعالى، وفي القلوب: لأمر الله، فقد أخرج الكلام عن سنن الانتظام. منه).\n(^٣) تنسب لأبي حيوة كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧)، وللأعمش كما في \"الكشاف\" (١/ ١٥٥).\n(^٤) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (١/ ١٥٨).","vol":"1","page":223},{"text":"وانتصَب ﴿قَسْوَةً﴾ على التمييز، ويقتضيه ﴿أَشَدُّ﴾ وكافُ التشبيه (^١)، وهذا التمييز الذي بعد أفعل التفضيل منقول من المبتدأ وهو نقلٌ غريب.\nوإنما لم يقل: أقسى؛ لِمَا في (أشدّ) من المبالغة؛ لدلالته عليها بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئةٍ موضوعة للشدة فيها، وفي ذلك من الإيماء إلى الاعتناء ببيان الزيادة ما لا يخفى، والدلالةِ على اشتداد القسوتين، واشتمالِ المفضَّل على زيادةِ (أو) بمعنى: بل (^٢)؛ كما في قول الشاعر:\nبدَتْ مثلَ قَرْنِ الشمس في رَوْنَقِ الضُّحَى … وصورتِها أو أنتِ في العينِ أملحُ (^٣)\nأي: بل أنتِ.\nأو للإبهام على المخاطب، قال أبو الأسود الدُّؤليُّ:\nأحبُّ محمدًا حبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزةَ أو عليّا\nفإنْ يكُ حبُّهم رَشَدًا أُصِبْهُ … ولستُ بمخطئٍ إن كان غَيّا (^٤)\n_________\n(^١) لأن كلًا منهما ينتصب عنه التمييز، تقول: زيد أشدُّ حلما من عمرو، و: زيد كعمرو حلمًا انظر: \"البحر المحيط\" (٢/ ٢٠٧).\n(^٢) في \"د\" و\"م\": (على زيادة واو بمعنى بل)، والمثبت من باقي النسخ، ولعل في الكلام سقطًا على كليهما، وحق العبارة أن تكون هكذا: (على زيادة (أو) بمعنى الواو، أو بمعنى بل). انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٠٥)، وعنه نقل المؤلف، وهذا لفظه: (أو) قيل: هي بمعنى الواو كما قال: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦]، وقال الشاعر:\nنال الخلافة أو كانت له قدرًا\nأي: وكانت، وقيل: هي بمعنى: بل … إلخ.\n(^٣) نسبه ابن جني في \"المحتسب\" (١/ ٩٩) لذي الرمة، وهو في ملحقات ديوانه (٣/ ١٨٥٧)، وأورده الفراء في \"معاني القرآن\" (١/ ٧٢) دون نسبة.\n(^٤) انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي (١/ ١٤٥)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٦٦). والبيتان في=","vol":"1","page":224},{"text":"ولم يَشكَّ أبو الأسود أنَّ حبَّهم رَشَدٌ ظاهرٌ وإنما قصَد الإبهام، وقد قيل له حين قال ذلك: شكَكْتَ؟! قال: لا، ثم استشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال: أوَكان شاكًا مَن أَخبر بهذا (^١).\n﴿[وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ] لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ التفجُّر: التفتُّح بسَعةِ وكثرةٍ، وقرئ: (وإنْ) مخفَّفةً من المثقَّلة (^٢)، لوجود اللام في ﴿لَمَا﴾.\n﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ أصله: يتشقَّق، وقُرئ به (^٣).\nوالتشقُّق: التصدُّع بطولٍ أو عرضٍ، فينبع منه الماء بقلةٍ، هذا على التَّتميم دون الترقِّي، وإلا لقُدِّم المؤخَّر.\n﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الهبوط: التردِّي من عُلوٍ إلى سُفلٍ (^٤)، والخشية: الخوف عن علم، وهي هنا مجازٌ عن الانقياد؛ إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم.\nوقوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بالأفعال السابقة كلِّها.\nولما كانت قساوة القلب تنشأ عنها الأعمال القبيحة قال تعالى على سبيل التهديد:\n_________\n= ديوان أبي الأسود (ص: ١١٩ - ١٢٠)، و\"تفسير الطبري\" (٢/ ١٣١)، لكن بلفظ: (وعباسًا وحمزة والوصيّا).\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢/ ١٣١)، و\"النكت والعيون\" للماوردي (١/ ١٤٥)، و\" المحرر الوجيز\" (١/ ١٦٦)، و\"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥٥) عن الأعمش.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧) عن قتادة. ووقع في \"ك\" و\"م\": (من مثقلة).\n(^٤) في \"ك\": (أسفل).","vol":"1","page":225},{"text":"﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقرئ بالياء للغيبة (^١)؛ ضمَّا إلى ما بعده من الضمائر العائدة إلى اليهود.\n\n<span id=\"aya-82\"> </span>(٧٥) - ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ الطمع: نزوعُ النفس إلى شيءٍ مّا بشهوةٍ، والخطابُ لرسول الله ﷺ وللمؤمنين.\n﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ في محل الجر؛ أي: في إيمانهم، والضمير لليهود الذين في زمن محمد ﵇؛ لأنهم الذين يصحُّ منهم الطمع.\nواللام في ﴿لَكُمْ﴾ للتعليل، أو لاعتبار معنى الاستجابة؛ أي: إن يُحْدِثوا الإيمان لأَجْل دعوتكم أو يستجيبوا لكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] لا للصلة كما في ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]؛ أي: مصدِّقِ (^٢)؛ لأن مثله لا يوجد في الفعل.\nوانتظامُه بما قبلَه: أن النبيَّ ﵇ والصحابةَ ﵃ لمَّا سمعوا هذه الآيات - وهي في مخاطبةِ اليهود - طمعوا أن يؤثِّر ذلك في قلوبهم فيؤمنوا، فقال الله ﷿: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ مبالغةً في إنكار الطمع مع كونه كالمستحيل عادةً بإيراد الفاء بعد الهمزة؛ أي: بعد ما تشاهدون منهم ما يوجب اليأس من إيمانهم من قسوة القلب تطمعون في إيمانهم، وهم قوم بأعيانهم كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦].\n﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ﴾ الفريق: اسمُ جمعٍ لا واحدَ له من لفظهِ كالحزب، والواو للحال؛ أي: في حال عِلمكم بطريقتهم (^٣) وعادتهم.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٤).\n(^٢) في \"ك\"و\"م\": (بمصدق).\n(^٣) في (م) و(ك): \"طريقهم\".","vol":"1","page":226},{"text":"﴿مِنْهُمْ﴾ الظاهرُ رجوع الضمير إلى ما يرجع الضمير في ﴿يُؤْمِنُوا﴾، وعناد (^١) البعض إنما كان منافيًا لإقرار الباقين لأنهم كانوا مقلِّدين لهم.\n﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ما يتلونه من التوراة.\nالسماع كنايةٌ عن القبول، ففي ذكره زيادةُ تقبيحٍ لحالهم؛ لأنَّ التحريف بعد القبول أشدُّ قباحةً، ولو كان على حقيقته لَمَا احتيج إلى ذكره؛ لأن التحريف لا يكون إلا بعد السماع.\n﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ تحريف الشيء: إمالتُه عن حالٍ إلى حالٍ، ومنه: قلم محرَّف؛ أي: أحد شقَّيه مائلٌ، فينتظِم التغييرَ والتبديلَ والتأويلَ، وما حرَّفوه نعتُ رسول الله (^٢) ﷺ، وشريعتُهم كآية الرجم.\nويجوز أن يكون المراد من الفريق مَن كان في زمن موسى ﵇ وهم أهل الميقات، والكلامُ المسموع كلامَه تعالى بالطور، وقد نُقل تحريفُهم ما سمعوه، وعلى هذا أيضًا الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ على ظاهره ولا حاجة إلى أن يكون المعنى من أسلافهم فإن أسلاف طائفة يعدون منهم (^٣)، وعلى هذا يكون المعنى: الإصرارُ على البطلان موروثٌ لهم شِنْشِنةً أعرفُها مِن أَخْزمِ (^٤).\n_________\n(^١) في \"ح\": (إذ عناد)، وفي \"ف\": (أو عناد).\n(^٢) في \"م\": (نعت الرسول)، وفي (ك): (من نعت الرسول).\n(^٣) في هامش \"د\" و\"م\": (يعني أن الحاجة إلى الصرف عن الظاهر إنما يتوهم على هذا التقدير دون الأول ففيه ردٌّ للقاضي. منه).\n(^٤) الشنشنة: السجية والطبيعة، وهذا مثل أصله: أنَّ ابنَ أَخْزَمَ الطائيَّ كان عاقًّا أباهُ، ثمَّ جاءَهُ بَنُونَ فعَقُّوه، واجْتَمَعوا عليه فضَرَبُوه وأَدْمَوْه، فقال:\nإنَّ بَنيَّ زمَّلُوني بالدَّمِ … شِنْشِنةٌ أَعْرِفُها مِن أَخْزَمِ","vol":"1","page":227},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة.\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مفترون؛ أي: لم يفعلوا ذلك عن خطأ ونسيان بل فعلوا عن قصد وتعمد حسدًا وبغيًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-83\"> </span>(٧٦) - ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا لَقُوا﴾ يعني: المنافقين.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المخلِصين من أصحاب الرسول ﵇.\n﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، أي: بأنكم على الحق ورسولكم هو المبشَّر في التوراة، وإنما لم ينطقوا بالمتعلَّق لعدم المساعدة من باطنهم، وهذه آيةُ غايةِ خبثهم.\n﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: إذا انفردوا عن المخلصين منضمِّين، بعضُهم الساكتون وقت الملاقاة إلى الناطقين بكلمات النفاق.\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين سكتوا حينئذٍ عاتبين على الذين نطقوا:\n﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: بما بيِّن لكم في التوراة من نعت محمد ﵇، فالاستفهام للتقريع والتشنيع.\nواللام في ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾، وهي لام (كي) على تجوُّزٍ؛ لأن الناشئ عن شيء وإن لم يُقصد كالغاية، والمعنى: ليحتجُّوا عليكم بما أَنزل ربكم في كتابه من الحجة، وأصله مِن حجَّ: إذا قصَد مغالبةَ خصمه.\n_________\n= انظر: \"مجمع الغرائب\" للفارسي (مادة: شنن).","vol":"1","page":228},{"text":"﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ جعَلوا محاجَّتهم بكتاب الله تعالى وحُكمه محاجةً عنده؛ كما يقال: عند الله كذا، ويراد أنه في كتابه وحكمه كذا، وعلى هذا يكون ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بدلًا عن قوله: ﴿بِهِ﴾ أو ظرفًا مستقرًّا بمعنى: ليحاجوكم بما قلتم حال كونه في كتابكم.\nوقيل: المعنى: عند ربكم يوم القيامة. لا يقال: إن اليهود يعلمون أنهم يوم القيامة محجوجون حدَّثوا أو لم يحدِّثوا؛ لأن ذلك العلم لعلمائهم لا لكلِّهم، فلا ينافي تحذيرَهم الجهَّالَ منهم بذلك القول إبقاءً لهم على اليهودية، ولأنَّ [محجوجيَّتهم يومَ القيامة من الله لا تنافي] (^١) احترازَهم عن كونهم محجوجين من جهة الخصم، فإن ذلك لازم إن حدَّثوا ومندفعٌ إن لم يحدِّثوا في زعمهم.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أفليس لكم عقلٌ حتى تدركوا فسادَ ما فعلتُم، وهذا من تمام كلام اللائمين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-84\"> </span>(٧٧) - ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\n﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ مقابَلةٌ لهم بذلك التجهيل والتوبيخ والتعجيب مع التقرير؛ أي: أتنكرون عليهم ولا تعلمون أن الفساد في قولكم مضاعَف.\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: يعلمهما على السَّواء، وللقصد إلى معنى التسوية ذكر قوله: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ مع أن قوله: ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ يغني عنه، ونظيرُ هذا قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦] في القصد إلى المعنى المذكور.\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ١٨٩).","vol":"1","page":229},{"text":"وتقديم ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ مع أن حقَّه في أسلوب الترقِّي التأخيرُ؛ للتسوية بينهما في الاهتمام، فإن في الجمع بين العبارة والدلالة اهتمامًا بالثاني، وفي التقديم مع أن حقه التأخير اهتمامًا بالأول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-85\"> </span>(٧٨) - ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ عامِّيون. الأمِّيُّ مَن لا يكتب ولا يقرأ، سمي به لأنَّه على الخلقة التي ولدته الأمُّ عليها.\n﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة.\n﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ الاستثناء منقطع. والأمانيُّ: جمع أمنيَّةٍ، أُفعولةٌ من التمنِّي وهو التقديرُ، ولها معانٍ ثلاثةٌ:\nالمتمنَّيات: لأن المتمنِّيَ يقدِّر في نفسه ما يشتهيه ويتخيَّله.\nأو الأكاذيب: إذ الكاذب يقدِّر في نفسه ويتخيَّل شيئًا لا وجود له.\nأو المقروءات: لأن القارئ يقدِّر عند قراءته في نفسه أن كلمة كذا بعد كذا، ومنه قوله:\nتمنَّى كتابَ الله أولَ ليلةٍ (^١)\nفالمعنى: ولكن يعتقدون أكاذيب من المحرِّفين، أو مواعيد فارغة سمعوها منهم: أن أباءهم الأنبياءَ يشفعون لهم، وأن النار لم تمسهم إلا أيامًا معدودة، أو ما\n_________\n(^١) صدر بيت مذكور في \"النكت والعيون\" (١/ ١٥٠)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٦٩)، و\"الفائق\" (٢/ ٣٩٢)، ونسب لكعب بن مالك، وهو في ملحق ديوانه (ص: ٢٢٤)، وعجزه:\nوآخرَه لاقى حِمَامَ المقادِرِ","vol":"1","page":230},{"text":"يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره، والأمي ربما يقدر على قراءةٍ مّا بالأخذ من أفواه الرجال.\n﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلا قوم يظنون، والظن هنا على بابه من ترجيح أحد الطرفين، ولا يلزم من الترجيح عندهم أن يكون راجحًا في نفس الأمر.\nويجوز أن يجعل الضمير للفريقين، فنفي العلم عن العلماء في قوله: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾ على سبيل الإنكار حيث لم يعملوا بموجبه، وعن المقلدين بقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ ثم حكم أنهم في الظن المؤدي إلى الضلال سواءٌ، فعلى هذا يكون في الآيات جمعٌ وتقسيمٌ؛ جمع الفريقين في قوله: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، ثم قسمهم إلى فريقين: علماء معاندين وجهلاء مقلدين، ثم جمعهم في ﴿يَظُنُّونَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-86\"> </span>(٧٩) - ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿فَوَيْلٌ﴾ أي: تحسُّرٌ أو هُلْكٌ، روى عثمان عن النبي ﷺ: \"الويل جبل في النار\" (^١)، وفي رواية أبي سعيد الخدري ﵁: \"واد في جهنم\" (^٢).\nوهو في الأصل مصدر لا فعلَ له؛ لأن فاءه وعينه معتلان، وتنكيره للتعظيم، فلم تكن نكرةً محضة، على أن الغرض من الكلام الإفادةُ، فإذا حصلت جاز الحكم سواءٌ تَخصَّص المحكوم عليه بشيء أو لا، وأمَّا أن النكرة إذا كانت دعاء\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١/ ١٦٤)، وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدًّا.\n(^٢) رواه الترمذي (٢٥٧٦) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد به، وقال: حديث غريب. قلت: إسناده ضعيف لضعف دراج في روايته عن أبي الهيثم.","vol":"1","page":231},{"text":"تقع مبتدأ وإن لم يتخصص، فما قيل في بيانه لا يجري في (ويل) صرح به الرضي.\n﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾ يعني: ما كتبوه من التأويلات الزائغة، ولذلك احتاجوا في ترويجه إلى بيان نسبته إلى الله تعالى، ولو كان المراد الكتابَ المحرَّف لَمَا احتاجوا إليه؛ لأن كون التوراة من عند الله مسلَّمٌ وما أحدثوه من التحريف غير معلوم لغيرهم.\n﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ نفيٌ للمجاز؛ أي: يتولَّونه بأنفسهم، فقد يقول الإنسان: كتب إليَّ فلان، إذا أمر غيره بأن يكتب عنه، وإذا قال: كتبتُ بيدي، فقد أخبر بأنه باشَر بنفسه، فهو من حيث إنه كنايةٌ عن أنه من تلقاء أنفسهم دون أن ينزَّل عليهم ناظرٌ إلى ما في قولهم: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ من دعوى النزول هكذا مكتوبًا من السماء كما هو الشأن في التوراة. ويجوز أن يكون لدفع احتمال الإنشاء، فإن الكتابة شائعةٌ فيه.\nوفائدة التنصيص بمعنى الإملاء التغليظُ في الجناية، حيث انضم إلى القول العملُ.\n﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ كلمة ﴿ثُمَّ﴾ للاستبعادِ، وعدمُ الفائدة في الإخبار عن تراخي القول المذكور عن العمل المزبور كفى قرينتُه صارفةً عن المعنى الحقيقيِّ لها في الكلام البليغ.\n﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ متعلق بـ ﴿يَقُولُونَ﴾ وقد مر بيانُ استعارة الاشتراء للاستبدال، ونكتةُ التعبير عن البيع بالثمن، فتذكَّرْ.\nوما حصَّلوا به وإنْ جَلَّ قليلٌ بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة.\n﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ جعلُ (ما) ها هنا وفي قوله: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا","vol":"1","page":232},{"text":"يَكْسِبُونَ﴾ مصدريةً أولى مِن جعلها موصولةً؛ لعدم الحذف، ولكون الويل على الفعل أولى وأنسب من كونه على المفعول.\nوأصل الكسب: الفعلُ لجرِّ نفع أو دفع ضرٍّ، ولهذا لا يوصف به الله تعالى.\nوقيل: هو اجتلاب الحظ بما هُيِّئ له من الأسباب.\nوكرِّر الويل حتى يَتحقَّق أن الخسار والهلكة يترتَّب على كل واحد من المكتوب والمكسوب على حدة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-87\"> </span>(٨٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ المسُّ أقل تمكُّنًا من الإصابة، وهو أقلُّ درجاتها، ولذلك أوثر عليها في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وفي قولهِ تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]، وقولُه تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠] كالنص فيه.\n﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ أي: قلائل، وهذا لأنهم يَكنُون بالعدِّ عن القِلَّة بناءً على أنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقيَّةَ وَيعدُّون ما دونها.\nروي أنهم قالوا: سبعة أيام. وعنهم: أربعون يومًا، عددَ عبادتهم العجل، ولا وجه له لأنهم قد تابوا عنها توبة مقبولة (^١).\n_________\n(^١) في هامش \"د\" \"م\": (ولأن أربعون لا ينتظمه الكناية المذكورة. منه). وفي هامش \"م\" مثله، لكن فيه: (لا ينتظم).","vol":"1","page":233},{"text":"﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ الألف المجتلَبة ذهبت بالإدراج، وهذه الألف المقطوعة ألف الاستفهام للتوبيخ، يعني: إن مثل هذا الجزمِ لا يكون إلا ممن وعده الله تعالى به، وإنما عبر عن الوعد بالعهد إيماء إلى أن في الجزم المذكور لا بد من وعد قوي، وإنما قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ دون: من الله؛ تعليمًا للسلوك مسلك الكناية في أمثال هذا، فإن التصريح باتخاذ العهد من الله تعالى لا يخلو عن سوء أدب.\n﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ جوابُ شرطٍ مقدَّر؛ أي: إن كنتم اتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده، فالفاء فصيحة والجملة معترضة.\nوإنما قلنا: إنَّ المقدَّر: إن كنتم اتخذتم؛ لأن المعنى ليس على الاستقبال.\nثم إنَّ هذا من جملة المواعيد، فلا وجه للاستدلال به على عدم الخُلف في وعده، وعلى تقدير صحته إنما يدلُّ على عدم وقوع الخُلف في وعده لا على استحالته.\n﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (أم) إمَّا معادِلةٌ للهمزة، بمعنى: أيُّ الأمرين كائنٌ (^١)، على سبيل التقرير لوقوع العلم بكون أحدهما، أو منقطعةٌ بمعنى (بل) والهمزةِ التقريرية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-88\"> </span>(٨١) - ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n_________\n(^١) أي: أيُّ هذين واقع: اتخاذكم العهد، أم قولكم على الله ما لا تعلمون؟ انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ٢٧١).","vol":"1","page":234},{"text":"﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لِمَا بعد النفي في ﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ أي: بلى تمسُّكم أبدًا، وتختص بجواب النفي.\n﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ السيئة: تأنيثُ السيِّئ، وهو فَعيلٌ من السوء، وهو العمل الفاسد ولذلك ذكر في مقابلته (^١) العملُ الصالح، والمكسوبُ لا يلزم أن يكون نافعًا في نفس الأمر، بل يكفي أن يكون ملائمًا لطبع الكاسب، مُؤْثَرًا عنده، نافعًا في زعمه.\n﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال القفَّال: كلُّ ذنب خطأٌ وخطيئةٌ؛ لأنَّه ليس بصوابٍ.\nوفي \"الأساس\": أخطأ في المسألة وفي الرأي، وخَطِئَ خطأً [عظيمًا]: إذا تعمَّد الذنب (^٢).\nوُضع قوله: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ إلخ مكان: تمسُّكم النار أبدًا؛ للإثبات على الطريق البرهاني؛ لأنَّه أثبتَ السيئةَ العامة؛ أي: سيئةً من السيئات، ثم خصَّصها بالكبيرة بقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أي: استولت عليه ولم يَتفَصَّ (^٣) عنها بالتوبة.\nوقرئ: (خطاياه) (^٤)، و: ﴿خَطِيئَتُهُ﴾ (^٥)، تعريضًا بكثرة خطاياهم؛ من الشرك والنفاق والتحريف، والافتراءِ على الله تعالى، وشبَّهها بالعدوِّ المحيط به من جميع الجهات لذلك، ولغلبتها على طاعته.\nوأشار بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إلى أن سبب استحقاق الخلود في النار هو ذلك الكسبُ المعلوم.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (مقابلة).\n(^٢) انظر: \"أساس البلاغة\" (مادة: خطأ)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) أي: ينفصل.\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥٨).\n(^٥) هي قراءة نافع من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٤).","vol":"1","page":235},{"text":"﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ملازموها في الآخرة؛ لأنهم ملازمو أسبابها في الدنيا، وذلك لأن الصاحب مشتقٌّ من الصحبة، وهي وإن كانت تعمُّ القليلَ والكثير لكن العرف خصَّصها لمَّا طالت.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أوقع ﴿هُمْ﴾ للتأكيد، كأنه قال: أيُّ كبيرةٍ من الكبائر استولت ورسخت بالغلبة على الطاعة استحقَّ صاحبها الخلودَ في النار.\nوقد تقرَّر أن الشرك كبيرةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وكذا التحريفُ والافتراء على الله؛ تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] فثبت بالبرهان أنه تمسُّكم النار أبدًا.\nومعنى الخلود في الأصل: الثباتُ المديد، دام أو لم يَدُمْ، لكن المراد به ها هنا الدوامُ؛ لِمَا يشهد له من الآيات والسنن.\nولك أن تقول: الإحاطة في الأصل: الإحداقُ بالشيء من كلِّ جانب، وجوانبُ المكلف المكلف من حيث إنه مكلَّف ثلاثةٌ: اللسان كلِّف من جهته بالإقرار، والأركان كلِّف من جهتها بالطاعات، والجَنان كلِّف من جهته بالتصديق، وهم لمَّا افتروا بألسنتهم، وحرَّفوا كتاب الله تعالى بأيديهم، وأصروا على النفاق معتقدين بالباطن خلافَ ما أظهروه، فقد تحقق إحاطةُ الخطيئات بهم، وثبت استيلاؤها عليهم، فالآية كما ترى لا حجةَ فيها على خلود صاحب الكبيرة في النار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-89\"> </span>(٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ جرت عادته تعالى على أن يَستَتْبع وعدَه","vol":"1","page":236},{"text":"بوعيده؛ تبشيرًا للمطيع وإنذارًا للعاصي، والإيمانُ على معناه اللغويِّ، فلا دلالة في عطف العمل عليه على الخلافيَّة المشهورة المذكورة في كتب الكلام.\nنعم يفهم منه اشتراطُ العمل الصالح في دخول الجنة، فلِمَن شَرَط في الإيمان المقبول الإقرارَ باللسان أنْ يحمل العملَ الصالح عليه.\nوللمخالف أن يقول: إن لفظة (هم) للتأكيد لا للحصر، بدلالة النصوص القاطعة على عدم اشتراط العمل في النجاة عن النار، وعلى أنه لا دارَ ثالثَ للقرار (^١).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ذُكر الفاءُ فيما تقدَّم وتُرك ها هنا للدلالة على أن الملازَمة والخلودَ ثَمة بالاستحقاق مِن قبلهم بسبب ما بهم من إحاطة الخطيئات، وها هنا بمحض فضل الله تعالى، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-90\"> </span>(٨٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إخبار في معنى النهي؛ كما في ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وفي: \"لا تُنكح المرأة على عمَّتها\" (^٢)، وهو بابٌ من أبواب البلاغة في الأمر والنهي، يُظهِر البليغُ به شدة اعتنائه بالامتثال والانتهاء،\n_________\n(^١) من قوله: (نعم يفهم منه اشتراط العمل الصالح ..) إلى هنا وقع في \"ك\" و\"م\" بعد ما سيأتي من قوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\n(^٢) رواه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨/ ٣٧) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":237},{"text":"وتحريض المخاطَب على المسارعة والمبادرة فيهما كأنه سارع إلى الامتثال والانتهاء، فيخبِرُ عنه الآمر والناهي، ويؤيده قراءة: (لا تعبدوا) (^١) ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَقُولُوا﴾ فيكون على إرادة القول، وأمَّا إيهامُ أن المنهيَّ مسارعٌ (^٢) إلى الانتهاء فهو يخبر عنه، فلا يناسب هذا المقام؛ لأن حال المنهيِّ هنا على خلاف ذلك.\nوقيل: تقديره: أن لا تعبدوا، فلما سقط (أنْ) رُفع الفعل لزوال الناصب؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] وقال طرفة:\nألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغى\nيروى: (أحضرُ) بالرفع؛ أي: أنْ أحضرَ الوغى، ولذلك عُطف عليه:\nوأنْ أشهَدَ اللَّذَّات هل أنت مُخْلِدي (^٣)\nويدل عليه قراءة: (أن لا تعبدوا) (^٤) فيحتمل أن تكون (أنْ) مفسِّرةً بمعنى (أي)، وأن يكون (أنْ) مع الفعل بدلًا عن الميثاق؛ أي: أخذنا توحيدهم، أو معمولًا له بحذف الجارّ.\nوقيل: إنه جواب قسم دلَّ عليه المعنى، كأنه قال: وخلقناهم لا يعبدون.\nوقيل: إنه وقع في موضع الحال في صيغة الفعل، وموضعُه نصبٌ في الاسم،\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧). ووقع في \"م\" و\"ك\": (لا يعبدون)، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ٩١)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٢٧٧).\nوقراءة: (لا يعبدون) قراءة سبعية كما سيأتي لكنها ليست المرادة هنا.\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (المنهي سَارع)، وفي \"د\": (المنتهي سارع).\n(^٣) انظر: \"ديوان طرفة بن العبد\" (ص: ٣٢)، و\" الكتاب\" (٣/ ٩٩). و(أحضر) يروى بالرفع والنصب كما قال السمين في \"الدر المصون\" (١/ ٤٦٠).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":238},{"text":"تقول: دخل عليه يتبسم؛ أي: متبسمًا، والتقدير هنا: أخذنا ميثاقهم غيرَ عابدين.\nوقرئ بالتاء حكايةً لما خُوطبوا به، وبالياء لأنهم غُيَّب (^١).\n﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ استثناء مفرَّغ، وفيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة؛ لِمَا في الاسم الظاهر من الفخامة.\n﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ مصدر في معنى الأمر؛ أي: وأَحْسِنوا بالوالدين، وتقديم المعمول للاهتمام، وأَحْسَنَ كما يتعدَّى بـ (إلى) يتعدَّى بالباء؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠].\n﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾ عطف على (الوالدين) أراد به الجنس، ولذلك أُفرد (ذو)، وإضافته إلى المصدر تغني عن صيغة الجمع.\n﴿وَالْيَتَامَى﴾: جمع يتيم؛ كنديم ونَدَامَى، واليتيم: الذي مات أبوه فانفرَد عنه واليُتْمُ: الانفراد، ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، وحقُّ هذا الاسم أن لا يزول عن الكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنه قد غلَب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلغ الرجال، وعلى وَفْقِ هذا ورد قوله ﵇: \"لا يُتْمَ بَعْدَ الحُلم\" وإن كان المراد تعليم شريعةٍ (^٢).\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: جمع مسكين، وهو مِفْعيلٌ من السُّكون، كأنَّ الفقر أسكنه عن التصرُّف.\n﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: قولًا حسنًا، وسماه: ﴿حُسْنًا﴾ للمبالغة، لمَّا أَتْبعَ\n_________\n(^١) قرأ: ﴿تَعْبُدُونَ﴾ بالتاء من السبعة نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٤).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (شريعته)، وفي \"م\": (الشريعة).","vol":"1","page":239},{"text":"عبادةَ الله تعالى بالإحسان لمَن ذُكر وهو فِعْلٌ، أَتبَعَ ذلك بالقول ليكون الإحسان بالفعل والقول، ولمَّا كان الإحسانُ القوليُّ أمرًا هينًا على ما أَفصح عنه مَن قال: البرَّ شيءٌ هينٌ، وجهٌ طليقٌ ولسانٌ لينٌ (^١)، كان متعلَّقه الناس عمومًا.\nوقرئ: ﴿حَسَنًا﴾ بفتحتين (^٢) على أنه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، و: (حُسُنًا) بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، و: (حُسْنَى) على المصدر كبُشرى (^٣)، والمراد به: ما فيه تخلُّقٌ وإرشاد.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يريد بهما: ما فُرض عليهم في شريعتهم، ومن هنا ظهر أنهما منقولان إلى القَدْر المشترَك بين صلاتنا وصلاتهم، والقَدْر المشترك بين زكاتنا وزكاتهم.\n﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ على طريقة الالتفات للتعنيف في التوبيخ (^٤)، فإنه عند الاستحضار (^٥) أشدُّ، ويجوز أن يكون الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومَن قبلَهم على التغليب؛ إشعارًا بأن التولِّيَ الذي حصل منهم في عهده ﵇ ليس ببِدْعٍ منهم؛ لأنَّه دأبهم ودأبُ أسلافهم.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾؛ أي: أشخاصًا قليلين، وهم الذين أقاموا اليهودية على\n_________\n(^١) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٠٥٩) من قول ابن عمر، وأورده البكري في \"اللآلي في شرح أمالي القالي\" (١/ ٧٢) رجزًا من حكَم العرب بلفظ:\nبنيَّ إن البرَّ شيء ....... إلى آخره.\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٤).\n(^٣) هذه والتي قبلها في \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٧).\n(^٤) في \"ك\" و\"م\": (للتعنيف والتوبيخ).\n(^٥) في \"ك\": (الاستحقاق).","vol":"1","page":240},{"text":"وجهها قبل النَّسخ، وأمَّا الذين أسلموا من الذين ما أقاموها (^١) فقد وُجد منهم التَّولِّي والإعراضُ، فلا وجه لاستثنائهم.\n﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ التَّولِّي قد يكون لحاجةٍ تدعو إلى الانصراف مع ثبوت القصد، والإعراض: هو الانصراف عن الشيء بالقلب، فالجملة حال وليست من قَبيل ﴿وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].\nوفي اسميَّة هذه الجملة الدالَّةِ على أنهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عن الطاعة والوفاء ترشيحٌ لِمَا تقدَّم من نكتةِ التغليب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-91\"> </span>(٨٤) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ على نحوِ ما سبق في ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾، والمعنى: لا تفعلون ما يؤدي إلى هذين المحذورَين، أو: لا يفعلُ ذلك بعضكم ببعض (^٢) جُعل غيرُ الرجل نفسَه لاتِّصاله به نسبًا (^٣) أو دينًا، ثم نُسب إلى نفسه ما كان منسوبًا إلى الغير على التجوز (^٤) لأدنى ملابَسةٍ.\nوالديار: مباني الإقامة، وقال الخليل: محلَّةُ القوم دارُهم (^٥).\n_________\n(^١) في \"ك\": (من الذين أقاموها).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (لبعض).\n(^٣) في \"ف\": (سببًا).\n(^٤) في \"ك\": (إلى الغير يجوز).\n(^٥) انظر: \"العين\" (٨/ ٥٨).","vol":"1","page":241},{"text":"﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ أي: خَلَفًا بعد سَلَفٍ أنَّ هذا الميثاق أُخذ عليكم والتَزَمْتُموه، ويحتمِلُ هذا أنْ يكون من الإقرار الذي هو ضدُّ الجحدِ ويتعدَّى بالباء، وأن يكون من الإقرار الذي هو إبقاءُ الأمر على حاله؛ أي: أقررتُم هذا الميثاقَ ملتزَمًا، فقوله:\n﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ تأسيسٌ على هذا، وتأكيدٌ على الأول؛ لقطعِ احتمالِ أن يكون أَقرَّ بمعنى: تكلَّمَ بما يلزمُ منه الإقرار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-92\"> </span>(٨٥) - ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ استبعاد قويٌّ لِمَا نُسب إليهم بعد أداء الميثاق على الانتهاء منه، وإقرارِهم وشهادتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ توبيخٌ وتعييرٌ بليغٌ وتحقير؛ أي: أنتم المشاهَدون المشارُ إليهم بنقض العهد، الذين لا يمكن ذمُّهم بما يزيد على ما يشاهَدُ منهم ويشارُ به إليهم؛ كقولهم في التحقير: يا هذا. أو: أنتم المشاهَدون؛ أي: [إنكم] (^١) قومٌ آخرون غيرُ أولئك المقرِّين؛ تنزيلًا لتغيُّر (^٢) الصفة منزلة تغيُّر الذات، كقولك: خرجتَ بغير الوجه الذي دخلتَ به، وعدَّهم باعتبارِ ما أُسند إليهم حضورًا وباعتبارِ ما سيُحكى عنهم غيَّبًا، ثم فصَّل ما أُبهم في اسم الإشارة؛ للتسجيل عليهم وتشهيرهم بنقضِ العهد ومخالفةِ الإقرار والشهادة، والإفراطِ في ذلك بالتظاهُر بالإثم والعدوان، فقال:\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (١/ ١٦٠).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.","vol":"1","page":242},{"text":"﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ ويجوزُ أن يكون خبرًا لـ ﴿أَنْتُمْ﴾ و﴿هَؤُلَاءِ﴾ منادى، أو منصوبٌ على الاختصاص للذَّمِّ؛ [أي] (^١): أعني هؤلاء الحاضرين (^٢)، أو تأكيدٌ والخبرُ هو الجملة، أو بمعنى (الذين) والجملةُ صلتُه والمجموعُ هو الخبر.\nويجوز أن يكون (^٣) حالًا والعامل فيها معنى الإشارة.\n﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ حال من فاعل (تُخرجون)، أو مفعولهِ، أو كليهما.\nوالتظاهر: التعاونُ، وأصله: الظَّهْر، وبه يقع الاستناد والاعتماد.\n﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ رُوي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضيرَ حلفاءَ الخزرج، فإذا اقتتلا عاوَن كلُّ فريق حلفاءه في القتل، وتخريب الديار، وإجلاءِ أهلها، وإذا أُسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يَفدوه.\nوقرئ: ﴿أُسْرَى﴾ (^٤) وهو جمعُ أسيرٍ؛ كجرحى وجريح، و(أُسارى) جمعه؛ كسَكْرى وسُكَارى، وقيل: هو أيضًا جمع أسير؛ كما قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدامى، وهو قليل.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (لتغيير)، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٢) وفيه: أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة، والمستقِرُّ من لسان العرب أنه يكون بـ (أيَّتُها) كـ: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، وبالمعرَّف باللام كـ: نحن العرب أقرى الناس للضيف، أو الإضافة كـ: نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وقد يكون بالعَلَم كـ: بنا تميمًا يُكشف الضباب. انظر: \"البحر المحيط\" (٢/ ٢٨٠)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٢٨٧).\n(^٣) أي: قوله تعالى: ﴿تَقْتُلُونَ …﴾.\n(^٤) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٤).","vol":"1","page":243},{"text":"وقال الواحدي نقلًا عن سيبويه: قالوا: كَسْلَى، شبَّهوه بأَسْرى، كما قالوا: أُسارى، شبَّهوه بكُسالى (^١).\nوالأسير: هو المأخوذ قهرًا، وأصل الأسر: الشدُّ، ومَن أُخذ قهرًا شُدَّ غالبًا، فسمِّي المأخوذُ قهرًا أسيرًا وإن لم يُشد.\nوقال أبو عمرو (^٢): الأُسارى: الذين هم في الوَثاق، والأَسرى: الذين هم في اليد وإن لم يكن في الوثاق.\nوقرئ: ﴿تَفْدوهم﴾ (^٣)؛ أي: تُطْلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئًا. قاله أبو علي (^٤).\nوفاديتُ نفسي؛ أي: أطلقتُها بعد أن دفعتُ شيئًا.\nوقد يَجيء فاديتُ بمعنى: فديتُ؛ أي: دفعتُ فيه مِن مالِ نفسي، ومنه قولُ العباس للنبي ﵇: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقيلًا (^٥).\nوهما فعلان يتعدَّيان إلى مفعولين، الثاني منهما بحرف جر؛ تقول: فديتُ زيدًا بمال، وفاديتُه بمال.\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (٣/ ٦٥٠)، و\"الوسيط\" للواحدي (١/ ١٦٩).\n(^٢) هو ابن العلاء أحد القراء السبعة، وكلامه في \"النكت والعيون\" (١/ ١٥٥).\n(^٣) هي قراءة حمزة وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو من السبعة. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٤).\n(^٤) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي (٢/ ١٤٦)، ولفظه: (فادى الأسير: إذا أطلقه وأخذ عنه شيئًا). فكلامه في (فادى) لا في (فدى) كما يوهم سياف المؤلف، وكذا نقله ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (١/ ١٧٥)، وأبو حيان في \"البحر\" (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، والآلوسي في \"روح المعاني\" (٢/ ٢٨٩)، عن أبي علي في معنى: (فادى). وقد وقع في \"ك\": (قال أبو علي) على أن كلامه هو اللاحق لا السابق، لكن سياقه كما ذكرناه هو إلى السابق أقرب.\n(^٥) قطعة من خبر طويل في قسمة مال البحرين رواه البخاري (٤٢١) من حديث أنس ﵁.","vol":"1","page":244},{"text":"قال أبو عليٍّ: كل واحدٍ من الفريقين فَعَلَ: الآسِرُ دَفَعَ الأسير، والمأسورُ منه دفعٌ أيضًا، إمَّا أسيرًا وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف (^١).\n﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض.\nوالضمير للشأن، و(محرَّمٌ) خبر، و(إخراجُهم) مرفوع بـ (محرَّمٌ). ويجوز أن يكون (إخراجُهم) مبتدأً و(محرَّمٌ) خبر مقدم، والجملةُ خبرُ (هو).\nأو مبهمٌ وتفسيرُه (إخراجهم) (^٢).\nأو راجعٌ إلى مصدرٍ دلَّ عليه (تُخرجون)، ويكون (محرَّمٌ) الخبرَ، و(إخراجُهم) بدل من الضمير في (محرَّمٌ) أو من (هو).\nأو تأكيدٌ وبيانٌ؛ كيلا يذهب الوهم إلى أن يرجع ذلك إلى فداء الأسرى.\nوإنما أكد الإخراج بالنص على تحريمه - وإن كان ما سبق أيضًا محرَّمًا - لِمَا فيه من الجلاء والنفي الذي لا ينقطع شرُّه، بخلاف القتل، فإنَّ شرَّه ينقطع في الحال، والمحرَّم الممنوع منه.\n﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ يعني: الفديةَ.\n_________\n(^١) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي (٢/ ١٤٧)، ولفظه: (من قرأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ فلأن من كلّ واحد من الفريقين فِعْلًا، فمن الآسر دفع الأسير، ومن المأسور منهم دفع فدائه، فإذا كان كذلك فوجه ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ ظاهر، والمفعول الثاني الذي يصل إليه الفعل بالحرف محذوف؛ لأن معناه: تفادونهم بالمال).\n(^٢) وهو في هذا الوجه مبتدأ أيضًا، و(مُحَرَّمٌ) خبره و(إِخْراجُهُمْ) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه. انظر: \"روح المعاني\" (٢/ ٢٩١).","vol":"1","page":245},{"text":"﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ يعني: حرمةَ المقاتلة والإجلاء، والاستفهامُ بمعنى الإنكارِ والتوبيخِ والتهديد، وذلك على التفريق بين أحكام الله تعالى، فكأنَّ مرجع الإنكار إلى القيد المستفادِ من لفظ البعض.\n﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فإذا فعلتم ذلك تسبَّب أن لا يكون جزاؤكم في الدنيا إلا خزيٌ، وفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ دلالةٌ على أن التفريق المذكورَ فعلُ بعضهم، والتوبيخ للكلِّ لعدم منع الباقين عنه.\nوالخزيُ: الذلُّ (^١) من الفضيحة، وقد خَزِيَ خِزْيًا فهو خَزٍ.\nوالخَزَاية: الاستحياء، وقد خَزِيَ خَزَايةً فهو خَزْيان (^٢).\nقال المرزوقي: و(أَخْزى) يجوز أن يكون من الخزي: الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية: الاستحياء (^٣).\nوالمراد: قتلُ قُريظة، فإنَّ قتل مقاتِلَتِهم سببٌ لذلِّ ذراريهم، وإجلاءُ النضير، وضرب الجزية على غيرهم.\nو(الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيه واوٌ، لكن أُبدلت فرقًا بين الأسماء والصفات، وإنما قُدم ذكر الجزاء هنا للإشارة إلى بقائهم أحياءً على تلك الحال مدةً مديدةً، وأُخر الجزاء في الآخرة لأنَّه عند انتهاء يوم القيامة (^٤).\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾ معنى الردِّ: الإرجاع، ففيه إشارةٌ إلى أنهم كانوا قبل ذلك\n_________\n(^١) في \"ك\": (الذي).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"م\": (فيه رد لمن قال الخزي يستعمل فيهما. منه).\n(^٣) انظر: \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (ص: ١٧١).\n(^٤) في هامش \"د\" و\"م\": (مبنى هذا على ما تقدم أن المراد من القتل ما يترتب عليه من الذل. منه).","vol":"1","page":246},{"text":"مرةً (^١) أخرى في أشد العذاب، وهو ما في القبر، ثم إن فيه بيانَ أنَّ ما كان في الحياة الدنيا من الخزي غيرُ مكفِّر لذنوبهم.\n﴿إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ أي: إلى عذابٍ لا رَوْحَ فيه لاتِّصال أجزائه، وذلك لأن عصيانهم أشد.\n﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تأكيد للوعيد.\nوقرئ: ﴿يُرَدُّونَ﴾ بالياء اعتبارًا بقوله: ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، وبالتاء اعتبارًا بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ (^٢).\nوقرئ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيضًا بالياء والتاء على الاعتبارين (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-93\"> </span>(٨٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بحظوظها، لا بحياتها، إذ هي لا تفوت عنهم، والاشتراء مستعارٌ لإيثار العاجل الفاني على الآجل الباقي.\n﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يبقى على شدته، معطوفٌ على الصلة من قَبيل عطفِ الجمل، فلا يُشترط اتحاد الزمان.\n﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ بدفعه عنهم.\n_________\n(^١) في \"ف\": (مدة).\n(^٢) القراءة بالياء هي قراءة الجمهور، والقراءة بالتاء تنسب للحسن وابن هرمز وغيرهما. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٢٤٥)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٧٧)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٢٨٩).\n(^٣) قرأ بالياء نافع وابن كثير وأبو بكر، والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ٧٤).","vol":"1","page":247},{"text":"<span id=\"aya-94\"> </span>(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراة.\n﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾؛ أي: جئنا مِن بعدِه بالرسل مُقْتَفِين أثرَه، متَّبعين شريعتَه، يقال: قَفَاه: إذا اتَّبعه من القفا، نحو: ذَنَبه، من الذَّنَب، وقفَّاه به: أَتْبعه إياه، ولولا اعتبارُ معنى (جئنا) على التضمين لضاع قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾.\n﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ لمَّا لم يكن عيسى ﵇ من جملةِ المقتَفين أثرَ موسى ﵇، المتَّبعين شريعتَه، أفردَه بالذكر، وأضافه إلى أمِّه تحقيقًا لعدم نسبته إلى الأب، وفيه رد لقول اليهود حيث نسبوه إلى الأب.\nوعيسى بالعبرية: إيشوع.\nومريم بالسُّريانية: الخادم، وقد جعلتْها أمُّها محرَّرةً لخدمة المسجد، وبالعبرية كالزير من الرجال (^١).\nوقال أبو البقاء: (مريمُ) علَمٌ عجَمي، ولو كان مشتقًّا مِن رامَ يَريم كان مَرِيمًا بفتح الميم وسكون الياء، وقد جاء في الأعلام بفتحِ الياء نحو: مَزْيَد، وهو خلاف القياس (^٢).\n_________\n(^١) قوله: (بالعبرية …) كذا في النسخ، والذي عند البيضاوي والآلوسي: (بالعربية)، وهو الظاهر من، \"القاموس\"، حيث قال في (مادة: ريم): المريم كمقعد: التي تحب حديث الرجال ولا تفجر. قال الآلوسي: قيل: ولا يناسب مريم أن يكون عربيًا؛ لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال، ثم قال: والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربي، بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف.\n(^٢) انظر: \"التبيان\" للعكبري (١/ ٨٨).","vol":"1","page":248},{"text":"﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: الآياتِ الظاهرات (^١)، من قولك: بان؛ أي: ظهر، وما ثبت به الدَّعوى من حيث إفادتُه البيان يسمَّى بيِّنة، ومن حيث الغلبة به على الخصم حجة.\nوالمراد بالبينات (^٢): المعجزات الواضحات؛ كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، أو الإنجيل.\n﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾؛ أي: قوَّيناه (^٣).\n﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ جبريل ﵇، وذلك أنه تَوَلَّد بنَفْخهِ، وأنَّه عصَمه مِن أول حالهِ إلى آخره، فلم يَدْنُ منه الشيطان عند الولادة، ورفَعه إلى السماء حين قصد اليهود قتلَه.\nوالقُدُس: الطَّهارة، وكان الأصل: الرَّوح المقدَّسة، لكن أُضيف الروحُ إلى القُدُس تنبيهًا على زيادةِ اختصاص الروح به؛ لأن مِن شأن الصفة أن تكون منسوبةً (^٤) إلى الموصوف فإذا عكس بإضافته إليها يزيد معنى الاختصاص.\n﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ بما لا تحبُّه، يقال: هَوِيَ - بالكسر - هوًى: إذا أَحبَّ، وهَوَى - بالفتح - هُوِيًّا بالضم: سقط، وإنما أُسند الهوى إلى الأنفس لا إلى ضمير الخطاب إشعارًا بأن حق السيئات أن تُسند إليها.\nوقوله: (كلما جاءكم) مسبَّب عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ولهذا دخلت الفاعلية على تقدير: نحن أنعمنا عليكم ببعثة موسى ﵇، وإيتائه\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (الظاهرة).\n(^٢) قوله: (بالبينات) من \"م\" و\"ك\".\n(^٣) في (م): \"فقويناه\".\n(^٤) بعدها في \"م\": (إليه أي).","vol":"1","page":249},{"text":"الكتاب، ثم أتبعناه الرسلَ، وبإيتاء عيسى ﵇ [البينات]؛ لتشكروا تلك النعم بالتلقِّي بالقبول، فعكستُم بأن كذَّبتم فريقًا وقصدتُم قتلَ آخرين، ثم أَدخل بين السبب والمسبَّب همزةَ التوبيخ والتعجيب لتعكيسهم فيما يجب عليهم.\nويجوز أن يكون استئنافًا والفاءُ للعطف على مقدَّر، فعلى هذا ما عقبوا الإيتاء محذوف، وهو قوله: ففعلتم ما فعلتم، وهو كناية عن التكذيب والقتل، وغير ذلك من قبائحهم وعنادهم، ثم استأنف الكلام موبخًا لهم مصدِّرًا الجملة بهمزةِ الإنكار، على تقدير: أكفرتم وخالفتم فكلما جاءكم رسول، ويرجح هذا أنه حينئذ بين التقريع والتوبيخ إجمالًا وتفصيلًا (^١).\n﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾؛ أي: عن قبول ما أتى به مما لا تحبُّه أنفسكم - على تضمين الاستكبار معنى الإباء - لا عن الإيمان به؛ لأنهم كانوا مصدِّقين بعضَ مَن (^٢) جاء من بعد موسى ﵇ من الرسل؛ كيوشع وداود وسليمان ﵈ (^٣).\n﴿فَفَرِيقًا﴾؛ أي: فريقًا منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ يريد به التكذيبَ من غير قتلٍ، بقرينةِ تفريق هذا عن قرينهِ، وإلا فمطلَقُ التكذيب ينتظمُها (^٤)، والفاء للسببية أو التعقيب.\n﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ أي: فريقًا آخر.\n﴿تَقْتُلُونَ﴾ حالٌ ماضيةٌ أُريد استحضارها وتصويرُها لشدة فظاعتها ونُكْرها، فأخرجها مُخرج الحال المشاهَدة، أو قُصد الدلالةُ على أنهم بعدُ فيه؛ لأنهم كانوا\n_________\n(^١) انظر: \"فتوح الغيب\" للطيبي (٢/ ٥٦٨)، وما سلف بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (م) و(ك): \"ما\".\n(^٣) في هامش \"د\" و\"م\": (الظاهر من السياق أن المراد من جاء من بعده، فلا يدخل هو في المكذَّبين. منه).\n(^٤) في \"ف\": (ينتظمهما).","vol":"1","page":250},{"text":"حولَ قتل محمد ﵇ لولا العصمةُ من الله تعالى، ولهذا سحروه وسَمُّوا الشاة له، ثم إن فيه محافظةً على الفاصلة، وإنما لم يذكر تكذيبهم هذا الفريقَ استغناءً بذكر أقبح الفعلين عن الآخَر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-95\"> </span>(٨٨) - ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: جمع أغلفَ، وهو الذي لم يُختن، مستعارٌ للقلوب المغشَّاة بالأغطية خلقةً وجِبِلَّةً؛ أي: مجبولةٌ على صفةٍ لا يَتوصَّل إليها ما جاء به محمد ﵇، وقد أفصحَ عن هذا في موضعٍ آخر بقوله: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] والقرآن يفسِّر بعضُه بعضًا (^١).\nوفي القراءة الشاذة: (غُلُفٌ) بضم اللام (^٢): جمعُ غلافٍ، وهو الغشاءُ والوعاءُ؛ كالشهاب والشُّهب، معناه: قلوبنا أوعيةُ العلم تفهم وتعي ما يقال وتخاطَبُ به، ولكن لا تفهم ما تقول ولا تفقه ما تحدِّث، فلو كان حقًّا وصدقًا لفهمت وفقهت (^٣)، يدَّعون به إبطالَ ما يقول، أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ويأبى عن حمل القراءة المتواترة على هذا التصريح بالمعنى الأول في موضع آخر (^٤).\n_________\n(^١) في هامش \"د\": (ض: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مغشاة بأغطية خَلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، وقيل: أصله: غُلُف، جمع غلاف فخفف، والمعنى: أنها أوعية للعلم لا تسمع علمًا إلا وعته، ولا تعي ما تقول. أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. وهو منقول من البيضاوي.\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (وتفهمت).\n(^٤) في هامش \"د\" و\"م\": (والتوفيق بين المتواترتين مقدم على التوفيق بين المتواترة والشاذة. منه).","vol":"1","page":251},{"text":"﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: ليست قلوبهم كذلك خلقةً؛ لأنها خُلقت على الفطرة، بل طردهم الله وأبعدهم عن قبول ذلك بسبب كفرهم واحتجابهم بالعقائد الفاسدة، فهم الذين غلَّفوا قلوبهم بما أسقطها عن الفطرة، أَثبت اللعنَ من نفسه والكفر منهم، وهو مذهب أهل السنَّة والجماعة.\nوالمعنى على القراءة الشاذة: بل أنتم مبعَدون عن حيِّز العلم بشؤم كفركم، لستُم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقَبِلْتم هذا وعمِلْتم به.\n﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فإيمانًا قليلًا تؤمنون، وهو إيمانهم ببعض الكتاب، و(ما) مزيدةٌ للتأكيد لا نافيةٌ لأنَّ ما في حيِّزها لا يتقدَّمها، وجوِّز أن تكون مصدريةً على أن (قليلًا) منصوب بنزع الخافض، ويجوز أن تكون المبالغةُ في القلة كنايةً عن العدم، بناء على أن التقليل (^١) إذا بولغَ فيه يستتبعُه العدم (^٢)، وحينئذ يجوز أن يكون انتصاب (قليلًا) على الظرفية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-96\"> </span>(٨٩) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ﴾ أي: القرآن.\n﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ زيادة ﴿عِنْدِ﴾ لتعيين معنى النزول، فإن كلَّ شيء من الله تعالى.\n﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من كتابهم، وفي مصحف أبيٍّ ﵁: (مصدقًا)\n_________\n(^١) في \"م\": (القليل).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"ف\" و\"م\": (وقيل: القلة بمعنى العدم للتهكم والسخرية، كقولك لمن يدعي القدرة على المحال: قلما يجمع الله بين الليل والنهار، تريد ظهور استحالته. منه).","vol":"1","page":252},{"text":"بالنصب (^١) على الحال من ﴿كِتَابٌ﴾ تخصَّص (^٢) بالوصف، وحُذف جواب (لمَّا) لدلالة جواب (لمَّا) الثانيةِ عليه.\nوقيل: (لمَّا) الثانيةُ تكرار للأولى، والفاءُ للإشعار بأن مجيئه كان عقيبَ استفتاحهم به، ولا بُعْدَ فيه؛ لأن ما عرفوا (^٣) حاصل الكتاب.\n﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ مجيء الكتاب.\n﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يستنصرون.\n﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المشركون الذين يقاتلونهم ويقولون: اللهمَّ انصرنا بنبيِّ آخِرِ الزمان المنعوت في التوراة.\nأو: يفتحون عليهم ويعرِّفونهم أن نبيًّا يبعث منهم وقد قرب زمانه، والسينُ للمبالغة كأنهم يطلبون الفتح من أنفسهم كما في ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢] ونحوِه (^٤)، وذلك لأن الفعل مع الداعي والطلب يكون أقوى فجرد لها، أو لأنَّه لما كان الفعل حاصلًا يكون الطلب للزيادة.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ من الكتاب والنبي ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ حسدًا وخوفًا على الرئاسة.\n﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: عليهم، على أن التعريف للعهد كما هو\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٣٠٣)، وهي عند ابن خالويه عن ابن مسعود ﵁.\n(^٢) في \"ك\"و\"م\": (تخصيص).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (عرفوه).\n(^٤) في هامش \"د\" و\"ف\" و\"م\": (القاضي لم يصب في قوله: والإشعار. منه).","vol":"1","page":253},{"text":"الأصل، فلا يُعدل عنه إلى الجنس إلا عند التعذُّر، على أن الفاء تأبى عن الحمل على الجنس، والإظهارُ في موضع الإضمار للدلالة على أن استحقاقهم اللعنةَ لثباتهم على الكفر، وكلمةُ (على) أوقعُ من اللام؛ لمَا فيها من الدلالة على أنه تعالى جعل اللعنة متعلِّيةً (^١) عليهم جلَّلهم بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-97\"> </span>(٩٠) - ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (ما) نكرة موصوفة مفسِّرة لفاعلِ (بئس) المستكن؛ أي: بئس شيئًا اشتروا به أنفسَهم؛ أي: باعوها، أو اشتروا بحسب زعمهم، فإنهم زعموا أنهم خلَّصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا، والمراد كفرُهم في الماضي، إلا أنه عبر عنه بصيغة المضارع استحضارًا لذلك الأمر القبيح.\n﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو المخصوص بالذم.\n﴿بَغْيًا﴾؛ أي: حسدًا.\nقال اللِّحياني (^٢): بغَيتَ على أخيك بغيًا؛ أي: حسدتَه، فالبغيُ أصله الحسد، والباغي هو الظالم الذي يفعل ذلك عن حسد، وأما بَغَى بمعنى طلب فمصدرُه بُغاءٌ بضم الباء، وبغَتْ بمعنى فَجَرتْ مصدره بِغاءٌ بالكسر.\n_________\n(^١) في \"ك\": (منقلبة)، وفي \"م\": (متغلبة).\n(^٢) عليّ بن المُبَارك - وقيل: ابن حازِم - أبو الحسن اللحياني، أَخذ عن الكسَائي وأبي زيد وأبي عَمْرو الشَّيْبَانيّ والأصمعي وأبي عُبَيْدَة، وعمدته على الكسَائي. وأخذ عنهُ القاسم بن سلام، وله \"النَّوَادِر\" المشهورَة. انظر: \"بغية الوعاة\" (٢/ ١٨٥).","vol":"1","page":254},{"text":"وهو علة ﴿اشْتَرَوْا﴾ لا ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾، إذ المعنى على ذمِّ الكفر الذي أُوثر على الإيمان بغيًا، لا على ذمِّ الكفر المعلَّل بالبغي، وأما الفصلُ فليس بما هو أجنبيٌّ؛ لأن الموصوف والصفة (^١) في حكم الاتحاد، وكذا التمييز والمميَّز فما لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى فاعل فعل الذم لا يكون أجنبيًا بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييزُ ذلك الفاعل.\nثم إنه لا ريبةَ في أن إيثار الكفر على أنفسهم بغيًا وعنادًا أدخل في الذم من إيثارهم الكفرَ الناشئ عن البغي على أنفسهم؛ إذ لا يتعيَّن حينئذ كونُ الإيثار عنادًا وبغيًا (^٢)، فيحتمل أن يكون لوجه يخفُّ به استحقاق الذم، فالفرق (^٣) واضح.\n﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ لِأَنْ ينزِّل، أو: حسدوه على أن ينزِّل الله.\n﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: بعضَ فضله الذي هو الوحيُ، أو الشيءَ الذي هو فضله.\n﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: على من اختاره للرسالة.\n﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: صاروا أَحقَّاء بغضبٍ مترادفٍ متراكمٍ بعضُه على بعضٍ لكفرهم بنبيِّ الحق وبغيهم عليه، أو كفرهم بمحمد ﵇ بعد كفرهم بعيسى ﵇، وغيرِ ذلك من أنواع كفرهم، والاستحقاق معتبرٌ في مفهوم باء على ما تقدَّم بيانه، ودلالة الفاء على سببية الاشتراء المذكور لذلك الاستحقاق لا على الاستحقاق (^٤).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"الصلة والموصول\".\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (عنادًا بغيًا).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (والفرق).\n(^٤) في هامش \"د\": (رد لشراح الكشاف. منه)، ومثله في هامش \"ف\" و\"م\"، لكن وقع في الأولى: (لشارح) وفي الثانية: (لصاحب).","vol":"1","page":255},{"text":"وقوله: ﴿بِغَضَبٍ﴾ حالٌ، و﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ صفة له.\n﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يراد (^١) به إذلالهم، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص، فإن عذاب العاصي من المؤمنين طُهرةٌ لذنوبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-98\"> </span>(٩١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أي: بجميع الكتب الإلهية.\n﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ خصَّصوا إيمانهم بالتوراة.\n﴿وَيَكْفُرُونَ﴾ حال عن (^٢) الضمير في ﴿قَالُوا﴾ على حذف المبتدأ، وتقديره: وهم يكفرون، أو تجويزِ الواو في المضارع المثبت.\n﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ قال الأزهري: إن (وراء) يصلح لِمَا قبله ولمَا بعده (^٣)، لا لأنَّه وضع لكلٍّ منهما على حِدَةٍ، بل لأن معناه: ما توارى عنك؛ أي: استتر (^٤)، وهو موجود فيهما، وهو في الأصل مصدر جعل ظرفًا يضاف إلى الفاعل والمفعول.\nقيل: فيراد على الأول الخَلف، وعلى الثاني القدَّام، وفيه نظر (^٥).\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (يريد).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (من).\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"ف\": (وعلى وفق هذا قال صاحب الكشاف في تفسير سورة الجاثية. منه).\n(^٤) ذكره بنحوه عن الأزهري تلميذه الهروي في \"الغريبين\" (مادة: ورا). وجاء في هامش \"د\" و\"ف\" و\"م\": (رد للجوهري ولمن تبعه في قولهم: إنه [من] الأضداد. منه).\n(^٥) في هامش \"ح\" و\"ف\": (ستقف على وجهه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾. منه).","vol":"1","page":256},{"text":"﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الضمير لي (ما وراءه) الشاملِ للإنجيل والقرآن، وإنما وحِّد لتوحُّد (^١) اللفظ.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ حال مؤكِّدة تتضمن (^٢) الردَّ لإيمانهم بالتوراة؛ لأنهم لمَّا كفروا بما يصدِّقها حيث نزل (^٣) على حسب ما نُعت فيها فقد كفروا فيها.\nوالجملةُ حال من (ما وراءه)، وتعريفُ الخبر (^٤) لزيادة التوبيخ والتجهيل، بمعنى: أنه خاصةً هو الحق الذي يقارن تصديق كتابهم، ولولا الحال - أعني: ﴿مُصَدِّقًا﴾ - لم يستقم الحصر؛ لأنَّه في مقابلةِ كتابهم وهو أيضًا حقٌّ.\n﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الفاء جواب شرطٍ مقدَّرٍ دل عليه المعنى؛ أي: قل لهم: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلمَ تقتلون أنبياء الله، فإن ذلك المنزَل ينهى عنه، وإنما قال: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ حكايةً للحال الماضية (^٥)؛ كأنه قيل: فلمَ كنتم تقتلون.\nوإنما أسنده إليهم لأنَّه فعل آبائهم، وهم راضون به، عازمون عليه.\nويجوز أن يكون المعنى على التضمين: فلمَ ترضَون قتل الأنبياء وتعزمون عليه، وحينئذ يتضح وجه الاعتراض.\nو(لم) أصله: لِمَا، وسقطت الألف، وهذا السقوط خُص بالاستفهامية؛ لأنها\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (بتوحيد).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (تقتضي).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (تنزل).\n(^٤) في \"م\": (الحق).\n(^٥) في \"ح\" و\"ف\": (لحال ماضية).","vol":"1","page":257},{"text":"تامةٌ فألفها طرفٌ والأطراف محلٌّ للحذف وغيره من التغيير، بخلاف الموصولة فإنها ناقصةٌ تحتاج إلى ما تُوصَل به، وهي وما تُوصَل به كاسمٍ واحد، فألفها في حكم المتوسط.\n* * *\n\n<span id=\"aya-99\"> </span>(٩٢) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الواضحة، ويدخل فيها فَلْقُ البحر، وهو خارج عن الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] لأن المراد منها (^١) ما جاء به موسى ﵇ إلى فرعون، على ما تقف عليه في موضعه بإذن الله تعالى، فلا وجه (^٢) لحمل البينات المذكورة على الآيات التسع.\n﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: إلهًا، ولفظة (ثم) أبلغ من الواو في التقريع؛ لأنها تدل على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلةٍ من النظر في الآيات، وذلك أعظم ذنبًا.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: من بعدِ مجيء موسى ﵇ لكم بالبينات، لا من (^٣) بعد مجيئه أو ذهابه إلى الطور؛ لعدم انْفِهامه من سياق الكلام.\n﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ حال؛ أي: واضعون العبادةَ غيرَ موضعها، أو: ظالمون بالإخلال بآيات الله تعالى، ويجوز أن يكون من قبيل: اتَّخذ خاتمًا، بمعنى: صنَعه\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (بها).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (فلا حاجة).\n(^٣) (من): ليست في \"ك\" و\"م\".","vol":"1","page":258},{"text":"وعَمِله، ففائدةُ الحال ظاهرةٌ؛ لأن الاتخاذ بهذا المعنى لا يكون ظلمًا إلا حالَ كونه مقرونًا بالعبادة، وعلى الأول فائدتُه زيادةُ التوبيخ والتقبيح.\nأو اعتراض بمعنى: أنتم قوم عادتكم الظلم، ومساقُ هذا أيضًا لإبطال قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ والتنبيهِ على أن طريقتهم مع الرسول ﵇ طريقةُ أسلافهم مع موسى ﵇، لا لتأكيد القصة بالتكرير، وكذا ما بعده:\n* * *\n\n<span id=\"aya-100\"> </span>(٩٣) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ ويجوز أن يكون تكرير هذا لما نيطَ به من زيادة ليست مع الأول.\n﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: أطيعوا، فإن الأمر بالسماع في العُرف يفيد الإجابةَ والقبول، ومنه: سمع الله لمن حمده (^١)؛ أي: قَبِلَ وأجاب (^٢)، قال:\nدعوتُ الله حتى خفتُ أن لا … يكونَ اللهُ يَسمعُ ما أقول (^٣)\nأي: يقبل.\nوهم حملوه على المفهوم اللُّغوي تجاهُلًا وتعامِيًا عنادًا منهم.\n_________\n(^١) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (فلم يصب من اعترض هاهنا وأجاب. منه).\n(^٢) بعدها في \"ك\" و\"م\": (لمن).\n(^٣) البيت لشمير بن الحارث الضبي، وهو في \"النوادر\" لأبي زيد (ص: ١٢٤)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٥١٦)، و\"الزاهر\" لابن الأنباري (١/ ٦٠)، و\"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٥٥).","vol":"1","page":259},{"text":"﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾؛ أي: القولَ ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: الأمرَ.\nقال الإمام القرطبي: اختلف: هل صدَر منهم هذا القولُ، أو فعلوا فعلًا قام مقامه فيكونَ مجازًا (^١)؟\nوقال الإمام أبو منصور: قولهم: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ لم يكن على أثر قولهم: ﴿سَمِعْنَا﴾، لكن بعده بأوقات، فإنهم لمَّا أبوا قبول التوراة لِمَا فيها من الشدائد رفع اللّه تعالى الجبل فوقهم، فقبِلوها خوفًا وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبل وآمنوا قالوا: عصينا، وهو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات (^٢).\n﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾؛ أي: تَداخَلَهم حبُّه، ورسخ في قلوبهم صورتُه؛ لفَرْط شغفهم به، وهذا كما يقال: أُشرب الثوبُ الصبغَ: إذا تداخَل الصبغُ أجزاءه تداخُلَ الماء أعضاءَ الشارب، كأنه جُعل شاربًا إياه (^٣).\nوفي العدول عن الظاهر - وهو: أشرب قلوبُهم حبَّ العجل - إلى ما عليه المنزل ما لا يخفى من الفخامة والإبهامِ، والتفسيرِ من وجه، والمبالغةِ في الإسناد إلى الكل، والدلالة على التمكن المستفاد من الظرفية، وأن العجل نفسَه هو المشرَب مبالغةً في إشراب الحب، إلى غير ذلك.\n﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم؛ لِمَا مرَّ (^٤) أنهم كانوا مجسِّمةً وحلوليَّةً (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٥٥).\n(^٢) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" للماتريدي (١/ ٥١٢).\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"ف\" و\"م\": (وعلى هذا عدم اتجاه ما في الكشاف من السؤال والجواب واضح. منه).\n(^٤) كلمة: (مر) ليست في \"ك\".\n(^٥) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (القول بالتجسم لا يكون بدون القول بالحلول، إذ لا شبهة في حدوث العجل. منه).","vol":"1","page":260},{"text":"﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾؛ أي: بالتوراة، إذ ليس فيها عبادةُ العجاجيل، وإضافةُ الأمر إلى إيمانهم (^١) تهكُّم، وكذلك إضافة الإيمان.\nأمَّا الثاني: فظاهر؛ كما في قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، تحقيرًا واسترذالًا، ودلالةً على أن مثل هذا لا يليق أن يسمى إيمانًا إلا بالإضافة إليكم، وليس المراد أنه استعارةٌ تهكمية.\nوأمَّا الأول: فلأنَّ الإيمان إنما يأمر ويدعو إلى عبادةِ مَن هو غايةٌ في العلم والحكمة، فالإخبارُ بأن إيمانهم يأمر بعبادةِ مَن هو غايةٌ في البَلادة غايةُ التهكُّم والاستهزاء (^٢)، سواءٌ جعل (يأمر به) بمعنى: يدعو إليه، أو لا، وسواءٌ قصد الإسناد إلى السبب الباعثِ مجازًا كما قد يتوهم، أو لا كما هو الحق.\nوالمخصوصُ بالذم محذوف نحو: هذا الأمرُ، أو ما يعمُّه وغيرَه من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزامًا عليهم.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ليس للشك من المتكلِّم، لا لاستحالته لأن المأمور (^٣) بهذا القول مما يصح منه الشك، بل لعدم مطابقته للواقع (^٤).\nولا للتشكيك إذ لم يعهد استعمال (إن) لتشكيك السامعين (^٥)، بل لتقرير القدح في دعواهم الإيمانَ بالتوراة،\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (إيمانكم).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (التهكم كما يكون بطريق الاستعارة كذلك يكون بطريق آخر مفسر. منه).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (الأمر).\n(^٤) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (رد لسعد الدين).\n(^٥) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (رد لصاحب الكشاف).","vol":"1","page":261},{"text":"وذلك أن (^١) القائل قد يأتي بالشرط وهو جازمٌ بعدم وقوعه إقامةً للحجة بقياسٍ بيِّنٍ؛ كما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦].\nوتقديره: إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به أيمانكم بها؛ لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذًا لستم بمؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-101\"> </span>(٩٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ المراد من الدار الآخرة: الجنةُ، وإنما قال: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشريفًا لها، وتنبيهًا على أنها في عالَم الغيب.\n﴿خَالِصَةً﴾ صافيةً عن شوب (^٢) خطر التخلُّف؛ لعدم احتمال الزوال لِمَا هو سبب الاستحقاق، وهو كونهم أبناءَ الله وأحباءَه في زعمهم.\nأصل الخلوص: الصفوة، والإخلاص: تصفيةُ السرِّ والقولِ والعملِ، إلا أنه ضمِّن معنى الاختصاص على ما ستقف عليه.\nوهو نصب على الحال من ﴿الدَّارُ﴾ عند مَن جوَّز مجيء الحال من اسم (كان)، وأما عند مَن لم يجوِّزه فهو حال من الضمير المستتر في الخبر العائد إلى ﴿الدَّارُ﴾، ومرجع الخلاف إلى أن اسم (كان) هل هو فاعل أو لا؟\n﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿خَالِصَةً﴾ باعتبارِ تضمُّنه معنى الاختصاص، و(دونَ) لفظٌ يُستعمل للاختصاص وقطعِ الشركة، تقول: هذا لي دون لك، أو: مِن\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (لأن).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (شؤم).","vol":"1","page":262},{"text":"دونك؛ أي: لا حق لك فيه ولا نصيب، وفي غير هذا الاستعمال يأتي بمعنى الانتقاص في المنزلة أو في (^١) المكان أو المقدار (^٢).\nفإن قلتَ: أليس قد استُفيد معنى الاختصاصِ من تقديم الظرف؟.\nقلتُ: نعم، إلا أنه يَحتمِلُ أن يراد به الاختصاصُ بجنسِ المخاطَبين، فلا قطعَ فيه بالمعنى المقصود.\nفإنْ قلتَ: لا وجه لدعوى الاختصاص مطلقًا؛ لأنهم لا ينكرون أن من مات قبل حدوث اليهودية على شريعة إبراهيم ﵇ يدخل الجنة.\nقلتُ: ذلك إذا كان معنى الخلوص الاختصاصَ، وأمَّا إذا كان معناه الصفاءَ عن شوب (^٣) خطرِ التخلُّف، فلا بُعدَ في أن يدَّعوا اختصاصَ دخول الجنة مقيَّدًا بتلك الحال لأنفسهم مطلقًا (^٤).\nوأيضًا تفرُّع الأمر بالتمني الآتي ذكرُه إنما يصح على اعتبارِ الخلوص بالمعنى المذكور.\nوالظاهر أن المراد من ﴿النَّاسِ﴾ سائرُ الأمم، لا سائرُهم مطلقًا حتى يَنتظِم الأنبياءَ ﵈، إذ هم لا ينكرون الأنبياء المتقدمين كنوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈، ولا دلالة في قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] على ما ذكر؛ لأن المفهوم منه اختصاصُ الجنة بهم لا\n_________\n(^١) (في): ليست في \"ك\" و\"م\".\n(^٢) في \"ك\": (أو القدر)، وليست في \"م\".\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (شؤم).\n(^٤) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (من هنا ظهر ما في الكشاف ومن حذا حذوه من الخلل فتأمل).","vol":"1","page":263},{"text":"اختصاصُهم بالجنة، وما يصلح منشأً للتمني المذكور إنما هو الثاني دون الأول على ما نبَّهت عليه آنفًا.\n﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأن مَن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقَها وأحبَّ التخلُّص إليها من الدار ذات النوائب (^١)، ولا يذهبْ عليك أن هذا الايقانَ على تقدير أنْ يكون معنى الخلوصِ ما ذكرناه، لا ما ذكره القوم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-102\"> </span>(٩٥) - ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بما أسلفوا من الكبائر الموجِبة لدخول النار، وإنما أُسند التقديم إلى اليد لأنها أعظمُ الأعضاء في التصرُّف.\nوعن النبيِّ ﵇: \"لو تمنَّوا الموتَ لغَصَّ كلُّ إنسانٍ برِيقِه فمات مكانَه، وما بقيَ على وجهِ الأرضِ يهوديٌّ\" (^٢).\nوالمراد بالتمنِّي قول القائل: ليتني متُّ، لا معناه في القلب، دل عليه قوله ﵇: \"غص بريقه\"، وأن التحدِّيَ لا يمكن بالأعمال القلبية لخفائها، ولو كان المراد المعنى القلبيَّ لكان يمكنهم (^٣) أن يقولوا: (تمنَّينا) كاذبين، ولو ادَّعوا مع ذلك لنُقل إلينا؛ لتَوفُّر دواعيهم على النقل مع كثرتهم، ولو نُقل لاشتَهر.\n_________\n(^١) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (الشوائب).\n(^٢) رواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٦/ ٢٧٤) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا بنحوه. ورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٢٢٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (١٠٩٩٥) عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: \" .. وإن اليهود لو تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار .. \". وذكر الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٧٢٤) أن الخبر عند البخاري من رواية الإسماعيلي موقوف على ابن عباس.\n(^٣) في \"ك\": (تمنيهم).","vol":"1","page":264},{"text":"وكذا قول أحدهم: ليتني متُّ، لم ينقل مع كثرة اليهود وغيرهم من الطاعنين في الإسلام كما نقل سائر المطاعن، فهذه الجملة إخبارٌ بالغيب صادقًا كقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ تهديد لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-103\"> </span>(٩٦) - ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ مِن وَجَدَ بمعنى عَلِمَ المتعدِّي إلى المفعولين، وهما: (هم) و(أحرصَ).\nوتنكيرُ (حياةٍ) (^١) للدلالة على نوعٍ من الحياة متطاوِلةٍ، ولذلك كانت القراءة بها أوقعَ من قراءة: (على الحياة) (^٢).\n﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إمَّا أن يكون معطوفًا على ﴿النَّاسِ﴾ محمولًا على المعنى؛ لأن المعنى: أحرصَ من باقي الناس، وإمَّا يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة ﴿أَحْرَصَ﴾ عليه.\nوعلى الوجه الأول الأولى: إنما خُصَّ المشركون بالذكر لاختصاصهم من بينِ الناس بزيادة الحرص على الحياة الدنيا؛ لعدم إقرارهم بالبعث، فكأنهم نوعٌ آخَرُ غيرُ الناس، ففي إفرادهم بالذكر زيادةُ توبيخ وتقريع لأهل الكتاب؛ لأنَّه لمَّا زاد حرصهم\n_________\n(^١) في \"م\": (الحياة).\n(^٢) تنسب إلى أبي ﵁. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٦٨)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٣٣٦).","vol":"1","page":265},{"text":"- وهم مقرُّون بالجزاء - على حرص المنكرين دلَّ ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار.\nوقيل: (من الذين أشركوا) كلام مبتدَأٌ على حذف الموصوف؛ أي: ومن الذين أشركوا أناسٌ ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، على أن المراد بـ (الذين أشركوا) المجوس؛ لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: هزار سال بزي؛ أي: عِشْ ألف سنة، فالجملةُ (^١) على هذا صفةُ محذوفٍ، وعلى الأوَّلينِ استئنافٌ لبيانِ زيادة حرصهم.\n﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ حكايةٌ لوِدَادتهم على طريق الالتفات؛ لأن (لو) للتمنِّي، وكان القياس: لو أُعمَّرُ، لتطابق الحكايةُ المحكيَّ، إلا أنه جرى على لفظِ ﴿يَوَدُّ﴾ بالغيبة؛ كقولهم: حلف بالله ليفعلن.\nومفعول ﴿يَوَدُّ﴾ محذوف كالمنسي (^٢)، إجراءً للفعل المتعدِّي (^٣) مُجرى اللازم؛ أي: يصدر من أحدهم الوِدادة المطلَقة، فيكون ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ توضيحًا بعد الإبهام؛ للإيقاع في النفس.\nويجوز أن تكون ﴿لَوْ﴾ هذه مصدريةً بمنزلةِ (أنْ) لتأكيد معنى الوِدادة، فيكون مفعولًا لـ ﴿يَوَدُّ﴾، والضمير في: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ لـ ﴿أَحَدُهُمْ﴾، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾؛ أي: وما أحدهم بمن يزحزحُه (^٤) من النار تعميرُه.\nوقيل: الضمير لِمَا دلَّ عليه ﴿يُعَمَّرُ﴾ من مصدره، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بدلٌ منه.\nويجوز أن يكون ﴿هُوَ﴾ مبهَمًا، و﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ موضِّحه.\n_________\n(^١) أي: جملة ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾.\n(^٢) في \"ك\": (كالعيش)، وفي \"م\": (كأعيش).\n(^٣) (المتعدي) من \"ح\" و\"ف\".\n(^٤) في (م): \"أحدهم بمزحزحه\".","vol":"1","page":266},{"text":"والزحزحة: التبعيدُ والإنحاء.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالياء جريًا على الغَيبة، وبالتاء على سبيل الالتفات (^١)، وكني بالبصير عن العليم (^٢) مبالغةً في إدراكِ الخفيَّات، وفيه تهديدٌ ووعيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-104\"> </span>(٩٧) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ نزل في عبد الله بن صوريا من أحبار فدك، حاجَّ رسول الله ﵇ وسأله عمَّن ينزَّل عليه، فقال: \"جبريل\"، فقال: ذاك عدوُّنا، عادانا مرارًا وأشدُّها أنه أَنزل على نبيِّنا أن بيت المقدس سيخرِّبه بختنصَّر، فبعثْنا مَن يقتلُه، فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربُّكم أمره بهلاككم (^٣) فلا يسلِّطكم عليه، وإلا فبِمَ تقتلونه (^٤).\n_________\n(^١) قرأ بالتاء يعقوب من العشرة، والباقون بالياء. انظر: \"النشر في القراءات العشر\" (٢/ ٢١٩).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (بالبصر من العلم).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (أمره بهذا الحكم).\n(^٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (١/ ٢٣٨)، وتلميذه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٣٠)، وتلميذه البغوي في \"تفسيره\" (١/ ١٢٤)، عن ابن عباس ﵄، وعندهم زيادة حسنة، حيث قالوا: (.. فلما كان وقته بعثنا رجلًا مَن أقوياء بني إسرائيل في طلب بختنصّر ليقتله، فانطلق يطلبه حتى لقيه ببابل غلامًا مسكينًا ليست له قوة. فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبريل ..). وذكره أيضًا الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ١٦٩)، والبيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ٩٦) وعنه نقل المؤلف. قال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ٩): هكذا ذكره الثعلبي والو احدي والبغوي، فقالوا: روى ابن عباس: أن حبرًا …، ولم أقف له على سند، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عنه.","vol":"1","page":267},{"text":"وقيل: دخل عمرُ ﵁ مدارس اليهود يومًا فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذاك عدونا يُطْلع محمدًا ﵇ على أسرارنا، وإنه صاحب كل خسفٍ وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال: وما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين، ولأنتم أكفرُ من الحمير، ومَن كان عدوَّ أحدهما فهو عدو الله تعالى، ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال ﵇: \"لقد وافقك ربُّك يا عمر\" (^١).\nوفي (جبريل) ثمانُ لغات قرئ بهن:\nأربع في المشهورات: (جَبْرَئيل) كسلسبيل، و(جَبْرَئِل) بحذف الياء و(جَبْريل) و(جِبْريل) بفتح الفاء وكسرها وحذف الهمزة (^٢).\nوأربع في الشَّواذِّ: (جَبْرَائيل) و(جَبْرائِل) بالمد فيهما وحذفِ الياء في الثانية، و(جبرائلّ) بحذف الياء وتشديد اللام، و(جِبْرين) (^٣).\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٢٨٧ - ٢٩١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ١٨١)، من طريق الشعبي عن عمر ﵁ به. وذكره الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ١٦٩)، والبيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ٩٦) وعنه نقل المؤلف. قال السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٣٣): صحيح الإسناد، ولكن الشعبي لم يدرك عمر. قوله: (المدارس) قال الشهاب في \"حاشيته على البيضاوي\" (٢/ ٢١١): بيت اليهود الذي يدرسون به كتبهم، جمع مدراس.\n(^٢) انظر هذه القراءات في \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد (ص: ١٦٦)، و\"التيسير في القراءات السبع\" للداني (ص: ٧٥)، و\"النشر\" (٢/ ٢١٩).\n(^٣) انظر هذه القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" لابن خالويه (ص: ٨)، و\"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات\" لابن جني (١/ ٩٧)، و\"الكشاف\" (١/ ١٦٩)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٨٣)، و\"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٦٢)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٣٤٥)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٣٣١). وفي الكلمة لغات أخر، فقد عد لها القرطبي عشرًا، وأبو حيان والآلوسي ثلاثة عشر.","vol":"1","page":268},{"text":"قال ابن جِنِّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلَّطت فيه (^١).\nومُنع صرفُه للعُجمة والتعريف، ومعناه: عبد الله.\nو﴿مَنْ﴾ للشرط، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ تعليل للجزاء قام مقامه، والبارز الأول لـ (جبريل) ﵇؛ أي: فلا وجه لعداوته.\n﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾؛ أي: القرآن، وإضمارُه غيرَ مذكور يدلُّ على فخامةِ شأنه؛ كأنه لتعيُّنه وفَرْطِ شُهرته يدلُّ على نفسه، ويُستغنى بذكر شيء من صفاته عن التصريح باسمه.\n﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لأنَّه القابل الأول للوحي، ومحلُّ الفهم والحفظ، وحرفُ الاستعلاء للدلالة على أن المنزَل يأخذ بمجامع قلبه، وكان الظاهر أن يقول: على قلبي، لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.\n﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره، حالٌ من فاعل (نزَّل).\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حال من ضمير القرآن.\nوكذا: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: فحقُّه أن يحبوه ويشكروا له صنيعَه؛ لإنزاله ما يصدِّق كتابهم، أو جميعَ الكتب المنزلة قبله، ويهديهم ويبشِّرهم؛ أي: إن كانوا مؤمنين به (^٢).\nويجوز أن يكون المعنى: مَن عادى جبريل فالسببُ في عداوته أنه نزَّل القرآن على قلبك مصدِّقًا لِمَا بين يديه موافقًا إياه، وهم يكرهون القرآن خوفًا من فوات رئاستهم، ولهذا يحرِّفون كتابهم وينكرون موافقتَه إياه؛ كقولك: إن عاداك فلان فقد\n_________\n(^١) انظر: \"المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات\" لابن جني (١/ ٩٧).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (له).","vol":"1","page":269},{"text":"آذيتَه، أو خوفَ افتضاحهم؛ لأنَّه يكشف عن أسرارهم من تحريف التوراة وكتمان نعتِ الرسول ﵇ وعداوة المؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-105\"> </span>(٩٨) - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾\n﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ أراد بعداوةِ الله تعالى: مخالفةَ أمره (^١) عنادًا، أو معاداةَ المقرَّبين من عباده، وصدَّر الكلام بذكره على طريقة التمهيد تفخيمًا لشأنهم؛ كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾.\n﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ من بني آدم والملائكة، ولو لم يكن المراد من الرسل ما يعم الرسول من جنس الملائكة لَمَا حَسُنَ الفصل بها بينهم وبين ما خُصَّ منهم بالذكر.\n﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ خصَّهما بالذكر مع اندراجهما تحت عموم الملائكة والرسل لفضلهما وكرامتهما؛ كأنَّ كلَّ واحد منهما جنسٌ برأسه؛ تنزيلًا لتَغايُر الوصف منزلةَ تَغايُر الذات (^٢)، وتنبيهًا على أن معاداة الواحد والكلِّ سواءٌ في الكفر، واستجلابِ العداوة من الله تعالى.\nوفي (ميكائيل) خمس لغاتٍ: (ميكائيل)، و(ميكائل) بحذف الياء، و(ميكئيل) و(ميكئل) بحذف المد عنهما، والياءِ عن الثانية، و(ميكال) بحذف الهمزة والياء (^٣).\n_________\n(^١) في \"ك\": (أوامره).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (منزلة تغاير الموصوف).\n(^٣) وفيه لغات أخر، وقد قرئ ببعضها في المتواتر وبالبعض الآخر في الشاذ، وخرجناها مفصلة في تحقيقنا لـ\"البحر المحيط\" (٢/ ٣٤٨)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٣٣٧).","vol":"1","page":270},{"text":"وإنما ذكر ميكائل مع أنهم كانوا يقولون: لو كان ميكائل صاحبَ محمد لاتَّبعناه لأنَّه يأتي بالخصب والسلام؛ تنبيهًا على أن مَن أبغض جبريل فقد أبغض ميكائيل؛ لأنهما قريبان بغضُ أحدهما يستلزمُ بغضَ الآخر.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ مجردُ المعاداة ظاهرٌ معلوم، فلا بد من الحمل على الكناية تربيةً للفائدة؛ أي: مَن عاداهم عاقَبه الله تعالى أشدَّ العقاب، ولمَّا كان فيه تنزيلُ المقدَّر منزلةَ المحقَّق استَحقَّ التأكيدَ بالجملة الاسمية و(إنَّ)، والشدةُ المذكورةُ معتبَرةٌ في المكنيِّ عنه، ولا تأثير فيها لتأكيد الخبر (^١).\nوكان الظاهرُ أن يقال: فإنه عدوٌّ لهم، والعدولُ عن الظاهر أولًا للتهويل، ولأنَّ فيه احتمالَ أن (^٢) يذهب الوهمُ إلى رجوع الضمير إلى مجموع ما تقدم.\nوثانيًا للدلالة على أن عداوة المذكورين كفرٌ، وأن الكفر سببٌ لعداوة الله تعالى إياهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-106\"> </span>(٩٩) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحةَ الدلالة لا إلباسَ فيها، فعدمُ الإيمان بها ليس شبهةً.\n﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾ عطف على مقدَّر؛ أي: فلا تَشتبِهُ على أحدٍ ولا (^٣) يكفر بها (^٤).\n_________\n(^١) في هامش \"د\" و\"م\": (رد آخر لسعد الدين في قوله: واستفيدت الشدة من تأكيد الجملة الاسمية. منه).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (احتمالًا لأن).\n(^٣) في \"ك\": (وما).\n(^٤) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (فالواو فصيحة، ولولا ذلك لكان الظاهر التصدير بالفاء. منه).","vol":"1","page":271},{"text":"﴿إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ المتمردون من الكفرة.\nوعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع مِن كفرٍ وغيره (^١).\nوعن ابن عباس ﵄: قال ابن صُوريا لرسول الله ﷺ: ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أُنزل عليك من آيةٍ فنتبعَك لها، فنزلت (^٢).\nواللامُ للجنس، والمراد: أهلُ الكتاب الخارجين (^٣) عن دينهم؛ لأن الآية نزلت فيهم، وطرفُها كلام في شأنهم، والوصفُ بالتمرد آلْيَقُ بحالهم، ففيه دلالةٌ على أنَّ ذلك الخروجَ سببٌ لكفرهم، فيكون فيه مبالغةٌ، وهي أن يكون (^٤) كفرُ غيرهم كالعدم، ومن لم يتنبه لهذا زعم أن الأحسن أن تكون للعهد (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-107\"> </span>(١٠٠) - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ الواو للعطف على محذوف؛ إذ لا مجالَ للعطف على الكلام السابق، معناه: أَكَفَروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا، فالهمزة إنكارٌ للجمع بين الكفر ونقض العهد.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٧١).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٧١)، رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٣٠٥). وجاء في \"م\": (بها)، وهو الموافق لما في \"تفسير الطبري\"، والمثبت من باقي النسخ و\"الكشاف\".\n(^٣) كذا في النسخ، والجادة: (الخارجون).\n(^٤) (يكون) من \"ح\" و\"ف\".\n(^٥) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (فيه رد لسعد الدين في زعمه أن هذا على أحسنية العهد. منه).","vol":"1","page":272},{"text":"وقرئ بسكون الواو (^١)، على أنَّ الفاسقين بمعنى: الذين فسَقوا، فكأنه قيل: إلا الذين فسقوا أو نقضوا (^٢) عهدَ الله مرارًا كثيرة، لا على أن الواو العاطفة أُسكنت إسكانَ الهاء في (وَهْوَ) لأنَّه لم يثبت مثلُ ذلك في الواو العاطفة (^٣).\nو(أو) في مثل هذه المواضع تفيد تساويَ الأمرين في الوقوع (^٤)، مع أن الثانيَ أبعدُ وأليقُ بأن لا يقع، فيُحمل على أنها بمعنى (بل) وقد أثبتها الثقات وشهد بها الاستعمال، ودلت عليها هاهنا القرينةُ، وهي قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ترقِّيًا إلى الأغلظ فالأغلظ.\n﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ النبذ: الرميُ بالذِّمام ورفضُه، ولم يغلب فيما يُنسى فلذلك احتيج إلى زيادة قوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ عند إرادةِ معنى النسيان، وإنما قال: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ لأنَّ بعضهم لم ينقُضْ.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ردٌّ لِمَا يُتوهم أنَّ الفريق هم (^٥) الأقلُّون، وهذا على تقديرِ أن يكونَ مَن لم ينبذ جهارًا مُؤمنًا حقًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-108\"> </span>(١٠١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) تنسب لأبي السمال العدوي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٩٩).\n(^٢) في \"م\": (فسقوا ونقضوا).\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"ف\" و\"م\": (الواو في أو ليست مسكنة لأن الواو العاطفة لا يتسكن. منه).\n(^٤) في \"ك\" و\"م\": (الواقع).\n(^٥) في \"م\": (هو).","vol":"1","page":273},{"text":"﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ تنكير الرسول للتعظيم، وفي قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إشارة إلى (^١) استحقاقه التعظيم من جهة أخرى.\n﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ من الكتاب، وتصديقُه: كونه على الوصف الذي ذكر فيه، فالمراد من الرسول محمد ﵇ (^٢).\n﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يعني: التوراةَ، حيث لم يعملوا بموجَبِ ما فيها، وهو الإيمان بالرسول المصدِّقِ لها.\n﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ النبذ وراء الظهر مَثَلٌ لتركِ الشيء والإعراضِ عنه بالكليَّة، مثلَ ما (^٣) يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه، وقد يكون كنايةً عن نسيانه، فإنَّ نبذ الشيء وراء الظهر يستتبِع نسيانه (^٤) غالبًا.\nويجوز أن يستعار النسيان للإعراض رأسًا، ثم يكون النبذُ وراء الظهر كنايةً عنه على أنه نسيانٌ، فيكون كنايةً متفرِّعة على الاستعارة المَنْوية، ولْنُسَمِّه كنايةً بالاستعارة، وهذا أبلغ من الكناية ابتداء والاستعارةِ التمثيلية.\n﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه كتابُ الله تعالى، جملةٌ حاليَّةٌ، وكأنَّ فيه إيماءً إلى ما ذكر من الاستعارة المنوية.\n_________\n(^١) في \"م\": (إلى أن).\n(^٢) هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (رد للقاضي في قوله كعيسى ومحمد. منه).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (مثل لما)، وفي \"د\": (مثل بما).\n(^٤) في \"ك\" و\"م\": (مستتبع نسيانه).","vol":"1","page":274},{"text":"<span id=\"aya-109\"> </span>(١٠٢) - ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ عطفٌ على ﴿نَبَذَ﴾؛ أي: نبذوا كتابَ الله تعالى، واتَّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت الشياطينُ - وهم المتمرِّدون من الجن - يقرؤونها على عهد مُلكِ سليمانَ ﵇.\nوليست ﴿عَلَى﴾ صلةَ التلاوة، بل من قولهم: كان هذا على عهد فلانٍ؛ أي: في وقته وزمانه، ﴿تَتْلُو﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.\n﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ تكذيب لمن زعم أن سليمان ﵇ سخَّر الإنس والجن والريح بالسحر، وأن مُلكه تمَّ بهذا العلم، والكنايةُ عن السحر بالكفرِ للدلالة على أنه كفرٌ، والإشارةِ إلى ما يوجب تنزُّهه ﵇ عنه؛ كأنه قال: وما سَحَر سليمان؛ لأنَّ السحر كفرٌ، والنبيُّ معصومٌ عن الكفر.\n﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ لمَّا نفى الكفر عن سليمان ﵇، وكان الشياطينُ قد سخِّرت لسليمان ﵇ يستعملُهم (^١) فيما يشاء، فقد يُتوهم أنهم لا يكفرون أيضًا، إذ هم في خدمة نبيٍّ، فاستدرك أنهم كفروا باستعمالهم السحر.\n_________\n(^١) في \"م\": (ليستعملهم).","vol":"1","page":275},{"text":"وقرأ الحسن: (الشياطون) (^١).\nوقال السَّجاونديُّ: خطَّأه الخارْزَنجيُّ (^٢)، ولو سلِّم صحتُه فلا خفاءَ في عدم فصاحته.\n﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إغواءً وإضلالًا، والجملةُ حال عن الضمير، والسحرُ: مزاولةُ النفوس الخبيثة لأفعالٍ وأقوالٍ يترتَّب عليها أمورٌ خارقةٌ للعادة، ولا يروى خلافٌ في كون العمل به كفرًا، وعدُّه نوعًا من الكبائر مغايرًا للإشراك لا ينافي ذلك؛ لأن الكفر أعمُّ، والإشراكُ نوعٌ منه.\nوهو في أصل اللغة: الصَّرف، حكاه الأزهري عن الفرَّاء ويونسَ (^٣)، فإطلاقُه على ما يفعله أصحابُ الحيَل بمعونة الآلات والأدوية، وما يُريك صاحبُ خفَّة اليد باعتبارِ ما فيه من صرف الشيء عن جهته حقيقةٌ لُغويَّة.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ عطفٌ على ﴿السِّحْرَ﴾، والمراد بهما واحدٌ، والعطف لأنَّه نوع أقوى منه كأنه من جنسٍ آخر.\nوهما ملكان أُنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله تعالى للناس.\nوقيل: رجلان سمِّيا ملَكين باعتبارِ صلاحهما، ويؤيِّده قراءةُ: (المَلِكَين) بالكسر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨).\n(^٢) هو أبو حامد أحمد بن محمد البستي، إمام الأدب بخراسان في عصره، له: \"تكملة كتاب العين\"، و\"شرح أبيات أدب الكاتب\"، توفي (٣٤٨ هـ). انظر: \"الأنساب\" للسمعاني (٥/ ١٢)، و\"بغية الوعاة\" (١/ ٣٨٨).\n(^٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (٤/ ١٧٠).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨). ووقع في النسخ: (ملكين) دون (ال) والصواب المثبت.","vol":"1","page":276},{"text":"وقيل: (ما أُنزل) نفيٌ معطوفٌ على (ما كفر) تكذيبٌ لليهود في هذه القصة، وهذا يكذِّبه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ فإنه إذا لم يكن هناك شيءٌ منزل فالتعليم والتعلُّم في أيِّ شيء يكون؟\n﴿بِبَابِلَ﴾ ظرفٌ، أو حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ أو الضميرِ في ﴿أُنْزِلَ﴾، قال ابن مسعود ﵁: هي في سواد الكوفة. ومُنِعَ صرفُها للعَلَميَّة والتأنيث.\n﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ عطفُ بيانٍ أو بدلٌ لـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾، ومُنع صرفُهما للعلَمية والعُجمة، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر - كما زعم بعضهم - لانصرفا.\nوقرئ: (هاروتُ وماروتُ) بالرفع (^١) على: هما هاروتُ وماروتُ.\nوإبدالُهما من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ - تصحيحًا لِمَا قيل: إنَّ (ما أُنزل) نفيٌ - يردُّه تعلُّق قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ الآيةَ بما (^٢) قبله تعلُّقًا خاصًا بحيث لا ينتظم بدونه، فإن المبدَل منه في حكم الساقط بحيث لو أُقيم البدل مقامه لانْتَظَم الكلام معه.\n﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ تصريحٌ بما قدَّمناه من أنَّ إنزال السحر عليهما للابتلاء؛ أي: ما يعلمان أحدًا حتى ينصحاه وينبهاه على أنه سحرٌ، والعمل به كفرٌ.\nوالفتنة: ما يَتبيَّن بها حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فتنتُ الذهب بالنار: إذا جرَّبته بها لتعلم أنه خالصٌ أو مشوبٌ، ومنه: الفتَّانة، وهي الحجرُ الذي يجرَّب به الذهب والفضة.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨).\n(^٢) في النسخ عدا \"ك\": (لما)، والمثبت من \"ك\".","vol":"1","page":277},{"text":"﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بالعمل به، أو باعتقاد جوازه، إنما نحن ابتلاءٌ من الله تعالى واختبار.\nقال عليٌّ ﵁: كانا يعلمان تعليم إنذارٍ لا تعليم دعاءٍ إليه (^١)، كأنهما يقولان: لا تفعل كذا وكذا.\nوالصحيح من مذهب أصحابنا أن تعلُّمه حرام مطلقًا؛ لأنَّه توسُّلٌ إلى محظورٍ عنه غنًى وتَوَقِّيه بالتجنُّب أصلحُ وأحوطُ.\n﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾ عطفٌ على يعلِّمان المقدَّر؛ أي: يعلِّمان فيتعلَّمون الناس، على أن الضمير لِمَا دل عليه ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾.\n﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ أي: ما يُحْدِث الله عنده من التفرقة بينهما.\n﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ﴾؛ أي: بما يفرِّقون.\n﴿مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال، فهو حالٌ من فاعلِ ﴿بِضَارِّينَ﴾، و﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ في محلِّ النصب بالمفعولية في الموضعين، وفي زيادةِ ﴿مِنْ﴾ تأكيدٌ بليغٌ فيهما.\nوقرئ: (بضارِّي) على حذفِ النون من اسم الفاعل (^٢)، وإن لم يكن فيه (أل).\nقال أبو حيان: وله نظير في نثرِ العرب ونظمِها، وأما حذفُها على الإضافة إلى ﴿أَحَدٍ﴾ وجعلُ الجارِّ جزءًا منه فمردودٌ بأن الجارَّ مؤثِّر فيه، وجزءُ الشيء لا يؤثِّر في الشيء (^٣).\n﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ﴾ لِمَا عرفتَ أنه أفعالٌ وأقوالٌ تُزاوِلها النفوسُ الخبيثة،\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٢) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٠٣)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٣٨٦).\n(^٣) انظر: \"البحر المحيط\" (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨).","vol":"1","page":278},{"text":"فحصوله (^١) لا يخلو عن نوعِ تأثيرٍ في نفس المتعلِّم، وأمَّا ما قيل: لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالبًا، فإنما يصح وجهًا لضرر العلم لا لضرر المعلوم.\n﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ نفيٌ لاحتمالِ أن يكون ضرره مَشوبًا بنفعٍ في الجملة، وهذا كالردِّ على مَن توهَّم أنَّ في تعلُّمه ليتوقاه، ولئلا يغترَّ به نفعٌ ما، واستَشهد بقول أبي نواسٍ:\nعرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتَوَقِّيهِ … ومَن لم يَعرفِ الشَّرَّ مِن الخيرِ وقعَ فيه (^٢)\n﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ أي: اليهود.\n﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ أي: استبدله بكتاب الله تعالى، والضميرُ لـ ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، واللام الأولى للتأكيد القسَمي، والثانيةُ لام الابتداء لتعليق فعلِ العلم.\n﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: نصيب.\n﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ عطفٌ على جملة القسم والجواب، أو على الجواب، وعطفُ الإنشاءِ على الإخبار كثير، وقد تقدَّم الكلام فيه.\n﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لارْتَدَعوا عن تعلُّم السحر وإيثارِ كتبه، أو: لكان خيرًا لهم، والمعنى: لو اعتادوا العمل بموجَبِ العلم، كنى عن عَدَم العمل بموجَبِ العلم بعدم العلم؛ تنبيهًا على قوة الملازمة بين العلم والعمل بموجَبه، وأن عدم العمل لعدم الصحة فيما يُوجبه من العلم.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (فحصولها).\n(^٢) في \"ك\": (يقع فيه).","vol":"1","page":279},{"text":"<span id=\"aya-110\"> </span>(١٠٣) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ برسول الله ﵇ والقرآن، أو التوراةِ (^١)؛ لأن إيمانهم بها كلَا إيمانٍ.\n﴿وَاتَّقَوْا﴾ اجتنَبوا ما هم عليه من اتِّباع السحر واستبدالهِ بكتاب الله تعالى.\n﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لشيءٌ ما من الثواب.\n﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فيه تعظيمٌ للثواب، وتنبيهٌ على بقائه، بناءً على أن ما عند الله عبارةٌ عما في عالَم الغيب، أعني: عالمَ الآخرة، ودفعٌ لِمَا عسى أن يُتوهَّمَ أن التنكير التقليليَّ في (مثوبة) للتحقير.\n﴿خَيْرٌ﴾ جواب (لو)، وأصله: لأُثيبوا مثوبةً من عند الله خيرًا (^٢) مما شَرَوا به أنفسهم، فحُذف الفعل وركِّب الباقي جملةً اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزمِ بخيريَّتها، وحُذف المفضَّل عليه إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه.\nويجوز أن يكون: ولو أنهم آمنوا تمنِّيًا على سبيل المجاز؛ كأنه قيل: وليتهم آمنوا واتَّقوا، وتركُ الجواب في (لو) هذه كاللازم؛ لكونه في معنى (ليت)، وتقديره: لو آمنوا واتقوا لكان حسنًا، وإيراد الجملة الابتدائية بعده كالتعليل للتمني.\n﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ (^٣) ثوابَ الله تعالى خيرٌ لهم مما هم فيه، جهَّلهم لتركهم العملَ بعلمهم.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (والتوراة).\n(^٢) في النسخ: (خير)، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٩٨).\n(^٣) في النسخ: (أي)، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٩٨).","vol":"1","page":280},{"text":"<span id=\"aya-111\"> </span>(١٠٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (راعِنا) أمرٌ من المراعاة يقتضي المشاركةَ غالبًا؛ أي: ليكن منك رَعيٌ لنا، ومنا رَعيٌ لك، والرعي: حفظُ الغير لمصلحته، نُهوا أن ينطقوا بلفظٍ يقتضي المشاركة مع مَن يعظَّم، وتضمَّن هذا النهيَ عن كلِّ ما يكون فيه استواءٌ مع النبيِّ ﵇.\nورُوي أنَّ المسلمين كانوا يقولون للرسول ﵇: راعنا؛ أي: راقبنا وتأنَّ بنا فيما بلَّغتنا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترَصوا (^١) وخاطَبوه به مريدين نسبتَه إلى الرَّعن، أو سبَّه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابُّون بها وهي: راعينا، فنُهي المؤمنون عنها وأُمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يحتمل التلبيس، وهو: ﴿انْظُرْنَا﴾ من نظَره: إذا انتظره (^٢).\nوقرئ: (أنظِرْنا) من النَّظِرة (^٣)؛ أي: أَمْهِلْنا حتى نَحفظ (^٤).\nوقرئ: (راعُونا) على لفظِ الجمع للتوقير، و: (راعنًا) بالتنوين (^٥)؛ أي: قولًا\n_________\n(^١) أي: انتهزوا. انظر: \"النهاية\" (مادة: فرص).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (وأما معنى انظر إلينا فلا يناسب المقام لأن الكلام فيما يفيد فائدة راعنا. منه).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٩٨)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٤٠٤)، و\"روح المعاني\" (٢/ ٣٧٠)، وعزاها أبو حيان والآلوسي لأبي ﵁ والأعمش، وعندهم جميعًا أنها من الإنظار بمعنى: أمهلنا، أما النظِرة فذكرها أبو حيان في معنى القراءة الأولى قراءة الجمهور، ويفهم من كلامه أن المعنى واحد، لكن ما ذكروه هو الأوفق بقانون الصرف مما قاله المؤلف.\n(^٤) في (م): \"نحفظه\".\n(^٥) القراءتان في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩).","vol":"1","page":281},{"text":"ذا رعنٍ، نسبة إلى الرَّعنِ وهو الهوج، لمَّا شابه قولَهم: راعينا، فتسبَّب للسب (^١).\n﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما يكلِّمكم به رسول الله ﷺ سماعَ تيقُّظٍ حتى لا تحتاجوا إلى المراجَعة وطلب المراعاة (^٢).\nأو: واسمعوا ما أُمرتم به بجِدٍّ حتى لا ترجعوا إلى ما نُهيتم عنه، تأكيدًا عليهم في تركها (^٣).\n﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: الذين تهاوَنوا الرسولَ ﵇ وسبُّوه.\n﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بسبب كفرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-112\"> </span>(١٠٥) - ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ المودة: محبة الشيء مع تمنِّيه، ولذلك يستعمل في كلٍّ منهما، و(مِن) للبيان؛ لأن (الذين كفروا) جنسٌ تحته نوعان: أهلُ الكتاب والمشركون. و(لا) مزيدةٌ للتأكيد.\nنزلت تكذيبًا لجمعٍ من اليهود يُظهرون مودة المؤمنين ويدعون أنهم يودون لهم الخير.\n﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ مفعولُ ﴿يَوَدُّ﴾، و(مِن) الأولى\n_________\n(^١) أي: لما أشبه قولهم: راعينا، وكان سببًا في السب اتصف بالرعن. انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٧٤). والهوج: الحماقة. انظر: \"نواهد الأبكار\" (٢/ ٢٩٣).\n(^٢) في (م): \"المراجعة والمراعاة\".\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"ف\": (أي: في ترك كلمة راعنا. منه).","vol":"1","page":282},{"text":"مزيدةٌ للاستغراق بعد النفي، والثانيةُ للابتداء، وفسِّر الخير بالوحي، والمعنى: أنهم يحسدونكم به، وما يحبون أن ينزَّل عليكم شيءٌ منه، وبالعلم وبالنصرة (^١)، والوجهُ تعميمُه للكلِّ؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي بالواسطة.\n﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ على مقتضى حكمته، وتقديمُ اسم الله تعالى على الفعل للتأكيد والتخصيص، ثم وُضع المظهَر موضع المضمَر للتعظيم، وتربيةِ معنى الإضافة بالانفراد.\n﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ إشعارٌ بأن النبوة هي الفضل العظيم، والله تعالى صاحبُه دون غيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-113\"> </span>(١٠٦) - ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ وقرئ: ﴿مَا نُنْسَخْ﴾ من أَنْسَخَ (^٢)، و: (ننسِّيها) بالتشديد من التَّنسية (^٣)، و: ﴿نُنْسِأهَا﴾ بالهمزة (^٤)، و: (تَنسها) و: (تُنسها)، من نَسِي وأَنْسَى على خطاب الرسول ﵇ (^٥).\n_________\n(^١) قوله: (يحسدونكم به)؛ أي: بسببه، وقوله: (وبالعلم وبالنصرة) معطوف على قوله: (بالوحي). انظر: \"حاشية الشهاب\" (٢/ ٢١٨).\n(^٢) هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٣) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٠٣)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٩٢)، و\"البحر\" (٢/ ٤١٣).\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٥) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩)، و\"المحتسب\" (١/ ١٠٣)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ١٩٢)، و\"البحر\" (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).","vol":"1","page":283},{"text":"وقرئ: (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسَخْها) و: (ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِكَها) (^١).\nوالنسخ في اللغة: هو النقل والتحويل، ومنه انتساخُ الكتاب: هو نقلٌ من نسخةٍ إلى أخرى.\nونسخ الآية: بيانُ انتهاء التعبُّد بقراءتها، أو حُكمِها، أو بهما جميعًا.\nوإنساخُها: الأمر بنسخها.\nونَسْؤُها: تأخيرها وإذهابُها لا إلى بدلٍ.\nوإنساؤها وتنسيتُها: أن يذهب بحفظها عن القلوب.\nو﴿مَا﴾ شرطيَّةٌ جازمةٌ لـ ﴿نَنْسَخْ﴾ منصوبةٌ به على المفعولية، ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ مجزومٌ أيضًا للعطف على المجزوم، وجزمُه بحذف الياء منه.\nو(الآية) على المعنى اللغوي وهو جماعةٌ من الكلام، يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعتهم؛ إذ لا اختصاص للنسخ بتمامِ الآية المصطلَحة.\n﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ بما هو أنفعُ لكم في الدنيا أو في الآخرة ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ في النفع في واحدةٍ منهما.\nنزلت لمَّا قال المشركون أو اليهود: ألَا ترون إلى محمدٍ ﵇ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. ففي (^٢) الآية دلالة على جواز النسخ، بل على وقوعه.\n_________\n(^١) انظر القراءتين في \"الكشاف\" (١/ ١٧٦).\n(^٢) في \"ل\" و\"م\": (وفي)، وجاء في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (في تفريع الدلالة على سبب النزول رد للقاضي في زعمه أن الدلالة المذكورة باعتبار أنَّ (إنْ) وما يتضمنها يختص بالأمور المحتملة؛ لأن الاحتمال العقلي لا حاجة إلى الاستدلال في إثباته).","vol":"1","page":284},{"text":"قيل: وذلك لأن الأحكام شُرعت والآياتِ نزلت لمصالح العباد وتكميلِ نفوسهم فضلًا من الله تعالى ورحمةً، وذلك يَختلِف باختلافِ الأعصار والأشخاص؛ كأسباب المعاش، فإنَّ النافع في عصرٍ قد يَضُرُّ في غيره.\nوكأنَّ هذا القائلَ غافل عن قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، أو عن دلالته على أنَّ النسخ قد يكون غضبًا على قوم.\nثم إنَّ قوله: وذلك يختلف باختلاف الأعصار … إلخ، مَبناه الغفولُ عن أن النسخ قد يكون قبل العمل بالمنسوخ.\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكلِّ أحدٍ؛ لأن الأمر عظيمٌ شامل، والتيقُّظ له ضروريٌّ للكلِّ، فيصلح أن يخاطَب به كلَّ أحد.\n﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقدر على الخير وما هو خيرٌ منه، وعلى مثله في الخير.\nويجوز أن يكون الخطابُ لمحمد ﵇ تعريضًا للمشركين أو اليهود، كما أن قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] خطابٌ لعيسى ﵇ يومَ القيامة تعريضًا للنصارى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-114\"> </span>(١٠٧) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ تأكيد لِمَا مرَّ، وجعلُه استفهامًا محضًا ومعادِلُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ قولُ مَن لم يَذُقْ فصاحةَ كلام العرب (^١).\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (القرآن)، وجاء في هامش \"م\": (في نسخة: العرب).","vol":"1","page":285},{"text":"﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يملك أمورَكم ويليها ويُدبِّرها، فيتعبَّدُكم بما يشاء مما يَرى فيه مصلحتكم.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ مَن يَلي أمورَكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ مَن ينصركم عليه.\nوفي إظهار اسم الله في ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ما مرَّ آنفًا.\nثم لمَّا قرَّر عليهم أنه مالكُ أمورهم ومدبِّرُها بحسب مصالحهم، وأنَّه لا يُنزِل عليهم إلا ما هو خيرٌ لهم، أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما يُنزلُ (^١) عليهم ويدبِّر به أمرهم ويتعبَّدهم به، وأن لا يكونوا كقوم موسى ﵇ في السؤال عن أمورٍ عادت عليهم وبالًا، فيسألوا (^٢) رسولهم ما يضرُّهم ولا ينفعهم، فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-115\"> </span>(١٠٨) - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\n﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ ﴿أَمْ﴾ هي المنقطِعة بمعنى (بل) والهمزةِ، فمعنى (بل) إعراضٌ عن اعتراضهم على القرآن بالنسخ، وطعنِهم وغفلتِهم عن حكمةِ الله تعالى، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لِمَا يناسبه من اقتراحهم على النبيِّ ﷺ كاقتراحهم على موسى ﵇، وفيه مبالغةٌ في النهي حتى كأنهم كانوا بصددٍ الإرادة، فنهوا عن الإرادة فضلًا عن السؤال، يعني: من شأن العاقل أن لا يتصدَّى لإرادةِ ذلك.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (ينزله).\n(^٢) في \"ك\": (فسألوا).","vol":"1","page":286},{"text":"ويجوز أن تكون متصلة بهمزةٍ محذوفة؛ أي: أتعترِضون عليه بالنسخ وتطعنون فيه أم تريدون أن تسألوا، وقوله:\n﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ بلفظِ المبنيِّ للمفعول ترشيحٌ لهذا المعنى، بمعنى: أنَّ مَن يَسأل (^١) مثلَ هذا السؤالِ حقيق بأنْ يُصان عن ذكره المقالُ، وإلا فالمناسبُ أن يشبَّه سؤالهم بسؤال قومه أو سؤالُ نبيِّنا بسؤالِ موسى ﵉ على المصدر المبنيِّ للفاعل.\nثم ذيَّل الكلام بقوله:\n﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: مَن (^٢) ترك الثقة بالآيات المنزلة وشكَّ فيها واقترح غيرَها.\n﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: الطريقَ المستقيمَ، اضاف الوصفَ إلى الموصوف ليُفيد بُعدَ الانحراف، ويكونَ أول ما يَطرقُ سمعهم بعد الضلال هو الاستواءُ، فينتبهوا على أنهم أخطؤوا الاستقامةَ في طريقهم فيرجعوا، وهو أبلغ من قولك: فقد ضلَّ الطريق المستوي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-116\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: أحبارَهم.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (سأل).\n(^٢) في \"م\": (ومن).","vol":"1","page":287},{"text":"﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ تمنَّوا أن يردُّوكم، فإنَّ (لو) تنوب عن (أنْ) في المعنى دون العمل.\n﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ حال، أو مفعولٌ ثانٍ على أن يضمَّن (يَرُدُّ) معنى: يَجعل.\n﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ له، أو حالٌ أُريد به نعتُ الجمع؛ أي: حاسدِينَ لكم، والحسدُ: الأسف على مَن له خير بخيره، والتمنِّي أن يزول عنه إليه.\n﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿حَسَدًا﴾؛ أي: حسدًا ناشئًا من عند أنفسهم، بمعنى: حسدًا مُتبالِغًا ذاتيًّا لا يمكنُ إزالتُه، لا عَرَضيًّا (^١) جائزَ الزَّوال، وإلا فحسدُهم لا يكون إلا مِن عندِ أنفسهم.\nويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وَدَّ﴾؛ أي: تمنَّوا ارتدادَكم من قِبَلِ أنفسهم وشهوتها، لا من جهة التدين والميل إلى الحق (^٢)؛ لأنهم تمنَّوا ذلك من بعدِ ما تحقَّقوا أنكم على الحق.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة.\nومعنى الفاءِ في ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ السَّببيةُ، يعني: إذا علمتُم أنَّ وِدادتهم المؤكَّدةَ إنما هي لحسدهم (^٣) لا للدِّين، فليس يمكنُكم إزالتُها، فلا سبيل لكم إلا العفوُ وهو التَّركُ، والصفحُ وهو الإعراض.\n﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ من قتل بني قريظةَ، وإجلاءِ بني النَّضير، وإذلالهم\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (عرضًا).\n(^٢) في \"م\": (التحقق).\n(^٣) في \"م\": (بحسدهم).","vol":"1","page":288},{"text":"بالجزية، ولا يَخفى ما في نسبة الإتيان إليه تعالى من التعظيم والتهويل، ولذلك عدل عن الأصل وهو: حتى يأتي أمر الله.\nولمَّا كان مَظِنّةَ أن يَسبِقَ إلى الوهم أنَّ ذلك التوقُّفَ لعدم القدرة على الانتقام على الفور تُدُورِكَ (^١) دفعُه بقوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدِر على الانتقام منهم أيَّ وقتٍ شاء.\nوعن ابن عباس ﵄: أنه منسوخ بآية السيف (^٢).\nوالغايةُ التي يتعلَّق بها الأمر إذا كانت لا تُعلم إلا شرعًا لم يخرج ذلك الواردُ من أن يكون ناسخًا، دل على ذلك انتساخُ (^٣) حكم التوراة والإنجيل بظهور نبينا ﵇، مع ما فيها من بيانِ انتهاء حكمِها بظهور النبيِّ الأمي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-117\"> </span>(١١٠) - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ عطفٌ على ﴿فَاعْفُوا﴾، كأنه أمرهم بالصبر واللَّجَأ إلى الله تعالى بالعبادة والبِرّ.\n﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: شيئًا قليلًا من جنس الخير.\n_________\n(^١) في \"م\": (تدارك).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢٤) عن ابن عباس بلفظ: ونَسخ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\n(^٣) في \"م\": (انتساخ ما في).","vol":"1","page":289},{"text":"﴿تَجِدُوهُ﴾ جاء في الأحاديث الصِّحاح: أنَّ الأعمال نفسَها تتجسَّد يومَ الجزاء وتوجِد نفسَها.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعدٌ يَتضمَّن الوعيدَ على عدمِ الإخلاصِ في العمل، وقرئ بالياء (^١) فتمحَّض وعيدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-118\"> </span>(١١١) - ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ﴿وَدَّ﴾، والضميرُ لأهل الكتاب من الفريقين.\n﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ جمع هائد؛ كعائذٍ وعُوذٍ، وهو جمعٌ لا يَنقاس في فاعِلٍ، وتوحيدُ الاسم المضمَر وجمعُ الخبر باعتبارِ اللفظ والمعنى.\n﴿أَوْ نَصَارَى﴾ لفٌّ بين قولي الفريقين؛ كما في قوله: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥] إيجازًا؛ اعتمادًا على فهم السامع، وأمنًا من الإلباس؛ لشهرتها (^٢) بين الناس بالتَّعادي.\n﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ إشارةٌ إلى الأمانيِّ المذكورة، وهي أن لا ينزلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم، وأن يردُّوهم كفارًا، وأن لا يدخلَ الجنة غيرُهم، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف؛ أي: أمثالُ تلك الأمنيَّةِ أمانيُّهم، والجملةُ اعتراض.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٠٠).\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (لشهرتهما).","vol":"1","page":290},{"text":"وقد مرَّ أن الأمنيَّة أفعولةٌ من التمنِّي مثلَ الأضحوكة والأعجوبة، والتمنِّي: تقدير الشيء في النفس وتصويرُه فيها، ولمَّا كان أكثرُه عن تخمينٍ صار البطلانُ له أملكَ.\n﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: أحضروا حُجَّتكم على اختصاصكم بدخول الجنة، والبرهانُ مشتقٌّ من البَرْه، وهو القطعُ، أو من البَرْهنة وهي البيان.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.\nفإنْ قلتَ: هلَّا يجوز أن يكون واحدًا منَّا صادقًا في دعواه، ومع ذلك يكون عاجزًا عن إثباته؟\nقلت: يجوز ذلك في العقليات، وأمَّا الذي مدارُه على السمع فلا يجوز (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-119\"> </span>(١١٢) - ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لِمَا نَفَوْه من دخول غيرهم الجنة.\n﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أَخلصَ نفسَه ﴿لِلَّهِ﴾ لا يشركُ به غيرَه، عبَّر بالوجه عن الجملة، إذ هو أشرفُ الأعضاء وفيه الحواسُّ، ولأنَّ أثر الانقياد والخضوع يظهر فيه.\n﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله، حالٌ.\n﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ الذي وُعد على عمله ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لا يَضيع ولا يَنقص.\nويجوزُ أن يكون ﴿بَلَى﴾ وحدَه ردًّا لقولهم، ثم يقع ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ كلامًا مبتدأ،\n_________\n(^١) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (قيل: فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت، ويتجه عليه أن الكلام في الصدق لا في الثبوت، والثاني وراء الأول وكثيرًا ما يتخلف عنه. منه).","vol":"1","page":291},{"text":"والجملةُ (^١) جوابُ ﴿مَنْ﴾ إن كانت شرطيةً، وخبرُها إن كانت موصولةً، والفاءُ فيها لتضمُّنها معنى الشرط.\nوأن تكون ﴿مَنْ﴾ موصولةً فاعلَ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ﴿بَلَى﴾؛ أي: يدخلها مَن أسلم وجهه لله، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ معطوفةً على: يدخلُها مَن أسلم.\nولا يخفى ما في الشرطيَّة العامة من التعريض بأنهم لا يدخلون الجنة لانتفاءِ الأوصاف الموجِبة للأجر بحكم الوعد الصادق، والترغيبِ في سلوك طريق الدخول، ولم يجزم بأن غيرهم موصوف بذلك لأنَّه على أسلوب الكلام المُنْصف (^٢).\nوأَوْجهُ الوجوه أن يقدَّر: بلى يدخلُها غيرهم، فقيل: مَن هو؟ قيل: مَن أسلم، ويكون قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ من التَّتميم على أنه زيادةٌ على دخول الجنة.\n﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-120\"> </span>(١١٣) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هو في غاية المبالغة؛ لأنَّ الشيء يتناول المعدومَ والممكِنَ والمحال، فإذا سُلب (^٣)\n_________\n(^١) يعني جملة: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾.\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (كلام المنصف)، وفي \"ك\": (الكلام المفيد).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (سلبه).","vol":"1","page":292},{"text":"الشيئيَّةَ لم يبق من المبالغةِ حدٌّ وراءه، ومَن قيَّده (^١) بقوله: يعتدُّ به، فقد أخلَّ بها.\nنزلت لمَّا قَدِمَ وفد نجرانَ على رسول الله ﵇، وأتاهم أحبار اليهود، فتناظَروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدِّين، وكفروا بعيسى ﵇ والإنجيلِ، وقالت النصارى لهم نحوَه، وكفروا بموسى ﵇ والتوراةِ.\n﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ الواو للحال واللامُ للجنس؛ أي: قالوا ذلك وحالُهم أنهم من أهل العلم والتلاوةِ للكتب (^٢)، وحقُّ مَن يتلو بعضَ كتب الله الإيمانُ بالباقي؛ لأنَّ بعضها مصدِّقٌ للبعض.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك القولِ البعيدِ عن الصواب.\n﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الجهَّال من المعطِّلة والدَّهريَّة، والمشركين الذين لا كتاب لهم.\n﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ لم يقل: مثلَ قولهما؛ لأن المنظور هاهنا جهةُ اتِّحادهم، وهي كونُهم أهل الكتاب، وهو بيانٌ لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ لِمَا فيه من الإبهام، أو بدلٌ منه.\nويجوز أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ مفعولًا به؛ أي: كلامًا مثلَ ذلك الكلامِ الشنيعِ الذي سمعت به قال الجهلة قولًا مثلَ قولهم صادرًا عن عناب وجهلٍ بلا حجةٍ، فيكون ﴿مِثْلَ﴾ نصبًا على المصدر، وهذا توبيخٌ عظيمٌ لهم حيث نظَموا أنفسهم مع علمهم في سلكِ مَن لا يَعلم.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (قيد).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (والكتب).","vol":"1","page":293},{"text":"﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين أهل الكتاب، لا بين الفريقين، وإلا لقيل: بينهما، أو بينهم وبين الجهلة أيضًا.\n﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُريهم مَن يدخل الجنةَ عِيانًا، ومَن يدخل النارَ عِيانًا، فيظهر المُحقُّ من المُبْطل، والفاء فصيحةٌ، كأنه قيل: إذا لم يرضَوا بحكم الكتاب في الدنيا ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ﴾ الآيةَ.\n﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدِّين والكتابِ والنبيِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-121\"> </span>(١١٤) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا أظلمُ منه، دلَّت على ذلك صيغة التفضيل في سياق الاستفهام الإنكاري، وهذا لا ينافي لكون المشرك أظلم؛ لأن فضله في الظلم لنفسه، وفضلُ هذا في الظلم للغير.\nوسببُ نزولها: أن النصارى كانوا يطرَحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.\nوقيل: منع المشركون رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية (^١).\nوكيف كان فالاعتبارُ بعموم اللفظ لا بخصوصِ السبب، ولذلك - أي: لقصدِ\n_________\n(^١) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (موضع على طريق مكة وصل إليه رسول الله ﵇ فمنعه المشركون عن الدخول في المسجد الحرام. منه). والخبر رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤٤) من قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.","vol":"1","page":294},{"text":"تعميم الحكم - قيل: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ مع أن المنع والتخريب إنما وقع على مسجدٍ واحدٍ، وهو مسجدُ بيت المقدس أو المسجدُ الحرام.\n﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿مَنَعَ﴾، ويجوز أن يكون على تقدير (مِن) أي: مِن أن يُذكر، وحذفُ حرفِ الجرِّ مع (أنْ) قياسٌ.\nويمكن أن يُنصب مفعولًا له؛ أي: كراهةَ أنْ يُذكر.\n﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ بالهدم أو التعطيل، و(سعى) كلمةٌ تختلف معانيها باختلافِ مصادرها، يقال: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا: إذا عمل، وإذا كَسَب، وإذا عَدَا، وسَعَى مَسْعاةً: إذا جاد وتكرَّم، وجمعُ المسعاة: المساعي وسَعَى سِعايةً: إذا أخذ الصدَقات وهو عاملُها، وكذا: سعَى به إلى السلطان سِعايةً: إذا وشَى به، وكذا سعَى المكاتَبُ ومعتَق البعضِ في أداءِ ما عليه سعايةً، وساعَى الرجل الأمَة؛ أي: فَجَر بها مساعاة، ولا يقال ذلك في الحُرة.\nوفائدةُ زيادة (سعى) هاهنا: قطعُ احتمال التسبُّب.\n﴿أُولَئِكَ﴾ المانعون ﴿مَا كَانَ لَهُمْ﴾ ما كان ينبغي لهم.\n﴿أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾؛ أي: وجِلينَ من عقابه تعالى، فكيف لهم الجرأة على تخريبها؟\nقيل: ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه، فيكون وعدًا للمؤمنين بالنصرة، واستخلاصِ المساجد منهم.\nوفيه نظرٌ؛ لأن تخريبهم ومنعَهم دلَّ (^١) على أنه قد كان في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها غيرَ خائفين.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (يدل).","vol":"1","page":295},{"text":"وقيل: معناه النهيُ عن تمكينهم من الدخول في المسجد.\nوفيه أيضًا نظر (^١)؛ لأن النهي عن تمكينهم من الدخول مطلَقًا لا عن تمكينهم منه غيرَ خائفين.\n﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: قتلٌ وسبي، أو ذلةٌ (^٢) بضرب الجزية.\n﴿فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ بسبب ظلمهم العظيم، وإنما أُعيد لهم تنصيصًا على أن المعذَّبين في الآخرة هم المعذَّبون في الدنيا، وليس عذابُهم في الدنيا (^٣) مكفِّرًا لذنبهم (^٤) حتى يكون أحدُ العذابينِ لبعضهم والآخرُ للباقي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-122\"> </span>(١١٥) - ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ هما عبارتان عن ناحيتي المعمورة، والمرادُ كلُّها.\n﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ ففي أيِّ مكانٍ فعلتُم التَّوليَةَ، يعني: توليةَ وجوهكم شطرَ القِبلة، بدليلِ قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].\n﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: جهتُه التي أَمر بها، الوجهُ والجهةُ كالوزنِ والزِّنة مصدران نُقلا إلى الاسم، والمعنى: إنكم إذا مُنعتم أن تُصلُّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلْتُ لكم الأرضَ مسجدًا، فصلُّوا في أيِّ بُقعةٍ شئتُم من بقاعها،\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (نظر أيضًا).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (وذلة).\n(^٣) في \"ح\" و\"ف\": (في الآخرة).\n(^٤) في \"ك\" و\"م\": (لذنوبهم).","vol":"1","page":296},{"text":"وافعلوا التوليةَ فيها، فإنَّ التولية ممكِنةٌ في كلِّ مكانٍ لا يختصُّ إمكانها بمسجدٍ دون مسجدٍ، ولا بمكانٍ دون مكانٍ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ﴾ بالرحمةِ، يريد التَّوسعة على عباده.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم وأعمالهم في الأماكنِ كلِّها.\nوعن ابن عمر ﵁: أنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة (^١).\nوعن عطاءٍ: عميت القبلةُ على قومٍ فصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفة، فلما أصبحوا تبيَّنوا خطأهم فعُذروا (^٢)؛ أي: في الفعل.\nوأمَّا وجوبُ القضاء وعدمُه فأمرٌ آخَرُ، والظاهر أنه مستطرَدٌ عند ذكر المساجد، وتمهيدٌ لذكر نفي الولد؛ لأن مَن له الجهاتُ كلُّها يتعالى عنها، فيستحيل أن يماثله ذو جهةٍ، والولدُ جنسُ الوالد لا محالة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-123\"> </span>(١١٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾؛ أي: الذين قالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والذين قالوا: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، والذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله، قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فالضميرُ لمن سبق ذكرُهم من اليهود والنصارى والمشركين الذين لا يعلَمون.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٠٠/ ٣٣).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٨٠)، ورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢١٠ - تفسير).","vol":"1","page":297},{"text":"وقرئ بغيرِ واوٍ على الاستئناف (^١)؛ كأنه سُئل: هل انقطع حبل أقوالهم على الله تعالى، أو امتدَّ ولم ينقطع؟ فقيل: بل قالوا أعظمَ من ذلك وأفظع.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيه له عن ذلك، اعتراضٌ.\n﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ردٌّ لِمَا قالوه، وتنبيهٌ على فساده، والمعنى: إنه خالقُ ما في العالَم كلِّه، ومن جملتهِ عزيرٌ والمسيحُ والملائكة.\n﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ منقادُون لا يمتنِعون على مشيئته وتكوينه، وكلُّ ما كان بهذه الصِّفة لم يجانس مكوِّنَه الواجبَ لذاته، فلا يكون له ولدٌ؛ لِمَا مرَّ أنَّ حقَّ الولد أن يُجانسَ والده.\nوإنما جاء بـ ﴿مَا﴾ للعموم، و﴿قَانِتُونَ﴾ لتغليب العقلاء، وهذا التغليبُ يأبى عن قصد التحقير بإيرادِ ﴿مَا﴾، وتنوينُ ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّ ما في السماوات والأرض.\nوالآيةُ تدلُّ على فسادِ ما قالوه بوجهين (^٢)، ومَبْنَى تضمُّنهْ الاحتجاجَ بالوجه الأول على ثبوت التنافي بين وَلَديَّة أحد للآخَر ومملوكيته له؛ إذ لا تصريح بهذا فيما ذُكر فالاحتجاج به على أن مَن مَلَكَ ولدَه عَتَقَ عليه بناء على ذلك المبنَى لا يخلو عن نوعِ مصادرةٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-124\"> </span>(١١٧) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقال: بَدُعَ الشيءُ فهو بديعٌ، كقولهم: ظَرُفَ فهو\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (بثلاثة أوجه).","vol":"1","page":298},{"text":"ظريفٌ، و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ من إضافةِ الصفةِ المشبَّهةِ إلى فاعلها؛ أي: بديعٌ سماواتُه وأرضُه؛ أو: بديعٌ في السماوات والأرض؛ كقولك: فلان ثبتُ الغدر؛ أي: ثابتٌ فيه، والمعنى: أنه تعالى عَديم النَّظير والمثْلِ فيهما.\nوقيل: البديع بمعنى المُبْدعِ، فيكون مضافًا إلى المفعول.\nوقال ابن مِقْسمٍ (^١): يجوز أن تكون العينُ بدلًا عن (^٢) الهمزة، والبديعُ والمبدِع كالبديء والمبدئ، فإنه جاء على فَعلَ وأَفْعَلَ جميعًا.\nوالإبداع: اختراعُ الشيءِ لا عن شيءٍ دفعةً، وعلى هذا المعنى لا تكون الأشياء كلُّها مبدَعًا، وهذا ردٌّ على الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بوجهٍ آخر تقديرُه: أن مَن قدر على خلق السماوات والأرض من غيرِ شيءٍ كيف لا يقدر على خلق مِثْلِ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ.\nوقرئ: (بديعِ) مجرورًا على البدل من الضمير في ﴿لَهُ﴾، ومنصوبًا على المدح (^٣).\n﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: أراد شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وأصل القضاء: إتمام الشيء قولًا كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٢٣] أو فعلًا كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وأُطلق على تعلُّق الإرادة الإلهية لوجود الشيء من حيث إنه يوجبه.\n_________\n(^١) محمد بن الحسن بن مقسم، أبو بكر البغدادي، صنف في التفسير والمعاني، وأُنكر عليه إقراؤه بحروف تخالف الإجماع، ثم استتيب بحضرة الفقهاء والقراء فتاب، من كتبه: \"الأنوار في علم القرآن\"، وكتاب اختياره في القراءات، توفي سنة (٣٥٤ هـ). انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ١٠٥).\n(^٢) في \"ك\": (من).\n(^٣) القراءتان في \"الكشاف\" (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":299},{"text":"﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ من (كان) التامَّةِ، أي: احْدُثْ فيَحْدُث؛ أي: لا يَدخله تأخير (^١) عن وقته، ولا يمتنعُ عليه شيءٌ، ولا يَلحقه به تعبٌ، ولا يحتاج إلى استعمال آلةٍ ومزاولةِ عملٍ، استعارةٌ تمثيليةٌ شبِّهت الحالةُ (^٢) التي تتصوَّر من تعلُّق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات وسهولةِ إيجاده إياه من غيرِ امتناعٍ ولا توقُّفٍ بحالةِ أمْرِ الآمِرِ النافذ تصرُّفُه في المأمور المطيع الذي لا يتوقَّف في الامتثال، فأُطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك من غيرِ أن يكون هنا (^٣) قولٌ وأمر.\nوهذا أقربُ ما يتراءى لنا به المعنى المقصودُ، فلا تتَّجه المناقشةُ بأنَّ وجه الشَّبهِ في المشبَّه أقوى، وحقُّ التشبيه عكسُ هذا.\nوذهب بعضهم إلى أنه حقيقةٌ، وقد جرت السنَّة الإلهية بأنه يكوِّن الأشياءَ بكلمة (كن)، فيكونُ المأمور هو الحاضرَ في العلم، والمأمورُ به الدخول في الوجود.\nوقرئ برفع ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فهو يكون، وبالنصب على جواب الأمر (^٤)، وفيه تقريرٌ لمعنى الإبداعِ، وتأكيدٌ لاستبعاد الولادة المدلول عليه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.\nوأما ما قيل: إنه حجة أخرى، وهو أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوارٍ ومُهلةٍ، وفعلُه تعالى يستغني (^٥) عن ذلك.\nفيَرِدُ عليه أن ما يكون بأطوارٍ ومهلةٍ هو تكوُّن الولد على جَرْي العادة، فللمخالِف أن يقول: اتخاذه الولدَ على سبيل خرق العادة، ثم إنَّ فعله تعالى قد يقارن المهلة\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (تأخر).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (الحال).\n(^٣) في \"ك\": (هاهنا).\n(^٤) قرأ بالنصب ابن عامر من السبعة، والباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٥) في \"ك\": (مستغن).","vol":"1","page":300},{"text":"لحكمة وإن كان مستغنيًا عنه، كيف وقد كان خلقُه السماوات والأرض في ستة أيام، ومن هنا ظهر أن مَن اعتَبر في التمثيل المذكور الحصولَ بلا مُهلةٍ لم يُصِب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-125\"> </span>(١١٨) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الجهلةُ من المشركين، وقيل: من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به، سواءٌ تجاهَلوا أو لا بأن أظهروا علمهم (^١).\n﴿لَوْلَا﴾ هلا ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ كما يكلِّم الملائكةَ وموسى ﵇، ويأمرنا وينهانا بالذات، وهذا استكبارٌ منهم عن اتِّباع بشر مثلِهم.\n﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ من الله نعلم بها أنك رسول الله، وهذا استهانةٌ منهم بالمعجزات الباهرة، وإنكارٌ بالآيات (^٢) الظاهرة.\n﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: اليهودَ، حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وأمَّا قول الحَواريين: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢] فليس من هذا القبيل على ما تقف عليه في موضعه.\n﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قد مرَّ تفسيرُه، والمماثلةُ بين القولين في كونهما تحكُّمًا وعنادًا.\n﴿تَشَابَهَتْ﴾؛ أي: قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العَمَى والعناد (^٣)، اعتراضٌ.\n_________\n(^١) في \"ك\": (جهلهم).\n(^٢) في \"ح\" و\" ف\": (الآيات).\n(^٣) في \"م\": (أو العناد).","vol":"1","page":301},{"text":"وقُرئ بتشديد الشين (^١)، وخطَّأه الفرَّاء قائلًا: ذلك إنما يجوزُ في المضارع بمعنى: تتشَابهُ، فتُدغَم إحدى التاءين في الشين (^٢).\n﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ ذوي بصائرَ.\n﴿يُوقِنُونَ﴾ أنها آياتٌ يجب الاكتفاءُ بها عن غيرها، وأصلُ البيان الذي يقع به الإلزامُ يعمُّ الكلَّ، لكن يخصُّ الموقنين في حقِّ النفع، واليقينُ أبلغ علم وأوكدُه لا يكون معه مجالُ عنادٍ واحتمالُ زوالٍ (^٣)، ولذلك قال في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ولو صح أن يتخلَّف عنه الإذعان لكان درجتُه فوق الإيقان، فكان: من المذعنين، أبلغَ [من] (^٤): ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.\nواللامُ في ﴿الْآيَاتِ﴾ للاستغراق؛ أي: كلَّ الآيات، أو الماهيةِ؛ أي: ما يعرفه العقلاء أنها آياتٌ.\nوتنكير (قومٍ) للتعظيم؛ أي: قومٍ صفتُهم الإيقانُ، وفيه تعريضٌ بأنهم أرذالُ أهلِ الظنِّ والتقليد، وإيذانٌ بأن الإيمان له شأنٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-126\"> </span>(١١٩) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ مصحوبًا به لا يفارقُك.\n﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ للمطيع والعاصي، فلا عليك إلا البلاغُ المبين.\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ٢٠٣)، و\"البحر\" (٢/ ٤٧٠).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٧٥).\n(^٣) في \"ح\" و\" د\" و\"ف\": (زوال).\n(^٤) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"1","page":302},{"text":"﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما بالُهم لم يؤمنوا؟ إذا بلَّغت وبلَغت في دعوتهم جهدك.\nوقرئ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ على النهي (^١)؛ تعظيمًا لِمَا فيه الكفرةُ من العذاب؛ كما تَسألُ عمَّن وقع في بليَّةٍ فيقال لك: لا تسألْ عنه؛ أي: هو في حالةٍ لا يُحتمل سماعُها لفظاعتها وإيحاشها السامعَ، أو أرقُّ أو أجزعُ أن أتكلَّم بها، فلا تكلِّفني، أو أعظمُ أن يَكتَنِهَها (^٢) أو يعبِّرَ عنها عبارة.\nقيل: لمَّا أُمر بتبشير المؤمنين وإنذارِ الكفار كان يَذكر عقوبات الكفار، فقام رجل وقال: يا رسول الله، أين والدي؟ فقال: \"في النار\"، فحزن الرجل، فقال ﵇: \"إنَّ والدَكَ ووالدي ووالدَ إبراهيم في النار\"، فنزل القول المذكور فلم يسألوه (^٣) شيئًا بعد ذلك (^٤).\nوالجحيم: النار الشديدةُ الالتهاب، والجاحم: المكانُ الشديد الحرِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-127\"> </span>(١٢٠) - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (وقولهم لا يكتنهه الوصف بمعنى لا يبلغ كنهه كلام مولد. جوهري. منه).\n(^٣) في (م) و(ك): \"يسأل\".\n(^٤) رواه بنحوه مسلم (٢٠٣) من حديث أنس ﵁ دون ذكر نزول الآية، ورواه بنحوه أيضًا الطبري في \"تفسيره\" (٩/ ١٧) من حديث أبي هريرة ﵁، لكن في نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ولم أجده في نزول هذه الآية.","vol":"1","page":303},{"text":"﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ لفٌّ بعد النشر، على عكس ما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].\nحكى الله تعالى كلامَهم، ولا بدَّ من الحمل على هذا ليطابِقَ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ فإنه يقتضي سابقةَ قولٍ ممَّن (^١) نُدب ﵇ إلى حجاجهم مبنيًّ عن تمادي لجاجهم (^٢).\nوالملَّة من أَمْلَلتُ الكتابَ، وهي اسمٌ لِمَا شرَعه الله تعالى لعباده على لسان نبيِّه، ليَتوصَّلوا به إلى أجلِّ ثوابه، والدِّينُ مثلُها، لكن الملة تقال باعتبارِ الدعاء إليه، والدِّينَ باعتبار الطاعة والانقياد له.\nثم يقال الملة والدِّين لما لم يكن من قِبَلِ الله تعالى على التقييد؛ كقولك: ملة مزدك ودينه.\nقيل: كان ﵇ يجتهدُ في طلب ما يرضيهم ليُقبلوا إلى الإسلام، فقال له: دع طلب ما يرضيهم إلى ما أمرتُك به من مجاهَدتهم، فليس فيه إقناطٌ عن إسلامهم.\n﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ بالغ في تعظيم دين الإسلام بتسميته (^٣) الهدى، وإضافتهِ إلى نفسه، وحَصْرِ الهدى فيه بـ (إنَّ) والضميرِ واللام؛ أي: إن دين الإسلام الذي هو نفسُ الهدى المخصوصِ بالله هو الذي يَستأهِل أن يسمَّى هدًى، وهو الهدى كلُّه لا غير، فيَلزم أن ما عدَاه ليس بهدًى بل هوًى؛ إذ (^٤) كلُّ قول لا حُجةَ معه ولا عن علمٍ فهو هوًى، فلهذا قال على سبيل الفَرْض:\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (لمن).\n(^٢) في \"ح\" و\"ف\": (تمام لجاجهم).\n(^٣) في \"م\": (بتسمية).\n(^٤) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (أول).","vol":"1","page":304},{"text":"﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ آراءَهم الزائغةَ، فإن الهوى رأيٌ عن الشهوة (^١) داعٍ إلى الضلال، وإنما يسمَّى بذلك لأنَّه يَهْوِي بصاحبه في الدنيا إلى كلِّ داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية.\n﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أبهمه ثم بيَّنه للتعظيم؛ أي: من الدِّين المعلوم صحتُه بالبرهان.\n﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ جوابٌ للقسم قد سدَّ مسدَّ جوابِ الشرط.\n﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنك عقابَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-128\"> </span>(١٢١) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم مؤمنو أهل الكتاب.\n﴿يَتْلُونَهُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من (هم)، أو من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ لأنهم لم يكونوا وقت إتيانه تالِينَ له، أو خبرٌ.\n﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تلاوةً كما يجب أن يُتلى، لا يحرِّفونه ولا يكتمون شيئًا منه كنعت الرسول ﵇ وغيرِه.\n﴿أُولَئِكَ﴾ أي: التالُون على ما يجب.\n﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بكتابهم دون غيرهم من المحرِّفين.\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾ بالتحريف والكفر بما يصدِّقه.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المنحصِرون في الخسران (^٢) باشترائهم الضلالةَ بالهدى.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (شهوة).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (بالخسران).","vol":"1","page":305},{"text":"<span id=\"aya-129\"></span><span id=\"aya-130\"> </span>(١٢٣ - ١٢٢) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾:\nلمَّا ذكَّرهم النعمةَ أولًا، وخصَّهم بالخطاب من بينِ بني آدم، وحضَّهم على اتِّباعِ مَن هو رحمةٌ للعالمين، فانقسموا إلى مَن قَبِلَ ومَن أَبَى، فصَّلهم آخِرًا، ثم خاطبهم على سبيل الالتفات بمثلِ الأول خطابًا شاملًا للفريقين عَودًا على بدءٍ تحسُّرًا لمن سَبَا، وتحسيرًا لمن كَبَا.\nوعُلم من ذلك أن التكرير ليس لمجرَّد (^١) التقرير، وفيه حسنُ التخلُّص إلى حديث جدِّهم إبراهيمَ ﵇ على وجهٍ يؤكِّد ما يدنو إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-131\"> </span>(١٢٤) - ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. بأوامرَ ونواهٍ.\nواعلم أن الابتلاء والبلاء يتضمَّن أمرين: تعرُّفُ ما يُجهل من حاله، وظهورُ جودته ورداءته بعده، فربما قُصد الأمران معًا، وربما قُصد أحدها، فإذا نسب إلى الله تعالى فهو الأمر الثاني (^٢)، وليس هذا من ابتلاه الله بكذا: إذا أصابه بما يكرهه وَيشُقُّ عليه؛ لأن حمل الأوامر والنواهي على المكاره وعدَّها من البلايا ليس بمناسب.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (بمجرد).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"ف\": (أي: أنه عار باعتبار إطلاق الفعل على إرادة ما هو الغاية منه، وهذا ما قاله الراغب. منه).","vol":"1","page":306},{"text":"وإبراهيم تفسيرُه بالسُّريانية: أب راحمٌ، وذلك لرحمته بالأطفال.\nقيل: جُعل هو وزوجتُه سارة كافلين لأولاد المؤمنين الذين يموتون صغارًا إلى يوم القيامة.\n﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنَّ حقَّ (^١) القيام، وأطاعه فيهنَّ أحسنَ الطاعة؛ كقوله (^٢): ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].\n(إذ … قال) استئنافٌ، فالعامل في ﴿إذ﴾ محذوف، أو هو العامل في ﴿إذ﴾، والواو داخلة عليه عطفًا على ما قبله عطفَ القصةِ على القصة المشارِ إليها إجمالًا بقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٣).\n﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ من الجعل بمعنى التصيير، فيَتعدَّى إلى اثنين.\n﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ الإمام: اسمٌ لمن يُؤْتمُّ به؛ كالإزار لِمَا يُؤتَزر (^٤) به، وإمامتُه ﵇ مؤبَّدةٌ؛ إذ لم يُبعث بعده نبيٌّ إلا كان مأمورًا باتِّباعه (^٥)، وأمَّا عمومُها فينافي قوله ﵇: \"أُعطيت خمسًا … \" الحديث (^٦).\n﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: واجعل بعضَ ذريتي، واستعمالُ صيغة الأمر في\n_________\n(^١) في \"ك\": (أحسن).\n(^٢) في \"م\": (لقوله).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\" زيادة: (اذكروا).\n(^٤) في \"م\": (يتزر).\n(^٥) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (لم يقل كما قال القاضي: إلا كان من ذريته .. إلخ؛ لأنَّه مع استدراكه في مقام التعليل محل مناقشة. منه).\n(^٦) رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)، من حديث جابر ﵁.","vol":"1","page":307},{"text":"موضع الالتباس سائغ شائع، وهذا أولى من المصير إلى عطف التلقين (^١)؛ لأنَّه لايخلو عن سوءِ أدبٍ (^٢).\nوذريةُ الشخص: نَسْلُه.\n﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: مَن كان ظالمًا من ذريتك لا ينال (^٣) عهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال مَن كان عادلًا. والنَّيل: اللُّحوق.\nواختُلف في المراد بالعهد، والأظهر أنه النبوَّةُ، فلا دلالةَ في الآية على أن الفاسق لا يَصلُح للإمامة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-132\"> </span>(١٢٥) - ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ البيت: اسمٌ غالبٌ للكعبة كالنجم للثريَّا.\n﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ المثابة كالمباءة صيغةً ومعنًى؛ أي: مَرجعًا يثوبون إليه بعد التفرُّق عنه (^٤).\n_________\n(^١) عطف التلقين: هو كما يقال: سأكرمك، فتقول: وزيدًا؛ أي: وتكرم زيدًا، وتريد تلقينه ذلك. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٢٣٣).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (من قال: في العطف احتراز عن صورة الأمر، فكأنه زعم أن فيها شيئًا، وغفل عن قوله: رب اجعل لي وزيرًا. منه).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (يناله).\n(^٤) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (فيه إشارة إلى أنه من قبيل: رجل عدلٌ، لا على حذف المضاف كما تُوُهِّم، والتعليل يناسب ما ذكرنا. منه).","vol":"1","page":308},{"text":"﴿وَأَمْنًا﴾؛ أي: موضعًا في غايةِ الأمن لا يُتعرَّض لأهله؛ لقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].\nقيل: يأمَن حاجُّه من عذاب الآخرة. وفيه نظر؛ لأن الحج لا يجبُّ ما قبله من المظالم.\nوقيل: لا يؤاخَذ (^١) الجاني الملتجئُ إليه حتى يَخرج. وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّه يُلجأ إلى الخروج فلا يبقى آمنًا.\n﴿وَاتَّخِذُوا﴾ على إرادة القول، أو عطفٌ على المقدَّر عاملًا لـ ﴿إذ﴾، أو اعتراض تقديره: ثوبوا إليه واتخذوا (^٢)، وعلى هذا الواوُ فصيحةٌ.\n﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: موضعَ صلاةٍ تصلُّون فيه، وهو على وجه الاستحباب دون الإيجاب، وهو الحجر الذي فيه أثر قدميه، أو الموضعُ الذي كان فيه حين قام عليه ودعا (^٣) الناس إلى الحج، أو رَفَعَ بناءَ البيت وهو موضعُه اليوم.\nروي: أنه ﵇ أخذ بيد عمر ﵁ فقال (^٤): \"هذا مقام إبراهيم\"، فقال عمر: أَفَلا نتخذه مصلًّى؟ فقال ﵇: \"لم أُؤمر بذلك\"، فلم تَغِبِ الشمس حتى نزلت (^٥).\n_________\n(^١) في \"ك\": (يؤخذ).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (عبر القاضي عن الأول بالمقدر وعن الثاني بالمضمر ولا وجه للفرق. منه).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (ودعا به).\n(^٤) في (م) و(ك): \"وقال\".\n(^٥) رواه أبو نعيم \"الحلية\" (٣/ ٣٠٢)، ورواه ابن ماجه (١٠٠٩)، والطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٢)، إلى قوله: (أفلا نتخده مصلى).","vol":"1","page":309},{"text":"وقيل: المراد به الأمرُ بركعتي الطَّواف، لِمَا رَوَى جابر ﵁: أنه ﵇ لمَّا فرغ من طوافه عَمَدَ إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^١).\nوقُرئ: ﴿واتَّخَذوا﴾ بلفظ الماضي (^٢) عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: اتَّخَذ الناس مقامه الموسومَ به - يعني: الكعبة - قبلةً يصلُّون إليها، ويحتمِل أن يكون أمرًا على صيغة الخبر للتأكيد فتتوافَقُ القراءتان، وعلى هذا يتعيَّن كونُ الأمر للإيجاب.\n﴿وَعَهِدْنَا﴾ أَمَرْنا ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا﴾؛ أي: بأنْ طهِّرا ﴿بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأنجاس.\nويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ مفسِّرةً؛ لتضمُّن العهدِ معنى القول، والمعنى: دُومَا على تطهيره، فهو أمرٌ أن يُبقياه على الطهارة، لا أن يكون فيه نجاسةٌ فيزيلاها، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥] أي: مُبقاةٌ على الطهارة الأصلية.\n﴿لِلطَّائِفِينَ﴾؛ أي: للدائرين حولَه.\n﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ العاكف: مَن لزم الشيءَ وأقام (^٣) عليه.\n﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمعُ الراكع والساجد؛ أي: المصلِّين، والصلاة تشتمل على أفعالٍ أقربُها إلى الخشوع هذان، وتُرك العاطف بينهما لكمال الاتصال.\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٣) في \"م\": (أو قام).","vol":"1","page":310},{"text":"<span id=\"aya-133\"> </span>(١٢٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾؛ أي: هذا البلد، أو هذا المكان.\n﴿بَلَدًا آمِنًا﴾: ذا أمن؛ كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أو: آمنا مَن فيه غريبًا كان أو من أهله؛ كقولك: ليلٌ نائمٌ.\nوالبلد: الأثر في الجلد، وإنما سُمي (^١) البلد بلدًا لِمَا فيه من الآثار.\n﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الثمرة: هي جميع ما يخرج من الأرض والأشجار، فهو سواءٌ في الطعام والفواكه، وذلك لأنَّه أَسكن أهله بِوادٍ غيرِ ذي زرعٍ ولا ضَرْع، وإنما قال: ﴿أَهْلَهُ﴾ دون: أهلي؛ تعليمًا للدعاء؛ كما هو اللائق بشأن الأنبياء.\n﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ بدل من ﴿أَهْلَهُ﴾؛ أي: وارزقِ المؤمنين من أهله خاصةً، قالوا: قاس إبراهيم ﵇ الرزق على الإمامة، فخصَّ الرزق المطلوبَ بالمؤمنين.\nوهذا القياسُ لا يليق بشأنه ﵇؛ لظهور الفرق بينهما عند مَن له أدنى تمييزٍ، فالوجهُ أنْ يقال: إنه ﵇ أبى عن تعميمِ الدعاء للكفار؛ لأنَّ الكافر لا يُدْعَى له بل يُدْعى عليه، قال ﵇: \"اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ\" (^٢)، وقال موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، وخشي\n_________\n(^١) في \"م\": (وإنما يسمى).\n(^٢) رواه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"1","page":311},{"text":"أن يخرج ذلك مخرجَ المعونة لهم على العصيان، أو أراد أن يجعل ذلك آيةَ ترغِّبُ الكفار في الإسلام (^١).\n﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ مبتدأ تضمَّن (^٢) معنى الشرط، وجوابه وخبره مقدَّر تقديرُه: فلا أهلكه، والفاء في قوله:\n﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ فصيحةٌ، وجعلُه جوابًا وخبرًا يأباه الفاء، فإن الكفر لا يصلح سببًا للتمتُّع لا كثيرًا ولا قليلًا، نعم يصلُح لتقليله لكن صرف النظم إليه لا يخلو عن تعسُّف.\nوأمَّا عطف (مَن كَفَر) على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ ففيه أنَّ العطف يقتضي التشريكَ في العامل، فيصير التقدير: قال إبراهيم: وارزق مَن كفر، ولا يناسبه السبَاق واللحاق.\nومن هنا ظهر ما في قراءةِ الخبَرين على لفظ الأمر (^٣) - على أنه من دعاء إبراهيم ﵇ من القصور، كيف والمناسبُ له ﵇ طلبُ الهداية إلى الإسلام لمن كَفَر، لا طلبُ خَتْمهم على الضلالة؟\n﴿قَلِيلًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو على الظرف؛ أي: زمانًا قليلًا.\n﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾؛ أي: ألزُّه إليه لزَّ المضطرِّ؛ لكفره.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (آية ترغيب للكفار في الإسلام)، وفي \"م\": (آية الكفار للإسلام)، وفي \"ك\": (آية ترغب الكفار للإسلام).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (مبتدأ فيه).\n(^٣) أي: (فأَمْتِعْه قليلًا ثم اِضْطرَّه) وتنسب لابن عباس ومجاهد. انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٥٤)، و\"البحر المحيط\" (٢/ ٥١٣).","vol":"1","page":312},{"text":"وقرئ: (فأطَّرُّه) بإدغام الضاد في الطاء (^١)؛ كما قالوا: اطَّجَعَ، نقل سيببويه عن بعض العرب: مطَّجعًا، في مُضْطَجعٍ، وقال: ومضطجعٌ أكثر (^٢).\nفدلَّ على أن (مطَّجعًا) كثير، فلا يكون لغةً مرذولةً.\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصيرُهم، فحُذف المخصوصُ بالذمِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-134\"> </span>(١٢٧) - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿يَرْفَعُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، أوردها مع (إذ) استحضارًا لها ليَعْظُمَ وقعُها في النفوس، ولهذا أُبْهِم.\n﴿الْقَوَاعِدَ﴾ بالإطلاق، ثم بيَّنها بالتقييد بقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ تفخيمًا لشأن المبيَّن.\nوالقاعدة: هي الأساس والأصلُ لِمَا فوقَه، وهي من الصفات الغالبة من القعود بمعنى الثابتة.\nورفعُ القواعد: هو البناء عليها؛ لأنها بالبناء عليها نُقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع.\n﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ عطف على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فهما مشترِكان في الرفع.\n﴿رَبَّنَا﴾ أي: يقولان: ربَّنا، والجملة حالٌ منهما.\n﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ أي: هذا العملَ الذي قصَدْنا به رضاك.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لدعائنا (^٣) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بِنيَّاتنا.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩).\n(^٢) انظر: \"الكتاب\" (٤/ ٤٧٠)، و\"البحر\" (٢/ ٥١٨).\n(^٣) في \"م\": (بدعائنا).","vol":"1","page":313},{"text":"<span id=\"aya-135\"> </span>(١٢٨) - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا﴾ عطفٌ على الدعوة السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذ بذكره والخضوعِ بالمربوبية (^١).\n﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ مخلصَينِ لك، مِن أَسْلَم وجهَه، أو مُنقادِينَ مِن أَسْلَم بمعنى: استسلم، والمراد طلبُ الزيادة على ما كان أو الثباتُ عليه.\nوقرئ: (مسلمِينَ) (^٢) على أنَّ التثنية من مراتب الجمع، وقيل: أرادا أنفسَهما وهاجرَ.\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ خَصَّا الذرِّيةَ بالدعاء؛ لأنهم أحقُّ بالشفقة، وأتَيَا بأداة التبعيض لأنَّه تعالى كان أعلمَهما أن في ذريتهما مَن لا ينال العهد لكونه ظالمًا.\nوأما ما قيل: إن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبالَ الكلي على الله تعالى، فإنه مما يشوِّش المعاش، فلا يَصلح وجهًا لِمَا ذُكر كما لا يخفى (^٣).\n﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الإسلامُ هو الانقيادُ بالخضوع.\n﴿وَأَرِنَا﴾ من الرؤية بمعنى الإبصار أو المعرفة؛ دلَّ على ذلك الاقتصارُ على مفعولين.\n_________\n(^١) في \"م\": (للربوبية). وفي \"ك\": (بالربوبية).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩) عن الحسن وعوف الأعرابي.\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": الأن الإسلام لا يقتضي الإقبال الكلي على الله تعالى، ثم إن عدم الاقتضاء لا يلزم اقتضاء العدم فافهم. منه).","vol":"1","page":314},{"text":"والاختيارُ أن يُقرأ بكسر الراء، وهي قراءةُ الجمهور؛ لأنها كسرةُ الهمزة نُقلت (^١) إلى الراء وسقطت الهمزة، فلا ينبغي أن يُسكَّن قياسًا على فَخْذٍ في فَخِذٍ، كما فعله ابنُ كثير (^٢)؛ لئلا يُجحَف بالكلمة وتَبطل الدلالةُ على الهمزة.\n﴿مَنَاسِكَنَا﴾ متعبَّداتِنا في الحج؛ قال الزجَّاج: كلُّ متعبَّد مَنسَكٌ [ومَنسِكٌ] (^٣)، والنُّسك في الأصل: غايةُ العبادة، وشاع في الحج لِمَا فيه من الكُلفة والبُعد عن العادة.\nأو: مذابحَنا، فإن النُّسك خُصَّ بالذبيحة، وتُعورِفَ فيه حتى قيل: نَسَكَ فلانٌ: إذا ذَبَح.\n﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ التوبة هنا: رجوع إلى الطاعة عن العصيان، ومن الله تعالى: رَجْعٌ بالإحسان، ولهذا يتعدَّى بـ (على)، وذلك أنَّ تاب بمعنى: رجع، فكما أنَّ رَجَعَ لازمٌ ومتعدٍّ كذلك تاب لازمٌ ومتعدٍّ (^٤).\nوإنما قالا ذلك هضمًا لأنفسهما، واستتابةً عما فَرَط منهما سهوًا، أو إرشادًا لذريتهما.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"د\" و\"م\": (جعلت).\n(^٢) قرأ ابن كثير من السبعة: (أرْنا) بسكون الراء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (١/ ٢٠٩)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (وقد أشار الجوهري إلى هذا حيث قال: التوبة الرجوع من الذنب، ثم قال: وقد تاب الله عليه وفقه لها. منه).","vol":"1","page":315},{"text":"<span id=\"aya-136\"> </span>(١٢٩) - ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿رَبَّنَا﴾ تكريرٌ لِمَا مرَّ ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾؛ أي: في ذريتهما، لا في الأمة المسلمة لعدم الدلالة حينئذ على أنهم أمةُ ذلك الرسول.\n﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ البعث فيهم لا يستلزم أن يكون منهم كالعكس، ولهذا جمع بينهما.\n﴿يَتْلُو﴾ يقرأ ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ المراد بالآية: المعجزةُ الواضحة الدلالةِ، وفي عبارة التلاوة إشارةٌ إلى أنه أراد أن يكون للرسول المسؤولِ معجزاتٌ من جنس الكلام.\n﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ أي: يَلطُفهم في التفهيم (^١) شيئًا فشيئًا.\n﴿الْكِتَابَ﴾: كلامَ الله تعالى المنزلَ (^٢) عليه ﵇، وهو أعمُّ من القرآن (^٣)؛ لاشتماله على منسوخِ التلاوة الخارجِ عن القرآن.\n﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ السنَّة، ذكره قتادةُ (^٤)، ووجهُ المناسبة بينهما: أن الحكمة تنتظِم العلمَ والعمل كما أن السنة تنتظِم القولَ والفعل.\n﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: ويطهِّرهم؛ أي: يحلِّيهم بالفضائل ويخلِّيهم عن الرذائل، وإنما قدِّم الأول لأن عِلْمَ القبائح يكون سببًا لتركها.\n_________\n(^١) في \"د\": (التفهم)، وفي \"م\": (الفهم).\n(^٢) في \"ك\": (أي المنزل).\n(^٣) في \"ك\" و\"م\": (القراءة).\n(^٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٥٧٦).","vol":"1","page":316},{"text":"والجامع لِمَا ذكر إنما هو محمدٌ ﵇، وقد روي أنه ﵇ قال: \"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارةُ أخي عيسى، ورُؤيا أمِّي آمنةَ\" (^١).\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الغالبُ الذي يَقهر ولا يُقهر.\n﴿الْحَكِيمُ﴾ المحكِمُ لأوامره (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-137\"> </span>(١٣٠) - ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الرغبةُ: سعةُ الإرادة، ومنه: بطن رغيب؛ أي: نهِمٌ، ومتى عُدِّي بـ (عن) اقتضى صَرْفَ الإرادة عن ذلك الشيء، وذلك بالتزهُّد فيه.\nو(مَن) للاستفهام على وجهِ الاستبعاد، والمراد الجحدُ على وجهٍ أبلغَ؛ أي: لا يزهدُ في ملَّة إبراهيم ﴿إِلَّا مَنْ﴾ إلا الذي ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أذلَّها واستَخفَّ بها.\nقال المبرِّد وثعلبٌ: إن سَفِه - بكسر الفاء - يتعدَّى كسفَّه المشدَّدِ، ويشهد له ما جاء في الحديث: \"الكبرُ أن تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمِصَ الناسَ\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٧١٦٣)، وفيه: (.. ورُؤْيا أُمي التي رَأَتْ أنَّهُ خَرَجَ منها نُورٌ أَضَاءَتْ له قُصُورُ الشَّام).\n(^٢) في \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (المحكم له).\n(^٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢٠٥٢٠)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٦٥٨٣)، والبزار في \"مسنده\" (٢٤٣٣)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. ولفظ المسند: \" .. سَفَه الحقِّ وغمصُ الناس\". وروى مسلم (٩١) من حديث ابن مسعود ﵁ نحوه، ولفظه: \"الكبر بطر الحق وغمط الناس\". والغمص كالغمط: وهو الاستهانة والاستحقار.","vol":"1","page":317},{"text":"والمستثنى في محلِّ الرفع بدلًا (^١) من الضمير الذي في ﴿يَرْغَبُ﴾، وهو أجودُ من النصب على الاستثناء.\n﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: جعلناه صافيًا من جميع ما لا يليقُ خلَّةَ الحق، والاصطفاء في الأصل: تناوُلُ صفوةِ الشيء؛ كما أن الاختيار تناولُ خيره، والاجتباءَ تناولُ جابَته؛ أي: وسطِه، وهو المختار.\n﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من الباقين على الصَّلاح في الدنيا حتى يكون كذلك في العُقبى، فكم مِن صالحٍ في أولِ حاله ذهب صلاحُه في مآله! فهو في مقام التعليل لاصطفائه في الدنيا؛ كما أنه في مقام التعليل لِمَا سبق من أنه حقيق بالاتِّباع لا يَرغب عنه إلا سفيهٌ أو متسفِّه أذلَّ (^٢) نفسه بالجهل والإعراض عن النظر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-138\"> </span>(١٣١) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ العامل في ﴿إِذْ قَالَ﴾: ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ أي: حين أمره الله تعالى بالإسلام قال: أسلمتُ، استئنافٌ تعليليٌّ لِمَا تقدم من الفلاح في الدارين.\nوإنما زاد قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لبيانِ أن المراد من الإسلام هو الانقيادُ عن عرفانٍ بما يوجب الإذعان، لا مجردُ الإقرار باللسان.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (بدل).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (أخل).","vol":"1","page":318},{"text":"<span id=\"aya-139\"> </span>(١٣٢) - ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿وَوَصَّى بِهَا﴾؛ أي: بملَّة الإسلام المذكورة.\n﴿إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ والتوصية: التقدُّم بفعلٍ فيه صلاحٌ دينيٌّ أو دنيويٌّ، وقرئ: ﴿وأوصى﴾ (^١)، والأول أبلغ. واشتقاقُها من وصَّاه؛ أي: وصَله، ويضادُّه فصَّاه؛ أي: فصَله.\n﴿وَيَعْقُوبُ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: وصَّى هو أيضًا بها بنيهِ، وقرئ بالنصب (^٢) على أنه ممن وصَّاه إبراهيم، وإنما مُنع عن الصرفَ للعلَمية والعُجمة.\n﴿يَابَنِيَّ﴾ على إضمار القول، أو متعلِّق بـ (وصَّى)؛ لأنَّه نوع منه، وباعتباري القول والفعل يجوز إثباتُ (أنْ) وحذفُها؛ كما في الرسالة والإبلاغ والإنذار والوعد.\n﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ دينَ الإسلام الذي هو صفوةُ الأديان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ كناية عن الثبات على الإسلام، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ العبرة للخاتمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-140\"> </span>(١٣٣) - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٧).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩).","vol":"1","page":319},{"text":"﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ؛ أي: ما كنتُم حاضرين.\n﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ﴾ وقال لبَنيه ما قال، فلِمَ تدَّعون اليهوديةَ عليه.\nرُوي (^١) أن اليهود قالوا لرسول ﷺ: ألستَ تعلمُ أن يعقوب أوصى بنيهِ باليهودية يومَ ممات؟ فنزلت.\nوالشُّهود: حضور بالذات، أو بالعناية، أو بالمقال، والحضورُ أكثرُ ما يقال بالذات، كذا قال الراغب (^٢).\nوتقديمُ المفعول - وهو ﴿يَعْقُوبَ﴾ - لشدةِ الاهتمام به؛ لأنهم يدَّعون عليه اليهودية.\n﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ بدلٌ من ﴿إِذْ حَضَرَ﴾.\n﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ لم يَعْنِ به العبادةَ المشروعةَ فقط، بل عنَى جميع الأعمال، فكأنه دعاهم أنْ لا يتخيَّروا في أعمالهم غيرَ وجه الله تعالى، ولم يَخَفْ عليهم الاشتغالَ بعبادة الأصنام، وإنما خاف أن تشغَلهم دنياهم، ولهذا زادوا في الجواب قولهم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون له في جميع الأفعال والأحوال.\n﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ أي: نقتدي بك كما اقتديتَ بآبائك، وللإشعارِ بهذا الاعتبارِ المناسب للمقام زادوا في الكلام على قَدْر الحاجة في الجواب،\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (وروي).\n(^٢) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٣٢٠).","vol":"1","page":320},{"text":"وقُرئ: (وإنهَ أبيك) (^١) على أنه جمعُ أبٍ على السلامة، أو مفردٌ و﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيانٍ.\n﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ بدلٌ عن قوله: ﴿آبَائِكَ﴾، وإبراهيمُ ﵇ كان جدًّا له والجدُّ أبٌ؛ قال الله تعالى ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].\nوإسماعيلُ ﵇ كان عمًّا له، والعمُّ عند العرب يسمَّى أبًا، قال النبيُّ ﵇ في حقِّ العباس ﵁: \"ردُّوا عليَّ أبي\" (^٢)، وإنما قدَّمه على أبيه إسحاق لأنَّه كان أكبرَ سنًا منه (^٣).\n﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾، ويجوز أن يكون ﴿وَاحِدًا﴾ حالًا ﴿إِلَهًا﴾ توطئةً، والفائدة: التنصيصُ على أن معبودهم واحدٌ، ونفيُ التوهُّم الناشئ (^٤) من تكرير المضاف، وأمَّا النصبُ على الاختصاص فيردُّه نصُّ النُّحاة على أن المنصوب على الاختصاص لا يكون نكرةً ولا مبهَمًا.\n﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ حال من فاعل ﴿نَعْبُدُ﴾ أو مفعولِه، أو منهما، ويجوز أن يكون جملةً معطوفةً على ﴿نَعْبُدُ﴾ أو اعتراضيةً.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩).\n(^٢) قطعة من خبر طويل رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٦٩٠٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٣١٢ - ٣١٥)، عن عكرمة مرسلًا.\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (قال القاضي: وعدّ إسماعيل من آبائه تغليبًا للأب والجد، ولم يصب في قوله: والجد؛ لأنَّه غير مذكور لفظًا، ثم قال: أو لأنَّه كالأب؛ لقوله ﵇: \"عم الرجل صنو أبيه\"، وكأنه ظن أنه حينئذ لا حاجة إلى التغليب، وليس كذلك.\nمنه).\n(^٤) قيل: لتعذر العطف على المجرور، وكأن هذا القائل غافل عن عطف ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ في قوله تعالى: (تساءلون به والأرحامِ) على قراءة حمزة. منه).","vol":"1","page":321},{"text":"<span id=\"aya-141\"> </span>(١٣٤) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ الإشارة إلى إبراهيم ويعقوب وبَنِيهِما، والأمَّة: أهلُ الملَّة الواحدة، وهي في الأصل: المقصودُ، من أمَّه؟ كالعُمْدة مِن عَمَده، ويسمَّى بها الجماعةُ؛ لأن الفِرَق تؤمُّها.\n﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أي: مضتْ وصارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيسَ بها، وَيلزمُه الانفرادُ، ومنه: خلا الرجل بنفسه: انْفَرَد (^١)، وخلا المكانُ من أهله؛ أي: انْفَردَ منهم.\n﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الكسب: اجتلابُ النفع بعلاجٍ ومراس (^٢)، ولذلك لا يجوز في صفة الله تعالى، وإذا قيل في المضرَّة فعلى طريقِ الاستعارة، وتقديمُ (لها) و(لكم) للتخصيص، والجملةُ استئنافٌ لبيان أن الانتفاع بالاكتساب لا بالانتساب.\n﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تتميمٌ لِمَا تقدَّم؛ أي: لا يثاب ولا يعاقَبُ أحد بما كان من الآخر، على أن المراد سؤالُ المؤاخذة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-142\"> </span>(١٣٥) - ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ أي: رؤساء اليهود ونصارى نجران.\n﴿كُونُوا﴾ المأمورون مَن آمَن برسول الله ﵇.\n﴿هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ كان الظاهر إيرادَ أداة الجمع؛ لأن كلام المجموع مجموعُ\n_________\n(^١) في \"م\": (إذا انفرد).\n(^٢) في \"د\": (ومراس الممارسة).","vol":"1","page":322},{"text":"الكلامين، إلا أنه أراد أن يضمِّن الكلام بيانَ انقسام المقال على الانفصال الحقيقيِّ فأتى بأداة المنع.\n﴿تَهْتَدُوا﴾ جوابُ الأمر.\n﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: قل يا محمدُ جوابًا عن قيلهم: بل نكونُ أهلَ ملة إبراهيم، على حذف المضاف.\nوقرئ: (مِلَّةُ) بالرفع (^١)، على معنى: بل المهتدون ملةُ إبراهيم.\n﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من المضاف أو من المضاف إليه، والحنيف: المائل، والمراد: الميلُ عن الأديان كلِّها إلى دِينِ الحقِّ؛ كان يقال في الجاهلية لمن كان على دين إبراهيم ﵇: حنيفٌ، لميلهم عن طريقتهم إلى طريقةٍ غيرها.\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تعريضٌ إلى أن كلتا الطائفتين قد أَشركت.\n* * *\n\n<span id=\"aya-143\"> </span>(١٣٦) - ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿قُولُوا﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون خطابًا للكافرين على أن المراد بقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: بل كونوا أهلَ ملَّتِه لتكونوا مهتدين، فيكون ﴿قُولُوا﴾ بيانًا له.\n﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بأُلوهيَّته ووحدانيَّته وسائرِ صفاته، ومن جملتها كلامُه فكان\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠).","vol":"1","page":323},{"text":"الإيمان به مشتملًا للإيمان (^١) بجميع ما أُنزل من عنده، فلهذا لم يفْصل بينهما بأداة التعدية الدالةِ على الاستقلال.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: القرآن، قدَّمه لأن التصديق به أهمّ وأتمّ.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ من الصُّحف.\n﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ عُطفوا على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ لأنهم لمَّا كلِّفوا العمل بشريعته صارت الصحف المنزلةُ عليه كأنها منزلةٌ إليهم.\n﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾: أولاد يعقوب، جمع سِبطٍ: وهو في الأصل كالطائفة والفرقة، والأسباطُ في أولاد إسحاق ﵇ كالقبائل في أولاد إسماعيل ﵇، وهم جماعةٌ من أبٍ وأمٍّ مأخوذٌ من السَّبَط (^٢)، وهو شجرةٌ واحدةٌ لها أغصانٌ كثيرةٌ.\n﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراة والإنجيل والآيات البيّنات، ولهذا أتى هنا بعبارة ﴿أُوتِيَ﴾ ولم يكرِّر ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾ لأن شريعة عيسى ﵇ هي شريعةُ موسى ﵇ إلا في النَّزْر، وأفردهما بالذكر لوقوعِ النزاع فيهما.\n﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ تعميمٌ بعد التخصيص.\n﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: منزلٌ من ربهم.\n﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: لا نكون كالذين آمَنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ من اليهود والنصارى، و(أحد) عامٌّ فساغ أن يضاف إليه (بين)، وعمومُه ليس من جهةِ كونه نكرةً في سياق النفي كما هو السابقُ إلى الوهم، بل لأنَّه موضوعٌ له في النفي\n_________\n(^١) في \"ك\": (يشمل الإيمان).\n(^٢) بالتحريك: جمع سَبَطة. انظر: \"الدر المصون\" (٢/ ١٣٨).","vol":"1","page":324},{"text":"المستوي (^١) فيه المذكَّرُ والمؤنَّثُ، والواحدُ وما وراءه، ولو قال: بينهم، لكان أوجَزَ، إلا أنه لمَّا كان القصد إلى أن يبيِّن أن لا نفرِّق بين واحدٍ وواحدٍ ذكر لفظ أحد (^٢).\n﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مذعِنون مخلِصون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-144\"> </span>(١٣٧) - ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿فَإِنْ﴾ الفاءُ لترتيب الكلام على ما تقدَّم.\n﴿آمَنُوا﴾؛ أي: اليهودُ والنصارى.\n﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بمثلِ إيمانكم، فـ ﴿مَا﴾ مصدريةٌ، و﴿بِهِ﴾ بدلٌ من ﴿بِمِثْلِ﴾ يفيد التأكيد، وكذا الباءُ المزيدة. ويجوز أن يكون للآلة، والمعنى: إنْ تحرَّوا بطريقٍ يهدي إلى الحق مثلِ طريقكم، فإنَّ وحدة المقصِد لا تأبى تعدُّد الطرق، أو المِثْلُ مقحَمٌ كما في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠]؛ أي: عليه، ويشهد له قراءةُ: (بما آمنتم به)، و: (بالذي آمنتم به) (^٣).\n﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: أصابوا الصراطَ السَّوِيَّ.\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقال: تولَّاه؛ أي: اتَّخذه وليًّا، قال تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]، وإذا وُصل بـ (إلى) يكون بمعنى الإقبال عليه، قال تعالى:\n_________\n(^١) في \"د\": (مستو).\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (صرح به صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾. منه).\n(^٣) القراءتان في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠)، و\"المحتسب\" (٢/ ١١٣).","vol":"1","page":325},{"text":"﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] وإذا وُصل بـ (عن) يكون بمعنى الإعراض وهو المراد هاهنا؛ أي: إن أعرضوا عن الإيمان بما آمنتم به، أو عمَّا تقولون لهم.\n﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾؛ أي: فما هم إلا في شقاقٍ عظيمٍ، وهو المناوأةُ والمخالَفة لأهل الحق، فإنَّ كلَّ أحدٍ من المتخالِفَينِ في شقٍّ غيرِ شقِّ الآخَر.\n﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تسليةٌ وتسكينٌ للمؤمنين، ووعدٌ لهم بالحفظ والنصر، والسِّينُ إشارةٌ إلى كون الوعد محقَّقَ الوقوع قريبَه (^١).\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حُذف المفعول للتعميم، أو تُرك تنزيلًا للمتعدِّي منزلةَ اللازم لإيهام المبالغة، وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكفار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-145\"> </span>(١٣٨) - ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾.\n﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ انتصب انتصابَ المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة من قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أي: صَبَغَنا الله تعالى بالإيمان الفطريِّ صبغتَه، وهي فطرةُ الله التي فَطر الناسَ عليها، فإنها حِلْيةُ الإنسان كما أن الصبغةَ حِليةُ المصبوغ، أو: هدانا الله تعالى هدايتَه وأرشدَنا حُجَّتَه، أو: طهَّر قلوبَنا بالإيمان تطهيرَه، وسماه صبغةً؛ لأنَّه ظهر أثرُه عليهم ظهورَ الصبغ على المصبوغ، وتداخَلَ في قلوبهم تداخُلَه الثوب.\nوقيل: إنه كلامٌ واردٌ على طريقِ المشاكَلة (^٢)، وذلك أنه كان للنصارى صبغٌ\n_________\n(^١) في (د): \"قويه\"، وفي (ح) و(ف) و(م): \"قرينه\".\n(^٢) والمشاكلة واقعة بين فعل الفارس وقول القائل أعرس فإن المراد بقوله أعرس عرس الكريم، فلولا فعل الفارس لم يحسن منه كما يعرس فلان، كما أن قوله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مشاكلة بفعل النصارى وإن لم يوجد منهم قول، وقال الزجاج: يجوز أن يكون صبغة الله بمعنى خلق الله الخلق أي الله تعالى ابتدأ الخلق الإسلام لقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ. طيبي.","vol":"1","page":326},{"text":"يسمُّونه: المعمودية، وهو ماء أصفر كانوا يغمسون أولادهم فيه يزعمون أنه تطهير لهم، ويقولون للمغموس: الآن صار نصرانيًّا حقًّا.\n﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ أي: لا أحد أحسن من الله صبغة.\n﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ عطف على ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، أو على قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وهو حال من ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، وفيه تعريضٌ بهم؛ أي: لا نُشرك به كشركِكُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-146\"> </span>(١٣٩) - ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ المحاجَّة: المقاومة في إظهار الحجة المبيِّنة للمَحَجَّة؛ أي: للمَقْصِد.\n﴿فِي اللَّهِ﴾ في شأنه واصطفائه نبيًّا من قريش، روي: أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلُّهم منا، فلو كنتَ نبيًّا لكنتَ منَّا، فنزلت.\n﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ لا اختصاصَ لربوبيته بقومٍ دون قومٍ، يُصيب برحمته مَن يشاء من عباده.\n﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فكما أن لكم أعمالًا ربما يعتبرها الله تعالى، فكذلك لنا أعمال.\n﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: في الاعتقاد والعمل لا أنتم، فكيف تكونون أفضل منا وأولى؟ كأنهم ألزمهم على كلِّ مذهب ينتحلونه إفحامًا وتبكيتًا، فإن كرامة النبوة إما بفضلٍ من الله تعالى على مَن يشاء والكلُّ فيه سواءٌ، وإما إفاضةُ حق على المستعدِّين لها بالمواظَبة على الطاعة والتحلِّي بالإخلاص.\n* * *","vol":"1","page":327},{"text":"<span id=\"aya-147\"> </span>(١٤٠) - ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾:\nعلى القراءة بالتاء الفَوقانيَّة (^١): يحتمل أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلةً معادِلةً للهمزة في ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾، يعني: أيَّ الأمرين تأتون: المحاجَّةَ في الله، أم ادِّعاءَ اليهودية والنصرانية على الأنبياء ﵈؟ وأن تكون منقطعةً.\nوعلى القراءة بالياء التحتانية لا تكون إلا منقطعة؛ لأن المتصلة تقتضي المساواة بين ما يلي الهمزة و(أم)، ولا مساواة حينئذ.\nومعنى الاستفهام: الإنكار، وعلى تقدير اتصال (أم) إنكارُ الأمرين جميعًا، وكذا على تقدير انقطاعها، وفي القراءة الثانية إعراضٌ عن الخطاب لهم استجهالًا لهم بما كان منهم.\nوفي: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ إنكارٌ للقِسم الأول وتقريرٌ للثاني؛ أي: إن الله تعالى شهد لهم بملة الإسلام في قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعُه في الدِّين اتِّفاقًا.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً﴾ ثابتة ﴿عِنْدَهُ﴾ كائنة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: شهادةَ الله تعالى في حق إبراهيم التي ثبتت عنده في كتابه الذي يتلوه.\nوالمعنى: لا أحد أظلمُ من أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا الشهادة، أو منَّا لو كتمنا\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٧).","vol":"1","page":328},{"text":"هذه الشهادة، وفيه تعريضٌ لهم بكتمانهم شهادة الله تعالى لمحمدٍ ﵇ بالنبوة في كتبهم وغيرِها، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] ما يتعلَّق بهذا المقام من بيانِ وجهِ هذه الطريقة من الكلام.\n﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وعيد لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-141\"> </span>(١٤١) - ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تكرير للمبالغة في التحذير والزَّجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتِّكال عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-149\"> </span>(١٤٢) - ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قد مرَّ معنى السَّفَه، والمراد: المنكِرون لتغيير القِبلة من المنافقين والمشركين واليهود، وفائدةُ تقديم الإخبار به مع أنه نوع هن الإعجاز: توطينُ النفس وإعداد الجواب.\n﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ ما صرَفَهم.\n﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بيتَ المقدس (^١)، والقبلةُ وإن كانت في الأصل\n_________\n(^١) في (م) و(ك) زيادة: \"والقبلة\".","vol":"1","page":329},{"text":"اسمًا للحال التي عليها الإنسانُ من الاستقبال كالجِلْسة والقِعْدة، فقد صارت في التعارُف للمكان المتوجَّهِ نحوه للصلاة إليها.\n﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ كنى بهما عن الجهات كلِّها؛ أي: نسبةُ (^١) جميع الجهات إليه تعالى على السَّواء، فلا يختصُّ بأمره مكانٌ دون مكانٍ لخاصِّيَّةٍ ذاتيةٍ يمتنع إقامةُ غيره مُقامه، وإنما العبرةُ بارتسامِ أمره لا بخصوصِ المكان.\n﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو ما عَلم الله تعالى صلاحَهم واستقامةَ أمرهم فيه من توجيههم (^٢) إلى بيت المقدس تارةً وإلى الكعبة أخرى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-150\"> </span>(١٤٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الجعلِ العجيبِ، والإشارةُ إلى الجعل المدلول عليه بـ ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ لا إلى الجعل المفهوم من الآية المتقدِّمة، وإنما جيء بما يدلُّ على البعد تفخيمًا، والكافُ مقحَمٌ للمبالغة.\n﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ إخبارٌ بكونهم عدولًا مزكَّين بالعلم والعمل، وهو في الأصل اسمٌ للمكان الذي تستوي إليه المساحةُ من الجوانب في المدوَّر، ومن الطرفين في المطوَّل؛ كالنقطةِ من الدائرة، ولسانِ الميزان من العمود، فجُعل عبارة\n_________\n(^١) في (م): (كلها إشارة إلى أن نسبة).\n(^٢) في \"ك\": (توجههم).","vol":"1","page":330},{"text":"عن العدل، وشُبِّه به كلُّ ما وقع بين طرفي (^١) إفراطٍ وتفريطٍ، كالجود بين السَّرَف والبخل، والشجاعةِ بين التهوُّر والجبن، ثم جُعل عبارةً عن المختار من كلِّ شيء، حتى قيل: فلان من أوسطهم نسبًا، فاستوى فيه الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث، كسائر الأسماء التي يوصَف بها.\n﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ﴾ يعني: الأنبياءَ ﵈ يومَ القيامة.\n﴿عَلَى النَّاسِ﴾ على الكفار.\n﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ هو محمد ﵇ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ خاصة ﴿شَهِيدًا﴾ معدِّلًا مزكِّيًا لهم، والشهيدُ كالرقيب والمهَيمِن، فجيء ب (على) لاستعلائه المشهودِ له.\nروي أنَّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغَ الأنبياء ﵈، فيطالِبُ الله تعالى الأنبياء ﵈ بالبيِّنة على أنهم بلَّغوا وهو أعلَمُ، فيأتون محمدًا ﵇ يلتمِس كلُّ رسول منه طائفةً من أمته تَشهد له، فيَشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتُم؟! فيقولون: علِمنا ذلك بإخبارِ الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيِّه الصادق، فيؤتَى بمحمد ﵇ فيُسألُ عن أمته، فيزكِّيهم ويشهدُ بعدالتهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (^٢).\nواستدل بالآية المذكورة على أن الإجماع حجة، إذ لو كان فيما اتَّفقوا عليه باطل لانثَلمت (^٣) به عدالتُهم، ولا يخفى ضعفُه؛ إذ غاية ما لزم حينئذ خطؤهم في الاجتهاد\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (طرفين).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٩٩). وانظر حديث أبي سعيد ﵁ في \"صحيح البخاري\" (٤٤٨٧)، و\"مسند أحمد\" (١١٥٥٨)، و\"السنن الكبرى\" للنسائي (١٠٩٤٠)، و\"سنن ابن ماجه\" (٤٢٨٤).\n(^٣) في \"ك\": (لاتهمت).","vol":"1","page":331},{"text":"ولا تنثلم به العدالة، كيف والخطأ في الاجتهاد مما يثاب عليه؟ وما يثاب عليه لا يكون قادحًا في العدالة.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: الجهةَ التي كنت عليها وهي الكعبة، كان ﵇ يصلي إليها بمكة، ثم أُمر بعد الهجرة بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، لا تألُّفًا لليهود لأنَّه مردودٌ بالحصر المستفاد من تمام الكلام الآتي ذكرُه، فإنه صريحٌ في أنَّ جَعْل الكعبة قبلةً ليس تألُّفًا لقريشٍ على هذا الوجه، وأنَّ جَعْل الصخرة قبلةً ليس تألُّفًا لليهود على الوجه الآخَر، ثم حوِّل إلى الكعبة، فالمعنى: ما ردَدْناك إلى الكعبة، وذلك لا يقتضي أن تكون ﴿الْقِبْلَةَ﴾ المفعولَ الأول، و﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ المفعولَ الثانيَ كما تُوهِّم، بل يجوز أن يكون على العكس؛ أي: صيَّرنا الجهةَ التي كنتَ عليها أولًا ثم صُرِفْتَ عنها إلى بيت المقدس قبلتَك أو الصخرة، فالمخبَرُ به على الأول (^٤) الجعلُ الناسخ، وعلى الثاني المنسوخُ، والمعنى: إنَّ أصل أمرِك أن تَستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتَك بيتَ المقدس إلا امتحانًا وابتلاءً للناس.\nوعن ابن عباس ﵄: كانت قبلتُه ﵇ بمكةَ بيتَ المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبةَ بينه وبينه (^٥).\nولا دلالةَ في هذا على أحد المعنيين المذكورين بخصوصه كما لا يخفى (^٦).\n﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ ليَظْهَرَ علمُنا على مظاهر الرسول ﵇ والمؤمنين، ويتميَّزَ عندهم الثابتُ على الإسلام الصادقُ فيه، وإنما عبَّر عن الظهور\n_________\n(^٤) في \"ك\" و\"م\": (على الوجه الأول).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٠٠). ورواه بنحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٩٩١).\n(^٦) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (رد للقاضي).","vol":"1","page":332},{"text":"المذكور بالعلم المسنَد إلى ذاته لأنهم خواصُّه وأهل الزلفى عنده تعظيمًا لهم، وبهذا اندفع ما قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالمًا؟\nوأما التأويلُ بأنه باعتبار التعلُّق الحالي الذي هو مناطُ الجزاء، والمعنى: ليَتعلَّق به علمنا موجودًا، فليس بشيء؛ لأن علمه تعالى به موجودًا في وقتِ وجوده لم يزل أيضًا، فإنه تعالى كان عالمًا في الأزل بهم وبكلِّ حالٍ من أحوالهم التي تقع في زمانٍ من أزمنةِ وجودهم مقارِنةٍ للزمان الذي تقع فيه تلك الحالة (^١).\n﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ مِن المتردِّد الذي يرتدُّ بأدنى سببٍ لقلقه (^٢)، تصويرٌ لسوء حالهم في الارتدادِ بأقبحِ الوجوه، فإن الانقلاب على العَقِب أسوأُ أحوال الراجع في مشيه، وتثنيةُ العقب تقويةٌ لمساءته.\nوالعَقِبُ على ما قاله الأصمعيُّ: ما أصاب الأرض من مؤخَّر الرِّجل إلى موضع الشِّراك، الذي ذكر من جنس الحِكَم والغايات التي تترتَّب عليها المصالح لا من قبيل الأغراض.\nوقرئ: (إلا ليُعلم) على البناء للمفعول (^٣).\nومعنى العلم: المعرفةُ، ويجوز أن تكون ﴿مَنْ﴾ متضمِّنةً لمعنى الاستفهام معلَّقًا عنها العلمُ؛ كقولك: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرو.\n_________\n(^١) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (أي: كان أن علمه المطلق لم يزل كذلك علمه المقيد لم يزل فتأمل. منه).\n(^٢) قوله: (لقلقه) تحرف في \"ح\" و\"ف\" و\"ك\" و\"م\" إلى: (لقلة)، والتصويب من \"الكشاف\" (١/ ٢٠٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١١)، وفي \"د\" تحتمله.\n(^٣) تنسب للزهري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠).","vol":"1","page":333},{"text":"﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ شاقَّةً؛ لأنَّ مَن أَلِفَ شيئًا ثم فارَقه شَقَّ عليه، (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة (^١)، واللامُ هي الفاصلة.\nوقيل: (إنْ) هي النافيةُ، واللام بمعنى: إلا، والضميرُ لِمَا دلَّ عليه قولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ أي: الجَعلةُ أو التحويلةُ أو الرَّدَّة، ويجوز أن يكون لـ ﴿الْقِبْلَةَ﴾.\nوقرئ: (لكبيرةٌ) بالرفع (^٢)، فتكون (كان) زائدةً كما في قوله:\nوجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ (^٣)\n﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ﴾ استثناءٌ من محذوفٍ؛ أي: لكبيرةً على الناس إلا على الذين.\n﴿هَدَى اللَّهُ﴾ إلى حكمةِ الأحكام، الثابتين على الإسلام والاتِّباع.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: ثباتَكم على الإيمان في الاتِّباع، بل شَكَر صنيعَكم وأَعدَّ لكم الأجرَ العظيم، وقيدُ الاستمرار المستفادِ من لفظِ ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار على النفي.\nأو: صلاتَكم إلى بيت المقدس؛ أي: إيمانَكم بسبب الصلاة إليه، فإنها قبل التحويل ما صحَّت إلا باستقباله، قال ابن عباس ﵄: لمَّا وجِّه رسول الله ﷺ الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت (^٤).\n_________\n(^١) في \"م\": (المثقلة).\n(^٢) تنسب لليزيدي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠).\n(^٣) عجز بيت للفرزدق، وهو في ديوانه (٢/ ٢٩٠)، وصدره: (فكيف إذا رأيت ديار قوم). وجاء في هامش \"م\": (أوله: فكيف إذا مررت بدار قوم).\n(^٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٦٩١)، وأبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤). وبنحوه في \"البخاري\" (٤٤٨٦) من حديث البراء ﵁.","vol":"1","page":334},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ فيه معنى التعليلِ، والإظهارُ في مقام الإضمار للتَّفخيم.\n﴿بِالنَّاسِ﴾ على الإطلاق، فكيف بالمؤمنين منهم؟\n﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يُضيع أعمالَهم، ولا يُخلُّ بما يُصلح أحوالَهم، وإنما قدِّم الرؤوف على الرحيم؛ لأن الرأفة إنما تكون باعتبارِ الحفظ والصِّيانة عن الآفات والنقائص التي يُستحَق بها العقاب، والرحمةَ باعتبارِ إفاضة الكمالات والسعادات التي بها يُستحَق الثواب، فالأُولى من باب التزكية، والثانيةُ من باب التخليَة، ولا تكون التخلية إلا بعد التزكية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-151\"> </span>(١٤٤) - ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قَدْ نَرَى﴾ ﴿قَدْ﴾ للتقليل، وقد استُعمل هاهنا في مقام التكثير؛ كما في قوله:\nقد أتركُ القِرْنَ مصفَرًّا أناملُه (^١)\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٠٢). وهذا صدر بيت، عجزه:\nكأن أثوابه مجَّت بفرصاد\nوهو من قصيدة لعبيد بن الأبرص الأسدي أوردها الأصمعى في \"الأصمعيات\". قوله: (قد أترك القرن)، هو بكسر القاف: المثل في الشجاعة، والأنامل: رؤوس الأصابع، والمعنى: أقتله فينزف دمه فتصفرّ أنامله. وقال الأعلم: خصّ الأنامل لأن الصفرة إليها أسرع وفيها أظهر. وقال غيره: يريد أن يقتل القرن فتصفرّ أنامله. ويقال: إنه إذا مات الميّت اصفرّت أنامله. ومجّت: دَمِيت، والمراد: صُبغت. والفرصاد بكسر الفاء قال الأعلم: هو التّوت، شبَّه الدم بحمرة عصارته. انظر: \"خزانة الأدب\" للبغدادي (١١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":335},{"text":"يعني: إنك تفعل كثيرًا - على ما دل عليه عبارةُ ﴿تَقَلُّبَ﴾ - وهو قليل بالنسبة إلى ما تهمّ به وتريد، وفي البيت يدَّعي قلَّةَ الترك بالنسبة إلى ما في نفسه وما يريد، وهو كثيرٌ في حدِّ ذاته.\n﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ تقلُّب الوجه أبلغُ من تقلُّب العين، على أن الوجه يريد به التوجُّه؛ كقولك: وجهي إلى فلان.\n﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في جهتها تطلّعًا للوحي.\nكان رسول الله ﵇ يتوقَّع من ربه أن يحوِّله إلى الكعبة؛ لأنها قبلةُ أبيه إبراهيم ﵇، وأقدمُ القبلتين، وأَدْعَى للعرب إلى الإيمان؛ لأنها مفخرتُهم ومَزارُهم ومطافُهم، ولمخالفة اليهود، وذلك يدلُّ على كمال أدبه ﵇، حيث انتظر ولم يسأل كما فَعل أبوه إبراهيمُ ﵇، حيث قال: (حسبي من سؤالي علمُه بحالي) (^١).\n﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فلنجعلنَّك واليًا ﴿قِبْلَةً﴾ من ولَّيتُه كذا: إذا جعلته واليًا له، أو: لنجعلنَّك تلي سَمْتَها، من الوَلْي.\n﴿تَرْضَاهَا﴾ تحبُّها وتميلُ إليها لمصلحةٍ دينية، هذا القيدُ للدلالة على أنَّ التوليةَ كانت رعايةً لرضاه ﵇، فلا دلالةَ فيه على كراهة القبلة الأخرى.\n﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فاجعل وجهك يلي.\n_________\n(^١) ذكره ابن عراق في \"تنزيه الشريعة\" (١/ ٢٥٠) بلفظ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) وقال: قال ابن تيمية: موضوع. قلت: وجاء في \"مجموع الفتاوى\" لابن تيمية (١/ ١٨٣): ليس له إسناد معروف، وهو باطل، بل الذي ثبت في الصحيح [البخاري (٤٥٦٣)] عن ابن عباس أنه قال: (حسبي الله ونعم الوكيل). قلت: وكلاهما - الموضوع والصحيح - لا دليل فيهما لما قاله المؤلف.","vol":"1","page":336},{"text":"﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ نحوَه وجانبَه، الشطرُ في الأصل لِمَا انفصل عن الشيء، من شَطر: إذا انفصل عن الشيء، ثم استُعمل لجانبه وإن لم ينفصِل، وزيادتُه ليست لأنَّه ﵇ كان بالمدينة والبعيدُ يكفيه رعايةُ الجهة؛ لأن التعميم المستفادَ من قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يأباه، بل للدلالة على أنَّ القبلة هي الهواء، ولا دخل فيها للبناء (^١).\n﴿الْحَرَامِ﴾؛ أي: المحرَّم فيه القتالُ، أو ممنوع عن الظَّلَمة أن يتعرَّضوه، وهذا الوصف هو الباعث لإيثار ﴿الْمَسْجِدِ﴾ على: الكعبة، فإن الحكم المذكور لا اختصاصَ له بها، لا لأن في استقبال عينها حرجًا؛ لأنَّه قد اندفع بزيادة عبارة الشطر.\nرُوي أنه ﵇ قدِم المدينةَ فصلى نحو بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهرًا، ثم وجِّه إلى الكعبة (^٢).\n﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ خُصَّ رسول الله ﷺ بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمِّم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.\n﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إجمالًا، لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيصَ أهل كل شريعة بقبلةٍ، وتفصيلًا لتضمُّن كتبهم أنه ﵇ يصلي إلى القبلتين، والضميرُ للتحويل أو التوجُّه.\n﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للفريقين، وفي قوله:\n* * *\n_________\n(^١) في \"م\": (للبناء فيها).\n(^٢) رواه البخاري (٧٢٥٢)، ومسلم (٥٢٥)، من حديث البراء ﵁.","vol":"1","page":337},{"text":"<span id=\"aya-152\"> </span>(١٤٥) - ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اللام موطِّئةٌ للقسم.\n﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾؛ أي: برهانٍ قاطعٍ على أن التوجُّه إلى الكعبة هو الحقُّ، بعد قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ دلالةً على أن امتناعهم عن التوجُّه إليها ليس عن شبهةٍ، بل عن عنادٍ ومكابرةٍ، فلا ينجع البرهان قطعًا.\n﴿مَا تَبِعُوا﴾ أي: كلُّهم، فلا ينافي اتِّباعَ بعضهم ﴿قِبْلَتَكَ﴾ جوابُ القسم المضمَر، وهو مع جوابه سادٌّ مسدَّ جواب الشرط.\n﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ قطعٌ لأطماعهم، فإنهم قالوا تغريرًا له ﵇ وإطماعًا: لو ثبتَّ على قبلتنا (^١) لكنا نرجوا أن تكون صاحبنا.\nوقبلةُ المخالفين وإن تعدَّدت لكنها متَّحدةٌ من جهة البُطلان ومخالفةِ الحق.\n﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ لأن اليهود تستقبلُ الصخرة، والنصارى مطلعَ الشمس، فلا يرجى توافُقُهم، فلا وجه للتوجُّه إلى إحدى تينك القبلتين إرضاءً لأحد الفريقين مع ما فيه من سَخَط الآخر.\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولئن اتَّبعتهم في موافقته الهوى فرضًا، وفي العدول عن الظاهر التنبيهُ على أن قبلتهم لمَّا انتَسخَتْ لم يبق فيها إلا جهةُ الهوى والميلِ إلى مقتضى النفس؛ لبطلان وجه الحق.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: سببِه وهو الوحي.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"قبلتك\".","vol":"1","page":338},{"text":"﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في اللاماتِ الثلاث المجيبة والموطِّئَينِ للقسم في الجمل الثلاث، والتكرارِ في قوله: ﴿فَوَلِّ﴾ و﴿فَوَلُّوا﴾، مع التعميم في (حيثما)، والتأكيدِ بـ (إنَّ) واللامِ، والوعيدِ في قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، وإيرادِ الجملتين المنفيَّتين وهما: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾ و﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ﴾ اسميَّتين، وتأكيدِ النفي بالباء فيهما، وإيرادِ كلمة الشك في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ بعد القطع في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ﴾ ليدل على الفَرْض والتقدير كالمحالات، وتقويةِ ذلك المعنى بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وذكرِ الأهواء، والتأكيداتِ الأربعة في جوابه = مبالغةٌ عظيمةٌ في أن كلَّ واحد من المحقِّ والمبطِلِ في غايةِ التصلُّب والتشدُّد في دينه، وامتناعِ رجوعه عنه - أمَّا المحقُّ: فلِقوةِ يقينه، ووضوحِ برهانه، وكونه على بيِّنةٍ من ربِّه، وأما المبطلُ: فلشدة شكيمته في عناده ومكابرته - وتعظيمٌ للحق المعلوم، وتحريضٌ على اقتفائه، وتحذيرٌ عن متابعة الهوى، واستفظاعٌ لصدور الذنب عن الأنبياء ﵈.\n* * *\n\n<span id=\"aya-153\"> </span>(١٤٦) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إيتاءَ فهمٍ ودراسةٍ، وهم الأحبار.\n﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ الضمير للرسول ﵇، وقد سبق ذكره في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا الكلام غيرُ منقطِعٍ عنه، إلا أنه (^١) الْتَفَتَ من الخطاب إلى الغيبة، ثم منها إلى الخطاب في قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.\n_________\n(^١) في \"م\": (لأنَّه).","vol":"1","page":339},{"text":"﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: يَعْرفونه ﵇ معرفةً لا شبهةَ فيه بالوصف الذي يعيِّنه كما يعرفون البنين على التعيين، لا اشتباه في معرفتهم إياهم بغيرهم، وإنما خُصَّ الأبناء بالذكر لأن اختلاطهم بالآباء أكثر، فعدمُ الاشتباه فيهم أظهر، رُوي عن عمر ﵁ أنه سأل عبد الله بن سلَام عن رسول الله عليه وسلم فقال: أنا أعلمُ به منِّي بابْني (^١)، قال: ولمَ؟ قال: لأني لست أشكُّ في محمد أنه نبيٌّ، فأما ولدي فلعل والدته خانت، فقبَّل عمرُ ﵁ رأسه (^٢).\n﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ التنوين للتحقير، والإشارةِ (^٣) إلى قلَّة قَدْرهم بالنسبة إلى المظهِرين منهم.\n﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؛ أي: كونَه النبيَّ الموعود، كان الظاهر أن يقال: لَيكتُمونه، والعدولُ عنه للتنبيه على أن المراد معرفتُه ﵇ بذلك الوجهِ لا معرفةُ ذاته.\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تخصيصٌ لمن عانَدَ، واستثناءٌ لمن آمَن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-154\"> </span>(١٤٧) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\n﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ كلام مستأنف، و﴿الْحَقُّ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو الحق، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرٌ بعد خبر، أو حالٌ. أو ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.\nواللامُ إمَّا للعهد والإشارةِ إلى ما يكتمونه؛ أي: الحقُّ الذي يكتمونه هو الحقُّ\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (به من ابني).\n(^٢) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (١/ ٢٣١)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٠٤).\n(^٣) في \"م\": (وللإشارة).","vol":"1","page":340},{"text":"من ربك، أو إلى (^١) الحقِّ الذي عليه رسول الله ﷺ، وإما للجنس، أي: الحقُّ من ربك لا من غيره، أي: ماهيةُ الحق ما ثبت أنه من ربك، يعني: الذي أنت عليه، وما لم يَثبت أنه من ربك كالذي عليه أهلُ الكتاب فهو الباطل، كما تقول: الرجل زيد؛ أي: ماعدَاه ليس بالرجل.\nوقرئ بالنصب (^٢) على أنه بدلٌ من الأول (^٣)، أو مفعولُ ﴿يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ النهيُ عن الكون على صفةٍ أبلغُ من النهي عن تلك الصفة، ولذلك كثر في القرآن النهيُ عن الكون على الصفة التي يُطلب اجتنابها.\nوالامتراءُ من مَرَيْتُ الناقة: إذا مسحتَ ضرعَها، واستُعير للتردُّد في الأمر، وهو لا يكون بقصدٍ واختيارٍ، فالنهيُ المذكور للحثِّ على محافظةِ الأسباب المُزيلةِ له، والتحذيرِ عن الغفلة عنها، والرسولُ ﵇ أحقُّ بهما من أمته، ولقد أحسنَ مَن قال: إن الله يحذِّر نبيَّه من اتِّباع الهوى أكثرَ مما يحذِّر غيره؛ لأن ذا المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار أحوجُ، حفظًا لمنزلته وصيانةً لمكانته.\nوقد قيل: حقُّ المرآة المجلوَّة أن يكون تعهُّدُها أكثرَ، إذ كان القليل من الصداء عليها أظهر.\nومَن ذهب عليه هذا قال: ليس المراد به نهيَ الرسول ﵇ عن الشك فيه؛ لأنَّه غير متوقَّع منه، وليس بقصدٍ واختيار، وكأنه (^٤) غافلٌ عن أنه لا\n_________\n(^١) كلمة: (إلى) من \"د\" و\"م\".\n(^٢) تنسب لعلي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠).\n(^٣) في هامش \"م\": (أي من الحق الأول الذي سبق ذكره آنفًا في قوله تعالى: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ الآية).\n(^٤) في \"م\": (فكأنه).","vol":"1","page":341},{"text":"صحة للكلام على ظاهره (^١)، وبعد الصرف عنه لا مانع عن كون الخطاب له ﵇\nثم إنه لا اختصاص للنهي بالمتوقَّع، ألا يرى أن الجهل غيرُ متوقَّع من نوح ﵇، وقد وقع التحذير عنه في حقه في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦].\nوفائدة نهيه ﵇ مع أن النهي غيرُ متوقَّعٍ منه: المبالغةُ في حق مَن يُتوقَّع منه ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-155\"> </span>(١٤٨) - ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾؛ أي: ولكلِّ قوم من المسلمين جهةٌ وجانبٌ من الكعبة.\nوقيل: المعنى: ولكلِّ أمةٍ من أهل الأديان المختلفة جهةٌ وقبلةٌ، ولا ينتظِمه وجه التفريع الآتي ذكرُه، وفي قراءة أبيٍّ: (قبلةٌ) (^٢). والتنوينُ عوضٌ عن الإضافة.\n﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ﴿هُوَ﴾ إما راجعٌ إلى (كلٍّ) أي: هو موليها وَجههُ، فحُذف أحد المفعولين، أو إلى الله تعالى؛ أي: هو مولِّيها إياه (^٣).\n_________\n(^١) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (يعنى: لا صحة للكلام قبل صرف النهي عن ظاهره، سواء كان الخطاب له ﵇ أو لأمته، وبعد صرفه عنه إلى ما ذكر لا مانع عن كونه له ﵇ أيضًا. منه).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٠٥).\n(^٣) في النسخ: (وجهه)، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٠٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١٣)، و\"البحر\" (٣/ ١٠٥)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٣٠).","vol":"1","page":342},{"text":"وقرئ: (ولكلِّ وجهةٍ) بالإضافة (^١)؛ أي: وكلُّ وجهةٍ اللهُ تعالى [مولِّيها] (^٢) أهلَها، واللامُ مزيدةٌ للتأكيد جبرًا لضعف العامل.\nوقرئ: ﴿مولَّاها﴾ (^٣)؛ أي: مولَّى تلك الجهةِ.\nولمَّا كان في التوسعة المستفادة من الكلام السابق إزاحةُ العذر في التوقُّف والتأخّر، رتَّب عليه الأمرَ بالمبادرة بقوله:\n﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: تَسارعوا إلى أداء الصلاة في أوائل أوقاتها، والسَّبقُ: التقدُّم، والاستباق من الاثنين، ومن الجمع: التسابُق، وكذا التبادُر والابتدار (^٤)، والتقاتُل والاقتتال.\nوفي التعبير بالخير عن الصلاة دلالةٌ على تفوُّقها في الخيرية على سائر الأعمال الصالحة، فإن النوع الخاص إذا عُبر عنه باسم الجنس يدلُّ على فضله على سائر الأنواع.\n﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: في أيِّ موضعٍ كنتُم أحضركم الله المحشرَ للثواب والعقاب، استئنافٌ تعليليٌّ للأمر المذكور.\nوإنما قال: ﴿جَمِيعًا﴾ لأن نكال العاصي على رؤوس الأشهاد يكون أشدَّ فظاعةً، والإحسانَ للمطيع في تلك الحال يكون أقوى تأثيرًا في تحسير (^٥) العاصي، ففيه تأكيد التحذير.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠)، و\"تفسير الطبري\" (٢/ ٦٧٨).\n(^٢) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (١/ ٢٠٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١٣).\n(^٣) هي قراءة ابن عامر من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٧).\n(^٤) في \"ف\": (التبادر في الابتدار).\n(^٥) في \"ك\": (تخسير).","vol":"1","page":343},{"text":"وقيل: المعنى: أينما تكونوا من الجهات المتقابلةِ يأت بكم الله جميعًا، ويجعلْ صلواتكم كأنها إلى جهةٍ واحدة، ويأباه قوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذ لا دخلَ لشمول القدرة وكمالها في المعنى المذكور، فإن مبناه على الرخصة والوسعة في أمر التكليف، لا على القدرة في أمر التكوين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-156\"> </span>(١٤٩) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ حَيْثُ﴾ (^١) أيِّ مكانٍ.\n﴿خَرَجْتَ﴾ سواءٌ كان للسفر أو لأمرٍ آخَرَ.\n﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت.\n﴿وَإِنَّهُ﴾ وإن هذا المأمورَ به (^٢).\n﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ تأكيدٌ على أبلغ الوجوه.\n﴿اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقرئ بالياء (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-157\"> </span>(١٥٠) - ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\n_________\n(^١) في \"م\": (أي ومن).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (وإن هذا الأمر)، وفي \"ح\" و\"م\": (وإن هذه الأمور).\n(^٣) هي قراءة أبي عمرو من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٧).","vol":"1","page":344},{"text":"﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ كرَّر هذا الحكم لتعدُّد حكمته، فإنه تعالى ذَكر لتحويل القبلة ثلاثَ فوائد: تعظيمَ الرسول ﵇ بابتغاءِ مرضاته، وجَرْيَ العادة الإلهية على أن يولِّي أهلَ كلِّ ملةٍ وصاحب دعوةٍ جهةً يستقبلها ويتميز بها، ودفعَ حُجج المخالفين على ما سيأتي بيانه.\nوقرن بكل حُكمٍ حِكمته تقريبًا وتقريرًا على أن القبلة لها شأنٌ.\nوالنَّسخُ من مظانِّ الشُّبهِ والفتن، ومحالِّ تسويل الشيطان، فيحتاج إلى التأكيد والتشديد؛ ليتحقَّقوا أنه ليس بالبَداء.\n﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿فَوَلُّوا﴾، يعني: إنَّ في التولية عن الصخرة إلى الكعبة دفعَ احتجاجِ اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلتُه (^١) الكعبةُ، وأن محمدًا ﵇ يجحد ديننا ويتَّبعنا في قبلتنا، واحتجاجِ المشركين بأنه يدَّعي ملة إبراهيم ﵇ ويخالفُ قبلته.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الظالمون المستثنَون من الناس هم المعاندون من اليهود، القائلون: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق للَزِمَ قبلة الأنبياء ﵈، وأهلُ مكة من العرب الذين قالوا: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم.\n﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ ولا تبالِ بهم، فإن قولهم عنادٌ وطعنٌ ليس بحجةٍ، فلا يضرُّكم وإن ساقوه مساق الحجة، ولذلك استثناه من الحجة بناءً على زعمهم.\n_________\n(^١) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (قبلة)، وفي \"ف\": (قبلية)، والمثبت من \"ح\"، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١٣)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٣٦).","vol":"1","page":345},{"text":"وقراءةُ زيد بن علي ﵁: (ألَا الذين ظلموا) (^١) واقفًا على ﴿حُجَّةٌ﴾ مستأنِفًا للجملة مصدَّرةً بـ (ألَا) للتنبيه = دلت على كونه ليس بحجة.\n﴿وَاخْشَوْنِي﴾ ولا تخالفوا أمري، ولكون الموصول متضمِّنًا لمعنى الشرط وكونِ الخبر جملةً إنشائيةً دخل الفاء في الخبر؛ أي: فلا يَسوغُ أن تخشوهم ويجب أن تخشَوني؛ لأن الجملة الإنشائية لا تقع خبرًا إلا على تأويل الخبرية.\n﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على علةٍ محذوفة؛ أي: واخشوني لأعصمكم منهم في الدنيا، ولأُتم نعمتي عليكم في الآخرة بأنْ أُدخلَكم الجنة.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الله.\nوفي الحديث: \"إتمام النعمة دخول الجنة\" (^٢).\nوعن علي ﵁: إتمام النعمة: الموتُ على الإسلام (^٣).\nأو على (^٤) ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾، أو معلَّلُه محذوف؛ أي: ولأتم نعمتي عليكم وإرادتي اهتداءَكم أمرتُكم بذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-158\"> </span>(١٥١) - ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ متعلِّق بما قبله مصدرًا، أي: ولأتمَّ نعمتي\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠).\n(^٢) رواه الترمذي (٣٥٢٧) من حديث معاذ ﵁ وقال: حديث حسن.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٠٦).\n(^٤) معطوف على قوله: (معطوف على علة محذوفة ..).","vol":"1","page":346},{"text":"عليكم في الآخرة بالثواب كما أتممتُها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو بما بعده، أي: كما ذكرتُكم بإرسال الرسول فاذكروني بالطاعة، وإنما جمع بين ﴿فِيكُمْ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ لأن كلًّا منهما واقعٌ نافعٌ، ولا يغني أحدهما عن الآخر.\n﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يحملكم على ما تصيرون به أزكياءَ، قدَّمه هنا باعتبار القصد، وأخَّره في قصة إبراهيم ﵇ باعتبار الفعل.\n﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قد مر تفسيرهما.\n﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بالفكر والنظر؛ إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي، وتكريرُ الفعل للدلالة على أنه جنسٌ آخر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-159\"> </span>(١٥٢) - ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.\n﴿فَاذْكُرُونِي﴾ الذكر: حضور الشيء للقلب، كُني به عما يتلوه من الطاعة، وفيه تنبيهٌ على أن العصيان للنسيان حقيقةً أو حكمًا.\n﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ كُني به عن الإحسان (١)، وذلك مشهورٌ في كلِّ لسان.\n﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾ يقال: شكرتُه، وشكرتُ له، والثاني أفصح.\n﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ حُذف الياء من آخره لتستويَ الفواصلُ.\nوالشكر: إظهار النعمة بالاعتراف بها، أو بما هو كالاعتراف من القيام بحقها، والكُفران: ستر نعمة المنعِم بالجحود أو بما هو في حُكمِه من العمل.\n* * *","vol":"1","page":347},{"text":"<span id=\"aya-160\"> </span>(١٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قد مر الكلام فيهما، حثَّ الله تعالى على الصبر لأنَّه ذريعةٌ إلى كلِّ خير، وأوَّلُ كلِّ فضل، وعلى الصلاة التي هي أمُّ العبادات القلبية والقالبية.\n﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني: إن النصر مع الصبر، فمَن لازَمَه فقد فاز بالنصر (^١).\n\n<span id=\"aya-161\"> </span>(١٥٤) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد؛ لأنَّه طريق إلى ثواب الله تعالى ورحمته.\n﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أمواتٌ.\n﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ أي: بل هم أحياءٌ.\n﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ كيف حياتُهم، وكيف حالُهم في حياتهم؛ أي: ليس ذلك مما يدرك بالمشاعر؛ أي: الحواسِّ.\nوعن الحسن: أن الشهداء أحياءٌ عند الله تعالى تُعْرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرَّوح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوًّا وعشيًّا فيصل إليهم الوجع (^٢).\nوالآية نزلت في شهداء بدر، وفيها وفيما (^٣) رُوي عنه ﵇: أنه لمَّا قُتل\n_________\n(^١) في (م): \"بالنصرة\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٢/ ٢٢)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٥٦). والرَّوح: الراحة والرحمة.\n(^٣) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (وفيها وما).","vol":"1","page":348},{"text":"مِن صناديد قريش يوم بدرٍ مَن قُتل، جمَعَهم في قَليب، ثم أقبل يخاطبُهم بقوله: \"هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًا، فإني وجدتُ ما وعدني ربِّي حقًّا؟ \" فقيل له ﵇: أتخاطبُ جيَفًا؟! فقال: \"ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يقدرون على الجواب\" (^١) = دلالة على أن الأرواح مطلقًا جواهرُ قائمة بأنفسها درَّاكةٌ مغايرةٌ لمَا يحسُّ من البدن، تبقى بعد الموت درَّاكةً، وعليه جمهورُ الصحابة ﵃ والتابعين، وبه نطقتِ الآيات والآثار، وعلى هذا فتخصيصُ الشهداء بالذكر لاختصاصهم بمزيد الزُّلفى (^٢).\n\n<span id=\"aya-162\"> </span>(١٥٥) - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ مجازٌ إذ البلاءُ معيارٌ كالمحكِّ يظهر به جوهرُ النفس: هل تصبر وتثبت؟ أي: نصيبنكم (^٣) بمكروهٍ إصابةً تشبه فعلَ المختبِر.\n﴿بِشَيْءٍ﴾ إيراد (شيء) وتنكيرُه (^٤) تعليل لمَا ابتلانا به؛ ليُؤذِنَ أنَّ كلَّ بلاءٍ أصاب الإنسان وإنْ جلَّ ففوقَه ما يَقِلُّ هو بالنسبة إليه، وليخفِّف (^٥) عليهم ويريَهم أن رحمته معهم في كلِّ حالٍ لا تزايلهم حتى في حال البلاء، فلو عرفوا ذلك\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٣٧٠) من حديث ابن عمر ﵄، ومسلم (٢٨٧٤) من حديث أنس ﵁.\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (أي: خصهم بالحياة لأن من ليس كذلك لم تكن حياته معتدًّا بها، فكأنه ليس بحي. منه).\n(^٣) في \"ك\": (نصيبكم).\n(^٤) في \"ك\": (مع تنكيره).\n(^٥) في \"م\": (ليخفف).","vol":"1","page":349},{"text":"لشكروا في موضع الصبر، ولهذا شكر العرفاء وحمدوا الله تعالى على البلاء كما شكر غيرهم على النعماء.\nوقد مرَّ في تفسير الفاتحة أن نعمة الدفع تنتظِمُ الفريقين في الدار الآخرة كما انتظمتهُما نعمةُ النفع في هذه الدار، وإنما وعدهم ذلك ليعلموا ثواب الصبر ويوطِّنوا عليه نفوسهم.\n﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، أي: خوفِ الأعداء والقحطِ.\n﴿وَنَقْصٍ﴾ تحقيرٌ وتقليلٌ.\n﴿مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ بالهلاك والخسران.\n﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتل والموت.\n﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ بالجوائح، وقلة النبات، وانقطاع البركات.\n﴿وَبَشِّرِ﴾ من الخطاب المتوجِّه إلى كلِّ واحد ممن يتأتَّى منه البشارةُ عند البلغاء، لتعظيم الصبر وتفخيمه؛ لأنَّه فضيلةٌ عظيمةُ الثواب، يستحقُّ صاحبه أن يبشِّره كلُّ أحد.\n﴿الصَّابِرِينَ﴾ الحابسين لأنفسهم (^١) على مكروهٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-163\"> </span>(١٥٦) - ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ المصيبة: ما يصيب الإنسان من مكروهٍ، روي أنه طَفِئَ سراج رسول الله ﷺ، فقال: \"إنا لله وإنا إليه راجعون\"، فقيل: أمصيبةٌ هي؟ قال: \"نعم، كلُّ شيء يؤذي المؤمنَ فهو له مصيبةٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) في \"ك\": (أنفسهم).\n(^٢) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٤١٢) عن عمران القصير.","vol":"1","page":350},{"text":"﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ إقرار على أنفسنا بالملك.\n﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلك (^١)، وليس الصبر بالاسترجاع باللسان فقط، بل لا بد معه من الإذعان بالجَنان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-164\"> </span>(١٥٧) -) ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.\nوالمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه قولُه تعالى:\n﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الصلاة في الأصل: الدعاء، ومن الله: إفاضةُ الكمالات والسعادات، فهي من باب التَّحلية، كما أن السلام وهو التطهيرُ والتجريد من باب التزكية والتَّخلية، وجمعُها للتنبيهِ على كثرتها وتنوُّعها، والمرادُ بالرحمة: اللُّطفُ والإحسان.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ للحقِّ والصواب، حيث استرجَعوا واستسلَموا لقضاء الله تعالى.\nعظَّم الله تعالى الصبرَ بوجوه: بالبشارة العامة، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد وَصْفهم بما وَصفهم؛ إشعارًا بأن ذلك الوصفَ يوجب هذه الكرامةَ المذكورة بعده، وبتكريرِ (أولئك)، وبتقديم ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: عليهم خاصةً، وبتنكير ﴿صَلَوَاتٌ﴾ وجمعِه؛ أي: إمداد رأفاتٍ متصلةٍ متتالية، وتنويراتٍ لا يُعْرَف كُنْهُها ولا يُقْدَر قَدْرُها، وبتقييدها بقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أيةُ رحمةٍ، وبتوسيط (هم)، وتعريفِ المهتدين بلامِ الماهية.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (بالهلاك).","vol":"1","page":351},{"text":"<span id=\"aya-165\"> </span>(١٥٨) - ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الصفا: الحجرُ الصلب الأملس الذي لا يخالطه طين ولا تراب ولا رَمْل، مأخوذٌ من الصَّفوة وهي الخُلوصُ، والمروة: هي الحجر الليِّن، وقيل: الحجر الأبيض الذي يَبرُق، ثم جُعلا علَمين للجبلين بمكة.\n﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الشعائر: جمع شَعيرة، وهي العلامة؛ أي: من أعلام مناسكه ومتعبَّداته؛ من موقفٍ ومسعًى ومنحرٍ، لمَّا أراد إزالةَ الكراهة عن أنفس الساعين بين الصفا والمروة - على ما سيأتي بيانه - مهد لذلك كونهما من شعائر الله تعالى مؤكِّدًا بـ (إنَّ) لنفي التردُّد الذي فيهم؛ أي: من أعلام دينه تعالى ومعالم تعبُّده، فنسبَّب عنه رفع الجناح عن الساعين بينهما، فلذلك أورد فاء السبب (^١) في قوله:\n﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ الحجُّ: القصد، والاعتمار: الزيارة، فغلِّبا على قصدِ البيت وزيارتهِ للنُّسكين (^٢) المعروفَين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ الجُناح: الميل إلى الإثم، أصله من الجَناح، ونفيُه أبلغُ من نفي الإثم.\n﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ الطوف: الدور، والتطوُّف: تكلُّفه، وأصل (يطَّوف): يَتطوَّف، فأدغم.\nوقرئ: (أن يَطُوفَ) مِن طاف، رُوي أنَّ إسافًا كان على الصفا ونائلةَ على المروة، وهما صنمان، وكان أهل الجاهلية إذا سَعَوا مسحوهما، فلما جاء\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (السببية).\n(^٢) في النسخ عدا \"د\": (للمنسكين)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":352},{"text":"الإسلام وكُسرت الأصنام تحرَّج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك، فنزلت (^١).\nواحتمالُ الجناح لا يندفع بالوجوب، فإن اليمين على المعصية يجب نقضه، وفيه جُناحٌ، ولهذا تَلزمه الكفَّارة، ومن هنا اتَّضح وجهُ الحاجة إلى الإخبار عن عدم الجناح في الطواف المذكور بعدما بيِّن أنه من معالم الدين (^٢).\nواعلم أنه لا خلاف في أنه مشروعٌ في الحج والعمرة، وإنما الخلافُ في وجه مشروعيته، فعن أحمد: أنه سنّة، وبه قال أنسٌ وابنُ عباس ﵃، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾، فإنَّ الظاهر المتبادِر منه التخييرُ المنافي للوجوب، وقد مرَّ وجه دفعه (^٣)، ولا نصرةَ في قراءة ابن مسعود: (فلا جُناحَ عليه أنْ لا يطَّوَّفَ بهما) (^٤) لِمَا ذُكر؛ لأن موجِبَ تفريعه على ما تقدم أن تكون (لا) زائدةً؛ لعدم تسبُّب انتفاءِ الجُناح عن عدم الطواف بهما عمَّا تقدم من كونهما من شعائر الله.\nوعند أبي حنيفةَ وأصحابه أنه واجبٌ يُجبر بالدم، وبه قال سفيانُ الثوريُّ وعامَّةُ أهل العلم، وعند مالكٍ والشافعيِّ: هو ركنٌ؛ لقوله ﵇: \"اسْعَوا، فإنَّ الله تعالى قد كتب عليكم السَّعي\" (^٥)، وَيرِدُ عليه أن دلالته على الوجوب دون الرُّكنية.\n_________\n(^١) رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٣٤ - تفسير)، والفاكهي في \"أخبار مكة\" (١٤٣٨)، والطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٧١٤)، عن الشعبي، وصحح الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٥٠٠) سنده إلى الشعبي.\n(^٢) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\": (وهذا هو الذي يندفع به ما في الكشاف وأما الذي ذكر فيه فلا يشفي. منه)، ومثله في هامش \"م\" لكن في آخره: (فلا يندفع).\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (من أنه لدفع احتمال الجناح لا للتخيير).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١).\n(^٥) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٧٣٦٧) من حديث حبيبة بنت أبي تجراة ﵂.","vol":"1","page":353},{"text":"﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾؛ أي: فَعَل طاعةً، فرضًا كان أو واجبًا أو نفلًا، أو زاد على ما فُرض عليه من حجٍّ أو عمرةٍ أو طوافٍ.\n﴿خَيْرًا﴾ نصبٌ على أنه صفةُ مصدرٍ محذوف، أو بتعدية الفعل لتضمُّنه معنى: أتى أو فَعَل، لا بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل إليه؛ لأنَّه ليس بقياس (^١) فلا يصار إليه بلا ضرورةٍ.\nوقرئ: ﴿يَطَّوَّعْ﴾ (^٢)، وأصلُه: يتطوَّع، فأُدغم مثلَ (يَطَّوَّف).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ مثيبٌ على الطاعة ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-166\"> </span>(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ من أحبار اليهود ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ في التوراة\n﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ البينات (^٣) على أمر محمد ﷺ.\n﴿وَالْهُدَى﴾ إلى اتِّباعه والإيمان به.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ﴾ وشَرحْناه ﴿لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾: في التوراة، من نعته ﵇ ووصفِه بما لا إيهام (^٤) .....................................................\n_________\n(^١) في \"د\" و\"ك\": (بقياسي).\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٧).\n(^٣) في \"ف\": (المبنيات)، والمثبت من باقي النسخ، والذي في \"الكشاف\" (١/ ٢٠٩): ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: من الآيات الشاهدة على أمر محمد ﷺ، ومثله في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١٦).\n(^٤) في \"ك\": (إبهام).","vol":"1","page":354},{"text":"فيه ولا إشكالَ ولا اشْتِباهَ (^١) على أحد، فكتَموه ولبَّسوا على الناس، ففي قوله: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ توبيخٌ لهم وإلزام ببيان استحقاقهم للَّعن (^٢) مفخِّمًا لمَا عندهم من السبب بالإبهام والتبيين؛ لأنهم اعتقدوا أنها آيات بينات وهدًى ثم كتموها، ولذلك يلعنهم الله تعالى ويلعنهم اللاعنون أحياءً، وإذا ماتوا على الكفر والكتمان ولم يتوبوا خصَّ بهم اللعنة بسبب ذلك أبدًا سرمدًا.\n﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ اللعن: الإبعاد على وجهِ الطَّرد، وصار في التَّعارُف دعاءً.\n﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ الذين يتأتَّى منهم اللعنُ، ويُعتدُّ بلعنهم؟ من الملائكة والمؤمنين من الثقلين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-167\"> </span>(١٦٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن الكتمان وسائرِ ما يجب أن يتاب عنه.\n﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسَدوه من أحوالهم.\n﴿وَبَيَّنُوا﴾ ما كتموا من نعته ﵇ كما بيَّن عبد الله بن سلَامٍ وأضرابه.\n﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ بالقبول والمغفرة.\n﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ المبالِغ في قبول التوبة وإفاضةِ الرحمة.\n* * *\n_________\n(^١) في \"م\": (استشباه).\n(^٢) في \"ك\" و\"م\": (اللعن).","vol":"1","page":355},{"text":"<span id=\"aya-168\"> </span>(١٦١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي: الذين ماتوا على الكفر من هؤلاء الكاتمين.\n﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالكفر الثابتون عليه حتى الموت.\n﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ هم المخصوصون باللعنة الأبدية أحياءً وأمواتًا.\nأَورَدَ في الأولى الجملةَ الفعلية الدالةَ على الحدوث المسبَّب من (^١) الكتمان لإمكان التوبة، والفعلَ المضارعَ الدالَّ على التجدُّد المترتِّبِ عليه وقتًا بعد وقتٍ متتابعًا في الأزمنة المتتالية، وفي الثانية الجملةَ الاسميةَ مع تقديم الخبر المفيدةَ للاختصاص على الدوام.\nواللامُ في: ﴿وَالنَّاسِ﴾ إمَّا للماهيةِ والتأكيدُ بقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لله والملائكة والناس، وإما للاستغراقِ والتأكيدُ لهم أو للكل.\nثم إنه يحتمِلُ العمومَ؛ لأن الكفار يوم القيامة يلعنُ بعضُهم بعضًا، والخصوصَ بمن يُعتدُّ بلعنه وهم المؤمنون كأنَّ مَن عَدَاهم ليسوا بالناس؛ إذ لا اعتداد بهم عند الله تعالى.\nوقرئ: (والملائكةُ والناسُ أجمعون) بالرفع (^٢) عطفًا على محلِّ اسمِ اللّه تعالى؛ لأنَّه فاعل في المعنى المذكور؛ كقولك: عجبتُ من ضربِ زيدٍ وعمرٌو؛ أي: من أنْ ضربَ زيدٌ وعمرٌو (^٣)، أو فاعلًا لفعلٍ مقدَّر؛ نحو: ويلعنهم الملائكةُ.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (عن).\n(^٢) تنسب للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١)، و\"المحتسب\" (١/ ١١٦).\n(^٣) أجاز هذا الوجه أكثر المفسرين، ولم يجوزه أبو حيان في \"البحر\" (٣/ ١٦٣)، حيث قال: وخرَّج هذه=","vol":"1","page":356},{"text":"<span id=\"aya-169\"> </span>(١٦٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: في اللعنة، أو: في النار، وإنما أُضمرت بلا ذكرٍ تفخيمًا لشأنها وتهويلًا.\n_________\n= القراءة جميع مَن وقفنا على كلامه من المعربين والمفسرين على أنه معطوف على موضع اسم الله؛ لأنَّه عندهم في موضع رفع على المصدر، وقدروه: أنْ لعنهم الله، أو: أن يلعنهم الله.\nقال: وهذا الذي جوَّزوه ليس بجائز على ما تقرر في العطف على الموضع، من أنَّ شرطه أنْ يكون ثَمَّ طالبٌ ومحرِز للموضع لا يتغير، هذا إذا سلمنا أن ﴿لَعْنَةُ﴾ هنا من المصادر التي تعمل، وأنَّه ينحل لـ (أنْ) والفعل، والذي يظهر أن هذا المصدر لا ينحل لـ (أن) والفعل؛ لأنَّه لا يراد به العلاج، وكأن المعنى: أن عليهم اللعنة المستقرة من الله على الكفار، فأضيفت إلى الله على سبيل التخصيص لا على سبيل الحدوث، ونظير ذلك: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ليس المعنى: ألا أن يلعن الله على الظالمين …\nولئن سلمنا أنه يتقدَّر هذا المصدر - أعني: ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ - بـ (أنْ) والفعل، فهو كما ذكرناه لا محرز للموضع؛ لأنَّه لا طالب له، ألا ترى أنك لو رفعت الفاعل بعد ذكر المصدر لم يجز حتى تنوِّن المصدر؟ فقد تغير المصدر بتنوينه، ولذلك حمل سيبويه قولهم: هذا ضاربُ زيدٍ غدًا وعمرًا، على إضمار فعل؛ أي: ويضرب عمرًا، ولم يُجز حمله على موضع زيد؛ لأنَّه لا محرز للموضع، ألا ترى أنك لو نصبت زيدًا لقلت: هذا ضارب زيدًا، وتنون؟ وهذا أيضًا على تسليم مجيء الفاعل مرفوعًا بعد المصدر المنون، فهي مسألة خلاف: البصريون يجيزون ذلك فيقولون: عجبت من ضرب زيدٌ عمرًا، والفراء يقول: لا يجوز ذلك، بل إذا نون المصدر لم يجيء بعده فاعل مرفوع.\nوالصحيح مذهب الفراء، وليس للبصريين حجة على إثبات دعواهم من السماع، بل أثبتوا ذلك بالقياس على (أن) والفعل، فمنعُ هذا التوجيه الذي ذكروه ظاهر؛ لأنَّا نقول: لا نسلم أنه مصدر ينحل لـ (أنْ) والفعل، فيكون عاملًا، سلمنا، لكن لا نسلِّم أن للمجرور بعده موضعًا، سلمنا، لكن لا نسلِّم أنه يجوز العطف عليه.","vol":"1","page":357},{"text":"﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ من الإنظار؛ أي: لا يُمهلون ولا يؤجَّلون، أو: لا ينتظرون ليعتذروا، أو: لا يُنظر إليهم نظر (^١) رحمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-170\"> </span>(١٦٣) - ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: المستحِقُّ للعبادة منكم واحدٌ لا شريك له، يصح أن يعبد أو يسمى إلهًا، والخطاب عامٌّ.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقريرٌ للوحدانية، ودفعٌ لتوهُّمِ أنْ يكون إلهٌ ولكنْ لا يستحقُّ العبادة منهم.\n﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾؛ أي: المنعِمُ على خلقه بإدرارِ رزقه وإسباغِ فضله، فهو مَفْزَعُ كلِّ مضطرّ، وغياثُ كلِّ قانعٍ ومعترّ، ولا دلالةَ فيه على أنَّ ما سواه إمَّا نعمةٌ أو منعَمٌ عليه، حتى يكون كالحجة على الوحدانية وهما خبران آخَران لقوله: (إلهكُم)، أو لمبتدأ محذوفٍ، أو صفةٌ لقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾، وفصِل بالخبر، و﴿لَا إِلَهَ﴾ خبرٌ ثانٍ أو اعتراضٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-171\"> </span>(١٦٤) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إنما جمع السماوات وأفردَ الأرض لأنها طبقاتٌ متفاصلةٌ بالذات، بخلاف الأرض.\n_________\n(^١) في \"م\": (نظرة).","vol":"1","page":358},{"text":"﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بإقبالِ أحدهما وإدبارِ الآخَر، وبالنور والظُّلمة، والطول والقِصَر والتساوي، وقدِّم الليل لسَبْقه في الخَلْق.\n﴿وَالْفُلْكِ﴾: السفينةِ المدوَّرةِ، يقال للواحد والجمع، وقرئ بضمتين على الأصل (^١).\n﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ وهو ثقيلٌ كثيف والماء خفيفٌ لطيف، يُقبل ويُدبر بريحٍ واحدة.\n﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ (ما) موصولة؛ أي: بالذي ينفعُ الناس مما يحمل فيها، أو مصدرية؛ أي: بنفع الناس.\n﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ وبيان للموصول، و﴿السَّمَاءِ﴾ يحتمل الفلكَ والسحاب وجهةَ العلوِّ.\n﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ الإحياء والموت استعارتان لطيفتان لتزيين الأرض بالنبات واخضرارها ونموها، وكونها صعيدًا جرزًا، وإنما قال: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ دون: إماتتها، تنبيهًا على أنه مقتضى طبعها.\n﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾ البثُّ: إظهارُ ما كان خَفِيًّا عن الحاسةِ، حديثًا كان، أو همًّا، أو غيرَهما.\n﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الدَّبيب أصله: حكايةُ صوتِ حركةِ المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكلِّ ما يمشي: دابةٌ، وإنما عُطف بثُّها على إحياء الأرض لأنَّه لا يكون إلا بإحيائها بالنبات.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١).","vol":"1","page":359},{"text":"﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾؛ أي: صرَّفها الله تعالى، أو صرَّفها السحاب من جهة إلى أخرى.\n﴿وَالسَّحَابِ﴾ السَّحْب: جرُّ الثوب، والسحاب: ما يجرُّه الريح.\n﴿الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يعني: الرياحُ تقلِّبه في الجو بمشيئةِ الله تعالى يُمطر حيث يشاء، يرشدك إلى هذا ذكرُه عَقيب تصريف الرياح، ولولا ذلك لكان حقَّه أنْ يُذكر قبل قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ﴾.\nوأما ما قيل: لا ينزل ولا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما، منظورٌ فيه؛ لأن بعض المركَّبات لا يرسب في الماء، ولا يخرج منه، ولا يتغير حاله، فلمَ لا يجوز أن يكون بعضُ كائنات الجوِّ شأنُه كذلك.\nوالتسخير: القهرُ على الفعل، وهو أبلغُ من الإكراه، فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادةٍ منه؛ كحمل الرَّحى على الطَّحن.\n﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَنظرون بعيون عقولهم ويعتبرون، وفيه تعريضٌ لجهل المشركين الذين اقترحوا (^١) على الرسول ﵇ آيةً في صدق قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلخ؛ إذ لو عقلوا لكفاهم بهذه التصاريف آيةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-172\"> </span>(١٦٥) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لا يخفى على الخبير ما في هذا التعبير من التحقير.\n_________\n(^١) في \"ف\": (افترضوا).","vol":"1","page":360},{"text":"﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية متعلِّق بـ ﴿يَتَّخِذُ﴾، أو حال من ﴿أَنْدَادًا﴾، أو ثاني مفعولي ﴿يَتَّخِذُ﴾.\n﴿أَنْدَادًا﴾ أمثالًا من الرؤساء الذين يتَّبعونهم ويطيعونهم في أوامرهم ونواهيهم.\nوقيل: من الأصنام، ولا يلائمُه قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ … إلخ.\n﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿يَتَّخِذُ﴾ أو من مفعوله.\n﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ في محل النصب على المصدر من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: محبةً كما يحبُّ الله، أو المبنيِّ للفاعل، أي: كمحبَّتهم الله، أي: يسوُّون بينهم وبين الله تعالى في الحبِّ؛ لأنهم كانوا يُقرُّون بالله ويتقرَّبون إليه.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ في موضع الحال، وإنما قيل: حبُّهم أشدُّ؛ لأنهم لا يَعدلون عنه تعالى إلى غيره، بخلاف المشركين فإنهم يَعدلون عن رؤسائهم إلى الله تعالى عند الشدائد، وكذا يَعدلون عنهم إلى غيرهم.\nوالمحبة: ميلُ القلب من الحَبِّ (^١)، استُعير لحبَّة القلب، ثم اشتُقَّ منه الحُبُّ؛ لأنَّه أصابها ورسخ فيها، ومحبةُ العبد لله تعالى: إرادةُ طاعته، والاعتناءُ بتحصيل مَراضيه، ومحبة اللّه تعالى للعبد: إرادة إكرامه، واستعمالُه في الطاعة، وصونُه عن المعاصي.\n﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتِّخاذ الأنداد.\n﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ إذ عايَنوه عند الموت أو بعد الحشر، و(لو) و(إذ) في المستقبل استعارتان لتحقُّق الوقوع؛ كأنه قد وقع وأُخبر عنه، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].\n_________\n(^١) بفتح الحاء كحب الحنطة ونحوها وواحده حبة. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":361},{"text":"وحُذف جواب (لو) إيماءً إلى أنه لا يمكنُ التعبير عنه، إمَّا لكونه أربَى على العبارة، أو كونه ممتنعَ الاكتناه (^١) أو لا يحتملُ المعبَّر لغاية الضجر والجزع والتفجُّع عليه أو المستمع.\nوقُرئ: (ولو ترى) بالتاء (^٢) على خطاب الرسول ﵇، أو كلِّ مخاطَبٍ على ما ذُكر من التفخيم، ومعناه: لرأيتَ أمرًا عظيمًا لا يمكن وصفُه.\nوقُرئ: ﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾ على البناء للمفعول (^٣).\n﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ سادٌّ مسدَّ مفعولي ﴿يَرَى﴾؛ أي: ولو يعلمون حين معايَنتهم العذابَ يوم القيامة أنَّ القدرة المطلَقة على كلِّ شيء من الثواب والعقاب كلَّها للّه تعالى دون مَن سواه من الأنداد وغيرِهم.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ للظالمين، لكان ما لا يدخل تحت الوصف من الحسرة والندامة على ظلمهم وضلالهم، فحُذف الجواب كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧].\nوقُرئ: ﴿وَإِنْ﴾ في الموضعين بالكسر (^٤) على الاستئناف، أو على إضمار القول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-173\"> </span>(١٦٦) - ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (الاكتفاء).\n(^٢) هي قراءة ابن عامر ونافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٨).\n(^٣) هي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٨).\n(^٤) هي قراءة يعقوب وأبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٢٤).","vol":"1","page":362},{"text":"﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ بدل من ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾؛ أي: إذ تبرأ المتبوعون من الأَتْباع، وقُرئ بالعكس (^١)؛ أي: تبرأ الأَتْباع من الرؤساء.\nوالواو في ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ للحال، و(قد) مضمَرة؛ أي: تبرَّأوا في حال رؤيتهم العذاب، وقيل: عطفٌ على ﴿تَبَرَّأَ﴾.\n﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ﴾ عطف على ﴿تَبَرَّأَ﴾.\n﴿الْأَسْبَابُ﴾ الوُصَلُ التي كانت بينهم من الاتِّفاق على دينٍ واحدٍ، والأنساب، والمحابُّ، وسائر أنواع الاتِّباع والاستتباع. وأصل السبب: الحبل الذي يُرتقَى به الشجر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-174\"> </span>(١٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ على مَن قرأ فيما سبق بالعكس أن يقرأ هنا على البناء للمفعول.\n﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ الكرُّ: الرجوعُ عن الشيء.\n﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ نصبٌ بناء الجواب؛ لِمَا في (لو) من معنى التمنَي؛ أي: ليت لنا كرةً فنتبرأَ منهم، واستُعيرت لامتناعِ المتمنَّى.\nوالتبرُّؤ: الانفصالُ، ومنه: برأ (^٢) من مرضه: إذا انفصل منه بالعافية.\n﴿كَذَلِكَ﴾ نصبٌ على المصدر من ﴿يُرِيهِمُ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإراءِ الفظيع ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: حَسَرَ يَحْسِرُ حَسْرةً وحَسَرًا: إذا كَمِدَ على\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢١٢) عن مجاهد.\n(^٢) في \"ف\": (تبرأ).","vol":"1","page":363},{"text":"الشيء الفائت وتلهَّفَ عليه، وهي غيرُ الندم وأشدُّ منه حالًا؛ لأن رؤية الأعمال تكونُ بالبصر، على ما نطق به الخبر عن خير البشر، وبه فسَّر ابن عباس ﵄ حيث قال: أراد به الأعمال التي عملوها من الحسنات بزعمهم، يرونها حسراتٍ عليهم حيث أحبطوها.\nو﴿هُمْ﴾ في: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ لجعلِ الجملةِ اسميةً تفيد الدوامَ بحسب العُرف كما مرَّ في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، أي: وما هم بخارجين من النار دائمًا ما دامواهم (^١) هم، ولتخصيص السَّلْب (^٢) بهم - أي: بالمشركين - من بين المكلَّفين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ أي: هم خاصةً ليسوا بخارجين من النار؛ كقوله:\nهم القومُ كل القوم يا أمَّ خالدِ (^٣)\nلا لسَلْب التخصيص؛ فإن أداة السلب متأخرةٌ عن أداة التخصيص معنًى وإن تقدَّمت عليها لفظًا، والباء في الخبر لتأكيد النفي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-175\"> </span>(١٦٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا﴾ الأكل هو البلعُ عن مضغٍ.\n_________\n(^١) في \"ح\" و\"ف\": (لهم)، وسقطت من \"د\".\n(^٢) في \"ك \"و\"م\": (السبب).\n(^٣) عجز بيت للأشهب بن رميلة، وهو في \"الكتاب\" (١/ ١٨٧)، و\"خزانة الأدب\" (٦/ ٢٥)، وصدره:\nوإن الذي حانت بفلجٍ دماؤهم","vol":"1","page":364},{"text":"و(مِن) في قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ إن كانت لابتداء الغاية فقوله: ﴿حَلَالًا﴾ مفعول، وإن كانت للتبعيض فـ (ما) مفعول، وهو (^١) حالٌ أو صفةُ مصدرٍ محذوف، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأن حِلَّ الأكل يستلزم حِلَّ المأكول بدون العكس، فإن الحلال قد يؤكل على وجهٍ يحرمُ أو يُكره، كأكله فوق الشبع، أو صائمًا، أو في مجلس الفسق.\n﴿طَيِّبًا﴾ طاهرًا عن كلِّ شبهة، وإلى هذا أشار مَن قال: الحلال ما ليس بمحظورٍ، والطيِّب ما ليس بمحذور.\nوالآية نزلت في قوم حرَّموا على أنفسهم رفيعَ الأطعمة والملابس، والأمرُ في المأكول أمرٌ في الملبوس دلالةً.\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثارَه اعتقادًا وقولًا وعملًا، وقد اجتمع هذه الثلاثةُ في سبب النزول، ومَن فسَّره بالنهي عن مطلَق الاتِّباع فقد ضيَّع ما في عبارة الجمع من الإشارة اللطيفة. يقال: اتَّبع خطواته ووَطِئَ على عَقِبه: إذا اقتدى به واستنَّ بسُنَّته.\nوقرئ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وضمةٍ وسكونِ الطاء (^٢)، وبفتحتين (^٣)، وفتحةٍ وسكونها (^٤).\n_________\n(^١) أي: ﴿حَلَالًا﴾.\n(^٢) هاتان قراءتان سبعيتان، فقد قرأ قنبلٌ وحَفْصٌ وابن عامر والكسَائيُّ: ﴿خُطُوَاتِ﴾ بضم الطَّاء حيثُ وَقع، والباقُونَ بإسكانها. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٨).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١) عن أبي حرام الأعرابي، و\"المحتسب\" (١/ ١١٧) عن أبي السمال العدوي.\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":365},{"text":"والخَطْوةُ بالفتح: المرةُ من الخَطْو، وهو نقلُ قدم الماشي، والخُطْوة بالضم: اسم ما بين قدمي الخاطي، وهما كالقَبْضة والقُبْضة.\n﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة، عداوتُه لهم لا تُنافي ولايتَهم إياه المفهومةَ من قوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] حتى يُحتاج إلى التكلُّف في التوفيق بأنْ يقال: سُمِّي (^١) وليًا لإظهاره الموالاةَ لمَن يُغوِيهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-176\"> </span>(١٦٩) - ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ استئنافٌ لبيان وجوبِ الانتهاء عن اتِّباعه، وظهورِ عداوته؛ أي: ما يأمر إلا بالشرِّ، استُعير الأمر لوسوسة الشيطان وتزيينه، شُبِّه في تسلُّطه عليهم بآمرٍ مُطاع، وشبِّهوا في قبولهم لها وطاعتِهم له بالطبع بمأمور مُطيع؛ ليأنفوا فيَرْتدِعوا.\n﴿بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين (^٢)؛ فإنه سوءٌ لاغتمام العاقل، وفحشاءٌ باستقباحِ الشرع إياه.\nوقيل: الفحشاء ما يَظهر قبحُه من المعاصي، أو ما بتجاوز الحدَّ في القبح من العظائم، وَيردُّه قوله تعالى: ﴿كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢].\nوقيل: السوء ما لاحدَّ فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحدُّ.\n﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾ القول إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء؛ أي: وأن يفتروا عليه تعالى، فلا تَعرُّضَ في الآية لاتِّباع الظن.\n_________\n(^١) في \"ك\" و\"م\": (يسمى).\n(^٢) في \"د\": \"الوضعين\"، وفي \"ك\": (الموضعين).","vol":"1","page":366},{"text":"﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كاتِّخاذ الولد، وتحليلِ المحرَّمات، وتحريمِ الطيبات، والافتراءُ عن جهلٍ محضٍ أقبحُ من الافتراء عن ظنٍّ فاسد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-177\"> </span>(١٧٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ الضمير للناس على طريقةِ الالتفات، والسرُّ فيه أنهم وقعوا في حدِّ البعد والغيبة في طاعة الشيطان، وأنهم في غايةِ الحُمق والضلال إلى حدٍّ لا يتسأهلون للخطاب؛ إذ لا ضلالَ أضلُّ من المقلِّد للباطل؛ كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون الداعيَ.\n﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في عبارة: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾ إشارة إلى وجه وجوب الاتِّباع.\n﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ ما وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ لأنهم كانوا خيرًا منَّا.\nنزلت في المشركين؛ أُمروا باتِّباع القرآن وسائرِ ما أنزل الله تعالى من الحُجج والآيات، فجَنَحوا إلى التقليد.\nوالهمزة في: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للردِّ والتعجيب، والواوُ للحال؛ أي: أيتَّبعونهم ولو كان آباؤهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ جهلةً لا يتفكرون في أمر الدِّين ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إلى الحق.\n(لو) في مثل هذا التركيبِ يجيءُ تنبيهًا على أنَّ ما بعدها غيرُ مناسبٍ لِمَا قبلها؛ كما في قوله: \"أعطوا السائل ولو جاء على فرس\" (^١)، والمعنى: على كلِّ\n_________\n(^١) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٩٦) عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ. ورواه أبو داود (١٦٦٥) و(١٦٦٦) من حديث الحسين بن علي ﵄ ومن حديث علي ﵁،=","vol":"1","page":367},{"text":"حال، وذلك أنها تجيءُ لاستقصاءِ الأحوال التي يقع عليها الفعل، وتَدلُّ على أن المراد بذلك وجودُ الفعل في كلِّ حال حتى في هذه الحال التي لا تناسب الفعل، وإذا قُصد التوبيخ والتعجيب - كما في هذه الآية - لا يكون إيرادها لاستقصاء الأحوال.\nولما كانت الواوُ للحال لم يحتج لو إلى جواب لأن الشرط إنما يقع حالًا إذا انسلخ عنه معنى الشرط ولا دلالة في الآية على المنع من التقليد لمن قدر على النظير (^١) بل الظاهر منها أنه إنما ينكر إذا كان المقلد ضالًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-178\"> </span>(١٧١) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قد مرَّ معنى المثَل، وفيه إضمار تقديرُه: ومَثَلُ داعي الذين كفروا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾، أو: مَثَلُهم كمَثَلِ البهائم الذي، والإضمارُ في الكلام من الإيجازات المعتبرة في البلاغة؛ لتنبيه (^٢) الذَّكيِّ عند الخلل المعنوي في الحمل على الظاهر على المضمَر، ثم على خصوصيته بالقرائن اللفظية أو المعنوية، فيتثبَّت (^٣) في التدبُّر ويتفهَّم في التفكُّر، فيتحقَّق المعنى.\n_________\n= بلفظ: \"لِلسائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جاء على فَرَسٍ\". قال العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٢/ ١٠٩٥): وفي الأول يعلى بن أبي يحيى جهله أبو حاتم ووثقه ابن حبان، وفي الثاني شيخ لم يسم، وسكت عليهما أبو داود.\n(^١) في \"ك\": (النظر).\n(^٢) في \"د\": (لتنبه).\n(^٣) في النسخ عدا \"د\": (فيثبت)، والمثبت من \"د\".","vol":"1","page":368},{"text":"هذا ما بحسَبِ جليل النظر، والذي بحسَبِ دقيق النظر ما مرَّ في تفسير ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] من أن التشبيه التمثيليَّ لا يَلزمُه أن يكون ما يلي أداةَ التشبيه هو المشبَّهَ به، فلا حاجة إلى تقديرِ شيء.\n﴿يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال صاحب \"العين\": نعق الراعي بالغنم: إذا صاح بها زجرًا.\n﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ الدعاء للقريب، والنداء للبعيد، ولذلك قال الأعرابي: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟\n﴿صُمٌّ﴾: هم صمٌّ، رفعٌ على الذم.\n﴿بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ أي: ومَثَلُ (^١) داعيهم إلى الإيمان كمَثَل الناعق بالبهائم في أنهم لا يسمعون إلا دعاءَ الداعي وتصويتَه من غيرِ فهمِ المعنى (^٢) وتعقُّله، أو بالأصمِّ الذي لا يَسمع مِن دعاء الرَّافعِ صوتَه بكلامه إلا التصويتَ والنداء من غير تمييز الحروف وإدراكها.\nوقيل: مَثَلُهم في تقليدهم آباءَهم واتِّباعهم كمَثَل البهائم التي لا تسمع إلَّا ظاهر الصوت، ولا تفهم معناه، فكذلك يتبَّعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون ما هم عليه أحقٌّ هو أم باطل؟\n﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: بالفعل؛ للإخلال بالنظر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-179\"> </span>(١٧٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (ومثل هذا)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) في \"ف\": (للمعنى).","vol":"1","page":369},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لمَّا وسَّع الأمرَ على الناس كافةً، وأباح لهم ما في الأرض سوى ما حرَّم عليهم، أَمر المؤمنين منهم أن يتحرَّوا طيبات ما رُزقوا، وقد مرَّ أن الطيِّب أخصُّ من الحلال، وأنْ يقيموا بحقوقها، فقال:\n﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ على ما رزقكم وأحلَّ لكم.\nولمَّا تضمَّن الأمرُ الأول الامتنانَ ناسبه الخطاب، وما في الأمر الثاني من التنبيه على أنَّ استحقاقه تعالى للشُّكر ليس لكونه رازقًا لهم ومبيحًا لطيِّبات الرزق فقط، بل لكونه خالقًا للعالَم، وَيندرج (^١) فيه جميع (^٢) ما يَستوجب الشكر، اقتضى العُدولَ عن الخطاب إلى الغيبة (^٣)، وعن التفريع بالفاء إلى العطف بالواو.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن عبادته لا تَتمُّ إلا بالشكر، وتقديمُ المفعول لمحافظة الفاصلة كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] إذ لا دخل لمعنى التخصيص في التعليل.\nولك أن تقول: كان الظاهرُ أن يقول: إن كنتم تعرفون أنه مولى النِّعمِ كلِّها، إلا أنه كُني عنه بلازمه، وهو تخصيصُ العبادة إياه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-180\"> </span>(١٧٣) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في النسخ عدا \"د\": (ولم يندرج)، والمثبت من \"د\".\n(^٢) كلمة: (جميع) ليست في \"ك \"و\"م\".\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"د\" \"ف \" و\"م\" (لأن مدار ذلك على التعبير باسم الله. منه).","vol":"1","page":370},{"text":"﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ قرئ: ﴿حَرَّمَ﴾ (حُرِّمَ) و(حَرُمَ) (^١) بالتخفيف والتشديد و﴿الْمَيْتَةَ﴾ بالتخفيف وبالتشديد (^٢)، وكلمة (إنما) قد لا تكون للقَصْر كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ الآية [الأعراف: ٣٣]، فلا حاجةَ إلى أنْ يُقال: إنَّ ما أُبين من حيٍّ في حُكم الميتة بالحديث، وإنَّ المراد قَصْرُ الحرمة على ما ذُكر مما استحَلُّوه لا مطلَقًا (^٣)، وإنما لم يُسْتَثنَ السمكُ والجرادُ من الميتة، والكبدُ والطِّحال من قوله:\n﴿وَالدَّمَ﴾ وإنْ أُحلَّتْ على ما قال رسولُ اللّه ﷺ: \"أُحلَّتْ لنا (^٤) مَيْتَتانِ ودَمَانِ، أمَّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجرادُ، وأمَّا الدَّمَانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ\" (^٥) بناء على ما يتعارَفُه الناس ويتفاهمُه في العادة.\nولمَّا كان المتبادِرُ من الحرمة المضافةِ إلى العين حرمةَ التصرُّف فيه مطلَقًا زاد عبارة اللحم في قوله:\n_________\n(^١) القراءة الأولى هي المشهورة، والثانية والثالثة من الشواذ. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٠٢)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١)، و\"الكشاف\" (١/ ٢١٥)، و\"البحر المحيط \" (٣/ ٢٢٢).\n(^٢) قرأ بالتشديد أبو جعفر، وباقي العشرة بالتخفيف. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) في هامش \"ح\" و\"د\" و\"ف\" و\"م\": (وأما قصر حرمته على حال الاختيار فلا يجدي نفعًا في دفع المحذور المذكور كما لا يخفى على ذوي الاختيار. منه).\n(^٤) في \"د\" و\"ك\" و\"م\": (لي)، والمثبت من \"ح\" و\"ف\"، وهو الموافق للمصادر.\n(^٥) حديث حسن، رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٥٧٢٣)، وابن ماجه (٣٣١٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٤٧٣٢)، من حديث ابن عمر ﵄. وصحح الدارقطني وقفه، إلا أن له حكم الرفع كما قال البيهقي. انظر: \"العلل\" للدارقطني (١١/ ٦٧)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":371},{"text":"﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ قرينةً صارفةً عنه دالةً على أنَّ المحرَّم أكلُ العين المذكور لا الانتفاعُ به مطلَقًا حتى يلزمَ انتساخُ النص بالحديث في جلدِ الميتة، وإنما خصَّ اللحم بالذكر لأنَّه معظَمُ ما يؤكل من الحيوان، وسائرُ أجزائه كالتابع له، وهذا الوجهُ أيضًا لا يساعد (^١) تقديرَ الانتفاع العامِّ للأكل وغيره.\n﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: رفع به الصوت عند ذبحه لغير الله تعالى، صنمًا كان أو نارًا أو غيرَ ذلك، وما ذُكر معناه الأصليُّ (^٢)، على ما نصَّ عليه الجوهري (^٣).\nوالهلال: غرَّةُ القمر، إنما سمِّي به لرفعِ الناس أصواتَهم عند رؤيته بالتكبير.\n﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ آخرَ بالاستئثار عليه.\n﴿وَلَا عَادٍ﴾: سدَّ الجوعة.\n﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في تناوُله، دَلَّ بمفهومه على ثبوت الإثم في تناوله غيرَ مضطرٍّ، وبهذا الاعتبارِ صحَّ تفريعُه على ما تقدَّم، ففيه دلالةٌ على اعتبار المفهوم كما هو مذهب الإمام الشافعي، فإنه لولا اعتبارُه لَمَا صح تصدير الكلام المذكورِ بأداة التفريع.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر المعاصيَ، فأَوْلَى أنْ لا يؤاخِذ بما رخَّص فيه، أو: غفورٌ لمَا عسى أن يفرَّط عند العمل بالرُّخصة (^٤).\n﴿رَحِيمٌ﴾ بالرُّخصة فيه، فهو مقرِّرٌ للأول.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ك\": (يساعده).\n(^٢) في هامش \"د\" و\"ف\" و\"م\": (ومن وهم أن الإهلال مأخوذ من الهلال فقد وهم).\n(^٣) انظر: \"الصحاح\" (مادة: هلل).\n(^٤) بعدها في \"ك\" و\"م\": (فيه).","vol":"1","page":372},{"text":"<span id=\"aya-181\"> </span>(١٧٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا﴾ قد مرَّ تفسيرُه وبيانُ (^١) ما في عبارة الثمن من المزيَّة على عبارة الشيء والعِوَض (^٢) وغيرِ ذلك (^٣).\n﴿قَلِيلًا﴾ ليس المرادُ به أنَّهم إذا اشترَوا به ثمنًا كثيرًا كان جائزًا، بل المعنى: إنَّ كلَّ ما يأخذونه في مقابَلته من حُطام الدنيا (^٤) فهو قليل.\n﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾؛ أي: مِلْءَ بطونهم، يقال: أكل في بطنه، وأكل في بعضِ بطنه، قال الشاعر:\nكُلُوا في بَعْضِ بطنِكُم تَعِفُّوا (^٥)\nفمرادُهم من الأكل في البطن: الأكلُ في جميعِ البطن، والظاهرُ أنَّ التَّعدية بـ (في) لتضمين معنى الاستقرار المناسبِ للمَقام؛ فإنَّ الأكل قد يَعْقُبُه الدَّفعُ، خصوصًا إذا كان المأكولُ غيرَ ملائم للطبع، وذُكر الأكلُ لكونه المقصودَ الأوَّل من تحصيل المال، وذُكر ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ تنبيهًا على شَرَهِهم (^٦) وتقبيحًا لتضييع\n_________\n(^١) في (ك): \"تفسير بيان\".\n(^٢) في (م): \"أو العرض\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف) و(م): \"ومن غفل عن هذا قال في تفسيره: عوضًا حقيرًا. منه\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"من الدنيا\".\n(^٥) صدر بيت في \"الكتاب\" (١/ ٢١٠)، و\"أساس البلاغة\" (مادة: خمص)، وعجزه:\nفإنَّ زمانكمْ زمنٌ خَمِيصُ\n(^٦) في (ف) و(ك) و(م): \"شرهم\".","vol":"2","page":5},{"text":"أعظم النِّعم لأَجْل المطعَم الذي هو أحسنُ مطلَبٍ من (^١) الدنيا.\n﴿إِلَّا النَّارَ﴾ مَجازٌ من بابِ إطلاق اسم المسبَّبِ على السَّبب أو الغاية (^٢) على الشيء لتلبُّسه بها؛ فإنهم إذا أكلوا السُّحت - وهو الرّشا - على الكتمان لزمهم (^٣) عقوبتُه التي هي النارُ، فكأنَّهم أكلوا النار، ومنه قولُهم: أكل فلانٌ الدَّمَ، إذا أكل الدِّيَةَ التي هي بدلٌ منه.\n﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ عبارةٌ عن غضبه تعالى عليهم؛ لأنَّ مَن غَضِبَ على صاحبه حرَمه وقطَعَ كلامه.\nوقيل: تعريضٌ بحرمانهم حالَ أهل الجنة في تَكْرمة الله تعالى إياهم بكلامه وتزكِيَتِهم بالثَّناء.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم، وتقديمُ الجارِّ والمجرور لمحافظةِ الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-182\"> </span>(١٧٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ في الدنيا.\n﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ في الآخرة، والحاجةُ إلى المغفرة أشدُّ من الثواب (^٤)، فالخسرانُ في فقدانها أقوى، ولهذا آثرَها عليه مع أنَّه أنسبُ لأنْ يُذكرَ مع العذاب لفظًا ومعنًى.\n_________\n(^١) في (ف): \"في\".\n(^٢) في (م): \"الغلبة\".\n(^٣) في (ك): (لزمتهم).\n(^٤) \"من الثواب\" ليس في (ح) و(ف).","vol":"2","page":6},{"text":"﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجُّب من حالهم (^١) في ارتكابِ مُوجِبات النار والتباسِهم بها من غيرِ مبالاةٍ منهم به؛ كما تقول لمَن يتعرَّض لمَا يُوجب غضبَ السلطان: ما أصبرَكَ على القيد والسِّجن! تُريد أنه لا يتعرَّضُ بذلك (^٢) إلا مَن هو شديدُ الصبر على العذاب.\nو(ما) تامَّةٌ مرفوعةٌ بالابتداء، وتخصيصُها كتخصيصِ قولهم: شرٌّ أَهَرَّ ذا نابٍ (^٣). أو استفهامية وما بعدها الخبر أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-183\"> </span>(١٧٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك (^٤) العذاب.\n﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللّه.\n_________\n(^١) قوله: \"تعجب من حالهم\" كذا قال الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٢١٦)، وتابعه عليه البيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ١٢٠)، والمؤلف هنا، وهذا كلام يحتاج إلى توجيه، فالتعجب هو استعظام الشيء وخفاء حصول السبب، وهذا مستحيل في حق الله تعالى، وبالتالي فهو راجع لمن يصح ذلك منه، أي: هم ممن يقول فيهم من رآهم: ما أصبرهم على النار. انظر: \"البحر المحيط\" (٣/ ٢٤٤). وقد تلافى الآلوسي ﵀ هذا الإشكال فقال: (تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة ..). انظر: \"روح المعاني\" (٣/ ٩٥).\n(^٢) قوله: \"بذلك\" كذا في النسخ، والذي في \"الكشاف\" (١/ ٢١٦): (لذلك).\n(^٣) انظر: \"مجمع الأمثال\" (٣/ ٩٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٠). قال الميداني: (يقال: أهره، إذا حمله على الهرير، وشر رفع بالابتداء، وهو نكرة وشرط النكرة أن لا يبتدأ بها حتى تخصص بصفة كقولنا: رجل من بني تميم فارس، وابتدؤوا بالنكرة هاهنا من غير صفة، وإنما جاز ذلك لأن المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر، وذو الناب: السبع. يُضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله).\n(^٤) \"ذلك\": ليست في (م).","vol":"2","page":7},{"text":"﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: نزَّل ما نزَّل من الكتب مُلْتبِسًا بالحقِّ.\n﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ الظاهر أنَّ المراد هو القرآن، واللامُ إشارةٌ إلى أنه الجنس المسمَّى كتابًا؛ أي: الكامل في كونه كتابًا، كأنَّ ما عدَاه من الكتب لا يَستأهِل معه أن يسمَّى كتابًا.\nوالإظهارُ في موضعِ الإضمار للتعظيم، وتربيةِ (^١) فائدةِ اللام، وبيانِ أنَّ الاختلاف فيه عظيمةٌ من العظائم، ولهذا قيَّده في الأوَّل بالحقِّ.\nواختلافُهم فيه قولُ بعضهم: سحرٌ، وقولُ بعضهم: شعرٌ، وقولُ بعضهم: أساطيرُ الأولين.\n﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق، والشِّقاق: انحياز كلٍّ من المتخالِفَين عن شقِّ صاحبه للخلاف، وطلبُ كلٍّ منهما ما يَشُقُّ على الآخر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-184\"> </span>(١٧٧) - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ البرُّ: اسم جامعٌ للطاعات وأعمالِ الخير.\n﴿أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الخطابُ لأهل الكتاب، فإنهم أكثَروا الخوضَ في أمر القبلة حين حوِّلت.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ك): \"وتربيته\"، والمثبت من (ك).","vol":"2","page":8},{"text":"﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ﴾؛ أي: مُقابِلَه كفعلِ النصارى.\n﴿وَالْمَغْرِبِ﴾؛ أي: قِبَلَ المغرب كفعل اليهود، وذلك منسوخٌ فهو إثمٌ لا برٌّ.\nوقرئ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ بالنصب (^١) على أنه خبرٌ مقدَّم.\nوقرئ: (بأنْ تُوَلُّوا) بالباء (^٢)؛ لتأكيد النفي.\n﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: بالمَبدأ والمَعاد.\n﴿وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾؛ أي: بالشرائع المتَّحدةِ في أصول الدِّين المنزل على الأنبياء ﵈ بواسطة الملك.\nوللتنبيه على جهة الاتحاد قال: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ دون: الكتب.\nإنما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ دون: والملكِ (^٣)؛ لأنَّ سفير الوحي وإنْ كان واحدًا إلا أنه قد أُنزل بعضُ الكتب بل بعضُ سور القرآن بجمٍّ غفيرٍ من الملائكة تعظيمًا لشأنِ المنزَل (^٤).\nوالمعنى والله أعلم: ولكنَّ البرَّ هذه العقائدُ الصحيحةُ والأعمالُ الصالحةُ، والوصفُ كما يُذكر في مَقام الموصوف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ (^٥) بحسَب اللفظ كما في\n_________\n(^١) في قراءة حمزة وحفص. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٩).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١).\n(^٣) في (ف) و(م): (الملك). ووقع بدلًا منها في (ك): \"الكتب\" ولعله وهم ناسخ أو سبق قلم منه.\n(^٤) ومنه ما رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٢٢٦) وصححه عن جابر ﵁ قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله ﷺ ثم قال: \"لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق\". وقد تعقب الذهبي تصحيح الحاكم بقوله: أظن هذا موضوعًا.\n(^٥) في النسخ عدا (ح): (يجوز)، والمثبت من (ح)، وهو الصواب.","vol":"2","page":9},{"text":"قولك: رجلٌ عَدْلٌ، فإن التجوُّز فيه في الإسناد دون المسنَد، كذلك يُذكر الموصوفُ في مَقام الوصف بلا حذفٍ ولا تجوُّزٍ (^١) بحسَب اللفظ كالذي نحن فيه تنزيلًا للموصوف مَنزلتَه، ولا يَخفى ما فيه من المبالغة في شأن ذلك الوصفِ وتعظيمِه، على عكس ما في المثال المذكور، فإنَّ المبالغةَ فيه في شأن الموصوف، ولدقَّةِ الفرق بين الاعتبارَين ذهب على كثيرٍ من الحذاق (^٢).\nوفي المصير إلى التقدير في مثلِ هذا المقامِ تنزيلٌ للكلام عن مَنزلته الرَّفيعة، وتغييرٌ لصورته البديعةِ، على أنه إذا قيل: ولكنَّ البرَّ برُّ (^٣) من آمن .. إلخ، يُفهم منه عدمُ الاعتبارِ لبِرِّ مَن قصَّر في بعض تلك الأعمال، وإذا قيل: ولكنَّ ذا البرِّ (^٤) مَن آمَن .. إلخ، يخرج الكلام عن سَنن الانتظام، وأيضًا لو قُصد هذا لكان المناسبُ أن يقال: ولكنَّ البَرَّ، بفتح الباء.\n﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾، أي: حبَ المال والشُّحِّ به كما قال عليٌّ ﵁ لمَّا سُئل أيُّ الصدقة أفضلُ؟: أن تؤتيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ تأمُلُ العيش وتخشَى الفقر (^٥). وقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].\nوالجارُّ والمجرور في موضع الحال.\n_________\n(^١) في النسخ: (يجوز)، والمثبت هو الصواب بدلالة السياق مع ما سبق.\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"كصاحب الكشاف وشراح كلامه. منه\".\n(^٣) كلمة: \"بر\" سقطت من (د).\n(^٤) في النسخ عدا (ك): (ولكن ذا البربر)، والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢١٨)، و\"تفسير القرطبي\" (٣/ ٥٤ - ٥٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢١).\n(^٥) رواه البخاري (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٦٦) من قول ابن مسعود ﵁. ورواية الصحيحين: \"تخشى الفقر وتأمل الغنى\"، وفي رواية لمسلم: \"وتأمل البقاء\".","vol":"2","page":10},{"text":"﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الإيتاء أعمُّ من الصدقة فلا يُشترط فيهما الفقرُ، وقد قفَّاه بالزكاة فانصَرف إلى المندوبات من الصِّلات، وقدَّم ذوي القُربى لأنهم أحقُّ بالإحسان، قال ﵇: \"صدقتُك على المسكينِ صدقةٌ، وعلى ذوي رَحِمِكَ اثْنتان: صَدقةٌ وصِلَةٌ\" (^١).\n﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾: جمع مسكينٍ، وهو الدائمُ السكونِ إلى الناس لشدَّة فقره، أو الدائمُ السكونِ في البيت لعدمِ اللباس أو لعدم القوة؛ كالسِّكِّير (^٢) الدائمِ السُّكر.\n﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطَعُ به، وجُعل ابنًا للسبيل لملازَمته له.\n﴿وَالسَّائِلِينَ﴾: المستطعِمِين.\n﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: في معاونةِ المكاتَبين حتى يفكُوا رقابهم، وقيل: في ابتياعِ الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى.\nوفي العطف بعبارةِ الجمع إشارةٌ إلى فضل التفريق إلى هذه الأنواع.\n﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ مفروضةً كانت أو واجبةً.\n﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المقدَّرةَ.\n﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ عطفٌ على ﴿مَنْ آمَنَ﴾.\n﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصبر في الشدائد ومَواطنِ القتال، وإظهارًا لفضل الصبر على سائر الأخلاق والأعمال.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٦٥٨)، والنسائي (٢٥٨٢)، من حديث سلمان بن عامر ﵁. وحسنه الترمذي، وله شاهد من حديث زينب زوجة بن مسعود ﵄ عند البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠).\n(^٢) في (ح): \"كالسكر\"، وفي (م): \"كالمسكير\". وفي (د) و(ت): (كالمسكين).","vol":"2","page":11},{"text":"﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾: في الفقر والشِّدة.\n﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: المرضِ والزَّمانة.\n﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: وقتَ مُجاهَدة العدوِّ.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ كانوا صادقين في الدِّين جادِّين.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ أي: هم المُوفُون حقَّ الصِّدق قولًا وفعلًا وعَقْدًا، وحقَّ التقوى حَظْرًا وكراهةً وندبًا، والصدقُ فيما يُفعل، والتقوى فيما يُترك، فالآيةُ (^١) جامعةٌ للكمالات الإنسانيَّة بأسرها، وإليه أشار النبيُّ ﵇ في قوله: \"مَن عَمِلَ بهذه الآيةِ فقد استكْمَلَ الإيمان\" (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-185\"> </span>(١٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ تخصيصُ الخطابِ بالمؤمنين لا لاختصاصِ الحكمِ المذكورِ بهم، بل للتَّنبيه بخطابهم بوصفِ الإيمان عندَ إيجابِ القِصاص عليهم بقتل العمد الذي هو من الكبائر التي ورد فيها أشدُّ وعيدٍ وتهديدٍ على أنَّ الكبيرة لا تُزيل الإيمان.\nوأصلُ الكتابة: الخطُّ، وكُني به عن الإلزام، وهذا الوجوبُ على الناس كافَّةً، فمنهم مَن يَلزمُه استيفاؤه وهو السلطان إذا طلبه الوليُّ، ومنهم مَن يَلزمُه تسليمُ النفس\n_________\n(^١) في (د): (فآية).\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٤٩٠) عن أبي ميسرة قوله.","vol":"2","page":12},{"text":"وهو القاتلُ، ومنهم مَن تَلزمُه المعاوَنةُ أو الرِّضا به، ومنهم مَن يَلزمُه أن لا يتعدَّى بل يقتصُّ، أو يأخذُ الدِّيةَ، أو يَعفو.\nوالقصُّ: قطعُ الشيء على سبيلِ الاحتذاء، ومنه قَصَّ شعرَه، وقَصَّ أثرَه، وقَصَّ الحديث: اقتطع كلامًا حاذيًا حذوَ غيره، والقِصَّة اسمٌ منه.\nوحقيقةُ القصاص: أن يُفعل بالقاتل أو الجارح مِثْلَ ما فَعَلَ، ففيه إشارةٌ إلى أن القصد بالآية منعُ التعدِّي، فإنَّ أهل الجاهلية كانوا يتعدَّون في القتل.\nوكلمة ﴿فِي﴾ [في] (^١) ﴿فِي الْقَتْلَى﴾ للسببية؛ كهي في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].\nوالقتلى: جمع قتيل، والإتيانُ بصيغة الجمع للاهتمام في المنع عن التعدِّي، فإنه إذا كان ممنوعًا في قتلِ جماعة فالمنع عنه في قتلِ واحدٍ بطريقِ الأَولى.\n﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾؛ أي: يُقتصُّ الحرُّ القاتلُ بالحرِّ المقتول (^٢)، ولا يُتعدَّى من الحرِّ إلى العبد لخساسةِ وليِّ المقتول، ولا من واحدٍ إلى اثنين لشرفه.\n﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولا يُتعدَّى من العبد إلى الحرِّ لشرف مولَى المقتول وقبيلتِه.\n﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ولا يُتعدى من الأنثى إلى الذَّكر لشرف المقتولة.\nكان بنو النَّضير يقولون لبني قُريظةَ: إذا قتلتُم منَّا عبدًا قتلْنا منكم حرًّا، وإذا قتلتُم منَّا امرأةً قتلنا منكم رجلًا، وإذا قتلتُم منَّا حرًّا قتلْنا منكم حرَّينِ، وكانوا على ذلك قبلَ ظهور النبيِّ ﵇، فلما جاء الإسلام تحاكَموا إلى رسول الله ﵇ فنزلت، وأمرهم أن يتباوؤا.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) في (ف): \"الحر القاتل بالمقتول\".","vol":"2","page":13},{"text":"فلا دلالة فيها على أنْ لا يُقتل الحرُّ بالعبد والذَّكرُ بالأنثى، كما لا دلالة على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لا يظهر للتخصيص وجهٌ سوى اختصاصِ الحكم، وقد ظهر هنا وجهُه فلا متمسَّك للقائلين بحجيَّة المفهوم في هذه الآية لإثبات ما قالوا مِن عدمِ قتلِ الحرِّ بالعبد.\n﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ تفريع على ما في عبارة القِصاص من الإشارة إلى أنَّ المكتوب حقُّ العبد سقط بإسقاطه.\n﴿لَهُ﴾ مفعول به، لكنْ لكونه بواسطة حرف الجرِّ كان مُساويًا للمصدر وغيرِه في جواز الإسناد إليه.\n﴿مِنْ أَخِيهِ﴾؛ أي: من جهةِ أخيه، يجوز أن يَتعلَّق بالفعل وأن يكون حالًا من ﴿شَيْءٌ﴾، يعني: وليَّ الدم، وإنَّما ذكره بهذه العبارة تذكيرًا لِمَا بينهما من الأخوَّة الدينيَّة والجِنسيَّة؛ ليَرِقَّ له وَيعطفَ عليه فيتساهلَ.\n﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: شيءٌ كلا من العفو، بأنْ كان للقتيل أولياءُ فعفَى بعضُهم فصار نصيبُ الباقين (^١) مالًا، وهو حصتُهم من الدِّيَة، فهو في مَوقع المفعول المطلَق المقيَّدِ الموصوف؛ مثل: ضُرِبَ ضرب شديد؛ لمَا في تنكير ﴿شَيْءٌ﴾ من الدلالة على ذلك، وفائدتُه: الإشعار بأنَّ بعض العفوِ كالعفوِ التامِّ في إسقاط القصاص.\nولا يصحُّ أن يكون ﴿شَيْءٌ﴾ مفعولًا به؛ لأنَّ ﴿عُفِيَ﴾ لا يتعدَّى بنفسه إلى المفعول به، لكن بـ (عن) إلى الجاني وإلى الذنب، وإذا تعدَّى إلى الذنب بـ (عن) (^٢) عُدِّي إلى\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"الباقي\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"يعني\"، وفي (د): \"معين\"، وكلاهما تصحيف.","vol":"2","page":14},{"text":"الجاني باللام، وكان أصله في الآية: فمَن عُفي له عن جناية (^١) من أخيه، فاستُغني بذكر القصاص في القتلى عن ذكر الجناية.\nوأمَّا عُفي بمعنى تُرك المتعدِّي بنفسه إلى المفعول به فلم يَثبت، وإنما ثبت: أَعْفى.\nولمَّا انقَلب حقُّ باقي الورثةِ في الصورة المذكورة من القصاص إلى الدِّيَة قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾؛ أي: فعلى الوليِّ اتِّباعٌ بالمعروف (^٢) بأنْ لا يتجاوزَ عن الحدِّ المعهود في الدِّيَة بأخذِ الزيادة عن حصَّته منها (^٣)، ومن هنا ظهر وجه التعريف في (المعروف) (^٤)، وعلى الجاني أداءٌ إليه بإحسانٍ بأنْ لا يَمْطُلَه ولا يبخسه، على أن كلًّا منهما مبتدأٌ أو فاعلٌ للظرف؛ أي (^٥): فليكن اتِّباعٌ من الولي وأداءٌ من الجاني على الفاعلية فيهما، أو: فأَمْرُ الوليِّ اتِّباعٌ وأمر الجاني أداءٌ على الخبرية فيهما.\nوفي هذه التوصية لهما تربية لفائدة الأخوة.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكور صريحًا وهو العفوُ المستلزِم للدية، وضمنًا وهو\n_________\n(^١) في (م): \"الجناية\".\n(^٢) بعدها في (م): \"على الجاني\".\n(^٣) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"فلا دلالة فيه على أن الدية أحد مقتضى العمد. منه).\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"وأما على ما قيل بأن لا يعنفه به ولا يمطله، فلا يظهر وجه لتخصيص التعريف به والتنكير بقرينة، ومن القائلين به مَن بدل في تفسيره تنكير الإحسان بالتعريف في تفسيره، ولا يخفى ما فيه من الجرأة القبيحة. منه\".\n(^٥) في (د) و(م): \"أو\"، والصواب المثبت؛ لأن الآتي تعليل لما قبله على طريقة اللف والنشر المشوش.","vol":"2","page":15},{"text":"العفو العاري (^١) عنها، وذلك أنَّ عفو بعض القصاص لمَّا كان مشروعًا لكونه حقَّ العبد، عُلم منه بطريقِ الدلالة أن عفوَ كله أيضًا مشروع.\n﴿تَخْفِيفٌ﴾: تسهيلٌ بدفع القصاص عن الجاني.\n﴿مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ بنفع الوليِّ حيث لم يضع حقَّه، والفصلُ بينهما بقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ للإيذان بتعلُّقه بهما كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].\nقال ابن عباس والحسن البصريُّ ﵃: كان في شريعة موسى ﵇ القتل لا غير، وفي شريعة عيسى ﵇ العفو لا غير، وفي شريعتنا القصاصُ ثابتٌ والعفوُ حسنٌ والصلحُ جائزٌ، على حسب ما يراه العبد أنفعَ له وأشفَى لقلبه وأوفَقَ لمراده.\nومَن قال: خيرت (^٢) هذه الآيةُ (^٣) بين الثلاث: القصاصِ والديةِ والعفوِ، لم يُصبْ؛ إذ ليس الثاني منها (^٤) باختيار الولي؛ لأنَّه بدل صلح (^٥) لا يكون إلا برضا الجاني.\nبقي هاهنا شيءٌ: وهو أن قولهما: كان في شريعة موسى ﵇ القتلُ لا غير، محلُّ بحث؛ فإن ما يأتي في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: ١٤٥] أنَّ الحسن هو الاقتصاص والأحسنَ العفوُ (^٦)، صريحٌ في أن ذلك في التوراة إذ ضميرُ (أحسنها) للألواح.\n_________\n(^١) في (ك): (العري).\n(^٢) في (د): \"وخيرت\"، وفي (ك): \"وخير\". وفي (م). \"فخيرت\".\n(^٣) في (د): \"الأمة\".\n(^٤) في (م): \"اثنان منها\".\n(^٥) في (م): \"الصلح\".\n(^٦) في هامش (د) و(ف) و(م): \"هذا التفسير مذكور في الكشاف وغيره. منه\".","vol":"2","page":16},{"text":"﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الحُكمِ، أو التخفيفِ (^١)، فتجاوَزَه (^٢) بقتلِ غيرِ القاتل، أو القتلِ بعد العفو أو أخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ﴾ نوعٌ من العذاب ﴿أَلِيمٌ﴾ شديدُ الألم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-186\"> </span>(١٧٩) - ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ كلامٌ كاملٌ في الفصاحة، وعالي الطبقة في البلاغة، لم يوجد أقلُّ مسموعًا وأجلُّ مفهومًا منه، مع اشتماله على الغرابة التي هي من نكت البلاغة (^٣)، وذلك أن القصاص قتلٌ وتفويتٌ للحياة، فجُعل محلَّ الحياة.\nوعرَّف القصاص ونكَّر الحياة وقدَّم الخبر وخصَّص الخطاب بـ (أولي الألباب) بقوله:\n﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إشعارًا بأنه لا يَفهم معناه إلا ذو اللُّب؛ أي: لكم خاصةً أيها العقلاءُ في هذا الجنس من الحُكم نوع من الحياة أو حياةٌ عظيمةٌ لا يُقْدَرُ قَدْرُها (^٤)؛ إذ لو لم يُشْرَع، وكان (^٥) ما كان في الجاهلية من قتلِ غيرِ القاتل، وقتلِ الجماعة بواحدٍ،\n_________\n(^١) في (م): \"والتخفيف\".\n(^٢) في (م): \"فيتجاوز\". وفي (ك): (فتجاوز).\n(^٣) في هامش (د) و(ف) و(م): \"وفي عبارة الكشاف غرابة، حيث قال: كلام فصيح لما فيه من الغرابة، ورام سعد الدين إصلاحه ولم يدر أن ما ذكر تغيير لا تفسير وجرح لا شرح ولن يصلح العطار ما أفسده الدهر. منه\".\n(^٤) في هامش (د) و(ف) و(م): \"على أن التنوين [في (م): التنكير] للتنويع أو للتعظيم، والقاضي لم يفرق بينهما. منه\".\n(^٥) في (م): \"فكان\".","vol":"2","page":17},{"text":"لوقع الهَرْجُ والمَرْجُ بين الناس، وهاجت الفتن والحروب، وارتفع الأمن من (^١) الناس، فانطفت تلك النائرةُ بشرعِ القصاص، وارتَدع كلُّ مَن همَّ بالقتل لعلمه بذلك، فسَلِم المقتول من القتل والقاتلُ من القَوَد، ولم يَجْسر (^٢) أحدٌ من أولي الألباب على القتل، فأَمِنَ الناس، وتلك حياةٌ تخَلْق كثير في أمنٍ وسلامةٍ وسعةٍ فضلًا عن النَّفْسين، فلهذا (^٣) قال:\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ القتلَ بغير الحق، أي: أَرَيتُكم ما فيه من (^٤) الحياة لكي تتَّقوا.\nويجوز أن يختص الخطاب بالأئمَّة وهم أولوا الألباب؛ أي: لعلكم تتَّقون في المحافظة على القصاص والحكم به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-187\"> </span>(١٨٠) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أمرُ الوصية لا بد في إقامته من جماعة، فلهذا آثَرَ صيغة الجمع هنا.\n﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: قرُب منه بظهور أماراته.\n﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ أي: مالًا طيِّبًا، وكان هذا القيدُ لا بدَّ منه لأنَّ المال الخبيث\n_________\n(^١) في (م): \"بين\".\n(^٢) في النسخ عدا (ح): \"يجتر\"، ولعل المراد: يجترئ، فسهلت الهمزة ثم حذفت الياء للجزم، والمثبت من (ح).\n(^٣) في (د): (فلذا).\n(^٤) \"من\": ليست في (م).","vol":"2","page":18},{"text":"لا يجوز الوصيةُ به (^١)؛ لِمَا فيها من الإثم، والتنوين للتكثير (^٢)؛ لمَا روي عن عائشة ﵂: أن رجلًا أراد أن يوصي، فسألته: كم مالك؟ فقال: ثلاثة آلاف درهم، فقالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هذا الشيءَ يسير (^٣) فاتركه لعيالك (^٤).\n﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ فاعلُ ﴿كُتِبَ﴾، وتأنيثُها ليست بحقيقة (^٥) فيجوز تذكيرها، ولا حاجة إلى ما قيل: وتذكير الفعل للفاصل، أو لأنها بمعنى: أن يوصيَ، ولهذا ذكِّر ضميرها في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾، والعامل في ﴿إِذَا﴾ مدلولُ ﴿كُتِبَ﴾ لا ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ لتقدُّمه عليها.\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي (^٦): بالعدل المعهود، وهو أن لا يوصيَ للغنيِّ ويدعَ الفقيرَ، ولا يتجاوزَ الثلث.\n﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أي: حقَّ ذلك حقًّا.\n﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ كان هذا الحكمُ في بدء الإسلام، فنُسخ بعد نزول آية المواريث بقوله ﵇: \"إنَّ الله أَعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ألَا لا وصيَّةَ لوارثٍ\" (^٧)، فإنه وإن\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"من فسر الخير بالمال أو بالمال الكثير لم يصب. منه\".\n(^٢) في النسخ عدا (د): \"للتنكير\"، والمثبت من (د).\n(^٣) في (د): \"لشيء عسير\"، وفي (ك): \"لشيء يسير\"، وفي (ف) و(م): \"الشيء ليسير\".\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٩٤٦)\n(^٥) في (ك): \"بحقيقية\"، وفي (ح): \"بحقيقته\".\n(^٦) \"أي\" ليست في (د).\n(^٧) رواه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠) وحسنه، وابن ماجه (٢٧١٣)، من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁.","vol":"2","page":19},{"text":"كان من الآحاد إلا أن الأمَّه تلقَّته بالقبول حتى لحق بالمتواترِ؛ لعِلْمنا بأنهم لا يتلقَّون بالقبول إلا الثَّبتَ الذي صحَّت روايته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-188\"> </span>(١٨١) - ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾؛ أي: قولَ الموصِي، بقرينةِ قوله: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾؛ أي: غيَّره عن وجهه من الأوصياء والشهود والحكَّام، ولا حاجة إلى أن يقالَ: إن كان موافقًا للشرع. لأنَّ الذي لا يوافقه مردود لا مبدَّلٌ.\n﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾؛ أي: إثمُ التبديل، أو الإيصاءِ المبدَّل.\n﴿عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ لا على الموصى والموصَى له، وإنما أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ التبديل إنما يتقرَّر بالاتِّفاق، فإن الوصيَّ مثلًا إنما يَقدِر على التبديل بمساعدة (^١) الشهود ولو بالسكوت، وكذا الحالُ في غيره.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بقول الموصِي.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بفعل الوصيِّ وغيره من الذين يبدِّلون الوصيةَ، ظاهرُه الإخبارُ وباطنُه الوعيد للمبدِّل ومَن يساعده فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-189\"> </span>(١٨٢) - ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿فَمَنْ خَافَ﴾ يراد بالخوف في مثل هذا: ما يلزمُه من التوقُّع والظن الغالب؛ إذ لا خفاء في أنه لا معنَى للخوف من الميلِ والإثمِ بعد الوقوع.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"بمشاهدة\".","vol":"2","page":20},{"text":"﴿مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ ميلًا عن الحقِّ.\n﴿أَوْ إِثْمًا﴾ تعمُّدًا للجَنَف، قال الربيع: الجنفُ في الخطأ، والإثمُ في العمد (^١).\n﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الموصَى لهم وهم الوالدان والأقربون، أو بين الموصَى لهم والورثةِ، بردِّهم إلى الحق، وجاز إضمارُهم لانفهامِهم من سياق الكلام بمعونةِ المَقام.\nقال الرَّاغب: ولا فرقَ بين أن يَخاف منه ذلك قبل موت الموصِي فيرشدَه، أو بعد موته فيصلحَه، وليس الإصلاحُ بمقصورٍ على إيقاع الصُّلح دون استعمالِ الصلاح، بل يتناولُهما (^٢).\n﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على المبدِّل حينئذٍ؛ لأنَّه تبديلُ باطلٍ بحقٍّ، وإنما قال هذا لأنَّه لمَّا خوَّف في الآية الأولى من تغيير الوصية بيَّن أن النَّهي عن تغييره (^٣) فيما لا جَنَف (^٤) ولا إثم فيه، فأمَّا إذا كان فيه شيءٌ من ذلك فلا شيءَ في تغييره.\nولمَّا كان ما تَضمَّنه الكلام السابق من الوعيد باعتبارِ إحاطته تعالى بالظواهر والسرائر عِلْمًا ناسَبَ أن يرتَّب عليه ما في هذا الكلام من الوعد (^٥) لمَن قَصَد بتغيير الوصية الصلاحَ (^٦)، فصدَّره بأداة الترتيب، وبيَّن بقوله:\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ١٥١) بلفظ: (الجنف الخطأ، والإثم العمد).\n(^٢) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٣٨٤).\n(^٣) في (ك) و(م): \"تغيير\".\n(^٤) في (د): \"حيف\"، وفي (ح): \"خيف\".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"من الوعيد\".\n(^٦) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ومن غفل عن هذا قال ما قال. منه\".","vol":"2","page":21},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أنه يَتجاوز عمَّا عسى أنْ يَسقط من المصلِح ما لا يجوز ﴿رَحِيمٌ﴾ بـ الرخصة فيما ذُكر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-190\"> </span>(١٨٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لا لاختصاصِ الكتاب المذكورِ بهم، بل لاشتراطِ صحَّة المكتوب بالإيمان، فلا متمسَّك فيه لمن قال: إنَّ الكفار غيرُ مخاطَبين بالعبادات.\n﴿الصِّيَامُ﴾: الصَّوم، قال الخليل: الصَّومُ قيامٌ بلا عملٍ (^١).\nوالصَّومُ: الإمساكُ عن الطُّعْم، وفي الشرع: الإمساكُ بالنيَّة في النَّهار الشَّرعيِّ عن المفطِّرات.\n﴿كَمَا كُتِبَ﴾ نَصبٌ على المصدر؛ أي: كتابًا (^٢) كما كُتب.\n﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من الأنبياء ﵈، والأممِ من لدُنْ آدمَ ﵇، يعني: أنه عبادةٌ قديمة (^٣) ما أَخْلَى اللّه تعالى أمَّةً من افتراضها عليهم، ففيه توكيدٌ للحكم، وترغيبٌ على الفعل، وتطييبٌ على النَّفْس.\nوالتشبيهُ في أصل الوجوب فقط، وقيل: في الأصل والقَدْر والوقت جميعًا.\n_________\n(^١) انظر: \"العين\" (٧/ ١٧١).\n(^٢) في (م): \"كتبًا\".\n(^٣) في (ف) زيادة: (قديمة)","vol":"2","page":22},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ اللّهَ بالمحافظةِ عليها لقِدَمِها وأصالتِها، فإنها ما فُرضت عليكم وحدَكم.\nأو: تتَّقون المعاصيَ لأن الصائم أردعُ لنفسه، فإنَّ الصوم يكسرُ الشهوة التي هي مبدؤُها (^١)، على ما أشار إليه النبيُّ ﵇ بقوله: \"فإنَّ الصومَ له وِجاءٌ\" (^٢).\nأو: لعلكم تَنتظِمون في زُمرة المتَّقين، فإنَّ الصوم شعارُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-191\"> </span>(١٨٤) - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: موقَّتاتٍ بعددٍ معلوم، أو: قلائل، كقوله تعالى: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وأصله: أن المال القليلَ يقدَّر بالعدد (^٣) والكثيرَ يُحثَى حَثْيًا.\nنصبُها على الظرفيَّة لـ ﴿الصِّيَامُ﴾، وقد جوِّز عملُ المصدر في الظرف مع تخلُّل الفاصل وإنْ لم يَجُزْ في غيره.\nوالمراد بها: ما أُوجِبَ صومُه قبل فَرْضيَّة (^٤) رمضانَ ونُسخ به، وهو عاشوراءُ، أو ثلاثةُ أيام من كلِّ شهر، ويجوز أن يراد بها رمضانُ، والأوَّل أَوْلى؛ إذ الأنسبُ على الثاني أن يقال: شهرًا معلومًا؛ كما قيل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\n_________\n(^١) في النسخ: \"مبداها\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٣).\n(^٢) رواه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠)، من حديث ابن مسعود ﵁. والوِجَاءَ رَضُّ الخصيتَينِ. انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١١٠).\n(^٣) في (م): \"بالعد\".\n(^٤) في (د) و(ف) و(م): \"فريضة\".","vol":"2","page":23},{"text":"وقيل: معناه: صومُكم كصومِهم في عددِ الأيام، كما (^١) رُوي أنَّ رمضان كُتب على النصارى فوقع في حرٍّ أو بردٍ شديدٍ، فحوَّلوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين [يومًا] كفارةً لتحويله (^٢).\nوقيل: زادوا ذلك لمُوتان أصابهم (^٣).\n﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ذهب بعضُهم إلى أنَّ كلَّ مرضٍ مبيحٌ للإفطار؛ أخذًا بإطلاق النصِّ (^٤)، وبعضُهم إلى أن المراد المرضُ الذي يضرُّه الصوم أو يَعْسُرُ معه؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ (^٥).\n﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرًا، ليتناولَ مَن دخل بلدةً ومكث (^٦) فيها أيامًا لا بنيَّة الإقامة، فإنَّ ما ذُكر يُطلق عليه دون ما تُرك (^٧).\n_________\n(^١) (في (ك): \"لما\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٤). قال السيوطي في \"نواهد الأبكار\" (٢/ ٣٧٣): رواه ابن جرير عن السدي. قلت: رواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ١٥٤)، وما بين معكوفتين منه. وروي نحوه مرفوعًا، رواه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٨١٨٩)، من طريق الحسن عن دغفل بن حنظلة عن النبي ﷺ، لكن قال البخاري: لا يعرف سماع الحسن من دغفل، ولا يعرف لدغفل إدراك النبي ﷺ. ورواه الطبراني في \"الكبير\" (٤٢٠٣)، ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٤٨٦) - ترجمة دغفل - من طريق الحسن عن دغفل قوله.\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٤). والموتان بوزن البطلان: الموت الكثير الوقوع. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٧٤).\n(^٤) لم يرد في هذا عن السلف قول يحتج به، ونسب لبعض الشافعية ولا يصح عنهم. انظر ما ذكرناه في تعليقنا على \"روح المعاني\" (٣/ ١٢٤).\n(^٥) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"فإن فيه دلالة على أن علة الرخصة إرادة اليسر، واليسر في الصوم إذا كان نافعًا للمرض، ولا يسر في الإفطار إذا لم يضره الصوم\".\n(^٦) في (ف) و(ك): \"مكث\".\n(^٧) في (د): \"تركه\". وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف): \"السفر الذي يبيح الفطر ما يبيح القصر\".","vol":"2","page":24},{"text":"﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: فعليه صومُ عِدَّةِ أيامِ المرض أو السفر (^١) من أيامٍ أُخَرَ إنْ أفطر، فحُذف الشرطُ والمضافُ والمضافُ إليه للعِلم بها.\nكذا قالوا، وفيه: أنَّ وجه التعليل المذكورِ ظاهرٌ في حذف المضافَين لأنَّه بحُكم قانون العربية، وأمَّا في حذف الشرط فلا؛ لأنَّه بحُكم الشرع، ولم يُعلم بعدُ أنه حَتْمٌ (^٢) أم معلَّق على شرطٍ، ولذلك قال بعضهم: مكتوبٌ عليهما أن يُفطِرا ويصومَا عدَّةَ أيامٍ أُخر، ولعله حُذف مساغًا للاجتهاد فيه.\nوقرئ: (فعدَّةً) بالنصب؛ أي: فلْيَصُمْ عِدَّةً (^٣).\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: المطيقِينَ للصيام ولا عذرَ لهم إنْ أفطروا (^٤).\nوقرئ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ على البناء للمفعول (^٥)، تفعيلٌ من الطَّوق بمعنى الطَّاقة؛ أي: يكلَّفونه، أو القِلادةِ (^٦)؛ أي: يُقَلَّدونه ويقال لهم: صُوموا.\nوقُرئ: (يَتَطوَّقونه) (^٧)؛ أي: يَتكلَّفونه، أو: يَتقلَّدونه.\nو: (يَطَّوَّقونه) بإدغام التَّاء في الطَّاء (^٨).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"والسفر\".\n(^٢) في النسخ عدا (د): (ختم)، والمثبت من (د).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٢٥).\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"لا بدّ من هذا القيد لإخراج المسافر ومن أهمله لم يُصب. منه\".\n(^٥) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١١٨)، ورواها البخاري (٤٥٠٥) عن ابن عباس ﵄.\n(^٦) عطف على (الطاقة).\n(^٧) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١) عن ابن عباس، و\"المحتسب\" (١/ ١١٩) دون نسبة.\n(^٨) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١١٨) عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد.","vol":"2","page":25},{"text":"و: (يُطَيَّقونه) و(يَطَّيَّقونه) (^١) بمعنى: يَتطيَّقونه، وأصلهما: يُطَيْوَقونه ويَتَطَيْوَقونه، من فَيْعَلَ وتَفَيْعَلَ من الطَّوق، فقُلِبت الواو ياءً وأُدغمتْ فيها الياءُ؛ كقولهم: تَدَيَّرَ المكانُ، و: ما بها دَيَّار.\nوهو إمَّا بمعنى: يُطِيْقونه، أو يُقلَّدونه ويَتَقَلَّدونه، وإمَّا بمعنى يُكلَّفونه أو يَتكلَّفونه على جَهدٍ منهم وعُسرٍ وهم الشيوخ والعجائز، وحكمُهم الإفطارُ والفديةُ، و[هو] على هذا الوجهِ ثابتٌ غيرُ منسوخ، ويجوزُ أن يكون معنى ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أيضًا هذا؛ أي: يصومونه جَهْدَهم وطاقتَهم ومَبْلَغَ وُسْعِهم (^٢).\n﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: نصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ غيره عند فقهاء العراق، ومُدٌّ عند فقهاء الحجاز.\nقيل: رُخِّصَ لهم ذلك في أوَّل الأمر لمَّا أُمروا بالصوم فاشتدَّ عليهم لأنهم لم يتعوَّدوا، ثم نُسخ.\nوقد نبَّهتُ فيما تقدَّم على أنه لا حاجةَ إلى المصيرِ إلى النسخ.\nوقُرئ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ منوَّنًا و﴿طَعَامُ﴾ مرفوعًا بدلًا من ﴿فِدْيَةٌ﴾، و﴿مِسْكِينٍ﴾ مفردًا وجمعًا، وقرئ بالإضافة والجمع (^٣). وتبيَّن بقراءة الإفرادِ أن الحكم لكلِّ يومٍ يُفطر فيه طعامُ مسكينٍ.\n_________\n(^١) انظر القراءتين في \"الكشاف\" (١/ ٢٢٦)، والثانية في \"المحتسب\" (١/ ١١٨).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٢٦) وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) قرأ نافِع وابن ذكوان: (فديَةُ طَعَامِ مساكِينَ) بالإضافة والجمع، وباقي السبعة: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بالتَّنْوِينِ ورفع المِيم والتوحيد، مَا خلا هشامًا فإنه جمع (مِسْكين). انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٩).","vol":"2","page":26},{"text":"﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ بأن زاد في الطعام للمسكين، أو في عددِ مَن يلزمُه إطعامُه وانتصاب خيرًا على أنه صفة لمصدر محذوف أي: تطوعًا خيرًا لا على إسقاط الحرف أي: بخير لأنَّه غير قياس.\nو(مَن) (^١) في قراءةِ مَن جعَل ﴿تَطَوَّعَ﴾ ماضيًا تَحتمِل الموصولةَ (^٢) والشرطيَّة، وفي قراءةِ مَن قرأها مجزومًا (^٣) شرطيَّةٌ.\n﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتطوُّع ﴿خَيْرٌ﴾؛ أي: أكثرُ خيرًا ﴿لَهُ﴾ من الاقتصار على القَدْر المفروض.\n﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ أيها المطِيقون أو المطوَّقون.\n﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفديةِ على أيِّ وجهٍ كان.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جوابُه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه؛ أي: إنْ كنتُم من أهل العلم والتمييز عَلِمْتم أن الصوم خيرٌ لكم من ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-192\"> </span>(١٨٥) - ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n_________\n(^١) كلمة: \"من \"من (ح).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"الموصولية\".\n(^٣) أي: (يَطَّوَّعْ). انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٢٦).","vol":"2","page":27},{"text":"﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ﴾، والفاءُ لوصف المبتدأ بما تضمَّن معنى الشرطِ، وفيه إشعارٌ بأنَّ الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب (^١) الصوم فيه.\nأو بدلٌ من ﴿الصِّيَامُ﴾ في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و﴿الَّذِي أُنْزِلَ﴾ صفتُه أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هو - أو: هي - الأيام المعدودات، وقُرئ بالنصب (^٢) بدلًا منها، أو على: صوموا شهرَ رمضان، ولا يجوز أن يكون مفعولَ (أن تصوموا)؛ إذ حينئذ يَلزم الفصلُ بين المعمول وعامله بالخبر.\nورمضانُ (^٣) مصدرُ رَمضَ: إذا احترق من الرَّمْضاء، فأُضيف إليه الشهرُ وجُعل علمًا ومُنع الصرفَ للتعريف والألفِ والنون، وسمَّوه بذلك لارْتماضِهم فيه من حرِّ الجوع والظَّمأ (^٤)، أو لوقوعه أيامَ رَمَضِ الحرِّ حينما (^٥) نقلوا أسماء الشهور عن اللُّغة القديمة.\nوقد يُحذف المضاف لأَمْن الإلباس، على ما جاء في الحديث: \"مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنْبه\" (^٦).\n_________\n(^١) في (ح) و(د): \"اختصاص بوجوب\"، وفي (ك) و(م): \"اختصاص لوجوب\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٥).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢).\n(^٣) في (ح) و(د): (والرمضان).\n(^٤) يعني: لأن الصوم فيه عبادة قديمة. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٢٧).\n(^٥) في النسخ عدا (ك): (حيثما)، والمثبت من (ك)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٤)، والعبارة منقولة منه.\n(^٦) رواه البخاري (٣٧)، ومسلم (٧٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":28},{"text":"﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: ابتدأ فيه إنزالُه، وكان ذلك في ليلة القَدْرِ.\nوقيل: أُنزل جملةً إلى سماءِ الدنيا، ثم أُنزل إلى الأرض نجومًا.\nوقيل: أُنزل في شأنه القرآن، وهو قولُه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.\n﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلى الحقِّ، حالٌ.\n﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾: وآياتٍ واضحاتٍ، عطفٌ عليه.\n﴿مِنَ الْهُدَى﴾: من جملةِ ما يهدي اللّهُ به الناسَ.\n﴿وَالْفُرْقَانِ﴾: وما يُفْرقُ به بين الحقِّ والباطل؛ من وحيه وكتبه السماوَّية الهاديَة الفارقة (^١) بينهما.\n﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أي: فمَن شَهِدَ منكم هلالَ الشهر ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ كقولك: شهدتُ الجمعةَ؛ أي: صلاتَها، وعلى هذا يَنتظِم أمرُ المريض والمسافر، ولا بدَّ منه لأن أصل الوجوبِ ثابتٌ في حقِّهما، والساقطُ بالرخصة المستفادة من قوله:\n﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إنما هو وجوبُ الأداء، فلا وجه لأن يكون ﴿شَهِدَ﴾ بمعنى: حَضَر؛ لاستلزامهِ اختصاصَ الأمر بالمقيم، ولا صحةَ له (^٢)؛ إذ حينئذٍ يلزم أن يكون الحكمُ المذكورُ في حقِّ المسافر عزيمةً.\nوعلى تقديرِ حملِ الوجوبِ المستفادِ من الأمر على وجوبِ الأداءِ لا وجهَ لتخصيص المقيم بالذِّكر دون الصَّحيح.\nثم إنَّ اختصاص وجوبِ الأداء بما عدا المريضَ والمسافرَ قد عُلم من قوله:\n_________\n(^١) في (د): \"العارفة\"، وفي (ف) و(ك) و(م): \"الغارقة\"، والمثبت من (ح) وهو الصواب.\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"من غفل عن هذا قال ما قال\".","vol":"2","page":29},{"text":"﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ فالوجه أن يحمل ما قبله على أصل الوجوب؛ لأنَّ الإفادة خيرٌ من الإعادة.\n﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ إطلاقُه اقتضى التخييرَ بين الجمع والتفريق (^١)، ولا يجوز تقييدُه بالتَّتابُع بخبر الواحد؛ لأن التقييد نسخ ولا يجوز نسخُ الكتاب بأخبارِ الآحاد.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ برخصته الإفطارَ بعذرِ المرض والسفر.\n﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ بإيجابِ القضاءِ متواليًا وبلا (^٢) تأخيرٍ عند زوالِ العذر (^٣).\nوفي عبارة ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أن الأَحَبَّ عنده تعالى الإفطارُ عند أحد هذين العُذرين؛ لمَا في مقابَلة (^٤) عدم قبولِ الإحسان والامتنان به، وقد نبَّه النبيُّ ﵊ على هذا بقوله: \"ليس مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفر\" (^٥) وما في الأداءِ في رمضانَ من الفضيلة لا يعارِضُ هذا الاستحباب (^٦)، واللّهُ أعلمُ بالصواب.\n_________\n(^١) في (د): (التعريف).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"بلا\" دون الواو.\n(^٣) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"يعني أنه تعالى يريد اليسر بأصل الرخصة ولا يريد العسر بالتضييق فيها؛ لأنَّه لا يناسبها، ومن هنا اتضح وجه الوصل، فإنه على تقدير أن يكون الثاني تقريرًا للأول حقُّه الفصل كما لا يخفى\".\n(^٤) في (د): \"مقابله\".\n(^٥) رواه البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥)، من حديث جابر ﵁.\n(^٦) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"إشارة إلى وجه أصحابنا في هذه الخلافية، وهو أن رمضان أفضل الوقتين فكان الأداء فيه أولى\".","vol":"2","page":30},{"text":"﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ يجوز أن يُعطف على علَّةٍ محذوفة؛ أي: لتَعْلَموا ما شُرِعَ لكم ولتكْملوا العدَّةَ، أو على ﴿الْيُسْرَ﴾؛ أي: يريدُ اللّه بكم اليسرَ ويريدُ لتكمِلوا العدَّة؛ كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣].\n﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ قيل: هو تكبيرُ يوم الفِطْر، وقيل: التكبيرُ عند الإهلال، ضُمِّن فعلُ التكبير معنى الحمدِ فعُدِّي بـ (على)، فكان المعنى: حامدِينَ ﴿عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾: على هدايتكم.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: إرادةَ أن تشكروا، مَجازٌ لاشتراك المرجوِّ والمرادِ في الترجُّح.\nوالأفصحُ أن يُجعل ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (^١) إلخ عِللًا لفعلٍ معلَّلٍ محذوفٍ مدلولٍ عليه بما ذُكر من قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ إلخ؛ أي: ولهذه الأمور شُرع ذلك، فقولُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ علَّةٌ للأمر في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ علَّةٌ للأمر بصوم الشاهد في الشهر، وإفطارِ المسافر والمريض، وما عُلم من كيفية القضاء والخروجِ عن عُهدة الفطر؛ أي: ولتعظِّموا اللّه وتُثْنوا عليه، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ علَّةٌ الترخيص (^٢)، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك، لا يَطَّلِعُ عليه إلا الحُذَّاقُ من علماء البيان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-193\"> </span>(١٨٦) - ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك): \"لتكملوا العدة\".\n(^٢) في (ف): \"للترخيص\"، وفي (ك): \"الترخص\".","vol":"2","page":31},{"text":"﴿وَإِذَا سَأَلَكَ﴾ مرتبِطٌ بما تقدَّم من جهةِ أنه لمَّا حَثَّ على تكبيره وشكره بيَّن أنَّ الذي يذكرونه ويشكرونه قريبٌ منهم، ولهذا فصله (^١) به بين حُكمي رمضان.\n﴿عِبَادِي﴾ شرَّفهم بالإضافة إلى نَفْسه.\n﴿عَنِّي﴾؛ أي: عن صِفتي ومعامَلتي معهم إذا دعَوني.\n﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ لم يقل: (فقل: إني قريبٌ) كما في سائر سؤالاتهم؛ لأنَّه تعالى تولَّى جوابهم حين كان عنه سؤالُهم، فتقديرُ الكلام: (فأقولُ: إني قريب).\nرُوي أن أعرابيًّا قال لرسول اللّه ﷺ: أقريبٌ ربُّنا فنناجيَه، أم بعيدٌ فنناديَه؟ فنزلت (^٢). تمثيلٌ لحاله في إجابةِ الداعي بحالِ مَن قرُبَ مكانُه من مكانه، فيُلبِّيه (^٣) إذا دعاه؛ لأنَّه تعالى عن المكان، فإنه كانَ ولا مكانَ وهو الآن على ما كان.\n﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ تقريرٌ للقرب، ووعدٌ للدَّاعي بالإخلاص مقرونًا بشرائطه بالإجابة (^٤)، والإجابةُ من الجَوْب: وهو القطعُ، فإجابةُ السائل: القطع بما سأل؛ لأنَّ سؤاله على الوقف: أيكونُ أم لا يكون (^٥).\n_________\n(^١) في (د): \"فضل\"، والمثبت من باقي النسخ، ولعل الأنسب بالسياق: (فصل).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢٢٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٣١٤)، وابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٤٣٦)، من حديث معاوية بن حيدة ﵁. وفي سنده ضعف كما قال الحافظ في \"العجاب في بيان الأسباب\" (١/ ٤٣٤)، وأخرج نحوه الطبري عقبه عن الحسن مرسلًا.\n(^٣) في (د): \"فيلبينّه\".\n(^٤) قوله: (بالإجابة) متعلق بقوله: (وعد)؛ أي: وعد بالإجابة لمن دعاه مخلصًا دعاءً مقرونًا بتحقيق شرائط الدعاء.\n(^٥) \"يكون\": ليست في (ح) و(ف).","vol":"2","page":32},{"text":"﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ أي: أنا أُجيبُهم فيما دعَوني فعليهم أنْ يُجيبوني فيما دعوتُهم إليه بالائتمارِ فيما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه.\nقال أبو عبيدةَ: الاستجابةُ والإجابةُ واحدٌ؛ كالإنابة والاستنابة، وأنشد لكعبِ بنِ سعدٍ الغَنَويِّ:\nوداعٍ دَعَا يا مَن يُجيب إلى النَّدَى … فلم يَسْتَجِبهُ عند ذاكَ مجيبُ (^١)\nأي: لم يُجبه.\nهذا ما بحسَبِ جَليلِ النظر، والذي بحسب دقيقِه وهي: أنه تعالى إنما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ ولم يقل: فلْيُجيبوا؛ لِلَطيفةٍ وهي: أنَّ حقيقة الاستجابة طلبُ الإجابة وإنْ كان قد يُستعمل في معنى الإجابة، فبيَّن (^٢) أن العباد متى تحرَّوا إجابتَه بقَدْرِ وُسعِهم فإنه (^٣) يرضَى به عنهم، هذا فيما يتولَّاه الجوارح من الأعمال، وأمَّا الذي يتعلَّق بالإذعان القلبي من الإيمان فلا بدَّ فيه من حقيقة الإجابة، ولهذا أفرده بالذكر بقوله:\n﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ مع انتظامه فيما (^٤) تقدَّم بحسب جَليل النظر.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ راجينَ الرُّشد وهو إجابةُ الخير، ونقيضُه: الغي.\nوقرئ بفتح الشين وضمِّها (^٥)؛ أمَّا الأولُ: فمِن الرَّشَد بالفتح، يقال: رَشِدَ يَرْشَدُ\n_________\n(^١) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (١/ ٦٧ و١١٢ و٢٤٥ و٣٢٦) و(٢/ ١٠٧).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"فتبين\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"قد\".\n(^٤) في (د) و(ك) و(م): (ما).\n(^٥) القراءة بالضم هي قراءة الجمهور، وبالفتح ذكرها الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":33},{"text":"رَشَدًا فهو رَشيدٌ، مِن حدِّ عَلِمَ (^١)، وأمَّا الثاني: فمِن الرُّشْد بالضم، يقال: رَشَدَ يَرشُدُ رُشْدًا فهو راشدٌ، من حدِّ دَخَل (^٢)، وقُرئ بالكسر أيضًا (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-194\"> </span>(١٨٧) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ نصبٌ على الظرف، وإنما لم يَقُل: لياليَ الصيام؛ إعمالًا لدلالة الكلام، ولا يَخفَى لطفُه على ذوي الأفهام.\n﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ رُوي: أن المسلمين كانوا إذا صلَّوا العشاءَ أو ناموا حرُم عليهم المفطِّر إلى القابلة وإن لم يُفطِر، ثم إن عمر ﵁ باشَر بعد العِشاء، فندِم وأتى النبيَّ ﵇ واعتذَر إليه، فقام رجالٌ واعترفوا بما صنعوا بعد العِشاء، فنزلت (^٤).\n_________\n(^١) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: من حد طَرِبَ - كما في \"مختار الصحاح\" - لكان أدق وأولى.\n(^٢) يعني في الماضي والمضارع، أما المصدر فمختلف كما هو ظاهر، ولو قال: رَشَد يَرْشُدُ من حدِّ دَخَل رُشْدًا - كما في \"مختار الصحاح\" لكنه مثَّل بقعد يقعد - لكان أدق وأولى.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٢٩)، و\" المحرر الوجيز\" (١/ ٢٥٦).\n(^٤) رواه بنحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٥٧٩٥) من حديث كعب بن مالك ﵁. وله شواهد تنظر في حاشية \"المسند\"، وروي في معناه آثار تنظر في \"تفسير الطبري\" (٣/ ٢٣٣ - ٢٤١).","vol":"2","page":34},{"text":"والرَّفثُ في الأصل هو قولُ الفُحش، ثم جُعل اسمًا للإفصاح بما يجب أن يُكنى عنه عند النساء من معاني الإفضاء إليهنَّ (^١)، يرشدُك إلى هذا قولُ ابن عباس ﵄ حين أنشد وهو مُحْرِم:\nوهنَّ يمشينَ بنا هَميسا … إنْ يَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nفقيل له: أَرَفَثْتَ؟ قال: إنَّما الرَّفَثُ ما كان عندَ النساء (^٢).\nوإنما عدِّي بـ (إلى) لِمَا في مفهومه من معنى الإفضاء (^٣).\nثم إنه كنى بمجموع قوله: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ عن الجماع، وقد (^٤) كُني عن الجماع في جميع القرآن بلفظٍ مستحسَنٍ لا يدلُّ على معنى القبحِ مراعاةً للأدب - ولا أدبَ كأدبِ التنزيل - كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، إلا\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"القوم زعموا أن الكناية عن الجماع بلفظ الرفث وحده، ويلزمهم اعتبار التضمين بلا حاجة إليه؛ لأن الجماع لا يوجد بدون الإفضاء، والتضمينُ إنما يصار إليه لفائدة زائدة، ولا يرد مثل هذا على ما ذكرناه؛ لأن المعتبر في مفهوم الرفث الإفضاء إلى مطلق النساء، والمفاد في المقام الإفضاء إلى ما أحل لهم من النساء، ولا بد منه لتصحيح الكناية عن الجماع الحلال. منه\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٣٠)، ورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٣٤٥ - تفسير)، والطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٤٥٨ - ٤٥٩)، والهميس: صوت نقل أخفاف الإبل. انظر: \"اللسان\" (مادة: همس).\n(^٣) في هامش (د): \"فلا حاجة إلى التضمين. منه\".\n(^٤) في النسخ عدا (م): \"قد\"، والمثبت من (م).","vol":"2","page":35},{"text":"هاهنا فإنه كُني عنه بما دلَّ على معنى القبيح (^١) استهجانًا واستقباحًا لِمَا ارتكَبوه، ولذلك سمَّاه خيانةً.\n﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ استئنافٌ يبيِّن سبب الإحلال، وهو قلَّةُ الصبر عنهنَّ وصعوبةُ اجتنابهن لكثرة المخالَطة وشدةِ الملابَسة، وفي تقديم ﴿هُنَّ لِبَاسٌ﴾ (^٢) نوعُ تأييدٍ له، حيث كان ذلك لزيادة الشَّغَف من جانبه، شبَّه الرجل والمرأة في تعانُقهما واشتمالِ كلٍّ منهما على صاحبه في عناقه باللِّباس المشتمِل عليه، قال الجعدي:\nإذا ما الضِّجيع ثَنَى عِطْفَه … تثنَّتْ فكانَتْ عليه لِباسًا (^٣)\nوأفرد اللباس لأنَّه (^٤) كالمصدر.\n﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تظلِمونها بتعريضِها للعقاب، وتنقيصِ حظِّها من الثواب.\nوالاختيانُ أبلغ من الخيانة؛ كالاكتساب من الكسب، لتضمُّنه معنى (^٥) القصدِ والزيادة.\nوالخيانة ضدُّ الأمانة، وقد ائتمَن اللّه عبادَه على ما أمَرهم به ونهاهم عنه، فإذا عصَوه في السرِّ فقد خانوه، وفي زيادة ﴿كُنْتُمْ﴾ دلالةٌ على أنهم مجبولون على ذلك، ففيه نوعُ إشارة إلى وجهِ قبول توبتهم، ولهذا أتى بأداة التفريع في قوله:\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"القبح\".\n(^٢) في (د): ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٣٠)، وهو في ديوان النابغة الجعدي (ص: ٨١) برواية: (ثنى جيدها).\n(^٤) في (ف): \"كأنه\".\n(^٥) كلمة: \"معنى\" ليست في (د).","vol":"2","page":36},{"text":"﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: لمَّا تُبتم ممَّا اقترفتُموه من المحظور، وقد مرَّ تفسير التوبة.\n﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: ومحا أثر ذلك عنكم بالتجاوُز.\n﴿فَالْآنَ﴾ (آن) أصله: فَعَلَ، بمعنى: حان، ثم جُعل اسمًا للزمان الحاضر، وعرِّف بالألف واللام، وبقي (^١) على الفتحة، والمراد: ليلة الصيام.\n﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ لما نُسخ عنكم حكمُ التحريم، ولا دلالةَ فيه على انتساخ السنَّة بالقرآن؛ لاحتمالِ أن يكون المنسوخُ حكمَه من كلام الله تعالى المنسوخِ تلاوته (^٢).\nوأصل المباشَرة: إلصاق البشَرة بالبشرة، وهي ظاهرُ الجلد كُني بها عن المجامعة، والأمرُ للإباحة.\n﴿وَابْتَغُوا﴾ الابتغاء: الطلبُ للبغية.\n﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ما قدَّر الله تعالى لكم من الولد؛ أي: لا تباشروهن لقضاء الشهوة وحدها، ولكنْ لابتغاءِ ما وضَع اللهُ له النكاحَ من التناسل لبقاءِ النوع إلى غايةٍ، وهذا يتضمَّن النهي عن العزل وإتيانِ المحل المحرَّم وكفى في الابتغاء المذكور كونُ الولد مقدَّرًا للجملة، ولا يَلزم أن يكون مقدَّرًا لكلِّ واحدٍ منهم (^٣).\n﴿وَكُلُوا﴾ الظاهر أنه كلامٌ مبتدَأٌ لا معطوفٌ على ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾، وإنما زِيدَ قولُه:\n﴿وَاشْرَبُوا﴾ إهمالًا للدلالة، فإنه على تقدير إعمالها لم يبقَ حاجةٌ إلى تلك\n_________\n(^١) في (ف): \"بني\".\n(^٢) في (م): \"تلاوةً\".\n(^٣) في هامش (د) و(م): \"حتى يلزم الاشتراك في الغاية. منه\". وفي هامش (ح) و(ف): \"حتى لا يلزم … \".","vol":"2","page":37},{"text":"الزيادة، وإنما أُهملت لأنها تنتظِم (^١) الوقاعَ، وهو لا يجوز أن يُفعل إلى طلوع الفجر؛ إذ لا ينقطع أثرُه المفسدُ للصوم في الحال، بخلاف الأكل والشرب.\n﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ التَبَيُّن: تمييز (^٢) الشيء الذي يَظهر للنفس على التحقيق.\n﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ شبَّه أولَ ما يبدو من نور الفجر المعترِضِ في الأفق بالخيط الأبيض، وما يمتدُّ معه من غَلَس (^٣) الليل بالخيط الأسود.\nاختلف مشايخ أصحابنا في أنَّ العبرة لأوَّل طلوعه أم لاستطارَته وانتشارِه؛ قال شمسُ الأئمة الحَلْواني (^٤): الأولُ أحوطُ والثاني أوسعُ.\nونحن نقول: إنَّ التشبيه بالخيط للتنبيه على أنَّ العبرة لأولِ طلوعه، فلا مَساغَ للاختلاف المذكور.\n﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانٌ لهما؛ أمَّا كونُه بيانًا للأول فظاهرٌ، وأمَّا كونه بيانًا للثاني: فلأنه باعتبارِ انتهائه إليه واتصالهِ به يُعدُّ منه، ومثلُ هذا التوسَّعِ في البيان ليس بعزيزٍ، ولهذا قدِّم الخيط الأبيض على قَرينه، فإنه على تقديرِ اختصاص البيان له حقُّه التأخيرُ عنه، ومن هنا اتَّضح أنه لا وجهَ لأنْ تكون ﴿مِنَ﴾ المذكورةُ للتبعيض، وبالبيان المذكور خرَج الكلام من احتمالِ الاستعارة (^٥)، وإنما زِيدَ\n_________\n(^١) في النسخ عدا (د): \"لا تنتظم\"، والمثبت من (د).\n(^٢) في (د) و(م): \"تميز\".\n(^٣) في (ك): \"غسق\".\n(^٤) عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح الحَلْوانيُّ، الملقب بشمس الأئمَّة، إمام أصحاب أبي حنيفة ببخارى في وقته، من تصانيفه: \"المبسوط\"، توفِّي سنة ثَمَانٍ أو تسعٍ وأربعين وأربع مئة. والحلواني بفتْح الحاء المهلة وسكون اللَّام. انظر: \"الجواهر المضية\" (١/ ٣١٨).\n(^٥) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"لكون البيان المذكور مشتركًا بينهما. منه\".","vol":"2","page":38},{"text":"مع أنَّ الاستعارة أبلغُ من التشبيه (^١)؛ لفَقْدِ شرطها وهو تَعذُّرُ الحقيقة (^٢).\nقال سهل بن سعدٍ الساعديُّ: نزلت هذه الآيةُ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان رجالٌ إذا أرادوا الصومَ ربط أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيض والخيطَ الأسود، فلا يزال يأكلُ ويشربُ حتى يَتبيَّن له منهما (^٣)، فأَنزل الله بعد ذلك قولَه: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعَلِموا أنَّه إنَّما يعني بذلك الليلَ والنهارَ. وهذا حديثٌ صحيح عند أئمَّة الحديث كالبخاريِّ ومسلم (^٤).\nلا يقال: إنه (^٥) غيرُ مقبولٍ عند أئمة البلاغة لأن الكلام المذكور بدون البيان المزكور ساقطٌ عن درجة البلاغة؛ لفَقْدِ (^٦) قرينة الاستعارة على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وعند عامةِ الأصوليين لِمَا فيه من تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا خلاف في امتناعه عند مَن لا يجوِّز تكليفَ المحال، وإنما الخلاف في التأخير عن وقت الخطاب.\nلأنَّا نقول (^٧): كفى قولُه: ﴿لَكُمُ﴾ قرينةً للاستعارة، وذلك أنَّ في التخصيص المستفادِ من تقديمه دلالةً على أن التبيينَ المذكور مما يَختلفُ، فيتحقَّقُ لبعض\n_________\n(^١) \"من التشبيه\" ليس في (ف).\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ولا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن المراد المعنى العام منهما. منه\".\n(^٣) قوله: \"منهما\" كذا في النسخ، والذي في الصحيحين: (رؤيتهما).\n(^٤) رواه البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١).\n(^٥) في (د) و(ك): \"إلا أنه\" بدل: \"لا يقال إنه\".\n(^٦) في (م): \"لفقدان\".\n(^٧) من هنا إلى قوله: (بقوله من الفجر) سقط من (د) و(ك).","vol":"2","page":39},{"text":"الرائين دون بعضٍ، وعلى تقدير الحقيقة لا مجال لهذا الاختلاف، وإنما يتحقَّق على تقدير (^١) الاستعارة لاختلاف المطالع، ولمَا في هذا البيانِ من الدِّقَّة اشتَبه على بعض أهل اللسان، فاحتيج إلى زيادة البيان بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nقيل: في تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالةُ على جواز تأخير الغُسل عنه. ويلزمُه صحةُ صوم المصبِح جنبًا، ومبناه الغُفول عمَّا قدَّمناه من إهمال الدلالة.\nثم إنَّ تمام الاستدلال المذكور على تحقُّق (^٢) المنافاة بين إباحة المباشرة إلى آخِر الليل ووجوبِ الاغتسال فيه، وذلك غيرُ مسلَّم، فإنَّ وجوب الصلاة مع كونها مشروطةً بالطهارة قد اجتمع مع إباحتها في آخِر جزءٍ من أجزاء وقت صلاة المغرب.\n﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ تمسَّكَ أصحابنا بهذا في جواز النيَّة بالنهار في صوم رمضان، ولا وجهَ له، بل هو ظاهرٌ فيما ذكره المخالفُ، حيث قال اللّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ ولم يقل: ثم صُوموا، ولولا ما فيه من محذورِ الدلالة على تراخي الشروعِ في الصوم عن طلوع الفجر لَمَا عُدِل عن الأَخْصَر الأظهَر (^٣).\n﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ بيانُ آخِرِ وقتِ الفَرْض، وإخراجُ الليل عن حدِّه لا يستلزمُ إخراجَه عن مَحِلِّيَّة الصوم مُطلقًا، فلا دلالةَ فيه على نفي صوم الوصال.\n﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ المراد بالمباشرة: الوطءُ، والنهيُ عنه لا لعَيْنهِ، بل لأنَّه سببٌ للجنابة (^٤) المانعة لصحةِ الاعتكاف، فإنه في الشرع: لبثُ المسلم العاقل الطاهر في المسجد بنيَّة القُربة، فيَنتظِم النهيُ ما في معناه من الملامسةِ بالشهوة مع الإنزال.\n_________\n(^١) في (م): \"مع تقدير\"، وسقطت العبارة من (ف)، والمثبت من (ح).\n(^٢) في النسخ عدا (د): \"تحقيق\"، والمثبت من (د).\n(^٣) في (ك) و(م): \"إلى الأظهر\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"للخيانة\".","vol":"2","page":40},{"text":"﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: معتكفون فيها، والعُكوف في اللغة: الإقامةُ.\nبيَّن أنَّ المباشرة تحلُّ في ليالي رمضان لكنْ لغير المعتكِفِ، فإنها تُفسد الاعتكاف، عن قتادة: كان الرجل يعتكِفُ، فيَخرجُ إلى امرأته فيباشرُها ثم يرجع، فنُهوا عن ذلك (^١).\nوإنما زاد قوله: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾ للإشارةِ إلى أنَّ الاعتكاف إنَّما يكونُ في المسجد، وصيغةُ الجمع لدفع وَهمِ العهد، فيُفهمُ منه عدمُ اختصاصه بمسجدٍ دون مسجدٍ.\n﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى (^٢) التقديرات الواقعة في الأوامر والنواهي المذكورة، المانعةِ عن التجاوُز عنها.\n﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ أصل الحدِّ: المنعُ، ومنه: الحدَّاد، للبواب. وحدودُ الشرع موانعُ عن الجنايات، وحدودُ الدار موانع عن الاختلاط.\n﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ نهيُ إشفاقٍ يتضمَّن نهيَ التحريم عن التَّجاوُز عنها على وجهٍ أبلغَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] قال النبيُّ ﵇: \"إنَّ لكلِّ ملكٍ حمًى، وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُه، فمَن رَتَعَ حولَ الحِمَى يُوشكُ أن يَقع فيه\" (^٣) ومن هنا ظهر وجهُ النهي المذكور.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك التبيينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ الدالَّة على سائر مشروعاته.\n﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ مخالَفةَ الأوامرِ والنَّوَاهي.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢٧٠).\n(^٢) في (ك) و(م): \"إلى أن\".\n(^٣) رواه بنحوه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٥٩)، من حديث النعمان بن بشير ﵁.","vol":"2","page":41},{"text":"<span id=\"aya-195\"> </span>(١٨٨) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ نصبٌ على الظرف أو الحال من الأموال، تقبيحٌ بليغٌ لمَا كانوا يتعاطَونه من المنكَرِ في ذلك مع اطِّلاع بعضِهم على حالِ بعضٍ.\n﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالجهة التي ليست مشروعةً، كما في العقود الفاسدة، والأكسابِ الخبيثة، وأموالِ الغنيمة قبل القسمة، هذا هو الظاهر من قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾.\nقيل: أي: ولا تأكلوا بعضُكم مالَ بعضٍ (^١). ولا يخفَى ما فيه من الصَّرف عن الظاهر بلا داعٍ إليه.\n﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ عطفٌ على النَّهي (^٢)؛ أي: ولا تُدْلوا (^٣)، لا منصوبٌ بإضمار (أنْ) إذ حينئذٍ يكون المعنى: لا تجمَعوا بين الأكلِ بالباطل والإدلاءِ إلى الحكام، والنهيُ عن الجمع بينَهما لا يَستلزِمُ النهيَ عن كلٍّ منهما، وكلٌّ منهما حرامٌ فحقُّه أنْ يُنهى عنه منفردًا عن الآخَر، فيُفهَمَ منه النهيُ عن الجمع بينهما بطريقِ الدلالة على آكَدِ وجهٍ وأَبلغِه.\nوالإدلاءُ: إرسالُ الدَّلو في البئر، واستُعير للتوصُّل إلى الشيء.\n﴿لِتَأْكُلُوا﴾ بالتحاكُم.\n﴿فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ الفريق: القطعةُ المعزولةُ من الشيء.\n_________\n(^١) \"ولا تأكلوا بعضكم مال بعض\" كذا في النسخ، وهي على لغة أكلوني البراغيث، والذي في \"الكشاف\" (١/ ٢٣٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٧): (ولا يأكل بعضكم مال بعض).\n(^٢) في (ح) و(ت) و(ك): \"المنهي\".\n(^٣) في (م): \"ولا تدلوا ولا تأكلوا\".","vol":"2","page":42},{"text":"﴿بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: بما يوجِبُ الإثمَ؛ كشهادةِ الزُّور، واليمينِ الكاذبة. أو: مُلْتبسِين (^١) بالإثم.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم مُبْطِلون، وإنما قيّد به لأن حصول الإثم مشروطٌ بالعلم المذكور.\nوقيل: ارتكاب المعصية مع العِلم بقبحها أعظمُ، وصاحبُها بالتوبيخ أحقُّ.\nوالأولُ أولى كما لا يَخفَى.\nرُوي أنَّ عَيْدان (^٢) الحضرميَّ ادَّعى على امرئ القيس الكنديِّ أرضًا غصْبًا في يده، واختصَما إلى النبيِّ ﵇، فقال لعَيْدان: \"أَلكَ بيِّنةٌ\" قال: لا، قال: \"لَكَ يَمينُه\"، فقال: إذًا يذهب بأرضي! فقال النبيُّ ﵇: \"ليس لكَ إلَّا ذلك\" فحلَف كاذبًا باللّه ما له قِبَلَه حقًا، فنزلت الآية، فأقَرَّ عيدانَ وردَّ أرضَه إليه، وأعطاه أرضًا أخرى أيضًا مكانَ ما أخذ من غلَّتها (^٣).\n_________\n(^١) في (ف): \"متلبسين\".\n(^٢) وقع في النسخ وأكثر المطبوعات: (عبدان) بالباء هنا وفي المواضع الآتية، والتصويب من \"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (١/ ٤٥٢) حيث قيده بفتح العين وبعدها ياء نقلًا عن أصحاب المشتبه.\n(^٣) كذا ذكر المؤلف في هذا الخبر أن الكندي حلف كاذبًا ثم رجع وعوَّض، ولم أجده هكذا عند أحد غيره، والذي في المصادر أنه أراد أن يحلف لكنه لم يحلف خوفًا من الوعيد. انظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" (١/ ١٦٥)، و\"تفسير أبي الليث\" (١/ ١٢٦)، و\"تفسير الثعلبي\" (٢/ ٨٣)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٥٣)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٢٣٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٧). ولم يذكر لها أحد سندًا، لكن عزاها الثعلبي لابن حيان وابن السائب، وتابعه تلميذه الواحدي في عزوها لمقاتل بن حيان، فتعقبه الحافظ في \"العجاب\" بقوله: كذا رأيت فيه: (ابن حيان) وقد وجدته في \"تفسير مقاتل بن سليمان\". وروى القصة دون ذكر سبب النزول الإمام أحمد في \"المسند\"=","vol":"2","page":43},{"text":"<span id=\"aya-196\"> </span>(١٨٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (الأهلَّة): جمعُ هلال، وهو للَيلةٍ أو ليلتين، سُمي به لأنَّ الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، رُوي أنَّ مُعاذ بن جَبَلٍ وثعلبة بن عَنَمة (^١) الأنصاريَّ سألا فقالا: ما بالُ الهلال (^٢) يبدو دقيقًا كالخيط، ثم يَزيد حتى يمتلئَ ويستويَ، ثم لا يزال يَنقص حتى يعودَ كما بدأ (^٣)؟\nومن هنا ظهر وجهُ الإتيان بصيغة الجمع، فإنهما لمَّا سألا عمَّا في أول\n_________\n= (١٧٧١٦) بإسناد صحيح من حديث عدي بن عميرة الكندي ﵁. وأصلها في \"صحيح مسلم\" (١٣٩) من حديث وائل بن حجر ﵁.\n(^١) في النسخ: \"وثعلبة بن غنم\"، وكذا وقع في \"الكشاف\" و\"تفسير البيضاوي\" وغيرهما، والتصويب من \"العجاب\" (١/ ٤٥٣) حيث قيدها الحافظ بفتح العين والنون، وكذا جاء في أكثر المصادر الآتية.\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"عبارة (ما بال) ظاهرة في السؤال عن السبب وإن خفي على بعض الناظرين فيها. منه\".\n(^٣) انظر: \"النكت والعيون\" (١/ ٢٤٩)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٥٣)، و\"تفسير البغوي\" (١/ ٢٣٣)، وعزاه الواحدي للكلبي، ورواه ابن عساكر في \"تاريخه\" (١/ ٢٥) من طريق محمَّد ابن مروان السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس وذكر معاذ بن جبل وثعلبة بن عَنَمَة …، وهذا سند تالف، ضعفه السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٤٩٠)، والمناوي في \"الفتح السماوي\" (١/ ٢٣٢) وقال: سنده واهٍ. وقال الحافظ في \"العجاب\" (١/ ٤٥٥): قد توارد من لا يد لهم في صناعة الحديث على الجزم بأن هذا كان سبب النزول مع وهاء السند فيه، ولا شعور عندهم بذلك، بل كاد يكون مقطوعًا به لكثرة من ينقله من المفسرين وغيرهم.","vol":"2","page":44},{"text":"الشهر وعمَّا في آخره كان المناسبُ أن يعبَّر عن المسؤول عنه بصيغة الجمع (^١).\n﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾: جمع ميقاتٍ، وهو مفعالٌ من الوقت معناه: ما وقِّت به الشيءُ؛ أي: حُدَّ ومنه مواقيت الإحرام وهي الحدود التي لا يتجاوزها مَن يريد دخولَ مكة محرِمًا، والوقتُ والمدة والزمان يتقارب لكنَّ المدة المطلَقة أوسعُها، فإنها امتدادُ حركة الفلك؛ أي: اتِّصالُها من مبدئها إلى غايتها، والزمان (^٢) مدةٌ مقسومة من مطلَق المدة، والوقتُ [نهاية] الزمان المفروضِ للعمل.\n﴿لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾؛ أي: لِمَا يتعلَّق به من أمور المعاملات (^٣) ومصالحهم، ونبَّه بذكر الحج على ما يتعلَّق به من العبادات، ولكن ذكر أعظمَها أثرًا، فإن الحج يراعَى في أدائه وقضائه الوقتُ المعلوم بخلافِ سائر العبادات التي لا يصير في قضائها وقتٌ معيَّنٌ.\nكان السؤال عن السبب العاديِّ لاختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه، وأجيبَ على أسلوبِ الحكيم ببيان الحكمة في هذا الاختلاف؛ للتنبيه على أن المناسب لحالِ السائل أن يَسأل عن ذلك لا عن السبب؛ لأنَّه ليس مما يُطلع عليه بسهولة؛ لابتنائه على معرفة مسائلَ من دقائق علم الهيئة.\n﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾؛ أيْ برُّ مَن اتَّقى،\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"يعني لما كان السؤال عن الأحوال المختلفة لا عن الحالة المستمرة، وكان يطلق اسم الهلال عند كل حال من تلك الأحوال، جيء بلفظ الجمع تنبيهًا على أن السؤال كان عن الأحوال المختلفة له لا عن حالته المستمرة. منه\".\n(^٢) في النسخ عدا (د): (والغاية)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٠١)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٣) أي: معاملاتهم. انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٠١)، و\"البحر المحيط\" (٣/ ٤١٩).","vol":"2","page":45},{"text":"لمَّا بيَّن أنهم عكَسوا الحالَ في السؤال عن حال الهلال، مثَّل حالهم في السؤال عمَّا لا ينبغي بحالهم في الإحرام بالحج، وجريهم على خلاف ما يجب أن يكونوا عليه، وهو أن ناسًا من الأنصار كانوا إذا أَحرموا لم يدخلوا بيتًا من البيوت من بابه، فإنْ كانوا من أهل المَدَر (^١) نقَبوا نقبًا في ظهر بيتهم منه (^٢) يدخلون ويخرجون، أو اتَّخذوا سلَّمًا يصعدون فيه وينزلون، وإن كانوا من أهل الوَبَر دخلوا وخرجوا (^٣) من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البرُّ بتحرُّجِكم من دخول الباب، ولكنَّ البرَّ الاتِّقاءُ من محارِم الله تعالى.\nوهذا مع كونه نهيًا لهم عن عادتهم الرديَّة في باب الحجِّ على سبيل الاستطراد لذكرِ الحج وبيانِ مواقيته (^٤) بيان لتعكيسهم في السؤال، وهو أن يسكتوا عمَّا يهمُّهم ويَسألوا عمَّا لا يَعْنيهم؛ أي: ما أنتم في سؤالكم عن سبب نقصانِ الأهلَّة وكمالِها وتركِكُم ما يهمُّكم من فوائدها إلا ككَونِكم متحرِّجينَ عن دخول البيوت من أبوابها وإتيانِكم من ظهورها حاسِبِين ذلك برًّا وما هو من البرِّ في شيء، وترككم التحرُّجَ عمَّا يجب عليكم اتقاؤه واجتنابُه وهو البرُّ. ثم قال:\n﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ أي: باشِروا الأمور من وجوهها، والمراد: توطينُ النَّفْس على ترك الفضول من السؤال والفعال، واجتنابُ ما يجب اجتنابُه، والتزامُ ما أَوجبَ الشرع من غير شكٍّ وشبهةٍ، فإن في السؤال أمَارةَ الشكِّ.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في تغيير أحكامه والاعتراضِ على أفعاله.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تَظفروا بالبِرِّ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"المدن\".\n(^٢) \"منه\" سقط من (ح) و(ف) و(ك) و(م).\n(^٣) في (د): \"أو خرجوا\".\n(^٤) في (د): \"موافقته\".","vol":"2","page":46},{"text":"<span id=\"aya-197\"> </span>(١٩٠) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: جاهِدوا لإعلاء كلمةِ الله وإعزازِ دِينه، والقتال: محاولةُ القتل ممن يحاولُه، والقتل: نقضُ بِنْيَة الحياة.\n﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ عن الربيع بن أنس ﵁: هي أوَّل آيةٍ نزلت في القتال بالمدينة، فـ[لما نزلت] كان رسول الله ﷺ يقاتلُ مَن قاتَلَ وَيكفُّ عمَّن كَفَّ [عنه حتى نزلت براءة] (^١)؛ أي: قاتِلوا الذين يناجِزونكم القتالَ دون المحاجِزِين (^٢)، فعلى هذا يكون منسوخًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، أو: الذين يناصبُونكم القتال دون غيرهم كالشيوخ والنساء والصِّبيان والرُّهبان، أو: الكفرةَ كلَّهم لأنهم أعداء المؤمنين قاصدين لقتالهم (^٣)، فهم في حكم المقاتِلة قاتَلوا أو لم يقاتِلوا، فيكون غيرَ منسوخ.\nوقيل: لمَّا صدَّ المشركون رسول اللّه ﷺ وأصحابَه عامَ الحُديبيَة وصالحوه على أن يرجع مِن قابلٍ فيُخْلوا له مكةَ ثلاثةَ أيام، فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لا تَفِيَ لهم قريشٌ ويقاتلوهم (^٤) في الحرم وفي الشهر الحرام، وكرهوا ذلك، فنزلت وأُطلق لهم قتالُ الذين يقاتلونهم فيها.\n﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ بابتداءِ القتال على الأول والرابعِ، أو بقتال غيرِ الناصِبِين\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٣٥)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢٨٩)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) المناجزة في الحرب: المبارزة والمقاتلة، والمحاجزة: الممانعة، وفي المثل: المحاجزة قبل المناجزة. انظر: \"فتوح الغيب\" (٣/ ٢٦١).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٣٥)، وفيه: (.. لأنهم جميعًا مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم ..).\n(^٤) في (م): \"ويقاتلونهم\".","vol":"2","page":47},{"text":"كالشيوخ والصبيان والنسوان والرهبان والذين بينكم وبينهم عهدٌ على الثاني، أو بالمُثْلة (^١) أو المفاجأةِ من غير دعوة على الثالث.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ عدمُ الحبِّ كنايةٌ عن الكراهة (^٢)، فهم في مَعْرِض المؤاخَذةِ بسبب الاعتداء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-198\"> </span>(١٩١) - ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ في حِلٍّ أو حَرَمٍ، تقول: ثَقِفْتُه أَثْقَفُه ثَقْفًا: إذا ظَفِرْتَ به، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وقولُ الشاعر:\nفإمَّا تَثْقَفوني فاقْتُلوني … فإنْ أثْقَفْ فسوف ترون بالي (^٣)\nوأمَّا الحَذَاقةُ في الأخذ فغيرُ معتبرٍ في مفهومه.\n﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾؛ أي: من مكةَ، وقد فعل رسول الله ﷺ[ذلك] (^٤) بمَن لم يُسلم منهم يومَ الفتح.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"المثلة قلع الأنف والأذن. منه\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"من غفل عن هذا قال لا يريد بهم الخبر. منه\".\n(^٣) انظر: \"جمهرة اللغة\" (١/ ٤٢٩)، و\"الصحاح\" (مادة: ثقف)، و\"مقاييس اللغة\" (١/ ٣٨٣)، و\"اللسان\" و\"التاج\" (مادة: ثقف). وعزاه صاحب التاج لعمرو ذي الكلب. ووقع في النسخ: (فسوف تروني)، والمثبت من المصادر.\n(^٤) من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٨).","vol":"2","page":48},{"text":"﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ من باب التعميم؛ لاندراج الخاصِّ فيه؛ أي: المحنة والبلاء الذي يتعذب (^١) به الإنسان أشد عليه (^٢) من القتل.\nقيل لبعض الحكماء: ما أشدُّ من الموت؟ قال: الذي يُتمنَّى فيه الموت.\nجعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن الذي يُتمنَّى عندها الموت، ومنه قولُ القائل:\nلقتلٌ بحدِّ السيف أهونُ مَوقِعًا … على النَّفْس مِن قتلٍ بحدِّ فراقِ (^٣)\n﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: لا تُفاتحوهم بالقتل وهَتْكِ حُرمة المسجد الحرام، والمسجدُ الحرام: الحرَمُ كلُّه، قال تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥]، وإنما صدُّوهم عن الحرَم كله (^٤).\n﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ أُتي هنا بعبارة ﴿فِيهِ﴾ دون: عند؛ للدلالة على أنه لا رخصةَ للقتال بمقاتَلتهم عند المسجد الحرام، بل لا بدَّ في أول الأمر من الالتجاء إليه بالدخول فيه، فإنِ انتَهوا عن القتال وإلا فلهم أنْ يقاتلوهم (^٥) بعد ذلك، وهذا لرعايةِ حُرمته مهما أَمْكَنَ، وفيما تقدَّم أُتي بـ ﴿عِنْدَ﴾ دون: فيه؛ لأن النهي عن القتال عند المسجد الحرام يَستلزمُ النهيَ عن القتال فيه بدون العكس، فكلٌّ من العبارتين أصاب محزَّها (^٦).\n_________\n(^١) في (ك): \"اللذين يتعذب\"، وفي (م): \"اللذين يعذب\".\n(^٢) في (م): \"عليهم\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٣٦).\n(^٤) في هامش (ف) و(د) و(م): \"مذكور في تفسير قوله تعالى: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ من التيسير. منه\".\n(^٥) في (م) زيادة: \"عند المسجد الحرام بل لا بد\"، ولعله سبق نظر من الناسخ.\n(^٦) في (ف) و(م): (مخبرها).","vol":"2","page":49},{"text":"﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ فلا تُبالوا بقتالهم ثَمةَ فإنهم الذين هتكوا حُرمته، وهذا تصريحٌ بمفهوم الغاية، وبشارةٌ بالغَلَبة حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوهُمْ﴾ دون: فقاتلوهم. وقُرئ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ .. حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ .. فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾ (^١) جُعل وقوعُ القتل في بعضهم كوقوعه فيهم، يقال: قتلَتْنا بنو (^٢) فلان.\n﴿كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ (^٣) ذلك جزاؤهم يُفعَلُ بهم مِثْلَ ما فَعَلوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-199\"> </span>(١٩٢) - ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفر والقتال.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفرُ لهم ما قد (^٤) سلف، ويرحمُهم في المؤتنَف (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-200\"> </span>(١٩٣) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ عدوان، وتفسيرُها بالشرك يأباه العطفُ بالواو في قوله:\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٠).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"قتلْنا بني\"، وفي (ك) و(م): \"قتلَنا بنو\"، والمثبت من \"د\"، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٢٣٦).\n(^٣) \"مثل\" مبتدأ وما بعده الخبر، هذا اختيار أبي البقاء: أن الكاف بمعنى مثل مبتدأ ﴿جَزَاءُ﴾ خبره، والمشهور أن ﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر. انظر: \"التبيان\" للعكبري (١/ ١٥٨)، و\"روح المعاني\" (٣/ ١٦٥).\n(^٤) \"قد\": ليست في (ك) و(م).\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"والمؤتنف للمفعول: الذي لم يؤكل منه شيء كالمتأنِّف للفاعل. إلى هنا كلام قاموس. منه\".","vol":"2","page":50},{"text":"﴿فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ خالصًا ليس للشيطان فيه نصيبٌ.\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ أي: عن العدوان، والفاءُ للتعقيب.\n﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا عدوانَ عليهم، فأراد أن ينبِّه على قبح العدوان وأنَّه ظلم، وأنَّ مقاتلةَ المنتَهِين عدوانٌ، فحصَر العدوانَ في أضدادهم، وسجَّل على (^١) أنَّ العدوان ظلمٌ، فوَضع ﴿الظَّالِمِينَ﴾ موضع ضمير المعادِينَ، فدلَّ بالفحوى على أنَّ المنتهِين هم المعادلون الذين (^٢) لا عدوانَ عليهم، وسمَّى (^٣) القتلَ عدوانًا مجازًا من حيث كان عقوبةً على العدوان (^٤) كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وحسُن ذلك لازدواجِ الكلام ومزاوجتِه هاهنا على اعتبارِ المقدَّر؛ لِمَا عرفتَ أنَّ تقديره: فإن انتهوا عن العدوان فلا عدوانَ إلا على الظالمين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-201\"> </span>(١٩٤) - ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ قاتلَهم المشركون عامَ الحديبيَة في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء فيه وكراهتِهم القتالَ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: هذا الشهرُ بذاك الشهرِ، فهَتْكُه بهَتْكِه، فلا تُبالوا به.\n_________\n(^١) \"على\" ليست في (ح) و(ف).\n(^٢) في (د): (الذي).\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (ويسمى).\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"وأما قوله: (فَمَنِ اَعْتَدَى …) … إلخ فليس من هذا القبيل على ما ستقف عليه. منه\".","vol":"2","page":51},{"text":"﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ احتجاجٌ عليه؛ أي: كلُّ حُرمةٍ - وهو ما يجب أن يحافَظَ عليه - يجري فيها (^١) القصاصُ، فلما هتكوا حرمةَ شهركم بالصد فيه (^٢) فافعلوا بهم مثلَه، وادخلوا عليهم عَنْوةً، واقتُلوهم إن قاتلوكم. وأكَّد معنى القصاصِ بقوله:\n﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الاعتداء: مجاوزةُ حدِّ مّا، وذلك قد لا يكون مذمومًا، بخلافِ الظلم فإنه وضع الشيء في غير الموضع الذي يحق أن يوضع فيه (^٣)، وهذا في كلِّ حالٍ مذمومٍ، فلا يقال: مَن ظلمَك فاظلِمْه إلا بطريق المشاكلة، بخلافِ ما في الآية المذكورة.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في حال كونكم منتصِرين (^٤) منهم، فلا تَزيدوا على المِثْل فتعتدُوا إلى ما لا يحلُّ لكم.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فيجزيهم ويُصلحُ شأنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-202\"> </span>(١٩٥) - ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا تمسِكوا كلَّ الإمساك.\n﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ بالإسراف وتضييعِ أسباب المعاش، فإنَّ المال وقايةُ النفس، فتضييعُه يُفضي إلى تضييعها.\nأو: بالكفِّ عن الغزو والإنفاقِ فيه، فإنَّ ذلك يُقوِّي العدوَّ ويسلِّطُه\n_________\n(^١) في (م): \"فيه\".\n(^٢) \"فيه\" من (ح) و(ف)، وليست في باقي النسخ ولا في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٨) والكلام منه.\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"وعلى هذا نص الإمام الراغب في تفسيره\".\n(^٤) في (م): \"منتظرين\".","vol":"2","page":52},{"text":"عليكم، ويؤيِّده ما رُوي عن أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁: نحن أعلمُ بهذه الآية فإنها نزلت فينا حين رجعنا إلى إصلاح الأموال وتركْنا القتالَ بعدما فشا الإسلامُ وكثرَ أهلُه (^١).\nوالهلاك: انتهاءُ الشيء في الفساد، وله (^٢) سُمي الموت هلاكًا.\nعن أبي عبيدةَ: التهلُكة والهلاك والهُلْك واحدٌ (^٣).\nوالإلقاء: إطلاق الشيء إلى جهةِ السُّفْل، ونقيضه الإمساكُ، وتعديتُه بـ (إلى) لِمَا فيه من معنى الانتهاءِ، والمراد بالأيدي: الأَنفُسُ، فإن اليد يعبَّر بها عن النَّفْس (^٤)، كما في قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ والباءُ مزيدةٌ.\n﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أعمالَكم وأخلاقَكم، أو (^٥) تفضَّلوا على المحاويج.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يريد بهم الخير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-203\"> </span>(١٩٦) - ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٥١٢) ن والترمذي (٢٩٧٢) وقال: حسن صحيح غريب.\n(^٢) في (م): \"ولهذا\". وفي (ح) و(ف) و(ك): \"وبه\".\n(^٣) انظر: \"مجاز القرآن\" (١/ ٦٨).\n(^٤) في هامش (د) و(ف) و(م): \"لا بطريق التضمين كما توهم. منه\".\n(^٥) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (و).","vol":"2","page":53},{"text":"﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إنما قال فيهما: (أتمُّوا) كما في الصوم دون: (أَقيموا) كما في الصلاة؛ تنبيهًا على أنهما يَجبَان بالنية كالصوم، فيلزمُ إتمامُهما بعد النية كما يلزمُ إتمامُ الصوم بعدها (^١)، بخلافِ الصلاة فإنها لا تجبُ بالنية، فلا يلزمُ إتمامُها بعدها، بل يجوز أن تُترك، ومن هنا اتَّضح وجهُ تخصيص هذه الثلاثة من بين العبادات بالأمر بالإتمام.\nومَن لم يَتنبَّهْ لهذه الدقيقةِ الأنيقة قال في تفسيره: ائتُوا بهما تامَّين مستجمعَي (^٢) المناسك، فدلالتُه على أنَّ مَن شَرَع فيهما لزمَه (^٣) إتمامُهما من جهة الأركان والشرائط، وبه نقول: إن العمرة تجب بالشروع، وكذا الحجُّ مطلقًا إنما يجبُ به، فلا متمسَّكَ فيها لمن قال بوجوب العمرة، وقراءةُ: (وأَقيموا الحجَّ والعمرة) (^٤) شاذةٌ فلا تصلُح حجَّةً.\nوما رَوَى جابر ﵁ أنه قيل: يا رسول اللّه! العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحج؟ فقال: \"لا، ولكن أن تعتمِروا خيرٌ لكم\" (^٥) نصٌّ في هذا الباب.\nولا يعارضُه ما رُوي: أن رجلًا قال لعمرَ ﵁: إنِّي وجدتُ الحجَّ والعمرة مكتوبَينِ عليَّ، أهلَلْتُ بهما جميعًا. فقال: هُديتَ لسنةِ نبيِّكَ (^٦).\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"بني الشأن في أنها هل يشترط أن تكون في حال التلبية أم لا. منه\".\n(^٢) في (د): \"مستجمع\"، وفي (ف): \"مستجمعين\".\n(^٣) في (م): \"لزم\". وفي (ك): (لزوم).\n(^٤) رواها الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٣٣٤) عن ابن مسعود وعلي ﵄.\n(^٥) رواه الترمذي (٩٣١). وفيه كلام كثير للعلماء لخصه ابن دقيق العيد في \"الإلمام\" (١/ ٣٦٥) بقوله: أخرجه الترمذي وصححه، وفي رواية عنه: حسن، واعتُرض عليه بالكلام في الحجاج بن أرطاة رافعه، وقد روي موقوفًا من قول جابر.\n(^٦) رواه أبو داود (١٧٩٩) من حديث الضُّبيِّ بن مَعبد.","vol":"2","page":54},{"text":"لأنَّ الأثر لا يعارضُ الخبر، على أنه ليس في كلامه ترتيبُ الإهلال على الوجدان، بل الظاهر منه بيانُ سبب الوجدان على سبيل الاستئناف.\n﴿لِلَّهِ﴾: لوجه الله تعالى، عن عليٍّ وابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ ﵃: أن تُحرم بهما من دُوَيرةِ أهلِكَ (^١).\nوقيل: أن يُفرِد لكلٍّ منهما سفرًا.\nوقيل: أن تُخلِصوهما للعبادة ولا تَشُوبوهما بشيء من التجارة والأغراض الدنيويَّة (^٢).\nوقرئ: (والعمرةُ لله) على الابتداء (^٣).\n﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: مُنعتم، يقال: أُحصِرَ فلان، إذا مَنعه أمرٌ من خوفٍ أو مرضٍ أو عجزٍ، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقال ابن ميَّادةَ:\nوما هَجْرُ ليلى أنْ تكونَ تَباعَدَتْ … عليكَ ولا إنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ (^٤)\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٣٢٩) عن علي ﵁.\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"هذا معنى قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ لا معنى قوله: أتموا، كما توهم\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢)، وتنسب هذه القراءة للشعبي، وردها ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢٠/ ١٧) فقال: لا أعلم أحدًا من أئمة القراء تعلق بالشعبي في قراءته هذه ولا تابعه عليها، والناس على نصب العمرة عطفًا على الحج، وقراءة الشعبي ليست بصحيحة المعنى؛ لأن الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحد منهما بإجماع، ولو صحت قراءة الشعبي كان فيها خلاف الإجماع، وما خلافه مردود، ومعلوم أن الحج لله كما العمرة لله، فلا وجه لقراءة الشعبي والله أعلم.\n(^٤) البيت في ديوان ابن ميادة (ص: ١٨٧)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٣٩). وابن ميادة هو الرماح بن أبرد،=","vol":"2","page":55},{"text":"ويقال: حُصِرَ: إذا حبَسه عدوٌّ عن المضيِّ أو سجنٌ، هذا هو الأكثر في كلامهم، وقد نصَّ عليه الخليل حيث قال: الحصر: الحبس، والإحصار: أن يُحصَرَ الحاجُّ عن بلوغ المناسك بمرضٍ أو غيره (^١). ويوافقُه قولُ الكسائيِّ وأبي (^٢) عبيدة.\nوقال الفرَّاء وأبو عمرٍ والشيبانيُّ: هما بمعنى المنع في كلِّ شيء، مثل صدَّه وأَصَدَّه (^٣).\nوعن جماعةٍ من الصحابة ﵃: مَن كُسر أو عرجَ فقد أُحصر (^٤). وهو مذهب أصحابنا.\nوقال الشافعيُّ: لا يكون الإحصار إلا عن عدوٍّ، فإنَّ إحصار النبيِّ ﵇ وأصحابِه ﵃ كان بالعدوِّ ولأنه تعالى قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ وذلك زوال خوف العدوِّ.\n_________\n= وميادة أمه، توفي في خلافة المنصور في حدود (١٣٦ هـ). وجاء في هامش (ف) و(م): \"يقول الشاعر: ليس الهجر هو صدود الحبيب وتباعده لحاجة من جانبه، أو منع وحبس من جانبك، إنما الهجر صدوده عن اختيار منه. منه\".\n(^١) في (ك) و(م): \"لمرض أو غيره\"، والمثبت من باقي النسخ. ولفظ \"العين\" (٣/ ١١٣): (مرض أو غيره).\n(^٢) في النسخ: \"وأبي\"، والمثبت هو الجادة.\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١١٨)، و\"الصحاح\" (مادة: حصر).\n(^٤) لم أجده هكذا، لكن روى أبو داود (١٨٦٢)، والترمذي (٩٤٠) وصححه، وابن ماجه (٣٠٧٧)، والنسائي (٢٨٦١)، من حديث الحجاج بن عمرو ﵁ مرفوعًا: \"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحج من قابل\" لفظ أبي داود، وكذا ذكرة الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٢٤٠) بهذا اللفظ.","vol":"2","page":56},{"text":"قلنا: العبرةُ لعموم (^١) اللفظ لا لخصوص (^٢) السببِ واللفظ لما قلنا لغةً، والأمنُ يكون عن العلل أيضًا، قال النبي ﵇ \"الزكامُ أمانٌ من الجُذام\" (^٣).\n﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ في محلِّ الرفع بالابتداء؛ أي: فعليه ما استيسر، أو النصبِ على (^٤): فاهدوا ما استيسر.\nو﴿اسْتَيْسَرَ﴾ بمعنى: تَيَسَّر؛ كاستَيْقَنَ وتَيَقَّنَ، واستَعْجَلَ وتَعَجَّلَ، كذا قالوا، والظاهر أن زيادة السين لزيادة اليُسر، فالمراد الشاةُ؛ لأن الهديَ من الثلاث: من الإبل والبقر والغنم، وأيسرُها الشَّاةُ.\nوالهديُ: جمع هَدْيَةٍ؛ كجَدْيٍ وجَدْيَةٍ، وقرئ: (من الهَدِيِّ) بالتشديد (^٥)؛ جمعُ هديَّةٍ كمَطِيَّةٍ ومَطِيٍّ.\nوالمعنى: إنْ أُحصِر المحرِمُ وأراد أن يتحلَّلَ تحلَّلَ بذبح هَدْيٍ يُسِّر عليه (^٦) حيث حُصر عند الشافعي ﵁، فإن النبيَّ ﷺ أُحصر بالحديبيَة وذَبح هناك وتحلَّل، وعند أبي حنيفة: لا يَذبح إلا بالحرم، يبعثُه ولا يتحلَّلُ حتى يبلغَ مَحِلَّه، ويُعيِّن للمبعوث (^٧) على يده يومَ أمارة، ويدلُّ عليه قوله تعالى:\n_________\n(^١) في (ك): \"بعموم\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"بخصوص\".\n(^٣) ذكره بهذا اللفظ القرطبي في \"تفسيره\" (٣/ ٢٧٥)، ولم أجده مسندًا.\n(^٤) في (م) زيادة: \"تقدير\".\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢).\n(^٦) في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٩): (تيسر عليه). قال الشهاب في \"الحاشية\" (٢/ ٢٨٧): قوله (يعني البيضاوي): تيسر عليه، وفي نسخة: يسر عليه، إشارةٌ إلى أنّ السين ليست للطلب وأنَّه (يعني استيسر) بمعنى: تيسر.\n(^٧) في النسخ: \"المبعوث\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤٠)، و\"تفسير البيضاوي\"=","vol":"2","page":57},{"text":"﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن بلوغ المحلِّ يدلُّ على مسافة بين موضع الحصر وبين المحلِّ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥].\nوالخطاب في ﴿وَلَا تَحْلِقُوا﴾ للمحصَرين؛ أي: ولا تتحلَّلوا حتى تعلَموا بلوغَ الهدي مَحِلَّه، ومَحِلُّه: مكانُه الذي يجب فيه نحرُه أو ذبحُه؛ كمَحِلِّ الدَّين وهو الوقتُ الذي يجب فيه قضاؤه، وإنَّما نحر الرسولُ في موضع الإحصار لأنَّ مُحْصَرَه كان طرفَ الحديبيَة الذي إلى أسفل مكة وهو من الحرم.\nوقال الواقدي: الحديبيَةُ هي طرفُ الحرم على تسعةِ أميالٍ من مكة (^١).\nوعن الزهريِّ: أن رسول اللّه ﷺ نحر هَدْيه في الحرم (^٢).\n﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الفاء للتعقيب، وفائدتها: دفعُ ذهاب الوهم إلى العطف على (إنْ أُحصرتم) على تقدير التصدير بالواو، فإنه حينئذ يلزمُ إخراجُ المريض عن حدَ المحصَر، ولا وجه له.\nوالخطاب في ﴿مِنْكُمْ﴾ للَّذين بَعثوا الهدي من المحصَرين، فالمعنى: مَن كان بعد البعث مريضًا [مرضًا] (^٣) يُحوِجُه إلى الحلق.\nوالتنكيرُ للتقليل، فينتظِم المرضُ المرخَّصُ ما في الرأس من الجراحة والقرحة.\n﴿أَوْ بِهِ﴾ هو ما يؤذيه؛ أي: يُتعبه وَيشُقُّ عليه من بُخارٍ في الرأس وقملٍ،\n_________\n= (١/ ١٢٩)، و\"روح المعاني\" (٣/ ١٩٦).\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤٠).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤٠). قال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٦): لم أجده. وانظر حديث ناجية بن جندب في \"السنن الكبرى\" للنسائي (٤١٢١).\n(^٣) من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٢٩).","vol":"2","page":58},{"text":"وللتعميم للثاني (^١) قال: ﴿مِنْ رَأْسِهِ﴾؛ أي: من جهتها، دون: في رأسه (^٢).\n﴿فَفِدْيَةٌ﴾: فعليه فديةٌ إنْ حلَق.\n﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ بيانٌ لجنس الفدية، وأما قَدْرُها، فقد رُوي أنه ﵇ قال لكعب بن عُجْرةَ إذ مرَّ عليه والقملُ تتهافَتُ في وجهه: \"لعلَّك آذاك هوامُّك؟ \" فقال: نعم يا رسول اللّه، فقال: \"احْلِقْ وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ، أو تَصَدَّقْ بفَرَقٍ على ستَّةِ مساكينَ، أو انسُكْ بشاةٍ\" (^٣). والفَرَقُ: ثلاثةُ أَصْوُعٍ (^٤).\nو(أو) للعطف على وجهِ التفريقِ، وبيانِ عدم خُلوِّ الواجب عن أحد الأنواع الثلاثِ المذكورةِ للفديةِ، والتخييرُ يلزمُ هذا البيان (^٥) ضرورةً لا لأنَّه معناها الوضعيُّ.\nوالنُّسُك: جمع نسيكةٍ، وهي الذبيحة، واختيرَ الجمعُ هنا لتعدُّد أنواعها، وقرئ: (أو نُسْكٍ) بالتخفيف (^٦).\nكان مقتضَى الظاهر البدايةُ بالأشقِّ وهو النسكُ، وإنما عدلَ عنه بالبداية بالصيام تطييبًا لقلوب الفقراء العاجزين عن النسك بإظهارِ العناية والاهتمام في شأن الصيام بتقديمه على الباقين، والتقديمُ لا يخلو عن التَّعظيم.\n﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الإحصارَ، أو كنتُم في حالِ أمنٍ وسعة.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"الثاني\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"فإن القمل لا استقرار له في الرأس كما البخار. منه\".\n(^٣) رواه البخاري (٥٧٠٣)، ومسلم (٨٣/ ١٢٠١)، من حديث كعب بن عجرة ﵁.\n(^٤) في (م): \"آصع\".\n(^٥) في (د): \"لبيان\".\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢) عن السلمي والزهري.","vol":"2","page":59},{"text":"﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾؛ أي: استمتَع بها إلى وقتِ الحج، واستمتاعُه بالعمرة إلى وقت الحج: انتفاعُه إذا حلَّ من عمرته باستباحةِ ما كان محرَّمًا عليه إلى أن يُحْرِم بالحج.\nوقيل: بالتقرُّب بها إلى اللّه تعالى قبل الانتفاع بتقرُّبه إليه بالحج.\n﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ فعليه دمٌ بسبب التمتُّع هو هديُ المتعة، وهو نسكٌ عند أبي حنيفةَ لا يذبحُه إلا يومَ النحر ويأكلُ منه، وجُبرانٌ عند الشافعيِّ يجوز ذبحُه إذا أَحرم بحجَّته؛ لأن السبب هو التمتُّع، ولا يتحقَّق إلا به، ولا يأكل منه لأنَّه دمُ جنايةٍ.\n﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الهديَ.\n﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: فعليه صيامُ ثلاثةِ أيام.\n﴿فِي الْحَجِّ﴾: في أيام الاشتغالِ به بعد الإحرام عند الشافعيِّ، وعند أبي حنيفة: في وقت الحج؛ أي: في أشهُره ما بينَ الإحرامين، وأفضلُه اليومُ السابع ويومُ الترويةِ وعرفة، ولا يجوز في (^١) أيام النحر وأيامِ التشريق عند الأكثر.\n﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إلى أهليكُم، وهو أحدُ قولي الشافعيِّ، أو نفرتُم وفرغتُم من أفعال (^٢) الحج، وهو قوله الثاني ومذهبُ أبي حنيفة.\nوقرئ: (سبعةً) بالنصب عطفًا على محلِّ ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ إذ تقديرُه: فصيامٌ ثلاثةَ أيامٍ (^٣).\n_________\n(^١) \"في\" ليست في (ك).\n(^٢) في (ك): (أحوال).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤١).","vol":"2","page":60},{"text":"﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ فذلكةُ الحساب (^١)، وفائدتُها أمران:\nأحدهما: أن يُعلَم جملةً كما عُلم تفصيلًا؛ فإن أكثر العرب لم يُحسنوا الحساب، قال الفرزدق:\nثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ (^٢)\nوالثاني: أن يَنفي توهُّم الإباحة، فإن الواو قد تجيءُ لها؛ كما في قولك: جالس الحسنَ وابنَ سيرين.\nوَيرِدُ على الأول: أنه لا يناسبُ بلاغةَ القرآن؛ لأن المُراعَى فيها مقتضَى المقام نظرًا إلى الخواصِّ دون العوامّ.\nوعلى الثاني: أن الإباحة موجَبُ صيغةِ الأمر، والواو للتشريك في الحكم فقط، وأمَّا إرادةُ الكثرة من السبعة دون العدد فلا يذهبُ إليه وَهَمٌ عند ذكرها مع (^٣) الثلاثة، فلا حاجة إلى دفعها.\nوعندي: أن صيام ثلاثة أيام لمَّا كان قبل تعذُّر الأصل ودخولِ وقته احتَمَل أن يذهب الوهمُ إلى عدم اعتباره في أصل البدل، فأُتي بالفذلكة المذكورة دفعًا لذلك الوهم.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"يعني: فذلكة الحساب عشرة كاملة، والفذلكة مصدر من قولك: فذلِكَ كذا، بعد التفصيل في الحساب، مثل السبحلة من قولك: سبحان اللّه، والبسملة من قولك: بسم اللّه، فتدبر. منه\".\n(^٢) ديوان الفرزدق (٢/ ٨٣٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٣/ ٣١٧)، وعجزه:\nوسادسةٌ تميل إلى الشِّمام\n(^٣) في (ك): \"من\".","vol":"2","page":61},{"text":"﴿كَامِلَةٌ﴾ صفةٌ مؤكِّدة تُفيد المبالغةَ في محافظةِ العِدَّة، أو مبيِّنةٌ كمالَ العشَرة فإنه أولُ عدد كاملٍ؛ إذ به ينتهي الآحاد ويتمُّ مراتبُها، أو مقيِّدةٌ تُفيد كمالَ بدَليَّتها من الهدْي.\nكذا قيل، وأَوْجَهُ الأَوْجُهِ: أنها مقيِّدةٌ تُفيد كمالَها في الثواب والأجر، ودفعَ ذهاب الوَهَم إلى أن صوم السبعةِ ليس كصوم الثلاثة في الأجر للتفاوُت في زمانها.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التمتُّع عند أبي حنيفةَ وأكثرِ الأئمة؛ لأنَّه مختصٌّ بالآفاقيِّ عندهم، فلا متعةَ ولا قران لحاضِري المسجدِ الحرام، فمَن فعل ذلك منهم فعليه دمُ جنايةٍ، وإلى الحُكمِ المذكور عند الشافعي.\n﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: لِلَّذي لا يسكن ثَمَّةَ، وإنما ذكر الأهل لأنَّ الظاهر أنَّ الإنسان يسكنُ حيث سكنَ أهلُه، فعبَّر بسكون الأهل عن سكون نفسه (^١)، وقد مرَّ أن المسجد الحرام هو الحرمُ كلُّه، وحاضِرو المسجد (^٢) عند أبي حنيفةَ هم أهلُ مكة ومَن كان منزلُه داخلَ الميقات، وعند الشافعي: أهلُ مكة ومَن كان من الحرم على مسافةِ القصر عنده، وعند مالكٍ: أهل مكة وأهلُ ذي طُوَى (^٣).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لمَّا تقدَّمَ أمرٌ ونهيٌ وواجبٌ ناسَبَ أن يُختم ذلك بالأمر بالتقوى في أنْ لا يتعدَّى ما حدَّه.\nثم أَعلمَ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ شدةَ عقابه على المخالَفة.\n* * *\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): (أهله).\n(^٢) في (م) زيادة: \"الحرام\".\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"ذو طوَى مثقلة [كذا، وفي \"القاموس\": مثلثة] الطاء وتنوَّن: موضع قرب مكة ذكره \"قاموس\". منه\".","vol":"2","page":62},{"text":"<span id=\"aya-204\"> </span>(١٩٧) - ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\n﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾؛ أي: وقتُه، كقولك: البرد شهران.\nلمَّا أَمر بإتمام الحجِّ والعمرة، ثم اقتَصر على بيان وقتِ الحج، عُلم منه بطريقِ البيان السُّكوتي وقتَ الحاجة أن العمرة غير موقَّتة، وهذا من جملة وجوه الإيجاز الذي ارْتَقَى به القرآن إلى ذروة الإعجاز، ولم يَتنبَّه (^١) له الناظرون فيه.\n﴿مَعْلُومَاتٌ﴾ هي شوالٌ وذو القعدةِ وعشرٌ من (^٢) ذي الحجَّة (^٣)، خلافًا للشافعي في يوم النحر، وذو الحجة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف: أن المراد من وقته وقتُ أفعاله، أو وقتُ إحرامه، أو ما لا يَحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، وإنما لم يسمِّها بأعيانها لأنها كانت معروفةً عندهم على ما توارثوه، إلا أنهم كانوا يُدخلون فيها النَّسيءَ، فنُبِّهوا على أنها هي أوقاتُه دون غيرها.\nوالأشهُرُ على الحقيقة، وإنما التجوُّز في جَعْلِ بعضِ الشهر شهرًا (^٤)، وأمَّا إطلاقُ\n_________\n(^١) في (ف): \"ينتبه\".\n(^٢) \"من\" ليست في (ف) و(ك) و(م).\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"وما ذكر من أن شيئًا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها يشكل بالرمي والحلق وطواف الركن ونحو ذلك مما يصح بعد فجر النحر، وأجيب بأنه بيان على مذهب أبي حنيفة، والمراد بالأفعال الأركان، وفيه بحث لأن الطواف ركن. ملا سعد الدين\".\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"هذا التجوز عقلي فلا يؤثر في اللفظ، كالتجوز في رجل عدل، فافهم. منه\".","vol":"2","page":63},{"text":"الجمع على ما فوق الواحد فلا يناسبُ المقام؛ لِمَا فيه من إخراج بعض الشهر الثالث من حدِّ المرام (^١).\nثم إن الاستدلال على الإطلاق المذكور بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ليس بشيء؛ لأنهم صرَّحوا بأن مثل هذا ليس من المتنازَع فيه.\n﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أَلزمه نفسَه بالإحرام، ولا خلاف فيه، إنما الخلافُ بيننا وبين الشافعيِّ في أن الإحرام يَتمُّ بالنية، أو لا يَتمُّ بل لا بدَّ من التلبية معها أو من سَوقِ الهدي.\nولا دلالةَ فيه على خروج يوم النحر مِن وقتِ الحج؛ لأن معنى (مَن فَرَضَ (^٢) فيهنَّ): مَن فَرَضَه في كلٍّ من الأشهُر المذكورة، لا مَن فَرَضَه في كلِّ يوم من أيامها، نعم فيه دلالةٌ على كراهة تقديم الإحرام عليها، فإنه لو جاز ذلك لضاع قوله: ﴿فِيهِنَّ﴾، وأمَّا أنَّ مَن أَحرم بالحج لزمه الإتمامُ فقد دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ بظاهره.\n﴿فَلَا رَفَثَ﴾: فلا جماع؛ فإنه مُفسِدٌ للحج، وقيل: لا فحشَ في الكلام.\n﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: ولا خروجَ عن حدود الشريعة بالسِّباب (^٣) والتنابُز بالألقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ [الحجرات: ١١].\n﴿وَلَا جِدَالَ﴾: ولا مِرَاءَ ولا شِقَاقَ مع الرُّفَقاء والخدم وغيرهم، وإنما نُهي (^٤)\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"الحرام\".\n(^٢) في (ح) و(د) و(ك): \"فرضه\".\n(^٣) في (م): \"بالأسباب\".\n(^٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (ينهى).","vol":"2","page":64},{"text":"عنه في الحج مع كونه منهيًّا عنه؛ لكونه في الحج أقبحَ؛ كلُبس الحرير في الصلاة.\n﴿فِي الْحَجِّ﴾: في أثناء إقامةِ مناسكه بعد الإحرام (^١)، وإنما نفى الحقيقة في الثلاثة المذكورة للمبالغة في النهي؛ أي: فلا تكونَنَّ هذه الأجناس، وإذا وجب انتفاؤُها وكانت حقيقةً بأنْ لا تكونَ لزم الانتهاءُ عنها ضرورةً.\nوقُرئ الأوَّلان بالرفع (^٢) على معنى النهي؛ أي: فلا يكونَنَّ رفثٌ ولا فسوقٌ، والآخِرُ بالفتح على معنى الإخبار بانتفاء الجدال؛ أي: الخلاف، وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائرَ العرب في الحج فتقف بالمَشعَر الحرام وسائرُ العرب بعرفةَ، وكانوا يؤخِّرون الحجَّ سنةً ويقدِّمونه سنةً وهو النَّسيء، فرُدَّ الوقوفُ إلى عرفةَ، والحجُّ إلى وقتٍ واحد، فأَخبر اللّه تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج.\nواستُدلَّ على أنَّ المنهيَّ عنه هو الرفثُ والفسوق دون الجدال بقوله ﵇: \"مَن حجَّ ولم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ خَرَجَ كهيئتهِ (^٣) يومَ وَلَدتْهُ أمُّه\" (^٤)، فإنه لم يَذكر الجدال.\n﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ التنكيرُ للتقليل ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ حثٌّ على الخير بعد النهي عن الشر، ومبناه على الكناية بعلمه تعالى بفعلٍ من أفعال العباد عن\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"لا في أيامه مطلقًا. منه\".\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عَمْرو: (فَلَا رفثٌ وَلَا فسوقٌ) بِالرَّفْع والتنوين فيهمَا، والبَاقُونَ بالنّصب من غير تَنْوِين، ولا خلاف عند السبعة في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص:٨٠). وقرأ أبو جعفر من العشرة الثلاثةَ بالرفع والتنوين. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢١١).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): (كهيئة).\n(^٤) رواه البخاري (١٥٢١)، ومسلم (١٣٥٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":65},{"text":"ترتُّب الجزاء عليه (^١)، ولا يخفَى ما في ضمن هذا الوعد من الوعيد، وبه يَتمُّ حقُّ المَقام.\nوالمراد من الخير بقرينةِ سياق الكلام: أن يأتوا بالكلام الحسَن مكانَ القبيح، وبالبِرِّ والتقوى مكان الفُسوق، وبالثناء والمدح مكان السِّباب والتَّنابُز، وبالوفاق مكانَ الخلاف (^٢)، ومحاسنِ الأخلاق مكان الجدال.\nويجوز بقرينةِ لحاقه أن يراد بفعلِ الخير ضبطُ أنفسهم عما نُهوا عنه.\n﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾؛ أي: اجعلوا زادَكم في الآخرة اتِّقاءَ القبائح، فإن خير الزاد اتِّقاؤها، والزاد: الطعامُ الذي يُتَّخَذ للسفر.\nوقيل: كان أهل اليمن لا يتزوَّدون، ويقولون: نحن المتوكِّلون، ونحن نحجُّ بيت اللّه تعالى أفلا (^٣) يطعمنا؟ ويكونون كلًّا على الناس، فنزلت فيهم (^٤). ومعناه: وتزوَّدوا واتَّقوا الاستطعامَ وإبرامَ الناس والتثقيلَ عليهم فإن خيرَ الزاد الاجتنابُ من ذلك.\n﴿وَاتَّقُونِ﴾: وخافوا عقابي.\n﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أيها الذين مَننتُ عليهم بالعقول التي هي أفضل ما جُعل\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"حيث يكون الكلام المذكور باعتبار معناه حثًا على فعل الخير وباعتبار مبناه حثًا على ترك الشر. منه\".\n(^٢) \"مكان الخلاف\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"فلا\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤٤)، ورواه بنحوه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"2","page":66},{"text":"في الخلق، فإن لبَّ الشيء هو خالصُ ما فيه؛ أي: جعلتُ فيكم العقولَ التي هي آلاتُ التمييز والتدبير (^١) فيَسهُلُ معها التَّقوى والتفكُّر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-205\"> </span>(١٩٨) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: حرجٌ.\n﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾: في أن تبتغوا؛ أي: تطلبوا.\n﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: زيادةَ عطاءٍ، وهو الربحُ بالتجارة، قيل: كان عُكاظٌ ومَجَنَّةُ وذو المَجَاز أسواقَهم في الجاهلية يُقيمونها مواسمَ الحج، وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثَّموا منها، فنزلت فرُفع عنهم الجناحُ في ذلك، وإنما يباحُ ما لم يَشغَلْ عن العبادة الواجبة (^٢).\n﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ دفَعْتُم بكثرةٍ، وهو من إفاضةِ الماء، أي: صَبِّه بكثرةٍ، وأصله: أفضتم أنفسَكم، وتُرك ذكرُ المفعول كما تُرك (^٣) في: دَفَعوا من موضع كذا وصبُّوا.\nوالفاءُ للتعقيب، لمَّا بيَّن وقتَ الحج، وذَكر ما نُهي عنه في الإحرام، وما\n_________\n(^١) في (م): \"التميز والتدبر\".\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"لا بد من هذا القيد؛ لأن الشَّغل عن المندوب لا تخلو عنه التجارة. منه\". وتحته في (ف): \"أي: الاتجار ما لم يشغل عن العبادة: أما عن الفرض فظاهر، وأما عن الندب فلأنه ترجح عدمه، فلا يكون مباحًا بمعنى استواء الطرفين. ملا سعد الدين\".\n(^٣) في (د): \"تركه\".","vol":"2","page":67},{"text":"نُدب إليه، وما أُبيح فيه، عقَّبه ببيان ما يجب أن يُفعل بعد الفراغ عن إقامة ركنه وهو الوقوف (^١).\n﴿مِنْ عَرَفَاتٍ﴾: عَلَمٌ للمَوقف منقولٌ عن الجمع كأذرعاتٍ، والظاهرُ أنه جمع عَرَفةَ جمع عارفٍ، وإلا فهو من الأسماء المرتجَلة إذ لا يُعرف النقلُ في أسماء الأجناس، منصرِفٌ لأن تاءه مع الألف علامةُ جمع المؤنَّث، لا التاءُ التي هي علامة التأنيث، وأما التأنيث المعنوي فمقدَّر باعتبار المعنى، والموقف ليس بمؤنثٍ، فليس فيه إلا العَلَمية، فلا تمنعُه الصرفَ وحدها.\nوإنما سُمي (^٢) الموقف بها لأنَّ آدم ﵇ وحواءَ الْتقَيَا فيه فتعارَفا، والناسُ يتعارفون فيه، وكان جبريل ﵇ يدورُ بإبراهيم ﵇ في المشاعر، [فلمَّا] أراه إياه قال (^٣): عرفتُ.\nوقيل: وُصف له ﵇ فلمَّا رآه عرفه (^٤).\nوليس هنا دليل على وجوب الوقوف فيه (^٥).\n_________\n(^١) في هامش (د): \"رد للتفتازاني\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"يسمى\".\n(^٣) في النسخ: \"فقال\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٣١)، والكلام وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) في هامش (د) و(ف) و(م): \"يعني: أن هذه الوجوه كانت سببًا لتسميته بالجمع. منه\".\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"إنما يتوهم ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ … إلخ على ما ستقف عليه. منه\".\nقلت: فيه رد على البيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ١٣١) حيث قال: (وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده، وهي مأمور بها بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾. وأمثال هذه الردود المبطنة كثير في هذا التفسير وغيره من مؤلفات العلامة ابن كمال باشا.","vol":"2","page":68},{"text":"﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ بالتلبيةِ والتهليلِ والتكبيرِ والثناءِ والدعاء.\nوقيل: بصلاة المغرب والعشاء، فإنهما يُجمعان بالمشعَر الحرام، وهو الجبلُ الذي يقف عليه الإمامُ وعليه المِيقدةُ (^١).\nوقيل: ما بين جبلَيِ المزدلفةِ من مَأْزِمَيْ عرفةَ إلى وادي مُحسِّرٍ، وليس المَأْزِمان ولا وادي محسِّرٍ من المَشعر.\nوالصحيحُ أنه الجبل؛ لِمَا روَى جابرٌ ﵁: أن النبي ﷺ لمَّا صلَّى الفجر - يعني: بالمزدلفة - بغَلَسٍ ركب ناقتَه حتى أتَى المشعَرَ الحرام، فدعا وكبَّر وهلَّل، ولم يزل واقفًا حتى أسفرَ (^٢).\nوإنما سُمي مَشعَرًا لأنَّه مَعْلَمٌ للعبادة، ووُصف بالحرام لحُرمته، ومعنى ﴿عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: ما يليه وَيقرُبُ منه، وذلك للفضل كالقرب من جبلِ الرحمة، وإلا فالمزدلفةُ كلُّها موقفٌ إلا وادي محسِّرٍ أو جُعلت أعقاب (^٣) المزدلفة - لكونها في حكم المشعَر ومتَّصلةً به - عند المشعَر.\n﴿وَاذْكُرُوهُ﴾ ذكرًا حسنًا.\n_________\n(^١) هي بالمشعر الحرام على قزح، كان أهل الجاهلية يوقدون عليها النار. انظر: \"فتوح الغيب\" (٣/ ٣٠١).\n(^٢) قطعة من حديث جابر الطويل في الحج، رواه مسلم (١٢١٨)، واللفظ للزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٢٤٦)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٣) في (ف): \"أعتاب\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٢٤٦)، والكلام منه.","vol":"2","page":69},{"text":"﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ هدايةً حسنةً إلى المناسك وغيرِها، أو: اذكروه كما علَّمكم كيف تذكرونه، و(ما) مصدريةٌ أو كافَّة.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبلِ الهدى.\n﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾: الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكُرونه، و(إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارِقة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-206\"> </span>(١٩٩) - ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؛ أي: مِن عرفةَ لا من المزدلفةِ، والخطاب مع قريشٍ، كانوا يقفون بجمعٍ (^١) وسائرُ الناس بعرفةَ، وَيرون ذلك ترفُّعًا عليهم، فأُمروا بأنْ يساووهم، فليس فيه إيجابُ الإفاضة حتى يدلَّ على وجوب الوقوف بعرفة بناءً على أن الإفاضة لا تكون إلا بعده، بل بيانُ اختصاص مشروعيَّتها بالوجه المذكور.\nو﴿ثُمَّ﴾ لتفاوتِ ما بين الإفاضتين؛ كما في قولك: أَحْسِنْ إلى الناس ثم لا تُحْسِنْ إلى غيرِ كريم.\nوقيل من مزدلفةَ إلى منًى بعد الإفاضة من عرفةَ إليها، والخطاب عامٌّ.\nوقرئ: (الناسِ) بالكسر (^٢)؛ أي: الناسي، يريد آدم ﵇، من قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] والمعنى: أن الإفاضة من عرفة شرعٌ قديمٌ فلا تغيِّروه.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"المراد منه مزدلفة لاجتماع الناس فيها. منه\".\n(^٢) نسبت لسعيد بن جبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢)، و\"المحتسب\" (١/ ١١٩).","vol":"2","page":70},{"text":"﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من مخالَفَتِكم في الموقف وغيرِها من أفعال الجاهلية وعاداتهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يغفر الذنوب.\n﴿رَحِيمٌ﴾ بالمذنِبين، يدعوهم بجميل إحسانه إلى بابه، ويرغِّبهم في جزيل ثوابه، ولهذا - أي: ولتضمُّنه الترغيبَ المذكور - أُتي بأداة السببية في قوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-207\"> </span>(٢٠٠) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.\n﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾؛ أي: فإذا أتممْتُم أمور حجِّكم.\n﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: فاذكروا اللّه تعالى ذكرًا كثيرًا، وبالِغوا فيه كما تفعلون في ذكركُم أباءَكم، وكانت العرب إذا قضَوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنًى والجبلِ وَيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسنَ أيامهم، فنزلت؛ أي: أَكْثِروا ذكرَ اللّه تعالى ودعائه (^١)، ولا تطلبوا بالذكر أغراض الدنيا كالذاكرين آباءهم (^٢).\n﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ في موضع الجرِّ عطفٌ على الضمير المضاف إليه الذكرُ في قوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ أي: أو قومٍ أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءَكم، أو في (^٣) موضعِ النصب عطفٌ على ﴿آبَاءَكُمْ﴾؛ أي: أو أشدَّ ذكرًا من آبائكم، على أنه من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: مذكورَّية.\n_________\n(^١) \"ودعائه\" كذا في النسخ، والصواب: (دعاءه). انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤٨).\n(^٢) في (ك): (أيامهم).\n(^٣) كلمة \"في\" من (د)، وليست في (ح) و(ف) و(ك) و(م).","vol":"2","page":71},{"text":"ويجوز أن يكون معطوفًا على الكاف في ﴿كَذِكْرِكُمْ﴾؛ أي: ذكرًا مثلَ ذكرِكم أو ذكرًا أشدَّ ذكرًا من ذكركم آباءكم، على أنَّ الذكر ذاكرًا أشدُّ من ذكرهم؛ كقولهم: جَدَّ جَدُّه، و: شعرٌ شاعرٌ.\nو(أو) هنا ليست للتخيير بل للنَّقل عن الأوَّل، قال القفَّال: ومَجاز اللغة في مثل هذا معروفٌ، يقول الرجل لآخَرَ: افعل كذا إلى شهرٍ، ثم يقول: أو أسرعَ منه، يريد به النقلَ عن الأول إلى ما هو أقربُ وقتًا منه (^١).\n﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ الفاء مسبَّبٌ عن تقسيمٍ يتضمَّنه الكلامُ السابق، فإنه يشتمِلُ على ذكر المُفيضين من عرفاتٍ الذاكرِينَ لله (^٢)، والمفيضينَ من المزدلفة الذاكرين لآبائهم، فعُقِّب القسم الثاني بأنهم الطالبون لحظوظ الدنيا، وأما القسم الأول الجامعون بين الأثَرتينِ فأولئك هم أهل الفلاح والفوز.\n﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: اجْعَلْ إيتاءَنا في الدنيا خاصَّةً.\n﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ الخلاق: نصيبُ الإنسان من أفعاله المحمودة التي تكون خُلقًا له، وقد يراد به النصيبُ من الخير على وجهِ الاستحقاق، وهو المراد هاهنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-208\"> </span>(٢٠١) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ من الصحة والكَفَاف والتوفيق للخير.\n_________\n(^١) انظر قول القفال في \"تفسير الرازي\" (٥/ ٣٣٥).\n(^٢) في (ك) و(م): \"الله\".","vol":"2","page":72},{"text":"﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ من الثواب والكرامة والقُربة.\n﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ بالعفو والمغفرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-209\"> </span>(٢٠٢) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الفريق الثاني، أو إليهما.\n﴿لَهُمْ نَصِيبٌ﴾ النصيب في الأصل: المنصوبُ، وجُعل السهمُ المفرَزُ نصيبًا.\n﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾؛ أي: من جنسه من الأعمال الحسَنة، وهو التوابُ الحسن في الآخرة، والمنافعُ الحسنة في الدنيا.\nأو: من أجْلِ ما كسبوا.\nأو: مما دعَوا به، نعطيهِم منه ما يستوجِبونه في الدنيا والآخرة؛ لأن الدعاء من الأعمال الحسنة، والأعمالُ توصَف بالكسب فسُمي كسبًا.\nأو: من جنس ما كسبوا على ما تقضيه مشيئةُ اللّه تعالى وحكمتُه (^١).\n﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وعيدٌ؛ أي: سريعٌ حسابه للخلائق مع كثرةِ أعدادهم وأعمالهم؛ لكمالِ علمه وقدرته، فيجب الحذر منه.\n_________\n(^١) هذا الاحتمال الأخير ظاهره أنه كالأول، لكن يظهر الاختلاف من لفظ الزمخشري، حيث قال في \"الكشاف\" (١/ ٢٤٨) بعد ذكر الوجوه السابقة التي هي منقولة عنه: (ويجوز أن يكون [أُولَئِكَ] للفريقين جميعًا، وأن لكل فريق نصيبًا من جنس ما كسبوا)، فيكون تقدير الكلام على ما قاله الطيبي في \"فتوح الغيب\" (٣/ ٣١٠): (أولئك الفريقان اللذان اختص كل واحد بنوع من الدعاء، لهم نصيب مما دعوا، من اقتصر على طلب الدنيا فله نصيب منها فحسب، ومن طلب الدنيا والآخرة جميعًا فله ذلك).","vol":"2","page":73},{"text":"أو حثٌّ على العبادة؛ أي: سريعٌ وقوعُ حسابه، يوشكُ أنْ يُقيم القيامةَ ويحاسبَ العباد فبادروا إكثارَ (^١) الذكر وطلبَ الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-210\"> </span>(٢٠٣) - ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ الأيام المعدودات: أيام التشريق، وذكرُ اللّه فيها التكبيرُ في أدبار الصلوات، وعند الجِمار، وعند ذبح القَرَابين وغيرها.\n﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾: فمَن استعجل النَّفْرَ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: يومِ النَّفْر والذي بعدَه؛ أي: فمَن نَفَر في ثاني أيام التشريقِ قبل طلوع الفجر عندنا، وبعد رمي الجمار عند الشافعي.\n﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ باستعجاله.\n﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ﴾؛ أي: في النَّفْر حتى رمَى اليومَ الثالث بعد الزَّوال.\n﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ قال أبو حنيفة: يجوز تقديمُ رميه قبل الزوال.\nوهو مخيَّرٌ بين النَّفْرين، فلذلك سوِّيَ بينهما بنفي الإثم عن صاحبهما، وفيه ردٌّ على أهل الجاهلية، فإن منهم مَن أثَّم المتعجِّل (^٢)، ومنهم مَن أثَّم المتأخِّر.\n﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: الذي ذُكر من التخيير أو من الأحكام لمَن اتَّقى؛ لأنَّه حذِرٌ متحرِّزٌ عن كلِّ ما يَرِيبُه، أو لأنَّه هو الحاجُّ عند اللّه بالحقيقة.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المحافظة على هذه الأحكام ليَعْبأَ (^٣) بكم.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): (فبادروا إلى إكثار). والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٢٤٨).\n(^٢) في (د) و(ف) و(ك) و(م): \"المستجعل\".\n(^٣) في (ف): \"وليعبأ\".","vol":"2","page":74},{"text":"﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وعيدٌ شديد؛ أي: إليه لا إلى غيره حشرُكم، ويجازيكم على حَسَب تقواكم، وأصل الحشر: ضمُّ المتفرِّق وسَوقه من جهاتٍ مختلفة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-211\"> </span>(٢٠٤) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ﴾ يَروقُك (^١)، وَيعظُم في نفسك.\n﴿قَوْلُهُ﴾ والتعجُّب (^٢): حيرةٌ تَعرِض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ومعنى أعجبني كذا: ظهر لي ظهورًا لم أعرف سببه.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتعلَّق بـ ﴿قَوْلُهُ﴾؛ أي: ما يقولُه في باب الدنيا وبشأنه، إذ مرادُه (^٣) به إحرازُ حظوظ الدنيا، لا ثوابِ الآخرة كما يراد بالإيمان الحقيقيِّ والمحبة الصادقة.\nوقيل: بـ ﴿يُعْجِبُكَ﴾؛ أي: يعجبُك (^٤) في الحياة الدنيا لفصاحته وحلاوته، لا\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(م): \"الروق إرادة الشيء في صورة حسنة والإعجاب به في شأنه. قاموس. منه\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"والتعجيب\"، والمثبت موافق لما في \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٢٧) والكلام منه.\n(^٣) في (ك): \"في شأن الدنيا وشأنه أن مراده\"، والمثبت من باقي النسخ، لكن في (ح) و(ف): (وشأنه) بدل: (وبشأنه).\n(^٤) يعني يعجبك قوله. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٥١)، وفيه: (أي: قوله حلو فصيح في الدنيا فهو يعجبك، ولا يعجبك في الآخرة لما يرهقه …).","vol":"2","page":75},{"text":"في الآخرة لمَا يَرْهَقُه هناك من الحُبْسة واللُّكْنة، أو لأنَّه لا يُؤذَن له في الكلام.\n﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ يحلفُ (^١) ويقول: اللّه شاهدٌ على ما في قلبي من المحبة والإسلام (^٢).\n﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: شديدُ الجدال والعداوة للمسلمين، وإضافة الألدِّ بمعنى (في) على أن الخصام بمعنى المخاصَمة؛ كقولهم: ثَبْتُ الغَدَرِ (^٣)، وإنما وُصف بكونه ألدَّ للمبالغةِ وجَعْلِ خصامه لشدته كأنه في نفسه خصمٌ ألدُّ.\nوقيل: جمعُ خصم؛ كصعبٍ وصِعاب؛ أي: هو أشدُّ الخصوم خصومةً.\nروي أنها نزلت في الأخنس بن شريقٍ الثَّقَفي، وكان حَسَنَ المنظر حُلوَ المنطِق يوالي رسول اللّه ﷺ ويدَّعى الإسلام (^٤).\nوقيل: في المنافقين كلِّهم (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-212\"> </span>(٢٠٥) - ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"ويحلف\".\n(^٢) في (م): \"للإسلام\".\n(^٣) رجلٌ ثَبْتُ الغَدَرِ محرَّكةً: يَثْبُتُ في القِتالِ والجَدَلِ وفي جميعِ ما يأخُذُ فيه. والغَدَرُ: كلُّ مَوضِعٍ صَعْبٍ لا تَكادُ الدابَّةُ تَنْفُذُ فيه. انظر: \"القاموس\" (مادة: غدر).\n(^٤) رويت فيه أخبار مقطوعة عن عطاء والسدي ومقاتل والكلبي. انظر: \"البحر المحيط\" (٤/ ٢١).\n(^٥) روي عن قتادة وابن زيد. انظر: \"تفسير الطبري\" (٣/ ٥٧٥ و٥٧٦)، و\"البحر المحيط\" (٤/ ٢١)، وقد استوفينا في تحقيقه تخريج ما روي في أسباب نزول هذه الآية.","vol":"2","page":76},{"text":"﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾ التولِّي: الانحراف عن الشيء إلى خلافِ جهته، والسعيُ: الإسراع في المشي (^١)؛ أي: إذا انصرف عنك وذهب مسرعًا.\n﴿فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ كما فعله الأخنس بثَقيفٍ (^٢).\nوقيل: إذا صار واليًا فعَل ما يفعلُه ولاةُ السُّوء من الإفساد والظلم.\n﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ حقيقةً، أو حكمًا بأنْ يمنع اللّه تعالى القَطْرَ بشؤم ظلمه وفساده فيَهلكُ الحرثُ والنسل، والحرثُ هو الزرع، وأصله: الشق، والنسل: ما خرج من كلِّ أنثى من أجناس الحيوان.\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ عدمُ الحب كنايةٌ عن البغض (^٣)، ففيه وعيدٌ بليغٌ، ويتضمَّن التعليلَ لمَا سَبَق على المعنى الثاني والإفساد في الحقيقة: إخراج الشيء عن حالةٍ محمودةٍ لا لغرضٍ صحيحٍ، وذلك غيرُ موجودٍ في فعل اللّه تعالى، ولا هو آمرٌ به ولا محبٌّ له، وما تراه في فعله فسادًا فهو بالإضافة إلينا والاعتبار (^٤) بنا، فأمَّا بالنظر إليه فكلُّه صلاحٌ (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-213\"> </span>(٢٠٦) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"الشيء\".\n(^٢) روي عن عطاء ومقاتل والكلبي، وهو من ضمن سبب النزول. انظر: \"البحر المحيط\" (٤/ ٢١).\n(^٣) في هامش (د) و(ف) و(م): \"هذه الكناية شائعة في اللسان التركية أيضًا. منه\".\n(^٤) في (م): \"وبالاعتبار\".\n(^٥) في هامش (د) و(ف) و(م): \"ولهذا قال بعض الحكماء: يا من إفساده إصلاح؛ أي: ما نعده إفسادًا لقصور نظرنا فهو في الحقيقة إصلاح. منه\".","vol":"2","page":77},{"text":"﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ أي: إذا (^١) خوِّف هذا المنافقُ باللّه تعالى.\n﴿اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾؛ أي: حملتْه العزَّة على ذلك، من قولك: أخَذْتُه بكذا: إذا حملْتَه عليه وألزَمْتَه إياه، وفيه مبالغةٌ شديدةٌ؛ كأنَّ العزةَ التي فيه - أي (^٢): حميَّةَ الجاهليَّة والترفُّعَ - حاكمٌ مسلَّطٌ عليه يُلزِمه ارتكابَ الإثم الذي يُنهى عنه لجاجًا وضرارًا، أو على رغم الواعظ وردِّ قولِه.\n﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: كافيه جزاءُ جهنمَ وهو استعظامٌ لمَا حلَّ به، وجهنمُ: اسمٌ عَلَمٌ للنار (^٣)، وهي مأخوذةٌ من قولهم: ركيَّةٌ جِهِنَّامٌ: إذا كانت بعيدةَ القعر. وامتَنعت من الصرف للتأنيث والعَلَمية.\nبَيَّن أن جهنم نصيبُه الكافي وجزاؤه الوافي، ثم دل على حال جهنم بقوله:\n﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف، وحُذف المخصوص بالذمِّ للعِلم به. والمهاد: ما يُوطَّأ للجَنْب ويُهيَّأُ للنوم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-214\"> </span>(٢٠٧) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ يبيعُها ببذلها بالجهاد (^٤)، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل.\n_________\n(^١) في (د): \"وإذا\".\n(^٢) كلمة: \"أي\" من (د).\n(^٣) في هامش (ت): \"هو فارسي معرب، وركية جهنام - بكسر الجيم والهاء -؛ أي: بعيدة العقر. كذا في الصحاح. منه\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"للجهاد\".","vol":"2","page":78},{"text":"﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: طلبًا لرضاه.\n﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: هو في غايةِ الرحمة لهم، ولهذا عوَّضهم النعيمَ المقيمَ على عملٍ منقطِع. عقَّب ذِكر المذموم من أعدائه بذكرِ المحمود (^١) من أوليائه ترهيبًا وترغيبًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-215\"> </span>(٢٠٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (السّلم) بالكسر والفتح: الإسلامُ والطاعة، و﴿كَافَّةً﴾ اسمٌ للجملةِ من الكفِّ؛ كأنهم كُفُّوا باجتماعهم عن أنْ يَخرج منهم أحدٌ، حالٌ من فاعل ﴿ادْخُلُوا﴾ أو من ﴿السِّلْمِ﴾، وتاؤها بعد النَّقل لم تَبْقَ للتأنيث (^٢).\nوالمعنى: استسلِموا للّه تعالى وأطيعوه جميعًا ظاهرًا وباطنًا، على أن الخطاب للمنافقين.\nأو: ادخلوا في الإسلام بكلِّيَّتكم ولا تخلطوا به غيرَه، على أن الخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فإنهم بعد إسلامهم عظَّموا السبت وحرَّموا الإبل وألبانَها (^٣).\nأو: في شرائع اللّه تعالى كلِّها بالإيمان بالأنبياء ﵈ والكتبِ جميعًا، على أن الخطاب لأهل الكتاب.\n_________\n(^١) في (م): \"المحمودين\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"فلا حاجة إلى بيان التأنيث في السلم. منه\".\n(^٣) رواه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٦٧) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده عبد الغني بن سعيد، وهو واه كما ذكر الحافظ في \"العجاب\" (١/ ٥٣٠).","vol":"2","page":79},{"text":"أو: في شُعَبِ الإسلامِ وأحكامِه كلِّها فلا تُخلُّوا بشيء منها، على أن الخطاب للمسلمين.\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ بالتفريق والتفرُّق، وقد مرَّ ما يتعلَّق به وبقوله (^١):\n﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فتدبَّرْ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-216\"> </span>(٢٠٩) - ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ عن الدخول في السَّلْم.\nأصل الزَّلَل في القدم (^٢)، يقال: زَلَّ يَزِلُّ زَلًّا وزُلولًا: إذا دَحضت قدمُه، تم استُعمل في الاعتقاد والرأي بطريق الاستعارة.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الحُججُ والشواهدُ على أنَّ ما أُمرتم بالدخول فيه هو الحق.\n﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يُعجزه الانتقامُ منكم.\n﴿حَكِيمٌ﴾ لا يُهمِلُ وإن كان يُمهِلُ على ما تقتضيه الحكمة.\n* * *\n(٢١٠) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْر وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُور﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"بقوله\" دون الواو.\n(^٢) في (ف): \"التقدم\".","vol":"2","page":80},{"text":"﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون.\n﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يأتيَهم أمرُه؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]، وإنما أُسند الإتيانُ إليه تعالى تعظيمًا وتهويلًا؛ تنبيهًا على أنه يأتي الأمرُ الذي لا يُدافَع، كأنَّ أمره هو لوجوبه، وأُكِّد التهويل وشدةُ العذاب ببيان إتيانه من الغمام الذي هو مَظِنَّةُ الرحمة لكونه أفظع؛ فإن الشرَّ إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أغمَّ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يُحتسب كان أَسَرَّ، فكيف إذا جاء الشر (^١) من حيث يُحتسب الخير، ولهذا كانت الصاعقةُ من العذاب المستفظَع لمجيئها من حيث يُتوقَّع الغيث.\n﴿فِي ظُلَلٍ﴾: جمعُ ظلَّةٍ؛ كقُلَّةٍ وقُلَلٍ، وهي ما يُستظلُّ به.\nوقرئ: (ظِلَالٍ) (^٢): جمعُها (^٣)؛ كقُلَّةٍ وقِلَالٍ، أو جمعُ ظلٍّ.\n﴿مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال الثعالبيُّ (^٤) في \"سر الأدب\": أولُ ما يَنشأ [السحابُ] هو النَّشْءُ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحابُ، فإذا تغيَّرت له السماء فهو الغمام (^٥). انتهى.\nفالغمامُ أقوى من السحاب ظلمةَّ، فكان أنسبَ لعبارةِ (^٦) الظُّلَلِ من السحاب (^٧).\n_________\n(^١) في (ف): \"بالشر\".\n(^٢) تنسب لقتادة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٣)، و\"المحتسب\" (١/ ١٢٢).\n(^٣) أي: جمع ظلة. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٥٣).\n(^٤) في (م): \"الثعلبي\".\n(^٥) انظر: \"فقه اللغة وسر العربية\" لأبي منصور الثعالبي (ص: ١٨٩).\n(^٦) أي: لِلَفظ، والمؤلف ﵀ يستعمل في مؤلفاته كلمة (العبارة) بدل كلمة: (اللفظ).\n(^٧) في هامش (د) و(ف) و(م): \"رد لمن فسره بالسحاب. منه\".","vol":"2","page":81},{"text":"﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ وقُرئ بالجر (^١) عطفًا على ﴿ظُلَلٍ﴾ أو ﴿الْغَمَامِ﴾.\n﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾؛ أي: قُضي أمر إهلاكهم وتدميرهم وفُرغ منه، عبِّر بالماضي عن المستقبل لدُنوِّه أو تيقُّنِ وقوعه. وقرئ: (وقضاءُ الأمر) (^٢) عطفًا على ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ قُرئ على البناء للمفعول على أنه من الرَّجْع، وعلى البناء للفاعل على أنه من الرُّجوع (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-218\"> </span>(٢١١) - ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بحذف (^٤) الهمزة في الكلام المبتدأ، وتَثبت (^٥) في العطف؛ مثلَ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والسؤالُ للتقريع، والخطابُ لكلِّ أحدٍ، أو للرسول ﵇.\n﴿كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ على أيدي أنبيائهم وهي معجزاتُهم، أو: من آيةٍ في الكتب شاهدةٍ على صحة دين الإسلام وحقِّيَّتِه.\nو﴿كَمْ﴾ خبريةٌ أو استفهاميةٌ للتقرير، ومحلُّها النصبُ على المفعوليَّة، أو الرفعُ بالابتداء على حذفِ العائد من الخبر، و﴿آيَةٍ﴾ مميِّزُها، و﴿مِنْ﴾ للفصل.\n_________\n(^١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٢٧).\n(^٢) تنسب لمعاذ ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٣).\n(^٣) قرأ بالبناء للفاعل حمزة والكسائي وابن عامر، وباقي السبعة بالبناء للمفعول. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٠).\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"حذف\".\n(^٥) في (د): \"وثبت\".","vol":"2","page":82},{"text":"﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: آياتهِ؛ إذ هي أجلُّ نعمةٍ من اللّه تعالى، بأنْ يجعلَها أسبابَ الضلالة وهي أسبابُ الهدى والنجاةِ عنها؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، أو يحرِّفها كما حرَّفوا الآيات الدالَّةَ على دين محمدٍ ﵇.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾: من بعد ما وصلت إليه وتمكَّنَ من معرفتها، وفيه تعريضٌ بأنهم بدَّلوها بعدما عقَلوها، ولذلك قيل: تقديره: فبدَّلوها ومَن يبدِّلْ.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعاقبُه أشدَّ عقوبةٍ لأنَّه ارتَكب أعظمَ جريمةٍ، والعقاب مأخوذ من العَقِب، كأن المعاقِبَ يمشي بالمجازاة له في آثار عَقِبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-219\"> </span>(٢١٢) - ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\n﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التزيين هو التحسينُ المدرَك بالحسِّ دون المدرَك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، والمزيِّن في الحقيقة هو الشيطانُ، فإنه حسَّن الدنيا في أعينهم وحبَّبها إليهم.\nوقراءةُ (زَّين) على البناء للفاعل و(الحياةُ) بالنصب (^١) على الإسناد المجازيِّ، فإنه تعالى أمهَل المزيَّن [له] (^٢) فجَعل إمهاله تزيينًا، أو زَّينها حتى استحسَنوها وأحبُّوها.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٣).\n(^٢) من \"الكشاف\" (١/ ٢٥٤).","vol":"2","page":83},{"text":"ومَن قال: المزيِّن في (^١) الحقيقةِ هو الله تعالى إذ ما من شيءٍ إلا وهو فاعلُه، أخطأ في المدَّعى وما أصاب في الدليل:\nأمَّا الأول: فلأن التزيين صفةٌ تقوم بالشيطان والفاعلُ الحقيقي لصفةٍ ما تقومُ به تلك الصفة، وليت شعري ما يقول هذا القائل في الكفر والضلالة؛ فإن فاعل القيام حقيقةً هو القائم الذي يتَّصف به لا خالقه.\nوأمَّا الثاني: فلأن مَبْناه عدمُ الفرق بين الفاعل النَّحوي الذي كلامنا فيه والفاعلِ الكلامي الذي بمعزلٍ عن هذا المقام (^٢).\n﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يَهْزؤون من فقراء المؤمنين الذين لا حظَّ لهم في الدنيا - كابن مسعود وعمارٍ وصُهيب وغيرهم ﵃ على رفضهم الدنيا وإقبالهم على الآخرة.\nقال القرطبيُّ: يقال: سَخِرتُ منه وسَخِرتُ به، وضحكْتُ منه وضحِكْتُ به، وهَزِئْتُ منه وهَزِئْتُ به، كلُّ ذلك يقالُ، حكاه الأخفشُ والاسمُ: السُّخرية (^٣).\n_________\n(^١) في (د) و(ك): (على) والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٣٥)، وهو صاحب هذا القول.\n(^٢) هذا ما تعقب به المؤلف البيضاوي، وقد رد عليه الشهاب في \"الحاشية\" (٢/ ٢٩٨) بقوله: وهذا كله من عدم التأمل؛ لأن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه في مواضع كقوله: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤] وفي مواضع إلى الشيطان كقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وفي مواضع ذكَره غيرَ مسمًّى فاعله كما هنا، فالتزيين إن كان بمعنى إيجادها وإبداعها ذاتَ زينة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] فلا شك أن فاعله هو الله عند النحويين والمتكلمين، وإن كان بمعنى التحسين بالقول ونحوه من الوسوسة كقوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٩] فلا شك أن فاعله عندهما الشيطان … إلخ.\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٤٠٣)، و\"الصحاح\" (مادة: سخر)، وعنه نقل القرطبي.","vol":"2","page":84},{"text":"﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، أي: الذين اتَّقَوا الدنيا واختاروا الفقر من المؤمنين هم أهل الزُّلفى والكرامة عند الله تعالى، وُضعوا (^١) موضع الذين آمنوا لأنهم يسخرون منهم دون الأغنياء؛ تنبيهًا على أنهم أهل السعادة الكبرى عند الله تعالى، وتحريضًا للمؤمنين على التقوى.\n﴿فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ لأنهم كانوا في درجات الجنة وهم في دركات النار، فينادونهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠].\n﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: في الدنيا؛ لأن مَساق الكلام فيه.\n﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغير تقديرٍ، أو (^٢) يوسِّع بحسَب الحكمة والمشيئة التابعةِ له على عباده، فمنهم مَن تكون التوسِعةُ عليه استدراجًا كهؤلاء الكفرة وقارونَ وأحزابهم، ومنهم مَن تكون التوسعةُ عليه كرامةً له كأغنياء المؤمنين (^٣) وسليمانَ وداودَ ﵉ وأمثالِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-220\"> </span>(٢١٣) - ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على الفطرة، متَّفقةً على دين الإسلام فيما بين آدم ونوحٍ ﵉.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وضع\".\n(^٢) في (م): \"أي\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"المسلمين\".","vol":"2","page":85},{"text":"وقيل: فيما بين آدمَ وإدريسَ ﵉.\nقال القرطبي: وفيه نظر؛ لأن إدريس ﵇ بعد نوحٍ ﵇ على الصحيح (^١).\nوقيل: هم نوحٌ ومَن معه في السفينة.\n﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: فاختلفوا فبعث الله، فحُذف لدلالة قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ عليه، وفي قراءة عبد الله: (فاختلفوا فبعث اللهُ) (^٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، ولمَّا كان سببُ البعثة الاختلافَ لم يَبْقَ احتمالٌ لأنْ يكون المراد من الأمَّة المذكورة المتَّفقينَ على الجهالة والكفر.\n﴿مُبَشِّرِينَ﴾ مَن أطاع.\n﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ مَن عَصَى.\n﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الكتب، واسمُ الجنس يَصلح للجميع، و﴿مَعَهُمُ﴾ حالٌ مقدَّرةٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾ فيتعلَّق بمحذوفٍ، وليس منصوبًا بـ (أنزَلَ)، ولا يريد به أنه أُنزل مع كلِّ واحد منهم كتابٌ يخصُّه، لا لأن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصُّهم، بل كانوا يأخذون بكتبِ مَن قبلهم؛ لأن المعنى حينئذ: مع كل واحدٍ من الذين لهم كتاب، وعموم ﴿النَّبِيِّينَ﴾ لا ينافي خصوصَ الضمير العائد إليه بمعونة القرينة= بل\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٣/ ٤٠٤).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري \" (٣/ ٦٢١)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٥٥). وهذه القراءة محمولة على التفسير؛ لمخالفتها سواد المصحف الذي أجمعت الأمة عليه، والذي ابن مسعود أحد نقَلته.","vol":"2","page":86},{"text":"لأنَّ بعض الكتاب المخصوصِ لمن معه لا يشمل الأحكام كالزبور، فلا يصلح ما ذُكر بقوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ غايةً له.\n﴿الْحَقِّ﴾ حالٌ من ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: مُلْتبِسًا بالحق.\n﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: النبيُّ الذي معه الكتابُ.\n﴿فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من أمر الدين.\n﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: الكتابِ المنزَل لإزالة الاختلاف، ومعناه: زاد اختلافهم بسبب الكتاب حتى كان الاختلافُ الأولُ بالنسبة إليه كلَا اختلافٍ، أو ما (^١) كان الاختلاف إلا الذي حدث بعده كأن الاختلاف الموجب لنزول الكتاب اتفاقٌ (^٢) في جنبه لشدة عنادهم.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: الدلائلُ الشاهدةُ على حقيقة الدِّين المتَّفَق عليه.\n﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وحسدًا وقلةَ إنصافٍ منهم؛ لحرصهم (^٣) على الدنيا وتهالكهم.\n﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾ بسبب تلك البينات ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ بيانٌ لِما اختلفوا فيه (^٤).\n﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه إياهم.\n﴿وَاللَّهُ يَهْدِي﴾ دون غيره ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العناية بمقتضى الحكمة.\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ت): \"بالنسبة إليه لا اختلافا وما\"، وفي (م): \"بالنسبة إليه كلا اختلاف أو لما\"، والمثبت من (ك).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(م): (اتفاقًا).\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"بحرصهم \".\n(^٤) \"بيان لما اختلفوا فيه \" ليس في (ح) و(ف).","vol":"2","page":87},{"text":"﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ صراطٍ لا يُعرف كُنْهُه، وهو طريق التوحيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-221\"> </span>(٢١٤) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزةِ فيها الإنكارُ.\nوالحسبانُ كالظن يُستعمل في المترجِّح.\nلمَّا ذَكر حال (^١) الأمم الخالية، واختلافَهم على النبيين بعد مجيء البينات، وإنكارَهم - تشجيعًا لرسول الله ﷺ والمؤمنين، وإغراءً لهم على الثبات والصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين وأهلِ الكتاب، وإنكارهم لآياته وعداوتهم له - خاطبهم على طريقة الالتفات التي هي أبلغ:\n﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: حالُهم التي هي مَثَلٌ في الشدة، و(لمَّا) للتوقُّع (^٢) في النفي كـ (قد) في الإثبات، ومعناها: أن إتيان ذلك متوقَّعٌ ومنتظَرٌ ولم يقع بعدُ.\n﴿مَسَّتْهُمُ﴾ بيانٌ للمَثَل على الاستئناف.\n﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الشدة من الخوف والجوع والفاقة.\n﴿وَالضَّرَّاءُ﴾ الآلام (^٣) والأمراض.\n_________\n(^١) كلمة: \"حال\" ليست في (ف) و(ك) و(م).\n(^٢) في (ف) و(م): \"للتوقف\".\n(^٣) في (م): \"الألم \".","vol":"2","page":88},{"text":"﴿وَزُلْزِلُوا﴾؛ أي: أُزعجوا إزعاجًا شديدًا شبيهًا بالزلزلة مما أصابهم من الأهوال والأفزاع.\n﴿حَتَّى يَقُولَ﴾ لتَناهي الشدَّة وتَماديها في العِظَم بحيث تقطَّعت حبالُ الصبر.\n﴿الرَّسُولُ﴾ مع كونه في كمال الثبات والصبر وضبط النفس والوقار إلى غايةٍ لا يُقْدَرُ قَدْرُها.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الصابرين في البأساء والضرَّاء.\nوقرئ: ﴿يَقُولَ﴾ بالرفع (^١) على معنى الحال، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، وبالنصب على إضمارِ (أنْ) ومعنى الاستقبال.\n﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ معناه: استبطاءُ النصر وطلبُه وتَمنِّيهِ، واستطالةُ زمان الشدة.\n﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ استئناف على إرادة القول، أي: فقيل لهم إجابةً لهم إلى طلبهم (^٢) من عاجل النصر وإعطاءً لسؤلهم (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-222\"> </span>(٢١٥) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] جاء عمرو بن جموح الأنصاريُّ وسأل رسول الله ﷺ وقال:\n_________\n(^١) هي قراءة نافع من السبعة، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٠).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"طلبهم\".\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"سؤلهم\".","vol":"2","page":89},{"text":"كم ننفقُ؛ وعلى مَن (^١) نُنفق؛ فنزل جواب السؤالين في آيتين من هذه السورة؛ جوابُ قوله: كم ننفق؟ في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وجواب قوله: على مَن ننفق؟ في قوله:\n﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ (^٢) أيَّ شيءٍ أنفقتُم من مالٍ، والمالُ يسمى خيرًا؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، وإنما سمَّاه خيرًا هنا لأنَّه مذكور في موضع الصرف إلى الخير.\n﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ بدأ في المصرِف بالأقرب (^٣)، ثم بالأحوج (^٤) فالأحوج.\n﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ في معنى الشرط ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ جوابُه؛ أي: إنْ تفعلوا خيرًا فإن الله تعالى يعلم كُنْهَه ويُوفي ثوابَه، والفعلُ أعمُّ من الإنفاق وغيره، سألوا عن خاصٍّ وأُجيب بخاصٍّ ثم أُتي بالعموم في أفعال الخير.\nقيل: كان هذا للإيجاب ونسخها الأمرُ بالزكاة.\nوقيل: كان للاستحباب وهو باقٍ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"وعلى كم\".\n(^٢) انظر: \"تفسير أبي الليث\" (١/ ١٤١)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٦٧)، وإسناده ضعيف جدًا لأنَّه من رواية الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يدرك ابن عباس، عن ابن عباس. انظر: \"العجاب في بيان الأسباب\" لابن حجر (١/ ٥٣٤).\n(^٣) في (م) زيادة: \"فالأقرب\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"الأحوج\".","vol":"2","page":90},{"text":"<span id=\"aya-223\"> </span>(٢١٦) - ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾؛ أي؛ فُرض عليكم الجهاد.\n﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ من الكراهة؛ لقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ وهو إمَّا أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضعَ الوصف للمبالغة لفَرْط كراهتهم له (^٥)، وإمَّا أن يكون فُعْلًا بمعنى مفعولٍ كالخبز بمعنى المخبوز؛ أي: وهو مكروهٌ لكم.\nوقرئ بالفتح (^٦) على أن يكون بمعنى المضموم، كالضَّعف والضُّعف، أو بمعنى الإكراه على سبيل المجاز، كأنهم أكُرهوا عليه لفَرْط كراهتهم له، وكراهةُ الطَّبع لا توجِبُ الذمَّ بل تحقِّق العبوديةَ إذا فُعل ذلك اتِّباعًا للشرع مع نُفرة الطبع، وأمَّا كراهةُ الاعتقاد فهو من صفات المنافقين (^٧).\nونبَّه بقولُه (^٨): ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ بألطف وجهٍ على أنَّ ما كُتب عليهم من القتال خيرٌ لهم وأوضحِ دلالةٍ، وهي أنه إذا جاز أن يكون منكم كراهيةٌ لأمرٍ وفيه الخيريةُ، فيجوز أن يكون كراهيتكم (^٩)\n_________\n(^٥) يعني هو مثل: رجلٌ عدلٌ.\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٥٨). والضم قراءة الجمهور.\n(^٧) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"وبهذا اندفع ما قاله الإمام من الإشكال، وهو أن الخطاب وهو قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ مع المؤمنين، وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ يقتضي كراهتهم لحكم الله تعالى وتكليفه، وهو غير جائز. منه\".\n(^٨) في (ح) و(د): (قوله)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٤٥) والكلام منه.\n(^٩) في (د): (كراهيتكم)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير الراغب \".","vol":"2","page":91},{"text":"لِمَا كُتب عليكم من القتال كذلك، وإذا جاز أن تحبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكم، فيجوز أن تكون محبَّتكم لِمَا أحببتُموه شرًّا.\nثم نبَّه على أن هذا الجائزَ كونُه عندكم واجبٌ كونُه في نفسه بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقد قضَى بأن ذلك خيرٌ، وإذا كان خيرًا فيجب أن تحبُّوه ولا تكرهوه، فالخير يجب إرادتُه والشرُّ يجب كراهته.\nوالمحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنُّه خيرًا، والإرادة لا يلزمُها ظنُّ الخير، ولهذا قيل: ﴿أَنْ تُحِبُّوا﴾ دون: أنْ تريدوا، ولم يراعَ حقُّ المقابَلة مع قوله: ﴿أَنْ تَكْرَهُوا﴾.\nو(عسى) كلمةٌ تجري مَجرى (لعل)، وهي من العباد للترجِّي ومن الله تعالى للترجِئةِ؛ قيل: جميع ما كلِّفوا به من قَبيل الأول، وجميع ما نُهوا عنه من قَبيل الثاني، وفيه نظر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-224\"> </span>(٢١٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ نزلت في أوَّل سَرِيَّة في الإسلام أغاروا على عِيرٍ لقريش (^١) قافلةٍ من الطائف وقتَلوا عَمْرَو بن عبد الله الحضرميَّ أولَ يوم من\n_________\n(^١) في (ف): \"قريش\".","vol":"2","page":92},{"text":"رجبٍ وهم يظنُّونه من جُمادى الآخرة (^١)، فعيَّرهم أهل مكة باستحلاله.\n﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ بدلُ الاشتمال من ﴿الشَّهْرِ﴾ وفائدةُ الإبدال أنَّ في ذكر الشهر أوَّلًا تنبيهٌ على أن السؤال عن القتال لأجْل الشهر لا لغيره.\n﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: ذنبٌ كبير، والأكثرُ على (^٢) أنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] خلافًا لعطاءٍ (^٣)، ولا وجه لمنعِ دلالة الآية على حرمةِ القتال في الشهر الحرام مطلقًا بناءً على أن النكرة في حيِّز الإثبات لا تعمُّ؛ لأنها إذا لم تكن موصوفةً (^٤)، وقد مر ما يؤيد هذا.\n﴿وَصَدٌّ﴾ الصُّدُّ: ناحيةُ الشِّعب والوادي المانعُ للسالك، وصَدَّه عن كذا: كأنما جَعل بينه وبين ما يريده صُدًّا يمنعه، والصَّديد: ما حال بين الجلد واللحم من الدم والقيح، كذا قال الراغب (^٥).\n_________\n(^١) في (م): \"يظنون من جمادى الآخر\".\n(^٢) \"على\"ليست في (ف) و(ك).\n(^٣) في هامش (د) و(ف) و(م): \"من قال بقوله: (اقتلوا المشركين ..) … إلخ نظرَ إلى أن القيد الذي انقضى في زمان الشارع في حكم العدم، ونظره أدق فافهم. منه \". ثم أتبع به: \"والفاضل التفتازاني لعدم تنبهه له استدرك عليه. منه\".\n(^٤) قوله: (لأنها إذا لم تكن موصوفة) يعني: لأن كون النكرة إذا كانت في حيز الإثبات لا تعم إنما هو إذا لم تكن موصوفة، وهنا هي عامة لكونها موصوفة بوصف عام أو بقرينة المقام، والكلام رد على الرازي في \"تفسيره\" (٦/ ٣٨٨) حيث قال: والذي عندي أن قوله تعالى: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ هذا نكرة في سياق الإثبات فيتناول فردًا واحدًا، ولا يتناول كل الأفراد، فهذه الآية لا دلالة فيها على تحريم القتال مطلقًا في الشهر الحرام، فلا حاجة إلى تقدير النسخ فيه. اهـ. قلت: وفي الأمر في هذه المسألة قيل وقال ينظر ذلك في \"روح المعاني\" (٣/ ٢٣٧).\n(^٥) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٤٦).","vol":"2","page":93},{"text":"﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ و، أي: ما يُوصل العبدَ إلى الله من الطاعات.\n﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾، أي: بالله تعالى، عطفٌ على (صَدٌّ)، وقد عُطف عليه قبل تمام المعطوف عليه لشدة الاعتناء عند ذكر الله تعالى بأنَّ الكفر به أكبرُ الكبائر وأمُّها، والذي اندرج فيه جميع الكبائر، وإلا كان حقَه أن يُؤخَّر عن قوله:\n﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لِمَا أَشَرْنا إليه من أنه من تمامِ قوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\n﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبرٌ عن الأشياء المعدودة، يعني (^١): وكبائر قريش؛ من صدِّهم عن سبيل الله وعن المسجدِ الحرام، وكفرِهم (^٢)، وإخراجِ أهل المسجد الحرام - وهم رسول الله ﷺ والمؤمنون - منه، أكبر عند الله مما فعلَتْه السريَّة على سبيل الخطأ والبناءِ على الظن.\n﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ وما ارْتَكبوه من الصَّدِّ والإخراجِ والكفر أكبر من قتل الحضرميِّ.\n﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، أي: يداوِمون على عداوتكم ولا ينفكُّون عن مقاتَلتكم.\n﴿حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ للتعليل؛ كما في قولك: أعبدُ الله حتى أدخلَ الجنة، لقوله (^٣):\n﴿إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ استبعادٌ لاستطاعتهم، كقول الرجل لعدوِّه: إن ظَفِرْتَ بي فلا تُبْقِ عليَّ، مع وثوقه بأنه لا يَظفَرُ به.\n_________\n(^١) \"يعني\": ليست في (ك) و(م).\n(^٢) في (م): \" وكفرهم بالله\".\n(^٣) قوله: \"لقوله\" لا أرى له فائدة في السياق. وانظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٥٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٣٧)، والكلام منقول عنهما، لكن ليس فيهما إشارة لهذه الكلمة.","vol":"2","page":94},{"text":"وإيراد (إنْ) في موضع اليقين للتهكُّم، أو البناءِ على ظنِّهم الفاسد.\n﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾: ومَن يَرجعْ منكم عن دينه إلى دينهم، ويطاوِعْهم على ردِّهم إياه إليه، ولم يَتُبْ، فيَمُتْ على الرِّدَّة.\n﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: حسناتُهم؛ لأنها هي الأعمال في الحقيقة، إذ السيئاتُ مما ينبغي أن لا تُعمل، ويقال لمن عَمِلَ ما لا يُنتفَعُ به: لم يَعمل شيئًا.\n﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لفوات ما لهم من المسلمين من ثمرات (^١) الإسلام بإحداث الردة.\n﴿وَ﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾ لفواتِ ما لهم من الثواب لو لم يرتدُّوا بالموت عليها، والحَبْطُ: فسادٌ يَلحق الماشية في بطونها من أكل الكَلأ، واستُعير لفساد العمل.\n﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ مُلازِموها، يقال: فلان صاحبُ فلانٍ، إذا كان مُلازِمًا له.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: دائمون فيها لا يموتون ولا يُخرجون عنها.\nثم الطاعةُ تَحبَطُ بنفس الرِّدة عندنا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] والموتُ عليها ليس بشرطٍ، وقال الشافعي: هي (^٢) شرطٌ. وتمسَّك بهذه الآية.\nوقلنا: إنما جُعل الموتُ على الكفر شرطَ جميع ما ذُكر في هذه الآية: من حبوطِ العمل، والخلود في النار، وبه نقول.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ثواب\".\n(^٢) \"هي\" من (د).","vol":"2","page":95},{"text":"كذا قيل، ويأباه تكرير (أولئك) لِمَا فيه من الد لالة على اعتبار (^١) الشرط المذكور في كلِّ واحدٍ من الحُكمين المذكورين.\nفالصواب في الجواب أن يقال: إنما اعتبر الشرط المذكور في حبوط عمل الدنيا وعمل الآخرة معًا، لا في حبوط عمل الدنيا (^٢) وحده، فلا متمسَّك فيه للخصم؛ لانا نقول: تأثيرُ الشرط المذكور في حُبوط عمل الدنيا، فإنه ما لم يستمرَّ على الردة إلى آخر الحياة لا يُحرم عن ثمرات الإسلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-225\"> </span>(٢١٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزلت أيضًا (^٣) في السَّرية المذكورة، لمَّا قال بعض الناس فيهم: إنْ لم يكن عليهم وِزرٌ فليس لهم أجرٌ (^٤).\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: من مكة إلى المدينة، وقيل: أي: فارَقوا أعمال السوء وأصحابَها. والأول كان فرضًا فنُسخت فَرْضيّتها، والثاني فَرْضيتُه باقية.\n﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: قاتَلوا الكفار، وقيل: أي: استفرَغوا المجهودَ في طاعة الله.\n_________\n(^١) \"اعتبار\" ليست في (د).\n(^٢) \"الدنيا\" من (ح)، وأشير إليها في هامش (م) بالقول: \"لعله هنا: الدنيا\".\n(^٣) \"أيضا\": ليست في (ك) و(م).\n(^٤) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٨) برقم (٢٠٤٠)، والطبراني في \"الكبير\" (١٦٧٠) من حديث جندب بن عبد الله ﵁.","vol":"2","page":96},{"text":"وتكريرُ الموصول لتعظيمِ الهجرة والجهاد، وكأنهما مستقلَّان في تحقيق الرجاء.\n﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ في الدنيا والآخرة نفعًا ورفعًا ودفعًا، وفي عبارة الرجاء مدحٌ لهم باستقصارهم أعمالَهم واستشعارهم آمالَهم، خائفين ردَّه، راجين قبوله، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لِمَا فعلوا خطأً وقلَّةَ احتياطٍ.\n﴿رَحِيمٌ﴾ بإجزالِ الثواب والإيصالِ إلى حُسن المآب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-226\"> </span>(٢١٩) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ رُوي أنه نزل بمكة - شرَّفها الله تعالى - قوُله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ [النحل: ٦٧] وكان المسلمون يشربونها (^١) وهي لهم حلال، ثم إن عمرَ ومعاذًا ونفرًا من الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله، أفتنا في الخمر والميسر (^٢) فإنهما مَذهَبةٌ للعقل ومَسلَبةٌ للمال، فنزلت: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون (^٣).\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ف) و(م): \"قال القاضي: فأخذ المسلمون يشربونها، كأنه زعم أنهم كانوا ممتنعين عن شربها. منه\".\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ومن اقتصر على قوله في الخمر فقد قصر. منه \".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٦٠). وجاء في هامش (ف) و(د): \"تمامه يأتي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾. منه\".","vol":"2","page":97},{"text":"والخمر: ما خَمَرَ العقل؛ أي: ستره، كأنها سمِّيت بالمصدر للمبالغة، ومنه: الخِمار، لِمَا يستر الرأس.\nوقال ابن الأنباري: سُميت خمرًا لأنها تُخامِرُ العقل؛ أي: تخالطُه (^١).\nوقال (^٢) عمر ﵁ في خُطبته: أيها الناسُ، فإنه نزل تحريمُ الخمر وهي من خمسة: من العنب، والعسل، والتمر، والحنطة، والشعير (^٣).\nوالميسِر: القِمار، وقال الأزهريُّ: الميسر: الجَزُور الذي كانوا يتقامرون عليه سمِّي ميسِرًا لأنَّه يجزَّأُ أجزاءً فكأنه موضعُ التجزئة، وكلُّ شيءٍ جزَّأْتَه فقد يَسَرْتَه، والياسر: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئ لحم الجزور (^٤).\n﴿قُلْ فِيهِمَا﴾ لمَّا كان منشأً للإثم وسببًا للمنافع جعلهما منبعًا له ومعدنًا لها؛ تنبيهًا على قوتهما في المَنشئيَّة والسببيَّة، فلا حاجة إلى تقدير المضاف، بل لا وجه له عند البلغاء، فلا دلالة في هذا على أن السؤال عن تعاطيهما.\n﴿إِثْمٌ﴾ الإثم: ما يَستحِقُّ فاعلُه العقاب، فيختصُّ بما يكون عمدًا، يرشدك إليه ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] في مقابَلة (^٥) الخطيئة.\n_________\n(^١) انظر: \"الزاهر\" لابن الأنباري (١/ ٤٣٥).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"قال\".\n(^٣) رواه البخاري (٥٥٨٨)، ومسلم (٣٠٣٢). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ذكره القرطبي في تفسيره، فمن خصها [(ف): قصرها] بالاثنين منها لم يصب \".\n(^٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (١٣/ ٤٣). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"والميسر بهذا المعنى يناسب الخمر بخلاف في الكشاف وغيره\".\n(^٥) في (م): \"مقابل\".","vol":"2","page":98},{"text":"﴿كَبِيرٌ﴾ من حيث إنه يؤدِّي إلى الانتكاب عن المأمور وارتكابِ المحظور.\n﴿وَمَنَافِعُ﴾ من الطرب والالْتِذاذ وكسبِ المال ومُصادقة الفتيان، وفي الخمر خصوصًا (^١) تشجيعُ الجبان، وتوفيرُ المروءة، وتقوية الطبيعة.\n﴿لِلنَّاسِ﴾ في عبارة اسم الجنس إشارةٌ إلى عموم المنافع لِمَا تحته من الأصناف والأفراد، وفيه وفي جمع المنفعة تمهيدٌ لتعظيم الإثم فيهما؛ ضرورةَ أن تعظيم المفضَّل عليه يَستلزِم تعظيمَ المفضَّل.\n﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ يعني: أن الإثم المترتِّب على المفاسد التي تنشأ من كلٍّ منهما أعظم من المنافع المتوقَّعة منه، قال الحسن: هذه الآية تدل على تحريم الخمر؛ لأنَّه ذكر أنَّ فيها (^٢) إثمًا، وقد حرم الله تعالى الإثم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] على أنه قد وصف ما فيها من الإثم بالكبير، والكبيرُ منه حرامٌ بلا خلافٍ.\nوقوله حَسَنٌ ها ن كان مخالفًا لِمَا رُوي فيما سبق.\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ قد مر أن سائله أيضًا عمرو بن الجموح.\n﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ نقيضُ الجهد، وهو القصدُ في الإنفاق بحيث لا يبلغُ الجهدَ واستفراغَ الوُسع.\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: مثلَ ما بيَّن من (^٣) الأحكام، والكافُ في موضع النصب صفةً لمصدرٍ محذوف، وتوحيد العلامة على تأويل القبيل (^٤).\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"خصوصيات\".\n(^٢) في (ك): \"فيهما\".\n(^٣) في (ف): \"في \".\n(^٤) يعني: كان مقتضى الظاهر أن يقال: كذلكم، على طبق ﴿لَكُمُ﴾، لكنه وحَّد بتأويل نحو القبيلة أو الجمع، مما هو مفرد اللفظ جمعُ المعنى؛ رومًا للتخفيف لكثرة لحوق علامة الخطاب باسم=","vol":"2","page":99},{"text":"<span id=\"aya-227\"> </span>(٢٢٠) - ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يتعلق بـ ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لعلكم تتفكرون في أمر الدارين وما هو أصلحُ لكم فيهما، فتختارونه وتتجنَّبون عما يضرُّكم ولا ينفعُكم، أو يضرّكم أكثر.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الحالُ تشهدُ بأن السؤال ليس عن أعيانهم، بل عن كفالتهم ومخالَطتهم، والإفصاحُ بأمثال هذه تجافٍ (^١) عن طريق البلاغة؛ لأنَّه لا يخلو عن غباوةٍ للمتكلِّم أو تغبيَةٍ للمخاطَب وسوءِ أدبٍ، وكلامُ الله تعالى مبرَّأٌ عن كلِّ هُجنةٍ.\nرُوي أنه لمَّا نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] تجافَوا عن اليتامى وتركوا مخالطتهم والقيامَ بمصالحهم وأموالهم والاهتمامَ بأحوالهم، فشَقَّ ذلك عليهم وكاد يُوْقعُهم في الحرج، فذُكر لرسول الله ﷺ فنزلت (^٢).\nوعلى هذا لا سؤالَ في سبب النزول، فالوجه ما قاله مقاتل: من أن المسلمين لمَّا أشفقوا من مخالطة اليتامى، فعزلوا بيت اليتيم وطعامَه، شق عليهم فقال ثابت بن رِفاعةَ للنبيِّ ﵇: قد أنزل الله في اليتيم ما أَنزل فعزلناهم والذي لهم واعتزلنا والذي لنا، فشَقَّ علينا وعليهم وليس كلُّنا يجد سَعةً، فهل يَصْلُحُ لنا مخالطتُهم فيكونَ البيتُ والطعامُ واحدًا لا نرزؤهم شيئًا إلا أن نعود (^٣) عليهم بأفضل منه؟ فنزل قوله تعالى:\n_________\n= الإشارة. انظر: \"روح المعاني\" (٣/ ٢٥٤).\n(^١) في (د): \"تخاف \"، وفي (ح) و(ف) و(ك): \"تخالف\"، والمثبت من (م).\n(^٢) رواه أبو داود (٢٨٧١)، والنسائي (٣٦٦٩)، من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٣) في (ح) و(د) و(م): \"يعود\".","vol":"2","page":100},{"text":"﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير من مجانبتهم (^١).\n﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ حثٌّ على المخالطة، أي: إنهم إخوانكم في الدِّين، وحقُّ الأخ أن يخالط أخاه.\nوالخلط: الجمع بين أجزاء شيئين سواءٌ كانا مائعَين أو غيرَ مائعين، فهو أخصُّ من المزج.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ واللهُ يَميزُ المخالط بالإفساد من المخالط (^٢) بالإصلاح، ولا يخفى عليه، فيجازي بحسَبه، فلا تقصدوا في مخالطتهم إلا الإصلاح.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إعناتكم.\n﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحمَلكم على العنَت (^٣) وهو المشقَّةُ، ومنَعكم عن المخالطة فوقعتُم في الحرج.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ يَقدر على الإعنات.\n﴿حَكِيمٌ﴾ لا يكلِّف إلا ما يَسَعُ طاقتهم ويُصلح حالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-228\"> </span>(٢٢١) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير مقاتل بن سليمان\" (١/ ١٨٩).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"المخالطة\" في الموضعين.\n(^٣) في (م): \"التعنت\".","vol":"2","page":101},{"text":"﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾؛ أي: ولا تتَزوَّجوهن (^١)، وقرئ بالضم (^٢)؛ أي: ولا تزوِّجوهن من المسلمين.\nالمشركاتُ والمشركةُ تعمُّ الكتابية؛ لقو له تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣١] ولكن خُصَّت عنها الكتابياتُ الذِّمِّيات بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وبقيت الحربيات في عموم هذه الآية.\nرُوي أنه ﵇ بعث مَرثدَ الغَنَويَّ إلى مكة ليخرج منها أناسًا من المسلمين، فأتته عَنَاق وكان يهواها في الجاهلية فقالت: ألا تخلو (^٣)؟ فقال: إن الإسلام حالَ بيننا، فقالت: هل لك أن تتزوَّج بي؟ فقال: نعم، ولكن أستأمرُ رسول الله ﷺ، فاستأمره ﵇ فنزلت:\n﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ (^٤) يعني: أن المؤمن ولو كان معه خساسةُ الرِّقِّ خيرٌ من الكافر ولو كان معه شرفُ الحرية، فإن شرفها لا يُجدي نفعًا مع الكفر، ودناءةَ الرق لا تَضرُّ مع شرف الإيمان.\n_________\n(^١) في (د): \" تتزوجوهن\".\n(^٢) نسبت للأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٣).\n(^٣) في (ك): \"نخلو\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٦٤) وعنه نقل المؤلف، و\"أسباب النزول \" للواحدي (ص: ٧٣) وذكره من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك، وأبو صالح باذام ضعيف يرسل، ولم يسمع من ابن عباس، فالخبر واه، ونزول الآية في هذه القصة ليس بصحيح كما ذكر الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٨)، وإنما الآية التي نزلت فيها هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] كما في \"سنن أبي داود\" (٢٠٥١)، و\"سنن الترمذي\" (٣١٧٧).","vol":"2","page":102},{"text":"﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ جملة اعتراضية، وجواب (لو) محذوف لدلالة ما قبلها عليه، وكذا ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾؛ أي: ولو أحببتُموها وأعجبكم حسنُها كانت المؤمنة مع ذلك خيرًا لكم.\n﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾: ولا تُزوّجوهم المؤمنات، وهو على عمومه.\n﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ وُضع اللازم مقام الملزوم في الموضعين للتنفير والترغيب، فقال:\n﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المشركون والمشركاتُ.\n﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: الشرك المستلزِم لدخول النار، فحقُّهم أن لا يُوالَوا ولا يُصاهَروا.\n﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ﴾؛ أي: الإيمان المستلزم (^١) لدخول الجنة، وأُورد (اللهُ) مكان: المؤمنين؛ لاختصاصهم به وتعظيمِهم؛ حثًّا على مصاهرتهم وموالاتهم وإيثارهم على غيرهم.\n﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره وتوفيقه لِمَا يُستَحَقُّ به الجنة والمغفرةُ من الإيمان والعمل الصالح.\n﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: لكي يتذكَّروا، أو: يكونوا بحيث يُرجى منهم التذكُّر لِمَا رُكز في العقول السليمة من الميل إلى نيل الخير والاجتنابِ عن مظانِّ المضارّ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ف) \"الملزوم\"، وفي (ك): (الملزم).","vol":"2","page":103},{"text":"<span id=\"aya-229\"> </span>(٢٢٢) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ المحيض مصدر، يقال: حاضت محيضًا (^١)، كما يقال: جاء مجيئًا.\nرُوي: أن أهل الجاهلية كانوا لم يساكنوا الحيَّضَ ولم يؤاكلوها كفعل اليهود والمجوس، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدَّحْداح في نفر من الصحابة ﵃ عن ذلك فنزلت (^٢).\nولعله سبحانه إنما ذكر (يسألونك) في المواضع الثلاثة بغيرِ واوٍ وفي المواضع الثلاثة بعدها مع الواو؛ لأن الأُوَلَ ليسق بمظنَّةٍ للواو، وكانت الأسئلة عن الحوادث الأُوَل في أحوالٍ متفرقةٍ كلُّ واحد منها سؤال مبتدأ، والأسئلة عن الحوادث الأُخَر مع ثالثة (^٣) الأُول كانت في وقتٍ واحد، وليس مبنَى هذا على أن الواو حرفُ الجمع؛ لأن الجمع الذي هو مدلولُ الواو أعمُّ من المعية، بل على أن في ترك الواو دلالةً على الاستقلال، وفي ذكرها دلالةً على خلافه.\n﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ لمَّا كان الموضعُ موضعَ الكناية والمجاز - لكون التصريح والحقيقةِ لا تخلو عن سوء أدبٍ - سلك طريقة التعريض والتشبيهِ بأحسنِ الوجوه، فكَنَى عن المحيض المستقذَر الذي يَنفر منه (^٤) الطبع بالأذى، وهو اسمٌ لِمَا يَنال منه النفسَ مكروهٌ، وعن اجتناب المجامعة بقوله:\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"حاضت حيضًا\"، وكلاهما صواب. انظر: \"البحر المحيط\" (٤/ ١٣٤).\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٢/ ١٥٦)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٦٥). وأبو الدحداح اسمه: ثابت بن الدحداح، قيل: استشهد في أحد، وقيل: مات على فراشه مرجع رسول الله ﷺ من الحديبية.\n(^٣) في (ح) و(ف) و(م): \" ثلاثة\"، وفي (ك): \"الثلاثة\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"عنه\".","vol":"2","page":104},{"text":"﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ واصل الاعتزال: العدولُ عن الشيء، ولمَّا كان الإنسان قد يتحمَّل الأذى ولا يراه محرَّمًا، صرَّح بالحكم ولم يكتفِ بذكر العلة، وإنما أكَّد بصيغتي نهي وأمر مبالغةً في المنع؛ لِمَا أن الزوجين يجتمعان غالبًا ومعهما داعيان إليه ظاهرًا، والدليل على أن المراد الاجتناب عن مجامعتهن قوله ﵇: \"إنما أمركم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهنَّ من البيوت كفعل الأعاجم \" (^١)، وهو الاقتصادُ بين إفراط اليهود، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعونهنَّ ولا يبالون بالحيض.\n﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بيان لغايته؛ أي: يخرجن من الحيض بانقطاع الدم، وإذا كان أيامُها عشرةً فكما (^٢) انقطع حلَّ وطؤها (^٣)، وإذا كانت دون ذلك وانقطع واغتسلت فكذلك، وإذا لم تغتسل ومضى عليها وقتُ صلاةٍ (^٤) فكذلك، خلافًا لزُفرَ والشافعيِّ فإنهما قالا: لا يحلُّ بحالٍ قبل الاغتسال، واحتجَّا بقراءة التشديد (^٥)؛ فإن التطهُّر (^٦) الاغتسالُ، ونحن نعمل بالقراءتين في حالين، وفيه نظر؛ لأن شرط العمل بالمفهوم أن لا يكون مخالفًا للمنطوق، ومفهومُ قراءة التخفيف مخالفٌ لمنطوق قراءة التشديد.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٦٥). وقال الحافظ في \"الكاف الشاف \" (ص: ١٨): لم أجده.\n(^٢) في (د): \"فيما\".\n(^٣) في النسخ: \" وطئها\"، والصواب المثبت.\n(^٤) كلمة: \"صلاة\" ليست في (ف) و(م).\n(^٥) أي: (يَطَّهَّرن)، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٠).\n(^٦) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"التطهير\"، والمثبت من (د)، وهو الصواب؛ لأن التطهير مصدر: طهَّر، والقراءة بالتشديد من: تطهَّر، الذي مصدره: التطهُّر، ومضارعه: يتطهر، فأدغمت التاء في الطاء فصار: يطَّهَّر.","vol":"2","page":105},{"text":"ونحن نقول: ليس العمل بقراءة التخفيف بطريق المفهوم، بل بطريق المنطوق؛ فإن الدلالة على انتهاء الحكم عند الغاية بحسب الوضع (^١).\nثم إن قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ ظاهر في تأخير جواز الإتيان عن الغسل.\n﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: المأتَى الذي أمركم به وحلَّله لكم وهو القُبل، وإنما زيدَ هذا وكان الكلام تامًا بدونه؛ للنهي بطريق المفهوم عن إتيانهنَّ في الدبر، فإن الله تعالى حرَّم الإتيان في أيام الحيض للأذى، فيحرم إتيان الدبر في الأحوال كلِّها؛ لِمَا فيه من الأذى، ومن هنا ظهر وجه تصدير الكلام المذكور بالفاء التفريعيَّة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ مما عسى يَندُر منهم من ارتكاب ما نُهوا عنه ومن سائر الذنوب.\n﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار؛ كمجامَعة الحائض والإتيانِ في غير المأتَى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-230\"> </span>(٢٢٣) - ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أن الغرض الأصليَّ (^٢) من الإتيان المأمور به طلبُ النسل لا مجرَّدُ قضاء الشهوة، وإلى وجه النهي الذي قُصد بطريق المفهوم،\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"وهذا مما ذهب على أئمة الأصول. منه \". وعُكس المعنى في هامش (م)، حيث جاء فيه: \"وهذا إنما ذهب إليه أئمة الأصول. منه\".\n(^٢) في (د): \"الأصيل\".","vol":"2","page":106},{"text":"شبَّههن (^١) بالمحارث تشبيهًا لإلقاء النُّطف في الأرحام للنسل بإلقاء البذر (^٢) في الأرض للزرع، ولمَّا كان التشبيه المذكور مترتَبًا على هذا التمثيلِ المتروك ترتُّبَ اللازم على الملزوم، لم يبعد أن يسمَّى تمثيلًا على سبيل الكناية، والقومُ قد غفلوا عن هذا النوع من التمثيل.\n﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ كما يأتي الحراثون مَحارثهم من أيةِ جهةٍ شاؤوا بعد مراعاةِ موضع الحرث، عبّر به عن وجوه الإتيان المختلفةِ مع اتحاد المائى (^٣) تمثيلًا لحالهم بحالهم.\nرُوي: أن اليهود كانوا يقولون: مَن جامَعَ امرأته وهي مُجئيةٌ (^٤) من دبرها في قبلها كان ولدها أحولَ، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"كذبت اليهود\" فنزلت (^٥).\n﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الخيرَ والذُّخر بطاعة الله (^٦) تعالى فيما أَمر به ونَهى عنه في هذه الآية.\nوقيل: النيَّةَ الخالصةَ؛ أي: لا تقتصِروا (^٧) على قضاء الشهوة، ولكنِ اقصِدوا التعفُّف والولد.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"شبهن\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"البذور\".\n(^٣) المائق بالفتح: محل الإتيان، وهو القبل. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٣٠٨).\n(^٤) المجبية بميمٍ مضمومة، ثم جيمٍ مفتوحة، ثم باءٍ موحدة مشددةٍ مكسورة، ثم ياءٍ مثناة من تحت؛ أي: مكبوبة على وجهها. انظر: \"شرح مسلم \" للنووي (٦/ ١٠).\n(^٥) رواه البخاري (٤٥٢٨)، ومسلم (١٤٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٩٢٤)، من حديث جابر ﵁. وليس في رواية الصحيحين: (كذبت اليهود).\n(^٦) في (ف): \"بطاعته\".\n(^٧) في (ف): \"تقصروا\".","vol":"2","page":107},{"text":"﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بالاجتناب عن المعاصي.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ فلا تجترئوا عليه بمخالفته، وتزوَّدوا بما لا تَفتَضِحون به.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المستوجِبينَ للمدح والكرامة بترك القبائح والفواحش.\n* * *\n\n<span id=\"aya-231\"> </span>(٢٢٤) - ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ العُرضة فُعْلةٌ بمعنى المفعول كالغُرْفة (^١)، تُطلق لِمَا يَعرِضُ دون الشيء.\n﴿لِأَيْمَانِكُمْ﴾ يتعلق بـ ﴿عُرْضَةً﴾؛ أي: حاجزًا لأيمانكم؛ إذ في العُرضة معنى الاعتراضِ والمنع. أو بالفعل؛ أي: لا تجعلوا لأيمانكم حاجزًا (^٢).\n﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (أيمانِكم) أي: للأمور المقسَم عليها التي هي البرُّ والتقوى والإصلاحُ بين الناس، ويجوز أن يكون اللام\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (كالفرقة)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٢٦٧).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٦٧)، ولفظه: (لا تجعلوا الله لأيمانكم برزخًا وحجازًا). قال الشهاب في \"حاشيته على البيضاوي\" (٢/ ٣٠٩): (وجوز الزمخشريُّ تعلقه بالفعل، والمصنف ﵀ (يعني: البيضاوي) تركه، فقيل: لا وجه لتركه، ولعل وجهه (أي: وجهَ تركه) أن جعَل يتعدى لمفعولين بنفسه، وقد يتعدى لواحد بنفسه وللثاني باللام نحو: جعلت المال لزيد، وأما تعديه للثالث به (أي: باللام) فلم يعهد، وقيل: إن وجه الاقتصار أنه يظهر من المذكور بطريقِ الأَولى، وفيه ما فيه).","vol":"2","page":108},{"text":"للتعليل و﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ وما عطفٌ عليه متعلقًا بالفعل، أي: ولا تجعلوا الله عرضةً لأنْ تبرُّوا لأَجْل أيمانكم به، أو بـ ﴿عُرْضَةً﴾، أي: ولا تجعلوه مُعرَّضًا لأيمانكم فتبتذِلوه بكثرة الحَلِف، ولذلك ذَمَّ الحلَّاف بقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠]، و﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ علة للنهي؛ أي: أنهاكم عنه إرادةَ بِرِّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، فإن الحلَّاف مجترئٌ على الله، والمجترئُ عليه (^١) لا يكون بَرًّا متَّقيًا ولا موثوقًا به في إصلاح البين.\nنزلت في الصِّدِّيق ﵁ لمَّا حلف أنْ لا ينفق على مِسْطَحٍ لافترائه على عائشة ﵂ (^٢).\nوقيل: في عبد الله بن رواحة حين حلف أن لا يكلِّم خَتَنَه بشيرَ بنَ النعمان، ولا يُصلحَ بينه وبين أخته (^٣).\n﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لأيمانكم.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكم فيجازيكم بحسَبها (^٤)، وهو وعيدٌ على كثرة الحلِف، وعلى جعله مانعًا لشيء من أنواع البِرِّ والتقوى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-232\"> </span>(٢٢٥) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اللغو: الشيءُ الساقط الذي لا يُعتدُّ به من كلامٍ\n_________\n(^١) في (د): \"والمجترئ قلبه \".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٠) عن ابن جريج.\n(^٣) انظر: \"زاد المسير\" (١/ ١٩٤) عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٢/ ١٦٣) عن الكلبي.\n(^٤) في (م) و(ف): \"بجنبها\".","vol":"2","page":109},{"text":"وغيره، فاللغو من اليمين: هو الذي لا عَقْدَ له كما سبق به اللسان أو تكلَّم به جاهلًا بمعناه؛ كقول العرب وغيرهم في أثناء الكلام للتأكيد: لا والله، وبلَى والله، ولا يخطر ببالهم الحلفُ بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].\n﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو قصدُ القلب لعقدِ اليمين، والمعنى: لا يؤاخذكم الله بعقوبةٍ ولا كفَّارة بما لا قصد معه، ولكن يؤاخذكم بواحدٍ منهما بما قصدْتُم من الأيمان.\nوقال أبو حنيفة: اللغو أن يحلفَ الرجل بناءً على ظنِّه الكاذب، والمعنى: لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمَّدْتم الكذب فيها، ولا يساعدُه ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\n﴿وَاللَّهُ غَفُور﴾ حيث لم يؤاخذ (^١) باللغو.\n﴿حَلِيمٌ﴾ حيث لم يعجِّل بالمؤاخَذة على يمينِ الجِدِّ تربُّصًا للتوبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-233\"> </span>(٢٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾؛ أي: يحلفون على أن لا يجامعوهنَّ، والإيلاء: الحلِفُ، وتعديته بـ (على)، إلا أنه ضمِّن في هذا القسَم معنى الامتناع فعدِّي بـ ﴿مِنْ﴾؛ أي: يمتنعون (^٢) من نسائهم مُقْسِمين.\nويجوز أن يكون المقسَم عليه محذوفًا والمراد: لهم من نسائهم ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾؛ كقولك: لي منك كذا.\n_________\n(^١) في (م): \"يؤاخذكم\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"يمنعون\".","vol":"2","page":110},{"text":"والتربُّص: الانتظار والتوقُّف، أُضيف إلى الظرف على الاتِّساع؛ أي: للمؤلى التلبُّثُ في هذه المدة فلا يلزمه شيء فيها، وهذا لا ينافي وقوع (^١) الطلاق البائنِ عند مضيِّها كما قال أبو حنيفة، ولا يقتضي أن تكون مدة الإيلاء أكثر مما ذكر كما (^٢) قاله الشافعي، ولا دلالة في الفاء في قوله:\n﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ على ذلك؛ لأنها للتعقيب، فإنَّ التفصيل بالفَيئة - وإن كانت قبل مُضيِّ المدة أو وقوعِ الطلاق - يَعْقُب المفصَّل.\nوالفيء: الرجوع، أي: إن رجعوا عن هذا الإضرار بترك القُرْبان بأنْ تقرَّبوا في المدة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ يَغفر للمُؤلين ما أرادوا به إضرار النساء؛ لأَجْل الفَيئة التي بمثابةِ التوبة.\n﴿رَحِيمٌ﴾ حيث أجاز لهم الحِنْثَ، وقَبِل منهم الكفَّارةَ، ورَفع عنهم الذَّنب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-234\"> </span>(٢٢٧) - ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ العزم هو العقدُ على الإمضاء.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ بما جرى بينكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قصدْتُموه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-235\"> </span>(٢٢٨) - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في (د): \"بوقوع\".\n(^٢) في (م): \"كذا\".","vol":"2","page":111},{"text":"﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ يعني: اللاتي من ذوات الأقراء بقرينةِ الخبرِ، عامٌّ مخصَّصٌ بالمدخول بهنَّ من الحرائر بالنصوص الدالَّةِ على اختصاص الحُكم الآتي ذكرُه بهنّ (^١).\n﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ إخبار في معنى الأمر، وإنما عُدل عن الظاهر للتأكيد وإظهارِ الاعتناء بالمبادَرة إلى الامتثال والمسارَعة (^٢) كأنهن امتثلْنَه، وأُخبر عنه موجودًا كما يقال في الدعاء: رحمك الله، شغفًا بالإجابة وثقةً بها، كأن الرحمة وقعت فأُخبر عنها، وبناؤها على المبتدأ زاده فَضْلَ تأكيدٍ لم يكن لو قيل: يتربصن المطلقات.\nوفي قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ زيادةُ تحريضٍ وبعثٍ وتهييجٍ لهن على التربُّص وقمعِ الأنفُس، وذلك أن أنفُس النساء طوامحُ إلى الرجال، فإذا أُمرن أن يقمَعْنَها وَيغْلِبْنها على الطموح يَستنكِفْن فتحملُهنَّ حميّتهن على التربُّص بها.\n﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ انتَصب على أنه مفعولٌ به، كقولك: المحتكر يتربَّص الغلاءَ، أي: يتربَّصنَ مُضيَّ ثلاثةِ قروءٍ. أو على أنه ظرفٌ، أي: يتربَّصن مدةَ ثلاثةِ قروء.\nوالقروء: جمع القرء بالضم والفتح، وهو لفظٌ مشترَكٌ بين الحيض والطُّهر بإجماعِ أهل اللغة، وقد ورد الشرعُ في كلِّ واحدٍ منهما:\nقال ﵇ لامرأة: \"دَعِي الصلاة يوم قرئك\" (^٣) \" أي: حيضك.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ومن وَهَم أنه مطلق فقد وهم. منه\".\n(^٢) \"والمسارعة\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) رواه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٤٧٧) بلفظ: \"اجلسي أيام أقرائك\"، هذا أقرب الألفاظ المسندة إليه، وله روايات في الصحيحين والسنن بغير هذا اللفظ.","vol":"2","page":112},{"text":"وقال لعبد الله بن عمر ﵄: \"إن من السُّنَّة أن تطلِّقها في كلِّ قرءٍ تطليقة\" (^١)؛ أي: في كلِّ طُهرٍ.\nوقال أبو حنيفة: إن المراد من القرء هنا الحيض.\nوقال الشافعي: المراد الطهر.\nوقوله ﵇: \"طلاقُ الأَمَة تطليقتان وعِدَّتُها حيضتان\" (^٢) صريحٌ في الأول.\nوإنما جاء المميِّز على جمع الكثرة دون القلَّة التي هي الأقراءُ اعتبارًا لِمَا في (المطلَّقات) من معنى العموم، فإن المعنى: ليتربصْ كلُّ واحدة من المطلَّقات ثلاثةَ قروء، فلمَّا أُسند إلى جماعتهن والواجبُ على كلِّ واحدة منهنَّ ثلاثةٌ (^٣)، أُتي بلفظ القرء ليدلَّ على الكثرة المرادة، وإمَّا الأنفُس فكأنَّ النكتة في تقليلها الإيماءُ إلى أن التطليق ينبغي أن يكون قليلَ الوقوع من الرجال.\n﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ من الولد بأن (^٤) يكتُمن حملهنَّ استعجالًا للطلاق مخافةَ أنْ يَنتظِرَ الزوج لطلاقها أن تضع، أو يشفِقَ على الولد فلا يطلِّقَ.\nوقيل: من الحيض، بأن تقول: طهرت، وهي حائضٌ؛ استبطاءً للفراق.\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"مسند الشاميين\" (٢٤٥٥).\n(^٢) رواه أبو داود (٢١٨٩)، والترمذي (١١٨٢)، وابن ماجه (٢٠٨٠)، من حديث عائشة ﵂. قال أبو داود: حديث مجهول. وقال الترمذي: غريب، وأشار إلى جهالة أحد رجاله.\n(^٣) في (م) زيادة: \"قروء\".\n(^٤) في (ح) و(د): \" الولد أن\". وفي (ف) و(ك): \"الولدان\".","vol":"2","page":113},{"text":"ويجوز أن يكون الكتمان كنايةً عن إرادتهن إسقاطَ ما في أرحامهنَّ من الأجنة، فلا يعترفنَ بهنَّ، وفيه دليل على أن قولها مقبولٌ في ذلك.\n﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تعظيم لفعلهن وإثمهن؛ أي: لا يفعل ذلك مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يَجترِئُ على مِثْل هذه العظائم. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾، أي: أزواجُ المطلَّقات، والبعولُ: جمع بعلٍ، والتاءُ لاحقةٌ لتأنيثِ الجمع، وإنما سُمي زوج المرأة بعلًا لأنَّه سيِّدُها ومالكُها، ذكره الأزهريُّ (^١)، ومن هنا تبيَّن وجهُ التعبير عنه بالبعل فإن الحكم الآتيَ ذكرُه مخصوصٌ بصورة الطلاق الرجعيِّ الذي لا يزولُ به مِلكُ النكاح، وفي عبارة البعل إشارة إليه.\n﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾؛ أي: برجعتهنَّ، ومعنى ﴿أَحَقُّ﴾: أنَّ الرجل إذا أراد الرجعةَ وأَبَتْها المرأة فهو أحقُّ بقبولِ قوله، لا أن لها حقًّا في الرجعة.\n﴿فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في زمان التربُّص.\n﴿إِنْ أَرَادُوا﴾؛ أي: بالرَّجعة.\n﴿إِصْلَاحًا﴾ بينهم وبينهنَّ لا ضِرارًا، والمراد: التحريضُ عليه (^٢)، والمنعُ من قَصْد الإضرار، لا بيانُ اشتراطِ صحة الرجعة بقصدِ الإصلاح.\n﴿وَلَهُنَّ﴾ من الحقوق على الرجال ﴿مِثْلُ الَّذِي﴾ للرجال ﴿عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالوجه الذي لا يُنكر في الشرع والعادةِ الجميلة، أي: لا يكلِّف أحد الزوجين صاحبَه ما لا يُستحسن في الشرع ولا يعنِّف به، ولكنْ يسامحُه ويسهِّل.\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (٢/ ٢٥١).\n(^٢) في (م) زيادة: \"في الرجعة\".","vol":"2","page":114},{"text":"والمراد بالمماثلة: مماثلةُ الواجب بالواجب والمستحبِّ بالمستحبِّ، لا الاتِّحادُ في الجنس (^١).\n﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الدرجة نحو المنزلة، لكن تقال إذا اعتُبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السلم، ويعبَّر بها عن المنزلة الرفيعة؛ أي: زيادةُ فضيلةٍ بقيامهم عليهنَّ وإنفاقهم في مصالحهنَّ بعدما تَساويًا في نَيل اللَّذة.\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ على الانتقام بمن (^٢) خالَفَ الأحكام.\n﴿حَكِيمٌ﴾ شَرَعها لحِكَمٍ ومصالح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-236\"> </span>(٢٢٩) - ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، يعني: التطليق الشرعيُّ كرَّتان على التفريق تطليقةٌ بعد تطليقةٍ يعقُبها رجعةٌ، لا تطليقتان على التَّثنية والإرسالِ دفعةً واحدةً، ولا التطليقُ البائنُ واحدًا كان أو اثنين؛ لقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾؛ أي: فأمرُ الزوج بعدهما إمساك، أو (^٣) فعليه إمساكٌ، ولا يَخْفَى ما في عبارة الإمساك من الدلالة على استدامة المِلك، وهي لا تبقى بعد البائن.\n﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بحُسْنِ عِشرةٍ، وما يُعرف شرعًا من القيام بمَواجبها.\n_________\n(^١) في (د): \" والمراد بالمماثلة: الجوابُ بالجواب، والمستحبُّ بالمستوجب، لا الاتحاد والجنس\".\n(^٢) في (ف): \"بما\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"أي\".","vol":"2","page":115},{"text":"﴿أَوْ تَسْرِيحٌ﴾ بأنْ لا يراجعَها حتى تَبينَ بالعِدَّة.\n﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بأنْ لا يراجعَها مراجعةً يريد بها الضِّرارَ وتطويلَ العِدَّة عليها.\nوقيل: التسريحُ أن يطلِّقها الثالثةَ في الطُّهر الثالث، وروي: أن سائلًا سأل رسول الله ﷺ: أين الثالث؟ فقال ﵇: \" ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ \" (^١).\nوظاهرُ الآية حجةٌ على الشافعيِّ في قوله: لا بأس بإرسالِ الثلاث. ولا متمسَّك له في حديث العَجْلاني الذي لاعَنَ امرأته، فطلَّقها ثلاثًا بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكِرْ عليه (^٢)، لعدم الدليل بتأخّره عن نزول الآية.\n﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيها الأزواج.\n﴿أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ من الصَّداق (^٣).\n﴿شَيْئًا﴾ قليلًا.\n﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾: إلا أن يخافَ الزوجان، استثناءٌ مفرَّغٌ، و﴿أَنْ يَخَافَا﴾ نصبٌ على الظرف، أو مفعولٌ له، الْتفاتٌ كأنهم إذا رضوا بالخلع وهمُّوا بالأخذ وقعوا في حدِّ البُعد ولم (^٤) يَستأهلوا للخطاب، لعدم إنصافهم وعدالتهم، واحتياجهم إلى الأئمَّة والحكَّام، فخوطبوا بما يأتي.\nويجوز أن يكون الخطاب الأولُ أيضًا للحكام وإنْ لم يكن الأخذُ والإيتاء منهم؛ لأنهم الآمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافُع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون.\n_________\n(^١) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٢٢٠) عن أبي رزين الأسدي.\n(^٢) رواه البخاري (٥٢٥٩)، ومسلم (١٤٩٢)، من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁.\n(^٣) في (ف): \"الصدقات\".\n(^٤) في (ك): \"وقعوا في حق البعد ولما\".","vol":"2","page":116},{"text":"وقرئ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ على البناء للمفعول (^١) وإبدالِ ﴿أَنْ﴾ بصلته عن الضَّمير بدلَ الاشتمال.\nوقرئ: (يَظُنَّا) (^٢)، ويؤيدُه تفسير الخوف بالظنِّ.\n﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بتركِ إقامة حدود الله فيما يَلزمُهما من مَواجِب الزوجية؛ لمَا يحدُث من نشوز المرأة وسوء خلقها.\n﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أيها الحكام أن لا يقيما حدود الله بتركهما إقامةَ الحدود (^٣) المذكورة.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾؛ أي: لا جناحَ على الزوج فيما أخذ، ولا على المرأة فيما بذَلت وافتَدت به نفسَها، واختَلَعت به من الصداق، أو الزيادةِ عليه على كُرْهٍ.\nرُوي أن جميلة أختَ عبد الله بن أبيٍّ كانت تحت ثابتِ بن قيس، وكانت تُبغضه وهو يحبُّها، فأتت رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أَعيب عليه في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكنِّي أكره الكفر في الإسلام (^٤)، ما (^٥) أطيقُه بغضًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحُهم وجهًا. فنزلت. وكان قد\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٠).\n(^٢) تنسب لأبي ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٤٦)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٧٥).\n(^٣) في (ح) و(ف): (بتركهما إقامة حدود الله)، ووقع بدل هذه الجملة في (د) عبارة: \"فلا جناح\".\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(م): \"أي: كفر الإحسان للأزواج. منه\".\n(^٥) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"وما\"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما \"الكشاف\" (١/ ٢٧٤).","vol":"2","page":117},{"text":"أصدقها حديقةً فاختلعت (^١) منه بها، وهو أول خُلعٍ كان في الإسلام (^٢).\n﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما حُدَّ من الأحكام.\n﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر للتفخيم.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تعقيبٌ للنهي (^٣) بالوعيد مبالغةً في التهديد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-237\"> </span>(٢٣٠) - ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ متعلِّق بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ تفسيرٌ لقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ اعتَرض بينهما ذكرُ الخلع دلالةً على أن الطلاق يقع مجَّانًا تارةً وبعِوَضٍ أخرى.\nوالمعنى: فإن طلقها بعد الثنتين ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾؛ أي (^٤): من بعدِ ذلك التطليق.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): (واختلعت).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٧٤). وروى الخبر الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٣٧ - ١٣٨)، وفيه بعد قولها: (وأقبحهم وجها): قال زوجها: يا رسول الله، إني أعطيتها أفضل مالي! حديقة، فإن ردت على حديقتي! قال: \"ما تقولين؟ \" قالت: نعم، وإن شاء زدته! قال: ففرق بينهما. وصححه الشيخ أحمد شاكر في طبعته (٤/ ٥٥٣)، وانظر كلامه عليه ثمة. لكن كما هو واضح من لفظ الخبر عند الطبري أنه ليس فيه: (فنزلت)، وكذا رواه البخاري (٥٢٧٣ - ٥٢٧٧) مختصرًا بعدة روايات ليس فيه: (فنزلت)، فلعلها من تصرفات الزمخشري، وقد كنت بعد أن كتبت هذا وجدت السيوطي قد قال في \"نواهد الأبكار\" (٢/ ٤٢٩): وليس في شيء من طرق الحديث التصريح بنزول الآية في هذه القصة.\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"فتعقيب النهي\".\n(^٤) \"أي \"من (م).","vol":"2","page":118},{"text":"﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾، أي: تتزوَّجَ ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، والنكاحُ يستندُ إلى كلٍّ منهما كالتزوُّج (^١)، يقال: فلانةُ ناكحٌ في بني فلانٍ.\nوتمسَّك ابن المسيِّب بدلالةِ ﴿حَتَّى﴾ على انتهاء الحرمة بتزوُّجها زوجًا آخر في الاقتصار على العقد في التحليل (^٢).\nفإن قلتَ: أليست الحرمةُ باقية إلى أن يطلِّقها وتنقضيَ عِدَّتُها.\nقلتُ: بل تنتهي تلك الحرمةُ بالعقد، وتَحدث حرمةٌ أخرى هي أثرُه.\nوالجمهور على أنه لا بد من الإصابة؛ لحديث العُسيلة (^٣)؛ ويجوز به انتساخُ حكم الغاية وإن كان ثبوته (^٤) منطوقًا لا مفهومًا؛ لأنَّه حديث مشهورٌ تلقَّته الأمةُ بالقبول.\nومنهم مَن دَقَّق (^٥) وقال: إنَّ شرط الدخول ثابتٌ بنصِّ الكتاب؛ لأن المراد من التزوُّج الإصابةُ على أنها كناية عن حظِّها من الشرط المذكور (^٦)، أو الكلامُ على\n_________\n(^١) في (ف): \"كالزوج\".\n(^٢) انظر: \"الإشراف\" لابن المنذر (٥/ ٢٣٨)، وفيه: وأجمع عامة علماء الأمصار على القول بما ذكرناه (أي: أن المراد هنا بالنكاح الجماع)، إلا ما رويناه عن سعيد بن المسيب … وكان سعيد بن المسيب من بين أهل العلم يقول: إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا لا يريد به إحلالًا، فلا بأس بأن يتزوجها الأول. ولا نعلم أحدًا من أهل العلم قال بقول سعيد هذا إلا الخوارج، والسنةُ مستغنًى بها عن كل قول.\n(^٣) رواه البخاري (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) في (د): \"ثبوتًا\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"وفق\".\n(^٦) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"لا مجال لأن يراد بالتزوج الوطء؛ لأنَّه لا ينسب إلى المرأة نسبة الفعل إلى الفاعل، بخلاف الإصابة، ولا بد من المصير إلى الكناية حتى توجد الدلالة على الشرط المذكور. منه\".","vol":"2","page":119},{"text":"القلب؛ كقوله: أدخلتُ الخاتم في الإصبع، والمعنى: حتى ينكحها زوجٌ آخَرُ، ولا بد من المصير إلى أحدِ هذين الوجهين كيلا يضيعَ قولُه: ﴿زَوْجًا﴾، والحكمةُ في هذا الحُكم الردع عن التسرع إلى الطلاق.\n﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾؛ أي: الزوج الثاني وانقضت العِدَّة، وهذا القيدُ معلوم من موضعٍ آخر، ولهذا لم يذكر، والفاءُ لتفريع صحة المراجعة بعد تطليقه إياها على ما تقدَّم من ثبوت التحليل بالتزويج به.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾؛ أي: يرجعَ كلٌّ من الزوجِ الأول والمرأةِ إلى صاحبه بالمزاوجة.\n﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ حقوقَ المعاشرة وما يجب عليهما من حُسن المصاحَبة.\nومَن فسَّر الظن بالعلم فقد وَهِمَ من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنَّه لا يقال: علمت أن يقوم زيد؛ لأنَّ (أنْ) الناصبةَ للتوقُّع، وهو ينافي العلمَ، وأنَّ المستقبل غيبٌ فلا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا الظن ليس بشرط في صحة النكاح، بل في إباحته ورفعِ الإثم؛ لأن العقد صحيحٌ وإنْ ظنَّا أنْ لا يُقيما حدود الله.\n﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أي: الأحكامُ المذكورة.\n﴿يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يفهمون ويعملون بموجَب العلم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-238\"> </span>(٢٣١) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.","vol":"2","page":120},{"text":"﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أريدَ بالأجل آخرُ المدة، وبالبلوغ مشارفتُه والقربُ منه على الاتِّساع؛ لقوله:\n﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إذ لا إمساك (^١) بعد البلوغ حقيقةً.\n﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لمَّا أُعيد ذكرُ الرَّجعة علِّق التسريح بالمعروف تنبيهًا على أنه إن لم تُراعُوا في تسريحها الإحسانَ فراعُوا فيه المعروف، كما قال بعض الناس لسلطان: إن لم تُحْسِنْ فعدلًا.\nوهذه الآية ظاهرُها إعادةُ حكم ما تقدَّم، إلا أن الأُولى لبيان جواز الرجعة بعد التطليقة والتطليقتين وهذه لبيان جوازها ما دامتْ في العِدَّة.\nوإنما خَصَّ المشارفة بالذكر لأنهم كانوا يطلِّقون المرأة فيتركونها حتى تُشارف انقضاءَ العِدَّة ثم يراجعونها إضرارًا بها، فنهوا عنه بقوله:\n﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ بعد الأمر بضدِّه مبالغةً، ونُصب ﴿ضِرَارًا﴾ على أنه مفعولٌ له، أي: للمُضارَّة، أو حالٌ؛ أي: مُضارِّين.\n﴿لِتَعْتَدُوا﴾: لتظلموهنَّ بتطويل العِدَّة، أو إلجائها إلى الافتداء، واللام متعلِّقة بالضِّرار؛ إذ المرادُ تقييده.\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ بتعريضها لعقاب الله تعالى.\n﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ بالإعراض عنها والتهاوُنِ في العمل بما فيها، من قولهم لمن لم يَجِدَّ في الأمر: إنما أنت هازئٌ، كُني بالنهي عن الهزء عن الأمر بالجدِّ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"الإمساك\"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٧٧) وفيه: لأنَّه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٤٣) وفيه: إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل.","vol":"2","page":121},{"text":"قيل: كان الرجل يطلِّق ويُعتق ويتزوَّج، ويقول: كنتُ لاعبًا، فنزلت (^١). وعن النبي ﷺ: \"ثلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزْلُهنَّ جِدٌّ: الطلاقُ والنكاحُ والرَّجعة\" (^٢).\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام، وبعثةُ محمد ﵇، والمراد من ذكرها: مقابَلتُها بالشكر والقيام بحقَّها، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيا على أنها نعمة جليلة بحيث تذكيرُها كافٍ في إيجاب شكرها والقيامِ بحقها، والمانعُ عنه ليس إلا الغفلةَ عنها.\n﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ النزول على النبي ﵇، إلا أنه لمَّا كان لمصلحتهم نُزِّل منزلةَ النازل عليهم.\n﴿مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾: الكتابُ والسنَّةُ، وقد مروجه مناسَبة الحكمة بالسُّنة، وإنما أفردهما بالذِّكر لشرفهما.\n﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: بما أنزل عليكم.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تُخالفوا أمرَه ونهيه.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وعدٌ ووعيدٌ، وتأكيدٌ (^٣) وتهديا، والعُدول (^٤) عن الضمير إلى الاسم الظاهر للتفخيم.\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي عمر في \"مسنده\" كما في \"المطالب العالية\" (٣٥٢٩) من طريق الحسن عن رجل عن أبي الدرداء.\n(^٢) رواه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، من حديث أبي هريرة ﵁. وضعف إسناده الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ٢٠).\n(^٣) في النسخ عدا (م): \"تأكيد\"، والمثبت من (م).\n(^٤) في (م): \"والظاهر العدول \".","vol":"2","page":122},{"text":"<span id=\"aya-239\"> </span>(٢٣٢) - ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي: انقضت عدَّتُهن، لقوله:\n﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ العَضْل: المنع مع تضييقٍ؛ يقال: عَضَّلتِ الدَّجاجةُ ببيضِها والمرأةُ بولدها.\nوالخطاب لا يجوز أن يكون للأزواج بدلالةِ ما رَوَى البخاري والترمذي وأبو داود: أن الآية نزلت في مَعقِلِ بن يسارٍ، وكانت أخته تحت ابنِ عمٍّ له فطلَّقها طلقةً، فلقَا انقضت عدَّتها خطبها وهي تريد أن ترجع إليه، فقال معقلٌ: لا أُزوِّجُكها أبدًا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعاه النبيُّ ﷺ فتلاها عليه، فقال: سمعًا لربِّي وطاعة (^١)، والحكمُ الوارد في سببٍ لا يصحُّ أن يكون السببُ خارجًا عنه وإنْ أريد معه غيرُه (^٢).\nولا أن يكون للأولياء؛ لِمَا فيه من تنافُر الخطاب من الأزواج قبل تمام الكلام إلى الأولياء، فإن خطاب (إذا طلَّقتم) لا يصلُح للأولياء قطعًا.\nفالوجه أن يكون للناس، ليتناول عَضْلَ الأزواج والأولياء جميعًا، مع السلامة عن المحذور المذكور، والمعنى: لا يوجدْ بينكم (^٣) عضل أيها الناس، ولا يخفى ما\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥١٣٠)، والترمذي (٢٩٨١)، وأبو داود (٢٠٨٧)، من حديث معقل بن يسار ﵁.\n(^٢) في (ك): (معه معين)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٧٩)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٣) في (ف) و(م): \"منكم\".","vol":"2","page":123},{"text":"فيه من تهويلِ أمر العضل بأنَّ من حقِّ الأولياء أنْ لا يَحوموا حوله، وحقِّ الناس كافةً أن ينصروا المظلومَ إذ ذاك.\nولا متمسَّك للشافعي في الآية على أنَّ النكاح لا ينعقد بعبارة النساء؛ إذ لا يلزم من قدرة الأولياء على منعهن أن يكون النكاح بعبارتهم، وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ صريحٌ في أنه ينعقد بعبارتهن (^١).\n﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ﴾: إذا تراضى الخطَّاب والنساء، وهو ظرفٌ لـ (أنْ يَنكِحْنَ) أو لـ (لا تعضُلوهنَّ).\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الجميل في الدين والمروءة، حالٌ عن الضمير المرفوع، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: تراضيًا كائنًا بالمعروف.\n﴿ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى ما مضى ذكرُه، والخِطاب لكلِّ أحدٍ، أو للرسول؛ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمرٌ لا يكاد يتصوَّره كلُّ أحد.\nويجوز أن تكون الكاف لمجرَّد الخطاب والفرقِ بين الحاضر والمنقضي، دون تعيين المخاطَبين.\n﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ لأنَّه المتَّعظ والمنتفع.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العملُ بمقتضَى ما ذكر.\n﴿أَزْكَى﴾: أنفع.\n﴿لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ من دَنَس الآثام.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما فيه من النفع والفلَاح.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"إذ يجوز أن يكون الانعقاد بعبارتهن مشروطًا بإذنهم. منه\".","vol":"2","page":124},{"text":"﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ لقصور عِلمكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-240\"> </span>(٢٣٣) - ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ إخبارٌ في معنى الأمر، للمبالغة في الحثِّ على الإرضاع، فإن الأمر لمَّا كان للاستحباب دون الإيجاب - على ما دلَّ عليه التعليق بالإرادة - احتيج إلى المبالغة فيه، والحملُ على الوجوب والتخصيص بما إذا لم يرتضع الصبيُّ إلا من أمه، أو لم يوجد له ظئرٌ أو عجز الوالد عن الاستئجار، يأباه تعيين المدة والتعليقُ المذكور.\n﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ صفةٌ مؤكِّدة لـ ﴿حَوْلَيْنِ﴾ كما في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] لأنَّه مما يُتسامح فيه، كما في قوله ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].\n﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، أي: ذلك لمن أراد إتمام (^١) الرضاعة، قيل: متعلِّق بـ ﴿يُرْضِعْنَ﴾ فإن الأب يجب عليه الإرضاعُ كالنفقة، والأمُّ ترضع له، وفيه ما مر من أن التعليق بالإرادة لا يناسب الوجوب (^٢)، وقد نبَّه على هذا مَن قال: ودلَّ هذا على\n_________\n(^١) في (ك): (تمام).\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"التعليق بالإرادة ينافي الوجوب ذكره صاحب الهداية في كتاب الأضحية. منه\". وفوقها في (ح): \"تيسير\".","vol":"2","page":125},{"text":"أنَّ النقصان عن ذلك والزيادةَ عليه عند وقوعِ الكفاية بما دونها والحاجةِ إلى الزيادة جائزان، حيث علِّق ذلك بالإرادة.\n﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، أي: الذي حُكم له الولد شرعًا بموجب قوله ﵇: \"الولد للفراش\" (^١) وإن لم يكن والدَه حقيقةً (^٢)، و﴿لَهُ﴾ في محل الرفع على الفاعلية؛ نحو ﴿عَلَيْهِمْ﴾ في: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ومن الفرق (^٣) بين المولود والولد باختصاص الأول بالصغير - على ما ذكره المطرِّزي (^٤) - تَبيَّن لطفُ موقعه.\nثم إن في العبارة المذكورة إشارةً إلى علة بناء الحكم، كما في قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]؛ لأن الذي وُلد له وجَب عليه الرزقُ والكسوة إذا أرضعت ولده كالظئر، بناء على ما تقرر من أن الغُنم بالغُرم، وعلى هذا تكون مُؤنتها على المولى إذا وُلد الولد من جاريته التي تحت نكاح الغير؛ لأنَّه المولودُ له حقيقةً في هذه الصورة، ومن هنا اتَّضح أن المولود له أعمُّ من الوالد، لانتظامه ما لا يكون والدًا من صاحب الفراش والمولى.\n﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ أراد بالرزق: المأكولَ والمشروب، ولهذا ذكر الكسوة بعده.\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، أي: من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ نظرًا إلى الجانبين.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧١٨٢) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) في هامش (د): \"فإن قلت: لم قيل: ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ دون: الوالد؟ قلت: ليعلن أن الوالدات إنما ولدنه لهم؛ لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبوه إليهم لا إلى الأمهات. الكشاف. منه\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"والفرق\".\n(^٤) انظر: \"المغرب\" للمطرزي (ص: ٤٩٥) (مادة: ولد). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"قال الإمام المطرزي في \"المغرب\": يقال للصغير مولود وإن كان الكبير مولودًا أيضًا، لقرب عهده من الولادة، كما يقال: لبنٌ حليبٌ ورُطَبٌ جَنيٌّ، للطريِّ منهما. منه \".","vol":"2","page":126},{"text":"﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الوسع: ما احتَملته (^١) الطاقة؛ أي: لا يُحمَّلُ أحدٌ إلا ما يطيقه، فلا يكلَّف المولودُ له ما لا يُطيق من الأجر، ولا الوالدة ما لا تستطيع من العمل، ولا الرضا بما لا يكفيها من الأجر، وهذه الآية كالتي في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٦ - ٧].\n﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ تفصيلٌ لِمَا تقدم وتقريرٌ له؛ أي: لا يضارَّ واحدٌ منهما الآخرَ بسبب الولد، وإضافة الولد إليها تارةً وإليه أخرى استعطافٌ لهما عليه، وتنبيهٌ على أنه حقيقٌ بأنْ يتَّفقا على استصلاحه والإشفاقِ عليه، فلا ينبغي أن يَضُرَّا به (^٢) أو يَتضارَّا بسببه.\nوقُرئ: ﴿لا تضارَّ﴾ بالرفع على الإخبار (^٣). وَيحتمِل (^٤) البناءَ للفاعل والمفعول، على أن الأصل: تضارِر بكسر الراء وتضارَر بفتحها (^٥).\nوقرئ: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بالفتح على النهي (^٦).\n_________\n(^١) في (د): \"احتملت \".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"يضرانه\".\n(^٣) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بفتح الراء المشددة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٤) أي: يحتمل ذلك على القراءتين: ضم الراء المشددة، وفتحها، كما ذكر البيضاوي في \"تفسيره\" (١/ ١٤٤)، والمؤلف نقل عبارة الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وهي توهم أن الاحتمال المذكور مقصور على القراءة بالضم فقط.\n(^٥) في هامش (د): \"وقرأ الحسن بالكسر على النهي، وهو محتمل للبناءين أيضًا، ويبين ذلك أنه قرئ: (لا تضارَرْ) و: (لا تضارِرْ) بالجزم وفتح الراء الأولى وكسرها، وقرأ أبو جعفر: (لا تضارّ) بالسكون مع التشديد على نية الوقف، وعن الأعرج: (لا تضارْ) بالسكون والتخفيف، وهو من ضاره يَضيره، ونوى الوقف كما نوى أبو جعفر أو اختلس الضمة فظنه الراوي سكونًا. الكشاف. منه \".\n(^٦) هي قراءة باقي السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).","vol":"2","page":127},{"text":"وعلى الوجه الأول (^١) يجوز أن يكون بمعنى: تضرَّ (^٢)، والباء من صِلَته، أي: لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا (^٣) في تعهُّده ويقصِّرا (^٤) فيما ينبغي له.\nوقرئ: (لا تُضارّ) بالسكون مع التشديد على نيَّة الوقف، وبه مع التخفيف على أنه من ضارَه يَضيره (^٥).\n﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ وما بينهما معترِضٌ، والمراد بالوارث: وارثُ المولود له على العموم أو الصبيُّ نفسه، أو وارثُ الصبيِّ على العموم، أو بقيدِ أن يكون ذا رَحِمٍ محرَمٍ من الصبيِّ بحيث لا يجوز بينهما النكاحُ على تقديرِ أن يكون أحدهما ذكرًا والآخرُ أنثى، أو بقيدِ أن يكون أحدَ أصوله من الآباء والأمهات والأجداد والجدات، أو بقيدِ أن يكون من عصّبته.\nوأمَّا جعلُ ﴿الْوَارِثِ﴾ بمعنى: الباقي، وإن كان صحيحًا لغةً فقلقٌ في هذا المقام؛ إذ ليس لقولنا: فالنفقة على الأبِ وعلى مَن بقي مَن الأبِ والأمِّ، معنًى يُعتدُّ به.\nو﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما وجب على المولود له من الرزق والكسوة.\n_________\n(^١) أي: على وجه الكسر في الراء على البناء للفاعل. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٤٤).\n(^٢) بفتح حرف المضارعة من الثلاثي وضمه من الإفعال. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٢/ ٣١٩).\n(^٣) في (ك) و(م): \"فيفرطان \".\n(^٤) في (م): \"ويقصر\"، وفي (ف): \"ويقتصرا \".\n(^٥) في النسخ: \"يضره \"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٨٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٤٤)، و\"البحر\" (٤/ ٢٩٨)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٣٢٠). والقراءتان تنسبان لأبي جعفر أحد القراء العشرة كما في \"المحرر الوجيز\" (١/ ٣١٢)، و\"البحر\" (٤/ ٢٩٨)، والثانية منهما ذكرها عنه ابن الجزري في \"النشر\" (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨).","vol":"2","page":128},{"text":"﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم من تعليق إتمامِ الحولين على الإرادة، وتصريح بالتوسعة بعد التحديد (^١).\nوالفصال: الفطام، سُمي به لأنَّه فصَل بين الغداء والصبيِّ.\n﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾؛ أي: صادرًا عنهما، والتراضي: اجتماعهما على الرضاء، والتشاوُرُ: اجتماعهما في المشورة، وهي استخراجُ صواب الرأي بإشارةِ المستشار، مِن شَوْر العسل وهو اجتِناؤُه، وإنما أَطلقه ليَنتظِم تشاوُرَ أحدهما الآخر وتشاوُرَهما الثالثَ ممَّن له خبرةٌ في تربية الأطفال وتدبيرهم، وإنما اعتَبرهما لأن العظام قبل تمام الحولين مَظِنّة لُحوق الضرر، فلا بد من اتِّفاقهما: أمَّا المولود له فلأنه حقُّه، وأمَّا الأمُّ فلأنها أعلمُ بحاله وتربيته.\nوالدليل على أن المراد الفطامُ قبل التمام قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إذ لا يُتصوَّرُ الجُناح بعد تمام مدة الرضاع.\n﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾؛ أي: المراضعَ ﴿أَوْلَادَكُمْ﴾ يقال: أرضعتِ المرأة الطفلَ واسترضعتُها إياه؛ كقولك: أَنجَحَ الله حاجتي واستَنْجحتُه إياها، فحُذف المفعول الأول استغناءً عنه؛ لعدم القصد إلى خصوص المرضعة.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه، وفيه دلالةٌ على أن للأبِ أن يسترضِعَ الولد ويمنعَ الأم عن الإرضاع.\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف) و(م): \"التوسعة إنما هو في جانب النقصان؛ لما ذكر من قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، وقد فهم ذلك التزامًا من قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فما ذكر هنا تصريح بالتوسعة لا التوسع كما زعمه صاحب الكشاف. منه \".","vol":"2","page":129},{"text":"﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾ إلى المراضع ﴿مَا آتَيْتُمْ﴾: ما التَزمْتُم (^١) إيتاءَه.\nوقرئ: ﴿ما آتيتم﴾ (^٢) مِن أَتَى إليه إحسانًا: إذا فعَله.\nوقرئ: (ما أُوتيتم) (^٣)؛ أي: ما آتاكم الله وأَقْدَرَكم عليه بالمعروف.\nمتعلِّق بـ ﴿سَلَّمْتُمْ﴾؛ أي: سلَّمتم على الوجه الجميل بالطلاقة والبشاشة، من أطيبِ ما يكون من أموالكم، على أحسن ما يكون من وجوه الإعطاء؛ لتكون طيِّبةَ النفس مشفقةً على الرضيع.\nوجواب الشرط محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وليس التسليم شرطًا لجوازِ الاستئجار، بل هو مندوبٌ إليه لتطييب نفس المرضِعة، ولهذا قيِّد بالمعروف.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مبالغةٌ في المحافظة على ما شَرَع في الاسترضاع.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ حثٌّ وتهديد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-241\"> </span>(٢٣٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُقبض أرواحهم بالموت، وأصل التَّوفِّي: إتمامُ القبض، وقرئ: (يَتوفَّوْن) بفتح الياء (^٤) أي: يَستوفُون أعمارَهم، وهو كناية عن الموت (^٥).\n_________\n(^١) في (د): \"ألزمتم \".\n(^٢) هي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٣) رويت عن عاصم، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات \" (ص: ١٥).\n(^٤) رويت عن علي ﵁، وعن عاصم، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥).\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"ذكره أبو حيان. منه \".","vol":"2","page":130},{"text":"﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: يتركون زوجاتٍ، وَيذَرُ مستقبلٌ أُميتَ ماضيهِ ومصدرُه، وكذلك: يَدَع (^١).\n﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾: ينتظِرْنَ بأنفسهنَّ، تقديره؛ يتربَّصْن لوفاتهم (^٢)، دل عليه ﴿يُتَوَفَّوْنَ﴾ وبه يحصل الربطُ بين المبتدأ والخبر.\n﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؛ أي: يعتدِدْن هذه المدَّة، ولا حاجة إلى التأويل في (عشرًا)؛ لِمَا نُقل عن أئمة النحو: أنه إذا كان المعدود مذكَّرًا وحذفْتَه فلك فيه وجهان:\nأحدهما وهو الأصل: أن يبقى العدد على ما كان عليه لو لم تَحذف المعدود، فتقول (^٣): صُمت خمسةً، تريد: خمسةَ أيام.\nوالثاني: أن تحذف منه كلمة التأنيث.\nفقوله: (عشرًا) على أحد الجائزَين، وحسَّنه هنا أنه مقطعُ (^٤) كلامٍ شُبِّه بالفواصل (^٥).\nوإطلاقُ اللفظ يقتضي عدمَ الفرق بين المسلمة والكتابية، والحرة والأَمَة، والحامل وغيرها، إلا أن القياس اقتضى تنصيف المدة للأَمَة، والإجماعَ خصَّ\n_________\n(^١) فيه نظر، ففي \"المغرب\" للمطرزي (مادة: ودع): وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال \"لَيَنتهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ … \"؛ أي: عن تَرْكِهم إيَّاها، قال شِمْر: زَعَمَت النَّحويَّةُ أنَّ العربَ أَماتُوا مصدرَ يَدَعُ، والنَّبِيُّ ﵌ أفصحُ العربِ، وقد رُوِيتْ عنه هذه الكلمةُ.\n(^٢) في (ف): \"وفاتهم\"، وفي (ح): \"وفاتهن\".\n(^٣) في (ف): \"تقول\".\n(^٤) في (د): (منقطع).\n(^٥) انظر: \"البحر\" (٤/ ٣٢١ - ٣٢٢)، وفيه: (شبيه بالفواصل).","vol":"2","page":131},{"text":"الحامل عنه؛ لقوله (^١) تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].\n﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾؛ أي: انقضت عِدَّتُهن، تفريعٌ على التحديد المذكور.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة وجماعةُ المسلمين.\n﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ من التعرُّض (^٢) للخطَّاب.\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الذي لا يُنكَر شرعًا، ودلَّ بالفحوى على أنهنَّ لو فعلنَ ما يُنكرُه الشرعُ كان عليهم أن يكفوهنَّ، وإن فرَّطوا كان عليهم الجناح.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وعيذ لهن في ارتكاب المنكَر، وللأئمَّة في التقصير عن المنع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-242\"> </span>(٢٣٥) - ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ التعريضُ: إيهامُ المقصود بما لم يوضع له حقيقةً ولا مجازًا، وكانه إمالةُ الكلام إلى عُرْضٍ (^٣) يدلُّ على الغَرَض.\n_________\n(^١) في (م): \"بقوله\".\n(^٢) في النسخ: \"التعرض\". والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٢٨٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٤٥).\n(^٣) في النسخ: \"غرض\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٢٨٣)، وللتأكد منه رجعت إلى نسخة نفيسة مضبوطة من \"الكشاف\" فوجدته كما أثبته رسمًا وضبطًا، والحُرْض بالضم له معان منها: الجانب والناحية. انظر: \"القاموس\" (مادة: عرض).","vol":"2","page":132},{"text":"﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ الخطبة بالضم والكسر: اسم الحالة، غير أن المضمومة خُصَّت بالموعظة والمكسورةَ بطلب المرأة.\nوالمراد بالنساء: المعتدَّات، وتعريضُ خُطبتها أن يقال لها: إنك جميلة، أو نافقة، ومن غرضي أن أتزوج، ونحوُ ذلك.\n﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أو أضمرتُم في قلوبكم فلم تذكروه صريحًا ولا تعريضًا.\n﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ أي: ستُظهِرون رغبتكم فيهنَّ لقلَّة صبركم عن النطق به، وفيه طرفٌ من التوبيخ على التَّحرُّز ابتداءً عمَّا أبيح لحكمة (^١).\n﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ مستدرَكٌ عن محذوفٍ دلَّ ﴿سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ عليه؛ أي: فاذكروهنَّ ولكن لا (^٢) تواعدوهنَّ سرًا، والسرُّ كنايةٌ عن النكاح بمعنى الوطء؛ لأنَّه مما يُسَرُّ، ثم عبِّر به عن النكاح بمعنى العقد لأنَّه سببٌ فيه.\n﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ استثناء مفرَّغ، و﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ نصبٌ على المصدر؛ أي: لا تواعدوهنَّ مواعدةً مّا إلا مواعدةً معروفةً وهي بالتعريض؛ أو (^٣): لا تواعدوهنَّ بوجهٍ إلا بأنْ تقولوا قولًا معروفًا غيرَ منكَرٍ في الشرع، ولا يجوز أن يكون استثناءً منقطعًا لفساد المعنى، وهو: واعدوهنَّ التعريضَ، وليس المراد مُواعَدةَ التعريض، بل مواعدةُ النكاح بالتعريض.\n_________\n(^١) في (د): \"الحكمة\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"فاذكروهن ولا \".\n(^٣) في (ف): \"أي\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، وكذا تحرفت (أو) في مطبوع \"الكشاف\" (١/ ٢٨٤) إلى: (أي)، وجاء على الصواب في النسخة الخطية لـ\"الكشاف\"، وكذا في \"البحر\" (٤/ ٣٣١) نقلًا عن الزمخشري، ومثله في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٤٦).","vol":"2","page":133},{"text":"وقيل: لا تواعدوهن في السرِّ؛ لأن مُسارَّتهن في الغالب إنما هي بما يُستحيىَ من المجاهرة به لاستهجانه، إلا وقتَ أن تقولوا قولًا جميلًا غيرَ منكر في الشرع، فعلى هذا ﴿أَن تَقُولُوا﴾ في محل النصب بالظرف، ويكون المفعول محذوفًا؛ أي: لا تواعدوهنَّ النكاح في السر.\n﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾؛ أي: لا تقصدوا عَقدَ عُقدةِ النكاح قصدًا جازمًا لا تردُّدَ معه، نُهي عن العزم ليكون أبلغ في منع الفعل، وتقديرُ المضاف لأن العزم إنما يكون على الفعل كالعقد، لا على نفس العقد (^١).\nوقيل: العزم: القطع، والمعنى: لا تقطعوا عَقْدها؛ أي: لا تُبْرِموه ولا تَلْزَموه، ولا تُقدِموا عليه، فيكون النهيُ عن نفس الفعل لا عن قصده.\n﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: حتى ينتهيَ ما كُتب من العدة.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من العزم على ما لا يَحلُّ شرعًا.\n﴿فَاحْذَرُوهُ﴾؛ أي: فاحذروا مؤاخَذتَه بالمَناهي الصادر عن العزيمة (^٢).\nولمَّا كان السابقُ إلى الفهم مما تقدم المؤاخذةَ بالعزائم على المناهي، دفعَه بقوله:\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن عزم ولم يفعل خشيةً من اللّه تعالى.\n﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُ بالعقوبة، فلا تغترُّوا بعدم المؤاخذة بالعذاب عاجلًا.\n* * *\n_________\n(^١) في (د): \"العقدة\".\n(^٢) في (د): \"عزيمة\".","vol":"2","page":134},{"text":"<span id=\"aya-243\"> </span>(٢٣٦) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا تَبِعةَ عليكم من إيجاب مهرٍ ولُزومه.\n﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المسُّ كناية عن الوطء؛ لأن حقيقة المسِّ لا تُوجب المهر إذا لم توجَدْ خلوةٌ صحيحة.\n﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ إمَّا جزمٌ عطفٌ على ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: أو لم تَفْرِضوا لهنَّ فريضةً، أو نصب (^١) بمعنى: إلا أنْ - أو: إلى أنْ - تفرضوا.\nوفرضُ الفريضة: تعيين المهر، وهي بمعنى: المفروضة (^٢) و﴿فَرِيضَةً﴾ نصبٌ على المفعول به، فَعيلة بمعنى مفعول، والتاءُ للنقل من الوصفية إلى الاسمية، وَيحتمل المصدر (^٣)، وإنما اعتُبر القيدان المذكوران لأنَّه يجب مهرُ المثل في المسِّ وإن لم يُفرض لها شيء، ويجب نصف المسمَّى إذا طلَّقها وإن لم يمسَّها.\n﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عطف على مقدَّر، أي: فطلِّقوهن ومتِّعوهن؛ أي: ملِّكوهن ما يتمتَّعن به، ويُسمَّى (^٤) ذلك متعةً، وأصلُ المتعة والمتاع: ما يُنتفَع به انتفاعًا قليلًا غيرَ باقٍ بل ينقضي عن قريبٍ، وضميرُ النصب عائدٌ على المطلِّقات قبل المسيسِ وقبل الفَرْض.\nوالحكمةُ في أمر المتعة: جبرُ إيحاش الطلاق، وتقديرها مفوَّض إلى رأي الحاكم، ويؤيِّده قوله:\n_________\n(^١) بعدها في (ك): \"على المفعول\".\n(^٢) في (ف): \"المفروض\".\n(^٣) في (د): (المصدور).\n(^٤) في (د): (وسمي).","vol":"2","page":135},{"text":"﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ يقال: أوسع الرجلُ: اتَّسع حالُه فصار ذا سَعةٍ وغنًى، والمقترُ: المُقِلُّ، مِن أَقْترَ: إذا افْتَقَر.\nوقرئ: (قَدرُه) بفتح الدال وبتسكينِها (^١)، وهما المقدار؛ أي: على كلٍّ مِن الذي له سعة ومن الفقير الضيِّق الحال قَدرَ يساره وإعساره؛ أي: ما يُطيقه وَيليق به؛ لأن الحد الذي يُطيقه هو الذي يختصُّ به، ويدلُّ عليه قوله ﵇ لأنصاريٍّ طلَّق امرأته المفوّضة (^٢) قبل أن يمسَّها: \"متِّعها ولو بقَلَنْسوِتكَ، أمَا إنَّها لا تساوي شيئًا، ولكن أحببتُ (^٣) أن أُحييَ السُّنة (^٤).\n﴿مَتَاعًا﴾: تمتيعًا.\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالوجه الذي يَستحسِنُه الشرع والمروءة.\n﴿حَقًّا﴾ صفةٌ لـ ﴿مَتَاعًا﴾ أي: تمتيعًا واجبًا، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: حَقَّ ذلك حقًا.\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بالفتح والباقون بالسكون. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٢) المفوضة بفتح الواو وكسرها، فالكسر على نسبة التفويض للمرأة والكسر على نسبته لوليها. وهي المدخول بها التي لم يسم لها مهر. انظر: \"البحر المحيط\" (٤/ ٣٤٠) مع حواشيه.\n(^٣) في (ك) و(م): \"أحب\"، وفي (ف): (أجبت).\n(^٤) ذكره بهذا اللفظ مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" (١/ ٢٠٠) على أنه سبب نزول الآية ولم يذكر له سندًا. وكذا فعل أكثر المفسرين كالثعلبي والواحدي والبغوي والزمخشري وابن الجوزي والقرطبي وغيرهم، ووقفوا فيه عند قوله: \"بقلنسوتك\". وقال ولي الدين العراقي كما في \"نواهد الأبكار\" (٢/ ٤٣٧): لم أقف عليه. وكذا قال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ٢١): لم أجده. لكنه عزاه في \"العجاب\" (١/ ٥٩٦) لمجاهد نقلًا عن ابن ظفر. وابن ظفر هو محمد بن عبد اللّه بن محمد بن ظفر المكي الصقلي النحوي المالكي، له: \"ينبوع الحياة\" في التفسير، توفي سنة (٥٦٥ هـ). انظر: \"طبقات المفسرين\" للداودي (٢/ ١٦٧).","vol":"2","page":136},{"text":"﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: على الموصوفين (^١) بالإحسان من أصحاب المروءات، أو الذين يُحسِنون إلى المطلَّقات بالتمتيع، وسماهم محسِنين للمشارَفة ترغيبًا وتحريضًا.\nولمَّا أتى بعبارةٍ ظاهرةٍ في الوجوب تأكيدًا في الحثِّ، واهتمامًا في الترغيب، دَفَعَ ذهابَ الوهمِ إلى معنى الإيجاب حقيقةً بعبارةِ ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ بما فيها من الإشارة إلى أنه بطريقِ الإحسان لا بطريقِ الإلزام، ومبنَى هذه الإشارةِ على ما في قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] من التنصيص على عدم الإيجابِ فيما يكون إحسانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-244\"> </span>(٢٣٧) - ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ لمَّا ذكر حكمَ المفوّضة أتبعه حكمَ قَسيمها.\n﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فيه دلالة على أن الجُناح المنفيَّ ثمةَ (^٢) تَبِعةُ المهر، وأنْ لا متعة مع التشطير لأنَّه قَسيمها.\n﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ الاستثناء مفرَّغٌ و﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ نصبٌ على الظرف، أي: فعليكم - أو: فالواجب - نصف ما فرضتُم، لا يحلُّ لكم منعُه أبدًا إلا وقتَ أن يَعْفونَ،\n_________\n(^١) في (ك): \"الموصوف\".\n(^٢) \"ثمة\": ليست في (م).","vol":"2","page":137},{"text":"والنونُ ضمير المطلَّقات في ﴿طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ محلُّها الرفعُ بالفاعلية، والواو لامُ الفعل، وقد يَشتبِه (^١) في اللفظ بفعل جماعة الذكور، يقال: الرجال يَعْفُونَ، والفرق: أن الواو حينئذ ضمير الرجال، والنونَ علامةُ الرفع، والفعلُ على (^٢) الأول مبنيُّ، ولذلك لم يؤثر فيه ﴿أَن﴾، ونُصب المعطوف عليه.\n﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الزوجُ؛ لأن الطلاق بيده، فكان إبقاء العقد بيده، والمراد أن يعطيَها المهر كلَّه، وإطلاقُ العفو عليه بطريقِ المشاكلة.\nوقيل: هو ولي الصغيرة والبكر، والعفو على حقيقته، وهذا لا يصح؛ لأنَّه لا يملك التبرُّع بحقَ الصغيرة ولا بحق الكبيرة بغير رضاها.\n﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ خطابٌ للأزواج، وكذا قوله تعالى:\n﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: فضلَ الرجال على النساء، نَدَبَ الزوجَ إلى إكمال المهر؛ إظهارًا للمروءة واعتبارًا بالفتوَّة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ أي: لا يُضيع تفضُّلكم وإحسانكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-245\"> </span>(٢٣٨) - ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.\n﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ بالأداء لوقتها والمداوَمةِ عليها. والأمرُ بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يُلهيهم الاشتغالُ بشأنهم عنها.\nوَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، أي: المتوسِّطةِ بين الصلوات الخمس: ثنتان يوميتان،\n_________\n(^١) في (د): \"يشبَّه\".\n(^٢) \"على\" ليست في (ف).","vol":"2","page":138},{"text":"وثنتان (^١) ليليتان، وهي صلاةُ العصر؛ لمَا روي أنه ﵇ قال يوم الأحزاب: \"شَغَلونا عن الصلاة الوسطى صلاةِ العصر ملأ اللّه بيوتَهم نارًا\" (^٢)، وإنما أُفردت وعُطفت على الصلوات لانفرادها بالفضل؛ لكونها أشقَّ لاشتغال الناس في وقتها بتجاراتهم.\nقيل: معنى ﴿الْوُسْطَى﴾: الفُضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.\nوقرئ: (والصلاةَ الوسطى) بالنصبِ (^٣) على المدح والاختصاص.\n﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ في الصلاة.\n﴿قَانِتِينَ﴾: ذاكرين له تعالى في قيامكم، والقنوتُ: الذكر في القيام، وقال زيد بن أَرْقَمَ: كنَّا على عهد النبيِّ ﷺ يكلِّم أحدُنا صاحبَه في الصلاة بحاجته، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٤)؟ أي: ساكتين (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-246\"> </span>(٢٣٩) - ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من عدوِّ أو غيره.\n﴿فَرِجَالًا﴾ أي: فحافِظوا عليها في حال الخوف أيضًا ولا تؤخِّروها، وصلُّوا\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"اثنتان\".\n(^٢) رواه مسلم (٦٢٧/ ٢٠٥) من حديث علي ﵁.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥) عن أبي جعفر الرؤاسي.\n(^٤) رواه البخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"ساكنين\".","vol":"2","page":139},{"text":"رجالأ، وهي جمع راجلٍ وهو القائمُ على الرِّجل، أو رَجُل أو رَجِلٍ بمعناه، ويجوزُ لهم أداؤها بالجماعة.\n﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ هي جمع راكب، ولهم أن يصلوا وحدانًا بالإيماء وَيسقط عنهم التوجُّهُ إلى القِبلة، ولا يجوز أن يصلُّوا بجماعةٍ عندنا، ولا في حال المشي والمسابقةِ ما لم يُمكنِ الوقوف، وعند الشافعيِّ يصلُّون في كلِّ حال أَخْذًا بما في هذه الآية من الإطلاق.\n﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾؛ أي: زال خوفُكم.\n﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فصلُّوا صلاةَ الأمنِ.\nوالذِّكرُ اسمٌ للصلاة.\n﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾؛ أي: صلُّوا طائفةً واحدة من غيرِ انصرافٍ، وفي حالة الخوف يصلُّون طائفتين وتنصرفُ كلُّ طائفة إلى العدو عند تمام الركعة، على ما يأتي بيانه في سورة النساء بإذن اللّه تعالى.\n﴿مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ مفعول ﴿عَلَّمَكُمْ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-247\"> </span>(٢٤٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد مرَّ تفسيره.\n﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ قرئ: ﴿وَصِيَّةً﴾ بالنصب (^١) على تقديرِ: حقُّ الذين\n_________\n(^١) هي قراءة أبي عمرو وابن عامر وحمزة وحفص، وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).","vol":"2","page":140},{"text":"يتوفَّون عن أزواجهم أن يُوصوا، أو: كَتب اللّه عليهم وصيةً (^١)، ويؤيِّده قراءة: (كتب عليكم الوصية لأزواجكم …) إلخ (^٢).\nوقُرئ بالرفع على تقدير: وصيةُ الذين يتوفَّون - أو حكم الذين يتوفَّون - وصيةٌ، أو: والذين يتوفَّون منكم أهلُ وصيةٍ، أو: كُتب عليهم وصيةٌ، [أو: عليهم وصيةٌ] (^٣).\n﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ نصبٌ بـ (يوصون) إنْ أَضمرتَ، وإلا فبالوصية، وب (متاعٌ) على قراءةِ مَن قرأ: (متاعٌ لأزواجهم) (^٤)؛ لأنَّه بمعنى التمتيع.\n﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ كقولك: هذا القولُ غيرَ ما تقول (^٥)، أو بدلٌ من ﴿مَتَاعًا﴾، أو حالٌ من الأزواج؛ أي: غيرَ مخرَجاتٍ، والمعنى: يجب على الذين يُتوفَّون عن أزواج أن يُوصوا قبل أن يُحتضَروا لأزواجهم بأنْ يمتَّعن بعدهم حولًا كاملًا؛ أي: ينفَقَ عليهنَّ من تركتهم ولا يُخرجن من مساكنهنَّ.\nوكان ذلك (^٦) في أول الإسلام، ثم نُسخت المدة بقوله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ\n_________\n(^١) وهي على الأول منصوبة على المصدر، وعلى الثاني مفعول به. انظر: \"روح المعاني\" (٣/ ٣٤٥).\n(^٢) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٨٩).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٤٨)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) أي: (متاع لأزواجهم متاعًا إلى الحول) وتنسب لأبي ﵁، وعنه أيضًا أنه قرأ: (فمتاع). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥)، و\"البحر\" (٤/ ٣٧٩).\n(^٥) بنصب (غير)، والمعنى: هذا القول حقًّا غيرَ ما تقول. انظر: \"الكتاب\" (١/ ٣٧٨)، و\"شرح المفصل\" (١/ ١١٦). وانظر كذلك \"الكشاف\" (١/ ٢٨٩)، والكلام منه.\n(^٦) \"ذلك\" من (د).","vol":"2","page":141},{"text":"وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ونُسخت النفقة بالإرث الذي هو الربعُ والثمنُ (^١)، والناسخة وإن كانت مقدَّمةً في التلاوة لكنها متأخِّرةٌ في النزول، والسكنى لها بعدُ ثابتة عند الشافعي خلافًا للحنفية.\n﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا﴾ من البيت من غير إخراجِ الورثة، أو من العِدَّة بانقضاء الحول.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأئمة.\n﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ من التزيُّن لطلب الزوج على وَفْق الشرع.\nوهذه الآيةُ متقدَّمةٌ في النزول وإن كانت متأخِّرةً في الترتيب، ولهذا جاء المعروف منكَّرًا هنا ومعرَّفًا فيما سبق، وفيها دلالة على أنها لا تجبُ عليها ملازَمةُ مسكن الزوج والحدادِ عليه، بل هي مخيَّرة بينها وأخذِ النفقة، وبين الخروج وتركِها، وهذا من تمام ما كان في بدء الإسلام.\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾؛ أي: منتقمٌ ممن عصاه.\n﴿حَكِيمٌ﴾ مصيبٌ فيما حكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-248\"> </span>(٢٤١) - ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ عمَّ المطلَّقات باستحباب المتعة لهنَّ بعدما خصَّ واحدةً منهن به وهي غيرُ مدخول بها.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"أو الثمن\".","vol":"2","page":142},{"text":"<span id=\"aya-249\"> </span>(٢٤٢) - ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعِدَّة.\n﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعد بأنه تعالى يبيِّن لعباده ما يحتاجون إليه معاشًا ومَعادًا من الأحكام ودلائلها.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لتعقلوا، أي: لتستعمِلوا عقولكم في قبولها والتفكُّرِ فيها لاستنباطِ غيرِ المنصوص من المنصوص.\n* * *\n\n<span id=\"aya-250\"> </span>(٢٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كلمةٌ تجري مَجرى المثلِ في التعجيب يخاطَبُ بها مَن لم يَرَ ولم يسمع ما بعدها، وهي تقريرٌ لمن سمع بالقصة من أهل الكتاب وأخبارِ الأولين، وتعجيبٌ من شأنهم، والخطابُ لكلِّ أحد.\n﴿إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ رُوي: أن أهل داوَرْدانَ -قريةٍ قِبَلَ واسطَ- وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين، فأماتهم اللّه ثم أحياهم ليعتبِروا وَيعلموا أنْ لا مفر مِن حكم اللّه تعالى وقضائه (^١).\nوقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكُهم إلى الجهاد فهربوا حذرًا من الموت، فأماتهم اللّه ثمانيةَ أيام ثم أحياهم، وهم ألوفٌ كثيرة (^٢)، واختُلف في عددها بما لا يُجدي.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٤١٦ - ٤١٧) مطولًا عن السدي.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٩٠)، وعزاه بنحوه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (١/ ٣٢٧) للضحاك.","vol":"2","page":143},{"text":"وهذا تشجيع للمسلمين على الجهاد والتعرُّض للشهادة، بأن الموت إذا لم يندفع بشيءٍ ولم يكن منه بدٌّ فأولى أن يكون في سبيل اللّه، والدليلُ عليه الأمرُ بالقتال بعده.\n﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ الواو للحال.\n﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ مفعولٌ له.\n﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾، أي: أماتهم اللّه تعالى بالأمر التكويني دفعةً واحدةً على خلاف العادة.\n﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾؛ أي: أماتهم موتَ عقوبةٍ أو تنبيهٍ، لا موتَ انقضاءِ آجالٍ، ثم أعادهم أحياءً ليَستَوفوا بقيةَ أعمارهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ حيث يبصِّرهم ما يعتبِرون به ويستبصِرون من اقتصاص خبرهم كما بصَّر أولئك بالإماتة والأحياء، أو: حيث أحياهم ليعتبِروا بحالهم ويتيقَّنوا بالبعث.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: لا يشكرونه كما ينبغي، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبارُ والاستبصار، وكان مقتضى الظاهر الإضمارُ، وإنما أُعيد اسم الظاهر لِمَا فيه من الإيماء إلى سبب الغفلة عن النعمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-251\"> </span>(٢٤٤) - ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ في المعنى على ﴿أَلَمْ تَر﴾؛ لأنَّه في معنى: انظروا وتفكروا.","vol":"2","page":144},{"text":"قيل: لما بيَّن أن الفِرار عن الموت غيرُ نافع، وأن المقدَّر لا محالةَ واقع، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلُهم ففي سبيل اللّه، وإلا فالنصر والثواب.\nوَيرِدُ عليهْ أنه تعالى نهى عن إلقاء النَّفس بالمَهلكة، ولو لم يكن في الاحتراز نفع لَمَا نُهي عنه.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يسمع ما يقوله المتخلِّفون والسابقون.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضْمرونه فيجازيهم بحسَبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-252\"> </span>(٢٤٥) - ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴿مَنْ﴾ هو استفهامية مرفوعةُ المحلِّ بالابتداء، و﴿ذَا﴾ هو خبرُه، و﴿الَّذِي﴾ صفةُ ﴿ذَا﴾ أو بدلُه.\nوإقراضُ اللّه تعالى مَثَلٌ لتقديم العمل الذي يُطلب به ثوابه.\n﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾: إقراضًا حسنًا، بخلوصِ النية وطِيبِ النفس، بلا مَنٍّ ولا أذًى، أو: مقروضًا حسنًا بكونه حلالًا طيِّبًا.\nوقيل: المراد من القرض (^١): الإنفاقُ في سبيل الله تعالى، ويؤيده أنها نزلت في أبي الدَّحداح حين تصدَّق بحديقةٍ له.\n﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ فيضاعِفُ جزاءَه ﴿لَهُ﴾ أُخرج على صورة المغالَبة للمبالغة.\nوقُرئ بالنصب على جواب الاستفهام حملًا على المعنى، فإنَّ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي\n_________\n(^١) في (م): \"قرض\".","vol":"2","page":145},{"text":"يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ في معنى: أيُقْرِضُ اللّهَ أحدٌ، وقرئ: (فيُضَعِّفَه) بالرفع والنصب (^١).\n﴿أَضْعَافًا﴾: جمعُ ضِعفٍ، ونصبُه على الحال من الضمير المنصوب، أو المفعولِ الثاني على تضمين (يضاعِف) معنى يُصيِّر، أو المصدر على أن الضعف اسم المصدر وجمعُه للتنويع.\n﴿كَثِيرَةً﴾ كثرةً (^٢) لا يَقْدُرها إلا اللّه.\n﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ﴾ لشخصٍ ﴿وَيَبْسُطُ﴾ لآخَرَ، ويقبض (^٣) في حالٍ ويبسط في أخرى (^٤)، حَسْبَما اقتضَتْه حكمتُه، يَقبضُ إذا قَبَضَ حتى لا طاقة، وَيبسطُ إذا بَسَطَ حتى لا فاقة أي (^٥): لا تخافوا الإقلالَ بالإنفاق، ولا تظنُّوا بقاء السَّعة بالإمساك، فإن اللّه تعالى هو الموسِّعُ والمضيِّق لا الإمساك والإنفاق، يسهِّل بهذا عليهم الإقراض.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم على ما قدَّمتم، وفيه تنبيهٌ على أن الغنيَّ يفارق مالَه بالموت فليبادِرِ الفَوْت.\n* * *\n\n<span id=\"aya-253\"> </span>(٢٤٦) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا\n_________\n(^١) قرأ عاصم: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ بالنصب، وقرأ ابن عامر: (فيضعِّفَه) بالنصب، وقرأ ابن كثير مثله لكن بالرفع، وقرأ باقي السبعة مثل عاصم لكن بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٢) \"كثرة\" من (د).\n(^٣) في (ك): \"أو يقبض\".\n(^٤) في (ت) و(ك) و(م): \"آخر\".\n(^٥) في (د): \"أو\".","vol":"2","page":146},{"text":"أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الملأ: الجماعة الأشراف يجتمعون للتشاور.\nقيل: هو من الملأة التي هي القدرة، فهم قوم لا حاجة إلى الزيادة عليهم فيما اجتمعوا له لقدرتهم عليه، لا واحد له كالقوم. و﴿مِنْ﴾ للتبعيض.\n﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، أي: بعدَ وفاته، و﴿مِنْ﴾ للابتداء.\n﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ اختلفوا فيه، والأشهر الأظهر أنه أشمويل من نسل هارون ﵇.\n﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ أَنهِضْ لنا أميرًا.\n﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿نُقَاتِلْ﴾ بالنون والجزم جوابُ الأمر، وقُرئ بالرفع حالًا؛ أي: ابعثْ لنا مقدِّرين القتال، أو استئنافًا كأنه قيل: كيف تصنعون بالمَلِك؟ فقالوا: ﴿نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقرئ بالياء والجزم جوابًا، وبالرفع صفةَ (ملك) (^١).\n﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ معنى الاستفهام في ﴿هَلْ﴾: التقريرُ وتثبيتِ أنَّ المتوقَّع (^٢) كائن وأنَّه مصيبٌ في ظنه وتوقّعه؛ كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١].\nوخبر ﴿عَسَيْتُمْ﴾: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾، والشرطُ اعتراض بينهما، وجوابه محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾؛ أي: إنْ كُتب عليكم القتال خِفْتُ أن تَجبُنوا ولا\n_________\n(^١) في (د): \"لملك\". وانظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٩١)، وعنه نفل المؤلف هذه القراءات مع توجيهها.\n(^٢) في النسخ: \"للتوقع\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٢٩١)، والكلام منه.","vol":"2","page":147},{"text":"تقاتلوا، أراد أن يقول: عسيتم ألا تقاتلوا؛ أي: أتوقعُ منكم الجبن عن القتال، فأدخل ﴿هَلْ﴾ للتقرير السابق ذكرُه.\n﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا﴾؛ أيُّ داعٍ لنا إلى ترك القتال وقد عَرَض لنا ما يُوجبه من الإخراج عن الديار.\n﴿وَأَبْنَائِنَا﴾؛ أي: منفردِين عنهم، على تضمين الإخراج معنى الانفراد (^١).\nوالديار أبلغ من الأوطان؛ لمَا في الإخراج منها (^٢) من الدلالة على استيلاء العدو على أملاكهم، وأمَّا ذكرُ الأبناء دون الأولاد المنتظِمة للبنات فلِعَدم استئناس العرب بهنَّ فلا يَشُقُّ الانفراد عنهن، بل هم يأنفون عن انتسابهنَّ إليهم فلا يرضَون لإظهار التعلُّق بهن.\nومَن لم يتنبَّه لِمَا ذكر أَورد في تفسيره الأوطانَ بدل الديار، والأولادَ بدل الأبناء ولم (^٣) يَدْرِ ما فيه من سوء الأدب، حيث (^٤) أَوهَم فضلَ البدل على المبدَل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢] وليس لكلام - (^٥) المعجز بديلٌ (^٦).\nبقي هاهنا شيءٌ آخرُ لا بد من التنبيه له أيضًا، وهو: أنهم علَّلوا القتال بما يرجع إلى حظوظهم فخُذلوا، ولو قالوا: كيف لا نقاتل وقد عصَوا اللّه وخرَّبوا بلاده وقهروا عباده؟ لوفِّقوا.\n_________\n(^١) في (د): (الإفراد).\n(^٢) في (م): \"عنها\"، وفي (ح) و(ف) و(ك): \"هاهنا\".\n(^٣) في (د): \"ومن لم\".\n(^٤) \"حيث\" ليست في (د).\n(^٥) في (ك) و(م): \"الكلام\".\n(^٦) في (د) (ك) و(م): \"بديل\".","vol":"2","page":148},{"text":"رُوي أن جالوت ومَن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل البحر بحرِ الروم بين مصر وفلسطين، وظهروا على بني إسرائيل، فأخذوا ديارهم وسبَوا أولادهم.\n﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ لمَّا قالوا ذلك دعا نبيُّهم اللّه تعالى، وسأل لهم ملكًا، فأجابه اللّه تعالى إلى ذلك، ونَصَب لهم طالوتَ ملكًا، وفَرض عليهم القتال، وكان فيهم طاغية هو الذي دعاهم إلى ذلك فتابَعوه، وكانوا يرجُون أن يُملَّكَ عليهم، فلمَّا ملَّك اللّه تعالى غيره نكصوا على أعقابهم وكرهوا، فالفاء في قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ فصيحةٌ، والقولُ الآتي ذكرُه مقدَّمٌ وقوعًا وإن كان مؤخَّرًا ذِكرًا.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَرَ بعددِ أهل بدر.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ وعيدٌ لهم، وتسجيلٌ عليهم بالظلم في القعود عن القتال، ولذلك وُضع الظاهرُ موضعَ المضمَر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-254\"> </span>(٢٤٧) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ﴾ صرَّح بنسبة البعثِ إلى اللّه تعالى تعظيمًا لشأن المبعوث، ودفعًا لذهاب الوهم إلى أن يكون تعيينُه عن ميلٍ ونسبةٍ (^١) إليه.\n_________\n(^١) في (م) و(ف): (ونسبته).","vol":"2","page":149},{"text":"﴿طَالُوتَ﴾ عَلَم أعجميٌّ كجالوت، فامْتَنعَ عن الصَّرف للعَلَمية والعُجمة.\nوقيل: إنه من الطُّول؛ لِمَا وُصف به من البَسطة في الجسم، وامتناعُه عن (^١) الصرف يأبى عن ذلك، إلا أن يقال: اسم عبرانيٌّ وافق عربيًّا كما وافق حنطًا: حِنطةً، وبِشما لاها رَحْمانًا رَحِيمًا (^٢): بسم اللّه الرحمن الرحيم، فهو على هذا فَعَلوتٌ من الطُول أصله: طَوَلوت، كما لو كان عربيًّا.\n﴿مَلِكًا﴾ رُوي أن نبيهم دعا اللّه تعالى حين طلبوا منه ملكًا، فأتى بعصا يقاس بها من يتملك عليهم، فلم يساوِها إلا طالوت (^٣).\n﴿قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ بمعنى: كيف، كما في قوله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]، استَبْعَدوا تملُّكَه عليهم.\nوالواو في ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ واو الحال، وفي ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ عاطفةٌ، فانتظمت (^٤) الجملتان في حكم الحال؟ أي: والحال أنَّا أحقّ بالملك منه وراثةً ومكنةً، وأنَّه فقير لا مالَ له حتى يتشرَّف به إذ فاته (^٥) نسب الملوك، وإنما قالوا ذلك لأن الملك كان في أولاد يهوذا، وكان فيهم من سبطه خلقٌ كثيرٌ أغنياء، وطالوتُ كان فقيرًا من سبط بنيامينَ، ولم يكن فيهم الملك ولا النبوةُ، فإنها كانت في أولاد لاوَى.\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".\n(^٢) اضطربت أكثر النسخ في: \"بشما لاها\"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما \"الكشاف\" (١/ ٢٩٢)، والكلام منه، وفيه: (رخمانا رخيما) بالخاء فيهما.\n(^٣) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٦٦) عن السدي.\n(^٤) في (ك) و(م): \"فانتظمته\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"إذا فاته\"، وفي (ح) و(ف): \"فإنه\"","vol":"2","page":150},{"text":"ذكروا لبعده عن استحقاقِ الملك عليهم وجهين: أحدهما في الخارج، والآخر في نفسه، وقدَّموا ما في الخارج أخذًا لطريقة الترقي.\n﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ اختاره ﴿عَلَيْكُمْ﴾.\nأصل الاصطفاء: أخذُ صَفوة الشيء وإلقاءُ ما سواه، أي: إنْ لم يكن له نَسَبٌ ولا نَشَبٌ فله فضيلة ذاتيةٌ، على ما نبَّه عليه بقوله:\n﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ قدَّمه لكونه أَقدَمَ في الاعتبار ﴿وَالْجِسْمِ﴾ طولًا وعرضًا.\nلمَّا أنكروا تملُّكه عليهم أجابهم بالجملة التأكيدية المصدَّرة بـ (إنَّ)، وقدَّم المسنَد إليه - وهو اللّه - على الفعل للتخصيصِ، وتأكيدِ النسبة إلى أن اللّه تعالى هو الذي اصطفاه عليكم دون غيره، وهو أعلم بمصالحكم (^١) منكم، ولا اعتراض على حُكمه.\nثم ذكر خصلتين كالبرهان وبيانِ حكمةٍ في اختياره، هما أقوى في باب الملك وأولى بإيجابه من النسب والمال، وهما العلم والجَسامة: ليتمكَّن من معرفة السياسة، ويكونَ أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، أطلق (^٢) العلم ووصفه بالبسطة فيه وفي الجسم؛ ليندرج تحته العلمُ الذي طلبوه لأجْله وهو المعرفةُ بأمر الحرب.\n﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قدِّم المسندُ إليه لإفادة الاختصاص؛ أي: الملك له خاصةً غير منازَعٍ فيه، فهو يؤتي ملكَه مَن يشاء دون غيره بسببِ استصلاحه لذلك.\n_________\n(^١) في (ك): \"بصالحكم\".\n(^٢) في (م): \"وأطلق\".","vol":"2","page":151},{"text":"﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسعُ الفضل والعطاء، يوسِّع على مَن ليس له سعةٌ في المال ويُغنيه من الفقر.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يصطفيه للمُلك وإن لم يكن من نسل الملوك، فقوله: ﴿وَاسِعٌ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ كما أن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ يعني أنه اصطُفي (^١) مثلَ مَن تُنسبون إليه، وليس المالكُ كالمستعير.\nوقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ تكميلٌ حسنٌ يدلُّ على أن اصطفاءه وإيتاءه عن علمٍ وحكمة، لا عن جهلٍ وسفه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-255\"> </span>(٢٤٨) - ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ لمَّا طلبوا منه حجةً على أنه تعالى اصطفى طالوتَ وملَّكه عليهم:\n﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ﴿التَّابُوتُ﴾: صندوقُ التوراة، فَعَلُوتٌ من التَّوب بمعنى الرجوعِ؛ لأنَّه ظَرفٌ يوضع فيه الأشياء فلا يَزال يُرجَع إليه ما يُخرَج منه، وليس بفاعولٍ لقلَّةِ نحوِ سَلِسَ وقَلِقَ، ولأنه تركيبٌ غير معروفٍ، فلا يُترك المعروف إليه، ومَن قرأه بالهاء فلعلَّه أبدلَه منه (^٢) كما\n_________\n(^١) في (د): \"مصطفى\".\n(^٢) أي: جعل هاءه بدلًا من التاء. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٩٣)، والقراءة بالهاء ذكرها أيضًا ابن خالويه =","vol":"2","page":152},{"text":"أُبدل من تاء التأنيث، لاشتراكهما في الهمس والزيادة.\n﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ ما به تسكنون إليه ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: من فضله، والضميرُ للتابوت لا للإتيان؛ لقوله:\n﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ فإنها تأبى عنه، والبقيةُ مثل في الجودة والفضل، يقال: فلان من بقيَّة القوم؛ أي: من خيارهم، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا، وذلك لأن الرجل يَستبقِي مما يخرجُه أجودَه وأفضلَه.\n﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ رُضاضُ (^١) الألواح، وعصا موسى وثيابُه، وعِمامةُ هارون. والآلُ مقحَم لتفخيم شأنهما؛ كما في قوله ﵇: \"يا أبا موسى، لقد أُوتيتَ مِزمارًا مِن مَزاميرِ آلِ داود\" (^٢).\n﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ حالٌ من ﴿التَّابُوتُ﴾.\nقيل: رفَعه اللّه تعالى بعد موسى ﵇، فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه (^٣).\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: في إتيان التابوت والملائكةُ تحمله ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً.\n﴿لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ من تمام كلام النبيِّ ﵇؛ لأن المقام لا يتحمَّل الخطاب من اللّه تعالى.\n* * *\n_________\n= في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥).\n(^١) الرُّضاض: ما يتفتت ويتقطع من الشيء. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٣٢٩).\n(^٢) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم (٧٩٣)، من حديث أبي موسى ﵁.\n(^٣) \"إليه\" من (د)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٢٩٣).","vol":"2","page":153},{"text":"<span id=\"aya-256\"> </span>(٢٤٩) - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ قيل: هنا جمل محذوفة؛ أي: فجاءهم التابوتُ، وأقرُّوا لطالوتَ بالملك، وتأهَّبوا للخروج، فالفاء فصيحةٌ، والباءُ في ﴿بِالْجُنُودِ﴾ للملابَسة؛ أي: مُلْتبِسًا بالجنود، سواءٌ كان ﴿فَصَلَ﴾ لازمًا بمعنى: انفصل عن بلده، أو متعدِّيًا بمعنى: فصل نفسه عنه، فإنَّ الفصل في المتعدِّيَ والفصولَ في اللازم لغتان؛ مثل: وَقَفَه وَقْفًا ووَقَفَ وُقوفًا.\nو(الجنود): جمع الكثرة للجُند، والأجناد: جمع القِلَّة له، والجُنْدُ: الجيش الأشدَّاء، مأخوذٌ من الجَنَد، وهو الأرضُ الغليظة الشديدة (^١).\nرُوي: أنَّهم لمَّا فارَقوا بلدهم سلكوا مفازةً، وكان الوقتُ قيظًا، فسألوا أن يجري اللّه تعالى لهم\nنَهَرًا قال طالوت:\n﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: مُعاملُكم معاملةَ مختبِرٍ (^٢) بما اقترحتُموه، وكان في جند طالوتَ المخلِصُ والمنافقُ، فميِّز بينهما بالماء، كالذهب والفضة فيهما الخَبَثُ فيميَّز الخالصُ من غيره بالنار.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"الغليظ الشديد\".\n(^٢) في (د): \"مخبر\"، وفي (ح) و(ف) و(م): \"مخبرة\" والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥١).","vol":"2","page":154},{"text":"والنَّهر بفتحِ الهاء وتسكينِها: المَجْرى الواسعُ للماء، وكلُّ ثلاثيٍّ حَشْوُه حرفُ حلقٍ فتسكينُه وفتحُه لغةٌ؛ كالشَّعر والنَّحر والدَّأب.\n﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾؛ أي (^١): فليس بمتَّصلٍ بي ولا متَّحدٍ معي، من قولهم: فلان منِّي، كأنه (^٢) بعضه لاختلاطهما واتحادهما، ويجوز أن يراد: فليس من جملتي وأشياعي.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ الطُّعْم: الذَّوق، ويقع على الأكل والشرب.\n﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ الغَرْف: أخذُ الماء بآلةٍ كالكفِّ، والغَرفة بالفتح: المَرَّة من هذا الفعل، والغُرفة بالضم: قَدْرُ ما يُغرف بالكفِّ من الماء، وأصلُ الغَرف: القطعُ، ومنه الغُرفة التي هي العِلِّيَّةُ قطعة من البناء.\nاستَثْنَى من الشرب الممنوعِ هذا النوعَ، وإنما قُدمت عليه الجملة الثانية لأن مدلولها مفهومٌ منه بطريق الدلالة، وإنما ذكرت تتميمًا للجملة الأولى بما فيها من الترغيب إلى الانتهاء بالنهي المذكور، فحقُّها أن تُذكر عَقيبها قبل الاستثناء المزبور (^٣)، وطالوت إن كان نبيًا فله أن يعرف ذلك بالوحي، وإلا فبالإلهام أو بإخبار من النبي (^٤).\n﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾، أي: فكَرَعوا فيه؛ إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بواسطةٍ، وتعميمُ الأول ليتَّصل الاستثناء.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"أي\".\n(^٢) في (ك): \"كأني\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٢٩٤).\n(^٣) في (م) و(ف): (المذكور). وجاء هنا في هامش (د) و(ف) و(م): \"ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة زعم أن تقديمها لمجرد العناية. منه \".\n(^٤) وفي هامش (د) و(ف): (ومن لم يتنبه لهذه الدقيقة زعم أن تقديمها لمجرد العناية). منه.","vol":"2","page":155},{"text":"وقرئ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ (^١) بالنصب على الاستثناء، وبالرفع على أنه تابعٌ للمرفوع قبله (^٢)؛ لأن الكلام إذا كان موجَبًا جاز فيما بعدَ (إلا) النصبُ وهو الأفصح، والإتْباع لمَا قبله إنْ رفعًا فرفعٌ أو نصبًا فنصبٌ أو جرًّا فجرٌّ، وليس هذا من مواضع الميل إلى المعنى، والإعراضِ عن اللفظ جانبًا (^٣).\nوالقليل على ما قيل: كانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا.\n﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ﴾، أي: قطع طالوتُ النهر.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ أي: القليلُ الذين (^٤) لم يخالفوه، وفي التعبير عنهم بما ذُكر دلالةٌ على أن المخالِفينَ لم يكونوا مُخلِصين في دعوى الإيمان، وإنما زاد قوله: ﴿مَعَهُ﴾ لإفادة معنى المتابَعة إياه والموافقة له، ولمَّا افترقوا فرقتين قال كلُّ فرقة ما يليق بشأنه، وعدمُ العطف بين القولين لعدم جمعهما مقامٍ واحد، ومساقِ كلامٍ واحد.\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: الذين انخذلوا، على ما نص عليه ابن عباس ﵄، كأنهم قالوا ما قالوا اعتذارًا في التخلف، وتخذيلًا للمُقْدِمين على القتال.\n_________\n(^١) وقع هنا في جميع النسخ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ دون ﴿مِنْهُمْ﴾، لكن وقع التنبيه عليها في هامش (م)، حيث كتب فيه بخط ملون: \"هنا نقص لفظ ﴿مِنْهُمْ﴾ مع أنه ثابت تلاوة\".\n(^٢) القراءة بالنصب قراءة الجمهور، والقراءة بالرفع من الشاذ، وتنسب لأبي والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٩٥).\n(^٣) في هامش (د) و(م): \"قال أبو حيان: هي مسألة بيّن وجه الإعراب فيها، يعني: على ما ذكر هنا في علم النحو. منه \". وفي هامش (ف): \"قال أبو حيان: هي مسلمة بيّن وجه الإعراب فيها، يعني: ما ذكره هنا على ما ذكره في علم النحو. منه\".\n(^٤) في (ح) و(د) و(ف): \"الذي\".","vol":"2","page":156},{"text":"﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ﴾؛ أي: بقتال جالوت.\n﴿وَجُنُودِهِ﴾ لكثرتهم وقوَّتهم (^١)، وفي عبارة الجنود دلالةٌ على هذا، على ما بينَّاه فيما سبق.\n﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾ الظنُّ على حقيقته، ومعنى ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: أنهم يُستشهَدون في ذلك اليوم، لعزمهم على صدقِ القتال، وصدقهم في عزمه. أو بمعنى الإيقان؛ أي: يوقنون بالبعث على أنَّ (^٢) معنى ﴿مُلَاقُو اللَّهِ﴾: أنهم راجعون إليه في القيامة ومجزيون بأعمالهم يومئذ، وعلى هذا المعنى من الملاقاة يجوز أن يكون الظنُّ على أصله، ويكونُ القصد إلى أنه يكفي في هذا العمل (^٣) فكيف باليقين.\n﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ كلمةُ تكثير، و﴿مِنْ﴾ مبيِّنة أو مَزِيدةٌ للتأكيد، والفئة: الفرقة من الناس، من فأَوْتُ رأسه، أي: شَقَقْتُه، أو مِن فاء: إذا رجع.\n﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾، ﴿كَمْ﴾ مبتدأ خبرُه ﴿غَلَبَتْ﴾.\n﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره، وهذا تحريضٌ على القتال واستشعارٌ بالنصر.\n﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنصر والإثابة، تحريضٌ على الصبر في القتال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-257\"> </span>(٢٥٠) - ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"وقدرتهم\".\n(^٢) كلمة: \"أنَّ\" ليست في (ح) و(ف) و(ك) و(م).\n(^٣) في (د): \"للعمل\".","vol":"2","page":157},{"text":"﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ المبارزةُ في الحرب: أن يَظهر المحارب لقَرينه بحيث يراه.\n﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ الإفراغ: صبُّ السيَّال، استُعير للإكمال والإكثار.\n﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾؛ أي: في المعركة كيلا نَزِلَّ ولا نَزُولَ.\n﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: أَعِنَّا عليهم، وامنَعْهم منا.\nالْتَجَؤوا إلى اللّه بالدعاء، وفيه ترتيبٌ بليغ، إذ سألوا أولًا إفراغَ الصبر في قلوبهم الذي هو مِلاكُ الأمر، ثم ثباتَ القدم في مَداحض الحرب المسبَّبَ منه (^١)، ثم النصرَ على العدو المرتَّبَ عليهما غالبًا، ثم أشاروا بتوصيف ﴿الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ إلى أنهم يطلبون النصر لا للانتقام منهم بفعلهم بهم، بل لأنهم كفار وأعداءٌ لربهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-258\"> </span>(٢٥١) - ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ الفاء فصيحةٌ، وقبله مضمَرٌ، أي: فاستجاب اللّه دعاءهم ونصرهم، فالهزيمة دفع الشيء بقوةٍ حتى يدخل بعضُه في بعضٍ، والمِهْزام: خشبة يحرَّك بها الجمر ويُدفع بعضُه على بعض.\n﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعونه وتيسيره.\n_________\n(^١) أي: من الصبر المفرَغ.","vol":"2","page":158},{"text":"﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ لم يبيِّن اللّه تعالى كيفيةَ القتل، إلا أنه أشار في سياقه إلى أنه كان بسهولة.\n﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾؛ أي: مُلكَ بني إسرائيل، ولم يجتمعوا قبل داود ﵇ على مَلِكٍ.\n﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: النبوَّةَ؟ إذ بها وَضْعُ الأمور مواضِعَها.\nفاَتاه اللّه مُلكَ طالوت ونبوَّة نبيِّهم، وجمع له كليهما، وكان قبله المُلك في سِبْطٍ والنبوَّةُ في سِبْطٍ.\n﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾: من صنعة الدروع، وكلامِ الطير والدوابِّ، وغير ذلك.\n﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾: ولولا أنَّ اللّه تعالى يَدفع بعضَ الناس ببعضٍ وَيمنع فسادهم بذلك.\n﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾: لعمَّ فسادُهم الأرض.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ولكنَّ الله يَبسط الفضلَ على العالمين بنصر المصلِحين على المفسِدين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-259\"> </span>(٢٥٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما قُصَّ من حديث الألوف، وتمليكِ طالوتَ، وإتيانِ التابوتِ، وانهزامِ الجبابرة، وقتلِ داودَ ﵇ جالوتَ.\n﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصِّدق واليقين الذي لا ريبَ فيه لأهل الكتاب؛ إذ هي في كتبهم كذلك.","vol":"2","page":159},{"text":"﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ حيث تُخبر بها من غيرِ قراءةِ كتابٍ ولا سماعِ أخبارٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-260\"> </span>(٢٥٣) - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\n﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ أي: المذكورةُ في السورة كلِّها، أو المعلومةُ لك (^١) بالوحي.\n﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بحسَبِ درجاتهم في الزُّلفى، وتفاوُتِ مراتبهم في الاصطفاء.\n﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ تفصيلٌ للتفضيل؛ أي: خاطبه اللّهُ تعالى بكلامه الأزليِّ بلا واسطةٍ، وهو موسى ﵇؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].\n﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ بأنْ فضَّله على غيره من وجوهٍ متعدِّدة بمراتبَ (^٢) متباعدةٍ، وهو محمدُ ﵇ المفضَّل عليهم، حيث أُوتي ما لم يُؤتَ أحدٌ منهم (^٣)، والإبهامُ لتفخيم شأنه؛ كأنه العَلَم المتعيِّن (^٤) لهذا الوصف، المستغني عن التعيين، وتنكيرُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ يعضُده في تعظيم شأنه.\n_________\n(^١) \"لك\" من (د).\n(^٢) في (ك) و(م): \"وبمراتب\".\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"أحدهم\".\n(^٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"المعين \"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":160},{"text":"﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ خصَّه بالتعيين لإفراط (^١) اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجَعْلُ معجزاته سببَ تفضيله لأنها آيات ظاهرةٌ وبيناتٌ باهرةٌ لم يَستجمِعها غيرُه.\n﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قد مرَّ تفسيره.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن لا يقتتلوا (^٢).\n﴿مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد هؤلاء الرسل.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، أي: المعجزاتُ الواضحاتُ، لاختلافهم في الدين وتشعُّبِ (^٣) مذاهبهم، ولتضليل (^٤) بعضِهم بعضًا.\n﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾، أي: ما شاء مما (^٥) اقتضاه حكمتُه.\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾؛ لالتزامه دِينَ الأنبياء ﵈ بتوفيقه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَر﴾، لإعراضه عنه لخذلانه.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرِّر للتأكيد (^٦) لكون الأمور بمشيئة اللّه تعالى.\n_________\n(^١) في (ك): (لإفراد).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"أن يقتتلوا\"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر: \"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٢٣)، و\"تأويلات أهل السنة\" للماتريدي (٢/ ٢٣٣)، و\"تفسير الراكب\" (١/ ٥١٨)، وغيرها من التفاسير.\n(^٣) في (ف): \"وتشعث\".\n(^٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (ولتفضيل)، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٣).\n(^٥) في (د) و(م): \"أي ما شاء فما\"، وفي (ح) و(ف): \"لما\"، وسقط منهما: \"أي ما شاء\"، والمثبت من (ك).\n(^٦) في (د): \"التأكيد\".","vol":"2","page":161},{"text":"﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من تخصيص بعضِهم بالسعادة والإيمان، وبعضِهم بالشقاوة والكفر.\nفإنْ قلتَ: الاستدراك بعد استعمال كلمة (لو) على قاعدة العربية أنْ يُذكر انتفاءُ الشرط ليُثبَتَ انتفاءُ الجزاء، أي: لكنْ لم يشأ عدم الاقتتال فاقتتلوا، وعلى قاعدة الاستدلال أنْ يُذكر انتفاءُ الجزاء ليُعلم انتفاءُ الشرط؛ أي: لكنهم اقتتلوا فعُلم أنه لم يشأ عدم الاقتتال، فما وجهُ قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؟\nقلتُ: معناه: لكنه لم يشأ عدمَ الاقتتال، بل ثبوتَه فثبت؛ لأنَّه يُثْبِتُ ما يريده اصلا مّا كان؛ قيل: يوفِّق مَن يشاء فضلًا ويخذل مَن يشاء عدلًا.\nوَيرِدُ عليه: أنه حينئذ يكون الخذلان عن باعثٍ، فتتقيَّد إرادتُه المتعلِّقةُ به، ويأباه التعميم المستفاد مما ذكر.\nوالآيةُ دليل على أن الأنبياء ﵈ ولو كانوا أُولي العزم من المرسلين متفاوتةُ الأقدام (^١)، وأمَّا أنه يجوز تفضيلُ بعضهم على بعضٍ على التعيين، فلا دلالة عليه في الآية، نعم يجوز ذلك إذا وُجد دليل قاطع؛ لأنَّه مما يتعلق بالاعتقاد دون العمل حتى يُكتفى فيه بالظن، وأنَّ ما تَعلَّق به إرادةُ اللّه تعالى؛ فعلًا كان أو تركًا، خيرًا كان أو شرًا، يقع، وأمَّا أن كلَّ ما يقع إنما يقع بإرادة اللّه تعالى فلا دلالة عليه فيها، إنما عُلم ذلك من موضع آخر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-261\"> </span>(٢٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (د): \"الأقدار\"، ومثله في \"روح المعاني\" (٣/ ٣٨٢)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":162},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أراد به الواجبَ من الزكاة، لظاهر الأمر واتِّصالِ الوعيد به.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ﴾: لا كسب ﴿فِيهِ﴾ لأنَّه يوم جزاءٍ لا يوم عمل، وعبِّر عن كلِّ (^١) المكاسب بجُلِّها.\n﴿وَلَا خُلَّةٌ﴾؛ لأن الأخلَّاء بعضُهم عدوٌّ لبعضٍ يومئذٍ.\nفإنْ قلتَ: أليس زمرةُ المتقين مستثناةٌ منهم؟\nقلت: بلى، ولكن الوعيد في حقِّ مَن ترك الإنفاقَ الواجب، فالاستثناءُ المذكورُ لا يجديه (^٢).\n﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني: أنَّ تدارُكَ ما فاتكم من الإنفاق إمَّا بالأداء بعد الحصول بطريقِ المعاملة والمجاملة، وإمَّا بالإبراء، ولا سبيل إلى شيءٍ من ذلك إذ لا كسبَ ولا خلَّةَ ولا شفاعةَ، خصوصًا في إسقاطِ حقوق العباد، وأمَّا أنَّ الشفاعة لا تكون إلا في زيادة الفضل فطريقةُ الاعتزال موضع بيانه ومأخذُ عنانه علمُ الكلام.\nوإنما رُفعت ثلاثتُها مع قصدِ التعميم لأنها في التقدير جوابُ: هل فيه بيعٌ أو خلةٌ أو شفاعةٌ؟ وقد فتَحَها مَن فتَحَها على الأصل (^٣).\n﴿وَالْكَافِرُونَ﴾؛ أي: التارِكون للزكاة، وإنما عبِّر عنهم بالكافرين تغليظًا عليهم وزجرًا لهم؛ كما في آخِر آيةِ الحج، حيث شبِّه فعلُهم الذي هو ترك الزكاة بالكفر،\n_________\n(^١) في (ك): \"جل\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"لا يجد به\".\n(^٣) فتحها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٢).","vol":"2","page":163},{"text":"أو جُعل مشارفةً على الكفر، أو تعبيرًا باللازم عن الملزوم (^١) حيث جُعل ترك الزكاة في موضع آخر من صفات الكفار ولوازمهم، فهو على الأول استعارةٌ تَبَعيَّةٌ أو مَجازُ مُشارَفةٍ، وعلى الثاني كنايةٌ أو مجازُ لُزومٍ.\n﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ هم الذين ظلموا أنفسهم بترك الإنفاق الواجبِ، وصرفِ المال على غير وجهه، ووضعه في غيرِ موضعه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-262\"> </span>(٢٥٥) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مبتدأ وخبرٌ، والمعنى: أنه المستحِقُّ للعبادة لا غير.\nوقيل: خبرُه ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معترِضٌ بينهما.\nوالمراد من الحياة في حقِّه تعالى: البقاءُ الذي لا سبيل إليه للفناء مجازًا، وذلك أن الحياة بحسَب اللغة عبارةٌ عن قوَّة مزاجيةٍ تقتضي الحسَّ والحركة، ولا صحة لها في حقّه تعالى، فلا بدَّ من المصيرِ إلى المعنى المجازيِّ المناسِبِ له، وهو البقاء، وإنما وصَفْناه بما ذُكر لأنَّه مستنِدٌ إلى ذاته تعالى، فلا يمكنُ زوالُه.\nوأما الذي ذكره المتكلِّمون بقولهم: (الحي: الذي يصحُّ أن يَعْلَم وَيقْدِر) فمعناه\n_________\n(^١) قوله: \"وعبر باللازم عن الملزوم\" كذا في النسخ، والصواب: (بالملزوم عن اللازم)، كما في \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٣٣٢)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٣٨٦)، قال الشهاب: (فإن ترك الزكاة لازم للكفر فذكر الكفر وأريد ترك الزكاة). وهي عينها عبارة المؤلف الآتية، لكن مع زيادة وضوح في بيان المراد.","vol":"2","page":164},{"text":"الاصطلاحيُّ الحادثُ، فلا مَساغَ لحمل ما في الكلام القديم عليه، حيث لا يَعرفه أهل اللسان وقتَ نزول القرآن.\nوقد ردَّ صاحب \"الكشاف\" مثلَ هذا في تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]، وجوَّزه هنا (^١).\nوالقيوم: القائم بذاته، المقوِّم لغيره.\nوقيل: الدائمُ القيام بتدبير الخلق وحفظه، فَيْعولٌ مِن قام بالأمر: إذا حفظه.\n﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ الأخذ: التناول ومنه أَخْذُ الشاربِ: قَصُّه وقَطْعُ شيء من شره.\n﴿سِنَةٌ﴾ السنة: ثقلةٌ من النُّعاس وفتورٌ يعتري المزاجَ قبل النوم، وليست بداخلةٍ في حدّ النوم على ما دلَّ عليه قولُ عَدِي بنِ الرِّقَاع:\nوَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فرَنَّقَتْ … في عينهِ سِنَةٌ وليس بنائمِ (^٢)\nولا دلالةَ فيه على أنَّ السِّنَةَ هي النُّعاس كما تُوُهِّمَ.\n﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ النوم: حالةٌ تَعرِضُ للحيوان من استرخاءِ أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة، بحيث تقف الحواسُّ الظاهرة عن الإحساس رأسًا؛ أي: لا يعتريهِ ما يعتري المخلوقين من الغفلة والملال والفتور في حفظ ما هو قائم بحفظه، ولا يَعْرِضُ له عوارضُ التعب المحوِجة إلى الاستراحة، فيستريحُ بالنوم والسِّنَة.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٠٠).\n(^٢) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (١/ ٧٨)، و\"الوحشيات\" لأبي تمام (ص: ١٩٤)، و\"تفسير الطبري\" (٤/ ٥٣٠)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٠٠)، و\"البحر\" (٤/ ٤٤٨)، و\"اللسان\" (مادة: رنق)، وفيه: رنق النوم في عينه: خالطها.","vol":"2","page":165},{"text":"فالجملة بيان لـ ﴿الْقَيُّومُ﴾ بأنه مهيمنٌ على مَن يقوِّمه غيرُ غافل عنه، وتأكيدٌ لكونه حيًّا فإن مَن أخذه سنةٌ أو نومٌ كان مؤوفَ الحياة (^١)، ولذلك تُرك العاطف فيه.\nوتقديم السِّنَة على النوم على قياس المبالغة والترقِّي، فإنَّ سلب السِّنَة وإن كان أبلغَ من سَلب النوم لكنَّ سلبَ أَخْذِها ليس بأبلغَ من سلبِ أَخْذِه؛ لِمَا فيه من القوة، فمَن يقدر على دفعها قد لا يقدر على دفعه، فمَن وَهَم أنَّ قياس المبالغةِ عكسُه فقد وَهِم (^٢)، حيث لم يفرِّق بين سلبهما وسلب أخذِهما.\nوأيضًا السِّنةُ من طلائع (^٣) النوم ومقتضياتِ سببه السابقةِ عليه، فنفيُ النوم بعد نفيها باعتبارِ أنه يستلزِم نفيَ سببه يكون أبلغَ، وأما نفيُ التشبيه فقد حصل بالحيِّ القيُّوم على المعنى المراد منهما.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بيانٌ وتقريرٌ بنفي السِّنَة والنوم؛ لأن الذي يملكهما وما فيهما يحفظُهما وما فيهما بتدبيره، فلا يمكن أن ينام وإلا لزالَتَا عن النظام، ولهذا تَرتَّبَ على ما قبلَه من غير حرفِ عطفٍ، ولو كان تقريرًا لقيوميته (^٤) - كما قيل - لاتَّحد مع ما قبلَه في هذه الجهة، فكان حقَّه أن يُرتَّب عليه بحرفِ عطفٍ.\n_________\n(^١) المؤوف: الذي أصابته الآفة، وهو اسم مفعول من الآفة بمعنى العاهة. انظر: \"القاموس\" (مادة: أوف)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (١/ ٢٨٢).\n(^٢) وَهَمَ كوَعَدَ: ذهب وهمه إليه، ووَهِمَ كوَجِلَ: غَلِطَ. انظر: \"القاموس\" (مادة: وهم). فيكون معنى العبارة: فمن ذَهَبَ وهمُه إلى أن قياس المبالغة عكسه فقد غلط.\n(^٣) في (م): \"دلائل\".\n(^٤) في النسخ عدا (ك): \"لقيومية\"، والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٤)، و\"وروح المعاني\" (٣/ ٣٩٥). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية.","vol":"2","page":166},{"text":"والمراد بما فيهما: ما وُجد فيهما داخلًا في حقيقتهما، أو خارجًا عنهما متمكِّنًا (^١) فيهما، فهو أبلغ من قوله: له (^٢) السماواتُ والأرض وما فيهنَّ.\nولمَّا ذكر مالكيَّته للكلِّ بيَّن ذلك بقوله:\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: بلغ من مالكيَّته وكبريائه أنْ لا يتمالكَ أحدٌ أن يتكلم يوم القيامة إلا (^٣) مَن أذن له؛ لقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]، ثم بين ذلك بقوله:\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: ما كان قبلَهم وما يكون (^٤) بعدَهم، فكيف بحالهم؟ ومَن أحاط علمُه بأحوال الخلق كلِّها يعلمُ المستوجِبَ للشفاعة وغيرَه، والضميرُ لـ (ما في السماوات والأرض)؛ لأن فيهم العقلاءَ، أو لِمَا دل عليه ﴿مَنْ ذَا﴾ من الأنبياء والملائكة (^٥) ﵈.\n﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾؛ أي: معلومِه، فإنَّ اسم المصدر يقع على المفعول، يقال في الدعاء: اللهم اغفرْ علمَك فينا؛ أي: معلومَك، وعطفُه على ما قبلَه لأنَّ مجموعهما يدلُّ على تفرُّده بعِلم مَن يَستحِقُ الشفاعة وغيرِه، وإنما فُصل المعطوف عليه عمَّا قبله لمَا أَشَرْنا إليه من أنه مُبيِّن لِمَا قبله، وأما على ما قيل: إن (^٦) مجموعَهما يدل على تفرُّده بالعلم الذاتيِّ التامِّ الدالِّ على\n_________\n(^١) في (د): \"متركنًا\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٤).\n(^٢) في (م): \"له ملك\".\n(^٣) في (د): \"إلا إذا\".\n(^٤) في (ف): \"كان\".\n(^٥) \"والملائكة\" من (د)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣٠١)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٤).\n(^٦) \"إن\" من (د).","vol":"2","page":167},{"text":"وحدانيته (^١)، فلا يظهر وجهُ الفصل المذكور كما لا يخفى.\n﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أن يُعْلِمهم به من المعلومات.\n﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بيان لشمول علمه وإحاطتهِ وسعتهِ وبَسطته، وأنَّه لم يَضِقْ عن السماوات والأرض، على سبيل التمثيل والتخييل، وتصويرِ الأمر (^٢) المعنويِّ بالصورة الحسِّيَّة، ولا كرسيَّ ثمةَ ولا قعودَ ولا قاعدَ؛ كقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] من غيرِ تصوُّر قبضةٍ وطيٍّ ويمينٍ (^٣).\nقيل: تصويرٌ لعظمته وتمثيلٌ، وعلى هذا لا يَظهر وجه الفصل عمَّا قبله، وعلى\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٤)، و\"وروح المعاني\" (٣/ ٣٩٥). والكلام رد على ما قاله البيضاوي وتابعه فيه الآلوسي: (وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته ﷾.\n(^٢) في (د): \"أهل\"، وفي (ك) و(م): \"أمر\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٠١)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٤). قلت: كذا نقل المؤلف هذا القول عن الزمخشري، وظاهر السياق اختياره، وكذا يظهر من صنيع البيضاوي حيث قدمه، وساق ما بعده بصيغة: (قيل)، على عادته في تضعيف الأقوال حيث يؤخرها ويقدم لهاب (قيل). وعلى هذا القول أكثر الخلف كما ذكر الآلوسي في \"روح المعاني\" (٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨)، حيث قال: وهذا الذي اختاره الجمُّ الغفير من الخلف فرارًا من توهم التجسيم، وحملوا الأحاديث التي ظاهرها حمل الكرسي على الجسم المحيط على مثل ذلك، لا سيما الأحاديث التي فيها ذكر القدم … وأنت تعلم أن ذلك وأمثاله ليس بالداعي القوي لنفي الكرسي بالكلية، فالحق أنه ثابت كما نطقت به الأخبار الصحيحة، وتوهم التجسيم لا يعبأ به وإلا للزم نفي الكثير من الصفات، وهو بمعزل عن اتباع الشارع والتسليم له، وأكثر السلف الصالح جعلوا ذلك من المتشابه الذي لا يحيطون به علما وفوضوا علمه إلى اللّه تعالى مع القول بغاية التنزيه والتقديس له تعالى شأنه.","vol":"2","page":168},{"text":"ما ذكرنا قد ترتَّبت الجمل الخمسُ متآخيةً متعانقةً، كلٌّ منها تبيِّن (^١) ما ترتَّبتْ عليها مقرِّرةً لمعناها، فلا سبيل للعاطف بينهما؛ لكمال الاتِّصال بين معانيها.\nوعن الحسن: الكرسيُّ هو العرش (^٢).\nوقيل: إنه تعالى خلق كرسيًّا بين يدي عرشه دونه السماواتُ والأرض، وهو إلى العرش كأصغر شيء، وعرشُ الخلق للجلوس عليه، والكرسيُّ لوضع القدمين عليه، وتعالى اللّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما أن بيت الخلق للسُّكنى فيه، واللّهُ تعالى جعل الكعبة بيتَه، وتعالى عن (^٣) أن يسكنها، إنما المراد بيانُ أن ما في السماوات والأرض لا يغيبُ عنه كما لا يغيب عمَّن جلس على السرير ما تحت قدميه.\nوأصل الكرسي في اللغة هو: المتراكِبُ، والكُرَّاسةُ سميت بها (^٤) لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ، والكِرْسُ: البعرُ والبول إذا تلبَّدَ بعضُه على بعضٍ.\n﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: ولا يُثقِله ولا يَشُقُّ عليه ﴿حِفْظُهُمَا﴾: حفظُ السماوات والأرض، وإنما ثنَّى مع أن السماوات جمع ردًّا إلى الجنس.\nوالأَوْد: الاعوجاج الذي يَعْرِض من الاعتمادِ عليه بالثقل.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ اسمان جامعان لكمال التوحيد، فالعليُّ هو المتعالي عن الصفات التي لا تَليق به، والعظيم هو الموصوف بكلِّ الصفات التي تليق به.\nقيل: تَذَاكَرَ الصحابةُ ﵃ أفضلَ ما في القرآن، فقال لهم عليّ رضي اللّه\n_________\n(^١) في (ك): \"بين\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٥٣٧).\n(^٣) \"عن\" من (د).\n(^٤) \"بها\" ليست في (د).","vol":"2","page":169},{"text":"عنه: أين أنتم عن آية الكرسي؟ ثم قال: قال لي رسول اللّه ﷺ: \"يا علي، سيدُ البشر آدم، وسيدُ العرب محمدٌ ولا فخرَ، وسيدُ الفُرس سلمانُ، وسيدُ الروم صُهيبٌ، وسيدُ الحبشة بلالٌ، وسيدُ الجبال الطُّور، وسيدُ الأيام يومُ الجمعة، وسيدُ الكلام القرآن، وسيدُ القرآن البقرةُ، وسيدُ البقرة آية الكرسيِّ\" (^١).\nوفيه نظرٌ؛ لأن قوله: (سيد البشر آدم وسيد العرب محمد) يُفصِح (^٢) عن تفضيل آدمَ على محمد ﵉، وهو خلافُ ما انعقد عليه الإجماعُ، وما ورد في الحديث الصحيح من قوله ﵇: \"أنا أكرمُ الأوَّلين والآخرين على اللّه ولا فخر\" (^٣).\nويمكن أن يقال: إن آدم سيدُ البشر في الدنيا، ومحمدٌ ﵇ سيدُ البشر في الآخرة، على ما أفصحَ عنه بقوله: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ آدمَ فمَن سِواه إلا تحت لِوائي\"، أخرجه صاحب \"المصابيح\" عن أبي سعيد الخدري (^٤).\nولا خفاءَ في أن السيادة في الآخرة راجحةٌ على السيادة في الدنيا، فالفضل لنبيِّنا عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاةُ والسلام.\nوإنما فَضَلتْ آية الكرسيِّ لاشتمالها على توحيدِ اللّه تعالى وصفاتهِ؛ كما فَضَلت\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٠٣). وقال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ٢٢): لم أجده، وذكره صاحب \"الفردوس\" ولم يخرجه ابنه.\n(^٢) في (ك): \"يسفر\".\n(^٣) قطعة من حديث رواه الترمذي (٣٦١٦) وقال: حديث غريب. وقال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾: \"ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها\".\n(^٤) انظر: \"مصابيح السنة\" (٤٤٨١)، رواه الترمذي (٣٦١٥) وقال: حديث حسن.","vol":"2","page":170},{"text":"سورة الإخلاص لإفصاحها عن التوحيد الذاتيِّ، وإنَّ شرف العلم بشرفِ المعلوم والموضوع (^١)، ولا معلوم أجلُّ وأعلى من اللّه تعالى، ولا مذكورَ أعظمُ ولا أكملُ منه (^٢)، فلا ذكرَ أشرفُ ولا أفضلُ منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-263\"> </span>(٢٥٦) - ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: لا إلزامَ على الدين الحق وهو الإسلام بما يَضطَرُّه إلى قبوله؛ إذ الإكراه في الحقيقة إنما يكون بحمل الغير على ما لا يَرى فيه خيرًا؛ فعلًا كان أو تركًا.\n﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ استئنافٌ تعليليٌّ - فلا وجه لتقدير: ولكنْ (^٣) -؛ أي: تميَّز الإيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلَّت الدلائل على أن الإيمان رشدٌ يُوصل إلى السعادة الأبدية، والكفرَ غَيٌّ يؤدِّي إلى الشقاوة السَّرمديَّة، والعاقل متى تبيَّن له ذلك بادرت نفسُه إلى الإيمان طلبًا للفوز بالسعادة والنجاةِ، ولم يَحتَجْ إلى الإكراه والإلجاء.\nوقيل: هو إخبار في معنى النهي؛ أي: لا تُكرهوا في الدِّين، وهو إمَّا عامٌّ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، أو خاصٌّ بأهل الكتاب لأنهم حصَّنوا (^٤) أنفسهم وأموالهم بأداء الجزية.\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ف): \" والموضع\".\n(^٢) \"منه\": ليست في (م).\n(^٣) فيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الِإكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلًا لا يرى فيه خيرًا يحمله عليه، ولكن ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ....).\n(^٤) في (ك): (حقنوا)، وفي (م) و(ف): \"خصوا\".","vol":"2","page":171},{"text":"ورُوي أنه كان لأنصاريٍّ ابنان، فتنصَّرا قبل أن يُبعث رسول اللّه ﷺ، ثم قدما المدينةَ فلزمهما أبوهما وقال: واللّه لا أدعكما حتى تُسلما، فاصَليَا، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ، فقال الأنصاري: أيدخل بعضي النار وأنا أنظرُ إليه، فنزلتْ فخلَّاهما (^١).\nوالغيُّ ضدُّ الرشد، تقول: غَوَى يَغْوِي غَيا وغَوَايَةً: إذا سلك خلافَ طريق الرشد.\n﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾: بكلِّ معبودٍ سوى اللّه، ولا يلزمُ إطلاق الطاغوت على عزيرٍ وعيسى والملائكة ﵈؛ لأن عبَّادهم ما عبدوهم في الحقيقة، بل عبدوا الشيطان على ما يأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨].\nوبهذا التفصيل اتَضح فسادُ ما قيل: والطاغوتُ كلُّ ما عُبد من دون اللّه مما هو مذمومٌ في نفسه، ولا يَرِدُ عليه عيسى ﵇؛ لأنَّا قيَّدْناه بالذمِّ = لعدم الحاجةِ حينئذ (^٢) إلى زيادةِ القيد المذكور، بل لا وجه له كما لا يخفى.\nوتَبيَّن (^٣) الخللُ فيما قيل: بالشيطان أو الأصنام، أو كلِّ ما عُبد من دون اللّه، أو صدَّ عن عبادة اللّه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٠٣). ورواه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٨٤) من قول مسروق، وقد أخرج الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٥٤٧) من رواية محمد بن أبي محمد الحرشي عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلمًا، فقال: يا رسول الله، ألا أستكرههما فأنزل اللّهَّ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. وانظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ٢٢).\n(^٢) \"حينئذ\"من (د).\n(^٣) عطف على \"تبين\".\n(^٤) رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٠٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٥). =","vol":"2","page":172},{"text":"والطاغوت من الطغيان، وهو مجاوزةُ الحدِّ في الشرِّ، وأصله: طَوَغوتٌ، وهو مقلوبُ طَغَووت (^١) على وزن فَعَلُوت قُلبتْ ثم جُعلت الواوُ ألِفًا لفتحةِ ما قَبْلَها.\n﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ عدِّي فعلُ الإيمان بالباء - والمقصودُ التصديقُ وهو متعدٍّ بنفسه - لأنَّه نقيضُ الكفر المتعدِّي بالباء، ومن دأبهم حمل النقيض على النقيض.\n﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾؛ أي: تمسَّك عن قصدٍ وطلبٍ، والفعل الاختياريُّ إذا كان مسبوقًا بذلك يكون حصولُه على أوكدِ وجه، ولهذا تؤثِّر هذه الصيغةُ في مقام المبالغة، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال في تفسيره: طلب الإمساك من نفسه.\n﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: بما هو أوثقُ، من (^٢) المتمسَكاتِ المحكمة المأمونِ (^٣) انقطاعُها، والظاهر أن الاستمساك بالعروة الوثقى كالاعتصام بالحبل المتين مَثَلٌ في كلِّ اعتقاد مطابقٍ لا يحتمِلُ النقيضَ، فهو تشبيهٌ للمعقول المعلوم بالبرهان بالمحسوس المشاهَد. ولا مجازَ ولا استعارةَ في مفرداتها، والقول بالاستعارة في (العروة) تنزيل للكلام عن الدرجة العليا إلى الدرجة العالية، كما لا يخفى على مَن له كعبٌ عالٍ في صنعة (^٤) البلاغة.\n_________\n= قال الزمخشري: (فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام)، وعبارة البيضاوي هي عينها عبارة المؤلف.\n(^١) في (م): \"وأصله طوغوت مقلوب من طغووت\".\n(^٢) قوله: \"من … \"، متعلق بحال من فاعل \"أوثق\"، لا بـ \"أوثق\"، ولذا وضعنا قبلها الفاصلة لئلا توهم التعلق بالفعل فيختل المعنى.\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): (المأمونة)، والمثبت من (د)، وهو الأرجح؛ لأنها صفة سببية، فهي تتبع مرفوعها في التذكير والتأنيث، ومرفوعها هنا مذكر.\n(^٤) في (ك) و(م): \"صناعة\".","vol":"2","page":173},{"text":"﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ الفَصْمُ بالفاء: القطع بلا إبانةٍ، والقَصْمُ بالقاف: القطع مع الإبانة، ونفي الأول أبلغُ من نفي الثاني، كما أن إثباتَ الثاني أبلغُ من إثبات الأول، فتأمَّل.\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بالأقوال.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بالعزائم والعقائد، وهو أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ في عامة الناس، ويندرجُ تحته التهديدُ في حقِّ المنافق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-264\"> </span>(٢٥٧) - ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ناصرُهم ومتولِّى أمورِهم.\n﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ بالتوفيق والتأييد.\n﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: من ظلمات الشُّبَه والشكِّ والضلالة (^١).\n﴿إِلَى النُّورِ﴾: إلى نور اليقين والمعرفة والهداية.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾: الشياطين.\n﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ بالإغواء والوسوسة.\n﴿مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: من نور البيِّنات إلى ظلمات الشكِّ والشُّبَه.\nأو: وليُّ الذين أرادوا الإيمان يخرجهم بالهداية والتوفيق من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، والذين أرادوا الكفر يخلِّيهم مع شياطينهم الذين يُوالونهم يخرجونهم من نور البينات والدلائل الواضحة إلى ظلمات الكفر والشُّبه.\nجمع الظلماتِ ووحَّد النورَ لأن الباطل متعدِّدٌ والحقَّ واحدٌ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"والضلال\".","vol":"2","page":174},{"text":"﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وعيدٌ وتحذيرٌ، وفيه دلالة على ما في مقابِله من الوعد والتبشير، ولهذا اكتَفى به عنه، وإنما لم يَعكس محافظةً على الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-265\"> </span>(٢٥٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ تعجيبٌ من محاجَّة نمرود.\n﴿فِي رَبِّهِ﴾ يجوز أن يعود الضمير على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، إلا أن الراجح أن يعود على الذي حاجَّ لأن مساق الكلام فيه على وجه التعجيب عن حاله يقتضي ذلك.\n﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ مفعولٌ له؛ أي: لِأنْ أتاه اللّه الملك، يعني: أَبطرتْه النعمةُ، وحمله الملك على العتوِّ والكفر، فحاجَّ لذلك، أو وضَع المحاجَّةَ مكان ما وَجب عليه من الشكر فعَكس الأمر، والتعجيب على هذا الوجه أقوى، أو ظرفٌ؛ أي: وقتَ أنْ آتاه الله الملك.\nوهو حجَّةٌ على مَن (^١) منع إيتاءَ اللّهِ الملكَ الكافر من المعتزلة.\nوالجواب بأن المراد إيتاءُ الأسباب لا يَشْفي كما لا يَخْفَى على ذوي الألباب، وكذا ما قيل: ملَّكه امتحانًا إذ ما من قبيحٍ إلا ويمكن أن يكون فيه غرضٌ صحيح مثل الامتحان (^٢).\n_________\n(^١) \"من \"من (د).\n(^٢) قوله: \"والجواب بأن … \" تعريض بالزمخشري حيث ذكر في \"الكشاف\" (١/ ٣٠٥) هذين الجوابين=","vol":"2","page":175},{"text":"﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ نصبٌ على الظرف بـ (حاجَّ) على الأول، وبدلٌ من [أنْ] آتاه اللّه) على الثاني (^١).\n﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: يحيى الأموات ويميت الأحياء.\n﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي: أُعفي عن القتل وأَقتل، فأعرض إبراهيم ﵇ عنه وإن كان يتيسر (^٢) عليه أن يقول: ليس هذا بإحياء ولا إماتة، لكن كان هذا عند ملأ من الناس، وفيهم الضَّعَفة، فأراد إبراهيم ﵇ أن يفضحه فضيحةً ظاهرةً لا تخفى على أحدٍ، فجاء بما لا يمكنُه المعارضةُ بالتلبيس.\nوبهذا التفصيل اندفع ما قيل: ما كان ينبغي (^٣) للنبيِّ أن ينتقل، بل كان عليه إزاحةُ الشبهة دفعًا لوهم الإقحام.\nوأجيبَ: بأن ذلك إنما يكون إذا كانت للشبهة قوةٌ والتباسٌ (^٤) على السامعين، وأمَّا في الشبهة الواهية فيَحْسُن الإعراض عنها وعدمُ الالتفاتِ، سيما مع المجادل الأحمق، على أنه ﵇ ما أعرض عن الاعتراض إعراضًا كليًا، بل تَعرَّض له إجمالًا:\n﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ حيث أتى بالفاء\n_________\n= في صرف الآية عن ظاهرها دفاعًا عن مذهبه في الاعتزال القائم على وجوب رعاية الأصلح.\n(^١) قوله: \"على الوجه الثاني\"، يعني إذا جعل (أن آتاه) بمعنى الوقت. انظر: \"الكشاف \" (١/ ٣٠٥). وانظر كذلك: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٥)، و\"البحر\" (٤/ ٤٩٤)، وما بين معكوفتين منهما. وضعف هذا الوجه أبو حيان.\n(^٢) في (د): \"تيسر\".\n(^٣) \"ينبغي \"ليست (ف).\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \" والتبس \".","vol":"2","page":176},{"text":"الفصيحة عن كلام مقدَّر يناسب المقام؛ كأنه قال: لا يجديك هذا التلبيس في المادة المذكورة، فإن اللّه تعالى متفرِّد بفعلٍ لا مجال للتلبيس في معارضته فيه، ولا مجال له لأن يقول: إنه ليس من فعل ربك أيضًا كما أنه ليس من فعلي؛ لأنَّه ليس من الدهرية بل معترف بالحاجة في العالَم إلى الرب، ولهذا يدِّعي الربوبية.\n﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يقال: بَهَتَه؛ أي: حيَّره، والبهتان على إنسان هو الافتراءُ الذي يحيِّره.\nأي: انقطَع في هذا الإلزام الظاهر متحيِّرًا، قيل: كان انقطاعُه (^١) في الإلزامين جميعًا: في الأول عند العقلاء، وفي الثاني عند الكل.\nفإن قيل: هلَّا (^٢) قال نمرودُ لإبراهيم ﵇: فليأت بها ربُّك من المغرب؟\nقلنا: لأنَّه خاف (^٣) أنه لو سأل ذلك فَعَل اللّهُ لمَّا رأى منه بعضَ الخوارق، فإن هذه المحاجَّةَ كانت بعد خلاصه ﵇ من النار، فعلم الملعونُ أن مَن قَدَر على ذلك قَدَر عليه.\nقال الحسن: قال اللّه تعالى: وعزتي وجلالي لآتينَّ بها من المغرب تصديقًا لقولِ خليلي (^٤).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسَهم بالامتناع عن قبول الهداية.\nوقيل: لا يَهديهم محجَّة الاحتجاج.\n_________\n(^١) في (ح) و(ت) و(ك) و(م): \"متحيرا قبل انقطاعه\".\n(^٢) في (م): \"فهل لا\". وفي (ك): (فلا).\n(^٣) في (د): \"يخاف\".\n(^٤) ذكره القرطبي في \"تفسيره\" (٤/ ٢٨٩) فقال: ورُوِيَ في الخبرِ أنَّ اللهَ تعالى قال: وعِزَّتِي وجلَالِي لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى آتِي بالشَّمسِ مِن المَغْرِبِ لِيُعْلَمَ أَنِّي أَنَا القَادِرُ عَلَى ذَلِكَ.","vol":"2","page":177},{"text":"وفيه: أنه يُوهم أن يكون لنمرود طريقًا إلى المعارضة في الثاني إلا أنه تعالى لم يهده إليه؛ كما زعمه مَن قال: إن اللّه تعالى أنساه ذلك نصرةً (^١) لنبيِّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-266\"> </span>(٢٥٩) ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أصله (^٢): أو أرأيتَ مِثْلَ الذي مرَّ، فحُذف لدلالة ﴿أَلَمْ تَر﴾ عليه؛ لأن كلتيهما كلمةُ تعجيب.\nويجوز أن يكون من الكلام المحمول على المعنى دون اللفظ، كأنه قيل: أرأيت الذي حاجَّ إبراهيم، أو كالذي مرَّ على قرية، وإنما زيد هنا حرف التشبيه لأنَّه سلك طريقة الترقِّي في التعجيب، ولا يخفَى أن قولك: هل رأيت مثل هذا؟ أبلغ من قولك: هل رأيت هذا؟ ومَن لم يتنبَّه لهذا التزم زيادة الكاف، وأمَّا قصدُ التكثير بها فلا يناسبُ المقام، إنما المناسب له ما ذكرناه (^٣).\nوالقرية: هي مجتمَع الناس، من قولك: قَرَيتُ الماء في الحوض؛ أي: جمعتُه، والمراد هنا: إيلياء بلدةُ بيت المقدس، وكان بُخْتنصَّرُ البابليُّ خرَّبها.\n_________\n(^١) في (د): \"حسرة\".\n(^٢) \"أصله\" ليست في (ح) و(ف) و(ك).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"ذكرنا\".","vol":"2","page":178},{"text":"﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: ساقطة، يقال: خَوِيَ البيت - بكسر الواو - يَخْوَى خَوًى مقصورًا: إذا سقط، وخَوَى البيت بالفتح خَوَاءً ممدودًا: إذا خلا، فلا يجوز الجمع بينهما، والأول متعيِّنٌ للإرادة؛ لقوله:\n﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: سقوفها، واحدها: عَرْش، أي: سقطت السُّقوف ثم وقعت الحيطان عليها؛ كما هو الغالب في خراب (^١) البيوت.\n﴿قَالَ﴾ قيل: ظاهر الكلام أنَّ المارَّ القائل كان كافرًا بالبعث؛ لانتظامه مع نمرود في سلكٍ واحد، ولكلمة الاستبعاد.\nوانتظامُه مع إبراهيم ﵇ في مثلِ حاله - وهي طلبُ معرفة إحياء الموتى - ترجِّح أنه كان مؤمنًا، وقولُه:\n﴿أَنَّى يُحْيِي﴾ على هذا استعظامٌ لقدرة المُحْيي، واعترافٌ بالعجز عن معرفةِ طريق الإحياء، ولهذا اشتَهر أنه كان عُزيرًا، وقيل: الخضر، أراد أن يُعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرةً؛ كما أراد إبراهيم ﵇.\nويؤيد هذا: ذكر اللّه وإضافةُ الإحياء إليه في قوله:\n﴿هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فإنه لو كان الغرضُ إنكارَ البعث لكان حقَّه أن يقول: أنى تَحْيَى هذه بعد موتها.\n﴿أَنَّى﴾ في محل النصب على الظرف بمعنى: متى، أو على الحال بمعنى: كيف. والإشارةُ إلى أهل القرية.\nقال القائل هذا القول ثم ربط حماره ونام، فنزع اللّه تعالى الروح منه مئة سنةٍ، فالفاء\n_________\n(^١) في (ف): \"إخراب\".","vol":"2","page":179},{"text":"في قوله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ سببيةٌ لا تعقيبية، وحمارُه وعصيرُه وتبنُه عنده، وأعمى اللّه تعالى العيون عن رؤيته ﴿مِائَةَ عَامٍ﴾ أي: فأَلْبثه ميتًا (^١) مئة عام، أو: فلبث ميتًا مئة عام.\n﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ بالإحياء.\n﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ روي أنه ناداه منادٍ من السماء.\nوقيل: القائل هو الله تعالى. ويأباه الفصل؛ فإن حقَّ النظم حينئذ الوصلُ بالفاء أو (ثم).\n﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ إنما تردَّد لأن نومه كان أولَ النهار، وبعثَه قبل الغروب، ولم يَدْرِ أنه ذلك اليومُ أو ما بعده، وحملُ ﴿أَو﴾ على الإضراب تكلُّفٌ مستغنى عنه.\n﴿قَالَ﴾ المنادي: ﴿بَلْ لَبِثْتَ﴾ مكثتَ ﴿مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ﴾ لمَّا كان الأمر بالنظر للتنبيه على خارق (^٢) العادة، وكان ذلك مبنيًّا على ما تقدَّم، صدِّر بأداة الترتيب والتفريع.\n﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾ كان طعامه عنبًا أو تينًا.\n﴿وَشَرَابِكَ﴾ يعني العصيرَ.\n﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ لم يثنِّه - مع أنه في صَدَد الإخبار عن الشيئين - ردًّا للضمير إلى أقربهما ذكرًا؛ لأنَّه أسرعُ تغيرًا (^٣)، فاكتفَى بذكر حاله عن ذكر حال قرينه، والمعنى: لم يتغيَّر بمرور الزمان.\n_________\n(^١) \"ميتا\" ليست في (ك).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"خرق\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"تغييرًا\".","vol":"2","page":180},{"text":"واشتقاقه من السَّنَة، والهاء أصليةٌ إنْ قدِّر لامُ السَّنة هاءً، وهاءُ السكت إن قدِّرت واوًا.\n﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ الأمر بالنظر إلى الحمار ظاهرٌ في أنه (^١) بمرأًى منه على هيئةِ الحمار غير متغيِّر كالطعام والشراب، ولما كان بقاؤه حيًّا بلا ماءٍ ولا علي أبعدَ وأغربَ أعاد فيه الأمر بالنظر وأخَّره على طريقة الترقي.\nوقيل: والأدلُّ (^٢) على الحال، والأوفق لما بعده أن يكون المعنى: كيف تفرَّقت عظامه؟\nوَيرِدُ عليه أنه لا دلالة فيه على اللبث مئة سنة، فأنَّى الزيادةُ في الدلالة؟ وما بعده ذو الوجهين فلا ترجيح من تلك الجهة.\nوفي نظم الأمر بالنظر إلى الحمار مع الأمر بالنظر إلى الطعام والشراب دون الأمر بالنظر إلى العظام، حيث فرق بينهما بقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: فعلنا ذلك ليتبيَّن (^٣) لك الحال ولنجعلك عبرةً للناس ودلالةً لهم على البعث= إشارةٌ ظاهرة إلى أن الحمار من جملة الباقين كما كان، لم يمت مع صاحبه على ما نُقل عن السدِّيِّ (^٤)، وبه أخذ كثير من المفسرين.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"بأنه\".\n(^٢) في (د) و(ح) و(ف) و(ك): \"والأول\"، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر: \"روح المعاني\" (٣/ ٤٣٢).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"ليتبين\".\n(^٤) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" (٤/ ٦٠٧) في خبر طويل وفِيه: (.. وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، وانظر إلى عظامه كيف نُنشِزُها ثم نكسوها لحمًا، فبعث اللّه ريحًا، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع، فاجتمعت، فركّب بعضها في بعض وهو ينظر ..).","vol":"2","page":181},{"text":"وإنما قلنا: إن الواو للعطف على المقدر؛ لأن المقام مقام الفصل؛ للتباين بين الجملتين إنشاءً وإخبارًا، ومَن لم يتنبه له قال: أي: وفعلنا ذلك لنجعلك آية (^١).\nفإن قلتَ: لا بد للحذف (^٢) من قرينةٍ.\nقلتُ: نعم، وكفى قولُه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ قرينةً له.\nروي: أنه أتى قومه على حماره وقال: أنا عزير، فكذَّبوه، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله، فعرفوه بذلك وقالوا: هو ابن الله.\nوقيل: لما رجع إلى منزله كان شابًّا وأولادُه شيوخ، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديثُ مئة سنة.\n﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ يعني: عظامَ الموتى الذين (^٣) تعجبت من إحيائهم.\n﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي؛ أي: المعجمة؛ أي: نرفعُها من الأرض، ونردُّها إلى أماكنها من الجسد، ونركِّب بعضها على بعضٍ، وقُرئ بغير المعجمة من الإنشار (^٤) وهو الإحياءُ، وإحياءُ العظم: جَعْلُها عماد الأحياء، ولما كان اللحم فضلةً لا يتوقَّف (^٥) عليه بِنيةُ الحياة نبَّه عليه بكلمة التراخي في قوله (^٦):\n﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾: نُلبسها ﴿لَحْمًا﴾ وهو مجازٌ عن سترها به، وإنما وحِّد اللحمُ مع جمع العظام لأن العظام متفرِّقة متعدِّدة صورةً، واللحمَ متصلٌ متَّحدٌ مشاهَدةً.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"للناس\".\n(^٢) في (ف): \"للمحذوف\".\n(^٣) في (ف): \"الذي\".\n(^٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون بالزاي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٢).\n(^٥) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"يوقف\".\n(^٦) في (م): \"بقوله\".","vol":"2","page":182},{"text":"و﴿كَيْفَ﴾ منصوب بـ ﴿نُنْشِزُهَا﴾، والجملة حالٌ من العظام، أي: انظر إليها مُحْياةً.\nكذا قيل، والأوجَهُ أن يكون في موقع البدل من ﴿الْعِظَامِ﴾، والتقدير: وانظر إلى العظام كيفيةِ إنشازِها، على نمط قول الشاعر:\nإلى اللّه أشكو بالمدينةِ حاجةً … وبالشام أُخرى كيف يلتقيانِ (^١)\nأي: أشكو هاتين الحاجتين كيفيةَ التقائهما.\n﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ﴾؛ أي: الحال، على ما دل عليه سياق المقال.\n﴿لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إحياء الموتى وغيرِه، وعُلِمَ من قوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ دون: علمت، أنه متعجِّب (^٢) دون منكِرٍ. وقرئ: ﴿أَعْلَمُ﴾ على الأمر (^٣)، والآمرُ مخاطبُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-267\"> </span>(٢٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ﴾ استعطافٌ بين يدي السؤال.\n﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ كان موقنًا به إيقانَ غيبٍ، فأَحَبَّ أن يُوقِنَ به إيقانَ عِيَانٍ.\n_________\n(^١) البيت للفرزدق كما في \"خزانة الأدب\" للبغدادي (٥/ ٢٠٥).\n(^٢) في (ك): \"مستعجب\".\n(^٣) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٢).","vol":"2","page":183},{"text":"﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ الواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أتقولُ ذلك ولم تؤمن بأنِّي قادر على إحياء الموتى بإعادة التركيب والحياة.\n﴿قَالَ بَلَى﴾ آمنت ﴿وَلَكِنْ﴾ سألتُ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ليزيد سكونًا بتظاهُرِ الأدلَّة، ومُضَامَّةِ علمِ الضرورة علمَ الاستدلال، فإنه لا مجالَ للتشكيك في الضرورَّيات بخلافِ الاستدلالِ.\nوالطمأنينة: السكون، والمطمئنُّ من (^١) الأرض: ما انخَفض منها.\nوحكمةُ خطاب الله تعالى إياه قطعُ أوهام الجهَّال بجوابه؛ كيلا يَظنُّوا به ﵇ شكًّا فيه.\nولقد أجاد فيما أفاد مَن قال: الظاهرُ أنه ﵇ سأل عن كيفيَّة الإحياء لا عن آنيَّته، وهي غيرُ معلومةٍ لا استدلالًا ولا ضرورةً، نعم العلمُ الإجماليُّ بأنْ لا بد له من كيفيةٍ حاصل (^٢)، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ إشارةٌ إلى أن العلم الإجماليَّ كافٍ فيما يجب أن يُعتقد ويُؤمَن به في هذا الباب، وقولُه ﵇ في الجواب: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ إشارةٌ إلى أن العلم التفصيليَّ أقوى، وفيه حظوةٌ خاصةٌ للعارف، وأن العِيَان وراء ما يدلُّ عليه البرهان، ومن هذا التقرير يَلُوح تفاوتُ ما بين كلمتي الخليل وعزيرٍ ﵉.\n﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال في \"المُغْرِب\": الطير اسمُ جمع مؤنَّث، وقد يقال للواحد؛ عن قطربٍ، وكذا حكاه ثعلبٌ عن أبي عبيدةَ، وجمعه: طيور، وعليه قول محمد في المحرِم يذبح الطير المسرْوَلَ (^٣).\n_________\n(^١) في (ح) و(ك): \"في\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"حاصلة\".\n(^٣) انظر: \" المغرب \" للمطرزي (مادة: طير). قوله: (المسرول) هو الذي في رجليه رش كأنه سراويل. =","vol":"2","page":184},{"text":"وإنما خُصَّ الطيرُ من بين سائر الحيوانات؛ لأن للطائر ما للسائر، وله زيادةُ الطيران، ولأنه هوائيٌّ ومائيٌّ وأرضيٌّ، فكانت الأعجوبةُ في أحيائه أكثرَ، ولهذا قال عيسى ﵇: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩].\n﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أَمِلْهُنَّ واضمُمْهنَّ إليك لتتأمَّلها وتعرفَ شأنَها؛ لئلَّا تَلتبسَ عليك (^١) بعد الإحياء، وقرأ ابن عباس ﵄: (فصُرَّهن) بضمِّ الصاد وكسرِها وتشديدِ الراء (^٢)، من صَرَّه: إذا جمعَه.\n﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ أي: ثم جزِّئهنَّ وفرِّق أجزاءهنَّ على الجبال، وعبارةُ (كلّ) في مثل هذا للمبالغة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فلا حاجةَ إلى تقييد الجبال بـ: التي بحَضْرتك (^٣).\n﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ قل لهنَّ: تعالَيْنَ لإذنِ اللّه.\n﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾: سِراعًا (^٤) في مشيهنَّ على أرجلهنَّ، أو في طيرانهنَّ، والتجوُّز ﴿سَعْيًا﴾ عقليٌّ للمبالغة؛ كما في: عدل، في: (رجلٌ عدلٌ).\nروي: أنه ﵇ أُمر بأنْ يذبحَها وَينتفَ ريشَها ويقطِّعَها، فيمسكَ رؤوسها\n_________\n=المصدر نفسه (مادة: سرول).\n(^١) في النسخ: \"إليك\"، والتصويب من \"الكشاف\" (١/ ٣١٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٧) والكلام منه.\n(^٢) في (ف) و(م): \"وبتشديد الراء\". والقراءتان في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦)، و\"المحتسب\" (١/ ١٣٦)، و\"الكشاف\" (١/ ٣١٠).\n(^٣) رد على الزمخشري والبيضاوي في تقييدهما بذلك. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٧).\n(^٤) في النسخ عدا (ك): \"إسراعًا\"، والمثبت من (ك).","vol":"2","page":185},{"text":"ويخلطَ سائر أجزائها ويوزعَها على الجبال ثم يناديَهنَّ، ففعل كذلك، فجُعل كلُّ جزء إلى الآخر حتى صارت جُثثًا ثم أقبلن فانضَمَمْن إلى رؤوسهن.\nوفيه دلالة على يُمْنِ الضراعة في الدعاء، وحُسنِ الأدب في السؤال، وعلى فضل إبراهيم ﵇ على عزيرٍ ﵇، حيث أَراه في الحال ما أراد أن يراه على أيسر (^١) الوجوه، وأَراه عزيرًا ﵇ بعد أن أماته مئة عام.\n﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يَعجز عن شيء بل يتصرَّف في كلِّ شيء بالقدرة الغالبة.\n﴿حَكِيمٌ﴾: ذو حكمةٍ بالغةٍ في أفعاله، فلا يَصدُر عنه خوارقُ العادات إلا قَدْرَ ما تقتضيه الحكمة البالغة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-268\"> </span>(٢٦١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: على وجهٍ يُتوسَّل به إلى رضائه تعالى.\n﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾؛ أي: مَثَلُ نفقة الذين .. كمَثَلِ حبَّة، أو: مَثَلُ الذين .. كمَثَل باذِرِ حبةٍ، واعتبارُ حذف المضاف وتقديرِه في جانب المشبَّهِ أو المشبَّه به لتَحصل ملائمةُ المثَل للمثَل، وإن كان التشبيه من المركَّب الذي لا عبرةَ فيه بتشبيه المفردات.\n﴿أَنْبَتَتْ﴾ الإنباتُ فعل اللّه تعالى، وإنما أُسند إلى الحبة مجازًا لكونها من الأسباب.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"أسر\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٧).","vol":"2","page":186},{"text":"﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إيراد جمع الكثرة في موضع تمييز السبع مكانَ جمع القلَّة وهو سنبلات قد مر توجيهه في ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: يَخرج منها ساقٌ يتشعَّب منها سبعُ شُعبٍ لكلٍّ منها سنبلةٌ فيها مئةُ حبة، وهو تمثيل لا يقتضي وقوعَه، على أنه قد يكون في الذرة والدُّخْن (^١) وغيرهما في الأراضي المُغِلَّة.\n﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ﴾ تلك المضاعفةَ.\n﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من المنفِقين، لا لكلِّ منفقٍ؛ لتفاوُتِ أحوالهم ونيَّاتهم في أعمالهم، ومن أجل ذلك تفاوتت (^٢) الأعمال في مقادير الثواب.\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ لا يَضيق عليه ما يتفضَّل به من الزيادة.\n﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّةِ المنفِقِ وقَدْرِ المنفَق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-269\"> </span>(٢٦٢) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ نزلت في عثمانَ ﵁، فإنه جهَّز جيش العُسرة بألف بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، وعبدِ الرحمن بن عوفٍ ﵁ فإنه أتى النبيَّ ﷺ بأربعة آلاف درهمٍ صدقةً (^٣).\n_________\n(^١) الدخن: حب الجاوَرْس، أو حبٌّ أصغر منه، أملس جدًا، بارد يابس. انظر: \"القاموس\" (مادة: دخن).\n(^٢) في (ك): \"تتفاوت\".\n(^٣) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٨٧) عن الكلبي، وقال الشهاب في \"الحاشية على=","vol":"2","page":187},{"text":"﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ المنُّ: أن يعتدَّ بإحسانه على مَن أَحسن إليه، والأذى: أن يتطاول عليه بسببِ ما أَنعم عليه، والتنكيرُ في الموضعين للتقليل.\nو﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في المعطوف باعتبار الانتهاء، وفائدتُه: الدلالةُ على لزوم الاستمرار على عدم إتباعهم ما أنفقوا (^١) بالمنِّ والأذى في استحقاق الأجر المذكور، ومَن لم يتنبَّه لهذه الدقيقة الأنيقة قال: إنها للتفاوت بين المعطوفين (^٢).\n﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ قيل: لعله لم يُدخل الفاءَ فيه - وقد تضمَّن ما أُسند إليه معنى الشرط - إيهامًا (^٣) بأنهم أهل لذلك وإنْ لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا؟ ومبناه الغفلةُ (^٤) عن الفرق بين مطلَق الثواب والذي يعطي أجرًا، فإن الثاني لا يُتصور بدون العمل.\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مهيَّأٌ (^٥) محفوظٌ لا يَحتمل الضَّياع، ولا أَلمَ الانتظار لتحصيله وقتَ الحاجة.\n﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب، والتنكيرُ للتقليل.\n﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لنقصانٍ في الثواب.\n* * *\n_________\n= البيضاوي\" (٢/ ٣٤١): قيل: إنه لا أصل له في كتب الحديث.\n(^١) في (م): \"أنفق\".\n(^٢) رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١١)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٨).\n(^٣) في (ح) و(م) و(ف): \"إلهامًا\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٨).\n(^٤) رد على البيضاوي صاحب القيل المذكور. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٨).\n(^٥) \"أي مهيأ\" ليس في (د).","vol":"2","page":188},{"text":"<span id=\"aya-270\"> </span>(٢٦٣) - ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾.\n﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ أي: كلامٌ جميلٌ في ردِّ مَن التمَس منك صدقة.\n﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: تجاوُزٌ عنه إذا أساء السؤالَ، أو سترٌ عليه حالَه فلا تعيِّره بفقره ولا تَهتكُ سترَه (^١) عند الناس، سأل أعرابي قومًا بكلام فصيحٍ، فقال له قائل: ممن الرجلُ؟ فقال: اللهم غَفْرًا سؤالًا لاكتسابٍ (^٢) يمنع من الانتساب.\n﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ خبرٌ عن مجموع القول الموصوف والمغفرة، والتوصيفُ مما يصحِّح (^٣) الابتداء بالنكرة، والعطفُ على المخصِّص مخصِّصٌ (^٤).\n﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن كلِّ شيءٍ من صدقةٍ وغيرها، وإنما دعاكم إليها لينفعَكم بها.\n﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجلُكم بالعقوبة على سوء صَنيعكم في معاملتكم مع الغير، خصوصًا مع الفقراء السائلين.\nوعيدٌ شديدٌ وسخطٌ بليغٌ؛ لِمَا ورد في الحديث القديم: نعوذُ باللّه من غضب الحليم (^٥).\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"سره\".\n(^٢) \"سؤالًا لاكتساب\" كذا في جميع النسخ، والذي في المصادر: (سوء الاكتساب). انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ٣٥٧)، و\"مجمع الأمثال\" (١/ ٣٤٣)، و\"المستقصى في أمثال العرب\" (٢/ ١٢٣)، و\"تفسير القرطبي\" (٤/ ٣٢٨). ورواه الدينوري في \"المجالسة\" (١٣٨٦) عن الأصمعي قال: (رأيت أعرابيا بمنى …)، فذكر القصة مع زيادات، وقال الأعرابي في آخرها: (إن ذل الاكتساب يمنع من عز الانتساب)، واللّه أعلم بالصواب.\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"يصح\".\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"رد لما في تفسير القاضي من التخصيص بلا طائل مما فيه من إيهام باطل. منه\".\n(^٥) قال العجلوني في \"كشف الخفاء\" (١/ ١٦٦): ليس بحديث كما زعم البعض.","vol":"2","page":189},{"text":"<span id=\"aya-271\"> </span>(٢٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾: لا تُحبطوا أجرها، وتخصيص الخطاب بالمؤمنين لعدم الاحتمال للإبطال في صدقات غيرهم؛ لأنَّه (^١) فرعُ الاستحقاق للأجر، وهو مقصود (^٢) فيها.\n﴿بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾؛ أي: لا بذاك ولا بهذا (^٣).\n﴿كَالَّذِي﴾؛ أي: مماثلِين الذي ﴿يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ تشبيهٌ من جهة المعنى، فإن ما تقدَّم في معنى: لا تضيِّعوا أموالكم بصدقاتٍ بالمنِّ مشوبة وبالأذى مصحوبة، وهذا في معنى: كالذي ضيَّع ماله بالإنفاق رياءً، والمشبَّهُ به أقوى لأنَّه ضيَّع ماله ابتداءً، فمَن وَهَم أن فيه إبطالًا فقد وَهِم.\nوالرياء: مصدر راءى من الرؤية، وهو أن يُريَ الناس ما يفعله من جنس البِرِّ حتى يُثنوا عليه ويعظِّموه، ويظنوا أنه من أهل الخير وممن ينفِق لوجه اللّه تعالى.\nوانتصب ﴿رِئَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له، أو الحالِ بمعنى: مرائيًا، أو مصدر؛ أي (^٤): إنفاقًا رياء.\n﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: لا يعتقدُ لا بالمبدأ ولا بالمعاد، فلا حاجة في\n_________\n(^١) في (ف): \"لأن\".\n(^٢) في (د): \"معقود\".\n(^٣) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"قال القاضي: بكل واحد منهما، صوابه: بواحد منهما\".\n(^٤) في (ك): \"أو مصدرًا\".","vol":"2","page":190},{"text":"زعمه إلى الزاد، وإنما قيَّده به مع تمام الغرض من التشبيه بما تقدَّم - فإنه لا ثواب للإنفاق رئاءً وإن كان المنفِق مؤمنًا - تغليظًا في الزجر للمنفِق المؤذِي المنَّان، وإيماءً إلى أن تلك الحالَ لا تليق بمَن يَعتقد بالمَعاد والاحتياجِ إلى الزاد.\nوأمَّا تخصيصُ المراد من المشبَّه به بالمنافق فلا يقتضيه المقام، ولا قرينةَ له في الكلام.\n﴿فَمَثَلُهُ﴾ أي: لمَّا كان حالُ المنفِق (^١) رئاءً كذلك فمَثَلُه.\n﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: حجرٍ أملسَ.\n﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ تقديم الجارِّ والمجرور لأن بيانَ مدلوله (^٢) أهم.\n﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾، أي: مطرٌ شديدُ الوقع كبيرُ القَطْر.\n﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: أملسَ نقيًّا من التراب.\n﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ استئنافٌ، كأنه قيل: ما بال المنفقين رئاءً مُثِّلوا بالصَّفوان المذكور؟ فقيل: ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ أي: لا ينتفعون بشيء منه، وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل بأنَّ (الذي ينفق) في معنى الجمع، أو بأن (مَن) و(الذي) يتعاقبان، إنما الحاجةُ إليه على تقدير أن يكون ﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ حالًا مِن (الذي ينفق).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون (^٣)، فالهدايةُ في حقِّهم في حكم المعدوم، وعلى هذا قولُه تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وإلا\n_________\n(^١) في (م): \"لما كان المنفق ماله\".\n(^٢) في (م): \"تقديم الظرف على المبتدأ لأن مدلوله\".\n(^٣) قوله: \"لا يوفِّقهم بعد الهداية حتى يهتدون\"، كذا في النسخ.","vol":"2","page":191},{"text":"فالهدايةُ إلى الخير والرشاد تعمُّ الفريقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].\nوفيه تعريضٌ بأن الرياء والمنَّ والأذى على الإنفاق من أخلاق أهل الكفر والنفاق، فلا بد للمؤمن أنه يَتجنب عنها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-272\"> </span>(٢٦٥) - ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: لطلبِ رضاه.\n﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلمة ﴿مِنْ﴾ إما للتبعيض كما في قولهم: هز مِن عِطفه؛ أي: ليُثبِّتوا بعضَ أنفسهم، فإن (^١) مَن بذل ماله لوجه الله تعالى فقد تبَّت بعضَ نفسه؛ لأن المال شقيق الروح، ومن بذل ماله وروحَه معًا فقد ثبَّت كلَّها.\nوإمَّا لابتداء الغاية كما في قوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، أي: تثبيتًا للإيمان صادرًا من أنفسهم؛ لأن الإنفاق أمارةُ أن الإيمان من أصلِ النفس.\nوَيحتمِل أن يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقةُ الإيمان مخلِصة فيه، ويعضُده قراءة مجاهد: (وتبيينًا من أنفسهم) (^٢)، وهذا يتمشَّى على التبعيض والابتداء، وفيه تنبيهٌ على أن حكمةَ الإنفاق تزكيةُ (^٣) المنفِق نفسَه عن البخل وحبِّ المال، فإنه رأسُ كل خطيئة.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) سقط: \" فإن\"، وفي (ك): \"لأن\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٣).\n(^٣) في (ف) و(م): \"لتزكية\".","vol":"2","page":192},{"text":"﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ بموضعٍ مرتفعٍ من الأرض، والرَّبْو: الزيادة، ومنه: الرِّبا، وأصابه رَبْوٌ: إذا زاد نَفَسُه في جوفه على عادته.\nأي: ومَثَل نفقة هؤلاء في الزكاة كمَثَلِ بستانٍ بموضعٍ مرتفعٍ، فإن شجره يكون أحسنَ منظرًا وأزكى ثمرًا. وقد قرئ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ بالحركات الثلاث (^١).\n﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ قد مر تفسيره.\n﴿فَآتَتْ﴾؛ أي: أعطت، وحُذف المفعول لأن المقصود ذكر ما يُثمر لا لمَن يُثمر (^٢).\n﴿أُكُلَهَا﴾ الاكُل بالضم: الطعام الذي يؤكل، والمراد: الثمرة.\n﴿ضِعْفَيْنِ﴾: مِثْلَي (^٣) ما كانت تُثمر بسببِ الوابل، وانتصابُه على الحال؟ أي: مضاعَفًا، والضعفُ يراد به الواحدُ كما يرادُ بالزوج؛ قال اللّه تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: ٤٠]، وقيل: أربعة أمثال، ونسبةُ الإيتاء إليها مجازَّيةٌ والفاءُ سببيَّة.\n﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: فمطرٌ صغيرُ القطر يكفيها، لكَرَمِ مَنْبِتها ولطافةِ هوائها.\nوالمعنى: أن نفقات هؤلاء زاكيةٌ عند اللّه تعالى لا تَضيع بحالٍ، وإن كانت تتفاوَتُ باعتبارِ ما ينضمُّ إليها من أحواله.\nأو مُثِّلَ حالُهم عند اللّه بالجنة على الربوةِ، ونفقتُهم الكثيرة والقليلة بالوابل\n_________\n(^١) الفتح والضم في الراء قراءتان سبعيتان. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٣). والقراءة بالكسر تنسب لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦).\n(^٢) في (د): \"ذكر ما ثمر لا لمن ثمر\".\n(^٣) في (م) و(ف): \"مثل\".","vol":"2","page":193},{"text":"والطلِّ، وكما أن كلَّ واحد من المطرين يُضعِفُ أُكُلَ الجنة، فكذلك نفقتُهم كثيرةً كانت أو قليلةً بعد أن يُطلب بها وجهُ اللّه تعالى، ويُبذَلَ فيه الوسعُ، زاكيةٌ عند اللّه، زائدةٌ في زُلْفاهم (^١) وحُسنِ حالهم.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ترهيبٌ عن الربا، وترغيبٌ في الإخلاص، وإنما قال: ﴿بَصِيرٌ﴾ دون: خبير؛ تنزيلًا لسرائرهم منزلةَ الظواهر لعدم التفاوُت بالنظر إلى اللّه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-273\"> </span>(٢٦٦) - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الهمزة فيه للإنكار.\n﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ النخيل: جمع نخل (^٢) كالعبيد جمع عبد، والنَّخْل يكون واحدًا فيذكَّر قال اللّه تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ويكون جمعًا لنخلةٍ - كالنَّمل جمعِ نملةٍ - فيؤنَّث قال اللّه تعالى ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. والأعنابُ: جمع عِنَب.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾، أي: من تحت تلك الأشجار.\n﴿الْأَنْهَارُ﴾ الجاري في الحقيقة مياؤها (^٣)، فلا بد من التجوُّز في المسنَد أو\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(م): \"زلفائهم\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"كالبعير جمع بعر\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (مياهها).","vol":"2","page":194},{"text":"في الإسناد، وبالماء (^١) نماؤها وبهاؤها.\n﴿لَهُ فِيهَا﴾ أي: في تلك الأشجار ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ كلمة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التكثير (^٢) لا للتحديد، والمرادُ من الثمراتِ: المنافعُ.\nوقيل: ضمير ﴿فِيهَا﴾ للجنة، جعَلها من النخيل والأعناب مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبًا لهما؛ لشرفهما وكثرة منافعهما، ثم ذكر أنَّ فيها من (^٣) كلِّ الثمرات ليَدلَّ على احتوائها على سائر أنواع الأشجار، وعلى هذا يكون ﴿لَهُ فِيهَا﴾ صفةً أخرى للجنة من قَبيل الصفة الأولى، ولا يناسبه الفصل بينهما بقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ أمَّا إذا كان الضمير للأشجار فظاهرٌ، وأما إذا كان للجنة فلأنه صفةٌ من جنسٍ آخَرَ.\n﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَر﴾؛ أي: كِبَر السنِّ، وإصابتُه كنايةٌ عن العجز عن الكسب، فإنَّ الفاقةَ والعالةَ في زمانِ العجز عن الكسب أشدُّ (^٤). والواوُ للحال، أو للعطفِ حملًا على المعنى، فكأنه قيل: أيَوَدُّ أحدُكم لو كانت له جنةٌ وأصابه الكبر.\n﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾: صغارٌ لا قدرة لهم على الكسب.\n﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَار﴾ عطفٌ على (أصابه)، أو على ﴿تَكُونَ﴾ على اعتبارِ المعنى.\nوالإعصار: ريحٌ عاصفةٌ تنعكس من الأرض إلى السماء ملتفَّةً في الهواء، حاملةً للتراب، مستديرةً كالعمود.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"والماء\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"التنكير\".\n(^٣) كلمة: \"من\" من (ك).\n(^٤) في (د): \"أشر\".","vol":"2","page":195},{"text":"﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾؛ أي: الجنةُ بالنار، فصارت نعمها إلى الذهاب، وأصلُها إلى الخراب، فكما (^١) يَبْقى هو وذريتُه في الحسرات لتقطُّع الأسباب، فكذا الكافرُ والمنافقُ والمرائي والمنَّانُ والمؤذي يتحسرون على صدقاتهم يوم يقوم الحساب، حين فاتهم الثواب، وحَقَّ عليهم العذاب.\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ بضربِ الأمثال؛ لأنَّه أوضح بيانًا وأفصحُ تبيانًا؛ لِمَا فيه من تصوير المعقول بصورة المحسوس المشاهَدِ عِيَانًا.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتفكرون فيها، والتفكُّر فيها كنايةٌ عن الاعتبار بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-274\"> </span>(٢٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الطيِّبُ وراءَ الحلال؛ لأن الحِلَّ يُجامع الكراهة، والطَّيبُ ما لا حظر (^٢) فيه لا بسببِ الحُرمة ولا بسبب الكراهة.\nو﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَنتظِم أنواع ما يُملك بأسباب الكسب؛ من التجارة والزراعة وغيرهما.\n﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: بلا مُؤنةِ كسبٍ منكم، دل على ذلك إضافةُ الإخراج إلى نفسه تعالى دون المنفقين، وقد أضاف قرينَه السابقَ إليهم، والمراد منه:\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"وكما\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"خطر\".","vol":"2","page":196},{"text":"المباحاتُ التي ملكوها بالإحراز، ولا حاجة فيه إلى قيدِ الطيِّب لعدم الحظر فيه بوجهٍ من الوجوه، ولهذا قال اللّه تعالى: ﴿وَمِمَّا﴾ عطفًا له على الطيبات، دون: (وما) عطفًا له على مدخولها، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أي: ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمر والمعادن فحذف المضاف لتقدم ذكره (^١). ولم يَدْرِ أنه حينئذٍ حقُّه عدمُ زيادةِ (مِن) كيلا يحتاجَ إلى التقدير، ولا يخفَى أنه من قبيل التطويل المخِلِّ للبلاغة (^٢)، لا من قبيل الأطناب المفيد.\n﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: ولا تقصِدوه، وهو أبلغ من: ولا تنفقوا الخبيث، ومعناه: الرديء، وخَبَثُ الفضة والحديد: ما نفاه الكير لأنَّه ينفي الرَّديء، وهو ينتظَم الحرام والمكروه.\n﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ في محل النصب على الحال، والضمير البارز لـ ﴿الْخَبِيثَ﴾، وتقديم الجارِّ والمجرور للتخصيص؛ أي: تخصُّون بعضًا منه بالإنفاق؛ لأن شُحَّ النفس وحبَّ المال يقتضي تخصيصَ شيء من الرديء وما يَشتبِهُ حالُه بالإنفاق، وهو منافٍ لفضيلة البِرِّ، قال اللّه تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وفيه توبيخٌ وتعيير وتعريض بما كانوا يفعلونه (^٣).\nويجوز أن يكون الضمير المذكور لمجموع (^٤) المكسوب والمُخرَج؛ كما في قوله:\n_________\n(^١) قائل هذا هو البيضاوي، متابعًا للزمخشري في قوله: (معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم، إلا أنه حذف لذكر الطيبات). انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٩).\n(^٢) في (ك): \"بالبلاغة\".\n(^٣) في (م): \"يفعلون\".\n(^٤) في (ك): \"لجميع\".","vol":"2","page":197},{"text":"كأنه في الجلدِ توليعُ البَهَقْ (^١)\nو﴿تُنْفِقُونَ﴾ حالٌ مقدَّرة من فاعل ﴿تَيَمَّمُوا﴾.\n﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ الأخذ كنايةٌ عن الاختيار، ضرورةَ أنه مأخوذٌ حقيقةً؛ لِمَا عرفتَ أنه مكسوبٌ أو محرَزٌ؛ أي: وحالُكم أنكم لا تختارونه لأنفسكم لرداءته.\n﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ في محلِّ النصب على الظرف؛ أي: إلا وقتَ أن تُغمضوا (^٢)؛ أي: أن تتسامحوا في أَخْذه، مجازٌ من أَغْمَضَ بصرَه: إذا غَضَّه.\nوقرئ: (تُغْمَضوا) (^٣)؛ أي: تُحْمَلوا على الإغماض، أو توجَدوا (^٤) مُغمِضين.\nرُوي أنهم كانوا يتصدَّقون بحَشَف التمر وشراره (^٥) فنُهوا عنه.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لإنفاعكم.\n﴿حَمِيدٌ﴾ مستحِقٌّ للحمد على الأمر بذلك مع استغنائه عنه؛ لينفعَكم ذلك في الدارين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-275\"> </span>(٢٦٨) - ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: ١٠٤). والبهق: بياض يعتري الجلد يخالف لونه، وليس من البرص، والبيت في وصف مفازة.\n(^٢) في (ك) و(م) زيادة: \"فيه\".\n(^٣) تنسب لقتادة. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٥).\n(^٤) في النسخ: \"وتوجدوا\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٦٠)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٤٥٦).\n(^٥) في (ح) و(د): \"وشراب\"، وفي (ف): \"وشرابه\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣١٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٦٠).","vol":"2","page":198},{"text":"﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ في الإنفاق، والوعدُ على الإطلاق يُستعمل في الخير كالوعيد في الشر، ويُستعمل في الشر أيضًا إذا قيِّد بما به.\n﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ يُغريكم على البخل ومنعِ الصدقات إغراءَ الآمر للمأمور، والفاحشُ عند العرب: البخيل.\n﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ﴾ في الإنفاق ﴿مَغْفِرَةً﴾ لذنوبكم، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ للّه تعالى.\n﴿وَفَضْلًا﴾ وأنْ يُخلف عليكم أفضلَ مما أَنفقتم في الدنيا، أو ثوابًا في الآخرة.\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ أي: واسع الفضل لمن أنفق ﴿عَلِيمٌ﴾ بإنفاقه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-276\"> </span>(٢٦٩) - ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\n﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ﴾ يوفِّق العلمَ والعملَ به.\n﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مفعولٌ أوَّلُ أُخِّر للاهتمام بالثاني.\n﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ بناه للمفعول لأنَّه المقصودُ، وقرئ بالكسر (^١)؛ أي: ومَن يؤتِهِ اللّه تعالى.\n﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ التنكيرُ للتعظيم؛ كأنه قال: فقد أُوتي (^٢) أيَّ خيرٍ كثير.\n﴿وَمَا يَذَّكَّر﴾؛ أي: وما يتَّعِظ بما ذُكر من الآيات.\n_________\n(^١) هي قراءة يعقوب من العشرة، ويثبت الياء في الوقف. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٣٥).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"أتي\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣١٦).","vol":"2","page":199},{"text":"﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركونِ إلى الهوى، والمراد به الحثُّ على العمل بما تضمَّنت به الآيُ في معنى الإنفاق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-277\"> </span>(٢٧٠) - ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.\n﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ قليلةٍ أو كثيرةٍ، سرًّا أو علانيةً في حقٍّ، رياءً أو لوجه اللّه تعالى أو باطلِ.\n﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْر﴾ بشرطٍ أو بغيرِ شرطٍ، في طاعةٍ أو معصيةٍ.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ على أبلغ وجهٍ؛ لأن العلم في مثلِ هذا المقام كناية عن العمل بمُوجَبه، يقال: فلان لا يعلم الإحسان؛ أي: لا يعمل بمقتضاه (^١).\n﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين يَمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالَهم رياءً، أو مع المنِّ والأذى، أو لا لوجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته، أو يخصون الإنفاق بالخبيث الرديء، أو ينفقون في المعاصي، أو لا يَفُون بالنذور، أو يَنذرون في المعاصي، فإن الظلم - وهو في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه المستحقِّ له - عبارةٌ جامعة لهذه الأحوال كلها.\n﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ينصرُهم مِن اللّه تعالى ويمنعُهم من عقابه.\nوالعدولُ عن نفي المفرَد - وهو أبلغُ من نفي الجمع بحسب جليلِ النظر - رعايةٌ لمقابلةِ الجمع بالجمع والتوزيع؛ أي: لا ناصر لظالمٍ قط، وهذا أبلغُ بحسب دقيق النظر.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ومن قال: فيجازيكم عليه، لم يتنبه للكناية المذكورة. منه \".\nقلت: والمراد بهذا الرد البيضاوي. انظر \"تفسيره\" (١/ ١٦٠).","vol":"2","page":200},{"text":"<span id=\"aya-278\"> </span>(٢٧١) - ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\n﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (ما) نكرةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ؛ أي: فنِعْمَ شيئًا إبداؤها، فوُضع ﴿هِيَ﴾ موضعَ إبداؤها؛ أي: الصدقات المُبْداة.\n﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ اعتَبر هذا القيدَ هنا ولم يَعتبره فيما سبق؛ إذ لا تأثير له ثمةَ، فإن الصدقة نعمَّا هي سواءٌ كانت للفقير أو للغني، إنما تأثيره في كون إخفائها خيرًا من إبدائها، وذلك عند كونها للفقير، لِمَا فيه من ستر حاله وصَونها عن شَوْب الرياء، فإنه لا بد منه إذا كانت لوجهِ اللّه تعالى، وذلك إذا كانت للفقير، وأمَّا إذا كانت للغنيِّ فلا يكون لوجه اللّه تعالى، فلا حاجة إلى الصَّون المذكور، ولا إلى السَّتر المزبور.\n﴿فَهُو﴾؛ أي: فالإخفاء مع إصابةِ موضع الاستحقاق ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ هذا في المندوبات.\nوأما في الواجبات فالإظهارُ أفضل؛ عن ابن عباس ﵄: صدقات السرِّ في التطوُّع تفضُل علانِيَتَها بسبعين ضعفًا، وصدقةُ الفريضة علانيتُها أفضل من سرِّها بخمسةٍ وعشرين ضعفًا (^١).\nوإنما كان إظهارُ الفرائض أفضلَ؛ لنفي التُّهمة، حتى إذا كان المزكِّي ممن لا يُعرف باليسار كان إخفاؤها أفضلَ، والمتطوِّع إن أراد أن يُقتدَى به كان إظهارُه أفضلَ، والأعمالُ بالنيَّات.\n﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ قرئ بالنون مرفوعًا عطفًا على ما بعد الفاء، فيكونُ جملةً فعليَّة\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٥).","vol":"2","page":201},{"text":"في حكم الجزاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: ونحن نكفِّرُ، أو على أنه جملة فعلية مبتدأةٌ.\nومجزومًا عطفًا على محلِّ الفاء وما بعدَه؛ لأنَّه جواب الشرط.\nوقرئ: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ بالياء مرفوعًا والفعلُ للّه تعالى أو للإخفاء (^١).\nو: (تكفِّر) بالتاء مرفوعًا ومجزومًا، والفعل للصدقات.\nوقُرئ بالياء والنصب بإضمار (أنْ)، ومعناه: وإنْ تُخفوها يكنْ خيرًا لكم وأنْ يُكفِّرَ عنكم (^٢).\n﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: يكفِّر بعضَ سيئاتكم، وذلك لأنَّ ما هو من حقوق العباد لا يتعلَّق به المغفرة بدون إرضاءِ الخصم.\nقال الإمام المطرِّزيُّ في \"المُغرب\": الكفر في الأصل: السَّتر، يقال: كَفَره وكَفَّره، إذا ستره، ومنه الحديث في ذكر الجهاد: هل ذلك مكفِّرٌ عنه خطاياه؟ يعني: هل يكفِّر القتل في سبيل اللّه تعالى ذنوبه؟ فقال: \"نَعَمْ، إلا الدَّين\"؛ أي: إلا ذنبَ الدَّين فإنه لا بدَّ من قضائه (^٣).\n﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يتفاوت الإظهارُ والإسرارُ، وفيه ترغيبٌ في الإسرار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-279\"> </span>(٢٧٢) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) وهذه القراءات الثلاث سبعية. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٤).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٦)، وعنه نقل المؤلف كل ما سبق.\n(^٣) انظر: \"المغرب\" (مادة: كفر).","vol":"2","page":202},{"text":"﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾؛ أي: لا يجب عليك أن تجعلهم مَهْديِّين إلى امتثالِ ما أُمروا به والانتهاءِ عما نُهوا عنه مِن المن، والأذى، والرياء، والإنفاقِ من الخبيث، وغيرِ ذلك مما مرَّ، وما عليك إلا أن تبلِّغهم فحَسْب.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ استدراك عما يقتضيه الكلام السابق وَينتظِمُ به من تعليله؛ كأنه قيل: لأنك لا تَقدر عليه ولكنَّ اللّه قادرٌ على الهداية المنجيَة عن الضلال فيخصُّ بها مَن يشاء.\nوفيه دلالةٌ على أن الهداية الموصِلةَ إلى البُغية من الله تعالى وبمشيئته، وأمَّا أنها مخصوصة بقومٍ دون قومٍ فهو أظهر من أن يخفى، والحاجةُ إلى الدلالة فيما يَشتَبِهُ فيه الحال.\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: فأنتم تنتفعون به، وإنما قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ دون: من مالٍ؛ لأنَّه إذا لم يكن طيِّبًا لا يَنتفع به المنفق بل يتضرَّر، فالعبارةُ المذكورةُ ضمنَها الإشارةُ إلى النهي عن إنفاق المال الخبيث، وعن المنِّ على الغير والأذى له، على أبلغِ وجهٍ، وأمَّا أنه لا ينتفِع به غيرُكم فلا يقتضيهِ المقام، ولا هو المناسب لأنْ يُقصد بالكلام المذكور (^١).\n﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ حالٌ؛ كأنه قال: وما تنفقوا (^٢) من خيرٍ فلأنفسكم غيرَ منفقينَ إلا لابتغاءِ وجهِ اللّه تعالى وطلبِ ثوابه.\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابُه أضعافًا مضاعَفةً، فلا تتركوه وأنفقوا\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"لأنَّه يحتاج إلى تخصيص الانتفاع بالأخروي بلا حاجة إليه في إفادته. منه\".\n(^٢) فبعها في (ك): \"هو\".","vol":"2","page":203},{"text":"مِن أحسن الأموال على أحسن الوجوه، فهو تأكيد للشرطيَّة السابقة. أو: ما يُخلَفُ المنفِق استجابةً لدعوة الملَك القائل: \"اللهمَّ اجْعَلْ لمنفقٍ خَلَفًا ولممسِكٍ تَلَفًا\" (^١).\nروي: أن ناسًا من المسلمين كانت لهم أصهارٌ ورَضاعٌ في اليهود، وكانوا ينفقون عليهم، فكرهوا لمَّا أسلموا أن يُنفقوهم فنزلت (^٢).\nواختُلف في الواجب، فجوَّز أبو حنيفة صرفَ صدقة الفطر إلى أهل الذمَّة وأباه غيرُه.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ؛ أي لا تُنقَصون شيئًا مما وعد من الثواب جزاءً لأعمالكم، فإن نقص الأجر الموعود ظلمٌ وإن لم يكن نقصُ الثواب مطلَقًا ظلمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-280\"> </span>(٢٧٣) - ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\n﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ الجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديره: اعْمِدوا للفقراء، أو: اجعلوا نفقتكم للفقراء؛ كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ أي: اذهب في تسع آيات، أو خبرُ مبتدأ (^٣)؛ أي: صدقاتُكم للفقراء.\n﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَحْصَرهم الجهاد، والإحصارُ: منعُ النفس عن التصرُّف.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) قوله: \"ينفقوهم\" كذا في النسخ الخطية، ومثله في مطبوع \"الكشاف\" (١/ ٣١٧)، لكن جاء في \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٦١): \"ينفعوهم\"، ومثله في نسخة جيدة من \"الكشاف\"، وهو الأولى.\n(^٣) في (ك): \"لمبتدأ\".","vol":"2","page":204},{"text":"﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: ذهابًا فيها للكسبِ، تقول: ضربتُ في الأرض ضربًا، إذا سرتَ فيها؛ أي: يكرهون المسير لأجله؛ لئلا يفوتهم صحبةُ رسول اللّه ﷺ والخروجُ في سريةٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١]؛ أي: يكرهون سماعه ولهم آلاتُ السماع، ولا يخفى أن هذا المعنى أبلغ في وصفهم مما قيل: لا يستطيعون لاشتغالهم بالجهاد.\nوقيل: هم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحوًا من أربع مئةٍ من فقراء المهاجرين يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والعبادة، وأقواتُهم من فضل الأغنياء، وكانوا يخرجون في كلِّ سريَّةٍ بعثها رسول اللّه ﷺ.\n﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ﴾ بحالهم ﴿أَغْنِيَاءَ﴾.\nوإنما قال: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ - أي: من أجْل تعفُّفهم عن السؤال - دفعًا لاحتمالِ أن يكون حسبانُه من الأغنياء لكونه من الأغنياء.\nوفي إطلاق اسم الجاهل عليه على الإطلاق ما لا يخفى من الذمِّ، وذلك الاستحقاقُ لأن الغافل عن حالهم لا يكون من أهل الصحبة والوفاق.\nوالتعفُّف: تفعُّلٌ من العِفَّة، يقال: عف عن الشيء، إذا أمسك عنه وتَنزَّه عن طلبه.\n﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ الخطاب لمن يستحقُّ التوصيف بعرفانهم من الأصحاب، ومَن حذا حَذْوَهم في سلوك طريق الصَّواب (^١).\n﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم من صُفرة الوجه ورثاثةِ الحال، لا خفاءَ في أن لسان\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"في سلوك الصواب \"، والمثبت من (م). وجاء في هامش (ح) و(د) و(ف): \"رد لمن قال: الخطاب لكل أحد. منه\".","vol":"2","page":205},{"text":"الحال أنطقُ من لسان المقال، وبيانَ الدلالة أصدقُ من بيان العبارة، فالعارفُ يُحدس من رثاثة الحال، والجاهل يستدل بعدم (^١) السؤال.\nومعنى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ نفيُ السؤال والإلحاف جميعًا، كقولهم:\nولا تَرَى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ (^٢)\nأي: لا ضبَّ ولا انجِحارَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أَدخَلُ في التعفُّف وفي أن يُحسَبوا أغنياء، فيكونُ أنسبَ للمقام، وأجلبَ لمزيدِ حُسْنٍ في الكلام، كيف وفي هذا النوع من التركيب دقيقةٌ أنيقة (^٣)؟ وهي أنه لمَّا جعل نفي الأول تمهيدًا لنفي الثاني جعل الأول مسلَّمًا لا نزاع فيه، إذ من حق الدليل أن يكون أوضح من المدلول، ولهذا قال ابن عباس ﵄ في تفسيره: لا يَسألون الناس إلحافًا ولا غيرَ إلحافٍ (^٤).\nوقيل: تُرك غيرُ الإلحاف ذكرًا للإيماء إلى إطلاق السؤال عند الحاجة، ورفعِ الإثم عمَّن فعله مُضطرًّا (^٥).\nوالإلحاف: لزوم السؤال، من اللِّحاف الذي يُلازم الملتحِفَ به.\n_________\n(^١) في (د): \"بعد\".\n(^٢) عجز بيت لعمرو بن أحمر، كما في \"خزانة الأدب\" للبغدادي (١٠/ ٢١٠)، وصدره:\nلا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"تفصيل في تفسير سورة المؤمن من الكشاف. منه\".\n(^٤) انظر: \"تفسير أبي الليث\" (١/ ١٨١).\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"أي: لأن المعنى ما ذكرنا. منه\".","vol":"2","page":206},{"text":"والجمل الأربع بعد الصلة مترتِّبة عليها بمنزلةِ البيان لها، فلا سبيل للعاطف بينهما (^١) لشدة اتصال كلٍّ منها (^٢) بالأخرى.\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ترغيبٌ في الإنفاق؛ لأن علمَ اللّه تعالى به كنايةٌ عن أنه لا يَضيع، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ خَيْر﴾ فإنه إذا أُريد علمه تعالى به على حقيقته تكون تلك الزيادة خلوًا عن الإفادة (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-281\"> </span>(٢٧٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾؛ أي: يعمُّون الأحوالَ والأوقات بالصدقة لحرصهم عليها، فكلما نزلت بهم حاجةُ محتاجٍ عجَّلوا قضاءها ولم يؤخِّروها، ولم يتعلَّلوا بوقتٍ ولا حالٍ.\nنزلت في أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ (^٤).\nوقيل: في علي كرم اللّه وجهه (^٥).\nوقيل: نزلت في علف الخيل ورباطها في سبيل اللّه تعالى (^٦).\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"بينها\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(م): \"منهما\".\n(^٣) في (ف): \"الفائدة\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣١٩). وقال السيوطي لم أقف عليه. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٣٤٦)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٤٧٤).\n(^٥) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٠٨)، وفي إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك كما في \"التقريب\".\n(^٦) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٤٣) عن ابن عباس ﵄.","vol":"2","page":207},{"text":"﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: يُؤمَن عن الضياع، خبر ﴿الَّذِينَ﴾، وإذا أريدَ كون الصلة سببًا لحصول الخبر للموصول ضمِّنت معنى الشرط وأُدخل الفاءُ في الجزاء، وإن لم يقصد ذلك فلا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢].\nوقيل: للعطف والخبرُ محذوف، أي: ومنهم الذين، ولهذا جوِّز الوقف على قوله: ﴿وَعَلَانِيَةً﴾.\n﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-282\"> </span>(٢٧٥) - ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾؛ أي: يتمتَّعون به، فإن التعبير بالأكل عن مطلَق التمتُّع على طريقة العبارة (^١) عن كلِّ وجوه الشيء بجلِّها شائع في الألسنة كلِّها.\nكتب ﴿الرِّبَا﴾ بالواو على لغةِ مَن يفخِّم كما كُتب الصلاة والزكاة، وزيدت الألفُ بعدها تشبيهًا لها بواو الجمع لزيادة التفخيم، ومعناه لغةً: الزيادة المطلَقة، وشرعًا: الزيادة في القَدْر أو في الأجَلِ على الوجه المذكور في كتب الفقه.\n﴿لَا يَقُومُونَ﴾ يوم القيام.\n﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ﴾: إلا قيامًا كقيام الذي يتخبَّطه المفسِدُ من الجنِّ، والخَبْط: الضربُ باليد كيف يقع، والرَّمْحُ بالرِّجل، والزَّبنُ بالرُّكبة، والتخبُّط: تكلُّف الخبط، والمراد: الزيادة فيه.\n_________\n(^١) في (ف): \"الكناية\".","vol":"2","page":208},{"text":"﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ يتعلق بـ ﴿يَقُومُ﴾، أو ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾، والمسُّ: الجنون، يقال: مُسَّ - على ما لم يُسمَّ فاعلُه - فهو ممسوسٌ، كما يقال: جُن فهو مجنون.\nوالجنون قد يكون بضربِ الشياطين من الجن، ولذلك يُسمَّى (^١) مجنونًا، وهو بتسليط اللّه تعالى إياهم على الناس كما يسلِّط عليهم بعضَ الدوابِّ والسباع، وله أن يفعل في مُلكه ما يشاء.\nأي: لا يقوم آكل الربا عن قبره في يوم القيامة إلا كالذي ضربه الجنُّ فخبله فصار كالمصروع، فهو يقوم ويسقط ليس كسائر الناس؛ لأنهم يخرجون من الأجداث سراعا، وهذه عقوبة لهم بها يُعرفون يومئذ، وقد أثقل (^٢) بطونهم ما (^٣) أكلوه من الربا.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾؛ أي: ذلك العقاب بسببِ أنهم نظَموا الربا والبيعَ في سلكٍ واحد، وقاسوا أحدهما على الآخر، يعني: أن البيع يكون مثلَ الربا في اشتماله الفضلَ، ولو كان ذلك سببًا للحرمة لحرُم البيع، لكنه حلال فثبت أنه ليس بسبب للحرمة، فالربا ليس بحرام وشبهتُهم (^٤) أن بيع السَّلَم وغيره قد يكون المشترَى فيه بدرهم يساوي درهمين، فيكون أزكى من الربا.\nومَن لم يتنبَّه لِمَا قرَّرناه زعم أنهم بالغوا في وصف اعتقادهم حلَّ الربا حتى جعلوه أصلًا في القياس، وشبَّهوا البيع به - مع أن الكلام في الربا، والبيعُ أصل في الحل - على طريقة قول الشاعر:\n_________\n(^١) في (د): \"سمي\".\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"ثقل\"، والمثبت من (م).\n(^٣) في (ف): \"بما\".\n(^٤) في (ك): \"أو شبهتهم\".","vol":"2","page":209},{"text":"وبلدةٍ مغبرَّةٍ أرجاؤها … كأنَّ لون أرضها سماؤها (^١)\nبالَغَ في وصف السماء بالاغْبِرار حتى شبَّه الأرض بها، وفي التعبير عن اعتقادهم هذا بالقول ما لا يخفى من المبالغة في أنه لا حقيقة له أصلًا.\nثم أنكر تسويتَهم بينهما (^٢) بقوله:\n﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وفيه دلالة على أنَّ القياس يهدمُه النصُّ، حيث نقل قياسهم وأبطله بمجرَّد القول المذكور من غير تعرُّضٍ لفساد القياس من حيث إن الفضل في الربا محقَّق وفي البيع متوهَّم.\nوأما ما قيل: هو إبطال للقياس لمعارضته النصَّ، فيَرِدُ عليه أنهم قاسوا قبل ورود النصِّ الفارق بينهما، فلا معارضةَ وقتئذٍ.\n﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ فمَن بلَغه وعظٌ من اللّه تعالى وزجرٌ بالنهي عن الربا، وفي عبارة الربِّ إيماءٌ إلى أنه تعالى يُربِّي عبدَه بفضله بلا توقّفٍ على كسبه، كيف وقد ربَّاه وهو جنين؟ فحقُّه أن لا يتجاوز في طلب المكسبِ عن حدِّ الرُّخصة.\n﴿فَانْتَهَى﴾ فاتَّعَظ به وتَبعَ النَّهي.\n﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾؛ أي: فلا يؤاخَذُ بما مضى منه، وله ما أَخَذ لأنَّه قَبْل نزولِ التحريم (^٣).\n_________\n(^١) الرجز لرؤبة، وهو في ديوانه (ص: ٣)، و\"مغني اللبيب\" (ص: ٩١٢)، و\"الإيضاح في علوم البلاغة\" (ص: ٧٨)، و\"روح المعاني\" (٣/ ٤٧٨). ورواية الديوان: (وبلد عامية أعماؤه)، وفي باقي المصادر:\nومهمهٍ مغبرَّة أرجاؤه … كأن لون أرضه سماؤه\n(^٢) \"بينهما\"من (م).\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"من هنا ظهر أنه لا وهن في قياسهم قبل ورود النص من جهة المعارضة له. منه\".","vol":"2","page":210},{"text":"و﴿مَا﴾ في موضع الرفع بالظَّرف (^١) إن جُعل (مَن) موصولةً، وبالابتداء إنْ جُعلت شرطيَّةً على رأي سيبويه؛ إذ الظرفُ غيرُ معتمِدٍ على ما قبله.\nوإنما ذكِّر فعلُ الموعظة لأن تأنيثها غيرُ حقيقيٍّ مع أن فيه فاصلًا، فلا حاجة إلى التأويل بأنها في معنى الوعظ.\n﴿وَأَمْرُهُ﴾ في ذلك.\n﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يحكم في شأنه بما شاء يوم القيامة لا إليكم، فلا تطالبوه بشيء.\n﴿وَمَنْ عَادَ﴾ إلى الربا بعد النهي عنه.\n﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّا﴾ لإصرارهم عليه.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إذا اعتقدوا حلَّه لأنَّه كفرٌ، والكفر يوجِب الخلود في النار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-283\"> </span>(٢٧٦) - ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.\n﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ المحقُ: نقصان الشيء حالًا بعد حالٍ حتى يذهبَ كلُّه؛ كما في محاقِ الشهر، وهو حالُ أكلِ الربا، فإن اللّه تعالى يُذهب بركته، ويُهلك المال الذي يدخل فيه.\n﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يُنمي (^٢) ويزيدُها، بأن يضاعفَ عليها الثواب، ويزيدَ المال الذي أُخرجت منه، ويباركَ فيه، وفي الحديث: \"ما نقصَتْ زكاةٌ من مالٍ قطُّ\" (^٣).\n_________\n(^١) يعني الجار والمجرور في قوله: ﴿فَلَهُ﴾.\n(^٢) في (ك): \"ينميها\".\n(^٣) رواه مسلم (٢٥٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلا عزًّا .. \".","vol":"2","page":211},{"text":"لا يقال: الكلام في إرباء ما يُتصدَّق به وهذا ليس منه.\nلأنَّا نقول: وقوع زيادة المال والبركة فيه بسببه (^١) فضيلةٌ تزيد وإرباءٌ له، لتضاعُف (^٢) الثواب بسببه.\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ عدمُ المحبة كنايةٌ شائعةٌ عن البغض (^٣).\n﴿كُلَّ كَفَّار﴾ باستحلالِ الربا.\n﴿أَثِيم﴾ بأكله بدونِ المبالاة، يُحمل على التعميم بعد السَّلب حتى تكون سالبةً كليَّةً، دون العكس؛ إذ حينئذ يكون رفع الإيجاب الكليِّ وهو لا يناسب المقام، ولا بُعْدَ فيما ذكَرْنا؛ لأن القيد المقدَّم ذكرًا قد (^٤) يعتبر مؤخرًا معنًى.\nوفي صيغة (^٥) المبالغة تغليظٌ بليغٌ في شأن المستحِلِّ للربا، لِمَا فيه من الإيذان بتجدُّد كفره في كلِّ آنٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-284\"> </span>(٢٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باللّه ورسله، والإيمانُ بالرسول لا يَتمُّ إلا بالإيمان بجميع ما جاء به منه تعالى.\n_________\n(^١) في (ك): \"بسبب\".\n(^٢) في (د): \"كتضاعف\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف) و(م): \"من غفل عن هذا قال في تفسيره: لا يرتضيه، ولا يرتضيه من له فهم سليم. منه\".\n(^٤) لفظ: \"قد\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٥) في (ف): \"صورة \".","vol":"2","page":212},{"text":"﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من الفرائض والواجبات والمندوبات.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ عطَفهما على ما يعمُّهما لفضلهما على سائر الأعمال الصالحة؛ لكونهما أمَّي (^١) العبادات البدنية والمالية.\n﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قد مر تفسيره.\n﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن آت ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-285\"> </span>(٢٧٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا﴾ واتركوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ بقايا ما شَرَطْتُم على الناس منه.\nوقرأ الحسن: (ما بَقَا) بقلبِ الياء ألفًا على لغةِ طيِّئٍ، وعنه: (ما بَقِيْ) بياءٍ ساكنة (^٢).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بقلوبكم، فإن دليله امتثالُ ما أُمرتم به، وفي إطلاق ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ في (^٣) الذِّكر عن القيد المذكور دلالةٌ على أنَّ المؤمن حقيقةً مَن آمَنَ بقلبه، رُوي أنه كان لثقيفٍ ثروةٌ (^٤)، وكان لهم على قوم من قريش مالٌ، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت (^٥).\n_________\n(^١) في (ح) و(ك): \"لكونهما من\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٢)، وعزاهما ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٧) لأبيِّ ﵁.\n(^٣) في (د): \"عن \".\n(^٤) \"ثروة\" من (ح) و(ف).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٢)، ورواه مطولًا الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٥٠) عن ابن جريج، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٤٨ - ٥٤٩).","vol":"2","page":213},{"text":"<span id=\"aya-286\"> </span>(٢٧٩) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ لم يُرَدْ مطلَقُ الترك، بل أُريد التركُ في ضمن الإبراء، فلهذا قيل: ﴿لَمْ تَفْعَلُوا﴾، دون: لم تتركوا.\n﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ فاعلَموا بها، من أَذِن بالشيء: إذا علم به.\nوقُرئ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ (^١)؛ أي: فأَعْلِموا غيرَكم، من الأَذَن وهو الاستماعُ؛ لأنَّه من طُرُق العلم.\nوقُرئ: (فأيقِنوا) (^٢)، وهو دليل (^٣) لقراءةِ العامة، والتنكيرُ في (حرب) للتعظيم.\n﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الحرب يكون من الرسول ﷺ بأمرٍ من اللّه تعالى، فذِكْرُه تعالى للتمهيد، و(حرب منه) أبلغُ من: حربه؛ لِمَا في التنكير من التهويل؛ أي: بنوعٍ من الحرب لا يَقبل التعريف لعِظم شأنه، وذلك يقتضي أن يقاتَل المُرْبي بعد الاستتابة حتى يَفيءَ إلى أمر اللّه؛ كالباغي، ولا يقتضي كفرَه.\nرُوي: أنها لمَّا نزلت قالت ثقيفٌ: لا يَدَيْ لنا بحرب الله ورسوله (^٤).\n﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الارْتِباء، ومَن زاد على هذا قولَه: واعتقادِ حلِّه، فكأنه غَفَل عن قوله (^٥) بأن سياق الكلام لا يقتضي كفرَه.\n_________\n(^١) هي قراءة شعبة وأبي بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٤).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٢).\n(^٣) كلمة \"دليل\" من (م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣٢٢).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٢).\n(^٥) \"قوله\" ليس في (ف).","vol":"2","page":214},{"text":"فإن قلتَ: أليس يُفهم من قوله: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ أصولُها، وأما الأرباحُ فطواري عليها ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بالنقصان والمَطْل، أنهم إن لم يتوبوا فليس لهم رؤوس أموالهم؟\nقلتُ: ذلك وهمٌ سبق إلى فهمِ مَن قال: إنه حينئذ يكون مالُهم فَيئًا للمسلمين، وتبعَه القائل، وهو سديدٌ على ما قلناه، إذ المصرُّ على التحليل مرتدٌّ، والحقُّ أن الظاهر منه بطريق المفهوم هو أنه إن لم يتوبوا لا تصلُ أيديهم إلى رؤوس أموالهم، وذلك لأنهم يُقتلون حينئذ كما يُقتل الباغي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-287\"> </span>(٢٨٠) - ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: وُجد غريم.\n﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، وقرئ: (ذا عسرة) (^١)؛ أي: وإن كان الغريمُ ذا عسرةٍ.\n﴿فَنَظِرَةٌ﴾ فالحكمُ نظرةٌ؛ أو: فليكُنْ نظرةٌ، أو: فعليكم نظرة (^٢)، وهي الإنظار.\nوقرئ: (فناظرُه) على الخبر؛ أي: فصاحبُ الحق ناظره، بمعنى: منتظرُه، أو صاحب نَظِرته (^٣) على طريق النَّسب.\nو: [(فناظِرْه)] على الأمر؛ أي: فسامحْه بالنَّظِر [ة] (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٧).\n(^٢) يعني أن (نظرة) إما خبر كما في المثال الأول، أو فاعل كما في الثاني، أو مبتدأ كما في الثالث.\n(^٣) في النسخ: \"نظرة\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٣٢٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٦٣).\n(^٤) انظر المصدرين السابقين، وما بين معكوفتين منهما.","vol":"2","page":215},{"text":"﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قُرئ بضم السين وفتحِها (^١)، وهما لغتان بمعنى يسارٍ.\nوقُرئ بهما مضافَين بحذف التاء عند الإضافة (^٢).\n﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ بالإبراء ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أكثرُ ثوابًا من الإنظار، أو: خير مما تأخذون، لمضاعَفة ثوابه ودوامه.\nوقيل: المراد بالتصدُّق الإنظارُ، لقوله ﵇: \"لا يَحِلُّ دَينُ رجلٍ مسلمِ فيؤخِّرَه إلا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ\" (^٣).\nبعثٌ لهم على التصدُّق بالدَّين كلِّه أو بعضِه على مَن أَعسر من غُرمائهم، أو على الإمهال إلى وقت اليسار.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كُني بالعلم عن العمل لأنَّه إذا كان نافعًا قلَّما يتخلَّف عن علمه، فهذه الكنايةُ باعتبار مبناها تأكيدٌ لِمَا تقدم من الخيريةِ على أبلغ وجهٍ.\nومَن لم يَتنبَّهْ (^٤) لهذا قال في تفسيره: ما فيه من الذكر الجميل والأجرِ الجزيل.\nثم إنه لم يَدْرِ أن الذكر الجميل لا يَصْلُح وجهًا للحثِّ على الصدقة إذا كان الحثُّ من اللّه تعالى؛ لأن الصدقة المَرْضيَّة عنده تعالى ما لا يشوبُها غرضٌ دنيويٌّ.\n* * *\n_________\n(^١) قرأ نافع بضم السين وباقي السبعة بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٧).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٣)، ورواه بنحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٣٠٤٦) بإسناد صحيح من حديث بريدة ﵁.\n(^٤) هو البيضاوي. انظر \"تفسيره\" (١/ ١٦٣).","vol":"2","page":216},{"text":"<span id=\"aya-288\"> </span>(٢٨١) - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يومَ القيامة، والتنكير للتعظيم، وللإشارة إلى لأنَّه لا يَقبل التعريف.\n﴿تُرْجَعُونَ﴾ من الرَّجع (^١)، وقرئ بفتح التاء وكسرِ الجيم من الرُّجوع (^٢)، وقرئ بالياء على الالتفات (^٣).\n﴿فِيهِ إِلَى اللَّه﴾ للحساب والجزاء.\nوالأمرُ بالاتِّقاء كناية عن الأمر بموجَبه وهو التأهُّبُ للمصير إليه.\n﴿ثُمَّ تُوَفَّى﴾ التوفية والإيفاء: الإكمال.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كاسبةٍ ﴿مَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: أَحْرزتْ من جزاء الأعمال الموعود، فإن الكناية بالكسب عن الإحراز شائعٌ في الألسنة كلِّها.\nوإنما وصفنا الجزاء بالموعود لأن الظلم بنقصِ الثوابِ إنما يكون بذلك الاعتبار (^٤).\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا بنقص ثواب ولا بزيادة (^٥) عذاب.\nعن ابن عباس ﵄: أنها آخر آية نزل بها جبريل وقال: ضعها في رأس المئتين والثمانين من البقرة (^٦).\n_________\n(^١) في (د): \"الرجوع\"، وهو خطأ.\n(^٢) قرأ أبو عمرو بفتح التاء وباقي السبعة بضمها. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٣).\n(^٤) في هامش (د) و(ف) و(م): \"فمن لم يذكره [في (ف): يتنبه]، فقد ذهب مذهب الاعتزال. منه\".\n(^٥) في هامش (د) و(ف) و(م): \"عبارة القاضي: بتضعيف، والمناسب ما ذكر. منه\".\n(^٦) رواه الفراء في \"معاني القرآن\" (١/ ١٨٣) من طريق الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح ولم يسمع من ابن عباس، عن ابن عباس.","vol":"2","page":217},{"text":"وعاش رسول اللّه ﷺ بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقيل أقلُّ، وقيل أكثرُ (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-289\"> </span>(٢٨٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ إذا دايَنَ بعضُكم بعضًا، يقال: دايَنْتُ الرجل، إذا عامَلْتَه بدَينٍ معطيًا أو آخذًا، كما تقول: بايعتُه، إذا بعتَه أو باعك، وأمَّا كونها نسيئةً فغيرُ معتبَرٍ في المُدايَنة، وإرادتُها في المقام لذكرِ الأَجَل.\nوإنما قال: ﴿بِدَيْنٍ﴾ مع أنه مستفادٌ من التدايُن - للتعميم؛ أي: أيِّ دينٍ كان قليلًا أو كثيرًا، أو لقطعِ احتمال معنًى آخر فإن المدايَنة قد يراد بها المجازاةُ.\nوأما تنوُّعه إلى المؤجَّل والحالِّ فيُعلم من قوله:\n﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ ومرجعُ الضمير في ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ لا يلزمُ أن يكون مذكورًا، بل يكفي أن يكون مفهومًا في ضمن الكلام السابق.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٣).","vol":"2","page":218},{"text":"هذا كلُّه بحسب جليلِ النظر، والذي بحسَب دقيقِه هو أنه لا بد مِن ذكر الدَّين ليتعلَّق الجارُّ به، فإنه لو لم يذكر لفُهم تعلُّقه بالتدايُن، ولا وجه له فإنَّ المبايعةَ إلى أَجَلٍ غيرُ مشروعة (^١).\n﴿مُسَمًّى﴾ معلومٍ موقَّتٍ بالسَّنة والشهور والأيام المعيَّنة، لا بالحصاد والدِّيَاس وقدوم الحاجِّ ونحوِ ذلك مما لا يتعيَّن.\n﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ نبَّه على انقسام الدَّين إلى حالِّ ومؤجَّلٍ، وأمر بكتابة المؤجَّل على سبيل الندب والإرشاد؛ لأنَّه أوثق وآمَنُ من النسيان، وأبعدُ من الجحود.\nوعن ابن عباس ﵄: أن المراد به السَّلَمُ، وقال: لمَّا حرَّم اللّه الرِّبا أباح السَّلَم. وسيأتي ما يتعلَّق بهذا المقام من الكلام.\n﴿وَلْيَكْتُبْ﴾ قيَّده بقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ليكون أبعدَ عن الاشتباه والتهمةِ.\nوالتنكيرُ في ﴿كَاتِبٌ﴾ للتنبيه على أن المعتبَر كونُ الكتابة على الوجه (^٢) المعهود، لا كونُ الكاتب معهودًا، ولهذا قيَّدها بقوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾.\nوأطلق الكاتب، أي: وليَكْتب بالتَّسوية والاحتياط لا يَزيد على ما يجب ولا يَنقُص عنه، وهذا يدل اقتضاءً على أن الكاتب يجب أن يكون فقيهًا عالمًا بالشروط حتى يكون مكتوبه معدَّلًا بالشرع، فيحصل ما هو المقصود من الكلام على تقديرِ تعلُّق القيدِ المذكور بالكاتب، وأمَّا الذي ذكرناه فيَفوت حينئذ، فالراجح تعلُّقه بالفعل.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"مشروع\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"وجه \".","vol":"2","page":219},{"text":"والأمر في الحقيقة للمتداينينِ باختيار كاتبٍ فقيهٍ ديِّنٍ حتى يجيءَ مكتوبه موثوقًا (^١) به معدَّلًا بالشرع.\n﴿وَلَا يَأْبَ﴾؛ أي (^٢): ولا يمتنعْ ﴿كَاتِبٌ﴾: أحد من الكتَّاب (^٣) ﴿أَنْ يَكْتُبَ﴾، فإن تنكير ﴿كَاتِبٌ﴾ بعد النهي يُفيد العموم.\n﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مثلَ ما علَّمه اللّه من كتبةِ الوثائق، أو: لا يأبَ أن يَنفع الناسَ بكتابته كما نفَعَه اللّه تعالى بتعليمه؛ كما قال اللّه تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].\n﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ تلك الكتابةَ المعلَّمة، أَمر بها - بعد النهي عن الإباء عنها - تأكيدًا، وهذا لأن الفاء تدلُّ على أن (^٤) الترتيب على السابق، ولأن ورود الأمر عَقيب ذلك النهي تأييدًا له يُشعر (^٥) بذلك كلَّ الإشعار.\nويجوز أن تتعلَّق الكاف بالأمر، فيكون النهي عن الامتناع منها مطلَقةً ثم الأمرُ بها مقيَّدةً، وهذا الوجه أحسنُ مِن جَعْل الأول تمهيدًا له؛ لِمَا فيه من تدرُّجٍ وتفخيمٍ لشأن الكتابة على النهج المذكور، وفي تقديم ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ مبالغةٌ حسنةٌ، والأولُ أظهرُ وأقرب تناوُلًا.\n﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملالُ والإملاءُ: الإلقاءُ على الكاتب للكتابة،\n_________\n(^١) في (م): \"موثقًا\".\n(^٢) كلمة \"أي\" من (م).\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"الكتابة\".\n(^٤) \"أن\" ليست في (د).\n(^٥) في (د): \"فيشعر\".","vol":"2","page":220},{"text":"و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ هو الذي عليه الدَّين، وإنما كان الإملاءُ إليه لأنَّه المقِرُّ المشهودُ عليه.\n﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾؛ أي: الكاتبُ لا المُمْلي (^١) على ما ستقف عليه، جُمع بين اسم الذات والوصفِ تذكيرًا لكونه مربِّيًا له مُصلحًا لحاله.\n﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا يَنقُصْ مما أُمْليَ عليه قليلًا.\nولمَّا كان الأمرُ بالاتِّقاء تمهيدًا للنهي عن النقص المذكور لم يُؤت بينهما بأداة الترتيب.\n﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ دلَّ هذا على توجُّه الأمر والنهي إلى الكاتب، فإنهما لو توجَّهَا إلى المُمْلي لكان حقُّ الكلام في هذا المقام الاكتفاءَ بالضمير.\nوتصديرُه بالفاء لترتُّبه على ما تقدَّم.\n﴿سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه؛ لجهله بالتصرُّف، أو التبذيرِ.\n﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ لصِغَره أو لكِبَره (^٢)، والمراد: ضعفُ القوى لا ضعفُ النُّهي؛ لأنَّه من أسباب الحَجْر، فيندرِج تحت السَّفَهِ.\n﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾: أو غيرَ مستطيعٍ بنفسه لعيٍّ أو خرَسٍ.\n﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾؛ أي: الذي يلي أمره؛ وصيًّا كان أو وليًّا، أو وكيلًا أو ترجمانًا.\n﴿بِالْعَدْلِ﴾ فيه دلالةٌ على جواز النيابة في الإقرار بالدَّين.\n﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾؛ أي: واطلبوا أن يَشهد لكم شهيدان.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"الكاتب والمملي\"، والمثبت من (د) وهو الصواب على ما يأتي.\n(^٢) في (ك) و(ف): \"كبره\".","vol":"2","page":221},{"text":"﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: من المؤمنين البالغين، أمَّا البلوغ فلا بدَّ منه قطعًا، وأمَّا الإسلام فلا بد منه أيضًا إن كان المديون مسلمًا، وإن كان كافرًا فاعتبارُه احتياطًا لأنَّه يَحتمِل أن يُسلم، فلا دلالة في الآية على أنه لا تُسمع شهادة الكفار بعضِهم على بعض.\nثم إنَّ المقصود بيانُ النصاب لا بيانُ الشرائط، فلهذا لم يتعرَّض لقيدِ الحرية والعقل.\n﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾: فإن لم يكن الشهيدان رجلين.\n﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فليَشهد رجل وامرأتان.\nمَن قال: هذا مخصوص بالأموال عندنا، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، فكأنه ذَهَلَ عن أن الكلام في الإشهاد على الدَّين.\nفإن قلتَ: أليس كلٌّ منهما نصابُ الشهادة بلا تفاوتٍ بينهما ولا توقُّفٍ لصحة الثاني على عدم الأول؟\nقلتُ: نعم، لا توقُّف لصحة الثاني (^١) على عدم الأول، ولهذا لم يقل: فإن لم يوجَدا فرجل وامرأتان، وأمَّا عدم التفاوت بينهما فممنوعٌ، فإن الأصل هو الأول، وهو الراجح، ولهذا صدَّر الشرطية المذكورة بأداة الترتيب.\n﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ أي: من العُدول المَرْضيِّين (^٢) من الشهود.\n﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ علَّةٌ لإقامة شهادة امرأتين مقامَ\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لصحته\".\n(^٢) في (ف): \"المؤمنين\".","vol":"2","page":222},{"text":"شهادة رجلٍ واحد، والضلال بمعنى النسيان مَجازًا لأنَّه سببُه؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠].\nفإن قيل: كيف قال: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ وإنما الإقامة المذكورة للإذكار لا للضلال؟\nقلنا: أجاب عنه سيبويه: بأنَّ الضلال سبب الإذكار، فتقدم (^١) عليه لأنَّه سبب العلة لا لأنَّه العلة؛ كما يقال: أعددتُ هذا للحائط أن يميل فأدعمَه، وإنما أعدَدْتَه للدعم لا للميل، لكن قدِّم عليه الميل لأنَّه سببُه (^٢).\nوالعدول عن الظاهر للاعتناء بشأن التذكير، فإنَّ إفضاء الفعل إليه وكونَه مقصودًا من الفعل بلَغ مبلَغًا صار المهروب عنه مطلوبًا لأجله، ومن حيث كونُه مُفْضيًا إليه.\nوأجاب عنه الفرَّاء: أنه بمعنى الجزاء، وتقديره: أنْ تذكِّر إحداهما الأخرى إنْ ضلَّت، إلا أنه لمَّا قدِّم (أنْ) اتَّصل بما قبله من العامل فانفتح (^٣). ويؤيدُه قراءة: ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ بكسر الألف على الشرط ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بالرفع (^٤).\nوقرئ: (أنْ تُضَلَّ) على البناء للمفعول (^٥)؛ أي: أن تُوجد ضلالة، من الإضلال الذي همزتُه للوجدان؛ نحوَ: أَحْمَدْتُه، بمعنى: وجدْتُه محمودًا، ولا يخفَى ما في التعليل المذكورِ من الدلالة على ضعفِ حِفْظهنَّ وقلَّةِ ضبطِهن، وليس ذلك إلا لنقصان عقلهنَّ.\n_________\n(^١) في (د): \"فقدم\".\n(^٢) انظر: \"الكتاب\" (٣/ ٥٣).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٨٤).\n(^٤) هي قراءة حمزة من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٨).","vol":"2","page":223},{"text":"﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾؛ أي: لا يَمتنعِ المدعوُّون لتحمُّل الشهادة عن الحضور ليتحمَّلوا الشهادة، وكأنَّ تسميتَهم شهداء قبل التحمُّل تنزيلًا للمُشارف منزلةَ الكائن، أو: لا يمتنعِ المتحمِّلون إذا دُعوا إلى أداء الشهادة ليؤدُّوها، والنهيُ عن الأول تنزيهًا، وعن الثاني تحريمًا.\n﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾ نهيٌ عن الضجر والملل من كثرة المُداينات.\n﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾؛ أي: لا تَملُّوا أن تكتبوا الدَّينَ، أو الحقَّ، أو الكتابَ، كذا قالوا.\nوَيرِدُ عليه: أن الضجر والملل إنما يكون بعد الشروع فيه، والإكثارِ منه، والمراد هنا النهيُ عن السآمة من أنْ يُكتب ابتداء، فالوجهُ أن تكون السآمة كنايةً عن الكسل، والمصيرُ إلى الكناية لا لأنَّه من صفة المنافق، إذ حينئذ لا يُجدي تغيير التعبير، بل لأن تلك العبارة كانت دائرةً على ألسنة المنافقين فصارت من شعارهم، ولذلك قال ﵇: \"لا يقولُ المؤمن: كَسِلتُ\" (^١).\n﴿صَغِيرًا﴾ قدِّم اهتمامًا به (^٢)، وانتقالًا من الأدنى إلى الأعلى ﴿أَوْ كَبِيرًا﴾ حالان منه، أي: لا تسأموا كتابةَ الحقِّ أو الدِّينِ على أيِّ حالٍ كان من صغرٍ أو كبرٍ (^٣)، أو: لا تسأموا أن تكتبوه مختصرًا أو مُشْبَعًا، على أن الضمير للكتاب.\n﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى (^٤) وقتِه الذي عيَّنه المتداينان.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى ﴿أَنْ تَكْتُبُوهُ﴾ لأنَّه في معنى المصدر.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٦٣)، ولم أجده مسندًا.\n(^٢) \"به \"ليست في (د).\n(^٣) في (ف): \"صغير أو كبير\".\n(^٤) في (د): \"أي\".","vol":"2","page":224},{"text":"﴿أَقْسَطُ﴾: أكثرُ قسطًا.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حُكمه.\n﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾: وأثبتُ لها، وأعونُ على إقامتها.\nو﴿أَقْسَطُ﴾ مبنيّ من قاسطٍ بمعنى النسب؛ أي: ذي قِسْطٍ، و(أَقْوم) من قويمٍ، ويجوز عند سيبويه أن يُبنى أفعلُ التفضيل من غير الثلاثيِّ، فيكونان مبنيَّين من أَقْسَطَ وأَقامَ (^١).\n﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: وأقربَ لانتفاءِ الرِّيبة في جنس الدَّين وقَدْره وأَجَله والشهودِ ونحوِ ذلك، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وحَسَّنَ حذفَه وقوعُ أَفْعَلَ خبرًا للمبتدأ (^٢).\n﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ استثناء مفرَّغ؛ أي: لا تتركوا كتابته وقتًا مّا، أو لعلةٍ ما، إلا وقتَ كونها تجارةً ناجزة (^٣) تتعاطونها بينكم يدًا بيد، أو: لأنْ (^٤) تكون تجارةً ناجزة. على أن ما بعد ﴿إِلَّا﴾ نصب على الظرف أو على المفعول له.\nوقرئ: ﴿تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ بالرفع على أنَّ (كان) التامةُ، أو الناقصةُ واسمها ﴿تِجَارَةً﴾ وخبرها ﴿تُدِيرُونَهَا﴾، وبالنصب على: \"لا أن تكون التجارةُ تجارةً حاضرةً (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (١/ ٧٣)، وانظر لزامًا كلام أبي حيان في شرح هذه المسألة في \"البحر\" (٥/ ١٠٧).\n(^٢) في (ف) و(ك) سقط: \"للمبتدأ\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"حاضرة\".\n(^٤) في (م): \"أو لا\"، وهو خطأ.\n(^٥) قرأ بالنصب عاصم، وباقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).","vol":"2","page":225},{"text":"والتجارةُ الحاضرةُ تعمُّ المبايعة بدَينٍ أو عين، والمفهومُ من تفريع نفي الجناح - وهو الإثم - على الشرط المذكور في المستثنَى ثبوتُ الإثم في عدم الكتابة على تقديرِ فَقْدِ ذلك الشرط، وموجَبُه أن يكون الأمر بالكتابة فيما تقدَّم للوجوب، فالقائلون بحُجِّية المفهوم لا بد لهم من القول بوجوب الكتابة ثمة.\n﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ في العاجل والآجل جميعًا، والأمر للندب.\n﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ يَحتمِل البناءَ للفاعل والمفعول جميعًا، والدليل عليه قراءة عمر ﵁: (ولا يُضارِرْ) بالإظهار والكسر، وقراءة ابن عباس ﵄: (ولا يضارَرْ) بالإظهار والفتح (^١).\nوالمراد: نهيُ الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يُطلب منهما، وعن التغيير بالزيادة والنقصان، أو نهيُ المستكتِب والمستشهِد عن الضرر بهما، بأن يُعجَّلا عن مُهمٍّ، أو لا يُعطَى الكاتب (^٢) حقَّه من الجُعْل، أو يكلَّفَ الشهيد مُؤنةَ النقل من مسافة بعيدة، وأمثالِ (^٣) ذلك.\nوقرأ الحسن: (ولا يضارِّ) بالكسر (^٤).\n﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: وإنْ تضارُّوا، أو: إن تفعلوا شيئًا مما نُهيتم عنه.\n﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ خروجٌ عن الطاعة لاحقٌ بكم.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ونهيه.\n_________\n(^١) القراءتان في \"الكشاف\" (١/ ٣٢٧).\n(^٢) في (د): \"المكاتب\".\n(^٣) في (د): \"أو مثال\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٧).","vol":"2","page":226},{"text":"﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أحكامه المتضمِّنةَ لمصالحكم.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كرَّر لفظة (اللّه) ثلاثَ مراتٍ متوالياتٍ، وكان الثاني والثالث موضعَ كناية، ولهذا الباب قانونٌ يعرف به المستحسَن من المستقبَح، وهو: أن كلَّ تكرير على طريق تعظيم الأمر أو تحقيره في جملٍ متوالياتٍ كلُّ جملة منها مستقلةٌ بنفسها، فذلك غيرُ مستقبَحٍ، وإذا كان ذلك في جملةٍ واحدة، أو في جملٍ في معنًى واحد، ولم (^١) يكن فيه التعظيم أو التحقير، فذلك مستقبَح.\nوهذا ظاهر في الآية، فإن الجملة الأولى منها حثٌّ على التقوى، والثانيةَ تذكيرٌ بنعمته، والثالثةَ تعظيم له متضمِّن لوعدٍ ووعيدٍ شديد، وقُصد تعظيم كلِّ واحد من هذه الأحكام، فأعيد لفظةُ (اللّه) فيها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-290\"> </span>(٢٨٣) - ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لم يقل: مسافرين؛ لِمَا بينهما من الفرق الظاهر، فإنَّ مَن دخل مدينةً ولم ينوِ الإقامة مسافرٌ، ولكنه ليس على سفرٍ، والمناسبُ لأنْ لُذكر تمهيدًا لقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ هو الثاني دون الأول.\n﴿فَرِهَانٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فالذي يُستوثَق به رهانٌ وهو جمع رهنٍ،\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ف): \"أو لم\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للمصادر. انظر: \"فتوح الغيب\" للطيبي (٣/ ٥٦٣)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٣٥١)، و\"وروح المعاني\" (٣/ ٥٠٠).","vol":"2","page":227},{"text":"وهو العين المقبوض بالدَّين توثيقًا له، وقرئ: ﴿فَرِهَانٌ﴾ (^١) وهو جمعُ جمعٍ.\nقال الجوهري: كأنه يُجمع رَهْنٌ على رِهَانٍ، ثم يُجمعُ على رُهُنٍ، مثل: فِرَاشٍ وفُرُشٍ، ولا يجمع فَعْلٌ على فُعُلٍ إلا قليلًا شاذًا (^٢).\nو﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ نعتٌ للرهان، ودلَّ ذلك على أن حكمه دوامُ الحبس؛ فإنه لا يصير رَهنًا إلا بابتداء القبض، فذِكرُ الرَّهن ذكرٌ لذلك القبض، ثم وصفُها بالمقبوضة بعد ذلك اشتراطٌ لدوام القبض فيها، وليس الغرضُ تخصيصَ الرَّهن بالسفر شرطًا في جوازه، لكنْ لمَّا كان السفر مَظِنَّةَ إعْوازِ الكاتب والشهيد أُرشد المسافر إلى حفظ المال بأنْ يقيم التوثُّقَ بالارتهان مقامَ التوثُّقِ بالكَتْب والإشهاد.\nوعن مجاهد والضحاك: أنهما لم يجوِّزاه إلا في حال السفر أخذًا بظاهر الآية، وليس بشيء؛ لأن رسول اللّه ﷺ رهن درعه في حضَرٍ (^٣)، وأمَّا القبض فلا بد من اعتباره على ما نبَّهت عليه (^٤) آنفًا، وعليه الجمهور.\nوقال مالك: يصحُّ الرهن بمجرَّد الإيجاب والقبول بدون القبض.\n﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: فإنْ أَمِنَ بعضُ المتدايِنينَ بعضَ المديونين لحُسن ظنه به.\n﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ أي: فليَجِبْ على المديون أداءُ أمانته التي ائتَمَنه\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: رهن).\n(^٣) رواه البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) \"عليه\" ليست في (د).","vol":"2","page":228},{"text":"عليها بأنْ لم يَرتهن منه شيئًا؛ حثًا له على أن (^١) يكون عند ظنه به، وفي تسمية الدَّين أمانةً أيضًا حثّ للمديون على أدائه، وإن كان مضمونًا بخلافِ الأمانة.\nوقرئ: (فإن أومن)؛ أي: آمَنَه الناس بأنْ وصفوه بالأمانة والدِّيانة والاستغناء عن الارتهان من مثله (^٢).\n﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ نهيٌ عن الخيانة وإنكار الحق على أبلغ وجه، وقد مرَّ وجه الجمع بين اسم الذات والوصف.\n﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ خطاب للشهود.\n﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، ﴿آثِمٌ﴾ خبر (إنَّ)، و﴿قَلْبُهُ﴾ فاعل ﴿آثِمٌ﴾؛ أي: فإنه يأثم قلبُه. أو ﴿قَلْبُهُ﴾ مبتدأ و﴿آثِمٌ﴾ خبره، والجملة خبر (إنَّ).\nوقرئ: (قلبَه) بالنصب كقوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] (^٣).\nوقرئ: (أثَم قلبَه)؛ أي: جعَله آثمًا (^٤).\nأُسند الإثم إلى القلب لكونه أبلغَ من وجوه:\nأحدها: أن يُعلم أنه الذي أَضمرها، ولم يؤدِّ إلى اللسان ليُظهرها، فالقلب هو المقترِف، فيكون صاحبه قاصدًا للذنب لا اللسان، فيكون كالبوادر.\nوالثاني: أن الفعل إذا أُسند إلى الجارحة التي عُمل بها كان أبلغ وآكَدَ؛ كما إذا أردتَ التأكيد قلتَ: هذا مما أبصره عيني، وسمعه أذني، وعرفه قلبي.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"أنه\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٢٩)، وعزا الزمخشري القراءة لأبيٍّ ﵁.\n(^٣) تنسب لابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٨).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٣٠) وعزاها الزمخشري لابن أبي عبلة أيضًا.","vol":"2","page":229},{"text":"والثالث: أن القلب هو الرئيس، والأصل في البِنْية، فإسناده إليه أفاد أنه تمكَّن في أصل نفسه ومَلَك أشرف محل فيه، ورسخ في ذاته.\nالرابع: أن الآثام المتعلقة بالأعضاء الظاهرة أسهلُ وأخفُّ وأسرع زوالًا ما دام القلب سليمًا، وأما القلبيات فتكون أشدَّ وأغلظ وأبعدَ عن العفو (^٥).\nالخامس: الإيذان بأن الكتمان من الكبائر المتعلقة بالعقائد كالكفر والنفاق والشرك وأمثالها، ولهذا قال ابن عباس ﵄: أكبر الكبائر الإشراك باللّه؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة.\nالسادس: القلب هو الأصل الذي يتقوَّم به سائر الأعضاء، فأفعاله هي الأصول التي يتشعَّب منها (^٦) أفعال الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر، فهو الذي إذا صلح صلح الكلُّ، وإذا فسد فسد الكلُّ، فإذا تأثَّم القلب تأثَّم الكل.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وعيدٌ وتهديد (^٧).\n* * *\n\n<span id=\"aya-291\"> </span>(٢٨٤) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾.\n﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ناسَبَ ختمُ ما في هذه السورة من الكلام المشتمِل للأحكام العديدة، والتكاليف الشديدة، بذكر أنه تعالى له ما في\n_________\n(^٥) في (ك): \"الغفر\".\n(^٦) في (ك) و(م): \"عنها\".\n(^٧) في (ك) و(ف): \"وعيد تهديد\".","vol":"2","page":230},{"text":"عالَمَي الملك والملكوت، فهو يكلِّف مَن يشاء بما يشاء، ولمَّا كانت التكاليف محلُّ اعتقادها الأنفسُ قال:\n﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ من السوء.\n﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ ولا يدخل فيه الوساوس وحديثُ النفس، إذ ليس في وسعه الخلوُّ منه، ولا يكلِّف اللّه نفسًا إلا وسعها، ولكنْ ما اعتقده أو عزم عليه.\n﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال الحسن: ليس يعاقبُ اللّه تعالى عبدًا يوم القيامة أسرَّ عملًا أو أعلنه من حركةِ جوارحه، أو همَّ في قلبه، دون أن يعرِّفه إياه يوم القيامة حتى يقرِّره (^١)، ثم يغفر ما يشاء لمن يشاء، ويعذب مَن يشاء بما يشاء (^٢).\n﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل المغفرة.\n﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل العقوبة، وهذا صريحٌ في نفي وجوب التعذيب، وفي الآية دلالة على وقوع الحساب، فيكون حجةً على مَن أنكره من المعتزلة والروافض.\nقرئ: (فيغفر … ويعذب) مجزومَين على جواب الشرط، ومرفوعَين على الاستئناف (^٣)، وتقديره: فهو يغفرُ ويعذِّب.\nوقرئ: (يَغفرْ) بغير فاءٍ مجزومًا (^٤) على البدل من ﴿يُحَاسِبْكُمْ﴾ بدلَ البعض من الكلِّ، وبدل (^٥) الاشتمال، ومعنى الإبدال: تفصيل للإجمال الذي في الحساب؛ لأن\n_________\n(^١) في (ح) و(ك) و(ف): \"يقرر\".\n(^٢) ذكره بنحوه البغوي في \"تفسيره\" عند تفسير هذه الآية.\n(^٣) قرأ عاصم وابن عامر بالرفع وباقي السبعة بالجزم. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).\n(^٤) وكذا: (ويعذبْ) بالجزم أيضًا على هذه القراءة. انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٤٩).\n(^٥) في (م): \"أو بدل\".","vol":"2","page":231},{"text":"التفصيل أبينُ وأوضح، فكل ما يحتاج إلى البيان يجري فيه هذا البدل اسمًا كان أو فعلًا، إذ الفعل قد يُحتاج إليه احتياج الاسم.\nوالقراءة إظهار الراء في الجزم، وإدغام الباء، ومَن روى إدغام الراء في اللام عن أبي عمرو فهو مخطئ مرتين: حيث أَلْحن لحنًا فاحشًا، إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها، ثم نسبه (^١) إلى أعلم الناس بالعربية، والسبب عدمُ ضبط الرِّواية لعدم الدِّراية.\nكذا قيل (^٢)، وفيه بحث يُطلب من تفسير أبي حيان (^٣).\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يَعجز عن الإحياء والمحاسَبة وما يَعقُبها من المغفرة والتعذيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-292\"> </span>(٢٨٥) - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ تنصيصٌ من اللّه تعالى على صحة إيمانه ﵇ والاعتداد به.\n﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ روي عن ابن عباس ﵄: أن جبريل ﵇ أنزل على محمد جميع القرآن إلا هذه الآيات الثلاث، فإن اللّه تعا لي أوحاها إليه ﵇ ليلة المعراج. وبه قال الحسن ومجاهد وابن سيرين (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"ينسبه \".\n(^٢) القائل الزمخشري. انظر: \" الكشاف \" (١/ ٣٣٠).\n(^٣) وقدم تعقب أبو حيان الزمخشري ورد عليه بالرواية والدراية. انظر: \"البحر\" (٥/ ١٣٣).\n(^٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٤/ ٤٩١). وروى مسلم (١٧٣) من حديث ابن مسعود ﵁ حديثا فيه أنه ﷺ أعطي في الإسراء خواتيم سورة البقرة.","vol":"2","page":232},{"text":"﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ في عبارة الربِّ إشارة إلى أن في الإنزال المذكور تربيةً له ﵇، ولهذا كان تدريجًا.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ إن عُطف ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ على ﴿الرَّسُولُ﴾ كان التنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضًا عن الضمير الراجع إلى ﴿الرسولُ … والمؤمنون﴾؛ أي: كلُّهم آمن، ووخَد ضمير ﴿كُلٌّ﴾ في ﴿آمَنَ﴾ ليتناول كلَّ واحد فيكونَ أبلغ من الجمع.\nوإنْ جُعل مبتدأً كان الضمير للمؤمنين دون الرسول، وباعتباره يصحُّ وقوع ﴿كُلٌّ﴾ بخبره خبرَ مبتدأ، فيكون إفراد الرسول ﵇ بالحكم إمَّا لتعظيمه، أو لأن إيمانه عن مشاهَدةٍ وعِيَانٍ، وإيمانَهم عن نظر وبرهان، فكأنهما جنسان.\n﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ ذُكر الكتبُ بين الملائكة والرسل باعتبارِ أنها تصل منهم إليهم.\nوقرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (^١) يريد القرآنَ أو الجنس، وعثه: الكتابُ أكثرُ من الكتب (^٢). لِمَا ذُكر من تناوُله وحدانَ الجنس، بخلاف الكتب فإنَ تناوله وحدان الجمع (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٤٩)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٣١)، والكلام منه. وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٥).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٤٩)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٣١).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٣١)، وفيه: (فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟ قلت: لأنَّه إذا أريد بالواحد الجنس - والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها - لم يخرج منه شيء، فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع). وتعقبه أبو حيان في \"البحر\" (٥/ ١٣٩) بقوله: (وليس كما ذكر ..)، ثم ساق بحثًا في الرد عليه، أما الآلوسي فقال في \"روح المعاني\" (٣/ ٥١٣): (وهذا =","vol":"2","page":233},{"text":"﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ أي: يقولون: لا نفرق.\nوقرئ: ﴿يُفرِّقُ﴾ بالياء (^١) على أن الفعل لـ ﴿كُلٌّ﴾.\nوقرئ: (لا يفرِّقون) (^٢) حملًا على معناه؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧].\nو(أَحَد) في الأصل بمعنى: وَحَدٍ، وهو الواحد، ثم وُضع في النفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد و(^٣) ما وراءه (^٤)، وهذا العموم غير العموم المستفاد من وقوع النكرة في سياق النفي، يدل عليه أنه لا يستقيم: لا نفرق بين رسولٍ من الرسل، إلا بتقدير عطفٍ؛ أي: رسولٍ ورسولٍ.\nوالمراد: الفرق بالتصديق لا الفرق مطلقًا، فإن الفرق بالتفضيل والبعثة بالشريعة غير منهيٍّ عنه.\n﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا﴾ أي: فهمنا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: كان إطاعتنا عن إذعانٍ وقبول، لا عن تقليدٍ على العمياء، أو طمعًا في متاع الدنيا.\nوقيل: أي: أجبنا.\n_________\n= المبحث من معضلات علم المعاني، وقد فرغ من تحقيقه هناك).\n(^١) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٣٧)، وعزاها الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٣٣١) لأبي عمرو، وهي خلاف المشهور عنه.\n(^٢) تنسب لابن مسعود. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٨)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٣١).\n(^٣) الواو من (ك) و(م).\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(ف) و(م): \"ذكره صاحب الكشاف في تفسير سورة الأحزاب. منه \".","vol":"2","page":234},{"text":"وفيه: أن قوله: ﴿وَأَطَعْنَا﴾ يغني عنه، والإفادةُ خيرٌ من الإعادة، ويجوز أن يكون المراد: سمعنا قولك فيما كلَّفْتَنا وأطَعْنا أمرك في ذلك.\n﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ منصوبٌ بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك؛ أي: نستغفرك ولا نَكفرُك؛ أي: من التقصير في حقِّك وفي عبادتك التي لا نُوفي حقَّها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-293\"> </span>(٢٨٦) - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: إلا ما يسع (^١) فيه طوقُها ويتيسَّر عليها، دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبارٌ من عدله ورأفته؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأنَّه كان في طاقته أن يصلِّي أكثر من الخمس، ويصومَ أكثر من الشهر، ويحجَّ أكثر من حجة، وفيه دلالة على عدم وقوع التكليف بالمحال، وأمَّا أنه ممتنعٌ فلا دلالة عليه، بل الظاهر من الإخبار عن عدم وقوعه إمكانُه.\n﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ من ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ من شرٍّ، وتقديم (لها) و(عليها) على الكسب والاكتساب للتخصيص؛ أي: لا يثابُ بخيرها ولا يؤاخَذ بشرها غيرُها، بل يختصَّان بها.\n_________\n(^١) في (د): \"يتسع\".","vol":"2","page":235},{"text":"وتخصيص الكسب بالخير والاكتسابِ بالشر؛ لأنَّ الاكتساب فيه اعتمالٌ، والشرَّ تشتهيه النفس وتنجذبُ إليه، فكان أجدَّ في تحصيله وأعملَ، بخلافِ الخير.\nوفيه التنبيهُ على زيادة اللطف، وكمال الفضل، حيث يُثيب على الخير كيفما وقع، ولا يُعاقبُ على الشر إلا بعد الاعتمال فيه وقوةِ التصرُّف.\n﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يقولون: ربنا، كما تقدَّم، وما بينهما إخبارٌ من الله تعالى، والاعتراضُ قبل (^١) تمام الكلام كثيرٌ في القرآن.\n﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ النسيان والخطأ مَجازان من باب إطلاق اسم السبب على المسبب؛ أي: لا تؤاخذنا إنْ فرَط منا ذنبٌ بسبب النسيان أو الخطأ.\nأو من بابِ إطلاق اسم المسبَّب على السبب؛ أي: لا تؤاخذنا بما أدَّى بنا إلى النسيان والخطأ من تفريطٍ وقلةِ مبالاةٍ.\nويجوز أن يكون على حقيقتهما؛ إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلًا، لكنه تعالى وغد التجاوز عنهما رحمةً وفضلًا، فيجوز أن يدعو الإنسان فيه استدامةً واعتدادًا بالنعمة فيه.\nوقولُه ﵇: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" (^٢) يَحتمِل المعنيين\n_________\n(^١) في (د): \"من قبل\".\n(^٢) رواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٩٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٢١٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٨٥١)، وابن حزم في \"الإحكام \" (٥/ ١٤٩)، من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: \"إن الله تجاوز عن أمتي … \" وصححه الحاكم وابن حزم، وقد أعله أبو حاتم كما في \"العلل\" لابنه (١/ ٤٣١) لكن بعلة غير قادحة كما قال الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٦١). ورواه ابن ماجه (٢٥٤٥) بلفظ: \"إن الله وضع عن أمتي … \"، لكن في إسناده انقطاع كما استظهر البوصيري في \"الزوائد\".","vol":"2","page":236},{"text":"أيضًا؛ لأن المرفوع أثرهما لا نفسُهما، وعلى هذا يصحُّ أن يراد المعنى الأول.\n﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى فلا يُخلُّ بعطف قوله: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا﴾ على قوله: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا﴾.\n﴿إِصْرًا﴾ الإصر: العبءُ الذي يَأصِرُ حاملَه؛ أي: يحبسُه في مكانه لا يستقلُّ به لثِقله، والمراد به: التكاليفُ الشاقة.\nوقرئ: (ولا تحمِّل) بالتشديد (^١)؛ للمبالغة في الطلب لا في المطلوب انتفاؤه.\n﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ حملًا مثلَ حملِكَ إياه ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ من الأمم، أو: مثلَ الذي حملتَه عليهم، فيكونُ صفةً لـ ﴿إِصْرًا﴾.\nوالمراد به ما كلِّف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس، وقطعِ موضع النجاسة، وخمسين صلاةً في اليوم والليلة، وصرفِ ربع المال للزكاة.\n﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ من العقوبات النازلة بالأمم السالفة، طلبوا الإعفاء عن التكاليف الشاقَّة التي كُلِّفها مَن قبلَهم، ثم عمَّا نزل بهم من العقوبات لتفريطهم في المحافظة عليها.\nوقيل: هو تأكيد للأول بالتكرير.\nأو المراد به: الشاقُّ الذي لا يكاد يُستطاع من التكاليف، وهذا دليل على جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يتعيَّن هذا المعنى مرادًا من الآية حتى تتمَّ الدلالةُ فيها على جوازه.\nوالتشديد هنا لتعديَةِ الفعل إلى المفعول الثاني.\n_________\n(^١) تنسب لأبيٍّ. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٨)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٣٣).","vol":"2","page":237},{"text":"﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ قال الأزهريُّ: كلُّ مَن استحَقَّ عقوبةً فتركتَها فقد عفوتَ عنه، لفظُ اللازم والمتعدِّي سواءٌ، يقال: عفا اللهُ عن العبد عفوًا، وعفَتِ الرياحُ الأثرَ عفاءً، فعَفَا الأثرُ عُفُوًّا (^١).\n﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: واستر ذنوبنا، ولا تفضحنا بكشف عيوبنا (^٢)، والعفوُ لا يستلزمُ الستر، فلا تكرار.\n﴿وَارْحَمْنَا﴾: وتعطَّفْ بنا وتفضَّلْ علينا.\n﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: سيدنا ونحن عبيدك، أو: ناصرُنا ومتولِّي أمورنا.\n﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ فإنَّ مِن حقِّ المولَى أن ينصُر مواليَه على الأعداء، فإن (^٣) ذلك من أمورنا التي تولاها (^٤).\nخُتمت السورة الكريمة بمثل ما بُدئت به من إثبات توحيده، وصفاتِ جلاله، والنبوَّات، والمعاد، والقضاء والقدر، في ضمن ذكر المؤمنين السامعين المطيعين، وهم المتقون الذي جُعل الكتاب هدًى لهم، وبيَّن شمول لطفه في شأن هذا النوع، وخصوصًا هذه الأمة، وجعل ختام ذلك كلِّه ما يدل على أن كمال حال المؤمن المطيع أن لا يزال مستمِدًّا من بحر جُوده بألسنة الاستعداد والحال والمقال، فبذلك ارتقاؤه في مدارج الكمال، ومعارج الجلال والجمال (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (٣/ ١٤١).\n(^٢) في هامش (د) و(م): \"قال القاضي: بالمؤاخذة، ولا وجه له لأن الأول مغني عنه. منه \".\n(^٣) في (ك) و(م): \"أو فإن\".\n(^٤) في (د) و(ك) و(م): (توليها).\n(^٥) في (م) بدل \"والجمال\": \"والحمد لله على التمام والصلاة على نبيه سيد الأنام وعلى آله وصحبه الكرام ما تعاقب الليالي والأيام \".","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>سورة آل عمران</span>\nمدنية مكيةٌ في قول عكرمةَ والحسن البصري، ومدنيةٌ في قول عامةِ أهل التفسير\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-294\"></span><span id=\"aya-295\"> </span>(١ - ٢) - ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\n﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الأفصح أن يُوقَفَ على (ميم) كما وقِفَ على (ألف) و(الام) كما هوَ قراءةُ أبي بكرٍ في روايةٍ عن عاصمٍ (^١).\nوأطبق سائر القراءِ على فتح الميمِ بطرحِ الهمزةِ للتخفيفِ، وإلقاءِ حركتها علَيها، وهي في حكم الوقف، والهمزةُ في حكم الثابتِ.\nومَن قال: إن الحركةَ لالتقاء الساكنينِ، لم يُردْ بالساكنينِ الياءَ والميمَ مِن (ألف لام ميم) في الوقف، بل أراد بهما الميم ولام التعريفِ، فنظيرهما النون واللام في: مَن الرجل؟ فلا يَرِدُ عليه أنه غير محذور في باب الوقف ولذلك لم يُحرَّك في (لام)؛ لِمَا عرفت أنه اعتُبِرَ التقاءُ الساكنين من كلمتين، فما ذُكرَ ليس بنظيرٍ له؛ لأنَّه في كلمةٍ واحدةٍ، والفرقُ واضحٌ.\n_________\n(^١) انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد (ص: ٢٠٠)، ونسبها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٩) لعاصم وغيره، لكن قراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة، وهي بفتح الميم وإسقاط الهمزة حالة الوصل.","vol":"2","page":241},{"text":"وأما قراءةُ الكسر فمما جوَّزها الأخفش، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ من السبعة (^١).\n﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ اسم اللهِ الأعظمُ بدلالة ما رويَ أنه ﵇ قال: \"إنَّ اسم الله الأعظم في ثلاثِ سورٍ\" في البقرة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي آل عمران: ﴿الم (١) (^٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-296\"> </span>(٣) - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.\n﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآنَ منجمًا.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدلِ، أو: بالصدق في أخباره ومواعيده، أو: بالبيِّناتِ المحقَقةِ أنه من عندِ اللهِ تعالى، وهو في موضعِ الحالِ.\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للأخفش (١/ ١٧٢)، ونسب ابن خالويه هذه القراءة إلى عمرو بن عبيد، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٩).\n(^٢) \"الم\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" (١٧٧) من حديث أبي أمامة ﵁، وتعيين الآيات في السور الثلاث لم يرد عند ابن ماجه، وليس من المرفوع، لكنه من أحد الرواة كما صرحت به رواية الطحاوي، وإن كان الطحاوي قد خالفه فيه. وروى أبو داود (١٤٩٦)، والترمذي (٣٤٧٨) من طريق عُبيدُ الله بن أبي زياد، عن شَهر بن حوشَبٍ عن أسماء بنت يزيد ﵂: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: \"اسمُ الله الأعْظَمُ في هاتين الآيتين (١) ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة سورة آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وهو في \"مسند أحمد\" (٢٧٦١١)، لكن جاء في روايته أن الآية الأولى هي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وإسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن أبي زياد، وشهر بن حوشب. ومع ذلك قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح!","vol":"2","page":242},{"text":"﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية المُنزَّلةِ على الأنبياء السالفةِ ﵈، الحاضرةِ عندَ نزولهِ.\n﴿وَأَنْزَلَ﴾ جملةً.\n﴿التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ اسمان عبرانيان فلا يدخلُهما اشتقاقٌ عربيٌّ بنصِّ النحاة (^١).\nثم تكلموا فيهما على تقدير كونهما عربيين (^٢)، فالتوراةُ فَوْعَلَةٌ، أو تَفْعِلَةٌ بكسر العين، أو تَفْعَلَةٌ بفتحها، من الورى (^٣)، والإنجيل إفعيلٌ من النَّجْل (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-297\"> </span>(٤) - ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ تنزيل القرآن.\n﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ على العموم، واختصاصُ الكتابين المذكورين ببني إسرائيل من جهة التكليف لا ينافي عمومَهما لجنس (^٥) الإنس من جهة الهداية، فإن مَن تعبَّد بهما\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"صرح بهذا أبو حيان فلا تعسف في الكلام المتعلق باشتقاقهما ووزنهما، واندفع ما وهمه الفاضل التفتازاني أن الاشتقاق المنقول عن الفريقين ينفي صحة القول بكونهما اسمان عجميان. منه \".\n(^٢) في (النسخ) عدا (ك): \"عربيان\" والمثبت من (ك).\n(^٣) فيها على هذا قولان: أحدهما: أنها من ورى الزندُيَرِي: إذا قدح وظهر منه النار، فكأن التوراة ضياء من الضلال، وهذا الاشتقاق قول الجمهور. وذهب بعضهم إلى أنها مشتقة من ورَّى: إذا عرَّض؛ كما روي أنه ﷺ كان إذا أراد سفرا ورَّى بغيره؛ لأن أكثر التوراة تلويح. انظر: \"البحر\" (٥/ ١٥٦).\n(^٤) وهو الماء الذي ينز من الأرض. انظر: \"البحر\" (٥/ ١٥٦).\n(^٥) في (ف) و(ك) و(م): \"الجنس\".","vol":"2","page":243},{"text":"قبل الانتساخ فقد اهتدى (^١) وإن لم يكن من بني إسرائيل (^٢)، على أن كونهما هدايةً إلى أصول الدين لا يختص ولا يَقبل النسخ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\n﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ رابع الكتب الأربعة وهو الزبور؛ لأن الظاهرَ من العطف خصوصًا مع إعادة لفظِ (أَنزل) التغايرُ بالذات.\nوإنما خُصَّ بعبارة الفرقان جبرًا للنقصان المتوهَّم من جهة تأخير (^٣) ذكره عن قوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، فكأنه قيل: في الكتبِ الثلاثةِ شرائعُ هي هدايةٌ للناس، وفي هذا الكتاب حِكَمٌ يفرَّقُ بها بين الحق والباطل.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ من كتبه المنزَلةِ وغيرِها من المعجزات.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بنوع لا يُعرَفُ كُنْهُه من العذاب الشديد.\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالب لا يمتنع (^٤) من التعذيب.\n﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ تنكيرُهُ دل على قوته كمًّا، وقد اقترن بصفةِ العزَّةِ فدل على قوته كيفًا حيث لم يُتصور اندفاعه، ففُهم من الجملة معنى قوله: لا يقدر له انتقام لا يُقْدَر قَدْرُه من الشدة، ولا يَقْدِر على مثله مُنتقِمٌ (^٥).\n_________\n(^١) في (ك): \"استهدى\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"من غفل عن هذا قال: على العموم إن فلنا: إنا متعبدون بشرع من قبلنا، وإلا فالمراد به قومهما. منه\".\n(^٣) في (ح) و(د): \"تأخيره\".\n(^٤) في (ج) و(د) و(ك): \"يمنع\".\n(^٥) قوله: \"لا يقدر له انتقام … \" كذا في النسخ كلها، وعبارة الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٣٣٦): (﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم).","vol":"2","page":244},{"text":"والنِّقمةُ: مطلقُ العقوبةِ (^١)، لا عقوبةُ المجرِم خاصة، وعيدٌ جيءَ بهِ بعد تقريرِ التوحيد، والإشارةِ إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيمًا للأمر، وزجرًا عن الإعراض عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-298\"> </span>(٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عبَّرَ عن العالم بقطريهِ، وتقديمُ الأرضِ؛ لأن المقصودَ بالذكرِ ما اقترِفَ (^٢) فيها؛ كأنه قيل: يعذبهم اللهُ الذي له كمالُ القدرةِ والغلَبةِ والعلمِ بأحوالِ العبادِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-299\"> </span>(٦) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nو(^٣) ﴿هُوَ﴾ على الانفراد والتعيين.\n﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من الصور المختلفة، فهو (^٤) في موضع الظرف؛ أي: في أيِّ صورةٍ وعلى أيِّ هيئةٍ يشاءُ يصوركم، وقرئ: (تَصَوَّرَكم) (^٥)؛ أي: صوَّركم (^٦) لنفسه وعبادته.\n_________\n(^١) في هامش (د): \"نص عليه الجوهري. منه\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"اقترن\".\n(^٣) الواو من (ح) و(د).\n(^٤) في (م): \"هو\". وسقط من (ك).\n(^٥) على صيغة الماضي، وقرأ بها طاوس، \"الكشاف\" ١/ ٣٣٦، و\"المختصر في شواذ القراءات\" ص ١٩.\n(^٦) في (ف) و(م): \"يصوركم\"، وفي (د): \"صورتكم\".","vol":"2","page":245},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ إذ لا يعلَمُ غيرُهُ جملَةَ ما يعلَمُهُ، ولا يقدِرُ على مثل ما يفعلُهُ.\n﴿الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ في ملكه وحكمهِ.\n﴿الْحَكِيمُ﴾ في قولِهِ وفعلِهِ.\nقيل: هذا حجاجٌ على مَن (^١) زعم أن عيسى ﵇ كان ربًّا، فإن وفد نجران لما حاجُّوا فيه رسولَ اللهِ ﷺ نزلت السورةُ من أولها إلى نيِّفٍ وثمانينَ آية تقريرًا لِمَا احتَجَّ به عليهم، وأجابَ عن شُبهتهم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-300\"> </span>(٧) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ﴾ في موضع النصبِ بالحالِ من ﴿الْكِتَابَ﴾، أو كلامٌ مستأنفٌ موضِّحٌ لحالِهِ.\n﴿الْكِتَابَ﴾ أُحكِمت بظهورِ دلالتها على المعنى المراد.\n﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصله الذي تحمَلُ المتشابهاتُ عليهِ، وترَدُّ إليهِ (^٣)، وإنما أفرد (^٤) الأم تجريدًا للكلامِ؛ للدلالةِ على ما يساق له.\n_________\n(^١) في (ح) و(د): \"حجاج من\" والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦).\n(^٢) انظر الخبر في \"تفسير الطبري\" (٥/ ١٧١)، و\"سيرة ابن هشام\" (١/ ٥٣٧).\n(^٣) في (م): \"عليه \".\n(^٤) في (ح): \"انفرد\".","vol":"2","page":246},{"text":"﴿وَأُخَرُ﴾: جمعُ أُخرى. وإنما لم ينصرف لأنَّه وصفٌ معدولٌ عن الآخِرِ، وإلا يلزمُ منهُ معرفتُهُ؛ لأن القياسَ أن يعرَّفَ ولم يعرَّفْ، لا أنه في معنى المعرَّفِ، أو عن (آخَر مِن) (^١).\n﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: محتملاتٌ لأكثرَ من معنًى واحد، أو غيرُ ظاهر الدلالة (^٢)، وفائدته: بعثُ النفوس على النظر والتفكُّرِ، وتحريضُ القلوبِ على التأملِ والتدبرِ؛ لتتمرنَ (^٣) في الاستدلالِ واستخراجِ الدقائقِ، وإبرازِ مكنونات الحقائق، ويزدادَ حرصهم على تحصيلِ العلوم المتوقِّفِ عليها استنباطُ المرادِ من المتشابهاتِ، والتوفيقُ بينها وبينَ المحكمات، فإن الإنسان بذلكَ ينالُ من الثوابِ والدرجاتِ ما لا يُنال بالتقلُّبِ في العباداتِ، والمواظبةِ على سائرِ القُربات.\nومَن وهَمَ أنه لو كان كلهُ محكمًا لتعطل الطريقُ الذي لا يُتوصَّلُ إلى معرفةِ اللهِ تعالى إلا به فقَدْ وهِمَ؛ إذ لا يلزم من تركِ التأمُّل في معرفةِ معاني الألفاظِ تركُهُ في ترتُّبِ (^٤) البعضِ على البعض، واستنباطِ ما فيها من العللِ والنكاتِ والفروعِ، وغيرِ ذلك.\nوأما المرادُ من المحكم في قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]: المحفوظُ مِن فسادِ المعنى، وركاكةِ اللفظِ، ومن المتشابهِ في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]: المشْبِهُ بعضه بعضًا في صحة المعنى، وجزالةِ اللفظِ.\n_________\n(^١) ووجهه: أنّ أصل باب التفضيل أن يستعمل بـ (مِن)، ويستغنَى به عن جمعه، فلما خالفه جعل معدولًا عنه. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٢/ ٦).\n(^٢) في هامش (د) و(ت): \"وعدم ظهورها قد يكون للإجمال وقد يكون لأمر آخر، فمن اقتصر على ذكر الأول فقد قصر. منه\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"ليتميزن\".\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"ترتيب\".","vol":"2","page":247},{"text":"﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: ميلٌ عن الصواب وتعرُّفِ الحقِّ. تفريعٌ على ما فُهمَ مما تقدمَ من أن في المتشابهاتِ مجالَ الصرفِ عن الحق، كما أن فيهِ مجالَ الردِّ إليه، وإما لتفصيلِ حالِ الفريقين السالكَين مسلكَي الصرفِ عنه والصرف إليه، وإنما اقتصر على ذكرِ الأول منهما لظهورِ حالِ الثاني.\n﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾: فيتعلقون بالمتشابه المحتَمِلِ لمَا يطابقُ أهواءَهم (^١)، ولا يلتفتون إلى المحكَماتِ، وكان حقَّهم أن يتَّبعوها.\n﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: طلبَ أن يَفتنوا الناسَ، ويُضلُّوهم عن الحقِّ.\n﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ بما يطابقُ عقيدتَهُم. قدَّمَ الأولَ لأنَّه الغرضُ، وهذا وسيلةٌ إليه.\n﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي يجبُ أن يُحمَلَ عليهِ (^٢).\n﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾: والذين رسخوا؛ أي: ثبتوا وتحقَّقُوا ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ وتمكَّنوا منه.\nومَن وقفَ على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فسَّرَ المتشابه بما استأثر (^٣) الله تعالى بعلمه، وبمعرفةِ الحكم فيه من آياته، ولم يُطْلعْ عليه أحدًا.\nلا يقال: لو لم يكن للراسخين حظٌّ من علم المتشابه إلا أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ (^٤) كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن لهم فضلٌ على الجهَّالِ؛ لأنهم أيضًا يقولون ذلك.\n_________\n(^١) في (ف): \"بالمتشابه المطابق لما يحتمل أهواءهم\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"من قال: أي: لا يهتدي إلى تأويله، فقد ضل؛ لأن الاهتداء لا يجوز إسناده إليه تعالى. منه \". وفيه رد بل تشنيع على الزمخشري القائل للعبارة المذكورة.\n(^٣) في (ح) و(د) و(م): \"استأثره \".\n(^٤) في النسخ: \"آمنا بالله \"، والمثبت هو الموافق للآية.","vol":"2","page":248},{"text":"لأنَّا نقول: ليس الكلام في إثبات الفضيلة لهم، بل في بيانِ اختصاصِ علم المتشابهات بالله تعالى.\nفالمعنى؛ أن الراسخين مع ما فيهم من المزيَّة والفضل يقفون عند التصديق الإجمالي، ولا يتجاوزون عنه إلى حد التفصيل بالتفسير أو التأويل، فكيف مَن دونَهم (^١)؟.\n﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾: كلامٌ مستأنَفٌ موضِّحٌ لحال الراسخين، أو حالٌ منهم، وخبرٌ إن جُعلَ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾: مبتدأً.\n﴿بِهِ﴾: بالمتشابهِ، أو بالكتابِ.\n﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، أي: كلٌّ من المحكم والمتشابه منزَّلٌ من اللوح المحفوظِ عندَهُ تعالى.\n﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: مسرودٌ على سبيلِ المدحِ للراسخِين المحقِّقين في العلم، وإيماءٌ إلى أنهم جرَّدُوا عقولهم من قشر الأوهام والخيالات، وشَوبِ الأهواء والعادات، فهُمْ أهل اللبِّ الخالصِ، لا يحومُ غيرُهم حول التذكُّرِ والتفكُّرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-301\"> </span>(٨) - ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\n﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ مِن مقال الراسخينَ، وما بينَهُما اعتراضٌ، ويحتَمِلُ الاستئنافَ على إضمارِ: قولوا، والمعنى: لا تُمِلْ قلوبَنا عن نهج الحق إلى اتِّباعِ المتشابهِ بتأويلٍ باطلٍ.\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف) و(م): \"وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم. منه\".","vol":"2","page":249},{"text":"قال ﵇: \"قلبُ ابنِ آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه على الحق، وإن شاء أزاغه عنه\" (^١).\nوقيل: لا تبتلِ ببلايا تُزيغُ فيها قلوبنا.\n﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وإلى الحق، ويندرِجُ فيه الإيمانُ بالقسمين اندراجًا أوليًّا، و﴿بَعْدَ﴾ نصبٌ على الظرفِ، و﴿إِذْ﴾ في موضعِ الجر بإضافتهِ إليهِ، وقيلَ: إنهُ بمعنَى (أنْ).\n﴿هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ وترشِدُنا بها إلى كل خيرٍ وصلاحٍ، وتعصِمُنا بها عن كلِّ شرٍّ وفسادٍ.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾: كثيرُ الهبةِ، وهي ما ليسَ على الفاعل فعلُهُ، ولا دلالة فيه على ما هو الحقُّ في الخلافيةِ المشهورةِ؛ لأنَّ المعتزلة لا ينكرونَ الإفضالَ بعدَ أداء الواجبِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-302\"> </span>(٩) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.\n﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾ والمراد منَ اليومِ: واقعةُ القيامةِ، والتنكيرُ للتهويلِ.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في وقوعه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؛ أي: للداعين بالإجابةِ، وللمُطيعينَ بالإثابةِ، أو إقامةِ القيامةِ.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧). ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٤٠٧) من حديث عائشة ﵂، والطبراني في \"الكبير\" (٨٦٥) من حديث أم سلمة ﵂.","vol":"2","page":250},{"text":"و(^١) كما وضِعَ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ موضعَ: أولئكَ؛ للمدحِ، أو (^٢) التسجيلِ باللبِّ على طريقة الالتفات من الخطابِ إلى الغَيبةِ، وضِعَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ موضَعَ: إنك؛ للتعظيم (^٣).\nوأما إفادةُ معنى التنافي بين الألوهية وخُلفِ الميعادِ فمدارُه على التعبيرِ بالاسمِ المذكورِ، لا على الالتفاتِ، غايتُهُ وجِدَ التعبيرُ المذكورُ هنا (^٤) في ضمنِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-303\"> </span>(١٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: برسولِ اللهِ ﷺ.\n﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من جهةِ رحمتِهِ وطاعتهِ، كأنه قالَ: لا تقومُ بدل رحمته أو طاعتِهِ فتغنيَ عنهم إغناءَهما (^٥).\n﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ حطبُها، وقرئ بالضم؛ بمعنى أهلُ وقودها (^٦).\n_________\n(^١) الواو ساقطة من (ف) و(ك) و(م).\n(^٢) في (ك) و(م): \"و\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"يدل على ذلك أنه لو قيل: إنه لا يخلف الميعاد يوجد الالتفات ولا توجد تلك الفائدة، ولو كان سياق الكلام: إنه جامع الناس ليوم لا ريب فيه، لكانت الفائدة المذكورة موجودة ولا التفات. منه\".\n(^٤) كلمة: هنا سقط من (ف).\n(^٥) في هامش (د): \"وأما النقل فلم يثبت، وعبارة التحويل الواقعة في قول الفراء - على ما نقله الجوهري عنه - ليست بنص فيه؛ لأنَّه يوجد بغلبة المجاز على الحقيقة. منه \".\n(^٦) تنسب للحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٩)،=","vol":"2","page":251},{"text":"<span id=\"aya-304\"> </span>(١١) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ متصلٌ بما قبله؛ أي: لن تغنيَ عنهم كما لم تغنِ عن أولئك، أو (^١): توقد بهمْ كما توقَدُ بأولئك.\nأو استئنافٌ مرفوعُ المحلِّ تقديره: دأبُ هؤلاء كدأبهم في الكفرِ والعذابِ، وهو مصدَرُ دأَبَ في العملِ: إذا كدَحَ فيه، ثم غلَبَ استعماله في معنى الشأنِ.\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: عطفٌ على ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو استئنافٌ.\n﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: حالٌ بإضمار (قد)، أو استئنافٌ بتفسير حالهم، وخبرٌ على تقديرِ الابتداء بـ (الذين).\n﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تهويلٌ للمؤاخذةِ، وزيادةُ تخويفٍ للكفرةِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-305\"> </span>(١٢) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: لمشركي مكةَ، وقيل: لليهودِ.\n﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر، أو بقتل قريظةَ، وإجلاءِ بني النضيرِ، وفتحِ خيبرَ، وضربِ الجزية على مَن عَدَاهم ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وقرئ بالياء فيهما على الغيبة (^٣): الإخبار بمعنى كلام الله تعالى، وعلى الخطاب بلفظه.\n_________\n= و\"تفسير القرطبي\" (٤/ ٣٤).\n(^١) في (ف): \"أي \".\n(^٢) في (م): \"للكفر\".\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي، والباقون بالتاء. انظر: \"السبعة\" (ص: ٢٠١)، و\"التيسير\" (ص: ٨٦).","vol":"2","page":252},{"text":"﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: تمامُ ما يقال لهم، أو استئناف؛ أي: بئسَ المهادُ جهنَّمُ، أو ما مهَدُوا لأنفسهم، وفي عبار المهادِ تهكُّمٌ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-306\"> </span>(١٣) - ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\n﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: الخطابُ لقريشٍ أو لليهود (^١)، وقيلَ: للمؤمنين.\n﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يومَ بدرٍ.\n﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: صحَّ الابتداءُ بالنكرةِ؛ لأنهُ في موضعِ تفصيلٍ، وثمةَ صفةٌ محذوفةٌ تقديرُها: فئةٌ مؤمنةٌ تقاتلُ في سبيلِ اللهِ، ﴿وَأُخْرَى﴾ معطوفةٌ على ﴿فِئَةٌ﴾ تقديرُهُ: وأخرى كافرةٌ تقاتِلُ في سبيلِ الطاغوتِ (^٢). حذِفَ عن الجملة الأولى ما أُثبِتَ مُقابلَهُ في الجملةِ الثانيةِ، وعن (^٣) الثانية ما أثبت مقابله (^٤) في الأُولى، وهذا من الاختصاراتِ البليغةِ.\n﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾؛ أي: يرى المشركونَ المؤمنين مِثلَي عددهِمْ، وكانوا ثلاث مئةً وبضعةَ عشَرَ، أو مثلي المشركين؛ وكانوا قريبَ ألف.\nوهذا لا يُنافي قولَهُ تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا\n_________\n(^١) في (م): \" اليهود\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ \".\n(^٣) في (ك) و(م): \"ومن\".\n(^٤) في (د): \"مقامه\".","vol":"2","page":253},{"text":"وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] لأنَّه يجوزُ أن يكونَ التقليلُ من جهة العُدَدِ فلا (^١) ينافي التكثيرَ من جهة العَددِ، ويكونانِ في حالةٍ واحدةٍ كيلا يجبُنوا كلَّ الجبنِ فيُحجموا (^٢) عن القتالِ، ولا يجترئوا كلَّ الجرأةِ، فيشتدَّ الأمرُ. وهذا أولى منَ التوفيقِ بينهما بأن التقليلَ كان في أولِ الملاقاةِ والتكثيرَ بعدَ ذلكَ.\nأو يَرى المؤمنون المشركين مثلَي المؤمنين، وكانوا ثلاثةَ أمثالهم، ليَثبُتوا لهم، ويتيقَّنوا بالنصرِ الموعودِ في قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦]، والقراءة بالتاء الفوقانية (^٣) تؤيد هذا إن كان الخطاب للمؤمنين (^٤)، وتؤيد المعنى الأول إن كان الخطاب لقريش.\nوقرئ بهما (^٥) على البناء للمفعول؛ أي: يريهم الله أو يريكم ذلك بقدرته (^٦).\nوقرئ: (فئةٍ) بالجر (^٧) على البدل من ﴿فِئَتَيْنِ﴾، والنصبِ على المدحِ (وأخرى كافرةً) على الذم، أو الحالِ من فاعل ﴿الْتَقَتَا﴾ (^٨).\n_________\n(^١) في (د): \"ولا\".\n(^٢) في (د): \"فيجبنوا\".\n(^٣) قرأ نافع: (ترونهم) بالتاء، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٦).\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"لا على الاختصار لأنَّه لا يكون نكرة ولا مبهمًا. منه \".\n(^٥) أي: بالياء والتاء.\n(^٦) قرأ ابن عباس وطلحة: (تُرَونَهم) بتاء مضمومة للخطاب، وقرأ السلمي: (يُرَونهم) بياء الغيبة. انظر: \"البحر المحيط\" (٥/ ٢١٦). وعكسهما في \"المحرر الوجيز\" (١/ ٤٠٦).\n(^٧) تنسب لمجاهد والحسن والزهري وحميد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٩)، و\"البحر المحيط\" (٥/ ٢١٦).\n(^٨) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٤٠)، \"البحر المحيط\" (٥/ ٢١٦).","vol":"2","page":254},{"text":"﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾: لا بد من صرفه عن ظاهره؛ لأن الرؤية بمعنى الإبصارِ لا يتعدى إلى المفعولين، و﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ مفعولٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لعدمِ ثبوتِ تلكَ الحال في الواقعِ لواحدةٍ (^١) من الفئتين، فالمرادُ: معناه المجازيُّ؛ وهو العلمُ الحاصلُ بسببِ رؤيةِ العينِ.\n﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نَصرَه كما إيَّدَ أهلَ بدرٍ.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، أي: فيما ذُكرَ مِن غلبةِ المسلمين - على قلَّتِهم وضعفِهم - الكافرينَ - على كثرتهم وشوكتهم - بالكيفيةِ المذكورةِ. ﴿لَعِبْرَةً﴾: لعظةً.\n﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: لذوي البصائرِ، أو لمن أبصرهم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-307\"> </span>(١٤) - ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾.\n﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: المشتهَياتِ، سمَّاها شهواتٍ مبالغةً وإيماءً إلى أنهم انهمكُوا في محبَّتها حتى أحبُّوا شهوتَها، وهيَ (^٣) تَوَقانُ النفسِ إلى الشيءِ.\nوالمزيِّنُ في الحقيقةِ هوَ الشيطان؛ لأن التزيينَ صفة تقومُ بهِ، فمَن قالَ: المزيِّنُ هو الله تعالى لأنَّه الخالقُ للأفعال والدواعي؛ فقدْ أخطأ في المدَّعَى، وما أصابَ في الدليلِ، على ما سبق تفصيله في تفسيرِ سور البقرة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لواحد\".\n(^٢) في (ف): \"بصرهم\".\n(^٣) في (ف): \"وهو\".","vol":"2","page":255},{"text":"وإنما سلَّطهُ اللهُ تَعَالى على تزيينِ ما ذُكرَ لأنَّه من أسبابِ التعيُّشِ وبقاءِ النوعِ.\n﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾ القناطيرُ: جمعُ القنطارِ، وهو المال الكثير، و﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مأخوذةٌ منهُ للمبالغةِ؛ أي: مِن شأن العرب أن يشتقُّوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغةَ في وصفِهِ ما يُتبِعونه به تأكيدًا وتنبيهًا (^١) على تناهيهِ، مِن ذلكَ: ظلٌّ ظليلٌ، وداهيةٌ دهياءُ، وبَدْرةٌ مبدَّرةٌ (^٢).\nويحتمِلُ أن يكونَ مِن قنطرتُ الشيء: إذا رفعتَهُ، ومنهُ القنطرة؛ لأنهُ بناءٌ مشيَّدٌ (^٣).\n﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: والخيلُ: الأفراسُ، سميت خيلًا لاختيالها في مشيها (^٤)، والمسوَّمةُ: المعلَّمةُ؛ منَ السُّومة (^٥) وهي العلامةُ، أو المرعيَّةُ؛ مِن أسام الدابَّةَ وسوَّمها، أو المطهَّمةُ؛ أي: تامةُ الخلقِ (^٦)، من السَّومة؛ لأنها كأنها علَمٌ في الحسن، أو من السَّومِ في البيع لأنها تُسام كثيرًا.\n﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: الإبل والبقر والغنم.\n﴿وَالْحَرْثِ﴾ هو إلقاءُ البذرِ وتهيئةُ الأرضِ، والزرعُ: مُراعاتُهُ وإنباتُهُ، ولهذا\n_________\n(^١) في (د): \"أو\".\n(^٢) البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، ومبدَّرة: كاملة. انظر: \"القاموس\" (مادة: بدر)، و\"نواهد الأبكار\" (٢/ ٤٩٨).\n(^٣) في (د): \"شيد\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"مشيتها\".\n(^٥) في (ف) و(ك) و(م): \"الوسمة\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٤٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨)، و\"البحر\" (٥/ ٢٢٧).\n(^٦) في (ف): \"الخلقة\".","vol":"2","page":256},{"text":"قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] فأثبتَ لهم الحرثَ، ونفَى عنهم الزرعَ (^١).\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ.\n﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ المتاعُ: ما يُستنفَعُ به مدةً ثم يفنى.\n﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾: المرجعُ، وفي الإشارةِ بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى بُعدِ تلكَ المشتهيات من الله تعالى، وتقديمُ اسمِ الله تعالى على ما عنده تقرير لذلكَ البعدِ بتخصيصِ غيرِهِ بهِ.\nوذِكرُ الحُسنِ وتقديمُ الظرفِ عليه إشارة إلى أن الحُسنَ يختَصُّ بالعنديةِ، وإيماءٌ إلى قبحِ (^٢) الشهواتِ البعيدة، والمقصودُ التحريضُ على إثبات ما عندَهُ هن اللذَّاتِ الحقيقيَّة الأبديةِ على الشهواتِ الناقصةِ الفانيةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-308\"> </span>(١٥) - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.\n﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾: تقرير لخيريةِ ما عند اللهِ تعالى هن مستلذات الدنيا.\n_________\n(^١) في هامش (د): \"أقول: المراد هنا من الحرث: الزرع؛ لأن حب الشهوات فيه لا في إلفاء البذر وتهيئة الأرض، وقال ذلك المولى في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ الحرث هو الزرع، ومن هذه الآية يفهم أن الحرث هو الزرع المناسب للهلاك كما لا يخفى\". وفي هامش (ح) و(د) و(ف): \"هو الفرق بين الحرث والزرع ذكره الراغب، ومن لم يفرق بينهما كالجوهري ومن حذا حذوه لم يصب. منه\".\n(^٢) في (ف): \"قبيح\".","vol":"2","page":257},{"text":"﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: استئنافٌ لبيانِ ما هو خيرٌ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ اللامُ بـ (خيرٍ)، وترتفِعُ ﴿جَنَّاتٌ﴾ على: هوَ جنَّاتٌ، ويؤيدُهُ قراءةُ مَن جرَّها بدلًا مِن (خير) (^١).\n﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: قد سبقَ تفسيرُهُ في سورةِ البقرةِ.\n﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾: جمعٌ بينَ التكثيرِ المستفادِ من التنكيرِ، والتشريفِ المستفادِ مِن قولهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، فهوَ أبلَغُ مِن: رضوانُ اللهِ.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ أي: يثيبُ ويعاقبُ على استحقاقهم، أو: بصيرٌ بالذينِ اتقَوا وبأحوالهِم، فلذلكَ أعدَّ لهم الجناتِ على حسبِ درجاتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-309\"> </span>(١٦) - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾: نصبٌ على المدحِ، أو رفعٌ عليهِ، أو جرّ صفةً للمتَّقين أو العبادِ.\n﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾: في ترتيبِ السؤالِ على مجردِ الإيمان دلالة على أنه وسيلةٌ كافيةٌ في طلبِ المغفرةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-310\"> </span>(١٧) - ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾.\n﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: حصرٌ لمقاماتِ السالكِ على أحسن ترتيبٍ، فإن معاملته مع اللهِ تعالى إما توسُّلٌ وإما طلبٌ.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٩)، و\"البحر المحيط\" (٥/ ٢٣١).","vol":"2","page":258},{"text":"والتوسلُ إما بالنفسِ وهوَ منعُها الرذائلَ، وحبسُها على الفضائلِ، والصبرُ يشملُهما، وإما بالبدنِ، وهو إما قوليٌّ وهو الصدقُ، وإما فعليٌّ وهو القنوتُ الذي هو ملازَمةُ الطاعةِ، وإما بالمالِ وهو الإنفاقُ في سبيل اللهِ (^١).\nوأما الطلبُ فهوَ الاستغفارُ؛ لأنَّ المغفرةَ أعظمُ المطالب، بل الجامعُ لها، وتوسيطُ الو أو بينها للدلالةِ على أنهم جامعون لها، وأما دلالتُهُ على استقلالِ كل منَ المعطوفَين فغير مسلَّمةٍ؛ فإن دلالتها على الانضمامِ على ما يأتي في تفسيرِ سور التوبةِ (^٢).\nوتخصيصُ الاستغفارِ بالأسحار؛ لأنها أصفى أوقات العبادة (^٣)، فإنهم كانوا يتهجَّدُون قوَّامين بالليل يتقربون إلى الله تعالى، فيكونُ طلب الحاجة بعدَهُ أحسنَ وأقربَ إلى الإجابة (^٤)؛ لتعاضد الأمرينِ: صفاءِ الوقتِ، والتقربِ إلى الله (^٥) بالطاعةِ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].\n* * *\n\n<span id=\"aya-311\"> </span>(١٨) - ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: بيَّنَ وحدانيته بنصبِ الدلائلِ الدالةِ عليها، وإنزالِ الآياتِ الناطقةِ بها.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الخير\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"ذهب القاضي فيه هنا إلى أن دلالته على الاستقلال، وصرح في تفسير سورة التوبة بخلافه. منه\".\n(^٣) في (ح) و(د): \"العباد\".\n(^٤) في (د) و(ف): \"الحاجة\".\n(^٥) \"إلى الله\" من (م).","vol":"2","page":259},{"text":"﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالإقرارِ.\n﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ منَ الثقلَين بالاحتجاج عليها، شُبِّه ذلك في البيانِ والكشفِ بشهادةُ الشاهدِ. والدلالةُ والإقرارُ والاحتجاجُ من أفراد (^١) معنىً مجازي هوَ الأمرُ المشبَّهُ بالشهادةِ، لا معانٍ (^٢) مجازية ليمتنع الجمعُ بينها في الإرادة.\nوإنما لم يعتبَرْ تقديرُ فعلٍ آخرَ ليكونَ الأولُ مجازًا والثاني حقيقةً؛ لأنَّه خلافُ الظاهرِ، معَ الغُنيةِ عنهُ بالمجازِ المستفيضِ.\n﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ في قسمةِ الأرزاقِ والآجالِ والعقابِ، وتعيين الشرائع والأحكام بين العباد.\nوانتصابُهُ على الحال مِن ﴿هُوَ﴾، والعاملُ معنى الجملةِ، أي: تفرَّدَ قائمًا، وهذا أوجَهُ الأوجُهِ؛ لأنهُ أقربُ وأدلُّ على المقصودِ؛ أعني: دخول التعديل تحت الشهادة كالتوحيد، وأوفقُ بما عليه غالب الاستعمال من كون (^٣) الحالِ المؤكِّدةِ عَقيبَ الجملةِ الاسميةِ.\nوأما انتصابه على المدحِ نكرةً، والمنتصِبُ عنه معرفةٌ، فيمنعُهُ القياسُ، ولم يَرِدْ به الاستعمالُ.\nوقرئ: (القائمُ بالقسط) (^٤) على البدلِ مِن (هو)، أو الخبرِ لمحذوفٍ (^٥).\n_________\n(^١) في (ح) و(د): \"إقرار\".\n(^٢) في (م): \"معاني\".\n(^٣) قوله: \"التعديل تحت الشهادة كالتوحيد وأوفق بما عليه غالب الاستعمال من كون\" من (م).\n(^٤) تنسب لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"تفسير القرطبي\" (٥/ ٦٧)، و\"البحر\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"المحذوف\"، وفي (د): \"محذوف\".","vol":"2","page":260},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرَّرهُ ليؤكِّدَ المشهودية على ما هو عليه في نفس الأمرِ، ويقرِّرَ أنَّ الأصل في الدين هو التوحيدُ، والعدلُ لازمٌ له لزومَ الظل للذات، ولهذا أكَّدهما بقوله:\n﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالبُ بوحدتِهِ على كل شيءٍ، لا يغالبُه شيءٌ فيكونَ إلهًا.\n﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤتي كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، ولا يعدل عن العدلِ في إفضالِهِ.\nفهما صفتان مقررِّتان لهما، ورفعُهما على البدلِ من الضميرِ، أو الصفةِ لفاعلِ ﴿شَهِدَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-312\"> </span>(١٩) - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ؛ لأنهُ لما قرَّرَ أصلَ الدين وأساسَهُ باطنًا وظاهرًا وهوَ التوحيدُ والعدلُ، اتَّجهَ أن يقال: فما الدينُ الذي يجبُ أن يُتديَّنَ به بعدَ هذا الاعتقاد؟\nفأُجيبَ: بأن الذي يستأهلُ أن يُسمَّى دينًا ويعتَدَّ به عندَ اللهِ، ويُقبلَ هوَ الشرعُ الذي جاء به محمدٌ ﵇ (^١).\nوقرئ بالفتحِ (^٢) على أنهُ بدلٌ مِن ﴿أَنَّهُ﴾ بدلَ اشتمالٍ (^٣).\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"فالترتيب بحسب التقرير ومن لم يتنبه له تكلف في توجيهها. منه\".\n(^٢) وهي قراءة الكسائي، وقرأ باقي السبعة بكسر الهمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٧).\n(^٣) في (د): \"الاشتمال\".","vol":"2","page":261},{"text":"وقرئ: (إنه) بالكسر و(أنَّ) بالفتح (^١) على وقوعِ الفعلِ على الثاني، واعتراضِ ما بينَهُما، أو إجراءِ ﴿شَهِدَ﴾ مُجرى قال تارًة، وعلِمَ أُخرى لتضمُّنهِ معناهما.\n﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مِن اليهودِ والنصارى.\n﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾: من بعدِ ما تمكَّنوا من العلمِ بحقيقة الأمر بالآياتِ البيناتِ، لا خَفاءَ في أن المراد اختلافُهم فيما بينهم على ما دلَّ عليه قولُهُ:\n﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وطلبًا للرئاسةِ. انقسمتِ اليهودُ إلى قرائيِّ وربانيٍّ وسمرة (^٢)، وانقسمت النصارى إلى ملكِيٍّ ويعقُوبِّي ونسطُوريٍّ، وكلُّ طائفةٍ تكفِّرُ مَن خالفها بعد أن كانت اليهودُ أمةً واحدةً، والنصارى كذلك، وقد تمكَّنُوا من العلم بحقيقةِ الأمر بالكتبِ المنزلةِ عليهِم من التوراةِ والزبورِ والإنجيلِ.\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: يرشدُكَ هذا إلى أنَّ المراد مِن مجيءِ العلمِ مجيءُ ما يفيد (^٣) من الآياتِ.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: لا يهمِلُ في جزائهِ ولا يمهلُ، فإن الحسناتِ كنايةٌ عن عدمِ الإهمالِ في الجزاء، وسرعتُهُ كناية عن عدم الإمهال (^٤) في الإيصالِ، وهذا آيةُ وعيدٍ شديدٍ في الغاية.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٤٥).\n(^٢) \"وسمرة\" سقط من (ك) و(م). ولعل المراد به السامرة، وهي قبيلة من اليهود تخالفهم في بعض دينهم. انظر: \"اللسان\" (مادة: سمر).\n(^٣) في (د) و(ك) و(م): \"يفيده\".\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"الإهمال\".","vol":"2","page":262},{"text":"<span id=\"aya-313\"> </span>(٢٠) - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.\n﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فإن جادلوك (^١)، ولم يقل في ماذا؛ للتنبيهِ (^٢) من الجوابِ أنه في الدينِ.\n﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أخلصت نفسي وجملَتي لهُ لا أشركُ فيها غيره.\nفالوجهُ مجازٌ عن نفسِ الشيءِ وذاتِهِ كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أو عن جملةِ الشخص تعبيرًا عن الكلِّ بأشرف الأجزاءِ، والمقصودُ المبالغة بجعل كلِّ البدن محلًّا للإخلاصِ.\nوالفاءُ للترتيب على ما فُهمَ مما تقدَّمَ من أن اختلافهُمْ في الدين لغرضٍ دنيويٍّ لا لإظهار الحقِّ وإزالة الشبهةِ، فلا تجدي المجادلَةُ معهم والاحتجاجُ عليهم، ولهذا أمرَهُ ﵇ بالجوابِ المفصِح عن الإعراضِ عن محاجتهم.\n﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ لدلالة ما قبلَهُ عليه، تقديره: أسلَمَ وجهه للهِ، ولا يجوز عطفُهُ على الضميرِ في ﴿أَسْلَمْتُ﴾؛ لاستلزامهِ المشاركة في المفعولِ، ولا صحةَ لها، وحملُ الواوِ على معنى (مع) لا يفضي إلى ذلك، إلا أن (^٣) حق (مع) أن تدخُلَ المتبوعَ (^٤).\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذينَ لا كتاب فيهم كمُشركي العربِ.\n_________\n(^١) \"فإن جادلوك \": ليست في (ك) و(م).\n(^٢) في (ك) و(م): \"ليبينه\".\n(^٣) قوله: \"إلا أن\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (لأن).\n(^٤) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"لأن مدلول مع مجرد المصاحبة، دل عليه قول عائشة ﵁ كنا نختص مع رسول الله ﷺ والحديث مذكور في صحيح البخاري. منه \".","vol":"2","page":263},{"text":"﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: استفهامٌ فيهِ استقصارٌ وتعبيرٌ بالمعاندةِ، أي: قد جاءكُم من البيناتِ ما يوجب الإسلامَ، ولم يبقَ معه شبهةٌ، فهل أسلمتُم أم أنتم بعدُ على كفركم وعنادِكم؟\n﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾: فقد نفعُوا أنفسهم بإخراجِها من ظلمة الضلال إلى نور الهدى.\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فلم يضرُّوكَ.\n﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فإن الرسولَ ما عليه إلا البلاغ، وقد أبلغتَ، وبالغتَ في الحجةِ.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾: وعدٌ للرسول، ووعيدٌ لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-314\"> </span>(٢١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ في (^١) سورة البقرةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: بغيرِ الحق الذي حدَّهُ الله تعالى وأذِنَ فيهِ، والنكرةُ هاهنا على معنى أنَّ القتل يكونُ بوجوهٍ من الحقِّ، فمعناهُ: يقتُلون بغير حقٍّ (^٢) من تلك الحقوقِ.\n﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ﴾ قرأ رسولُ اللهِ ﷺ هذه الآية ثمَّ قالَ: \"يا أبا عبيدةَ! قتلت بنو إسرائيلَ ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلًا من عبَّاد بني إسرائيل فأمروا مَن قتلهم بالمعروف\n_________\n(^١) في (م): \"قد مر في\".\n(^٢) في (م): \"الحق\".","vol":"2","page":264},{"text":"ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى\" (^١).\nوفائدة البيان بقوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ للتنبيهِ على أنهم قُتِلوا لأمرهم بالقسطِ، لا لخصوصيةٍ فيهم.\nووجهُ المضارعِ الدالِّ على الاستقبال أو الحال مع أن قتلَ الأنبياء إنما كان فيما مضى: أنَّ أوائلَ أهل الكتابِ قتلوا (^٢) الأنبياءَ وأتباعهم الآمرينَ بالقسطِ، والمعاصرين (^٣) راضون بذلكَ، وقاصدون قتلَ رسول الله ﷺ والمؤمنينَ، وذلك في حكم القتلِ، فكانوا مستمرين على قتل الأنبياء وأتباعهم، فصحَّ المضارع الدالُّ على الاستمرارِ، ويكون الحكمُ بالقتل على المعاصرين بقرينةِ قوله:\n﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لا على المجموعِ ليَلزم الجمعُ بينَ الحقيقة والمجاز على أن الماضين قد انقرضوا، والمعاصرين لم يباشروا، فالاستمرارُ على القتل في الكلِّ أيضًا مجاز فلا جمعَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-315\"> </span>(٢٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\nوقد منعَ سيبويهِ إدخالَ الفاء في خبر (إنَّ) كـ (ليتَ) والعلَّ)، ولهذا قيلَ: الخبر\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢٩١) من حديث أبي عبيدة ﵁. قال ابن حجر في \"الكاف الشاف\" (ص: ٢٥): فيه أبو الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول.\n(^٢) في (د): \"قتل\".\n(^٣) في (ك): \"والمعاصرون\".","vol":"2","page":265},{"text":"﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ كقولك: زيدٌ فافهَم رجلٌ صالح، والفرقُ أن (إنَّ) لا تغتر معنى الابتداءِ، بخلافِ (ليت) و(لعل).\n﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: لا ينالون بها نفعًا لا في الدنيا، ولا في الآخرة.\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يدفعُ عنهم العذابَ، واعتبرَ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ، وإلا فنفيُ المفردِ أبلغُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-316\"> </span>(٢٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾: تعجيبٌ من جميعِهم، وتنبيهٌ على سوءِ صنيعِهم.\n﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾: يريدُ أحبارَ اليهود، فإنهم حصَّلُوا نصيبًا وافرًا من التوراةِ، لإفادةِ التنكيرِ التكثيرَ، واللامُ للعهدِ والمعهودُ التوراة، و﴿مِنَ﴾ إما للتبعيضِ؛ لأن ما فهموه معَ وفوره ليسَ إلا البعضَ منها؛ لتعذُّرِ إحاطة البشرِ بكُنْه كلام الله تعالى، وإما للبيانِ؛ بمعنى: أن النصيبَ الوافرَ الذي أوتوه هو التوراةُ.\nوعلى هذا فالأنسبُ أن يفسَّرَ الإيتاءُ بالإنزالِ عليهم وإطلاعِهم عليها، لا بالتحصيل.\nويجوزُ أن تكونَ اللام للجنسِ و﴿مِنَ﴾ للابتداء أو للتبعيض، وأن تكون للعهدِ، والمعهودُ اللوحُ، و﴿مِنَ﴾ للابتداءِ، والنصيب التوراة، ووصفُها بالعظَمِ أنسبُ من وصفها بالكثرةِ.\n﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾: حالٌ أو استئنافٌ، وكتابُ اللهِ هو التوراة، وذلك","vol":"2","page":266},{"text":"أن رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ مدارسهُمْ؛ فقالَ له نُعَيمُ بنُ عمرٍو والحارثُ بنُ زيدٍ: على أيِّ دينٍ أنت؟ فقالَ ﵇: \"على دين إبراهيم\" فقالا له: إنَّ إبراهيم كان يهوديًّا، فقال: \"هلمُّوا التوراةَ، فإنها بينَنا وبينكُم\"، فأَبَيا، فنزلَتْ (^١).\nوقيل: نزلت في الرجم (^٢)، وقد اختلفوا فيه.\nوعنِ الحسنِ وقتادةَ: كتابُ اللهِ القرآنُ؛ لأنهم قد علِموا أنه كتابُ اللهِ لم يشكُّوا فيهِ.\n﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: استبعادٌ لتوليهم بعدَ علمهِم أن الرجوعَ إلى كتابِ الله واجبٌ.\n﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: وهم قومٌ عادتهم الإعراضُ، اعتراضٌ لا حالٌ؛ لقلةِ فائدةِ تقييد التولِّي به، وإن استقامَ أن تكون حالًا مؤكِّدةً.\nوقرئ: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ على البناء للمفعول (^٣).\nوالوجهُ أن يرادَ ما وقعَ من الاختلافِ والتعادي بين مَن أسلم من أحبارِهم وبينَ من لم يسلم، وأنهم دُعوا إلى كتاب اللهِ الذي لا اختلافَ بينهم في صحتهِ - وهو التوراةُ - ليحكُمَ بين المحقِّ والمبطل منهم، ثم يتولى فريقٌ منهم وهمُ الذين لم يسلموا، وذلكَ أن قوله: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يقتضي أن يكونَ اختلافًا واقعًا بينهُم، لا فيما بينهم وبين رسول الله \" ﷺ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٤٨)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٢٩٣) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول كما في \"التقريب \".\n(^٢) ذكره الراغب، انظر: \"تفسيره\" (٢/ ٤٨١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠).\n(^٣) وهي قراءة أبي جعفر من العشرة، انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٢٧).\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"لا ما سبق من الاختلاف بين اليهود والرسول ﵇ في ملة=","vol":"2","page":267},{"text":"<span id=\"aya-317\"> </span>(٢٤) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nو(^١) ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى التولِّي والإعراضِ.\n﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾: بسببِ تسهيلهم أمرَ العقابِ على أنفسهم لهذا الاعتقادِ الزائغ، والطمعِ الفارغ، والسببُ في الحقيقة زعمُهم إياهُ، إلا أنهُ عبّر عنه بالقول تنزيلًا لمعتقدهم الفاسدِ عن منزلةِ العقائد الفاسدةِ إلى منزلة الأقوالِ الباطلة التي لا طائلَ تحتها.\n﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أن آباءهم الأولياءَ يشفعون لهم، والغرورُ: الإطماعُ فيما لا يصح؛ أي: غرَّ الضعفاءَ قولُ الكبراء، وإنما سماه افتراءً وهو اختلاق الكذبِ على الغيرِ؛ لأنهم أضافوا القولَ إلى التوراةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-318\"> </span>(٢٥) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: استعظامٌ لما أُعدَّ لهم من العقابِ (^٢)، وتهويلٌ لهم؛ أي: فكيفَ يصنعونَ -أو: كيفَ يكون حالهم- إذا وقعوا فيما لا حيلَة لهم في دفعِهِ؟\n﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: جزاءَ ما كسبَتْ.\n_________\n= إبراهيم ﵇ في الرجم. منه\".\n(^١) الواو من (ف) و(ك).\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"قد سبق تفسيره في هذه السورة. منه \".","vol":"2","page":268},{"text":"قيلَ: فيه دلالة على أن العبادة لا تحبطُ، وأن المؤمن لا يخلدُ في النار؛ لأن توفيةَ إيمانه وعمله لا تكون في النار، ولا قبل دخولها، فإذًا هي بعد الخلاصِ.\nوَيرِدُ عليه: أنا لا نسلِّمُ ذلك؛ فإنه يجوزُ أن يكونَ فيها بتخفيف العذابِ، وقبلَها بدفع بعض الأهوال عندَ موقفِ الحساب، والمرور على الصراطِ.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ما وُعدَ من أجورهم، والضميرُ لكل نفسٍ على المعنى؛ لأنَّه في معنى: كلّ إنسانٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-319\"> </span>(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ الميمُ عوضٌ من (يا)؛ ولهذا لا يجتمعان، وذلكَ بعض (^١) خواصِّ هذا الاسم؛ كدخولِ تاء القسمِ، و(يا) مع حرفِ التعريفِ، وقطع همزتهِ.\n﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾: اللامُ للاستغراقِ تفيدُ العمومَ، وهذا (^٢) نداء ثانٍ عند سيبويهِ؛ لأن الميم عندَه تمنعُ الوصفية (^٣).\n﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ اللامُ هنا وفي قوله: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ للماهيةِ التي تحصُلُ بوجود فردٍ منه (^٤) فهما خاصَّان؛ أي: تؤتي مَن تشاءُ النصيبَ الذي\n_________\n(^١) في (م): \"بعض من\".\n(^٢) في (د): \"وهو\".\n(^٣) وأجاز المبرد والزجاج الوصفية، أعني: وصف (اللهم)، فا لمسألة خلافية. انظر: \"الكتاب\" (٢/ ١٩٦)، و\"المقتضب\" (٤/ ٢٣٩)، و\"معاني القرآن\" للزجاج (١/ ٣٩٤)، و\"البحر\" (٥/ ٢٧٦)، و\"ارتشاف الضرب\" (٤/ ٢١٩٢).\n(^٤) في (ف): \"منها\".","vol":"2","page":269},{"text":"قسَمتَ له منهُ، وتنزعُ ممن تشاء النصيبَ الذي أعطيتَهُ منه.\n﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ في الدنيا بالنصرِ والإدبارِ، وفي الآخرةِ بالتوفيقِ والخذلانِ.\n﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾: إنما خصَّ الخيرَ بالذكر لعدم نسبة الشرِّ إليه تعالى (^١)، على ما وقع التصريحُ بهِ في الحديث النبوي حيثُ قال: \"والخيرُ في يديك، والشرُّ ليس إليكَ\" (^٢).\nولما احتمَل أن يُظَنَّ أن الشرَّ خارجٌ عن حيِّزِ قدرته دفعَ بقولهِ:\n\n<span id=\"aya-320\"> </span>(٢٧) - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\n﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لما ذكَرَ قدرتهُ في إيتاء الملكِ والنزعِ، والإعزازِ والإذلال بحسبِ المشيئة، عدَّدَ آياتِ القدرة الباهرة بذكرِ الليل والنهار، وزيادةِ كلٍّ منهما بنقصِ الآخر، وذكرِ الحي والميت وإخراجِ كلٍّ منهما من الآخر، وذكرِ سعة فضله؛ دلالةً على أن مَن قدَرَ على هذه الأمور العظام، المحيرةِ للعقول والأفهام، ثمَّ قدَرَ على أن يرزُقَ مَن يشاء مِن عباده بغير حساب، فهو قادرٌ على أن ينزِعَ الملك من العجمِ ويذلَّهمْ، ويؤتيَهُ العرب ويعزَّهم، ويرزقهم بغيرِ حسابٍ (^٣).\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"وما قيل: لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كليًا، دعوى بلا دليل. منه\".\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"فيه رد لقول المنافقين يوم الخندق: يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة وأنها تفتح لكم. منه\".","vol":"2","page":270},{"text":"والولوجُ: الدخولُ بشيءٍ بكلفةٍ، واستُعيرَ هنا للُحوقِ قَدْرٍ من الليل بالنهارِ، وقدرٍ من النهارِ بالليلِ، بالقسر (^١) على وجهٍ يكونُ اللاحقُ من جنسِ الملحوقِ.\nوالمرادُ من إخراج الحيِّ من الميتِ وعكسهِ: إنشاءُ النسمة الحيةِ من النطفة الميتةِ، والنطفة الميتةِ من النسمة الحيةِ.\nوقيلَ: هو إخراجُ المؤمن من الكافر وعكسُهُ.\nوفيه: أنه ليسَ من الآياتِ الباهرة التي تستحقُّ أن يستدلَّ بها على ما ذكِرَ.\nوذكَرَ ﴿مِنَ﴾ معَ أن الرزقَ غيرُ مخصوصٍ بذوي العقولِ، للتنبيه على أن رَزق هذا الجنسِ - وهو أقلُّ أفرادًا من الجنس الآخرِ - إذا كان خارجًا عن حدِّ الحدِّ، فالخروجُ عنه في الجنسِ الآخرِ في الكلِّ بطريقِ الأَولى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-321\"> </span>(٢٨) - ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: نُهوا عن موالاتهم لقرابةٍ أو صداقةٍ ونحوِهما حتى لا يكونَ حبُّهم وبغضُهمْ إلا في الله، أو عن الاستعانةِ بهم في الغزوِ وسائرِ الأمور الدينيةِ.\n﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: لا تتخذوهُم أولياء مجاوزينَ ولايةَ المؤمنين، فإنَّ لهم في موالاتهم مندوحةً عن موالاةِ الكافرين فلا تُؤْثروهم عليهم بالولايةِ.\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: اتخاذَهم أولياء.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): (بالعسر)، ووقع في (ح): \"با\" وبيض لباقي الكلمة.","vol":"2","page":271},{"text":"﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾: فليس (^١) من ولايةِ اللهِ في شيءٍ يطلَقُ عليه اسمُ الولايةِ، فإن ولايةَ العدوِّ عداوةٌ وهم أعداءُ اللهِ.\n﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾: إلا أن تخافوا مِن جهتهِمْ أمرًا يجب اتِّقاؤهُ، في محلِّ النصبِ على الظرفِ؛ أي: إلا وقتَ أن تتقوا.\nقيلَ: بمعنى: تخافُوا وتحذرُوا، فتعدَّى (^٢) بـ (من).\nكأنَّ هذا القائلَ ظنَّ أن خافَ وحذرَ (^٣) لا يتعدَّى بنفسِهِ؛ ولم يصِبْ.\nويكونُ ﴿تُقَاةً﴾ نصبًا على المصدرِ بمعنى: متَّقًى، وقرئ: ﴿تَقَيَّةً﴾ (^٤) فعِيلةٌ (^٥) بمعنى مفعولٍ، أو تسميةً بالمصدرِ أيضًا.\nويجوزُ أن يكونا مصدرين إنْ جُعلَ مفعولًا بهِ، ففيهِ مبالغةٌ شديدةٌ حيث كان الرخصة معلَّقةً بشدةِ الخوفِ، حتى إن المحذورَ من غايةِ كونهِ مخوفًا كأنهُ نفسُ الحذرِ.\nوفيهِ التفاتٌ، ولا يخفَى ما فيهِ من اللطفِ؛ فإنهم لما نُهوا عن فِعل ما لا يجوز جعِلَ ذلك في اسم غائبٍ، فلم يواجَهُوا بالنهيِ، ولما وقعتِ المسامحةُ والإذن في بعضِ ذلك ووجِهوا به إيذانًا بلطفِ اللهِ تعالى بهم، وتشريفًا بخطابِه إياهُم.\n﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ فلا تتعرضوا لسخَطهِ بموالاةِ الأعداءِ، وعيدٌ شديدٌ\n_________\n(^١) \"فليس\" ليست (ك) و(ف).\n(^٢) في (د): (فعدي).\n(^٣) في (ك) و(م): \"وكدا حذر\".\n(^٤) وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٣٩).\n(^٥) في (م): \"فعلية\"، وهو تحريف.","vol":"2","page":272},{"text":"مشعِرٌ بتناهي المنهيِّ عنهُ في القبحِ، وذكَرَ النفسَ ليُعلمَ أن المحذَّرَ (^١) منه عقابٌ يصدر منهُ فلا يؤبَهُ دونَهُ بما يُحذَرُ من الكفرةِ.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ دونَ غيرِه، فلا تفوتونه ولا يمكنكَ الحذرُ، إيعادٌ بليغٌ عند مخالفتِهِ.\nثمَّ بيَّنَ قولَه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بقولِهِ:\n* * *\n\n<span id=\"aya-322\"> </span>(٢٩) - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ﴾: وهو بيانٌ من بابِ التعميمِ كإقامة البرهانِ؛ أي: إن تخفوا ما في صدوركم من ولايةِ الكفارِ (^٢) وغيره مما لا يرضى اللهُ بهِ، أو تبدوهُ، يعلمهُ اللهُ تعالى، ويستوي عندَهُ الإخفاءُ والإبداءُ.\nفذكر قوله: ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ معَ أنه مغنٍ عنه؛ لتقريرِ معنى التسويةِ المذكورةِ، وهو كقولهِ: ﴿وَكَهْلًا﴾ في قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦].\n﴿وَيَعْلَمُ﴾، أي: وكيفَ لا وهو يعلمُ ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه مطَّلعٌ بالذات على الأشياء كلِّها سرِّها وعلنها.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فهو القادرُ على عقوبتكم.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"المحذور\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٢).\n(^٢) في (م): \"الكفر\".","vol":"2","page":273},{"text":"وفي إظهارِ ذكر الله في المواضع الثلاثةِ، وتقديمِه على ﴿الْمَصِيرُ﴾، مع أن الموقِعَ موقعُ الإضمارِ، إيعادٌ شديدٌ، وتربيةٌ للعلمِ والقدرةِ والمهابةِ بأنه هو العالمُ القادرُ دون غيره، ولا يُخَصُّ علمُه وقدرتُه ببعض المعلوماتِ والمقدوراتِ (^١) دونَ بعضٍ، فيجبُ أن يُحذَرَ ويُتَّقى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-323\"> </span>(٣٠) - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.\n﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾: نصبٌ بمضمرٍ نحوَ: اذكر، لا بـ ﴿تَوَدُّ﴾ إذ حينئذ يضيعُ توصيفُ اليومِ بوجدانِ كلِّ نفس ما عملت من خيرٍ محضرًا، بل يُخلُّ؛ إذ لا يصلُحُ منشأً لتلك الودادةِ، والأصلُ في مثلِ ذلك هوَ المَنشئيَّة.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: كلُّ نفسٍ عاملةٍ للخيرِ وهي النفسُ المؤمنةُ؛ لعدمِ الخيرِ للكافرِ، وحذِفَ الوصفُ لدلالةِ قولهِ:\n﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ عليه، وفيهِ إشارةُ بشارةٍ للمؤمنِ؛ لأنهُ ذكرَ أنهُ يجدُ الخيرَ محضَرًا ولم يذكُر في حقِّهِ إحضارَ الشرِّ؛ لأن (^٢) منه ما يُغفَر فلا (^٣) يُحضَرُ، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦].\nوالظاهر حضورُ العملِ بنفسه من الخيرِ والشرِّ على ما نطقَ به الخبرُ عن خيرِ البشرِ، فلا يجوزُ الصرفُ عنه بلا صارفٍ.\n_________\n(^١) في (ف) سقط: \" والمقدورات \".\n(^٢) في (ف) و(م): \"لأنَّه\".\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"ولا\".","vol":"2","page":274},{"text":"﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ مبتدأٌ خبرُهُ (^١):\n﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ أي: تحبُّ متمنيًا أنَّ بينها وبينَ ذلك اليومِ وهولِه (^٢).\nولا يجوزُ أن يكونَ: ﴿تَوَدُّ﴾ حالًا من الضميرِ في ﴿عَمِلَتْ﴾ لأنَّ عمَلها ليسَ في حالِ الودادةِ المذكورةِ.\nوعلى قراءة: (ودَّت) (^٣) يجوز أن تكون ﴿مَّا﴾ شرطيةً، وكذا على قراءة العامةِ عندَ التحقيقِ، ولا يأباهُ رفعُ ﴿تَوَدُّ﴾؛ لأنَّ الشرطَ إذا كان ماضيًا والجزاء مضارعًا جازَ فيه الرفعُ والجزمُ، لكنَّ الحملَ على الجملةِ الاسميةِ أوقعُ في المعنى؛ لأنَّه حكايةُ الكائنِ في ذلك اليومِ.\n﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾ والأمدُ: المسافةُ أو الزمانُ.\n﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾: ذكرَهُ فيما سبقَ للمنعِ عن موالاةِ الكافرين، وذكره هنا للحثِّ على عملِ الخيرِ، والمنعِ عن عمل السوءِ، فلا تكرارَ.\n﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعني: أن المبالغةَ في تحذيرِهم واستيقاظِهم عن الغفلةِ، وتذكيرِهم كمالَ علمِهِ وقدريهِ وإحاطتِهِ بهم، منَ الرأفةِ العظيمةِ بالعبادِ؛ لأنهم إذا تنبَّهوا وعر فوه حقَّ معرفته حذروا سخَطهُ، وطلبوا رضاه، فنجَوا.\nويجوزُ أن يريدَ أنه مع كوبه محذورًا لإحاطةِ علمِهِ، وكمالِ قدرتهِ، وقوة\n_________\n(^١) في (م): \"وخبره \".\n(^٢) في (م): \"سهولة\"، وسقطت من باقي النسخ، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٣٥٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٢).\n(^٣) تنسب لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٢٠٧)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٥٢).","vol":"2","page":275},{"text":"قهرهِ، مرجوٌّ (^١) لسعةِ رحمتِهِ ورأفتِهِ ولطفِهِ؛ كقوله (^٢): ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-324\"> </span>(٣١) - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾: المحبةُ أمرٌ وجدانيٌّ لا يمكن تعريفُه بحسب الحقيقَةِ كما قيلَ:\nحَقِيقةُ الحبِّ لا تُحكَى لفاقدِها … والواجِدُ استبشَعَ التعريفَ بالقيلِ\nلا يعرِفُ الشمسَ إلا مَن يُشاهِدُها … للكُمهِ في تعريِفها عينُ تضليلِ\nوأثرها الحادثُ في القلبِ: ميلٌ إلى المحبوبِ لكمالٍ أُدركَ فيهِ بحيثُ يحملها (^٣) على ما يقرِّبه إليهِ، فمحبةُ اللهِ تعالى تقتضِي إرادةَ طاعتهِ، والرغبةَ فيما يقرِّبهُ إليهِ، فلذلك فُسِّرت المحبةُ بإرادةِ الطاعةِ، وجُعلتْ مستلزمةً لاتِّباعِ الرسولِ في عبادتِهِ والحرصِ على طاعتهِ.\n﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾: جوابٌ للأمر (^٤)؛ أي: يرضى عنكُم، ويقرِّبُكم مِن جنابِ عزِّهِ، ويبوِّئكم في جوارِ قُدسِهِ، عبَّرَ عن ذلك بالمحبةِ على طريقِ الاستعارةِ والمشاكلةِ (^٥).\n_________\n(^١) في (د): \"مرجو\"، والصواب المثبت.\n(^٢) في (ك) و(ف): \"لقوله \".\n(^٣) قوله: \"يحملها\"، كذا في النسخ بتأنيث الضمير مع أنه لم يتقدمه مؤنث حتى يعود عليه، لكنه يستقيم على عبارة البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ١٣): (المحبة: ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه بحيث يحملها ..).\n(^٤) في (ك) و(م): \"الأمر\".\n(^٥) في (د): \"أو المشاكلة\".","vol":"2","page":276},{"text":"﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ما سلفَ من ذنوبكم.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لمن تحبَّبَ (^١) إليه بطاعتهِ، ومتابعةِ نبيِّهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-325\"> </span>(٣٢) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: ذُكرَ اللهُ توطئةً لذكرِ الرسولِ؛ تخصيصًا لهُ باللهِ تعالى، وتعظيمًا لكون الطاعةِ مكانَ المتابعةِ، كأنهُ قالَ: فإن لم تتَّبِعوني فأطيعوني، ونوَّه بذكرِ الرسولِ والالتفاتِ، وأكَّدَ تعظيمَهُ:\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: يحتمِلُ أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بمعنى: فإن تتولُّوا.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: قد سبق آنفًا بيانُ معنى حبِّ اللهِ.\nأثبتَ الكفرَ لتاركي طاعةِ اللهِ والرسولِ بوضع الظاهرِ موضعَ المضمرِ تسجيلًا عليهم بالكفرِ، وحصرًا للكفرِ فيهم بإفادة أنهم جنسُ الكفَّارِ، ليلزَم أن تاركَ المتابعةِ ليسَ بكافرٍ ما دام مطيعًا؛ لأنها لا تتيسَّرُ لكلِّ واحدٍ من آحاد المسلمين، موميًا إلى أن الذي لم يتيسَّرْ له المتابعةُ في سلوكِ طريقه فعليه بالطاعةِ كما أُمرَ، وإلا كان كافرًا (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-326\"> </span>(٣٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ بالرسالةِ والخصائصِ (^٣) الروحانيةِ والجسمانيةِ،\n_________\n(^١) في (ف): \"يجيب\".\n(^٢) في هامش (ح) و(د): \"من غفل عن هذا زعم أن العدول عن الضمير للتعميم. منه\".\n(^٣) في النسخ عدا (د): \"أو الخصائص\"، والمثبت من (د)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٣). وجاء في هامش (ح): \"في نسخة: والخصائص \".","vol":"2","page":277},{"text":"ولذلك قَوُوا على ما لم يقوَ عليه غيرُهم، لمَّا أوجبَ طاعةَ الرسلِ (^١)، وبيَّنَ أنها الجالبةُ لمحبةِ الله تعالى، عقَّبَ ذلك ببيان (^٢) مناقِبهم تحريضًا عليها.\n﴿وَآلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: إسماعيلَ وإسحاقَ ﵉ وأولادَهما، وقد دخلَ فيهم الرسولُ ﷺ.\n﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون ﵉، والمرادُ: عِمران بن يَصْهُرْ، وقيل: عمرانُ بن ماثانَ، وآلُه: عِيسى ومريمُ بنتُ عمرانَ المذكورِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-327\"> </span>(٣٤) - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾: حالٌ أو بدلٌ من الآلَينِ، أو مِنهما ومن نوحٍ وآدمَ؛ أي: إنهم ذريةٌ واحدة منشعِبةٌ (^٣) بعضُها من بعضٍ، والذرَّيةُ لمَّا كانت مشتقَّةً من الذَّرءِ وهو الخَلقُ شملَت الكلَّ؛ لأن الأبَ خلِقَ منهُ الولدُ، والولدُ خِلقَ منَ الأب.\nوقيل: بعضُها من بعضٍ في الدينِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-328\"> </span>(٣٣٣٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الرسول\".\n(^٢) في (د): \"بيان\".\n(^٣) في (ك): \"متشعبة\".","vol":"2","page":278},{"text":"﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بأقوالِ الناسِ وأعمالهِمْ، فيصطفِي مَن كانَ مستقيم القولِ والعملِ، أو: سميعٌ بقولِ امرأةِ عمرانَ عليمٌ بنيَّتها ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾: فتنصبَ (^١) ﴿إِذْ﴾ بـ ﴿سَمِيعٌ﴾، ومنعُ تو صيفِهِ عن العملِ غيرُ مسلَّمٍ.\nوقيلَ: نصبُهُ بإضمارِ: اذكُر.\n﴿مُحَرَّرًا﴾: نصبُهُ (^٢) على الحالِ؛ أي: مُعتَقًا لخدمتِهِ مُخلَصًا للعبادةِ، لا أَشغلُهُ بشيءٍ.\nقيلَ: كانَ بنو إسرائيلَ لم يكن (^٣) لهم غنائمُ أعدائهم، فلم يكُن لهم مماليكُ يعتِقونَهُ، وكانوا يحرِّرونَ أولادَهُم تقرُّبًا إلى الله تعالى، ويقطعُونَ منافعهم عَن أنفسهِم، ويفرغُونهم لخدمة بيتِ اللهِ.\n﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ ما نذرتُهُ، والتقبُّلُ: أخذُ الشيءِ على الرضا بهِ.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ قولي ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيَّتي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-329\"> </span>(٣٦) - ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\n﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾: الضمير لما في بطنِها، وتأنيثُه لأنهُ كان\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"فنصب\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"نصب\".\n(^٣) في النسخ عدا (ك): \"يمكن\" والمثبت من (ك).","vol":"2","page":279},{"text":"أنثَى حتى يكونَ كقولكَ: وضعت أنثى أنثى بل نظرًا (^١) إلى الحالِ، أو على تأويلِ النفسِ، أو النسمةِ (^٢).\nو﴿أُنْثَى﴾ حالٌ مِن ﴿وَضَعْتُهَا﴾ وطوبِقَ ضميرُ ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ للحالِ؛ لأن الحال وذا الحالِ كشيءٍ وأحدٍ.\nوإنما قالتْهُ تحسُّرًا وتحزُّنًا إلى ربِّها؛ لأنها كانَتْ ترجو أن تلِدَ ذكرًا، ولذلك نذرَتهُ محرَّرًا للسدانَةِ.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: بالشيءِ الذي وضعتْهُ، وهوَ استئنافٌ منَ اللهِ تعالى تعظيمًا لموضوعِها وتجهيلًا لها بشأنها.\nوقرئ: ﴿وَضَعَتْ﴾ (^٣) على أنه مِن كلامها تسليةً لنفسِها؛ أي: ولعلَّ لله تعالى فيها سرًّا، والأُنثى كانَ خيرًا. وقرئ: (وضعتِ) (^٤) على خطابِ الله تعالى لها.\n﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾: الذي طلبَتْ.\n﴿كَالْأُنْثَى﴾ التي وُهِبت لها، بيانٌ لقولِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، والتعريفُ فيهما للعهدِ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"وضعت أنثى نظرا\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"أنث الضمير العائد إلى ﴿مَا﴾ نظرًا إلى الحال من غير أن يعتبر فيه معنى الأنوثة ليلزم اللغو، فكأنه قيل: وضعت ما في بطني أنثى. منه \".\n(^٣) وهي قراءة أبي بكر، وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٧).\n(^٤) تنسب لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٠)، و\"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ١٠٢).","vol":"2","page":280},{"text":"قيلَ: ويجوزُ أن يكونَ مِن قولها، بمعنى: وليس الذكرُ والأُنثى (^١) سيَّانِ فيما نذرتُ؛ فيكونُ التعريفُ للجنسِ.\nوفيهِ: أنَّ مقصودَها تنقيصُ الأُنثى بالنسبةِ إلى الذكرِ، والمشهورُ في مثلهِ أن يُنْفَى عن الناقصِ شبهُهُ بالكاملِ، لا العكس.\n﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾: عطفٌ على ما قبلَها مِن مقالها، وما بينَهُما اعتراضٌ. أرادَتْ بذلك التقربَ إلى اللهِ والعصمةَ لها؛ لأن مريمَ في لغتهم بمعنى: العابدةِ، فلعلَّ اللّهَ يصدِّقُ فيها ظنَّها، ويجعلُها طبقًا لاسمِها، فتقومَ مقام ما نذرتْهُ، ألا تراها كيفَ أتبعتهُ بقولها:\n﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾: أجيرُها بحفظِكَ.\n﴿وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: المطرودِ، وأصلُ الرجمِ: الرميُ بالحجارة، وعنِ النبيِّ ﷺ: \"ما من مولودٍ يولد إلا والشيطانُ يمسُّهُ حينَ يولدُ فيستهِلُّ مِن مسِّهِ، إلا مريمَ وابنَها\".\nوالحديثُ مذكورٌ في الصحيحينِ (^٢). ولا صارفَ عن ظاهرِهِ، فمَن تردَّدَ في صحتِهِ ثم أوَّلهُ فقد ضلَّ وأضلَّ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"وأليس الذكر كالأنثى\".\n(^٢) رواه البخاري (٤٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦)، بألفاظ متقاربة عن أبي هريرة ﵁.\n(^٣) تعريض بالزمخشري الذي تردد في صحته قائلا: (الله أعلم بصحته)، ثم قال في تأويله ما قال، مما هو جار على طريقة أهل الاعتزال - كما قال أبو حيان - متهمًا أهل السنة بأنهم أهل الحشو. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٥٧)، و\"البحر\" (٥/ ٣٢٧).","vol":"2","page":281},{"text":"<span id=\"aya-330\"> </span>(٣٧) - ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\n﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: فرضي بها في النذرِ مكانَ الذكَرِ.\n﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾: بوجهٍ حسنٍ يقبلُ بهِ النذائرَ، وهو إقامتها مقامَ الذكرِ، أو تسلُّمها عقيبَ ولادتها قبلَ أن تكبرَ وتصلُحَ للسدانةِ.\nويجوزُ أن يكونَ مصدرًا على تقديرِ مضافٍ؛ أي: بذِي قَبولٍ حسنٍ، وأن يكونَ تقبَّلَ بمعنَى استقبَلَ كتقضَّى وتعجَّلَ؛ أي: فأخذها في أوَّلِ أمرِها حينَ ولدَت بقَبولٍ حسنٍ.\n﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: أنشأها وربَّاها على أحسنِ وجهٍ خَلْقًا وخُلُقًا.\n﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وقرئَ بتشديد الفاء (^١)؛ أي: جعلَ اللهُ زكريا كافلًا لها، وضامِنًا مصالِحَها.\n﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾: قال الأصمعيُّ: المحرابُ: الغرفة؛ أي: الغرفةَ التي بنى لها.\nوقالَ الزجَّاجُ: المحرابُ: أشرفُ المجالسِ ومُقدَّمها، وقيل: المساجِدُ عندهم تسمَّى المحاريبَ (^٢)، وهو مِفعالٌ من الحربِ؛ لأنهُ يحارَبُ فيهِ الشيطانُ؛ كأنها وُضِعت في أشرفِ موضعٍ من بيتِ المقدسِ (^٣).\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء، والباقون بتخفيفها، انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٧).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (١/ ٤٠٣).\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٠٨)، و\"مفردات ألفاظ القرآن\" (مادة: حرب).","vol":"2","page":282},{"text":"﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾: جوابُ ﴿كُلَّمَا﴾ وناصبُهُ، وتنكيرُ ﴿رِزْقًا﴾ للتنويعِ؛ أي: نوعًا غريبًا من الرزقِ.\nرويَ: أنه كان لا يدخلُ عليها غيرُهُ، وإذا خرجَ أغلقَ عليها سبعةَ أبوابٍ، فكانَ يجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ في الصيفِ، وبالعكسِ (^١).\n﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: مِن أين لكِ هذا الرزق الذي لا يشبِهُ أرزاقَ الدُّنيا (^٢)، وهو آتٍ في غيرِ حينِهِ، والأبوابُ مغلَّقةِ عليكِ؛ استُفيدَ الأوصافُ من اسم الإشارةِ المستعملِ لكمالِ العنايةِ بالتمييزِ (^٣) لمَا لهُ من الأوصافِ العجيبةِ الشأن.\n﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: فلا تستبعِدْ.\nقيلَ: كانَ رزقُها ينزلُ عليها من الجنةِ، ولم تَرضَع ثديًا قطُّ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: بغيرِ تقديرٍ لكثرتهِ، أو تفضُّلًا بغيرِ محاسبةٍ ومجازاةٍ على عملٍ، مِن جملةِ كلامِها، أو مِن كلامِ اللهِ تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-331\"> </span>(٣٨) - ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.\n﴿هُنَالِكَ﴾: في ذلكَ المكانِ.\n﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ لمَّا كان المحرابُ مكانَ عبادةٍ وكرامةٍ لمريمَ دعا فيهِ أن يهَبَ اللهُ تعالى له ذريةً طيبةً.\n﴿قَالَ﴾ تفسيرٌ للدعاءِ:\n_________\n(^١) انظر ما روي من ذلك في \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٥٤)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ١٠٨).\n(^٢) في هامش (د): \"أسقط القاضي لعدم تفطنه الوجه المذكور. منه \".\n(^٣) في (م): \"بالتميز\".","vol":"2","page":283},{"text":"﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾؛ أي: تفضَّل عليَّ بإعطاءِ ولدٍ وإبقائهِ كما وهبتَ لامرأةِ عمرانَ وهي عجوزٌ عاقرٌ، يفهَم هذا من قولهِ: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ فإنَّ فيهِ إشارةً إلى أنَّ تلك الهبةَ على خلاف العادةِ.\nوقيلَ: لما رأى الفواكهَ في غيرِ أوانها انتبه على جوازِ ولادةِ العاقرِ من الشيخِ فسألَ.\nوأولى منهُ أن يُقالَ: لما شاهدَ وقوعَ هذا الخارقِ كرامةً لمريمَ امتدَّ أملُهُ إلى خارقٍ يناسبه كرامةً له (^١)، والذريةُ: الولدُ، يقعُ على الذكرِ والأُنثى، والواحدِ والجمعِ.\nوتأنيثُ الطيِّبةِ للَفظِ الذريةِ، والطيبُ: هوَ الذي يُستطابُ، فلا يكونُ فيهِ أمرٌ يُستخبَثُ ويُعابُ.\n﴿إِنَّكَ سَمِيعُ﴾: مجيبُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-332\"> </span>(٣٩) ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾: كان النداءُ مِن جبريلَ ﵇ وحدَهُ، وإنما ذكرَهُ جمعًا، لأنهُ إذا نزلَ لأمرٍ (^٢) خارقٍ كان معهُ (^٣) جماعةٌ من الملائكةِ تعظيمًا لذلكَ الأمرِ، وهذا كما يقالُ: حضرَ زيدًا خواصُّ السلطانِ يدعونَهُ إليهِ، وإن كانَ الذي يخاطِبهُ بالدعوةِ واحدًا منهم.\n_________\n(^١) \"له\" من (د).\n(^٢) في (ك): (أمر).\n(^٣) في (ح): \"معتمد\"، وفي (ف) و(ك) و(م): \"يعتمد\".","vol":"2","page":284},{"text":"﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: قائمًا في الصلاةِ، و﴿يُصَلِّي﴾ صفةُ ﴿قَائِمٌ﴾، أو خبرٌ، أو حالٌ عنِ الضميرِ في ﴿قَائِمٌ﴾ دل على أنَّ المراداتِ تُطلَبُ بالصلواتِ (^١)، وفيها إجابةُ الدعواتِ، وقضاءُ الحاجاتِ.\n﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾: قرئَ بالفتحِ، لوقوعِ فعلِ النداء عليهِ (^٢)، وجعِلَ النداءُ في معنى الإعلامِ، وبالكسرِ على أنَّ في النداء معنى القولِ (^٣).\nوقرئ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ بالتشديدِ منَ التبشيرِ، وبالتخفيفِ من البشارة (^٤)، وقد سبقَ تفسيرُها في سورة البقرةِ.\n﴿بِيَحْيَى﴾: اسمٌ أعجميٌّ، وإن جُعلَ عربيًّا فمنعُ صرفِهِ للعلميةِ (^٥)، ووزنِ الفعلِ.\n﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ﵇ مؤمنًا بهِ، سمِّي بذلكَ لأنهُ وجِدَ بأمرِ الله تعالى بلا أبٍ، فشابهَ البدعياتِ التي هيَ عالمُ الأمرِ، أو بكتابِ اللهِ تعالى، سمِّيَ (^٦) كلمةً كما قيلَ: كلمةُ الحويدرةِ (^٧)، لقصيدتهِ.\n﴿وَسَيِّدًا﴾: يسودُ قومَهُ ويفوقُهم، وكانَ فائقًا على الناسِ كلهم في أنهُ ما همَّ بمعصيةٍ.\n_________\n(^١) في (د): \"في الصلوات\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"من جبرائيل ﵇ وحده\".\n(^٣) قرأ أكثر السبعة بالفتح، وقرأ بالكسر حمزة وابن عامر، انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٧).\n(^٤) قرأ بالتخفيف حمزة والكسائي، والباقون بالتشديد. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٧).\n(^٥) في (ك): \"للتعريف\".\n(^٦) في (م): \"يسمى\".\n(^٧) في (ف): \"حويدرة\".","vol":"2","page":285},{"text":"﴿وَحَصُورًا﴾: ممتنعًا عن (^١) النساءِ مع القدرةِ عليهنَّ، والحصَرُ: الحبسُ والمنعُ، وهو فعولٌ بمعنى الفاعلِ.\nوقيلَ: هو المتبتِّلُ الذي حصَرَ نفسه عن كل لذةٍ في الدنيا، رويَ: أنه مرَّ في صباهُ بصبيانٍ فدعَوه إلى اللعبِ؛ فقالَ: ما للَّعبِ خُلِقتُ (^٢).\n﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ناشئًا منهم؛ لأنَّه كانَ من أصلابِ الأنبياءِ ﵈، أو: كائنًا من الصالحينَ. وفي توصيفِهِ بالصلاحِ بعدَ توصيفِهِ بالنبوة ما لا يخفى من التعظيمِ للصلاحِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-333\"> </span>(٤٠) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: استعظامًا وتعجبًا، وفي عبار الغلامِ دونَ الولدِ تقويةٌ لهُ، وذكرُ الغلامِ كانَ في البشارةِ على ما ذُكرَ في سورة مريم، وتُركَ هاهنا اختصارًا.\nوالاستبعادُ بحسبِ العادةِ لا يناسبُ الحالَ وسياقَ المقالِ، إلا على قولِ مَن قال: كانَ دعاؤه ﵇ قبلَ بشارته بأربعين سنةً؛ فلذلكَ نسيَ ما سأل ربهُ حتى قالَ ما قالَ. على أنَّ الاستعظامَ ينتظِمهُ إذا اقتضاهُ المقامُ، وأما الاستفهامُ عن كيفيةِ حدوثهُ فلا يناسبُه تمامُ الكلام، ولا ينتظِمهُ الجوابُ حقَّ الانتظام.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"من\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٥). ورواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٠) عن معمر. وابن عساكر في \"تاريخه\" (٦٤/ ١٨٣) من حديث معاذ بن جبل ﵁ مرفوعًا.","vol":"2","page":286},{"text":"﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: أدركني كِبرُ السنِّ وأثَّر فيَّ، وكانَ له تسع وتسعونَ سنةً، ولامرأتهِ ثمانية وتسعونَ (^١)، ولهذا قالَ:\n﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾: لا تلدُ؟ منَ العُقرِ وهوَ: القطعُ؛ لأنها ذاتُ عُقرٍ من الأولاد.\n﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾: تعظيمٌ، أي: مثلَ ذلكَ الفعلِ العظيم العجيب الشأنِ، البعيدِ عن العقلِ والعادةِ يفعل الله ما يشاءُ من الأفاعيل العجيبةِ؛ وهو خلقُ الولدِ من الشيخ الفاني والعجوزِ العاقرِ.\n﴿كَذَلِكَ﴾ نصب على المصدرِ، أو خبرُ مبتدأ.\n﴿اللَّهُ﴾ أي: على مثلِ هذه الصفةِ ﴿اللَّهُ﴾، وقولُهُ:\n﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾: بيانٌ لهُ؛ أي: يفعلُ ما يريدُ من الأفاعيل الخارقةِ للعادة (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-334\"> </span>(٤١) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: علامةً أعرفُ بها الهبة لأستقبلَهُ بالبشاشةِ والشُّكرِ، وتزيح مشقَّةَ الانتظارِ.\n﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: أن لا تقدِرَ على تكليم الناسِ من غير خرسٍ ولا آفةٍ أُخرى، لقولهِ في موضع آخرَ ﴿سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] أي: سليمَ الأعضاءِ.\nوإنما حُبِسَ لسانُهُ عن مكالمتهم خاصَّةً لتخلُصَ المدةُ لذكرِ اللهِ تعالى وشكرِهِ\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ثمان وتسعون سنة\".\n(^٢) في (د): \"للعادات\".","vol":"2","page":287},{"text":"قضاءً لحقِّ النعمةِ، لمَّا أطلَعَ اللّهَ تعالى على أنهُ طلبَ الآية لأداء الشكرِ، جعلَ الآيةَ نفسَ الشكرِ؛ فإن إخلاص المدةِ لذكره دونَ شَغل لسانه بغيرِهِ من أحسن أنواع الشكرِ، وأحسَنُ الجوابِ ما كان منتزَعًا منَ السؤالِ؛ كأنه قالَ: آيتُكَ أن لا تقدِرَ إلا على شكري.\n﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: ذكَرَ الأيام هنا والليالي هناكَ، ولا تنافَي بينهُما؛ لأن ذكرَ إحداهما جمعًا يقتضِي دخولَ الأُخرى فيها لغةً وعرفًا.\n﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ الرمزُ: الإيماءُ بالشفتَين، وقد يستعمَلُ في الإيماءِ بالحاجبِ والعينِ، واليدِ والرأسِ، والأولُ أغلَبُ، وأصله التحركُ، ومنهُ الراموزُ للبحرِ، والكلامُ ينتظِمُ الرمزَ؛ لأن المرادَ منهُ ما دلَّ على الضميرِ، قالَ: جؤيَّةُ بنُ عائذٍ:\nكأنَّ تَكَلُّمَ الأبطالِ رمزًا … وغَمْغَمَةً لهُمْ مثلُ الهدِيرِ (^١)\nفالاستثناءُ متصلٌ.\nوقرئ: (رَمَزًا) كخَدَمٍ: جمعُ رامزٍ، و(رُمُزًا) كرسُلٍ: جمعُ رَموزٍ (^٢)، على أنهُ حالٌ منهُ ﵊ ومنَ ﴿النَّاسَ﴾ بمعنى: إلا مترامِزِين.\n﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ في أيامِ الحبسةِ، وهو مؤكِّدٌ لمَا قبلَهُ مبيِّنٌ للغرضِ منهُ، والكثرةُ قيدُ المأمورِ به لا قيدُ الأمرِ، فعلَى تقديرِ دلالةِ الأمرِ على التكرارِ فائدَتهُ تكرارُ الذكر الكثير (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٣٨٨)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٤٣٢).\n(^٢) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٠).\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"فلا يغني الأول عن الثاني فمن وهم أن تقييده بها يدل على أنه لا يفيد التكرار فقد وهم\".","vol":"2","page":288},{"text":"﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ في طرفي النهارِ، خصَّهما بالذكرِ لأنهما (^١) مجتمَعُ ملائكةِ الملَوين.\nوقرئ: (والأبكار) بفتحِ الهمزةِ جمعُ بَكَرٍ (^٢)؛ كسَحَرٍ وأسحارٍ، يقالُ: أتيته بكَرًا، بفتحتين؛ أي: بكرةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-335\"> </span>(٤٢) - ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ لما فرَغَ من قصة زكريا ﵇، وكانَ قد استطرَدَ من قصة مريم إليها رجع إلى قصتها، والمقصودُ تنزيهُها عما رمتها به اليهودُ.\nوفي نداءِ الملائكةِ لها باسمها تأنيسٌ لها، وتوطئةٌ لما تلقيه (^٣) إليها، ودفعٌ لاحتمالِ أن يكونَ ذلكَ بطريقِ الإلهامِ، لا على وجهِ المشافهةِ بالكلام.\n﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ أولًا بأنواعِ (^٤) الكرامةِ، واختصَّكِ بتقبُّلكِ من أمكِ، وتربيتك برزق الجنةِ، وفيضِ القدرةِ.\n﴿وَطَهَّرَكِ﴾ مما يُستقذَرُ ويجتنَبُ من الأفعالِ، ويدخُلُ فيه ما قذفها به (^٥) اليهودُ دخولًا أوليًا.\n_________\n(^١) في (د): \"خصها بالذكر لأنها\".\n(^٢) انظر: \"البحر\" (٥/ ٣٦١).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"يلقيهم\"، وفي (د): \"يلقهم\"، وفي (ك): \"يؤلفهم\"، وفي (م): \"يألفهم\"، والمثبت من \"البحر\" (٥/ ٣٦٧).\n(^٤) في (م): \"بإنعام\".\n(^٥) (به) سقط من (ك) و(ف) و(م).","vol":"2","page":289},{"text":"﴿وَاصْطَفَاكِ﴾ آخرًا (^١).\n﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ بأن وهبَ لكِ عيسى ﵇ مِن غير أبٍ.\nكانت (^٢) تلك المخاطبة كرامةً لها؛ للإجماعِ (^٣) على أنهُ تعالى لم يستنبئ امرأةً.\nوأمَّا قولهُ تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]، فلا دلالةَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ الرسولَ أخصُّ من النبيِّ، ولا يلزم من انتفاءِ الخاصِ انتفاءُ العامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-336\"> </span>(٤٣) - ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\n﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي﴾: أخلِصي، أو: أديمي الطاعةَ.\n﴿لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾؛ أي: صلي النافلةَ وحدَكِ.\n﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ أي: صلي الفرضَ مع المصلِّينَ في بيت المقدس جماعةً.\nوإنما خصَّ السجودَ من بينِ أركان الصلاةِ بالذكرِ في مقام التعبيرِ عن الكلِّ بالجزءِ؛ لأنَّ تمام الصلاةِ بهِ، ولهذا يَحنَثُ من حلفَ لا يصلي إذا أتم سجودَهُ (^٤) ولا يَحنَثُ قبلَهُ.\nوخصَّ الركوع بالذكرِ في مقامِ التعبيرِ عن الصلاةِ بالجماعةِ؛ لأن شرطَ صحة الاقتداءِ إدراكُ الإمامِ في الركوعِ (^٥).\n_________\n(^١) في (م): \"أخيرًا\".\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"كان\" والمثبت من (م).\n(^٣) في (م): \"للاجتماع\".\n(^٤) في (ف): \"بسجوده\".\n(^٥) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"ومن لم يتنبه لسر هذا المقال قال ما قال، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ومن بِدَع الكلام ما سبق إلى بعض الأوهام: وهو أن يكون تقديم السجود على الركوع للتنبيه على أن =","vol":"2","page":290},{"text":"<span id=\"aya-337\"> </span>(٤٤) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من نبأ زكريا ويحيى ومريمَ وعيسَى ﵈.\n﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾: مما يوحى إليكَ من الغيوبِ.\n﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الضميرُ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى؛ أي: وما كنتَ لدى المتنازعِينَ.\n﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ قِداحهم للاقتراعِ.\nوقيلَ: اقترعوا بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبرُّكًا بها.\nوالمرادُ: تقريرُ كونهِ وحيًا على سبيل التهكُّمِ بمنكريهِ، كأنه قيل: إنه ﵇ يخبركم بما لا سبيلَ إليه لنظر العقلِ، وأنتم تنكرونَ الوحيَ وتعترفون بعدمِ السماعِ، فلم يبقَ لنا بمقتضَى عقولكم ما يحتاجُ إلى النفي سوى المشاهدةِ التي هي أظهَرُ الأمورِ انتفاءً.\n﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ متعلقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليهِ ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾؛ أي: يلقُونها ليَعلمُوا إلُهم يكفُل مريمَ.\n﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ تنافسًا في كفالتِها.\n* * *\n_________\n= الواو لا توجب الترتيب، ولم يدر أنه مسألة نحوية تؤخذ من العرب ولا يأخذها العرب من الشرع، ولو قال: للتنبيه على أن الترتيب في الذكر لا يجب أن يكون على حسب الترتيب في الوجود، لكان له وجه لأنَّه مسألة أصولية، وأما ما قيل في تعليله: لتقترن اركعي بالراكعين للإيذان، فلم يدر أنه يحصل بأن يقال: واركعي واسجدي مع الساجدين. منه\".","vol":"2","page":291},{"text":"<span id=\"aya-338\"> </span>(٤٥) - ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾\n﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ بدلٌ مِن ﴿إِذْ قَالَتِ﴾ الأولى وما بينهُما اعتراضٌ، أو مِن ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ على أن وقوعَ الاختصامِ والبشارة في زمانٍ متسعٍ؛ كقولهِ: لقيتُه سنةَ كذا.\n﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قد سبقَ تفسيرُها.\n﴿اسْمُهُ﴾: الضمير للكلمة، وإنما ذُكِّرَ باعتبارِ المعنى.\n﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المسيحُ) لقبُهُ؛ أصلُه بالعبرية: مَشِيحا؛ ومعناهُ: المبارَك، فهو من الألقابِ المشرِّفةِ (^١) كالصِّدِّيقِ، و(عيسى) معرَّبُ أيشوع.\nوإنما قال: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والخطابُ لها؛ للتنبيه بنسبته إلى الأمِّ أنه يولَدُ من غير أبٍ؛ لأن النسبةَ إليها إنما تكونُ عند فَقْد الأبِ، وقد كان في قولهم: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ (^٢) تمهيدٌ لهذا التنبيه.\nولما كان الاسمُ علامةً يعرَفُ به المسمَّى ويتميَّزُ من (^٣) غيرهِ قيلَ: اسمه - أي: ما يُعرَفُ به ويتميَّزُ - مجموعُ هذه الثلاثةِ؛ تعظيمًا لهُ، وتنويهًا بذكرِ اللقبِ والصفةِ مع الاسمِ.\n﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا﴾ حال مقدَّرةٌ من (كلمةٍ)، وهي وإن كانت نكرةً لكنها موصوفة.\n_________\n(^١) بكسر الراء المشددة؛ أي: المفيدة للمدح، ويجوز فتحها. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ٢٦).\n(^٢) \"منه\": ليست في (م).\n(^٣) في (ف): \"في\".","vol":"2","page":292},{"text":"والوجاهةُ في الدنيا: النبوةُ والتقدمُ على الناس بالمعجزاتِ، وفي الآخرةِ: علوُّ الدرجةِ والشفاعةُ.\n﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ من الله تعالى، حالٌ آخرُ، وقيلَ: إشارة إلى رفعهِ إلى السماءِ، وصحبة الملائكةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-339\"> </span>(٤٦) - ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾ حالٌ آخرُ، والعدولُ إلى الفعل لأنَّه صفةٌ متجددةٌ بخلافِ السابق واللاحقِ، وذكرَ الناسَ لبيان أن المرادَ التكلم المعتادُ، فإن الصبيَّ قد يقدر على التكلُّمِ مع أبويهِ وهو طفلٌ، فتكلُّمه مطلقًا في تلك الحالِ ليس بخارقٍ للعادة.\n﴿فِي الْمَهْدِ﴾ حالٌ من (يكلِّمُ) ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفٌ عليه؛ أي: طفلًا وكهلًا، وإنما عدلَ عنه إلى المنزَل تصويرًا لحالِ صغَرهِ المنافي للقدر على التكلُّم كما ينبغي، والمعنى: يكلِّمُهم في الطفولةِ والكهولةِ على سواءٍ.\nوفيه بشارةٌ (^١) لأمهِ بعيشهِ وبقائهِ إلى الكهولةِ؛ وهي (^٢) ما بين الشبابِ والشّيبِ. واستُدِلَ به على نزوله من السماءِ؛ لأن رفعه إليها كانَ قبل أن يصيرَ كهلًا.\nوالمهد: ما يمهَدُ للصبيِّ من مضجعه تسميةً بالمصدرِ.\n﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: حالٌ رابع من (كلمةٍ) أو ضميرِها الذي في (يكلم).\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"إشارة\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"وهو\".","vol":"2","page":293},{"text":"<span id=\"aya-340\"> </span>(٤٧) - ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n﴿قَالَتْ﴾ لمَّا فهمَت من نسبتِه لها أنهُ لا والد له:\n﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾: تعجُّبٌ ناشٍ من استبعادٍ عاديٍّ، لا استفهامٌ (^١) عن أن يكون بتزوجٍ أو غيرهِ؛ لأن قولَهُ:\n﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ظاهرٌ في أن الطريقَ عندَه منحصِرٌ في التزوُّجِ.\n﴿قَالَ﴾ جبريلُ ﵇ بأمرِ الله تعالى:\n﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ قد سبقَ تفسيره.\n﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بيانٌ لقولهِ: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وإشارةٌ إلى أنهُ تعالى كما يقدِرُ أن يخلُقَ الأشياء مدرجًا بأسبابٍ وموادَّ، يقدِرُ أن يخلُقها دفعةً من غير ذلكَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-341\"> </span>(٤٨) - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.\n﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾: كلامٌ مبتدأٌ ذكِرَ تطييبًا لقلبِها، وإزاحةً لمَا همَّها (^٢) خوفِ اللومِ لمَّا علمَتْ يقينًا أنها تلد من (^٣) غيرِ زواجٍ.\nوالكتابُ: الكَتبةُ (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"عادي لاستفهام\".\n(^٢) في (ف): \"دهمها\".\n(^٣) في (ف): \"في\".\n(^٤) في (م): \"الكتب\". وفي (ف): (كتبه). والصواب المثبت، والكتبة: بالفتح؛ أي: بالمعنى المصدريّ. =","vol":"2","page":294},{"text":"وقرئ: ﴿ونُعلِّمه﴾ (^١) بالنونِ على الالتفاتِ منَ الغيبةِ إلى الخطابِ؛ لشدة الاعتناء (^٢) بأمره ﵇.\nويجوزُ أن يراد بالكتابِ جنسُ الكتبِ المنزلةِ، وخُصَّ الكتابان (^٣) في قولهِ:\n﴿وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ لفضلِهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-342\"> </span>(٤٩) - ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ منصوبٌ بمضمرٍ؛ أي: ويجعلُهُ رسولًا. ﴿وَرَسُولًا﴾ يتضمَّنُ معنى النطق (^٤)، كأنه قال: ورسولًا ناطقًا بأني قد جئتكم بآيةٍ.\nوجوِّزَ أن يكونَ التقديرُ: (ويقولُ: أرسلتُ رسولًا)، ولا يخفَى ضعفُهُ؛ إذ فيه إضمارُ شيئينِ: القولُ ومعمولُهُ.\nوالعطفُ على الأحوالِ المتقدِّمةِ يأباهُ الفصل بقولِهِ: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾\n_________\n=انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ٢٨).\n(^١) هي قراءة أكثر السبعة، وقرأ نافع وعاصم بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٨).\n(^٢) في (د): \"الاعتبار\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"كتابان\".\n(^٤) \"النطق\" من (م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣٦٤).","vol":"2","page":295},{"text":"إلخ، فإنه حينئذٍ ينبغي أن يؤخَّرَ هذا القولُ عن ذكرِ الأحوال والأوصاف (^١)، والاهتمامُ بلا علَّةٍ لا يصلُحُ باعثُا لتقديمِ ما حقُّهُ التأخيرُ، فإنه لا يكونُ سلامة الأمير (^٢).\nوتخصيصُ بني إسرائيلَ لخصوصِ بعثتهِ ﵊، أو للردِّ على مَن زعم أنه مبعوثٌ إلى غيرهم.\n﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ في محلِّ النصبِ بدلٌ من ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾، أو الجرِّ بدلًا من (آيةٍ)، أو الرفعِ على: هي أني.\nوقرئ: ﴿إني﴾ (^٣) بالكسر على الاستئناف.\n﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: أقدِّرُ لكم وأصوِّرُ شيئًا مثلَ صورة الطيرِ، أصلُ الكلامِ: كالطير في الهيئةِ، وإنما عدلَ عنهُ إلى المنزل إشارةً إلى أنهُ لم يكن منهُ ﵊ تصرفٌ إلا في الهيئةِ، فلا مماثلةَ بينهُما في المادةِ، وإنما المماثلةُ في الصورة فقط.\n﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾: الضميرُ للكافِ؛ أي: في ذلك المماثلِ (^٤).\n﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: يصيرُ حيًّا طائرًا.\n﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بيَّنَ به أن إحياءه كانَ من الله تعالى لا منه، وفي عبارةِ الإذنِ دون الأمرِ إشارةٌ إلى تهوين أمرِ كونه طيرًا (^٥).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الأوصاف والأحوال\".\n(^٢) في (م): \"بسلامة الأمير\". وفي (ك): (سلامة الأجر). وفي (ح) و(ف): (سلامة الأمر).\n(^٣) وهي قراءة نافع، انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٨).\n(^٤) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"المماثلة\".\n(^٥) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"رد لمن فسر الإذن بالأمر\".","vol":"2","page":296},{"text":"قيلَ (^١): تواطَأَ النقلُ عن المفسرين أن الطائرَ الذي خلقَهُ ﵇ كانَ يطيرُ ما دام الناس ينظرون إليهِ، فإذا غاب عن أعينهم سقَطَ ميتًا؛ ليتميّزَ فعلُ المخلوق من فعل الخالقِ، ومن هنا ظهر وجه زيادة ﴿لَكُمْ﴾ في قولهِ: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ﴾، ووجهُ التهوينِ الذي أُشيرَ إليهِ بعبارة الإذنِ (^٢).\n﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ الأكمَهُ: الذي ولدَ أعمى، وقيلَ: الممسوح العينِ.\n﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ذكره فيما لا يدخُلُ تحت قدرةِ العبادِ، وقيلَ في وجهه: إنه علِمَ أنه يُعبَدُ ويتَّخَذُ إلهًا، فنفَى عن نفسهِ الألوهيةَ قطعًا لحججهم (^٣) عندَ الله تعالى.\n﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ بالمغيَّباتِ من أحوالكُم التي لا تشكُّونَ فيها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى مجموع ما ذكِرَ.\n﴿لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: موقنين للإيمان؛ فإن غيرهم لا ينتفِعُ بالمعجزاتِ، أو: مصدِّقينَ للحقِّ غير مُعاندين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-343\"> </span>(٥٠) - ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"قائله أبو حيان\". قلت: وهو في الأصل قول وهب بن منبه. انظر: \"البحر\" (٥/ ٣٩٦)، وذكره عن وهب الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٤٢٤).\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"والإحياء الآتي ذكره أيضًا ليس من قبيل الإحياء المعتاد فالإشارة المذكورة أصابت محزها ثمة أيضًا. منه\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"بحججهم\".","vol":"2","page":297},{"text":"﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: عطفٌ على ﴿وَرَسُولًا﴾ أو على ﴿بِآيَةٍ﴾ تقديره: قد جئتكُمْ بآيةٍ، وجئتكُم مصدِّقًا.\n﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ ولأبيِّنَ الحلَّ وأعلِّمَه، معطوفٌ على محذوفٍ تقديرُهُ: لأخفِّفَ عنكُمْ ولأحلَّ لكم، أو معطوفٌ على معنى: (مصدقًا) كقولهم: أجئتك، (^١) معتذرًا ولأطيِّبَ قلبكَ، أو مردود على قوله: (جئتكم بآية)، أي: منتظِمٌ معه معطوفٌ عليهِ ظاهرًا، لكنه في التحقيقِ مِن عطفِ الجمَلِ، أي: وجئتكم بآيةٍ لأحِلَّ؛ إذ (^٢) لا وجهَ لعطف المفعول له على المفعول به، ولك أن تجعل الكلَّ في معنى الحال فيستقيمَ العطفُ؛ أي: جئتكم ملتبسًا بآيةٍ، ومصدقًا لما بين يديَّ، وكائنًا لأحل لكم (^٣).\n﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في شريعة موسى ﵇؛ كالشحومِ، والشروبِ، والسمكِ، ولحومِ الإبلِ، والعملِ في السبتِ، وذلك لا يُنافي كونَه مصدِّقًا للتوراةِ؛ لأن النسخَ في الحقيقةِ بيانٌ لانتهاء حكمِ المنسوخ.\n﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: جئتكم بآيةٍ بعد أُخرى مما ذكرتُ لكم ومما لم أذكُر؛ من ولادَتي بغير أبٍ، ومن كلامي في المهدِ، وغيرِ ذلكَ.\nوقرئ: (بآيات من ربكم) (^٤).\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ لما جئتكم بهِ من الآياتِ.\n﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكمِ إليه (^٥)، ثم ابتدأَ فقال:\n_________\n(^١) من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨).\n(^٢) في (د): \"إذا\".\n(^٣) \"لكم\" من (ح) و(ك) و(ف).\n(^٤) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢١ - ٢٢).\n(^٥) في النسخ عدا (م): \"أدعوكم به\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣٦٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨).","vol":"2","page":298},{"text":"<span id=\"aya-344\"> </span>(٥١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي: تلك الآياتُ، واسمعوا هذه فإنها أعظَمُها وهو التوحيدُ الذي تطابق عليهِ الرسلُ كلهم، وهو (^١) مبنَى دينِ الكلِّ وأسُّهُ.\n﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: فخصِّصُوه (^٢) بالعبادةِ.\nوقرئ: (أن الله) بالفتح (^٣)، ومعناهُ: لأنَّ اللهَ ربي وربكم فاعبدُوه؛ كقولِهِ تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ … فَلْيَعْبُدُوا﴾.\nويجوزُ أن يكونَ المعنى: وجئتكم بآيةٍ عظيمةٍ ما أعظَمها دالةٍ على أن الله تعالى ربِّي وربُّكم، وما بينَهما اعتراضٌ للتأكيدِ.\n﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾: أشارَ بقولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ إلى باستكمالِ القوةِ النظريةِ بالاعتقادِ الحقِّ الذي غايتُهُ التوحيد، وبقولهِ: ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ إلى استكمالِ القوة العمليَّةِ، فإنه بملازمة (^٤) الطاعةِ التي هي الإتيانُ بالأوامرِ والانتهاءُ عن المناهي (^٥)، ثم قرَّرَ ذلك بأنْ بيَّن أن الجمعَ بين الأمرين هو الطريقُ المشهودُ له (^٦) بالاستقامةِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) سقط: \"هو\".\n(^٢) في (ك): \"فخصوه\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٠ - ٢١).\n(^٤) في (ف): \"بمنزلة\".\n(^٥) في (ك): \"النواهي\".\n(^٦) \"له\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"2","page":299},{"text":"<span id=\"aya-345\"> </span>(٥٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ نزَّلَ الكفرَ منزلةَ آثاره المحسوسةِ من سبِّهِ وطلبِهِ للقتلِ مبالغةً في قوة تأثيره وشدِّةِ ظهوره، ثم كنى بإحساسهِ عن التأثرِ به، والخوفِ منهم، ولذلكَ طلب الأنصارَ، ومَن وهَمَ أن الإحساسَ مستعارٌ للعلمِ اليقينيِّ الذي لا شبهةَ فيه فقد وهِمَ؛ لأنَّ فيه تشبيهَ القويِّ بالضعيفِ، فإن الإحساسَ كثيرًا ما يقعُ فيه الغلطُ.\nنعم؛ لو قيلَ: شبَّه الكفرَ المعقولَ بالمحسوسِ في قوةِ الظهورِ، فأضافَ إليه الإحساسَ على طريقةِ الاستعارةِ بالكنايةِ، لكانَ له وجهٌ، والفاءُ فصيحةٌ ترتيبُها على محذوفٍ يُفهَمُ من سياق الكلام وسباقه.\n﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي﴾: جمعُ النصيرِ؛ كالأشرافِ: جمع الشريفِ، أو جمعُ ناصرٍ؛ كالأصحاب: جمع صاحب.\n﴿إِلَى اللَّهِ﴾: في محلِّ النصبِ متعلقٌ بحالٍ محذوفٍ؛ أي: سائرًا إلى اللهِ، أو: ملتجئًا، أو صلةٌ لـ ﴿أَنْصَارِي﴾ مضمَّنًا (^١) معنى فعلٍ متعدٍّ (^٢) بـ (إلى)؛ أي: مَن الذين يُضيفون (^٣) أنفسهُمْ إلى الله تعالى ينصرونني كما ينصرني الله.\n﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: حواريُّ الرجلِ: صفوته وخالصتُهُ، من الحَوَرِ؛ وهو\n_________\n(^١) في (د): \"متضمنًا\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"المتعدي\"، وفي (م): \"متعدي\".\n(^٣) في (ح) و(د) و(ت): \"يضيقون\".","vol":"2","page":300},{"text":"البياضُ الخالص؛ سمِّيَ به أصحابهُ ﵊ (^١) لخلوصِ نيتهِم، ونقاءِ (^٢) سريرتهم.\n﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: أنصار دينه.\n﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ تأكيدٌ لإسلامهم؛ لأن الرسُلَ يشهدون يوم القيامةِ لقومهم وعليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-346\"> </span>(٥٣) - ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.\n﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: مع الأنبياءِ الذين يشهدونَ لأممهم، أو: مع أمة محمدٍ ﵊؛ لأنهم شهداءُ على الناسِ، أو: مع الشاهدين بالوحدانية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-347\"> </span>(٥٤) - ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\n﴿وَمَكَرُوا﴾؛ أي: الذينَ أحسَّ عيسى ﵊ منهم الكفرَ، ومكرُهم أنهم وكَلوا به مَن يقتلُهُ غيلةً (^٣).\n﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ بأنْ رفعَهُ ﵊، وألقَى شبهَهُ على مَن قصَدَ اغتياله حتى قُتلَ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"سمي به ﵇ أصحابه\".\n(^٢) في (ف): \"ونقاوة\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"غيلة فجأة\".","vol":"2","page":301},{"text":"وحقيقةُ المكرِ: إظهار أمرٍ يعتقدُ فيه الناظر إليه الجاهلُ حقيقتَهُ بضدِّ ما هو، وكذلك الاحتيال والخديعةُ (^١) والسخريةُ.\nومَن قصدَ بشيءٍ مِن فعل (^٢) ذلكَ أمرًا قبيحًا يكونُ ذميمًا، وإن قصدَ به فعلًا جميلًا يكونُ بذلك حميدًا، كذا قالَ الراغبُ (^٣)، فلا شيءَ في إسنادهِ إلى الله تعالى، كما لا شيءَ في إسناد الكيدِ إليه.\nومن وهَمَ أنه لا يسنَدُ إليه تعالى إلا على سبيلِ المقابلةِ والازدواجِ فقد وهِمَ، وكأنه غافلٌ عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (^٤).\n﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أقواهم مكرًا، وأنفذُهم (^٥) كيدًا، وأقدرُهم على إيصالِ الضررِ من حيث لا يُحتسَبُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-348\"> </span>(٥٥) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ك): \"والحذيقة\"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٠٩).\n(^٢) \"فعل\" ليست في (ف) ولم ترد في مطبوع \"تفسير الراغب\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٤٠٩).\n(^٤) في هامش \"د\": \"في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ من سورة البقرة، وعن قوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ والفرق بينهما تحكم. منه\".\n(^٥) في (د): \"وأقدرهم\".","vol":"2","page":302},{"text":"﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾: ظرفٌ لـ ﴿مَكَرَ اللَّهُ﴾ لا لـ ﴿خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾؛ لأن تقييدَ (^١) كونه تعالى خيرَ الماكرين بالظرفِ ليس بسديدٍ.\n﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾؛ أي: مستوفي أجلِكَ، ومؤخِّرُك إلى أجلك المسمَّى، عاصمًا إياك من قتلِهم.\nأو: قابضُكَ من الأرضِ؛ من توفَّيتُ مالي.\nأو: متوفيكَ نائمًا؛ إذ رويَ أنهُ رُفِعَ نائمًا.\nوقيلَ: أماتهُ اللهُ ورفعه إلى السماءِ ثم أحياهُ؛ وإليه ذهبَ النصارى (^٢).\n﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: إلى محلِّ كرامتي، ومقرِّ ملائكتي.\n﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من خُبث صحبتهم، وسوءِ جوارهم، أو قصدِ جَورهم.\n﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يَعْلونهم بالحجةِ، وفي أكثر الأحوالِ بها وبالسيفِ، ومتَّبعوهُ هم المسلمون؛ لأنهم متَبعوه في أصلِ الإسلام وإن اختلفتِ الشرائعُ، دونَ الذين كذَّبوه وكذَبوا عليه من اليهودِ والنصارى.\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: إلى الآنَ لم يُسمَعْ غلبةُ اليهود عليهم (^٣)، ولم يتَّفق لهم دولةٌ وملكٌ.\n﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: الضميرُ لعيسى ﵇ ومَن تبعَهُ ومَن كفرَ به،\n_________\n(^١) في (د): \"تقيد\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٦٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٩).\n(^٣) \"عليهم\" ليست في (ك).","vol":"2","page":303},{"text":"وغلَّبَ المخاطَبين على الغائبين بعدما التفتَ من الغيبةِ إلى الخطاب؛ ليكون الإخبارُ أبلغَ في التهديدِ، وأشدَّ زجرًا.\n﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: من أمرِ الدينِ، والتفتَ من الغيبةِ إلى التكلُّمِ مسنِدًا للحكمِ إلى نفسهِ ليُعلمَ أن الحاكمَ هنا مَن لا يخفى عليه خافيةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-349\"> </span>(٥٦ - ٥٧) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾: تفسيرٌ للحكمِ، وتفصيلٌ لهُ.\nوبدأ بذكرِ الكفارِ لأنَّ ما تقدَّمَ من المجمل إنما ذُكِرَ على سبيل التهديدِ والوعيدِ لهم، والإخبارِ بجزائهم.\n\n<span id=\"aya-350\"> </span>وقولُهُ: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لم يُذكَرْ على أنه قيدٌ احترازيٌّ، بل ذُكرَ للتنبيهِ على أن الإيمان الصحيحَ يتبعُهُ العملُ الصالحُ إن لم يمنعه (^١) مانعٌ.\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: يبغضُهم، فإنهُ من الكناياتِ الملحقةِ بالحقيقةِ في جميع الألسنةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-351\"> </span>(٥٨) - ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"يمنع\".","vol":"2","page":304},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما سبقَ من نبأِ عيسى ﵇ وغيرِهِ، وهوَ مبتدأ خبرُهُ:\n﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، وقولُهُ:\n﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾: حالٌ من الهاءِ، أو خبر بعد خبرٍ، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.\nويجوزُ أن يكونَ: ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾ خبرًا، و﴿نَتْلُوهُ﴾ حالًا، على أنَّ العامل معنى الإشارةِ.\nوأن ينتصِبَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمضمرٍ يفسِّرُهُ ﴿نَتْلُوهُ﴾، وأن يكونَ بمعنى: الذي، و﴿نَتْلُوهُ﴾ صلته، والخبرُ ﴿مِنَ الْآيَاتِ﴾.\n﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾: هو القرآنُ وصفٌ (^١) بصفةِ من هوَ له على طريقةِ قولهِمْ: شعرَ شاعرًا، أو لكثرةِ (^٢) حكمِهِ كأنه حكيمٌ ناطق بالحكمةِ، أو المحكَمُ الممنوعُ عن تطرُّقِ الخللِ إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-352\"> </span>(٥٩) - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: شأنَهُ الغريبَ في ولادته من غيرِ نطفةٍ.\n﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾: كشأنهِ الغريبِ في خلقِهِ كذلكَ، ولخفاءِ هذه الحال على الخلقِ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهما في ذلكَ - أي: في أن وُجِدا وجودًا خارجًا عن العادةِ بأن خُلِقا من غيرِ نطفةٍ - نظيرانِ لا مزيةَ لأحدِهما في نفس ذلك المعنى، فصحَّ التشبيهُ بلا اشتباهٍ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وصفه\".\n(^٢) في (م): \"ولكثرة\".","vol":"2","page":305},{"text":"وأمَّا كونُ عيسى ﵇ مخلوقًا من غيرِ أبٍ، وآدمَ ﵇ مخلوقًا مِن غير أبٍ وأمٍّ، فخارجٌ عن مدلولِ الكلامِ وإن كان مقصورًا في تمشيةِ ما سيقَ لهُ ذلكَ، ملحوظًا من (^١) غرضه بمعونةِ المقامِ؛ فإن الغرضَ دفعُ استغرابهم خلقَ عيسى ﵇ من غير أبٍ، فبملاحظةِ مَن خُلقَ من غير أبٍ وأمٍّ يتمُّ ذلك الغرضُ على وجهٍ أقوى، ولهذا تعرَّضَ لبيانِ حاله بقوله:\n﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾: جملة مفسِّرةٌ للتمثيل مبيِّنة لِمَا له الشبهُ؛ أي (^٢): خلقِ جسدِهِ، فإنه من عالَمِ الخَلقِ، وهو عالمُ المُلكِ وعالم الشهادةِ، ثم أوجَدَ روحه بأمر: (كن) وهو عالَمُ الأمرِ، وهو عالمُ الملكوتِ وعالم الغيبِ، على ما أفصحَ عنه بقوله:\n﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وفيهِ دلالة على أن الإنسانَ كائن مرةً بعد أُخرى على ما صرَّحَ بهِ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكلمةُ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي حقيقةً.\n﴿فَيَكُونُ﴾: حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا لتلكَ الحال (^٣) العجيبةِ، وبيانًا (^٤) لسرعة حصولِ المرادِ؛ فإن الفاءَ للدلالةِ على عدم التراخي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-353\"> </span>(٦٠) - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\n﴿الْحَقُّ﴾: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هو الحقُّ.\n﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: ثابتًا منه، على أنهُ حالٌ مؤكِّدةٌ.\n_________\n(^١) في (د): \"عن\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"إلى\".\n(^٣) في (د): \"الحالة\".\n(^٤) في (ح) و(ف) و(م): \"وبيان\".","vol":"2","page":306},{"text":"وقيلَ: ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبرُهُ؛ أي: الحقُّ المذكورُ من الله تعالى.\nوتعريفُ الحقِّ للعهدِ الذهني؛ أي: إيجادُ عيسى ﵇ من غيرِ أبٍ هوَ الحقُّ الذي تعرفُهُ.\n﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: الخطابُ للنبيِّ ﵇، وفائدةُ النهي عنِ الامتراءِ هو التثبيتُ عَلى اليقينِ والطمأنينةِ، والإيماءُ إلى أن الممتري هو الذي لا يعرفُ الحقَّ؛ أي: قدرةَ اللهِ تعالى على الإيجادِ من غير أبٍ، وإلا فرسولُ اللهِ ﷺ أجلُّ مِن أن يمتريَ حتى يُنهَى عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-354\"> </span>(٦١) - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿فَمَنْ حَاجَّكَ﴾ من النصارى.\n﴿فِيهِ﴾: في عيسى ﵇.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: البيِّناتِ الموجبة للعلمِ.\n﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾: هلُمُّوا.\n﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: يَدْعُ كلٌّ منا ومنكُمْ نفسه وأعِزَّةَ أهلهِ وألصقَهمْ بقلبه إلى المباهلَةِ، ويحمِلْ عليها.\nوإنَّما قدَّمهم على النفسِ تنبيهًا على لطف مكانِهم، وقربِ منزلتهم، وأنهم مُقدَّمون على الأنفسِ، كيفَ (^١) والرجلُ يخاطر بنفسهِ لهم، ويحاربُ دونهم.\n_________\n(^١) \"كيف\" ليست في (ح) و(ف) و(ك).","vol":"2","page":307},{"text":"﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾: منَ البَهلةِ بفتحِ الباء وضمِّها؛ وهي: اللعنةُ، وأصلُ الابتهالِ: الالتعانُ، ثمَّ استُعمِلَ في كل دعاءٍ يجتهدُ الإنسان عليه وإن لم يكُن التعانًا.\nوالمباهلةُ: الملاعنةُ؛ أي: نتباهل بأن نقولَ: بَهلةُ اللهِ على الكاذب (^١) منا ومنكُمْ.\n﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ عطفٌ فيهِ بيانٌ.\nقد طوَّلَ المفسرونَ في قصةِ المباهلةِ، وحاصلُها: أنه ﵇ لمَّا دعاهم إليها، وخرجَ بالحسَنِ والحسينِ وفاطمةَ وعليٍّ ﵃ إلى الميعادِ، كَفُّوا عن ذلكَ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-355\"> </span>(٦٢) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا﴾: ما قصَّ (^٣) من نبأ عيسى ﵇ ومريمَ.\n﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾: بجملَتِها خبرُ ﴿إِنَّ﴾، أو (هو) فصلٌ يفيدُ أن ما ذكره في شأنهما حقٌّ دونَ ما ذكروه، وما بعدَهُ خبرٌ، وحقُّ اللام أن تدخل المبتدأَ، فلما دخلَ (إنَّ) أزيلَت عنهُ إلى الخبرِ أو الواسطةِ لمزيدِ التأكيدِ، وإذا جازَ تأخيرها إلى الخبرِ فلَأَنْ يجوزَ إلى الواسطةِ التي هيَ أقربُ إلى المبتدأ أولى.\n﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾: زيادةٌ ﴿مِنْ﴾ هنا في إفادةِ معنى الاستغراقِ، والتأكيدِ في النفيِ، كالبناءِ على الفتحِ في: (لا إله إلا الله)، والمرادُ الردُّ على النصارى في تثليثهم.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (د): \"الكافرين\"، والمثبت من (د).\n(^٢) رواه بنحوه البخاري (٤٣٨٠) من حديث حذيفة ﵁، وليس فيه ذكر إحضار الحسنين وأبويهما، وهذا ورد في حديث جابر عند الحاكم (٤١٥٧).\n(^٣) في (ك): \"قضى\".","vol":"2","page":308},{"text":"﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: دخولُ (إنَّ)، وإظهارُ اسمِ الله، وتوسيطُ (هو) للفصلِ، وإدخالُ اللامِ عليه، وتعريفُ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، مبالغات وتأكيداتٌ في التوحيدِ ونفيِ الشركِ، وأن العزة -أي: الغلبةَ والقهرَ- مخصوصةٌ باللهِ تعالى ليسَ لغيره فيها نصيبٌ، وأنَّ قهرَهُ إنما يكونُ بالحكمةِ فلا يقهَرُ إلا الكافرَ. ثمَّ بالغَ في الإيعادِ بقولهِ:\n* * *\n\n<span id=\"aya-356\"> </span>(٦٣) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: عن التوحيدِ.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ وإدخالُ الفاءِ في (إن الله) إشارةٌ إلى أن الوعيدَ مسبَّبٌ عن الإعراضِ، ووضعُ (المفسدين) موضِعَ ضميرِهم تسجيل عليهم، وتنبيهٌ على أن حقيقةَ الفسادِ هو التولي عن التوحيدِ، وأن الوعيدَ المذكورَ في قولهِ: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] مخصوصٌ بهم.\n\n<span id=\"aya-357\"> </span>(٦٤) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يعمُّ أهلَ الكتابينِ، وقيلَ: يريدُ وفدَ نجرانَ (^١)، وقيل: يهودَ المدينة.\n_________\n(^١) في (د) و(ك) و(م): \"بني نجران\".","vol":"2","page":309},{"text":"﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إذ (^١) لا يختلِفُ فيها الكتبُ والرسلُ (^٢)، ويفسِّرُها ما بعدَها:\n﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نوحدَه بالعبادة.\n﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾: لم يُرِد به الشركَ في العبادةِ؛ لأنَّ الوصل يأباهُ، بل أرادَ به ما ذكر بقولِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] (^٣).\n﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا يتخِذَ الأتباع (^٤) الرؤوسَ أربابًا من دون اللهِ فيطيعونَهم كطاعةِ اللهِ تعالى.\nنهى عن إطاعتهم الأحبارَ فيما أحدثوا منَ التحليلِ والتحريمِ من غيرِ الرجوعِ إلى ما شرعَ إليهِ، لا عن قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] و﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] لأنَّ مرجعهُ إلى ما تقدَّمَ من توحيده تعالى بالعبادةِ.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عنِ التوحيد الذي هو أصلُ دينِ الكلِّ، فقد لزمتهم الحجةُ بأنهم ليسوا على دينهِم.\n﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ دونكُم؛ لأنكم خالفتُم كتابكُم ونبيَّكم. ويجوزُ أن يكونَ مِن بابِ التعريض؛ أي: اشهدُوا واعترفوا بأنكُم كافرونَ بما نطقَت به الكتبُ، وتطابقَت عليه الرسلُ.\n_________\n(^١) في (ك): \"أي\".\n(^٢) في (م): \"الرسل والكتب\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"إذ حينئذ يكون بين المعطوفين كمال الاتحاد\".\n(^٤) في (م): \"يتخذوا الاتباع\".","vol":"2","page":310},{"text":"ولا يخفَى ما في نظمِ هذه القصةِ من المبالغةِ في الإرشادِ، ولطفِ التدرُّجِ في الحِجاجِ، وحسنِ المقطعِ عند ظهورِ اللَّجاجِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-358\"> </span>(٦٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾: تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيمَ ﵇، وزعمَ كلُّ فريقٍ أنه منهُمْ، فترافعوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فنزَلتْ (^١).\nيعني: إنكم معترفونَ بحدوثِ اليهودية والنصرانيةِ بنزولِ التوراةِ والإنجيلِ، ونزولُهما بعدَهُ ﵇، فكيفَ يكون يهوديًا أو نصرانيًا؟!\nولا يَرِدُ الإلزام علينا في قولنا: إنه ﵇ كان على دين الإسلام؛ لأنَّا ما نقول بحدوث دين الإسلام بنزول القرآن (^٢).\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ حتى لا تجادلُوا مثلَ هذا الجدالِ المحالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-359\"> </span>(٦٦) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٨١).\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"وأما الجواب الذي ذكره الإمام بأن القرآن أخبر أنه كان حنيفًا مسلمًا، وليس في التوراة والإنجيل أنه كان يهوديًا أو نصرانيًا، فظهر الفرق، فخارج عن سنن الصواب كما لا يخفى على ذوي الألباب. منه\".","vol":"2","page":311},{"text":"﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴿ها﴾ حرفُ التنبيهِ، و(أنتم﴾ مبتدأٌ، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ خبرُهُ، و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبيِّنةٌ للأُولى؛ أي: تنبَّهوا أيها الغافلونَ، أنتم هؤلاءِ الحمقَى على هذه الصفةِ التي أنتُم عليها مما لا يمكِنُ ذمُّكُم بما هو أبلَغُ منهُ، فأنتم الأشخاصُ المتعيِّنةُ المشارُ إليهم في الحماقةِ.\nوفي (^١) حرفِ التنبيهِ مبالغةٌ في غفلتهم، وفي ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الذمُّ بالجهلِ، و﴿حَاجَجْتُمْ﴾ كشف لجهلهم (^٢) وسخافةِ عقولهم (^٣)؛ أي: إن حماقتكُم أنكم جادلتُم فيما لكم به علمٌ من التوراة والإنجيل من حالِ محمدٍ ﵇، فلمَ تحاجُّونَ فيما لا ذكرَ له في كتابكم ولا علمَ لكم به من حالِ إبراهيمَ ﵇ (^٤).\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ ما حاججتُم فيهِ فيعلِمُنا.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: وأنتم جاهلون به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-360\"> </span>(٦٧) - ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ تصريحٌ بمقتضى ما قرَّره من البرهانِ.\n﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾: مائلًا عن العقائدِ الزائغة (^٥).\n_________\n(^١) في (د): \"وهو\".\n(^٢) في (د): \"بجهلهم\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"لعقولهم\".\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"من قال: ولا ذكر في كتابكم من دين إبراهيم، لم يصب لأن قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ يدل على أن في التوراة ذكر من دين إبراهيم ﵇. منه\".\n(^٥) في (ف): \"الزائفة\".","vol":"2","page":312},{"text":"﴿مُسْلِمًا﴾: ثابتًا على ملةِ الإسلامِ، وما سبق إلى بعض الأوهامِ من الاشتراك في الإلزام (^١) فقدِ اندفعَ بما قدَّمناه من الكلامِ.\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: تعريضٌ بأنهم مشركونَ؛ لإشراكهم به تعالى عزيزًا والمسيحَ، وردٌّ لادعاءِ المشركين أنهم على ملةِ إبراهيمَ ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-361\"> </span>(٦٨) - ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾: إن (^٢) أقربَ الناس منه وأخصَّهم به؛ من الوَلْيِ وهو القُربِ.\n﴿لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ في زمانهِ وبعدَه.\n﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ خصوصًا.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن أمته؛ لموافقَتهم له في أكثرِ ما شرع له أصالةً.\nوقرئَ: (و[هذا] النبيَّ) بالنصبِ عطفًا على الهاءِ في ﴿اتَّبَعُوهُ﴾، وبالجر عطف على إبراهيم (^٣). و(الذينَ آمنوا) على قراءةِ النصبِ عطفٌ على (الذين اتبعوه)، وعلى قراءة الجرِّ يحتمِلُ العطف على (النبيِّ)، وعلى (الذين اتبعوه)، وهذا أوجَهُ.\n﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ينصرُهم ويجازيهِم الحسنى (^٤) لإيمانهم.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"من الإشراك في الإلزام\". ووقع في (ف): \"الإكرام\" مكان \"الإلزام\".\n(^٢) في (م): \"أي\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢١)، و\"الكشاف\" (١/ ٢٧١). وما بين معكوفتين منهما.\n(^٤) في (م): \"الحسن\".","vol":"2","page":313},{"text":"<span id=\"aya-362\"> </span>(٦٩) - ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾: نزلَتْ في اليهودِ لما دَعوا حذيفةَ وعمارًا ومعاذًا إلى اليهوديةِ (^١)، و﴿لَوْ﴾ بمعنى: أنْ.\n﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وما يقدِرون على إضلال المسلمينَ وإنما يضلُّون أمثالهم من أشياعِهم، أو: ما يعودُ وبالُ إضلالهم إلا عليهِم، فإنَّ الوبال يُضافُ عليه بضلالهم وإضلالهم.\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ذلكَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-363\"> </span>(٧٠) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بما في التوراةِ والإنجيلِ من الآياتِ الناطقةِ بنبوةِ محمدٍ ﵇.\n﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنها آياتُ اللهِ تعالى، أو: بالقرآنِ وأنتم تشهدون نعتَهُ في الكتابين، أو تعلَمون بالمعجزاتِ أنه حقٌّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-364\"> </span>(٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ بالتحريفِ وإبرازِ (^٢) الباطل في صورةِ الحقِّ.\n_________\n(^١) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٠٩)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٧١).\n(^٢) في (ك): \"وإيراد\".","vol":"2","page":314},{"text":"وقرئ: (تَلبَسون) بفتح الباء (^١)، أي: تكتسونَ (^٢) الحقَّ معَ الباطلِ، كقولهِ ﵇: \"كلابسِ ثوبي زُورٍ\" (^٣).\n﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: نبوَّةَ محمدٍ ﷺ نعتَهُ.\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: عالمينَ بما تكتُمونه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-365\"> </span>(٧٢) - ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المرادُ بالطائفةِ كعبُ بن الأشرَفِ، ومالِكُ بن الصيفِ، وكعبُ بن أسيدٍ، قالوا لأصحابهم لمَّا حوِّلَتِ القبلةُ:\n﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: كانَ حقُّهُ أن يقولَ: بالذي أنزِلَ على محمدٍ، وإنما عدَلَ عنه إلى المنزَلِ لعدم المساعدةِ من باطنه على التكلم به.\n﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أوَّلهُ، قالَ:\nمَن كانَ مَسرُورًا بمقتَلِ مالكٍ … فليَأتِ نسوتَنا بوَجهِ نهارِ (^٤)\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٧١)، ونسبها في \"البحر المحيط\" (٥/ ٤٦٠) إلى يحيى بن وثاب.\n(^٢) في (د): \"تكتبون\"، وفي (ك): \"تلبسون\".\n(^٣) رواه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، من حديث أسماء ﵂، ورواه مسلم (٢١٢٩) من حديث عائشة ﵂.\n(^٤) البيت للربيع بن زياد العبسي، انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (١/ ٩٧)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٤٩٨)، و\"معاني القرآن\" للزجاج (١/ ٤٢٩)، و\"شرح الحماسة\" للمرزوقي (٢/ ٩٩٥) وفيه: (ساحتنا) بدل: (نسوتنا). ومالك هو ابن زهير بن جذيمة العبسي، وكانوا قد أخذوا بثأره.\nوجاء في هامش (د) و(ف): \"لا بد من المحافظة على لفظ الشاعر لمن كان في صدد الاستشهاد بعبارته، فمن تعجب من جار الله فيه لم يدر أن فيما وراءه من تعجب منه. منه\".","vol":"2","page":315},{"text":"أي: أظهِروا الإيمان بما نزِّلَ عليهم من الصلاةِ إلى الكعبةِ، وصلُّوا إليها أوَّلَ النهارِ ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾: وصلُّوا إلى الصخرةِ.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: ظانِّينَ بأنكُم رجعتُم لخلَلٍ ظهرَ لكم.\nوقيلَ: اثنا عشرَ رجلًا (^١) من أحبارِ خيبرَ تقاولوا بأن يدخُلوا في الإسلامِ أوَّلَ النهارِ، ويقولوا آخرَهُ: نظَرنا في كتابنا وشاورنا علماءَنا فلَم نجِد محمدًا (^٢) بالنعتِ الذي ورد في كتابنا، لعلَّ أصحابَه يشكُّونَ فيه فيرجِعونَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-366\"> </span>(٧٣) - ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾: ولا تقِرُّوا عن تصديقِ قلبٍ.\n﴿إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾: إلا لأهل دينِكم؛ أي (^٣): لا تظهِروا إيمانكم وجهَ النهارِ إلا لمن كانَ على دينكِم، فإنَّ رجوعَهم أرجَى وأهمُّ.\n﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ يهدِي مَن يشاءُ إلى (^٤) الإيمانِ، أو يثبِّته عليه.\nو﴿الْهُدَى﴾ (^٥) اسمُ ﴿إِنَّ﴾، و﴿هُدَى اللَّهِ﴾ بدلٌ منهُ ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ خبرُهُ، واللامُ في ﴿الْهُدَى﴾ للماهيةِ.\n_________\n(^١) \"رجلًا\" من (ف).\n(^٢) في (ف): \"يجز لمحمد\".\n(^٣) في (د): \"أو\".\n(^٤) في (د) و(ك) و(م): \"من\".\n(^٥) في النسخ عدا (م): \"الهدى\" والمثبت من (م).","vol":"2","page":316},{"text":"وفائدةُ الإبدالِ: تعظيمُ الهُدى بنسبَتهِ إلى اللهِ تعالى؛ أي: إن حقيقةَ الهدى وماهيةَ الهدى الإلهيِّ الذي ليسَ وراءه هدًى، بل لا هُدى إلا هو؛ لأن ما عداه من هُدى الخلقِ ليسَ بهُدًى، وعلى هذا ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿يُحَاجُّوكُمْ﴾ بمعنى: حتى؛ لأن المحاجَّةَ نفسها لا تصلُحُ لذلك إلا مرتبطةً بالإيتاءِ مرتَّبةً (^١) عليهِ.\nأو: ﴿هُدَى اللَّهِ﴾ خبرُ ﴿إِنَّ﴾، و﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ علةُ فعلٍ محذوفٍ دلَّ عليه ما قبلَه من إظهار إيمانهم ورجوعِهم لتقرير مَن أسلَم من أصحابهم؛ أي: لِأنْ (^٢) يُؤتى أحدٌ كتابًا موافقًا لكتابكم مصدِّقًا له مُنزَّلًا من عند اللهِ، أو لمحاجَّة أهله إياكم (^٣) عندَ ربكُمْ، دبَّرتم ما دبَّرتم، وقُلتم ذلكَ لأصحابِكم.\nوإنما أتى بـ (أو) تنبيهًا على أن كلَّ واحدٍ منهما مستقلٌّ في إغاظتِهم وحمْلِهم على الحسدِ حتى دبَّروا ما دبَّروا، ولو أتى بالواوِ لَمَا وقَعَ هذا الموقِعَ؛ للعلمِ بأن الثاني يلزَمُ الأولَ، فلم يكُن فيه فائدةٌ زائدةٌ، وأما إذا أتى بـ (أو) فقد أشعَرَ بأن كُلًّا مستقِلّ في الباعثيَّةِ على الحسدِ والاحتشادِ في التدبير، والحملُ على معنى (حتى) ليسَ له موقعٌ يروعُ السامعَ، وإن كانَ وجهًا ظاهريًّا (^٤).\nويؤيد هذا الوجهَ قراءةُ: ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بهمزة الاستفهام (^٥)؛ أي: أَلِأَنْ يُؤتَى أحدٌ أو لأن يحاجُّوكُم فعلتُم ذلكَ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"مترتبة\".\n(^٢) في النسخ عدا (د): \"لا\"، والمثبت من (د) وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٧٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٣).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"لمحاجته إياكم\"، وفي (د): \"لمحاجة إياكم\".\n(^٤) في (م): \"ظاهرًا\".\n(^٥) وهي قراءة ابن كثير من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٩).","vol":"2","page":317},{"text":"ويجوزُ أن يتعلَّق ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ بـ ﴿لا تؤمنوا﴾؛ أي: ولا تظهِروا إيمانكَم بأن يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتُم إلا لأشياعكُم، ولا تفشُوه إلى المسلمينَ لئلا يزيدُوا ثباتهم، ولا إلى المشركينَ لئلا يدعُوهم إلى الإسلامِ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ اعتراضٌ يدلُّ على أن كيدَهم لا يُجدي (^١) بطائلٍ.\nوقرئَ: (إن يؤتى) بكسرِ الهمزة على أنها نافيةٌ (^٢)، فيكونُ من كلام الطائفةِ؛ أي: ولا تؤمِنوا إلا لمن تبعَ دينكم، وقولوا لهم: ما يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم.\n﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: عطفٌ على ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ والضميرُ فيهِ لـ ﴿أَحَدٌ﴾، على أن المرادَ بهِ المنزَّلُ عليهِ وأُمَّتهُ.\n﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: لا بأيديكُم ويدِ غيركم، فمَن يؤتَهُ ويوفِّقهُ له لم يُمكِنْ لأحدٍ دفعُهُ، وهوَ الإسلامُ، فيكُونُ تأكيدًا لقولهِ: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾.\nويجوزُ أن يكونَ اعتراضٌ آخرُ لتقريرِ أمرِ الإيتاءِ في قولهِ: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ﴾ أي: النبوَّةُ والوحيُ الذي هو الفضلُ كلُّ الفضلِ بيدِ اللهِ يؤتيهِ مَن يشاءَ لا يمكنكُمْ دفعُهُ، ولا ينفعكُم الحسدُ ولا يضرُّهُ.\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: واسمع الرحمةِ عليمٌ بالمصلحةِ، فمَن صلَحَ لذلكَ مِن غيركم فهوَ يؤتيهِ مُفضّلًا عليهِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"يجد\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢١).\n(^٣) في (ف): \"عنه\".","vol":"2","page":318},{"text":"<span id=\"aya-367\"> </span>(٧٤) - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ تأكيدٌ وتأييدٌ لقولهِ: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.\n﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فيهِ دفعُ وهمِ القصورِ في أفضالهِ، المتبادِرِ إلى الفهمِ من اختصاصِ مَن يشاءُ برحمَتهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-368\"> </span>(٧٥) - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كعبدِ الله بنِ سلَامٍ؛ استودَعهُ قرشِيٌّ ألفًا ومئتي أوقيةٍ ذهبًا فأدَّاهُ إليهِ (^١).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ كفنحاص بن عازوراء، استودَعهُ قرشيٌّ آخرُ دينارًا فجحدَهُ (^٢).\n﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾: في محلِّ النصبِ على الظرفِ، أي: إلا وقتَ دوامِكَ عليه قائمًا على رأسهِ بالمطالبةِ والتقاضي والتعنيفِ، أو بالبيِّنةِ عليه عندَ المرافعةِ إلى الحاكمِ.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى عدمِ الأداء الذي دلَّ عليهِ: ﴿لَا يُؤَدِّهِ﴾ أي: تركُهم (^٣) أداءَ الحقوقِ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٧٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٣).\n(^٢) انظر المصدرين السابقين.\n(^٣) في (ك) و(م): \"بتركهم\".","vol":"2","page":319},{"text":"﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾: بسبب قولهم:\n﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ أي: لا يتطرَّقُ علينا ذمّ ولا عتابٌ في شأن الأمِّيينَ؛ أي: الذين ليسوا من أهلِ الكتابِ.\n﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بادِّعائهم أنَّ ذلكَ في كتابهم.\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبونَ، وذلك لأنهم استحلُّوا ظُلمَ مَن خالفهم، وقالوا: لم (^١) نجعل لهم في التوراةِ حُرمةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-369\"> </span>(٧٦) - ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿بَلَى﴾: إثباتٌ لِمَا نفوه؛ أي: بلَى علَيهم فيهم سبيلٌ.\n﴿مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: جملةٌ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ للجملةِ التي سدَّت ﴿بَلَى﴾ مسدَّها، والضميرُ في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ راجع إلى ﴿مَنْ﴾، أو إلى اللهِ تعالى، ويقوِّيهِ: ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ بعدَهُ، والضميرُ الراجعُ منَ الجملة الجزائيةِ إلى ﴿مَنْ﴾ يقومُ مقامه ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ لعمومهِ فيشملُه؛ أي: كلُّ مَن أوفى بما عاهد عليهِ واتَّقى الخيانةَ (^٢) والغدرَ فإنَّ الله يحبُّهُ، ويستلزِمُ أن يبغضَ الخائنَ الغادِرَ، فللذمِّ والعقابِ عليهم سبيلٌ في الأميينَ وفي غيرِهم.\nووُضعَ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ موضعَ الضميرِ للدلالةِ على أن التقوى توجِبُ غلبةَ محبةِ اللهِ تعالى لصاحبِها، وأنَّ الموفي بالعهد هو المتَّقي، فالغادِرُ هو الفاجر بدلالةِ الفحوَى.\n_________\n(^١) في (ك): \"لن\".\n(^٢) في (ف): \"الجناية\".","vol":"2","page":320},{"text":"وتعميمُ الحكمِ لعمومِ ﴿مَنْ﴾ و﴿الْمُتَّقِينَ﴾ يفيدُ أنهم لو وفَوا بعهودِهم واتقَوا الخيانةَ لوفوا بالعهدِ الأعظم؛ وهو ما أَخذ اللهُ عليهم في كتابهِم من الإيمانِ برسولٍ مصدِّقٍ لِمَا معهم، واتقَوا الكذِبَ على اللهِ وتحريفَ كلمِهِ، فكانوا مسلمينَ محبوبين بمتابعةِ حبيبِ اللهِ لقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].\n* * *\n\n<span id=\"aya-370\"> </span>(٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nثم صرَّحَ بما عرَّضَ بهِ مِن تطرقِ الذمِّ والعقابِ إلى الخائنِ بقولهِ:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾: يستبدلون.\n﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: بما عاهدُوا عليهِ من الإيمانِ بالرسولِ، والوفاءِ بالأماناتِ.\n﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾: وبما حلَفوا بهِ من قولهم: والله لنؤمنَّنَ بهِ ولننصُرنَّهُ.\n﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: متاعَ الدنيا.\n﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ قد سبقَ في تفسير سورةِ البقرةِ ما يتعلَّقُ بهِ.\n﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أصلًا، وإنَّ الملائكةَ يسألونهُم يومَ القيامةِ، أو لا ينتفِعون بكلماتِ الله تعالى، في الظاهرِ أنهُ كنايةٌ عَن سخَطهِ وشدَّةِ غضبِهِ تعالى عليهِم، أو مجازٌ؛ لأن الغاضِبَ لا يكلِّمُ المغضوبَ عليهِ.\n﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: كنايةٌ عنِ الاستهانةِ بهم وإذلالهم، أو مجازٌ عَن تركِ إحسانهِ إليهم.\n﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾: ولا يُثْني عليهم، هذا غيرُ مقيَّدٍ بيومِ القيامةِ فيفيدُ فائدةً زائدةً.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على ما فعلُوه.","vol":"2","page":321},{"text":"قيلَ: إنها نزلَتْ في أحبارٍ حرَّفوا التوراةَ وبدَّلوا نعتَ رسولِ اللهِ ﷺ وحُكمَ الأمانات وغيرَهما، وأخذوا على ذلكَ رِشوةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-371\"> </span>(٧٨) - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ﴾ من المحرِّفينَ.\n﴿لَفَرِيقًا﴾: هُم كعبُ بن الأشرفِ، ومالكُ بن الصيفِ، وحُيَيُّ بنُ أخطب، وغيرُهم.\n﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾: يفتِلُونها بقراءته فيميلُونها عن المنزَّلِ إلى المحرَّفِ، أو: يعطِفونها شبهَ الكتابِ، فعلى هذا الباءُ صلةٌ؛ كما تقول: لوى لسانهُ بالشعرِ؛ إذا قالَهُ معَ تَعمُّلٍ، وفيهِ إضمارٌ، أو سمي (^١) كتابًا تهكُّمًا، أو علَى زعمِهم.\n﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: الضميرُ راجع إلى شبهِ (^٢) الكتابِ، والعُدولُ في قولهِ: ﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾ عنِ الضميرِ إلى المُظهَرِ لتفخيمِهِ، فإن المقامَ مقامُ تعظيمِ جريمةِ التحريفِ، وذلكَ بتفخيمِهِ، وقرئ: (ليحسبوه) (^٣) بالياء والضميرُ أيضًا للمسلمين.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"تجعل\".\n(^٢) أي: المشابه له وهو المحرف المدلول عليه بقوله: ﴿يَلْوُونَ﴾.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢١).","vol":"2","page":322},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: ليسَ هو نازلًا من عنده (^١). وفيهِ دفعٌ لاحتمالِ أن لا يكونَ منَ الكتابِ ومعَ ذلك يكونُ من عندِ اللهِ؛ كالأحاديثِ القدسيةِ، فهوَ تأسيسٌ لا تأكيدٌ لقولهِ: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ، وتشنيعٌ عليهم باجترائهم على اللهِ تعالى.\nوالعدولُ عن الضميرِ إلى المُظهرِ في قولهِ: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لتعظيمِ هذا الأمر، وبيانِ أنهم لفرطِ رعانتهم (^٢) يصرحون بذلكَ ولا يورُّونَ.\n﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: تأكيدٌ وتسجيلٌ عليهم بالكذبِ على اللهِ تعالى والتعمُّدِ فيهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-372\"> </span>(٧٩) - ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.\n﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾: ما صحَّ له وما استقامَ.\n﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾: ذكَرَ أولًا الكتابَ وهو جنسٌ، وترقَّى منه إلى الحُكمِ، وهوَ الفصلُ بين الناسِ بالكتابِ، ثم إلى النبوةِ وهو الرُّتبةُ العليا، فالترتيبُ في غايه الفصاحة.\n﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾: أتى بـ (ثم) - وهيَ للمُهلةِ - تعظيمًا لهذا القول، وإذا انتفَى هذا القولُ بعدَ المهلةِ كانَ انتفاؤه بدونِها أَولى وأَحرى؛ أي: إنَّ هذا الإيتاء لا يجامعُ هذا القولَ، وإن كانَ بعدَ مهلةٍ.\n_________\n(^١) تحرفت في النسخ إلى: \"غيره\". والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٥).\n(^٢) تحرفت في أكثر النسخ لألفاظ لا علاقة لها بالكلام، والمثبت من (ك).","vol":"2","page":323},{"text":"﴿كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تكذيبٌ وردّ على عبَدةِ عيسى ﵇.\nوقيلَ: إنَّ أبا رافعٍ القُرظيَّ والسيِّد النجرانيَّ قالا: يا محمَّدُ! أتريدُ أن نعبُدَك ونتخِذك ربًا؟ فقالَ: \"معاذَ الله أن آمرَ بعبادةِ غيرِ الله (^١)، فما بذلك بعثني، ولا بذلكَ أمرَني\"، فنزلَتْ (^٢).\nويأباهُ قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠].\nوقيلَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! نسلِّمُ عليكَ كما يسلِّمُ بعضُنا على بعضٍ، أفلا نسجُدُ لكَ؟ قالَ: \"لا ينبغِي أن يُسجَدَ لأحدٍ غيرِ اللهِ، ولكن أكرِموا نبيكُم واعرفُوا الحقَّ لأهلِهِ\" (^٣). ويناسب هذا قوله:\n﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾: ولكن يقولُ: كونوا ربانيين، والربانيُّ منسوب إلى الربِّ، وزيادةُ الألفِ والنونِ للمبالغةِ؛ كما في اللِّحْيانيِّ والرَّقَبانيِّ (^٤) وهو الكاملُ في العلمِ والعملِ.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: بسببِ كونكُم معلِّمينَ الكتابَ، وبسببِ كونكم دارسينَ لهُ، فالباءُ متعلقٌ: بـ ﴿كُونُوا﴾، فالمطلوبُ هوَ الربانيةُ المسبَّبةُ عن العلمِ، وهذا إنما يدلُّ على أنَّ الربانيَّةَ والتمسُّكَ بطاعةٍ إذا لم تكُنْ مسبَّبةً عن العلمِ\n_________\n(^١) في هامش \"د\": \"هكذا رواية محيي السنة في \"معالم التنزيل\"، وفي \"الكشاف\": أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله، ولا يخفى ما فيه من الحاجة التى التأويل ولهذا كثر فيه القال والقيل. منه\".\n(^٢) رواه ابن إسحاق كما في \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٥٥٤)، ومن طريقه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٥٢٤)، عن ابن عباس ﵄.\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٥)، ورواه عبد بن حميد عن الحسن كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٥٠)، و\"العجاب في بيان الأسباب\" (٢/ ٧٠٥).\n(^٤) اللحياني: عظيم اللحية، والرقباني: غليظ الرقبة. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ٢٩٣).","vol":"2","page":324},{"text":"لا يكونُ معتدًّا بها واقعة على وفقِ المأمور بهِ، لا على (^١) العكسِ (^٢)، وإن (^٣) كانَ الأمرُ كذلكَ في نفسِ الأمرِ.\nوقرئ: ﴿تعلَمون﴾ (^٤) بمعنى: عالِمِين، وقرئ: (تدرِّسون) من التدريس (^٥).\n\nو(تَدرُسُونَ) مِن أَدْرَس بمعنَى: درَّس (^٦)؛ كأكرَمَ وكرَّمَ، ويجوزُ أن تكونَ القراءةُ المشهورةُ أيضًا بهذا المعنى على تقديرِ: وبما تدرِّسونه (^٧) على الناسِ.\n\n<span id=\"aya-373\"> </span>﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾: قرئ بالنصب (^٨) عطفًا على (^٩) ﴿يَقُولَ﴾ (^١٠)، وتكونُ (لا) مزيدة لتأكيدِ معنى النفيِ في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾؛ لبُعدِ العهدِ، وتخلُّلِ الاستدراكِ، أو غيرَ مزيدةٍ على معنى أنهُ ليسَ لنبيٍّ أن يدعوَ العبادَ إلى عبادتهِ، وينهاهُم عَن عبادةِ الملائكةِ والنبيينَ (^١١).\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"المأمورية على\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف) و(م): \"كما زعم صاحب \"الكشاف\" وتبعه من تبعه. منه\".\n(^٣) في (م): \"وإنما\".\n(^٤) هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٩).\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢١) ونسبها لسعيد بن جبير، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٤٦٣) ونسبها للحسن.\n(^٦) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٦٣).\n(^٧) في (م): \"تدرسون\".\n(^٨) وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، والباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٩).\n(^٩) في (م): \"على معنى\".\n(^١٠) (في هامش (د) و(ف): \"لا على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ كما زعمه صاحب \"الكشاف\" والقاضي؛ إذ لا وجه لتخصيص ما قصد بـ (ثم) في المعطوف عليه، واستثقال الجمع بين حرفي العطف إنما هو عند التلفظ لا عند الاعتبار معنى، ولهذا جاز في قوله: ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. منه\".\n(^١١) (في (م): \"وبالنبيين\".","vol":"2","page":325},{"text":"وبالرفع على الاستئنافِ؛ وهو أظهَرُ، ويؤيدُه قراءةُ: (ولن يأمركم) (^١).\n﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ﴾: إنكارٌ، والضميرُ فيه للبشرِ، وقيل: للهِ.\n﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: دليل على أن الخطابَ للمسلمينَ، وهم المستأذنونَ لأنْ يسجُدوا له ﵇ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-374\"> </span>(٨١) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾: قيلَ: هذا على ظاهرِهِ، وإذا كان هذا حكمَ الأنبياءِ ﵈ كانَ الأممُ به أَولى.\nوقيلَ: معناهُ: أنهُ تعالى أخذَ الميثاق من النبيين وأممهم، واستَغنى بذكرِهم عن ذكرِ الأممِ.\nوقيل: إضافةُ الميثاق إلى النبيينَ إضافةٌ إلى الفاعلِ، والمعنى: وإذ أخذ اللهُ الميثاقَ الذي وثَّقهُ الأنبياءُ على أممهم.\n_________\n(^١) في النسخ: \"وإن يأمركم\"، والتصويب من المصادر. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٢٤)، و\"تفسير الطبري\" (٥/ ٥٣٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٣٧٨)، وغيرها.\n(^٢) كذا قال، والخبر الوارد بهذا من مرسل الحسن كما تقدم، فهو ضعيف ولا يصح الجزم بتفسير الآية عليه، وإن صح فهو قول رجل منهم فلا يصح نسبة ذلك إلى جميعهم، كما أن ذلك القائل - على فرض صحة الخبر - قد يكون حديث عهد بالإسلام، فكيف يقرن به علماء الصحابة ومن أحاطوا بأصول العقيدة علمًا وفهمًا؟","vol":"2","page":326},{"text":"وقيلَ: المرادُ: أولاد النبيينَ على حذفِ المضافِ؛ وهم بنو إسرائيل، أو سمَّاهم بنبيينَ تهكُّمًا؛ لأنهم كانوا يقولونَ: نحنُ أولى بالنبوةِ من محمدٍ؛ لأنَّا أهلُ الكتابِ، والنبيُّونَ كانوا منا.\nواللام في ﴿لَمَا﴾ موطِّئةٌ للقسَمِ؛ لأن أخذَ الميثاقِ بمعنى الاستخلاف، و(ما) شرطيةٌ مفعولةٌ بـ ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ (^١)، و﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ بيانٌ لـ (ما)، وحملُهُ على التبعيضِ يُفضي إلى اعتبارِ قيدٍ لا يقتضيهِ المقامُ، ومثلُهُ عندَ البلغاءِ يُعَدُّ هُجنةً (^٢) في الكلامِ، وجوابُ القسمِ (^٣): ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ وما بعدَهُ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ جوابِ القسم عليهِ. وقدَّمَ الإيمانَ لأنَّه الأصلُ، ثم النصرَ لأنهُ من ثمرتِهِ.\nويجوزُ أن تكونَ (ما) خبريةً.\nوقرئ: ﴿لِمَا﴾ بكسر اللام (^٤) للتعليلِ على أنَّ (ما) مصدريةٌ؛ أي: لأجْلِ إيتائي إياكم الكتابَ والحكمةَ، ثم لمجيء رسولٍ مصدِّقٍ لما معكُم، أو موصولةٌ؛ لأنَّ (ما معكُم) بمعنى: ما آتيتكم (^٥) فيجوزُ عطفُ ﴿جَاءَكُمْ﴾ على الصلةِ لوجودِ الراجعِ إليها؛ أي: لأجلِ الذي آتيتُكُموه منَ الكتابِ والحكمةِ، ثمَّ لمجيءِ رسولٍ مصدِّقٍ لهُ.\n_________\n(^١) في (م): \"شرطية مفعول آتيتكم\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): (سحبه)، وفي (ح) و(د): \"بعد هجنه\".\n(^٣) في (ف) زيادة: \"عليه\".\n(^٤) وهي قراءة حمزة، انظر: \"التيسير\" (ص:٨٩).\n(^٥) في (ك) و(ف): \"أتيتكم\".","vol":"2","page":327},{"text":"وقرئ: (لمَّا) بالتشديد (^١)، بمعنى: حينَ أتيتكم الكتابَ والحكمةَ، ثمَّ جاءكم رسولٌ مصدِّقٌ وجَبَ عليكم الإيمانُ ونصرتُهُ.\nوقيلَ: أصلُهُ: (لَمِن ما) فاستُثقِلَ ثلاثُ ميماتٍ؛ لأن النونَ ما لم تُقلَب ميمًا لم تُدغَم في الميمِ، فحُذِفَت إحداهُما فصارَت (لمَّا)؛ أي: لمن أجلِ ما أتيتكم لتؤمنُنَّ بهِ.\n﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؛ أي: عهدي، سُمِّيَ بهِ لأنَّه يُأصَرُ، أي: يُشَدُّ ويُعقَدُ، وقرئ: (أُصري) بالضمِّ (^٢)، وهو إما لغة فيهِ، كعِبْرٍ وعُبْرٍ، وإما جمعُ إصارٍ.\n﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾: فليشهَدْ بعضُكم على بعضٍ بالإقرارِ.\n﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: وأنا أيضًا على إقراركم وتَشاهُدِكم (^٣) شاهدُ استيثاقٍ (^٤)، معناه التوكيد والتحذير، وقيل: الخطاب للملائكة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-375\"> </span>(٨٢) - ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\n﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعدَ الميثاقِ والتوكيدِ بالإقرارِ والشهادةِ.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: المتمرِّدونَ من الكفارِ.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٨)، ونسبها ابن جني في \"المحتسب\" (١/ ١٦٤) للأعرج بلفظ: (لمَّا آتيناكم).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢١).\n(^٣) في (د): \"ونشاهدكم\"، وفي (ح) و(ك) و(م): \"وشاهدكم\"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٣٨٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٦)، و\"روح المعاني\" (٥/ ٣٠٣).\n(^٤) في النسخ عدا (ك): \"استئناف\"، والمثبت من (ك).","vol":"2","page":328},{"text":"<span id=\"aya-376\"> </span>(٨٣) - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.\n﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾: الفاءُ عاطفةُ الجملةِ على الجملة؛ أي: فأولئكَ هم الفاسقونَ فغير (^١) دين الله يبغون، ثم توسَّطتِ الهمزةُ بينهُما للإنكارِ.\nويجوزُ أن يُعطفَ على محذوفٍ تقديرُهُ: أيتولَّونَ فغيرَ دينِ اللهِ يبغون؟\nوتقديمُ المفعولِ لتوجيهِ الإنكارِ إلى كونِ دينِ غيرِ الله مطلوبًا، فالمقصوُد الأهمُّ بالإنكارِ هو المفعولُ، ويجوزُ أن يكونَ التقديم للتخصيصِ، لا بمعنى أن التخصيصَ منكَرٌ فيلزَمَ جوازُ طلبِ دِينٍ باطلٍ مع طلبِ دين الله تعالى، بل للمبالغةِ في الإنكارِ مع التشنيع والتوبيخ حيثُ لا يرضونَ بطلبِ دينٍ باطل إلى دينِ اللهِ، بل يخضُونَ الدينَ الباطل بالطلَبِ.\nوقرئ: ﴿تبغون﴾ بالتاء على تقدير: وقل لهم، وقرئ هو بالياء و﴿ترجعون﴾ بالتاء (^٢)؛ لأنَّ الباغينَ هم المتوَلُّونَ، والراجَعونَ جميعُ الناسِ.\n﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا﴾ بالأدلةِ (^٣).\n﴿وَكَرْهًا﴾: بالسيفِ، أو بمعاينة ما يُلجِئ إلى الإسلامِ؛ كنَتْقِ الجبلِ فوقَ بني إسرائيلَ.\nوانتصابُهما على المصدرَّيةِ، أو على الحالِ.\n_________\n(^١) في (م): \"أفغير\"، وسقطت الجملة من (ك).\n(^٢) قرأ ابن عمرو، وعاصم في رواية حفص: ﴿يَبْغُونَ﴾ بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالتاء. وقرأ حفص عن عاصم: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٩).\n(^٣) في (د): \"لأدلة\".","vol":"2","page":329},{"text":"ومَن قالَ: أو مختارينَ كالملائكةِ والمؤمنينَ، ومسخَّرينَ كالكفرةِ فإنهم لا يقدِرونَ على أن يمتَنِعوا عمَّا قضى عليهم، فكأنهُ ذهبَ إلى مذهبِ الجبريةِ.\n﴿وإليه ترجعون﴾: وقرئ بالياءِ (^١) على أن الضميرَ لمن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-377\"> </span>(٨٤) - ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: الخطابُ لهُ ﵇ لفظًا، وله ولأُمتِهِ معنًى، ولهذا قالَ في موضعٍ آخرَ: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا﴾ [سبأ: ٥٢]، إذ (^٢) جاءَ الكلامُ في ﴿آمَنَّا﴾ و﴿عَلَيْنَا﴾ بلفظِ الجمعِ.\nأُمِرَ الرسولُ ﵇ بأن يخبِرَ عن نفسِهِ ومتابعيهِ بالإيمان والقرآن، وإنْ كان منزَّلًا عليهِ خاصةً، لكنَّ نزولَهُ عليهِ لمَّا كان لتبليغِهِ إليهم صحَّ نسبته (^٣) إليهم أيضًا، وأيضًا المنسوبُ إلى واحدٍ منَ الجمعِ قد ينسَبُ إليهم.\nويجوزُ أن يكونَ مأمورًا بأن يتكلَّم على طريقةِ التواضعِ إرشادًا لهُ ﵇ إلى أدبِ المحاورَةِ.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: قدَّمَ المنزَّلَ عليهِ ﵇ على المنزَلِ على سائرِ الرسلِ ﵈؛ لأنهُ المعرِّفُ له\n_________\n(^١) هي رواية حفص عن عاصم وقد تقدمت الإشارة إليها قريبًا.\n(^٢) في (د): \"أو\".\n(^٣) في (د): \"نسبه\".","vol":"2","page":330},{"text":"والعيارُ عليهِ، والنزولُ باعتبارِ أنهُ من فوقٍ يُعدَّى بـ (على)، وباعتبارِ أنهُ ينتِهي إلى المرسَلِ إليهِ يُعدَّى بـ (إلى)، ولهذا قال في موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٦].\nووجهُ التخصيصِ: أن الخطابَ هنا للرسولِ ﵇، والنزولَ من السماءِ كان عليه، والخطابُ ثمةَ للمسلمينَ، ولا نزولَ عليهم حقيقةً، بلِ انتهى التبليغُ إليهم.\nولا تتجِهُ المناقشةُ (^١) بقولهِ: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥] ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٦] (^٢)؛ لأنَّ النكتةَ الزائدةَ على أصلِ البلاغةِ، الحاصلَةَ بمطابقةِ الكلام لمقتضَى المقامِ، لا يلزمُها الاطِّرادُ، ولهذا تتفاوتُ المكرَّراتُ في القرآن بحيثُ يكونُ بعضُها أفصَح من بعضٍ.\n﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: التوراةَ والإنجيلَ؛ أفرَدَهما بالذكرِ بحكمٍ أبلغَ؛ لأنَّ أمرَهما بالإضافةِ إليهما (^٣) مغايرٌ لمَا سبق، والنزاعُ وقعَ فيهما.\n﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وفي موضعٍ آخرَ: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]، لمَّا تقدَّمَ هنا قولُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ إلخ اكتفَى به عَن إعادةِ: ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾، ولم يتقدَّم ثمةَ مثلُ هذا، فلم يكُن فيهِ ما يُغني عن التوكيدِ بإعادَتهِ.\n﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾: بالتصديقِ والتكذيبِ.\n_________\n(^١) في (ح) و(د): \"يتجه المناقش\".\n(^٢) في جميع النسخ كُتبت الآية خطأً هكذا: (وقولوا آمنا بالذي أنزل على الذين آمنوا). ولعل مُراد المؤلف الذي أثبتّه.\n(^٣) \"إليهما\" سقط من (ك) و(م)، وفي (ف): \"إليها\".","vol":"2","page":331},{"text":"﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: منقادون، أو: مخلصون (^١) في عبادَتهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-378\"> </span>(٨٥) - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ﴾: غيرَ إسلامِ الوجهِ للهِ؛ أي: التوحيدِ.\n﴿دِينًا﴾: نكَرهُ تحقِيرًا.\n﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ في الدنيا.\n﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الواقعين في الخُسرانِ مُطلقًا من غيرِ تقييدٍ للشياعِ، ولا دلالةَ فيه على أن الإيمانَ ليسَ غيرَ الإسلامِ، إنما دلالَتهُ على أنهُ ليسَ دِينًا غيرَ الإسلامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-379\"> </span>(٨٦) -) ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: همُ اليهودُ؛ آمنوا بالنبي ﷺ وةَ إيمانهم من البيناتِ، وتحقَّقوا منها ومِن كتابهم أنهُ حقٌّ، ثمَّ كفروا بهِ.\nوقيلَ: نزلَت في رهطٍ كانوا أسلَموا (^٢) ثمَّ رجعوا عن الإسلامِ، ولحقوا بمكَّةَ.\n﴿كَيْفَ﴾ استبعاد لأنْ يهدِيَهم اللهُ تعالى، فإنَ الجائر (^٣) عن الحقِّ بعدما وضحَ له منهمِكٌ في الضلالِ بعيدٌ عن الرشادِ.\n_________\n(^١) في (د): \"مخلصونه\".\n(^٢) في (م): \"مسلمين\"، وقال في الهامش: \"أسلموا\".\n(^٣) في (م): \"الحائد\".","vol":"2","page":332},{"text":"وقيلَ: نفي وإنكارٌ له لِمَا علِمَ من عنادِهم ومكابرتهم، وامتناعِ قَبولهم إياه؛ نعيًا عليهم، وتوبيخًا لهم، فلا دلالةَ فيه على عدمِ قبولِ توبة المرتَدِّ.\n﴿وَشَهِدُوا﴾ عطفٌ على ما في ﴿إِيمَانِهِمْ﴾ من معنى الفعلِ، ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، أو حالٌ بإضمارِ (قد) من ﴿كَفَرُوا﴾.\nوالمرادُ من إيمانِهم: تصديقُهم باللهِ تعالى، وعلى تقديرِ أن يُرادَ منهُ التصديقُ بهِ وبالرسول ﵇ وإن كانَ يأباه عطفُ: ﴿وَشَهِدُوا﴾ عليهِ - لا دلالةَ في الآيةِ أيضًا على أنَّ الإقرار باللسان خارجٌ عن حقيقةِ الإيمان المصطَلحِ عليه عند أهلِ الشرعِ، إنما دلالتها على أنه خارجٌ عن الإيمانِ بمعنى التصديقِ بالله وبرسوله، وليسَ هذا مما يَقبل النزاعَ.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهُم بالإخلالِ بالنظرِ (^١)، ووضعِ الكفرِ موضعَ الإيمانِ، فكيفَ مَن جاءهُ الحقُّ وعرفَهُ ثم أعرَضَ عنهُ؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-380\"> </span>(٨٧) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: استقرَّ عليهم لعنةُ اللهِ، ومِن يُعتَدُّ بلعنتهِ مِن خلقهِ، ودلالةُ مفهومهِ على عدمِ استقرارِ اللعنِ على غيرِهم، لا على عدَمِ جوازه في حقِّ غيرِهم، فالمرادُ منَ الناسِ المؤمنونَ، ويجوزُ أن يُرادَ العمومُ؛ لأنَّ الكافرَ أيضًا يلعنُ منكِرَ الحق ولكن لا يعرِفُه (^٢) بعينِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"والنظر\".\n(^٢) في (د): \"ولكن لا يعرف الحق\".","vol":"2","page":333},{"text":"<span id=\"aya-381\"> </span>(٨٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: في اللعنةِ، أو في النارِ، وإضمارُها قبلَ الذكرِ تفخِيمَّا لَشأنها وتهويلًا.\n﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهَلُون ليعتذِروا، أو: لا ينظُرُ إليهم نظرَ رحمةٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-382\"> </span>(٨٩) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾؛ أي: رجعُوا عن الارتدادِ.\n﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الإشارةُ إلى الكفرِ لتعظيمهِ وشدَّتهِ، وغايةِ بعدِه عن الصوابِ والعقلِ.\n﴿وَأَصْلَحُوا﴾: ما أفسدوا، أو دخلوا في الصلاحِ (^١).\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: يقبَلُ التوبةَ.\n﴿رَحِيمٌ﴾: يتفضَّلُ عليهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-383\"> </span>(٩٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ كاليهودِ كفرُوا بعيسى ﵇ والإنجيلِ، بعدَ الإيمانِ بموسى ﵇ والتوراةِ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بكفرِهم بمحمدٍ ﵇ والقرآنِ.\n_________\n(^١) في (م): \"الإصلاح\".","vol":"2","page":334},{"text":"أو كفروا بهِ ﵇ بعدَ إيمانهم قبلَ مبعثه، ثم ازدادوا كفرًا بالإصرارِ والعنادِ والطَّعنِ فيهِ، والصدِّ عن الإيمانِ، ونقضِ الميثاقِ والسخريةِ بكل ما نزلَ من الآياتِ.\nأو كقومٍ ارتدُّوا ولحِقوا (^١) بمكَّةَ ثم ازدادوا كفرًا بقولهم: نتربَّصُ بمحمدٍ ريبَ المنونِ، أو نرجعُ إليهِ وننافِقُهُ بإظهاره.\n﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ قد عرفت أن التعريفَ في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للعهدِ، والإشارةُ إلى قومٍ مخصوصينَ، وإلا فكلُّ كافرٍ إذا تابَ قُبِلَتْ توبته (^٢)، وإنِ ازداد كفرًا إلى كفرٍ (^٣)، فإنْ أُريدَ بهم المرتدُّونَ فالواو في:\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ للحالِ؛ أي: لن (^٤) تُقبَلَ توبتُهم في حالِ كونهم الباقينَ على ضلالهم الذي ثابتونَ عليهِ؛ لكونِ توبتهم نِفاقًا، وإنْ أُريدَ بهم اليهودُ فكذلك.\nوفيهِ وجهانِ آخَران:\nأحدُهما: أن يكونَ إخبارًا بالغيبِ عَلى طريقةِ قولهم:\nولا ترى الضَّبَّ بها يَنحَجِر (^٥)\nأي: لن يتوبُوا، فلا توبةَ ولا قبولَ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ اعتراضٌ؛ أي:\n_________\n(^١) في (د): \"أو كقوم ارتدوا أو لحقوا\"، وفي باقي النسخ: \"أو قوم ارتدوا ولحقوا\". والمثبت هو الصواب. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٧).\n(^٢) في (ح) و(د) و(ف): \"قبلت بقرينة\".\n(^٣) في (ح) و(د): \"وإن ازداد كفرا أي كفر\" وفي (ف): \"وإن ازدادوا كفرا إلى كفرهم\".\n(^٤) \"لن\" من (د)، وسقطت من باقي النسخ.\n(^٥) عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وصدره:\nلا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها","vol":"2","page":335},{"text":"والموصوفون (^١) بما ذكِرَ أولئك هم الثابتونَ على الضلال المطلَقِ.\nوالثاني: أن يكونَ كنايةً عن موتهم على الكفرِ؛ أي: يموتونَ وهم كافرونَ، على ما صرَّحَ بعدَه، والفائدةُ فيها: التغليظُ في شأنهم، وإبرازُ حالهم في صورة (^٢) حالِ الآيسينَ من الرحمةِ التي (^٣) [هي] أغلظُ الأحوالِ وأشدُّها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-384\"> </span>(٩١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لفظ ﴿الَّذِينَ﴾ هنا عامٌّ فيمَن كفَرَ، وماتَ على الكفرِ، فلذلكَ دخلَتِ الفاءُ في قولهِ:\n﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ﴾ تضمِينًا للموصولِ معنى الشرط، على أنَّ الموتَ على الكفرِ سببٌ لامتناعِ قَبولِ الفدية، وإنَّما تُرِكَ الفاءُ في الكلامِ السابقِ لفقدِ التسبُّبِ ثمَّةَ (^٤)، وإيرادُ المسندِ إليه موصولًا لتحقيقِ الخبرِ.\n﴿مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾ ملءُ الشيء: ما يملأه، و﴿ذَهَبًا﴾ نصبٌ على التمييزِ،\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"والموصوف\".\n(^٢) \"صورة\" سقط من (ف).\n(^٣) في (ك) و(م): \"إلى\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٣٨٣)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"لفقد الدليل عليه كما زعمه صاحب الكشاف. منه\"، وانظر شرح هذه المسألة في \"روح المعاني\" (٥/ ٣١٧) مع ما ذكرناه في حواشيه من زيادة في الشرح.","vol":"2","page":336},{"text":"وقرئ بالرفع على البدلِ مِن ﴿مِلْءُ﴾ (^١)، أو خبرٌ لمحذوفٍ، وفيهِ (^٢): أنه لا بدَّ مِن تقديرِ وصفٍ ليَحسنَ البدلُ، ولا دلالةَ عليهِ، والثاني (^٣) إنما يحسن إذا جُعلَتِ الجملةُ صفةً أو حالًا، ولا يخلُو عن ضعفٍ.\n﴿وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ اعتراضٌ؛ أي: ولو فُرِضَ أنه افتدى بهِ، على أن الافتداءَ ثمة محالٌ، وتقديرُ الكلامِ (^٤): إنَّ الذينَ ماتوا على الكفرِ فلو افتدَى أحدُهم بملءِ الأرض ذهبًا لم يُقبَل منهُ.\nفلما كانَ الجزاءُ أهمَّ للإقناطِ (^٥) والبعثِ على الرجوعِ عنِ الكفرِ إلى الإيمانِ قبلَ الموتِ قدِّمَ، وجعِلَ جزاءَ الشرطِ الأول (^٦)، وأُوردَ ﴿لَنْ﴾ للتأكيدِ وأُخِّرَ الشرطَ، فلزمَ (الواوُ) للربطِ.\nوقيلَ: محمولٌ على المعنى؛ كأنَّهُ قيلَ: فلن يُقبلَ مِن أحدِهم فديةٌ ولو افتدَى بملءِ الأرضِ ذهبًا.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تتميمٌ لمعنى الإقناطِ؛ لأن مَن لا يُقبَلُ (^٧) منهِ الفداءُ ربما يُعفى عنهُ تكرُّمًا.\n_________\n(^١) تنسب للأعمش، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٨٢).\n(^٢) يعني: في وجه البدلية.\n(^٣) يعني: جعله خبرا لمحذوف.\n(^٤) في (م): \"وتقدير حق الكلام\".\n(^٥) في (ح) و(م): \"الجزاء أهم الإقناط\"، وفي (د): \"الجزاء هم للإقناط\"، وفي (ك): \"الجزاء لهم الإقناط\"، وفي (ك): \"الجزاء أهم من الإقناط\". والمثبت هو الصواب والله أعلم.\n(^٦) يعني: الموصول الذي ضمن معنى الشرط، كما تقدم.\n(^٧) في (د): \"لأن ما يقبل\".","vol":"2","page":337},{"text":"﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ في دفعِ العذابِ و﴿مِنْ﴾ مزيدةٌ للاستغراقِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-385\"> </span>(٩٢) ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.\n﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾: لن تبلُغوا حقيقةَ البرِّ؛ وهو ما يُتقرَّبُ به إلى اللّهِ تعالى من أعمالِ الخيرِ، وقيلَ: لن تنالوا برَّ اللّهِ؛ أي: ثوابَهُ.\n﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾: من أموالكم التي تحبُّونها، أو ما يعمُّهُ وغيرَهُ؛ كبذلِ الجاهِ في معاونةِ الناسِ، والبدنِ في طاعةِ اللّه تعالى، والمُهجةِ في سبيله.\nو(مِن) هنا للتبعيضِ؛ يدلُّ عليهِ قراءةُ: (حتى تنفقوا بعضَ ما تحبون) (^١). وفي قوله:\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ لتبيين ما تنفقون (^٢)؛ أي: من أيِّ شيء طيبٍ (^٣) تحبُّونهُ أو خبيثٍ تكرهونَهُ.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكُم بحسبِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-386\"> </span>(٩٣) - ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٤٥)، وقال السمين في \"الدر المصون\" (٣/ ٣١٠): وهذه عندي ليست قراءة، بل تفسير معنى.\n(^٢) في (د) و(ك) و(م): \"تنفقوا\".\n(^٣) \"طيب\" زيادة في (م).","vol":"2","page":338},{"text":"﴿كُلُّ الطَّعَامِ﴾: هو ما يُطعَمُ مأكولًا كانَ أو مشروبًا، والمرادُ تناوُلُها (^١).\n﴿كَانَ حِلًّا﴾ على شريعةِ إبراهيمَ ﵇.\n﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: حلالًا لهم (^٢)، وهو مصدَرُ نُعِتَ بهِ، ولذلك يستوي فيهِ الواحدُ والجمعُ، والمذكَّرُ والمؤنَّثُ، قالَ تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠].\n﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾: يعقوبُ ﵇؛ كلحومِ الإبلِ وألبانها، وكانَ تحريمُهُ ذلكَ بالنذرِ، ولذلكَ قيلَ:\n﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ ثم إنه تعالى حرَّمهُ على أولادِهِ على ما دلَّ عليه الاستثناءُ المذكورُ، فلا متمَسَّكَ فيه لمن جوَّزَ للنبيِّ أن يجتهِدَ.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾: متعلَّقٌ للمستثنى منهُ، وفائدَتهُ: بيانُ حلِّ ما عدا لحومَ الإبلِ وألبانَها في شريعة إبراهيمَ ﵇ حتى يثبُتَ تحريمُ بعضِ ما كان حلالًا لبني إسرائيلَ بنزولِ التوراةِ.\nوبه يحصلُ الإلزام لليهودِ، ويتمُّ الرد عليهم في دعوى البراءةِ عما نُعِيَ عليهم في قولهِ تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠] إلى آخرهِ، وقولِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] بأنْ قالوا: لسنا أولَ مَن (^٣) حرِّمَت عليهِ، وإنما كانت محرمة على نوحٍ وإبراهيمَ ﵉، ومَن بعدَهُ حتى انتهى الأمرُ إلينا، فحرِّمَت علينا كما حرِّمَت على مَن قبلَنا (^٤).\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"من قال: أكلها، فقد غفل عن تناول المستثنى للمشروب. منه\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"حلًّا لهم\".\n(^٣) في (ح) و(ف) و(م): \"م\"، وسقطت من (د)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٨).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وعلى من قبلنا\"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر السابق.","vol":"2","page":339},{"text":"وفي منعِ (^١) النسخِ، والطعنِ في دعوى الرسولِ ﵇ موافقةَ إبراهيمَ عليه. السلامُ بتحليلِهِ (^٢) لحومَ الإبلِ وألبانَها.\nلا للمُستثنى (^٣) بيانًا (^٤) لكونِ التحريمِ المذكورِ قبلَهُ، إذ لا فائدةَ فيهِ أصلًا (^٥).\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمِكم أن تحريمَها قديمٌ.\nأمرٌ لمحاجَّتهم (^٦) بكتابهم، وتبكِيتهم بما فيهِ؛ من أنَّ تحريمَ ما حرّمَ عليهم تحريم حادثٌ بسببِ ظلمِهم وبغيِهم، لا تحريمٌ قديمٌ كما زعموا، رويَ أنهم لم يَجرؤوا (^٧) على إخراجِ التوراة وبهِتوا (^٨). وفي ذلكَ برهانٌ قاطعٌ على صدقِ النبيِّ ﵇، وحجةٌ بينةٌ على جوازِ النسخِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-387\"> </span>(٩٤) -) ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: ابتدَعهُ على اللهِ تعالى بادِّعاء أن ذلك كانَ محرمًا على بني إسرائيلَ قبلَ إنزال التوراةِ.\n_________\n(^١) عطف على ما تقدم من قوله: (في دعوى البراءة)؛ أي: (يتم الرد على اليهود في دعوى البراءة … وفي منع).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"بتحليل\".\n(^٣) عطف على قوله: (متعلق للمستثنى منه).\n(^٤) في (ك) و(م): \"بيان\"، وسقطت الجملة من باقي النسخ.\n(^٥) في هامش (د) و(ف) مع بعض الفروقات: \"لا فائدة الخبر ولا لازمها ومن غفل عن هذا فسر القَبل بالقبيل. منه\".\n(^٦) في (م): \"بمحاجتهم\".\n(^٧) في (ف) و(ك): \"يجترئوا\"، وفي (م): \"يجرئوا\".\n(^٨) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٨).","vol":"2","page":340},{"text":"﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ ما ألزمهُم بالبرهانِ القاطعِ.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: المكابِرونَ الذين لا يُنصفونَ مِن أنفسهم، ولا يلتفتُونَ إلى البيِّناتِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-388\"> </span>(٩٥) - ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾: تعريضٌ بكذِبهم؛ أي: ثبتَ أنَّ الله صادقٌ فيما أنزَلَ، وأنتم الكاذبونَ.\nلما عرَّضَ بكذِبهم لزِمَهم اتِّباعُ محمدٍ ﵇ والإيمانُ بالقرآنِ، فعبَّرَ عن ذلك بقولهِ:\n﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ أي: ملَّةَ الإسلامِ التي هي في الأصلِ ملةُ إبراهيم، ولمَّا نسَبَ دينَه وملَّتَهُ (^١) إلى إبراهيمَ ﵇ كانَ أكسَرَ لنخوتهِم، وأقرَبَ إلى قَبولهم؛ كأنهُ قالَ: فإذا ظهرَ بالحجةِ البيِّنةِ كذبُكم فيما زعمتُم، وثبتَ صدقُ كتابِ اللّه، وظهرَ بطلانُ دينكِم الذي اضطرّكم إلى تحريفِ كتابِ اللّهِ والافتراءِ على اللهِ لتسويةِ أغراضكم، فاتَبعوا الحقَّ الذي هو ملةُ إبراهيم، وهو (^٢) ما عليهِ محمدٌ ومَن معهُ (^٣).\nوانتصَبَ ﴿حَنِيفًا﴾ على الحالِ، وقد سبقَ تفسير في سورة البقرةِ.\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أرادَ استمرارَ النفيِ لا نفيَ الاستمرارِ، فمدلولُ ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبارِ.\n_________\n(^١) \"وملته\" من (م).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"وهي\".\n(^٣) في (ك): \"ومن تبعه\".","vol":"2","page":341},{"text":"وفيهِ تعريضٌ بشرك اليهود، وإشارةٌ إلى أن اتِّباعهُ واجبٌ في التوحيدِ الصِّرفِ والاستقامة في الدينِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-389\"> </span>(٩٦) - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: جعلَهُ اللّه تعالى متعبَّدًا لهم.\n﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾: لَلْبيتُ الذي ببكَّةَ؛ وهي لغةٌ في مكَّةَ؛ كالنبيطِ والنميطِ، وقيل: هي موضعُ المسجدِ، ومكةُ البلدُ.\nمن بكَّه: إذا زحمَهُ أو دقَّهُ، فإنها تدقُّ أعناقَ الجبابرة.\n﴿مُبَارَكًا﴾: كثيرَ الخيرِ والنفعِ لمن حجَّهُ واعتمرهُ (^١)، واعتكفَ دونهُ، وطافَ حولَهُ، حالٌ من المستكنِّ في الظرف (^٢).\n﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾: سببُ هدايةٍ (^٣)؛ لأنهُ من قِبلتهم (^٤).\n* * *\n(٩٧) - ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ حالٌ أُخرى.\n_________\n(^١) في (ك): \"أو اعتمره\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"ومن وجد فيه التعدد فقد فوت هذا الاعتبار اللطيف. منه\".\n(^٣) في (ك): \"هدايته\".\n(^٤) في (د): \"لأنَّه قبلتهم\".","vol":"2","page":342},{"text":"﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: عطفُ بيانٍ لقوله: ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ وحَّدَهُ لقيامِه مقامَ آياتٍ كثيرة، يدلُّ على هذا قراءةُ: (آية بينة) (^١).\nولا يخفى ما فيه منَ التفخيمِ لشأنهِ، كأنهُ لظهورِ إعجازه وقوةِ دلالتِهِ على قدرة اللّه تعالى، ونبوةِ إبراهيمَ ﵇، بمنزلة آياتٍ عظامٍ كثيرة، ويؤيدُ ذلك التعظيمَ البالغَ تنكيرُ ﴿آيَاتٌ﴾ ووصفها بالبيِّناتِ، ونحوُه في التعظيمِ قولهُ تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].\n﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ جملة ابتدائيةٌ.\nكان الحرمُ آمنًا في الجاهليةِ، ومفزَعَ كلِّ خائفٍ وملجأ كلِّ جانٍ، وقالَ ابن عمر: لو وجَدنا قاتلَ أبينا في الحرمِ لم نقتله (^٢).\nوقيلَ: المراد الأمنُ (^٣) من العذاب يومَ القيامة.\nوفيه: أن مدارَ هذا الأمنِ على الدفنِ (^٤) فيهِ، على ما أفصَحَ عنه قولُه ﵇: \"مَن ماتَ في أحدِ الحرمينِ بُعِثَ يومَ القيامةِ آمنًا\" (^٥) لا على دخوله.\n_________\n(^١) تنسب لمجاهد وأبي، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢).\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٩٩٢) بلفظ: (لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته)، ومثله الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٦٠٣) وفيه: (ما هجته).\n(^٣) في النسخ: \"حرم والأمن\"، وضرب على الواو في (ك)، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ٣٣٩).\n(^٤) في (د): \"دفن\".\n(^٥) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٨٥٥) من طريق رجل من آل حاطب عن حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي عن حاطب. ورواه الطبراني في \"الصغير\" (٨٢٧) من حديث جابر بن عبد الله ﵁. ورواه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ١٢٨ - ١٢٩) من حديث سلمان وجابر وقال: هذان حديثان لا يصحان. لكن قال السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" =","vol":"2","page":343},{"text":"﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ آكدُ ما يكونُ منَ الألفاظ الدالة على الإلزام كلمةُ ﴿عَلَى﴾ فإنها علَمٌ فيهِ.\nوالحجُّ كأخواته من المنقولاتِ الشرعيةِ، وله فرائضُ وواجباتٌ وسنن وشرائطُ بعضُها للوجوبِ وبعضُها للأداءِ، ومعناهُ اللغويُّ: القصدُ على جهة التعظيمِ، والمرادُ معناهُ الشرعيُّ، فإضافته إلى البيتِ للملابَسةِ، فإنَّ طوافَهُ (^١) أحدُ ركنَيهِ، أو أحدُ أركانهِ، على الاختلافِ في الإحرامِ، فإنهُ ركنٌ عندَ الشافعيِّ، وشرطٌ عندَ أبي حنيفةَ.\nومن قالَ في \"تفسيره\": قصْدُهُ (^٢) للزيارةِ على الوجهِ المخصوصِ، فقد زادَ على معناه اللغويِّ، وقصَّرَ عَن معناهُ الشرعيِّ.\nوقرئ: ﴿حِجُّ﴾ بالكسرِ (^٣)؛ وهو لغةُ نجدٍ.\n﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾: بدلٌ منَ ﴿النَّاسِ﴾ مخصِّصٌ لهُ، وفيهِ إيرادُ المرادِ في صورتين مختلفتين (^٤) على وجهٍ فيه تشويقٌ، ووجدانٌ بعدَ شغفٍ (^٥) وطلبٍ،\n_________\n= (٢/ ١٠٩): أفرط المُؤلف [يعني: ابن الجوزي] في إِيراد هذين الحديثين في الموضوعات، وقد أخرجهما البيهقيّ فِي \"شعب الإيمان\" واقتصر على تَضْعِيف إسنادهما، وقال: إِن إِسْنَاد حدِيث جابِر أحسن من إِسْنَاد حَدِيث سلمَان، والَّذي أستخير الله فِيه الحكم لمتن الحدِيث بالحسَن لِكَثْرَة شواهده.\n(^١) في (د): \"فأطوافه\"، وفي (ح) و(ف): \"فالطواف\".\n(^٢) في (ك): \"قصد\".\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص، وقرأ الباقون بالفتح، انظر: \"التيسير\" (ص:٩٠).\n(^٤) في (د): \"الصورتين مختلفتين\"، وفي (ح) و(م): \"صورتين مختلفين\".\n(^٥) في (م): \"تشغف\".","vol":"2","page":344},{"text":"وتنكير ﴿سَبِيلًا﴾، وتقديمُ ﴿إِلَيْهِ﴾ عليهِ؛ أي: سبيلًا مّا أيَّ سبيلٍ (^١) يتيسَّرُ على أيِّ وجهٍ يكونُ قريبٍ وبعيدٍ، بشرطِ اختصاصِ انتهائه إليهِ لا إلى غيره، وكلُّ مأتيٍّ إلى الشيءِ فهو سبيلُهُ.\nوقد فسَّرَ رسولُ اللّهِ ﷺ الاستطاعةَ بالزادِ والراحلةِ (^٢)، وما فسَّرهُ ﵇ استطاعةُ السبيلِ إلى البيتِ المذكورِ في القرآنِ، لا استطاعةُ الحجِّ؛ فإنها لا بدَّ فيها من صحَّةِ البدنِ أيضًا، فلا دلالة فيه على أحدِ القولينِ المذكورَين في المسألة الخلافيةِ المشهورةِ.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وضعَ ﴿كَفَرَ﴾ موضعَ: لم يحُجَّ؛ تأكيدًا لوجوبهِ، وتغليظًا على تاركِ الحجِّ، وتشديدًا عليهِ، ولذلك قالَ ﵇: \"مَن ماتَ ولم يحجَّ فليمُتْ إن شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا\" (^٣).\nوقد أكَّدَ أمرَ الحجِّ في هذه الآيةِ من وجوهِ الدلالةِ على وجوبهِ بصيغةِ الخبرِ،\n_________\n(^١) في (ف): \"سبيلًا\".\n(^٢) رواه الترمذي (٢٩٩٨)، وابن ماجه (٢٨٩٦)، من حديث ابن عمر ﵄. قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. اهـ. وقصة الزاد والراحلة قد رويت عن جماعة من الصحابة لا يثبت منها شيء كما قال غير واحد من أهل العلم. انظر: \"الوهم والإيهام\" لابن القطان (٣/ ٤٤٨)، و\"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ١٠)، و\"التلخيص الحبير\" لابن حجر (٢/ ٢٢١).\n(^٣) رواه \"الدارمي\" في \"سننه\" (١٨٢٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣٦٩٣)، من حديث أبي أمامة ﵁ بلفظ: \"مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَض حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنَّ شَاءَ نَصْرَانِيًّا\". وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وروى نحوه الترمذي (٨١٢) من حديث علي ﵁ وقال: في إسناده مقال. وروي عن عمر ﵁ موقوفًا، وصحح إسناده ابن كثير في \"مسند الفاروق\" (١/ ٢٩٢).","vol":"2","page":345},{"text":"وإبرازِهِ في صورةِ الاسميةِ، وإيرادِه على وجهٍ يفيدُ أنهُ حقٌّ واجبٌ للّهِ تعالى في رقابِ الناسِ، وتعميمِ الحُكمِ أولًا وتخصِيصِه ثانيًا؛ فإنهُ كالإيضاحِ بعدَ إبهامٍ، وتثنيةٌ (^١) وتكريرٌ للمرادِ، وتسميةِ تركِ الحج كفرًا مِن حيثُ إنه فعلُ الكفرة، وذكرِ الاستغناءِ فإنه في مثلِ هذا الموضعِ مما يدلُّ على المقتِ والخُذلانِ.\nوقوله: ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ عنه لِمَا فيهِ من مبالغةِ التعميم، والدلالةِ على الاستغناءِ عنه بالبرهان، والإشعارِ بعظم السخطِ؛ لأنهُ تكليفٌ شاقٌّ (^٢) جامع بينَ كسرِ النفس، وإتعابِ البدن، وصرفِ المال، والتجردِ عن الشهواتِ، والإقبالِ على اللّه تعالى.\nبقي هاهنا دقيقةٌ أنيقةٌ؛ وهي أن اللامَ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ مظِنَّةُ أن يكون في الحجِّ نفعٌ له تعالى، دفعَه (^٣) ببيانِ غَنائه عن العالمين.\nرويَ: أنه لما نزل صدرُ الآيةِ جمعَ رسول اللّه ﷺ أرباب الملل فخطبهم وقال: \"إنَّ اللّه تعالى كتب عليكم الحجَّ فحُجُّوا\" فآمنت به ملةٌ واحدة، وكفرت به خمس ملل، فنزل: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ الآية (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-391\"> </span>(٩٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: تخصيصُ أهلِ الكتابِ بالخطاب؛ لأن كفرَهم أقبحُ، وَأما\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"وتنبيه\".\n(^٢) في (د): \"مشاق\".\n(^٣) في (د): \"دفع\".\n(^٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٦٢١) من طريق جويبر عن الضحاك وجويبر متروك، والخبر مرسل.","vol":"2","page":346},{"text":"الدلالةُ على أنهم وإن زعموا (^١) أنهم مؤمنونَ بالتوراةِ والإنجيلِ فهم كافرون بهما، فلا تأثيرَ فيها للتخصيص المذكور (^٢).\n﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بآياته السمعيةِ والعقليةِ الدالَّةِ على صدقِ محمدٍ ﵇ فيما أُتي (^٣) به من الأوامرِ والنواهي، ومعنى الاستفهامِ في ﴿لِمَ﴾ إنكارٌ لكفرِهم، وتعجُّبٌ منهُ مع وجود المانعِ، وهو كونُ الحقِّ شهيدًا على أعمالهم.\n﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: والحال أن اللّه شهيدٌ؛ أي: مطَّلعٌ على أعمالكم فمجازيكم عليها لا ينفعكُم التحريفُ والإسرار (^٤)، وهذهِ الحالُ توجبُ الإيمانَ فما جسَّركم (^٥) على الكفرِ بآياتهِ؟!\nوإظهارُ اسم الله تعالى والمقامُ مقامُ الإضمارِ؛ للتخويفِ، والتربيةِ للمهابةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-392\"> </span>(٩٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: أُعيدَ الخطابُ لأن الأول في الضالينَ، وهذا في المضلِّينَ، فلا تكرار، وكونُ كل واحدٍ من الأمرين مُستقبَحًا في نفسهِ مُستقلًّا في استجلابِ العذابِ مما لا حاجة إلى الإشعارِ به لعدم الخفاءِ فيه.\n_________\n(^١) في (ف): \"أنهم وزعموا\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"فإنها حاصلة في صورة التعميم أيضًا كما لا يخفى. منه\".\n(^٣) في (د): \"أوتى\".\n(^٤) في (د): \"والإسراء\". وفي (ك): \"والسر\". وفي (ح) و(ف): \"والامتراء\"، والمثبت من (م).\n(^٥) في (د): \"جركم\" وفي (م): \"صبركم\".","vol":"2","page":347},{"text":"﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾. معنى الاستفهامِ إنكارٌ لقصدِ الصدِّ، وطلبِ العوجِ في الطريقِ المستقيم، مع كونهم علماءَ شهداءَ بأنْ ليسَ فيه عوجٌ، وأن الصادَّ عنها ضالٌّ مضلٌّ، والتوبيخُ هنا أشدُّ لمعنى المكابرةِ فيهِ.\n﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: دينهِ الحقَ المأمورِ بسلوكهِ وهو الإسلامُ، قدِّمَ للاهتمامِ على المفعولِ الأولِ وهو قولُهُ:\n﴿مَنْ آمَنَ﴾: كانوا يفتِنون المؤمنِينَ، ويحرِّشون (^١) بينهم، حتى أتوا الأوسَ والخزرجَ فذكَّرُوهم ما بينَهم في الجاهليةِ من التعادي والتحارُبِ ليعودوا لمثله، ويحتالون لصدِّهم عنه (^٢)، ويمنعُون مَن أراد الدخولَ فيه بجهدهم، فعلى الأولِ يكون التجوُّزُ في الصدِّ، وعلى الثاني في ﴿آمَنَ﴾.\n﴿تَبْغُونَهَا﴾ في محل النصبِ بالحال.\n﴿عِوَجًا﴾ مفعول (تبغون)، والضميرُ منصوبٌ بنزع الخافض، وتعديةِ الفعلِ؛ أي: فيها.\nوالعِوجُ - بكسر العين - الميلُ والانحراف في المعاني، وبفَتحها في الخبثِ؛ أي: تطلُبون اعوجاجًا وميلًا عنِ الاستقامة بأن تلبِّسوا على الناسِ حتى توهمُوهم أن فيها عوجًا بقولكم: إن شريعة موسى ﵇ لا تُنسخُ، وبتغييرِ صفةِ رسول اللّه ﷺ، ونحوهما.\n﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ قائلون (^٣): إنها سبيلُ اللّهِ لا يَصدُّ عنها إلا ظالمٌ كافرٌ، أو\n_________\n(^١) في (د): \"ويحدثون\" وفوق الدال شدة.\n(^٢) \"عنه\" ليست في (د).\n(^٣) في (د): \"عاملون\".","vol":"2","page":348},{"text":"عدولٌ (^١) بين أهلِ دينكم، يتمسَّكون بأقوالكم، ويستشهدُونكم في عظائمِ أمورهم لكونكم أحبارًا.\n﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وعيدٌ بالغٌ، والختمُ بهذا يناسب المقام؛ لأنَّ الكلام في صدِّهمُ المؤمنينَ عن الإسلام وكانوا يخفونَهُ ويحتالون فيه، وفيما (^٢) تقدَّمَ في كفرِهم وهم يجهَرُون بهِ، فكان المناسبُ له الختمَ بقولهِ: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-393\"> </span>(١٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خاطبهم اللّهُ بنفسهِ بعدَ توسيطِ الرسول ﵇ في مخاطبةِ أهلِ الكتابِ؛ إظهارًا لجلال (^٣) قدرِهم، وإشعارًا بأن لهم منزلةً عندَ اللّه تعالى دونَ أهل الكتاب (^٤).\n﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: نزلَت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوسًا يتحدَّثون؛ فمر بهم شاس بن قيس اليهوديُّ فغاظَه تآلفُهم واجتماعهم، فأمرَ شابًّا من اليهود أن يجلسَ إليهم ويذكِّرَهم (^٥) يوم بُعاثٍ، وينشدَهم (^٦) بعض ما قيلَ فيه،\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"عدل\".\n(^٢) في (د): \"وما\".\n(^٣) في (د): \"لجلالة\".\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"من قال إشعارًا بأنهم الأحقاء بأن يخاطبهم اللّه ويكلمهم لم يصب في قوله: ويكلمهم، كما لا يخفى. منه\".\n(^٥) في (ك): \"ويذكر\".\n(^٦) في (م): \"وينشد\".","vol":"2","page":349},{"text":"وكان الظَّفَرُ في ذلك اليومِ للأوسِ؛ ففعلَ فتنازَعَ القومُ وتفاخَروا وتغاضَبوا، وقالوا: السلاحَ السلاحَ. واجتمَع من القبيلتين خلقٌ عظيمٌ، فتوجَّهَ إليهم رسولُ اللّه ﷺ وأصحابُه ﵃ وقالَ: \"أتدْعُونَ الجاهليَّةَ وأنا بينَ أظهُركم بعدَ إذ أكرمكُم اللّه بالإسلامِ، وقطعَ بهِ عنكم أمر (^١) الجاهليةِ، وألَّف بينكُمْ؟! \" فعلِموا أنها نزغة من الشيطان، وكيدٌ من عدوِّهم، فألقوا السلاحَ واستغفروا، وعانقَ بعضُهم بعضًا، وانصرفوا معَ رسول اللّه ﷺ (^٢).\nوالتعبيرُ عن شاسٍ ومَن أعانه فيهِ بالفريقِ يناسبُ قصدَهم إيقاعَ التفرقة بين جمعِ المؤمنين.\n﴿يَرُدُّوكُمْ﴾؛ أي: عن الهدى إلى الضلالِ (^٣) على ما دلَّ عليه قولُه:\n﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾: ردَّ يتعدَّى إلى مفعولَين، قالَ الشاعر:\nفردَّ شُعورَهن السودَ بيضًا … وردَّ وجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا (^٤)\n* * *\n\n<span id=\"aya-394\"> </span>(١٠١) - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) \"أمر\" من (م).\n(^٢) رواه ابن إسحاق كما في \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٥٥٥)، والطبري في \"تفسيره\" (٥/ ٦٢٧)، عن زيد بن أسلم، وهو في \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١١٦).\n(^٣) في (م): \"الضلالة\".\n(^٤) البيت لعبد الله بن الزبير الأسدي، كما في \"شرح الحماسة\" للمرزوقي (٢/ ٩٤١)، و\"الحلل\" للبطليوسي (ص: ٧٠)، ولفضالة بن شريك كما في \"عيون الأخبار\" (٣/ ٧٦)، وقال البطليوسي: ويقال: إنه للكميت بن معروف الأسدي.","vol":"2","page":350},{"text":"﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ معنى الاستفهامِ: الإنكارُ والتعجيبُ من تطرُّقِ الكُفر إليهم في حالِ اجتمعَ إليهم الأسبابُ الداعيةُ إلى الإيمانِ، الصارفةُ عن الكُفر.\nوإنما أخَّرَ قولَهُ: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ - مع أن حقَّهُ التقديمُ؛ لأن التلاوة المذكورةَ بواسطته - إخراجًا لهُ عن حيِّزِ الوساطة إلى منزلةِ الاستقلال في السببية، كأنهُ قيلَ: والحالُ أن آياتِ اللّهِ تُتلى عليكُم مُعجزةً رادعةً (^١) عن الكفرِ، وفيكم الرسولُ واعظًا زاجرًا لكُم ناهيًا عنهُ.\n﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾: ومَن يتمسَّك بدينِه، أو يلتجِئْ إليه في مجامعِ أموره.\n﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: إنما يورَد ﴿فَقَدْ﴾ في جوابِ الشرطِ عندَ مُضيِّهِ معنى، والقصدُ هنا إلى تحقُّقِ (^٢) الوقوعِ بمعنى: فقد حصلَ لهُ الهدى، كأنهُ قد حصل (^٣) فهو يخبرُ عنه حاصِلًا، ومعنى التوقعِ في ﴿فَقَدْ﴾: أنَّ المعتصِم باللّهِ متوقِّعٌ للهُدى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-395\"> </span>(١٠٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: واجبَ تقواه وما يحقُّ مِنها، وهو القيامُ بالواجبِ، واجتنابُ المحارمِ، ويدخُلُ فيهِ الاحتراز (^٤) عن طاعةِ أهل الكتابِ دخولًا أوليًا.\n_________\n(^١) في (د): \"وزاعة\"، وفي (م): \"وازعة\".\n(^٢) في (م): \"تحقيق\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"له الهدى\".\n(^٤) في (د): \"الاحتراض\".","vol":"2","page":351},{"text":"﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: ولا تكونُنَّ على حالٍ سوى الإسلامِ حينَ الموتِ، فالمنهيُّ كونهم على حالٍ غير الإسلام عندَ موتهم، لا موتُهم.\nهذا ما عندَهم، والذي عندِي هو أنَّ النهيَ المذكورَ للتحذيرِ عن الموت على حالٍ سوى الإسلامِ، والحذرُ عنه إنما يكونُ بالاحترازِ عما يُفضي إليهِ (^١)، فهو حثٌّ على الثباتِ على الإسلام في جميعِ الأزمانِ على أبلغ وجهٍ، وعلى هذا لا عدولَ عن الظاهرِ. بخلافِ ما قالوهُ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-396\"> </span>(١٠٣) - ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾: يحتملُ التمثيلَ، بأن يمثَّل صورة حالهم في اعتضادِهم واستظهارِهم ووثوقِهم باللّهِ تعالى وحمايتهِ واتكالهم عليهِ بصورةِ حالِ المتدلِّي مِن مكانٍ مُرتفعٍ متمسِّكًا بحبلٍ وثيقٍ يأمَن انقطاعَهُ، والاستعارةُ بأن يستعيرَ الحبلَ لعهدِه أو كتابه، ويجعلَ الاعتصامَ ترشيحًا لها بما يناسِبُ الحبلَ.\n﴿جَمِيعًا﴾ أي: اجتمِعوا على استعانتكم باللّهِ ووثوقكُم بهِ، أو: اجتمِعوا على التمسُّكِ بعهده إليكُم أن تؤمنوا بهِ، ولا تعبُدوا إلا إياه، أو بكتابهِ، لقولهِ ﵇: \"القرآنُ حبل اللّه المتينُ\" (^٣).\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"كالنهي عن السقوط في البئر فإن مرجعه إلى احتراز عن الدنو منه. منه\".\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ف): \"فهم مطالبون بالباعث للعدول عن الظاهر. منه\".\n(^٣) قطعة من حديث طويل رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٠٠٧)، والدارمي في \"سننه\" =","vol":"2","page":352},{"text":"﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾: ولا تتفرَّقوا كما كنتم متفرِّقين في الجاهليةِ يُعادي بعضُكم بعضًا ويحارِبُه، أو: لا (^١) تفعلوا ما يوجبُ التفرُّقَ ويزيل الألفةَ من القول والعمل، وأما التفرُّقُ بالاختلافِ في الدينِ كاليهودِ والنصارى فهو مضمونُ قولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥].\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أرادَ: نعمةَ الهداية والتوفيق للإسلامِ، المؤدِّي إلى التآلفِ وزوالِ الغِلِّ.\n﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ في الجاهلية متقاتلِينَ ﴿فَأَلَّفَ﴾: أوقعَ الأُلفةَ ﴿بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ بالإسلامِ.\n﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾: بسببِ تلكَ النعمة.\n﴿إِخْوَانًا﴾: متحابِّين مجتمِعين على الإخوةِ في اللّه، و(أصبح) أصلُه: دخلَ في الصباحِ، ثمَّ أُطلِقَ على الصيرورة أيَّ وقتٍ كان، ففيه باعتبارِ أصلهِ دلالة على خروجهم مِن ظلماتِ الضلالة إلى نور الهداية.\n_________\n= (٣٣٧٤)، والترمذي (٢٩٠٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٧٨٨)، عن علي ﵁، ومداره على الحارث الأعور. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.\nوروي من حديث ابن مسعود ﵁، رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٠١٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٠٦٣٠)، وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ١٠٠)، ترجمة إبراهيم بن مسلم الهجري أحد رواته، وابن الجوزي في \"العلل \" (١٤٥)، وقال: لا يصح عن رسول اللّه ﷺ، ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود، قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء.\n(^١) في النسخ عدا (م): \"ولا\" والمثبت من (م).","vol":"2","page":353},{"text":"قيل (^١): كانَ الأوس والخزرجُ أخوين من الأبوين (^٢) فوقع بين أولادهما العداوةُ، وتطاولَتِ الحروبُ مئةً وعشرين سنةً، حتى أطفأها اللهُ تعالى بالإسلام، وألَّفَ بينهُم (^٣) برسولِ اللّه ﷺ.\n﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: مشرِفينَ عليها بكُفركم (^٤)، إذ لو أدرككم الموتُ على تلك الحالة لصادفتمُ القبر حفرةً من النار، وإنما قال:\n﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ وإن لم تكونوا فيها؛ لأنهم كانوا بمنزلةِ مَن هو فيها مِن حيث كانوا مستحقِّين لدخولها.\nويجوزُ أن يكون الضمير للشَّفا وتأنيثُه لأنَّه بمعنى الشفةِ، فإن شَفَا البئرِ وشفتَها طرفُها، وأصلهُ: شَفَوٌ، فقلِبَت الواوُ في المذكَّرِ، وحُذِفت في المؤنَّث.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التبيينِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: دلائله.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: إرادةَ أن تَثبُتوا على الهدى، أو تزدادُوا هدىً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-397\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ (مِن) للتبيين، بمعنى: وكونوا أمةً؛ كقولهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن\n_________\n(^١) في (م): \"وقيل\".\n(^٢) في (د) و(ك) و(م): \"لأبوين\".\n(^٣) \"بالإسلام، وألف بينهم\" ليست في (د).\n(^٤) في (ك) و(م): \"لكفركم\".","vol":"2","page":354},{"text":"المنكر مِن فروضِ الكفاياتِ، فهوَ واجبٌ على كلِّ الأمةِ بدليل أنه (^١) لو تُرِكَ أَثمَ الجميعُ، وإن سقطَ بفعل البعضِ لحصولِ المقصودِ، فلا بدَّ من توجيه الخطاب إلى الكلّ، فمَن قالَ: (مِن) للتبعيضِ، ثم علل بما ذكرناه آنفًا فقد اختارَ المذهب المردودَ؛ وهو أن يكونَ الوجوب على البعضِ من غير تعيين.\nوأما الاستدلالُ على أنه لا يجبُ على الكلِّ بعدم الوجوبِ على الجاهل فمردودٌ؛ لأنَّه إذا تُرِكَ بالكليةِ فذلك الجاهلُ أيضًا آثمٌ، ولولا الوجوبُ عليهِ لما أثمَ؛ كمَن وجب عليه الصلاةُ وهو محدِثٌ فإنَّ عليهِ تحصيلَ الشرطِ ثم الفعلَ.\nوأمَّا مَن (^٢) اختارَ أن تكونَ (مِن) للتبعيض معلِّلًا بما تقدم، ثمَّ قالَ: خاطب الجميع وطلب فعلَ بعضِهم ليدُلَّ على أنه واجب على الكلِّ = فقد خبَطَ حيثَ خلطَ بين المذهبَينِ، ثم إنه لم يَدْرِأن الوجوبَ على الكلِّ مبناهُ الطلبُ من الكلِّ، لا الخطابُ للكلِّ، فإنَّ الخطابَ بدون الطلبِ بمعزلٍ عن الدلالة على الوجوب.\n﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾: يعمُّ الدعاء إلى ما فيهِ صلاحٌ دينيٌّ أو في نيويٌّ، فينتظِمُ الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر.\nفقولُه: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: مِن قبيلِ عطف الخاصِّ على العام للإيذان بفضلِهِ.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: المخصوصونَ بكمال الفلاحِ.\nوالأمرُ بالمعروفِ يكونُ واجبًا ومندُوبًا على حسبِ ما يؤمَرُ به، وكذا النهي عن\n_________\n(^١) في (د): \"أن\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"ومن\".","vol":"2","page":355},{"text":"المنكرِ فإنهُ يكون واجبًا إن كانَ المنهيُّ عنه محرَّمًا أو مكرُوهًا كراهةَ تحريمٍ، ويكونُ مندوبًا إن كان المنهيُّ عنه مكروهًا كراهةَ تنزيهٍ.\nفمَن وهَم أن جميعَ ما أنكرَهُ الشرعُ حرامٌ فقد وهِمَ، والعاصي يجبُ أن يُنهَى عما يرتكبُه؛ لأنَّه كما يجبُ عليه تركُه يجبُ عليه إنكارُه ونهيُ الغيرِ عنه، إلا أنَّ الثاني على طريقِ الكفايةِ، والإنكارُ في قولهِ تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٤٤] مرجعهُ إلى القيدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-398\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾؛ أي: بالعداوةِ.\n﴿وَاخْتَلَفُوا﴾؛ أي: في الديانةِ (^١)، وهم اليهودُ والنصارى، وإنما قال:\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾؛ أي: الآياتُ والحججُ المبيِّنةُ للحقِّ الموجبةُ للاتفاقِ ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ عليهِ؛ لأنَّ الاختلاف في موضعِ الاجتهادِ ليس بمنكرٍ، كيفَ وقد قالَ ﵇: \"اختلافُ أمَّتي رحمةٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف) مع بعض الفروقات: \"فلا تكرار ولو كان المراد من التفرق أيضًا ما في الديانة كما سبق إلى بعض الأوهام لكان حق النظم تقديم الاختلاف على التفرق. منه\".\n(^٢) لم أجده مسندًا بهذا اللفظ، وقال السيوطي في \"الجامع الصغير\" (٢٨٨): (ولعله خرِّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا). وروى البيهقي في \"المَدْخَل\" مِنْ طريق جُوَيْبِرٍ عن الضحَّاكِ عن ابنِ عباس ﵄ مرفوعًا: \"وَاخْتِلافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ\"، وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقد عزاه الزركشي إلى كتاب \"الحجة\" لنصر المقدسي مرفوعًا من غير بيان لسنده، ولا صحابيه، وكذا عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب \"العلم =","vol":"2","page":356},{"text":"ولا اختصاصَ لواحدٍ من الاختلافينِ بالأصول والفروعِ، فإنَّ في الأصولِ أيضًا موضعَ الاجتهادِ كما أنَّ في الفروعِ ما لا مساغَ فيه لهُ (^١).\n﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وعيدٌ للذينَ تفرَّقُوا، وتهديدٌ على التشبُّهِ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-399\"> </span>(١٠٦) - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\n﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾: نصبٌ بما في ﴿لَهُمْ﴾ مِن معنى الفعل، وبياضُ الوجهِ وسوادُه كنايتانِ عن ظهورِ بهجة السرورِ وكآبةِ الخوف فيهِ، ويجوزُ أن يرادَ بالبياضِ والسوادِ حقيقَتُهما.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: ابتدأ بهم (^٢) في مقامِ التفصيلِ للاهتمام بالتحذيرِ من حالهم، ولمجاورة قوله: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، وليكونَ الابتداءُ للمؤمنينَ، والاختتامُ بحكمِهم (^٣).\n﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ على إرادة القولِ؛ أي: فيقالُ لهم: أكفرتم؟ والهمزةُ للتوبيخِ والتعجيبِ مِن حالهم، والظاهرُ أنهم أهلَ الكتابِ، كفروا وكذَّبوا برسولِ اللّهِ ﷺ بعدَ إيمانهم بهِ قبل مجيئه وهم المرتدُّونَ.\n_________\n= والحكم\" بدون بيان بلفظ: اختلاف أصحابي رحمة لأمتي، قال: وهو مرسل ضعيف. انظر: \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٦٩).\n(^١) في (ك) و(م): \"له فيه\".\n(^٢) في (د): \"ابتدائهم\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف) مع بعض الفروقات: \"والأصل في اللف والنشر رعاية الترتيب كما في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ الآية فلا يعدل عنه إلا لنكتة كالذي نحن فيه. منه\".","vol":"2","page":357},{"text":"وقيل: هم جميعُ أهل الكتابِ (^١)؛ لإعراضِهم عما أوجبهُ الإقرارُ، أو كفرِهم بعدَما أقرُّوا به حينَ أشهدهم على أنفسِهم، على ما أفصحَ عنه قولُه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].\n﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: أمر إهانةٍ، والفاءُ للسببية عن الكفرِ المقدَّرِ، والباء تأكيدٌ له.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسببِ كفركم، والجمعُ بين الصيغةِ الدالَّةِ على التجدُّدِ وزيادةِ الكونِ الدالةِ على الاستمرارِ؛ للمطابقةِ بين العملِ والجزاء المذكورِ مفصَّلًا في قولهِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] واللّه أعلم بالصواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-400\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: ففي نعمَتهِ من الثوابِ المخلَّدِ.\nجمعَ للفريقِ الأولِ بين التعنيفِ بالقول والعذاب، وهنا جعلَهم مستقرِّين في الرحمةِ، فهيَ ظرف لهم، وأشارَ بها إلى سابقِ عنايته بهم، وأنَّ العبدَ وإن كثرت طاعتُهُ لا يدخُلُ دار (^٢) الثوابِ إلا برحمةِ اللّه تعالى، وأضافَها (^٣) إلى نفسِهِ دون العذابِ تفخِيمًا لجانب الثوابِ.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أخرجَهُ مخرجَ الاستئنافِ لبيانِ أنَّ ذلكَ الاستقرارَ هو على سبيلِ الخلودِ لا زوالَ منهُ ولا انتقالَ، و﴿هُمْ﴾ تأكيد لقوله: ﴿الَّذِينَ﴾، و﴿فِيهَا﴾ تأكيد لقوله (^٤): ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ف): \"أهل الكفار\".\n(^٢) \"دار\" ليست في (د).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"لإضافتها\".\n(^٤) \" ﴿الَّذِينَ﴾ وفيها تأكيد لقوله\": ليست في (م).","vol":"2","page":358},{"text":"ولم يذكر الخلودَ للكافرِ اكتفاءً بذكرِهِ في قرينه، ولم يعكِس، إذ لا يُفهَمُ مِن دوامِ القولِ دوامُ الفعلِ (^١) بخلافِ العكسِ.\nثم إنه لمَّا ذكَرَ العذابَ علَّلهُ بفعلِهم، ولم يذكُر هنا سببَ كونِهم في الرحمةِ، إشعارًا بأن رحمتَهُ تعالى لا تحتاجُ إلى السببِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-401\"> </span>(١٠٨) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: الواردةُ في الوعد والوعيدِ.\n﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾: ملْتبِسةً بالحقِّ لا شُبهة فيها.\n﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فيأخذَ أحدًا بغيرِ جُرمٍ، أو (^٢) يزيدَ في عقابِ مسيءٍ على ما يستحقُّهُ، أو يَنقصَ من الثوابِ الموعود للمُحسنِ.\nوتقديم ﴿وَمَا اللَّهُ﴾ على فعلِ الإرادة بعدَ النفي يفيدُ أنَّ الذي يظلِمُ ويريدُ الظلمَ غيرُه لا هو؛ أي: هم الظالمونَ على أنفسِهم لا غيرُهم.\nونفيُ إرادةِ الظلمِ تأكيدٌ بليغٌ في نفي الظلمِ؛ أي: انتفى إرادةُ الظلمِ عنهُ تعالى فضلًا عن الظلمِ.\nوتنكيرُ ﴿ظُلْمًا﴾ وتعميمُ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ معناهُ: لا يريدُ شيئًا من الظلمِ أحقرَ ما يكونُ لأحدٍ من العالمين كائنًا مَن كان (^٣).\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"الفصل\"، وفي (د): \"الفضل\"، والمثبت من (ك) و(م). وجاء في هامش (م): \"في نسخة: من دوام العدل دوام الفضل\".\n(^٢) في (م): \"جرم أي\". وفي (ف): \"حرام أو\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"وهذا بناء على أن الحكم المعلق بالجمع المعرف باللام متعلق بكل فرد من =","vol":"2","page":359},{"text":"ومَن قال في تعليلِ ما ذُكرَ: إذ يستحيلُ الظلمُ منه؛ لأنهُ لا يحقُّ عليهِ شيءٌ فيَظلِمَ بنقصِه، ولا يُمنَعُ عن شيءٍ فيَظلِمَ بفعلِهِ؛ لأنهُ المالك على الإطلاق = لم يدرِ أَنَّهُ حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكون الظلمُ منهُ مستحيلًا - لا يناسبُ نفيَ إرادته فضلًا عنِ المبالغة فيهِ، إذ ليسَ مِن شأنها التعلقُ بما ليس بمقدورٍ لهُ، بل الظاهرُ منه (^١) أنه مقدورٌ لهُ إلا أنه لا يريدُهُ؛ لأنَّهُ لا يليقُ بشأنهِ.\nوالتعليلُ المذكورُ قاصرٌ؛ لأنا نعلمُ (^٢) قطعًا أنَّ النقصَ عن الثواب الموعودِ لبعض الأعمال من قَبيلِ الظلمِ كنقص حقِّ الأجيرِ، وهو من جملةِ المحتملاتِ، واللّهُ تعالى قادرٌ له إلا أَنَّهُ لا يفعلُهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-402\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: استئنافٌ في معرِض التعليلِ لما تقدَّمَ؛ كأنه يقولُ: إرادةُ الظلم أمارةُ الحاجةِ والرغبةِ إلى ما ينقصه بالظلمِ، واللّهُ تعالى منزَّهٌ عنها؛ لأنهُ مالِكُ ملكِ السماواتِ والأرضِ.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ خاصةً.\n﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فالملكُ في دار الآخرةِ أيضًا له تعالى.\nوالعدولُ عن الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للإشعار بأن ما ذُكرَ (^٣) مِن شأن الألوهيَّةِ ولوازمِها، وإنما قال: ﴿تُرْجَعُ﴾ لأنها قد زالَت بهلاكِ ما سواه.\n_________\n= الآحاد لا بالمجموع ولا بكل خصوصًا إذا اقتضاه المقام. منه\".\n(^١) في (م): \"منه هو\".\n(^٢) في (د): \"لأنا فعل\".\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك) و(م): \"ذكره\".","vol":"2","page":360},{"text":"<span id=\"aya-403\"> </span>(١١٠) - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\n﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: دل على خيريَّتهم (^١)، ولم يدلَّ على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا، أو انقطعَ (^٢) ذلك عنهم (^٣)؛ لأنَّ (كان) الناقصةَ لا دلالة فيها على عدمٍ سابقٍ، ولا على عدمِ الدوامِ، فلذلك تُستعمَلُ فيما هو حادثٌ مثل: كان زيد راكبًا، وفيما هو دائمٌ مثل: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦].\nومَن قال: كأنه قيل: وجِدتم خيرَ أمةٍ (^٤)، فكأنهُ زعمَ أتها تامَّةٌ، وأن ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حالٌ، ويردُّهُ عدُّهُ مِن قبيلِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦].\n﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾: أُظهِرَت لهم.\n﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ استئنافٌ بيَّنَ بهِ كونَهم خير أمة.\n﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يتضمَّنُ الإيمان بكلِّ ما يجب أن يؤمَنَ به؛ لأن الإيمانَ به تعالى إنما يحقُّ ويُعتدُّ بهِ إذا حصلَ الإيمانُ بكلِّ ما أمرَ أن يؤمَن بهِ، وإنما أخَّرَه وحقُّه أن يقدَّمَ؛ لأنهُ قصدَ بذكرِه الدلالةَ على أنهم أَمرُوا بالمعروفِ، ونَهَوا عن المنكر إيمانًا باللّه وتصديقًا به وإظهارًا لدينه.\n_________\n(^١) في (د): \"خيرتهم\".\n(^٢) في (د) و(ك): \"وانقطع\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب. انظر: \"نواهد الأبكار\" للسيوطي (٢/ ٥٧٧)، وكلاهما - المؤلف والسيوطي - ناقل عن سعد الدين التفتازاني كما صرّح السيوطي.\n(^٣) في النسخ عدا (م): \"عليهم\" والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٤) في (ف): \"وجدتم خيرًا\".","vol":"2","page":361},{"text":"والتعريفُ في الموضعينِ للعهدِ، والمعهودُ (^١): المعروفُ الشرعيُّ، والمنكر الشرعيُّ، ومَن وهَم أَنَّهُ للاستغراقِ فقَد وهِمَ، واستدلالُه به على حجيَّةِ الإجماعِ ليس بتامّ؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\n﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ إيمانًا كما ينبغي ﴿لَكَانَ﴾ الإيمانُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾: مما هُم عليهِ.\n﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ كعبدِ اللَّه بن سلامٍ وأصحابِه.\n﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أراد: الكافرينَ، والتعبيرُ عنهم بالفاسقينَ للتنبيهِ على أن المؤمنينَ المذكورينَ عادلونَ لا حظَّ لهم من الفسق.\nوهذه الجملةُ والتي بعدَها واردتانِ على سبيلِ الاستطراد، ولذلك جاءَ من غيرِ عاطفٍ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-404\"> </span>(١١١) - ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾: ضررًا يسيرًا بطعنٍ (^٣) وتهديدٍ.\n﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾: ينهزِمُوا، ولا يضرُّوكم بقتل وأسرٍ.\n﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾: لا (^٤) يكونُ لهم نصرٌ من أحدٍ (^٥)، نفى إضرارَهم سوى ما\n_________\n(^١) في (ك): \"والعهد\".\n(^٢) في (د) و(ك) و(م): \"عاطفه\".\n(^٣) في (ح) و(د) و(ف) \"لطعن\"، وفي (م): \"كطعن\".\n(^٤) في (م): \"ثم لا\".\n(^٥) في (ف): \"واحد\".","vol":"2","page":362},{"text":"يكونُ بقولٍ، وقرَّرَ ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتالِ كانت الدَّبرَةُ (^١) عليهم، ثم أخبرَ بأنه يكونُ عاقبتُهم العجزُ والخذلانُ، وإنما عدلَ به عن حكمِ الجزاءِ والعطفِ عليه إلى الإخبار؛ لئلا يكونَ انتفاءُ النصرِ مشروطًا بالشرطِ مقيدًا بالمقاتلةِ كتوليةِ الأدبارِ بل مطلقًا؛ أي: ثم أُخبركم أنهم لا يُنصَرُون بوجهٍ مّا، قاتلوا أو لم يقاتلوا، ويبقون في الخذلانِ والذلِّ والعجزِ لا ينهَضون بجناح، ولا يرجِعُ إليهم قوةٌ ونجاح، كما كان من حالِ بني قريظَةَ والنضيرِ وبني قينقاعَ ويهودِ خيبرَ.\nو﴿ثُمَّ﴾ استعارةٌ للتراخي في الرتبةِ، فإنَّ الإخبارَ بالخذلان المطلَقِ وانتفاءِ النصر بالكليةِ أعظمُ من الإخبارِ بالانهزام عندَ المقاتلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-405\"> </span>(١١٢) - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.\n﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.\n﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾: وُجِدوا.\n﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ في محلِّ النصب على الحالِ؛ أي: إلا متمسِّكين أو معتصِمين بذمةِ اللهِ وذمة المسلمينَ.\nوالظاهرُ من تكرارِ الحبلِ تعدُّدُ الذمَّتين معنًى، فالمناسبُ أن تحمَلَ الأولى على الذميِّ (^٢) نصَّ اللّهُ تعالى عليه في قولهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، والثانيةُ على الذي يراهُ\n_________\n(^١) في (م): \"الدائرة\".\n(^٢) في (ح) و(د) و(ف): \"على الذي\".","vol":"2","page":363},{"text":"الإمامُ من إعطاء الأمانِ في مقابلةِ أخذ مالٍ، أو لمصلحةٍ أُخرى، والاستثناءُ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا عزَّ لهم إلا هذا العزُّ، وهوَ على طريقةِ:\nولا عَيبَ فيهم غَيرَ أنَّ سُيوفَهمْ (^١)\nلأنَّ التمسُّكَ بإحدى الذمَّتين غاية الذلِّ.\nومَن فسَّرَ إحدى الذمتين بدين الإسلامِ، والأُخرى بسبيلِ المؤمنين إجراءً للاستثناءِ على ظاهره فيَرِدُ (^٢) عليهِ أنَّ سبيل المؤمنينَ هو دين الإسلامِ بعينِه، فلا يناسبُه تكريرُ ذكر الحبلِ.\n﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: ورجعوا مستوجِبين له (^٣).\n﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ لم يقُل: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] كما قالَ في سورة البقرة؛ لأنهُ أراد تفصيلَ حالِ ذلَّتِهم (^٤) بالمبالغةِ فيها بخلافِ حالِ مسكنتِهم فإنها باختيارِهم في الغالب، فإن الأغنياءَ كثيرٌ في اليهودِ إلا أنهم لا يُظهِرُون غناهُم.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارةٌ إلى ما ذكِرَ من ضربِ الذلةِ، والبَوءِ بالغضبِ، وضرب المسكنةِ.\n_________\n(^١) صدر بيت للنابغة الذبياني، ويستشهد به البلاغيون على تأكيد المدح بما يثبه الذم، انظر: \"خزانة الأدب\" (٣/ ٣٢٧)، و\"شرح أبيات المغني\" \" ٣/ ١٦ \". وعجزه:\nبهن فلول من قراع الكتائب\n(^٢) في (ف): \"فيرده\".\n(^٣) (له) زيادة من (ف) و(ك) و(م).\n(^٤) في (ك) و(م): \"ذلهم\".","vol":"2","page":364},{"text":"﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الكفرُ والقتلُ.\n﴿بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: بسببِ عصيانهم واعتدائهم حدودَ اللهِ على الاستمرار، فإنَّ الإصرارَ على الصغائرِ يُفضي إلى الكبائر، والاستمرارَ عليها يؤدِّي إلى الكفر.\nوقيلَ: كرَّرَ الإشارةَ والمشارُ إليه واحدٌ إشارةً إلى أن كل واحدٍ من الأمرين مستقل لإيجابِ الأمورِ المذكور من الذلّ والمسكنةِ، والبوءِ بغضبٍ عظيمٍ من اللَّه لو لم يكن الآخرُ، فكيفَ والأمران متعاضدانِ؟\nوأريد بالأمرين: الكفرُ، ويندرجُ فيه قتلُ الأنبياء، والاستمرارُ على عدم الامتثالِ بالتكاليفِ، ومبنى هذا على أنهم مخاطبون بالفروعِ أيضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-406\"> </span>(١١٣) - ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.\n﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ في المساوِئ، والضميرُ لأهل الكتابِ.\n﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ﴾ كلام مستأنَفٌ لبيانِ قولهِ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ كقولهِ: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ لبيانِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾.\n﴿قَائِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ عادلةٌ، مِن قولهم: أقمتُ العود فقامَ؛ أي: استقامَ، وهم الذين أسلَموا منهم.","vol":"2","page":365},{"text":"﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿أُمَّةٌ﴾، وكذا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: يتلونَ القرآن في تهجُّدِهم، عبَّرَ عنه بالتلاوةِ في ساعات الليلِ مع السجودِ؛ ليكون أبينَ وأبلَغَ في المدح.\nويجوزُ أن تكون ﴿قَائِمَةٌ﴾ أحد تفاصيلِهِ؛ أي: قائمة في حال تلاوةِ الآيات بالليل.\nوقيلَ: المرادُ صلاة العشاءِ؛ لأن أهل الكتابِ لا يصلونها على ما وردَ في حديث ابنِ مسعودٍ ﵁ (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-407\"> </span>(١١٤) - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nوقولُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ في عدادِ خصائصِ المؤمنينَ تعريضٌ آخرُ بأن إيمانَ اليهود بالأمرين ليسَ بشيءٍ؛ لإشراكهم بالله عزيرًا، ووصفِهم اليومَ الآخَر بخلافِ صفتهِ، وكذا:\n﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ تعريضٌ بأنهم مداهنون.\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف) مع بعض التغيير: \"قال ﵁: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: \"أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم\" وقرأ هذه الآية. منه\".\nقلت: وهكذا رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣٧٦٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٠٠٧)، وفيه بدلٌ (وقرأ هذه الآية): وأُنْزِلَتْ هذه الآيةُ ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ١١٣] حتَّى بَلَغَ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٥].","vol":"2","page":366},{"text":"﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ تعريضٌ بأنهم متباطئون عنها لقلَّةِ رغبتهم فيها، إذ كل مَن رغِب في شيءٍ يسارعُ في تولِّيهِ (^١) والقيام بهِ.\nوالمسارعةُ: المبادرةُ، والخيراتُ عامةٌ تشمل هذه الأوصافَ السابقة، وإتيانُها على صيغةِ المضارعِ للدلالة على التجدُّدِ والتكرُّرِ.\n﴿وَأُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن اتصفَ بهذه الأوصافِ.\n﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حقيقةُ الصلاحِ هي (^٢) انتفاء الفسادِ عنه (^٣) بالكليةِ، وهو نهاية كمالِ الوصف بالمحاسنِ، وهو مما مدحَ اللّهُ به أنبياءه ﵈، لمَّا عدد الخصائصَ التي (^٤) يُستَحقُّ بها الثوابُ، بالغَ في تعظيم جزائها للترغيبِ فعدَّمَها بقولِه:\n* * *\n\n<span id=\"aya-408\"> </span>(١١٥) - ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾: حيث أتى بالتنكيرِ للتقليلِ (^٥)؛ أي: وإن كانَ قليلًا، وجعلَها نعمًا فاستعمَلَ في مقابلتها انتفاءَ الكُفران؛ ليكونَ من الاستعارةِ بالكناية، ويستلزمُ كونَ اللَّه تعالى شاكرًا.\n﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن يُضيَّعَ ولا يُنقصَ ثوابهُ البتة.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"توليته\".\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"من\" والمثبت من (م).\n(^٣) \"عنه\" ليست في (د).\n(^٤) في النسخ عدا (ك): \"الذي\" والمثبت من (ك).\n(^٥) في النسخ عدا (م): \"للتعليل\" والمثبت من (م).","vol":"2","page":367},{"text":"ضمِّنَ الكُفران معنى الحرمانِ فعُدِّي (^١) إلى مفعولينِ، وفي هذا التضمينِ زيادةُ تنزيهٍ أن يُنسبَ إلى اللَّه تعالى معنى الكفران؛ لأنَّ تقديرَهُ: لن تحرمُوه مكفورِينَ.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: وعدٌ وبشارةٌ (^٢) لهم بالفوزِ والثوابِ الجزيل، وإشعارٌ بأن التقوى مبدأ الخيرِ وحسنِ العملِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-409\"> </span>(١١٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ من العذاب، أو من الغَناءِ فيكونُ مصدرًا.\n﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾: مُلازموها.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دون فُسَّاقِ المؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-410\"> </span>(١١٧) - ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾: ما ينفِقُ الكفرةُ قربةً، أو (^٣) مفاخرةً وسمعةً، أو المنافقونَ رياءً وخوفًا.\n﴿فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾: بردٌ شديدٌ، والشائع إطلاقهُ للريح\n_________\n(^١) في (ف): \"معدى\".\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"وإشارة\" والمثبت من (م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"و\".","vol":"2","page":368},{"text":"الباردِ كالصرصرِ، فهو (^١) في الأصلِ مصدرٌ نعِتَ بهِ، أو نعتٌ وصِفَ بهِ البردُ للمبالغةِ؛ كما في قولك: بردٌ بارِدٌ.\n﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ المعاصي.\n﴿فَأَهْلَكَتْهُ﴾ عقوبةً لهم؛ لأنَّ الإهلاك عن سخطٍ أشدُّ، أرادَ تشبيهَ ما أنفقوا في ضَياعِه بحرثِ مَن يستحقُّ العقوبةَ ضربته صرٌّ فاستأصلَتهُ ولم يبقَ لهم فيهِ منفعة ما، وهو من التشبيهِ المركَّبِ، ولا يلزم منه (^٢) أن يكونَ ما يلي الأداةَ هو المشبهَ بهِ، إلا أن تشبيهُ المثلِ بالمثلِ يستَدعي أن يُراعى فيما أُضيفَ إليه المثلُ في الجانبينِ المناسبةُ، على (^٣) ما قُرِّرَ في: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] ولهذا قيل: تقدير (^٤) الكلامِ: كمثلِ مهلكِ ريحٍ وهو الحرثُ.\n﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بعدَم قبول نفقاتهم ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بخبثِ نياتهم.\nأو: ما ظلمَهم اللّهُ بإهلاك حرثِهم، ولكن ظلموا أنفسَهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبةَ.\nوقرئ: (ولكنَّ) بالتشديد (^٥)؛ أي: ولكِنَّ أنفسَهم يظلمونها، ولا يجوزُ إعمالها في ضميرِ الشأن المحذوفِ على تقديرِ: ولكنهُ أنفسَهم يظلمونَ؛ لأن ذلك لا يجوزُ إلا في الشعرِ (^٦).\n_________\n(^١) \"فهو\" من (م).\n(^٢) في (م): \"فيه\".\n(^٣) \"على\" ليست في (د).\n(^٤) في (د): \"تقرير\".\n(^٥) تنسب للأعرج وعيسى. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٤٥٩).\n(^٦) يعني: على قراءة التشديد يكون ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ اسمها، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ خبرها، والعائد محذوف، =","vol":"2","page":369},{"text":"<span id=\"aya-411\"> </span>(١١٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾: وليجةً، وهوَ الذي يطلِعُهُ على باطنِه وسرِّه ثقةً بهِ، شُبِّهَ ببطانة الثوبِ، كما شُبهَ بالشعارِ في قولهِ ﵇: \"الأنصارُ شعارِي والناسُ دثاري\" (^١).\n﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾: من دونِ المسلمين، وهو متعلِّقٌ بـ ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، أو بمحذوفٍ وهوَ صفةُ ﴿بِطَانَةً﴾؛ أي: بطانةً كائنةً من دونكم.\n﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾: الخَبالُ: الفسادُ، والأَلْو: التقصيرُ، وأصلُهُ (^٢) أن يُعدَّى باللام، ثمَّ عُدِّي إلى مفعولَين كقولهم: لا آلوكَ نُصحًا، على تضمِين معنى المنعِ والنقصِ.\n﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾: تمنَّوا عنتكم وهو شدَّةُ الضررِ والمشقةِ، و(ما) مصدريةٌ.\n﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ لأنهم لامتلائهم بالبغضِ لا يتمالكُون أن يُخفوا ولا ينفَلتَ مِن أفواههم ما يَظهَرُ به بغضُهم وعداوتُهم مع ضبطِهم أنفسَهم وتحامُلِهم عليه (^٣) وسعيِهم في الإخفاء.\n_________\n= والتَّقديرُ: يظلمونها، ولا يجوز أن يعتقد أن اسم (لكنَّ) هو ضمير الشأن و﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول مقدم كما في قراءة التخفيف؛ لأن ضمير الشأن لا يحذف إلا في الشعر، كقول المتنبي:\nوما كنت ممن يدخل العشق قلبه … ولكن من يبصر جفونك يعشق\nانظر تفسير الآية \"الكشاف\" و\"تفسير البيضاوي\" و\"البحر\" و\"روح المعاني\".\n(^١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٩٤٣٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (٨٢٦٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) في (ك) و(م): \"والأصل\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"عليهم\"، وسقطت من (د) و(م)، والمثبت من (ك).","vol":"2","page":370},{"text":"وذَكرَ الأفواهَ دون الألسنةِ إشعارًا بأن ما يلفِظونَ بهِ يملأُ أفواههم؛ كما يُقالُ: قال (^١) كلمةً تملأُ الفمَ. إذا تشدَّقَ بها.\n﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما بدا، وفي نسبةِ البُدوِّ إلى البغضاءِ والإخفاءِ إلى صدورِهم إشعارٌ بأنهم مطبُوعونَ على النفاقِ، فما بدا إنما بدا (^٢) بلا إبداءٍ، لا بالطبعِ ولا بالاختيارِ.\n﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: الدالةَ على وجوب الإخلاصِ، وموالاةِ المؤمنين، ومعاداةِ الكافرين.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ما نبيِّنُ لكم.\nوالجملُ الأربعُ مستأنفاتٌ على التعليلِ، ويجوزُ أن يكونَ الثلاث الأُوَلُ صفاتٍ لـ ﴿بِطَانَةً﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-412\"> </span>(١١٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾: ﴿ها﴾ تنبيهٌ على خطئهم، و﴿أُولَاءِ﴾ تحقيرٌ لهم وتعييرٌ؛ أي: أنتم أولاءِ الخاطئونَ في موالاةِ مُنافقي أهلِ الكتابِ.\nوقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بيانٌ لخطئهم في موالاةِ مَن (^٣) يبغضُهم، وهو خبرٌ ثانٍ أو خبرُ ﴿أُولَاءِ﴾، والجملةُ خبرُ ﴿أنتم﴾ أو صلَتهُ، أو حالٌ والعاملُ فيها معنى\n_________\n(^١) \"قال\" ليست في (ك) و(م)، وهي في هامش (م) في نسخة.\n(^٢) في (د): \"يرا\".\n(^٣) في (د): \"موالاة منافقي\".","vol":"2","page":371},{"text":"الإشارةِ، ويجوزُ أن ينتصِبَ ﴿أُولَاءِ﴾ بفعلٍ يفسِّرُه ما بعدَه، وتكونَ الجملةُ خبرًا.\nوالواو في: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ واوُ الحالِ؛ تقديرُه: وأنتُم تؤمنونَ، والعامل (لا يحبونكم)؛ أي: لا يحبُّونكم والحالُ أنكم تؤمنونَ بكتابهم كلِّهِ، أو بجميعِ الكتبِ، وفيهِ توبيخٌ شديدٌ؛ أي: لا يحبُّونكم مع (^١) كونكُم تؤمنون بكتابهم وهم لا يؤمنونَ بشيءٍ من كتابكُم، فهُم في باطلِهم أصلَبُ منكم في حقِّكُم.\n﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا وتغريرًا.\n﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾: من أجله؛ تأسفًا وتحسرًا حيث لم يجدوا إلى التشفِّي سبيلًا.\n﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾: دعاءٌ عليهم بدوامِ الغيظِ وزيادَتهِ، والمرادُ به زيادةُ ما يغيظُهم من قوةِ الإسلام وعزِّ أهلهِ المستلزمِ لذلهم وتبارِهم، فهوَ من الكناية (^٢) بالواسطةِ؛ عبرَّ بدُعاء موتهم بالغيظِ عن ملزومه الذي هوَ دعاءُ ازديادِ غيظِهم إلى حدِّ الهلاكِ، وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلامِ وعزُّ أهله، وذلكَ لأن مجرد الموتِ بالغيظِ وازدياده ليس مما يحسُنُ أن يُطلَب ويُدَّعى.\nويجوزُ أن لا يكونَ ثمة قولٌ، وأن يكون معنى الأمرِ بالقول: طلب نفسكَ وكن مستبشرًا بان الله تعالى يعِزُّ الإسلامِ ويذِلُّ الكفرَ، بحيثُ يزداد غيظ الكفار إلى حدِّ الهلاك، على ما سبَقَ من طريق الكنايةِ (^٣)، وأصلُ الكلامِ استعارةٌ\n_________\n(^١) في (د): زيادة: \"والحال مع\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"كناية\".\n(^٣) في هامش (د): \"ومن وهم أنه كناية الكفاية فقد وهم؛ لأن المكني عنه لكونه مقصودًا أصالة لا يصلح كناية عن أمر آخر فتنبه. منه. سعد الدين\"، وفي هامش (ف): \"ومن وهم أنه كناية الكنايات لأن المكني عنه لكونه مقصودًا أصالة لا يصلح كناية عن أمر آخر فتدبر. منه\".","vol":"2","page":372},{"text":"تمثيليةٌ؛ شبَّه طيبَ النفسِ واستبشارَهُ بذلكَ بتحديثهِ نفسَهُ، وإعلامَها بذلك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الأسرارِ التي لا تنكشِف أصلًا.\nكُنِّيَ باللزومِ للصدورِ عن عدمِ الظهور البتة، والظاهرُ أَنَّهُ تذييلٌ لمجموع ما سبق من قوله: ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ إلى قولهِ: ﴿بِغَيْظِكُمْ﴾، فهو وعيدٌ على إضمارِ مودَّتهم بعدَ النهيِ، وتقريرٌ لاطِّلاعِ الله تعالى على بواطنِهم، وإطلاعِهِ رسولَهُ ﵇ عليها، وتحذيرٌ لهم أيضًا كي يرجعوا عن نفاقهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-413\"> </span>(١٢٠) - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.\n﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾: التنكيرُ في الحسنةِ للتحقيرِ، وفي السيئةِ للتعظيمِ، والمسُّ مُنبئ عن أدنى مراتبِ الإصابةِ، فالمعنى: أن الحسنةَ أيَّ قدرٍ كانَ ولو مِساسًا يسوءهم، وأما الفرحُ (^١) بالسوءِ فلا يكون إلا بالوصولِ التامِّ بحيث يُعتدُّ بهِ؛ لأنَّ مقامَ مبالغةِ الحسد والغيظِ يقتضِي ذلك، فمن وهَم أنَّ المسَّ مستعارٌ للإصابة فكانَ المعنى واحدًا فقد وهِمَ.\n﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على عداوَتهم (^٢).\n﴿وَتَتَّقُوا﴾ مُوالاتَهم.\n﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ بفضلِ اللّهِ وحفظه.\n_________\n(^١) في (ك): \"والمطلوب الفرح\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"قيل: على مشاق التكاليف، ولا يحسن انتظامه مع قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾. منه\".","vol":"2","page":373},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (^١) منَ الصبرِ والتقوى وغيرِهما.\n﴿مُحِيطٌ﴾؛ أي: محيطٌ علمُه فيجازيكُم بما أنتُم أهلُهُ.\nوقرئ بالياءِ (^٢)؛ أي: بما يعملونَ في عداوتكُم فيعاقبُهم عليهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-414\"> </span>(١٢١) - ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾؛ أي: اذكُر إذ غدوتَ.\n﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ إذ (^٣) خرجتَ غدوةً من وطنِكَ منزلِ عائشةَ إلى أُحدٍ.\n﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: تسوِّي لهم وتهيِّئُ، يرشِدُ إليهِ القراءةُ باللامِ (^٤).\n﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾: مواقفَ وأماكِنَ لهُ.\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكُم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتكُم، وفيهِ وعيدٌ للمنافقينَ.\n* * *\n_________\n(^١) القراءة بالتاء تنسب للحسن بن أبي الحسن، وهي قراءة شاذة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢). أما المتواتر فهو القراءة بالياء وستأتي، وكان الأولى بالمؤلف ﵀ تقديم القراءة المتواترة، لكنه تابع الزمخشري والبيضاوي في التصدير بقراءة الحسن، على عكس أبي حيان والآلوسي اللذين سلكا الجادة في تقديم المتواتر ثم الإشارة إلى الشاذ.\n(^٢) وهي قراءة الجماعة، وقرأ بالتاء الحسن بن أبي الحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢).\n(^٣) في (ف): \"أي\"، وغير واضحة في (ح).\n(^٤) تنسب لابن مسعود ﵁، انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ٥٠١)، و\"روح المعاني\" (٥/ ٤١٣).","vol":"2","page":374},{"text":"<span id=\"aya-415\"> </span>(١٢٢) - ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿إِذْ هَمَّتْ﴾ بدلٌ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾.\n﴿طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ بنو سَلِمةَ من الخزرجِ، وبنو حارثةَ من الأوس، وكانا جناحَي العسكر.\n﴿أَنْ تَفْشَلَا﴾؛ أي: قصدَتْ أن تفعلا فعلَ مَن فشِلَ، وهوَ الانصرافُ وتركُ القتالِ، وهو للخطرةِ هنا لا للعزمَةِ؛ لقولهِ:\n﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾؛ أي: عاصِمُهما من اتِّباع تلك الخطرَةِ، وكان ذلكَ عند انخزالِ ابن أبيٍّ في ثلاث مئةٍ من قومِهِ.\n﴿اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تقديمُ (على اللّهِ) للتخصيصِ؛ أي: فلا يتوكلِ المؤمنونَ إلا على اللّهِ؛ لينصُرَهم كما نصرهم يوم بدرٍ.\nوإنما جمعَ بين الحرفينِ في عطفِ الجملةِ على الجملةِ لتقدُّمِ العلةِ للاختصاصِ؛ فالواوُ للعطفِ، والفاء لإفادةِ التسبُّبِ، فإنَّ كونَهُ تعالى وليَّهُم سببٌ للتوكلِ عليهِ خاصةً، والعدولُ عن الضميرِ إلى الاسمِ الظاهر للتفخيمِ المناسب لمقام الأمرِ بتخصيصِ التوكُّلِ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-416\"> </span>(١٢٣) - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾: تذكيرٌ ببعضِ ما أفادَهم التوكُّلُ على اللّهِ تعالى، وبدرٌ: ماءٌ بينَ مكةَ والمدينةِ كانَ لرجلٍ يُسمَّى بدرًا فسُمِّي بهِ.\n﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: حالٌ من الضميرِ، وإنما أورد ﴿أَذِلَّةٌ﴾ على صيغةِ جمعِ قلةٍ ليدلَّ","vol":"2","page":375},{"text":"على أنهم معَ ذلَّتِهم كانوا قليلًا، وذلتُهم: ما كان بهم مِن ضعف الحالِ لقلَّةِ المركوبِ والسلاحِ والمالِ.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بالثباتِ مع رسولهِ (^١).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: بتقواكُم ما أنعَمَ به عليكُم من نصرته، أو: لعلَّكُم ينعم اللّهُ عليكم نعمةً أخرى تشكُرونها، فوضَع الشكرَ موضعَ الإنعام كونه سببًا لهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-417\"> </span>(١٢٤) - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾.\n﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: ظرفٌ لـ ﴿نَصَرَكُمُ﴾، أو بدلٌ ثانٍ من ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾، على أنَّ قولَهُ: لهم يوم أحدٍ، وكانَ مع اشتراطِ الصبرِ والتقوى عنِ (^٢) المخالفةِ، فلما لم يصبروا عن الغنائمِ وخالفُوا أمرَ الرسولِ ﵇ لم تنزِل الملائكةُ.\n﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾: إنكارُ أن لا يكفيَهم الإمدادُ ثلاثة آلافٍ من الملائكةِ، وتأكيد النفي بـ (لن) إشعارٌ بأنهم كانوا لقلَّتِهم وضعفِهم، وكثرةِ عدوِّهم وشوكَتِه، كالآيسينَ من النصرِ.\nقيلَ: أمدهم اللّهُ تعالى يوم بدرٍ أولًا بألفٍ، ثم صاروا ثلاثةً، ثم صاروا خمسةً.\nوقرئ: ﴿مُنزَّلين﴾ بالتشديدِ (^٣) للتكثيرِ أو للتدريجِ، وقرئ: (منزِّلِينَ) بكسر الزاي (^٤)؛ أي: منزلين النصر.\n_________\n(^١) في (ف): \"رسول الله\".\n(^٢) في (ف): \"من\".\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر: انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٠).\n(^٤) يعني كسرها بالصيغتين: التخفيف والتشديد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢).","vol":"2","page":376},{"text":"<span id=\"aya-418\"> </span>(١٢٥) - ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾.\n﴿بَلَى﴾: إيجابٌ لما بعدَ (لن)؛ أي: بلى يكفيكُم، ثم وعدَ لهم الزيادةَ على الصبرِ والتقوى حثًّا عليهِما، وتقويةً لقلوبهم؛ فقالَ:\n﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ﴾؛ أي: المشركون.\n﴿مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾: من ساعتهم (^١) هذهِ، وهوَ في الأصلِ مصدرُ: فارَتِ القِدْرُ؛ إذا غَلَتْ، فاستُعيرَت للسرعةِ في العرفِ فغُلِّبت (^٢)، ثمَّ سميت بهِ الحالُ التي لا لَبْثَ فيها ولا تعريجَ لصاحبِها على شيءٍ.\nوالمعنى: إن يأتوكُم في الحالِ ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾: في حالِ إتيانهم بلا تراخٍ وتأخيرٍ.\n﴿مُسَوِّمِينَ﴾: معلَّمينَ، من التسويمِ الذي هوَ إظهارُ سِيْما الشيءِ؛ لقولهِ ﵇ لأصحابهِ ﵃: \"تسوَّموا فإنَّ الملائكةَ قد تسوَّمت\" (^٣)، أو: مرسَلين، منَ التسويمِ بمعنى الإسامةِ.\nوقرئَ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسرِ الواوِ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"وساعتهم\".\n(^٢) في (ح) و(د) و(ف): \"فغلبت\".\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٢٧٢٢)، والطبري في \"التفسير\" (٦/ ٣٤) عن عمير بن إسحاق مرسلًا.\n(^٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ بكسر الواو، وبالفتح قرأ الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٠).","vol":"2","page":377},{"text":"<span id=\"aya-419\"> </span>(١٢٦) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾.\n﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾: وما جعلَ الوعدَ والإمدادَ، ومَن قال: وما جعلَ الإمدادَ؛ فكأنهُ غفِلَ عن أن البشارةَ قد حصلَ بالوعدِ بالإمدادِ (^١).\n﴿إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾: إلا بشارةً لكُم بالنصرِ، هذا غايةٌ للوعدِ.\nوقولُهُ: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾: ولتسكُن (^٢) إليه من الخوفِ، غايةٌ للإمدادِ (^٣).\nوللتنبيهِ على أنهما غايتانِ لأمرَين مختلفَينِ غيَّرَ الأسلوبَ، وفصَل بينَهُما بحرفِ التعليلِ.\nهذا ما بحسبِ البلاغةِ، والذي بحسبِ النحوِ هو أنه لما (^٤) وُجدَتْ شروطُ المفعولِ مِن أحدٍ (^٥) من اتحادِ الزمان والفاعلِ في الأول دونَ الثاني، دخلَ عليه اللامُ، ولم يدخُل على الأولِ.\n﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا منَ المَددِ والعُددِ، وفيه تنبيهٌ على أنه لا حاجةَ في نصرِهم (^٦) إلى مددِهم (^٧)، إلا أن عادتَهُ تعالى جرَت بأن ينصُرَ بإعدادِ الأسبابِ، وإمدادِ الأصحابِ، ولو بتكثيرِ السوادِ على ما أشارَ إليها بقوله:\n_________\n(^١) في (م): \"والإمداد\".\n(^٢) في النسخ عدا (ك): \"ولتسكنن\"، والمثبت من (ك).\n(^٣) في النسخ عدا (د): \"الإمداد\"، والمثبت من (د).\n(^٤) في (م): \"ولما\".\n(^٥) في (ح) و(د): \"أجد\".\n(^٦) في (م): \"نصره\".\n(^٧) في (ك) و(م): \"عددهم\".","vol":"2","page":378},{"text":"﴿الْعَزِيزِ﴾: الذي لا يُغالَبُ في أقضِيتهِ.\n﴿الْحَكِيمِ﴾: الذي يفعلُ على مقتضَى الحكمةِ بإمدادٍ وإعدادٍ، وفي التنبيه المذكور أدمجَ الإشارةَ إلى أن الملائكةَ ما نزلوا للقتالِ، بل لمجردِ تكثير السواد، ولذلك احتيجَ إلى الكثرةِ، وإلا فملَكٌ واحدٌ كافٍ في إهلاك الكلِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-420\"> </span>(١٢٧) - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.\n﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: ليُهلِكَ طائفةً منهم، ويذِلَّ بالقتل والأسرِ، وهو ما كان يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعينَ من صناديدِ قريشٍ ورؤسائهم.\n﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾: يخزِيَهم، وَيغيظَهم بالهزيمةِ.\n﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾: غيرَ ظافرين بمطلوبهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-421\"> </span>(١٢٨) - ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾: اعتراضٌ.\n﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾: عطفٌ على قولِهِ: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، والمعنى: إن اللّهَ تعالى مالكُ أمرِهم؛ فإما أن يهلِكَهم، أو يكبِتَهم، أو يتوبَ عليهم إن أسلَموا، أو يعذِّبهم إن أصرُّوا، وليسَ لك مِن أمرهم شيءٌ، وإنما أنتَ عبدٌ مأمور بإنذارِهم وجهادِهم.\nويحتمِلُ أن يكونَ معطوفًا على ﴿الْأَمْرِ﴾ بإضمارِ (أن)؛ أي: ليس لك من أمرهم أو منَ التوبةِ عليهم أو مِن تعذيبِهم شيءٌ، أو على ﴿شَيْءٌ﴾؛ أي: ليسَ لك من أمرِهم شيءٌ أو التوبةُ عليهِم أو تعذيبُهم.","vol":"2","page":379},{"text":"روي أن عُتبة بن أبي وقَّاصٍ شجَّهُ ﵇ يومَ أحدٍ، وكسَرَ رَباعيَتهُ، فجعلَ يمسحُ الدمَ عن وجهِهِ، ويقولُ: \"كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَبوا وجهَ نبيِّهِم بالدمِ؟! \" فنزلَتْ (^١).\n﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾: قد استحقُّوا التعذيبَ بظُلمهم، تعليلٌ للتعذيبِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-422\"> </span>(١٢٩) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: خَلقًا ومُلكًا فَله الأمرُ كلُّهُ.\n﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: صريحٌ في نفيِ وجوبِ شيءٍ من المغفرةِ والتعذيبِ، والتقييدُ بالتوبةِ وعدَمِها كالمنافي لهُ، وتقديمُ المغفرةِ للإشارةِ إلى سَبق الرحمةِ على الغصبِ.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لعبادِه، فلا تبادِرْ إلى الدعاءِ عليهم، قيل: همَّ ﵇ أن يدعوَ عليهم يومَ أحدٍ، فنهاهُ اللّهُ تعالى لعلمِه بان فيهم مَن يؤمِن، فنزلَت (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-423\"> </span>(١٣٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾: لا تزيدوا زياداتٍ مكرَّرةً، والتخصيصُ بحسب الواقع، ولا بدَّ له من نكتةٍ، ولعلها تمشِيةُ ما قُصدَ\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٧٩١)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١٢٨٣١)، من حديث أنس ﵁، وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١١٢).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤١٣).","vol":"2","page":380},{"text":"بتخصيصِ الخطابِ بالمؤمنينَ معَ عدمَ اختصاصِ النهي بهم منَ التنبيهِ على أن المؤمنَ بارتكابِ الكبيرة لا يخرُجُ عن الإيمانِ (^١).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما نُهيتُم عنهُ.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: راجِينَ الفلاحَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-424\"> </span>(١٣١) - ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ تخصيصٌ بعد التعميمِ؛ فإن اتقاءَ الله تعالى ينتظِمُ اتقاءَ سخطِهِ في الدارين.\nولا يخفَى على الفَطِنِ ما فيه من المبالغةِ في التهديد على الربا؛ حيثُ أتى بـ (لعل) في فلاحِ مَن اتقاهُ واجتنبَهُ؛ لأنَّ تعليق إمكانِ الفلاح ورجائهِ بالاجتناب (^٢) منه يستلزمُ امتناعَ الفلاح لهم إذا لم يجتنِبُوه ويتَّقوهُ مع إيمانهم، ثمَّ أوعدَ عليهم بالنارِ التي أُعدَّت للكافرينَ معَ كونهِم مؤمنينَ.\nفما أعظَمها من معصيةٍ تُوجِبُ عقاب الكفارِ للمؤمنينَ، وما أشدَّهُ من تغليط عليه!\nثم أمدَّ التغليظ بالأمرِ بطاعةِ الله تعالى ورسولِهِ ﵇ تعريضًا بأنَّ آكلَ الربا منهمِكٌ في المعصيةِ لا طاعة لهُ، ثمَّ علَّقَ رجاءَ المؤمنين لرحمَتهِ (^٣) بطاعةِ اللّهِ ورسولِهِ\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف) و(م): \"وذلك لأن الخطاب إذا كان للذين اعتادوا بالربا يدلُّ على ما ذكر دلالة ظاهرة، وأما إذا كان للمؤمنين مطلقًا فيحتمل أن يكون النهي عنه من قبيل نهي الصائم عن الأكل فافهم. منه\".\n(^٢) في (د): \"باجتناب\".\n(^٣) في (د): \"له حمته\".","vol":"2","page":381},{"text":"إشعارًا بأنهُ لا رجاءَ للرحمةِ مع هذا النوعِ من العصيانِ، فانظر كيفَ درَّجَ (^١) التغليظَ في التهديدِ حتَّى ألحقَهُ بالكفارِ في الجزاءِ والعقابِ.\nوأما ما قيلَ: فيهِ تنبيهٌ على أن النارَ بالذاتِ معدَّةٌ للكفارِ، وبالعَرَض للعصاةِ، فمبناهُ على أن يكونَ المرادُ نار جهنمَ مطلقًا، وذلك غيرُ مسلَّمٍ، وقد نبَّهتُ فيما تقدَّمَ على أن المناسبَ للمقام حملُها على نارٍ مخصوصة بالكفارِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-425\"> </span>(١٣٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾: في نهيهِ على الربا مجمَلًا.\n﴿وَالرَّسُولَ﴾ في بيانِ ذلك المجمَلِ.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أَتبع (^٣) الوعيدَ بالوعدِ ترهيبًا عن المخالفةِ، وترغيبًا في الطاعةِ، و(لعلَّ) و(عسى) في أمثالِ ذلك دليلُ عزةِ التوصلِ إلى ما جُعِلَ خبرًا (^٤) له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-426\"> </span>(١٣٣) - ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾: بادروا وأقبِلُوا.\n_________\n(^١) في (ك): \"أدرج\".\n(^٢) في هامش (ح) (د) و(ف): \"سيأتي في سورة الأعراف أن لها طبقات كل طبقة منها معدة لطائفة. منه\".\n(^٣) في (ف): \"تبع\".\n(^٤) في (ح) و(ف) و(م): \"خيرًا\"، وهو تحريف.","vol":"2","page":382},{"text":"﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: إلى ما تُستَحقُّ به المغفرةُ من الإسلامِ والتوبةِ والإخلاصِ، تُركَ الملزومُ وأُقيمَ اللازمُ مقامهُ للتشويقِ والتحريضِ على ما يوجبُهُ، ولتكونَ سرعةُ الإقبالِ عليه بالنشاطِ مع خفتِهِ على النفس.\n﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أي: عرضُها كعرض السماواتِ والأرضِ، كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١].\nقالَ ابن عباسٍ والحسنُ: إن السماواتِ والأرضَ إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعضٍ فعرضُ الجنةِ مثلُها (^١)، فأما الطولُ فأكبرُ من ذلك؛ لأن طول كل شيءٍ يزيدُ على عرضه.\nوقيلَ: العرضُ هو السعةُ، قال الشاعرُ:\nكأنَّ بلادَ اللّهِ وهيَ عريضةٌ … على الخائفِ المطلُوبِ كُفَّةُ حابلِ (^٢)\nأي: واسعةٌ.\n﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾: هيِّئت لهم صفةٌ أخرى للجنة (^٣)، وفيهِ دليل على أن الجنةَ مخلوقةٌ، وأما أنها خارجةٌ عن هذا العالمِ فلا دلالة عليهِ فيهِ؛ إذ يجوزُ أن تكون فوق السماوات دونَ العرشِ، وقد جاءَ في الحديثِ: \"سقفُ الجنةِ عرشُ الرحمنِ\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٣) عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) البيت للبيد كما في ملحق ديوانه (ص: ٣٦٥)، ونسبه في \"الحماسة البصرية\" (١/ ٢٩) لعبيد بن أيوب العنبري. وهو بلا نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٤٧٧).\n(^٣) \"صفة أخرى للجنة\" من (م).\n(^٤) رواه الترمذي (٢٥٣٠) عن معاذ بن جبل ﵁، والإمام أحمد في \"المسند\" (٨٤١٩) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":383},{"text":"<span id=\"aya-427\"> </span>(١٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾.\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾: صفةٌ مادحةٌ للمتقينَ، أو مدحٌ منصوبٌ أو مرفوعٌ.\n﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؛ أي: في حالِ الرخاءِ واليسرِ، وحالِ الضيقِ والعسر، لا يهملونَ إنفاقَ ما تيسَّرَ لهم، أو في الأحوال كلِّها؛ إذ الإنسان لا يخلو عن مسرَّةٍ ومَضَرةٍ؛ أي: لا يخلو في حالٍ ما من إنفاقِ ما قدروا عليهِ من القليل والكثيرِ.\nوقدَّمَ الإنفاقَ على سائر خصالِ المتقينَ لكونهِ أشقَّ على النفسِ، وأدلَّ على الإخلاصِ والتوكُّلِ، ولأنه كان أعظمَ أعمال البرِّ في ذلك الوقتِ للحاجةِ إليه في مجاهدةِ العدوِّ، ومواساة فقراءِ المسلمينَ.\n﴿وَالْكَاظِمِينَ﴾: المتجرِّعينَ، يقالُ: كظَم البعيرُ جِرَّتهُ: إذا ردَّها إلى جوفِهِ.\n﴿الْغَيْظَ﴾: وهو توقُّدُ حرارةِ القلبِ من الغضبِ، يقالُ: تغيَّظتِ الهاجرةُ؛ إذا اشتدَّ حميُها، ويجوزُ أن يكون مِن كظَمتُ القِربةَ: إذا شددتَها على ملئها (^١)، والأول أبلغُ.\nومَن قالَ (^٢) في تفسيره: الممسِكينَ عليهِ، الكافِّينَ عن إمضائهِ معَ القدر عليهِ، فلَم يُصِب في اعتبارِه القيدَ الأخيرَ؛ لأنهُ غيرُ لازمٍ في كظمِ الغيظِ، على ما يُفهَم من قولهِ ﵇: \"مَن كظَم غيظًا وهو يقدِرُ على إنفاذِه ملأَ اللَّه قلبَهُ أمنًا وإيمانًا\" (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"مثلها\"، وفي (ح): بياض.\n(^٢) هو البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨).\n(^٣) رواه أبو داود (٤٧٧٨)، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٣٢)، والطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٩)، من حديث أبي هريرة ﵁، ورواه أبو داود (٤٧٧٧)، والترمذي - وحسنه - (٢٤٩٣)، من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ بلفظ: \"من كظمَ غيظًا، وهو قادِرٌ على أن يُنفِذَهُ، دعاهُ الله =","vol":"2","page":384},{"text":"﴿وَالْعَافِينَ﴾؛ أي: المتجاوِزينَ.\n﴿عَنِ النَّاسِ﴾؛ أي: عن الجاني (^١) كائنًا مَن كان.\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: يحتمِلُ الجنسَ فيدخلُ المذكورون تحتَهُ، والعهدَ فتكونُ الإشارةُ إليهم، فيكون تسجيلًا عليهم بالإحسانِ، وبشارةً لهم بكرامةِ محبةِ اللّهِ تعالى إيَّاهُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-428\"> </span>(١٣٥) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: فعلةً بالغةً في القبحِ؛ كالزنا.\n﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بأن أذنبوا أيَّ ذنبٍ كانَ.\nوقد قيلَ: الفاحشةُ: الكبيرةُ، وظلمُ النفسِ: الصغيرةُ.\nوقيلَ: الفاحشةُ ما يتعدَّى، وظلمُ النفسِ ما لا يتعدَّى.\n﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾: تذكَّروا حقَّهُ الموجبَ للخشيةِ والحياء منهُ، أو: تذكَّروا عقابَهُ، أو وعيدَهُ، أو نهيَهُ.\n﴿فَاسْتَغْفَرُوا﴾ اللَّه (^٢) ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾ فتابوا عنها نادِمين.\n﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراضٌ بينَ المعطوفَينِ؛ تصويبًا للتائبينَ المستغفرينَ، وتطييبًا لقلوبهم، وبشارةً لهم بوصفِ ذاتهِ تعالى بسعةِ المغفرةِ\n_________\n= ﷿ على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ، حتَّى يُخيِّره مِنْ أيِّ الحُورِ شَاءَ\".\n(^١) \"أي: عن الجاني\" من (م).\n(^٢) لفظ الجلالة من (ح) و(ف).","vol":"2","page":385},{"text":"والرحمةِ (^١)، وتحريضًا لهم على التوبةِ (^٢)، وبعثًا على الرجاءِ، وردعًا عن اليأس.\nومعنى الاستفهامِ: تقريرُ أنه تعالى وحدَه مخصوصٌ بموجباتِ المغفرةِ ومصحِّحاتها؛ من الفضلِ، والكرمِ، والعفوِ، والرحمة الذاتيَّةِ.\n﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾: ولم يقيمُوا على أفعالهم السيئةِ غيرَ مستغفرينَ؛ أي: تداركوا بالاستغفارِ كلما عادوا إلى الذنبِ.\nعن النَّبِيِّ ﷺ: \"ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليومِ سبعينَ مرةً\" (^٣).\n﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: حالٌ من فعلِ الإصرارِ، وحرفُ النفي منجرٌّ لهما (^٤) معًا؛ أي: ليسوا مصرِّينَ على الذنوب وهم يعلمونَ كونها منهيًّا عنها؛ لأنهُ قد يعذَرُ من لا يعلَمُ قُبحَها وكونَها معاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-429\"> </span>(١٣٦) - ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: خبرٌ لـ (الذينَ) إن ابتدأتَ بهِ، وجملةٌ مُستأنفةٌ مبيِّنة لِمَا قبلَها إن عطفتَها على ﴿الْمُتَّقِينَ﴾، أو على ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"الرحمة والمغفرة\".\n(^٢) في هامش (ح) و(د) و(ت): \"وأما الوعد بقبول التوبة فليس بمفهوم منه. منه\".\n(^٣) رواه أبو داود (١٥١٤)، والترمذي (٣٥٥٩)، من حديث أبي بكر ﵁. قال الترمذي: هذا حديثٌ غريبٌ إنَّما نَعْرِفُهُ مِن حديثِ أبي نُصَيْرَةَ، وليس إسنادُه بالقويِّ.\n(^٤) في (ك) و(م): \"ليهما\".","vol":"2","page":386},{"text":"ومَن أذعنَ للحقِّ وأَنصف (^١)، وبالتجنُّبِ عن التعسفِ والتعصُّبِ اتَّصف، علِمَ أنْ ليس في هذه الآيات سوى أن الجنةَ أُعدَّت للمتقينَ والتائبينَ، أو للمتقينَ خاصةً والتائبونَ أجرُهم مغفرةٌ وجنةٌ، إما معَ سكوتٍ عن حكم المصرِّينَ، أو دلالةٍ ظنيةٍ (^٢) على أنهم ليسوا كذلكَ، ولا نزاع في أن الجنةَ ليست مُعدَّةً لهم ولا جزاءَهم، لكن مِن أين البيانُ القاطعُ أنهم لا يدخُلون البتة، وأنَّه لا يجوزُ في حقِّهم التفضُّلُ والإحسان (^٣)؟!\nعلى أنَّ الكلام وارِدٌ لترهيبِ أكَلةِ الربا أولًا، وترغيبِهم في الإقلاعِ عنه ثانيًا، فالتقييدُ بعدم الإصرارِ ليلائمَ الغرضَ، فينتَفِي (^٤) شرطُ مفهومِ المخالفةِ وهو أن لا يظهَرَ فائدةٌ أُخرى.\nوتنكُير ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ على الأولِ يدُلُّ على أن ما لهم أدوَنُ مما (^٥) للمتَّقِينَ الموصوفين بتلكَ الصفاتِ المذكورةِ في الآية المتقدمةِ.\nوكفاك فرقًا بينَ القبيلين (^٦): أنه فصَلَ آيتَهم بأنْ بيَّنَ أنهم محسِنون مستوجِبونَ لمحبة اللّهِ تعالى، وذلك لأنهم حافظوا على حدودِ الشرعِ، وتخطَّوا إلى التخصيصِ بمكارمه، وفصَلَ آيةَ هؤلاءِ بقوله تعالى:\n﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ لأنَّ المتدارِكَ لتقصيرِه كالعامل لتحصيلِ بعض ما فوَّتَ\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"وانتصف\".\n(^٢) في (م): \"لأدلة ظنية\".\n(^٣) في هامش النسخ عدا (ك): \"رد لصاحب الكشاف\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"فينفي\".\n(^٥) في (ف): \"دون ما\".\n(^٦) في (ح): \"القبيلتين\".","vol":"2","page":387},{"text":"على نفسهِ، وكم بينَ المحسِن والمتدارِكِ، والمحبوبِ والأجيرِ، ولعلَّ تبديلَ لفظِ (الجزاء) بـ (الأجرِ) لهذه النكتةِ.\nوالمخصوصُ بالمدح محذوفٌ تقديرُهُ: ونعمَ أجرُ العاملِينَ (^١) ذلكَ، يعني: المغفرةَ والجناتِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-430\"> </span>(١٣٧) - ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\nرجعَ إلى وقعةِ أحدٍ وما نابَهم فيها، فقالَ:\n﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾: في الأممِ المكذِّبينَ من الوقائعِ، كقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: ٣٨] ويجوزُ أن يكون اعتراضًا للتحريضِ على الإيمانِ والتصديق بما نصحَهم بهِ؛ أي: مضَت على هذا المنهاجِ سننٌ من الأنبياءِ السابقين.\n﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: عاقبةُ تكذيبهم، حتَّى تعتبروا بما ترون من آثارِ عذابهم فتنزَجِروا عن التكذيب وتصدِّقوا، والفاء لتضمُّن الكلامِ (^٢) معنى الشرطِ؛ أي: إن شكَكْتم فسيروا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-431\"> </span>(١٣٨) - ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ إشارةٌ إلى قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾، أو مفهومِ قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾، أو (^٣) إيضاحٌ لسوءِ عاقبةِ ما هم عليه من التكذيبِ.\n_________\n(^١) من قوله: \"لأن المتدارك .. \" إلى هنا سقط من (ح) و(ف).\n(^٢) في (م): \"لتضمين الكلام\".\n(^٣) في (د): \"أي\".","vol":"2","page":388},{"text":"﴿وَهُدًى﴾: وزيادةُ تثبيت ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾: للَّذين اتَّقوا من المؤمنينَ.\nأو إلى ما لُخِّصَ (^١) من أمرِ المتقين والتائبينَ والمصرِّين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-432\"> </span>(١٣٩) - ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾: تسليةٌ للرسولِ ﷺ والمؤمنينَ عما أصابهُم يومَ أحدٍ، وتقويةٌ لقلوبهم؛ أي: لا يُوْرثنَّكم ذلك وهنًا وجُبنًا عن الجهاد، وحُزنًا على من قُتِلَ منكم.\n﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾: وحالُكم أنكم أعلى منهم وأغلَبُ؛ لأنكُم أصبتم منهم يوم بدرٍ أكثرَ مما أصابوا منكم يومَ أحدٍ.\nأو: أنتم الأعلَون شأنًا؛ لأن قتالكم للّهِ تعالى ولإعلاء كلمته، وقتالهم للشيطانِ وإعلاءِ كلمة الكفر، وقتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار.\nأو: وأنتم الأعلون في العاقبةِ، فيكُون بشارةً لهم بالعلوِّ والغلَبةِ في العاقبةِ.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: متعلِّقٌ بالنهي؛ أي: ولا تهِنوا إن صحَّ إيمانكم؛ فإنَّ صحةَ الإيمانِ توجِبُ الثقة باللّهِ تعالى، وقوَّةَ القلبِ، وصحَّةَ العزيمةِ والتوكُّلَ عليهِ، حذِفَ جوابه لدلالةِ النهي عليهِ؛ تقديرُهُ: إن كنتم مؤمنين فلا تهِنوا.\nأو بـ ﴿الْأَعْلَوْنَ﴾؛ أي: أنتم الغالبون إن كنتُم مصدِّقينَ بما يعدكمُ اللّهُ به، ويبشِّركم به.\n* * *\n_________\n(^١) تحرفت في (النسخ) إلى: \"يخص\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٤١٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٣٩). وقوله: (إلى ما لخص ..) معطوفٌ على ما تقدم من قوله: (إشارة إلى قوله …).","vol":"2","page":389},{"text":"<span id=\"aya-433\"> </span>(١٤٠) - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ قرئ بالضم والفتح (^١)، وهما لغتان كالضَّعفِ والضُّعفِ.\nوقيلَ: هو بالضم الجِراحُ، وبالفتح ألمُها.\nوقيل: بالفتحِ المصدَرُ، وبالضمِّ الاسمُ.\n﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾؛ أي: إن نالوا منكم يومَ أحدٍ فقد نلتُم منهم يومَ بدرٍ، ثم لم يضعُفوا ولم يجبُنوا، فأنتُم أولى بذلكَ؛ فإنكم ترجُونَ من اللهِ تعالى ما لا يرجونَ.\nوقيل: كِلَا المسَّين كان يوم أحدٍ؛ فإن المسلمينَ نالوا منهم قبلَ أن يخالفوا أمرَ الرسول ﵇، وقوله: ﴿مِثْلُهُ﴾ لا ينافي المعنى الأولَ؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾؛ لأنَّ الإصابةَ تنتظِمُ الأسرَ والمماثلَةَ في مسِّ الجرح (^٢)، وما يترتَّبُ عليهِ منَ القتلِ فقط.\n﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ﴾ (تلك) إشارةٌ إلى مبهَمٍ فسِّرَ بالأيامِ؛ وهي الوقائعُ العظام.\n﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾: نُصرِّفُها بينهم، نُدِيلها لهؤلاء تارةً، ولهؤلاء أُخرى، كقوله (^٣):\nفيومًا علينا ويومًا لنا … ويومًا نساء ويومًا نُسَر (^٤)\n_________\n(^١) قرأ بضم القاف أبو بكر وحمزة والكسائي وباقي السبعة بالفتح، انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٠).\n(^٢) في (م): \"القرح\".\n(^٣) البيت للنمر بن ثولب. انظر: \"الكتاب\" (١/ ٨٦)، و\"فتوح الغيب\" (٤/ ٢٧٦) و\"نواهد الأبكار\" (٣/ ٦٥).\n(^٤) في النسخ اضطراب كبير، والمثبت من (د) وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" و\"الكشاف\".","vol":"2","page":390},{"text":"أي: فواقعة علينا، وواقعة لنا، وقت نُساءُ ووقت نُسرُّ.\nوالمداولَةُ كالمعاورَةِ يقالُ: داولتُ الشيءَ بينهُم فتداولُوه.\nو﴿الْأَيَّامُ﴾ يحتمِلُ الوصفَ والخبَرَ، و﴿نُدَاوِلُهَا﴾ يحتمِلُ الخبرَ والحالَ (^١).\n﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: نداولها ليكُون كيتَ وكيتَ وليعلم اللَّه، فالواو عاطفةٌ للإيذانِ بأن العلةَ فيه غيرُ واحدةٍ، وإنما يصيبُ المؤمنَ فيه من المصالحِ ما لا يعلَمُه.\nوفيه تسليةٌ لهم عما جرى عليهم، وتبصير (^٢) بأن العبدَ ربما يسوءه شيءٌ، ويجري عليهِ من المكارِه، ولا يدري أَنَّهُ خيرٌ له، أو الفعلُ المعلَّلُ بهِ محذوفٌ تقديرُه: وليتميَّز (^٣) الثابتونَ على الإيمان منَ الذينَ على حرفٍ فعلنا ذلكَ، والقصدُ في أمثاله ونقائضه ليسَ إلى إثباتِ علمه تعالى ونفيِه، بل إلى إثباتِ المعلومِ ونفيِه بطريق البُرهان.\n﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾: وليكرِمَ قومًا منكم بالشهادةِ؛ يريدُ شهداءَ أحدٍ، أو: يتَّخِذَ منكم شهودًا معدَّلينَ بما صودِفَ منهم من الثباتِ والصبرِ على الشدائدِ.\n﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾: الذين يضمِرون خلافَ ما يظهرون. اعتراضٌ بين التعليلاتِ للتسجيل على مَن هو ليسَ من هؤلاءِ الثابتين على الإيمان المجاهدينَ (^٤)\n_________\n(^١) \"ونداولها يحتمل الخبر والحال\" سقط من (ف).\n(^٢) في (ح) و(د) و(م): \"وتبصر\". وفي (ف): \"وتبشير\".\n(^٣) في (ف): \"ولتمييز\".\n(^٤) في (م): \"والمجاهدين\".","vol":"2","page":391},{"text":"في سبيلِ اللّهِ الممحَّصين (^١) من الذنوبِ بالظلم (^٢)، والتنبيهِ على أنَّ ظُلمَهم أوجبَ أن يبغضَهم اللّهُ تعالى، والتعريضِ بأنه يحبُّهم لأجل تلك الصفاتِ (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-434\"> </span>(١٤١) - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: المحْصُ لغةً: التطهيرُ والتصفيةُ والتخليصُ، وصيغَةُ التفعيلِ للمبالغة؛ أي: وليطهِّرهم من الذنوبِ إن كانت الدَّولَةُ عليهم.\n﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾: ويهلِكَهم إن كانَت عليهم.\nوالمحْقُ: إفناءُ الشيء حالًا بعد حالٍ كمَحقِ الهلالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-435\"> </span>(١٤٢) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: بل أحسِبتم، ومعناه الإنكارُ.\n﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (^٤): الواوُ للحال بتقديرِ المبتدأ، و(لما) كلمةٌ في نفي الماضي، إلا أنَّ فيه معنى التوقُّعِ في المستقبلِ، فدلَّ على نفي الجهادِ في\n_________\n(^١) في (د): \"المخصصين\".\n(^٢) \"بالظلم\" متَعَلِّقٌ بقوله: \"للتسجيل\". وجاء في هامش (د) و(ف): \"وأما التنبيه الذي ذكره القاضي فوجهه غير ظاهر. منه\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"وفيه تنبيه على أن عدم المحبة عبارة عن البغض وقد سبق بيان ذلك. منه\".\n(^٤) في هامش (ح) و(ف): \"الآية خطاب للذين انهزموا يوم أحد فقيل لهم: أحسبتم أن تدخلوا الجنة كما دخل الذين قتلوا وبذلوا مهجهم وتثبتوا على ألم الجراح والضرر من غير أن تسلكوا طريقتهم وتصبروا صبرهم. منه\".","vol":"2","page":392},{"text":"الماضي مع توقُّعهِ في المستقبلِ؛ لأنَّ معنى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾: ولما يجاهدوا؛ لأنَّ وقوعَ الشيء يستلزِمُ كونه معلومًا للّه تعالى، ونفيُ اللازم يستلزمُ نفيَ الملزومِ، فنزِّلَ نفيُ العلم منزلةَ نفي الجهادِ للتأكيد والمبالغةِ؛ لأن انتفاءَ اللازمِ برهانٌ على انتفاءِ الملزومِ، وفيهِ إشعارٌ بأن علمَه تعالى بالأشياءِ على ما هيَ عليهِ ضروريٌّ.\nوقرئ: (ولمَّا يعلمَ اللَّه) بفتح الميم على إرادة التأكيد بالنون الخفيفة (^١)؛ أي: ولمَّا يعلمنْ، فحذفت (^٢).\n﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾: نصبٌ بإضمارِ (أنْ)، على أنَّ (الواو) بمعنى الجمعِ؛ كقولك: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ أي: لما (^٣) تجمعوا بين الجهادِ والصبر، يريد وجوبَ الجمع بينهُما.\nوقرئ بالجزمِ على العطفِ، وقرئ: (يعلَمُ) بالرفع (^٤) على أن الواوَ للحالِ؛ كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-436\"> </span>(١٤٣) - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾؛ أي: لقاءَ العدوِّ فإنهُ من أسبابِ الموتِ، أو: الموتَ بالشهادة.\n_________\n(^١) تنسب لابن وثاب والنخعي. انظر: \"المحرر الوجيز\" (١/ ٥١٥)، و\"البحر المحيط\" (٦/ ١٦٨).\n(^٢) في (ف): \"لحذفت\".\n(^٣) في النسخ عدا (د): \"لا\"، والمثبت من (د).\n(^٤) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٤٠٩)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٣٩).","vol":"2","page":393},{"text":"والخطابُ للذين لم يشهدوا بدرًا، وتمنَّوا أن يشهدوا معَ رسول اللَّه ﷺ مشهدًا ليكونَ لهم يومٌ كيومِ بدرٍ، أو تمنَّوا الشهادة فيهِ لينالوا ما نال شهداءُ بدرٍ من الكرامةِ فألحُّوا يومَ أحد على الخروجِ (^١).\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾؛ أي: العدوَّ؛ فإنه ملحوظٌ وإن لم يكُن ملفوظًا (^٢).\n﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ حين قُتلَ دونَكم مَن قُتلَ من إخوانكم.\n﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: معايِنين له مشاهِدينَ؛ أي: لا على غفلةٍ واشتغالِ أمرٍ سواهُ؛ ففيه تأكيدٌ، وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ، وإلحاحِهم على رسولِ اللّهِ ﷺ في الخروجِ، ثم قلةِ مصابرتهم عليهِ، وعدم ثباتهم له، وانهزامِهم عنه عندَ (^٣) مشاهدَتهِ، أو على تمنِّيهم الشهادةَ ثم تولِّيهم مُدبرين.\nومَن وهَم أن في تمنِّي الشهادةِ تمتِّي غلبةِ الكفار فقد وهِمَ؛ فإنهُ يقصِدُ إلى نيلِ كرامة الشهادةِ، ولا يخطُرُ بباله غلبةُ الكفارِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-437\"> </span>(١٤٤) - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.\n﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾: قصرُ الموصوف على الصفةِ يستلزمُ نفيَ سائر الصفاتِ التي فوقَ الرسالة عنه (^٤)؛ أي: ليسَ بمُخلَّدٍ ولا إلهٍ حتَّى لا يمكنَ موتُه وقتلُه. ومعنى:\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"هنا قصور في كلام القاضي. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"ملحوظًا\".\n(^٣) \"عند\" ليس في (ف).\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"فلا يستلزمها الرسالة وأما التي يجامعها بل يلازمها فلا مساغ لنفيها. منه\".","vol":"2","page":394},{"text":"﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أنه (^١) لا ينافي الرسالةَ المضيُّ لسبيلهِ، فسيمضي كما مضَتِ الرسلُ من قبله، وما كانَ مضيُّهم سببًا لانقلابِ أتباعِهم عما كانوا عليه، فسبيلُكم أن تتمسَّكُوا بدينِه وطريقتِه في الجهادِ وغيرِه كما تمسَّكَ أتباع الرسلِ بعدَهم بما كانوا عليهِ، فإنَّ المقصودَ من الرسالةِ التبليغُ لا البقاءُ بين الأمةِ، وقد بلَّغَ.\nثم عنَّفهم ووبَّخهم على ما كانَ منهم بقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ أتى بكلمة: (إنْ) وقد علِمَ أنه يكونُ تنزيلًا للسامع منزلةَ المتردِّدِ لاستعظامِه، وذكرَ القتل بقولِه:\n﴿أَوْ قُتِلَ﴾ لكونِه مجوَّزًا عند المخاطبين، وقولُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]- على تقديرِ نزوله قبلَ يوم أحدٍ - لا يأباهُ؛ إذ ليسَ كل آيةٍ يسمَعُها كل أحدٍ، ولا كلُّ سامع يستحضِرها في كلِّ مقامٍ؛ سيما مثل (^٢) ذلك المقامِ الهائلِ.\n﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ فحوى الكلامِ تفريعُ الإنكار على ما تقدم؛ أي: قد علمتُم مضيَّ الرسلِ، وتمسُّكَ أممهم بعدَهم بأديانهم، فكيفَ صحَّ انقلابُكم على أعقابكُم بمضيِّهِ بالموتِ أو القتلِ (^٣)، إلا أنه قدَّمَ ما حقُّهُ التأخيرُ لاقتضاءِ أداة الاستفهامِ الصدارةَ في الكلامِ، لا إنكارُ التفريع على ما تقدَّمَ؛ لأن ذلك التفريعَ بمعزلٍ عن مذهبِ الأوهام، فردُّه لا يناسب المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\n﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قد سبقَ بيانه في سورة البقرة.\n﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بارتدادِه بل يضُرُّ نفسَه.\n_________\n(^١) \"أنه\" من (د).\n(^٢) \"مثل\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"والقتل\" والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\".","vol":"2","page":395},{"text":"﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ على نعمةِ الإسلام بالثباتِ عليهِ؛ كأنسٍ وأضرابِه ﵃.\n* * *\n\n<span id=\"aya-438\"> </span>(١٤٥) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ﴾؛ أي: وما صحَّ لها.\n﴿أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لملَكِ الموت في قبض روحِه.\nلما كان السابقُ إلى الوهمِ والمتبادرُ إلى الفهمِ من إسنادِ الموتِ إلى الميتِ في قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ هو أن يكونَ الموتَ الواقعَ بلا سببٍ ظاهريّ من المرض والقتل بمقتضَى طبيعة الميتِ، دفعَهُ ببيان أن الموت مطلقًا لا يكونُ إلا بقبض الروحِ؛ وهو بإذن اللّهِ تعالى (^١).\nوليسَ فيه تحريضٌ وتشجيعٌ على القتال بناءً على أن الأجل المقدَّرَ لا يتأخَّرُ بالحذر، كيف وهو خلاف (^٢) المأمورِ بهِ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وأما الوعدُ للرسولِ ﵇ بالحفظِ وتأخيرِ الأجَلِ فلا يُفهَمُ منه أصلًا.\n﴿كِتَابًا﴾: مصدرٌ مؤكّدٌ؛ إذ المعنى: كتبَ الموتَ كتابًا.\n﴿مُؤَجَّلًا﴾: صفةٌ لهُ؛ أي: مؤقَّتًا له أجلٌ معيَّن.\n﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: تعريضٌ بالذينَ شغلَتهم الغنائمُ يومَ أحدٍ.\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"فالكلام حقيقة لا على طريق التمثيل كما توهم. منه\".\n(^٢) \"خلاف\" من (م).","vol":"2","page":396},{"text":"﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ أي: من ثوابها.\n﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾: الذين شكروا نعمةَ اللهِ فلم يَشغلهم شيءٌ عن الجهاد.\nوحذِفَ المفعولُ الثاني في الموضعين لإبهامِ الجزاء تعظيمًا؛ أي: جزاءً لا يوصَفُ كنهه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-439\"> </span>(١٤٦) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أصله: (أيٌّ) دخلَت الكافُ عليها وصارَت بمعنى (كم)، والنونُ تنوينٌ أثبِتَ في الخط على غيرِ قياسٍ، وقرئ: ﴿وكائن﴾ ككاعن (^١)، ووجهُه: أنهُ قلِبَ قَلبُ الكلمةِ الواحدةِ فصارَ (كيَّئن) (^٢) ثم حذِفَ الياءُ الثانيةُ للتخفيفِ، ثمَّ أُبدلَتِ الياءُ الأُخرى ألفًا كما أُبدِلَت ياءُ (طائي) (^٣).\n﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيانُ له.\n﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الربِّيونَ: الربَّانيونَ، وقرِئَ بالحركاتِ الثلاثِ (^٤)، فالفتحُ على القياسِ، والكسرُ والضمُّ مِن تغييراتِ النَّسبِ.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٠).\n(^٢) بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ثم نون. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ٤٢).\n(^٣) وأصله: (طيّئيّ) بياءين مشددتين بينهما همزة، فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى ألفًا. المصدر السابق.\n(^٤) (الرِّبيون) بكسر الراء قراءة الجمهور. والباقي في الشواذ، وقد نسب لعلي ﵁ القراءة بضمها، ولابن عباس بفتحها. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢)، و\"المحتسب\" (١/ ١٧٣)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٥٢).","vol":"2","page":397},{"text":"وقرئ: ﴿قُتِلَ﴾ (^١) والفاعلُ ﴿رِبِّيُّونَ﴾، أو ضَميرُ النبيِّ و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالٌ عنه؛ أي: قُتل (^٢) كائنًا معه ربيونَ، ويؤيد الأولَ أنهُ قرئ بالتشديدِ (^٣).\n﴿فَمَا وَهَنُوا﴾: فما فتروا، ولم ينكسِر جِدُّهم (^٤).\n﴿لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: من الشدةِ وغلبة العدوِّ، وقتلِ الإخوانِ، أو قتلِ النبيِّ.\n﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾: عن الجهادِ بعدَه (^٥) لقوة (^٦) اليقينِ، والثباتِ في الدينِ.\n﴿وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾: وما خضعوا للعدوِّ.\nقيل (^٧): استكانَ: افتعَلَ من سكَنَ، والألفُ للإشباع؛ لأن معناهُ: خضَعَ وتذلَّلَ، والخاضعُ يسكن لصاحبه ليفعلَ به ما يريدُه.\nوقيلَ: استفعَلَ من (كان) التامةِ؛ كأنَّ الخاضع يطلبُ من نفسِه أن يكون ويثبُتَ على ما يريدُ به صاحبُه.\nوالأول أقوى من حيثُ المعنى، ولكن لا يُساعِدُه وجوه الاشتقاق والتصريف، والثاني أصحُّ لفظًا وأضعَفُ من حيثما المعنى.\nوهذا تعريضٌ بما أصابهم عندَ الإرجاف بقتله ﵇ من الوهنِ والضعفِ\n_________\n(^١) قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٠).\n(^٢) في النسخ: \"قاتل\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٢٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٢٤)، ونسبت لقتادة كما في \"المحتسب\" (١/ ١٧٣).\n(^٤) في (د): \"ولم ينكسروا هم\".\n(^٥) في (ف): \"بعد\".\n(^٦) في النسخ: \"لفوت \"، والصواب المثبت.\n(^٧) في (ك) و(م): \"وقيل\".","vol":"2","page":398},{"text":"عن الجهادِ، والاستكانةِ للمُشركين، حتى هموا أن يعتضدوا بالمنافق عبدِ اللّه بن أبيٍّ في طلب الأمان من أبي سفيانَ (^١).\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ فينصُرهم وُيعظِمُ قدرَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-440\"> </span>(١٤٧) - ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾: قراءةُ العامةِ ﴿قَوْلَهُمْ﴾ بالنصب. وإنما جعلوه خبرًا لأن ﴿أَنْ قَالُوا﴾ أعرَفُ لدلالتهِ على جهةِ النسبةِ وزمانِ الحدثِ.\n﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ، وذكرَهُ بعد ذكر الذنوبِ للمبالغة في الاعترافِ بالذنبِ، وسوء الظنِّ بأنفسهم.\n﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ على حاجة الجهادِ.\n﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: وهو مدحٌ لهم أنهُم مع حسنِ العمل استغفَروا من الذنوبِ (^٢) والخللِ؛ أي: وما كانَ قولَهم إلا هذا القولُ؛ أي: الاستغفارُ عن الذنوبِ والإسرافِ، وإضافتُهما (^٣) إلى أنفُسِهم، وطلبُ تثبيتِ الأقدام في مواطنِ الحربِ والنصرةِ على العدوِّ، معتقدينَ أن الخُذلانَ وتزلزلَ القدمِ إنما يكونُ لذنوبهم، مقدِّمينَ عليهِ الاستغفارَ منهما هضمًا لأنفسهم واستقصارًا، مع كونهم ربيِّينَ، ليكونَ الدعاءُ مع الخضوعِ وزكاءِ النفس فيُقرَنَ بالإجابةِ، كما جاءَ بعده:\n_________\n(^١) ذكره الزمخشري بلا إسناد. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٢٤)، و\"البحر المحيط\" (٦/ ١٨٨).\n(^٢) في (د): \" الزلل\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"وإضافتها\".","vol":"2","page":399},{"text":"<span id=\"aya-441\"> </span>(١٤٨) - ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ﴾ بسببِ الاستغفارِ واللَّجاءِ إلى اللّهِ تعالى.\n﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: من النصرةِ، والغنيمةِ، والعزِّ، وطِيبِ الذكر.\n﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾: من الجنةِ وما فيها من النعيمِ، وخصَّ ثوابَها بالحُسن إشعارًا بفضلِه، وأنهُ المعتدُّ بهِ عندَه تعالى.\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: هم محسنون واللّهُ يحبُّهم، ويحسِن (^١) ثوابَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-442\"> </span>(١٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: نزلَت في قول المنافقِين عند الإرجافِ: ارجعوا إلى دينِكم وإخوانِكم، ولو كان محمدٌ نبيًّا لَمَا قتِلَ.\nوقيل: إن تستكِينوا لأبي سفيان وأشياعِه وتستأمنُوهم يردُّوكم إلى دينِهم.\nوقيلَ: عامٌّ في مطاوعةِ الكفرةِ والنزولِ على حُكمِهم، فإنه يستجِرُّ (^٢) إلى موافقَتِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-443\"> </span>(١٥٠) - ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (د): \"وقد يحسن\".\n(^٢) في (م): \"يستجري\". وفي (ف): (يستجبر) والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٤٢٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٢) وعنه نقل المؤلف.","vol":"2","page":400},{"text":"﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: ناصرُكم دون غيرِه، فلا تميلون (^١) إلى ولايةِ غيره ونُصرَته.\nوقرئ بالنصبِ (^٢) على تقديرِ: بل أطيعوا اللّهَ مولاكُم.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ فهو أحقُّ أن يُستعان بهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-444\"> </span>(١٥١) - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ هو بيانُ قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.\nوالرعبُ: الخوفُ الذي يملأُ القلبَ، يقولُ: وإن نالكم للحالِ بعضُ الشدةِ بعصيانكم سنُلقي في قلوبهم الرعبَ، فتكونُ العاقبةُ لكم بإيمانكم.\nوقد (^٣) حقَّقَ هذا الوعدَ فألقى في قلوبِ أبي سفيانَ وأصحابهِ الرعبَ، فلم يجيئوا في بدرٍ الصغرى بعد أن وعَدوا ذلك.\nوقيلَ: يريدُ به ما قذفَ في قلوبهم من الخوفِ يومَ أُحدٍ حتى تركوا القتالَ وانهزموا إلى مكةَ من غيرِ سببٍ ولهم القوةُ والغلبةُ. ولا يساعدُ الخوفَ عبارةُ: ﴿سَنُلْقِي﴾.\n﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾: بسببِ إشراكِهم به (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"تميلوا\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٢).\n(^٣) في (د): \"وهو\".\n(^٤) في (ح) و(د) زيادة: \"عبارة عن آلهتهم\".","vol":"2","page":401},{"text":"﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾: بإشراكِهم ﴿سُلْطَانًا﴾: حجةً نيِّرةً، على معنى نفيِ الحجةِ والإنزالِ جميعًا كقولِه:\nولا ترى الضَّبَّ بها ينجَحر (^١)\nوذكرَ الإنزالَ لأن من شأنِ الحجةِ الإلهية أن تنزِلَ من السماءِ، ففيه تهكُّمٌ بآلهتِهم.\nوأصلُ السَّلطنةِ: القوةُ، ومنهُ: السَّليطُ (^٢)؛ لقوة اشتعالهِ، والسلاطةُ: لحدَّةِ اللسانِ.\n﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: مرجِعُهم جهنمُ في الآخرةِ.\n﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي (^٣): مثواهُم، فوضعَ الظاهرَ موضعَ الضميرِ (^٤) للتغليظِ والتعليلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-445\"> </span>(١٥٢) - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) عجز بيت تمَدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره:\nلا تفزعُ الأرنبَ أهوالها\n(^٢) السليط: ما يضاء به السراج من دهن السمسم. انظر: \"البحر\" (٦/ ١٦٥).\n(^٣) (أي) ليس في (د).\n(^٤) في (ك) و(م): \"المضمر\".","vol":"2","page":402},{"text":"﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ أي: وعده (^١) إياهم بالنصرِ بشرطِ الصبر والتقوى كما مرَّ في قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلخ، وكانَ كذلك حتى خالفَ الرماةُ.\n﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾: تقتُلونهم؛ مِن أحَسَّهُ: إذا أبطلَ حِسَّهُ.\n﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره.\n﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾: الخطابُ للكلِّ والمرادُ بعضُهم (^٢)، على طريقة العربِ في نسبة ما يقَعُ من البعضِ إلى الجميعِ على سبيل التجوُّزِ.\nوالفشلُ: الجبنُ والضعفُ، و(حتى) حرفُ جرٍّ بمعنى: (إلى) داخلٌ على اسمٍ هو (إذا)، وقد عرفتَ أن معنى صدقِ الوعدِ النصرُ والإظفارُ، فلا يرِدُ أنه لا يصلُحُ غايةً؛ لأن وعدَهُ تعالى لا ينقلِبُ كذبًا.\nوإنما قدم ذكره وهو مؤخَّرٌ وجودًا عنِ التنازع (^٣) والعصيانِ للدلالةِ على أن الموعودَ لم ينتَهِ بتنازُعِهم وعصيانهم ما لم يجبُنوا، فالغايةُ في الحقيقةِ جُبنهم، وهذا يرجِّحُ الوجهَ المذكور على ما قيلَ: إن (إذا) لم يجرَّد عن معنى الشرطِ، وجوابُه محذوفٌ دلَّ عليهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ أي؛ منعَكُم نصرَهُ.\n﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني اختلافَ الرماةِ حين انهزمَ المشركونَ في أول الوهلةِ؛ فقالَ بعضُهم: فما موقفنا هاهُنا؟ الغنيمةَ الغنيمة، وقالَ آخرون: لا تخالِفُوا\n_________\n(^١) في (ف): \"وعد\".\n(^٢) في (ف): \"البعض\".\n(^٣) في (م): \"النزاع\".","vol":"2","page":403},{"text":"أمرَ الرسولِ، فثبَتَ مكانَهُ أميرهم في نفرٍ دونَ العشرةِ، ونفرَ الباقونَ للنهبِ (^١)، وهو المعنيُّ بقوله:\n﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ من الغنيمةِ، وفيه تنبيهٌ على باعثِ عصيانهم وتشنيعٌ لهم حيث آثروا الغنيمةَ على الجهادِ، ومن زادَ على ما ذُكرَ الظفرَ وانهزاَم العدوِّ فقد فوَّتَ النكتةَ.\n﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾: وهم التاركون المركزَ للغنيمةِ.\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: وهم الثابتونَ محافظةً على أمرِ الرسولِ ﵇.\n﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾: ثم كفَّكُم عنهم حتى حالتِ الحالُ.\n﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: على المصائبِ، ويمتَحِن ثباتَكُم على الإيمانِ عندها.\n﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ تفضُّلًا ما فرَطَ منكُم من عصيان أمرِ رسول اللّه ﷺ لِمَا عَلِمَ من ندمكم عليه.\n﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ في جميعِ الأحوالِ؛ فتارةً يتفضَّلُ عليهم بالنصرِ والإدالةِ على عدوِّهم لتقويةِ أمر (^٢) الدِّينِ، وتارةً يتفضَّلُ بالابتلاءِ وإدالة العدوِّ (^٣) عليهم لظهورِ الصفات الكماليةِ الكامنة فيهم، ونيلِ درجاتِ الشهادةِ، وتارة يتفضَّلُ بالعفوِ وتمحيصِهم من الذنوبِ، وكلُّها رحمةٌ منهُ عليهم وفضلٌ بحسبِ اقتضاءِ أحوالهم ذلك.\n_________\n(^١) الحديث بطوله في \"صحيح البخاري\" (٤٠٤٣) عن البراء بن عازب ﵁.\n(^٢) \"أمر\" من (م).\n(^٣) في (ك) و(م): \"والإدالة للعدو\".","vol":"2","page":404},{"text":"<span id=\"aya-446\"> </span>(١٥٣) - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ متعلِّق بـ ﴿صَرَفَكُمْ﴾، أو ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾، أو بمقدَّرٍ كما ذكِرَ.\nوالإصعادُ: الإبعادُ في الضرب في الأرض، وقال صاحب \"الديوان\": الإصعادُ في الأرضِ والتصعيدُ في الجبلِ، والصعودُ في السُّلَّمِ.\nوقرئ: (تَصعَدُونَ) بفتحِ التاء من الصُّعودِ (^١)، وقرئ: (إذ تُصعِدُون في الوادي) (^٢)، ويحتمِلُ أنهم ذهبوا في الوادي، ثمَّ صعِدَ بعضُهم إلى الجبلِ ملتجئًا به.\n﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾: ولا تلتفتون على أحدٍ من الآحادِ؛ مِن قولك: لوى جيدَهُ إليهِ؛ إذا التفتَ إليهِ، وهو إخبار عن غايةِ خوفِهم من العدوِّ.\n﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾: وكان يقولُ: \"إليَّ عبادَ اللّه إليَّ عباد اللّه (^٣) أنا رسولُ اللّهِ، مَن يَكرُّ فلهُ الجنةُ\" (^٤).\n_________\n(^١) قرأ بها أبو رجاء العطاردي، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن، وقتادة. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٧١)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٥٢٦)، و\"تفسير القرطبي\" (٥/ ٣٦٥).\n(^٢) تنسب لأبي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٢٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٢٧). ومثل هذه القراءات محمولة على التفسير.\n(^٣) \"إلي عباد اللّه\" الثانية من (د)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٤٢٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٢).\n(^٤) أورده بهذا اللفظ الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٤٢٧)، والبيضاوي في \"التفسير\" (٢/ ٤٢)، ورواه الطبري في \"التفسير\" (٦/ ١٤٦ - ١٤٨) عن ابن عباس وقتادة والربيع: دون قوله: \"أنا =","vol":"2","page":405},{"text":"﴿فِي أُخْرَاكُمْ﴾: في ساقتِكُم وجماعتِكُم الأُخرى.\n﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾: عطفٌ على ﴿صَرَفَكُمْ﴾؛ أي: فجازاكم اللّه على فشلِكُم وعصيانكُم غفًا متصلًا بغمٍّ؛ من الاغتمامِ بالقتلِ والجَرحِ، وغلَبةِ المشركينَ، والإرجاف بقتلِ الرسولِ ﷺ. أو: فجازاكم غمًّا بسبب غمٍّ أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم (^١).\nوالثواب: الجزاء كيف ما كانَ، والإثابةُ: إعطاؤه، قال (^٢) ﵇: \"الواهبُ أحقُّ بعطائه ما لم يُثب منها\" (^٣).\nإلا أن الثوابَ إذا أُطلِقَ يُراد به الجزاءُ في الخير (^٤)، وعلى هذا يكونُ: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ كقولِهِ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] (^٥).\n_________\n= رسولُ اللهِ، مَن يَكر فلهُ الجنةُ\".\n(^١) \"أو فجازاكم غمًا بسبب غم أذقتموه رسول اللّه بعصيانكم\" من (ك) و(م).\n(^٢) في (م): \"وقال\".\n(^٣) في (م): \"ما لم يثب عنه\". والحديث رواه بنحوه ابن ماجه (٢٣٨٧)، والدارقطني في \"سننه\" (٢٩٧١)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٦/ ١٨١)، من طريق إسماعيل بن مجمع، عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، ولفظ ابن ماجه: \"الرَّجُلُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا\". وهو ضعيف مرفوعًا، إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف، وعمرو بن دينار لم يسمع من أبي هريرة كما قال البيهقي، والصحيح أنه من قول عمر كما قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٧١)، ورواه عنه البيهقي عقب المرفوع.\n(^٤) \"في الخير\"من (م).\n(^٥) من قوله: \"والجزاء الثواب .. \" إلى قوله: \"فبشرهم بعذاب أليم\" سقط من (ك). وجاء في (ح) و(ف) بعد قوله: \"فبشرهم بعذاب أليم\": \"أو فجازاكم غمًّا بسببِ غمِّ أذقتموهم رسولَ اللهِ ﷺ بعصيانكُم له\".","vol":"2","page":406},{"text":"﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾: لتتمرَّنوا على تجزُعِ الغمومِ، وتعتادوا بالصبرِ واحتمالِ الشدائد، فلا تحزَنوا فيما بعدُ على ما فاتَكم من الفوائدِ، ولا ما أصابَكم من المكارِه.\nوقيل: الضمير في للرسولِ؛ أي: فآساكم (^١) في الاغتمامِ، فاغتمَّ بما نزَلَ عليكم كما اغتممتُم بما نزَلَ عليهِ، ولم يثرِّبكُم على عصيانكم تسليةً لكم ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من النصرِ ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الهزيمةِ.\n﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: عليمٌ بأعمالكم، وبما قصدتم بها، وهذا ترغيبٌ في الطاعةِ وترهيبٌ عن (^٢) المعصيةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-447\"> </span>(١٥٤) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً﴾: نصبٌ على المفعولِ (^٣) و﴿نَعُاسًا﴾ بدلٌ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"فأثابكم\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"من\".\n(^٣) في (ف): \"المفعولية\".","vol":"2","page":407},{"text":"منها، أو هو المفعولُ و﴿أَمَنَةً﴾ حالٌ منهُ، أو مفعول له، أو حال من المخاطبين بمعنى: ذوي أمنةٍ، أو على أنهُ جمعُ آمِنٍ؛ كبَارٍّ وبررَةٍ.\nوقرِئ: (أَمْنَةً) بسكون الميم (^١) كأنها المرَّةُ من الأمنِ؛ أي: أنزَلَ اللّهُ عليكم الأمنَ، وأزال الغمَّ والخوفَ حتى نعستم.\n﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾؛ أي: النعاسُ. عَن أبي طلحةَ: غشِيَنا النعاسُ ونحن في مصافِّنا، فكان السيفُ يسقُطُ من يد أحدِنا فيأخذُه، ثمَّ يسقُطُ فيأخذُه (^٢).\nوقرئ: ﴿تغشى﴾ (^٣) بالتاء ردًا على الأمَنةِ.\nوالطائفةُ: المؤمنونَ حقًّا ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ منهم وهُم المنافقون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: أوقعَتهم (^٤) أنفسُهم في الهمِّ والحزن لعدمِ اليقينِ، أو ما يُهِمُّهم إلا همُّ أنفسِهم وطلبُ خلاصها، لا همُّ الدِّينِ، ولا همُّ رسولِ اللّه ﷺ. والحصرُ مستفادٌ منَ المقامِ.\n﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ صفةٌ أُخرى لـ (طائفةٌ)، أو حالٌ، أو استئنافٌ على وجهِ البيانِ لِمَا قبلَهُ.\nو(^٥) ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ نصبٌ على المصدَرِ؛ أي: يظنون باللّهِ غيرَ الحق الذي يجوزُ أن يُظَنَّ به.\n_________\n(^١) قراءة ابن محيصن، انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٧٤)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٣).\n(^٢) رواه البخاري عن أنس عن أبي طلحة (٤٥٦٢).\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي من السبعة، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١).\n(^٤) في (د): (أوقصتهم).\n(^٥) \"و\": ليست في (م) و(ك).","vol":"2","page":408},{"text":"و﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: بدلُه (^١)، وهو الظنُّ المختصُّ بالملةِ الجاهلية وأهلِها، وفي الإبدالِ مبالغة في كشفِ خطأ الظنِّ، وإشعارٌ بأن ظنَّ الجاهليةِ علَمٌ في البطلانِ.\n﴿يَقُولُونَ﴾؛ أي: لرسولِ اللّه ﷺ، وهو بدلٌ من ﴿يَظُنُّونَ﴾.\n﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾: هل لنا مما أمرَ اللّهُ تعالى ووعَدَ من النصرِ والظفَرِ نصيبٌ قط؟\n﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (^٢) اعتراضٌ؛ أي: الغلبةُ الحقيقةُ لأولياءِ اللّه تعالى، فإن حزبَ اللّهِ هم الغالبونَ، فلا معنى لنفيِ (الأمر) بمعنى النصرِ والإظهارِ (^٣) عنهُم.\nوقرئ: ﴿كُلُّهُ﴾ بالرفعِ على الابتداءِ (^٤).\n﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ حالٌ مِن ضميرِ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو هو بدلٌ من ﴿يُخْفُونَ﴾، أو استئنافٌ على وجه البيانِ له وهو أجودُ؛ أي: يظهِرون: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ سؤالَ المؤمنينَ المسترشِدينَ، ويقولُون في أنفُسِهم، أو بعضُهم لبعضٍ مبطِنين (^٥).\n﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ منكرينَ لقولك: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ نفاقًا؛ أي: لو كان الأمرُ كما قال محمد: إن الأمرَ كلَّهُ للّهِ ولأوليائهِ، وإنهم هم\n_________\n(^١) في (د): \"بدل\".\n(^٢) في هامش (ح) و(د): \"وكون الأمر للّه تعالى كناية عن كونه لخواصه لكونهم بمكان من اللّه تعالى\".\n(^٣) في (ك): (والإظفار).\n(^٤) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١).\n(^٥) من قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ إلى هنا، فيه تخليط في الإعراب بين قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. انظر لتوضيح ذلك \"الكشاف\" (١/ ٤٢٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٤).","vol":"2","page":409},{"text":"الغالبونَ، ما غُلِبنا قط، وما قُتلَ من قُتلَ من المسلمين في هذِهِ المعركةِ.\n﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾: قضائهم (^١)؛ أي: لخرج (^٢) الذين قدَّرَ اللّه عليهم القتلَ وكتبَ في اللوح المحفوظِ إلى مصارِعهم، ولم ينفَع الإقامةُ بالمدينةِ، ولم ينجُ منه أحدٌ منهم، لا (^٣) لأن العلمَ الأزليَّ ملجئهم إليهِ ويلزمُهم ذلكَ؛ لأن العلمَ تابعٌ للمعلومِ فلا تأثيرَ لهُ فيهِ، بل لأنَّ اللهَ تعالى قدَّرَ الأمورَ ودبَّرَها في سابقِ قضائهِ ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] (^٤).\n﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾: وليَمتحِن ما في صُدورِكم ويُظهرَ سرائرَها من الإخلاصِ والنفاقِ، وهو علةٌ محذوفٍ؛ أي: وفَعَل ذلكَ ليبتلي (^٥)، أو عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليبرز لمصالح (^٦) جمةٍ وللابتلاءِ.\n﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من وساوس الشيطان.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: من الظنونِ والعزائمِ، وفيهِ وعدٌ ووعيدٌ، وتنبيهٌ على أنه تعالى غنيٌّ عن الامتحانِ، وإنما فعلَ ذلك ليَميزَ المؤمنين، ويُظهِرَ حالَ المنافقين.\n* * *\n_________\n(^١) \"قضائهم \"من (ف) و(م).\n(^٢) في (ك) و(م): \"يخرج\".\n(^٣) في (ف): \"لا\".\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"وأما نفاد القضاء فلا يصلح علة للكائن وإلا يلزم الجبر. منه\".\n(^٥) في (د): \"يبتلي\".\n(^٦) في (ف) و(م): \"ليبرز بمصالح\".","vol":"2","page":410},{"text":"<span id=\"aya-448\"> </span>(١٥٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ يعني: إنَّ الذين انهزمُوا يوم أحدٍ كان السببُ في تولِّيهم أن الشيطانَ طلَبَ منهم الزللَ فأطاعُوه فاقترفوا ذنوبًا؛ فلذلكَ منعهم اللّهُ التأييد بالنصرِ وتقويةِ القلوب حتى تولَّوا.\nوقيلَ: استزلالُ الشيطان إياهُم هو التولِّي، وإنما دعاهُم إليه بذنوبٍ قد تقدَّمت لهم؛ لأن الذنبَ يجرُّ إلى الذنبِ كما أن الطاعة تجرُّ إلى الطاعةِ.\nوقيلَ: بعضُ ما كسبوا هو تركُهم المركزَ الذي أمرَهُم رسولُ اللّه ﷺ بالثباتِ فيه، فجرَّهم ذلك إلى الهزيمةِ.\nوقيل: ذكَّرَهم (^١) تلك الخطايا فكَرِهوا لقاءَ اللّهِ تعالى معها، فأخَّروا الجهادَ حتى يُصلِحوا أمرَهم، ويجاهِدوا على حالٍ مرضيَّةٍ.\n﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لتوبتِهم واعتذارِهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ للذنوبِ ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ بعقوبةِ الذنبِ كي يتوبَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-449\"> </span>(١٥٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: المنافقين.\n_________\n(^١) أي: الشيطان.","vol":"2","page":411},{"text":"﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ لأجلِهم، والمرادُ بالأخوَّةِ: الصداقةُ، أو الاتفاقُ في النسبِ أو المذهبِ.\n﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافروا فيها، وأَبعدوا للتجارةِ وسائر المهامِ، و﴿إِذَا﴾ بعد ﴿وَقَالُواْ﴾ لمجرَّدِ الظرفيَّةِ على حكايةِ الحال الماضيةِ.\n﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾: أو نهضوا للغزاء (^١). غُزَّى جمعُ غازٍ، كعُفًّى جمعُ عافٍ.\n﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾: مفعول (قالوا)؛ أي: لو لم يخاطِروا لعاشوا، وهو يدلُّ على أن إخوانهم قد فأتوا بعدَ أن غابُوا عنهُم (^٢).\n﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: قالوا ذلك معتقِدين ليكونَ حسرةً في قلوبهم، على أن اللامَ للعاقبةِ، ويجوزُ أن تتعلَّقَ بالنهيِ؛ أي: لا تكونوا مثلَ الكُفَّارِ في النطقِ بذلك القولِ واعتقابٍ ليجعلَهُ اللّهُ تعالى حسرةً في قلوبهم خاصةً، ويَصون قلوبكُم منها.\nويجوزُ أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً إلى ما دل عليه النهيُ؛ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعَلَ اللّهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم؛ لأن مخالفتكُم إياهم في قولهم واعتقادِهم مما يَغيظُهم ويُغِمُّهم.\n﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ردٌّ لقولهم (^٣)، وتخطئةٌ لعقيدتهم؛ أي: الأمرُ بيدِه، قد يُحيي المسافرَ والغازي، ويميتُ المقيمَ والقاعدَ، وبالعكس، كما يشاء.\n_________\n(^١) في (م): \"للقراء\". وفي (ف): \"القراء\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"عبارة القاضي: لم يكونوا مخاطبين به، ولا وجه له لأنَّه ظاهر لا حاجة إلى الدليل. منه\".\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"عدل في الجواب إلى الجملة الاسمية للدوام والتخليد. منه\".","vol":"2","page":412},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: تهديدٌ لهم على أن يماثِلُوهم، وعلى القراءةِ بالياءِ (^١) وعيدٌ للكفار.\nصدَّرَ الجملتين بالقسمِ للتأكيدِ والتحقيق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-450\"> </span>(١٥٧) - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلِّق بالمعطوفين، كما قيلَ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فلا حاجةَ إلى تقديره بعدَ قوله: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.\nوقرئ بكسرِ الميمِ (^٢) من مات يمات، وتقديمُ القتلِ لأنَّه الغالبُ في الجهادِ بخلاف غيره، ولهذا أُخِّرَ فيما يأتي، ثم إن المقتولَ أحقُّ بالمغفرةِ وأجدَرُ، والميتُ في الحشر أكثرُ (^٣)، فتدبَّرْ.\n﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: جوابُ القسمِ، وسادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ، وعدَلَ في الجواب إلى الجملة الاسميةِ للدوامِ والتخليدِ. وتنكيرُ (مغفرةٌ) للتعظيمِ، وكذا تنكيرُ ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.\nكذَّبَ الكافرين أولًا في زعمِهم، وخطَّأهُم في اعتقادهم، ونهى المسلمين عن ذلك لكونه اعتقادًا باطلًا موجِبًا للتقاعدِ عن الجهادِ، ثم قالَ: ولئن وقعَ ما تحذَرُونه\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي من السبعة بالياء، والباقون بالتاء، انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١).\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بضم الميم، والباقون بكسر الميم، انظر: \"التيسير\" (ص:٩١).\n(^٣) يشير إلى ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.","vol":"2","page":413},{"text":"فإن ما تنالُونه من المغفرةِ والرحمةِ والثوابِ العظيم خيرٌ مما تجمعون مِن منافعِ الدنيا لو لم تموتوا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-451\"> </span>(١٥٨) - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ﴾: على أيِّ وجهٍ اتَّفقَ هلاكُكم.\n﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾: لإلى معبودكُم الذي توجَّهتُم إليه وبذلتُم مهجتكم لأجلِه لا إلى غيرِه لا محالةَ تُحشَرون، فيُوفِّي جزاءَكم، ويُعظِمُ ثوابَكم، ولوقوعِ اسم اللّه هذا الموقعَ مع تقديمهِ شأنٌ لا يخفى، ولذلكَ عدل عن (^٢) الضميرِ إليه (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-452\"> </span>(١٥٩) - ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.\n﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: (ما) مزيدةٌ للتوكيدِ، وتقديم الظرفِ للدلالة على أنَّ لينَهُ لهم ما كان إلا برحمةٍ من اللّهِ تعالى.\nوتنكيرُ ﴿رَحْمَةٍ﴾ للتعظيمِ؛ أي: بحظٍّ وافرٍ لك من رحمةِ اللّه تعالى لنتَ لهم\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"وأما أن السفر والغزاء مما يجلب الموت ويقدم الأجل فليس من معنى هذا الكلام، بل هو مما يشير إليه بقوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ على ما نبهت عليه فيما تقدم. منه\".\n(^٢) في (ف): \"من\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"أراد إن اللّه لما كان اسم الذات المشتمل على جميع أسماء الصفات كان في معرض الوعد دالًّا على جميع - الأسماء المشتملة - على الرحمة واللطف كما أن في معرض الوعيد بالعكس، وليكن هذا الأصل ملحوظًا في جميع مواقع هذا الاسم الكريم. منه\".","vol":"2","page":414},{"text":"وتلطَّفتَ، وما عيَّرتهم على مخالفةِ أمركَ، وتركِهم إياك بينَ الكفارِ، بل واسيتَهم بالغمِّ واغتمَمتَ لأجلِهم.\nوالفاءُ للترتيبِ على ما دلَّ عليه سياقُ الكلام مِن أنهم كانوا مستحقِّين للعتابِ البليغِ، وأن المرجوَّ منهُ ﵇ على ما هو مُقتضى الطبعِ البشري أن يعنِّفَ عليهم، ويُغلِظَ في مخاطبَتهم.\n﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظُّ: الجافي الخشِنُ الخلُقِ ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾: قاسيَهُ ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: لتفرَّقوا عنك، ولم يسكُنوا إليكَ.\nولما بيَّنَ فائدةَ حسنِ الخُلقِ واَفةَ القلبِ رتَّبَ عليهِ الأمرَ بقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّكَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يختصُّ بحقِّ اللّه إتمامًا للرأفة بهم.\n﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: في أمرِ الحرب وغيرِه مما لم ينزِل عليك فيهِ وحيٌ؛ لِمَا في مشاورَتهم من الرفعِ في أقدارهم، وتطييبِ قلوبهم، والاستظهارِ برأيهم.\nوعن الحسنِ: قد علمَ اللّهُ تعالى أنه (^١) ما به إليهم حاجةٌ، ولكنه أراد أن يَستنَّ به مَن بعده (^٢).\n﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾: فإذا قطعتَ الرأيَ على شيءٍ بعدَ الشورى. والفاء التعقيبيةُ للدلالةِ (^٣) على أنَّ حقَّ المشاورة أن ينتهي إلى العزمِ على أحد الأمرَين، ولا يبقى في التردُّدِ بينَهما.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"أن\" والمثبت من (م).\n(^٢) كذا أورده الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٤٢٢) عن الحسن، وفي \"تفسير الطبري\" (٦/ ١٩٠) ما يدل على أن هذا من كلام الطبري لا من كلام الحسن، قاله الطبري بعد أن روى عن الحسن قوله: مَا شاوَرَ قومٌ قَطُّ إِلَّا هُدُوا لأَرْشَدِ أمورهم.\n(^٣) في (د): \"للتعقيبية وللدلالة\" وفي (ف): \"للتعقيبية والدلالة\".","vol":"2","page":415},{"text":"﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: في إمضاءِ أمرِكَ على ما هو الأرشدُ الأصلحُ؛ فإنهُ لا يعلمُه سواه.\nوقرئ: (فإذا عَزَمْتُ) (^١) على التكلُّمِ؛ أي: فإذا عزمتُ لك على شيءٍ وعيَّنتُه لكَ فتوكَّل عليَّ (^٢) ولا تشاوِر فيه أحدًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾؛ أي: يرضَى عملَهم ويهدِيهم إلى الأصلَحِ وينصُرُهم (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-453\"> </span>(١٦٠) - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ كما نصرَكُم يومَ بدر.\n﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾: فلا يغلِبُكم أحدٌ.\n﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾؛ أي: إن يتركْ (^٤) نُصرتَكُم كما تركها يوم أحدٍ.\n﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ أي: مِن بعد خُذلانِه، أو: من بعدِ اللّه، بمعنى:\n_________\n(^١) تنسب لجعفر الصادق وغيره. انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٧٦)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٣).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"على الله\".\n(^٣) في هامش (ف): \"هذا مندرج [مقدر] في المعنى المراد من محبته تعالى للمتوكلين، فلا حاجة أوجه، للفاء الواقع في كلام القاضي. منه\". ومثله في (د) باختلاف يسير وضعناه بين معكوفتين. وفي \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح). فلعل المراد الفاء التي في قول القاضي: (فينصرهم).\n(^٤) في (د): \"ترك\".","vol":"2","page":416},{"text":"إذا جاوَزْتُموه (^١) تعالى، مِن قولهم: ليسَ لكَ من يُحسن إليكَ مِن بعد فلانٍ، وهو تنبيهٌ على المقتضِي للتوكلِ عليه تعالى، وتحريضٌ على ما يُستحَقُّ به النصرُ، وتحذيرٌ عما يَستجلِبُ خذلانَه.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: لما علِموا أن لا ناصرَ لهم سواهُ (^٢) فليخصُّوهُ بالتوكُّلِ عليهِ والتفويضِ إليهِ.\nوفي عبارةِ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إلى وجهٍ يؤيِّدُ التخصيصَ المذكورَ، وهو أن الإيمان الحقيقيَّ يقتضي رؤيةَ فناءِ القِوى والقُدَرِ كُلِّها في قوَّتهِ تعالى وقُدرَته، فلا ناصِر سواهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-454\"> </span>(١٦١) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صحَّ ﴿لِنَبِيٍّ﴾ منَ الأنبياءِ ﵈، فكيفَ لمن هو أفضلُ الرسلِ؟\n﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ الغُلولُ: أخذُ المال من الغنيمةِ في خفاءٍ.\nفقِدَت قَطيفةٌ حمراءُ من الغنائمِ يوم بدرٍ؛ فقالَ بعضُ مَن كانَ مع النبيِّ ﷺ: لعلَّ رسولَ اللّه ﷺ أخَذَها، فنزَلَتْ (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"جاوزته\"، والمثبت من\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٥).\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"وأما قول القاضي: [لما علموا أن لا ناصر لهم سواه، وآمنوا به، فلا مساس له للمقام. منه\". وما بين معكوفتين زدناه من كلام القاضي للتوضِيح.\n(^٣) رواه أبو داود (٣٩٧١)، والترمذي (٣٠٠٩)، والطبري في \"التفسير\" (٦/ ١٩٤) من طريق خصيف عن مقسم عن ابن عباس ﵄. قال الترمذي: حسن غريب .. وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم ولم يذكر فيه: عن ابن عباس.","vol":"2","page":417},{"text":"وقائلُ ذلكَ مؤمنٌ لم يظنَّ في ذلك حرجًا (^١)، برَّأهُ اللّهُ تعالى من ذلك، ونزَّههُ ونبَّهَ على عصمته ﵇ بأنَّ النبوةَ والغُلولَ متنافيان، لئلا يَظنَّ ظانٌّ في حقهِ شيئًا منه، ولا يستريبَ أحدٌ.\nوقرئ: ﴿أَنْ يَغُلَّ﴾ على البناءِ للمفعولِ (^٢)؛ والمعنى: وما صحَّ له أن يُوجَد غالًّا، أو أن يُنسبَ إلى الغلولِ.\n﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يأتِ بالشيء الذي غلَّهُ بعينه فيُفتضَح به على رؤوس الخلائق (^٣)، وهذا ما يقتضيه مساق الكلام، وأمَّا حملُه على عنقه (^٤) كما وردَ في بعضِ الأحاديثِ، فغيرُ منظورٍ إليه في هذا المقامِ (^٥).\nثم إنهُ مخصوصٌ بما لَهُ ثقلٌ على ما يُفهَمُ من قوله ﵇ لأبي هريرةَ ﵁: \"لا تخبَئنَّ من أميركَ (^٦) شيئًا من الغنائم، إذًا تخرج يوم\n_________\n(^١) هذا رد على الزمخشري ومتابعيه - كالبيضاوي والآلوسي - في جعل القائل منافقًا. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٣٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٦)، و\"روح المعاني\" (٥/ ١٠٠).\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١).\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"والصرف عن ظاهره قائلًا: إن المراد وباله وتبعته، يرده نصوص الأحاديث. منه\".\n(^٤) قوله: \"فيفتضح به على رؤوس الخلائق وهذا ما يقتضيه مساق الكلام وأما حمله على عنقه\" من (م).\n(^٥) لعله يريد حديث أبي هريرة الطويل في البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (١٨٣١)، وأوله: قام فينا رسول اللّه ﷺ ذات يوم، فذكر الغلول فعظمه، وعظم أمره، ثم قال: \"لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: يا رسول الله ﷺ، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك\" الحديثَ. ولا أدري لم هو غير منظور إليه مع التصريح فيه بأمر الغلول.\n(^٦) في (ف) و(م): \"أمرك\".","vol":"2","page":418},{"text":"القيامة وهو متعلق (^١) بثيابك ولو كانت إبرةً\" (^٢).\nفلا اتِّجاه لما نُقِلَ عن بعضِ حفاةِ الأعرابِ: أنه سرق نافجةَ مسكٍ، فتُلِيت عليهِ الآيةُ فقالَ: إذًا أحملُها طيِّبةَ الريح خفيفةَ المحمَلِ (^٣).\n﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾: تُعطى جزاءَ ما كسبَت وافيًا.\nكانَ الظاهرُ (^٤) أن يقالَ: ثم يوفَّى ما كسبَ؛ ليتَّصِلَ بقوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ لفظًا، وإنما عدَلَ عنهُ وعمَّمَ ليدخلَ تحته دخولًا أوليًّا، فيكونَ أبلَغَ وأثبَتَ بالبرهانِ؛ لأنَّه (^٥) لمَّا عَلم الغال أن كلَّ نفسٍ يُوفَّى (^٦) جزاءَ مكسوبهِ خيرًا كانَ أو شرًا، علِمَ أنهُ غيرُ متخلِّصٍ من بينِهم مع عِظَمِ ما كسبَ، فاتصَل به معنىً.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فلا ينقُصُ ثوابُ مطيعِهم ولا يُزادُ في عقابِ عاصيهم.\nولما عمَّمَ كل كاسبِ خيرٍ وشرٍّ، وكِلَا المتنافيَين من النبيِّ والغالِّ، فقالَ مُنكِرًا:\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"معلق\".\n(^٢) لم أجده بهذا اللفظ، وانظر حديث أبي هريرة السابق، وفي \"تفسير الطبري \" (٦/ ٢٠٧): قال قَتادةُ: كانَ النَّبي ﷺ إِذَا غَنِمَ مَغْنَمًا بَعَثَ مُنَادِيًّا: \"أَلَا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ مِخْيَطًا فما دُونَهُ، أَلا لا يَغُلَّنَّ رجلٌ بَعِيرًا فيأتي به على ظَهْرِه يومَ القيامةِ له رُغَاءٌ، أَلا لا يَغُلَّنَ رجلٌ فَرَسًا فيأتي به على ظَهْرِهِ يومَ القيامةِ له حَمْحَمَة\".\n(^٣) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٤٣٤). وجاء في هامش (د) و(ف): \"أما عدم اتجاهه على الآية فظاهر، وأما عدم اتجاهه على الحديث فلما نبهت عليه من أن الحمل مخصوص بما له ثقل. منه\".\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"عبارة القاضي: وكان اللائق، ولا يخفى أنها ليست لائقة لمقامها. منه\".\n(^٥) \"لأنَّه\" ليست في (د).\n(^٦) في (د): \"موفى\".","vol":"2","page":419},{"text":"<span id=\"aya-455\"> </span>(١٦٢) - ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بهمزةِ الاستفهامِ، مُبالغًا بإيرادها على الفاءِ العاطفةِ ما بعدها على مقدَّرٍ دلَّ عليهِ ما قبلَها، مؤكِّدًا بها المنافاةَ بينَ النبيِّ والغالِّ، كأنهُ قالَ: أيغلُّ النبيُّ؟ فمَن اتبعَ رضوانَ اللّهِ بالطاعةِ؛ يعني النبيَّ ومَن تابعَهُ (^١) ﴿كَمَنْ بَاءَ﴾: رجعَ ﴿بِسَخَطٍ﴾ عظيم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بالعصيانِ؛ كالغالِّ ومَن دان بدينِه.\n﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: الفرقُ بينَهُ وبين المرجعِ: أن المرجِعَ هو انقلابُ الشيء إلى حالٍ كانَ عليها، والمصيرُ انقلابُه إلى خلافِ الحالِ التي كان عليها (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-456\"> </span>(١٦٣) - ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ تشبيهٌ بليغٌ؛ أي: هم متفاوتون كما تتفاوتُ الدرجاتُ.\nوقيلَ: على حذفِ المضافِ؛ أي: هم ذوو درجاتٍ.\nوإنما قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: تعظيمًا للتفاوتِ.\n﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: عالمٌ بأعمالهم، فيجازِيهم على حسَبِها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-457\"> </span>(١٦٤) - ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"بهذا التفصيل تبين ما في الكشاف وتفسير القاضي من القصور. منه\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"فالقاضي لم يصب في قوله: ولا كذلك المرجع؛ لأن المفهوم منه عموم المرجع وخصوص المصير. منه\". وفيه أيضًا: \"وأما مرجع العباد إلى اللّه تعالى فلأنهم يتقبون إلى حال لا يملكون لأنفسهم شيئًا كما كانوا قبل ما يكونوا. منه\".","vol":"2","page":420},{"text":"﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، خصَّهم بالذكرِ لأنهم هم المنتفِعونَ بمبعثهِ ﵇، والمنةُ هنا الإنعامُ.\nوقرئ: (لَمِنْ مَنِّ اللّهِ) (^١) على أنه خبرُ محذوفٍ، مثلَ: مَنُّه، أو: بعثتُه.\nو[لا] (^٢) يجوزُ أن يكون ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ بَعَثَ﴾ في محلِّ الرفعِ بأنه مبتدأٌ؛ أي: وقتُ بعثتهِ لمِن منِّ اللهِ؛ لأنَّ العربَ لم تستعمِل (إذ) متصرِّفةً.\nقالَ أبو علي الفارسيُّ (^٣): لم تَرِدْ (إذ) و(إذا) في كلامِ العربِ إلا ظرفَين، ولا يكونان فاعلَين ولا مفعولَين ولا مُبتدأين.\nوإنما قالَ: ﴿فِيهِمْ﴾ لأنهم كانوا عرفوا مولِدَه ومنشأهُ، وصدقَهُ وأمانَتهُ، وطهارةَ أخلافِ، فاندفَعَ بذلكَ كثيرٌ من الخواطر (^٤).\n﴿رَسُولًا﴾ التنكيرُ للتعظيم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: مِن جنسهم عربيًّا مثلَهم، يسهُلُ عليهم أخذُ ما يجب أخذُه عنه لاتفاقهم في اللسانِ (^٥).\nوقيلَ: مِن نَسبِهم؛ يعني: مِن ولَدِ إسماعيلَ ﵇ كما أنهم مِن ولد، وكلما كانت الجنسيةُ أكثرَ كان المنُّ أوفرَ؛ لمناسبَتهم إياهُ وسهولةِ قَبولهم منهُ، وعلى\n_________\n(^١) نسبت لعيسى بن سليمان. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٢٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٧٧)، و\"البحر المحيط\" (٦/ ٢٦٢).\n(^٢) زيادة يفتضيها السياق. انظر: \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٦٢) وانظر التعليق الآتي.\n(^٣) نقله أبو حيان في \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٦٢) في معرض الاستدلال على فساد ما ذهب إليه الزمخشري في شرح قراءة عيسى بن سليمان من القول بكون ﴿إِذْ﴾ مبتدأ.\n(^٤) في (ك): \"الخطر\".\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"ومن وهم أنه فائدة قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فقد وهم لأنَّه ﵇ لو كان مولده ومنشؤه في بلد آخر لم تحصل تلك الفائدة. منه\".","vol":"2","page":421},{"text":"هذا يكون المرادُ: مَن آمن من قومِه ﵇، وتخصيصُهم بالمنِّ لزيادة انتفاعِهم ببعثِه ﵇.\nوعلى كلا الوجهَين لا اختصاصٍ لمَن آمَن معه ﵇.\nوالوجه عندي هو الأول (^١)، لقولِه تعالى في موضعٍ آخرَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]، والقراَنُ يفسِّرُ بعضُه بعضًا (^٢).\nوقرئ: (مِن أنْفَسِهِمْ) (^٣)؛ أي: (^٤) من أشرَفِهم؛ لأنهُ ﵇ كانَ مِن أشرفِ شعوبِ العرب وأفخاذِهم (^٥).\n﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: من الوحي المتلوِّ (^٦) بعد ما كانوا أهل (^٧) جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي.\n﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ مِن دنَس الكفرِ والخبائثِ، وغواشي الطبيعةِ والرذائلِ.\n﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن والسنَّة الشاملة لأقسام الحكمة.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"لا كما توهم القاضي. منه\".\n(^٢) من قوله: \"والوجه عندي .. إلى .. بعضه بعضا\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) قال ابن خالويه: روي عن النبي ﷺ، وعن فاطمة ﵂. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٢٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٧٦).\n(^٤) (أي) ليست في (د).\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"أول العشيرة الشعب، ثم القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، كذا قال الجوهري، فذكرُ الشعوب والأفخاذ أولى من ذكر القبائل والبطون كما لا يخفى. منه\".\n(^٦) في هامش (د) و(ف): \"هذا أعم من القرآن لانتظامه منسوخ التلاوة. منه \".\n(^٧) \"أهل\" سقط من (ف) و(ك).","vol":"2","page":422},{"text":"و(إنْ) في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهي المخفَّفةُ منَ الثقيلةِ، و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مبنيٌّ على الغايةِ، واللام هي الفارقةُ؛ أي: وإن الشأن كانوا مِن قبل بعثته في ضلالٍ ظاهرٍ لا شُبهةَ فيهِ، وهو بيان لشدةِ احتياجِهم إلى نبيٍّ يرشِدُهم (^١)، وإزاحةٌ لمَا يُتوهَّمُ أنه ﵇ تعلَّمَ ذلك من معلِّمٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-458\"> </span>(١٦٥) - ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾: ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتلِ سبعين منهم.\n﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾: يومَ بدرٍ من قتلِ سبعين وأسرِ سبعين، والهمزةُ لتقريرِ القولِ والتقريع.\nو(لمَّا) نصبٌ بـ ﴿قُلْتُمْ﴾ في قولِه: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾، و﴿أَصَبْتُمْ﴾ في محلِّ الجرِّ بإضافةِ (لمَّا) إليهِ، وتقديرُه: وقلتم (^٢) حينَ أصابتكُم. و﴿أَنَّى هَذَا﴾ نصبٌ (^٣) على أنهُ مقولُ: ﴿قُلْتُمْ﴾.\nوالواو عاطفةٌ للجملةِ على قصةِ أحدٍ من قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أو على محذوفٍ؛ أي: أفعلتُم وقلتُم حينئذٍ أنى هذا؛ أي: مِن أين هذا؟!\n﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: استوجَبْتم لِمَا أصابكُم بسببٍ ناشئ من عند أنفسكم، فأنزلَ اللّه بكم ذلكَ، فلا ينافي كونَه من (^٤) عندِ اللّهِ؛ أي: السببُ العاديُّ\n_________\n(^١) في (ف): \"يرشد\".\n(^٢) كذا في النسخ، والذي في \"الكشاف\" (١/ ٤٣٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٧): \"أقلتم\".\n(^٣) في (م): \"تغييب\"، وسقطت من باقي النسخ، والتصويب من \"الكشاف\" (١/ ٤٣٦).\n(^٤) \"من\" سقط من (ف) و(م).","vol":"2","page":423},{"text":"أنتُم؛ لتَخْلِيَيكُم المركز وميلِكم إلى الغنيمةِ، فإِنَّ وعدَ النصرِ كان مشروطًا بالثباتِ والمطاوعةِ.\nوأما اختيارُ الخروجِ من المدينة فبعيدٌ؛ لأنَّ اللّه تعالى وعدَهم النصرَ بعد ذلكَ بشرطِ الثباتِ، واختيارُ الفداءِ يوم بدرٍ أبعَدُ منه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: فهو قادرٌ على النصرِ، وعلى منعهِ، وعلى أن يصيبَ بكم (^١) تارةً، ومنكُم أُخرى، ولا تأثيرَ للأسباب العاديةِ؛ ففيهِ دفعُ وهمِ العجزِ عن نصرِهم عند عدمِ شرطِ الثباتِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-459\"> </span>(١٦٦ - ١٦٧) - ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: جمعِ المسلمين وجمعِ المشركين يومَ أحدٍ.\n﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فهو كائنٌ بتخليةِ الكفارَ، سماها إذنًا لأنها من لوازِمه.\n\n<span id=\"aya-460\"> </span>﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفٌ على (بإذن اللّه)، والباءُ واللامُ كلاهما للسببِ ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾؛ أي: وليتميِّزَ المؤمنونَ والمنافقونَ، فيظهرَ إيمانُ هؤلاء وكفرُ هؤلاء (^٢).\n﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿نَافَقُوا﴾ داخلٌ في الصلةِ.\n﴿تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ قسَمَ الأمرَ عليهم بينَ أن يقاتلُوا كما يقاتلُ\n_________\n(^١) في (ف): \"منهم\" والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٧).\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"وقد مر في تفسير هذه السورة وجه التعبير عن التمييز بالعلم. منه\".","vol":"2","page":424},{"text":"المؤمنون، وبينَ أن يقاتلوا دفعًا عن (^١) أنفسِهم وأهلِهم وأموالِهم إن لم يكُن لهم همٌّ في اللهِ وفي الآخرةِ.\n﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ أبوا القتلَ (^٢)، وجحدُوا القدرةَ عليه رأسًا لنفاقِهم، على ما رويَ: أنَّ عبدَ اللّه بن أبيٍّ انخزَلَ مع حلفائه، فقيلَ لهُ فقالَ ذلك (^٣).\nويجوزُ أن يكونَ المعنى: لو نعلم ما يصِحُّ أن يُسمَّى قتالًا لاتَّبعناكم فيهِ، لكن ما أنتم عليه ليس بقتالٍ، بل إلقاءٌ بالنفس إلى التهلكةِ، يريدُ تخطئةَ رأيهم؛ لأنَّ رأيَهُ كان في الإقامة بالمدينةِ.\nأو ادفعوا العدوَّ بتكثيركم سوادَ المجاهدين وإن لم تقاتلُوا؛ لأن كثرةَ السوادِ مما يردع العدوَّ ويكسِرُ قلبَه.\nبقي هاهنا شيءٌ؛ وهو أنَّ مُقتضى تركيبِ الكلام على الوجهِ الأولِ أن يُعطَفَ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ على ﴿نَافَقُوا﴾ بالفاء، وإنما أُخرِجَ مخرجَ الاستئناف على أنهُ جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ (^٤) اقتضاه دعاءُ المؤمنين إياهُم إلى القتالِ، فأخَّرَه عن الدعاءِ؛ كأنه قيلَ: فماذا قالوا؟ فقيلَ: قالوا: لو نعلَمُ، لينبِّهَ على ظهورِ أمارة النفاقِ منهم لتثبُّطِهم وتعلُّلِهم بعد الدعاءِ الذي كان يجِبُ عليهم إجابته.\nويجوزُ أن يقتصِرَ الصلةُ على ﴿نَافَقُوا﴾، ويكونَ ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ كلامًا مبتدأَ عطفًا على جملةِ: (وما أصابكم فبإذن اللّه).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"من\".\n(^٢) قوله: \"القتل\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (القتال) بدلالة التنزيل والسياق وكلام المفسرين كالزمخشري والبيضاوي.\n(^٣) رواه الطبري في \"التفسير\" (٦/ ٢٢٢) من طريق ابن إسحاقَ عن جمع من مشايخه منهم الزهري.\n(^٤) \"مقدر\" من (ف).","vol":"2","page":425},{"text":"﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ لانخزالهم وقولهم هذا، فإنهما أوَّلُ أماراتٍ ظهرَت منهم مؤذِنةً بكفرِهم.\nوالظروفُ كلُّها متعلقةٌ بـ ﴿أَقْرَبُ﴾ لِمَا فيها من الاتساعِ، لكنَّ تعلقَ الكفر (^١) باعتبارِ الزيادةِ، وتعلُّقَ الإيمان (^٢) من حيثُ المفعوليةُ؛ كأنه قيلَ: قربُهم من الكفرِ يزيدُ على قربهم من الإيمانِ.\nوصلة القرب تكون (من) أو (إلى)، وتقولُ العربُ: يقرُبُ منهُ وإليهِ، ولا تقولُ: لهُ. فاللامُ بمعنى إلى.\nوقيلَ: هُم لأهل الكفرِ أقرَبُ نصرةً منهم لأهلِ الإيمانِ إذ كان انخزالهم (^٣) تقويةً للمشركينَ وتخذيلًا للمؤمنين.\n﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾: يُظهِرون خلاف ما يضمِرون لا يواطئ قلوبُهم ألسنَتهم بالإيمانِ.\nوالعربُ تستعمِلُ القولَ في غير الكلامِ فتقولُ: قال بيدِهِ؛ أي: أهوى بها، وقالَ برأسِه؛ أي: أشارَ (^٤)، فقولُه: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ لتخصيصِ القول بالكلامِ، وإيثارُ الأفواهِ على الألسنةِ لأنها أوسعُ دائرةً، فإن من الحروفِ ما لا دخلَ في تلفُّظِه للِّسانِ.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾: من النفاقِ، وتجهيلِ المؤمنين، وتخطئةِ رأيهم، وذمِّهم فيما بينَهم، والشماتةِ بهم، وغير ذلك.\n_________\n(^١) في (د): \"للكفر\".\n(^٢) في (د): \"للإيمان\".\n(^٣) في هامش (د) و(ف): \"في كلام القاضي: [انخزالهم] ومقالهم، ولا وجه له. منه\". وما بين معكوفتين زدناه من كلام القاضي للتوضيح.\n(^٤) في هامش (د) و(ف): \"مذكور في الأساس. منه\".","vol":"2","page":426},{"text":"وإنما قالَ: ﴿أَعْلَمُ﴾ لأنهم يعلَمون بعضَ ذلك عِلمًا مجملًا بأماراتٍ، واللّهُ تعالى يعلَمُ كلَّه علمَ إحاطةٍ بتفاصيله وكيفياته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-461\"> </span>(١٦٨) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾؛ بدل من ضميرِ ﴿يَكْتُمُونَ﴾ رفِعَ المحلُّ (^١)، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليهِ أي: هم الذين قالوا، أو نصبٌ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، أو جرٌّ بدلٌ من الضميرِ في (أفواهِهم) أو ﴿قُلُوبِهِمْ﴾.\n﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾؛ أي: لأجلِهم، يريدُ مَن قتِلَ يومَ أحدٍ من أقاربهم، أو من جنسهم.\n﴿وَقَعَدُوا﴾ حالٌ؛ أي: قالوا وقد قعدوا عن القتالِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ في القعود ﴿مَا قُتِلُوا﴾ كما لم نُقتَل.\n﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ يدلُّ عليهِ:\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تقدِرون دفعَ القتلِ عمن كُتبَ عليه، فادفعُوا عن أنفسكم الموتَ فإنهُ أحرى بكم، يعني: إنَّ القعودَ غيرُ مغنٍ فإنَّ أسبابه شتى، والقتالُ قد يكونُ سببًا للنجاةِ، والقعودُ سببًا للهلاك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-462\"> </span>(١٦٩) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ نزلت في شهداء أحد (^٢)، والأبلغُ أن\n_________\n(^١) قوله: \"رفع المحل\"، كذا في النسخ، ولعل الأولى: \"مرفوع المحل\".\n(^٢) رواه أبو داود (٢٥٢٠) عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسولُ اللّهِ ﷺ: \"لما أُصيب إخوانُكم =","vol":"2","page":427},{"text":"يُجعَلَ الخطابُ لكلِّ أحدٍ؛ لأنهُ أمرٌ خطيرٌ يجِبُ أن يبشَّرَ به كل أحدٍ؛ لتتوفَّرَ دواعيهم إلى الجهادِ، وليتيقَّنوا بحسن الجزاء.\nوقرئ با لياء (^١)؛ أي: حاسبٌ، وقرئ: بالتشديدِ لكثرة المقتولين (^٢).\n﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصبِ على: بل احسبْهم أحياءً (^٣).\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ﴿عِنْدَ﴾ هُنا بمعنى القربِ شرفًا ورتبة.\n﴿يُرْزَقُونَ﴾ يعني: في الجنةِ، وهو تأكيدٌ لكونهم أحياء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-463\"> </span>(١٧٠) - ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿فَرِحِينَ﴾ حال من ﴿يُرْزَقُونَ﴾.\n﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وهو شرفُ الشهادةِ والفوزِ بالحياة الأبدية، والقربِ من اللّهِ تعالى، والتمتعِ بنعيمٍ معجَّلٍ (^٤).\n_________\n= بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ خُضْر تَرِدُ أنهارَ الجَنةِ: تأكلُ من ثمارِها، وتَأوي إلى قَناديلَ من ذهبٍ مُعلَّقةٌ في ظلّ العرشِ، فلما وجَدُوا طِيْبَ مأكَلِهم ومَشربِهم ومَقِيلِهم، قالوا: من يُبلِّغُ إخوانَنا عنّا أنا أحياءٌ في الجنةِ نُرزقُ، لئلا يَزهَدُوا في الجهاد ولا يَنكُلوا عند الحرب؟ فقال الله تعالى: أَنا أُبلغهم عنكُم\"، قال: \"فأنزلَ اللّهُ ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾. وهو في \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٢٨).\n(^١) أي: (يَحسبَنَّ)، وهي قراءة هشام بخلف عنه. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٢).\n(^٢) أي: (قُتِّلوا)، وهي قراءة ابن عامر، انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٢).\n(^٣) نسبها أبو حيان لابن أبي عبلة، وذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر: \"البحر المحيط\" (٦/ ٢٨٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٧٩).\n(^٤) في (د) و(م) زيادة: \"الجنة\" بعد: \"بنعيم\"، وفي (ح): \"معجلًا\".","vol":"2","page":428},{"text":"﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾: يسرُّون بالبشارةِ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ أي: بإخوانهم المؤمنين الذين لم يُقتلُوا فيلحقُوا بهم ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: الذين مِن خلفِهم زمانًا أو رتبةً.\n﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ﴾.\nوالمعنى: أنهم يستبشِرون بما تبيَّنَ لهم مِن حالِ مَن تركوا خلفَهم، وهو أنهم سيلحَقون بهم في أمنٍ وفرحٍ، ورَغَدِ عيشٍ، وفيهِ تحريضٌ لمن بعدَهم على الطاعةِ والجهادِ، والرغبةِ في نيل درجةِ الشهادةِ، وبشارةٌ للمؤمنين بالفوزِ وحسنِ المآبِ، وإحمادٌ لمن يرى نفسَهُ بخيرٍ فيتمنَّى مثلَهُ لإخوانِهِ، ويستبشرُ بهِ لهم.\nوالآيةُ تدلُّ على أنَّ روحَ الإنسان جسمٌ لطيفٌ لا يفنى بخرابِ البدنِ (^١)، ولا يتوقَّفُ عليه إدراكُه وتألُّمه والتذاذُه، ويؤيدُ ذلك قولُه تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦] وما روى ابن عباسٍ ﵄ أنهُ ﵇ قال: \"أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تَرِدُ أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ في ظل العرش\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"عبارة القاضي: على أن الإنسان غير الهيكل … إلخ، وفيها إخراج البدن عن الإنسان. منه\". وزاد في (د): \"ولا وجه \". قلت: وعبارة القاضي في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨): (الآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن …) إلى آخر ما ذكره المؤلف.\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٨). ورواه أبو داود (٢٥٢٠) بلفظ: \"لما أُصيب إخوانُكم بأحُدٍ جعلَ اللهُ أرواحَهم في جَوْفِ طَيرٍ … \". وقد تقدم قريبًا. وله شاهد من حديث ابن مسعود عند مسلم (١٨٨٧).\nوجاء في هامش (د) و(ف): \"ومن أنكر ذلك وأول النصوص بما أول فقد ضل وأضل. منه\".","vol":"2","page":429},{"text":"<span id=\"aya-464\"> </span>(١٧١) - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: كرَّرهُ للتأكيدِ، وليعلِّقَ بهِ ما هو بيانٌ لقولهِ: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ .. إلخ مِن ذكر النعمةِ والفضلِ، وهو ينفي الحزنَ، وعدمُ ضياع أجرِهم ينفي الخوفَ؛ لأنَّ الأولَ على الواقعِ، والثاني على المتوقَّعِ، ويجوزُ أن يكونَ الأولُ بحال إخوانهم، وهذا بحالِ أنفُسِهم.\nوفي تقديمِ الاستبشارِ بحال إخوانهم إرشادٌ إلى مُوجَبِ الصدقِ في الأخوَّةِ الدينيةِ، وهو أن يكونَ صلاحُ حال أخيهِ أهمَّ عندَهُ من صلاح نفسه.\n﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ثوابًا لأعمالهم ﴿وَفَضْلٍ﴾: زيادةٍ؛ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وتنكيرُهما (^١) للتعظيمِ.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) قرئ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتحِ عطفًا على ﴿وَفَضْلٍ﴾ فيكونُ من جملةِ المستبشَرِ بهِ، وقرئ بالكسرِ (^٣) على أنَّ الجملةَ ابتدائيةٌ على سبيلِ الاعتراضِ للإشعارِ بأن ذلكَ أجرٌ لهم على إيمانهم، وأنَّ مَن لا إيمانَ له أعمالُهُ محبطَةٌ (^٤) لا أجرَ لها، ويعضدُه قراءةُ: (واللّه لا يضيع أجر المؤمنين) (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"وتنكيرها\".\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"عبارة القاضي: وأجورهم مضيعة، وفيها أنه لا أجر له فأنى التضييع. منه\".\n(^٣) وهي قراءة الكسائي، والفتح قراءة باقي السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١).\n(^٤) في (د): \"محتبطة\".\n(^٥) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٨٠)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٥٤١).","vol":"2","page":430},{"text":"<span id=\"aya-465\"> </span>(١٧٢ - ١٧٣) - ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\n﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أجابوا رسولَ اللّه ﷺ، وذكرُ اللّهِ تمهيدٌ لبيانِ أن دعوتَهُ ﵇ دعوةُ اللّه تعالى، فكأنَّ إجابتَهُ إجابةُ اللّه.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ أي: الجرحُ في غزوة أحدٍ وبهم أثرُ ذلك.\nويجوزُ أن يكون ﴿الَّذِينَ﴾ مخصوصًا (^١) نعتًا لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأن يكونَ منصوبًا على المدحِ، وأن يكُون مرفوعًا بالابتداءِ، وخبرُهُ:\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بجملَتِهِ. و(من) للبيانِ، والمقصودُ من ذِكرِ الوصفَين المدحُ والتعليلُ لا التقييدُ؛ لأن المستجيبين كلَّهُم محسنون مُتقونَ.\nقيلَ: لمَّا كان اليوم (^٢) الثاني من غزوة أحدٍ، قالَ رسولُ اللّه ﷺ: \"رحمَ اللّهُ مَن انتدَبَ لطلب العدوِّ حتى يعلموا أَنَّا لم نُستأصَلْ، وأن فينا بقيَّةً\" وقال: \"لا يخرُج معنا إلا من شاهدَنا بالأمسِ\" فانتدبوا وبهم الجراحُ، حتى بلغُوا حمراء الأسدِ؛ وهي على ثمانيةِ أميالٍ من المدينةِ، وقامَ بها ثلاثة أيامٍ، ثم انصرفوا وقد فاتهمُ العدوُّ فنزلَتْ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (^٣) يعني: الركبَ الذين استقبلَهم من عبدِ قيسٍ، أو نُعَيمَ بنَ مسعودٍ الأشجعيَّ، وأَطلقَ عليه ﴿الناس﴾ لأنهُ من جنسِهِ؛ كما يقالُ: فلانٌ يركَبُ الخيلَ، وما لَهُ إلا فرسٌ واحدٌ. أو لأنهُ انضمَّ إليه الناسُ مِن أهل المدينةِ، وأذاعوا كلامَهُ.\n_________\n(^١) في (د) و(ك): \"محفوظًا\".\n(^٢) في (د): \"يوم\".\n(^٣) روى نحوه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٣٢) عن قتادةَ.","vol":"2","page":431},{"text":"<span id=\"aya-466\"> </span>﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ يعني: أبا سفيانَ وأصحابَهُ، فالمعرفةُ وإن أعيدَتْ معرفةً فليسَ الثاني عينَ الأولِ، ولا اللامُ العهديةُ (^١) إشارةٌ إلى ما ذكِرَ صريحًا، بل إلى ما يعرِفُه المخاطبونَ.\n﴿قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ روي أن أبا سفيان نادى عندَ انصرافِه من أحدٍ: يا. محمَّدُ! موعِدنا موسمُ بدرٍ القابلُ إن شئتَ. فقال ﵇: \"إن شاءَ اللّهُ\" فلما كانَ القابلُ خرَجَ في أهل مكَّةَ حتى نزلَ مرَّ الظهرانِ فأنزَلَ اللهُ الرعبَ في قلبِهِ، وبدا له أن يرجِعَ، فمرَّ به ركبٌ من عبدِ قيسٍ يريدونَ المدينةَ للميرةِ، فشرطَ لهم حملَ بعيرٍ من زبيبٍ إن ثبَّطوا المسلمينَ.\nوقيلَ: لقيَ نُعَيمًا وقد قدِمَ معتمرًا فسألَهُ ذلك والتزمَ له عشرًا من الإبلِ، فخرجَ نُعَيمُ فوجدَ المسلمينَ يتجهَّزونَ، فقالَ لهم: أتوكُم في ديارِكم فلم يفلِت أحدٌ منكُم إلا شريدٌ، أفتريدون أن تخرُجوا وقد جمعُوا لكُم؟ ففتَروا، فقالَ ﵇: \"والذي نفسِي بيدِه لأخرُجنَّ ولو لم يخرُج معي أحدٌ\"، فخرَجَ في سبعين راكبًا وهُم يقولونَ: حسبُنا اللّهُ ونعمَ الوكيلُ (^٢).\n﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾: الضميرُ المستكنُّ للمقولِ؛ أي: فزادَهم ذلك الكلامُ، أو\n_________\n(^١) في (ك): \"للعهدية\".\n(^٢) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٢/ ١٠١)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٤٦) وما بعدها، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٠٨)، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي (٣/ ٣١٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٩)، وعنه نقل المؤلف. وذكر نعيم بن مسعود في هذه القصة لم يثبت، وإنما انحصرت تسميته نعيمًا في مقاتل وهو متروك. انظر: \"موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية\" (٤/ ٢١٤)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ٨٢)، و\"روح المعاني\" (٥/ ١٣٨).","vol":"2","page":432},{"text":"للمصدرِ؛ أي: فزادَهُم قولُهم، والبارزُ للمقتدين (^١) مع الرسولِ ﷺ لا (^٢) للمقول بهم لِمَا عرفتَ أن أكثرَهم كرِهوا الخروجَ معهُ ﵇.\nوالمعنى: أنهم لم يلتفِتوا إليه ولم يضعُفوا، بل ثبت به يقينُهم باللّهِ، وازداد إيمانهم (^٣)، وأظهرُوا حميةَ الإسلامِ، وأخلصُوا النيةَ عنده.\nوهو دليلٌ على أن الإيمانَ بمعنى التصديقِ يزيدُ وينقصُ، ومَن أنكره قال (^٤): ذلك بحسبِ المتعلَّقِ، أعني: ما يؤمَن بهِ، وأمَّا الإيمانُ الشرعيُّ فدائرة الخلافِ فيهِ واسعةٌ؛ لأن من المخالفينَ مَن قالَ بدخولِ الطاعاتِ فيه، ومنهُم مَن أنكَره (^٥).\n\n﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: مُحسبنا اللّهُ وكافينا؛ مِن أَحْسَبَهُ: إذا كفاه، والدليل على أنهُ بمعنى المحسِبِ قولُهم: (هذا رجلٌ حسبُكَ) على أنهُ صفةٌ للنكرةِ؛ لكونِ الإضافةِ غيرَ حقيقيةٍ، وهي إضافةُ اسم الفاعل إلى معموله.\n﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ونعم الموكولُ إليه هوَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-467\"> </span>(١٧٤) - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿فَانْقَلَبُوا﴾: فرجعوا من بدرٍ الصُّغرى سالمين غانمين وهو ما ذكرَهُ بقولِه:\n_________\n(^١) \"للمقتدين\" من (م)، ولم تجود في باقي النسخ، ورسمها قريب من: \"للمتبنين\".\n(^٢) \"لا\" من (م) وسقطت من باقي النسخ، وهذا رد على البيضاوي في قوله: والبارز للمقول لهم.\n(^٣) في (ف) و(م): \"وازدادوا إيمانًا\". والمثبت من (ح) و(ك).\n(^٤) في (د): (فإن).\n(^٥) في هامش (د) و(ت): \"فيه رد لمن لم يفرق بين الإيمانين فخلط الكلام. منه). وفي هامش (ف): \"وأما الثبات على الإيمان والزيادة فيه فقد كان حاصلًا قبله. منه\".","vol":"2","page":433},{"text":"﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾: بنعمةٍ عظيمةٍ؛ وهيَ السلامةُ، وهرب العدوِّ منهم (^١).\n﴿وَفَضْلٍ﴾: وهو الربح في التجارةِ، فإنهم لما أتوا بدرًا وافوا بها سوقًا فاتَّجروا وربحوا (^٢).\n﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾: ما يسوؤهم من الضررِ؛ بَدنيًّا كانَ أو ماليًّا، والتنكيرُ للتقليل والتحقير (^٣).\n﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾: الذي هو مناطُ الفوزِ بخير الدارينِ، بجرأتهم وخروجِهم.\n﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾: بتوفيقِهم لما فعلوا، والتفضُّلِ عليهم بسعادةِ الدنيا والآخرة من الربحِ والرِّضوان، وفيهِ تحسيرٌ للمتخلفِ، وتخطئةُ رأيهِ حيث حرَمَ نفسَهُ ما فازوا به.\n\n<span id=\"aya-468\"> </span>(١٧٥) - ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأٌ خبرُه ﴿الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إنما ذلكُم المثبِّط (^٤) هو الشيطان، وما بعدَهُ بيانٌ لشيطنتِه (^٥)، أو صفتُه (^٦) وما بعدَهُ خبرُه، وبجوزُ أن تكون\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وأما الثبات على الإيمان والزيادة فيه فقد كان حاصلًا قبله. منه \". وفيه رد على البيضاوي.\n(^٢) رواه الطبري في \"التفسير\" (٦/ ٢٥٠) عن مُجَاهِدٍ وابن جريج.\n(^٣) في (ك) و(م): \"والتنكير للتحقير\".\n(^٤) في النسخ عدا (ك): (المشيط) والمثبت من (ك).\n(^٥) في (ف): \"لبيان شيطنته \".\n(^٦) في النسخ: \"وصفته \"، والصواب المثبت؛ أي: أو صفة ﴿ذَلِكُمُ﴾. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٤٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٩).","vol":"2","page":434},{"text":"الإشارةُ إلى قوله على تقديرِ مُضافٍ؛ أي: إنما ذلكُم قول الشيطانِ، يعني: إبليسَ.\n﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ القاعدين عنِ الخروجِ مع الرسولِ ﷺ، أو: يخوفكم أولياءَه الذين هم أبو سفيان وأصحابُه.\n﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ الثاني على الأول، وللأولياء على الثاني.\n﴿وَخَافُونِ﴾: من مخالفة أمرِي، فجاهِدوا مع رسولي.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمانَ يرجِّحُ خوفَ اللهِ تعالى على كلِّ خوفٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-469\"> </span>(١٧٦) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: يقعونَ فيه سريعًا، ويرغَبون فيهِ أشدَّ رغبةٍ، وهم المنافقونَ وقومٌ من اليهودِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١] (^١).\nوالمعنى: لا يحزُنك خوفُ أن يضروك ويُعينوا عليك؛ لقولِه:\n﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾؛ أي: لن يضرُّوا أولياءَ اللهِ بتلك المسارعةِ، وإنما يضرُّون بها أنفُسَهم، وإنما أضاف الضررَ إلى نفسِه تشريفًا لأوليائه.\nو﴿شَيْئًا﴾ يحتمِلُ المفعولَ والمصدرَ، وتنكيرُه للتحقيرِ.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾: نصيبًا في الثوابِ.\n_________\n(^١) من قوله: \"لقوله تعالى .. \" إلى هنا ليس في (ك) و(م).","vol":"2","page":435},{"text":"﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: وهو يدلُّ على تمادي طغيانهم وموتِهم على الكفرِ.\nوفي ذكرِ الإرادة إشعار بأن كفرَهم بلغ الغايةَ حتى أرادَ أرحمُ الراحمينَ أن لا يكونَ لهم حظٌّ من رحمتِهِ، أو بأن مسارعتَهم إلى الكفرِ لأنهُ تعالى لم يُرِد لهم أن يكونَ لهم حظٌّ في الآخرةِ.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مكانَ الثوابِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-470\"> </span>(١٧٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: تعميم للكفرةِ بعد تخصيصِ المنافقينَ وقومٍ من اليهودِ، فيتناولُهم ويكونُ كالبرهانِ على أن وبالَ كفرهم وضررَهُ لا يعود إلا إليهم، وأن لهم عذابًا مؤلمًا مع عِظَمه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-471\"> </span>(١٧٨) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نصبٌ على المفعوليةِ على قراءة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاءِ (^١). والخطابُ لكل مَن يحسَبُ، وقد نبَّهتُ فيما سبق على أن هذا أبلَغُ من تخصيص الخطابِ بالرسول ﷺ، وقولُه:\n﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾: بدلٌ منه على الاشتمالِ (^٢)، و(ما) مصدريةٌ،\n_________\n(^١) قرأ ابن عامر وعاصم ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء وفتح السين، وقرأ حمزة بالتاء وفتح السين، والباقون بالياء وكسر السين. انظر: \"السبعة\" (ص: ٢٢٠)، و\"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٢) يعني على القراءة بالتاء، أما على القراءة بالياء ف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، و(أن) وما عملت=","vol":"2","page":436},{"text":"وحقُّها أن تُكتبَ منفصلةً، ولكنها وقعَت في خطِّ الإمامِ متصلةً فاتُّبعَ سُنتُه.\nوإنما اقتصَرَ على أحد المفعولَينِ مع امتناعِ ذلك في أفعال القلوبِ؛ لأن الاعتمادَ على البدلِ، والمبدَلُ منه في حكم المنحَّى ليس بمقصود، فالبدلُ وهو (أنَّ) معَ اسمِه وخبرِه ينوبُ عنِ المفعولين، ويجوزُ أن يقدَّرَ مضافٌ، أي: ولا تحسبنَّ حالَ الذين كفروا (^١).\nوعلى قراءته بالتاءِ ف ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ رفعٌ على الفاعليةِ.\nوالإملاء: الإمهالُ وإطالةُ العمرِ، وقيلَ: تخليَتُهم وشأنَهم، مِن: أملى لفرسِه، إذا أرخى لهُ الطِّوَلَ ليرعى كيف شاءَ.\n﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: جملة استئنافية لتعليل الحكم السابقِ، و(ما) كافةٌ، واللامُ للتعليلِ، فإن القائلينَ بأن الخيرَ والشرَّ بإرادةِ الله تعالى يجوِّزون التعليلَ بمثل هذا، إما لأنَّه غرضٌ والغرضُ لا يلزَمُ أن يكونَ مطلوبًا، بل يكفي جعلُه غايةً للفعل، وإما لأنهُ مرادٌ مع الفعل تشبيهًا بالعلةِ، وهم الذين لا يجعلون فعلَ الله تعالى معلَّلًا بالغرض.\nوقرئ: (أنما) بالفتح وبكسر الأولى (ولا يحسبن) بالياء (^٢)، على معنى: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم لازدياد الإثمِ بل للتوبة والدخولِ في الإيمان، و(إنَّ ما نملي لهم خيرٌ) اعتراضٌ معناه: إن إملاءنا لهم خيرٌ إن انتبَهوا وتداركوا فيهِ ما فرَطَ منهم.\n_________\n= فيه ساد مسد المفعولين. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(^١) وهذا على تجويز أن يكون ﴿إِنَّمَا نُمْلِي﴾ مفعولًا ثانيًا، إلا أنه لكونه في تأويل المصدر لا يصح حمله على الذوات، فلا بد من تقدير: إما في الأول؛ أي: لا تحسبن حال الذين كفروا وشأنهم، وإما في الثاني؛ أي: لا تحسبن الذين كفروا أصحابَ أنَّما نُمْلِي لَهُمْ. انظر: \"روح المعاني \" (٥/ ١٥٦).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٣).","vol":"2","page":437},{"text":"﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ على هذا (^١) يجوزُ أن يكون حالًا من الواو؛ أي: ليزدادوا إثمًا معدًّا لهم عذابٌ مهينٌ،\n* * *\n\n<span id=\"aya-472\"> </span>(١٧٩) - ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿مَا كَانَ اللَّهُ﴾ أراد استمرارَ النفي، لا نفيَ الاستمرارِ، فمعنى ﴿كَانَ﴾ مقدَّمٌ في الاعتبار واللامُ في: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتأكيدِ النفي.\n﴿عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من اختلاطِ المؤمنين المخلِصين بالمنافقين حتى يَميزَ بينَهُم، والخطابُ للمؤمنين المخلصين؛ لأنهم الممنونُ عليهم، والموصوفون بالطيبِ، ولقوله: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾.\n﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ تسجيل على المنافقين بالخبثِ، وعلى المؤمنين بالطيبِ؛ أي: حتى يُعزَلَ المنافق عن المخلصِ لئلا يتعدَّى خبثُهُ إليهِ.\nوالالتفاتُ إلى الخطاب تقريبٌ للمؤمنين وتخصيصٌ، والمعنى: لا يترككم مختلطين لا يُعرَفُ مخلِصكم من منافقكم حتى يميزَ المنافقَ من المخلصِ، بالوحيِ إلى نبيِّهِ بأحوالكم، أو بالتكاليفِ الشاقة التي لا يَصَرُ عليها ولا يُذعِنُ لها إلا الخلَّصُ المخلِصون منكُم؛ كبذل الأموالِ والأنفسِ في سبيل الله؛ ليختبِرَ بواطِنكم، ويستدلَّ به على عقائدكم.\n_________\n(^١) أي: على القراءة الأخيرة. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ١٥٧).","vol":"2","page":438},{"text":"﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: من مضمرات (^١) القلوبِ وغيرِها، فإنَّ ذلك مما (^٢) استأثرَ اللّهُ تعالى به.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: فيعلَم بعضَ المغيَّباتِ بالوحيِ أو بطريقٍ آخرَ، وليسَ هذا مِن قبيلِ الاطلاع، ولذلك قطعَ الاستثناءَ.\n﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ بأن تعرِفوه حقَّ معرفتِهِ، وتعلَموه وحدَهُ مطَّلعًا على الغيبِ.\n﴿وَرُسُلِهِ﴾ بأن تعلَمُوهم عبادًا مجتبَين، لا يعلمُون إلا ما علَّمَهم اللهُ تعالى، ولا يخبِرُون إلا بما أخبرَهم اللهُ تعالى من الغيوبِ بالوحي، وليسوا (^٣) من علمِ الغيب في شيءٍ قليلٍ.\nقال الكافرون: إن كانَ محمدٌ صادقًا فليخبرنا بمن يؤمنُ منا ومَن يكفُرُ، فنزلَتْ (^٤).\nوقيلَ: إنه ﵇ قالَ: \"عُرِضَت عليَّ أمتي، وأُعلِمت مَن يؤمن بي ومَن يكفُرُ\" فقالَ المنافقون: إنه يزعمُ [أنه يعرف] مَن يؤمن بهِ ومَن يكفُرُ، ونحنُ معه ولا يعرِفُنا، فنزلَت (^٥).\n﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ حقَّ الإيمانِ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النفاقَ ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يقادَرُ قَدْرُه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ح): \" نصرات \"، وفي (ك): \" خطرات \".\n(^٢) في (ف) و(م): (ما).\n(^٣) في (د): \"وليس \".\n(^٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٠).\n(^٥) عزاه الواحدي والبيضاوي إلى السدي، انظر: \"أسباب النزول\" (ص: ١٣٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٠)، والكلام وما بين معكوفتين منه.","vol":"2","page":439},{"text":"<span id=\"aya-473\"> </span>(١٨٠) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\n﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ القراءات فيه ما سبقَ، ومَن قرأ بالتاءِ قدَّرَ مضافًا ليتطابقَ مفعولاهُ؛ أي: ولا تحسبنَّ بخلَ الذين يبخلُون هو خيرًا لهم. وكذا مَن قرأ بالياءِ وجَعلَ فاعلَهُ ضميرَ الرسول، أو: حاسبٌ، ومَن جعلَ فاعلَهُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ جعَل مفعولَهُ الأولَ ما دلَّ عليهِ ﴿يَبْخَلُونَ﴾؛ أي: بخلَهم، وسوَّغَ حذفه لذلك (^١)، ﴿هُوَ﴾ فصل، وقرئ بغير (هو) (^٢).\n﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: البخل ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾ لاستجلابِ العقاب عليهم.\n﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفسيرٌ لقولهِ: ﴿هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾، والتطويق يستفاد للإلزام تشبيهًا لما لا ينفَكُّ عن الرجلِ بالطَّوقِ؛ أي: يستلزمون وبالَ ما بخلوا بهِ إلزامَ الطوقِ.\nوقيل: يُجعَلُ ما بخِلوا من الزكاة حيةً يُطوَّقُها في عنقِه يوم القيامةِ تنهشُهُ مِن قرنه إلى قدمِهِ، وتنقُرُ رأسَهُ وتقولُ: أنا مالُكَ (^٣).\n﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما يتوارثُهُ أهلُها من مالٍ وغيرِهِ، فما لهم يبخلُونَ عليهِ بماله (^٤) من ملكِه، ولا ينفقُونَهُ في سبيلِه.\n_________\n(^١) في (د): \"ذلك \".\n(^٢) تنسب للأعمش. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٤٦).\n(^٣) روي نحوه في البخاري (١٤٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤) في (ح) و(د): \"بمالي \".","vol":"2","page":440},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المنعِ والإعطاءِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فيجازيكُم، وقرئ: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (^١)، وهو أبلغ في الوعيد (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-474\"> </span>(١٨١) - ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\n﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ قالتهُ اليهودُ لمَّا سمعوا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وعيدٌ بليغٌ، وقد أكَّدَهُ بالقسَمِ في ﴿لَقَدْ﴾؛ أي: ولم يخفَ عليهِ، وأنهُ أعدَّ لهم العقابَ عليهِ.\nوكذلكَ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ كما يقولُ المهدِّدُ لمرتكب الجرائمِ إذا وقفَ منه على جريمةٍ جديدةٍ: لقد سمِعتُها، وسأكتُبها مع صواحبِها، يريدُ ما نسيتُ (^٣) جرائمك أجمعها، وأُلحقُ إحداها بالأُخرى محفوظةً مكتوبةً عندي حتى أواخذك (^٤) بالكلِّ.\nفالكلامُ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية، ومفرداتُه على حقائقها، والسينُ لتأكيدِ الإثباتِ، كما أنَّ (لن) لتأكيدِ النفي، أتى بها ليكونَ الوعيدُ على طريقِ التأكيدِ، كما في الإخبارِ بوجود السماعِ لأنَّ الجريمة عظيمةٌ، إذ هو كفرٌ بالله تعالى، واستهزاءٌ بالقرآن.\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿يَعْمَلُونَ﴾ على الغيبة، وقرأ الباقون ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على الالتفات، انظر: \"السبعة\" (ص: ٢٢٠)، و\"التيسير\" (ص: ٩٢).\n(^٢) في هامش (د) و(ف): \"رد لسعد الدين فيما زعمه أن في الكيفية استعارة. منه \".\n(^٣) في (ك): \"ما السبب\"، وفي (م): \"ما سبب\"، وفي (ف): \"ما ينسبه به \"، وفي (ح) قريب منه، وفي (د): \"ما ينسب \"، والصواب المثبت.\n(^٤) في (ك): \"آخذك\".","vol":"2","page":441},{"text":"﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾: هذا العطفُ تذكيرٌ لهم بما يستحقُونَ بهِ أشدَّ العذابْ إظهارًا لشدةِ الغضبِ، وتوبيخٌ شديدٌ؛ أي: هذه عظيمةٌ مثلُها، ولهم سوابقُ في ذلكَ، ومَن ارتكبَ قتلَ الأنبياءِ لم يُستبعَد منهُ الاجتراءُ على مثل هذا القولِ.\nولا احتمالَ لأنْ يكونَ قتلُ الأنبياء بحقٍّ فقولِه: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بيانٌ للواقع زيادةً في التفضيحِ.\n﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ تتمةٌ للوعيدِ معَ تهكّمٍ بالغٍ، ننتقم منهم بهذا القولِ، وذُقْ كلمةٌ يقولُها المنتقِمُ للمنتقَمِ منهُ؛ أي: ذوقوا كما أذقتُم المسلمينَ الغُصصَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-475\"> </span>(١٨٢) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما مرَّ من عذابِ الحريقِ تهويلًا وتعظيمًا.\nوالذوقُ: إدراكُ الطعمِ، وعلى الاتِّساعِ يُستعمَلُ لإدراك سائرِ المحسوساتِ والحالاتِ، والتهكُّمُ بهِ لأن سببَ العذابِ قولُهم الناشئُ عن البخلِ والتهالكِ على المالِ، وغالبُ الحاجةِ إليهِ لتحصيلِ المطاعم، ومعظَمُ بخلِه للخوفِ من فقدانِه، ولذلكَ كثُرَ ذكرُ الاكلِ مع المالِ.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى العذابِ.\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مِن قتلكم الأنبياءَ، وقولهم هذا، وسائرِ معاصيهم (^١).\nولما كانَ أكثرُ الأعمالِ تُزاول بالأيدي، جعَلَ كل عملٍ وإن كان بالقلبِ أو اللسانِ\n_________\n(^١) في (د): \"لمعاصيهم \".","vol":"2","page":442},{"text":"وسائرِ الجوارح عملًا بالأيدي، على سبيلِ التغليبِ، ولأن اليدَ مظهَرُ القدر (^١) وآلةُ المباشَرةِ نسبوا الكسبَ إليها، كأنهم أرادوا كسبَ النفسِ وحدَها بلا مشاركةِ أحدٍ فيهِ.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: عطف على ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾؛ أي: ذلك بسببِ كسبكُم بأنفسكُم، وبأن الله عادلٌ لا يجازيكُم إلا بما كسبتُم.\nوقضيةُ العدلِ: عقابُ المسيء وثوابُ المحسن، وصيغةُ المبالغة للتنبيهُ على أن شأنَهُ تعالى البلوغُ إلى الغايةِ في كلِّ وصف يتَّصفُ به، فعلى تقدير اتصافهِ بالظلمِ يلزَمُ أن يكون ظلَّامًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-476\"> </span>(١٨٣) - ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: هم كعبُ بن الأشرفِ وأضرابه (^٢).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ يعني: أمرَنا في التوراة وأوصانا.\n﴿أَلَّا نُؤْمِنَ﴾: بأن لا نؤمن.\n﴿لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾: بهذه المعجزةِ الخاصة التي كانت لبني إسرائيلَ، وهو أن يقرِّبَ بقربانٍ، فيقوم النبيُّ فيدعُوَ، فتنزلَ نار سماويةٌ فتأكله؛ أي: تُحيله إلى طبعها بالإحراقِ.\n_________\n(^١) في (م): \"مظهرة للقدر\". وفي (ك): \"مظهرة لليد\"، وفي (ف): \" مظهر القوة\".\n(^٢) في (م) و(ف): \" وأحزابه \". وفي \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٢): هم كعب بن الأشرف، وما لك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا.","vol":"2","page":443},{"text":"﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ﴾؛ أي: جاءَ أسلافَكم الذي أنتُم على ملَّتِهم وراضون بفعلهم.\n﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إلزامٌ لهم بأنَّ رسلًا جاؤوهم قبلَه كزكريَّا ويحيى ﵉ بمعجزاتٍ موجبةٍ للتصديقِ، وبهذه الآيةِ التي اقترحوها، فلمَ قتلُوهم إن كانوا صادقين (^١) أن الإيمان يَلزمهم بإتيانها.\nوأما ما قيلَ: أن هذه الآيةَ ما أوجبت التصديقَ والايمان (^٢) إلا بكونها آيةً ومعجزةً، فهي إذًا وسائرُ الآيات سواءٌ في ذلكَ، فلا يُجدي نفعًا في دفعِ ما قالُوا؛ لأنهم (^٣) ادعوا العهدَ من الله تعالى فيهِ ذلكَ.\nقال السديُّ: إن الله أمر بني إسرائيلَ في التوراةِ: مَن جاءكم يزعمُ أنه رسولٌ مني فلا تصدِّقُوه حتى يأتيَكُم بالقربان تأكلُه النارُ من السماءِ، حتى يأتيكُم المسيحُ ومحمدٌ، فإذا أتياكم فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغيرِ قربانٍ (^٤)، فما ذكروه ليسَ مِن مُفترياتهم بل مِن محرَّفاتهم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ح) و(د) و(ف): \"فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين \"، وفي (م): \"فلم قتلتموهم إن كانوا صادقين \".\n(^٢) في (ف): \"الإيماء\"، وقوله: (إلا بكونها معجزة ..) إلى: (سواء) سقطت من (د) والمثبت من (ك) و(م).\n(^٣) في (م): \"إلا أنهم \".\n(^٤) في هامش (م): \"مذكور في \"التيسير\": قال القرطبي بعد ذلك: وقيل: كان أمر القرابين ثابتا إلى أن نسخت على لسان عيسى ﵇. منه \". ونحوه في هامش (ف) مع بعض تحريف وسقط.","vol":"2","page":444},{"text":"<span id=\"aya-477\"> </span>(١٨٤) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾: تسلية للرسولِ ﷺ مِن تكذيبِ قومِه وتكذيبِ اليهودِ.\n﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الزبر: جمعُ زبورٍ، وهو المكتوبُ، يقالُ: زبرَهُ؛ أي: كتَبهُ، والجمعُ يدلُّ على الكثرةِ، فالمراد (^١) منهُ الصحفُ، ومن الكتاب المنيرِ: التوراةُ، والزبورُ، والإنجيلُ.\nوقرئ: ﴿وَبالزُّبُرِ وَبالْكِتَابِ﴾ بإعادةِ الجارِّ فيهما (^٢)، للدلالةِ على أنها مغايرةٌ للبيناتِ بالذاتِ، وأنَّ الكتابَ مغايرٌ لها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-478\"> </span>(١٨٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمصدِّقِ والمكذِّبِ، وهو من تمام التسليةِ؛ إذ بذكرِ الموتِ والفكرة (^٣) يهونُ ما يصدُرُ من الكفار من التكذيب وغيره، وفيه دلالةٌ على أن النفسَ غيرُ البدنِ، وأنها لا تموتُ بموتهِ.\nوقرئ: (ذائقَةٌ الموتَ) بالنصبِ مع التنوين على الأصلِ وعدمِه لالتقاء الساكنين (^٤).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \" والمراد \".\n(^٢) هي قراءة ابن عامر الشامي برواية هشام عنه، أما رواية ابن ذكوان عنه فبزيادة الباء في ﴿الزُّبُرِ﴾ وحده، وقرأ الباقون بغير باء فيهما، انظر: \"السبعة\" (ص: ٢٢١)، و\"التيسير\" (ص: ٩٢).\n(^٣) في (ف): \" والكفرة\".\n(^٤) نسبها ابن خالويه، والزمخشري لليزيدي، ونسبها ابن عطية للأعمش، انظر: \"المختصر في شواذ=","vol":"2","page":445},{"text":"﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾: تعطَون ثوابَ أعمالكم تامًّا وافيًا.\nومَن قالَ: جزاءَ أعمالكم خيرًا كان أو شرًا، فكأنه لم يفرّق بين الأجرِ والجزاءِ.\n﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يعني: في (^١) دار الآخرةِ. ولفظُ التوفيةِ إن لم يشعِر بأنه قد يكونُ في هذه الدارِ بعضُ الأجورِ فلا يدلُّ على عدمه، فلا ينافي عليهِ ما يدلُّ على وقوعِهِ من الأخبارِ، كقوله (^٢) ﵇: \"الصدقةُ والصلاةُ تَعْمُر أن الدِّيارَ وتَزيدان في الأعمار\" (^٣).\nوأما ما يُعطى في القبرِ فمما يؤتى (^٤) في الدارِ الآخرةِ؛ لأنَّ الموتَ بابُها، والقبرَ أولُ المنزلِ.\n﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾؛ أي: بُعِّد عنها، وقد سبق في سورة البقرة.\n﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ بالنجاةِ ونيل المرادِ، والفوزِ الظفرِ بالبغيةِ.\n﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لذَّاتُها وزخارِفُها ﴿إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾: شبَّهها بالمتاع الذي يُدلَّسُ به على المستامِ ويُغرُّ حتى يشتريَهُ، ثم يتبيَّنُ له فسادُهُ ورداءته، والمدلِّسُ هو الشيطانُ.\n_________\n= القراءات\" (ص:٢٣)، و\"المحرر الوجيز\" (١/ ٥٥٠)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٨٥).\n(^١) \"في \"ليست في (د).\n(^٢) في (م) و(ف): \"لقوله\".\n(^٣) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" (٣/ ٦٠٤) بلفظ: \"إن الصدقة والصلة تعمران … \". ورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٥٢٥٩) بإسناد صحيح من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا بلفظ: \" .. وَصِلَةُ الزَحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ … \".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"يوفى\".","vol":"2","page":446},{"text":"وإنما هذا التشبيهُ تنفيرٌ وتحذيرٌ لمن اشتراها بالآخرةِ، ويؤْثرُها عليها، وأما بالنسبةِ إلى مَن باعَها بالآخرةِ وعلمَ سرعةَ نفادِها (^١)، واتخذ منها زادَهُ، وتركَها واختار الباقيةَ فهي متاعُ (^٢) العبورِ لا الغرورِ، والغرورُ مصدرٌ، والإضافةُ للملابسةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-479\"> </span>(١٨٦) - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\n﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾؛ أي: والله لتُختَبرُنَّ ﴿فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ بتكليفِ الإنفاق وما يصيبُهُ من الآفات ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ بالجهاد والقتلِ، والأسرِ والجَرحِ، وما يَردُ عليها من المخاوفِ والأمراضِ والمتاعب.\n﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾: من هجاءِ الرسولِ ﷺ، والطعنِ في الدين، وإغراءِ الكفرةِ على المسلمينَ.\nأخبرَهم بذلك قبلَ وقوعِها ليوطِّنوا أنفسَهم على الصبرِ والاحتمالِ، ويستعدُّوا للقائها حتى لا يرهقَهم نزولها فيفوتَهم الصبرُ والأجرُ والكرامةُ.\n﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ على ذلك ﴿وَتَتَّقُوا﴾ مخالفةَ أمرِ الله ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ يعني: الصبرَ والتقوى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: من معزومات الأمورِ؛ أي: مما يجبُ العزمُ عليه من الأمورِ، أو مما عزم الله أن يكونَ منكم، وقطعَه عليكُم، وبالغَ فيه.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"نفاذها\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"الغرور\" ولعله من خطأ الناسخ.","vol":"2","page":447},{"text":"والعزمُ: القطعُ، قالَ ﵇: \"لا صيامَ لمن لم (^١) يَعزمِ الصيامَ من الليل\" (^٢)، أي: لم يبيّت، ولا اختصاصَ له بالرأي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-480\"> </span>(١٨٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾؛ أي: اذكر وقتَ أخذِه ﴿مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يريدُ به العلماءَ.\n_________\n(^١) في (د): \"لا\".\n(^٢) أورده بهذا اللفظ الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٢٨٤)، ولم نقف عليه بلفظ: \"يعزم \"، وقال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (١/ ١٥٠): (ولفظة يعزم لم أجدها). قلت: لكن الترمذي ترجم به لحديث حفصة.\nفقد رواه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٢٣٣٥)، وابن خزيمة في \" صحيحه \" (١٩٣٣)، والدارقطني في \"سننه\" (٢٢١٦)، من حديث حفصة ﵂ بلفظ: \"من لم يُجْمِعْ الصِّيَامَ قبل الْفَجْرِ فلا صِيَامَ له \"، ورواه النَّسَائِيّ (٢٣٣١) و(٢٣٣٢) بلفظ: \"من لم يبيت … \" وهو عند ابن ماجه (١٧٠٠) بلفظ: \"لا صيامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِن اللَّيْل\". قال الترمذي: حدِيثُ حفصةَ حديثٌ لَا نَعْرِفُهُ مرفوعًا إلا من هذا الوَجْهِ، وقد رُوِيَ عن نَافِع عن ابن عُمَرَ قَوْلهُ، وهو أَصَحُّ.\nقلت: روى موقوف ابن عمر النَّسَائِيّ (٢٣٤٢) و(٢٣٤٣).\nوهذا الحديث قد اختلف في رفعه ووقفه، ورفعُه غير ثابت فيما قاله البخاري في \"التاريخ الأوسط\" (١/ ١٣٤)، وأبو حاتم فيما نقله عنه ابنه في \"العلل\" (٣/ ٩)، وصَوَّب وقفه النَّسَائِيّ في \"السُّنن الكبرى\" بإثر الحديث (٢٦٦١)، لكن مال الخطابي في \"معالم السُّنن\" (٢/ ١٣٤)، وعبد الحق الإشبيلي في \"الأحكام الوسطى\" (٢/ ٢١٤)، وكذلك ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٢٦٢٦) إلى تصحيح الرفع.","vol":"2","page":448},{"text":"﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾: حكايةٌ لمخاطبتهم (^١)، وقرئ بالياءِ (^٢) لأنهم غُيَّبٌ. واللامُ جوابُ القسمِ الذي نابَ عنه قولُه: ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ﴾ والضميرُ للكتابِ.\n﴿فَنَبَذُوهُ﴾، أي: الميثاقَ وما عُهِدَ إليهم.\n﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ شنَّعَ على أهل الكتابِ، وبالغَ في توبيخِهم بأنهم إذ اخذَ الله ميثاقَهم وعهِدَ إليهم، وأكَّدَهُ بالقسمِ أن يُظهِروا الكتاب، وأوجبَ عليهم بالتأكيدِ بيانَ ما فيه واجتنابَ كتمانِه، فقابلوا مبالغته في ذلكَ بالمبالغةِ في اطِّراحه وتركِه، فإن النبذَ وراء الظهرِ مثلٌ في (^٣) الطرحِ بالكليَّةِ وتركِ الاعتدادِ بالشيءِ.\nالنبذُ: الرميُ والإبعادُ، وفي الحديثِ: أنه مرَّ بقبر منتبذ عن القبور (^٤)، أي: منفردٍ بعيدٍ عنها (^٥).\nوالوراءُ كما يطلَقُ على الخلفِ يطلَقُ على الأمامِ، فإضافتُه إلى الظهرِ لتعيين معنى الخلفِ.\n﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ﴾: وأخذوا بدله (^٦).\n﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مِن حطام الدنيا وأعراضِها.\n_________\n(^١) في (م): \"بحال مخاطبتهم \".\n(^٢) قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية شعبة، وقرأ باقي السبعة بالتاء للخطاب، انظر: \"التيسير\" (ص:٩٣).\n(^٣) \"في \"من (د).\n(^٤) رواه النَّسَائِيّ (٢٠٢٤) عن الشَّعبيِّ، قال: أَخْبَرَني مَن رَأَى النَّبيَّ ﷺ: مَرَّ بِقَبْرٍ مُنتبِذٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفَّ أَصْحَابَهُ خَلْفَهُ، قيل: مَن حَدَّثَكَ؟ قال: ابنُ عبَّاسٍ.\n(^٥) في هامش (د) و(ف): \"ذكره ابن الأثير في النهاية. منه\".\n(^٦) في (د): \"به\".","vol":"2","page":449},{"text":"﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾: يختارون لأنفُسِهم، وقد سبقَ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة البقرةِ.\nوكفى به دليلًا على أنه مأخوذٌ على العلماءِ أن يُبيِّنوا الحقَّ للناسِ، وأن لا يكتموا مما علِموه شيئًا لغرضٍ فاسدٍ؛ مِن تسهيلٍ على الظَّلمةِ، وتطييبٍ لنفوسِهم، واستجلابٍ لمسارِّهم (^١)، أو لجر منفعةٍ، أو لتقيَّةٍ مما لا دليلَ عليهِ ولا أمانةَ، أو لبخلٍ (^٢) بالعلم أو غيره أن يُنسَب إليه غيرُهم.\nوعنِ النبيِّ ﷺ: \"مَن كتمَ علمًا عَن أهلِه أُلجِمَ بلجامٍ من نارٍ\" (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-481\"> </span>(١٨٨) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الخطابُ لرسول الله ﷺ، ومَن ضمَّ الباءَ جعل الخطابَ له وللمؤمنينَ. وأحد المفعولَين ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾، والثاني ﴿بِمَفَازَةٍ﴾، وقولُه: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدٌ، والفاءُ للإشعار بأن أفعالهم المذكورةَ علةٌ لنفي الحسبانِ والنهي عنهُ، والمعنى: لا تحسبن الذين يفرحُون بما فعلوا من التدليسِ وكتمان الحقِّ، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا\n_________\n(^١) في (د): \"لمساوئهم\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"البخل \".\n(^٣) رواه أبو داود (٣٦٥٨)، والترمذي (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦٦)، من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ يعلمه فكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامِ مِنْ نَارٍ\".\nقال الترمذي: حديث حسن.\nورواه الطبراني في \"الكبير\" (١٠٨٤٥) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"2","page":450},{"text":"لَمْ يَفْعَلُوا﴾ منَ الوفاءِ بالميثاقِ، وإظهار الحقِّ، والإخبار بالصدقِ ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ منجاةٍ ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي (^١): فائزينَ بالنجاة منهُ.\nوقرئ بالياء وفتح الباء في الأول وضمِّها في الثاني (^٢)، على أن ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلٌ ومفعولا ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ محذوفانِ يدلُّ عليهِما مفعولا مؤكِّدِه، وكأنه قيلَ: ولا يَحْسِبنَّ الذين يفرحون بما أتوا فلا يَحْسِبُنَّ أنفسهم بمفازةٍ.\nوقيلَ: المفعولُ الأولُ محذوفٌ، وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ تأكيدٌ للفعلِ وفاعلِه ومفعولِه الأول (^٣).\nوفيه: أن التأكيد للفعلِ والفاعلِ فقط إذ ليسَ المذكورُ سابقًا إلا الفعلُ والفاعلُ (^٤)، فالضميرُ المنصوب المتصلُ بالتأكيدِ هو المفعولُ الأول ولا حذفَ (^٥).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرهم وتدليسهم، روي أنه ﵇ سألَ اليهود عن شيء في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيهِ، وأروهُ أنهم قد صدَقوه وفرحوا بما فعلوا، فنزلت (^٦)، وقيلَ غيرُ ذلكَ.\n_________\n(^١) \"أي\" زيادة من (م).\n(^٢) يعني والثاني بالياء مع ضم الباء، والسين فيهما مكسورة، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٢ - ٩٣).\n(^٣) والتقدير: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون أنفسَهم بمفازة فلا يَحْسِبُنَّهم، والفاء زائدة. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ١٩٣).\n(^٤) \"إذ ليس المذكور سابقًا إلا الفعل والفاعل\" سقط من (د).\n(^٥) فيه بحث ينظر في \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ٨٨).\n(^٦) رواه البخاري (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨) من حديث ابن عباس ﵄. وانظر: \"أسباب النزول\" (ص:١٢٧)، و\"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٠١).","vol":"2","page":451},{"text":"والحقُّ أنه شاملٌ لكلِّ مَن أتى بحسنةٍ ففرحَ بها فرحَ إعجابٍ، وأحبَّ أن يحمدَهُ الناس بما ليسَ فيه من الفضيلةِ، وبما لم يفعل من أنواع البرِّ، وأَوْهَم ولبَّسَ، وإن كان السببُ خاصًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-482\"> </span>(١٨٩) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو يملك أمرَهم ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدرُ على عقابهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-483\"> </span>(١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لدلالاتٍ واضحةً على وجود الصانعِ ووحدَتهِ، وكمالِ علمِه وقُدرَته لذوي العقولِ الخالصة عن قشورِ الأوهامِ، والعاداتِ الصافيةِ عن مشوبِ الهوى، والخيالاتِ المدركةِ للحقائقِ بنظرِ الاعتبار، المتدبرةِ للمعاني بصوابِ الأفكارِ، وعن النبي ﷺ: \"ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها\" (^١).\nوالاقتصارُ على الثلاثةِ المذكور لأن مناطَ الاستدلالِ هو التغييرُ وأنواعُه الثلاثةُ يوجَدُ فيها؛ لأنَّه إما أن يكون في الأحوال الخارجةِ عن الشيءِ كتغير الأفلاكِ، أو في جزئه كتغيرِ العناصرِ بتبدُّلِ صورها، أو في ذاته كتغيرِ الليل والنهارِ، ووجهُ الترتيب ظاهرٌ.\n_________\n(^١) رواه ابن حبان في \"صحيحه\" (٦٢٠) من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂.","vol":"2","page":452},{"text":"<span id=\"aya-484\"> </span>(١٩١) - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ محلُّهُ النصبُ على الحال عطفًا على إخوتهِ؛ أي: قائمين وقاعدين ومضطجعين، يعني: يذكرونَ اللهَ تعالى ذكرًا دائمًا على أيِّ حالٍ كانوا من قيامٍ وقعودٍ واضطجاع.\n﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: في خلقِ العالم استدلالًا واعتبارًا، وهو أفضلُ العباداتِ كما قالَ ﵇: \"لا عبادة كالتفكُّر\" (^١) لأنَّه عملُ القلبِ. والمقصود من الخلق (^٢)، وفيهِ إشعارٌ بأن ذوي الألبابِ بيانَهم وتفسيَرهم الذين يذكُرون اللهَ دائمًا على أيِّ حالٍ كانوا، المتفكِّرُون في خلقِه.\n﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾: مقولُ قولٍ مقدَّرٍ؛ أي: يقولونَ، وهو في موضعِ الحالِ بمعنى: يتفكَّرون قائلينَ، و﴿بَاطِلًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: ما خلقتَهُ خَلْقًا باطلًا بغيرِ حكمةٍ، أو حالٌ من ﴿هَذَا﴾، وهو إشارة إلى ما عبَر عنه بقُطريهِ، وهو عالَمُ الملكِ، وفيه ضربٌ من التعجيبِ، وظهورِ أمره في العظمةِ.\nوكما أنَّ (ذلك) يُستعمَلُ في التعظيمِ. لبعدِ المرتبةِ وعلوِّ القدرِ، فكذلك (هذا)\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٥٤). ورواه ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٣٠٧)، والبيهقي في \" الشعب \" (٤٦٤٧)، عن علي ﵁ أنه قال لابنه الحسن: يا بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا مال أعوز من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، ولا عقل كالتدبير، ولا ورع كحسن الخلق، ولا عبادة كالتفكر … \" الحديث بطوله، تفرد به أبو رجاء محمد بن عبد اللهَّ الحبطي، وليس بالقوي كما قال البيهقي. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من حديث الأثبات.\n(^٢) في (د): \" الخلوة \".","vol":"2","page":453},{"text":"يستعمَلُ لظهورِ أمره في ذلكَ المعنى، وتعيُّنهِ وانفرادِه بذلكَ (^١)؛ أي: ما خلقتَ هذا العالمَ العجيبَ الشأنِ، النتز البرهانِ، المتفردَ (^٢) بالعظمةِ وغرابةِ الإبداعِ، باطلًا.\nوفي السكوتِ على هذا القدْرِ من البيان دلالةٌ على قصور العبارةِ عن بيانِ فوائده ومنافعِه ولو إجمالًا.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لكَ من فعل العبثِ، وخلقِ الباطلِ، وهو اعتراضٌ.\n﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ للإخلال بالنظرِ فيهِ، والقيامِ بما يقتضيهِ، ولكونِ الدلالة على وجوبِ الاعتبار به واجتنابِ الغفلةِ عنهُ مأخوذةً في: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ حَسُنَ تعقِيبهُ بهذا الكلام.\nوالفاءُ للسببيةِ، أي (^٣): إذا ذكَرناك وأقرَرنا بك فقِنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-485\"> </span>(١٩٢) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.\n﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ غايةَ الإخزاءِ، وهذا مستفادٌ من جعل الجزاءِ أمرًا ظاهر اللزوم للشرطِ بحيثُ لا فائدةَ في ذكرِه ما دامَ محمولًا على إطلاقِه، فيُحمَلُ على أخصِّ الخصوص ليفيدَ، والمرادُ به تهويلُ المستفادِ منه.\nقالَ ابن السكِّيتِ: خَزِيَ يخزَى خزيًا؛ إذا وقعَ في بليةٍ؛ فلا إشعارَ فيه بأن العذابَ الروحاني أفظَعُ.\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"ومن لم يتنبه له قال في صدد تفسيره وبيان المراد منه: بل خلقته لحكمة عظيمة. منه \".\n(^٢) في (م) و(ف): \"المنفرد\".\n(^٣) \"أي\" من (م).","vol":"2","page":454},{"text":"وقد تمسَّكَ بهذه الآيةِ أصحابُ الوعيدِ وقالوا: مَن دخلَ النار ينبغي أن لا يكونَ مؤمنًا؛ لقولِه: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم:٨].\nوالجوابُ: أن المرادَ من الذينَ آمنوا معهُ الأصحابُ ﵃، لا الذينَ آمنوا مطلقًا (^١).\n﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ اللام للعهدِ، والإشارةِ إلى مَن يدخلُ النارَ، والإعلامِ بأن مَن يدخُلُ النارَ فلا ناصرَ لهُ، ووُضع المظهَرُ موضعَ المضمرِ للدلالة على أن ظلمَهم سببٌ لإدخالهم النارَ وانقطاعِ النصرة عنهم في الخلاصِ منها، ولا يلزَمُ من نفي النصرةِ نفيُ الشفاعة؛ لأن النصرةَ دفعٌ بقهرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-486\"> </span>(١٩٣) - ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.\n﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ إذا أُريدَ (^٢) تخصيصُ سماع القول بمن سُمعَ منهُ، وأُوقعَ (^٣) الفعلُ على مَن سُمعَ منهُ، وحُذِفَ المسموعُ، ووُصف المتكلمُ الموقَعُ عليهِ الفعل بما سُمِعَ منه، أو جُعِلَ حالًا منهُ، فيسُدُّ الحالُ أو\n_________\n(^١) في هامش (د) و(ف): \"لا يقال: العرف لا يساعد القيد المذكور؛ لأنَّه يكفي مساعدة اللغة وعليه التنزيل. منه \".\n(^٢) بعدها في النسخ: \"به\"، والصواب المثبت. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٦/ ٢٦٠).\n(^٣) في (ح) و(د) و(ف): \"أو وقع \"، وفي (م): \"أوقع \"، وسقطت الجملة من (ك). والصواب المثبت. انظر: المصدر السابق.","vol":"2","page":455},{"text":"الوصفُ مسدَّهُ (^١)، تقول: سمعت رجلًا يقولُ، وسمعت زيدًا يتكلم.\nوذكَرَ النداء مطلقًا ثمَّ قيدَهُ بالإيمان تعظيمًا للمنادي وهوَ الرسولُ، وتفخيمًا لشأنهِ، والنداءُ والدعاءُ ونحوُهما يُعدَّى بـ (إلى) واللام لتضمُّنِها معنى الانتهاءِ والاختصاصِ.\n﴿أَنْ آمِنُوا﴾: أي آمِنوا، أو: بأنْ آمِنوا ﴿بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾: فامتثلنا، والفاء للعطفِ على ﴿سَمِعْنَا﴾، أو مسبَّبةٌ عن ﴿آمِنُوا﴾؛ أي: تسبَّبَ عنه إيماننا.\n﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾: الفاء للسببية؛ أي: إذا آمنا فاغفِرْ لنا: ﴿ذُنُوبَنَا﴾ كبائرنا فإنها ذاتُ تبعةٍ.\n﴿وَكَفِّرْ﴾ تجاوز ﴿عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾: صغائرنا فما نها مستقبَحةٌ.\nفي تخصيصِ كلٍّ من التعديتين بمقامهِ نوعُ إشارةٍ إلى أن المرادَ من الذنوبِ الكبائرُ كما يناسِبُها معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ (^٢) واختصاصه به تعالى، ومن السيئات الصغائرُ كما يناسبها أيضا معناها وما تعلَّقَ بها من الفعلِ بحسب معناهُ (^٣) وجوازِ استعماله في غيرِه تعالى.\n﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾: مخصوصينَ بصُحبتهم، معدودين في زمرَتهم، ولا دلالةَ فيه على طلب التوفِّي حتى يكون فيهِ تنبيهٌ على أنهم يحبُّونَ لقاءَ الله تعالى.\nوالأبرارُ: جمعُ بَرٍّ، أو بارٍّ؛ كأربابٍ وأصحابٍ.\n_________\n(^١) أي: مسد المسموع، فتقول: سمعت رجلا يقول كذا، وسمعت زيدًا يتكلم، فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع؛ لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالا عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد، وأن يقال: سمعت كلام فلان أو قوله. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٥٥).\n(^٢) في (م): \"معناها\".\n(^٣) في (م): \"معناها\".","vol":"2","page":456},{"text":"<span id=\"aya-487\"> </span>(١٩٤) - ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.\n﴿رَبَّنَا وَآتِنَا﴾: عطفٌ على الدعواتِ السابقة، وتكرارُ ﴿رَبَّنَا﴾ للاستلذاذِ بذكره، والخضوعِ بالمربوبية، وكذا جميع التكرارات في الآية.\n﴿مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ أي: على تصديق رسلكَ من الثوابِ.\nقيل: لمَّا ظهرَ امتثاله لِمَا أُمرَ بهِ سألَ ما وُعِدَ عليهِ، لا خوفًا من إخلافِ الوعدِ، بل مخافة أن لا يكونَ من الموعودينَ لسوءِ عاقبته، أو قصورٍ في الامتثالِ (^١).\nوَيرِدُ عليهِ: أنه على تقديرِ وقوعِ ما خافَهُ لا يكونُ السؤال المذكورُ مناسبًا لحاله، وعلى تقديرِ عدمِهِ لا حاجةَ إلى السؤالِ، فالوجه أن يُقالَ: إنه تعبدٌ واستكانةٌ، ويجوز أن يكونَ التقديرُ: منزلًا على رُسلك، أو على (^٢) ألسنةِ رسلك.\n﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بأن تعصِمَنا عما يقتضيه.\n﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾: بإثابةِ المؤمن (^٣) وإجابة الداعي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-488\"> </span>(١٩٥) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"امتثاله\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"على رسلك وعلى\".\n(^٣) في (د): \" المؤمنين \".","vol":"2","page":457},{"text":"﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾؛ أي: طلبهم (^١)، وهو أخصُّ مِن (أجاب)، ويُعدَّى بنفسه وباللام.\nوفي الآثار: مَن حَزبه أمر فقال خمس مرات: ربنا، أنجاه الله تعالى مما يخاف (^٢).\n﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: بأني لا أضيعُ، وقرئ بالكسر على إرادة القولِ (^٣).\n﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيانُ ﴿عَامِلٍ﴾.\n﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لأن الذكرَ من الأُنثى والأنثى من الذكرِ، أو لفرط الاتصالِ والاتحادِ لأنهما من أصلٍ واحدٍ. أو للاجتماع والاتفاقِ في الدينِ، وهي جملة معترضة بيَّنَ بها شركةَ النساءِ مع الرجالِ فيما وَعد للعمالِ.\nرُوي أن أم سلمةَ ﵂ قالتَ: يا رسولَ اللهِ! إني أسمع اللّهَ يذكرُ الرجال في الهجرةِ ولا يذكُر النساءَ. فنزلت (^٤).\n﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ إلخ، تفصيل لأعمال العمالِ وما أُعِدَّ لهم من الثوابِ على سبيل المدحِ والتعظيمِ، والمعنى: فالذين هاجروا الأوطانَ والعشائرَ ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ بسببِ إيمانهم باللهِ، ومن أجله.\nبدأ أولًا بالخاص، وهي الهجرةُ، وهي أشقُّ شيءٍ على النفسِ، وثنَّى بما هو أعمُّ منها، فإن الخروجَ من الديار لا يستلزِمُ الهجرة إلى المدينةِ؛ كخروجِ مَن خرجَ\n_________\n(^١) في (ك): \"طلبتهم \".\n(^٢) أورده الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٤٥٧) عن جعفر الصادق ﵁.\n(^٣) قرأ بها عيسى بن عمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤).\n(^٤) رواه الترمذي (٣٠٢٣)، والحا كم في \"المستدرك\" (٣١٧٤) وصححه.","vol":"2","page":458},{"text":"إلى الحبشةِ وإلى جندل، وأتى ثالثًا بذكرِ الإذاية (^١) وهو أعمُّ من أن يكونَ بإخراجٍ من الديارِ وبغيرهِ، وارتقى بعد هذه الأوصافِ السَّنِيةِ إلى رتبةِ الجهاد فقالَ:\n﴿وَقَاتَلُوا﴾ الكفارَ ﴿وَقُتِلُوا﴾ في سبيل الله، وقرئ بالعكس (^٢) ولا منافاةَ؛ لأنَّ الواو لا توجب الترتيب، والثاني أفضلُ لإشعاره بأنه قُتلَ بعضُهم وقاتل الباقونَ ولم يضعُفوا.\nوقرئ: ﴿قُتِلُوا﴾ بالتشديدِ للتكثيرِ (^٣).\n﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (كفَّرَ) إذا عُدِّي بـ (عن) يفيدُ معنى: تجاوَزَ (^٤).\n﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: يثيبُهم (^٥) بذلك إثابةً من عند الله تفضُّلًا منه، فهو مصدر مؤكِّدٌ.\n﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ على الطاعاتِ، قادر عليهِ.\nبالَغَ في جزائهم بالتأكيدِ القسَمي، وإيرادُ المصدرِ المؤكِّدِ، وتقييدُه بالعنديةِ بعد الإطلاقِ، والالتفاتُ في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإظهارُ اسمِه في الجملةِ بعدَهُ، وجعلُ الجملة الظرفية خبرًا= غايةٌ في البلاغةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-489\"> </span>(١٩٦) - ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"الأذى \".\n(^٢) وهي قرة الأعمش وحمزة والكسائي من السبعة، انظر: \"التيسير\" (ص:٩٣).\n(^٣) وهي قرة ابن كثير وابن عامر، انظر: \"التيسير\" (ص:٩٣).\n(^٤) في (د): \"تجاوزه\".\n(^٥) في (د): \"أثيبنهم\".","vol":"2","page":459},{"text":"﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾: ظاهرُ النهي للتقلُّب وحقيقتُهُ للمخاطَبِ - وهوَ رسول الله ﷺ تثبيتًا (^١) له على ما كان عليهِ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨]- أو لكلِّ أحدٍ؛ ليفيد (^٢) نفيَ السببِ، وهو من بابِ تنزيلِ السببِ منزلة المسبَّبِ؛ لأن التقلُّبَ لو غرَّهُ لاغترَّ بهِ، فمنعُ السببِ - أي: التغريرِ - يستلزِمُ امتناع المسبَّبِ الذي هو الاغترارُ مبالغةً، والمعنى: لا تنظر إلى ما الكفرةُ عليه من السعةِ والحظ، ولا تغترَّ بظاهرِ ما ترى من تبسُّطهم في مكاسبِهم ومتاجِرهم ومزارعِهم.\nروي أن بعض المؤمنين كانوا يرونَ المشركين في رخاء ولين عيشٍ فيقولون: إن أعداء اللهِ فيما يُرَى من الخيرِ وقد هلكنا من الجوعِ والجَهدِ؛ فنزلت (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-490\"> </span>(١٩٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك التقلبُ متاعٌ قليلٌ، وصِفَ بالقلةِ بالنسبة إلى ما فاتهم من نعمِ الآخرةِ، أو بالنسبةِ إلى ثواب المؤمنين، وأراد (^٤) قلَّتهُ في نفسه ودنوَّ قدره لسرعةِ انقضائه (^٥) وزوالِه.\n﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: عطفٌ على محذوفٍ؛ كأنهُ قيلَ: يؤاخَذون بتبعَتِه يوم القيامةِ، ثم مأواهُم جهنمُ (^٦)، و(ثم) للتراخي في الرتبةِ.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"مثبتًا\".\n(^٢) قوله: \"ليفيد\" تعليل لإسناد النهي إلى التقلب. وجاء في (ح) و(ف): \"يفيد\".\n(^٣) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٣٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٦).\n(^٤) في (م): \"أو أراد\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"انفصاله \".\n(^٦) \"عطف على محذوف كأنه قيل يؤاخذون بتبعته يوم القيامة ثم مأواهم جهنم\" سقط من (ف).","vol":"2","page":460},{"text":"﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾؛ أي: ما مَهَدوا لأنفسِهم، فالمخصوصُ بالذم محذوفٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-491\"> </span>(١٩٨) - ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.\n﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أي: خافوه، ولم يخالفوا أمرَهُ ولا نهيَهُ.\n﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: قابلَ جهنم بالجناتِ، وقلةَ متاعِهم بالخلودِ في النعيمِ، فوقعت (لكنْ) أحسَن مواقعها؛ لأنَّه آلَ معنى الجملتين إلى تعذيبِ الكفارِ وإلى تنعيمِ المتقين، فهي واقعةٌ بين الضدين.\n﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزلُ بسكون الزاي وضمِّها: ما يقامُ للنازل عند نزولهِ من القِرى، وفيهِ تنبيهٌ على أن وراء ذلكَ ما هو أعظَمُ منهُ كرامةً، وانتصابُه إما على الحالِ من ﴿جَنَّاتٌ﴾ لتخصيصِها بالوصفِ، والعامل الظرفُ؛ أي: حاصلةً لهم الجناتُ نزلًا، أو على أنه في معنى مصدرٍ مؤكِّدٍ كقوله: ﴿ثُوَابًا﴾، كأنهُ قيلَ: رزقًا أو عطاءً من عندِ الله.\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لكثرتِه ودوامِه ﴿خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ مما يتقلَّبُ فيه الفجَّارُ؛ لقلته وسرعةِ زوالهِ.\nأو خبر (^١) في بيانِ حال (^٢) الذين كفروا بحذفِ المبتدأ والمخصوص بالذمِ واقتصار الكلام للتحقيرِ والازدراءِ وعدم الاعتدادِ بهم وبمتاعِهم، وأطنَبَ في وصف المتقينَ إظهارًا للعنايةِ بهم وبشأنِهم ومآلهم، أولًا بقوله: ﴿لَكِنِ﴾ ليستدرك مآلَهم المخالفَ\n_________\n(^١) قوله: \"أو خبر\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"وأخبر\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \" مآل \"، وفي (د): \" ما \".","vol":"2","page":461},{"text":"بمآلهم المباينِ بما لا يوصَفُ بَونه، ثم بقوله: ﴿رَبَّهُمْ﴾ وتنكيرِ ﴿جَنَّاتٌ﴾ للتعظيمِ، ووصفها للإبهامِ والتوضيحِ، وتقويةِ الإسناد إليهم بتكريرِ النسبةِ في ﴿لَهُمْ﴾، والجملةِ الظرفيةِ، والتقييد بالحالِ، والتأكيد بقولِه: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، والجملةِ الاعتراضيةِ (^١) أي: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-492\"> </span>(١٩٩) - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: نزلت في ابن سلامٍ وأصحابه (^٢)، وقيل غيرُ ذلكَ (^٣)، وإنما دخلَت اللامُ على الاسمِ للفصلِ بينَه وبينَ (إنَّ) بالظرفِ.\n﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الكتابِ.\n﴿خَاشِعِينَ﴾ خائفين خاضعين ﴿لِلَّهِ﴾ حالٌ من فاعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ وجمَعَه هاهنا وفي ﴿إِلَيْهِمْ﴾ باعتبارِ المعنى بعدَ ما أفرَدهُ باعتبارِ اللفظِ.\n﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كما يفعلُ مَن يُسلمُ مِن أحبارهم.\n﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكرَ ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الذي يختصُّ بهم، وهو ما وُعِدوه في قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].\n_________\n(^١) في (م): \"اعتراضية\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٦). وذكره الطبري في \"التفسير\" (٦/ ٣٢٩) دون إسناد.\n(^٣) قيل: نصارى نجران، وقيل: النجاشي، كما ذكر الطبري عن ابن جريج وقتادة، انظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣٢٨).","vol":"2","page":462},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنَّ علمهُ يحيطُ بكل شيءٍ، ولا يشغلُهُ شأنٌ عن شأنٍ، والمرادُ: أن الأجر سريعُ الوصول، فإن سرعةَ الحسابِ تستدعي سرعةَ الجزاءِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-493\"> </span>(٢٠٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ على مشاقِّ الطاعاتِ وما يُصيبُكم من الشدائدِ.\n﴿وَصَابِرُوا﴾ أعداءَ اللهِ في الجهاد؛ أي: غالبُوهم في الصبرِ على شدائدِ الحربِ، ولا تكونوا أقلَّ صبرًا منهم، وتخصيصُه بعد الأمر بالصبرِ مطلقًا لشدَّته وصُعوبته.\n﴿وَرَابِطُوا﴾: أقيموا في الثغورِ رابطين خيلَكُم فيها مترصِّدين مستعدين للغزوِ.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مخالفةِ أمره ونهيه.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لكي تفلِحُوا، والفلاحُ: الأمنُ مما يخافُ، والو صولُ إلى ما يرام.\nوالحمدُ لله على التمامِ، والصلاة (^١) على نبيهِ سيد الأنام، وعلى آلهِ وصحبهِ الكرام، ما تعاقبَ الليالي والأيام (^٢).\n_________\n(^١) في (ف): \" والسلام \".\n(^٢) هنا تنتهي النسخة الخطية المرموز لها بـ (د)، وقد جاء في آخرها: (تمت الكتاب بعون الله وحسن التوفيق، قد وقع الفراغ من تحرير هذه النسخة الشريفة المباركة على يد العبد الضعيف الفقير الحقير المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى قليل الخير والإحسان كثير الذنب والعصيان أحمد بن حاجي الأكوز غفر الله له ولوالديه وأحسن إليهما وإليه في أواسط ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وتسع مئة ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات). وفوق: (غفر الله له) كتب كلمة غير واضحة ثم كلمة: (قسطنطينية).","vol":"2","page":463},{"text":"<span data-type='title' id=toc-68>سُورةُ النِّسَاءِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-494\"> </span>(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ عامّ يتناول الموجودين في زمان الخطاب ومَن بعدَهم (^١) دون المنقرِضين.\n﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ في مخالفة أمره ونهيه.\n﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدمَ ﵇، ترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لِمَا فيها من الدلالة على أن (^٢) قدرته تعالى على إهلاكهم وإنشاءِ خَلْقٍ آخَرين (^٣) على أسهل وجه، لا (^٤) لِمَا فيها من الدلالة على القدرة العظيمة، وإلا لكان خلقُ السماوات والأرض أحقَّ بالذِّكر.\nوما في ذكر الربِّ من الإشارة إلى نعمة التربية الموجبةِ للطاعة لتضمين الترهيب معنى الترغيب.\n_________\n(^١) في (م): \"بعده\".\n(^٢) \"أن \": ليست في (م).\n(^٣) في (م): \"آخر\".\n(^٤) \"لا\": ليست في (م).","vol":"3","page":7},{"text":"﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حوَّاءَ، خلقها من ضِلَعٍ من أضلاع آدم ﵇.\nبيانُ خَلْقهم من نفسٍ واحدة على وجه الاستئناف؛ كأنه قيل: إنهم خُلقوا من ذكرٍ وأنثى لا من ذكَرٍ وحده؟ فأُجيب بأن تلك الأنثى قد خُلقت منه، فالواو استئنافيةٌ لا عاطفة؛ لِمَا عرفتَ أن مدخولها مقرِّر ومبيِّنٌ لِمَا تقدم، والعاطف لا يَتخلَّل بين الشيء ومقرِّره.\nوعلى تقدير العطف على محذوفٍ - أي: خلَقها وخلَق منها زوجها - يندفع المحذور (^١) المذكورُ، إلا أنه لا دخل للمقدَّر في تقريرِ ما ذُكر، ومن شرائط البلاغة تجريدُ الكلام عمَّا لا يقتضيه المقام (^٢).\n﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾؛ أي؛ نشر (^٣) من النَّفْسين المذكورَين من جهة التناسُل والتوالُد، أراد بيانَ كيفية توالُدهم ولذلك قال (^٤):\n﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ دون: ذكورًا كثيرًا وإناثًا، ومَن لم يتفطَّن لهذه الدقيقة الأنيقة قال في تفسيره: بناتٍ وبنينَ كثيرةً (^٥).\nوذكِّر ﴿كَثِيرًا﴾ حفلًا على معنى الجمع، وحُذف وصف النساء لدلالة وصفِ قرينِها (^٦) عليه.\n_________\n(^١) \" المحذور \": من (م).\n(^٢) في هامش (ح) و(ف) و(م): \"رد لصاحب الكشاف \". زاد في (م): \"والقاضي \".\n(^٣) في (ح): \"نثر\".\n(^٤) \"أراد بيان كيفية توالدهم ولذلك قال\" من (ك) و(م)، ووقعت في (ح) و(ف) قبل كلمة \"الدقيقة\" الآتية، وهو خطأ ظاهر.\n(^٥) في هامش (ح) و(ف): \"رد للقاضي \". وفي هامش (م): \"رد للبيضاوي \".\n(^٦) في (ح) و(ف): \"قرينتها\". وسقطت كلمة \"وصف\" من (ف)، وفي هامشها: \"وأما ما قيل: إن=","vol":"3","page":8},{"text":"وقُرئ: (وخالق … وباثٌّ) (^١) على حذف مبتدأ، تقديره: وهو خالقٌ وباثٌّ.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؛ أي: يسأل بعضكم بعضًا به، فيقول: أسألك بالله.\nأو: تسألون غيرَكم، فجيء بـ (تَفَّاعَلُون) (^٢) موضع (تَفْعلون) للكثرة، وَيعضُده قراءة: (تَسْألون) (^٣).\nوأصله: تتساءلون، فأُدغمت التاء الثانية في السين، وقُرئ بطرحها (^٤).\n﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بالنصب عطفٌ على محلِّ الجارِّ والمجرور، وينصره قراءة: (تَسْألون به وبالأرحام) (^٥)، أو على ﴿اللَّهَ﴾؛ أي: اتَّقوا الله واتَّقوا الأرحام فصِلوها ولا تقطعوها.\nوقرئ بالجر عطفًا على الضمير المجرور (^٦).\nوما ذهب إليه البصريون من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ، والضعفِ في إضماره، يردُّه هذه القراءةُ الثابتة بالتواتر، فإنها مما\n_________\n= الحكمة تقتضي أن يكون الرجال أكثر فوجهه غير ظاهر. منه\".\n(^١) تنسب لخالد الحذاء. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤).\n(^٢) في النسخ عدا (ف): \"فجيء يتفاعلون \"، والمثبت من (ف).\n(^٣) تنسب لابن مسعود والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤).\n(^٤) أي: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بتخفيف السين، وهي قراءة عاصم وحمزة والكسَائِي، وقرأ باقي السبعة بتشديد السين. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٣). وانظر كذلك: \"الكشاف\" (١/ ٤٦٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٨).\n(^٥) تنسب لابن مسعود والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤).\n(^٦) وهي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٣).","vol":"3","page":9},{"text":"يُحتج به لا مما يُحتج عليه، إلا عند مَن لا اعتماد له على القراءات الثابتة ولا اعتداد لزعمه الفاسد (^١).\nوقرئ: بالرفع على أنه مبتدأٌ محذوف الخبر (^٢)، تقديره: والأرحامُ كذلك؛ أي: مما يُتَّقَى، أو مما يُتساءل به.\nوقد نبَّه تعالى إذ قَرن الأرحام باسمه على أن صلتها بمكانٍ منه (^٣)، وعنه ﵇: \"الرحم معلَّقةٌ بالعرش تقول: ألَا مَن وَصَلني وَصَلَه اللهُ، ومَن قَطَعَني قَطَعَه الله\" (^٤).\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: حافظًا مطَّلعًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-495\"> </span>(٢) - ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ كما بلَغوا إنْ أُونس منهم الرُّشدُ، ولذلك أَمر بابتلائهم صغارًا، واليتامى: جمع يتيم، وهو الذي مات أبوه، مِن اليتم وهو الانفراد - ومنه: الدُّرَّة اليتيمة، إذا انفَردت في صَدَفها - إمَّا على أنه لمَّا جرى مجرى الأسماء كفارسٍ وصاحبٍ جُمع على يتائم ثم قُلب فقيل: يتامى، أو على أنه\n_________\n(^١) يعرض بالزمخشري الذي ردها. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٦٢)، وقد تأثر كثيرون بكلام الزمخشري منهم البيضاوي فضعفها. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٨).\n(^٢) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٧٩).\n(^٣) \"منه \"ليست في (ح) و(ف).\n(^٤) رواه البخاري (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥)، من حديث عائشة ﵂.","vol":"3","page":10},{"text":"جُمع على يَتْمَى كأسرى لأنَّه من باب الآفات، ثم جُمع (^١) يَتْمَى على يتامى؛ كأسرى وأَسارى.\nوحقُّ هذا الاسم أن يقع على الصغار والكبار؛ لبقاء معنى الانفراد عن الآباء (^٢)، إلا أنه قد غلب أن يسمَّوا به قبل أن يبلغوا مبلَغَ الرجال، فإذا بلغوه زال عنهم هذا الاسم، وعلى وفق هذا ورد عُرفُ الشرع (^٣)، قال ﵇ (^٤): \"لا يُتْمَ بعد الحُلُمِ\" (^٥)، أي: لا يجري عليه أحكام اليتيم ولا يحتاج إلى الولي، والمراد في الآية البالغُ على الاتِّساع؛ لقُرب عهدهم بالصغر (^٦)، حثًا على أن تُدفع إليهم أموالهم أولَ بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم (^٧).\nروي: أن رجلًا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخٍ له يتيمٍ، فلما بلغ طلب المال منه فمنعه، فنزلت فلمَّا سمعها العم قال: أطعنا الله ورسوله، نعوذ بالله من الحوبِ الكبير (^٨).\n_________\n(^١) \"جمع\": من (ك) و(م).\n(^٢) وقع بين كلمة \"عن \" وكلمة \"الآباء\" في (ح) و(ف): \"اعتبار الأخذ والإعطاء من الولي بالنظر إلى حال نفسه، ومراد القائل اعتباره بالنظر إلى حال اليتيم فدائرة الرد على الفهم لا على المفهوم \"، وما بين معكوفتين كلمة لم تجود.\n(^٣) في (م): \"ورد عرف اسم الشرع \"، وفي (ك): \"ورد الشرع \".\n(^٤) في (م) و(ك): \"قال النبي ﷺ \".\n(^٥) رواه أبو داود (٢٨٧٣) من حديث علي ﵁ مرفوعًا، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١٤٥١) عن علي موقوفًا عليه. والمرفوع كما قال الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٠١): أعله العقيلي وعبد الحق وابن القطان والمنذري وغيرهم، وحسنه النووي متمسكًا بسكوت أبي داود.\n(^٦) في (ح) و(ف): \"بالصلاة\"، وهو تحريف.\n(^٧) في هامش (ف): \"وما زاد على هذا في عبارة الكشاف فغير معتبر في زواله. منه \".\n(^٨) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٦٤)، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٤٢) عن مقاتل والكلبي.","vol":"3","page":11},{"text":"﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾؛ أي: لا تستبدلوا (^١) الحرام وهو مالُ اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب (^٢)، والتفعُّل بمعنى الاستفعال كثير.\nأو (^٣): ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم، وتُعطوا الخسيس مكانه.\nورُدَّ بأنه تبديل لا تبدُّلٌ، فإن في التبدُّل وكذا في الاستبدال ما دخلتْه الباء متروكٌ، وما تعدَّى إليه الفعل بنفسه مأخوذ، وفي التبديل بالعكس.\nومبناه على اعتبار الأخذِ والإعطاء من الوليِّ بالنظر إلى حالِ نفسه، ومرادُ القائل اعتباره بالنظر إلى حال اليتيم، فدائرة الردِّ على الفهم لا على المفهوم.\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾؛ أي: لا تضمُّوها إلى أموالكم في الأكل (^٤)، فدلَّ (^٥) قوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ على أن المخاطبين أغنياءُ، وذلك لأنَّه إذا كان فقيرًا يجوز أن يأكل بالمعروف، وفيه تعريضٌ بأنهم كانوا يفعلون كذلك.\nوفائدةُ التقييد بالمعيَّة: الدلالةُ على غاية قبح فعلهم، حيث أكلوا أموالهم مع الغنى عنها ولم يميزوا بينها وبينها، كما هو حال البهائم، وقُصد بذلك تشهيرُ ما كانوا عليه من ارتكاب هذه الأمور القبيحة (^٦)؛ ليكون أزجرِ لهم (^٧)،\n_________\n(^١) في (ك): \"تتبدلوا\".\n(^٢) قوله: \"الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب\" من (م) و(ك).\n(^٣) في (ك): \" قيل \". وتحرفت في (م) إلى: (قليل).\n(^٤) في هامش (ف): \"وسائر وجوه الإنفاق تحال على الدلالة، فلا ضرورة لحمل الأكل على الإنفاق مجازًا. منه\".\n(^٥) في (م): \" ودل \".\n(^٦) من قوله: \"وفائدة التقييد .. \" إلى هنا ليس في (م) و(ك).\n(^٧) في هامش (ف): \"وأما زيادة القبح فيه مع قطع النظر عن التعريض المذكور فلا يصلح ومنها=","vol":"3","page":12},{"text":"ولهذا عُدل عن مقتضَى الظاهر، وهو نهيُ الغنيِّ عن أكل مال اليتيم مطلَقًا.\n﴿إِنَّهُ﴾ الضمير للأكل.\n﴿كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾: ذنبًا عظيمًا، والحوب: مطلَقُ الإثم، قال ﵇: \"ربَّ تَقبَّلْ توبَتي واغْسِلْ حَوْبَتي\" (^١)؛ أي: إثمي، ولو اعتُبر فيه العِظَمُ لَمَا وُصف بالكبير (^٢)، فتدبر.\nوقرئ: (حَوبًا) وهو مصدر حابَ (^٣)، وكذا: (حابًا)، وقد قُرئ به أيضًا؛ كقال قولًا وقالا (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-496\"> </span>(٣) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوَّجتُم بهن.\n﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فتزوَّجوا ما حلَّ لكم من غيرهن.\nكان الرجل يجدُ اليتيمة لها مالٌ وجمالٌ، أو يكون (^٥) وليَّها، فيتزوَّجها ضِنًّا بها\n_________\n= للعدول عن مقتضى الظاهر فإن القبح في أكل الغنى مال اليتيم وجوه أريد واعتبار غنائه لا يقتضي التغيير بالوجه المذكور. منه \".\n(^١) رواه الترمذي (٣٥٥١) من حديث ابن عباس ﵄ وقال: حسن صحيح.\n(^٢) في (م) و(ك): \"بالكبر\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٦٦).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٦٦).\n(^٥) في النسخ عدا (م): \"ويكون \"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٤٦٧)،=","vol":"3","page":13},{"text":"عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشرٌ منهن، فيُخاف لضعفهن وفَقْدِ مَن يغضب لهن أن يَظلمهن حقوقهنَّ ويفرِّط فيما يجب لهن، فقيل لهم: [إن خفتُم أن لا تُقسطوا في يتامى النساء فانكحوا مِن غيرهنَّ ما طاب لكم].\nوإنما عبِّر عنهنَّ بـ ﴿مَا﴾ ذهابًا إلى الصفة.\nوقرئ: (تَقْسِطوا) بفتح التاء (^١) على أن (لا) مزيدةٌ مثلَها في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩]؛ أي: إن خفتُم أن تَجُوروا.\n﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ منصوبةٌ على الحال من فاعل ﴿طَابَ﴾، معدولةٌ عن أعدادٍ مكرَّرة: ثنتين ثثتين وثلاثةً ثلاثةً وأربعةً أربعةً، غيرُ منصرفةٍ لوجود العدل والوصفِ، فإنها بُنيتْ صفاتٍ وإن كانت أصولها لم تُبْنَ لها (^٢).\nومعناها: الإذن في الجمع بأن ينكح ما شاء من العدد المذكور متَّفقينَ فيه ومختلفينَ (^٣)؛ كقولك: اقتسموا هذه البذرة درهمين درهمين وثلاثةً ثلاثةً، ولو أفرد كان المعنى تجويزَ الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، ولو عطف ب (أو) لذهب تجويز الاختلاف في العدد.\n_________\n= والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٦٦).\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"هذا هو الوجه المطابق لما نزل، والذي ذكره القاضي لا يطابقه كالاسم، وأما الوجهان الآخران المذكوران في الكشاف وتفسير القاضي فلا يخفى بعدهما. منه\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"مختلفين \"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٩). وعبارة الزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٤٦٨) أكثر تفصيلًا حيث قال: (وتحريره: أنّ الواو دلت على إطلاق أن يأخذ الناكحون مَن أرادوا نكاحها من النساء على طريق الجمع، إن شاءوا مختلفين في تلك الأعداد، وإن شاءوا متفقين فيها، محظورًا عليهم ما وراء ذلك).","vol":"3","page":14},{"text":"﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ فيما فوقه.\n﴿فَوَاحِدَةً﴾: فالزموا - أو: فاختاروا - واحدة وذرُوا الجمع، وقرئ بالرفع (^١) على أنه فاعلُ فعلٍ محذوف أو خبره (^٢)، تقديره: فتكفيكم واحدةٌ، أو فالمَقْنَعُ واحدةٌ.\n﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ سوَّى بين المنكوحة الواحدة وبين الإماء مطلقًا واحدةً كانت أو متعدِّدةً بلا حصرٍ ولا تعيينِ عددٍ في التسرِّي والترخُّص، لخفَّةِ مؤنتهن، وعدمِ شرطِ العدلِ بينهنَّ لا في القَسْم ولا في العزل، ونسبة هذا المِلك إلى اليمين للفرق والتفاوُت بينه وبين مِلك اليد.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي.\n﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أقربُ من أنْ لا تميلوا فتَجُوروا، يقال: عال الميزان، إذا مال، وعال الحاكم: إذا جار.\nوفسِّر بـ: أن لا تَكثُر عيالُكم، على أنه من عال الرجلُ عيالَه يَعُولهم: إذا مانهم، فعبّر عن كثرة العيال بكثرةِ المؤن على الكناية، ويؤيِّده قراءة: (أنْ لا تُعيلوا) (^٣) مِن أعال الرجل: إذا كثر عيالُه، ووجهُه على تقدير أن تكون الإشارةُ إلى التسرِّي: أن العزل يجوز، فهو مَئِنَّةُ قلَّة الولد.\n* * *\n_________\n(^١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٤٧).\n(^٢) قوله: \"فاعل فعل محذوف أو خبره\"، كذا في النسخ، وصوابه: (فاعل محذوف أو خبره) بإسقاط كلمة (فعل) ليستقيم المعنى، وكذا جاءت العبارة على الصواب في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٩). ولو قال: (فاعل فعل محذوف أو خبر مبتدأ محذوف) لاستقام المعنى أيضًا.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٦٩).","vol":"3","page":15},{"text":"<span id=\"aya-497\"> </span>(٤) - ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.\n﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ مهورَهنَّ، والخطابُ للأزواج، وقيل: للأولياء؛ لأنهم كانوا يأخذون مهور مَوْليَّاتهم (^١).\n﴿نِحْلَةً﴾ عطية، يقال: نَحله كذا نِحْلةً ونُحْلًا: إذا أعطاه إياه عن طِيبِ نفسٍ بلا توقُّعِ عِوَضٍ، ونصبُها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء.\nوقيل: معناه: نحلةً من الله؛ أي: إعطاءً (^٢) من عنده وتفضُّلًا منه عليهن.\nوقيل: ديانة، على أنه مفعولٌ له أو حالٌ من الصدقات؛ أي: دِينًا من الله مشروعًا مفروضًا.\n﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ جارٍ مجرى اسم الإشارة في التذكير على ما ذكره رؤبة، وقد سبق في تفسير سورة البقرة (^٣)، كأنه قيل: عن شيء من ذلك؛ أي: ما ذكر من الصَّدُقات.\n_________\n(^١) بفتح الميم وتشديد الياء؛ أي: من كن في ولايتهم. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٠٢).\n(^٢) في (م) و(ك): \"عطاء\".\n(^٣) انظر ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وقد جرت في هذا قصة بين أبي عبيدة ورؤبة. انظر: \"مجاز القرآن\" (١/ ٤٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦٠)، وفيه: الضمير للصداق حملًا على المعنى، أو مُجرًى مجرَى اسم الإِشارة كقول رؤبة:\nكأَنَّه في الجلْد تَوْليْعُ البَهَق\nإذ سئل فقال: أردت: كأن ذاك. وجاء في هامش (ح) و(ف): \"وإنما جعل الحجة ما ذكره رؤبة لا نفس السبب لاحتمال أن يكون تذكير الضمير باعتبار الخبر، فالقاضي لم يصب في الاحتجاج بنفس البيت. منه\".","vol":"3","page":16},{"text":"أو يرجع إلى ما دلَّ عليه الصَّدُقات من الصَّداق.\nو﴿نَفْسًا﴾ تمييز (^١) لبيان الجنس، ولذلك وُحِّد.\nوالمعنى: فإن أعطين لكم من الصداق عن طيبِ نفسٍ، لكنْ جَعَل العِدةَ طِيبَ النفس للمبالغة، وعدَّاه ب (عن) لتضمين معنى التجافي والتجاوُز.\nوفيه دليل على وجوب الاحتياط في ذلك، وضِيقِ المسلَك في قبول شيءٍ من الصَّداق منهن؛ لأنَّه بنَى الشرطَ على طِيب النفس الذي هو أمرٌ خفيٌّ يطرق بها أنْ تدَّعيَ أنها ما طابت نفسًا إن ندمَتْ، ولهذا لم يقل: فإن وهبت، أو: سمحت؛ إشعارًا بأن الشرط تجافي نفسها عن الموهوب من طيبةٍ لا من ضرورة، ثم قال: ﴿عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ﴾ بعثًا لها على تقليل الموهوب.\n﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ أما صفتان للمصدر؛ أي: أكلًا هنيئًا مريئًا، أو حالان من ضمير (كلوه)؛ أي: كلُوه في حالة كونه هنيئًا مريئًا (^٢).\nوالهنيء: ما يَلَذُّه الآكل، والمريء: ما يحمد عاقبته، وقد سبق ما في الأكل من الدلالة على سائر وجوه الإنفاق.\nرُوي أن ناسًا [كانوا] (^٣) يتأثَّمون أن يَقبل أحدهم من زوجته شيئًا مما ساق إليها، فنزلت.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"ونفسًا تفسير تمييز\".\n(^٢) من قوله: \"إما صفتان للمصدر … \" إلى هنا من (م) و(ك).\n(^٣) من \"الكشاف\" (١/ ٤٧١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦٠).","vol":"3","page":17},{"text":"<span id=\"aya-498\"> </span>(٥) - ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.\n﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الخطاب للأولياء بدلالة السباق واللحاق - ﴿السُّفَهَاءَ﴾: هم الذين ينفقون أموالهم فيما لا ينبغي من وجوه التبذير، ولا يمكنهم (^١) إصلاحُها بالتثمير، والتصرُّفُ فيها بالتدبير (^٢) - وإضافةُ الأموال إليهم لأنها في تصرُّفهم وتحت ولايتهم.\nأو لأنَّه لم يُقصد بها (^٣) الخصوصيةُ الشخصية، بل الجنسيةُ التي هي معنى ما يقام به المعاش وتميل إليه القلوب، وهي بهذا المعنى لا تختصُّ باليتامى كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] قصدًا إلى جنس التقوِّي (^٤)، وهذا (^٥) أوفق لقوله:\n﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾؛ أي: تقومون بها وتنتعشون.\nوعلى الأول يؤوَّل بأنها التي من جنس ما جعَل الله لكم قيامًا، سمي ما به القيام قيامًا للمبالغة.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"يمكن \".\n(^٢) في (م) و(ك): \"بالتبذير\"، ولعله تحريف.\n(^٣) \"بها\"من (م).\n(^٤) يعني: أن المراد بالمال جنسه مما به تعيش الناس، فنسبته إلى كل أحد كنسبته إلى الآخر لعموم النسبة، وإنما المخصوص بواحد دون واحد شخص المال، فجاز أن ينسب حقيقة إلى الأولياء كما ينسب إلى الملاك، والدليل على ذلك وصفه بما لا يختص بمال دون مال، كما أنّ المراد بالنفس في الآية جنسُها مما يقال له: نفس، فإنَّ الشخص لا يقتل نفسه بل غيره. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٠٥).\n(^٥) في (م) و(ك): \"وهو\".","vol":"3","page":18},{"text":"وقرئ: ﴿قِيَامًا﴾ (^١) بمعناه كعِوَذٍ بمعنى عِيَاذ.\nوقرئ: (قِوَامًا) (^٢) وهو ما يُقام به.\n﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ الظرف متعلِّق بالمعطوفَين كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ ولم يقل: منها؛ تنبيهًا على ما قال ﵇: \"ابتغوا في أموال اليتامى التجارة لا تأكلُها الزكاةُ\" (^٣) فعلى هذا يكون الرزق والكسوة من الأرباح لا من أصل المال فيأكلَه الإنفاق.\n﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: كلامًا يُؤْنسهم ويؤلِّفُ قلوبهم، ومنه عِدَةٌ جميلةٌ وكلُّ ما سكنت إليه النفسُ واستحسنَتْه لحسنه عقلًا أو شرعًا أو عرفًا فهو معروفٌ، وكلُّ ما نَفَرتْ عنه (^٤) وكرهتْه فهو منكَر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-499\"> </span>(٦) - ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.\n﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾: واختبِروا عقولهم بتصرُّفاتهم قبل البلوغ.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٤).\n(^٢) تنسب لابن عمر ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٧١).\n(^٣) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٥١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٦٩٩٠)، عن عمر ﵁ قوله. ورواه الطبراني في \"الأوسط\" (٤١٥٢) من حديث أنس ﵁، ونقل الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٥٧) عن شيخه أن إسناده صحيح.\n(^٤) في (م) و(ك): \"منه \".","vol":"3","page":19},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ بلوغُ النكاح كنايةٌ عن البلوغ؛ لأنَّه يصلُح النكاح عنده.\n﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ (^١): فإن تبينتم منهم رشدًا؛ أي: اهتداء إلى مصالحهم.\nوقرئ: (أَحَسْتُم) بمعنى: أحسستم (^٢).\n﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ من غير تأخيرٍ عن وقت البلوغ.\nوتنكيرُ الرشد معناه: نوعًا من الرشد، وهو الرشد في التصرُّف والتجارة، أو: طرفًا من الرشد حتى لا يُنتظرُ إلى تمامه.\nونظم الآية: (إنْ) الشرطيةُ جواب (إذا) المتضمنةِ معنى الشرط، والجملة غايةُ الابتلاء، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقِهم دفعَ أموالهم إليهم بشرطِ إيناسِ الرُّشد منهم.\nويجوز أن تكون (إذا) لمجرَّد الظرفية ليست متضمِّنةً لمعنى الشرط؛ أي: ابتلُوهم إلى وقت البلوغ.\nوفي الآية دلالة على أن لا يُدفع إليهم مالهم قبل البلوغ (^٣)، وأمَّا عدمُ دفعه إليهم بعد البلوغ قبل الإيناس فلا دلالة عليه: أمَّا منطوقًا فظاهر، وأمَّا مفهومًا فلأنَّ مفهوم قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ عدمُ الدفع على الفور، لا عدمُ الدفع مطلقًا (^٤).\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"الإيناس الإبصار بالحس\".\n(^٢) تنسب لابن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٢٥٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦١).\n(^٣) \"وفي الآية دلالة على أن لا يدفع إليهم مالهم قبل البلوغ\" من (ك) و(م).\n(^٤) في هامش (ح) و(ف): \"فلا ينافي قول أبي حنيفة في هذه المسألة بل يؤيده، يعني: على تقدير تسليم حجية المفهوم. منه\".","vol":"3","page":20},{"text":"﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾؛ أي: مجاوزةً عن الحد.\n﴿وَبِدَارًا﴾؛ أي: مبادَرةً، وهي المسارعة.\n﴿أَنْ يَكْبَرُوا﴾: أن يَبلغوا؛ أي: لا تأكلوا مسرفينَ ومبادرينَ، وهو كقولك: بادرتُ مجيءَ زيد؛ أي: فعلتُ قبل مجيئه، والمعنى: لا تأكلوا (^١) قبل بلوغهم واستردادِهم ما لهم منكم، وليس هذا قصرَ التحريم على الإسراف وعلى مبادرةِ البلوغ دون غيرهما، بل هو ذكرُ غالبِ الحال؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣].\n﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ في تقييد (^٢) النهي بالإسراف والبِدار إيماءٌ إلى أن للأوصياء حقًّا، فقُسم الأمر بين أن يكون الوصيُّ غنيًّا وبين أن يكون فقيرًا، فاُمر (^٣) الغنيُّ بالاستعفاف من أكل مال اليتيم إلى ماله، وتركِ الطمع في مال اليتيم، والاقتناعِ بما رزقه الله تعالى من ماله؛ إشفاقًا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقيرُ بالأكل بالمعروف؛ أي: بأكله قُوتًا مقدَّرًا محتاطًا في تقديره على وجه الأجرة لقيامه عليه بحفظه وتثميره، وعلى اليتيم بتسديده وتدبيره.\nوفي الاستعفاف مبالغةٌ، كأنه مأمور بطلب زيادة العفَّة، ولو قال: فليَعْفِفْ، لم يكن فيه ذلك.\n﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ بأنهم تسلَّموها وقبضوها وبَرِئتْ عنها\n_________\n(^١) في (ح) و(ك) و(م): \"تأكلون\"، والمثبت من (ك).\n(^٢) تحرفت في النسخ عدا (م) إلى: \"تغيير\"، والمثبت من (م).\n(^٣) في (م): \"إذ أمر\".","vol":"3","page":21},{"text":"ذممُكم؛ لئلا يَتوجَّه اليمينُ عليكم عند التناكُر، ولتظهر أمانتكم وتَبرَأَ ساحتُكم عن التهمة، فالأمر بالإشهاد (^١) هنا كالأمر به في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلا دلالة فيه على أن القيِّم لا يصدَّق في دعواه إلا بالبيِّنة.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: كافيًا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو: محاسبًا يحاسبُكم (^٢) بالبراءة وعدمها والقبضِ وعدمه، فعليكم بالتصادُق وإياكم والتكاذُبَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-500\"> </span>(٧) - ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.\n﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ يريد بهم المتوارتينَ بالقُرابة (^٣)، قيل: كان اليونانُ يعطون جميعَ المال للبنات؛ لأنَّ الرجل لا يعجز عن الكسب والمرأةَ تعجز، وكانت العرب لا يعطون البنات، فردَّ الله تعالى على الفريقين، فكان المقام مقامَ التفصيل والإطناب.\nوفي عبارة (الرجال) إشارة إلى أن قدرتهم على الكسب غيرُ مانعٍ لاستحقاقهم، فإذا كان الرجل مع قدرته على الكسب مستحِقًّا للنصيب، فالصبيُّ مع عجزه عنه يكون مستحِقًّا له بطريق الأَولى.\n﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ بدل من (ما ترك) بإعادة العامل.\n_________\n(^١) في (ك): \"بالشهادة\".\n(^٢) \"محاسبًا\" ليست في (ك).\n(^٣) \"بالقرابة\" من (م).","vol":"3","page":22},{"text":"وتقديمُ الظرف على المبتدأ في (الرجال) و(النساء) تخصيصٌ لكلِّ واحدة (^١) من القبيلتين بنصيبٍ مفروضٍ على ما فَرض الله مُؤذِنٌ بأنْ لا بد لكلٍّ منهم ما خصَّه الله به لا يستأثرُ به غيرهم ولا يغلبه عليه، ثم أكَّده بقوله:\n﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ أي: أعني نصيبًا مقطوعًا واجبًا، أو على أنه مصدر مؤكِّد كقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١]، كأنه قيل: قسمةً مفروضةً، أو حال إذ المعنى: ثبت لهم مفروضًا نصيب.\nوإنما ذُكِر النصيب على الإبهام لأن التعيين خارج عما سِيق له الكلام في هذا المقام، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه.\n\n<span id=\"aya-501\"> </span>(٨) - ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.\n﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾؛ أي: قسمة التركة.\n﴿أُولُو الْقُرْبَى﴾ ممن لا يرث ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ من الأجانب.\nفرَّق بين مَن لا يرث من الأقارب وبين مَن يرث بقوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ حيث لم يعيِّن لهم نصيبًا، وندب إلى أن يُرضخوا بقليلٍ منه إيماءً إلى أنْ لا حق لهم فيه، ألا ترى كيف جعل أموال اليتامى للسفهاء مكان رزقهم حيث قال: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ لأنها حقُّهم؟\n﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ وهو أن يدْعوا لهم، ويَستقلُّوا ما أعطَوهم، ولا يمنُّوا\n_________\n(^١) في \"ك\": \"واحد\".","vol":"3","page":23},{"text":"عليهم، والأمرُ للندب، والمأمور البالغ من (^١) الورثة، قالوا: ولو كان فريضةً لضُرب له حدٌّ ولو إجمالًا، كالمتعة حيث قال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].\n\n<span id=\"aya-502\"> </span>(٩) - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.\n﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أَمر الأوصياء بالخشية متمثِّلين (^٢) في أنفسهم حالَ اليتامى بحالِ أولادهم على الصفة المذكورة ليخشَوا الله في رعايتهم أو أكلِ مالهم، أو متمثِّلين (^٣) المتوفَّى وأبنائه بحالهم وذرياتُهم خَلْفَهم على تلك الصفة، فيَرِقُّوا لهم، وهذا الوجهُ هو الأنسبُ الأَلْيَقُ بنَظْم الكلام من بينِ الوجوه المذكورة في التفاسير، فيكونُ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ تتمةً له، وتصريحًا بحال الأوصياء لو خالفوا مقتضَى الشفقة وأكلوا مال اليتيم، وتهديدًا لهم على ذلك.\nو﴿الَّذِينَ لَوْ﴾ بما في حيِّزه صلةٌ لـ ﴿الَّذِينَ﴾، أي: وليخشَ الذين (^٤) حالُهم وصفتُهم أنهم لو شارفوا لأنْ يتركوا خلفَهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم الضَّياعَ لفَقْدِ كافلِهم وكاسبِهم، وفي ترتيب الأمر عليه إشارةٌ إلى المقصود منه والعلَّةِ فيه، وبعثٌ على الترحُّم وأن يُحِبَّ لأولاد غيره ما يحبُّ لأولاده.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"البلغ عن\".\n(^٢) في (ف): \"ممتثلين\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"ممثلين\"، وفي (م): \"ممتثلين\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"وليخشوا الذين\".","vol":"3","page":24},{"text":"﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (^١) أَمَرَهم بالتقوى الذي هو غاية الخشية بعد ما أَمرهم بها مراعاةً للمبدأ والمنتهَى إذ لا ينفع الأول بدون الثاني، ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب.\n\n<span id=\"aya-503\"> </span>١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾: ظالمين، أو: على وجه الظلم.\n﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ ملءَ بطونهم.\n﴿نَارًا﴾ تهويلٌ في الردع، ومبالغة في التهديد، بجعلِ بطونهم ظروفًا مملوءةً نارًا، ولمَّا أراد أن يصوِّر سرعة جَرِّ (^٢) ما يأكلون أنفسَهم إلى النار جَعَلهم يأكلون النار كأنه نارٌ بالحقيقة، ونكَّرها؛ أي: نارًا (^٣) تتعاظَمُ عن الوصف، وقوَّاهُ بتنكير ﴿سَعِيرًا﴾ في قوله:\n﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾؛ أي: سعيرًا لا (^٤) يُحتمل سماعُ وصفه، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، من: سَعَرتُ النار، بمعنى: ألهَبْتُها، وقرئ: (سيُصلون) بضم الياء وتخفيف اللام (^٥) .......................\n_________\n(^١) بعدها في (م): \"أي\".\n(^٢) في (ك): \"حر\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"نار\".\n(^٤) سقطت كلمة \"لا\" من (ح) و(ف).\n(^٥) هي قراءة ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر، وقرأ باقي السبعة: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بفتح الياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٤).","vol":"3","page":25},{"text":"وتشديدها (^١)، تقول: صَلِيَ (^٢) النار: قاسَى حرَّها، وصَلَيْتُه: شَوَيْتُه، وأَصْلَيْتُه وصَلَّيْتُه: ألقَيْتُه فيها.\n\n<span id=\"aya-504\"> </span>(١١) - ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يأمرُكم وَيعْهَدُ إليكم.\n﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾: في شأن ميراثهم، وهو إجمالٌ تفصيلُه:\n﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ التعريف في الموضعَين للعهد، والمعهود: الذَّكر والأنثَيان من الأولاد، ولا (^٣) حاجة إلى تقدير: منهم.\nوتخصيصُ الذَّكَرِ بالتنصيص على حظِّه لفضله على الأنثى، وإنما لم يقل: للذَّكَر مِثْلَا حظِّ الأنثى، أو: مِثْلَ حظَّي الأنثى؛ لأنَّه حينئذ لا يُعلم عدم نقصان حصة الابن عند تعدُّد البنت، فإنها إذا تعدَّدتْ ينتقصُ حصة سائر العصبات، فيجوِّز العقلُ أن تَنقص حصتُه أيضًا إذا تعدَّدت (^٤).\n_________\n(^١) أي: (وسيُصَلَّون)، وعزاها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٤) لأبي حيوة.\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"يصلى\"، والمثبت من (م).\n(^٣) في (م): \"فلا\".\n(^٤) في هامش (ح) و(ت): \"وأما ما قيل: ولأنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث، وهو سبب لورود الآية، فقيل: كفى الذكور أن ضوعف لهم نصيب الإناث، فلا يتمادى في حظهن حتى يحرمن مع=","vol":"3","page":26},{"text":"وأمَّا العكسُ فغير محتمَلٍ، فبعبارة المنزَل عُلم حدُّ حصةِ الابن مع البنتين (^١)، وبدلالته عُلم حصتُه مع الواحدة.\nوأدنى الاختلاطِ: أن يجتمع ابنٌ وبنتٌ، وللابن حينئذ الثلثان، فعُرف بهذه الإشارة أن للبنتين الثلثين (^٢) في الجملة، وليس ذلك إلا في حالة انفرادهما عن الأب، ولمَّا كان حكم الاثنتين (^٣) حالةَ الانفراد معلومًا بهذه الإشارة رتَّب عليه بيانَ حكمها إذا كانت فوق اثنتين بقوله:\n﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ ﴿كُنَّ﴾ ضميرُ الأولاد طابَق به الخبر (^٤)؛ كما في قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] (^٥)، أو على تأويل المولودات؛ أي إن كانت الأولاد نساءً خلصًا ليس معهنَّ رجل.\n﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ خبر ثانٍ لـ (كان)، أو صفة للنساء؛ أي: زائدات على اثنتين.\n﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ المتوفَّى منكم، يدلُّ عليه المعنى.\n﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾؛ أي: المولودة ﴿وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وقرئ: ﴿واحدةٌ﴾\n_________\n= إدلائهن من القرابة بمثل ما يدلون به= فلا يصلح وجهًا لترجيح المنزل على المتروك وهو: للأنثيين مثل حظ الذكر، ونحوه. منه\".\n(^١) في (ك): \"البنت\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"الثلثان\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"الاثنين\".\n(^٤) في (م): \"ضمير للأولاد طابق الخبر\".\n(^٥) وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام: ٧٨].","vol":"3","page":27},{"text":"بالرفع على أن (كان) تامةٌ (^١)، والنصبُ أوفق لقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾.\nولا يجوز أن يكون الضميران في ﴿كُنَّ﴾ و﴿كَانَتْ﴾ مبهَمَين مفسَّرَينِ بـ ﴿نِسَاءً﴾ و﴿وَاحِدَةً﴾ منصوبَين على التفسير على أنَّ (كان) تامةٌ؛ لأن (كان) ليست من الأفعال التي يكون فاعلها مضمرًا (^٢) يفسره ما بعده، بل هذا مختص من الأفعال بنعم وبئس وما حمل عليهما.\nاختلف في الثنتين، فقال ابن عباس ﵄: حكمُهما حكمُ الواحدة؛ لأنَّه تعالى جعل الثلثين لمَا فوقهما (^٣).\nوقال الباقون: حكمُهما حكمُ ما فوقَهما؛ لِمَا قرَّرناه فيما سبق، وقولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ لبيانِ أنَّ كثرة عددِهن لا يزيد على ما لهنَّ عند التعدُّد والانفراد عن الذكور، فشرطُ المفهوم مفقودٌ، على أنه لا يعارض المنطوقَ، والوجهُ الذي قدَّمنا (^٤) من قَبيل المنطوق.\nوأمَّا ما قيل: إنَّ البنتين أمسُّ رَحمًا من الأختين اللتين تُحرزان الثُّلثين، فهما أولى بذلك الإحراز.\nفيَرِدُ عليه: أن الابن مع كونه أمسَّ رحمًا من ابن الأخ قد لا يحرِز ما يُحرزه، كما\n_________\n(^١) هي قراءة نافع، وقرأ باقي السبعة بالنصب. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٤).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"ضميرًا\".\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٣٢٣) وقال: هذه الرِّوَايَةُ مُنْكَرَةٌ عندَ أهلِ العلمِ قاطِبَةً، كُلُّهُم ينكرها ويدفعها بما رواه ابن شِهَابٍ عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بن عتبة بن مسعود عن ابن عبَّاس أَنَّهُ جَعَلَ للبنتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وعلى هذا جماعةُ النَّاسِ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ مِن أخبارِ الآحادِ العُدُولِ مِثْلُ ما عليه الجماعَةُ في ذلك.\n(^٤) في (م) و(ك): \"قدمناه\".","vol":"3","page":28},{"text":"إذا كانت البنت فوق الأربع، وإذا جاز ذلك في (^١) العصبة - والمعتبر فيه قوةُ القرابة - فلَأنْ يجوزَ فيمَن لا يُعتبر فيه تلك القوةُ من أصحاب الفرائض بطريقِ الأَولى.\nوكذا ما قيل: إن الأخت إذا كانت مع أخيها وجب لها الثلثُ، فبالأَولى أن يجبَ لها ذلك إذا كانت مع أختٍ أخرى مثلِها - غيرُ تامٍّ؛ لأن مَبْناه أيضًا على أن مَن أخذ سهمًا مع وارثٍ يأخذ ذلك السهم مع وارثٍ (^٢) آخَرَ دونه بطريقِ الأَولى، وقد عرفتَ عدمَ (^٣) صحة ذلك المبنَى.\n﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾؛ أي (^٤): ولأبوي الميت.\n﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ بدلٌ منه بتكرير العامل، وفائدتُه: التنصيص على استحقاق كلِّ واحدٍ منهما السُّدسَ، والتفصيل بعد الإجمال للتأكيد.\n﴿السُّدُسُ﴾ مبتدأٌ ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ خبرُه، والبدل متوسِّطٌ بينهما للبيان.\n﴿مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أي: من جُملته.\n﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت.\n﴿وَلَدٌ﴾ ذكرٌ أو أنثى، وولدُ الابن وإنْ سَفلَ يقومُ مَقام الصُّلبيِّ (^٥) عند عدمه للإجماع، غير أن الأبَ يأخذ مع الأنثى ما بقي من الفروض بالعُصوبة بعد أخذه فرضَه.\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".\n(^٢) \"يأخذ ذلك السهم مع وارث\" ليست في (ح) و(ف).\n(^٣) \"عدم\" ليست في (ك).\n(^٤) \"أي\": ليست في (م) و(ك).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"الصلب\"، وفي (ك): \"الصبي\".","vol":"3","page":29},{"text":"﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ (^١) فحسبُ.\n﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مما ترك.\nلم يذكر حصَّةَ الأب؛ لأنَّه لمَّا فُرِض أن الوارث أبواه فقط، وعُيِّن نصيب الأم، عُلم أن الباقيَ للأب، ولم يعكس مع كونه أحقَّ ببيان نصيبه أصالةً لفضله؛ لأنَّه يَلزم حينئذٍ أن يكون هو صاحبَ فرض وصاحبتُه عصبة، وهو خلاف وضع الشرع (^٢).\nومعنى القيد: أنه إذا ورث مع أبويه أحدُ الزوجين لم يكن لها الثلثُ مما ترك، بل ثلثُ ما بقي بعد فرضه كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لابن عباس ﵄.\nوالمعنى: أن الأبوين إذا انفردا بالإرث تقاسَما الميراث للذَّكَر مثلُ حظ الأنثيين (^٣)، ولذلك لزم أنهما إذا كانا مع أحد الزوجين كان لها ثلثُ ما بقي، وإلا انقلب الفاضل مفضولًا فيما إذا كانا (^٤) مع الزوج؛ لأن فرضه النصف، فلو فُرض لها الثلثُ بقي للأب السدسُ مع كونه أقوى، وكونهِ ذا فرض وتعصيب.\n﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ﴾؛ أي: للميت، والفاءُ هنا أيضًا لترتيب أحد القسمين على الآخر.\n﴿إِخْوَةٌ﴾ (^٥) المراد منها ما يعمُّ الأخوات على طريقة عموم المجاز، لا على طريقة التغليب؛ إذ حينئذ لا يتناول الأخوات المنفردةَ، وهذا التعميمُ لا بد\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ت): \"الفاء لترتيب أحد القسمين على الآخر. منه\".\n(^٢) من قوله: \"لم يذكر حصة الأب لأنَّه لما فرض … \" إلى هنا، وقع في (ح) و(ف) بعد ما سيأتي من قوله: \"وكونه ذا فرض وتعصيب\"، لكن فيهما: \" … أن يكون هو صاحب فرض وهي صاحبة عصبة وهو خلاف … \".\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"على وفق قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. منه\".\n(^٤) في (م): \"كان\".\n(^٥) بعدها في (م): \"فلأمه السدس\".","vol":"3","page":30},{"text":"منه عند الجمهور خلافًا لابن عباس، ومن صيغة الجمع ما يتناولُ المثنَّى، وفيه خلافٌ لابن عباس (^١).\nوإطلاقُ الإخوة يدلُّ على أنهم يردُّونها من الثلث إلى السدس وإن كانوا لا يرثون كما إذا كانوا مع الأب، وعن ابن عباس ﵄ أنهم يأخذون السدس الذين حجَبوا عنه الأم، فالجمهور على أن الاثنين من الإخوة أو من الأخوات أو منهما سواءٌ كانا من الأعيان أو من العَلَّات أو من الأَخياف، متَّفقَينِ أو مختلفَين، محجوبَينِ أو غير محجوبَين يردُّونها من الثلث إلى السدس.\n_________\n(^١) اختلفوا في حَجْبِ الأُمِّ بالأَخَوينِ في قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ إلى أنَّ الأَخَوينِ يَرُدَّانِ الأمَّ عن الثُّلثِ، بخلافِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ فإنَّه جَعَلَ الثَّلاثةَ مِن الإخْوةِ والأَخَواتِ حاجبة للأُمِّ دونَ الاثْنَينِ، فلها مَعَهُما الثُّلثُ عندَهُ بناءً على أنَّ الإخْوةَ صِيغةُ الجمعِ فلا يَتَناوَلُ المثنَّى، وله في خِلافهِ مع عُثْمانَ في هذهِ المسألةِ قصَّةٌ رَوَاها الطَّبريُّ في \"تفسيره\" (٦/ ٤٦٥)، والبيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٧).\nأمَّا الجمهورُ فقد ذكر الآلوسي ﵀ أنهم قالوا: إن حُكْمَ الاثْنينِ في بابِ الميراثِ حُكْمُ الجماعةِ، أَلا يُرى أنَّ البِنْتينِ كالبناتِ والأُخْتَينِ كالأخواتِ في اسْتِحقاقِ الثُّلُثَينِ فكذا في الحَجْب، وأيضًا معنَى الجمعِ المُطلَقِ مُشترَكٌ بينَ الاثْنَينِ وما فوقَهُما، بل قال جمع: إنَّ صيغةَ الجمعِ حقيقةٌ في الاثْنينِ كما فيما فوقَهُما في كلامِ العربِ، فقد أَخْرجَ الحاكِمُ في \"المستدرك\" (٧٩٦١)، والبَيْهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٢٧) عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّه كانَ يَحجُبُ الأمَّ بالأَخَوينِ، فقالوا لهُ: يا أبا سعيدٍ، إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ أنتَ تَحجُبُها بأَخَوينِ؟ فقال: إنَّ العربَ تُسمِّي الأَخَوينِ إخْوةً. ومن هنا اخْتَلفَ النَّاسُ في مدلولِ صيغةِ الجمعِ حقيقةً، وصرَّحَ بعضُ الأصوليِّينَ أنَّها في الاثْنينِ في الموَاريثِ والوَصَايا ملحقةٌ بالحقيقةِ، والنُّحاةُ على خلافِ ذلك. انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ٣٥٧).\nقلتُ: وقد وقعَ عندَ النَّحويِّينَ أيضًا اختِلافٌ في عَدِّ الاثْنينِ جمعًا، وينظر في ذلك رسالة العلامة المؤلف التي بحث فيها خِطابَ الواحدِ بخطابِ الاثْنينِ، ومُعامَلةَ المثنَّى مُعامَلةَ الجمعِ، وهي مطبوعة ضمن \"مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا\"، وانظر فيها ما قدمناه لتلك الرسالة.","vol":"3","page":31},{"text":"﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ (^١) مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ متعلق بجميعِ ما تقدم (^٢) من قسمةِ المواريث كلِّها؛ أي: هذه الأنصِباءُ للورثة من بعد ما كان من وصيةٍ يوصي بها أو دين.\nوإنما قال بـ ﴿أَوْ﴾ التي للإباحة - ومعنى الإباحةِ هنا: التسويةُ في الوجوب (^٣) - دون الواو؛ للدلالةِ (^٤) على أنهما متساويان في التقدُّم على القسمة مجموعَين ومنفردَين، وإن لم يكونا متساويين في التعلُّق بالتركة، فإن الدَّين لا يسقط منه شيءٌ بذهاب بعض المال بخلافِ الوصية.\nوإنما قدِّمت على الدَّين وهي متأخِّرة عنه في الحكم؛ لأن مَظِنَّة الاشتباه (^٥) تقديمها، فكان هو أحوجَ إلى البيان، وأما كونها مشبَّهةً بالميراث فيَشُقُّ إخراجُها على الورثة، فلا يَنتظِم بعض الوصايا كالوصية للحج.\nثم أكَّد أمرَ (^٦) الوصية ورغَّب فيها بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ معترِضًا (^٧)؛ أي: هم نصحاؤكم وأهلُ شفقَتِكم ومحبَّتِكم لا يريدون بكم إلا خيرًا، باعثًا لهم على إمضائها، مبيِّنًا ذلك المعنى بقوله:\n﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: أيُّ الفريقين منهم أنفعُ لكم: أهو مَن أَوصى\n_________\n(^١) \"فلأمه السدس\": ليست في (م).\n(^٢) في (م) و(ك): \"تقدمه\".\n(^٣) \"ومعنى الإباحة هنا التسوية في الوجوب\": ليست في (م) و(ك).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"الدالة\".\n(^٥) في (م): \"اشتباه\".\n(^٦) \"أمر\" ليس في (ح) و(ف).\n(^٧) في (ح) و(ف): \"معترض\".","vol":"3","page":32},{"text":"منهم أم (^١) مَن لم يُوصِ؟ لأنَّ مَن أوصى عرَّضكم لثواب الآخرة بإمضائها، وهو وإن كان آجلًا فهو بالحقيقة أقربُ لكم نفعًا وأوفرُ جَدْوى لأنَّه خيرٌ وأبقى، ومَن لم يُوصِ أبقاكم على خيرِ الدنيا، وهو وإن كان عاجلًا لكنه في الحقيقة أبعدَ نفعًا وأقربَ ضرًّا وأقل جَدْوى لأنَّه سيزول ويفنى.\n﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم آباؤكم وأبناؤكم ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾ بيانٌ لحالهم، أو مبتدأ خبره ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ﴾.\n﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ في موقع المصدر المؤكِّد؛ أي: فرضَ ذلك فرضًا، أو حالٌ مؤكِّدة بمعنى: مفروضةً؛ أي: لكم الأنصباءُ المذكورةُ بيَّنَّاها مفروضةً.\nولمَّا فَرَض أنصباءهم، وأَثبتَ الوصيةَ (^٢)، وسلَب علمَهم به، قال:\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بمصالح (^٣) دُنياكم وأُخراكم.\n﴿حَكِيمًا﴾ في كل ما (^٤) فَرض وقَسَم من المواريث، وحَكَم به من الوصية وغيرها.\n\n<span id=\"aya-505\"> </span>(١٢) - ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ\n_________\n(^١) في (ك): \"أو\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"الفرضية\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"لمصالح\".\n(^٤) \"ما\" من (م).","vol":"3","page":33},{"text":"بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾؛ أي: ولدٌ وارثٌ، ذكرًا كان أو أنثى، منكم أو من غيركم، وولدُ الابن وإنْ سفلَ يقوم مقام الصُّلبيِّ في الحجب المذكور عند عدمه بالإجماع.\n﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾:\nيستوي الواحدةُ والعددُ منهنَّ في الرُّبع والثُّمن، فَرَض للرجل بحقِّ الزواج ضعفَ ما للمرأة كما في النسب، قيل: وهكذا قياسُ كلِّ رجل وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى عنه إلا أولادُ الأم والمعتَق والمعتَقة.\nوفي الحصر نظر؛ فإن الأبوين أيضًا من هذه الجملة.\n﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ﴾؛ أي: الميت.\n﴿يُورَثُ﴾؛ أي: يورَث منه، مِن وَرِثَ، صفةٌ لـ ﴿رَجُلٌ﴾.\n﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، أو ﴿يُورَثُ﴾ خبرُه و﴿كَلَالَةً﴾ حال من الضمير فيه، وهو مَن لم يخلِّف ولدًا ولا والدًا، أو مفعول له، والمراد بها قرابةٌ ليست من جهة الوالد والولد.","vol":"3","page":34},{"text":"ويجوز أن يكون (^١) الرجلُ الوارثَ، و﴿يُورَثُ﴾ من أَوْرَثَ، ﴿كَلَالَةً﴾ مَن ليس بوالدٍ ولا ولد.\nوقرئ: (يُورثُ) على البناء للفاعل (^٢)، فالرجلُ الميتُ، ﴿كَلَالَةً﴾ يحتمِلُ المعانيَ الثلاثَة، وعلى الأول خبرٌ أو حالٌ، وعلى الثاني: مفعول (^٣) له، وعلى الثالث: مفعول به.\nوهو في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلَال، فاستُعيرت لقرابةٍ (^٤) لا يقارنُها النسبة (^٥)، لأنها كالَّةٌ (^٦) ضعيفة بالنسبة إلى التي تقارنها النسبةُ، ثم وُصف بها المورِّثُ والوارثُ (^٧) بمعنى: ذي كلالةٍ، كقوله: فلان من قرابتي؛ أي: من ذي قرابتي، ويجوز أن تكون صفةً، كأنه من غايةِ الضعف نفسُ الكلالة.\n﴿أَوِ امْرَأَةٌ﴾ عطف على ﴿رَجُلٌ﴾.\n﴿وَلَهُ﴾؛ أي: ولواحدٍ منهما، فلا ضرورةَ للحمل على الاقتصار؛ كما ذهب\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"يكون\".\n(^٢) وهما قراءتان على البناء للفاعل: الأولى بتخفيف الراء، والثانية بتشديدها. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٥)، و\"المحتسب\" (١/ ١٨٢).\n(^٣) في (م) و(ك): \"المفعول\".\n(^٤) في (م): \"للقرابة التي\".\n(^٥) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: ليست بالبعضية، لم يصب لأنَّه حينئذ تخرج الأم والجدة من الكفالة. منه\". والقائل المذكور هو البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٦٤).\n(^٦) في (م) و(ك): \"كلالة\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٧) \"والوارث\" من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.","vol":"3","page":35},{"text":"إليه مَن قال: أي: وللرجل، واكتُفيَ بحُكمه عن حُكم المرأة لدلالةِ العطف على تشارُكهما فيه (^١).\n﴿أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾؛ أي: من الأمِّ، على ما نُصَّ عليه في قراءة: (وله أخٌ أو أختٌ من الأمِّ) (^٢) - وقد ذُكر في آخر السورة أن (^٣) للأختين الثلثين، وللإخوة الكلَّ، وهو لا يليق بأولاد الأم، وما قُدِّر هاهنا فرضُ الأم (^٤)، فيناسبُ أن يكون لأولادها.\n﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ سوَّى بين الذَّكَر والأنثى لأن الإدلاء بمحضِ (^٥) الأنوثة، وقد عَرَفْتَ أن الكلالة استُعيرت لقرابة لا تقارنها (^٦) النسبة، فينتظِم قرابةَ الأمِّ والجدَّة دون البنت وبنتِ الابن؛ لأن النسب إلى الآباء دون الأمهات، فلا تخصيص فيَ مفهوم الآية (^٧).\n﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾؛ أي: لورثته، وذلك أن يوصيَ بزيادةٍ على الثلث، أو يوصيَ بالثلث فما دونه ونيَّتُه (^٨) مضارَّةُ ورثته لا وجهُ الله تعالى.\n_________\n(^١) القائل المذكور هو البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٦٤).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٨٦) عن أبي ﵁، وفيه عن سعد بن أبي وقاص ﵁: (من أم)، ورواها عن سعد الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٨٣).\n(^٣) في (م): \"في آخر السورة أن للأخت الواحدة النصف أي أن\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦٤).\n(^٤) \"الأم \" من \"ك\"، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٥) في (ف): \"بمحضر\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٦) في \"ك\": (تفارقها)، وهو تصحيف.\n(^٧) \"الآية\" من (ك) و(م)، وهو الصواب. ولفظ البيضاوي: (ومفهوم الآية أنهم لا يرثون ذلك مع الأم والجدة كما لا يرثون مع البنت وبنت الابن، فخص فيه بالإِجماع).\n(^٨) في (ك): \"ونيته\".","vol":"3","page":36},{"text":"وعن الحسن: المضَارَّة في الدَّين أنْ يوصيَ بدَينٍ ليس عليه، ومعناه: الإقرارُ.\nاعتبر المضارَّة في الدَّين أيضًا بناءً على تأخير الحال عنهما، واعتبر الإيصاء فيه أيضًا بناءً على عطفه على ﴿وَصِيَّةً﴾؛ كأنه قيل: أو دَين يوصَى بها، على قاعدةِ تقييد المعطوف بما قيِّد به المعطوف عليه.\n﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أو منصوبٌ بـ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على المفعول به، ويؤيدُه القراءة بإضافة (مُضارِّ) إلى (وصيةٍ)؛ أي: (غيرَ مضارِّ وصيةٍ) (^١)؛ [أي: لا يضارُّ وصيةً] من الله، وهو الثلث فما دونه بالزيادة، أو بوصيةٍ منه بالأولاد بالإسراف في الوصية والإقرار الكاذب (^٢).\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمن جار ومَن عدل في وصيته.\n﴿حَلِيمٌ﴾ عن الجائر؛ إذ لا يعاجِلُه بعقوبة، وهذا وعيد بليغ.\n\n<span id=\"aya-506\"> </span>(١٣) - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى الأحكام التي تقدَّمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث.\n﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: شرائعُه التي كالحدود المحدودةِ التي لا يجوزُ مجاوَزتها.\n_________\n(^١) تنسب للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٥)، و\"المحتسب\" (١/ ١٨٣).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٨٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦٤)، وما بين معكوفتين منهما. والعبارة الأخيرة جاءت في \"الكشاف\" بلفظ: (.. أو وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة بإسرافه في الوصية).","vol":"3","page":37},{"text":"﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ حَمل أولًا على لفظ ﴿وَمَنْ﴾ (^١) في قوله: ﴿يُطِعِ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ فأَفرد، ثم حَمل على المعنى في قوله:\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فجَمع، وانتصابُه على الحال المقدَّرة، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ على مذهب الكوفيين، وبه أخذ الزجَّاج هنا (^٢)، ولا يحتاج إلى إبراز الضمير عندهم إذا (^٣) لم يَلتبس.\n﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي تُستحقَرُ دونه الدنيا وما فيها.\n\n<span id=\"aya-507\"> </span>(١٤) - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ زاد هاهنا على العصيان تعدِّيَ الحدود - وهو في الأعمال - صرفًا للعصيان إلى ما يكون في العقائد، وفائدتُه: التنبيه على أن المراد من الإطاعة في قسيمه ما يكون في العقائد، وأنَّ الموعود مِن دخول الجنة ليس بمشروطٍ بالعمل\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"لفظه\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٢٧) وقد اقتصر الزجاج هنا على الحال المقدرة، لكنه أجاز الوجهين - الحال والصفة - في قوله: ﴿خَالِدًا﴾ في الآية التي بعدها، ولعل ما نقله المؤلف هنا عن الزجاج تابع فيه أبا حيان في \"البحر\" (٦/ ٤٩٨). وكلمة: \"هنا\" سقطت من (ح) و(ف)، وكذا سقط منهما قوله: \"فجمع وانتصابه على الحال المقدرة، ويجوز أن يكون صفة لجنات على مذهب الكوفيين وبه أخذ\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"إذ\".","vol":"3","page":38},{"text":"الصالح، وذلك في مقابلةِ الإهانة؛ لأنَّه لا يتعدَّاها إلا مَن اغترَّ فناسبه (^١) الإهانة، والمراد غايتُها، وهذا مستفادٌ من توصيف العذاب به، فإنه ظاهرٌ بحيث لا فائدة في ذكره ما دام محمولًا على إطلاقه، فيحمل على الكمال ليفيد.\nوأفرد هنا ﴿خَالِدًا﴾ وجمع فيما قبله إشارةً إلى ما في حقِّ المطيعين من لذةٍ روحانيةٍ ومن حظ الاستئناس، وما في حقِّ العاصين من ألم روحانيٍّ وهو عذاب الوحشة.\n\n<span id=\"aya-508\"> </span>(١٥) - ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.\n﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾: يفعلن الفعلة القبيحة (^٢)، والمراد الزنا؛ لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.\n﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: فاطلبوا أيها الأئمةُ الذين إليكم إقامةُ الحدود.\n﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ من الرجال المؤمنين (^٣) ليشهدوا عليهن بالزنا (^٤).\n﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عليهنَّ به.\n﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ فخلِّدوهن محبوساتٍ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"اعتبر مناسبة\"، ولعله تصحيف.\n(^٢) في (ح) و(ف): \"يفعلن القبيح\".\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: ممن قذفهن، ففد أتى بتخصيص بلا مخصص من الكلام، ولا اقتضاء من المقام. منه\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"بالزنا\".","vol":"3","page":39},{"text":"﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ﴾: يستوفي أرواحهن ﴿الْمَوْتُ﴾، أو: يتوفاهنَّ ملائكة الموت.\nقيل: كان ذلك عقوبتَهن في أوائل الإسلام فنُسخ بالحد.\n﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ كتعيين الحد المخلِّص عن الحبس، أو النكاح المغني عن السِّفاح.\n\n<span id=\"aya-509\"> </span>(١٦) - ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.\n﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ يعني: الزاني والزانية، وُصِفَا بما يُوصَف به الذَّكَران تغليبًا للذَّكر على الأنثى، والظاهرُ من زيادة ﴿مِنْكُمْ﴾) هنا، ومن زيادة ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ فيما سبق، تخصيصُ الحكم بالمسلمين والمسلمات.\n﴿فَآذُوهُمَا﴾ بالتوبيخ والتقريع.\nقال الحسن: أولُ ما نزل من حدِّ الزنا الأذى، ثم الحبسُ، ثم الجلد، فكان ترتيبُ النزول على خلاف ترتيب التلاوة.\nوقال الضحاك: كان الرجل إذا زنَى بامرأة وكانا بِكرين حُبس كلُّ واحد منهما في بيت، ثم لا يمر بهما مارٌّ إلا آذاهما بالتعيير.\nوعلى هذا يكون الأذى مع الحبس مشروعَين في وقتٍ واحد في حقِّ الرجل والمرأة جميعًا.\nوقال مجاهد: آيةُ الأذى في الرجلين؛ أي: الذَّكَرُ يفعل ذلك بالذَّكَر وهو اللِّواطة (^١).\n_________\n(^١) روى عنه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٩٩) قوله في تفسيرها: (الرجلان الفاعلان، لا يكني)، وفي رواية:=","vol":"3","page":40},{"text":"قال أبو منصور: آيةُ الأذى هذا يكون حجةً لأبي حنيفة في أنه يعزَّر ولا يحدُّ بالجَلد أو الرَّجم (^١).\n﴿فَإِنْ تَابَا﴾ عن المعصية ﴿وَأَصْلَحَا﴾: وغيَّرا الحالَ إلى العفاف.\n﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ بالإغماض والسَّتر، واقطعوا عنهما الأذى.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا﴾ يَقبل توبة التائب ﴿رَحِيمًا﴾ فلا يعذِّبه، وهو علةُ الأمر بالإعراض وتركِ المذمَّة.\n\n<span id=\"aya-510\"> </span>(١٧) - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ مِن تاب الله عليه: إذا قبل توبته، لا مِن تاب العبد: إذا رجع إليه.\n﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ مُلْتبسين بها، وليست هي عدمَ العلم بأنه ذنبٌ؛ لأنَّه عذرٌ، لكنها تركُ التفكُر في العاقبة كفعلِ مَن يجهلُه.\n﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: من زمانٍ قريب؛ أي: قبل حضور الموت؛ لقوله ﵇: \"إن الله يقبلُ توبة عبده ما لم يُغَرغِرْ\" (^٢) وسماه قريبًا لأنَّ أمد الحياة قريبٌ.\n_________\n= (الزانيان)، وحمل الراغب قول مجاهد هذا على اللواطة. لكن ذكر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٠٦) ما قد يكون تفسيرًا مخالفًا لما ذهب إليه الراغب في الخبر المذكور، حيث ذكر عن مجاهد أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَن زَنَى مِن الرجالِ ثَيِّبًا كانَ أو بِكْرًا.\n(^١) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" لأبي منصور الماتريدي (٣/ ٦٧).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٣٠٦٨) من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ، والترمذي (٣٥٣٧) وحسنه من حديث ابن عمر ﵄، وابن ماجه (٤٢٥٣) من حديث=","vol":"3","page":41},{"text":"وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أنه لم يُرَدْ من القربِ القربُ من عمل السوء حقيقةً.\n﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وعد بالوفاء بما وَعد به وكتب على نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾.\nوفائدة (أولئك) والفاءِ: أنهم إذا تابوا في هذا الزمان تَسبَّب (^١) توبتُهم للقبول.\nومعنى الحصرِ في ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ﴾: التي كتب الله على نفسه قبولَها ليست إلا هذه، فيلزم أن لا يَقبل غيرها، ولهذا فصَل الآية بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾؛ أي: بالتوبة الموصوفة بما يقتضي القبول، والتي لم تتصف به، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يقبل إلا الأولى، فإنه تهديد ووعيد، وما يناسب القبول ترغيبٌ ووعد، فلو لم يكن الحصرُ والسببيةُ لكان ينبغي أن يقول: وكان الله غفورًا رحيمًا.\nولذلك (^٢) وللفرق بين التوبتين صغَّر المعصية هنا بتوحيد السوء والتقييد بالجهالة؛ أي: الغفلة، وقيَّد مجال التوبة بالقرب، وعظَّمها في قوله:\n\n<span id=\"aya-511\"> </span>(١٨) - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ حيث جمع السيئات، وبعَّد مجال التوبة بحرف الغاية، وأضاف إلى المحتضَر قول التوبة لا نفسها، وزاد قوله:\n_________\n= عبد الله بن عمرو ﵄.\n(^١) في (ح): \"بسبب\"، وفي (ك): \"نسب\"، وفي (م): \"نسبت\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"أي\".","vol":"3","page":42},{"text":"﴿الْآنَ﴾، وسوَّى بين الذين سوَّفوا توبتهم (^١) إلى ذلك الأمد البعيد الذي هو حضرة الموت وبين الذين ماتوا على الكفر، مبالغةً في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وأكَّد الوعيد بقوله:\n﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: الموصوفون بأحد الوصفين: التوبةِ وقتَ الاحتضار، والموتِ على الكفر، استحَقُّوا عذابًا أليمًا بسبب اتِّصافهم بما ذُكر، وفخَّم وعيدَهم بتقديم الظرف وتنكير العذاب، ووصفَه بالألم، فافهم.\nوالإعتاد: التهيئة، من العتَاد وهو العُدَّة.\nوقيل: أصله: أَعْدَدنا، فأُبدلت الدالُ الأولى تاءً.\nوإنما لم يقل: إذا حضرهم (^٢) الموت؛ لأن المتبادِر منه الموتُ النادر، وهو أن يموت جماعةٌ معًا، وذلك لا يناسب مقام التغليظ للتقصير.\n\n<span id=\"aya-512\"> </span>(١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان الرجل إذا مات وله عصبةٌ، ألقى ثوبه على امرأته، وقال: أنا أحقُّ بها، ثم إنْ شاء تزوَّجها بصَداقها الأول، وإن شاء زوَّجها غيرَه وأَخذ صَداقها، وإن شاء عضَلها لتفتديَ بما ورثت من زوجها،\n_________\n(^١) في (م): \"بتوبتهم\".\n(^٢) في (م): \"لم يقل: إذا حضروا، وقال: إذا حضر أحدهم\".","vol":"3","page":43},{"text":"فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم: لا يحلُّ لكم أن تَحوزوها على سبيلِ الإرث كما يُحاز الميراث وهن كارهاتٌ لذلك، أو مكرَهاتٌ (^١) عليه.\nوالتقييدُ بالكره لتقرير معنى الأخذِ على سبيل الإرث، وإظهارِ ما فيه من القبح، فلا دلالةَ فيه على جوازه إذا كان طوعًا.\nوقرئ: ﴿كَرْهًا﴾ (^٢) وهما لغتان فيه، وقيل: بالضم المشقَّةُ، وبالفتح ما يُكره عليه.\n﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ تم الكلام عند (^٣) ﴿كَرْهًا﴾، ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل وهو الحبسُ والتضييق، ومنه: عضَّلَتِ المرأةُ بولدها: إذا اختنقت رحمُها به فخرج بعضه وبقي بعضه.\nكان أحدهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العِشرة معها وشكاسةِ الخُلق حتى تفتديَ منه بمالها وتختلع، فمُنعوا منه وقيل لهم: ولا تحبِسوهنَّ لتأخذوا منهن بعضَ ما آتيتُموهن من الصَّداق.\nوالواوُ لعطف الجملة، وأمَّا عطفه على ﴿أَنْ تَرِثُوا﴾ على أن يكون الخطابُ لمَن خوطب فيما سبق، فيأباه قوله: ﴿بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، ولا يَنتظِم مع قوله:\n﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الاستثناءُ من أعمِّ عامِّ الظرف أو المفعول له، تقديره: ولا تعضلوهن للافتداء إلا وقتَ أن يأتين الفاحشةَ، والمراد بها: شَكَاسةُ الخُلق، وإيذاءُ الزوج وأهلِه بالبَذاء والسَّلَاطة، ويدلُّ عليه قراءة: (إلا أنْ يَفْحُشْنَ عليكم) (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"مكروهات\".\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة بفتح الكاف. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٥).\n(^٣) في (م) و(ك): \"بقوله\".\n(^٤) تنسب لأبيٍّ ﵁. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٩٠).","vol":"3","page":44},{"text":"﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: بالإنصاف في الفعل والإجمالِ في القول.\n﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قوله: ﴿فَعَسَى﴾ إلخ علةٌ للجزاء أُقيم مقامه لاستلزامه إياه؛ أي: فلا تُفارقوهن لكراهة النفس وحدَها، واصبروا عليهن مع الكراهة، فعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم، ونوِّن ﴿خَيْرًا﴾ تعظيمًا، ووصفُه بالكثرة مبالغةٌ.\n\n<span id=\"aya-513\"> </span>(٢٠) - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.\n﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾؛ أي: إن عزَمْتُم على أن تأتوا بزوجٍ مكانَ زوجٍ مستبدِلين بها إياها، وتصويرُ الكلام في هذه الصورة لتعيينِ أن يكون التطليق لرغبته في تجديد الفراش، لا لسببٍ من جهتها فإنه حينئذ يجوز أخذُ المال في مقابَلة الطلاق.\n﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾: إحدى الزوجات، جَمع الضمير لأنَّه أراد بالزوج الجنس.\n﴿قِنْطَارًا﴾: مالًا كثيرًا، ضمِّن الكلام الإشارةَ إلى جواز المغالاة في الصَّدُقات، ولهذا تعرَّض لكثرة ما أَعطى، والإشارةَ إلى جواز الاستبدال مع تعدُّدها، ولهذا أتى بعبارةٍ تُفصح عنه، وكان يكفي أن يقول: وأتيتم إياها.\n﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ﴾: من القنطار ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا.\n﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ باهتينَ وآثمين، والاستفهامُ للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتفعلون هذا مع ظهور قُبحه.","vol":"3","page":45},{"text":"قيل: يحتمل انتصابها على العلَّة وإن لم تكن غرضًا، كقولهم: قعدتُ عن الحرب جبنًا.\nوفيه: أن الإثم ليس بعلة للأخذ، بل الأمر بالعكس.\nوتخصيص البهتان بالذكر لأنهم كانوا إذا أرادوا جديدةً بَهتوا التي تحتهم بفاحشةٍ حتى يُلْجئوها إلى الافتداء منهم بما أعطَوها ليَصْرِفوه إلى تزوُّج الجديدة، فنُهوا عن ذلك.\nوالبهتانُ أفحش الكذب؛ لأنَّه إذا كان عن قصدٍ يكون إفكًا، والإفكُ إذا كان على الغير يكون افتراءً، والافتراءُ إذا كان بحضرة المقولِ فيه يكون بهتانًا؛ لأنَّه يدهشه ويتركه متحيِّرًا، من بهتَ: إذا دَهِشَ وتَحيَّر.\n\n<span id=\"aya-514\"> </span>(٢١) - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.\n﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ إنكار لاسترداد المهر.\n﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: والحالُ أن معكم ما يَصرف عنه، والإفضاءُ هو الخلوة، من الفضاء: وهو المفازة الخالية، كذا فسَّره الكلبي، وهو حجةُ أصحابنا في أن المهر يتأكَّد بالخلوة الصحيحة من غير وطءٍ.\n﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الميثاق: العهد الوثيق، والغليظ: المبالغةُ فيه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] واللهُ تعالى أخذ هذا (^١) الميثاق على عباده لأجلهنَّ فهو كأَخْذِهن.\n_________\n(^١) \"هذا\" من (م).","vol":"3","page":46},{"text":"وقيل: هو قول الولي عند العقد: أُنكحكَ على ما في كتاب الله من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، وكان ذلك معتادًا في السلف.\n\n<span id=\"aya-515\"> </span>(٢٢) - ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.\n﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ﴾: التي نكح.\n﴿آبَاؤُكُمْ﴾ وإنما ذكر ﴿مَا﴾ دون: مَن؛ لأنَّه أريدَ به الصِّفةُ.\nوقيل: مصدريةٌ على إرادة المفعول من المصدر، فلا يأباه البيانُ بقوله:\n﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ وِزانُه وِزانُ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] ففائدتُه تأكيد ما في ﴿نَكَحَ﴾ من العموم.\n﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قيل: استثناءٌ من المعنى اللازم للنهي؛ كأنه قيل: تستحقُّون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد مضى قبل التحريم، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم؛ كقوله:\nولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائب (^١)\nوالمعنى: ولا تنكحوا حلائلَ آبائكم إلا ما قد سلف إنْ أمكنكم أن تنكحوه (^٢).\n_________\n(^١) البيت للنابغة الذبياني. انظر: ديوانه (ص: ١١).\n(^٢) يعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يعلق بالمحال في التأبيد نحو قولهم: حتى يبيضَّ القارُ، وحتى يلج الجمل في سَم الخياط. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٩٣) وعنه نقلنا هذا الشرح، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦٧) وعنه نقل المؤلف.","vol":"3","page":47},{"text":"وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: ولكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لأنَّه مغفور (^١)، وتقف على أن هذا هو الوجه (^٢).\n﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ علةٌ للنهي، وزيادة ﴿كَانَ﴾ للدلالة على أنه لم يرخَّص فيه في شريعةٍ من الشرائع.\n﴿وَمَقْتًا﴾: ممقوتًا، والمقت: البغضُ باستحقار.\n﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ سبيلُ مَن يراه ويفعلُه.\nوكانوا ينكحون روابَّهم (^٣)، وناسٌ من ذوي مروءاتهم يمقُتونه ويسمُّونه (^٤): نكاحَ المقت، وكان المولود عليه يسمَّى: المَقْتيَّ، ولذلك قيل: ﴿فَاحِشَةً وَمَقْتًا﴾؛ أي: في دِين الله تعالى مُفْرِطةَ القبح، مقتًا في المروءة والعرف، ولا مزيدَ على ما يجمع القبحين شرعًا وعرفًا، وبه زاد على الزنا، فإنه تعالى قال فيه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"عبارة القاضي: لأنَّه مقرر، والصواب ما قررنا على ما ستقف عليه. منه\". قلت: ولعل الصواب في عبارة القاضي: (لا أنه مقرَّر)، كما جاء في حاشية السيوطي على البيضاوي المسماة \"نواهد الأبكار\" (٣/ ١٤٣)، و\"حاشية شيخ زاده على البيضاوي\" (٣/ ٢٨٩)، وحاشية الشهاب على البيضاوي المسماة \"عناية القاضي وكفاية الراضي\" (٣/ ١٢٠)، و\"حاشية القونوي على البيضاوي\" (٧/ ٨٧)، وكذا نقله الطيبي عن البيضاوي في حاشيته على \"الكشاف\" المسماة \"فتوح الغيب\" (٤/ ٥٠٠). وقال شيخ زاده في شرح جملة (لا أنه مقرر): (لأنَّه ﵊ ما أقر أحدًا على نكاح امرأة أبيه وإن كان واقعا فيما مضى من زمن الجاهلية).\n(^٢) انظر ما سيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\n(^٣) الروابُّ: جمع رابة، وهي امرأة الأب. انظر: \"فتوح الغيب\" (٤/ ٤٨٧).\n(^٤) في (م): \"وسمي\"، وقال في الهامش: في نسخة: \"ويسمونه\".","vol":"3","page":48},{"text":"<span id=\"aya-516\"> </span>(٢٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ أراد تحريم التمتُّع بهن؛ لأن المفهوم في العرف مِن حُرمته (^١): عينُ حرمةِ ما هو المقصود منه، ويلزمه حرمة النكاح؛ لأنَّه موضوعٌ لملك المتعة فلا يصح بدونه.\nوالأم حقيقةً: هي الوالدة، وفي معناها: كلُّ امرأة (^٢) رجع نسبُك إليها بالولادة من جهةِ أبيك أو من جهةِ أمك.\nوالبنت: هي كلُّ ابنة ولدْتَها، وفي معناها: كلُّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة؛ بدرجةٍ أو درجات، بإناثٍ أو ذكور.\nوالأختُ: كلُّ مَن جمعك وإياها صُلبٌ أو بطنٌ.\nوالعمة: كلُّ مَن جمع أباك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدَّك - قريبًا كان أو بعيدًا - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.\nوالخالة: مَن جمع أمَّك وإياها صلبٌ أو بطنٌ، وفي معناها: مَن جمع جدتكَ - قريبةً كانت أو بعيدةً - وإياها صلبٌ أو بطنٌ.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"حرمت\".\n(^٢) في (ك): \"أنثى\".","vol":"3","page":49},{"text":"ونوافلُ الأخ والأخت وإن بَعدت داخلاتٌ في الحكم بالذكور يُدْلِين، أو بالإناث والإخوة من أيِّ جهة كانت.\n﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ نزَّل الله تعالى تعالى الرَّضاعةَ منزلةَ النسب، حتى سمَّى المرضعةَ: أمًّا، والمراضِعةُ: أختًا، فلزم منه أنَّ زوج المرضعة أبوه، وأبويه جدَّاه، وأختَه عمتُه، وكلّ ولدٍ وُلد له من غير المرضعة (^١) قبل الرضاع وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبيه (^٢)، وأمّ المرضعة جدتُه، وأختها خالتُه، وكلّ مَن ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومَن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قوله ﵇: \"يَحْرُمُ من الرَّضاع ما يَحْرُمُ مِن النَّسَب\" (^٣).\nوقالوا: تحريم الرَّضاع كتحريم النَّسب إلا في مسألتين:\nإحداهما: أنه لا يجوزُ للرجل أن يتزوَّج أخت ابنه من النسب، ويجوزُ أن يتزوج أخت ابنه من الرَّضاع؛ لأن المانع في النسب وطؤه أمَّها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع.\nوالثانية: لا يجوز أن يتزوَّج أمَّ أخيه من النسب، ويجوز في الرَّضاع؛ لأن المانع\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"المراضعة\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٩٤)، و\"البحر المحيط\" (٦/ ٥٤٦)، و\"تفسير أبي السعود\" (٢/ ١٦١)، و\"روح المعاني\" (٥/ ٤١٨).\n(^٢) بعدها في (ك): \"وأمه ومَن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأبيه\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر السابقة.\n(^٣) رواه البخاري (٢١٤٦)، ومسلم (٩/ ١٤٤٥)، من حديث عائشة ﵂. ورواه البخاري (٢٦٤٥)، ومسلم (١٤٤٧/ ١٣)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":50},{"text":"في النسب وطءُ الأبِ إياها، وهذا المعنى غيرُ موجود في الرَّضاع.\nوفي الحصر نظرٌ؛ لأن أمَّ النافلةِ - أي: زوجةَ الابن (^١) - وجدةَ الولد أيضًا يَحرمان من (^٢) النسب؛ لأن أمَّ النافلة زوجةُ الابن، وجدةَ الولد أمُّ الزوج، ولا يحرمان من الرضاع؛ كمَن أرضعت ولد ولدِك، وكأمٍّ (^٣) أجنبيةٍ أرضعت (^٤) ولدك.\nهذا بحسَبِ جليلِ النظر، والذي هو بحسَبِ دَقيقهِ: أنَّ الحرمة في الصورِ المذكورةِ بالمصاهرة دون النسب، فلا حاجة إلى الاستثناء أصلًا.\n﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ذكر أولًا محرَّمات النسب، ثم الرَّضاعةِ لأنها لُحمةٌ كلُحمة النسب، ثم محرَّمات المصاهرة فإن تحريمهنَّ عارض لمصلحة الزواج.\nوالربائب: جمع رَبيبة، والربيبُ ولد المرأة من آخَرَ، سُمي به لأنَّه يربِّيه كما يربي ولدَه في غالب الأمر، فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ، وإنما لحقه التاءُ لأنَّه صار اسمًا لولد المرأة وإنْ لم يُربِّه.\nوقوله: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ كنايةٌ عن كونهنَّ في ولايتهم وحمايتهم، وقالوا: إنَّ ذِكره خَرج مَخرجَ العادة لا مخرجَ الشرط، ولهذا اكتُفي في موضع الإحلال بنفي الدخول، وهذا ما بحسب جليلِ النظر، والذي هو بحسبِ دَقيقه هو أنه تقويةُ العلة (^٥) وتكميلُها.\n_________\n(^١) \"أي زوجة الابن\" من (م).\n(^٢) في (م): \"في\".\n(^٣) في (م): \"وكان\"، وقال في الهامش: \"الصواب كانت\".\n(^٤) في (م): \"أو أرضعت\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"للعلة\".","vol":"3","page":51},{"text":"والمعنى: إذا دخلتم بأمهاتهنَّ وهنَّ في احتضانكم، أو من شأنهنَّ وحقِّهنَّ الكونُ فيه، قَوِيَ الشبهةُ بينها وبين أولادكم، فصارت أحقَّاءَ بأن تُجروها مجراهم، وعلى هذا - أي: على تقدير أن يكون المعنى ما (^١) قرَّرناه من تعميم المراد للَّتي مِن شأنها أن تكون في احتضانهم كما هو مقتضَى كونِ الوصف المذكور لتقوية العلَّة - يكون ذلك الوصفُ للحرمة (^٢)، والاكتفاءُ في موضع الإحلال بنفي الدخول لاستلزام انتفائه انتفاءه (^٣).\nو﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ حال من ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ أو صفةٌ، أو من جملة الصلة؛ أي: اللاتي من نسائكم، وهو أولى بنظم الكلام.\nوالباء في ﴿بِهِنَّ﴾ للتعدية، والمعنى: أدخلتُموهنَّ السِّتر، وهي كنايةٌ عن الجماع، وعندنا يقوم اللَّمس مقامه.\nولا يجوز أن يكون ﴿اللَّاتِي﴾ وصفًا لـ ﴿نِسَائِكُمْ﴾ من قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ لعدم الحاجة في إفادةِ المعنى المراد إلى قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، والكلامُ البليغ يجب صونُه عن الحشو.\nوالرسول ﵇ فرَّق بين أمِّ المرأة وبنتِها فقال [في] رجلٍ (^٤) تزوَّج امرأة\n_________\n(^١) في (م): \"على ما\".\n(^٢) في (م): \"الوصف تقييدًا للحرمة\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"بنفي الدخول لا يستلزم انتفاءه\". وقد وضح الآلوسي هذه المسألة بقوله: (وفي الاقتصار في بيان نفي الحرمة على نفي الدخول إشارة إلى أن المعتبر في الحرمة إنما هو الدخول، دون كون الربائب في الحجور، وإلا لقيل: فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم، أو: فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لسن في حجوركم). انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ٤٣٢).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"ورجل\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٤٩٥)،=","vol":"3","page":52},{"text":"وطلقها قبل أن يدخل بها: \"لا بأس أن يتزوج ابنتها، ولا يحلُّ له أن يتزوج أمها\" (^١)، وهذا الدخولُ (^٢) شرط بالإجماع، بخلاف كون الربائب في حجورهم فإنه خرج على الأغلب، وليس بشرطٍ عند عامة العلماء.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أريدَ استمرارُ النفي لا نفيُ الاستمرار، فمعنى الكون مقدَّم في الاعتبار.\n﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: في نكاح الربائب، وهذا البيانُ مهمٌّ عند مَن لا يقول بحجِّيَّة المفهوم، وعند مَن قال بها فائدتُه دفعُ القياس.\n﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾: زوجاتُهم، سُميت حليلةً لحقَها لزوجها، أو لحُلولها معه في محلٍّ (^٣).\n﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ بالذات أو بالواسطة، احترز به عن المتبنَّى؛ لأنهم كانوا يجعلونه كولدِ الصُّلب، لا عن الابن من الرضاع.\n_________\n= و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٦٨)، وما بين معكوفتين منهما.\n(^١) رواه الترمذي (١١١٧) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، فَلْيَنْكِحْ ابْنتهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا\". قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ وَالمُثَنَّى بْنُ الصَبَّاحِ عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، والمُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الحَدِيثِ، والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ، قَالُوا: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَة ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بها حَل لَهُ أَنْ يَنْكِحَ ابْنَتَها، وإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجلُ الابنةَ فطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بها لَمْ يَحِلَّ له نكاحُ أمِّها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.\n(^٢) \"الدخول\" من (م).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"المحل\".","vol":"3","page":53},{"text":"﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ في محل الرفع عطفٌ على ما قبلَه من المحرَّمات؛ أي: وحرِّم عليكم الجمع بين الأختين في التمتُّع، ويلزمُه حُرمةُ الجمع بينهما بالنكاح - لِمَا قدَّمناه - دون مِلك اليمين؛ لأنَّه يُجامع حرمةَ التمتُّع؛ كما في الأمَة المجوسية، والأختِ رضاعًا، ولا دلالةَ في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على حلِّ المملوكة على كلِّ حال، فلا يعارض هذا القولَ الدالَّ على حرمتها في بعض الأحوال حتى يحتاج إلى الترجيح.\n﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ استثناءٌ منقطع معناه: لكنْ ما قد سلف منكم مغفورٌ (^١)؛ لقوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وروَى هشامٌ عن محمد بن الحسنِ أنه قال: كان أهل الجاهلية لا (^٢) يعرفون هذه المحرَّمات إلا ثنتين: نكاحَ امرأة الأب، ونكاحَ الأختين معًا، فلذلك قال هناك: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"مغفور له\". وجاء في هامش (ف): \"من تنبه لهذه الدلالة ثم جوز الاتصال في الاستثناء لم يكن على بصيرة. منه\".\n(^٢) كلمة: \"لا\"، سقطت من (ح) و(ف). وانظر التعليق الآتي.\n(^٣) انظر: \"تفسير أبي الليث\" (١/ ٢٩٢)، و\"تفسير القرطبي\" (٦/ ١٩٧). وسقطت من مطبوعيهما كلمة (لا) أيضًا، لكن الصواب إثباتها؛ إذ بحذفها ينقلب المعنى ويصبح خلاف المراد. وقد روى الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٥٤٩)، وابن المنذر في \"تفسيره\" (١٥٢٣) عن ابن عباس نحو ما ذكر عن محمد بن الحسن، ولفظه: (كان أهل الجاهلية يحرِّمون ما حرَّم الله إلا امرأة الأب والجمعَ بين الأختين، فلما جاء الإسلام أنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، و﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾). وروَى الطبري عن قتادة نحوه. وهو يؤيد ما ذكرناه من وجوب إثبات (لا)، وهناك احتمال آخر أقوى منه، وهو أن تكون كلمة (يعرفون) الواردة في=","vol":"3","page":54},{"text":"<span id=\"aya-517\"> </span>(٢٤) - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ بفتح الصاد، أي: أَحصنَهنَّ التزويج، وقُرئ بكسرها (^١)؛ أي: اللاتي أَحصَنَّ فروجهنَّ بالتَّزويج (^٢).\nوالإحصان: العفَّة، وتحصينُ النفس من الوقوع في الحرام.\n﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: من اللاتي سُبِيْنَ وأُخْرجن (^٣) بدون أزواجهنَّ، فإن الفُرقة إنما تقع بتبايُنِ الدارين لا بالسَّبْي، ولا تَجلب العِدَّةَ، وتحل للغانم بملكِ اليمين بعد الاستبراء، ولا مساغَ لأخذِه على عمومه، فإنها إذا كانت مجوسيةً أو محرَّمةً بسبب الرضاع أو المصاهرة، أو بسببٍ آخر، أو مشتراةً وهي ذاتُ زوج، لا\n_________\n= كلام محمد محرفةً عن كلمة: (يحرمون) الواردة في خبر ابن عباس.\nوجاء في هامش (ف): \"هذا هو الموعود فيما سبق. منه\".\nقلت: يشير إلى ما تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، من قوله: \"وقيل: الاستثناء منقطع، ومعناه: ولكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لأنَّه مغفور، وتقف على أن هذا هو الوجه\".\n(^١) تنسب لطلحة بن مصرف. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٨٧)، والمشهور في هذه الآية القراءة بالفتح، وما جاء في بعض نسخ البيضاوي من عزو القراءة بالكسر للكسائي خطأ نبه عليه الشهاب في \"الحاشية\" (٣/ ١٢٢).\n(^٢) في (م): \"بالتزوج\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"أو أخرجن\".","vol":"3","page":55},{"text":"تَحلُّ لمالكها، فلا يكون حجةً على أبي حنيفة في قوله: لو سُبي الزوجان معًا لا يرتفعُ النكاح ولا تَحلُّ للسَّابِي.\n﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مصدر مؤكِّدٌ؛ أي: كَتب الله ذلك عليكم كتابًا، وهو تحريمُ ما حرَّم.\n﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ عطفٌ على (كَتَب) المقدَّرِ الناصبِ، يدلُّ عليه قراءةُ: (كَتَبَ الله عليكم وأَحَلَّ لكم) (^١).\nوقرئ: (كُتُبُ اللهِ) بالجمع والرفع (^٢)، أي: هذه فرائضُ الله عليكم.\nومَن قرأ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ على البناء للمفعول (^٣) عَطَفه على ﴿حُرِّمَتْ﴾.\n﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ما سوى المذكورِ من الأصناف المحرَّمة (^٤) بالنسب أو الرَّضاع أو المصاهرة أو الجمع، وما ثَبت حرمتُها بالسُّنَّةَ ليست بخارجةٍ منها.\nالكافُ والميم في ﴿ذَلِكُمْ﴾ خطابٌ للرجال، والذالُ إشارةٌ إلى المذكورِ قبله من المحرَّمات، ولو أشار إليها لقال: وراء تِلْكُم.\n﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ مفعولٌ له، أي: لِأنْ تبتغوا بأموالكم ما أُحلَّ لكم من النساء، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ على الاشتمال، والأفصحُ أن لا يقدَّر المفعول؛ أي: ليَصدُر منكم الابتغاءُ بأموالكم، وهو إخراجُها في مهور النساء واشتراءِ الإماء.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٥)، و\"الكشاف\" (١/ ٤٨٧).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٤٨٧).\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وقرأ باقي السبعة بالبناء للفاعل. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٥).\n(^٤) \"المحرمة\" من (م).","vol":"3","page":56},{"text":"﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ صفةٌ، أو حالٌ أخرى.\nوالمعنى: بيِّن لكم ما يحلُّ مما يحرمُ لكيلا تضيِّعوا أموالكم فيما لا يحلُّ لكم، فتخسروا في دنياكم ودينكم، وتجمَعوا بين الخُسرانين.\nوالسِّفاح: الزنا، من السَّفْح: وهو صبُّ المائع بإطلاق، ومنه: السَّفَّاح، وهو المسرِفُ في القتل، وفي الزنا: تضييعُ الماء؛ لعدمِ ثبوت النسب به، وفي الآية دلالةٌ على أنه لا نكاحَ إلا بمهرٍ من جنس المال.\n﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ من جماع ودواعيهِ، والخلوةُ الصحيحةُ أقيمت مقامه، ولفظة (ما) تدل - على أنَّ يَسير التمتع يوجبُ إيتاء الأجر (^١).\n﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورَهنَّ، والأجر بدل منافع العين في الإجارة، وبدل منافع البضع في النكاح.\n﴿فَرِيضَةً﴾ حالٌ من الأجور بمعنى: مفروضة، أو مصدر وُضع موضع: إيتاءً؛ لأن الإيتاء مفروضٌ، أو مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: فَرض الله ذلك فريضةً مفروضة.\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ مِن حطِّ شيءٍ منها، أو هِبَتِها كلِّها منه، أو من زيادته عليها، أو فيما تراضَيا به من نفقةٍ أو مُقامٍ أو فراق.\nوقيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثةَ أيام حين فتحت مكةُ ثم نسخت، وهي غيرُ النكاح المؤقَّت على ما بُيِّن في محله.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالمصالح ﴿حَكِيمًا﴾ فيما شرع من الأحكام.\n_________\n(^١) في (ف): \"الأجرة\".","vol":"3","page":57},{"text":"<span id=\"aya-518\"> </span>(٢٥) - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: غنًى، وأصله: الفضل والزيادة.\n﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: لأنْ ينكحَ الحرائرَ؛ لقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ يعني: الإماءَ (^١) ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nقال الشافعي: لا يجوز نكاحُ الأمَة الكتابية بناءً على مفهوم الوصف، ولا نكاحُ الأمَة المسلمة عند القدرة على مهر الحرة ونفقتِها بناءً على مفهوم الشرط، وكِلَا المفهومَين ليس بحجة عندنا، على أن اللازم على تقديرِ حجيَّة المفهوم عدمُ إباحة نكاحهما، ويجوز أن يكون ذلك لكراهيته لا لعدم صحته، ونحن لا ننازع فيها.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ تأنيسٌ بنكاح الإماء وإزالةِ الاستنكاف منه؛ أي: أعلمُ بتفاصيل ما بينكم وبين أرقَّائكم في الإيمان، فربما كان إيمانُ الأمَة أرجحَ من إيمان الحرة، وإيمانُ الحرَّة (^٢) أرجحَ من إيمان الرجل، ولا ينبغي للمؤمِن أن يطلب الفضلَ والرجحان إلا باعتبارِ الإيمان والإسلام، لا بالأحساب والأنساب، وقولُه:\n﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ تأكيد لذلك المعنى؛ أي: أنتم وأرقَّاؤكم متواصلون ومتناسبون، نسبُكم من آدم ﵇، ودينُكم الإسلام.\n_________\n(^١) \"يعني الإماء\" من (ك) و(م).\n(^٢) في (ك): \"المرأة\".","vol":"3","page":58},{"text":"﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾؛ أي: مَواليهِنَّ، اعتبارُ إذنهم دون مباشرتهم ظاهرٌ في انعقاد النكاح بعبارتهن، إذ لو كانت مباشرتُهم أو مباشرةُ وكيلهم شرطًا لكان المهمُّ ذكرَها لا ذكرَ الإذن؛ لأن ذكره لا يُغني عن ذكرها، وهذا ظاهرٌ، والمنكِر مكابرٌ، وذكرُها يغني عن ذكره.\n﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وأَتوا مواليَهُنَّ مُهورهن، وحُذف (^١) لأنهنَّ وما في أيديهن ملكُ الموالي، فكان الأداء إليهنَّ أداءً إلى الموالي، وقال مالك: ليس للسيد أن يأخذ مهرَ أَمَته (^٢) ويدَعها بلا جَهَاز (^٣).\n﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ بغيرِ مَطْلِ وضررٍ ونقصانٍ.\n﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ عفائفَ.\n﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: غير مجاهرات بالسِّفاح.\n﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أخلَّاءَ في السرِّ.\n﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ بالتزويج.\n﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: بزنًا.\n﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ يعني: الحرائرَ.\n﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ما على الحرائر من الحدِّ وهو الجلدُ؛ لأنَّ الرجم\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"وخفف\"، والمثبت من (م).\n(^٢) في النسخ: \"مهرًا منه\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"المدونة\" (١٤/ ٣١٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٨)، و\"تفسير القرطبي\" (٦/ ٢٣٥)، و\"البحر\" (٦/ ٥٧٧).\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"هذا ما نقله القرطبي في تفسيره عن مالك، وأما الذي ذكره القاضي فالظاهر منه أن يكون المهر كله ملكًا للأمة دون المولى ولا وجه له. منه\".","vol":"3","page":59},{"text":"لا يتنصَّف، والعذاب المعهود هاهنا هو الحد، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].\nكان زناهنَّ في الجاهلية من وجهين: بالسِّفاح وهو بالأجر لكلِّ (^١) مَن رغب فيها، والمخادَنةِ وهي في صديق لها على الخصوص، وكان الأول يقع إعلانًا والثاني سرًّا.\nوقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس لنفي الحدِّ عنها إذا لم تُنكح، بل لبيانِ أنها بالنكاح لا يزداد حدُّها.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى نكاحِ الإماء.\n﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾: خاف الإثم الذي قد يقع فيه مِن غلبةِ الشهوة.\nوالعنت في الأصل: انكسار العظم بعد الجبر، مستعارٌ لكلِّ مشقَّةٍ قادحةٍ؛ لاشتراكهما في التضرُّر والألم، ولا ضررَ أعظمُ من تَبِعة المأثم (^٢) بأفحشِ القبائح.\nوقيل: المراد الحد.\nأخذ الشافعي بظاهر الآية وقال: لا يجوز نكاح الأمة إلا بثلاث شرائطَ؛ اثنان في الناكح: عدمُ طَول الحرة وخشيةُ العنت، والثالث في المنكوحة وهي أن تكون مؤمنةً، وهذه الأشياء عندنا للاختيار (^٣) لا للاشتراط.\n﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أي: صبرُكم عن نكاح الأمة.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(م): \"بكل\".\n(^٢) في (م): \"مواقعة المأثم\".\n(^٣) في (م): \"للاحتياط\".","vol":"3","page":60},{"text":"﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن فيه إرقاقَ الولد، وقال ﵇: \"الحرائرُ صلاحُ البيوت، والإماءُ هلاكُ البيوت\" (^١).\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ للزنا بإقامة الحد إذا احتَسَب ذلك.\n﴿رَحِيمٌ﴾ إذ جعل العذاب عليه الحدَّ في الدنيا لا العقوبةَ في الآخرة.\n\n<span id=\"aya-519\"> </span>(٢٦) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما هو خفيٌّ عنكم من مصالح دِينكم، أصله: يريد الله أنْ يبيِّن لكم، فزيدت اللام لتأكيد إرادةِ التبيين كما زيدت في: لا أبا لك لتأكيد إضافةِ الأبِ لا لتأكيدِ معنى الاستقبال اللازمِ للإرادة، فإنه لا ينبغي أن يَخطر بالبال في مثل هذا المقال.\n﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مناهجَ مَن تَقدَّمَكم من أهل الرشد لتسلكوا طريقهم.\n﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: ويقبلَ توبتكم إذا رجعتم إليه بسلوك مناهجهم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده.\n﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرَع لهم.\n_________\n(^١) رواه الثعلبي من حديث أبي هريرة، وفي إسناده أحمد بن محمد اليمامي وهو متروك وكذبه أبو حاتم، ويونس بن مرداس قال الحافظ: لا أعرفه. انظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ٤٢).","vol":"3","page":61},{"text":"<span id=\"aya-520\"> </span>(٢٧) - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.\n﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ﴾ تقديمُ اسم الله على الفعل للاختصاصِ مع تقوِّي الإسناد؛ أي: واللّهُ خاصةً يريد إرادةً تامة.\n﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ بسلوك طريقِ الحقِّ التي هداكم إليها.\n﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني: الفَجَرةَ أتباعَ الشهوة في كلِّ حالٍ مذموم؛ لأن ذلك ائتمارٌ لها من حيث ما دعت الشهوةُ إليه، أمَّا إذا كان الاتِّباع من حيث العقلُ أو الشرعُ فذلك هو اتِّباعٌ لهما لا للشهوة.\nوقيل: اليهود. وقيل: المجوس (^١)، فإنهم يُحلُّون (^٢) الأخواتِ من الأب (^٣)، وبناتِ الأخ والأخت.\n﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ إلى الباطل عن القصد والحقِّ بموافقتهم على اتِّباع الشهوات.\n﴿مَيْلًا﴾ التنكير للتكثير.\n﴿عَظِيمًا﴾ توصيفه بالعِظَم للمبالغة، فإنه فوق الكثير (^٤)، وهو المناسبُ بمقام التنفير والتحذير.\n_________\n(^١) في النسخ: \"وقيل المجوس وقيل اليهود\"، وهو وهم من البيضاوي الذي نقل عنه المؤلف، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٥٠١)، ومثله في تفاسير البغوي والرازي وأبي حيان وابن عادل والنيسابوري وأبي السعود وحقي والآلوسي.\n(^٢) في (ك) و(م): \"يحللون\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر السابقة.\n(^٣) في (م): \"الآباء\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في المصادر السابقة.\n(^٤) في (م): \"الكبر\".","vol":"3","page":62},{"text":"ولقوة إرادته تعالى، وضعفِ إرادتهم، واستلزامِها للمراد، وتخلُّفِ مُرادهم عن إرادتهم، قدَّمه على الفعل وأخَّرهم عنه.\n\n<span id=\"aya-521\"> </span>(٢٨) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بإحلال نكاح الإماء وسائر الرُّخص.\n﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ لا يصبر عن الشهوات، ولا يتحمَّل مشاقَّ التكاليف.\n\n<span id=\"aya-522\"> </span>(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ بالوجه الغيرِ المشروع، كالشركة والمضارَبة الفاسدتين، والربا والقمار، وأما السرقةُ والغصب ونحوُهما فلا يناسبها قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾.\n﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: ولكنْ كونُ تجارةٍ عن تراضٍ غيرُ مَنْهيٍّ عنه؛ أو (^١): اقْصدوا كونَ تجارةٍ.\nو﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ صفةُ ﴿تِجَارَةً﴾؛ أي: تجارةٌ صادرةٌ عن تراضي المتعاقدَينِ، وخَصَّ التجارة بالذكر لأن أكثر أسباب الرزق يتعلَّق بها.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) ت \"أي\"، وفي (م): \"إذ\"، وسقطت الجملة من (ك)، والتصويب من \"الكشاف\" (١/ ٥٠٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٠)، وعنه نقل المؤلف.","vol":"3","page":63},{"text":"وقرئ: ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب (^١) على (كان) الناقصة، وإضمارِ الاسم؛ أي: إلا أن تكون التجارةُ - أو: الجهةُ - تجارةً.\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: مَن كان مِن جنسكم من المؤمنين، فإنهم كنفسٍ واحدةٍ.\nأو: ولا تقتلوا أنفسَكم بالبَخْع (^٢) كما يفعلُه بعض الجَهَلة.\nأو: بإلقاءِ النفس إلى التهلكة، ويؤيِّده ما رُوي أنَّ عمرو بن العاص ﵁ تأوَّله في التيمُّم لخوف البرد، ولم ينكِر عليه النبيُّ ﷺ (^٣).\nأو: بارتكاب ما يؤدِّي إلى قتلِها.\nجمع في التوصية بين حفظ النفس والمالِ الذي هو شقيقُها من حيث إنه سببُ قوامها؛ استبقاءً لهم ريثما تستكمل النفوس وتستوفي فضائلها رأفةً بهم ورحمةً؛ كما أشار إليه بقوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ ما نهاكم عمَّا يضرُّكم إلا لرحمته عليكم.\nوقيل: معناه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ﴾ يا أمَّةَ محمدٍ ﴿رَحِيمًا﴾ لمَّا أَمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه.\n\n<span id=\"aya-523\"> </span>(٣٠) - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم، وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٥).\n(^٢) البخع بالباء الموحدة والخاء المعجمة والعين المهملة: قتل النفس غمًّا، ومراده به مطلق القتل. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٢٩).\n(^٣) رواه أبو داود (٣٣٤)، وعلقه البخاري قبل الحديث (٣٤٥).","vol":"3","page":64},{"text":"﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قتل النفس؛ أي: مَن يُقْدِم على قتل النفس (^١).\n﴿عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ لا اقتصاصًا وعدلًا، والمراد من العدوان: التعدِّي على الغير، ومن الظلم: الإتيان بما لا يستحق.\n﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾) نُدخله إياها، وقرئ بالتشديد مِن صَلَّى، وبفتح النون مِن صَلَاه يَصْليهِ، ومنه: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ، و(يَصْليهِ) بالياء على أن الضمير لله تعالى، أو لـ ﴿ذَلِكَ﴾ من حيث إنه سببُ الصُّلِيِّ (^٢).\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا عسرَ فيه ولا صارفَ عنه.\n\n<span id=\"aya-524\"> </span>(٣١) - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.\n﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الاجتناب: التَّباعُد، والكبائر: جمع كبيرةٍ، وهي الفعلةُ العظيمة الإثمِ، وقد أضافها إلى جميع المنهيَّات، وقرئ: (كبيرَ) على إرادة الجنس (^٣).\n﴿نُكَفِّرْ﴾ نَستر ﴿عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ من الصغائر، والكبيرةُ والصغيرةُ وُضعت كلُّ واحدةٍ منهما بالقياس إلى صاحبتها، فكلُّ ما كانت المخالفةُ فيها أكثرَ والنهيُ\n_________\n(^١) \"أي من يقدم على قتل النفس\" من (م).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٠٣)، وجميعها من الشواذ، والثانية في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٢٥).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٥).","vol":"3","page":65},{"text":"عنها أغلظَ كان أكبرَ وبالعكس، والتكفيرُ مبالغةٌ في سترها بجعلها كأنْ لم تكن حيث لا عقاب عليها.\nوعن أمير المؤمنين عليٍّ ﵁: الكبائرُ سبعٌ: الشركُ بالله، والقتلُ، والقذفُ، والربا، وأكلُ مال اليتيم، والفرارُ من الزحف، والتعرُّبُ بعد الهجرة (^١).\nوزاد ابن عمر ﵄: السحر، واستحلال البيت الحرام (^٢).\nوابن عباس ﵄: أن رجلًا قال له: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبعِ مئةٍ أقربُ؛ لأنَّه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار (^٣)، وفيه ما فيه.\nوقيل: أراد بها هاهنا أنواع الشرك؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\nوفيه نظر، وكأن هذا القائل غافلٌ عن الفرق بين ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ وبين: غير ذلك، ولم يتنبَّه لوجه العدول عن الثاني - مع كونه أخصرَ وأظهرَ - إلى المنزل (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٠٣)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٦٤٣) عن محمد بن سهل بن أبي حثمة، عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد، مسجد الكوفة، وعليٌّ يخطب الناسَ على المنبر، فقال: (يا أيها الناس، إن الكبائر سبعٌ ..) فذكره وزاد: (فقلت لأبي: يا أبهْ، ما التعرّب بعد الهجرة، كيف لَحِقَ هاهنا؟ فقال: يا بنيّ، وما أعظمُ من أن يهاجر الرجل، حتى إذا وقع سَهمه في الفيء ووَجب عليه الجهاد، خلع ذلك من عنقه، فرجع أعرابيًّا كما كان؟)\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٠٣)، ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٨)، والطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٦٤٦ - ٦٤٧)، ورواه أبو داود (٢٨٧٥) من حديث عمير بن قتادة ﵁ مرفوعًا.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٠٣). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٦٥١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٩٣٤). وانظر كلام المؤلف عليه في الحديث التاسع من الأربعين الأولى من أربعينيات المؤلف، المطبوعة مفردة وضمن مجموع رسائله.\n(^٤) في هامش (ح) و(ف): \"وهو الإشارة إلى أن في المقام ما يساوي الشرك فلا يغفر، كإنكار تبعة نبي=","vol":"3","page":66},{"text":"أضاف السيئات إلى المخاطبين؛ لأن المراد الذنوبُ التي فعلوها، ولم يضف الكبائر إليهم؛ لأن المراد منها ما اجتنبوا عنها، وفي عبارة الاجتناب إشارةٌ إلى أن تلك الكبائر مما يَعترض (^١) للناس في طرق معاشه ومكاسبه ومعاملته، فالاحترازُ عنها لا يخلو عن مشقَّةٍ وكُلفةٍ، فتلك الكفارة جزاؤه، ولو قيل: إن لم تفعلوا، لفاتت تلك الفائدة.\n﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضمِّ الميم، وهو مصدرٌ، أو مكانُ الإدخال وهو الجنة، وبفتحها (^٢) وهو مكان الدخول، أو مصدر منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ تقديره: فتدخلوا مَدخلًا، حُذف لدلالة الفعل المطاوع عليه.\n\n<span id=\"aya-525\"> </span>(٣٢) - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\n﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ نُهوا عن تَمنِّي ما فضَّل الله به بعضَ الناس على بعضٍ من الجاه والمال والعلم، مع قطع النظر عن كونه ذريعةً إلى التحاسد والتباعد (^٣)؛ لأن ذلك التفضيلَ قسمةٌ من الله تعالى على ما اقتضتْه حكمتُه، فليَرْضَ كلُّ واحد بما قُسم له، علمًا بأنه هو الذي فيه صلاحه.\n_________\n= من الله شارع، وإنكار ما هو من ضروريات الدين. منه\".\n(^١) في \"ك\": (تعرض).\n(^٢) هي قراءة نافع، وقرأ باقي السبعة بضم الميم. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٥).\n(^٣) في النسخ عدا (م): \"ذريعة إلى التجارة\"، والمثبت من (م)، وجاء في هامشها: \"رد للبيضاوي\"، وهو كما قال، وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧١)، وسنذكر كلامه في التعليق الآتي.","vol":"3","page":67},{"text":"ولا يَذهَبْ عليك أن موجَبَ هذا أن يكون التمنِّي المذكورُ منهيًّا سواءٌ كان مقارِنًا للطلب أو لم يكن، فمَن وفِّق بالتعليل المذكور ثم قال: وأنَّه تَشَهٍّ (^١) لحصول الشيء له من غير طلبٍ وهو مذموم؛ لأن تَمنِّيَ ما لم يقدَّرْ له معارضةٌ لحكم القدر، وتمنيَ ما قدِّر له بكسبٍ بطالةٌ وتضييعُ حظٍّ، وتمنيَ ما قدِّر له بغيرِ كسبٍ ضائعٌ وباطلٌ (^٢) = لم يكن على بصيرةٍ.\nثم إنَّ قوله: معارضةٌ لحكم القدر، مبناه الغفولُ عما بُيِّن في موضعه من أنه لا حكم للقدر، وإلا يلزمُ الجبرُ وَيبطل التكليف.\nثم إن الشقَّ الأخير في معرض المنع؛ إذ يحتمل أن يكون ما قدِّر له بغير كسبٍ مشروطًا بالتمني فلا يلزم المحذور المذكور (^٣).\n﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ بيانٌ لذلك؛ أي: لكلٍّ من الرجال والنساء نصيبٌ مقدَّرٌ على ما تقتضيه الحكمة (^٤)، فلا ينبغي للمفضول أن يتمنى نصيب الفاضل.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ك): \"تشهي\"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧١)، وهذا نص كلامه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ من الأمور الدنيوية كالجاه والمال، فلعل عدمه خير، والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له، وأنَّه تشه ..) إلى آخر ما قال مما نقله عنه المؤلف.\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧١ - ٧٢).\n(^٣) من قوله: \"ثم إن الشق الأخير … \" إلى هنا وقع في النسخ قبل ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لكن جرى التنبيه في هامش (م) أن موضعه هنا، وهو الصواب.\n(^٤) في هامش (ف): \"فيه رد لمن قال: فاطلبوا الفضل بالعمل لا بالحسد والتمني. منه\".\nوفيه أيضا: \"من قال: جعل ما قسم لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرف الله من حاله الموجبة للبسط والقبض، فكأنه لم يعرف أن المعرف لا ينسب إليه تعالى. منه\".","vol":"3","page":68},{"text":"ونَسب الكسبَ إليهم وجَعل النصيبَ منه لأنَّه جَعل سعيَه سببًا لوصول ما قدِّر له إليه.\n﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: لا تتمنَّوا أنصباءَ غيركم من الفضل فإنه طلبٌ للمُحال، ولكن سَلُوا الله من خزائن جُوده التي لا تَنفَدُ (^١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ وهو يعلم ما يستحقُّه كلُّ إنسان، فيفضِّل عن علم وتبيان.\nرُوي أن أمَّ سلمة قالت ونسوةٌ معها: ليتَ الله كتب علينا الجهاد كما كتب على الرجال، فيكونَ لنا من الأجر مثلُ ما لهم، فنزلت (^٢).\n\n<span id=\"aya-526\"> </span>(٣٣) - ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.\n﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ صفةٌ لـ (كلٍّ﴾ مبيِّنةٌ له؛ أي: لكلِّ شيء مما ترك الوالدان جعلنا ورَّاثًا يَلُونه ويُحرزونه، و(لكلٍّ) أحدُ مفعولي (جعَل).\nأو صفةٌ لمحذوفٍ على أن ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ صفةٌ لـ (كلّ)؛ أي: ولكلِّ قوم جعلناهم موالي نصيبٌ مما ترك الوالدان، والراجع محذوفٌ وهو أحد مفعولي\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"تتغير\"، والمثبت من (م). وجاء في هامش (ف): \"فيه رد لمن قال: أي: لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله مثله من خزائنه. منه\".\n(^٢) رواه بنحوه الترمذي (٣٠٢٢)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٢٦٧٣٦) من طريق مجاهد عن أم سلمة ﵂، وفيه انقطاع بينهما نبه عليه الترمذي.","vol":"3","page":69},{"text":"(جعل)، و(لكلٍّ) خبر مبتدأ محذوفٍ وهو (نصيبٌ).\nولا يجوز أن يكون المعنى: ولكلِّ ميت جعلنا وارثًا مما تركه، إذ لا يلزم أن يكون لكلِّ ميت وارثٌ فضلًا أن يكون وارثًا من الوالدين والأقربين.\n﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مولى الموالاة (^١)، كان الحليفُ يورَّث السدسَ من مال حليفه، فنسخ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥].\nوعند أبي حنيفة: إذا تعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا (^٢) صح وورث بحق الموالاة، خلافًا للشافعي.\nوحملُه على الأزواج على أن العقد عقد نكاح يأباه قوله: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾، وهو مبتدأ ضمِّن معنى الشرط، وخبره: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أو منصوب بمضمرٍ يفسِّره ما بعده؛ كقولك: زيدًا فاضربه، أو معطوف على ﴿الْوَالِدَانِ﴾، وقوله: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ جملة مسبَّبةٌ عما تقدم، والضمير للموالي.\nوقرئ: ﴿عَقَدَتْ﴾ (^٣) بمعنى: عقدت (^٤) عهودَهم أيمانُكم، فحُذف العهود وأُقيم الضمير المضافُ إليه مقامه، ثم حُذف كما حذف في القراءة الأخرى (^٥).\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ تهديدٌ لمن خالَف الأمر.\n_________\n(^١) قوله: \"مولى الموالاة\"، كذا وقع في النسخ بالمفرد، وجاء في \"الكشاف\" (١/ ٥٠٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٢): (موالي الموالاة) بالجمع، وهو الأنسب بلفظ الآية.\n(^٢) في هامش (ف): \"الإسلام على يده ليس بشرط. منه\". قلت: فيه تعريض بالبيضاوي حيث قال: (وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقدا على أن يتعاقلا …).\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي وعاصم، وقرأ باقي السبعة: (عاقدت). انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦).\n(^٤) في النسخ: \"عاقدت\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٥٠٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٢).\n(^٥) في (ك): \"الأولى\".","vol":"3","page":70},{"text":"<span id=\"aya-527\"> </span>(٣٤) - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.\n﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يقومون عليهنَّ آمرينَ ناهينَ كالولاة، وعلَّل ذلك بأمرين: مَوهبيٍّ وكَسبيٍّ فقال:\n﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بسبب تفضيل الرجال على النساء، والتعبير عنه على وجه الإبهام للإيهام بأن هذا التفضيل من جملة التفضيلات الواقعةِ في القِسْمة الأزلية على مقتضَى الحكمة المذكورِ فيما تقدم بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.\nوفيه دليلٌ على أن الرجال إنما يستحِقُّون الولاية عليهن بالفضل لا بالتغلُّب (^١) والقهر، وهو كمالُ العقل وحُسن التدبير، وقوةُ العزم والحزم، ومَزيدُ القدرة على الطاعات وسائرِ الأعمال، ولذلك خُصُّوا بالنبوَّة والإمامة والولاية، وإقامةِ الشعائر، ووجوبِ الجهاد والجمعةِ ونحوها.\n﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾ وبسبب ما أخرجوا في نكاحهن.\n﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ في مهورهن ونفقاتهن، رُوي أن سعد بن ربيع نَشزت عليه امرأتُه فلطَمها، فانطلق بها أبوها إلى رسول الله ﷺ فشكَى، فقال ﵇: \"لتقتصَّ منه\" فنزلت فقال: \"أردْنا أمرًا وأرادَ الله أمرًا، والذي أرادَ اللهُ خيرٌ\" (^٢).\n_________\n(^١) في (ك): \"بالتغليب\".\n(^٢) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٥١) عن مقاتل، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٨٨٦) =","vol":"3","page":71},{"text":"ثم بيَّن أن النساء نوعان، فالفاء في قوله:\n﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ لتفصيل المجمل المفهومِ مما تقدَّم.\n﴿قَانِتَاتٌ﴾؛ أي: النساءُ الموصوفاتُ بالصلاح هنَّ المطيعاتُ لله تعالى، القائماتُ بحقوق الأزواج.\n﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: لغَيبة الأزواج، والمعنى: بمواجب الغيبة، أي: يحفَظْنَ في غَيبة الأزواج ما يجب عليهن حفظُه من الفروج والأولاد والبيوت والأموال.\nوقيل: لما غاب من الحسِّ من أسرارهم، والوجه هو الأول لما روي عنه ﵇: \"خيرُ النساءِ امرأةٌ إنْ نَظرتَ إليها سَرَّتْكَ، وإنْ أَمرْتَها أطاعَتْكَ، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في مالها ونَفْسِها\" وتلا الآية (^١).\n﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بحفظِ الله إياهنَّ، يعني: أن حفظهنَّ للغيب ليس من قِبَلِ أنفسهنَّ، بل ذلك بحفظِ الله إياهنَّ لذلك.\nوقيل: [بحفظ الله إياهن] بالأمر بحفظ الغيب والحثِّ عليه بالوعد والوعيد.\nويَرِدُ عليه: أنه لا اختصاص بحفظ الله تعالى بهذا المعنى بالنوع الأول منهنَّ، ومن رام الإصلاح بزيادة قوله: والتوفيقِ له (^٢)، لم يَدْرِ أن الذي زاده وجهٌ مستقلٌّ، ومعنًى تامٌّ.\n_________\n= عن الحسن مختصرًا دون ذكر الأسماء.\n(^١) رواه النَّسَائِيّ في \"الكبرى\" (٨٩١٢)، والطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٦٩٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄ رواه أبو داود (١٦٦٤).\n(^٢) الذي رام الإصلاح بهذه الزيادة هو البيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٣)، وما تقدم بين معكوفتين منه.","vol":"3","page":72},{"text":"وقرئ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ بالنصب (^١) على أنَّ (ما) موصولةٌ، أي: بالأمر الذي يحفظُ حق الله وأمانةَ الله، وهو التعفُّفُ والتحصُّنُ والشفقةُ على الرجال.\n﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ عصيانهنَّ وترفُّعَهنَّ (^٢) عن مطاوعة الأزواج، من النَّشز (^٣).\n﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قال الإمام أبو منصور: العظَةُ كلامٌ يُلين القلوبَ القاسية، ويرغِّب الطبائعَ النافرةَ، وهو بتذكير العواقب (^٤).\n﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: إذا لم ينفع الوعظُ وظهر النشوزُ فأدِّبوهن بالهجر، وهو القطع، والمضاجع: جمع مَضجعٍ، وهو موضعُ وضعِ الجَنْب للنوم، ولم يُرِدْ به تبعيدَها عن مضجعه، ولذلك لم يقل: عن المضاجع، بل أراد أن يُوليَها ظهرَه وهما في مضجعٍ (^٥) واحدٍ، إعلامًا بالعتب والمؤاخذة (^٦).\n﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أي (^٧): إذا لم تقع الكفايةُ بالهجران فأدِّبوهن بالضرب لإصرارهن على النشوز، وهو ضربٌ غير جارحٍ ولا خادشٍ ولا شائنٍ.\nوما ذُكر من الترتيب مع النظم بالواو مستفادٌ من قرينة المقام وسَوقِ الكلام؛ للرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة (^٨).\n_________\n(^١) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٤٩).\n(^٢) في (م): \"وترفعن\".\n(^٣) بسكون الشين وفتحها. انظر: \"روح المعاني\" (٦/ ١٣).\n(^٤) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" (٣/ ١٦٢).\n(^٥) في (ك): \"موضع\".\n(^٦) في (ك): \"والموجدة\".\n(^٧) في (م) و(ك): \"يعني\".\n(^٨) \"الطاعة\" من (ك) و(م).","vol":"3","page":73},{"text":"﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾: فلا تتعرَّضوا لهن بالأذى والتوبيخ، واجعلوا ما كان منهنَّ كأنْ لم يكن بعد الرجوع إلى الطاعة وتركِ النشوز.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ يعني: إنكم تَعْصونه تعالى مع علوِّ شأنه وكبرياءِ سلطانه، ولا يؤاخذكم بأول الحال، ويدعو إلى التوبة ويقبل إذا تاب، ولا يؤاخذُ بما قد كان، والعبدُ أحقُّ بذلك.\nوفي ذكر علوِّه تعالى وكبريائه تحذيرٌ للعبد، ومنعٌ عن مجاوزة الحد فيما يقيمه عليها على (^١) وجه التأديب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-528\"> </span>(٣٥) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الخطاب لوُلاة الأمر.\n﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ خلافًا بين المرأة وزوجها، أضمَرهما قبل الذِّكر لذكر ما يدلُّ عليهما، وأصل الشقاق: أن يصير أحدهما في شقٍّ والآخَرُ في شقٍّ بالمخالَفة والمباعَدة، وإضافتُه إلى الظرف إمَّا لإجرائه مجرى المفعول كقوله: يا سارقَ الليلة، أو الفاعل كقولهم: نهارُه صائمٌ.\n﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ متى اشْتبَه عليكم حالُهما؛ لتبيين (^٢)\n_________\n(^١) في (م): \"من\".\n(^٢) في (ح) و(ك) (م): \"ليتبين\"، وفي (ف): \"لتبين\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٣) والكلام منه.","vol":"3","page":74},{"text":"الأمر أو إصلاح (^١) ذات البين، رجلًا عدلًا مرضيًا به يصلُح للحكومة والإصلاح من أهله، وآخَرَ من أهلها؛ لأن الأقارب من الطرفين أعرف ببواطن الأحوال، وأَطلَبُ للصلاح، وتَسكُنُ إليهم نفوسُ الزوجين، ولا يَحتشِمان من إبراز ما في ضمائرهما من الحبِّ والبغض، وإرادةِ الصحبة والفرقة، وهذا على وجه الاستحباب، فلو نصِّبا من الأجانب جاز.\nوقيل: الخطاب للأزواج والزوجات، ولا يساعدُه نظمُ الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\nواختُلف في أنهما يليان الجمع والتفريق بينهما بحسَب ما رأَيا، أو لا إلا بإذن الزوجين؟ والأصح أن ذلك إليهما، وما جُعلا حكَمين إلا وإليهما بناءُ الأمر على ما يقتضيه اجتهادهما، وبه استُدل على جواز التحكيم.\n﴿إِنْ يُرِيدَا﴾؛ أي: الحكمان ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ لذات البَيْنِ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: أوقع الله بحُسن سعيهما الموافقةَ بين الزوجين.\nوقيل: الضميران كلاهما للحكَمين؛ أي: إنْ قصدا (^٢) الإصلاح يوفِّق الله بينهما لتتَّفق كلمتهما، ويحصل مقصودُهما.\nوقيل: للزوجين؛ أي: إن أرادا الإصلاح وزوالَ الشقاق أوقع الله بينهما الأُلفة والوفاق.\nوفيه تنبيهٌ على أنَّ مَن أَصلح نيَّته فيما تحرَّاه أَصلح الله مُبتغاه.\n_________\n(^١) في (م): \"وإصلاح\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"أي قصة\"، وهو تحريف ظاهر، وفي (م): \"أي قصدا\"، وقال في الهامش: \"لعل لفظ إن ساقط\". والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٣) والكلام منه.","vol":"3","page":75},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ بالظواهر والبواطن، فيعلمُ كيف يُرْفَعُ الشقاقُ ويُوْقَعُ الوفاق به.\nإنما ذكر إرادة الإصلاح والتوفيق بينهما، وأهمل ذكر التفريق - مع كون الحكمين منصوبَين لِمَا رأيا من الأمرين جميعًا - حثًّا لهما وبعثًا للزوجين على الوفاق والجمعية والألفة، وردعًا لهما عن الخلاف والتقاطع والفُرقة، وترجيحًا للأول على الثاني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-529\"> </span>(٣٦) - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.\n﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ من الأشياء في العبادة، أو: شيئًا من الإشراك جليًّا أو خفيًّا.\n﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأَحْسِنوا بهما إحسانًا.\n﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ بكلِّ مَن بينكم وبينه قرابةٌ، عَطَف بتكرير الجارِّ ليُفيد أن إحسان ذي القربى بالأصالة لا بالتبعيَّة.\n﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الذي قَرُبَ جوارُه، وليس له اتصالٌ بنسب، وإلا لَمَا فُصِل بينه وبين ذي القربى بالأجنبيِّ.\nوقرئ: (الجارَ ذي القربى) نصبًا على الاختصاص (^١)؛ تعظيمًا لحقِّ الجوار.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القرآن\" (ص: ٢٧)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٤٥٤)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٠٩)، و\" البحر\" (٧/ ٥٤). ووقع في النسخ عدا (ك): \"ذي القربى\"، والمثبت من (ك) والمصادر.","vol":"3","page":76},{"text":"﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذي بَعُد جِوارُه ولا قرابةَ له، قال النبيُّ ﵇: \"الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ واحد وهو حقُّ الجِوار وهو الجارُ المشرِك، وجارٌ له حقَّان حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام وهو الجار المسلم، وجار له ثلاثةُ حقوق حقُّ الجار وحقُّ الإسلام وحقُّ القرابة وهو الجارُ المسلمُ القريب\" (^١).\n﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ هو الذي (^٢) صَحِبَك بأنْ حصَل بجنبك: إمَّا رفيقًا في سفرٍ، أو شريكًا في تعلُّمِ علمٍ أو حِرفة.\n﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر، والضيفُ في حكمه.\n﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من الرقيق.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ تيَّاهًا يتكبَّر عن إكرام أقاربه وجيرانه وأصحابه ومماليكه فلا يلتفتُ إليهم، وقد سبق أنَّ عدم المحبة عبارةٌ عن البغض.\n﴿فَخُورًا﴾ يتفاخر عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-530\"> </span>(٣٧) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n_________\n(^١) رواه البزار (١٨٩٦ - كشف الأستار) من حديث جابر ﵁، وفي إسناده عبد الله بن محمد الحارثي، وهو وضاع كما في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٣٠٠). ورواه الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" (ص: ٤٠ - ٤١)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٥٦٠)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وفي إسناده مجموعة من الضعفاء، لكنهم غير متهمين بالوضع كما قال البيهقي.\n(^٢) في (ك): \"من\".","vol":"3","page":77},{"text":"﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بما مُنحوا به (^١) ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ أمرَ إرشاد ﴿بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: الغنى والعلم.\nبدلٌ من قوله: ﴿مِنْ كَانَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿مَنْ﴾ قال: ﴿مُخْتَالًا﴾ حملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾، ثم قال: ﴿الَّذِينَ﴾ حملًا على المعنى، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفعٌ عليه؛ أي: هم الذين، أو مبتدأٌ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويأمرون ويكتمون أحقَّاءُ بالمقت والتعذيب.\n﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ يُهانون به في الآخرة غايةَ الإهانة (^٢)، وهذا يُستفاد من جَعل الوصف أمرًا ظاهرَ اللزوم للموصوف بحيث لا فائدةَ في ذكره إن لم يُحمل على المبالغة (^٣)، والمعنى: أعتدنا لهم وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧].\nوالعدول عن المضمَر إلى الظاهر للإشعار بأنَّ أمرهم الناسَ بالبخل، وإخفاءَهم ما أنعم الله تعالى عليهم من المال وسعةِ الحال، أثرُ الكفر.\nوفيه تنبيهٌ على أن الكفران لنعمة الله تعالى من وادي الكفر، قال طاوسٌ: البخلُ هو أن يبخل الإنسان بما في يده، والشحُّ هو أن يَشحَّ بما في أيدي الناس، فهم جامعون بين البخل والشح.\n_________\n(^١) في (ك): \"منه\".\n(^٢) وهذا التعبير شائع في سائر الألسنة أيضًا.\n(^٣) في (ح) و(ف): \"البالغ\".","vol":"3","page":78},{"text":"<span id=\"aya-531\"> </span>(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ ليقال: ما أسخاهم وما أَجْوَدهم، لا ابتغاءَ وجه الله.\nعطفٌ على ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، وإنما شاركهم في الذمِّ والوعيد؛ لأنَّ البخل والسَّرَفَ - الذي هو الإنفاق لا على ما ينبغي - من حيث إنها طرفُ إفراطٍ وتفريطٍ سواءٌ في القبح واستجلابِ الذم.\nأو مبتدأ خبره محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾.\n﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ليتحرَّوا بالإنفاق مَراضِيَه وثوابَه، ونفقةُ مَن لا يؤمن لا تكون لرضا اللهِ، بل تكون لتزيين الشيطان، ولذلك ختم الآيةَ بقوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ حيث حملهم على البخل والرِّياء وكلِّ رذيلة، أو حين يُقرَن بهم في النار فيكون وعيدًا لهم.\nفي ﴿فَسَاءَ﴾ ضميرٌ مبهَمٌ ﴿قَرِينًا﴾ تفسيرُه وبيانُه، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: الشيطان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-532\"> </span>(٣٩) - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.\n﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: وأيُّ تَبعةٍ ووبالٍ في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، والمرادُ: الذمُّ والتوبيخ على الجهل بمكان المنفعة (^١)،\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"النفقة\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٤).","vol":"3","page":79},{"text":"والاعتقادِ في الشيء على خلافِ ما هو عليه، وإيهامٌ أنهم في الاعتياد بالرذائل والشَّغَف بالكفر والقبائح كأنهم يعتقدون أنهم مُثابون على ذلك، ومُعاقَبون على أضدادها من الفضائل والإيمان والمحاسن، وتحريض على الفكر (^١) في طلب الجواب لعله يؤدِّي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة، والعوائد (^٢) الجميلة، وتنبيهٌ على أنَّ المدعو إلى أمر لا ضررَ فيه (^٣) ينبغي أن يجيب إليه احتياطًا، فكيف إذا تضمَّن المنافع.\nولمَّا قَصد في الآية الأولى إلى ذمِّهم بالإنفاق رياءً لكونهم غيرَ مؤمنين، قدَّم ذكره وجعل قوله: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ في موضع الحال تنبيهًا على أن ذلك منهم لكونهم غيرَ مؤمنين، ولمَّا حثَّهم في هذه الآية على ما يجب أن يتَّخذوه ابتدأ بذكر الإيمان تنبيهًا على أن إنفاقهم غيرُ معتدٍّ به إلا بعد الإيمان.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: أنشأهم على علمه بأنهم لا يؤمنون؛ ليعلم الخلائق أن مخالفتهم إياه لا تَضرُّه (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-533\"> </span>(٤٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: لا يَنقصُ من الثواب الموعود ولا يَزيدُ في\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"الكفر\"، وهو تحريف شنيع.\n(^٢) في (ك): \"والفرائد\". ووقع قبلها في (ح) و(ف): \"وتنبيه\"، ولا معنى لها هنا، وليست في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٤)، والكلام منه.\n(^٣) في (ح) و(ت) و(ك): \"وتنبيه على المدعو إلى الله لا حذر فيه\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\".\n(^٤) في هامش (ف): \"ولو قصد الوعيد لهم كما زعمه القاضي لذكر تعلق العلم بأعمالهم لا بهم. منه\".","vol":"3","page":80},{"text":"العقاب المعهود أصغرَ شيءٍ كالذرَّة، وهي النملةُ الصغيرة، ويدلُّ عليه قراءةُ (مثقالَ نملة) (^١).\nوالمثقال: مِفعالٌ من الثِّقَل، وفيه تنبيهٌ على أن الأعمال صورٌ مثاليةٌ لها ثقلٌ وخفَّةٌ، وإيماءٌ إلى حكمة الميزان (^٢).\n﴿وَإِنْ تَكُ﴾ مثقالُ ذرَّة ﴿حَسَنَةً﴾ وتأنيثُ الضمير لتأنيث الخبر، أو لإضافة المثقال إلى الذرة، وحُذف النون من غيرِ قياسٍ تشبيهًا بحروفِ العلة.\nوقرئ: ﴿حَسَنَةً﴾ بالرفع على كان التامَّة (^٣).\n﴿يُضَاعِفْهَا﴾: يضاعِفْ ثوابَها، وقرئ: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ (^٤) والمعنى واحد.\n﴿وَيُؤْتِ﴾؛ أي: صاحبَها.\n﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده تفضُّلًا (^٥)، وفيه تنبيه على أنَّ إطلاق الأجر عليه بحسَب الوعد لا ينافي كونَه تفضُّلًا في الحقيقة.\n﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ما وصفَه الله تعالى بالعظم فمَن يعرفُ مقداره؟ مع أنه سمَّى الدنيا وما فيها قليلًا، وسمَّى هذا الفضل عظيمًا.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٦).\n(^٢) في هامش (ف): \"وأما الإيماء إلى […] ذكره القاضي فوجهه غير ظاهر. منه\". وما بين المعكوفتين كلمة لم تجود، والذي قاله القاضي هنا: (والمثقال مفعال من الثقل، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه).\n(^٣) هي قراءة ابن كثير ونافع، وقرأ باقي السبعة بالنصب. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦).\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وابن عامر، وقرأ باقي السبعة: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٥) في هامش (ف): \"من زاد على هذا قوله: زائدًا على ما وعد في مقابلة العمل، فقد احتاج في ارتكاب التعسف في توجيه الأجر. منه\". والمقصود البيضاوي.","vol":"3","page":81},{"text":"<span id=\"aya-534\"> </span>(٤١) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.\n﴿فَكَيْفَ﴾ حالُ هؤلاء الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم.\n﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم السالفة.\n﴿بِشَهِيدٍ﴾ يَشهدُ عليهم بما فَعلوا وهو بينهم.\nو﴿إِذَا﴾ إشارة إلى وقت المجيء بالرسل للشهادة، والعامل في الظرف مضمونُ المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيمِ الشأن.\n﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: هذه الأمَّةِ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-535\"> </span>(٤٢) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.\n﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ أي: خالفوا أمره ونهيه.\n﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ بيانٌ لحالهم حينئذ؛ أي: يودُّ الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الرسول في ذلك الوقت ويتمنَّون أنْ تسوَّى بهم الأرض بأنْ يكونوا من جملةِ الأرض ترابًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] وهذا لأن الأرض إنما تسوَّى بشيء منها (^١).\n﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عطفٌ على ﴿يَوَدُّ﴾؛ أي: يَودُّون ذلك ولا يقدِرون كتمانَه؛ لأن جوارحَهم تشهدُ عليهم بذلك.\n_________\n(^١) في (م): \"منهما\".","vol":"3","page":82},{"text":"وقيل: الواو للحال؛ أي: يودُّون أن تُسوَّى بهم الأرض، وحالُهم أنهم لا يكتمون من الله حديثًا ولا يَكْذِبونه بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ إذ رُوي أنهم إذا قالوا ذلك ختم الله على أفواههم فتشهدُ عليهم جوارحُهم، فيَشتبِهُ الأمر عليهم، فيتمنَّون أن تُسوَّى بهم الأرض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-536\"> </span>(٤٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: لا تَدْنوا إلى مواضع الصلاة - وهي المساجدُ - حالةَ السُّكر؛ لعطف قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عليه، وهو نهيُ الجنُب عن قُربان المساجد؛ لأنَّ الاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ في حقِّ المساجد دون الصلاة، ولا يجوز أن يكون معناه إلا في السَّفر؛ لأن السفر ليس بمرخَّصٍ فيه، والمصيرُ إلى أن المعنى: إذا لم يَجد الماء وتَيمَّمَ (^١)، ارتكابٌ لتعسُّفٍ ظاهرٍ.\nثم إنه على تقدير اعتبار الشرط المذكور لا يبقى فرق بين المسافر والمقيم.\nوالنهيُ عن قُربان المساجد حالةَ السُّكر نهيٌ عن الصلاة في تلك الحال على أبلغِ وجهٍ بطريق الدلالة؛ لأن حرمةَ موضعها لحُرمتها، ثم إنَّ النهي ليس عن الصلاة لأنها عبادةٌ لا يُنهى عنها، بل هو نهيٌ عن الإفراط في الشرب في وقتٍ يلزمُه أداء\n_________\n(^١) قائله البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٧٦). ولفظه: (أي: لا تقربوا الصلاة جنبًا في عامة الأحوال إلا في السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم).","vol":"3","page":83},{"text":"الصلاة حالةَ السُّكر فما ذُكر ينطبق على سببِ النزول دلالةً وإنْ لم ينطبق عليه (^١) عبارةً، وهو ما رُوي أنَّ عبد الرحمن بنَ عوفي ﵁ صنع مائدةً ودعا نفرًا من الصحابة ﵃ حين كانت الخمرُ مباحةً، فأكلوا وشربوا حتى ثَملوا، وجاء وقتُ صلاة المغرب، فتقدَّم أحدهم ليصلِّيَ بهم، فقرأ: أعبدُ ما تَعبدون، فنزلت (^٢).\nوقرئ: (سَكَارَى) بالفتح، و: (سَكْرَى) على أنه جمعٌ كـ: هلكى، أو مفردٌ بمعنى: وأنتم قوم سَكْرَى (^٣)، و: (سُكْرَى) كحُبْلَى على أنه صفةُ الجماعة (^٤). والسُّكْر من السَّكْر وهو السَّدُّ.\n﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بيَّن (^٥) أن السكر المانع هو أن يصيرَ بحالٍ لا يَعلم ما يقول.\n﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عطفٌ على قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ إذ الجملة مع الواو في موضع النصب على الحال (^٦)، والجنب: الذي أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والجمع؛ لأنَّه يجري مجرى المصدر.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"عليها\".\n(^٢) رواه أبو داود (٣٦٧١)، والترمذي (٣٠٢٦)، من حديث علي ﵁. قال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n(^٣) في النسخ: \"سكارى\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥١٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٥).\n(^٤) انظر هذه القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٦)، و\"المحتسب\" (١/ ١٨٨)، و\"الكشاف\" (١/ ٥١٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٥).\n(^٥) في (ف): \"يبين\".\n(^٦) في هامش (ح) و(ف): \"المفرد المنصوب إذا وقع موقع الجملة لم يصح معه الواو فدل على أنه واقع موقع الجملة والواو جميعًا. منه مذكور في التيسير\".","vol":"3","page":84},{"text":"﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ استثناءٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: لا تقربوا المسجد في عامةِ الأحوال إلا في حالِ العبور، أو صفةٌ لقوله: ﴿جُنُبًا﴾؛ أي: جنبًا غيرَ عابري سبيل.\nقيل في نزوله: إن رجالًا من الأنصار كانت أبوابُهم في المسجد، وكانت (^١) تصيبهم جنابةٌ ولا ماءَ عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٢).\nوإضافةُ العابر إلى السبيل لتخصيصِ الرُّخصة بحالِ الضرورة، بأنْ لا يكونَ له سبيلٌ إلا في المسجد، ولهذا قال أبو حنيفة: لا يجوز له المرورُ في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق (^٣).\n﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايةُ النهي عن القربان حالةَ الجنابة، والتيمُّمُ بدلٌ عنه، فذكرُ الاغتسال يُغني عن ذكره.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مرضًا (^٤) يمنعُه عن استعمال الماء حقيقةً؛ كما إذا لم يكن ماءٌ، ولا يقدر على الحركة، وليس عنده مَن يأتي به، أو حُكمًا كما إذا كان مرضُه يشتدُّ باستعمال الماء أو يمتدُّ.\n﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾؛ أي: مسافرين، أراد به البُعدَ من العُمران ومواضعِ الماء، ولم يُردْ به كمال مدةِ السفر، ولا مسافرًا يجد الماء.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"فكانت\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥١٤)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٥٧) عن يزيد بن أبي حبيب، وهو مرسل.\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"ومن لم ينتبه لهذا زعم أن ظاهره ينطبق على قول الشافعي. منه\".\n(^٤) في (ف): \"مريضًا\".","vol":"3","page":85},{"text":"ولمَّا ثبت أنَّ الحكم لم يتعلَّق بعين المرض والسفر بل بمعنًى فيهما، وهو العجز عن استعمال الماء، وإنما علِّق بهما ظاهرًا لأن العجز عنه يقعُ فيهما غالبًا، ثبت أن الحكم كذلك في كلِّ موضع تحقَّق العجزُ، وظهر به صحةُ قول أبي حنيفة في إجازة التيمُّم للجنابة في المِصر إذا عَدِمَ الماءَ الحارَّ، وخاف أن يضرَّه الاغتسالُ بالماء البارد.\n﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: المكان المطمئنُّ من الأرض، وكانوا يأتونه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذ الكنيف في البيوت، والمجيءُ منه كنايةٌ عن الحَدَث، ولمَّا كان الاجتماعُ في السفر مندوبًا - بخلافِ التغيُّطِ فإن المندوب فيه الانفرادُ - غيَّر الأسلوب، ولم يقل: أو جئتم من الغائط.\nوأمَّا قولُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فعلى طريقةِ مقابَلة الجمع بالجمع، ففيه أيضًا رُوعي (^١) ما هو المندوب.\nوقرئ: ﴿لَمَسْتُمُ﴾ (^٢)؛ أي: جامعْتُم فاجتَنبتُم، قال ابن عباس ﵄: الملامسةُ واللمس والمباشرة والإفضاء كناياتٌ عن الجماع (^٣).\n﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ حقيقةً أو حكمًا؛ كما إذا يكن مقدورَ الاستعمال لمانعٍ، أو يكون في استعماله نوعُ حرجٍ لضررِ بدنٍ (^٤) أو مالٍ.\nبقي هاهنا إشكال، وهو أن الجمع بين الأمور المذكورة في الشرط المرتَّب عليه جزاءٌ واحدٌ وهو الأمر بالتيمم عند فقدان الماء، مع أن سببية الأوَّلَينِ إنما هي\n_________\n(^١) في (ف): \"رعي\".\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة: ﴿لَامَسْتُمُ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦).\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٦٤ - ٦٧)، وابن المنذر في \"الأوسط\" (١/ ١١٦).\n(^٤) في (ح) و(ك): \"لضرورة بدن\"، وفي (ف): \"لضرورة بدون.","vol":"3","page":86},{"text":"للترخُّص، والثالثِ لوجوب الوضوء، والرابعِ لوجوب الغسل، وليس الأمر بالتيمُّم معنًى واحد (^١) يعم الكل.\nووجهُ حلِّه: هو أن القصد إلى الترخُّص في التيمُّم بالتراب مَن وجَب عليه التطهير ولم يجد الماء، فقيدُ عدم الوجدانِ راجعٌ إلى الكل، وقيدُ وجوب التطهير المكنيِّ عنه بالمجيء من الغائط والملامسةِ اللَّذينِ هما من أغلب أسباب وجوب التطهير معتبرٌ في الكلِّ حتى المرضى والمسافرين (^٢)، وذكرُهما تخصيصٌ قبل التعميم بناءً على زيادةِ استحقاقهما للترخيص بغلبة المرض والسفر على سائر أسباب الرخصة، فكأنه قيل: إن جاء أحد منكم (^٣) من الغائط أو لامستم النساء ولم تجدوا ماء خصوصًا المرضى والمسافرين فتيمَّموا، ووجهُ سببيَّةِ مضمونِ الشرط لمضمونِ الجزاء ظاهرٌ.\n﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ التَّيمُّم: القصدُ، والصَّعيد: وجهُ الأرض، والطيِّب: الطاهرُ.\nويجوز التيمُّم بكلِّ ما كان من أجزاء الأرض عند أبي حنيفة؛ لَزِقَ بالكفِّ أو لم يَلْزقْ؛ عملًا بإطلاقِ النص.\nوعند محمدٍ كذلك لكنْ إذا لزق بالكفِّ، لقوله في المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]؛ أي: من بعضه.\nوعند أبي يوسف: الصعيدُ هو الترابُ والرمل.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"واحد\"، والمثبت من (م).\n(^٢) في هامش (ف): \"لا بد من هذا التعميم ليفيد الترخيصُ المريضَ الواجدَ للماء العاجز عن الاستعمال، ويصح أن المرض من الأسباب الغالبة، وإلا فهو باعتبار العجز عن الحركة والوصول إلى لماء من الأسباب النادرة لا غالب. منه\".\n(^٣) في (ف): \"أحدكم\".","vol":"3","page":87},{"text":"وعند الشافعيِّ: هو التراب لا غير، والطيِّب: المنبِتُ من الأرض عنده.\nواللائق بموضع الطهارة إنما هو المعنى الأولُ (^١).\nوشرط (مِن) التبعيضيةِ - وهو صحة وضع (بعض) موضعَها - منتَفٍ هاهنا؛ إذ لو قيل: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بعضَه، أفاد أن المطلوب جعلُ الصعيد ممسوحًا والعضوِ ماسحًا (^٢)، وهو فاسدٌ بالاتِّفاق (^٣).\n﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^٤) لأنَّه بدلٌ (^٥) عن الوضوء، فيتقدَّر بقَدْرِ (^٦) الأصل، ولأنه ﵇ تيمَّم ومسح يديه إلى مرفقيهِ.\nومسحُ الشيء: إمرارُ اليد على الشيء (^٧)، تقول: مسحتُ برأسه، ومسحتُ رأسَه، بمعنًى.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ إشارةٌ إلى وجه الترخُّص والتيسير؛ لأن مَن كانت عادته العفوَ عن الخطَّائينَ والغفرانَ عن المذنبين فلَأنْ يكونَ ميسِّرًا غيرَ معسِّر أَحْرَى.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فيه تنبيه على أن التمسك لمحمد لا للشافعي؛ لأن الضمير للصعيد لا للتراب، والله أعلم بالصواب. منه\".\n(^٢) قوله: \"ماسحًا\" جاء في (م) بدلًا منه: \"من آلته\". وسقط من (ك).\n(^٣) في هامش (ف): \"رد للقاضي، حيث فسر الطيب بالطاهر ثم زعم أن الآية حجة للشافعي. منه\".\n(^٤) في جميع النسخ جاءت الآية هكذا: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى المَرَافِقِ) وهذه آية المائدة، والصواب المثبت حيث إن المؤلف بصدد شرح آية النساء.\n(^٥) في (ح): \"خلف\"، وفي (ك): \"خلق\".\n(^٦) في (ح) و(ف): \"بتقدير\".\n(^٧) في (ح) و(ف) و(ك): \"إمرار الماء إليه على الشيء\".","vol":"3","page":88},{"text":"<span id=\"aya-537\"> </span>(٤٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ كلمةُ تعجُّبٍ عن أمر قد بلغ المخاطَبَ، فيُخْرجُ مُخرجَ التذكير، أو لم يبلغه فيُخرج مُخرج التعليم، من رؤية البصر؛ أي: ألم تنظُرْ إليهم، أو القلب وتعديتُه بـ (إلى) لتَضمُّنه معنى الانتهاء.\n﴿نَصِيبًا﴾: حظًّا، وتنكيره يَحتمِل التعظيمَ والتحقير.\n﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: التوراة، أو جنسِ الكتب السماوية (^١)، و﴿مِنَ﴾ للتبعيضِ أو للبيان.\n﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: يستبدِلون اليهودية التي هم عليها بالهدى الذي (^٢) هو دينُ الإسلام؛ لتَمكُّنهم منه بعد ما تبيَّن لهم من علم الكتاب أنه الحقُّ.\n﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أيها المؤمنون ﴿السَّبِيلَ﴾: سبيلَ الحق، وتَنخرِطوا في سِلكهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-538\"> </span>(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أخبرهم بعداوتهم وما يريدون بهم تحذيرًا (^٣) إياهم.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"وكون المراد أخبار اليهود لا ينافي إرادة جنس الكتب، على أن تلك الإرادة غير متعينة. منه\".\n(^٢) في (م): \"بالذي\"، وفي (ك): \"الذي\"، وليس فيهما: \"بالهدى\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"أخبر بعداوتهم … تحذيره\".","vol":"3","page":89},{"text":"﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يلي أمركم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ينصركم عليهم، فثِقوا عليه واكتفُوا به عن غيره. والباء تزاد في فاعل (كفى) لتوكيد الاتصال الإسناديِّ بالاتصال الإضافيِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-539\"> </span>(٤٦) - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بيان لـ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأنَّه متناوِلٌ لليهود والنصارى، والجمل الثلاث توسَّطت بينه وبين المبيَّن على سبيل الاعتراض: الأولى للتصريح بما أومن (^١) إلى سببه لأن المخالفة في الدين سببُ العداوة، والباقيتان لتشجيعهم وتقوية قلوبهم في عدم الميَلان بأعدائهم، ولذلك كرَّر ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ لتقرير معنى كفايةِ الله تعالى عنهم في تقوُّلهم، وأن ولاية الله تعالى بالانفراد كافيةٌ لهم كما أن نصرةَ الله تعالى وحدها كافية.\nأو بيان لـ (أعدائكم) وما بينهما اعتراضٌ.\nويجوز أن يكون صلةً لـ ﴿نَصِيرًا﴾؛ أي: ينصركم من الذين هادوا؛ كقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، أو كلامًا مبتدأً على أنَّ ﴿يُحَرِّفُونَ﴾ صفةُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: من الذين هادوا قوم.\n﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾؛ أي: يُميلونه.\n_________\n(^١) في (م): \"أوقن\".","vol":"3","page":90},{"text":"﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ التي وضعه الله تعالى فيها، بإزالتهِ عنها وإثباتِ غيره فيها، أو يؤوِّلونه على ما يشتهون فيُميلونه عمَّا (^١) أنزل الله فيه.\nوالكَلِمُ والكَلِمةُ كالتَّمْرِ والتَّمْرةِ، على أنه اسمُ جنس فُرِّق بينه وبين واحدِه بالتاء، لا على أنه جمع، ولهذا ذكِّر الضمير (^٢)، وأمَّا جمع المواضع فلتكرُّره في التوراة (^٣) في مواضعَ بحسب الجنس.\nوقرئ: (الكِلْمَ) بكسر الكاف وسكونِ اللام على أنه جمعُ كِلْمةٍ تخفيفَ كَلِمةٍ (^٤)، وتذكير الضمير على هذه القراءة لإرادةِ جنس الكَلِم.\n﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ قولَك ﴿وَعَصَيْنَا﴾ أمرَك (^٥).\n﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ أي: مدعوًّا عليك بـ: لا سمعتَ لصممٍ أو موت، أو: اسمع غيرَ مُجابٍ إلى ما تدعو إليه، أو: اسمع غير مسمَعٍ كلامًا ترضاه، أو: اسمع كلامًا (^٦) غير مسمَعٍ إياك لأن أُذنك تنبو عنه، فيكون مفعولًا به.\nوأمَّا ما قيل: واسمع غيرَ مسمعٍ مكروهًا (^٧)، من قولهم: أسمعه فلان، إذا\n_________\n(^١) في (م): \"على ما\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"ضميره\".\n(^٣) في (ك): \"التورية\".\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٦)، و\"الكشاف\" (١/ ٥١٧).\n(^٥) في هامش (ف): \"قد صرحوا بالكفر والعصيان في قولهم: عصينا، وأما بالشتم والذم فلم يصرحوا خشية منه وخوفًا من بطش المؤمنين.\nمنه\".\n(^٦) في (ك): \"كلام\"، وسقطت من باقي النسخ، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥١٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٧).\n(^٧) في (ف): \"مكرهًا\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر المصدرين السابقين. وجاء في =","vol":"3","page":91},{"text":"سبَّه، فيأباه السياق، وكونه على قصد النفاق لا يتحمله السياق لأنهم بقولهم وعصينا أظهروا الخلاف والشقاق.\n﴿وَرَاعِنَا﴾: انظُرنا نكلِّمْك ونفهمْ كلامك.\n﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: فتلًا بها وصرفًا للكلام إلى ما يُشبِهُ السبَّ، حيث وضعوا (راعنا) موضع (انظُرنا)، و(غيرَ مسمَعٍ) موضع: لا أُسمعتَ مكروهًا (^١).\n﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ كانوا يقولون له ﵇: السَّام عليك، فيخرجون ويقولون: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]؛ أي: لو كان هو على الدِّين الحقّ (^٢) فلماذا [لا] (^٣) يعذِّبنا الله بهذا؟\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا﴾ ﴿أَنَّهُمْ قَالُوا﴾ فاعلُ فعلٍ محذوف دلَّ عليه معنى الثبوت والتحقُّق (^٤) في (إنَّ)؛ أي: ولو ثَبتَ أنهم قالوا، يعني: ولو ثبت قولُهم هذا مكان ما قالوا.\nوالضمير المستكنُّ في ﴿لَكَانَ﴾ يرجع إلى هذا القول.\n﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾: وأعدل.\n﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: خذلهم الله، وأبعدهم عن الهدى.\n_________\n= هامش (م): \"رد للبيضاوي\"، والواقع أنه رد لكليهما أعني الزمخشري والبيضاوي، فإن الثاني إنما أخذه من الأول، لكنه زاد عليه قصد النفاق الآتي ذكره.\n(^١) في هامش (ف): \"وأما الاستهزاء والسخرية فليس من قبيل الطعن في الدين. منه\".\n(^٢) \"الحق\" من (م) و(ك).\n(^٣) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وقد تمت الإشارة إليها في هامش (م) حيث جاء فيه: \"لعل لفظ لا ساقط\".\n(^٤) في (ف): \"والتحقيق\".","vol":"3","page":92},{"text":"﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ بسبب كفرهم.\n﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلا إيمانًا قليلًا لا يُعبأ به، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل.\nويجوز أن يراد بالقلة: العدمُ؛ لأنَّه رديفُها في الغالب؛ أي: لا يؤمنون إلا إيمانًا معدومًا، على طريقة: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛ أي: إن كان الإيمان المعدوم إيمانًا فهم يُحدثون شيئًا من الإيمان، فهو في المعنى تعليق بالمحال بكون ما بعد (إلا) موافقًا لِمَا قبلها في المعنى (^١)، ولا يجوز ذلك في الاستثناء، وكذا لا يجوز أن يكون المعنى: إلا قليلًا منهم آمنوا، أو: سيؤمنوا؛ لعدم صحة تسبُّبه عمَّا تقدَّم، فافهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-540\"> </span>(٤٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ خطاب لليهود والنصارى.\n﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ وهو القرآن.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب الذي أنزل على نبيَّكم، يعني: التوراةَ والإنجيلَ متضمِّنًا صفة النبيِّ ﷺ وصحةَ ما جاء به.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وبهذا التفصيل اندفع ما قيل: إنه حينئذ يكون ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لغوًا لا فائدة فيه إذ الانتفاء منه قد فهم من قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأيضًا يؤدي إلى أن يكون ما بعد ﴿إِلَّا﴾ موافقًا لما قبلها في المعنى، وباب الاستثناء لا يكون فيه ما بعد أداة الاستثناء موافقًا لما قبلها، ومنشأ ما ذكره ثانيًا عدم الفرق بين السالبة والموجبة التي محمولها معدولة، فإن (إلا) على ما ذُكر موجبة، فلا يخالف قاعدة الاستثناء. منه\". وفوقه: \"رد لأبي حيان\".","vol":"3","page":93},{"text":"﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: مِن قبلِ أن نمحوَ تخطيطَ صورها ونجعلَها على هيئة أدبارها، يعني: الأقفاء، أو نُنكِّسها إلى ورائها في الدنيا أو في الآخرة (^١).\nوأصل الطمْس: محوُ الأثر وإزالةُ الأعلام، وقد يُطلق بمعنى الطَّلْس (^٢) في إزالة الصورة، ولمطلَق القلب والتغيير، ولذلك قيل: معناه: من قبلِ أن نغيِّر وجوهًا فنسلبَ وَجاهتَها وإقبالها ونكسوَها الصَّغار والإدبار، أو نردَّها حيث جاءت منه، وهي أذرعاتُ الشام، يعني: إجلاءَ بني النضير.\nأو: من قبل أن نطمس وجوهًا بأنْ نُعْميَ الأبصار عن الاعتبار، ونُصِمَّ الأسماع عن سماع الحق بالطبع، ونردَّها عن الهداية إلى الضلالة.\n﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: نُخزيَهم بالمسخ كما أخزينا به (^٣) أصحاب السبت، أو باللعن المتعارَف.\nوالضميرُ لأصحاب الوجوه؛ لأن المعنى: من قبل أن نطمس وجوهَ قوم، أو لـ ﴿الَّذِينَ﴾ على طريقة الالتفات، أو للوجوه إنْ أريد الوجهاء.\nوعطفُه على الطمس بالمعنى الأول يدلُّ على أن المراد به ليس مسخَ الصورة\n_________\n(^١) قوله: \"أو ننكسها … الخ\"؛ أي: نجعل العيون وما معها في القفا فنقلب صورهم، وهذا إما مسخ في الدنيا، أو أنه يكون في الآخرة لتشهيرهم. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٤٤).\n(^٢) في (ف) و(م): \"الطمس\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٧). والطلس: محو النقوش والصور، ولذا أريد به مطلق التغيير سواء كان عن هيئة له أو صفة. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٤٤).\n(^٣) \"به\" من (م).","vol":"3","page":94},{"text":"في الدنيا، ومَن حمل الوعيدَ على تغيير الصورة في الدنيا قال: إنه بعدُ مترقَّبٌ، أو كان وقوعه مشروطًا بعدم إيمانهم وقد آمَن بعضهم.\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بإيقاع شيء.\n﴿مَفْعُولًا﴾ كائنًا، إنما المنتظَر إبداؤه بالنظر إلى المقيدين بقيد متى (^١)، لا إبداعُه المجردُ عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-541\"> </span>(٤٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ لأنَّه بتَّ (^٢) الحكم على خلود عذابه، ويشاركُه في الحكم المذكورِ ما في منزلته وهو سائر وجوه الكفر، فإن الحكم على خلود عذابها أيضًا قد ثبت (^٣)، ولوجود هذا القسم قال:\n﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ﴾ ولم يقل: يغفر غيره، مع أنه أخصرُ وأظهرُ دلالةً على المراد، على تقديرِ عدمِ قسمٍ آخَرَ (^٤)، فتدبَّر والله الهادي إلى الرَّشاد.\nوإنما قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مع أنه معلوم أن المغفرة لا تكون إلا بمشيئةِ الله تعالى؛ للدلالةِ على أنها لا تعمُّ، والإشارةِ إلى أنَّ ما دون الشرك يخالفه من (^٥)\n_________\n(^١) في (ك): \"المقيدين بقيدين\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"بث\"، وفي (ك) و(م): \"ثبت\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٨).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"بث\".\n(^٤) في هامش (ح) و(ف): \"ومن لم ينتبه لهذا الدقيقة الأنيقة قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال. منه\". وفوقها فيهما: \"يعني المعتزلة\".\n(^٥) \"من\" من \"م\".","vol":"3","page":95},{"text":"حيث إن المشيئة لا تتعلق بمغفرته (^١) أصلًا.\n﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى﴾: فقد ارتكب مفتريًا؛ أي: مفتعِلًا ما لا يصحُّ كونُه.\n﴿إِثْمًا عَظِيمًا﴾ تستحقَر دونه الآثام.\nويجوز أن يكون المعنى: فقد افترى أمرًا (^٢) عظيمًا، وذلك الأمرُ لكونه سببًا للإثم عبِّر عنه بالإثم مبالغةً، كما عبِّر بالنار عن موجَبها في قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وهذا أبلغ، وفيه إشارةٌ إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-542\"> </span>(٤٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] و: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤]، و: إنَّا نعلِّم أبناءَنا الصغارَ التوراة فتكفَّر بذلك ذنوبنا فنصير كأننا لا ذنب (^٣) لنا، وفي ذلك غضٌّ (^٤) على من يزكي نفسه بزيادة الطاعة والتقوى.\n﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي﴾ ﴿بَلِ﴾ إضرابٌ عن (^٥) تزكيتِهم أنفسَهم، وإنما قدِّم ﴿اللَّهُ﴾ على الفعل للتخصيص، أي: لا يزكِّي أحدٌ نفسَه ولا غيرَه، فإنه غيرُ معتبرٍ ولا معتدٍّ به، إذ لا علمَ لأحدٍ بما ينطوي عليه الإنسانُ من حُسنٍ وقبحٍ، بل الله خاصةً يزكِّي.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"بمعرفته\"، والمثبت من (م).\n(^٢) في (ك): \"إثمًا\".\n(^٣) في (ك): \"كأنا لا ذنوب\".\n(^٤) في (ح): \"خص\"، وفي (ف): \"حض\".\n(^٥) في (م): \"اضطراب من\"، وفي \"ك\": \"إضراب من\".","vol":"3","page":96},{"text":"﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من المرتضَينَ من عباده الذين عَرف منهم الزَّكاء، وأصل التزكية: نفي ما يُستقبح فعلًا أو قولًا.\n﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أي: أقلَّ قليلٍ من الظلم، والفتيل - وهو (^١) ما يُفتل من الوسخ عند دَلْكِ الأصبع بالأصبع - مَثَلٌ في القِلَّة؛ أي: يثابون على زكائهم ولا يُنقص من ثوابهم الموعودِ شيء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-543\"> </span>(٥٠) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بقولهم (^٢): نحن عند الله أزكياءُ.\n﴿وَكَفَى بِهِ﴾: بافترائهم هذا.\n﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ من جملة آثامهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-544\"> </span>(٥١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ قد سبق تفسيرُه في هذه السورة.\n﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الجبتُ في الأصل: اسم صنم، ثم أُطلق على كلِّ ما عُبد (^٣) من دون الله، والطاغوت: الشيطان، وكلُّ رأس في الضلال.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"هو\".\n(^٢) في هامش (ف): \"لا بزعمهم كما زعمه الزمخشري والقاضي؛ لأن الكذب من أوصاف القول لا الاعتقاد، فإن وصفه البطلان دون الكذب، وكذا الافتراء يكون بالقول دون الاعتقاد. منه\".\n(^٣) في (م): \"يعبد\".","vol":"3","page":97},{"text":"نزلت في يهودٍ كانوا يقولون: إن عبادة الأصنام أرضَى عند الله مما يدعو إليه محمد (^١).\n﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لأَجْلهم وفيهم.\n﴿هَؤُلَاءِ﴾ إشارةٌ إليهم.\n﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذفوا (^٢) المفعول لا اختصارًا بل احتقارًا.\n﴿سَبِيلًا﴾ أرشدُ دينًا وأقومُ طريقًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-545\"> </span>(٥٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يمنع العذاب عنه بالنصرة، والخطابُ لكلِّ أحد (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-546\"> </span>(٥٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.\n﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ، ومعنى الهمزة إنكارُ أن يكون لهم نصيبٌ من الملك، والتنكيرُ في ﴿نَصِيبٌ﴾ للتحقير، ففيه جحدٌ (^٤) على أبلغ وجهٍ لِمَا زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم.\n_________\n(^١) رواه النَّسَائِيّ في \"الكبرى\" (١١٦٤٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٥٧٢)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٤٢)، عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) في (م) و(ك): \"حذف\".\n(^٣) والشفاعة ليست منها. منه.\n(^٤) في النسخ: \"حجة\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٧٩)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٨٥)، وهو الأنسب بسياق الكلام.","vol":"3","page":98},{"text":"﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ النقير: النُّقرة في ظهر النَّواة، ومعنى (إذًا): أنه لو كان لهم نصيب من الملك فإذًا لا يُؤتون أحدًا مقدارَ نقيرٍ لفَرْط بخلهم، وهذا هو الإغراقُ في بيان شحِّهم، فإنهم إذا بخلوا بالنقير وهم ملوك، فما ظنُّكم (^١) بهم إذا كانوا أذلَّاء متفاقرين.\nو(إذًا) إذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريكِ مفردٍ جاز فيه الإلغاء والإعمال، ولذلك قرئ: (لا يؤتوا) بالنصب (^٢).\nثم انتقل من هذه الخصلةِ الذَّميمة إلى خصلةٍ أشدَّ منها وهي الحسد، فإن البخل: مَنْعُ البخيلِ (^٣) وصولَ خيرٍ من نفسه إلى الغير، والحسدَ: تَمنِّي زوال ما أَعْطَى الله تعالى الغيرَ من الخير، فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-547\"> </span>(٥٤) - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.\n﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ إنكارٌ لحسدهم رسولَ الله ﷺ والمؤمنين على ما آتاهم الله تعالى من النُّصرة والغلَبة، وازديادِ العزِّ والقوة والتقدُّم كلَّ يوم.\nواللام في ﴿النَّاسَ﴾ للماهية، كأنهم الناسُ بالحقيقة وما عدَاهم من اليهود ليس بالناس (^٤).\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"ظنك\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٢٧٣)، و\"والكشاف\" (١/ ٥٢٢). ووقع في (ك) و(م): \"على النصب\".\n(^٣) \"البخيل\": ليست في (م).\n(^٤) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: لأن من حسد النبوة فكأنما حسد الناس كلهم، فقد =","vol":"3","page":99},{"text":"﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: النبوةَ والكتاب والنصرةَ والإعزاز.\n﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ إلزامٌ لهم بما عرَفوه من إيتاء الله تعالى الكتابَ والنبوَّةَ والملكَ العظيم إلى آل (^١) إبراهيمَ الذين (^٢) هم أسلافُ محمد ﵇، وأنَّه ليس ببِدْعٍ أن يؤتيَه اللّه تعالى مثلَ ما أُوتي أسلافه (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-548\"> </span>(٥٥) - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾.\n﴿فَمِنْهُمْ﴾: فمن اليهود ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾: بما ذُكر من حديث آل إبراهيم ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ وأنكر مع علمِه بصحته.\nأو: فمِنهم مَن آمَنَ برسول الله ﷺ، ومنهم مَن أنكر نبوته.\nأو: من آل إبراهيم ﵇ مَن آمَن بنبوَّته، ومنهم مَن كفر، فلا تتعجَّب من قومك فإن أحوال جميع الأمم هكذا، وذلك تسليةٌ له ﵇.\n﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ نارًا مسعورةً يعذَّبون بها إن لم يُعجَّلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أُعد لهم من سعير جهنم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-549\"> </span>(٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\n_________\n= ضيع هذه النكتة. منه\".\n(^١) \"آل\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"الذي\".\n(^٣) في (ف): \"أسلافهم\".","vol":"3","page":100},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ كالبيان والتقرير لذلك، وتنكير ﴿نَارًا﴾ للتعظيم.\nقال سيبويه: (سوف) كلمة تُذكر للتهديد والوعيد [وينوبُ عنها السين]، وقد يزادان (^١) في الوعد أيضًا (^٢).\n﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أي: بلغت إلى حدٍّ لا يتأثَّر من الإحراق.\n﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: أعدْنا تلك الجلودَ غيرَ محترقةٍ، قال ابن عباس ﵁: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] إن الأرض تلك الأرض لكن بدِّلتْ آكامُها وجبالها وأنهارها وأشجارها.\nوالجملة في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب في ﴿نُصْلِيهِمْ﴾.\n﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: ليتجدَّد لهم ذَوقُ العذاب، ولما كان تأثُّر الذائقة أسرعَ وأقوى من تأثُّر (^٣) اللامسة استُعير الذوق لإدراك اللامسة (^٤) مبالغةً في التأثُّر (^٥) عن العذاب.\nوقيل: يخلقُ مكانه جلدًا آخَر.\nوالعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدرِكة لا لآلةِ إدراكها، فلا محذور.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ العزيز: القادر الغالب، والحكيم: الذي لا يفعل إلا الصواب.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"تردان\".\n(^٢) انظر: \"الكليات\" لأبي البقاء (ص: ٥٠٠)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) في (م): \"تأثير\" في الموضعين.\n(^٤) في (ح) و(ف): \"الملامسة\".\n(^٥) في (ف): \"التأثير\".","vol":"3","page":101},{"text":"إنما قاله لأنَّه قد يقع في القلب تعجُّب من كون الكريم الرحيم يعذِّب الشخص الضعيف إلى هذا الحدِّ العظيم أبدَ الآباد، فقيل: ليس هذا بعجَبٍ؛ لأنَّه القادر على ذلك، وكما أنه رحيم فهو أيضًا حكيم، والحكمة تقتضي ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-550\"> </span>(٥٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الوعد والوعيد متعاقبان في الذكر غالبًا، وقدِّم الوعيد هاهنا لأن الكلام في الكفار.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قد سبق تفسيره.\n﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ صفةٌ مشتقَّةٌ من لفظ الظلِّ لتأكيدِ معناه، كما يقال: ليلٌ أليلُ، ويومٌ أَيْوَمُ، وهو ما كان مُطْبِقًا لا فُرجةَ فيه، ودائمًا لا يُنسخ، وسَجيجًا لا حرَّ فيه ولا بردَ.\nولمَّا (^١) كانت بلادُ العرب في غاية الحرارة، كان الظلُّ عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا جعلوه كنايةً عن الراحة، قال ﵇: \"السلطانُ ظلُّ اللهِ في الأرض\" (^٢) فلا يتَّجهُ السؤال بأنْ يقال: إذا لم يكن في الجنة شمسٌ تؤذي بحرِّها فما فائدةُ وصفها بالظلِّ الظليل؟\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"ولما\"، والمثبت من (م).\n(^٢) رواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١٠٢٤) من حديث أبي بكرة ﵁. وله شواهد تنظر في \"المقاصد الحسنة\" (ص: ١٨١).","vol":"3","page":102},{"text":"<span id=\"aya-551\"> </span>(٥٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا﴾ بأنْ تؤدُّوا.\n﴿الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ خطابٌ يعمُّ المكلَّفين والأمانات وإن كان سببُ النزول خاصًّا، وهو أخذُ رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة من سادنيها (^١) وردُّه لهم بعد نزول هذه الآية.\n﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا﴾ بأنْ تحكموا.\n﴿بِالْعَدْلِ﴾ العدل يقابله الجَور، والإنصاف يقابله الظلم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (ما) في ﴿نِعِمَّا﴾ نكرةٌ موصوفةٌ منصوبةٌ؛ أي: نِعْمَ شيئًا يعظُكم، أو معرفةٌ موصولةٌ مرفوعة؛ أي: نعمَ الذي يعظُكم به.\nوالمخصوصُ بالمدح محذوفٌ؛ أي: ذلك، يعني: المأمور به من أداء الأمانات إلى أهلها والحكمِ بالعدل.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ بأقوالكم وأحكامكم (^٢).\n﴿بَصِيرًا﴾ بما تعملون في الأمانات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-552\"> </span>(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"أسادنتها\".\n(^٢) في (ف): \"لأقوالكم وأحوالكم\".","vol":"3","page":103},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كرِّر لفظ ﴿وَأَطِيعُوا﴾ تعظيمًا لأمر الرسول ﷺ، ولهذا - أي: لِمَا ذُكر من أن تكرُّره للتعظيم - تُرك إعادتُه في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ فرقًا بين المطاعَين في التعظيم (^١).\nلمَّا أَمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكمِ بالعدل، أَمر الناس بأن يُطيعوهم ويمتثِلوا أمرهم، والمراد بهم أمراء المؤمنين القائمون بالعدل الثابتون على الحق، لا أمراءُ الجور، على ما ستقف على وجهه فيه.\nوفي قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ تمهيدٌ للرخصة في المنازعة المفروضة في قوله:\n﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ لمَّا كان في الأمر بالطاعة لأُولي الأمر إشعارٌ باشتراطِ العدالة وكونِهم على الحق، وفيما تقدم من قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ﴾ الآيةَ نوعُ تمهيدٍ لذلك، رتب الشرطية المذكورة على ما قبله.\n﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمور الدِّين وأمور الدنيا.\n﴿فَرُدُّوهُ﴾: فراجعوا فيه (^٢).\n﴿إِلَى اللَّهِ﴾: إلى كتابه (^٣) تعالى.\n﴿وَالرَّسُولِ﴾: إلى سنَّته قوليةً كانت أو فعليةً أو تقريريةً، هذا يَنتظِم حالتي حياتهِ ومماته (^٤).\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وهكذا ترك عند عدم الحاجة إلى الفرق بين المطاعين كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا﴾. منه\".\n(^٢) \"فيه\": ليست في (م).\n(^٣) في (م): \"كتاب الله\".\n(^٤) في هامش (ف): \"قيل: بالسؤال عنه في زمانه، ويردُ عليه أن المراجعة إليه ﵇ في حياته لا =","vol":"3","page":104},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإنَّ الإيمان بالمبدأ والمَعاد يوجبُ ذلك.\nصدر الأمر بطاعة أولي الأمر بأمرهم بالحكم بالعدل، وقيَّده (^١) بجمعهم مع الله ورسوله في العطف وتخصيصِهم بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾، وذَنَّبه بالأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنَّة فيما أَشكَل واختُلفَ فيه، إعلامًا بأنَّ طاعة المتغلِّبة من أمراء الجور الذين هم على خلافِ ذلك ليست بواجبةٍ، بل الواجب مخالفتُهم وعصيانُهم فيما لا يطابق الكتابَ والسنَّة من أحكامهم.\nواحتجَّ بالآية المذكورة منكِرو القياس، حيث حَصَر المرجعَ إليه في الكتاب والسُّنَّة، ولم يَذكر القياس، لكنها حجةٌ عليهم لا لهم؛ لأنَّه تعالى أَوجب في كل متنازَعٍ فيه الردَّ إليهما، ولا يوجد في كلِّ حادثةٍ نصٌّ ظاهر، فعُلم أنه أمرٌ (^٢) بالنظر في مُوْدَعاته، والعملِ بمدلولاته ومقتضياته.\n﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ لكم (^٣) ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عاقبةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-553\"> </span>(٦٠) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ\n_________\n= يلزم أن تكون بالسؤال عنه، بل يجوز أن يعلم من قبله أو تقريره أو قوله للغير. منه\".\n(^١) في (م) و(ك): \"وقيد\".\n(^٢) \"أمر\": ليست في (م) و(ك).\n(^٣) \"لكم\": ليست في (م).","vol":"3","page":105},{"text":"يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ عن ابن عباس ﵄: أن منافقًا خاصم يهوديًّا، فدعاه اليهودي إلى النبيِّ ﷺ، ودعاه (^١) المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكَما إلى رسول الله ﷺ فحكم لليهودي، فلم يَرض المنافق، وقال: نتحاكمُ إلى عمر، فقال اليهودي لعمر ﵁: قضى لي رسول الله ﷺ فلم يرضَ بقضائه، وخاصَم إليك! فقال عمر ﵁ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال: مكانكما حتى أخرجَ إليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب عنق المنافق وقال: هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء رسول الله ﷺ، فنزلت، وقال جبريل: إن عمر فرَقَ بين الحقِّ والباطل، فسمِّي الفاروق (^٢).\nوالطاغوت على هذا كعبُ بن الأشرف، وفي معناه مَن يحكم بالباطل، سُمِّي بذلك لفَرْط طغيانه ولشَبَههِ بالشيطان من حيثُ إنه الحاملُ عليه كما قال.\n﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقرئ: (بها) (^٣)، على أن الطاغوتَ جمعٌ كقوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\n﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ (^٤) ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قيل: ظاهرُ الآية يدلُّ على أنه كان المخاصم منافقًا من أهل الكتاب كأنْ يُظهرَ الإسلام على سبيل النفاق؛ لأن قوله تعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٦٠] إنما يليقُ\n_________\n(^١) في (ك): \"ودعا\"، وفي (م): \"ودعى\".\n(^٢) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٣/ ٣٣٧)، وتلميذه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٦٢)، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك، وأبو صالح ضعيف ولم يسمع من ابن عباس. وأما لقب عمر بالفاروق فهو باتفاق وفي أخبار أخر. انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٤).\n(^٣) تنسب للعباس بن الفضل. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٢٥).\n(^٤) في (م): \"أن تضلوا\".","vol":"3","page":106},{"text":"بمثل هذا المنافق، وأما صيغةُ الجمع فلعلها لدَرْجِ أمثاله فيما ذُكر فإنهم في صدد ذلك وإن لم يظهر منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-554\"> </span>(٦١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ لمَّا بيَّن رغبتَهم في التحاكم إلى الطاغوت بيَّن هنا رغبتهم عن التحاكم إلى الرسول ﵇، وقد سبق الكلام في ﴿تَعَالَوْا﴾ في سورة آل عمران.\n﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾ في موقع الحال.\n﴿صُدُودًا﴾؛ أي: يعرضون عنك إعراضًا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-555\"> </span>(٦٢) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.\n﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ كقتل عمر ﵁ المنافقَ، أو النقمة من الله تعالى.\n﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من التحاكم إلى غيرك وعدمِ الرضا بحُكمك.\n﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ عطف على ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾؛ أي: بعد ما أصابتهم جاءوك للاعتذار، أو على ﴿يَصُدُّونَ﴾ وما بينهما اعتراض.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"قال الجوهري: صد عنه يصد صدودًا اعترض وصده عن الأمر صدًا منعه وصرفه. منه\".","vol":"3","page":107},{"text":"﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ حالٌ.\n﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ ما أردنا بذلك إلا الفصلَ بالوجه الأحسن، والتوفيقَ بين الخصمين.\nوقيل: جاء أصحاب القتيل طالبينَ بدمه، وقالوا: ما أردنا بالتحاكُم إلى عمر ﵁ إلا أن يُحْسنَ إلى صاحبنا ويوفِّقَ بينه وبين خصمه (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-556\"> </span>(٦٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، فلا يُغني عنهم الكتمانُ والحَلِفُ الكاذبُ من العقاب.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن عقابهم في الدنيا لمصلحةٍ في استبقائهم، أو: عن قبول معذرتهم.\n﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانك، وكُفَّهم عما هم عليه، وهذه المخاطبةُ لا تنافي الإعراض عن المعاتبة.\n﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما يحلُّ بهم من العذاب إن لم يرجعوا، وما يصلُ إليهم من الثواب إن رجعوا.\n﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثِّر فيهم، أمره بالتجافي عن معاتَبتهم والنصحِ لهم، والمبالغة فيه بالترهيب والترغيب كما هو مقتضى شفقةِ الأنبياء ﵈ (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٢٦ - ٥٢٧).\n(^٢) في هامش (ف): \"من لم يذكر هذا ثم ذكر الترغيب بعده لم يكن على بصيرة. منه\".","vol":"3","page":108},{"text":"وتعلُّق الظرف بـ ﴿بَلِيغًا﴾ على معنى: بليغًا في أنفسهم مؤثرًا فيها، يجوز على أصل الكوفيين خلافًا للبصريين (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-557\"> </span>(٦٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتيسيره وتوفيقه لطاعته، أو: بسببِ إذنِ الله تعالى في طاعته؛ أي: بأمره للمبعوث إليهم أن يُطيعوه؛ لأنَّه مبلِّغ عن اللّه تعالى وخليفةٌ له، فطاعتُه طاعةُ الله تعالى، لمَّا أَمر النبيَّ ﷺ بوعظِهم وإبلاغِ القول فيهم أَمرهم بطاعته فيما أَمر واتِّعاظهم بما وَعظ، ولا دلالة فيه على أنَّ مَن لم يتَّعظ (^٢) ولم يَرْضَ بحكمه كان كافرًا مستوجِبَ القتل، فإن الكفر لا يستوجب القتل البتة، كيف والذِّمِّيُّ والمستأمَن كافران ولا (^٣) يجب قتلُهما.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالتحاكُم إلى الطاغوت.\n﴿جَاءُوكَ﴾ تائبينَ منه، وهو خبر (أنَّ)، و(إذ) متعلِّقٌ به.\n﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ مخلصِينَ له (^٤)، معتذرِينَ إليك مما ارتكبوه من ردِّ قضائك، حتى استغفرت لهم.\n_________\n(^١) لأن معمول الصفة عندهم لا يتقدم على الموصوف؛ لأن المعمول إنما يتقدم حيث يصح تقدم عامله، وقيل: إنه إنما يصح إذا كان ظرفا، وقواه البعض. انظر: \"روح المعاني\" (٦/ ١١٤).\n(^٢) في (م) و(ك): \"لم يتعظ\".\n(^٣) في (م): \"ولم\".\n(^٤) في (م) زيادة: \"الدين\".","vol":"3","page":109},{"text":"ولمَّا كان تحاكُمُهم إلى الطاغوت إساءةً على الرسول ﵇، وإدخالًا للغمِّ في قلبه، لزمهم الاعتذارُ له ﵇ وطلبُ الاستغفار منه.\nوإنما قال (^١): ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ على طريقة الالتفات؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لاستغفاره، وتنبيهًا على أنَّ مَن كان رسولَ الله ﷺ فاستغفارُه وشفاعته من الله بمكان (^٢)، وأمَّا قبول اعتذار التائب فلا دخل فيه لوصف الرسالة، فلا وجه للتنبيه عليه بالالتفات.\n﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾: قابلًا لتوبتهم، متفضِّلًا عليهم بالرحمة.\n﴿تَوَّابًا﴾ حال و﴿رَحِيمًا﴾ بدلٌ منه، أو حالٌ من الضمير فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-558\"> </span>(٦٥) - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\n﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾؛ أي: فوَربِّكَ، و(لا) مزيدةٌ لتأكيد القسَم؛ لا لتُظاهِرَ (^٣) (لا) في قوله:\n﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنها تزاد أيضًا في الإثبات كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١].\nوفي إضافته تعالى نفسَه إليه ﵇ في القَسَم رفعُ قَدْره.\n﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ غايةٌ متعلِّقةٌ بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"قال\": ليست في (م) وفي هامشها: \"لعل هنا لفظ قال ساقط\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"بمكان من الله\".\n(^٣) في النسخ عدا (م): \"لتظاهر\" بإسقاط (لا)، والمثبت من (م) وهو الصواب. \"الكشاف\" (١/ ٥٢٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٢).","vol":"3","page":110},{"text":"﴿فِيمَا شَجَرَ﴾: فيما اختَلَف ﴿بَيْنَهُمْ﴾ واختلط، ومنه: الشجر؛ لتَداخُل أعضائه واختلافِها في الجهات.\n﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضِيْقًا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾: مما حكَمْتَ به، أو: مِن حُكمك. وإنما قال: ﴿ثُمَّ﴾ لأن المحتمَل الغالِبَ وجدانُ ذلك بعد زمان.\n﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: وينقادوا انقيادًا بظاهرهم وباطنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-559\"> </span>(٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (أنْ) مصدريةٌ، أو مفسِّرةٌ لأنَّ ﴿كَتَبْنَا﴾ في معنى: أمرنا.\n﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾؛ أي: لو أوجبْنا عليهم مثلَ ما أوجبْنا على بني إسرائيل حين استتابتِهم من عبادة العجل مِن قتلهم أنفَسهم أو إخراجِهم (^١) من ديارهم.\n﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ الضمير للمكتوب الذي دلَّ عليه ﴿كَتَبْنَا﴾.\n﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قوم قليلٌ (^٢) ﴿مِنْهُمْ﴾ وهم المخلِصون.\nوهذا توبيخٌ بليغٌ لهم، لمَّا بيَّن أن إيمانهم لا يَتِمُّ إلا بأنْ يُسلِّموا حقَّ التسليم نبَّه على قصور أكثرهم ووَهْنِ إسلامهم.\nوقرئ بالنصب على الاستثناء، أو على: إلا فعلًا قليلًا (^٣).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وإخراجهم\".\n(^٢) \"قليل\" ليست في (ف).\n(^٣) هي قراءة ابن عامر وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٠).","vol":"3","page":111},{"text":"﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من متابعةِ الرسول ومطاوَعتِه في أوامره ونواهيه بلا اعتراضٍ وشبهةٍ في أنفسهم.\n﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في عاجلهم وآجلهم.\n﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لإيمانهم وأنفسِهم، وأبعدَ اضطرابًا، ونصبُه على التمييز.\nوهذه الآية نزلت في شأن المنافق واليهوديِّ (^١)، وقيل غيرُ ذلك.\n* * *>\n﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ¶٤¶٦٧ <\n\n(٦٧) - ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر وجزاءٌ لمحذوفٍ معطوفٍ على الجملة الشرطية قبلها؛ أي: ولو ثبَتوا (^٢) لآتيناهم.\nوفي قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ الدالِّ على أنه على سبيل التفضُّلِ دفعٌ (^٣) لذهاب الوهم من الأجر إلى معناه الحقيقيِّ، فإن الثواب لكونه موعودًا (^٤) للعمل نزِّل منزلةَ الأجر له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-561\"> </span>(٦٨) - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.\n﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: وفَّقناهم لطريق التوحيد، وزيادةِ الخيرات، والاستقامةِ في الأحوال.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"المنافقين واليهود\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٢).\n(^٢) في (ك) و(م): \"تثبتوا\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"رفع\".\n(^٤) في (ك): \"معدودًا\".","vol":"3","page":112},{"text":"<span id=\"aya-562\"> </span>(٦٩) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ مزيدُ ترغيبٍ في الطاعة بالوعد عليها (^١) موافقةِ أكرم الخلائق وأعظمِهم قَدْرًا.\n﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بيان لـ ﴿الَّذِينَ﴾، أو حال منه أو من ضميره.\n﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ هم الصادقون في أقوالهم وأعمالهم ونياتهم وأحوالهم، المتقدِّمون لغاية الصدق في تصديق الأنبياء من أفاضل أصحابهم.\n﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ الباذلون للأرواح لله تعالى لغايةِ حضورهم وشهودهم له.\n﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ هم أهل الاستقامة إلى الله تعالى بالأعمال المقرِّبة، أو في الله بالتخلُّق بأخلاقه، والاتِّصاف بصفاته، وليس المراد من المعية (^٢) المعيةَ في الدرجة، فإن ذلك غير ممكن (^٣)، بل المعنى: أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقَها مع الأرواح الكاملة في الدنيا بقيتْ بعد المفارَقة تلك العلائقُ، فينعكِس الشعاعُ من بعضها على بعضٍ، فتصيرُ أنوارُها في غاية القوة.\n﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ يفيدُ التعجُّب؛ كأنه قيل: وما أحسنَ أولئك رفيقًا!\nو﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على التمييز، ولذلك لم يُجمع إذ لم يقصد الأنواع، ويجوز أن يَنتصِب على الحال.\n_________\n(^١) في (م): \"على\"، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٢).\n(^٢) في (م) و(ك): \"المراد بالمعية\".\n(^٣) في هامش (ف): \"فيه رد لمن قال: حث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم. منه\". والقائل المذكور هو البيضاوي.","vol":"3","page":113},{"text":"<span id=\"aya-563\"> </span>(٧٠) - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ قُصد بها التعظيم ﴿الْفَضْلُ﴾ صفتُه (^١) ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرُه.\nأو ﴿الْفَضْلُ﴾ خبرٌ، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعامل فيه معنى الإشارةِ.\nوفيه تنبيهٌ على ما أُعطي المطيعون من الأجر العظيم، ومرافقةِ المنعَم عليهم، فضلٌ (^٢) خاصٌّ منه تعالى لا عدلٌ متقدِّرٌ (^٣) بإزاء طاعتهم، بل مزيدٌ عليه من عنده، وتفضُّلٌ به عليهم تكملةً لثوابهم وإكرامًا لهم.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاءِ مَن أطاعه؛ لعلمه بأحواله، وما يقتضي هذا الفضلُ من استعدادهم بحسب العناية الأولى في حقِّهم، فهو يوفِّقهم على حسب تلك العناية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-564\"> </span>(٧١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أي: احذروا واحتَرِزوا من العدوِّ، ولا تمكِّنوه من أنفسكم، كأنهم أُمروا بأن يجعلوا الحذرَ آلتَهم التي يَقُون بها أنفسَهم، ويَعصمون بها أرواحهم، والحِذْرُ والحَذَرُ بمعنًى كالإثْر والأَثَر، يقال: أخذَ حِذْرَه: إذا تَيَقَّظَ واحْترَزَ من المَخُوف.\n﴿فَانْفِرُوا﴾ يقال: نفر القوم: إذا نهضوا لقتال عدوِّهم وخرجوا للحرب.\n﴿ثُبَاتٍ﴾ نصب على الحال؛ أي: جماعاتٍ متفرِّقةً سَرِيَّةً بعد سريَّةٍ، جمعُ\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"صفة\".\n(^٢) في (ك): \"وفضل\".\n(^٣) في النسخ عدا (م): \"مقتدر\"، والمثبت من (م).","vol":"3","page":114},{"text":"ثُبَةٍ، من ثبَّيتُ (^١) على الرجل: إذا أثنيتَ عليه كأنك جمعتَ محاسنَه.\n﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: مجتمعِينَ كوكبةً واحدةً، ولا تتفرَّقوا وتتخاذلوا فتُلقوا بأيديكم إلى التهلُكة، والآيةُ نزلت في الحرب، ولا دلالة (^٢) في لفظها إلى وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-565\"> </span>(٧٢) - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.\n﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطابُ لعسكر الرسول ﷺ المؤمنين منهم والمنافقين، والمبطِّئون منافقوهم، تثاقلوا وتخلَّفوا عن الجهاد، مِن بَطَّأ بمعنى: أَبطأَ، وهو لازم، أو بطَّأ غيرَه كما فعل ابن أبيٍّ يومَ أحد.\nواللام الأولى للابتداء دخلت اسمَ (إنَّ) للفصل بالخبر، والثانية جوابُ قسم محذوفٍ، والقسمُ بجوابه صلةُ (مَن)، والراجعُ إليه ما استكنَّ في ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، والتقدير: وإنَّ منكم لمن أَقسم بالله ليبطِّئن، ووجوهُ التأكيد لتحقيق حال المنافقين، وأنهم على خلافِ ما يُظهرون من الإيمان.\n﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتلٍ وهزيمة.\n﴿قَالَ﴾؛ أي: المبطِّئُ.\n﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا فيصيبَني ما أصابهم، و﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ﴾ ظرف ناصبُه ﴿أَنْعَمَ﴾ بمعنى: مَنَّ.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ح): \"ثبت\"، والمثبت من (ح) وهو الصواب. انظر: \"مفردات الراغب\" (مادة: ثبا)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٣)، و\"روح المعاني\" (٦/ ١٣٦).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"ودلالتها\"، وفي (ك): \"ولادلتها\"، والمثبت من (م).","vol":"3","page":115},{"text":"<span id=\"aya-566\"> </span>(٧٣) - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ من الفتح والغنيمة.\n﴿لَيَقُولَنَّ﴾ ذلك المنافق، أكَّده لفَرْطِ تحسُّره، وقرئ بضم اللام إعادةً للضمير إلى معنى (مَن)؛ لأنَّه في معنى الجماعة (^١).\n﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ اعتراضٌ بينه وبين مفعوله، وهو:\n﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ حكى الله سرورَ المنافق عند نكبةِ المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولتهم بسببِ فَوَاته الغنيمة، فقَبْلَ أن يذكر الكلام بتمامه ألقى هذا القولَ في البَيْن للتعجُّب كأنه (^٢) يقول: انظروا إلى ما يقولُه هذا المنافق كأنْ لم يكن بينكم وبينه مودةٌ ومخالطةٌ أصلًا (^٣)، والذي حَسَّن موقع الاعتراض كونُ ما بعدها فاصلةً وهي ليست بفاصلةٍ.\nأو حالٌ (^٤) من الضمير في ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، أو داخلٌ في المقول؛ أي: يقولُ المبطِّئ لمن يثبِّطه من المنافقين وضَعفةِ المسلمين تقريعًا (^٥) وحسدًا: كانْ لم يكن بينكم وبين محمدٍ ﷺ مودةٌ حيث لم يَستعن بكم فتَفوزوا بما فاز، يا ليتني كنتُ معهم.\n_________\n(^١) تنسب للحسن. انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٩٢)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٣).\n(^٢) في (ف): \"كأنه نظر\".\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"فيه رد لمن زعم أن فيه تهكمًا فإن نفاقه في أمر الإسلام لا ينافي مودته حينئذ للمسلمين لعلاقة نسبيته أو سببيته، وأما ضعف عقيدته فلا حاجة إلى التنبيه عليه بهذا الكلام. منه\".\n(^٤) عطف على ما تقدم من قوله: \"اعتراض … \".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"تصريفًا\".","vol":"3","page":116},{"text":"و﴿كَأَنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة، واسمُه ضمير الشأن وهو محذوف.\nوقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتاء (^١) لتأنيث لفظ المودَّة.\nوالمنادى في ﴿يَالَيْتَنِي﴾ محذوفٌ؛ أي: يا قوم، وقيل: (يا) أُطلق للتنبيه على الاتِّساع.\n﴿فَأَفُوزَ﴾ نصبٌ على جواب التمنِّي.\nوقُرئ بالرفع على تقدير: فأنا أفوزُ في ذلك الوقت (^٢)، أو العطفِ على ﴿كُنْتُ مَعَهُمْ﴾؛ ليندرج الفوز مع الكون معهم في حكم التمنِّي فيكونا متمنَّيين (^٣) جميعًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-567\"> </span>(٧٤) - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ إنْ جُعل ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يبيعون، فالأمر للمؤمنين؛ أي: إنْ صدَّ هؤلاء المبطِّئون عن القتال فليقاتلِ الثابتون في الإيمان، المخلِصون الذين يستحبُّون الآخرة على الدنيا ويستبدلونها بها.\nوإنْ جعل بمعنى: يشترون، فالأمر للمبطِّئين الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، وعُظوا بأنْ يغيِّروا نيَّاتهم وما بهم من النفاق، ويخلِصوا (^٤) الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا في سبيل الله.\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وحفص، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٧)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٣).\n(^٣) في (ك) و(م): \"متمنين\". والمثبت من باقي النسخ و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٣).\n(^٤) في (م): \"ويخلصون\".","vol":"3","page":117},{"text":"فالفاء على الأول جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ، وعلى الثاني للتعقيب، يعني: ينبغي أنْ يُعْقِبوا ما صدَر عنهم من التثبيط عن القتال والثباتِ على النفاق بالتحريض على القتال.\n﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ لم يقل: فيُغْلَبْ أو يَغْلِبْ؛ إذ حينئذٍ يندرج في الأول الفارُّ من الزحف ولا أجرَ له، ولم يقل: فيُقْتَلْ أو يَقْتُلْ؛ للتنبيه على أنه يَستحقُّ الأجرَ بالغلبة قُتل أو لم يُقتل، وعلى أنَّ حقَّه أن لا يَقصد بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاءِ الحق وإعزاز الدِّين، وتقديمُ الأول للدلالة على أنه أولى وأحقُّ بالأجر.\nوالاقتصارُ عليهما للتنبيه على أن حقَّ المجاهد أن يثبت في المعركة ولا يَفِرَّ حتى يُعزَّ نفسَه بالشهادة أو الدينَ بالظَّفَر والغلبة.\n﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قيل: وَعد له الأجرَ غُلِبَ أو غَلَب؛ ترغيبًا للقتال، وتكذيبًا لقوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٢].\nوفيه: أنه لم يُصِبْ في قوله: غُلِبَ، على ما نبَّهتُ عليه آنفًا، وكذا في قوله: وتكذيبًا؛ لأن مراد ذلك المنافق من القول المذكور مطابقٌ للواقع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-568\"> </span>(٧٥) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.\n﴿وَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبره.\n﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في الظرف من معنى الفعل.\n﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرورٌ عطفٌ على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في سبيل الله وفي خلاصِ المستضعَفين، أو نصبٌ على الاختصاص؛ أي: وأَخْتَصُّ من سبيل الله","vol":"3","page":118},{"text":"خلاصَ المستضعفين (^١)؛ فإن سبيل الله تعالى تمامٌ في كل خير (^٢)، ومن أعظم الخيرات خلاصُهم من أيدي الكفار، وهم الذين أسلموا بمكة، وصدَّهم المشركون عن الهجرة، فبقُوا بين أظهُرهم مستذَلِّين.\n﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ جعل الولدانَ من جملة المستضعَفين تسجيلًا على الظَّلَمة بإفراطِ الظلم حتى بلغ أذاهم الصبيانَ إرغامًا وإيذاء لآبائهم وأمَّهاتهم، ومَبْغَضةً وإيلامًا لهم.\nويجوز أن يكون ذكرُ الولدان مع المستضعفين لإشراكهم الأطفال في الدعاء استرحامًا من الله تعالى بدعاء الصغار الذين لم يُذْنبوا.\nويجوز أن يراد بالرجال والنساء: الأحرارُ والحرائر، وبالولدان: العبيدُ والإماء؛ لأن العبد يُدْعَى بالوليد فغلِّب الذَّكَر وأُطلق عليهما الولدان، كما يقال الوالدان.\n﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أرادوا بالتوصيف التنبيهَ على أن طلبهم الخروجَ منها لظلمِ أهلها، وإلا فهي وطنُهم وأشرفُ البقاع، لا يريدون الخروج منها بلا اضطرارٍ، ولمَّا كان المراد من القرية مكةَ - شرَّفها الله تعالى - تجنَّبوا عن المبالغة في ظلم أهلها بنسبة الظلم إلى القرية، ولم يسلكوا مسلَكَ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [الطلاق: ٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ﴾ [القصص: ٥٨].\n﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾: وهيِّئْ لنا من عندك مَن يتولَّى كفايتنا.\n﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾: مَن ينصرُنا ويمنعُنا من عدوِّنا.\nفاستجاب الله تعالى دعاءهم، جعَل رسول الله ﷺ وليَّهم، وعتَّابَ بنَ أَسِيدٍ\n_________\n(^١) \"أو نصب على الاختصاص واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"حين\".","vol":"3","page":119},{"text":"ناصرَهم (^١)؛ قال عطاء: فكان يَستنفِذُ واحدًا واحدًا منهم ويبعثُه على يد مَرْثَد بن أبي مَرْثَدٍ إلى المدينة (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-569\"> </span>(٧٦) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: فيما يَصِلُون به إلى الله.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾: فيما يبلُغ بهم إلى الشيطان.\n﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ لمَّا حرَّضهم ورغَّبهم (^٣) على القتال في سبيل الله، وفي خلاصِ المستضعفين، شجَّعهم ورغَّبهم فيه ترغيبًا بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله فاللهُ وليُّهم وناصرُهم، والكفارُ يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليَّ لهم إلا الشيطان.\n﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾؛ أي: كيدُه للمؤمنين في جنب كيدِ الله تعالى للكافرين أضعفُ شيء وأوهنُه، فلا تخافوا أولياءَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-570\"> </span>(٧٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"وأما قول القاضي: فاستجاب اللّه تعالى دعاءهم بأنْ يسر لبعضهم الخروج، ففيه أن قوله: بأن يسر، لا يناسب مقام الاستجابة؛ لأنَّه ليس بواسطة الولي والناصر. منه\".\n(^٢) لم أجده.\n(^٣) \"ورغبهم\" من (ك) و(م).","vol":"3","page":120},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن القتال.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: واشتغِلوا بما أُمرتم به.\n﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ على ما طُبع عليه البشر من المخافة لا عن المخالفة (^١).\nوذلك أن المسلمين كانوا بمكة مكفوفينَ عن القتال، وكانوا يتمنَّون أن يؤذَن لهم فيه، فلمَّا كُتب عليهم القتال بالمدينة أَحجم فريق منهم خوفًا من الموت، وضِنَّةً بالأرواح، وجُبنًا عن الأخطار بها، لا ريبةً في الدين.\n﴿إِذَا﴾ للمفاجأة جيء بها في جواب الشرط مع الجملة الاسمية بدلَ الفاء، و﴿فَرِيقٌ﴾ مبتدأٌ تخصَّص بالصِّفة وهي ﴿مِنْهُمْ﴾، خبرُه: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ (^٢).\n﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ في موضعِ النصبِ صفةً للمصدر المحذوف؛ أي: خشيةً مثلَ ما يُخشَى اللهُ، فهي مضافةٌ إلى المفعول، أو على الحال من ضمير ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: يخشون الناسَ (^٣) مثلَ أهلِ خشيةِ الله منه.\n﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ نصبٌ عطفٌ على المصدر؛ أي: خشيةً مثلَ خشيةِ اللهِ أو خشيةً أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله، على أن الخشية خاشيةٌ (^٤).\nأو جرٌّ عطفٌ على (خشيةِ الله)؛ أي: كخشيةِ الله أو كخشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشيةِ الله،\n_________\n(^١) في (ح) و(ك): \"لا على المخالفة\"، وفي (ف): \"لا على المخافة\".\n(^٢) في النسخ: \"خبره خشية الله\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٥)، و\"روح المعاني\" (٦/ ١٤٨).\n(^٣) \"الناس\" من (م).\n(^٤) على طريقة: (جدَّ جدُّه). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٥)، و\"روح المعاني\" (٦/ ١٤٩).","vol":"3","page":121},{"text":"أو على ﴿اللَّهِ﴾ على أن الخشية من الفعل المبنيِّ للمفعول؛ أي: كخشيةِ الله أو خشيةٍ هي أشدُّ في كونه مختشيًا من الله، كما ذكر في ﴿أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠].\nأو نصبٌ على العطف في محلِّ الكاف.\nوالخشية في الأصل: الخوف مع تعظيم المَخوف منه، والمراد هنا: المبالغةُ في الخوف، وكلمة أو (^١) للدلالة على تفاوُته في الخشية، فإن خشية بعضهم كان مثلَ خشية الله تعالى، وخشيةَ بعضهم كان أشدَّ منها (^٢).\n﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ هذا المقالُ لا يناسب حالَ الصحابيِّ الراسخِ قدمُه في الإيمان، المنشرِحِ جَنانُه بالإسلام، الذي يرى الوصول إلى الدار الآجلةِ خيرًا من القرار في الدار العاجلة، ولهذا قيل: هم المنافقون، والتأويل بأنهم ما تفوَّهوا به ولكنهم قالوه في أنفسهم فحَكَى الله عنهم، مع أنه بعيد لم يُعهَد مثله في القرآن، لا يُجدي نفعًا.\n﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ استزادةً في مدةِ الكفِّ عن القتال حذَرًا عن الموت، كأنهم حَسِبوا القتال قتلًا فتمنَّوا تأخيرَ الأجَل، وهذا آيةُ غايةِ جُبنهم.\n﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: سريع التَّقضِّي.\n﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي؛ المعاصيَ.\n_________\n(^١) في (ح): \"و\"، وفي (م): \"ثم\"، وفي \"ك\": (أشد)، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر التعليق الآتي.\n(^٢) \"منها\" ليست في (ك). وهذا الوجه جعله أبو حيان من معنى التنويع في (أو) فقال: ولو قيل: إنَّها للتَّنويع، لكان قولًا، يَعني: أنَّ منهم مَن يَخْشَى النَّاسَ كخشيةِ اللهِ، ومنهم مَن يخشاهم خشية تَزيدُ على خَشيتِهم الله. وذكر لـ (أو) معاني أخر. انظر: \"البحر\" (٧/ ٢٠١).","vol":"3","page":122},{"text":"﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ شيئًا يسيرًا (^١) بالنقصِ عن الثواب الموعود، لا بالزيادة على العقاب المعهود، وقد تقدَّم تفسير الفتيل، وفيه ترغيبٌ في التحمُّل على مشاقِّ القتال، وترهيبٌ عن مخالفة الامتثال لأمر الجهاد.\nوقرئ: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (^٢) لتقدم الغيبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-571\"> </span>(٧٨) - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.\n﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي (^٣): لا خلاصَ لكم من الموت، والجهادُ موتٌ يستعقبُه سعادةٌ أُخروية، فإذا كان لا بدَّ من الموت، فالموتُ في سبيل الله تعالى أولى.\nوقرئ: (يدركُكم) بالرفع على حذف الفاء (^٤)، كما في قوله:\nمَن يَفْعَلِ الحسناتِ اللهُ يشكرُها (^٥)\n_________\n(^١) بعدها في (ح) و(ف) و(ك) \"من قَصَر على الأول فقد قصَّر\"، والمثبت من (م).\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦).\n(^٣) في (ك) و(م): \"إذ\".\n(^٤) تنسب لطلحة بن سليمان. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٧)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٧).\n(^٥) صدر بيت عزاه سيبويه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وعجزه:\nوالشرُّ بالشرِّ عند الله مِثلانِ\nانظر: \"الكتاب\" (٣/ ٦٥)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٧).","vol":"3","page":123},{"text":"أو على أنه كلامٌ مبتدأ، و﴿أَيْنَمَا﴾ متصلٌ بـ (لا تُظلمون)، وعلى هذا (أين) ظرفُ مكان لا اسم شرطٍ، وانتفاءُ الظلم يَنتظِم الدارين.\n﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾: في قصورٍ أو حصونٍ مرتفعةٍ، والبرج في الأصل: بيت على طَرَف القصر، وأصل البروج: الظهور، ومنه: تَبَرَّجت المرأة، إذا أظهرت محاسنَها.\nوقرئ: (مُشيِّدةٍ) وصفًا لها بوصفِ فاعلها (^١)؛ كقولهم: شِعرٌ شاعرٌ، و(مَشِيْدةٍ) (^٢) من شاد القصر: إذا رفعه.\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: نعمةٌ كخصبٍ.\n﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: نسبوها إليه تعالى نسبةً مجرَّدةً عن توسُّط كسبِ العبد.\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: بَلِيَّةٌ كقحطٍ.\nالحسنةُ والسيئة كما يقعان على الطاعة والمعصية، كذلك يقعان على النعمة والبليَّة.\n﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: أضافوها إليك، وقالوا: إنْ هي إلا شؤمُك؛ كما قالت اليهود: منذ دخل محمدٌ ﷺ المدينةَ نَقَصتْ ثمارُها وغَلَتْ أسعارها.\n﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: بتقديرِ الله، واقعٌ على حَسَبِ سنَّته في خلقه، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [لأعراف: ١٦٨] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤].\n_________\n(^١) تنسب لنعيم بن ميسرة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٧)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٣٨).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٣٨).","vol":"3","page":124},{"text":"ولما كان هذا تفصيلَ ذلك المجمَل المنزَل ظهَر حُسن الموقع للفاء في قوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يوعَظون به وهو القرآن، وتنكيرُه للتعظيم والتنبيهِ على أنه لا حاجةَ إلى الإشارة عند الإطلاق ومساعدةِ المساق (^١).\nنفَى المقاربةَ وهو أبلغ من نفي الفعل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-572\"> </span>(٧٩) - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.\n﴿مَا أَصَابَكَ﴾ خاطَب النبيَّ ﷺ ليُعلم حالُ ما أصاب غيرَه بطريق الدلالة.\n﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾: من نعمة.\n﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ تفضُّلًا منه، فإنَّ كلَّ ما يفعله الإنسان من الطاعة لا يكافئُ نعمة الله، فكيف (^٢) يقتضي غيرَه.\n﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾: من بَليَّةٍ (^٣).\n﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني: هو وإن كان من عند الله باعتبارِ الإيجاد والفاعليَّة، لكنْ لمَّا كان السببُ القابلُ (^٤) المقتضي لذلك فعلَك واستحقاقَك فهو من عندك، وبما كسَبَتْ\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"والمعنيان الآخران المذكوران في تفسير القاضي لا يناسبان المقام، كما لا يخفى على ذوي الإفهام. منه\". قلت: والمعنيان اللذان ذكرهما القاضي البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٨٥) زيادة على المصنف هما: حديثًا مّا كبهائم لا أفهام لها، أو: حادثًا من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعلمون أن القابض والباسط هو الله ﷾.\n(^٢) في النسخ: \"وكيف\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٦).\n(^٣) \"من بلية\" ليست في (ك) و(م).\n(^٤) \"القابل\" من (ك) و(م).","vol":"3","page":125},{"text":"يداك واستدعائك إياه أنزلت بك، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].\nلمَّا نسبوا النعمة إلى الله، والبليَّةَ إلى النبيِّ ﷺ، ردَّ الله عليهم بأنَّ الكلَّ من عند الله لا فاعلَ لها سواه، ولا واسطة في البلايا سوى أنفسِهم دون النبيِّ ﷺ على ما زعموا، فتمامُ الردِّ عند قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^١).\n﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ جميعًا، لا للعرب خاصةً كما زعمه بعض المنكِرين، وهذا المعنى مستفادٌ من ذكر اسم الجنس بمساعدة المقام (^٢).\n﴿رَسُولًا﴾ حالٌ قُصد بها التأكيد، ويجوز نصبُه على المصدر كقوله:\nولا خارجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ (^٣)\nولا يجوزُ تعلُّق الجارِّ بها؛ لأنَّه يُفهَم منه اختصاصُ رسالته ﷺ بجنسِ الإنس.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على ذلك بنصبِ المعجزة، فوجب على الكلِّ طاعتُك واتِّباعُك، ولهذا قال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-573\"> </span>(٨٠) - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وبهذا يندفع ما يقال: إنهم لم يجعلوا النبي ﷺ فاعلًا للبلايا، بل واسطة كما في قوله تعالى: ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ولهذا قال: وما كانت إلا بسومك، فلا يمكن جعل المبدئ والفاعل هو الله وحده ردًا لمقالهم. منه\".\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"لا دخل فيه لتقديم الجار والمجرور لمتعلقه. منه\".\n(^٣) عجز بيت للفرزدق، وهو في ديوانه (٢/ ٢١٢)، و\"الكتاب\" (١/ ٣٤٦)، وصدره:\nعلى حلفةٍ لا أَشْتِمُ الدَّهرَ مسلمًا\nوأراد كما قال سيبويه: ولا يخرج خروجًا.","vol":"3","page":126},{"text":"﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ لا لأنَّه في الحقيقة مبلِّغٌ والَامرُ هو الله تعالى؛ لأنَّه لا ينتظِمُ إطاعتَه في غير الأحكام الشرعية، بل لأنَّه تعالى أرسله وأَمر بإطاعته.\nوالعدول عن الضمير إلى المُظهَر للإشعار بترتُّب إيجاب الإطاعة على وصف الرسالة.\nورُوي أنه ﷺ قال: \"مَن أحبَّني فقد أَحَبَّ اللهَ، ومَن أطاعَني فقد أطاعَ اللهَ\" فقال المنافقون: لقد قارَفَ الشركَ وهو يَنهَى عنه، ما يريد إلا أنْ نتَّخِذَه ربًّا كما اتَّخذت النصارى عيسى، فنزلت (^١).\n﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾؛ أي: عن طاعته؛ حُذف جزاؤُه وهو: فأَعْرِضْ عنه، وأُوقع ما هو سببٌ (^٢) له موقعَه فقيل:\n﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبُهم عليها، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، وهو حالٌ من الكاف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-574\"> </span>(٨١) - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا أمرتهم أمرًا أو نهيتهم عن شيء.\n﴿طَاعَةٌ﴾؛ أي: أمرُنا طاعةٌ؛ أي: لك، وأصلُها النصبُ على المصدر، والعدولُ إلى الرفع للدلالة على الثبات.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٣٩). قال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ٤٦): لم أجده.\n(^٢) في (م) و(ك): \"مسبب\".","vol":"3","page":127},{"text":"﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ خرجوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: غابوا عنك، والفاءُ للدلالة على عدم التراخي بين قولهم الموافقِ وفعلهم المخالف (^١).\n﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: زوَّرت وسوَّت (^٢).\n﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ خلافَ ما قلتَ لها، أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة.\nوالتبييت: إمَّا من البيتوتة لأن الأمور تدبَّر بالليل، أو من البيت المبنيِّ لأنَّه يسوَّى ويدبَّر.\nوقرئ: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ (^٣) بالإدغام؛ لقُربهما في المخرج.\n﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ وعيدٌ لهم؛ أي: يُثْبتُ في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه، أو: يكتب في جملةِ ما يُوحي إليك فيطلعُك عليه، فلا يُغني عنهم إسرارُهم.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تشتغل بالانتقام منهم.\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في الأمور كلِّها سيَّما في شأنهم.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لمن توكَّل عليه، فهو الرافع كيدَهم عنك، والمنتقمُ منهم لك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-575\"> </span>(٨٢) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾.\n_________\n(^١) \"المخالف\" من (م).\n(^٢) في (ك) و(ف): \"وسورت\"، وفي (ك): \"وسولت\". والمثبت من (م)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٣٩)، و\"روح المعاني\" (٦/ ١٦٣).\n(^٣) هي قراءة حمزة وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦).","vol":"3","page":128},{"text":"﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الهمزة للإنكار، والفاءُ للعطف على محذوفٍ، أي: أيقدَحون في القرآن فلا يتدبَّرونه (^١)؛ لأنهم لو تدبَّروه حقَّ التدبُّر لم يكن لهم شكٌّ في تَوافُق معناه وتناسُقِ نَظْمه.\nوالتدبر: إثارةُ المعاني بغَوصِ الأفكار، واستخراجُ جواهر المعاني بدقائق الاعتبار، وهو في الأصل: النظر في دُبُر الأمر؛ أي: عاقبتِه، ثم استُعمل في كلِّ تأمُّلٍ ونظرٍ سواءٌ كان في حقيقة الشيء وأجزائه، أو سوابقه وأسبابه، أو لواحقِه وأعقابه، وفيه باعتبار أصله إشارةٌ إلى ما في مقاطع (^٢) الكلام من مظانِّ الطعن في بادئ الرأي، التي تزول عند التأمُّل وتدقيق النظر.\nوالواو في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ للحال، وغيرُ الله ينتظِمُ الجنَّ والملَك، وفيه دلالةٌ على أنه كلام الله تعالى، وأمَّا إعجازه فالثابتُ به أنه ليس من كلام البشر، ولا يلزمُ منه أن يكون كلامَ الله تعالى.\n﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ من جهة فصاحة اللفظ وبلاغةِ النَّظْم وصحةِ المعنى؛ لأن الخطيب الفصيح البليغ إذا كثُر كلامه اختلَّ نظامه، واختلفت أقسامُه، خصوصًا إذا تطاولت في تفاريق كلامه أيامُه؛ لنقصان قُدرة غير خالق القُوى والقُدَر (^٣)، وما يوجد فيه من الاختلاف في الأحكام لاختلاف الأحوال في الحِكَم، لا للتناقض في الحُكْم.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"يتدبرون\".\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"مقاطعة\"، والمثبت من (م).\n(^٣) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: لنقصان القوة البشرية، لم يدر أنه لا يكفي في تمام التقرير على ما نبهت عليه. منه\". قلت: المراد بالقائل المذكور هو البيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٦).","vol":"3","page":129},{"text":"<span id=\"aya-576\"> </span>﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، وبيانُ (الأمر) بمجموعِ الأمن والخوف؛ أي: ما يوجبهما، لا بأحدهما على سبيل البدل، فكلمة ﴿أَوِ﴾ للتنويع لا لمنع الجمع.\n﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾: فعلوا الإذاعة به، وهو أبلغُ من: أذاعوه؛ للدلالة على أنه يوجد نفس الحقيقة؛ كما في نحو ينظر ويمنع، ولِمَا (^١) فيه من الإبهام والتفسير.\nوالإذاعة: الإشاعة والإفشاء، كان يفعلُه قوم من ضَعَفة المسلمين إذا بلَغهم خبرٌ عن سرايا رسول الله ﷺ، أو أخبرهم (^٢) الرسول ﵇ بما أُوحي إليه من ظَفَرٍ بالعدوِّ أو تخويفٍ من الكفرة، أذاعوا به لعدم حزمهم، وكانَ فيه مفسدةٌ.\n﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أي: الأمرَ.\n﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: لم يحدِّثوا به حتى يكون النبيُّ ﷺ هو الذي يحدِّث به.\n﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ وهم كبارُ الصحابة ﵃ البُصَراءُ بالأمور، أو أمراءُ السرايا.\n﴿لَعَلِمَهُ﴾ على أيِّ (^٣) وجهٍ يُذكر.\n﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: يستخرجون تدبيره بتجاربهم وأنظارهم، وأصل\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"لما\"، والمثبت من (م).\n(^٢) في (ف): \"أخبر\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٧).\n(^٣) \"أي\" من (م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٧).","vol":"3","page":130},{"text":"الاستنباط: إخراج النَّبَط، وهو الماء الذي يخرجُ من البئر أوَّلَ ما تُحفر. وقيل: كانوا يسمعون أراجيفَ (^١) المنافقين فيذيعونها، فيعود وبالًا على المسلمين، ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتى يسمعوه منهم وَيعرفوا أنه هل يصحُّ أن يُذاع؟ لعُلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي (^٢) الأمر؛ أي: يستخرجون علمه من جهتهم.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيها الرسول والمؤمنون بما أَنزل من الهدى، وأَظهر من كيد الشيطان والمنافقين.\n﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ودُمتم على الكفِّ عن القتال والإصغاء إلى المنافقين المثبِّطين.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هم رسلُ الله صلوات الله عليهم أجمعين والمستنبِطين (^٣)، وفيه تحريكٌ من حميَّة الضَّعَفة مع لُطفٍ وإخمادٍ لحال الأقوياء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-577\"> </span>(٨٤) - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.\nثم قال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإذا كان الأمر كذلك من أنك أُوتيتَ الفضل والرحمة مع ما وفِّقت له من سابقة القَدَم في التجنُّب عن اتِّباع الشيطان، قاتلْ في\n_________\n(^١) في (م): \" بأراجيف\".\n(^٢) في النسخ: \"وإلى أولي\"، وهو خطأ. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٧).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"هم أصحاب رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين والمستنبطين\"، وفي (ك): \"هم رسول الله والمستنبطين\"، والمثبت من (م). ولعل الصواب: (والمستنبطون).","vol":"3","page":131},{"text":"سبيل الله وإعلاءِ كلمة الرحمن، ولا تُبالِ بكيد المنافقين واستجرارِهم الضعفاء، وما تحصَّلَ من مَفسدة الإذاعة، فإنه لا يَضرُّك خذلانُ خاذلٍ قويٍّ أو ضعيف (^١)، فالله ناصرك لا الجنودُ، بإحلال بأسه بمن يُعاديك.\n﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ نصبٌ على الحال من فاعل ﴿فَقَاتِلْ﴾؛ أي: فقاتل (^٢) غيرَ مكلَّفٍ إلا نفسَك وحدها؛ يعني: لا يضرُّك مخالفتُهم وتقاعدُهم فتقدَّمْ إلى الجهاد وإنْ لم يساعدك أحدٌ، فإن الله ناصرُك لا الجنود.\nرُوي: أنه ﵇ دعا الناس في بدرٍ الصُّغرى إلى الخروج، فكرهه بعضُهم فنزلت، فخرج وما معه إلا سبعون لم يَلْوِ على أَحَدٍ (^٣).\nوقرئ: (لا تُكلَّف) بالجزم، و: (لا نُكلِّفُ) بالنون على بناء الفاعل؛ أي: لا نكلِّفُكَ إلا فِعْلَ نفسِك، لا أنَّا لا نكلِّف أحدًا إلا نفسَك (^٤)؛ لقوله:\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"على ما ذكر القاضي وغيره لا يظهر وجه هذا الترتيب. منه\".\n(^٢) \"فقاتل\" من (م).\n(^٣) ذكره عند تفسير هذه الآية دون عزو كل أبي الليث والبغوي والزمخشري والقرطبي والبيضاوي وعنه نقل المؤلف، وعزاه الطبرسي في \"مجمع البيان\" (٥/ ١٧٦ - ١٧٧) للكلبي، فلعله من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وعلى كل فالكلبي متروك، والخبر لا حجة فيه، كما أنه يخالف ما رواه النَّسَائِيّ في \"الكبرى\" (١١٠١٧)، حيث روى هذه القصة من حديث ابن عباس ﵄ لكن في سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣ - ١٧٤].\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٤٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٧). وقوله: \"لا نكلِّفُكَ إلا فِعْلَ نفسِك، لا أنَّا لا نكلِّف أحدًا إلا نفسَك\" رد من البيضاوي على الزمخشري في قوله شارحًا للقراءة: (أي: لا نكلف نحن إلا نفسك وحدها). لكن قيل: لا مانع من ذلك على معنى: لا نكلف =","vol":"3","page":132},{"text":"﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على القتال، وما عليك إلا تحريضُهم فحسْبُ، لا التَّعنيفُ بهم.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: كفارِ قريش، وقد كفَّ، وقد بدا لأبي سفيان وقال: هذا عامٌ مجدِبٌ، فرجع بهم (^١).\n﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا﴾ من قريش.\n﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ تعذيبًا منهم، وفيه تقريعٌ لمن لم يتَّبعه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-578\"> </span>(٨٥) - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.\n﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ هي التي رُوعي بها حقُّ مسلم، ودُفع بها عنه شرٌّ، أو جُلب بها إليه خيرٌ، لا في حدٍّ من حدود الله أو حقٍّ من حقوقه، طلبًا لرضى الله تعالى لا لغرضٍ من أغراض الدنيا، والسيئةُ بخلاف ذلك.\n﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وهو ثوابُ الشفاعة والتسبُّبِ إلى الخير الواقع بها.\nوقيل: الشفاعة الحسنةُ هي الدعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعةِ إلى الله تعالى، وعسن النبي ﵇: \"مَن دعا لأخيه المسلمِ بظهرِ الغيب استُجيبَ له، وقال له الملك: ولك مثلُ ذلك\" (^٢)، فذلك النصيب، والدعوةُ على المسلم بضدِّ ذلك.\n_________\n= أحدًا هذا التكليف إلا نفسك. انظر: \"روح المعاني\" (٦/ ١٧٤).\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٤٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٧٣٢) من حديث أبي الدرداء ﵁،","vol":"3","page":133},{"text":"﴿يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾: نصيبٌ من وِزْرِها مُساوٍ له في القَدْر.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾: مقتدِرًا، من أقاتَ على الشيء: إذا قدر عليه.\nأو: شهيدًا حافظًا، من القُوت فإنه يقوِّي البدنَ ويحفظُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-579\"> </span>(٨٦) - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.\n﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الجمهور على أنه في السلام، ويدلُّ على وجوب الجواب؛ إمَّا بأحسن منها وهو أن يزيد عليه: ورحمة الله، فإن قاله المسلِّم زاد: وبركاتُه، وهي النهاية، وذلك لاستجماعه أقسامَ مطالب السلامة عن المضارِّ، وحصولِ المنافع وثباتها. أو بردِّها (^١) بأن يقول: عليك (^٢)، إنْ بلغ المسلِّم نهايته؛ لِمَا رُوي: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: السلام عليك، قال: \"وعليك السلام ورحمة الله\"، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله، فقال: \"وعليك السلام ورحمة الله وبركاته\"، وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال: \"وعليك\" فقال الرجل: نَقَصْتني (^٣) فأين ما قال الله؟ وتلا الآية، فقال ﵇: \"إنك لم تترك لي فضلًا فردَدْتُ عليك مثلَه\" (^٤).\nفكلمة ﴿أَوْ﴾ للتنويع لا للتخيير؛ لِمَا عَرفتَ أنَّ كلًّا من الزيادة وردِّ المثل مشروطٌ بشرطٍ ينافي شرطَه الآخر فلا يجتمعان.\n_________\n(^١) في (م): \"يردها\".\n(^٢) \"عليك\" من (م).\n(^٣) في (م): \"أنقصتني\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٤٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٨). ورواه الطبراني من حديث سلمان ومن حديث ابن عباس، وكلا الحديثين إسناده ضعيف. انظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ٤٦).","vol":"3","page":134},{"text":"وأيضًا: التخيير بين أمرين أحدُهما أيسرُ من الآخر لا يكون على وجه الوجوب، على ما تقرَّر في موضعه.\nوهذا الوجوبُ على الكفاية، وحيث السلامُ مشروعٌ فلا يُردُّ في الخطبة وقراءة القرآن، وفي الحمام وعند قضاء الحاجة.\nوالتحية: تفعلةٌ من حيَّى يُحيِّي تحيَّةً.\nوكانت تحيةُ العرب عند اللقاء: حيَّاك الله؛ أي: أطال الله حياتَك، ونُقل ذلك في الإسلام إلى السلام، وبقي الاسم كذلك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يحاسبُكم على التحية وغيرها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-580\"> </span>(٨٧) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.\n﴿اللَّهُ﴾ مبتدأٌ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾) خبرٌ، أو اعتراضٌ والخبر:\n﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أَخبر بجمعه العالَم في يوم القيامة للمجازاة، وإنما قال:\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ تنبيهًا على أن جمعهم بطريق الحشر. والقيامُ والقيامةُ كالطِّلاب والطِّلابة، وهي قيامُ الناس من قبورهم أو للحساب.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليوم، أو في الجمع، فهو حال من اليوم أو صفة للمصدر.\nولمَّا ذكر الجمع مُقسِمًا عليه أردفه بقوله:\n﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾؛ أي: لا أحد أصدق ﴿مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، فإنه لا يتطرق الكذب إلى خبره بوجهٍ؛ لأنَّه نقص ينافي الألوهية.","vol":"3","page":135},{"text":"<span id=\"aya-581\"> </span>(٨٨) - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.\n﴿فَمَا لَكُمْ﴾ الفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدَّم من أنَّ ما نزل (^١) في حقِّ المنافقين وبيانِ أحوالهم حقٌّ مطابقٌ للواقع.\n﴿لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: فما لكم تفرَّقتُم في أمر المنافقين فرقتين ولم تتَّفقوا على كفرهم الذي نطق به المنزَل، وذلك أن ناسًا منهم استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة (^٢)، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلةً مرحلةً حتى لحقوا بالمشركين، فاختلف المسلمون في إسلامهم (^٣). وقيل غيرُ ذلك.\nو﴿فِئَتَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال من الضمير في (ما لكم) والعامل فيها ما في الظرف من معنى الاستقرار، كقولك: ما لك قائمًا.\nو﴿فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ حال من ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: متفرِّقين فيهم، أو من الضمير؛ أي: فما لكم تفترقون فيهم، ومعنى الافتراقِ مستفاد من ﴿فِئَتَيْنِ﴾.\n﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: ردَّهم في حُكم المشركين. أصل الرَّكْس: ردُّ الشيء مقلوبًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"أنزل\".\n(^٢) أي: معتلين باجتواء المدينة، كما هي عبارة \"الكشاف\"، والمذكور من \"تفسير البيضاوي\"، وعنه نقل المؤلف. والاجتواء بالجيم من قولهم: اجتويت البلد، إذا كرهت الإقامة فيها وإن كنت في نعمة، وأصل معناه: كراهيتُها لوخامتها المقتضيةِ للجوى، وهو المرض داء الجوف إذا تطاول. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٦٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٤٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٨). والخبر رواه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٨٢) عن مجاهد.","vol":"3","page":136},{"text":"﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من لحوقهم بهم (^١)، واحتيالِهم على رسول الله ﷺ.\nأو: ردَّهم في الكفر بسبب مرضِ قلوبهم وسوءِ عقيدتهم.\nجملةٌ اعتراضية مُثْبتةٌ لوجوب اتِّفاق المؤمنين على نِفاقهم، رافعةُ لاختلافهم في ذلك، مقرِّرةٌ لمعنى الإنكارِ الذي في (ما) الاستفهاميةِ، أو حالٌ مبيِّنة.\n﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا﴾ إلى الحق ﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ عن طريق الحقِّ.\nمعنى (^٢) الهمزة: إنكارُ إرادتهم هدايةَ مَن أضلَّ اللهُ تعالى لكونه مستحيلًا، ولذلك قال (^٣): ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: إلى الاهتداء، أو: لن تجد لهدايته سبيلًا؛ لاستحالةِ وقوع ما أراد الله (^٤) خلافَه تقريرًا لإنكار إرادتهم (^٥) المتعلِّقة بالمحال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-582\"> </span>(٨٩) - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\n﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾: تمنَّوا راغبين في أن تكفروا ككفرهم، أكد ودادتَهم لكفرهم بـ ﴿لَوْ﴾ وبقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾؛ أي لا يرضَون (^٦) بما شأنكم (^٧)\n_________\n(^١) \"بهم\" من (م).\n(^٢) في (م): \"ومعنى\"، وسقطت الكلمة من (ح).\n(^٣) في (م) زيادة: \"إلى الحق\".\n(^٤) لفظ الجلالة: \"الله\" من (ك) و(م).\n(^٥) في (ك) و(م): \"لإرادة إنكارهم\".\n(^٦) في (ح) و(ف) و(ك): \"يعرضون\".\n(^٧) في (م): \"نشأ بكم\".","vol":"3","page":137},{"text":"الكفر، بل تمنَّوا لكم كفرًا بالغًا أصيلًا راسخًا مثلَ كفرهم، ثم بالَغ في ذلك بقوله:\n﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ لا يترجَّح كفرُهم، عطفٌ على ﴿وَتَكْفُرُونَ﴾؛ أي: ودُّوا كفرَكم وكونَكم مستوِينَ معهم في الضلال، ويجوز نصبُه على جواب التمنِّي (^١).\n﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: فلا تتولَّوهم وإنْ أظهروا الإيمان.\n﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حتى يظاهِروا الإيمان بهجرةٍ صحيحةٍ في سبيل الله، بنيَّةٍ صادقة لله ولرسوله، لا لغرضٍ من أغراض الدنيا.\nوسبيلُ الله: ما أَمر بسلوكه.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: فإن أعرضوا عن الهجرة المستقيمة التي تصدِّق إيمانهم.\n﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: فحكمُهم حكمُ (^٢) سائر المشركين في وجوب قتلهم حيث وُجدوا في الحِلِّ والحَرَم.\n﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ أي: وإنْ بذلوا لكم الولاية والنُّصرة، فلا تقبلوا وجانِبوهم مجانَبةً كلِّيةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-583\"> </span>(٩٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"يعني التمني المفهوم من لفظ ﴿لَوْ﴾ لا من لفظ ﴿وَدُّوا﴾ كما توهم أبو حيان. منه\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"كحكم\".","vol":"3","page":138},{"text":"﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ استثناءٌ من قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ إلا الذين يتصلون (^١) وينتهون إلى قوم عاهدوكم ويفارقون محارَبتكم، فإنهم (^٢) في حكمهم في الميثاق، وهم مَن وادَعَ رسول الله ﷺ وقتَ خروجه إلى مكةَ على أنْ لا يُعِينوه ولا يُعِينوا عليه، ومَن لجأ إليهم فله من الجِوارِ مثلُ ما لهم.\n﴿أَوْ جَاءُوكُمْ﴾ عطفٌ على صلة الموصول؛ أي: أو إلا الذين جاءوكم كافِّين من قتالكم وقتالِ قومهم، استثنى عن المأمور بالأخذ والقتل مَن ترك المحارِبين ولحقَ المعاهَدين، ومَن جاء المؤمنين وكفَّ عن قتالِ الفريقين.\nلا (^٣) على صفةِ ﴿قَوْمٍ﴾ لأن الاستثناء يدلُّ بأن سبب ترك التعرُّض لهم أمران:\nأحدهما: الاتصال بالمعاهَدين.\nوالآخر: الاتصال بالكافِّين عن القتال إن كان العطف على الصفة، ونفسُ الكفِّ عن القتال إن كان العطف على الصلة، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ يرشدُ إلى أنه الكفُّ.\nوقرئ بغير العاطفِ (^٤) على أنه بيانٌ لـ ﴿يَصِلُونَ﴾، أو بدلٌ، أو استئنافٌ.\n﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في موضع الحال بإضمارِ (قد)، يدلُّ عليه قراءة: ﴿حَصِرَةً صُدُورُهُمْ﴾ (^٥)، و: (حَصِرَاتٍ [صدورُهم])، و: (حاصِراتٍ صدورُهم) (^٦)، وجعلَه\n_________\n(^١) في (ف): \"يصلون\"، وسقطت من (ح).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"فإنكم\"، وهو تصحيف.\n(^٣) كلمة: \"لا\" وقع بدلا منها في (ح): \"أو\"، وسقطت من (ف) و(ك).\n(^٤) أي: ﴿جَاءُوكُمْ﴾ دون ﴿أَوْ﴾، وتنسب لجناح بن حبيش كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٨)، ولأبي ﵁ كم في \"الكشاف\" (١/ ٥٤٧).\n(^٥) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٥١).\n(^٦) نسبت أولاهما للضحاك، والثانية لجناح بن حبيش كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" =","vol":"3","page":139},{"text":"المبرِّد صفة لموصوفٍ؛ أي: أو جاءوكم قومًا حَصِرَت صدورُهم (^١).\nوقيل: بيان لـ ﴿جَاءُوكُمْ﴾. وهم بنو مُدْلجٍ، جاءوا إلى رسول الله ﷺ غيرَ مقاتلين.\nوالحَصَر: الضِّيقُ والانقباض.\n﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: عن أن يقاتلوا، صلةٌ لـ ﴿حَصِرَتْ﴾، أو: كراهةَ أن يقاتلوكم، مفعولٌ له.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولو شاء الله أن يبتليَكم بهم لابتلاكم بتسليطهم عليكم، وهذا بيانُ القدرة ولا يلزمه الموافقةُ للحكمة فإنها تستتبعُ الوقوع دون القدرة (^٢).\n﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ولم يكفُّوا عنكم.\n﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾؛ أي: فإنْ لم يتعرَّضوا لكم.\n﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الاستسلام والانقياد.\n﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: فما أذِنَ لكم في قتلهم وأخذِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-584\"> </span>(٩١) - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.\n_________\n= (ص: ٢٨)، وانظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٤٧)، والكلام وما بين معكوفتين منه.\n(^١) \"وحصرات وحاصرات صدورهم وجعله المبرد صفة لموصوف أي أو جاءوكم قومًا حصرت صدورهم\" من (م)، والموافق لما في \"الكشاف\".\n(^٢) في هامش \"ف\": \"ومن لم يفرق بينهما قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال. منه\".","vol":"3","page":140},{"text":"﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم أسدٌ وغطفان.\nوقيل: بنو عبد الدار، أتوا المدينة وأظهروا الإسلام فلمَّا رجعوا كفروا.\n﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾: كلما دعاهم قومُهم إلى قتال المسلمين.\n﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ رُدُّوا فيها وقلبوا أَخْبثَ قلبٍ وأشنعَه (^١)؛ لضمِّهم الكفر إلى الغدر ونقضِ العهد.\n﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾: الاستسلامَ والانقياد ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عن قتالكم، كلاهما معطوفان على ﴿يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ في حُكم الجزم بـ ﴿لَمْ﴾.\n﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيث تمكَّنْتُم منهم؛ لأنهم لم يَكفُّوا أيديَهم عن القتال (^٢).\n﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ إشارة إلى أن الموصوفين بدوامِ نقض العهد والخيانةِ مرةً بعد أخرى في جميع الأوقات إنما يستحقُّون تسليط الله تعالى إياكم عليهم، وإظهارَكم بالحجة لهذه الصفات.\n﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً واضحة في التعرُّض لهم بالقتل والسَّبي؛ لظهور حالهم في الكفر والعداوة والغدر، أو: تسلُّطًا ظاهرًا حيث أَذن لكم في قَتْلهم أينما اقتَدَرْتم عليهم.\n_________\n(^١) في (م): (وأبشعه)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٥٤٨). وتحرفت العبارة في (ح) و(ف) إلى: \"وقبلوا خبث قلب واسعة\".\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"من لم يتنبه له قال: فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض. منه\". والقائل هو البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٨٩).","vol":"3","page":141},{"text":"<span id=\"aya-585\"> </span>(٩٢) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؛ أي: ليس من شأنه ولا يليقُ بوصف الإيمان.\n﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ يباشرَ بقتله مِن عند نفسه بلا إيجابِ الشرع ولا رخصةٍ منه.\n﴿إِلَّا خَطَأً﴾ مفعولٌ له؛ أي: لعلةٍ ما (^١) إلا للخطأ وحده، أو حالٌ بمعنى: مخطئًا؛ أي: ليس له قتلُه في حالٍ من الأحوال إلا في حالِ الخطأ، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إلا قتلًا خطأً، وهو ما لا يُضامُّه القصدُ إلى الفعل أو الشخصِ، فما لا يُقصد به زُهوق الروح غالبًا من قَبيل الأول؛ لأنَّه ما قَصد إلى القتل بل قَصد إلى الضرب، وما لا يُقصد به محظورٌ - كرمي مسلم في صفِّ الكفار مع الجهل بإسلامه - من قبيل الثاني؛ لأنَّه ما قصد إلى الشخص المسلم في زعمه، بل قصد الشخص الكافر، والمعتبَر في القصد زعمُ القاصد.\nوأمَّا غير المكلَّف فالشرعُ لم يعتبر قصدَه، فأعطاه حكمَ الخطأ.\nوقرئ: (خطاءً) بالمد (^٢)، و: (خطًا) كعصًا بتخفيف الهمزة (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"أي لا لعلة ما\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٨).\n(^٣) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٩٤).","vol":"3","page":142},{"text":"والآيةُ نزلت في عيَّاشِ بن أبي ربيعةَ أخِ أبي جهلٍ من الأمِّ، لقي الحارث بن زيد في طريق وكان قد أسلم، ولم يَشعرْ به عياشٌ فقتله (^١).\n﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعليه - أو: فواجبُه - تحريرُ رقبة.\nوالتحريرُ: جعل الإنسان حرًّا، كما أن الإعتاق: جعلُه عتيقًا، والحرُّ: العتيق والكريم؛ لأن الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العبيد، وحُرُّ الوجه: أكرمُ موضعٍ منه.\nوالرقبةُ يعبَّر بها عن النَّسَمة كما يعبَّر عنها بالرأس.\n﴿مُؤْمِنَةٍ﴾: كبيرةً كانت أو صغيرةً، ذكرًا كان أو أنثى.\n﴿وَدِيَةٌ﴾: عطفٌ على (تحرير).\n﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مؤداة.\n﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ تُصْرف إلى ما تُصْرف إليه تركتُه، فالأهل يَنتظِم الوصيَّ وأمينَ بيت المال (^٢).\nولم يعيِّن الله تعالى في كتابه ما يُعطَى في الدِّية، ولم يبيِّن فيه أن إيجابها على العاقلة أو القاتل، وإنما أُخذ ذلك من السُّنة.\n﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾: يتصدَّقوا عليه بالدِّية، وأصلُها على القاتل وتحملُها العاقلة تخفيفًا عليه، وسمِّي العفو عنها بالتصدُّق حثًّا عليه، وتنبيهًا على فضله، وعن النبيِّ ﷺ: \"كلُّ معروفٍ صدقةٌ\" (^٣).\n_________\n(^١) رويت فيه مراسيل عن مجاهد وعكرمة والسدي. انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٣٠٦ - ٣٠٨).\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: إلى ورثته .. إلخ، لم يصب. منه\".\n(^٣) رواه البخاري (٦٠٢١) من حديث جابر ﵁، ومسلم (١٠٠٥) من حديث حذيفة ﵁.","vol":"3","page":143},{"text":"وهو متعلِّقٌ بـ (عليه) (^١)، أو بـ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أي: تجب الدِّية عليه - أو: يسلِّمها إلى أهله - إلا حالَ تصدُّقهم إياها عليه، فهو في محلِّ النصب على الحال من القاتل، وأمَّا انتصابُه على الظرف فقيل: إنه مخالفٌ لنصِّ النحويين على منعِ قيام (أنْ) وما بعدها مقامَ الظرف، فإنه مما اختَصَّ به (ما) المصدريةُ.\n﴿فَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول (^٢) ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾: كفارٍ محاربين ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: المقتول ﴿مُؤْمِنٌ﴾ يعني: إذا أسلم الحربيُّ في دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتَلَه مسلم ولم يعلم بإيمانه.\nولإفادة هذا القيد صدِّر الكلام بالفاء المرتِّبة له على ما تقدم، وفيه الكفارةُ لا غير، وهو قوله:\n﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قيل: دون الدِّيَة لأهله؛ إذ لا وراثة بينه وبينهم لأنهم محاربون.\nوكأن هذا القائل غافلٌ عن العموم المذكور فيما سبق في مصرِف الدية.\nوالشافعيُّ حمله على مؤمنٍ اختلطَ بأهل الحرب، ويأباه قوله: ﴿مِنْ قَوْمٍ﴾؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون منهم.\n﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ يَنتظِم عهدَ الأمان وعقدَ الذمة.\n﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: حكمُه حكمُ المسلم في وجوب الكفارة والدية، وتقديم الدية هاهنا اهتمامًا في رعاية حكم الميثاق.\n_________\n(^١) وهو المقدر بعد الفاء في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾.\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"من زاد على هذا قوله: المؤمن فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. منه\". قلت: رد على قول البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ٩٠): أي: (فإن كان المؤمن المقتول).","vol":"3","page":144},{"text":"قيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبيِّ ﷺ عهدٌ على أن يُسلِموا أو يؤذَنوا بحربٍ إلى أجلٍ معلوم، ومَن قُتل منهم وجَبتِ الدية والكفَّارة، ثم نُسخ بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوأما ما قيل: ولعله فيما إذا كان المقتول معاهَدًا وكان له وارثٌ مثلُه (^١)، فلا صحة له:\nأمَّا أولًا: فلأن قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ صريحٌ في كون المقتول معاهَدًا، فلعله لم يُصِبْ محزَّه.\nوأما ثانيًا: فلأن دية الذِّمِّي تؤخَذ لبيت المال إذا لم يكن له وارثٌ، وديةَ الحربي إنما تُعطى بحكم العهد، فقوله: أو كان (^٢) له وارثٌ، مما لا وجه له.\n﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الرقبةَ المؤمنة، بأنْ لم يملكها ولا ما يَتوصَّل به إليها، أو لم توجد في دياره.\n﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾: فعليه - أو: فواجبٌ - صيامُ شهرين.\n﴿مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً﴾ مصدر مؤكِّد؛ أي: تاب الله عليه توبةً، أو مفعولٌ له؛ أي: شَرَع ذلك توبةً منه.\n﴿مِنَ اللَّهِ﴾ صفتُها.\n_________\n(^١) قوله: \"وكان له وارث مثله\"، كذا وقعت العبارة في النسخ، والذي في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٠) وهو صاحب القيل المذكور: (… أو كان له وارث مسلم)، وعلى هذا شرح الشهاب في \"الحاشية\" (٣/ ١٦٧) فقال: (يعني: لا يلزم دية بقتل شخص من قوم معاهدين؛ إذ يجوز أن يكون غير معاهد ولا مؤمن، إلا إذا كان معاهدًا فيلزم الدية للعهد، أو مسلمًا وله وارث مسلم، فالظاهر أن يقول: أو كان مسلمًا وله وارث مسلم، إذ المسلم لا يرث من الكافر، ففي عبارته تقصير).\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"فقوله وكان\"، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر التعليق السابق.","vol":"3","page":145},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بالأحوال، ويندرجُ فيها حالُ القاتل دخولًا أوليًا.\n﴿حَكِيمًا﴾ في الأفعال، ومنها ما أَمر في شأنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-586\"> </span>(٩٣) - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ عَدَل هنا عن الماضي إلى صيغة المستقبل استبعادًا لوقوع هذا النوع من القتل.\n﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ اقتَصر هنا (^١) على بيانِ حكمه الأُخرويِّ لأنَّه بيَّن حكمَه الدنيويَّ في سورة البقرة.\n﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ المراد بالتخليد: المكثُ الطويل، دون التأبيد، ولهذا لم يقل: أبدًا؛ لأن الدلائل متظاهرةٌ على أن عُصاة المسلمين لا يدومُ عذابهم.\nوقيل: إنه مخصوصٌ بمن لم يَتُب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] ونحوِه.\nأمَّا تخصيصُه بالمستحلِّ له كما ذكره عكرمةُ وغيرُه (^٢)، ففيه: أنه تخصيصٌ بلا\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"هاهنا\".\n(^٢) انظر: \"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس (ص: ٣٤٩)، وفيه: (وهذا القولُ يقالُ: إنَّه قولُ عكرمةَ؛ لأنَّه ذَكَرَ أنَّ الآيةَ نزلت في رجلٍ قَتلَ مؤمِنًا مُتعمِّدًا ثم ارتدَّ). قلت: والذي يظهر من كلامه أنه لم يجد نصًّا صريحًا عن عكرمة بهذا القول، فرأى أن من قال به قد استنبطه استنباطًا من رواية عكرمة للخبر المذكور، ولعله يشير بهذا إلى الطبري، حيث قال في \"تفسيره\" (٧/ ٣٤١): (وقال آخرون: عُنِي بذلك رجل بعينه، كان أسلم فارتدّ عن إسلامه، وقتل رجلا مؤمنًا، قالوا: فمعنى الآية: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ مستحلًّا قتلَه ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾، ذكرُ من قال ذلك …)،=","vol":"3","page":146},{"text":"مخصِّصٍ، فإن سبب النزول لا يَصلُح له، وهو أن مِقْيَسَ بن ضُبابةَ وجد أخاه هشامًا قتيلًا في بني النَّجار، ولم يَظهر قاتلُه، فأخذ منهم الدِّيَةَ بأمره ﵇، ثم حَمل على مسلمٍ فقتله فرجع إلى مكة مرتدًّا (^١) = إذ لا تصريحَ فيه بقتله مستحِلًّا، وقد تقرَّر في الأصول أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوصِ السبب.\nومراد ابن عباس ﵄ من قوله: لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمدًا (^٢)، التشديدُ (^٣)؛ إذ رُوي عنه خلافُه (^٤).\n_________\n= ثم روى الخبر المذكور عن عكرمة كما سيأتي، وقد روي هذا الخبر أيضًا عن سعيد بن جبير وابن جريج وابن عباس كما سيأتي، ولذلك - والله أعلم - لم يقتصر البيضاوي الذي ينقل عنه المؤلف في عزو القول بالاستحلال على عكرمة بل قال: (ذكره عكرمة وغيره)، وعزاه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٦٥) لابن عباس، والآلوسي في \"روح المعاني\" (٦/ ٢٢٢) لعكرمة وابن جريج وجماعة. بقي أن نذكر أن النحاس نفسه قد غلَّط القول المذكور معلِّلا ذلك بقوله: (لأنَّ \"مَن\" عامٌّ لا يُخَصُّ إلَّا بتوقيفٍ أو دليلٍ قاطعٍ)، في حين اعتبره ابن عطية هو الأصح في تفسير الآية.\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٣٧ - ١٠٣٨) عن سعيد بن جبير، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٣٤١)، وابن بشكوال في \"غوامض الأسماء المبهمة\" (٢/ ٧٦٠) عن ابن جريج. ورواه ابن بشكوال أيضًا من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄. ورواه الطبري أيضًا من طريق ابن جريج عن عكرمة.\n(^٢) رواه البخاري (٤٧٦٤)، ومسلم (٣٠٢٣/ ٢٠).\n(^٣) \"عمدًا التشديد\" سقطت من (ح) و(ف)، و\"التشديد\" سقطت من (ك).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"خلاف\". وروى عبد بن حميد كما في \"الدر المنثور\" واللفظ له، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٧٧٥٣)، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٤٩)، عن سعد بن عبيدة: أن ابن عباس كان يقول: لمن قتل مؤمنًا توبة، فجاءه رجل فسأله: ألمن قتل مؤمنًا توبة؟ قال: لا، إلا النار. فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتيتا أن لمن قتل مؤمنًا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟! قال: إني أظنه رجلًا مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.","vol":"3","page":147},{"text":"﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾؛ أي: انتَقَم منه وطرده من رحمته.\n﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾؛ لاجْتِرائه على الله.\nلمَّا كان قتلُ النفس المحرَّمة أكبرَ الكبائر بعد الشرك بالله (^١)، بالَغ فيه بأنْ جعله منافيًا للإيمان حيث قال:\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ﴾ أي: ينافي وصفَ الإيمان قتلُ المؤمن، ثم بتنكير (مؤمن)؛ أي: ليس لأيِّ مؤمن كان، ثم بحذف الخبر المقدَّم لشدة العناية بالتصريح بالكفَّارة، ثم بإيجاب الدية والكفَّارة على قاتل الكافر المعاهَد حرمةً لها - وإن كانت كافرةً - بمجرد العهد، ثم بالوعيد مع التوبة بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ لأنَّه أعظم الإثم بعلمه به، وإلا لقال: (غفورًا رحيمًا) اعتدادًا بالتوبة وتفخيمًا لها، فحقَّر التوبة في جنب الإثم مع كونه خطأً؛ لِمَا عسى يقعُ من تفريطٍ فيما يجب عليه من الاحتياط والتحفظ، ثم بالتهديد العظيم والإيعاد، والإبراق الشديد والإرعاد، على قتل العمد العدوَان بالوجوه المذكورة؛ من دخول جهنم، والخلودِ فيها، واستحقاقِ الغضب، ثم العذابِ العظيم، كلُّ ذلك تغليظٌ للدلالة على غلظ الأمر وعظم الخطب (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-587\"> </span>(٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n_________\n(^١) \"بالله\" من (م).\n(^٢) في (م): \"الخطيئة\".","vol":"3","page":148},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: إذا غزوْتم وسرتُم إلى الجهاد.\n﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وقرئ: ﴿فَتَثَبَّتوا﴾ (^١)، وتَفَعَّلَ (^٢) بمعنى استَفْعَلَ الدالِّ على الطلب؛ أي: فاطلبوا بيانَ الأمر وثباتَه ولا تَعْجَلوا فيه، وقد قُوبل البيانُ بالعجلة في قوله ﵇: \"التبيينُ من الله والعجلة من الشيطان\" (^٣).\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ أي: لمن حيَّاكم بتحيةِ السلام (^٤).\nوقرئ: ﴿السَّلَمَ﴾ (^٥)؛ أي: الاستسلامَ والانقياد، وفسِّر به ﴿السَّلَامَ﴾ أيضًا.\n﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنما فعلتَ ذلك متعوِّذًا. وقرئ: (مؤمَنًا) بالفتح من آمَنه (^٦)؛ أي: لا يُؤْمِنُك.\n﴿تَبْتَغُونَ﴾ في محل النصب على الحال من الضمير في ﴿تَقُولُوا﴾، مُشعِرٌ بما هو الحاملُ لهم على العجلة؛ أي: لا تقولوا ذلك مبتغينَ.\n﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الغنيمةَ التي هي (^٧) حطامٌ سريع النفاد، فتتركون التثبُّت والتفحُّص عن حالِ مَن تقتلونه لأجْله.\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٧).\n(^٢) في (م): \"وتفعل\".\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢١/ ٣٥١ - ٣٥٢) عن قتادة عن النبي ﷺ مرسلًا بلفظ: \"التبين .. \"، وهو الأنسب بلفظ الآية.\n(^٤) في (م): \"الإسلام\".\n(^٥) هي قراءة حمزة ونافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٧).\n(^٦) هي رواية ابن جماز عن أبي جعفر كما في \"النشر\" (٢/ ٢٥١)، ورواية ابن وردان عن أبي جعفر كما في \"تحبير التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٧) في (ح) و(ف) و(م): \"التي من\". والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٥٥٣).","vol":"3","page":149},{"text":"﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ يُغْنِمُكموها فتُغنيكم عن مِثْل هذه الفعلة الشنيعة، والفاءُ لتعليل النهي.\n﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أوَّلَ ما دخلتُم في الإسلام سُمعت منكم كلمة الشهادة فحُصِّنت بها دماؤكم وأموالكم من غير اطِّلاع على قلوبكم ومواطأتِها لألسنتكم.\n﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالاستقامة والتصلُّبِ في الدِّين والاشتهارِ بالإيمان والتقدُّم فيه، والفاء للعطف على ﴿كُنْتُمْ﴾.\n﴿فَتَبَيَّنُوا﴾: فافعلوا بالداخلينَ في الإسلام كما فُعل بكم، ولا تُبادِروا إلى قتلهم ظنًّا بأنهم دخلوا فيه اتِّقاءً وخوفًا، فإن إبقاءَ أَلْفِ كافرٍ أهونُ عند الله تعالى من قتلِ امرئٍ مسلمٍ.\nوتكريرُ الأمر بالتبيين، والإيعادُ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، للتأكيد؛ لتعظيم الأمر، وترتيبِ الحكم على ما ذكر، والمبالغةِ في التحذير عن مثل ما فَعلوا؛ أي: كونوا محترِزين محتاطِين مجتهدِين لإعلاء كلمة الإسلام وإعزازِ الدِّين، لا لطلبِ الغنيمة والمال، فإن الله مطَّلعٌ على ما في ضمائركم، خبيرٌ بأعمالكم وما يبتني عليها من نيَّاتكم فيؤاخذُكم بها، فلا تتهافَتوا في القتل.\nرُوي أنَّ سريَّةً لرسول الله ﷺ غزت أهل فَدَكٍ، فهربوا وبقي مرداسٌ ثقةً بإسلامه، فلما رأى الخيلَ أَلجأ غنمه إلى عاقولٍ من الجبل وصعد، فلمَّا تلاحَقوا وكبَّروا كبَّر ونزل وقال: لا إلهَ إلا اللهُ محمدٌ رسول الله، السلامُ عليكم. فقتله أسامةُ ﵁ واستاق غنمه، فنزلت (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٥٣)، وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٣/ ٣٦٧) من طريق الكلبي عن أبي =","vol":"3","page":150},{"text":"ولا دلالةَ فيه على صحة إيمان المكرَه، وإن ما رُوي ليس من الاجتهاد المعهودِ في شيء (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-588\"> </span>(٩٥) - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ عن الحرب.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في موضع الحال من القاعدين، أو من الضمير فيه.\n﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بالرفع بدلٌ من القاعدين، أو صفةٌ لهم؛ لأنَّه لم يُقصد بهم قومٌ بأعيانهم، ولأن (غير) قد تتعرَّف إذا وقعت بين ضدَّين.\nوقرئ بالنصب (^٢) على الحال أو الاستثناء (^٣)، وقُرئ بالجر على أنه صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو بدلٌ منه (^٤).\nرُوي: أنها نزلت ولم يكن فيها ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فقال ابنُ أمِّ مكتوم: وكيف وأنا أعمى؟ فنزل القيدُ المذكور (^٥).\n_________\n= صالح عن ابن عباس ﵄، ورواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٣٥٧) عن السدي. وأصل الخبر عند مسلم (٩٦).\n(^١) رد على البيضاوي في قوله: وفيه دليل على صحة إيمان المكره، وأن المجتهد قد يخطئ، وأن خطأه مغتفر. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩١).\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٧).\n(^٣) في هامش (ف): \"وقيل: نصب بنزع الخافض، وفيه أنه سماعي لا قياسي. منه\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٥٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩١)، والكلام منه.\n(^٥) رواه البخاري (٢٨٣٢)، ومسلم (١٨٩٨)، من حديث زيد بن ثابت ﵁.","vol":"3","page":151},{"text":"والضَّرر: النُّقصان، بدنيًّا كان كالعمى والعَرَج، أو ماليًّا كعدم الأُهْبة، ولمَّا كان مساقُ الكلام للتحريض على الجهاد كان الاستثناءُ المذكور لبيان أنهم غيرُ مُرادِين بالتحريض، وغيرُ المكلَّفين بالخروج إليه، لا أنهم كالمجاهدين في الإثابة والتفضيل.\n﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا مساواةَ بينهم وبينَ القاعدين عن الجهاد بلا عذرٍ، وفيه تذكيرُ ما بينهما من التفاوت؛ ليرغب القاعد في الجهاد رفعًا لرتبته، وأنفةً (^١) عن انحطاط منزلته.\n﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ نصبٌ على المصدر، وتنكيرُها للتعظيم، والمعنى: على القاعدين أُولي الضرر، نصَّ على ذلك الإمامُ الواحدي في \"الوسيط\" ثم قال: وذلك أن المجاهدين مباشرون للطاعة فلهم فضيلةٌ على القاعدين من أهل العذر وإن كانوا على نية الجهاد وقَصْدِه (^٢).\nوتفصيله: أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾: أنَّ بين المجاهدين والقاعدين غير الأضرَّاء بونًا بعيدًا، وأنْ ليس بين المجاهدين والقاعدين الأضرَّاء هذا البونُ البعيد، ولكن بينهم تفاوتٌ أيضًا (^٣)، وكان هذا المعنى محتاجًا إلى البيان فبيَّنه بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ وبما عُطف عليه من قوله: ﴿وَفَضَّلَ﴾، فكلتا الجملتين\n_________\n(^١) في (م): \"واتقاء\"، والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩١)، وقريب منه عبارة \"الكشاف\" (١/ ٥٥٣): (ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته).\n(^٢) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (٢/ ١٠٤).\n(^٣) \"وكذا قول صاحب \"الكشاف\": وأما المفضلون درجة فهم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، يدل على هذا. منه\".","vol":"3","page":152},{"text":"بيانٌ له لا الجملةُ الأولى فقط، فبيَّن بالكلام الأول أنهم مفضَّلون على أهل العذر درجة، ثم قال:\n﴿وَكُلًّا﴾ يعني: المجاهدَ والقاعدَ المعذور، كذا (^١) نقل في \"الوسيط\" عن مقاتل (^٢).\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: المثوبة الحسنى وهي الجنةُ؛ لحُسْن عقيدتهم وخلوصِ نيَّتهم، وإنما التفاوُتُ في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب. ثم بيَّن بقوله:\n﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾ أن المجاهدين مفضَّلون على القاعدين من غير عذرٍ بدرجات.\nوقوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ نصبٌ على المصدر؛ لأن (فضَّل) بمعنى: أَجَر، أو المفعولِ الثاني له لتضمُّنه معنى الإعطاء، كأنه قيل: وأعطاهم زيادةً على القاعدين أجرًا عظيمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-589\"> </span>(٩٦) - ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ كلُّ واحدة منها بدلٌ من ﴿أَجْرًا﴾.\nأو ينتصبُ ﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصبَ ﴿دَرَجَةً﴾، كما تقول: ضربتُ سوطًا أو سوطاتٍ، أي: ضرباتٍ؛ كأنه قيل: فضَّلهم تفضيلات، و﴿أَجْرًا﴾ حالٌ عن ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مقدَّمةٌ عليها لكونها نكرةً، وينتصب ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ بإضمار فعلهما؛ أي: وغفَر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"كما\".\n(^٢) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (٢/ ١٠٤).","vol":"3","page":153},{"text":"وقيل: الدرجة: ارتفاعُ منزلتهم عند الله، والدرجات: منازلُهم في الجنة.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما عسى يَفرط منهم ﴿رَحِيمًا﴾ بما وعد لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-590\"> </span>(٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يجوز أن يكون ماضيًا، وأن يكون مضارعًا بحذف التاء؛ أي: تتوفاهم الملائكة، وقرئ: (تَوفَّتْهم) بتاء التأنيث على الماضي، و: (تُوفَّاهم) (^١) على المضارع المبني للمفعول من (وُفِّيتْ) بمعنى: أن الله تعالى يوفِّي الملائكة أنفسَهم فيتوفونها؛ أي: يمكِّنُهم من استيفائها فيَتوفَّونها (^٢).\n﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: في حال ظلمِهم أنفسَهم بترك الهجرة وموافقةِ الكفرة، فإنها نزلت في ناسٍ من مكةً أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرةُ واجبةً (^٣).\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة للمتوفَّين، وهو خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: قالوا لهم، حُذف الراجع.\n﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾: بأيِّ سببٍ كنتُم على ما كنتُم عليه من مخالطة المشركين وموافقتِهم، ولفظةُ (في) هاهنا كالتي في قوله: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].\n_________\n(^١) في (م): \"وتوفيهم\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٥٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٢).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٥٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٢). ورواه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٢٦٠) عن ابن عباس ﵄، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٩): فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة وغيره وضعفه جماعة.","vol":"3","page":154},{"text":"قيل: أي: في أيٍّ شيء كنتُم من أمرِ دينكم، ولا يَنتظِم الجوابَ (^١).\n﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مكة، أجابوا اعتذارًا مما وُبِّخوا به بضعفهم عن مقاومة المشركين، وعدمِ قدرتهم للمخالفة.\nقيل: وعجزهم عن الهجرة. ولا ينتظمُه الردُّ (^٢).\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة ردًا لهم:\n﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ إلى قطرٍ آخر فتتخلَّصوا عن أيدي المشركين كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة.\nهذا السؤال والذي سبق يدلَّان على أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرةَ، فإنهم لو ماتوا كافرين لكان التوبيخُ على كفرهم.\n﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ لتركهم الواجبَ ومساعدتهم المشركين، وهو جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلها مستنتجةٍ منها.\n﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ مصيرُهم، أو جهنمُ. كان الهجرةُ من فرائض الإسلام بعد هجرة النبي ﷺ، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة بقوله ﵇: \"لا هجرةَ بعد الفتح\" (^٣).\nوكأنه غافلٌ عن هذا مَن قال: وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضعٍ لا يتمكَّن فيه الرجل (^٤) من إقامة دينه.\n_________\n(^١) لعله يشير إلى ما قاله الزمخشري \"الكشاف\" (١/ ٥٥٥) بناء على القيل المذكور: (فإن قلت: كيف صح وقوع قوله: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ جوابًا عن قولهم: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؟ وكان حق الجواب أن يقولوا: كنا في كذا، أو: لم نكن في شيء؟ …)، وانظر تتمة كلامه ثمة.\n(^٢) في (م) و(ك): \"المراد\".\n(^٣) رواه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣)، من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٤) في (م) و(ك): \"الرجل فيه\".","vol":"3","page":155},{"text":"والإشارةُ إلى القوم المذكورين على العموم، ولهذا استثنَى منهم المستضعَفين العاجزين حقيقةً بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-591\"> </span>(٩٨) - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.\n﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قيل: لمَّا نزل الوعيدُ المذكور قال المسلمون: هلك إخواننا الذين بمكة، فنزل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآيةَ (^١).\nوذكرُ الولدان إنْ أريدَ به المماليك فظاهر، وإنْ أريد به الصبيان فللمبالغةِ في أمر الهجرة (^٢)، وإيهامِ أنها بحيث لو استطاعها غيرُ المكلَّفين لوجب عليهم، والإشعارِ بأنه لا محيصَ لهم عنها البتةَ إذا بلغوا حتى كأنها واجبةٌ عليهم قبل البلوغ لو استطاعوا، وبأنَّ العجز ينبغي أن يكون كعجز الولدان.\nوقيل: لتحقيق خروج الرجال والنساء عن الوعيد عند عدم الاستطاعة، فإنهم حينئذ كالولدان في عدم الإثم.\n﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ صفة لـ ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ كقوله:\nولقد أَمرُّ على اللَّئيم يَسبُّني (^٣)\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"رد لمن قال: استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإشارة إليه؛ لأن مبناه أن يكون المراد من المتوفين الكفار أو القادرون على الهجرة من العصاة، ولا دليل على كل منهما. منه\".\n(^٢) في (م): \"المهاجرة\".\n(^٣) صدر بيت لشمر بن عمر الحنفي، تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وعجزه:\nفمضيتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يعنيني","vol":"3","page":156},{"text":"أو حالٌ عنه، أو عن المستكنِّ فيه.\nواستطاعة الحيلة: وجدانُ أصحاب الهجرة وما تتوقَّف عليه.\nواهتداء السبيل: معرفةُ الطريق بنفسه أو بدليل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-592\"> </span>(٩٩) - ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\n﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (عسى) من الله تعالى دليلُ الوقوع؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريم إذا أطمع أَنجز، وفي لفظ العفو إيذانٌ بأن ترك الهجرة أمر خطير، حتى إن المضطر من حقِّه أن لا يأمن (^١)، ويترصَّدَ الفرصة ويعلِّقَ بها قلبه.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا﴾ بالتخفيف عن العاجزين ﴿غَفُورًا﴾ للقادرين الذين أخَّروا الهجرة بعد وجوبها إلى نزول الوعيد، فبقي الفرقةُ الثالثة - وهم القادرون الذين تركوا الهجرة - تحت الوعيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-593\"> </span>(١٠٠) - ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾: مهاجَرًا يهاجرُ إليه على رغمِ مَن يفارقه، أو طريقًا (^٢) يُراغِمُ بسلوكه أنوفَ قومه المفارِق هو (^٣) منهم.\n_________\n(^١) يعني: أن المضطر الذي تحقَّق عدمُ وجوبها عليه ينبغي أن يَعُدَّ تركها ذنبًا، ولا يأمن. انظر: \"روح المعاني\" (٦/ ٢٤٣).\n(^٢) في (م) و(ك): \"أو طريقًا\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"هو\".","vol":"3","page":157},{"text":"والرَّغْم: الذلُّ والهو أن، وأصله: لصوقُ الأنف إلى الرَّغام وهو التراب.\n﴿وَسَعَةً﴾ في الرزق وإظهارِ الدين.\n﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ ذُكر تمهيدًا لذكر الهجرة إلى رسول الله ﷺ؛ تعظيمًا له، وتنبيهًا على قَصْد اختصاصه بالله تعالى.\n﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ وقرئ: (يدركُه) بالرفع على أنه خبرُ محذوفٍ؛ أي: ثم هو يدركُه، وبالنصب على إضمار (أنْ) (^١)، والجمهورُ على أن هذا في الواو والفاء في غير جوابِ (^٢) الأشياء الثمانية ضرورةً فكيف في (ثم)؟.\n﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فقد ثبت وتحقَّق بموجب وعدِه، قال ابن عباس ﵄: لمَّا نزل آية الوعيد بعث رسول الله ﷺ بها إلى مسلِمي مكة، فقال جندب بن ضمرة لبنيه: احملوني احملوني (^٣) فإني لستُ من المستضعفين، وإني لأهتدي (^٤) الطريق، وكان شيخًا كبيرًا، فحمله بنوه على سرير متوجِّهًا إلى المدينة، فمات بالتنعيم، فبلغ الأصحاب ﵃ موته فقالوا: لو لحق بنا لأتمَّ الله أجره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ وأَعلم أنه لا يخيب مَن الْتَمَس رضاه (^٥).\n_________\n(^١) انظر القراءتين في \"المحتسب\" (١/ ١٩٥)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٥٧).\n(^٢) \"جواب\" من (م).\n(^٣) \"احملوني\" الثانية ليست في \"ك\"، ولم ترد في \"الكشاف\" (١/ ٥٥٧)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٤) في النسخ: \"لا أهتدي\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٥٥٧) وغيره.\n(^٥) رواه أبو يعلى في \"مسنده\" (٢٦٧٩)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٣٩٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٥٠ و١٠٥١)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٧٠٩). وعندهم: (ضمرة بن جندب). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٠): رجاله ثقات.","vol":"3","page":158},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يغفر له ما كان من القعود إلى أن خرج.\n﴿رَحِيمًا﴾ يرحمه بإكمال أجرِ المهاجرين له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-594\"> </span>(١٠١) - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.\n﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: سافرتُم.\n﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ بتنصيفِ ركعاتها (^١).\nوالقصرُ رخصةٌ عند الشافعي ﵀؛ لأن نفي الحرج في الرخصة لا في العزيمة.\nقلنا: في الآية بيانُ حكم الخوف، فتوقَّف حكمُ حالة الأمن على قيام الدليل، وقد ورد ذلك في الحديث بلفظِ الصدقة (^٢)، ولو بقي فرضُ الأربعة فأين الصدقة؟\nفمَن وَهَم (^٣) أنَّ الآية تخالِفُ قولَ عمر ﵁: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصرٍ على لسان نبيِّكم (^٤)، وقولَ عائشة ﵂: أوَّلُ ما فُرضت الصلاة ركعتين، فأُقرَّت في السفر وزِيدت في الحضر (^٥) = فقد وَهِمَ.\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"ولا عبرة فيه بمدة السفر فتدبر. منه\".\n(^٢) رواه مسلم (٦٨٦) عن يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أَمِنَ النَّاسُ، فقال: عَجِبْتُ ممَّا عَجِبْتَ منه، فسَأَلْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال \"صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبَلُوا صدقتَه\".\n(^٣) في هامش (م): \"القاضي البيضاوي\".\n(^٤) رواه النَّسَائِيّ (١٤٢٠)، وابن ماجه (١٠٦٤).\n(^٥) رواه البخاري (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥).","vol":"3","page":159},{"text":"وقُرئ: (تُقْصِروا) من أَقْصَرَ بمعنى قَصَر (^١).\nو﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ صفةُ محذوفٍ - أي: شيئًا من الصلاة - عند سيبويه، ومفعولُ ﴿تَقْصُرُوا﴾ بزيادة ﴿مِنَ﴾ عند الأخفش.\n﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إنْ خفتُم أنْ يقصدكم الكفار بما يُكره من قتلٍ أو جَرحٍ أو أخذٍ، والخوفُ شرطٌ لجواز القصر عند الخوارج أخذًا بمفهوم هذه الآية، وعند الجمهور ليس بشرطٍ: أمَّا عند مَن لم يقل بحجِّية المفهوم فظاهر، وأمَّا عند مَن قال بها فلأنها مشروطةٌ بعدم معارضته (^٢) منطوقِ نصٍّ.\nوقرئ: (من الصلاة أنْ يَفتِنكم) (^٣) بغير ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ بمعنى: كراهةَ أنْ يفتنكم.\n﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾؛ أي: أعداءً، والعدوُّ يستوي فيه المفردُ والجمع، وإنما قال:\n(﴿مُبِينًا﴾) على اللفظ فإنه للمفرد (^٤) في الوضع وفيه إشعار بأن وصف الكفر الجامع لهم الباعث للعداوة جهة وحدتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-595\"> </span>(١٠٢) - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ١٠٤)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٥٨).\n(^٢) في (م): \"معارضة منطوق\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٠٨)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٥٩).\n(^٤) في (م): \"للفرد\".","vol":"3","page":160},{"text":"فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ وهي صلاة الخوف، وتعلَّق بالشرط المذكور (^١) مَن خصَّها بحضرة الرسول قائلًا: إنها على خلافِ القياس، فلا يتعدى مورد النص، والجمهور على أنها غير مختصَّةٍ به ﵇، فإن الأئمة بعده نوَّابُه، فحضورُهم حضورُه، فينتظِمُهم النصُّ بطريقِ الدلالة لا بطريقِ القياس.\n﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يصلُّون، وتقوم الطائفةُ الأخرى تُجاه العدوِّ، وأمَّا جَعْلُهم طائفتين فمفهوم اقتضاء (^٢).\n﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾؛ أي: المصلُّون ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾، ولا يجوز أن يكون الضمير للطائفة الأخرى؛ لأنَّه حينئذ يتفرَّق الضمائر فيتنافر عليك النَّظم الذي هو أمُّ (^٣) إعجاز القرآن، والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي على طريقة التقدير دون التصوير، ومراعاتُه (^٤) أهمُّ ما يجب على المفسِّر (^٥).\n_________\n(^١) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: تعلق بمفهومه، لم يصب؛ لأن المعلق أبو يوسف والحسن ابن زياد، وهما لا يقولان بحجية المفهوم. منه\". والقائل المذكور هو البيضاوي. انظر: \"تفسيره\" (٢/ ٩٤).\n(^٢) في هامش (ح) و(ف): \"من قال: فاجعلهم طائفتين فلتقم .. إلخ أنه يلزمه حينئذ أن لا تكون الفاء في ﴿فَلْتَقُمْ﴾ جزائية. منه\".\n(^٣) \"أم\" من (م).\n(^٤) \"ومراعاته\": وقعت في (م) و(ك) قبل قوله: \"والقانون\"، ولعله سبق نظر من الناسخ.\n(^٥) في هامش (ح) و(ف): \"وصاحب الكشاف مع تصريحه في تفسير سورة طه جوز هاهنا تفريق الضمائر. منه\".","vol":"3","page":161},{"text":"﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ عبَّر بالسجود عن الركعة.\n﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: إذا صلَّت هذه الطائفة التي معك ركعةً تامةً فليَرْجعوا ليقفوا بإزاء العدو، وفي ﴿وَرَائِكُمْ﴾ تغليبُ المخاطَب على الغائب.\n﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ هذا الإظهار دليل ظاهر على أن الضمائر فيما سبق للطائفة الأولى.\n﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾؛ لانشغالهم بالحراسة.\n﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الركعةَ الثانية.\n﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾: ما يتحذَّرون من العدو؛ من التُّرس والدِّرع والمِغْفر.\n﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: ما يقاتلون به من السيف والرمح والقوس، كذا فسَّر الإمام أبو منصور (^١)، والذي يناسب بلاغة القرآن هو أنه جمع بين الحذر والأسلحة في وجوب الأخذ إيذانًا للغازي بأنه يجب عليه (^٢) أن يجعل التحرُّز آلةً للحرب كالأسلحة، فجُعلا مأخوذَين (^٣)، جُمع بينهما في الأمر هاهنا مبالغةً في الاحتياط؛ لأنَّه مَظِنَّة هجوم العدو، فإن تنبُّهه بكونهم في الصلاة يكون بعد سجودهم.\nذكر صلاةَ طائفة ركعةً مع النبيِّ ﷺ وصلاةَ طائفةٍ أخرى ركعةً معه ﷺ، ولم يبيِّن كيفيَّة إتمام الطائفتين، واختَلفت الأخبار في ذلك، واختَلف باختلافها العلماء؛\n_________\n(^١) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" (٣/ ٣٤٥).\n(^٢) وقع هنا هامش (ح): \"لم يفسر ابن كمال هذا أواخر سورة النساء ولا جميع سورة المائدة، بل هذا القدر هو الذي وجد في نسخ المصنف ﵀\".\n(^٣) في هامش (ق): \"ويلائمه قوله فيما سيأتي وخذوا حذركم. منه\".","vol":"3","page":162},{"text":"فعند أبي حنيفة ﵁ (^١): يُتمُّ صلاتَه إن كانت ركعتين، ثم تقف هذه بإزاء العدوِّ وتأتي الأخرى فتؤدي الركعةَ بغير قراءةٍ لأنهم لاحقون، ويُتمُّون الصلاة ثم يَحرسون، وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءةٍ لأنهم مسبوقون ويُتمون الصلاة. كذلك رواه ابن مسعود وابن عمر ﵃ (^٢).\nوالسجودُ مجازٌ عن الركعة على ما نبَّهْتُ عليه فيما سبق، لا على ظاهره (^٣).\n﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾؛ أي: أحبَّ الكفَّار غفلتكم ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾ متمنِّيًا ذلك.\n﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ فيشدُّون عليكم شدَّةً واحدةً، وهو بيانُ ما لأَجْله أُمروا بأخذ الحذر والسلاح.\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى﴾: تعبٌ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"﵀\"، وليست في (ك).\n(^٢) كذا قال، وفيه نظر، فليس في حديث ابن عمر وابن مسعود هذه الهيئة من التنصيص على أن الاْولى قضت بلا قراءة والأخرى بقراءة، وإنما هو شيء عزاه الميرغيناني لخبر ابن مسعود، والصواب أنه من كلام أبي حنيفة كما في \"أحكام القرآن\" للجصاص (٢/ ٢٥٧)، و\"المحلى\" لابن حزم (٥/ ٣٩)، وقال ابن حزم: وهي زيادة لم تعرف عن أحد من الأمة قبله. وانظر: \"الهداية\" مع \"فتح القدير\" (٢/ ٩٧)، و\"نصب الراية\" (٢/ ٢٤٣). وحديث ابن عمر رواه البخاري (٩٤٢)، ومسلم (٨٣٩). وأبو داود (١٢٤٣). وحديث ابن مسعود رواه أبو داود (١٢٤٤) من طريق خصيف عن أبي عبيدة عنه، وقال ابن الهمام: (وأُعِلَّ بأبي عبيدةَ لم يَسْمعْ من أبيه، وخصيفٌ ليس بالقويِّ). وقال ابن رجب في \"فتح الباري\" (٨/ ٣٥٠): (وخصيف مختلف في أمره، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه أخذها عن أهل بيته، فهي صحيحة عندهم).\n(^٣) في هامش (ف): \"وذلك ظاهر وإن خفي على صاحب الكشاف. منه\".","vol":"3","page":163},{"text":"﴿مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ لم يقل: أو مرضٍ، لعدم دلالته على العموم وهو المراد.\n﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ لمَّا كانت حالةُ المرضِ مما يَشُقُّ حمل السلاح فيها، وحالةُ المطر مما يثقِلُ العدوَّ ويمنعُه من خفَّة الحركة للقتال، رخَّص لهم فيهما وضعَ السلاح.\nوفي قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾ دلالة على أن الأمر بالأخذ للإيجاب دون الاستحباب.\n﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أمرَهم مع ذلك بأخذ الحذر كيلا يهجم عليهم العدوُّ.\nولمَّا كان الأمر بالحذر موهِمًا لتوقُّع غلبةِ العدوِّ وقوَّتِه، وأنَّ الله وكَلَهم إلى أنفُسهم ولم يكلَأْهم، أزال ذلك الوهمَ بقوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ تقويةً لقلوبهم، وتشجيعًا وتبشيرًا بأنَّ الله تعالى مُهينٌ عدوَّهم ويخذلُه وينصرهم عليه، وإعلامًا بأن الأمر بالحذر إنما هو تعبُّدٌ لا تخليةٌ بينهم وبين عدوهم مراعاةً لحكمة الله وسنَّته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-596\"> </span>(١٠٣) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.\n﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أدَّيتُم وفرغتُم منها.\n﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ فدُوموا على الذكر في جميع الأحوال، وهو الذكر باللسان والدعاءُ بالنصر، فإنه حال ملاقاة العدوِّ، وهو كما قال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].","vol":"3","page":164},{"text":"وقيل: وإذا أردتُم أداء الصلاة فصلُّوا قيامًا إن قدرتُم عليه، وقعودًا إن عجزتُم عن القيام، ومضطجِعينَ إن عجزتُم عن القعود بسبب الجرح؛ أي: أدُّوها على حسب الوسع، وهذا عند اشتداد الحرب بقرينة قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أي: سكنتْ قلوبكم من الخوف.\nوعلى كلَا التفسيرين لا دلالةَ فيه على صحة الصلاة في حال المسايَفة.\n﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعدِّلوا وأدُّوها تامةً بطائفةٍ واحدة.\n﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ مفروضًا محدودًا بأوقاتٍ معيَّنةٍ (^١)، فلا يؤخَّر عنها بسبب الخوف، فهو كالتعليل لِمَا سبق، وأمَّا أنه لا يؤخَّر عنها بسببٍ من الأسباب فلا دلالةَ عليه في الكلام، فلا يكون دليلًا على وجوب أدائها في حال المسايفة والاضطراب في المعركة، وأما عدمُ دلالته على أن المراد بالذكر الصلاةُ فظاهرٌ.\nوإنما قال: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الكلام في أدائها، والإيمانُ شرط صحته وإنْ لم يكن شرطَ وجوبها عند القائلين بأنَّ الكفار مخاطبون بالعبادات المفروضة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-597\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿وَلَا تَهِنُوا﴾: ولا تَضعفوا.\n﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: في طلب الكفار بالقتال.\n﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ به؛ أي: لا تتوانَوا بسبب الألم والجراح، ثم علَّل النهي:\n_________\n(^١) \"معينة\": ليست في (م).","vol":"3","page":165},{"text":"﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ﴾ به ﴿كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ فإن الألم ليس مختصًّا بكم، بل هو مشترك بينهم وبينكم، ثم إنهم يصبرون مع ذلك، وأنتم أولى بالصبر منهم لأنكم ترجون من الله الثوابَ العظيم في الآخرة بإظهار دين الله وإعزازه وهم لا يرجون، فما لكم (^١) لا تصبرون؟! وفيه طرف من التوبيخ والتقريع على التَّواني فيه.\nوقرئ: ﴿أَنْ تَكُونُوا﴾ بالفتح (^٢)، بمعنى: لِأَنْ تكونوا.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بمصالح العباد حين دعاهم إلى الجهاد.\n﴿حَكِيمًا﴾ في تدبير أمورهم في المبدأ والمعاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-598\"> </span>(١٠٥) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: ملْتبِسًا به.\n﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ رُوي: أنَّ طُعمة بن أُبَيرِقٍ سرق درعًا في جِرابٍ فيه دقيقٌ لقتادةَ بن النعمان وخبَّأها عند يهوديٍّ، فحلف طعمةُ ما لي بها علم، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهوديِّ فقال اليهودي: دفعها إليَّ طعمةُ، واختصموا إلى رسول الله ﷺ، فجاء اليهود وشهدوا على براءة اليهودي، وجاء بنو ظفر - وهم قوم طعمةَ - وشهدوا بالسرقة على اليهودي، فهمَّ النبيُّ ﷺ أن يعاقب اليهودي فنزلت (^٣).\n_________\n(^١) في (ح) و(م): \"وهم لا يرجونه فما بالكم\".\n(^٢) انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٩٧)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٦١).\n(^٣) أورده أبو الليث في \"تفسيره\" (١/ ٣٣٦) عن الكلبي. وروى هذه الخبر بنحوه مطولًا الترمذي =","vol":"3","page":166},{"text":"﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: بما عرَّفك الله وأَوْحَى به إليك، وليس من الرؤية بمعنى العلم، وإلا استَدْعَى ثلاثةَ مفاعيل.\n﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ﴾: لأجْلهم والذَّبِّ عنهم، وهم طعمةُ وقومه الذين شهدوا زورًا على اليهودي.\n﴿خَصِيمًا﴾ للبُرآء، وهو اليهوديُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-599\"> </span>(١٠٦) - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما همَمْتَ به.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لمن يستغفرُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-600\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.\n﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يخونونها؛ فإنَّ وبال خيانتِها يعودُ عليها، أو جَعل معصية العاصِين خيانةً منهم لأنفسهم كما جُعلت ظلمًا عليها.\n_________\n= (٣٠٣٦) من رواية محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان. وقال الترمذي: غريب، ولا نعلم أسنده عن ابن إسحاق إلا محمد بن سلمة. ورواه يونس وغير واحد عن ابن إسحاق عن عاصم مرسلًا. وانظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ٤٩).\nوجاء في هامش (ف): \"وأما ما قيل: إن بني ظفر سألوه ﵇ أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي، فهم رسول الله ﷺ أن يفعل، فمما يجب تنزيه شأنه عن أمثاله. منه\".\nقلت: وهذا اللفظ المستنكر أورده الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٨١) عن جماعة من المفسرين، والزمخشري في \"الكشاف\" (١/ ٥٦١) دون عزو.","vol":"3","page":167},{"text":"وضمير الجمع - وإن كان الخائنُ طعمةَ وحده - يشملُ كلَّ خائن؛ لعمومِ الحكم، ولأن (^١) قومه شهدوا له بالبراءة ونصروه، فكانوا شركاء في الإثم.\n﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يُكنى بعدم المحبة عن البغض في جميع الألسنة.\n﴿مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾: مُبالِغًا في الخيانة بالإصرار عليها.\n﴿أَثِيمًا﴾: منهمِكًا فيه (^٢).\nوإنما أورد صيغةَ المبالغة فيهما تعريضًا بحالِ طعمة وإفراطهِ في الخيانة، حيث سرق ورمى بالسرقة يهوديًّا وحلف كاذبًا، وقد كان سارقًا في الجاهلية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-601\"> </span>(١٠٨) - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.\n﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: يستترون منهم خوفًا وحياء.\n﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاستخفاء منه تعالى؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.\nويجوز أن يكون الاستخفاء كنايةً عن الاستحياء لأنَّه من أسبابه؛ أي: لا يستحْيون منه تعالى وهو أحقُّ بأن يُستحْيَى منه.\n﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ لا يخفى عليه سرُّهم، فلا طريق معه إلا تركُ ما يستقبحُه ويؤاخِذ عليه.\n_________\n(^١) في (م): \"أو لأن\".\n(^٢) أي: في الإثم. انظر: \"روح المعاني\" (٦/ ٢٧٣).","vol":"3","page":168},{"text":"﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾: يدبِّرون ويزوِّرون سرًّا، وأصله أن يكون بالليل.\n﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾: مِن رَمْي البريء، والحَلِفِ الكاذب، وشهادةِ الزور.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: عالمًا بكلِّ وجوهه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-602\"> </span>(١٠٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.\n﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ وخبرٌ، وفيه مبالغةٌ عظيمة في التوبيخ؛ أي: مُشارٌ إليكم في الجدال بالباطل، لا يمكن ذمُّكم بأَزيدَ مما أنتم عليه، فأنتم أنتم لا تشهيرَ لكم بوصفٍ أظهرَ في القبح مما انفردْتُم به وتعيَّنْتُم من بين سائر الناس.\nثم أكَّده بالتنبيهين، والإجمالِ في اسم الإشارة والتفصيلِ في بيانه، والإيذانِ بأنَّ الجدال بالباطل لا يجدي في الآخرة، إنما هو في الدنيا لكونها موضعَ التلبيس والاشتِباه، ولا يغني عنهم شيئًا عند الافتضاح على رؤوس الأشهاد وانتقامِ العزيز القهَّار، وإنْ دَفَع الفضيحةَ في الدنيا والعقوبةَ فيها، فقوله:\n﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ جملةٌ مبيِّنةٌ (^١) لوقوع (أولاء) خبرًا، أو صلةً عند من يجعله موصولًا.\n﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: محاميًا يحميهم من عذاب الله.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"مبنية\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٦٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٥).","vol":"3","page":169},{"text":"<span id=\"aya-603\"> </span>(١١٠) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ قبيحًا يَسوءُ به غيره.\n﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بما يَختصُّ به ولا يتعدَّاه [إلى] (^١) غيره.\n﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بالتوبة، وفي كلمة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أن الاستمرار لا يكون مانعًا إذا لم يؤدِّ إلى الإصرار.\n﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لذنوبه ﴿رَحِيمًا﴾ بقبول توبته، وإمهالهِ إلى أن يتوب، وفيه حثٌّ للمذنبين على الاستغفار، ويدخل فيه طعمةُ وقومُه دخولًا أوليًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-604\"> </span>(١١١) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ فلا يتعدَّاه وبالُه؛ كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ به ﴿حَكِيمًا﴾ في مُجازاته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-605\"> </span>(١١٢) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾: صغيرةً، أو ما لا عَمْدَ فيه.\n﴿أَوْ إِثْمًا﴾: كبيرةً، أو ما كان عن عمدٍ.\n﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ كما فعل طُعمة، ووخَد الضمير لمكانِ ﴿أَوْ﴾.\n﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾؛ أي: بسبب إنكاره ورميهِ به بريئًا.\n_________\n(^١) من \"الكشاف\" (١/ ٥٦٣).","vol":"3","page":170},{"text":"﴿بُهْتَانًا﴾ برميه البريءَ، قدَّمه لأنَّه أفظعُ (^١)، و﴿احْتَمَلَ﴾ أبلغُ من (حَمَلَ) لأن افْتَعَلَ فيه التَّسبُّبُ.\n﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ بتبرئةِ النفس الخاطئة، وليس فيه التسويةُ بين الكاسِبَينِ، بل تشريكُهما فيما تحمَّلا بسبب ما فعلاه بعد الكسب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-606\"> </span>(١١٣) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾؛ أي: عصمتُه عن الخطأ.\n﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بما أوحَى إليك من الإطْلاع على سرِّهم.\n﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾: من بني ظفرٍ، أو: من الناس والطائفةُ بنو ظفر.\n﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ عن القضاء بالحق مع علمهم بأنَّ الجانيَ صاحبُهم، والجملة جوابُ (لولا)، وليس القصد فيه إلى نفي همِّهم، بل إلى المبالغة في نفي تأثيره بتنزيله منزلةَ العدم.\n﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنهم ما أزالوك عن الحق، وعاد وبالُ عملهم عليهم.\n﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن الله تعالى عاصمُك يَحول بينك وبين الخطأ في الحكم، وما خطر ببالك كان اعتمادًا منك على ظاهر الأمر لا ميلًا في الحكم.\nو﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في موضعِ النصب على المصدر؛ أي: شيئًا من الضَّرر.\n_________\n(^١) في (ك): \"أفضح\".","vol":"3","page":171},{"text":"﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: القرآن.\n﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: السُّنّةَ المنقسمةَ إلى (^١) القولية والفعلية كالحكمة، وفيه تنبيهٌ على أن السنَّة التي هي إحدى أركان الشريعة من قَبيل الوحي الغيرِ المتلوِّ (^٢).\n﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ من خفيَّاتِ الأمور، أو من أمور الدِّين والأحكام.\n﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذ لا فضل أعظمُ من الرسالة العامة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-607\"> </span>(١١٤) - ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾: من تَناجيهم.\n﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ﴾: إلا نجوَى مَن أَمر، على حذف المضاف، وهو في محلِّ الجرِّ على البدل من ﴿كَثِيرٍ﴾ (^٣)، أو في محلِّ النصب على الاستثناء المنقطِع؛ أي: لكنْ مَن أمر بصدقةٍ ففي نجواهُ الخير.\n﴿بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو عامّ في كلِّ جميلٍ شرعًا وعقلًا وعُرفًا.\n﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾: أو إصلاحِ ذاتِ البَين.\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: أي: يأمر بالخير لأنَّ الفعل كثيرًا ما يُطلق على القول والأمر.\n﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ويجوز أن يُرتَّب الوعد على الفعل\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"السنة المستقيمة أي\".\n(^٢) في (م) زيادة: \" ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ن خفيات الأمور أو من أمور الدين والأحكام \".\n(^٣) \"من كثير\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"3","page":172},{"text":"تحريضًا للأمر بالخير على فعله، وتنبيهًا على أنَّ الأمر بفعله دون فعله لا يُستحسَنُ، بل الأمرُ به دليل على أن فعله أهمُّ، وإنما يوجِب الثوابَ لإفضائه إليه، فثوابُه تَبعٌ لثواب فعله، وإنما شرط أن يكون لطلب مرضاة (^١) الله تعالى لأن الأعمال بالنيات، فإذا لم يقارنه النيةُ أو عَرَض لصاحبه الرِّياء والسُّمعة فليس بخيرٍ، بل هو إلى الشرِّ واستيجابِ العقاب أقربُ.\nووُصِف الأجرُ بالعظم تنبيهًا على حقارةِ ما فات من أعراض الدنيا في جَنْبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-608\"> </span>(١١٥) - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\n﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾: يخالفْه، من الشَّقِّ فإن كلًّا من المخالِفَين يكونُ في شِقّ غيرِ شقِّ الآخر.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾: ظهر له الحقُّ بالوقوف على المعجزات.\n﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وذلك هو السبيلُ الذي اتَّفقوا على صحَّته من الدِّين الحنيفي القيِّم، فيندرِج فيه الإجماعُ والاجتهاد، فإنه أيضًا مما اتَّفقوا على صحَّته، وعلى كون الثابتِ به من الدِّين، وهذا كالبيان لمخالفةِ الرسول ﷺ، فإنَّ مَن اتَّبع الإجماعَ أو اجتهادَ مجتهدٍ فهو موافقٌ له ﵇ في الحقيقة وإن كان مخالفًا لظاهر الكتاب والسنَّة.\n﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾: نجعلْه واليًا لِمَا تولَّاه من الضَّلال بأنْ نُخلِّيَ بينه وبين ما اختاره.\n_________\n(^١) في (م): \"مراضاة\".","vol":"3","page":173},{"text":"﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾: وندخِلْه فيها؛ أي: نَخذلْه في الدنيا ونعذّبْه بالنار في الآخرة، وقرئ: (نَصْلِه) بفتح النون مِن صَلَاه (^١).\n﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ جهنمُ.\nقيل: تدلُّ الآيةُ على حُرمةِ مخالفةِ الإجماع؛ لأنَّه تعالى رتَّب الوعيد الشديدَ على المشاقَّة واتِّباعِ غيرِ سبيل المؤمنين، وذلك إمَّا لحرمةِ كلٍّ منهما، أو أحدِهما، أو الجمعِ بينهما، والثاني باطل إذ يَقبُحُ أن يقال: مَن شرب الخمر وأكل الخبز (^٢) استوجَب الحدَّ، وكذا الثالث لأن المشاقَّة محرمة ضُمَّ إليها غيرُها أو لم يُضَمَّ، وإذا كان اتِّباع غيرِ سبيلهم محرَّمًا كان اتِّباع سبيلهم واجبًا (^٣).\nومبناه على أن لا يكون قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لتقرير المخالفة المذكورة وبيانِها، وذلك غير مسلَّم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-609\"> </span>(١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ كرَّره (^٤) لقصة طُعمةَ، واتصالُه بها أنه (^٥) أشرك بعد الإيمان وليس للمشرك غفرانٌ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٦٥).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وأكل الخنزير\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٧).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٧).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"كرر\". وفي المصدر السابق: (كرره للتأكيد أو لقصة طعمة …).\n(^٥) في (م): \"إذ\". وفي (ف): \"إذا\".","vol":"3","page":174},{"text":"قال مقاتل: فخرج طعمةُ من مكة ولحق بحَرَّةِ بني سُلَيمٍ، فعَبد صنمهم حتى مات على الشِّرك، فنزل فيه الآيةُ، فبَيَّن أن طعمة لو لم يشرك لكان في سَعة رحمة الله تعالى أن (^١) يغفر له.\n﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، أي: لا يتناهَى تَماديهِ في الضلال؛ إذ لا جهل أفحشُ من الجهل بالله، وإنما ذكر في الآية الأولى ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا﴾ (^٢) [النساء: ٤٨] لأنها متصلةٌ بقصة أهل الكتاب، ومنشأُ شركهم كان افتراءَهم، وهو دعوى النبيِّ ﷺ على الله، وهذه في شأن مَن ليس من أهل الكتاب ولا علمَ عنده، فناسَبَ وصفه بالضلال، وأيضًا فقد تقدَّم ذكرُ الهدى (^٣) وهو ضدُّ الضلال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-610\"> </span>(١١٧) - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.\n﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ يعني: اللات والعزَّى ومناةَ ونحوَها، كان لكلِّ حيٍّ صنم يعبدونه ويُلبسونه أنواع الحليِّ، ويسمُّونه أنثى بني فلان.\nوقيل: كانو ا يقولون في أصنامهم: هنَّ بنات الله، وقيل: المراد الملائكةُ؛ لقولهم: الملائكة بنات الله تعالى.\nوهو جمع أُنثى كرِبَابٍ ورُبَّى (^٤)، وقُرئ: (أنثى) على التوحيد، و: (أُنُثًا) على أنه جمع أنيث كخُبُثٍ وخبيثٍ، و: (وُثنًا) بالتخفيف والتثقيل، وهو جمع\n_________\n(^١) في (ك): \"وأن\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"ومن افترى على الله \"، والمثبت من (ح).\n(^٣) قوله: \"وهذه في شأن من ليس من أهل الكتاب … \" إلى هنا ساقط من (ف) و(ك).\n(^٤) الربى: الشاة التي وضعت حديثًا. انظر: \"اللسان\" (مادة: ربب).","vol":"3","page":175},{"text":"وثن كأَسَدٍ وأُسْدٍ وأُسُدٍ، و: (أُثنًا) بهما على قلبِ الواو لضمَّتها همزةً (^١).\n﴿وَإِنْ يَدْعُونَ﴾: وإن يعبدون بعبادتها.\n﴿إِلَّا شَيْطَانًا﴾؛ لأنَّه هو الذي بعثهم على ذلك ودعاهم إليه فأطاعوه، فجُعلت طاعتُهم له عبادةً (^٢).\n﴿مَرِيدًا﴾؛ عاتيًا خارجًا عن طاعة الله تعالى، ظاهرًا شرُّه كالغلامِ الأمردِ والشجرة المرداء التي سقطت أوراقها وظهرت عيدانُها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-611\"> </span>(١١٨) - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.\n﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صفةٌ ثانية للشيطان.\n﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ صفةٌ أخرى له، الواو للجمع؛ أي: جامعًا بين لعنةِ الله وهذا القولِ الشنيع في ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ وما بعده من الأفعال الدالَّة على فَرْط عداوته للناس.\nوالمفروض: المقدَّر؛ أي: نصيبًا فُرض لي وقدِّر، من قولهم: فرض لي في العطاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-612\"> </span>(١١٩) - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾.\n_________\n(^١) انظر هذه القراءات في \"المحرر الوجيز\" (٢/ ١١٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٦٦)، و\"البحر\" (٧/ ٣٦٠ - ٣٦٢).\n(^٢) وهي على ظاهرها في هذا الزمن بعد أن ظهر من يجاهر بعبادة الشيطان والعياذ بالله تعالى.","vol":"3","page":176},{"text":"﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق.\n﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانيَّ الباطلة من طول الأعمار (^١) وبلوغِ الآمال (^٢).\n﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ البَتْك: القطع، والتفعيلُ للتكثير والتكرير؛ أي: يقطِّعونها لتحريم ما أحلَّه، وهي عبارةٌ عما كانت العرب تعمل بالبحائر والسوائب، وإشارةٌ إلى تحريم كلِّ ما أحلَّ ونقصِ كلِّ ما خلق كاملًا بالفعل أو بالقوة.\n﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ عن وجهه صورةً أو صفةً، ويندرج فيه ما قيل من فقءِ عين الحامي، وخِصاء العبيد، والوشم والوشر (^٣).\nوعمومُ اللفظ يمنعُ التغيير مطلقًا، لكن خُصَّ منه البعض كالختان (^٤) بالنصِّ، ثم الفقهاءُ خَصُّوا منه خِصاءَ البهائم للحاجة بالقياس.\nوأمَّا ما هو من أنواع الكفر كعبادة الشمس والقمر، وكبائرِ المعاصي كاللواطة، فقد اندرجت تحت قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾.\nوالجمل الأربع حكايةٌ عما ذكره الشيطان نطقًا أو أتاه (^٥) فعلًا.\n﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمجاوَزته عن طاعة الله تعالى إلى طاعته، وإيثاره ما يدعوه إليه على ما أمره تعالى به.\n_________\n(^١) في (ف): \"الأعمال\".\n(^٢) في هامش (ف): \"وأما إنكار البعث والعقاب فليس من قبيل الأماني. منه\".\n(^٣) الوشر: أن تحد المرأة أسنانها وترققهًا تشبها بالشواب. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٧٩).\n(^٤) في (ف): \"كالخنثى\"، وهو تحريف.\n(^٥) في (م): \"وأتاه \"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٨).","vol":"3","page":177},{"text":"﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ إذ ضيَّع رأس ماله، وبدَّل مكانه من الجنة بمكانٍ من النار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-613\"> </span>(١٢٠) - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.\n﴿يَعِدُهُمْ﴾ ما لا يُنجزه.\n﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ ما لا ينالون.\n﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ بإظهارِ النفع فيما فيه الضررُ، وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة أو بلسان أوليائه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-614\"> </span>(١٢١) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ اسم مصدر مِن حاص يَحيص (^١): إذا خلص ونجا، و﴿عَنْهَا﴾ حال منه وليس صلةً له؛ لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، ويجوز أن يكون اسمَ مكان؛ أي: مَعْدلًا ومهربًا، بالغَ في التنفير عن الشرك بوجوه: أولها: تحقير معبوداتهم ونقصُها بالأنوثة.\n_________\n(^١) قوله: \"اسم مصدر .. \" كذا قال، ومثله في \"الدر المصون\" (٤/ ٩٤)، و\"اللباب\" لابن عادل (٧/ ٢٨)، ولعل الصواب: (اسم مكان أو مصدر ..)، والمراد بالمصدر المصدر الميمي، فإن (محيص) على وزن مَفْعِل، وهذا الوزن يكون من الفعل اسم زمان أو مكان أو مصدرًا ميميًا، وهنا لا يحتمل الزمان، وإنما ذكروا فيه احتمال المكانية والمصدرية. انظر: \"الإملاء\" للعكبري (ص: ٣٩١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٨)، و\"البحر\" (٧/ ٣٥١)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٨٠)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٢٩٥).","vol":"3","page":178},{"text":"وثانيها: أن دعاءهم وعبادتهم إياها إنما هو دعوةُ الشيطان وعبادتُه.\nوثالثها: وصفُ الشيطان بالمَرادة واللعنِ والتَّمْنيةِ، والدَّعوة إلى القبائح وفنونِ الإغواء، والإخبارِ عن نفسه بذلك على التأكيد القسمي.\nورابعها: الإخبار بأن ولايته تُوجب الخسران الظاهر.\nوخامسها: تكرار اسم الشيطان في ثلاث مواضع، وتركُ إضماره إلى إظهار اسمه الدالِّ على البعد والطرد.\nوسادسها: تكرار تمنيته الكاذبة، والإخبارُ بأن وعده ليس إلا تغريرًا محضًا، وقبولَهم إياه غرورًا باطلًا.\nوسابعها: أن المشركين المطيعين له في الشرك وارتكاب تلك المعاصي مأواهم جهنم ولا يجدون عنها مخلصًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-615\"> </span>(١٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.\nثم قابل ذلك التنفير بالترغيب في الإيمان والتوحيد بقوله:\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ قد تقدم تفسيره.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان: الأول لنفسه؛ أي وَعَده وَعْدًا؛ لأن مضمون الجملة الاسمية التي قبله وعدٌ، والثاني لغيره؛ أي: وحَقَّ ذلك حقًّا. ويجوز أن ينتصب الموصولُ بفعلٍ يفسِّره ما بعده، و﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ بقوله: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾","vol":"3","page":179},{"text":"لأنَّه بمعنى: نَعِدُهم إدخالهم، و﴿حَقًّا﴾ على أنه حالٌ (^١) من المصدر.\n﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ توكيدٌ ثالث على سبيل الاعتراض.\nوالمقصود من الآية: معارضةُ المواعيد الشيطانية الكاذبة لقُرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه، والمبالغةُ في توكيده ترغيبًا للعباد في تحصيله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-616\"> </span>(١٢٣) - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\n﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾: وعدُ الله، أي: ليس ما وَعَد الله من الثواب يُنال بأمانيَكم أيها المسلمون ولا بأمانيِّ أهل الكتاب، وإنما يُنال بالإيمان والعمل الصالح.\nوقيل: الخطاب مع المشركين، ويعضده تقدُّمُ ذكرهم.\nثم قرر ذلك فقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجلًا أو آجلًا، ويدلُّ على التعميم للعاجل قولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] سَمى القطعَ جزاء، وقولُه ﵇ في جواب أبي بكر ﵁ إذ (^٢) قال: كيف الصلاحُ بعد هذه الآية؛ -: \"غفر الله لك يا أبا بكر، ألستَ تمرضُ تصيبك الآلامُ، فهو ما تُجزون [به] \" (^٣).\n_________\n(^١) بعدها في (ح) زيادة كلمة: \"حق \"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٩).\n(^٢) في (ت): \"أنه\"، وسقطت الجملة من (ح).\n(^٣) رواه الإمام أحمد في \" المسند\" (٦٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢٩١٠) و(٢٩٢٦)، والحاكم في=","vol":"3","page":180},{"text":"﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ولا يجد لنفسه إذا جاوَزَ موالاة الله ونصرته مَن يُواليه وينصره في دفع العذاب عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-617\"> </span>(١٢٤) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ للتبعيض؛ لأنَّ المكلَّف لا يُطيق عملَ كلِّ الصالحات، والطاعةُ بحسَب الطاقة.\n﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ في موضع الحال من المستكنِّ في ﴿يَعْمَلْ﴾، و﴿مِنَ﴾ للبيان.\n﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ قيِّد به؛ إذ لا اعتدادَ بأعمال الكفرة لا نفعًا ولا دفعًا، والعملُ الصالحُ لا يكون إلا للمؤمن، فزيادتُه لبيانِ أن المراد: مَن عَمِلَ صالحًا وهو ثابتٌ على الإيمان، ولا بد من هذا القيد في تحقيق ما أخبر به بقوله:\n﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ ولا عبرةَ لإيمانٍ اقترَن بالعمل الصالح ثم زال.\n﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ لا بالنقص عن الثواب الموعود، ولا بالزيادة على العقاب المعهود، فهو متعلِّق بالوعيد أيضًا المذكورِ بقوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-618\"> </span>(١٢٥) - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.\n_________\n= \"المستدرك\" (٤٤٥٠) وصححه. وما بين معكوفتين من المصادر، وزاد الحاكم بعده: \"في الدنيا\".","vol":"3","page":181},{"text":"﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ استفهامٌ معناه النفيُ؛ أي: لا أحد أحسنُ دينًا، منصوبٌ على التمييز، وكُني بالوجه عن الإنسان إذ كان أشرفَ الأعضاء، ومعنى أَسلم لله: انقاد لأمره وشرعه.\n﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ جملة حاليةٌ مؤكِّدة، وكون الغير أحسنَ دينًا منه لا يَستلزم بلوغَه منتهى المراتب البشرية.\n﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الموافقةَ لدين الإسلام، المتَّفَقَ على صحتها، فإنه ﵇ بعث على ملة إبراهيم ﵇ وزِيد له أشياءُ.\n﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا عن سائر الأديان، حالٌ من المستكنِّ في (اتَّبع).\n﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ مجاز عن اصطفائه واختصاصه بكرامةٍ تشبه كرامة الخليل عند خليله، وهي جملةٌ اعتراضية فائدتُها تأكيدُ وجوب اتِّباع ملَّته؛ لأن (^١) مَن بلغ من الزُّلفى والكرامة عند الله إلى أن اتَّخذه خليلًا كان جديرًا بأن تُتَّبع ملَّتُه، وبان مَن اتَّبعه كان مِن أحسن الناس دينًا، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيمًا له، وتنصيصًا على أنه الممدوح.\nوالخُلَّةُ من الخِلَال، فإنه ودٌّ تخلَّلَ النفس وخالطَها، أو من الخَلَّة بمعنى الخَصلة فإنهما يتوافقان في الخصال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-619\"> </span>(١٢٦) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خَلْقًا وملكًا يختار منهما مَن يشاء.\nوقيل: من تتمة ذكر العمال الصالحين والطالحين، مقرِّر لوجوب طاعته عليهم، وكمالِ قدرته على مُجازاتهم على الأعمال.\n_________\n(^١) في (م): \"لأنَّه\".","vol":"3","page":182},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ إحاطةَ علمٍ وقدرةٍ ووعدٍ ووعيدٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-620\"> </span>(١٢٧) - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾.\n﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ في ميراثهنَّ إذ فيه نزلت.\n﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾: يبيِّنُ لكم حُكمَه ﴿فِيهِنَّ﴾ والإفتاء: تبيينُ المبهَم.\n﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ في محلِّ الرفع بالعطف؛ أي (^١): اللهُ يفتيكم والمتلوُّ في الكتاب في معنى اليتامى، على أن ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ صلةُ ﴿يُتْلَى﴾، وجاز أن يكون بدلًا من ﴿فِيهِنَّ﴾.\nأو ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ مبتدأ ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ خبرُه، والجملة اعتراضيةٌ.\nأوفي محلِّ الجرِّ على القسم (^٢).\nو﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ على الوجهين بدلٌ من ﴿فِيهِنَّ﴾، وإضافة ﴿يَتَامَى﴾ إلى ﴿النِّسَاءِ﴾ بمعنى (مِن).\n_________\n(^١) في (ف): \"على\"، وفي (م): \"إلى\".\n(^٢) والتقدير: قل الله يفتيكم فيهن وأقسم بما يتلى عليكم. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٧٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٠)، و\"البحر\" (٧/ ٣٨٣)، و\"الدر المصون\" (٤/ ١٠١)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٣١٥). وأجاز أكثر هؤلاء أيضًا النصب على المفعولية لفعل محذوف، تقديره: ويبين لكم ما يتلى عليكم.","vol":"3","page":183},{"text":"و﴿الْكِتَابِ﴾ على الوجه الثاني (^١) هو اللوح المحفوظ، وفائدةُ الاعتراض: تعظيم المتلوِّ وخاصةً حكمُ اليتامى؛ أي المتلوُّ عليكم في باب يتامى النساء حكم مُثبَت عند الله في اللوح حقُّه أن يُراعَى ويُحافَظَ عليه فإنه من عظائم الأمور عنده، كما أن فائدة العطف في الوجه الأول تعظيمُه بالاختصاص بالله، وأن حكمه حكمُ الله، فإن هذه التوطئة تفخيمُ شأن الموطَّأ له، وكذلك فائدة القَسَم في الوجه الثالث، فإن الإقسام بالشيء تنويهٌ باسمه وتعظيم لشأنه.\n﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أي: فُرض لهن من الميراث.\n﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ كان الرجل منهم يضمُّ اليتيمة ومالَها إلى نفسه، فإن كانت جميلةً تزوَّجها وأكل مالَها، وإن كانت دميمةً عضَلها عن التزوُّج (^٢) حتى تموتَ فيرثَها، فيجوز أن يكون المعنى: في أن تنكحوهن لجمالهن، أو (^٣): عن أن تنكحوهن لدمامتهن، والظاهر الثاني لقوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ أي: لا تؤتونهن مالَهن ولا تنكحوهن (^٤)، والواو للعطف دون الحال؛ لأنَّه مضارع مثبَت فلا يدخل فيه الواو إلا بتأويلٍ لا حاجة لنا به هاهنا.\nوظاهر النص يدلُّ على صحة تزويج الصغيرة لغير الأب والجد، ولا يعارضه احتمال أن يكون المعنى: أن تنكحوهن إذا بلغن؛ لأن الأصل في المطلَق أن يجري على إطلاقه.\n_________\n(^١) يعني على كون (ما يتلى) مبتدأ و(في الكتاب) خبره. كما ذكر البيضاوي والآلوسي.\n(^٢) في (م): \"التزويج \".\n(^٣) في النسخ: \"و\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٠)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٣١٧).\n(^٤) في \"ك \": \"لقوله لا تؤتونهن ما كتب لهن ولا تنكحوهن \".","vol":"3","page":184},{"text":"﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على ﴿يَتَامَى النِّسَاءِ﴾، والعرب كانوا لا يورِّثو نهم كما لا يورِّثون النساء، وكذا قوله:\n﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ عطفٌ عليه؛ أي: وفي أن تقوموا، هذا إذا جعلت ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ صلةً، فإنْ جعلتَه بدلًا فالوجه نصبُها عطفًا (^١) على موضع ﴿فِيهِنَّ﴾، ويجوز أن يكون منصوبًا؛ أي: ويأمركم أن تقوموا.\nوهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم وَيستَوفوا حقوقهم، أو للقوَّام بالنَّصَفةِ في شأنهم.\n﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ذِكرُ العلم بعد العمل أبلغُ وعدٍ ووعيد، وأعلى إشارةٍ وتهديد (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-621\"> </span>(١٢٨) - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ﴾ فاعلُ فعلٍ يفسِّره الظاهر ﴿خَافَتْ﴾: توقَّعَتْ ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾؛ لمَا ظهر لها من المخائل.\n﴿نُشُوزًا أ﴾: تَجافيًا عنها، وترفُّعًا عن صحبتها، ومنعًا لحقوقها.\n﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ بأنْ يُقلَّ مجالستها ومحادثتَها.\n_________\n(^١) في النسخ: \"عطف \"، والصواب المثبت.\n(^٢) في هامش (ف): \"فإن كان العمل المذكور خيرًا يكون وعدًا وإن كان شرًا يكون وعيدًا. منه \".","vol":"3","page":185},{"text":"﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا (^١) بَيْنَهُمَا﴾: أن يتصالَحا بأنْ تحطَّ له بعضَ المهر أو القَسْم، أو تَهبَ له شيئًا تستميلُه.\nوقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ (^٢) مِن أَصلَحَ بين المتنازعَين، وحينئذ جاز أن ينتصب ﴿صُلْحًا﴾ على المفعول به و﴿بَيْنَهُمَا﴾ ظرفٌ أو حالٌ منه، أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول ﴿بَيْنَهُمَا﴾ أو محذوف.\nوقرئ: (يَصَّلحا) (^٣) مِن اصَّلح بمعنى اصطَلَحَ.\n﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفُرقة، أو من النشوز والإعراض وسوءِ العشرة، أو من الخصومة في كلِّ شيء، فإنه أبعثُ على التوافُق والتسالُم مما إذا قيِّد بحالهما، أو: خيرٌ من الخيرات كما أن الخصومة شرٌّ من الشرور، جملةٌ اعتراضيةٌ أكِّدت باعتراضيَّةٍ أخرى (^٤)، وهي قوله:\n﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: لا تتخاصما مراءً وعنادًا فإنَّ النفوس مجبولةٌ على الشُّحِّ كأنها ألزِمَتْه وجَعلت حاضرةً له لا تنفكُّ عنه، فإنْ هي لا تسمحُ بقسمتها أو بسائر حقوقها أو ببعضها فلا يغضبِ الزوج عليها ولْيسامِحْها، فإن الشحَّ كالأمر الطبيعي للنفوس كما (^٥) ذكر، ولْتسامِحْه ولا يتباغَضَا ويتشاقَّا.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك): \"يصلحا\"، والمثبت من (م)، وهو الصواب. وهذه قراءة نافع وابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة: ﴿يُصْلِحَا﴾ وستأتي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (على هامش حاشية الشهاب) (٣/ ١٨٥)، والكلام منه.\n(^٢) انظر التعليق السابق.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٩).\n(^٤) في هامش (ف): \"رد لمن قال: اغتفر عدم تجانسهما. منه \". والقائل المذكور هو البيضاوي.\n(^٥) في (ف) و(ك) و(م): \"لما\"، والمثبت من (ح).","vol":"3","page":186},{"text":"﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهنَّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض مراعاةً لحقوق الصحبة. خَصَّ الخطاب بالأزواج إشارةً إلى أنهم أولى بإقامة حقوقهنَّ والإحسانِ والتقوى، فإنهن نواقصُ العقول.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الإحسان والتقوى.\n﴿خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه ويُثيبكم به (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-622\"> </span>(١٢٩) - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ حتى لا يقع بينكم زيادةٌ ونقصان فيما يجب لهن البتة.\n﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ من جهة التكلف ومراعاة العدالة في الحقوق، فإن ذلك أمرٌ طبيعي غير اختياريٍّ، فرَفع ذلك عنكم تمامَ العدل والتسوية في الشيء، وما كلِّفتم إلا ما تستطيعون بشرطِ أن تبذلوا فيه وسعَكم.\n﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ إلى المحبوبة المرغوبِ فيها عن المرغوب عنها فتمنعوا لها قِسمتَها من غير رضًى منها، فإنه في وسعكم (^٢).\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"قد تقدم أن ذكر العلم بعد عمل الخير وعد وبشارة ومن لم يتنبه له زعم أن الجواب محذوف والمذكور سببه. منه \". والزاعم المذكور هو البيضاوي.\n(^٢) في هامش (ف): \"وأما قيل: فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لا يناسب المقام كما لا يخفى. منه \". وصاحب القيل المذكور هو البيضاوي.","vol":"3","page":187},{"text":"﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وهي التي ليست بذات بعلٍ ولا مطلَّقةً، فيه ضربٌ من التوبيخ.\n﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كنتم تفسدون من أمورهن.\n﴿وَتَتَّقُوا﴾ فيما يُستقبَل من مِثْل ذلك.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ غَفَر الله لكم الماضيَ ورحمكم بالتوفيق للعدل في المستقبل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-623\"> </span>(١٣٠) - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.\n﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾؛ أي: يفارِقْ كلّ منهما صاحبَه.\n﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا﴾ منهما عن صاحبه، وكفاه أمرَه بدونه.\n﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾: من سعة رحمته.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ من جهة الإفضال، بل من جميع جهات الفضل والكمال.\n﴿حَكِيمًا﴾ لا يأمر عباده إلا بما هو مصلحةٌ وحكمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-624\"> </span>(١٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تنبيه على كمال سعته وقدرته.\n﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ متعلقٌ بـ ﴿وَصَّيْنَا﴾ أو بـ ﴿أُوتُوا﴾.","vol":"3","page":188},{"text":"﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطف على ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾.\n﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: بأنِ اتقوا الله، أو تكون (أنْ) المفسِّرةَ؛ لأن التوصية في معنى القول.\nواللام في ﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس يتناول الكتبَ السماوية؛ لأن المراد: ولقد وصينا الأمم السالفة كلَّها ووصيناكم؛ أي: هذه التوصيةُ قديمةٌ ما زال يوصي الله تعالى به عبادَه لستُم مخصوصين به، فإن السعادة في التقوى، وفيه تفخيمٌ لأهل التقوى.\n﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لأن المعنى: أمرناهم وإياكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إنْ تكفروا فإنَّ للّهِ الخلقَ كلَّه، لا يتضرَّر بكفركم ومعاصيكم كما لا ينتفِع بشكركم وتقواكم، وإنما وصَّاكم لرحمته لا لحاجته.\nثم بيَّن بقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن الخلق وعبادته ﴿حَمِيدًا﴾ في حدِّ ذاته حُمد أو لم يُحمد، أنَّ (^١) خلقه العالَمَ ليس لحاجته ومصلحته، فإنه كان غنيًّا قبل خلقه حميدًا قبل حمدِ الحامدين (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-625\"> </span>(١٣٢) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تكريرٌ لبيان عظمته وغناهُ، وتقريرٌ لوجوب\n_________\n(^١) في (ح): \"بين أن \"، وفي (م): \"وأن \"، والمثبت من (ف) و(ك)، وهذا المصدر المؤول من (أنَّ) وما بعدها في محل نصب مفعول به لي (بيَّن) في قوله: (ثم بيَّن بقوله ..).\n(^٢) في هامش (ف): \"يرشدك إلى هذا المعنى عبارة (كان)، ولو كان المراد تقريرَ ما سبق لكفى أن يقول: هو حميد. منه \".","vol":"3","page":189},{"text":"تقواه، فتقديمه على التوصية (^١) تمهيدٌ لعظمته ومالكيَّته، وكونهِ أهلًا لأنْ يُتّقى ويطاع، والثاني لبيان غناه، وتأكيدٌ للأول في تقرير معناه، والثالثُ تقويةٌ لما ذكر من كونه حميدًا بلسان الكلِّ، وكونِ الأشياء كلِّها في طاعته وحمده وعبادته فلا يضرُّه كفركم.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ اعتراضٌ مؤكِّدٌ لمالكيَّته ومدبِّريَّته للكلِّ ببيانِ أنه لم يَكِلْ أمورهم إلى غيره (^٢)، فعليهم أن يطيعوه ويتوكَّلوا عليه، وفيه تسليةٌ للرسول ﷺ والمؤمنين، وفيما بعده تخويف وتهويل شديدٌ، وإيعادٌ وتهديدٌ بليغٌ لأعدائهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-626\"> </span>(١٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يميتكم ويُفنيكم كما أوجدكم وأنشأكم، ومفعول ﴿يَشَأْ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه الجواب.\n﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾: وُيوجِدْ قومًا آخَرين مكانَكم يوالونه ﵇ ويؤمنون به، والخطاب لمَن يعاديهِ من كفار العرب.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ من الإعدام والإيجاد.\n﴿قَدِيرًا﴾ هو إذ لا يَمتنعُ شيء على قدرته وإرادته.\nويُروَى: أنها لمَّا نزلت ضرب رسول الله ﷺ ظهر سلمان وقال: \"إنهم قومُ هذا\" [يريد] أبناءَ فارسَ (^٣).\n_________\n(^١) في (ح): \"التوحيد\"، وهو تحريف، والمراد بتقديمه على التوصية ما جاء في الموضع الأول من قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وانظر باقي كلامه يظهر لك مراده.\n(^٢) في (ح) و(م) و(ك): \"غيرهم \"، والمثبت من (ت).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٧٤)، وما بين معكوفتين منه. ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٥٨٢) من=","vol":"3","page":190},{"text":"<span id=\"aya-627\"> </span>(١٣٤) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ كالمجاهد يطلب الغنيمة بجهاده.\n﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ فلا وجه لإرادته فعند الله ثوابُ الدارين، فما له يطلبُ الأخسَّ ويترك الأشرفَ، وفي الحديث: \"إنَّ الله يعطي الدنيا على نية الآخرة، ولا يعطىِ الآخرة على نية الدنيا\" (^١)، فإن الأشرف يستتبَعُ الأخسَّ دون العكس، فمَن جاهد لوجه الله لم تَفُتْهُ الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمةُ بجنبه كَلَا شيءٍ، فلْيُرِدْ خيرَهما.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ بأحاديث نفوسكم.\n﴿بَصِيرًا﴾ بنيَّاتكم وإرادتِكم في أعمالكم، وفيه وعيدٌ لمن وقف مع هوَى نفسه واختار الأخسَّ الفانيَ، ووعدٌ لمن أَخلص وجهه لله تعالى وطلب الأشرفَ الباقي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-628\"> </span>(١٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ملازِمينَ للعدالة دائِمِي القيامِ بها.\n_________\n= حديث أبي هريرة ﵁، وفيه: (يعني عجم الفرس) بذلك (يريد أبناء فارس). وفيه انقطاع بين الطبري وشيخه كما نبه عليه الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف \" (١/ ٣٦٤).\n(^١) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" (٥٤٩)، ومن طريقه أبو يعلى في \"مسنده\" كما في \"المطالب العالية\" (٣١٣٨)، من حديث أنس ﵁ مرفوعًا، وإسناده ضعيف لإبهام الراوي فيه عن أنس.","vol":"3","page":191},{"text":"﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾: لوجه الله، وهو خبرٌ ثانٍ لا حالٌ؛ لأنهم مأمورون بكونهم قوَّامين بالقسط مطلَقًا، فلا وجه لتقييده بحال الشهادة.\n﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تُقِرُّوا عليها، فإن الشهادة بيان الحق سواءٌ كان على نفسه أو على غيره.\n﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أخَّره ولم يسلك طريق (^١) الترقِّي لمكانِ قوله:\n﴿إِنْ يَكُنْ﴾؛ أي: المشهود عليه.\n﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة ولا تَجُوروا فيها ميلًا لغناه أو ترحُّمًا لفقره.\n﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: بالغنيِّ والفقير، وبالنظر لهما، فلو لم تكن الشهادة عليهما (^٢) صلاحًا لَمَا شَرَعها، وهو علة الجواب أُقيمت مقامه.\nوالضمير في ﴿بِهِمَا﴾ ليس للمذكور - أعني: أحدَ الجنسين - حتى يلزمَ إفرادُه، بل لِمَا دل عليه المذكور، أعني: مجموعَ الجنسين، فإن في اشتراط أحد الأمرين دلالةً على وجودهما في الجملة، وبهذا القَدْر من البيان لا يتم الكلام في هذا المقام، بل لا بد من بيان وجه العدول عن الظاهر، وجعل الضمير للمدلول دون المذكور، وهو أنه للقصد إلى تعميم أولويته، وأنْ لا يُتوهَّمَ أنها بالنسبة إلى الواحد فقط، وقراءة: (أولى بهم) شاهدة على إرادة الجنس (^٣).\n﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾: كراهةَ أن تعدلوا بين الناس، أو: إرادة أن تعدلوا\n_________\n(^١) في (ح) و(م): \"طريقة\".\n(^٢) في هامش (ف): \"ولم يقل: أو لهما، كما قال القاضي لما فيه ما فيه. منه \".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٧٥).","vol":"3","page":192},{"text":"عن الحق، على أن يكون علةً للنهي وطلبِ الترك، أي: أنهاكم عن اتِّباع الهوى إرادةً لعدلكم، أو كراهةً لعُدولكم.\n﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومةِ العدل.\nوقرئ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ (^١)، أي: وإنْ وَليْتُم إحداهما من إقامة الشهادة والحكومة.\n﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ عن الشهادة بما عندكم، أو عن الحكومة بالعدل.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ يجازيكم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-629\"> </span>(١٣٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: دُوموا على الإيمان ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ والخطاب للمسلمين.\nأو: آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بلسانكم، والخطاب للمنافقين.\nأو: آمنوا إيمانًا عامًا يعمُّ الكتب والرسل، فإنَّ الإيمان بالبعض مع إنكار الباقي كلَا إيمانٍ، والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، ويشهد له أنه رُوي أنَّ ابن سلَام وأصحابه قالوا: يا رسول الله! إنَّا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفُر بما سواه، فنزلت (^٢). ويساعده التفصيل في قوله:\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٧).\n(^٢) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٣/ ٤٠١) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄. وذكره تلميذه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٨٦) عن الكلبي.","vol":"3","page":193},{"text":"﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، فإنه أُنزل منجَّمًا، ولهذا قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بخلاف سائر الكتب.\n﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أُريد به الجنس، وفي ذكر (^١) المنزل عليه في الأول بوصف الرسالة والإضافةِ إلى نفسه تعالى ما لا يخفى من التشريف والتعظيم له ﵇.\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾؛ أي: ومَن يكفر بشيء من ذلك، وفي التعبير عنه بالوجه المنزل تنبيهٌ على أن الإيمان بتلك الجملة في حكم الإيمان بشيء واحد، فالكفر ببعضه في حكم الكفر بكله\n﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-630\"> </span>(١٣٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ يعني: المنافقين؛ إذ هم المتلاعبون بالدِّين بالكفر مرة بعد أخرى، والإصرارِ على النفاق، وإفسادِ الأمر على المؤمنين، ولذلك جاء بعده: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ إظهارًا لحالهم، وإخبارًا عن مآلهم.\n﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: ليس في عادته تعالى إرادةَ المغفرة لهم.\n﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾؛ لأن قلوبهم ضَرِيَت بالكفر، وبصائرَهم عَمِيت عن الحق، وخبر (كان) في أمثال هذا محذوفٌ تُعلَّق به اللام؛ أي: لم يكن الله مريدًا ليغفر لهم.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (م): \"وذكر\"، والمثبت من (م)، وهو الأنسب بالسياق.","vol":"3","page":194},{"text":"<span id=\"aya-631\"> </span>(١٣٨) - ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وضعُ ﴿بَشِّرِ﴾ مكان: أَنْذِر، تهكُّم بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-632\"> </span>(١٣٩) - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.\n﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في محل النصب على الذم لا نعتٌ؛ لوجود الفاصل، فلا يُرتكب حيث لا ضرورةَ، أو في محل الرفع على الذم.\n﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ الهمزة للإنكار؛ أي: كيف يطلبون العزة عند مَن ضُربت عليهم الذلة؟ ثم بيَّن امتناع حصول مطلبهم بحصر العزة في أولياء الله تعالى مع التأكيد بـ ﴿فَإِنَّ﴾ و﴿جَمِيعًا﴾ بقوله:\n﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: ما العزةُ إلا لأولياء الله تعالى، الذين أعزَّهم بنصره، وكتب لهم العزة؛ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] لا يؤبَهُ بعزة غيرهم بالإضافة إلى عزتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-633\"> </span>(١٤٠) - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾.\n﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآنَ، والخطاب للمؤمنين، والمنزَّل عليهم ما أنزل بمكة من قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨].","vol":"3","page":195},{"text":"وقرئ: ﴿نَزَّلَ﴾ على البناء للمفعول (^١)، والقائمُ مقام فاعله:\n﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ وهي المخفَّفة من الثقيلة، والمعنى: أنه إذا سمعتُم آيات الله، وهذا على طريقة قولهم: سمعتُ فلانًا يقول، فالمسموع هاهنا استهزاؤهم بآيات الله تعالى لا الآيات.\n﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ حالان من الآيات، والأولى تمهيدٌ للثانية تعظيمًا لأمر الاستهزاء بالقرآن، وإنما جيء به لتقييد النهي عن المجالسة في قوله:\n﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الضميرُ لِمَا دل عليه قوله: ﴿يُكْفَرُ بِهَا﴾ من الكفرة.\n﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، أي: غيرِ ما خاضوا فيه، والخوض: الشروع، و﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للنهي، وإنما جَعَل غايته الخوضَ في حديثِ غيره دون السكوت عنه؛ لأنَّه لا يدل على الفراغة عنه بخلاف الخوض بحديث آخر.\n﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾؛ أي: إذا مكَثْتم معهم فأنتم مثلُهم في الوِزر؛ لأنكم قادرون على الإعراض عنهم، والإنكارِ عليهم، ولم يُرَدْ به التمثيلُ من كلِّ وجه؛ لأن خوض المنافقين فيه كفرٌ، ومكثَ هؤلاء معهم معصيةٌ، إذ (^٢) عدم إنكارهم عليهم لا يدل على الرضا، وعلى تقدير تسليم الدلالةِ عليه فالرضا بكفر الغير ليس بكفرٍ إذا لم يكن مع استحسانٍ له، وتخصيصُ الخطاب بالمنافقين لا يساعدُه السباق (^٣)، ولا يقتضيه اللحاق، على ما ستقف عليه بإذن الله تعالى.\n_________\n(^١) هي قراءة السبعة عدا عاصمًا فإنه قرأ بالمبني للمعلوم. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨). وقوله: \"على البناء للمفعول\": من (ف)، وليس في باقي النسخ.\n(^٢) في (ح) و(ف): \"أو\".\n(^٣) في (ح): \"السياق\"، وفي (ك): \"السابق\".","vol":"3","page":196},{"text":"و﴿إِذًا﴾ ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر، ولذلك لم يُذكر بعدها الفعل، وأُفرد ﴿مِثْلُهُمْ﴾ لأنَّه كالمصدر، أو للاستغناء بالإضافة إلى الجمع، وقرئ بالفتح على البناء لإضافته إلى مبنيٍّ (^١).\nقيل: لمَّا نزلت هذه الآية وكانوا إذا خاضوا في ذلك قام المخلصون فعلم المنافقون بذلك، فكانوا يكثرون الخوض فيه قصدًا إلى تفريقهم، ومن هنا ظهر وجه انتظام قوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ﴾؛ أي: جامع لذينك الفريقين ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ وقوله:\n﴿جَمِيعًا﴾ لإحاطة إفرادهما، وسياق الكلام لذم المنافقين، وموجب ذلك أن لا يجتمع المذنبون من مخلي المؤمنين مع الكفار فيها، وذلك بخروجهم قبل أن يدخلوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-634\"> </span>(١٤١) - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.\n﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ ينتظرون تجدد حال بكم (^٢)، وهذا بدلٌ من ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾ خاصةً، أو ذمٌّ مرفوع أو منصوب.\n_________\n(^١) انظر: \"البحر\" (٧/ ٤٢٣).\n(^٢) في هامش (ف): \"نافعًا كان أو ضارًا، ومن قال: وقوع أمر بكم، فقد خصه بالثاني لأن الوقوع إذا تعدى بالباء يختص به على ما ذكره الجوهري، ولا وجه لتخصيص المذكور. منه \". والقائل المشار إليه هو البيضاوي.","vol":"3","page":197},{"text":"وجوٍّ ز أن يكون مبتدأً والخبر قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وفيه ضعفٌ؛ لنبوِّ المعنى عنه، ولزيادة الفاء في غير محلها؛ لأن هذا الموصول غير ظاهرِ الشَّبه باسم الشرط.\n﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ مظاهرين لكم فأسهِموا لنا في الغنيمة.\n﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ ومن الحرب فإنها سِجَال، وإنما سمَّى غلبةَ المؤمنين فتحًا، وغلبةَ الكفار (^١) نصيبًا؛ تعظيمًا لشأن المسلمين (^٢)، وتخسيسًا لحظِّ الكافرين؛ لأنَّ ظفَر أهل الإسلام أمر عظيم تُفتح له أبواب السماء، وينزل النصر على أوليائه، وأما غلبةُ الكفار فما هي إلا حظٌّ دنيءٌ كنار الوَقَح (^٣).\n﴿قَالُوا﴾ الكفرة: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نغلِبكم ونتمكَّنْ من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم، والاستحواذ: الاستيلاء، وهذا (^٤) جاء بالواو على أصله؛ كما جاء استَرْوَح واستَصْوَب (^٥).\n﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم، وتوانينا في مظاهرتهم، فأَشرِكونا فيما أَصبتم.\n﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أن ما في حقِّهم من الإمهال في الدنيا\n_________\n(^١) في (ك): \"الكافرين\".\n(^٢) في (م): \"المؤمنين\".\n(^٣) لعله يريد التشبيه بما ينقدح من وقع الحافر الصلب، من وَقِحَ الحافر وقَحًا: صلب. انظر: \"القاموس\" (مادة: وقح).\n(^٤) في (م): \"ولهذا\".\n(^٥) في هامش (ف): \"قال أبو زيد: هذا الباب كله يجوز أن يتكلم به على الأصل، وهو قياس مطرد عندهم. من الصحاح. منه\".","vol":"3","page":198},{"text":"استدراجٌ لهم لا إهمالٌ لأمرهم، والفاءُ السببية للدلالة على أن الحكم الموعودَ عليهم لا لهم.\n﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ حينئذٍ، أو في الدنيا، والمراد بالسبيل: الحجة، ولا متمسَّك فيه لأصحاب الشافعي على فساد شراء الكافر المسلم، ولا للحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-635\"> </span>(١٤٢) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ سبق الكلام فيه في أوائل سورة البقرة.\n﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ بضمِّ الكاف وفتحِها (^٢): جمعُ كسلان؛ أي: متثاقِلينَ كالمكرَه على الفعل.\n﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ ليَخالوهم مؤمنين، والمراءاةُ مفاعَلةٌ بمعنى التفعيل كنعَّم وناعَمَ، أو للمقابلة، فإن المرائي يُري مَن يرائيه عملَه وهو يَرى استحسانه.\n﴿كُسَالَى﴾ و﴿يُرَاءُونَ﴾ منصوبان على الحال من ضمير ﴿قَامُوا﴾.\n﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، لاشتغالهم بأمور الدنيا، وتهالُكهم عليها. إمَّا عطفٌ\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"والمفهوم من كلام القاضي خلاف ذلك. منه \". فقد قال القاضي في \"تفسيره\" (٢/ ١٠٤): واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم. والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد وهو ضعيف لأنَّه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة.\n(^٢) الضم هي قراءة الجمهور، والفتح من الشواذ وتنسب للأعرج. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٢٩).","vol":"3","page":199},{"text":"على ﴿يُرَاءُونَ﴾، وإما حال من ضميره، قيل: إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرةِ مَن يرائيه وهو أقلُّ أحواله، ويأباه العطف بالواو، إذ حينئذٍ حقُّه العطفُ بالفاء (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-636\"> </span>(١٤٣) - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.\n﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ متردِّدين بين الكفر والإيمان، من الذبذبة، وهو جعل الشيء مضطربًا، وأصله: الذب بمعنى الطرد. حالٌ من ضمير ﴿يَذْكُرُونَ﴾ أو ﴿يُرَاءُونَ﴾، أو منصوب على الذم.\nوقرئ بكسر الذال؛ أي: يذبذِبون قلوبَهم أو دينَهم، أو يتذبذبون كقولهم: صَلْصَلَ بمعنى تَصَلْصلَ، وقرئ بالدال غير المعجمة بمعنى: أخذوا تارة في دُبَّةٍ وأخرى في دُبَّةٍ، وهي الطريقة (^٢).\n﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾: لا صائرينَ إلى أحد الفريقين بالكلية، وفي ذمِّهم بهذا الوجه دلالةٌ على أن النفاق أخبثُ من الكفر الصرف.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ إلى الحق والصواب، اعتراض لبيان أن تلك الذبذبة من الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-637\"> </span>(١٤٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.\n_________\n(^١) رد على البيضاوي. انظر: \"تفسيره\" (٢/ ١٠٤).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٨٠)، والقراءة الأولى في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٩).","vol":"3","page":200},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنه صنيع المنافقين وديدنُهم (^١) فلا تتشبَّهوا بهم.\n﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حجةً بيِّنة، فإن موالاتهم دليل ظاهر على النفاق، والهمزة للإنكار والتقرير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-638\"> </span>(١٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وهي الطبقة التي في قعر جهنم، وهي أشد عذابًا، ولذلك يقول الكافرون: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].\nوالنارُ سبع دركات، سمِّيت بذلك لأنها متدارِكةٌ متتابِعةٌ بعضُها تحت بعض.\nوالمنافقون أخبثُ الكفرة حيث ضَمُّوا إلى الكفر استهزاءً بالإسلام وخداعًا للمسلمين، ولذلك استحقُّوا أشدَّ العذاب.\nوأمَّا قوله ﵇: \"ثلاثٌ مَن كنَّ فيه فهو منافقٌ وإنْ صام وصلَّى وزعَم أنه مسلمٌ: مَن إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أَخلف، وإذا ائْتُمِن خان\" (^٢) فمن باب التغليظ (^٣).\nوقرئ: ﴿فِي الدَّرْكِ﴾ بسكون الراء (^٤)، وهو لغة كالسَّطْر والسَّطَر، والتحريكُ أوجَهُ لأنَّه يُجمع على أدراك.\n_________\n(^١) في (ف): \"ودينهم \".\n(^٢) رواه مسلم (٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) في هامش (ف): \"لم يقل: من باب التشبيه، كما قال القاضي لأن قوله: وزعم أنه مسلم، يأباه \".\n(^٤) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي، والباقون بفتح الراء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).","vol":"3","page":201},{"text":"﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ يخرجهم منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-639\"> </span>(١٤٦) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عن النفاق.\n﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وأسرارهم في حال النفاق.\n﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ تمسَّكوا ووثِقوا به كما يثق المؤمنون الموقنون (^١).\n﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ بالبراءة عن الرياء، وتخصيصِ العبادة به تعالى، وابتغاءِ وجهه بالطاعات.\n﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي ة أصحابهم ورفقاؤهم في الدارين.\n﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فيساهمونهم فيه، ويشاركونهم في الأجر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-640\"> </span>(١٤٧) - ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.\n﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ انكار لانتفاعه تعالى بعذابهم؛ أي: منزَّهٌ عن الأغراض التي إنما يعذِّب الملوك لأجلها لا يشتفي (^٢) به من غيظ، ولا\n_________\n(^١) في (ك): \"الموفون\".\n(^٢) في (ح): \"يشفي\"، وفي (ك): \"يتشفى\".","vol":"3","page":202},{"text":"يدركُ به ثأرًا، ولا يَستجلِب به نفعًا، ولا يستدفِع ضرًّا، كما يفعل الملوك؛ لأنَّه الغنيُّ المطلَق الذي لا يجوزُ عليه شيء من ذلك، وإنما العذاب بمقتضى حكمته، فإن شكرتُم نعمته باستعمالها فيما يجب، وتوسَّلتم بها إلى معرفته، وآمنتُم به، فقد أبعدتُم استعدادكم عن استحقاق العقاب.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ يُثيبكم بإيفاء أجوركم.\n﴿عَلِيمًا﴾ بحق شكركم، وإنما قدِّم الشكر على الإيمان لأن أعظم الشكر هو الاستدلال بالنعمة على المنعِم الموصلُ إلى معرفته، ثم استعمالُها في طاعته، والاستدلالُ مقدَّم على الإيمان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-641\"> </span>(١٤٨) - ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.\n﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ إنما ذكر هذا الوصف - مع أنه تعالى لا يحب السوء مطلقًا - لانطباقه بسبب النزول.\nروي: أن رجلًا ضاف قومًا فلم يُطعموه، فأصبح شاكيًا، فعُوتب (^١) على الشكاية، فنزلت.\n﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلا جهرَ مَن ظُلم بالدعاء على الظالم، وذِكْرَه بما فيه من السوء، فالاستثناء متصل.\nوقرئ: (ظَلَم) على البناء للفاعل على أنه منقطِعٌ (^٢)؛ أي: ولكن الظالم يجهر\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"فعوقب \"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (١/ ٥٨٢)، وكذا رواه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٦٢٩) عن مجاهد.\n(^٢) تنسب لابن عباس وأبي وسعيد بن جبير وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات \"=","vol":"3","page":203},{"text":"بالسوء فاعلًا ما لا يحبه الله، أو على البدل من الفاعل؛ أي: لا يحبه إلا الظالمُ، على لغةِ مَن يقول: ما جاءني زيد إلا عمرٌو، بمعنى: ما جاءني إلا عمرٌ و، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].\n﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ يسمع قول المظلوم ﴿عَلِيمًا﴾ يعلم فعلَ الظالم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-642\"> </span>(١٤٩) - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾: طاعة وبِرًّا.\n﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾: أو تفعلوه سرًّا.\n﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ خصَّ العفو بالذكر مع أنه يَلزم القسمين؛ لكونه المقصودَ على أيِّ وجهٍ كان، وذكرُ إبداء الخير وإخفائه تشبيبٌ له (^١)، ولذلك رتَّب عليه قوله:\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ يُكثر العفوَ عن العصاة مع القدرة على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنَّته، وتتخلَّقوا بخلُقه، فختم العفو بجعله صفةً لله تعالى، وبالحثِّ على الاتصاف به، وتعظيمِ صاحبه بأنه سميُّه.\n* * *\n_________\n= (ص: ٣٠)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٠٣)، و\"الكشاف\" (١/ ٥٨٢).\n(^١) في النسخ عدا (م): \"تشبيه \"، والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٨٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٦). ومعنى (تشبيب)، أي: توطئة وتمهيد للعفو، من تشبيب القصيدة، وهو تزيينها بما يتقدم على التخلص إلى المدح من التغزل ووصف الحسن والجمال. يريد أن إيقاع قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ توطئة وتمهيدًا لذكر العفو على طريقة قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] بمعنى: رسوله أحق أن يرضوه، وذكر الله للدلالة على مكانة الرسول ﷺ عند الله تعالى، دلالة على أن للعفو مكانًا وسيطًا في معنى العزم على الخير وفعله. انظر: \"فتوح الغيب\" (٥/ ٢١١)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٣/ ١٩٤).","vol":"3","page":204},{"text":"<span id=\"aya-643\"> </span>(١٥٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾) قوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ توطئةٌ لـ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ بدليل قوله:\n﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: بالإيمان والكفر بالرسل.\nوالمراد بالتوطئة: بيان أن الكفر بالرسل كفر بالله، فالتفريق خطأٌ ظاهر إذ لا واسطة بين الكفر والإيمان.\n﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: نؤمن ببعض الأنبياء، ونكفر ببعضهم.\n﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: طريقًا وسطًا بين الإيمان والكفر، أومأ (^١) في أول الآية أن الكفر بالبعض كفر بالكل، وصرَّح به في آخرها بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-644\"> </span>(١٥٠) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ على سبيل الحصر، بتوسيط الضمير وتعريفِ ما بعده، أي: الكاملون في الكفر، وبالتأكيدِ بالمصدر فإن قوله:\n﴿حَقًّا﴾ مصدر مؤكِّدٌ لغيره، أو صفةٌ لمصدر الكافرين بمعنى: هم الذين كفروا كفرًا حقًّا؛ أي: بَيِّنًا محقَّقًا.\n_________\n(^١) في (ح): \"أو\"، وفي (ف) و(ك): \"أومن\"، والمثبت من (م) وهو الصواب.","vol":"3","page":205},{"text":"﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أراد: الإهانة في الغاية (^١)، وإلا فمعلومٌ أنَّ العذاب لا يكون إلا مُهينًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-645\"> </span>(١٥٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿لَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أضدادُهم ومقابلوهم، وقد سبق وجهُ دخول (بيْن) على (أحد) في آخر سورة البقرة.\n﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الموعودةَ لهم، وتصديرُه بـ ﴿سَوْفَ﴾ لتوكيد الوعد، والدلالةِ على أنه كائن لا محالة وإنْ تأخَّر.\nوقرئ: ﴿يُؤْتِيهِمْ﴾ بالياء على تلوين الخطاب (^٢).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِمَا فَرَط منهم.\n﴿رَحِيمًا﴾ بتضعيف حسناتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-646\"> </span>(١٥٣) - ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.\n_________\n(^١) أي: غاية الإهانة.\n(^٢) هي قراءة حفص عن عاصم، والباقون بالنون. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).","vol":"3","page":206},{"text":"﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ نزلت في أحبارِ اليهود إذ قالوا: إن كنت صادقًا فائتنا بكتاب من السماء جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢].\nوقيل: كتابًا محررًا (^١) بخطٍّ سماويٍّ على اللوح كما كانت التوراة.\nأو: كتابًا إلينا بأعياننا\" كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢].\nأو: كتابًا نعاينه حين ينزل، كما قالوا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ (^٢) حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣].\n﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ جواب لشرط محذوف دل عليه ﴿يَسْأَلُكَ﴾، أي: إن يسألوك (^٣) ما كبُر عليك فقد سألوا موسى أكبر من ذلك، أي: فلك في الأنبياء أسوةٌ، ولهم في ذلك سابقةٌ.\nوإنما قال: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا﴾ والسائلون أسلافهم؛ لأنهم على طريقة واحدة ورثوها كابرًا عن كابرٍ، فهم وأوائلُهم قوم واحدٌ على مذهبٍ واحد في التعنُّت، وعِرْقُهم راسخ في ذلك.\n_________\n(^١) في \"ك \": (مجردًا).\n(^٢) في النسخ عدا (ف): \"لك \"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق للفظ الآية.\n(^٣) في (ح): \"إن يسألونك\"، وفي (ك): \"إن يسألك\"، وفي (م): \"يسألك\" بإسقاط \"إن\"، وسقطت الجملة كلها من (ف). والصواب المثبت.","vol":"3","page":207},{"text":"﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أي: أَرِناه نرَه (^١) جهرةً عيانًا، أو: مجاهرين معاينين له.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: نار جاءت من السماء فأهلكتهم.\n﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسيب ظلمهم، وهو تعنُّتهم في السؤال، فلا دلالة فيه على استحالة المسؤول (^٢).\n﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: المعجزاتُ، ولا يجوز حملها على التوراة؛ لأن إتيانها بعد ذلك.\n﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾، أي: تابوا فعفونا، فالفاء فصيحة، يرشدك إليه قوله في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ٥٢].\n﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: سلطانًا ظاهرًا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبةً عن اتخاذهم العجل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-647\"> </span>(١٥٤) - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.\n﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾: بسبب ميثاقهم ليَقبلوه.\n﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ﴾؛ أي: بابَ إيلياءَ.\n﴿سُجَّدًا﴾: مطأطِئين عند الدخول رؤوسَكم.\n_________\n(^١) في النسخ: \"نراه\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٦).\n(^٢) رد للبيضاوي في قوله: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها، وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٦).","vol":"3","page":208},{"text":"﴿وَقُلْنَا لَهُمُ﴾ على لسان داود ﵇، ويجوز أن يكون موسى ﵇ فإنه شَرَع السبت، ولكن كان الاعتداء (^١) فيه، والمسخ في زمن داود ﵇.\n﴿تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾: ﴿لَا تَعْدُوا﴾ (^٢) على أن أصله: لا تعتدُوا، فأدغمت التاء في الدال.\n﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ على قولهم: سمعنا وأطعنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-648\"> </span>(١٥٥) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ متعلقٌ بمحذوف، أي: بسبب نقضهم ميثاقهم وكفرهم وكذا وكذا فعلنا بهم؛ من تحريم الطيبات عليهم، واعتدادِ العذاب الأليم لهم، وحُذف لدلالة ما بعده عليه.\nوإما بقوله: ﴿حَرَّمْنَا … وَأَعْتَدْنَا﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١] على أن قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] بدلٌ من قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ وما عُطف عليه.\nو(ما) مزيدةٌ للتأكيد، وتحقيقِ أن تحريم الطيبات عليهم واعتدادَ العذاب الأليم لهم لم يكن إلا بنقض العهد وما يتبعُه من الكفر بالآيات، وقتلِ الأنبياء ﵈،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"الإغراق \"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٧)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٣٧٧).\n(^٢) هي قراءة ورش عن نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).","vol":"3","page":209},{"text":"وغيرِ ذلك، والفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوف تقديره: ثم نقضوا الميثاق، فبسبب نقضهم الميثاق فعلنا بهم ما فعلنا (^١).\n﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بما في كتابهم.\nوقيل: بالقرآن، وفيه أنه حينئذ حقُّه أن يؤخَّر عن قوله:\n﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ قد سبق تفسيرُه في سورة البقرة.\n﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مغشاةٌ بأغطيةٍ خَلْقيَّةٍ لا يصل إليها شيءٌ من الذكر والموعظة.\n﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ ردٌّ لِمَا قالوا؛ أي: لم تُخلق قلوبُهم غلفًا، بل طَبع الله عليهم وخذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم.\n﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: إيمانًا قليلًا لا عبرةَ به لنقصانه، ويجوز أن تكون القلةُ كنايةً عن العدم، وقد سبق وجهُها في سورة آل عمران.\nوأمَّا ما قيل: المعنى: إلا قليلًا منهم كعبد الله بن سلام، فيأباه التفريعُ على ما تقدم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-649\"> </span>(١٥٦) - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾.\n﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بعيسى ﵇، وهو معطوفٌ على ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾؛ لأنَّه من أسباب الطبع، أو على قوله (^٢): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، ويجوز أن يُعطف مجموع هذا\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"عبارة القاضي: ففعلنا بهم ما فعلنا بسبب نقضهم، وفيه تغيير النظر بلا ضرورة. منه\".\n(^٢) \"قوله\": ليست في (م).","vol":"3","page":210},{"text":"وما عُطف عليه على مجموع ما قبله، ويكونَ تكرير ذكر الكفر (^١) إيذانًا بتكرير كفرهم، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ﵉، ثم بمحمد ﷺ.\n﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ﴾ يعني: نسبتَها (^٢) إلى الزنا، والقولُ إذا تعدَّى بـ (على) يكون بمعنى الافتراء.\nونصب: ﴿بُهْتَانًا﴾ على تضمين معنى: باهتين.\nوقوله: ﴿عَظِيمًا﴾ تأكيدٌ لِمَا في تنكير ﴿بُهْتَانًا﴾ من التفخيم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-650\"> </span>(١٥٧) - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾.\n﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ قالوه استهزاء (^٣)؛ كما قال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، ويجوز أن يكون استئنافًا بأنْ يضعَ الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيحِ في الحكاية عنهم رفعًا لعيسى ﵇ عما يَذكرونه به.\nو﴿عِيسَى﴾ بدل من ﴿الْمَسِيحُ﴾ أو عطفُ بيان، وكذلك ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾، ويجوز أن يكون صفةً أيضًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"تكرير ذلك الكفر\"، وفي (ك): \"تكرير ذلك \". والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٧).\n(^٢) في (ف): \"بنسبتها\".\n(^٣) في هامش (ف): \"عبارة القاضي: أي بزعمهم، ولا وجه له إلا بتكلف بارد. منه \".","vol":"3","page":211},{"text":"وأجاز أبو البقاء في ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ هذه الأوجُهَ الثلاثة (^١)، إلا أن البدل في المشتقات قليل، وقد يقال: إن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ جرى مجرى الجوامد.\n﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ تخصيصٌ بعد التعميم لكونه محلَّ الاهتمام، أو نفيٌ لما ظنهم (^٢) من أنهم قتلوه ثم صلبوه.\n﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ مسنَدٌ إلى الجار والمجرور، كأنه قيل: وقَع لهم التشبيهُ (^٣)، أو إلى ضمير المقتول المدلول عليه بقوله: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا﴾ كأنه قيل: شُبِّه لهم مَن قتَلوه.\nرُوي أنه دخل رجل من اليهود بيتًا كان هو فيه فلم يجده، وألقى الله عليه شبَهه، فلمَّا خرج ظُنَّ أنه عيسى ﵇ فأُخذ وصُلب، وأمثالُ ذلك من الخوارق لا يُستبعد في زمان النبوة.\nوقيل: إن رهطًا من اليهود سبُّوه وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردةً وخنازيرَ، فاجتمعت اليهود على قتله، فأَخبر الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء، فقال لأصحابه: أيُكم يرضى أن يُلقى عليه شبهي فيقتلَ ويصلبَ ويدخل الجنة؟ فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقُتل وصُلب.\nوإنما ذمَّهم الله بما دل عليه الكلام من جرأتهم على الله، وقصدِهم قتلَ نبيِّه المؤيَّد بالمعجزات الباهرة، وتبجُّحهم به، لا بقولهم هذا على حسبانهم.\n﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ في شأن عيسى ﵇، وذلك أنه لمَّا وقعت تلك\n_________\n(^١) انظر: \"الإملاء\" (ص: ٤٠٥).\n(^٢) قوله: \"لما ظنهم\" كذا في النسخ، ولعله يريد: (لما ظنوا)، أو: (لظنهم).\n(^٣) أي: (ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٨).","vol":"3","page":212},{"text":"الواقعة اختلف الناس، فقال بعض اليهود: إنه كان كاذبًا فقتلناه حقًّا، وتردَّد آخرون فقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا! وقال مَن سمع منه أن الله تعالى يرفعني إلى السماء: إنه رفع إليها، وقال قوم: صُلب الناسُوتُ وصعد اللاهوت.\n﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من أمره، والمراد من الشك: التردُّد، ولمَّا احتَمَل أن يكون الوقوع في الشك لأكثرهم (^١) دفعه بقوله:\n﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾: شيءٍ من جنس العلم.\n﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع، والمعنى: أنهم مستمرُّون على الشك، لكنْ قد يَلوح لهم أمارةٌ فيحصل ظنٌّ، ثم يزول ويعود الشك، وهذا أدلُّ على شدة الحيرة من استمرار الشك بلا انقطاعٍ.\nهذا ما بحسب جليل النظر، والذي هو بحسَب دقيقه: أن المراد من الشك ما يلزمه من الحيرة التي لا محيص لهم عنها، وعبارةُ (في) الدالةُ (^٢) على الثبوت والتقريرِ (^٣) إنما تساعد هذا.\n﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: وما قتلوه قتلًا يقينًا، أو حالٌ؛ أي: وما قتلوه متيقِّنين فيما ادَّعوا من قولهم: إنا قتلنا المسيح، أو تأكيدٌ لـ (ما قتلوه) كأنه قيل: وما قتلوه حقًا؛ أي: حقَّ انتفاءُ قتله حقًّا، وهو تأكيد لغيره.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"لأكثر\"، وفي \" ك \": (الأكثر).\n(^٢) في (ف): \"الدلالة \"، وهو تحريف.\n(^٣) في (ح): \"والتقرر\".","vol":"3","page":213},{"text":"<span id=\"aya-651\"> </span>(١٥٨) - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\n﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ردٌّ وإنكار لقتله، وإثباتٌ لرفعه إلى منزلةٍ عاليةٍ مما كان فيه.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغلب على ما يريده.\n﴿حَكِيمًا﴾ في تدابيره، ويدخل فيه دخولًا أوليًّا ما دبَّره في أمر عيسى ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-652\"> </span>(١٥٩) - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.\n﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أحدٌ ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جملةٌ قَسَميةٌ وقعت صفةً لـ (أحد)، ويعود إليه الضمير الثاني، والأولُ لعيسى ﵇؛ أي: ما من يهوديٍّ ولا نصرانيِّ إلا ليؤمننَّ قبل أن يموت، ولو حين تزهقُ روحه، ولا ينفعه إيمانه بأنَّ عيسى ﵇ عبد الله ورسوله.\nويؤيد ذلك أنه قرئ: (إلا ليؤمِنُنَّ به قبل موتهم) بضم النون؛ لأن أحدًا في معنى الجمع (^١)، وهذا كالوعيد لهم والتحريضِ على معاجلة (^٢) الإيمانِ به قبل أن يُضطروا إليه ولا ينفعهم إيمانهم.\nوقيل: الضميران لعيسى ﵇، والمعنى: أنه إذا نزل من السماء آمَن به أهل الملل (^٣) جميعًا، فتكون الملة واحدةً وهي ملة الإسلام، وهذا يقتضي تخصيصَ ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بالذين هم يوجدون عند نزوله ﵇، وتعميمَ الحكم لغير\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٨٨).\n(^٢) في (م): \"معاجلتهم\".\n(^٣) في (م): \"أهل الكتاب والملل\".","vol":"3","page":214},{"text":"الكتابي أيضًا، فعلى ما ذكر يكون في المنزَل تخصيصٌ في موضع التعميم، وتعميمٌ في موضع التخصيص.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تقديمُه للتخصيص.\n﴿يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ فيشهد على اليهود بالتفريط في حقِّه، وعلى النصارى بالإفراط فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-653\"> </span>(١٦٠) - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.\n﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ يعني: ما ذكر في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦]، والتنكير في (بظلمٍ) للتعظيم، وتقديمُه على ما تعلَّق به يفيد التخصيص.\n﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: أناسًا كثيرًا، أو: صدًّا كثيرًا، وإنما أُعيدت الباء هنا دون في (^١) ﴿وَأَخْذِهِمُ﴾ وما بعده؛ للفصل بين المعطوفين بما ليس معمولًا للمعطوف عليه، بخلافِ الفصل فيما بعده، فإن الفاصل ثمةَ بالمعمول (^٢) للمعطوف عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-654\"> </span>(١٦١) - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n_________\n(^١) \"في\" ليست في (ك).\n(^٢) في (م): \"بالعموم\".","vol":"3","page":215},{"text":"﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾؛ أي: نهيَ تحريمٍ، بدلالة السياق، فلا دليل فيه على أن النهي المطلَق يدل على التحريم.\n﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ بالرشوة وسائر الوجوه المحرَّمة.\n﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ دون مَن تاب وآمَنَ.\n﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الغاية (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-655\"> </span>(١٦٢) - ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ كعبد الله بن سلَام وأصحابه.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: منهم، أو من المهاجرين (^٢) والأنصار.\n﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ خبر المبتدأ.\n﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ نصبٌ على المدح لبيان فضيلة الصلاة، أو عطفٌ على (ما أنزل إليك)، والمراد بهم ا لأنبياء ﵈؛ أي: يؤمنون بالكتب والأنبياء.\nوقرئ بالرفع عطفًا على ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، أو الضميرِ في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، أو على أنه مبتدأ والخبر: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"لا بد من الحمل على هذا حتى يكون للتوصيف فائدة زائدة. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أو المهاجرين\"، وفي (م): \"والمهاجرين\".","vol":"3","page":216},{"text":"﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ورفعُه لأحد الوجوه (^١) المذكورة.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قدِّم عليه الإيمان بالأنبياء والكتب، وما يصدِّقه من اتِّباع الشرائع؛ لأنَّه المقصود من الآية.\n﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ على جمعهم بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-656\"> </span>(١٦٣) - ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.\n﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ بدأ به ﵇ لأنَّه أول مَن شُرِعت له الشرائع، وسنَّت له السنن.\n﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ جوابٌ لأهل الكتاب [عن اقتراحهم] (^٢) أن ينزِّل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاجٌ عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم؛ لأن إبراهيم ﵇ أولُ أُولي العزم، وعيسى ﵇ آخرُهم، والباقون أشراف الأنبياء ومشاهيرُهم، وإنما لم يُذكر موسى ﵇ هاهنا لأن له طريقةً مخصوصة على\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"الأوجه\".\n(^٢) من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٩). ونحوها عبارة \"الكشاف\" (١/ ٥٩٠): (جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابا …).","vol":"3","page":217},{"text":"ما سيأتي التصريح بها، وأيضًا قد أُنزل عليه كتاب من السماء دفعةً واحدة فلا يناسب ذكرَه في الردِّ على ما طلب من مِثل (^١) ذلك.\n﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقرئ: ﴿زَبُورًا﴾ بالضم (^٢)، وهو جمع زِبْرٍ بمعنى مَزبورٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-657\"> </span>(١٦٤) - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.\n﴿وَرُسُلًا﴾ منصوبٌ بمضمَرٍ دلَّ عليه ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ (^٣)، أو بما فسَّره: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ [أي: من قبلِ] هذه السور أو اليومِ.\n﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهو منتهَى مراتب الوحي، خُصَّ به موسى ﵇ من بينهم.\nقوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ لدفع المجاز، قال الفرَّاء: العرب تسمِّي ما وصل إلى الإنسان كلامًا بأي طريق وصل، ولكنْ لا تحقِّقه بالمصدر، فإذا حُقَق به لم يكن إلا حقيقةَ الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-658\"> </span>(١٦٥) - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\n_________\n(^١) \"مثل\" سقطت من (ف) و(ك)، و\"من\" سقطت من (ح)، والمثبت من (م).\n(^٢) هي قراءة حمزة، وقرأ باقي السبعة بفتح الزاي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).\n(^٣) والتقدير: وأرسلنا رسلًا. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٩)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٣٩٧)، وما سيأتي بين معكوفتين منهما.","vol":"3","page":218},{"text":"﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ منصوبٌ على المدح، أو على التكرير للتأكيد، أو على الحال الموطِّئة كقولك: مررت بزيد رجلًا صالحًا.\n﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ لئلا يقولوا: لو لا أَرسلت إلينا رسولًا فيوقظَنا من سِنَة الغفلة، وينبِّهَنا لِمَا يجب الانتباه له.\nومَن قال (^١): وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء ﵈ إلى الناس ضرورةٌ؛ لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، واكثرِ عن إدراك كلياتها= فلم يتنبَّه لعدم مساعدة الاقتصار على التبشير والإنذار لذلك، فإن الأهم حينئذ ذكرُ بيان الأحكام كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\nواللام متعلقة بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ أو بقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، و﴿حُجَّةٌ﴾ اسمُ كان، وخبرُه ﴿لِلنَّاسِ﴾، أو ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ والآخَرُ حال، ولا يجوز تعلُّقه بـ ﴿حُجَّةٌ﴾؛ لأنَّه مصدر، و﴿بَعْدَ﴾ ظرف لها أو صفةٌ.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يغلب (^٢) فيما يريد.\n﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّره، ويدخل فيه تدبيرُه في النبوَّة وتخصيصُ كل نبيٍّ من الأنبياء المذكورين بما خُص به دخولًا أوليًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-659\"> </span>(١٦٦) - ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.\n_________\n(^١) هو البيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٠٩).\n(^٢) في (م): \"لا يغالب \".","vol":"3","page":219},{"text":"﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ استدراكٌ عما دلَّ عليه سؤالُهم، فإنه لمَّا أجاب عن اقتراحهم إنزالَ كتاب من السماء تعنُّتًا، وأحتج عليهم بأن طريق الوحي المنزل على جميع الأنبياء ﵈ على هذا الأسلوب، دل على أنهم لا يشهدون به، وإلا لم يسألوا لوضوحه ولم يتعنَّتوا، فقال: [إنهم لا يشهدون] (^١) لكن الله يشهد، وإنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرِّره.\n﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن المعجز الدالِّ على نبوتك، رُوي أنه لمَّا نزل ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [النساء: ١٦٣] قالوا: ما نشهد لك، فنزلت (^٢).\n﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ حال؛ أي: ملْتبِسًا بعلمه، جملة مفسِّرة أُوردت بيانًا للشهادة؛ أي: بعلمه الخاص وهو العلم بتأليفه على وجه يَعجز عنه كل بليغ، أو بحالِ مَن يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، وعلى هذا يكون الحال عن المفعول، وعلى الأولَينِ عن الفاعل.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيضًا بنبوَّتك.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أي: وكفى بما أقام به من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-660\"> </span>(١٦٧) - ﴿نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.\n_________\n(^١) من \"الكشاف\" (١/ ٥٩٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٠).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٩٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٠). ورواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٦٩٤)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٥٣٤)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"3","page":220},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ لجمعهم بين الضلال والإضلال، ولأن المضلَّ يكون أعرق في الضلال، وأبعدَ عن الانقلاع عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-661\"> </span>(١٦٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بإنكار نبوة محمد ﷺ.\n﴿وَظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالضلال وغيرَهم بالصد والإضلال.\n﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس في عادته تعالى المغفرة لهم ما داموا على ذلك.\n﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾؛ لامتناعهم عن قبول ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-662\"> </span>(١٦٩) - ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.\n﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾؛ لانجذابهم إليها بهواهم، ولا يهديهم يوم القيامة إلا طريقَها.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ لجري حكمه السابق ووعده المحتوم على أن مَن مات على الكفر فهو لا يخرج من النار، و﴿خَالِدِينَ﴾ حال مقدَّرة.\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يصعب عليه ولا يستعظمه.\n* * *","vol":"3","page":221},{"text":"<span id=\"aya-663\"> </span>(١٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ الباء إما للتعدية؛ أي: بالكتاب أو الدِّين الذي هو الحق، أو للمصاحبة؛ أي: ملْتبسًا بالحق.\n﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا قرَّر أمر النبوة، وبيَّن الطريق إلى العلم بها، ووعيدَ مَن أنكرها، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة، والوعد بالإجابة، والوعيد على عدمها.\n﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ أي: إيمانًا (^١) خيرًا لكم، أو: ائتوا خيرًا لكم مما أنتم عليه (^٢).\n﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فإن الله تعالى غنيٌّ عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم؛ لأن له ما في العالَم كله، فحُذف الجزاء وأقيم تعليله مقامه، وعبِّر عن العالم بقطريه.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بأحوال العالَم.\n_________\n(^١) في (م): \"إيمانكم\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: \"تفسير القرطبي\" (٧/ ٢٢٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٠)، و\"البحر\" (٧/ ٤٨٩)، و\"روح المعاني\" (٦/ ٤١١). وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ على هذا القول نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل الذي قبله، وهو: (آمِنوا). وإلى هذا ذهب الفراء. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٢٩٥).\n(^٢) وهذا مذهب سيبويه: أنه منصوب بفعل مضمر وجوبًا. انظر: \"الكتاب\" (١/ ٢٨٢)، و\"البحر\" (٧/ ٤٨٩).","vol":"3","page":222},{"text":"﴿حَكِيمًا﴾ فيما دبَّر له (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-664\"> </span>(١٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تُجاوزوا حدَّ الحق، وهو خطاب لليهود في وضع شأن عيسى ﵊ حتى سمَّوه ولد الزنا، وغلوِّ النصارى برفعه حتى قال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: هو ابنه وقال بعضهم: هو ثالث ثلاثة.\n﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ وهو اصطفاؤه لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وتنزُّهه عن الشريك والصاحب والولد.\n﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ وقد سبق تفسيرُه.\n﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أوصَلَها (^٢).\n_________\n(^١) في هامش (م): \"انتهى ما وجد من سورة النساء كما هو في أصله المنقول منه، ويتلوه سورة الأنعام كما هو في أصله أيضًا\". وفي هامش (ك): \"آخر النساء وسورة المائدة ساقط من الأصل\". وهنا أيضًا انتهى تفسير سورة النساء في (ف). والباقي من (ح) وحدها.\n(^٢) تحرفت في (ح) إلى: \"وأصلها\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٥٩٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١١)، وفيهما: أوصلها إليها وحصلها فيها.","vol":"3","page":223},{"text":"﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ أي: صدر منه بلا توسُّط ما يجري مجرى الأصل والمادة، وسُمي روحًا لأنَّه كان يُحيي الأموات أو القلوب.\n﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي آمِنوا باللّه بأنه إلهٌ واحد لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد، وبعيسى ﵊ بأنه عبده ورسوله، ولمَّا كان تكذيبه تكذيبًا للرسل كلهم قال: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ ولم يقل: ورسوله؛ تعظيمًا لشأنه، وبهذا البيان اتَّضح وجه التفريع على ما تقدم.\n﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: اللهُ ثلاثةٌ، على ما استفاض من قولهم بثلاثة أقانيم: الآب أرادوا به الذات، والابن وأرادوا به العلم، وروح القدس وأرادوا به الحياة، والإلهية ثلاثة: الله والمسيح ومريم على ما ذكر في قوله تعالى ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦].\n﴿انْتَهُوا﴾ عن التثليث ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ نصبُه كما سبق.\n﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: واحد بالذات لا تعدُّد فيه بوجهٍ من الوجوه.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ أُسبِّحه تسبيحًا من أن يكون له ولد، فإنه يكون لمن يعادله (^١) أحد.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وحقَّا لا يعادله بشيء من ذلك فهو كالدليل لمَا تقدم.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، أي: لأنَّه تعالى كافٍ في تأثير العالم وتدبيره، وعلى تقدير وجود الشريك يلزم أحد المحذورين: عدمُ كفايته تعالى في التأثير والحفظ، وعدمُ كون الشريك شريكًا.\n* * *\n_________\n(^١) في (ح): \"يعادل\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١١).","vol":"3","page":224},{"text":"<span id=\"aya-665\"> </span>(١٧٢) - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.\n﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾: لن يأنف، من نَكَفْتُ الدَّمع (^١): إذا نحَّيتَه بأصبعك لئلا يرى أثره عليك.\n﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: من أن يكون عبدًا له تعالى، فإن عبوديته شرفٌ يباهي به، وإنما المذلة (^٢) والاستنكاف في عبودية غيره.\nرُوي: أن وفد نجران قالوا لرسول اللّه ﷺ: لمَ تعيبُ صاحبنا؟ قال: \"ومن صاحبكم؟ \" قالوا: عيسى، قال: \"وأيُّ شيء أقول؟ \"، قالوا: تقول: إنه عبد الله، قال: \"إنه ليس بعارٍ أن يكون عبدًا لله\" قالوا: بلى، فنزلت (^٣).\n﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ عطف على ﴿الْمَسِيحُ﴾؛ أي: ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيدًا لله.\nلمَّا كان عيسى ﵊ ممتازًا عن بني نوعه بأمرين صالحين لأن يعظَّم بهما ويُظنَّ أنه يستحق بذلك أن يُرفع عن منزلة العبودية:\nأحدهما: كونه ﵊ مخلوقًا من غير أب.\nوالثاني: كونه مرفوعًا إلى السماء.\n_________\n(^١) في (ح): \"الدفع\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٥٩٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١١).\n(^٢) في (ح): \"المذلقة\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١١).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٩٦ - ٥٩٧)، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ١٨٧) عن الكلبي.","vol":"3","page":225},{"text":"وكلٌّ من هذين الأمرين حاصل للملائكة المقرَّبين على وجه أقوى وأكمل - أما الأول: فلأنهم فخلوقون من غير أب وأم، وأما الثاني: فلأنهم ساكنون فوق العرش - كان المناسبُ أن يذكروا بعد عيسى ﵊ على وجه الترقِّي.\nوبما قرَّرناه ظهر وجه تقييدهم بالمقرَّبين، واتَّضح أنه لا متمسَّك في الآية لمن ذهب إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ في عطف ﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ على ﴿يَسْتَنْكِفْ﴾ نوعُ مبالغة؛ لأن الاستكبار دون الاستنكاف في الترفُّع، إن في الاستنكاف توهُّمَ لحوق العار والنقص، وفي الاستكبار طلبَ العلوِّ والكبرَ بغير الاستحقاق فحسب.\n﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه سواه؛ كما يقال: صار أمر فلان إلى القاضي؛ أي: لا يملكه غيري، ولا يراد بذلك المكان الذي فيه القاضي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-666\"> </span>(١٧٣) - ﴿(١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:","vol":"3","page":226},{"text":"لا خفاء في أن الآية مشتملة على ذكر الفريقين، فالتفصيل مطابق للمفصَّل، وضمير المفعول في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ عائد إلى الجمع، أي: يجمع الكل من المستنكفين ومقابِليهم إليه للمجازاة، فقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ تفصيلٌ لِمَا ذكر وبيانٌ لمآل أحد الفريقين، وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ إلخ بيانٌ لحال الفريق الآخر.\nوالتعبير عن الأول بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لتعميم الحكم المذكور بما عدا عيسى والملائكةَ المقربين من المؤمنين الذين عملوا الصالحات، والتنبيهِ على أن ترك الاستنكاف والاستكبار أثرُ الاعتقاد الصحيح والاعتبارِ بالعمل الصالح.\nوأما ما قيل: الضمير المذكور للفريق الثاني، والمعنى: فسيحشرهم لمجازاتهم فإن إثابة مقابِليهم والإحسان إليهم تعذيبٌ لهم بالغم والحسرة = فلا يساعده دخول كلمة (أمَّا) على الفريقين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-667\"> </span>(١٧٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ البرهان هو دينُ الحقِّ، أو رسولُ الله ﵊، والنورُ المبين هو القرآن المعجِز البيِّن بنفسه المُبيِّنُ للدِّين والمصدِّقُ للرسول ﵊، والمراد بهما القرآن باعتبار كونه حجةً على الناس مبيِّنًا للأحكام.","vol":"3","page":227},{"text":"أو البرهانُ: المعجزات (^١)، والنورُ: القرآن، يعني: تعاضَد دليلا العقل والنقل فلم يبقَ لكم عذر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-668\"> </span>(١٧٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ الفاءُ فصيحةٌ للعطف على قرينه المحذوف، وإنما حذف للدلالة على فظاعة شأن مَن يكفرُ بالله ولم يعتصِم به واعتصم بالطاغوت.\n﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾: ثوابٍ عظيمٍ موعودٍ على الإيمان والعمل الصالح رحمةً منه، لا قضاءً لحقٍّ وجَب عليه.\n﴿وَفَضْلٍ﴾: إحسانٍ زائدٍ على الموعود.\n﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾: إلى الله، وقيل: إلى الموعود.\n﴿صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريقُ الجنة في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-669\"> </span>(١٧٦) - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ح): \"المعجز\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٢).","vol":"3","page":228},{"text":"﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: في الكلالة، حُذف لدلالة الجواب عليه.\nرُوي: أن جابر بن عبد اللّه ﵁ مرض فعاده رسول الله ﷺ، فقال: إني كلالةٌ فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (^١)، وهي آخِرُ ما نزل في الأحكام.\n﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ سبق تفسيرها في أوائل السورة.\n﴿امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ارتفع ﴿امْرُؤٌ﴾ بمضمَر يفسِّره الظاهر، و﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ صفةٌ له، ولا يجوز أن يكون حالًا عن المستكنِّ في ﴿هَلَكَ﴾ لأنَّه تفسير غيرُ مقصود (^٢).\nوربما يُدَّعَى أنه لا ضمير فيه؛ لأنَّه تفسير للفعل فقط.\nوالواو في ﴿وَلَهُ﴾ تحتمِل الحالَ والعطف.\nوالمراد من الأخت من الأب أعمُّ من أن تكون من الأم أيضًا أو لا؛ لأنَّه جُعل أخوها عصبةً، وابنُ الأم لا يكون عصبة، والولد على ظاهره فإنَّ الأخت وإنْ ورثت مع البنت عند عامة العلماء لكنها لا ترث بالفرض.\n﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾؛ أي: والمرءُ يرث أخته إن كان الأمر بالعكس.\n﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ ذكرًا كان أو أنثى؛ لأن الابن يُسقطه، والبنتُ وإن لم تسقطه\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٩٤)، ومسلم (١٦١٦)، من حديث جابر ﵁.\n(^٢) رد على البيضاوي في قوله: (ليس له ولد صفة له [يعني: لـ ﴿امْرُؤٌ﴾] أو حال من المستكن في ﴿هَلَكَ﴾). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٢). ومعنى كون ﴿هَلَكَ﴾ تفسيرًا غير مقصود: أنه مفسر للرافع لـ ﴿امْرُؤٌ﴾ فهو غير مقصود لذلك. ولأبي حيان رحمه كلام طويل في بيان ذلك انظره في \"البحر\" (٧/ ٥٠٥).","vol":"3","page":229},{"text":"لكنها مَنعت حيازته المال، وهي الظاهر المتبادِر من إطلاق ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾، كما أن الظاهر من إطلاق الولد ما يتناول البنت.\nوالآيةُ كما لم تدلَّ على سقوط الإخوة بغير الولد لم تدلَّ على عدم سقوطهم به، وقد دلَّت السنَّة على سقوطهم بالأب.\nومن بِدَعِ الكلام (^١): ما خطر ببعض الأوهام، في هذا المقام؛ من أنه يجوز أن يُدلَّ بحكم انتفاء الولد على حكم انتفاء الوالد؛ لأن الولد أقربُ إلى الميت من الوالد، فإذا ورث الأخ عند انتفاء الأقرب فأَولى أن يرث عند انتفاء الأبعد، ولا يخفى على ذوي الأفهام، أنه لا انتظام له مع ما سيق له الكلام؛ لأن الحكم المطلوب ليس هو إرثَ الأخ عند انتفاء الوالد (^٢)، بل عدمُ إرثه عند وجوده، ثم إن ما ذكره في معرض التعليل غيرُ مسلَّم.\n﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ الضمير لمن يرث بالأخوة، لكنْ طُوبق بالضمير الخبرُ في التثنية كما طوبق به في قولهم: مَن كانت أمك؟ في التأنيث، وكذا في قوله:\n﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾ طوبق به في الجمع وغلِّب التذكير، وفائدة الإخبار عنه باثنتين: التنبيهُ على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما.\n﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قد سبق ما يتعلق به في أوائل السورة.\n_________\n(^١) رد على الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" (١/ ٥٩٩).\n(^٢) كذا في (ح)، ولعل الصواب: \"الولد\".","vol":"3","page":230},{"text":"﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: بيَّن الأحكام كلها في الحياة والممات، ولمَّا كان المفعول عامًّا معلومًا حذف وجعل الفعل كاللازم.\n﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: كراهةَ أن تضلوا.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو عالِمٌ بمصالح حياتكم ومماتكم في الدنيا والآخرة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) من أول تفسير الآية (١٧١) إلى هنا موجود فقط في نسخة الحرم المكي المرموز لها بـ (ح)، وليس في باقي النسخ كلما أشرنا إليه في أوله.","vol":"3","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>سُورَةُ المَائِدَةِ</span>\nمدنية مئة وعشرون آية\n﷽\n\n<span id=\"aya-670\"> </span>(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تشريفٌ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ تكليفٌ، ولمَّا علم أن في التكليف بإيفاء العقود كلِّها كلفةً قدَّم التشريف بالنداء على التكليف بالأداء.\nوالوفاءُ والإيفاءُ: القيام بمقتضى العهد.\nوالعَقْد: العَهْدُ الموثَّق، فإن العهد إلزامٌ والعقدَ التزامٌ على سبيل الإحكام.\nشبَّه العهد بالحبل، وشبَّه الموثَّق منه - كالعزيمة الموثَّقة بالأمر الموجَب - بعقد الحبل، والظاهر نظرًا إلى براعة الاستهلال وما فيها من التفصيل بعد الإجمال: أن المراد عقود الله تعالى عليهم في دِينه الكريم من التحليل والتحريم، وحالُ سائر ما يجب الوفاء به من العقود يُعلم بطريق الدلالة، وفي هذه الإحالة إعمالُ النص عبارةً ودلالةً، والإعمال خير من الإهمال.\nولشدَّة الاعتناءِ بتلك العقودِ أَمَرنا بالوفاء بها مجمَلًا، ثم فصَّلها بقوله تعالى:\n﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ إلى آخر الأحكام، والبهيمة: كلُّ حيٍّ لا يميز، ثم اختص بذوات الأربع، وإضافتُها إلى الأنعام للبيان، ومعناه: البهيمة من الأنعام؛","vol":"3","page":235},{"text":"لقوله تعالى في سورة الحج (^١): ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ [الحج: ٣٠]، وهي الإبلُ البقر والغنم، سميت بذلك للِين (^٢) مسِّها، وزيدَ هنا عبارة البهيمة إشارةَ إلى ردِّ قول الثَّنَوية الذين لا يَرون ذبح الحيوانات وأكلَها، ويقولون: هي بهائم لا تَعقل، وأكلها من القسوة وقلة الرحمة.\n﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾؛ أي: يُبيَّن (^٣) لكم حالُه، يعني: من جهة الحرمة بقرينة الاستثناء من التحليل، وهذا أبلغ إيجازًا في التعبير، والمصيرُ في مثل هذا إلى التقدير مِن ضِيق العَطَن كما لا يخفى على أصحاب الفِطَن.\nوفيه بيان أن (^٤) التحريم لا يكون إلا بنصٍّ متلوٍّ (^٥).\n﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ حالٌ من الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، و﴿الصَّيْدِ﴾ يحتمِل المصدرَ والمفعول.\n﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿مُحِلِّي﴾، والحُرُم: جمع حرامٍ، وهو المُحْرِم، وتقديره: أَحِلُّوا بهيمةَ الأنعام غيرَ محلِّين لها في الإحرام إذا كان صيدًا، والأنعام يتناولها لأن البقرة الوحشية منها والظباءُ كالعُنوز، فالمستثنى منه ينتظمها\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"والقرآن يفسر بعضه بعضًا. منه\".\n(^٢) م \"للين\" من (ي).\n(^٣) في (ي): \"بين\".\n(^٤) \"بيان أن\" من (ي).\n(^٥) في هامش (ي): \"سواء كان من كلام الله تعالى كقوله: ﴿عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ الآية، أو من كلام الرسول ﵇ كقوله: \"كل ذي ناب من السباع حرام\" فمن جوَّز أن يكون تقدير الكلام: إلا ما يتلى عليكم آيةُ تحريمه لم يصب، ثم إنه لا حاجة إلى تقدير الدالِّ، فإن نسبة التلاوة إلى المدلول على طريق الإسناد المجازي شائع ذريع. منه\".","vol":"3","page":236},{"text":"دلالةً، وإذا أَحَلَّ لهم بعض الإنعام في حال امتناعهم من الصيد فبأَنْ يُحِلَّها لهم وهم غيرُ محرِمين بطريق الأَولى.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أراد به التعميم، ودخل فيه التحليل والتحريم دخولًا أوليًّا، فلا مساغَ للسؤال بأن الصيد أحقُّ بالإحلال من الأنعام في حالة الإحرام؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-671\"> </span>(٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: جمع شعيرة، وهي اسم ما أُشعر؛ أي: جُعل شعارًا، سُمي به أعمالُ الحج ومَواقفه لأنها علاماته وأعلام النُّسك، والمراد بإحلال الشعائر وما يتبعها: التهاون بحرمتها، والتعرُّض لها (^١)؛ كالحيلولة بينها وبين المتنسِّكينَ بها، وإحداثِ ما حرَّمه الشرع في الشهر الحرام من صيد وغيره، ومنعِ الهدي وغَصْبه.\n﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: اسمُ جنسٍ (^٢) يقع على الأشهر الحرُم كلِّها.\n﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾: ما أُهدي إلى الكعبة، جمع هَدْيةٍ؛ كجَدْيٍ في جمع جَدْيَةٍ.\n﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾؛ أي: ذواتِ القلائد من الهدْي وهي البُدْن، وفي عطفها على\n_________\n(^١) في (ي): \"بها\".\n(^٢) في (ع): \"جمع\".","vol":"3","page":237},{"text":"الهَدْي إظهارُ فضلها، أو القلائدُ أنفسها، وفيه المبالغة في النهي عن التعرُّض للهَدي.\nوالقلائد: جمع قِلادةٍ، وهو ما قلِّد به الهديُ من نعلٍ أو لحاءِ شجرٍ ليُعلَم به أنه هديٌ فلا يُتعرضَ له.\n﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: قاصدين زيارتَه (^١).\n﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أنْ يثبِّتهم ويرضى عنهم، والجملة حالٌ من المستكن في ﴿آمِّينَ﴾ لأن التقدير: ولا قومًا آمِّين، ولا يجوز أن يكون صفةً لـ ﴿آمِّينَ﴾ إذ المختارُ أنه إذا عمل قام مقام الفعل فلا يوصف (^٢)، وفائدتُه: تعظيمهم، والتنبيهُ (^٣) على علة وجوب الامتناع عن التعرُّض لهم، واستنكارُ أن يُتعرَّض لقوم هذه صفتُهم.\nوقالوا: المراد من ابتغاء فضل الله تعالى طلبُ الرزق بالتجارة؛ أي: سواءٌ قصدوه لمصلحة الدنيا أو لمصلحة الآخرة، والعطف بالواو الواصلة دون (أو) (^٤) الفاصلة لدفعِ وهم منع الجمع بينهما، وسببُ النزول إنما يساعد هذا؛ إذ روي: أنها نزلت في عام قضاء العمرة في حجَّاج اليمامة لمَّا همَّ المسلمون أن يتعرَّضوا لهم\n_________\n(^١) في (ي): \"لزيارته\".\n(^٢) في هامش (ي): \"هذا أولى مما قيل: إن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل، إذ يتجه حينئذ أن يقال: إعماله هنا قبل أن يوصف. منه\".\n(^٣) في (ع): \"والتنبه\".\n(^٤) \"أو\" من (ي).","vol":"3","page":238},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾ [المائدة: ١] بسبب أنه كان فيهم الحُطَمُ شريحُ بن ضَبيعةَ، وكان قد استاق سرحَ المدينة (^١)، وعلى هذا فالآيةُ منسوخة.\nوالمراد من الرضوان ما في زعمهم؛ لأن الكافر لا نصيبَ له منه.\nوقرئ: (تبتغون) على خطاب المؤمنين (^٢).\n﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ وقرئ: (أَحْلَلْتُم) (^٣)، يقال: حلَّ المحرِمُ وأَحَلَّ.\n﴿فَاصْطَادُوا﴾ إذْنٌ في الاصطياد بعد زوال المحرِّم.\n﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أي: لا يَحملنَكم ولا يَكْسِبَنَكم\n﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: شدةُ بغضهم، وهو مصدرٌ أضيف إلى المفعول أو الفاعل، وقرئ بسكون النون (^٤)، وهو أيضًا مصدر كليَّان (^٥)، أو نعتٌ بمعنى: بُغضُ قوم، وفَعْلان في النعت أكثرُ.\n﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^٦): لِأَنْ يصدُّوكم عنه، يعني: عامَ الحديبية، وقرئ بكسر الهمزة (^٧) على أنه شرطٌ معترِض أغنى عن جوابه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٨/ ٣١) مطولًا عن السدي وعكرمة.\n(^٢) نسبت لحميد بن قيس والأعرج. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣١)، و\"الكشاف\" (١/ ٦٠٢).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (١/ ٦٠٢).\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).\n(^٥) الليان: المطل، من لويته ليانًا.\n(^٦) في (ي): \"أن يصدوكم .. \" وجاء في هامشها: \"هكذا عن نسخة المؤلف، وصوابه: أن صدوكم\".\n(^٧) هي قراءة ابن عامر وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).","vol":"3","page":239},{"text":"﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ بالانتقام، وهو ثاني مفعولي ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ فإنه يتعدى إلى مفعولٍ وإلى اثنين ككَسَبَ، ومَن قرأ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بضم الياء (^١) جعله منقولًا من المتعدِّي إلى مفعولٍ بالهمزة إلى مفعولين.\n﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: على فِعل الإحسان وتركِ العصيان بالعفو والإغضاء.\n﴿وَلَا تَعَاوَنُوا﴾؛ أي: ولا تتعاونوا، حُذف إحدى التاءين تخفيفًا.\n﴿عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ للتشفي والانتقام، والإثم: الوِزْر، والعدوان: مجاوزة الحد.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن عصاه وما اتَّقاه، والعقاب: ما يَعْقبُ الجُرم مما يَسوءُ صاحبَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-672\"> </span>(٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بيانُ ﴿مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ والميتة: ما يموت بغير تَذْكيَة.\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣١)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٠٦)، و\"الكشاف\" (/).","vol":"3","page":240},{"text":"﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوح؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وكان أهل الجاهلية يصبُّونه في الأمعاء ويَشوونها.\n﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ أُريد بلحمه: ما يؤكل منه مطلقًا على طريقةِ ذِكر الجزءِ وإرادةِ الكلّ.\n﴿وَمَا أُهِلَّ﴾ أي: رُفع الصوتُ ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وهو قولهم: باسم اللات والعزى، ونحوُه، عند ذبحه.\n﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: التي ماتت بالخنق.\n﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي ماتت بضرب خشبٍ (^١) أو حجرٍ، والوَقْذ: شدَّة الضرب.\n﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي تَردَّتْ من عُلوٍ أو في بئرٍ فماتت.\n﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: التي ماتت من نطحِ أخرى، والتاء للنقل (^٢).\n﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أي: أكله ذو ناب وأظفار من الحيوان، يعني: افترسه فأهلكه (^٣)، سواءٌ أكل منه أو لم يأكل، والاستثناءُ الآتي ذكرُه قرينةٌ لعدم إرادة الحقيقة من الأكل، وفي تقدير: منه، إخراجُ ثاني القِسمين المذكورين عن حيِّز الإرادة، ولا وجه له لعدم الفرق بينهما في الحرمة (^٤).\n_________\n(^١) في (ع): \"خشبة\".\n(^٢) أي: للنقل من الوصفية إلى الاسمية.\n(^٣) في (ع): \"فأكله\".\n(^٤) في هامش (ي): \"ومن غفل عن هذا قال: وهي تدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم يحل، ثم إنه غفل عن أن السبع لا ينتظم ما لا ناب له من الجوارح وعن أنه يؤكل وإن أكل منه البازي منه\".","vol":"3","page":241},{"text":"﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أطلق الذَّكاة لينتظِم غيرَ الاختياري، وهي بالتسمية عند إرسال الجارح، والشرع إنما اعتبر قطعَ الحلقوم والمريِ بمحدَّدٍ في الذكاة الاختياري، ومَن لم يتنبَّه لهذا قال: إلا ما أدركتُم ذكاتَه وفيه حياةٌ مستغرق (^١)، ثم إنَّ قيد الاستقرار لا يصحُّ اعتباره عندنا ولا عند الشافعي ﵀ على الأشهر من قوله، والاستثناء مما يَقبل الذَّكاة من الخمسة المذكورة.\n﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ هو واحد الأنصاب، كانت لهم حجارةٌ منصوبةٌ حول البيت يذبحون عليها وَيشرحون اللحم عليها يعظِّمونها بذلك، يَعُدُّونه قربةً يسمونها الأنصاب.\n﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ عطفٌ على ﴿الْمَيْتَةُ﴾ كالبواقي؛ أي: حرِّم عليكم الاستقسام بالأزلام، وهي الأقداح، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلًا ضربوا ثلاثة أقداح مكتوبٍ على أحدها: أمرني ربي، وعلى الآخر، نهاني ربي، والثالث غُفْلٌ، فإن خرج الأمر مَضَوا على ذلك، وإن خرج النهي اجتنبوا عنه، وإن خرج الغُفل أجالوها ثانيًا، فمعنى الاستقسام: طلبُ معرفة ما قُسم لهم دون ما لم يُقسم بالأزلام.\nوقيل: هو استقسامُ الجزور بالأقداح على الأَنْصِباء المعلومة.\nوواحد الأزلام: زَلَمٌ كجَمَلٍ، أو زُلَمٌ (^٢) كصُرَدٍ.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٤)، وفيه: (حياة مستقرة)، وكذا نقله عنه الطيبي في \"فتوح الغيب\" (٥/ ٢٦٩). قال الشهاب في \"الحاشية على البيضاوي\" (٣/ ٢١٧): والحياة المستقرّة هي التي لا تكون على شرف الزوال قيل، وعلامتها أن تضطرب بعد الذبح لا وقت الذبح فإنه لا يحسب.\n(^٢) في (ع): \"وزلم\".","vol":"3","page":242},{"text":"﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ إشارة إلى الاستقسام.\n﴿فِسْقٌ﴾ لأنَّه ضلال باعتقادهم أنه طريق إلى علم الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به، وافتراءٌ على الله تعالى بقولهم: أمرني ربي، وإن كان المراد بالرب الصنم فشرك، هذا على المعنى الأول، وعلى الثاني فظاهرٌ؛ لحرمة الميسر.\nلمَّا حلَّل ما حلَّل، وحرَّم ما حرَّم، وختم الكلام بوجهٍ أحكم، حرضهم على التمسك بما شرع لهم فقال تعالى:\n﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: أن يُبْطلوه، وأن تَرجعوا محلِّلين لهذه الخبائث بعدما حرِّمت عليكم، أو: أن يغلبوكم عليه، إن الله تعالى وفَى بعهده من إظهاره على الدِّين كله.\nو(اليوم) في مثل هذا مجازٌ عن الزمان الحاضر وما يُدانيه من الماضي والمستقبل، كقولك: كنتَ بالأمس شابًّا وأنت اليوم أشيَبُ.\n﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ أن يظهروا عليكم ﴿وَاخْشَوْنِ﴾: وأخلِصوا الخشية لي.\n﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوفيقِ على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد؛ لأنها نزلت بعرفاتٍ عامَ حَجةِ الوداع ولم يكن بعدها شرعٌ، قاله ابن عباس ﵄ (^١).\n﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بفتح مكة وهدم منار (^٢) الجاهلية.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ٨٠).\n(^٢) \"منار\" من (ي).","vol":"3","page":243},{"text":"ذكر في حقِّ الدِّين الإكمالَ وفي حقِّ النعمة الإتمام؛ لأن الكامل ما لا يحتمِل المزيدَ عليه والتمامَ يحتملُه.\n﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾: اخترتُه لكم ﴿دِينًا﴾ من بين الأديان، وهو الدِّين عند اللّه تعالى.\n﴿فَمَنِ اضْطُرّ﴾ متصلٌ بذكر المحرَّمات، والتفريعُ باعتبار مفهوم الشرط الآتي ذكرُه (^١)، وما بينهما اعتراضٌ أكِّد به معنى التحريم ببيان علَّته، والإشارةِ إلى أن تحريم تلك الخبائث من جملة تكميل الدين وتتميمِ النعمة برفعِ عادات أهل الشرك ويأسهم من رجوعكم عن دينكم.\n﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ متعلّق بـ ﴿اضْطُرّ﴾ ومعنى اضطُر: أُصيب بالضرِّ الذي لا يمكنُه الامتناع من تناول ما يجد من جنس المأكول. ومعنى المخمصة: المجاعةُ؛ لأنها تَخْمصُ لها البطونُ؛ أي: تَضْمُر.\n﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾: غير مائلٍ له ومنحرِفٍ إليه بأنْ يأكلها تلذُّذًا أو مجاوِزًا حدَّ الرخصة؛ لقوله تعالى ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣].\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لا يؤاخذه بأكله بالجملة ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يُحبط حسناتهم بذلك، ولا ينقصُ أجورها، وذلك أن الأكل لتحصيل القوة الوافية لإقامة العبادة المفروضة حسنةٌ يثاب عليها العبد، فافهم هذه الدقيقة الأنيقة.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"فيه دلالة على حجة مفهوم الشرط. منه\".","vol":"3","page":244},{"text":"<span id=\"aya-673\"> </span>(٤) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ لمَّا تضمَّن السؤال معنى القول أُوقع على الجملة وأُجريَ الكلام على الغيبة مطابقًا لـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ حكايةً عما قالوه، والمسؤول ما أُحل لهم من المآكل، فإنهم لمَّا تُلي عليهم ما حُرِّم عليهم سألوا عما أحل لهم، وقد سبق الكلام في (ماذا) (^١).\n﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾: ما لم تَستخبِثْه الطباع السليمة ولم تَنفِر عنه، وفيه التنبيهُ على أن تحريم ما حُرم (^٢) لخباثته.\nوقيل: ما لم يدلّ نصٌّ ولا قياسٌ على حرمته.\nوفيه: أن الجواب حينئذ لا يكون شافيًا في حق غير المجتهد.\n﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ عطفٌ على ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ إن جُعل (ما) موصولةً على تقدير: وصيدُ ما علَّمتُم، أو مبتدأ خبره: ﴿فَكُلُوا﴾ على أن (ما) موصولةٌ متضمِّنةٌ معنى الشرط، أو شرطيةٌ جوابها ﴿فَكُلُوا﴾، والواو عاطفة للجملة على الجملة.\nوالجوارح: كواسبُ الصيد على أهلها من سباعِ ذواتِ الأربع والطيرِ.\n_________\n(^١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [البقرة: ٢٦].\n(^٢) في هامش (ي): \" [مَن] قال: من المطاعم، فقد غفل عن عمومها للمشروبات، أو عن اختصاص الكلام في المأكولات، فإن قوله بعده: ﴿فَكُلُوا﴾ ظاهر فيه. منه\". وما بين معكوفتين زيادة يقتضيها الكلام.","vol":"3","page":245},{"text":"﴿مُكَلِّبِينَ﴾ من الكَلَب الذي هو معنى الضراوة، يقال: هو كَلِبٌ بكذا، إذا كان ضاريًا به.\nوقيل: معناه: معلِّمين إياه الصيدَ، مشتقٌّ من الكَلْب؛ لأن التأديب يكون فيه أكثرَ، أو لأن كلَّ سَبُعٍ يسمَّى كلبًا؛ لقوله ﷺ اللهم: \"سَلِّطْ عليه كلبًا مِن كلابِكَ\" (^١)، ويأباه كونه حالًا من ﴿عَلَّمْتُمْ﴾، وفائدتها أن يكون المعلِّم ماهرًا في التعليم موصوفًا بالتكليب.\n﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ أخرى للتأكيد، أو استئناف.\n﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ من علم التأديب والتكليب؛ لأنَّه (^٢) إلهام من الله تعالى يُقتنص بالفطنة الصافية، أو: مما عرَّفكم أن تعملِّوه؛ من اتِّباع الصيد بإرسال صاحبه، وانصرافه بدعائه، وانزجاره بزجره (^٣)، وإمساكه عليه وامتناعِه عن أكله.\n﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ إمساكُ الكلب الصيدَ على صاحبه: أن لا يأكل منه؛ لقوله ﷺ لعَديِّ بن حاتم: \"وإنْ أَكَل منه فلا تأكُلْ، إنَّما أَمْسَكَ على نفسه\" (^٤).\nهذا في صيد الكلب ونحوِه، فأما صيدُ البازيِّ ونحوِه فأكلُه لا يحرِّمه عندنا، ويُعْرف هذا في الفقهيَّات.\n_________\n(^١) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٩٨٤)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٢١١).\n(^٢) في (ع): \"لأنها\".\n(^٣) \"بزجره\" من (ي).\n(^٤) رواه البخاري (١٧٥)، ومسلم (٢٠٢٢)، من حديث عمر بن أبي سلمة ﵁.","vol":"3","page":246},{"text":"و(من) للتبعيض؛ لأن المجروح منها يؤكل دون المخنوق، وأيضًا ما يؤكل منها هو اللحوم والشحوم دون الدم والعظم.\n﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضميرُ لـ (ما أمسكن)؛ أي: إذا أدركتُم ذكاتَه، أو لـ (ما علَّمتم)؛ أي: عند إرساله، أو للأكل؛ لقوله ﷺ: \"سَمِّ الله، وكُلْ ممَّا يَليك\" (^١) ويرجِّح هذا تأخيرُه عن الأمر بالأكل، فإنه على الأوَّلَينِ حقُّه التقديمُ عليه.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: واحذروا مخالفة أمره ونهيه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ للجزاء، لا يشغله شأن عن شأنٍ، فلا يستدعي مهلةً وزمانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-674\"> </span>(٥) - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كرَّره للمِنَّة، وكان الأول لبيان حكم النعمة.\n﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾ يعني: ذبائحَهم، بدلالة سياق (^٢) الكلام، ولا بد من هذا التخصيص؛ لأن سائر الأطعمة لا يَختص\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (١٩٢٩).\n(^٢) في (ي): (سباق).","vol":"3","page":247},{"text":"حلُّها بأهل الكتاب، قال ﷺ في المجوس: \"سُنُّوا بهم سُنّةَ أهل الكتاب غيرَ ناكِحِي نسائهِم ولا آكِلِي ذبائحَهم\" (^١).\n﴿وَطَعَامُكُمْ﴾: ذبائحُكم ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ وفيه ردٌّ لامتناعهم عن ذبيحتنا، وتعميمُ الطعام في المقامين يُحوج الكلامَ إلى مزيدِ تقديرٍ (^٢).\n﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: العفائفُ منهم (^٣)، وتخصيصُه بعثٌ على ما هو الأولى.\n﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يستوي فيه الحربيَّاتُ وغيرُهن خلافًا لابن عباس ﵄، والحرائرُ والإماءُ خلافًا للشافعي ﵀، ومَن رام حِفظَ مذهبه وفَسَّر المحصنات في الموضعين بالحرائر العفائف فقد أَخلَّ به من حيث لم يَدْرِ، وكان يكفيه تخصيصُ المحصنات المذكورة ثانيًا بمعنى العفائف بالحرائر بقرينةِ قوله:\n_________\n(^١) هذا حديث مجموع من حديثين مرسلين، فقد قال الحافظ في \"الدراية\" (٢/ ٢٠٥): (لم أَجِده هكذا، ولكن رَوَى عبد الرَّزَاق وابن شيبة من طريق الحسن بن محمَّد بن الحنفية رفعه: كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام فمَن أسلم قُبل منه ومن لم يسلم ضربت عليه الجِزيَة غير ناكحي نسائِهم ولا آكِلِي ذبائحِهم. ولمالك عَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف رَفعه سنوا بهم سنة أهل الْكتاب). قلت: رواه مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨) عن جعفرِ بن محمَّد بن عليٍّ عن أبيه: أنَّ عُمرَ ابن الخَطاب ذَكَرَ المَجُوسَ فقال: ما أدري كيف أَصنعُ في أَمْرِهِم؟ فقال عبد الرحمن بن عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"سُنُوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكِتابِ\". قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/ ١١٦ - ١١٤): هذا حديث منقطع لأن محمد بن علي لم يلق عمر ولا عبد الرحمن بن عوف … ولكن معناه متصل من وجوه حسان.\n(^٢) في هامش (ي): \"مَن قصَر ذكر التقديرِ بأحدهما فقد قصَّر. منه).\n(^٣) كذا في النسختين، والصواب: \"منهن\".","vol":"3","page":248},{"text":"﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ لأن مهرَ الأمة لا يُدفع إليها بل إلى سيِّدها، والتعبير عن المهر بالأجر للتنبيه على أن أثر النكاح ملكُ المتعة لا ملكُ اليمين، والمراد من الإعطاء الالتزامُ كما في آية الجزية، وفائدةُ المجاز: المبالغةُ في وجوب إيتاء المهر، وإلا فهو ليس شرطًا للنكاح، والكلام كنايةٌ عن النكاح بالمهر؛ أي: إذا نكحتموهن بالمهور؛ لكونه في مقابلة الزنا سرًّا وعلانيةً.\n﴿مُحْصِنِينَ﴾: أَعِفَّاءَ بالنكاح ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ بالزنا.\n﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ قال الزجَّاج: المسافحُ والمسافحةُ: الزانيان غيرَ ممتنعَينِ مِن أحدٍ، فإذا كانت تزني بواحدٍ فهي ذات خِدْنٍ، فحرَّم الله تعالى الزنا على كلِّ حالٍ: على السِّفاح، واتخاذِ الصديق (^١).\nوقال ابن عباس ﵄: الخِدْنُ هو الصديق الذي يكون للمرأة يزني بها سرًّا، كذا كان في الجاهلية، والسِّفاح: ما ظهر (^٢) منه، وكان فيهم مَن يحرِّم ما ظهر من الزنا ولا يحرِّم ما خَفِي منه (^٣).\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾: بمقتضاه من أحكامه وشرائعه مما أَحلَّ اللّه تعالى وحرَّم، ولا يخفى ما في هذا (^٤) المجاز من المبالغة، والإشعارِ بأن الشرائع من لوازم الإيمان، وإنكارُها كفرٌ؛ لانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم.\n﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ مقتضَى الظاهر العطفُ بالفاء\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٧).\n(^٢) في (ع): \"أظهرت\".\n(^٣) انظر: \"البحر\" (/)، ورواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٦٠٣).\n(^٤) \"هذا\" من (ع).","vol":"3","page":249},{"text":"التفريعية، وإنما عدل عنه تنزيلًا لخسران العمل منزلة العدم؛ للمبالغة في تعظيم ذلك الخسران المبهم، فافهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-675\"> </span>(٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تخصيصُ الخطاب بالمؤمنين لاختصاصِ الغاية التي ذكرها بهم، فلا دلالة فيه على أن الكفار غيرُ مكلَّفين بالعبادات.\n﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ تعدِيَةُ القيام بـ ﴿إِلَى﴾ صريحٌ في معنى التوجُّه والقصدِ؛ لأن القيام بمعنى الانتصاب لا يتعدى بـ (إلى) (^١).\nوظاهرُ الآية يُوجب الوضوء على كلِّ قاصد إلى الصلاة محْدِثًا كان أو غيرَ محدثٍ، والإجماع على خلافه؛ لِمَا رُوي أنه ﷺ صلى الخَمْسَ بوضوء واحد يوم الفتح (^٢)، فلا بد من تخصيص الخطاب بالمحْدِثين (^٣)، أو صرفِ الأمر إلى النَّدب، أو القولِ بالنسخ، ولا وجه للاحتجاج بقوله ﷺ: \"المائدة من آخر القرآن نزولًا،\n_________\n(^١) في هامش (ي): (فكأنه غفل عن هذا من جوز أن يكون المعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة منه).\n(^٢) رواه مسلم (٢٧٧) من حديث بريدة ﵁.\n(^٣) في هامش (ي): \"إنما قلنا: من تخصيص الخطاب بالمحدثين، ولم نقل: من تقييده بالحدث؛ لأن التقييد من قبيل النسخ، والتخصيصَ من قبيل البيان، فهو أهون منه\".","vol":"3","page":250},{"text":"فأَحِلُّوا حلالَها وحرِّموا حرامها\" (^١)؛ لأن مبناه على عدم جواز انتساخ الكتاب بالسنَّة، ولا صحة له عندنا.\n﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ غسلُ الشيء: إسالةُ الماء عليه، والوجهُ حدُّه من منتهى (^٢) مَنبِت الشعر إلى الأذنين وأسفلِ الذقن.\n﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ جمعُ مرفقٍ بفتح الميم مع كسر الفاء، وقَلْبِ ذلك (^٣)، وهو مجتمَع طوفي الساعد والعضُد، و﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي (^٤) عندها حكمُ الغَسل عند زُفرَ والشافعيِّ ومالكٍ رحمهم اللّه تعالى، فلا يجب غسلُها لأن الحدَّ لا يدخل تحت المحدود، وعند أئمتِنا الثلاثةِ يجب غسلها؛ لأن ضرب الغاية لا بد له من فائدةٍ، وهي: إما مدُّ الحكم عليها، أو إسقاطُ ما وراءها، والأول يحصل هاهنا بدونه لأن اليد اسمٌ لذلك العضو إلى الإبط، فتَعيَّن الثاني، ومُوْجَبُه دخول الغاية في حكم المغيَّا، وبهذا التقدير تبيَّن أنه لا حاجة إلى التقدير (^٥) ولا إلى التغيير (^٦).\n﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المعتبرُ في المسح إصابةُ البَلَل، وهو المراد هاهنا، أو\n_________\n(^١) رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص: ٢٣٩) عن عطية بن قيس مرفوعًا مرسلًا.\n(^٢) \"منتهى\"من (ي).\n(^٣) يعني: كمِنْبَرٍ ومَجْلِسٍ. انظر: \"القاموس\" (مادة: رفق).\n(^٤) تحرفت في (ع) إلى: \"فسمي\".\n(^٥) في هامش (ي): \"فيه رد لمن قال: تقديره: وأيديكم مضافة إلى المرافق. ومَن قال في رده: ولو كان كذلك لم يبق معنى للتحديد ولا لذكره مزيد فائدة؛ لأن مطلق اليد يشتمل عليها، لم يصب لأنها كما يشتمل عليها يشتمل ما وراءها أيضًا، فلولا التحديد لوجب غسل اليد إلى الإبط. منه\".\n(^٦) في (ع): \"التعيير\". وجاء في هامش (ي): \"فيه رد لمن زعم أن إلى بمعنى في\".","vol":"3","page":251},{"text":"إزالتُها وهو المراد في قولنا: مسحتُ اليد بالمنديل، وحقُّ الباء أن تدخل فيما ليس فيه البللُ.\nواختلفوا في مقدار المفروض: فعن أصحابنا فيه ثلاثُ روايات، في ظاهرها: مقدار بثلاث (^١) أصابع من اليد مطلقًا، وفي رواية أخرى: مقدَّر بربع الرأس، وفي الرواية الثالثة: المفروضةُ مقدار الناصية (^٢).\nوقال مالكٌ رحمه: ما لم يمسح جميع الرأس أو أكثرَه لا يجوز (^٣).\nوقال الشافعي رحمه: إذا مسح مقدارَ ما يسمَّى ماسحًا جاز.\n﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ بالنصب عطفًا على ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ (^٤) ويؤيده السنَّة الشائعة وعملُ الصحابة ﵃، وقولُ أكثر الأئمة، قيل: والتحديد إذ المسح لم يحدَّد (^٥)، وفيه مصادرةٌ على المطلوب، لا يقال: لا نظير له في الشرع؛ لأن ما ورد على خلاف القياس لا يطلب له النظير.\nوبالجرِّ وهو ظاهرٌ في العطف على (رؤوسِكم) وبه تمسَّك مَن قال: وظيفة الرجلين، قال قتادة: افترض اللّه تعالى غَسْلينِ ومسحين.\n_________\n(^١) قوله: \"مقدار بثلاث\"، كذا في النسخ، ولعل الصواب: (مقدر بثلاث)، أو: (بمقدار ثلاث)، أو: (مقدار ثلاث).\n(^٢) في هامش (ي): \"وبهذا التفصيل تبين فساد ما قيل: وأبو حنيفة أوجب مسح ربع الرأس لأنَّه ﵇ مسح على ناصيته، وهو قريب من الربع. منه\".\n(^٣) \"لا يجوز\" من (ي). وجاء في هامشها: \"فيه رد لمن قال: ومالك مسح كله أخذًا بالاحتياط. منه\".\n(^٤) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالجر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٨).\n(^٥) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٧)، وفيه: (… وقول أكثر الأئمة، والتحديد إذ المسح لم يحد).","vol":"3","page":252},{"text":"وقال عامرٌ الشعبيُّ: نزل جبرائيل ﵇ بالمسح، ألا ترى أن التيمُّم يُمسح فيه ما كان غَسلًا ويُلغَى ما كان مسحًا.\nوكان عكرمةُ ﵁ يمسح رجليه ويقول: ليس في الرِّجلين غَسلٌ، إنما نزل فيهما المسح (^١).\nوذهب ابن جرير الطبريُّ إلى أن فرضَهما التخييرُ بين الغَسل والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين (^٢).\nوقال النحاس: ومِن أحسنِ ما (^٣) قيل فيه: إنهما واجبان جميعًا، فالمسح واجب على قراءة الجر، والغَسلُ واجب على قراءة النصب، والقراءتان بمنزلة الآيتين (^٤).\nومَن أَوْجَب المسح بالكتاب، وذهب إلى أن الغَسل إنما ثبت بالسُّنة، عَطَف النصب على محلِّ المجرور إنْ جُعلت الباء زائدة، وعلى محل الجارِّ والمجرور أن جُعلت لتضمين معنى الإلصاقٌ، وتعديةُ المسح بنفسه شائع.\nويَرِدُ عليه: أنه يُخلُّ بالبلاغة عند الإلباس.\nللذاهبين إلى وجوب الغَسل بالكتاب وجوهٌ في تأويل قراءة الجر:\nأحدها: أنه على الجِوار.\nورُدَّ: بأنه إنما يَجوز إذا لم يكن ثمةَ واسطةٌ كما في قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ\n_________\n(^١) روى هذه الأخبار الطبري في \"تفسيره\" (٨/ ١٩٦ - ١٩٧).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٨/ ١٩٨ - ٢٠٠).\n(^٣) في هامش (ي): \"وهو قول حسن على ما ذكر في الكشاف منه\".\n(^٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٩).","vol":"3","page":253},{"text":"أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، وقولِهم: هذا (^١) جُحرُ ضبٍّ خَرِبٍ، وأما توسُّطُ ما هو ثابتُ العامل كحرف العطف فلم يثبت.\nوأيضًا: الجرُّ بالجِوارِ لم يَجئ مع الإلباس، وهاهنا مُلْبِسٌ، وذكرُ الغاية لا يدفعه؛ لِمَا عرفتَ من ضعفِ مبناه.\nوثانيها: أنه عطف على الممسوح لا ليُتمسَّح ولكنْ ينبِّهُ على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها؛ لأن الأرجُل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغسل بالصبِّ، فكانت مَظِنّةَ الإسراف المذموم المميّز عنه.\nويَرِدُ عليه: أنه حينئذ يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز حيث أريد بالمسح في قلة استعمال الماء، والقولُ بتقدير إعادة العامل في المعطوف مرادًا به المعنى المجازيُّ يُفضي إلى إضمار الجارِّ، وهو ضعيف.\nثم إن وجوب الاقتصاد في صب الماء على الأرجل غيرُ مسلَّم، كيف والإسباغُ مستحبٌّ؟\nوثالثها: أن العطف على الممسوح من قَبيل:\nعلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا (^٢)\nومحذور الجمع المذكورِ يلزم حينئذ أيضًا (^٣).\n_________\n(^١) \"هذا\" من (ع).\n(^٢) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير - قبيلة من أسد - يصف فرسه. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٤)، و\"تفسير الطبري\" (١/ ٢٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٠٨)، و\"الخزانة\" (١/ ٤٩٩). وعجزه:\nحَتَّى شَتَتْ هَمّالَةٌ عَيْناهَا\n(^٣) في هامش (ي): \"وتقدير: اغسلوا، يأبى به الجر، وأيضًا حينئذ لا يكون عطفًا على الممسوح. منه\".","vol":"3","page":254},{"text":"وبالرفع (^١) على: وأرجلُكم مغسولةٌ.\nوإدخالُ الممسوح بين المغسولَين للجمع بين قراءتي النصب والجر، فلا دلالة فيه على اعتبار الترتيب، وعلى تقدير التسليم كفى اعتبارُه ندبًا.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾: فاغتَسلوا.\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الخطابُ هنا أيضًا للجماعة في المعنى، وإن اعتُبر الإفراد في اللفظ مراعاةً للأدب في الذهاب إلى الغائط، ولهذا صح اندراجُه تحت الأمر للجماعة.\n﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ كنايةٌ عن الجماع.\n﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ صدَّره بأداة التعقيب - وإن لم يُعتبر مفهوم في صحة التيمُّم - إيماءً إلى أن الجنب إذا وجد الماء حقُّه أن لا يؤخِّر الاغتسال وإن لم يجب عليه بعد ما لا يجوز أداؤه بدون الطهارة (^٢)، ونَفْي إرادة الحرج الآتي ذكرُه ترتُّبه على هذا.\n﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ سبق تفسيره، وتكريره لا ليتَّصل الكلام في بيان أنواع الطهارة، بل لئلا يَسبق إلى الوهم انتساخُ حكم التيمُّم من الاقتصار على ذكر الوضوء والأمر به حتمًا عند إرادة الصلاة محدِثًا (^٣).\n﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ في باب الطهارة، حتى لا يرخِّص لكم في التيمم إذا فرَّطتُم في حفظ الماء للطهارة.\n_________\n(^١) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣١)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٠٨).\n(^٢) في هامش (ي): \"فإن الجنب إذا وجد الماء ولم يغتسل ثم فقده يجوز له التيمم. منه\".\n(^٣) في هامش (ي): \"كما في الصورة المار ذكرها في الحاشية السابقة. منه\".","vol":"3","page":255},{"text":"﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: لينظِّفَكم، أو: ليطهِّركم من (^١) الذنوب، فإن الوضوء تكفيرٌ لها، ومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ في الموضعين محذوف، واللام للعلة.\n﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالرخصة ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمتَه فيثيبَكم بالشكر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-676\"> </span>(٧) - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالإسلام؛ ليذكِّركم المنعِمَ ويرغِّبَكم في شكره.\n﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾: عاقدتُم به عقدًا وثيقًا.\n﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أراد عهدَه على المسلمين حين بايعهم رسولُ اللّه ﷺ على السمع والطاعة في حال اليُسر والعُسر، فقبلوا وقالوا: سمعنا قولكَ وأطعنا أمرك.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الكُفران والعصيان، ويدخل فيه الاتِّقاءُ في العزم على نقض ميثاقه دخولًا أوليًّا، وعلى هذا يكون الأمر بالاتِّقاء عن نقضه على وجه أبلغَ، والتعليلُ بقوله تعالى:\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ من السرائر والضمائر على وجه أظهر.\n* * *\n_________\n(^١) في (ي): \"عن\".","vol":"3","page":256},{"text":"<span id=\"aya-677\"> </span>(٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لمَّا حثَّهم على الانقياد للتكاليف وهي مع كثرتها محصورةٌ في نوعين: التعظيم لأمر اللّه تعالى، والشفقة على خلقه:\nفقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ إشارةٌ إلى الأول، والمراد أن تقوم للّه بالحقِّ في كلِّ ما يلزمه على وجه الاهتمام.\nوقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ إشارةٌ إلى الثاني، أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم\n﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أي: لا يَحمِلنكم شدةُ بغضكم للمشركين ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: على ترك العدل فيهم، وهو (^١) النهي عن الجَور بارتكاب ما لا يحل؛ كمُثْلةٍ، وقتلِ نساءٍ وصِبْيةٍ، ونقضِ عهدٍ على أبلغ وجه.\n﴿اعْدِلُوا﴾ فيهم وإنْ أساؤوا إليكم، استئنافٌ لقصد التأكيد، فإن الأمر بالعدل على الإطلاق تأكيدٌ للنهي عن تركه بأيِّ سببٍ كان.\n﴿هُوَ﴾؛ أي: العدلُ ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ استئنافٌ لبيان سببِ الأمر بالعدل، ولا خفاءَ في أن الجَور في حق الكفار أشدُّ وخامةً من الجَور في حقِّ المؤمنين؛ لإمكانِ إرضائهم يومَ الجزاء دون الكفار، ومَن غفل عن هذا الاعتبار قال: وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنُّكم بالعدل مع المؤمنين؟\n_________\n(^١) في (ي): \"وهي\".","vol":"3","page":257},{"text":"﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كلِّ أمرٍ ونهيٍ، أعاده لمزيد الاهتمام بالعدل، والمبالغةِ في إطفاء نائرة الغيظ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ ووعيدُ، ولذلك ذَكَر بعدها آيتين: إحداهما في وعد المؤمنين، والأخرى في وعيد الكافرين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-678\"> </span>(٩) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كلامٌ تامٌّ معناه: قدَّم لهم وعدَه.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ استئنافٌ في موقع البيان للموعود، أطلق الوعد وأبهمه أولًا لتعظيم ثواب العدل والتقوى، ثم بيَّنه، كأنه لمَّا قدَّم الوعد المطلَق قيل: أيَّ شيء وعدهم؟ فأُجيب به، وتقديمُ الخبر وتنكيرُ ﴿مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ﴾ من مقوِّمات هذا المعنى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-679\"> </span>(١٠) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أَتبع حال أحد الفريقين حالَ الآخَر إيفاءً لحقِّ الوعد (^١)، وفيه مزيدُ وعدٍ للمؤمنين وتطييبٍ لقلوبهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-680\"> </span>(١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ي): \"الوعدة\".","vol":"3","page":258},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الخطاب بهذا الوصفِ إشارةٌ إلى أن إيمانهم هو الباعثُ لنعمة الكشفِّ الآتي ذكره.\n﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ رُوي أنَّ المشركين رأوا رسول اللّه ﷺ وأصحابه بعُسْفانَ قاموا إلى الظهر معًا، فلما صلَّوا ندموا ألا كانوا أَكَبُّوا عليهم، وهمُّوا أن يُوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر، فردَّ اللّه تعالى كيدهم بأنْ أنزل صلاةَ الخوف (^١). والآيةُ إشارةٌ إلى ذلك، وقيل غيرُ ذلك (^٢).\n﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالقبض والإهلاك (^٣)، يقال: بسط إليه يده، إذا بَطَش به، وبسط إليه لسانه: إذا شتمه، ومعنى بسطِ اليد: مدُّها، وكذلك بسطُ اللسان، وإنما البطش والشتم حاصلُ المعنى.\n﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾: مَنَعها عن الإضرار بكم، قدَّم ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ثمةَ وأخَّر ﴿عَنْكُمْ﴾ هاهنا لنكتةٍ لفظيَّة: وهي رعايةُ قوَّةِ المناسبة وشدَّةِ الاتصال بين الكفِّ واليد، ودقيقةٍ معنويةٍ: وهي أن الاختصاص المستفادَ من تقديم ﴿عَنْكُمْ﴾ فضلةٌ في المقام، والاشتمالُ على الفضلة هُجْنةٌ في الكلام.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ منتظِمٌ مع قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ كَنى بذكرها عن الشكر عليها إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانع من (^٤) القيام\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨٤٠/ ٣٠٨) من حديث جابر ﵁.\n(^٢) انظر حديث ابن عباس في \"دلائل النبوة\" لأبي نعيم (٤٢٥)، وحديث جابر عند البخاري (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣) كتاب الفضائل. وانظر: \"روح المعاني\" (٧/ ٨٧).\n(^٣) في \"البيضاوي\" (٢/ ١١٨): (بالقتل والإهلاك).\n(^٤) في (ي): \"عن\".","vol":"3","page":259},{"text":"بشكرها سوى الذهولِ والغفلة عنها، ولا يَخفى ما في الكناية بهذا الوجهِ من تفخيم تلك النعمةِ. ثم أمر بالاتِّقاء عن الكفران، وفي التعبير عن اتِّقائه باتِّقاء اللّه تعالى ما لا يخفى من المبالغة في التحذير.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ مرتبطٌ بقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ فالفاءُ لإفادة السبب، فإنَّ دفع همِّ العدو على الوجه المذكور غيرُ مقدورٍ للعبد، ولا تأثير فيه لتدبيره، فحقُّه أن يَتوكَّل على القادر عليه. والتخصيصُ المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور مبناه تخصيصُ (^١) الأمر بالمؤمنين، وفيه رعايةُ المناسبة بين فاتحة الكتاب وخاتمته، والواو لعطف الجملة على الجملة.\n﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ النقيب هو الذي ينقِّب عن أحوال القوم ويفتِّش عنها، روي أن بني إسرائيل … (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في (ع): \"هاهنا وتخصيص\" بدل: \"مبناه تخصيص\".\n(^٢) هنا تنتهي القطعة المفسرة من سورة المائدة، ولم نقف على تتمة لها في النسخ كما تقدم في مقدمة التحقيق، وبعدها في النسخ أول سورة الأنعام.","vol":"3","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>سُورَةُ الأنَعَامِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-790\"> </span>(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أخبر بأنه تعالى حقيقٌ بالحمد باعتبار ذاته المستجمِعة لجميع صفات الكمال (^١)، وعامَّةِ نُعوت الجلال والجمال، ونبَّهَ على استحقاقه له باعتبار أفعاله العظام وآثاره الجِسام أيضًا حُمد أو لم يحمد؛ ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون.\nوجمع السَّماوات دون الأرضين (^٢) مع أنها مثلهنَّ (^٣) في التَّعدد؛ لأن طبقاتها مختلفة بالحقيقة - على ما ورد في الأخبار - دون الأرض، وأمَّا دلالة آثارها وحركاتها على تعدُّدها (^٤) فمبناها على أصولٍ فلسفيَّة باطلة.\nوقدَّمها لا لتقدُّمها وجودًا؛ لأنَّه على خلاف ما ورد في الأخبار الصحيحة\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"وغيره\".\n(^٢) في (ك). \"الأرض\".\n(^٣) في (م): \"مثلها\".\n(^٤) في (م): \"تعدادها\".","vol":"3","page":263},{"text":"على ما مرَّ بيانه في تفسير سورة البقرة (^١)، بل لشرفها وعلوِّ مكانها.\nوعبَّر بهما باعتبار أنَّهما قُطرَا العالم من جميع الأجسام لطيفِها وكثيفِها، كما عبَّر بالظُّلمات والنُّور عن جميع الأعراض محسوسِها بالبصر، وغائِبها عنه.\n﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: أنشأهما.\nوالفرقُ بين (خلق) و(جعل) المتعدي إلى مفعول واحد: أنَّ الخلق فيه معنى التَّقدير والتَّسوية، والجَعْل المذكور فيه معنى التعلُّق والارتباط بالغير بأن يكون فيه أو منه أو إليه، لا بأن يصير إيَّاه؛ لأنَّه معنًى آخرُ للجعل؛ فإنه حينئذٍ يتعدَّى إلى مفعولَيْن (^٢).\nولهذا - أي: ولكون الارتباط بالغير معتبرًا في معناه - آثره هاهنا؛ تحقيقًا لمَا في الظُّلمة والنُّور من معنى القيام بالغير، وتضمينًا للردِّ على الثَّنويَّة بتقدير عدم صلاحيتهما للقيوميَّة.\nوجمع الظُّلمات دون النُّور لاختلاف أجناس ما غاب عن البصر اختلافًا فاحشًا بحسب اختلاف مظاهره من القِوى الظَّاهرة والباطنة بخلاف النُّور.\nوقدَّمها لتقدم جنس الغائب عن البصر ظهورًا، فإنه يظهر للإنسان وهو جنين، ولا يظهر له ما يدرَك بالبصر ما لم يُولَد، ولرعاية المناسبة لما تقدَّم.\n﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: بالآخرة، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]، عطف على ﴿خَلَقَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩].\n(^٢) في هامش (ف): \"رد لمولانا سعد الدين\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"عطف على قوله\" وبعدها في (ح) بياض بمقدار كلمة. وذكر الآلوسي=","vol":"3","page":264},{"text":"وفي (ثمَّ) معنى استبعاد ترك الإيمان بعد أن قام عليه البرهان، كأنه قيل: حصل ما أوجب توحيدَه مِن خلق السماء والأرض وما بينهما، بناءً على أنَّه لو كان فيهما آلهةٌ أُخَر (^١) لفَسَدَتا.\n﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ حُذف المفعول حفظًا (^٢) على الفواصل، تقديره: يعدلون غيره؛ أي: يشركون به، وأصل العدل: المساواة؛ أي: ساوَوا بين اللّه تعالى خالق العالَم، وبين أصنامهم العاجزين عن الخلق.\nثم إنَّ هذا العطف ليس على قصد أنَّه صلةٌ أخرى أو بعضُ الصِّلة، بل على قصد أنه من الروادف لتلك الصلة (^٣)، ولهذا حسُن كلمة الاستبعاد دون كلمة التَّشريك (^٤)، ولتمحُّضها له (^٥) تمحُّض الفاء للسببية في قولنا: ما تأتيني فأكرمَك، انقطع عنه (^٦) عُلقةُ التَّشريك، فلم يكن في معنى (الحمدُ للّه) الذي عدَلوا به، ولتضمُّنه البشارة بالإشارة إلى غاية لطفه، ونهاية حِلمه (^٧)، زاد وجه ذلك الإرداف حسنًا ولطافة.\n_________\n= احتمالات العطف فقال: \"إما معطوفة على جملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إنشاءً أو إخبارًا، أو على قوله سبحانه. ﴿خَلَقَ﴾ صلة ﴿الَّذِي﴾، أو على ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ مفعول ﴿وَجَعَلَ﴾. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٢٣).\n(^١) في (ك) و(م): \"آلهة إلا الله\".\n(^٢) في (ف): \"عطفًا\".\n(^٣) \"بل على قصد أنه من الروادف لتلك الصلة\" من (ك) و(م).\n(^٤) يريد: أن العطف بـ (ثم) يفيد الاستبعاد، فاستخدامه هنا أحسن من استخدام حرف العطف الواو أو الفاء الذي يفيد التشريك.\n(^٥) في (ك) و(ح): \"وبتمحضها له\". وفي هامش (ف): \"كيف تتمحض له وقد عرف أنها عاطفة. منه\".\n(^٦) \"عنه\" سقط من (ح) و(ف).\n(^٧) في (ف): \"حمله\"، وفي (ح): \"علمه\".","vol":"3","page":265},{"text":"ويجوز عطفه على ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (^١)، والمعنى: أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد على ما خلقه تعالى نعمةً على العباد، ثم الذين كفروا به يعدلون عنه فيكفرون نعمتَه، وحذف صلة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ إيقاعًا للإنكار على نفس الفعل، ووضع المظهَر (^٢) موضع الراجع إلى الموصول؛ تنبيهًا على أنه خلق هذه الأشياء أسبابًا لتكوُّنهم وتعيُّشهم، فمن حقِّه أنْ يُحْمَدَ عليها ولا يُكْفَر، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ على هذا الوجه: استبعاد عُدولهم عنه بعد ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-791\"> </span>(٢) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: خلقَ أصلَ مادَّتِكم وهو الأغذية التي تتكون منها النُّطفة، أو مادَّة أصلِكم وهو آدم ﵇= كائنةً من طين، وللتَّباعد بين الخَلْق الصُّوري والتَّقدير المعنوي قال:\n﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: نوعًا من الأجل يحتمِل التَّجاوز عنه ﴿وَأَجَلٌ﴾ آخَرُ لا يحتمل، دلَّ على ذلك (^٣) قوله:\n﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: مثبَتٌ معيَّن (^٤)، وقد أفصح عن هذا التَّفصيلِ قولُه تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤] على ما تقف عليه وعلى ما بين الفاصلتين من المواصلة المعنوية في تفسير سورة نوح ﵇، والذي عبَّر عنه ثمَّةَ بإضافة الأجل إلى اللّه تعالى هو المعبَّر عنه هاهنا بقوله:\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فلم يصب النفي بمدخولها على ما حقَّقه ابن هشام في شذور الذهب\".\n(^٢) في (ك): \"وضع المظهر\"، وفي (م): \"وضع المظهر به\".\n(^٣) في (م): \"عليه\".\n(^٤) في (م): \"معنى\".","vol":"3","page":266},{"text":"﴿عِنْدَهُ﴾ أثبت (^١) تعيُّنَه، ثم أخبر بأنَّ ذلك التَّعيّن عنده؛ حسمًا لطمع التَّغيُّر (^٢).\nولكون ذلك الأجلِ مبهمًا نظرًا إلينا ذُكِرَ منكَّرًا، وإنما قُدِّمَ وهو نكرةٌ على خبره وهو ظرفٌ لفاصلٍ بينهما بما هو مخصِّص له.\n﴿أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ الامتراء: التردُّد في المتقابلَين، مأخوذ من مَرَى الضرع؛ أي: مسَحه، والفرق بينه وبين الرَّيْبِ والشَّكِ قد مرَّ بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (^٣)، والامتراء لهم فيما ذكر حقيقةٌ، إلا أنهم (^٤) لانهماكهم في حبِّ الحياة، كأنهم شاكُّون في الموت.\nوإنما ذكر ﴿ثُمّ﴾ مع زيادة الالتفات في ﴿أَنْتُمْ﴾ تنبيهًا على زيادة الاستبعاد، فإن دلالة كلٍّ من دليلي المبدأ والمعاد على المراد وإن كانت ظاهرة، إلا أن ما تؤخذ مبادئه من الأنفُس أقرب إلى الناظرين مما تؤخذ مبادئه من الآفاق، كأنه قيل: خُلقتم من جماد لا حظَّ له من الحياة، وعشتم مرة، فكيف تشكُّون مع ذلك وتَردَّدون في أمر البعث بإعادة تلك الحياة الزائلة، وهي أهون من الإحداث ابتداء (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"أي ثبت\".\n(^٢) في (م): \"التغيير\".\n(^٣) في هامش (ح): \"قال الراغب في الفرق بين الشك والريب والمرية: إنَّ الشكَّ وقوف النفس بين شيئين متقابلين، بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر بأمارة، والمرية: التردد في المتقابلين، وطلب الأمارة مأخوذ من مرى الضرع: إذا مسحه باليد، فكأنه يحصل مع الشك تردد في طلب ما يقتضي غلبة الظن، والريب: أن يتوهم في الشيء أمرًا ما، ثم ينكشف عما يتوهم فيه. هذه عبارته في البقرة\".\n(^٤) \"إلا أنهم\" من (ك) و(م).\n(^٥) من قوله: \"فإن دلالة كل من دليلي المبدأ والمعاد .. \" إلى هنا من (م).","vol":"3","page":267},{"text":"<span id=\"aya-792\"> </span>(٣) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ الضمير للّه تعالى، و﴿اللَّهُ﴾ خبره.\n﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلِّقٌ بمعنى اسم اللّه تعالى؛ أي: هو المستحِق للعبادة فيهما لا غير، أو: هو المتوحِّد بالألوهيَّة فيهما لا غير.\nويجوز أن يتعلَّق الظَّرف بقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ ويكفي لصحَّة الظَّرفية كون المعلوم فيهما، كقولك: رميت الصَّيد في الحرم، إذا كنت خارجَه والصيدُ فيه، أو بالمصدر وهو بمعنى المفعول فليس بمقدَّر بحرفِ مصدر وصلته حتى يلزمَ تقدُّم صلته عليه (^١)، والجملةُ خبرٌ ثانٍ، أو هي الخبر و﴿اللَّهُ﴾ بدل.\nويجوز أن يكون الظَّرف مستقرًّا وقع خبرًا بمعنى: أنَّه لكمال علمه بما فيهما كأنَّه فيهما، وفي الجملة (^٢) الفعليَّة الواقعة حالًا عن ضمير الاستقرار في الظَّرف بيانٌ وتقريرٌ له.\n﴿سِرَّكُمْ﴾: باطنكم؛ أي: نفوسَكم (^٣).\n﴿وَجَهْرَكُمْ﴾: ظاهرَكم؛ أي: أبدانَكم.\n_________\n(^١) رد على البيضاوي في قوله: (وليس متعلَّق المصدر لأن صلته لا تتقدم عليه). والمراد أنه مُتَعَلِّقٌ بِمَفْعُولِ ﴿يَعْلَمُ﴾ وَهُوَ ﴿سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾، والتَّقديرُ: يَعْلَمُ سِرَّكُم وجهركم في السماوات وفي الأرضِ. قال أبو حيان مؤيدًا اعتراض البيضاوي: وهذا يضعفُ لأنَّ فيه تقديمَ معمولِ المصدرِ الموصولِ عليه، والعَجَبُ مِن النَّحَّاسِ حيثُ قال: هذا مِن أحسنِ ما قيل فيه. انظر: \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٤/ ١٨)، و\"البحر\" (٩/ ٢٥).\n(^٢) في (م): \"والجملة\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"باطنكم ونفوسكم\".","vol":"3","page":268},{"text":"وعلى تقدير تعلق الظَّرف بالفعل المذكور يكون المعنى: يعلم نفوسَكم المفارِقة في السماوات ونفوسكم المقارنة لأبدانكم في الأرض.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ بالقوى النفسانيَّة والجوارح البدنيَّة؛ لأنَّه تعالى خالق والخلق (^١) كاسب، ولمَّا كان مقتضى العلم بذلك كونَه خالقًا له، وهو مظنَّة الاشتباه - حتى ضلَّ فيه كثير من النَّاس - أعادَ الفعل؛ اهتمامًا لتحقيق ذلك المقتضى.\nولمَّا أثبت المبتدأ (^٢) مع ما يتوقف عليه المبتدأ للّه (^٣) من التَّوحيد، ثم أثبت المعاد مع ما يتوقَّف عليه الإعادة من العلم= بيَّن ثبوت النُّبوَّة بشهادته، وأوعد (^٤) المنكرين بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-793\"> </span>(٤) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\n﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدة (^٥) للاستغراق، دلَّ عليه وقوع آية في سياق النَّفي، والثَّانية للتَّبعيض، كأنه قيل: وما تأتيهم بعضٌ من الآياتِ أيَّ بعضٍ كان، فلا منافاةَ بينَ هذا التَّبعيض والاستغراق.\nوالآيات: هي المعجزات الظَّاهرة لهم، وإسنادُها إلى الرَّبِّ للتَّعظيم والتَّنبيه على أنَّها صادرة عنه تعالى تصديقًا للنَّبيِّ ﵇.\n_________\n(^١) في هامش (ح): \"والمخلوق\".\n(^٢) في (ك): \"المبدأ\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"البداية\"، وفي (ف): \"المبتدأية\"، والمثبت من (ح).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وواعد\".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"زيادة\".","vol":"3","page":269},{"text":"﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: تاركين لها غيرَ ملتفتين إليها؛ لكونهم غيرَ مبالين بالعواقب، وفي العدول عن صيغة الفعل وزيادة (كان) دلالةٌ على شدَّة إعراضهم، وقوَّة ثباتهم فيه، وزيادة تمرُّنهم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-794\"> </span>(٥) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ كلامٌ كاللازم لمَا قبلَه؛ أي: إذا أعرضوا عن الآيات كلِّها فقد كذَّبوا بالحقِّ.\n﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: بها، أو كالدَّليل عليه؛ أي: إنْ هم أعرضوا عن الآيات كلِّها (^١) فلا عجبَ؛ فقد كذَّبوا بما هو أعظم الآياتِ كلِّها وأجلُّها، وهو الحقُّ لمَّا جاءَهم؛ أي: القرآن الذي تُحدُّوا به فعجزوا عن الإتيان بمثله، وكأنَّه لوضوحه معلومٌ عندَ الكلِّ أنَّ الحقَّ هو (^٢) لا يحتاج إلى تسميته (^٣)، وعلى هذا معنى الإبهام في ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا﴾ تعظيم القرآن وتفخيم شأنه؛ أي: سيعلمون بأي شيء استهزؤوا، وينكشف لهم أنَّه لم يكن بموضع (^٤) استهزاء.\n﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ يعني: أنَّ الإتيان كائنٌ لا محالة وإن تأخَّر، ففائدته تأكيد الوعد وتثبيته، لا بيانُ كونه متأخرًا (^٥).\n﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: أخبار ما استمرُّوا على تجديد الاستهزاء به حينًا\n_________\n(^١) \"كلها\"من (ك) و(م).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"عند الكل أنه الحق وهو\".\n(^٣) في (ح): \"تسمية\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"في موضع\".\n(^٥) \"يعني أن الإتيان .. \" إلى هنا من (م) و(ك).","vol":"3","page":270},{"text":"فحينًا، تارة بنسبته إلى السِّحر والكَهانة، وأخرى إلى الشِّعر وأساطير الأولين، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].\nوالمراد من أخباره: ما فيه من الوعد للمصدِّقين والوعيد للمنكرين آجلًا وعاجلًا، وهذا منهم غاية العصيان ونهاية التَّمادي في الطُّغيان، حيث أعرضوا عمَّا هو آية بيِّنة أوِّلًا، وكذَّبوه ثانيًا، وسخروا به ثالثًا، فمنَّ عليهم الرَّحمن بزيادة فضله وإحسانه (^١) إذ أخَّرهم إلى حين، ولم يعجِّل لهم بالعذاب المهين، شدَّد عليهم النَّكير وهدَّدهم (^٢)، ثم جاءهم بالموعظة والتَّذكير بقوله (^٣):\n\n<span id=\"aya-795\"> </span>(٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ﴿كَمْ﴾ مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِنْ﴾ تبيين لإبهامها؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا، وكلُّ أهل عصرٍ قرنٌ لمن بعدهم؛ لأنهم يتقدمونهم، مأخوذ من قرن الشَّمس، وهو أعلاها، وأوَّل ما يبدو منها.\nوقال الزجَّاج: عندي القرن هو أهل كلِّ مدَّة (^٤) كان فيها نبيٌّ أو طبقة من العلماء، قلَّتِ السنون أو كثرَتْ، والتَّقدير يردُّه (^٥) قوله ﵇: \"خيركم قرني \"؛ يعني\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"ومن الرحمن زيادة فضل وإحسان \".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"هدد لهم \"، والمثبت من (ف).\n(^٣) \"بقوله \"من (ك) و(م).\n(^٤) في (ك): \"ملة\".\n(^٥) قوله: \"والتقدير يرده \"، جاء بدلا منه في \"معاني القرآن\" للزجاج: \"والدليل على هذا\"، والمؤدى واحد، وهو نفي التقدير في مقدار القرن.","vol":"3","page":271},{"text":"أصحابه ﵃، \"ثم الذين يلونهم \"؛ يعني التابعين \"ثم الذين يلونهم\" (^١)؛ يعني تابعي التَّابعين (^٢).\n﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أثبتناهم فيها ممكِّنين إيَّاهم، وإثباتهم فيها كناية عن طول عمرهم، كما أنَّ تاليَه (^٣) كنايةٌ عن بسط معيشتهم.\n﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ مكَّنه أبلغ من مكَّن له (^٤)؛ أي: جعل له مكانًا، فكأنه قيل (^٥): آتيناهم ما لم نؤتِ لكم ما يقرب منه، والالتفات للتَّنبيه والتَّمييز بينهم وبين المحكيِّ عنهم، والخطاب لأهل مكَّة.\n﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾: السَّماء هي المُظلَّة، والمرسَل المدرار هو المطر والسَّحاب، فلا بدَّ من التَّجوُّز في المسنَد إليه، أو في الإسناد.\nوالمدرار: مِفْعال، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، معناه: كثير الدُّرور.\n﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ﴾ لم يقل: وأجرينا (^٦) الأنهار، جريًا على مجرى قرينه السَّابق؛ لأن النهر إنما يطلق على الماء حال كونه جاريًا، فليس له أن يجري وأن لا يجري وهو نهر، بخلاف الماء (^٧) النازل من السماء والسحاب؛ فإنه قد يُحْبَس وقد يطلق وهو هو.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥)، من حديث عمران بن حصين ﵁.\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) في (ف) و(ح): \"كما أنه تأكيد\".\n(^٤) في هامش (ف): \"لم يفرق القاضي بينهما حيث فسر الأول بتفسير الثاني. منه \".\n(^٥) في (ك): \"قال\".\n(^٦) في (ح) و(ف): \"وجرينا\".\n(^٧) \"الماء\" من (م) و(ك).","vol":"3","page":272},{"text":"وإنَّما صدَّره بالواو الدَّالة على الاستقلال دون الفاء؛ لأن المقام مقام تعداد (^١) النِّعم العِظام، وفي ضمنه الإشارة إلى أنَّ الأنهار إمدادها (^٢) لا يلزم أن يكون من الأمطار، فافهم هذا الاعتبار.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ خصَّ هذا الوصف بالذِّكر لأنَّه مما يتعاظمه النَّاس، ألا ترى إلى قول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].\n﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الفاء فصيحة تفصح عن محذوفٍ تقديره: بطرَتْ معيشتُهم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨].\n﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ تحقيق لأمر الوعيد بتسهيل شأن الإهلاك، فإنَّ مَن قدر على إنشاء القرون لا يتعاظم عنده إهلاك (^٣) بعضهم بذنوبهم.\nوفي عبارة الإنشاء إشارة إلى أنهم قُلعوا من أصلهم واستؤصلوا فلم يبقَ أحد من نسلهم، ويعضد ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى لم يهلك قومًا أو يعذِّب قومًا فجعل لهم نسلًا\" (^٤).\n﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يَعْمُر بهم (^٥) بلادهم.\nوحاصل الوعيد: أنَّه تعالى كما قدر (^٦) أن يهلك مَن قبلهم كعاد وثمود وينشئ مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده قدر أن يفعل مثل ذلك بكم، قيل: جماعة من قريش\n_________\n(^١) في (ك): \"تقدير\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"إيرادها \".\n(^٣) في (ج) و(ف): \"هلاك \".\n(^٤) رواه مسلم (٢٦٦٣).\n(^٥) في (م) و(ك): \"به \".\n(^٦) في (م) و(ك): \"يقدر\".","vol":"3","page":273},{"text":"قالوا: يا محمَّد، لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فنزلت (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-796\"> </span>(٧) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ (نزَّل) هاهنا بمعنى: أنزل، كخبَّر بمعنى: أخبر.\n﴿كِتَابًا﴾: مكتوبًا ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾: ورق.\nلم يقتصر على رؤيتهم الكتاب عيانًا في قرطاس، بل زاد عليه التقييد بقوله:\n﴿فَلَمَسُوهُ﴾ تقوية للإدراك البصري بالإدراك اللَّمسي مبالغةً في الظُّهور، وليس فيه دفعُ ما عسى أن يقولوا: سكِّرت أبصارنا وما نزل من السماء شيء، إذ باللَّمس إنما يندفع احتمال كون المرئيِّ مخيَّلًا، وأما نزوله من السماء فلا يثبت به، ثم إن اللَّمس أبلغ من المسِّ؛ لأنَّه لصوق بإحساس، والمس لصوق فقط، ولذلك آثر اللَّمس عليه.\n﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ إنما قيَّد به؛ لأنَّ اللُّصوق بالإحساس يكون بجميع الأعضاء، ولليد خصوصية في الإحساس ليست في سائرها، وأما التَّجوز باللَّمس عن الفحص كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨] فلا يندفع به؛ إذ لا بُعْدَ في أن يكون ذلك لبيان مباشرتهم (^٢) للفحص بأنفسهم، بل يندفع بكون المعنى الحقيقي أنسبَ للمقام، ولمَا سيق له الكلام.\n﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عدل عن الظَّاهر حيث لم يقل: لقالوا، تنبيهًا على أن هذا ليس بأوَّل كفرٍ منهم، ويجوز أن يكون تعريف الموصول للعهد، والمراد به أشخاصٌ\n_________\n(^١) ذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٢٠٨)، والبغوي في \"تفسيره\" (٢/ ٨٥).\n(^٢) بعده في (ح) و(ف) زيادة: \"بل \".","vol":"3","page":274},{"text":"بأعيانهم توغلوا في التَّعنُت والعناد، على وفق ما ذكر في سبب النُّزول، فيكون التَّوصيف بيانًا لسبب تقوُّلهم هذا.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ توصيف السِّحر بالمبين في مقابلة توصيف المنزَّل بكونه ملموسًا بأيديهم، فكأنهم عارضوا تأكيده الفعليَّ في الإظهار بتأكيدهم القوليِّ بالإنكار، وهذا دليل على (^١) غاية عنادهم ونهاية خبثهم وفسادهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-797\"> </span>(٨) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ﴾: هلَّا أنزِل ﴿عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ يكلِّمنا أنه نبيٌّ (^٢).\n﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ جواب لقولهم، وبيانُ المانع من إنزال مقترحهم.\nوالقضاء: الإتمام والإلزام، والمعنى: لتمَّ أمرهم؛ لوجوب العذاب بعد ذلك، وهذا لأنهم لا يؤمنون ولو نزل عليهم (^٣) الملك؛ كما أخبر الله تعالى به في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام: ١١١]، وسنَّة الله تعالى في الكفار قد جرَّتْ على أنَّه متى اقترحوا آيةً قاهرةً فظهرت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، على ما (^٤) أفصح عن ذلك آية المائدة (^٥)،\n_________\n(^١) \"على\": ليست في (م) و(ك).\n(^٢) في هامش (ح): \"قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ استثناء أو عطف على جواب (لو)، و(عليه) فيه التفات عن ضمير المخاطب في (عليك). قطف الأزهار\".\n(^٣) في (م): \" نزل عليه \"، وفي (ح): \"نزلنا عليهم \".\n(^٤) في (م) و(ك): \"كما\".\n(^٥) وذلك عندما طلب قوم عيسى ﵇ منه أن ينزل الله تعالى عليهم مائدة من السماء، فأنزلها الله تعالى وقال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥].","vol":"3","page":275},{"text":"ولكنَّ الله تعالى أبى من استئصالهم به (^١) تعظيمًا لنبيِّه، كما أخبر به في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].\n﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يُؤجَّلون ولا يُمهلون، قال قتادة: ولو أنزلنا ملكًا ثم لم يؤمنوا (^٢) لَعُجِّلَ لهم العذاب، ولم يُؤخَّروا طرفةَ عين (^٣). يعني: بعد عدم إيمانهم، لا بعد نزول العذاب.\nوفي لفظة (ثم) إشارة (^٤) إلى أن لهم مهلةً (^٥) قَدْرَ أنْ يتأمَّلوا فيما نزل، فيؤمنوا بالاختيار والاختبار، لا بالإلجاء والاضطرار، فافهم هذا الاعتبار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-798\"> </span>(٩) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: ا لرَّسولَ ﴿مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: لمثَّلنا ﴿رَجُلًا﴾ كما مُثِّل جبريل ﵇ في صورة دِحْية، وذلك لأنَّ أبصار عامَّة البشر لا تقدر (^٦) على النَّظر إلى صورة المَلَكِ؛ للُطفه وضعفِ شعاع إبصارهم.\nجوابُ اقتراح ثانٍ، فإنهم تارةً يقولون: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، وتارة يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، واحتمال أن يكون جوابًا ثانيًا على\n_________\n(^١) \"به\" سقطت من (ف).\n(^٢) في (ح): \"يرضوا\".\n(^٣) أخرج نحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٤٣)، والطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٢٦٧).\n(^٤) في هامش (ف): \"رد لمن قال: إن معنى ثم بعد ما بين الأمرين. منه \".\n(^٥) في (م): \"مهلًا\".\n(^٦) في (م) و(ك): \" يقدرون \".","vol":"3","page":276},{"text":"أن الضمير للمَلَك المُقْتَرح إنزالُه تأباه عبارة: ﴿جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾، فإن المناسب حينئذ أن يقال: ولو أنزلناه ملكًا لجعلناه رجلًا.\nوإنما لم يقل: بشرًا، مع أنه المناسب لمقابِل (^١) المَلَك، تضمينًا للكلام معنًى زائدًا على أصل المرام، وهو الإشارة إلى أن شأن الرِّسالة البراءةُ عن النُّقصان، ولا بدَّ من رعايته على التَّقدير المذكور حتى لا يصح أن يكون الرَّسول المفروضُ في صورة امرأة ولا في صورة صبيٍّ.\nولما كان تفصيل ما ذكر: أنه لا نفع لهم فيما سألوا؛ لأنَّه إذا كان في صورة رجل لا يعلمون أنه ملك، فلا (^٢) يُجدي نفعًا في دفع شبهتهم= اتَّجه أن يقال: يجوز أن يكون له آثار المَلَك في صورة الرَّجل، فيندفع الاشتباه بذلك، تُدورِكَ دفعه بما مرجعه إلى أنه لا بدَّ من الالتباس والاشتباه كيلا (^٣) تفوت حكمة التَّكليف، فقوله:\n﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ من تتمة الجواب، قرئ باللَّامَيْن على تقدير شرط آخر (^٤)، وقرئ بلام واحدة على العطف، وبالتَّشديد فيهما للمبالغة (^٥).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لمقابلة\".\n(^٢) في (م): \"ولا\"، وفي (ك): \" لا \".\n(^٣) في (ح): \"كيما\".\n(^٤) أي: ولو جعلناه رجلًا للبسنا. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٥٥). وكأن الداعي إليه إعادة لام الجواب، فإنه يقتضي استقلاله، وأنَّه لا ملازمة بين إرسال الملك واللبس عليهم، فإنه ليس سببا له بل لعكسه. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٥٥).\n(^٥) قرأ ابن محيصن: (ولبسنا) بلام واحدة، وقرأ الزهري: (وللبَّسنا) بالتشديد. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٨)، و\"المختصر في شواذ القرآن\" (ص: ٣٦).","vol":"3","page":277},{"text":"﴿عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾؛ أي: لخلَطنا عليهم ما يخلِطون على أنفسهم الآن فيقولون: ما هذا إلَّا بشر مثلكم.\nثم قال تسليةً له ﵇ عن (^١) استهزائهم به بأنَّ له في الأنبياء ﵈ أسوةً، وأنَّ ما يفعلون به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ﵈، وتنبيهًا لنا على أن قولهم ذلك على سبيل الاستهزاء، وإلَّا فهم عقلاء يعلمون أنَّ رسول قومٍ لا يكون إلَّا من جنسهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-799\"> </span>(١٠) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط بسبب ذلك الاستهزاء ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ (^٢) والمراد: الإهلاك، من إحاطة العدو، فالحيقُ لا يستعمل إلا في الشَّرِّ.\n﴿مِنْهُمْ﴾ تنبيه على أن ضرر سخريتهم لا يتعدى أنفسهم، وهو مدلول القول الآتي: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦].\n﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الذي كان الرُّسل يخوفهم بنزوله، فلا تجوُّز لا (^٣) في الإسناد، ولا في المسند إليه.\n_________\n(^١) في (ك): \"من\".\n(^٢) بعدها في (م) و(ك): \"منهم\".\n(^٣) \"لا\" ليست في (ح)، والمعنى واحد ثبتت أو حذفت.","vol":"3","page":278},{"text":"لمَّا ذكر إهلاك المستهزئين المكذِّبين أمر بالسَّير في الأرض للاعتبار بحالهم من مساكنهم، فقال:\n\n<span id=\"aya-800\"> </span>(١١) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى أن تُشرفوا على (^١) ديار قوم نزل بهم العذاب، فاختبروا واعتبروا.\nولمَّا كان في هذا السَّير المأمور به من الامتداد جيء بكلمة التراخي في قوله:\n﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ فإن النَّظر وإن لم يكن متراخيًا عن السَّير باعتبار الانتهاء لكنه (^٢) متراخٍ عنه باعتبار الابتداء، وأمَّا قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ [النمل: ٦٩] فلعل المراد من الأرض فيه ما هو المعهود (^٣) من أرض قومٍ نزل العذاب بساحتهم، فجيء بحرف التعقيب تنبيهًا على أنَّ السَّير إنَّما أُمر به لأجل النَّظر فحقُّه أن لا يتأخَّر عنه.\nوما قيل: معناه: إباحة السَّير في الأرض للتِّجارة وغيرها من المنافع، وإيجابِ النظر في آثار الهالكين، ونبَّه على ذلك ب ﴿ثُمَّ﴾ لتباعد ما بين الواجب والمباح = يأباه سلامة الذَّوق؛ لأنَّ إقحام أمرٍ أجنبيٍّ - وهو بيان إباحة السَّير للتِّجارة - بين الإخبار عن حال المستهزئين وما يناسبه ويتصل (^٤) به من الأمر بالاعتبار بآثارهم، ممَّا يخلُّ بالبلاغة إخلالًا ظاهرًا.\n_________\n(^١) في (ح): \"إلى\"، وليست في (م) و(ك).\n(^٢) في (م) و(ك): \"ولكنه\".\n(^٣) في (م) و(ك): \" المشهور\".\n(^٤) في (ك): \"وما يتصل\".","vol":"3","page":279},{"text":"﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: كيف أهلكهم الله تعالى بعذاب الاستئصال، وإنما عبَّر عنهم بالمكذِّبين دون المستهزئين إشارةً إلى أن مآل مَن كذَّب إن كان كذلك، فكيف الحال في مآل (^١) مَن جمع بينه وبين الاستهزاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-801\"> </span>(١٢) - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلزام وتبكيت؛ لأنهم لا يقدرون أن يضيفوا خلقهما وملكهما إلى غيره تعالى، ولذلك عقَّبه بقوله:\n﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تقريرًا لهم، أي: لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، وفيه أنهم مع كونهم مقرِّين بذلك على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] تثاقلوا في الجواب وانقمعوا لِمَا ظهر من كونهم محجوجين، فقرَّر عليهم ذلك (^٢).\n﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وفي الدَّارين، أي: التزمها تفضّلًا وإحسانًا، لا أن (^٣) ذاته أوجبها على نفسه بمقتضى حكمته.\nوهذا استعطاف منه تعالى للمتولِّين عنه إلى الإقبال (^٤) إليه، وإخبار بأنه رحيم بالعباد، لا يعجل في العقوبة، ويقبل الإنابة والتَّوبة.\n_________\n(^١) في (ح): \"حال \"، وسقط من (ك).\n(^٢) في (م) و(ك): \"ذلك عليهم \".\n(^٣) في (ك): \"أنه \".\n(^٤) في (م): \"للإقبال \".","vol":"3","page":280},{"text":"﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ ضمَّن الجمع معنى الحشر، ولذلك قال:\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أي: إلى واقعتها في موقفها (^١)، كيوم بدر (^٢)، استئناف، وقسَم للوعيد على إشراكهم، كأنه قيل: وما تلك الرَّحمة؛ فقيل: هي أنَّه تعالى ليجمعنكم إلى يوم القيامة، وذلك لأنَّه لولا خوف الحساب والعذاب لحصل الهرج والمرج، وارتفع الضبط وكثر الخبط، فتقرير (^٣) العقاب في العُقبى من أعظم أسباب الرَّحمة في الدُّنيا.\nولك أن تقول: بيَّنَ بقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كمالَ رحمته بالإمهال ورفْعِ عذاب الاستئصال، بعدَ ما قدَّم بيان كمال قدرته بقوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ ليتعيَّن من أوَّل الأمر أن إمهاله ذلك عن رحمة لا عن عجز، ثم بيَّنَ بقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيجازيكم على (^٤) شرككم أنَّه يمهل ولكن لا يهمل، بل يحشرهم ويحاسبهم على نَقير وقِطمير.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: في اليوم، أو الجمع.\n﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ نصب على الذَّم، أو رفعٌ عليه، أو مبتدأ خبره:\n﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاء للسببية، فإن الخسران بتضييع رأس مالهم - وهو نور الفطرة - يوجب الإصرار على الكفر.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"موقعها\".\n(^٢) في هامش (ف): \"فإن العرب يطلقون الأيام على الوقائع، ومنه قولهم: شهد يوم بدر؛ يعني الواقعة المشهورة، وتعديته بـ ﴿إِلَى﴾ لما في الجمع من معنى الحشر والسوق، وفيه تنبيه على أن أرض المحشر ومحل الواقعة غير ما هم قبروا فيها على ما نطق به بعض الأحاديث. منه \". وتحته: \"وهي المراد من الأيام في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾. منه \".\n(^٣) في (م) و(ك): \"فتقدير\".\n(^٤) في (م): \"عن \".","vol":"3","page":281},{"text":"<span id=\"aya-802\"> </span>(١٣) - ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: لمَّا ذكر أن له ملكُ ما حوى المكان من السماوات والأرض، ذكر أن له ما حوى الزَّمان، واشتمل عليه المَلَوَان (^١)، وكل واحد من المكان والزمان وإن كان مستلزمًا للآخَر، لكن التَّنصيص عليهما أبلغُ في مقام التَّقرير والبسط، وقدَّم المكان لأنَّه أقرب إلى العقول والأذهان من الزَّمان (^٢).\nوالظَّاهر أنه استئنافُ إخبارٍ وليس مندرِجًا تحت ﴿قُلْ﴾.\nو﴿سَكَنَ﴾ مِن السُّكنى، وهو يتعدَّى بـ (في) كما يتعدَّى بنفسه يقال: سكنوا الدَّار، وسكنوا فيها، لا من السكون على الاكتفاء بأحد الضِّدين عن الآخر؛ لأنَّه لا يناسب البسط الظَّاهر قصدُه من تفصيل قُطرَي المكان وصِنْفَي الزَّمان.\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وعيدٌ للمشركين على أقوالهم وأفعالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-803\"> </span>(١٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أَدخل همزة الاستفهام على الاسم دون الفعل؛ لأن الإنكار يتوجَّه إلى اتخاذ الغير وليًّا، لا إلى اتخاذ (^٣) الولي مطلقًا، ولا دخل في ذلك لتقديم المفعول؛ لأنَّه لازم لدخول همزة الاستفهام، فكان ثابتًا تبعًا له. وإنما عبَّر\n_________\n(^١) الملوان: الليل والنهار، والواحد: ملًا، مقصور.\n(^٢) في (ك): \" الأزمان \".\n(^٣) في (م): \"لا لاتخاذ\".","vol":"3","page":282},{"text":"عن المعبود بالولي لأن (^١) أوَّل درجة العبادة لشخصٍ اتِّخاذه وليًّا، فكان نفيُه أبلغ (^٢).\n﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، وجرَّه على الصِّفة لـ ﴿اللَّهِ﴾، فإنه بمعنى الماضي، ويؤيده قراءة: (فَطَر) (^٣).\nويجوز أن يكون بدلًا، ويرجِّحه أن الفصل بين المبدَل منه والبدل أسهل من الفصل بين المنعوت والنَّعت، بناء على ما هو المشهور من أن البدل على تكرار العامل.\nوقرئ بالرفع والنصب على المدح (^٤).\nوالجملة تقريرٌ لإنكار اتخاذ غير الله تعالى وليًّا وتعليلٌ له، وكذا قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾، أي: المنافع كلُّها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع، فخصوص الطُّعم غير ملحوظ، بل هو من باب تنزيل جزء الشَّيء (^٥) منزلة كلِّه.\nوقرئ: (ولا يَطْعَم) بفتح الياء (^٦).\nوبعكس الأول (^٧) على أن الضمير لـ (غير الله) تعالى، فإن الكلام وإن كان مع\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"لأنَّه\".\n(^٢) في هامش (ف): \"مأخوذ من تفسير أبي حيان. منه \".\n(^٣) نسبت للزهري. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٩)، و\"المختصر في شواذ القرآن\" (ص: ٣٦).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٩)، و\" البحر \" (٤/ ٥٦).\n(^٥) في (ك): \"من تنزيل الشيء\"، وفي (م): \"من باب تنزيل الشيء\".\n(^٦) نسبت للأعمش وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القرآن\" (ص: ٣٦)، و\"البحر المحيط\" (٤/ ٥٦).\n(^٧) أي: (يُطْعَم ولا يُطْعِم) ببناء الفعل الأول للمفعول والثاني للفاعل. ونسبت هذه القراءة ليعقوب في رواية ابن المأمون عنه، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٩)، و\"البحر\" (٩/ ٥٦).","vol":"3","page":283},{"text":"عبدة الأصنام إلا أنه نظر إلى عموم غير الله تعالى، وتغليب أولي النُّهى لأن فيه إنكار أن تصلح الأصنام للألوهية بطريقِ الأَولى، والمعنى: كيف أُشرك بمن هو فاطر السماوات والأرض ما هو نازلٌ عن مرتبة الحيوانيَّة.\nوببنائهما للفاعل (^١)، على أنَّ الثَّاني من أَطْعَمَ بمعنى اسْتَطْعَم (^٢)، أو على أنه يُطعم تارةً ولا يُطعم أخرى؛ أي: وهو الباسط والقابض بحسب الحكمة والمصلحة (^٣)، كقولك: هو يعطي ويمنع.\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾؛ لأنَّ النَّبيَّ ﵇ سابقُ أمَّتهِ في الإسلام، وهذا على طريق التَّحريض على الإسلام، كما يأمر الملك رعيَّته بأمرٍ ثم يُتْبعه بقوله: أنا أول مَن يفعل ذلك؛ ليَحملهم على فعله.\n﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ على معنى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ﴾ فإنه بمعنى: قيل لي: كُنْ أوَّل مَن أسلم، فلا حاجة إلى تقدير: (وقيل لي: لا تكونن) (^٤)؛ أي: أُمِرْتُ بالمسارعة إلى الإسلام، ونُهِيْتُ عن الشِّرك.\nولتعلُّق الأمر بالمسارعة دون نفْس الإسلام لم يؤكَّد تأكيدَ النَّهي المتعلِّق بنفس (^٥) الشرك.\nوقيل: يجوز عطفه على ﴿قُلْ﴾.\n_________\n(^١) نسبت للأشهب. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٩)، و\"البحر\" (٩/ ٥٧).\n(^٢) أي: (يُطْعِم ولا يَستطْعِم). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٩).\n(^٣) \"والمصلحة\" من (ك) و(م).\n(^٤) في (ح) و(ف): \" \"قيل في لا تكونن \".\n(^٥) في (ف) و(ك) و(م): \"لنفس \".","vol":"3","page":284},{"text":"وَيرِدُ عليه: أنَّ سلامة النظم تأبى عن فصل الخطابات التبليغية (^١) بعضِها عن بعضٍ بخطاب ليس منها (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-804\"> </span>(١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الشرط معترِض بين الفعل والمفعول، وجوابه محذوف دلَّ عليه الجملة.\nوالأنبياء ﵈ وإن كانوا معصومين عن الكفر إلا أنه قد يُفرض (^٣) إذا تعلَّق به غرض صحيح؛ من المبالغة في قطع أطماعهم؛ والتعريضِ لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب (^٤)، فلا دلالة في الآية على أنه ﵇ كان يخاف على نفسه من الكفر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-805\"> </span>(١٦) - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾؛ أي: العذاب، وهذا أبلغ؛ لتضمُّنه معنى أن يقال: إن انصراف العذاب رحمة من الله تعالى سواءٌ كان الصارف هو أو غيره، فإنَّ فيه تنبيهًا على أن الغير كالشُّفعاء وإن كان صارفًا للعذاب عن العصاة لكن صرفهم ذاك بإذن الله تعالى.\n_________\n(^١) في (ك): \"البليغة\".\n(^٢) في (ف)، و(ح): \"منها\".\n(^٣) في (ح): \" يعترض \"، وفي (ف): \" يعرض \".\n(^٤) في (م) و(ك): \"مستوجبو العذاب \".","vol":"3","page":285},{"text":"﴿يَوْمَئِذٍ﴾ وقرئ: ﴿يُصْرَفْ﴾ مبنيًا للفاعل (^١)، على أن الضمير فيه لله تعالى، ويعضُده القراءةُ بإظهاره (^٢)، ويناسبه الجزاء، والمفعول به محذوف لظهوره مما قبله، أو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ على أن يراد منه هولُه، فلا حاجة إلى تقدير المضاف.\nوفي عبارة الصَّرف إشارة إلى أنَّ الآية فيمَنْ استحقَّ العذاب.\n﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ رحمةً هي ذلك الصَّرْفُ نفْسه، ونظير هذا قوله ﵇: \"لن يَجْزيَ ولدٌ والدَه إلَّا أن يجدَه مملوكًا فيشتريَه فَيُعْتِقَهُ\" (^٣) \" يعني: بالاشتراء المذكور، ووجهُ ذلك: أن اختلاف العنوان يكفي في صحَّة التَّرتيب والتَّعقيب.\nولك أن تقول: إنَّ الرَّحمة سببٌ للصَّرْف سابقٌ عليه، على ما لوَّح إليه، حيث أتى (^٤) بصيغة الماضي وصيغته مستقبل، والتَّرتيبُ باعتبار الإخبار عنها (^٥).\n﴿وَذَلِكَ﴾، أي: صَرْفُ العذاب عنه وهو مستحِقٌّ له.\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة وأبو بكر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠١).\n(^٢) نسبت هذه القراءة لأبي بن كعب ﵁. انظر: \"الكشاف\" للزمخشري (٢/ ١٠)، و\"البحر\" (٩/ ٥٩).\n(^٣) رواه مسلم (١٥١٠) من حديث أبي هريرة ﵁. ومحل الشاهد أن قوله: \"فَيُعْتِقَهُ\" ليس معناه استئناف العتق فيه بعد الملك؛ لأن الإجماع منعقد على أن الأب يعتق على الابن إذا ملكه في الحال، وإنما معناه: أنه إذا اشتراه فدخل في ملكه، عتق عليه. فلما كان الشراء سببًا لعتقه، أضيف العتق إلى عقد الشراء. انظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير (١/ ٤٠٠).\n(^٤) في (م) و(ك): \" أوتيت \".\n(^٥) العبارة في \"روح المعاني\" (٨/ ٨١): (… ولك أن تقول: إن الرحمة سبب للصرف سابق عليه على ما تلوِّح إليه صيغة الماضي والمستقبل، والترتيبُ باعتبار الإخبار)، والمعنى واحد، وقد عزاه الآلوسي لبعض الكاملين، ولعل المراد المؤلف حيث إن الآلوسي نقل - كلام المؤلف في الآية بتمامه عدا ما أشرنا إليه من الاختلاف في بعض الألفاظ.","vol":"3","page":286},{"text":"﴿الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ ظهورُ الفوز يزداد بازدياد الاستحقاق المعتبَر فيمَنْ صُرِفَ عنه العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-806\"> </span>(١٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضُّرُّ - وهو سوء الحال - أخصُّ من الشَّرِّ المقابل للخير، وإنما خصَّه بالذِّكْرِ لشدَّة الحاجة فيه إلى الكشف.\n﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾: فلا مزيلَ له عنك.\n﴿إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر﴾ حذف جوابه؛ لدلالة جواب مقابِله عليه.\nثم أكَّد الجوابين بشمول قدرته على كلِّ شيء فقال: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يقدر غيره على مخالفته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-807\"> </span>(١٨) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ معنى الفوقية هاهنا: تصويرٌ للقهر والعلوِّ بالغلبة والقدرة، لا بالجهة، وفي القهر معنًى زائدٌ ليس في القدرة (^١)، وهو منع غيره عن بلوغ المراد.\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره وتدبيره إيَّاهم ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأحوالهم وخفاياهم.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"لا بالجهة\" ولعله سهو أو سبق نظر من الناسخ.","vol":"3","page":287},{"text":"<span id=\"aya-808\"> </span>(١٩) - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾: روي أنَّ قريشًا قالوا: يا محمَّد، لقد سألنا عنك اليهود والنَّصارى، فزعموا أن ليس لك عندهم ذِكْرٌ ولا صفة، فأرِنا مَنْ يشهد لك أنَّكَ رسولُ الله، فنزلَتْ (^١).\nوالشيء يُطلَق على كلِّ موجود، وقد مرَّ تفصيله في تفسير سورة البقرة، ووضعُه موضع شهيد للمبالغة في التعميم.\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الجواب، ثم ابتدئ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ كرَّر البَيْن ولم يقل: بيننا؛ للإيماء إلى معنى التَّفصيل المترتِّب على الشهادة المقبولة.\nويجوز أن يكون الجوابُ (^٢): ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ﴾، فهو على الأول للتَّسلق من إثبات التَّوحيد إلى إثبات النُّبوة بأن هذا الشَّاهد الذي لا أَصْدَقَ منه شهد لي بإيحاء هذا القرآن، وعلى الثَّاني من الأسلوب الحكيم؛ لأن الوهم لا يذهب إلى أن هذا الشاهد يحتمل أن يكون غيرَه تعالى، بل الكلام في أنَّه: هل يشهد لنبوَّته أو لا (^٣)؟\n_________\n(^١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٤/ ١٤٠) عن الكلبي. وانظر: \"تفسير الطبري\" (٦/ ٣١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١١٢٠)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ١٠٣)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٢/ ٧٥٠).\n(^٢) \" الجواب \" سقط من (ك) و(ح).\n(^٣) في (ك): \"أم لا\". وجاء في هامش (ح): \"قوله: ويجوز … إلخ، قال أبو حيان: هذا الوجه أرجح من الأول؛ لأنَّه لا إضمار فيه مع صحة معناه، وفي الأول إضماران أولًا وآخرًا\".","vol":"3","page":288},{"text":"﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، والخطاب لكفَّار مكَّة، وليس فيهم ما يصح أن يبشَّروا به، ولذلك خصَّ الإنذار بالذِّكر.\n﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ (مَن) (^١) في موضع نصبٍ عطفًا على مفعول ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ (^٢)؛ أي: ومَن بلغه (^٣) هذا القرآنُ من العرب والعجم.\nوقيل: من الثَّقلين ممن وجد ويوجد إلى يوم القيامة، وهو دليل على أن أحكام القرآن تعمُّ كلَّ من يبلغه إلى يوم القيامة، وأما أنه لا يؤاخذ بها مَن لم تبلغه (^٤) فلا دلالة فيه عليه إلا عند مَن قال بحجيَّة المفهوم (^٥).\nويجوز أن يكون في موضع رفع عطفًا على الضمير المستكنِّ في ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾، وجاز ذلك للفصل بينه وبين الضمير؛ أي: ولينذِر به مَن بلغه القرآن.\n﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً﴾ (^٦) تقرير لهم مع إنكارٍ واستبعاد، ولمَّا كانت تلك الآلهة حجارة وخشبًا أجريت مجرى المفرد تحقيرًا لها، فوُصِفَتْ بما يُوْصَفُ به المفرد، وقيل: ﴿أُخْرَى﴾.\n﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ شهادتكم بأنَّ معه آلهة.\n﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: قل: أشهد أن لا إله إلا هو (^٧).\n_________\n(^١) \"من\": من (ف).\n(^٢) في (م) و(ك) زيادة: \"لأنذركم به \".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"بلغ \".\n(^٤) \"من لم تبلغه\" من (ك) و(م)، وزيد بعدها في (م): \"إلى يوم القيامة\".\n(^٥) في هامش (م): \"رد على القاضي البيضاوي\".\n(^٦) في (ك) و(م): \"آلهة أخرى\" والصواب عدم إثباتها هنا لما سيأتي.\n(^٧) في (ك): \"إلا الله\".","vol":"3","page":289},{"text":"﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أُمِرَ أوَّلًا بأن يخبرهم بأنه لا يوافقهم في الشهادة، ولا يَلزم من ذلك إفراد الله تعالى بالألوهية، فأُمِرَ به ثانيًا، ثم أُمِرَ (^١) ثالثًا بأن يخبرهم بالتَّبري من إشراكهم، وهو التأكيد لمَا قبله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-809\"> </span>(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ يعني: اليهودُ والنَّصارى يعرفون رسولَ الله (^٢) ﷺ بحِلْيته ونعته الثابت في الكتابَيْن معرفةً حقَّةً.\n﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ بِحُلَاهم.\n﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ من المشركين وأهل الكتاب بتضييعهم ما يُكتسَب (^٣) به الإيمان من النور الفطري.\n﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قد مرَّ وجه السَّببية المستفادة من الفاء، على أنه لا يلزمها السَّببية، بل يكفي أن يكون ما بعدها لازمًا لما قبلها، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-810\"> </span>(٢١) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م) و(ك) زيادة: \"به\" والصواب المثبت.\n(^٢) في (م) و(ك): \"النبي\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"يكتب\".","vol":"3","page":290},{"text":"﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله تعالى، و: هؤلاء شفعاؤنا عند الله تعالى، وغير ذلك.\n﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بالقرآن، أو بالمعجزات، وإنما جاء بـ ﴿أَوْ﴾ مع كونهم جامعينَ بين الكذب والتَّكذيب؛ تنبيهًا على أن كلًّا منهما وحده بالغٌ غاية الإفراط في الظُّلم على النَّفس، لا ظلمَ فوقَه.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ جاء بضمير الشأن مع (إنَّ)، للإجمال والتَّفصيل، والتَّنبيه على أن الظالم قط لا يفلح (^١)، فكيف بمن لا أحدَ أظلم منه؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-811\"> </span>(٢٢) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ منصوب بمضمر حُذف تهويلًا للأمر ومبالغةً في التَّخويف، تقديره: كان ما لا يدخلُ تحتَ الوصف. والحشر: السَّوقُ من جهاتٍ مختلفةٍ إلى مكانٍ واحدٍ.\n﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وقرئ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ بالياء فيهما (^٢).\n﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ سؤالُ توبيخٍ، وإنما أضيف الشركاء إليهم لأنَّه لا شركةَ في الحقيقة بين الأصنام والمعبود بحقٍّ، وإنما أَوقع عليها اسمَ الشريك لمجرَّد (^٣) تسميتهم لهم شركاء، فأُضيف إليهم بهذه النسبة، ويعضده التعبير عن اعتقادهم بالزَّعم، فإنه كالعَلَم في الباطل (^٤)، ولا يخفى ما فيه من التَّهكُّم.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ليست عبارة قط من محلها. منه \".\n(^٢) وهي قراءة يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٥٧).\n(^٣) في (م): \"بمجرد\".\n(^٤) كذا قال المؤلف ﵀، وهو في القرآن كذلك، فإنه كما قال الراغب في \"مفرداته\" (مادة:=","vol":"3","page":291},{"text":"﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاءُ لله، حذف المفعولان لدلالة سياق الكلام عليه.\nوهذا السؤال ظاهرٌ في غيبة الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] نصٌّ فيها، فلا وجه لمَا قيل: يجوز أن يَحضروا ويشاهِدوا، ولكنْ لما لم ينتفعوا بهم ولم يكن فيهم ما رَجَوا من الشفاعة لهم جُعِلوا كأنهم غُيَّبٌ عنهم، وهو أبلغ في التوبيخ؛ إذ وجودهم أضرُّ من العدم.\nوأما ما قيل: يجوز أن يُحال بينهم وبينها حينئذ ليتفقدوها في الساعة (^١) التي علَّقوا بها الرجاء فيها، فيَرِدُ عليه: أنه حينئذ ينكشف الحال عندهم، ويعلمون أنه لا منفعة لهم في آلهتهم، بل مضرِّة، فلا احتمال للتفقُّد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-812\"> </span>(٢٣) - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n=زعم): جاء في القرآن في كلّ موضع ذمّ القائلون به. لكنه في غير القرآن ليس معناه مقتصرًا على الباطل كما ذكر بعض العلماء، قال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ١٥٢): الزعم يطلق على القول المحقق أيضًا كما نقله أبو عمر الزاهد في \"شرح فصيح\" شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل، في مقام الاحتجاج. وقال النووي في \"شرح مسلم\" (١/ ٤٥): وقد كثر الزعم بمعنى القول، وفي الحديث عن النبي ﷺ: \"زعم جبريل\" وفي حديث ضمام بن ثعلبة ﵁: زعم رسولك، وقد أكثر سيبويه في \"كتابه\" المشهور من قوله: زعم الخليل كذا، في أشياء يرتضيها سيبويه، فمعنى زعم في كل هذا: قال.\n(^١) في (ك) و(م): \"الشفاعة\"، والمثبت من (ح) و(ف)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ١٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٥٧).","vol":"3","page":292},{"text":"﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ جوابُهم، وإنما سُمِّي فتنةً لأنَّه معذرتُهم التي توهَّموا تخلُّصَهم بها، من قولك: فتنتُ الذهب: إذا خلَّصتَه.\nوقيل: كفرُهم، والمراد عاقبتُه.\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، وقرئ بالتاء الفوقانية ونصب ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾، على تقديرِ ﴿أَنْ قَالُوا﴾ مؤنثًا؛ أي: ثم لم تكن فتنتَهم إلا مقالتُهم، وهذا أحسن من اعتبار التأنيث في الخبر، وقرئ: بالتاء الفوقانية والرفع على أنها الاسم، وقرئ: ﴿يكن﴾ بالياء التحتانية ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ بالنصب، على أن الاسم: ﴿أَنْ قَالُوا﴾ (^١).\n﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾ كذبوا وحلفوا - مع علمهم بأنه لا ينفع - حيرةً ودَهَشًا، وقرئ: ﴿رَبِّنَا﴾ (^٢) بالنصب على النداء أو المدح (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-813\"> </span>(٢٤) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بنفي الشِّرك عنها.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ يَحتمِلُ أن يكون عطفًا على ﴿كَذَبُوا﴾ فيدخل في حيِّز ﴿انْظُرْ﴾، ويحتمل أن يكون إخبارًا مستأنفًا، فلا يدخل في حيِّزه.\n_________\n(^١) ملخص ما ذكره المؤلف ثلاث قراءات كلها سبعية، وهي التاء مع كل من الرفع والنصب، والياء مع النصب. انظر تفصيلها ومن قرأ بكل منها في \"السبعة\" (ص: ٢٥٤)، و\"التيسير\" (ص: ١٠١)، و\"النشر\" (٢/ ٢٥٧). وثمة رابعة وهي الياء مع الرفع ذكرها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٦) عن عاصم من رواية المفضل وعن الأعمش. ووقع في (م) و(ك) في هذا النص تقديم وتأخير لكن المؤدى واحد.\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٣) في هامش (ف): \"فيلزم عطف الإخبار على الإنشاء. منه\".","vol":"3","page":293},{"text":"﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: غاب عنهم ما كانوا يفترونه من الشركاء؛ أي: يفترون إلهيَّته وشفاعته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-814\"> </span>(٢٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ حين تتلو القرآنَ، روي أنَّ جماعة من كفَّار قريش استمعوا رسول الله ﵇، فقالوا للنَّضر: ما يقول محمد؟ فقال: ما يقول إلا أساطير الأولين، مِثلَ ما أحدِّثكم عن القرون الماضية، وكان صاحبَ أخبار، فنزلت (^١).\n﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: جمعُ كِنَان، وهو ما يستر الشيء كالغطاء.\n﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: كراهةَ أن يفقهوه، ويجوز أن يكون مفعولًا لما دلَّ عليه الكلام المذكور؛ أي: منعناهم أن يفقهوه.\n﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: ثقلًا، الأَكِنَّةُ في القلوب والوَقْرُ في الآذان مثلٌ في نبوِّ قلوبهم ومسامعهم عن قبوله واعتقاد صحته.\nوما قيل: لما كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ (^٢)، يَرِدُ عليه أنهم ما عجزوا عن إدراك اللفظ المسموع\n_________\n(^١) انظر: \"أسباب النزول \" للواحدي (ص: ٢١٤). وجاء في هامش (ف): \"ذكره القاضي في تفسير سورة بني إسرائيل. منه \".\n(^٢) في هامش (ف): \"من جملة تأويلات المعتزلة لأمثال هذه الآية. منه \".","vol":"3","page":294},{"text":"- على ما دل عليه ما مر في سبب النزول - إنما عجزوا عن إدراك اللفظ المطبوع الحامل للخواص والمزايا.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لفرط عنادهم، ولا بد من تخصيص الآية بغير (^١) الملجئة دفعًا للمخالفة بينه وبين قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤].\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هي التي يقع بعدها الجمل (^٢)، والجملة بعدها هي الشَّرطية، ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ في محل الحال، وجواب الشرط:\n﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٣) وفيه وضع المظهَر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر والعناد مع وضوح الآيات.\nويجوز أن تكون ﴿حَتَّى﴾ هي الجارَّة و﴿إِذَا﴾ لمجرد الظرفية في محل الجر فلا يكون له جواب؛ أي: حتى وقت مجيئهم، و﴿يَقُولُ الَّذِينَ﴾ تفسير لـ ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين﴾ الأساطير: الأباطيل، الواحدة: الأُسْطُورة بالضم، وإِسْطارةٌ بالكسر، وجَعْلُ أصدق الحديث خرافات الأولين غايةُ التَّكذيب.\nويجيء الأساطير جمع أَسْطَارٍ، جمع سَطَرٍ بالتحريك (^٤)، بمعنى الخط والكتابة، وعلى هذا ينطبق ما روي عن النضر فيما سبق، وأما السَّطْر بالسكون فجمعُه (^٥) أَسْطرٌ وسُطُورٌ.\n_________\n(^١) في (ح): \"غير\"، وفي (ف): \"لغير\".\n(^٢) في هامش (ف): \"ويعضده زيادة قوله في سورة يونس ﵇: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، فافهم\".\n(^٣) في هامش (ف): \"ومن وهم أن ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ جواب فقد وهم. منه \".\n(^٤) في هامش (ف): \"ليت شعري أنى قال القاضي: إن السطر بالسكون جمعه على أسطار. منه \".\n(^٥) في (م) زيادة: \" على \".","vol":"3","page":295},{"text":"<span id=\"aya-815\"> </span>(٢٦) - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: ينهون النَّاس عن القرآن أو الرَّسول واتِّباعه والإيمان به.\n﴿يَنْهَوْنَ﴾: يَبعدون ﴿عَنْهُ﴾ بأنفسهم، فيَضلُّون ويُضلُّون.\n﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ﴾: وما يهلكون بذلك ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أن ضرر ذلك لا يتعدَّاهم إلى غيرهم، وإن كانوا يظنُّون أنهم يضرُّون رسولَ الله ﷺ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-816\"> </span>(٢٧) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ مِن وقَفه؛ أي: حبسه؛ لأنَّه قال في موضع آخر: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] (^١)؛ أي: يُحبسون، والقرآن يفسِّرُ بعضَه بعضًا، وضمَّنه معنى الاطِّلاع، دلَّ على ذلك قوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾، والمعنى: إذ وُقِفوا مطَّلعين عَلَى النَّارِ (^٢).\nوقرئ على البناء للفاعل (^٣)، من وَقف عليه وقوفًا.\nوإنما حذف الجواب تهويلًا؛ أي: لو تراهم حين يوقَفون عليها حتى يعاينوها، أو يطَّلعون عليها وهي تحتهم، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها (^٤)، لرأيت أمرًا شنيعًا لا يدخل تحت الوصف.\n﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا﴾ تمنوا الرجوع إلى الدنيا.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"الوزع غير الوقف، فكيف يفسره؟ منه \".\n(^٢) في هامش (ف): \"ليس فيه دلالة على ما ذكره؛ لأن حبسهم فوق النار وهي تحتهم. منه \".\n(^٣) نسبت هذه القراءة لابن السميفع وزيد بن علي. انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٩٦).\n(^٤) في هامش (ف): \"فأين التضمين الذي ذكره، فأين جزمه بأن الوقف بمعنى الحبس. منه \".","vol":"3","page":296},{"text":"﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرئ بنصب ﴿نُكَذِّبَ﴾ و﴿نَكُونَ﴾ (^١) بإضمار (أنْ) بعد الواو، لا على جواب التَّمني؛ لأن الواو لا تقع في جواب الشرط، ولا ينعقدُ مما (^٢) قبلها وما بعدها شرطٌ وجواب (^٣)، وإنما هي واو الجمع يعطف ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، والأفعال الثلاثة متمناهٌ على سبيل الجمع بينها، لا أن كل واحد متمنًّى على حِدَة، إذ التقدير: يا ليتنا يكون لنا ردٌّ مع انتفاء التكذيب وكونِنا من (^٤) المؤمنين.\nأو واوُ الحال (^٥) على أن مدخولها حال من الضمير في ﴿نُرَدُّ﴾، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غير مكذبين وكائنين من المؤمنين.\nوقرئ برفعهما عطفًا على ﴿نُرَدُّ﴾، فيكونان داخلَين في التمني، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ راجع إلى ما تضمنه التَّمني من الوعد (^٦).\n[وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف على ﴿نُرَدّ﴾، (^٧) أو على الاستئناف، ونصب الثاني عطفًا على مصدر متوهَّم مقدَّر من الجملة السابقة، وتكون (أنْ) مضمرة بعد الواو، فالتقدير: يكون منا ردٌّ وكونٌ من المؤمنين.\n_________\n(^١) وهي قراءة حمزة وحفص، وقرأ ابن عامر برفع الأول ونصب الثاني، والباقون بالرفع فيهما. انظر: \"التيسير\" (ص:١٠٢).\n(^٢) في (ح) و(م): \"ما\".\n(^٣) في هامش (ف): \"لا نسلم ذلك، ألا ترى إلى تقدير صاحب الكشاف: إن رددنا لم نكذب ونكن من المؤمنين. أي: ممن قال على الجواب، والله أعلم بالصواب. منه \".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"مع \".\n(^٥) في هامش (ح) (ف): \"احتمال الحال ظاهر في قراءة الرفع، فذكره هنا دون بيان وجه قراءة الرفع ليس كما ينبغي، فإن الحال المفردة لا تحلى بالواو. منه \".\n(^٦) انظر شرح هذا الكلام في \"حاشية شيخ زاده على البيضاوي\" (٤/ ٣١).\n(^٧) ما بين معكوفتين مستفاد من \"البحر\" (٩/ ٩٨).","vol":"3","page":297},{"text":"<span id=\"aya-817\"> </span>(٢٨) - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ إضرابٌ عن إرادة الإيمان المفهوم من التَّمني؛ أي: ظهر لهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم ما كانوا يخفون من النَّاس من فضائحهم وقبائحهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرًا لا عزمًا على أنهم لو رُدوا لآمنوا.\n﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ من الكفر والمعاصي.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما وعدوا من أنفسهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-818\"> </span>(٢٩) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ استئناف أو عطف على ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^١)، لا على ﴿لَعَادُوا﴾، ولا على ﴿نُهُوا﴾ (^٢)، إذ حينئذ حقُّ قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أن يُؤخَّر عن المعطوف، أو يُقدَّم على المعطوف عليه.\n﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الضمير للحياة.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ إلى الحشر والجزاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-819\"> </span>(٣٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ للتوبيخ والسؤال (^٣)، كما يوقف العبد الجاني بين يدي\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وإنهم لكاذبون جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه فلا عناد. منه \".\n(^٢) في (م) و(ك): \"لما نهوا\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"والسؤال للتوبيخ \".","vol":"3","page":298},{"text":"سيِّده ليعاتبه، ضمَّنَ الوقوف معنى العرض، ولذلك قال: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾، والمعنى: إذ عرضوا على ربهم موقوفين، وقد أفصح عن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢].\nوقيل: معناه (^١): وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه، أو عرِّفوا حقَّ التعريف.\nوجواب (لو) محذوف كما مرَّ (^٢).\n﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قال (^٣) قائل: ماذا قال لهم ربهم حينئذ؟ فقيل: قال (^٤)، والهمزة للتقريع والتعييرِ من الله تعالى على التَّكذيب وإنكارِ البعث والجزاء حين سمعوا حديثه وقالوا (^٥) ما هذا بحق، والإشارة إلى البعث والجزاء.\n﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ إقرارٌ مؤكَّدٌ باليمين.\n﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفركم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-820\"> </span>(٣١) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: بالبعث وما يتَّصل به من أحوال الآخرة.\n_________\n(^١) \"معناه\"من (م).\n(^٢) \"كما مر\"سقط من (ك).\n(^٣) في (م) و(ك) زاد: \" لهم \".\n(^٤) في (م) و(ك) زيادة: \"إلخ \".\n(^٥) في (ك): \"قالوا\".","vol":"3","page":299},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، ﴿حَتَّى﴾ غايةٌ للتَّكذيب لا للخسران (^١)؛ فإنَّ خسرانهم لا غاية له، والكلام فيها وفيما (^٢) بعدها من الجملة كما مرَّ في ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ﴾.\n﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً، وهي مجيء الشيء بسرعة من غير خطورٍ ببالك، حال؛ أي: باغتةً، أو مصدر؛ لأنها نوع من المجيء.\n﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾ تعالي فهذا أوانكِ، والحسرة: شدَّة النَّدم.\n﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: قصَّرنا مع القدرة على عدم التَّقصير (^٣).\n﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الحياة الدُّنيا، أُضْمِرَتْ لأنها معلومة وإن لم يَجْرِ لها ذكر، أو: في السَّاعة؛ أي: في شأنها والإيمانِ بها، كما في قوله: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].\n﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ مَن قال بالميزان واعتقَد (^٤) وزنَ الأعمال وأذعن حصول الثِّقل لها يوم الجزاء فليس له أن يقول: إنَّه تمثيل لثقل أوزارهم (^٥)، والمعنى: أنهم يقاسون عذاب ذنوبهم مقاساةَ مَنْ يحمل ثقلَه على ظهره؛ لأنَّه (^٦) مظنَّةُ الإنكار بما ذكر.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لكذبوا لا لخسر\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"وما\".\n(^٣) في هامش (ف): \"فرَّط: قصَّر مع القدرة على ترك التَّقصير\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"أو اعتقد\".\n(^٥) في هامش (ف): \"لما يلزم من إنكاره شيء إذا قال: الموزون كتب الأعمال، على ما حُقِّق في الكلام؛ فإن حصول الأعراض في الميزان مع حصول الثقل لها لا يُعقل \".\n(^٦) في (ك): \"لأن \".","vol":"3","page":300},{"text":"والجملة حال من الضمير في ﴿قَالُوا﴾.\n﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ اعتراضٌ، والمخصوص بالذَّم محذوف؛ أي: بئس شيئًا يزرون وِزرُهم، أو الذي يَزِرونه، و﴿سَاءَ﴾ على وزن فَعَلَ، متعدٍّ تقديره: ساءهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-821\"> </span>(٣٢) - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أراد بالحياة الدُّنيا: أعمالها المخصوصةَ بها، بحيث لا يظهر أثرها في الحياة الأخرى، ولذلك قال:\n﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ فإنَّ مطلق أعمالها الشاملة (^١) للعبادات ليس كذلك، ومن هنا ظهر وجه السلوك إلى طريق المجاز؛ شبِّهت أعمال الدنيا باللعب واللهو لقلَّة جدواها وسرعةِ زوال منافعها، أو لأنَّه (^٢) يُلهي الناس وَيشغلهم عما يُعْقِب منفعة دائمة ولذة حقيقية، وهو جواب لقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩].\n﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إيراد لام الابتداء، وإثبات ما فيها للذين يتقون، والتأكيدُ بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إشعارٌ (^٣) بأن ما سوى أعمال المتقين لهو ولعب يَشتَغِل به مَن لا يَعقل، وأنَّ العاقل هو الزَّاهد في الدنيا.\nوقرئ: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ على الإضافة (^٤)، أي: دارُ الحياة الآخرة.\n_________\n(^١) في (م): \"المخصوصة الشاملة\".\n(^٢) في (ف): \" ولأنه \".\n(^٣) في (م): \"إشعارًا\".\n(^٤) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).","vol":"3","page":301},{"text":"وقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على خطاب المخاطَبين به (^١)، أو تغليبًا على (^٢) الغائبين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-822\"> </span>(٣٣) - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\n﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ﴾ ﴿قَد﴾ هاهنا من باب استعمال اللفظ في نقيضه للمبالغة؛ لأنَّه بمعنى تكثير الفعل وزيادته، كما تستعمل (ربَّما) لذلك، كأنه إيماءٌ إلى أنَّ كلَّ ما يفهم من وقوع مرَّات (^٣) الفعل وزيادته بالنِّسبة إلى ما يُراد منه قليلٌ، ويقوِّيه في تفخيم الفعل وكثرته إيراد ضمير الشأن ولام الابتداء في المعلوم المفيد للاعتبار به (^٤) وتحقُّقِ وقوعه؛ ليلزم من كثرة وقوع المعلوم كثرةُ العلم به، ومن دوامه دوام العلم (^٥).\n﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها (^٦) من أَحْزنَ.\n﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾؛ أي: كثيرًا ما نعلم حزنك من قولهم: ساحر كذَّاب، أو: كاهن، وأمثاله، فتسلَّ والْهُ عن حزنك.\n﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ المراد بنفي تكذيبه ﵇: استعظامُ تكذيبه بجعله تكذيبَ الله تعالى، لا نفيُه حقيقة.\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٢) في (م) و(ك): \"تغليب الحاضرين على\".\n(^٣) في (ح): \"وقوع مرات وقوع \".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"الابتداء والمعلوم المفيد للاعتبارية\".\n(^٥) في (ك): \"الفعل \".\n(^٦) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٢).","vol":"3","page":302},{"text":"﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بل يكذِّبون الله تعالى بجحود آياته والاستهانة بكتابه، فتكذيبك تكذيبُه، ووَضْعُ (^١) الظَّاهر موضعَ الضَّمير تسجيلٌ (^٢) عليهم بالظُّلم، وأنَّ جحودهم مسبَّب عن تمرُّنهم وإفراطهم في الظُّلم.\nوالالتفاتُ في اسم الله تعالى بيانٌ لعظم ما ارتكبوه، والباء لتضمُّن الجحود معنى التَّكذيب.\nوقرئ: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بالتخفيف (^٣)، من أكذبه: إذا وجده كاذبًا، أو نَسَبه إلى الكذب، ومعنى كذَّبه: جعله كاذبًا في زعمه (^٤).\nروي أن أبا جهل كان يقول: ما نكذِّبك، وإنَّك عندنا لمصدَّق، وإنما (^٥) نُكذِب ما جئتنا به فنزلَتْ (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-823\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"وضع \".\n(^٢) في (م) و(ك): \"للتسجيل \".\n(^٣) وهي قراءة نافع والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٤) في \"البحر المحيط\" (٩/ ١٢١) تفريق جيد بينهما قال ﵀: \"فقيل: هما بمعنى واحد نحو كثَّر وأكثر. وفيل: بينهما فرق، حكى الكسائي أنَّ العرب تقول: كذَّبت الرجل إذا نسبت إليه الكذب، وأكذبته إذا نسبت الكذب إلى ما جاء به دون أن تنسبه إليه \". قلت: ولعل ما سيأتي في سبب النزول فيه إشارة لما ذهب إليه الكسائي.\n(^٥) في (ك): \"وإنا\".\n(^٦) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٤٦) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٨)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ١٢٣).","vol":"3","page":303},{"text":"﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ على التَّكذيب، ومبناها على وقوع التَّكذيب، فدلَّ هذا على أنَّ المعنى ما قدَّمناه (^١).\n﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾؛ أي: على تكذيبهم وإيذائهم، قياس (^٢): واصبر كما صبروا؛ فإنَّ مع الصَّبر النَّصر.\n﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ فيه إيماء إلى وعد النَّصر للصَّابرين.\n﴿ا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّه﴾؛ أي: لمواعيده، من قولِه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ الآياتِ الثلاث [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: بعضُ أنبائهم وما كابدوا من مصابرة أعدائهم، ويجوز أن يكون الفاعل ضميرًا يعود على ما دلَّ عليه المعنى من الجملة السابقة؛ أي: ولقد جاءك هذا الخبر من تكذيب أتباع الرُّسل للرُّسل والصبر على الإيذاء إلى أن نُصروا، و﴿مِنْ نَبَإِ﴾ في موضع الحال، وذو الحال ذلك الضمير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-824\"> </span>(٣٥) - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ﴾: شقَّ وثقلَ.\n﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ عمَّا جئْتَ به.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"قدمنا\".\n(^٢) في (م): \"فقاس بهم \".","vol":"3","page":304},{"text":"﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾: مَنفذًا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض فتُطْلع لهم آية.\n﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، أي (^١): مصعدًا تصعد به إلى السماء فتُنزل منها آية، جوابُ ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ محذوف، أي: فافعل، أي: إنك لا تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه وتهالُكه ﵇ على إسلام قومه.\nوالشرطية جواب الشَّرط الأوَّل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ صفةٌ لـ ﴿نَفَقًا﴾، أو متعلق بـ ﴿تَبْتَغِيَ﴾، وكذا ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ صفة لـ ﴿السَّمَاءِ﴾، أو متعلق بالفعل.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ولكن لم يشأ، فلا تتهالك على إيمانهم.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: من الذين يجهلون ذلك وَيرومون خلافه؛ أي: لا تحرص على ما لا يكون، ولا تجزع في مقام الصبر، فإن ذلك من دأب الجهلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-825\"> </span>(٣٦) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، أي: لا يستجيب دعوتك إلى الإيمان إلا الذين يسمعون فيفهمون ويتدبَّرون، دون الموتى، وهؤلاء الذين تحرص على إيمانهم موتى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠].\n﴿وَالْمَوْتَى﴾ استعار (الموتى) للجهَّال؛ لأنَّ العلمَ حياةُ القلب، فالذين لا يسمعون إنما لا يسمعون لأنَّ قلوبهم موتى بالحقيقة.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"أو\".","vol":"3","page":305},{"text":"﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فيُعْلمهم حين لا ينفعهم الإيمان، وأنت لا تقدر على إعلامِهم.\n﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ للجزاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-826\"> </span>(٣٧) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ (^١) عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مع كثرة ما أنزل إليه من الآيات، لعدم اعتدادهم بها عنادًا كأنه لم ينزل عليه شيء، أو آيةٌ مما اقترحوها (^٢).\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ وقرئ بالتشديد (^٣)، على أن نزَّل بمعنى أنزل.\n﴿آيَةً﴾ مما (^٤) اقترحوا، أو: آيةً إن جحدوها أخذهم العذاب، وهو من لوازم الآيات الملجئة (^٥).\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللّهَ تعالى قادر على إنزالها، ولكن يفعل على مقتضى حكمته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-827\"> </span>(٣٨) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"أنزل\"، والمثبت موافق للتنزيل، ولم أجد قراءة توافق ما وقع في النسخ.\n(^٢) في (ك): \"بما اقترحوا\".\n(^٣) قرأ بالتخفيف ابن كثير، وقرأ الباقي بالتشديد. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٥).\n(^٤) في (ك): \"بما\".\n(^٥) في هامش (ف): \"رد لمن أخذه مقابلًا لها. منه \".","vol":"3","page":306},{"text":"﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: تستقرُّ فيها، وفائدته: تحقيق المقابلة بينها وبين قرينها المقابل، فإن بعض الطير (^١) يتحرك على وجه الأرض إلا أنه لا يستقرُّ فيها (^٢).\n﴿وَلَا طَائِر﴾ وقرئ بالرفع على المحل (^٣).\n﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ تصوير لتلك الهيئة الغريبة الدَّالة على القوَّة الباهرة، والمقامُ مقامُ بيانِ كمالِ قدرته تعالى.\nوقيل: إنَّه لقطعِ مجازِ السُّرعة، وقيل: للتَّعميم.\nويَرِدُ عليهما أنَّه لو قيل: (ولا طائرٍ في السماء) لكان أَخصرَ (^٤)، وفي إفادة ذَيْنِكَ الأمرين (^٥) أظهر، مع ما فيه من رعاية المناسبة بين القرينين بذكر جهة العلوِّ في أحدهما وجهة السُّفل في الآخر.\n﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ محفوظةٌ أحوالُها، مقدَّرةٌ (^٦) أرزاقُها وآجالُها، والمقصودُ من ذلك: بيانُ كمالِ قدرته، وشمول علمه، وسعة تدبيره؛ ليكون كالدَّليل على أنه قادرٌ على أن ينزل آية، وحُمل ﴿أُمَمٌ﴾ على المعنى فجُمِعَ تقويةً للعموم المستفاد من وقوع النَّكرة في سياق النَّفي مصحوبة بـ ﴿مِنْ﴾ التي تفيد الاستغراق.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"الطائر\".\n(^٢) في هامش (ف): \"لا يلزم أن يكون لازمًا مساويًا لها حتى لا يصح المقابلة. منه \".\n(^٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ١٤١).\n(^٤) في هامش (ف): \"لو قيل: في السماء، لم يشمل أكثر الطيور لعدم استقرارها في السماء، ثم يجوز أن يقصد التصور مع قطع المجاز أو التعميم إذ لا تمانع. منه \".\n(^٥) في (ح) و(ف): \" للأمرين \".\n(^٦) في (ف): \"مقررة \".","vol":"3","page":307},{"text":"ولمَّا دل بها على كمال قدرته وإحاطة علمه، أوعدهم على ما فَرَط منهم من الإنكار بقوله:\n﴿مَا فَرَّطْنَا﴾ وقرئ بالتَّخفيف (^١) ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: ما أغفلنا وما أهملنا في اللَّوح المحفوظ.\n﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ما لم (^٢) نكتبْهُ ولم نبيِّنْه، أيَّ شيء كان، فلا بدَّ من كتابة أعمالكم وعقائدكم وأحوالكم.\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إلى ذلك القادر لا إلى غيره.\n﴿يُحْشَرُونَ﴾ كلُّهم فيجازيهم، وإنما أجريت مجرى العقلاء لإطلاق الأمم عليهم، أو غلَّبَ العقلاء لكونهم المقصودين.\nو﴿مِنْ﴾ مزيدة، و﴿شَيْءٍ﴾ في موضع المصدر، أو مفعولٌ به على تضمين فرَّط معنى أهمل أو أغفل.\nوالمقصود: أنَّ مَنْ يضبطُ أحوالَ الدَّوابِّ والطَّير كلِّها وأعمالَها، ويحشرها (^٣) فيُنصف بعضها من بعضٍ - كما روي أنه يأخذ للجمَّاء من القرناء (^٤) - ويجازي كلَّها، كيف يهملكم سُدًى (^٥).\nوقيل: حشرُها موتها.\n_________\n(^١) نسبت إلى علقمة. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ١٤٥).\n(^٢) في (م): \"مما لم \". وسقطت \"لم \" من (ف).\n(^٣) \"ويحشرها\": ليست في (م) و(ك).\n(^٤) رواه مسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: \"لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ\".\n(^٥) \"سدى\" من (ك) و(م).","vol":"3","page":308},{"text":"ويردُّه أنَّ الحشرَ بعثٌ من (^١) مكانٍ إلى آخر، وتعديتُه بـ ﴿إِلَى﴾ تنصيصٌ على هذا المعنى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-828\"> </span>(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ خبرٌ ثالثٌ كناية عن عمَى البصيرة، ناظر (^٢) إلى ﴿عُمْيٌ﴾ (^٣) في قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، وهذا أبلغ إن (^٤) جعلت ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ ظرفًا لهم، وجُمِعَتْ لاختلاف جهات الضلالة من الكفر والجهل والعناد والتقليد.\nولمَّا لخص من الدلائل القاطعة على ربوبيته وقدرته وعظمته، ووجوبِ التَّيقظ لِمَا أَوْعدَ عليه، والإقرارِ به وبالحشر= قال: والمكذِّبون بآياتنا صمٌّ وإلا (^٥) سمعوا كلام المنبِّه فاستيقظوا ورجعوا، وبُكْمٌ وإلا نطقوا بالإقرار بالحقِّ، خابطون في ظلمات أنواع الضَّلالة فلا ينتهون (^٦) لذلك ولا يتأمَّلون ويتفكرون (^٧)\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"كل \".\n(^٢) في (م): \"ناظرًا\".\n(^٣) أي: واقع موقعه.\n(^٤) في (ك) و(م): \"إذا \".\n(^٥) في (ح): \"فما\".\n(^٦) في (م): \"يتنبهون \".\n(^٧) في (م): \"ولا يتفكرون\".","vol":"3","page":309},{"text":"فيه، ثم أكَّد ما بيَّن (^١) مِنْ شدَّة جهلهم وعميهم (^٢) واحتجاجهم بقوله:\n﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ إيذانًا بأنهم من أهل الطَّبع والختم، ومَن يُضللِ الله فلا هادي له (^٣).\n﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ كان الظاهر أن يقال: (^٤) ومَن يشأ يَهْده، وإنما عدل عنه لأن هدايته تعالى - وهي إرشاد إلى الهدى - غيرُ مختصَّة ببعضٍ دون بعضٍ، بل عامَّةٌ للكلِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-829\"> </span>(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾: أخبِروني، لمَّا كان العلم سببَ الإخبار وضعَ طلبَ العلم موضعَ طلبِ الخبر، فصورتُه استفهامٌ، ومعناه الأمر، لاشتراكهما في الطَّلب.\nوالكاف حرف الخطاب، أكّد به الضَّمير للتأكيد، لا محل له من الإعراب، والفعل معلَّق، أو المفعول محذوف تقديره: أرأيتكم آلهتكم تنفعُكم إذ تدعونها.\n﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ تعالى كما أتى مَنْ قبلَكم.\n﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾: هولُها.\n﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ تبكيتٌ لهم.\n_________\n(^١) في (ح): \"بينه \".\n(^٢) في (ف): \"عمهم \"، وفي (ح): \"عمههم \".\n(^٣) \"فلا هادي له\" من (ك) و(م).\n(^٤) في (م) و(ك): \"يقول \".","vol":"3","page":310},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ أنَّ الأصنام آلهة، وجوابه محذوف؛ أي: فادعوه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-830\"> </span>(٤١) - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.\n﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: بل تخصُّونه بالدُّعاء، كما حكي عنهم في مواضع، وتقديم المفعول للتَّخصيص.\n﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ وأرادَ أن يتفضَّل عليكم.\n﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: آلهتكم التي تشركونها به تعالى، لمَا ركز في العقول أنَّه القادر على كشف الضُّرِّ دون غيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-831\"> </span>(٤٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: قبلك، و﴿مِنْ﴾ زائدة.\n﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: كذَّبوا فكفروا (^١) الرُّسل فأخذناهم، والأخذُ: الإمساكُ بقوَّة وقهر، والمراد هاهنا مبالغةُ العقوبة والملازَمة (^٢).\n﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: البؤسِ والشدَّة (^٣) كالقحط والفقر.\n﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الضرِّ والآفات؛ وهما صيغَتا (^٤) تأنيثٍ لا مذكَّر لهما.\n_________\n(^١) \" فكفروا \" من (ك) و(م). وفي \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٦٢): (أي: فكفروا وكذبوا المرسلين فأخذناهم).\n(^٢) في (م): \" والملامة \".\n(^٣) في (م): \"الشدة\".\n(^٤) في (ح) و(ف) و(ك): \"صفتا\"، وسقطت \"وهما\" من هذه النسخ، والمثبت من (م).","vol":"3","page":311},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾: يتذلَّلون لنا، ويتوبون عن الذُّنوب؛ فإنَّ البلاء يليِّن القلوب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-832\"> </span>(٤٣) - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ معناه: نفي التَّضرُّع في ذلك الوقت مع قيام (^١) الدَّاعي وعدم المانع، وذلك أنه لما جاء بـ ﴿فَلَوْلَا﴾ التَّحضيضيَّةِ الدَّاخلة على الماضي للتَّنديم دلَّت على أنه (^٢) لا مانع لهم من التَّضرع الذي اقتضاه الحال، ولما كان التَّضرع مِن لِين القلب كان المعنى: لم يتضرَّعوا ولم يَلينوا (^٣)، فاستدرك بقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فالاستدراك عن كلامٍ غير ملفوظٍ، بل مدلول عليه معنًى.\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: لا مانع لهم من التَّضرع إلَّا قسوةُ قلوبهم، وشدَّةُ شكيمتهم في عنادهم، وإعجابُهم بأعمالهم التي زيَّنها لهم الشيطان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-833\"> </span>(٤٤) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ من البأساء والضَّراء؛ أي: تركوا الاتِّعاظ به ولم ينزجروا.\n_________\n(^١) \"قيام \"سقط من (ك).\n(^٢) في (م) و(ك): \"أن \".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"لم يلينوا\"، وفي (ح): \"ويلينوا\"، والمثبت من (م).","vol":"3","page":312},{"text":"﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾: التَّكثيرُ، دون التَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].\nوالفتحُ المذكور تعبيرٌ عن تيسير مطالبهم الدُّنيويَّة؛ أي: امتحنَّاهم بالضرَّاء والسرَّاء، وابتليناهم بالشدَّة والرَّخاء؛ مخاشنةً (^١) وملاطفةً؛ إلزامًا للحجَّة وإزاحةً للعلَّة.\nويجوز أن تكون التَّوسعة عليهم مكرًا واستدراجًا؛ لِمَا روي في \"مسند أحمد بن حنبل\" عن عقبةَ بن عامر ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"إذا رأيْتَ اللهَ يعطي العبدَ مِنَ الدُّنيا على معاصيه ما يحبُّ فإنَّما هو استدراج \"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية (^٢).\nفالتَّوسعة قهرٌ خفيٌّ في صورة اللُّطف، كما أنَّ الأخذ بالبلاء لطفٌّ خفيٌّ في صورة القهر.\nوقرئ ﴿فَتَحْنَا﴾ بالتَّشديد (^٣)، للتَّكَثير.\n﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾: بَطِرُوا وأُعجِبُوا (^٤) ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ من النِّعَم.\n﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: أهلكنا هم فجأة، وهو أشدُّ الإهلاك، إذ لم يتقدَّم شعورٌ به فتُوطَّنَ النَّفس على لقائه.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"محاسنة\".\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٧٣١١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ ٣٣٠)، وحسَّن إسناده العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (ص: ١٤٧٧).\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وعجبوا \".","vol":"3","page":313},{"text":"﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ المُبْلِسُ: الشَّديدُ الحسرة، والبائس الحزين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-834\"> </span>(٤٥) - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: استؤصلوا ولم يبقَ منهم أحد.\nوالدَّابر: التَّابع للشَّيء مِن خلفه، يقال: دَبَرَ الولدُ الوالدَ يَدْبُرُه دبرًا ودُبورًا (^١): إذا تَبِعه، ووُضع ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ موضع الضمير للتسبُّب (^٢)، أي: حَقَّ عليهم الدَّمار والعذاب بسبب تمادي ظلمهم وتناهيهِ حتى (^٣) لم يبقَ لهم مطمع في صلاحهم.\n﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ على إهلاكهم، وفيه إيذان بأن إهلاك الظَّلمة من أجَلِّ النِّعَم وأحقِّها بأن يُحْمَد عليه؛ لأن وجودهم في الخلق بلاءٌ وعناءٌ، وشرُّهم متعدٍّ ومفسدةٌ دينًا ودنيا، فتخليص المؤمنين من شؤم أعمالهم وعقائدهم خيرٌ عظيمٌ ونعمةٌ سَنيَّةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-835\"> </span>(٤٦) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ لمَّا كان هذا التَّهديد أخفَّ من التَّهديد السَّابق اكتفى هنا بخطاب الضَّمير، ولم يؤكِّد بحرف الخطاب كما أكَّد (^٤) ثمَّة.\n_________\n(^١) \"ودبورًا\" زيادة من (ك).\n(^٢) في (ك): \"للتسبيب \".\n(^٣) في (ك): \"حين \".\n(^٤) في (م) و(ك): \" أكده \".","vol":"3","page":314},{"text":"﴿سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾؛ أي: أصمَّكم وأعماكم.\n﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: غطَّى عليها ما يُذهِبُ فهمَكم وعقلَكم.\n﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؛ أي: بذلك، إجراءً للضَّمير مجرى اسم الإشارة، أو: بما أَخَذ وختم عليه، أو بأحد هذه المذكورات.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نكرِّرها متنوعةً؛ تارة بالمقدِّمات والحجج العقليَّة، وتارة بالوعد والوعيد والتَّرغيب والتَّرهيب، وتارة بالتَّنبيه والتَّذكير بأحوال الأمم الماضية.\n﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾: يُعرضون (^١)، و﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الإعراض عن الآيات بعد تصريفها وظهورها، ولذلك قدَّم الضَّمير على الفعل المضارع وصيَّر الجملة اسمية؛ أي: هم المكرَّر عليهم الآيات متنوعةً لا غيرهم، يجدِّدون الإعراض دائمًا مع تجدُّد التَّصريف، فما أبعد حالهم عما فعلنا بهم!\n* * *\n\n<span id=\"aya-836\"> </span>(٤٧) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ لمَّا كان التَّهديد شديدًا جمعَ بين أداتَي الخطاب.\n﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً﴾ لمَّا كانت البغتة هجومَ الأمر من غير ظهورِ أَمَارة وشعورٍ به تضمَّنَتْ معنى الخفيَة، فصحَّ مقابَلتها للجهرة، وبُدئ بها لأنها أردع من الجهرة، وإنَّما لم يقل: (خُفْيَة)؛ لأن الإخفاء لا يناسب شأنه تعالى، وقرئ بواو الجمع (^٢).\n_________\n(^١) \"يعرضون\" من (م) و(ك).\n(^٢) أي: بالواو العاطفة. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٦٤).","vol":"3","page":315},{"text":"﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ معنى الاستخبارِ النَّفيُ؛ أي: ما يُهلك به هلاك سخط وقهر ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ بالإعراض عن الآيات عنادًا؛ لاستحقاقهم ذلك بإلزام (^١) الحجَّة وإزالة العذر.\nوقرئ: (يَهْلِكُ) (^٢) من هلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-837\"> </span>(٤٨) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمطيعين بالجنَّة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ للعاصين بالنَّار، وانتصابُهما على الحال، وفيهما معنى العِلِّيَّة؛ أي: أرسلناهم للتبشير والإنذار، لا لأنْ يُقْترَحَ عليهم (^٣) ويُسْتَهزأَ بهم.\n﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ ما (^٤) يجب إصلاحُه مما شُرعِ لهم.\n﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من العذاب ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثَّواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-838\"> </span>(٤٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ جعل العذاب ماسًّا كأنه حيٌّ يَطلُبُ إيلامَهم بالوصول إليهم، واستغنى بالتَّعريف عن التَّوصيف.\n_________\n(^١) في (ف): \" بالإلزام \".\n(^٢) نسبت لابن محيصن. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٢٩٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٤).\n(^٣) أي: أن يقترح الكفار عليهم الآيات. انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٦٨).\n(^٤) في (م): \"أي ما\"، وفي (ك): \"أي \".","vol":"3","page":316},{"text":"﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب خروجهم عن التَّصديق والطَّاعة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-839\"> </span>(٥٠) - ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: جمع خزينة وخِزانة، وهي ما يُخْزن؛ أي: يُحْرز ويحفظ بحيث لا تناله الأيدي، وخزائن الله تعالى: مقدوراتُه؛ أي: لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه (^١)، وليس المراد التَّبرِّيَ عن دعوى الألوهية وإلَّا لقيل: لا أقول لكم إنِّي إله، كما قيل: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وأيضًا في الكناية عن الألوهيَّة (^٢) بـ ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّه﴾ ما لا يَخْفَى من البشاعة، بل هو جوابٌ عن اقتراحهم عنه ﵇ أن يوسِّع عليهم خيرات الدنيا.\n﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ عطف على ﴿وَلَا أَقُولُ﴾، فليس معمولًا له بل للأمر، ولذلك احتيج إلى إعادة ﴿وَلَا أَقُولُ﴾ في قوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ فإنَّه على تقدير العطف على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ لا حاجة إلى إعادته، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القول للفرق الدَّقيق بينه وبين قرينه، وهو أن مفهومَي ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ و﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ معلومان عند النَّاس فلا حاجة إلى نفيهما، إنَّما الحاجة (^٣) إلى نفي ادعائهما (^٤) تبرُّؤًا عن الدَّعوى الباطل بخلاف مفهوم ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾، فإنَّه كان مجهولًا عندهم، بل\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \" اقترحوه \".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"عن دعوى الألوهية\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٦٥)، و\"روح المعاني\" (٨/ ١٧٣).\n(^٣) \"إلى نفيهما إنما الحاجة\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٤) في (ك) و(م): \"إعادتهما \"، وفي هامش (م) نسخة: \" ادعايتهما \".","vol":"3","page":317},{"text":"كان الظَّاهر من حاله ﵇ الاطِّلاعَ على الغيب، فلذلك نسبوه إلى الكهانة، فالحاجة هنا إلى نفيه.\nثمَّ إنَّ هذا النَّفي تضمَّن الجواب عن قولهم: إنْ كنْتَ رسولًا فأخبِرْنا بما يقع في المستقبل من المصالح والمضارِّ، فنستعدَّ (^١) لتحصيل تلك ودفع هذه.\nونفيُ دعوى الملَكيَّة تضمَّن الجواب عن قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧].\n﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ في الدَّعاوى والأحكام (^٢) والإخبارات، ففيه تتميمٌ لِمَا قدَّمه (^٣) من نفي الأمور الثَّلاثة، وبيانُ أنَّ منزلته (^٤) الرِّسالةُ التي هي أقصى المنازل البشرية.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثلٌ للضَّال والمهتدي، أو العالم والجاهل، أو لمدَّعي المحال كالملَكية ومدَّعي الممكن الصَّحيح كالنُّبوة.\n﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتهتدوا كالبصير، ولا (^٥) تكونوا ضالِّين كالأعمى، أو: فتعلموا أنِّي ما ادَّعيت إلا ما يصحُّ للبشر، وأنَّ اتِّباع الوحي واجبٌ، فتكونوا بُصراءَ لا عميانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-840\"> </span>(٥١) - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"فتستعد\".\n(^٢) في (م): \" في الدعوى والأحكام \"، وفي (ف): \"في الدعاوى من الأحكام \".\n(^٣) في (م) و(ك): \"تقدم \".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"منزلة\".\n(^٥) \"لا\"سقط من (ك).","vol":"3","page":318},{"text":"﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾؛ أي: بما يُوحي.\n﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: هم المقرُّون بالبعث من المؤمنين المقصِّرِين في العمل، أو من أهل الكتاب، أو المتردِّدون (^١) فيه كالمشركين المستعدِّين الذين علم الله تعالى أن ينجع فيهم، دون المنكرين الجازمين بانتفائه.\n﴿لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ في موضع النصب على الحال من ﴿يُحْشَرُوا﴾ (^٢)؛ أي: يخافون أن يحشروا غيرَ منصورين من أحد من دون الله تعالى، ولا مشفوعًا لهم.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يحذرون سوء العاقبة، فيعملون عمل أهل التَّقوى، أو يؤمنون فيتَّقون.\nولمَّا أمر بالإنذار غيرَ المتَّقين ليتَّقوا، أمرَ بإكرام المتَّقين (^٣) وتقريبهم؛ تكميلًا لأمر التَّحريض على التَّقوى بالتَّرهيب والتَّرغيب، فقال:\n\n<span id=\"aya-841\"> </span>(٥٢) - ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ وقرأ ابن عامر وحده بضم الغين وإسكان الدال وإثبات واوٍ (^٤) بعدها (^٥)، وفيه أنَّها معرفة، ولو كانت نكرةً لجاز فيها الإضافة كما جاز: غداة يوم الجمعة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \" المترددين \".\n(^٢) أي: من الضمير فيه، وهو الواو. ولفظ المؤلف منقول من \"الكشاف\" (٢/ ٢٦).\n(^٣) \"ليتقوا أمر بإكرام المتقين\" سقط من (ف)، و(ح).\n(^٤) في (م): \"الواو\".\n(^٥) انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).","vol":"3","page":319},{"text":"وقال أبو علي الفارسي: الوجه: الغداة؛ لأنها تستعمل نكرة وتعرَّف باللام، وأما غُدْوةٌ فمعرفة أبدًا، وهو عَلَمٌ صيغ له (^١).\nوقال ابن خالويه في توجيهه: إن العرب تُدخل الألف واللام على المعرفة إذا جاؤوا بما فيه الألف واللام؛ ليزدوج الكلام (^٢)، قال الشاعر:\nرأيتُ (^٣) الوليد بن اليزيد مباركًا (^٤)\nفأدخل الألف واللام على (اليزيد) لمَّا جاور (الوليد).\nومنهم مَن قال: إنها (^٥) إنما تكون معرفة إذا أردتَ غدوةَ نهارك، وهاهنا لم يُردْ ذلك، وكان التعريف جنسيًّا (^٦).\nوقال الجوهري: سِير على فرسِكَ غُدْوَةَ وغُدْوَةً [وغُدْوَةُ وغُدْوَةٌ] فما نوِّن من هذا فهو نكرة، وما لم ينوَّن فهو معرفة (^٧).\n﴿وَالْعَشِيِّ﴾، أي: يعبدون الله تعالى دائمًا، فإنَّ المراد من (الغداة والعشي): الدَّوام على أكثر استعمالهما.\nوقيل: يصلُّون الصُّبح والعصر.\n_________\n(^١) انظر: \"الحجة للقراء السبع\" لأبي علي الفارسي (٣/ ٣١٩).\n(^٢) انظر: \"الحجة في القراءات السبع\" لابن خالويه (ص: ١٤٠).\n(^٣) في (ف) و(ح): \" وجدنا \".\n(^٤) صدر بيت لابن ميادة، انظر: \"ديوانه\" (ص: ١٩٢)، وعجزه:\nشديدًا بأعباء الخلافة كاهلُه\n(^٥) \"إنها\"ليست في (ك).\n(^٦) في (م): \"حينًا\".\n(^٧) انظر: \"الصحاح\" (مادة: غدا) وما بين معكوفتين منه.","vol":"3","page":320},{"text":"وقَّت دعوتهم بالغداة والعشي؛ لأنها من الأعمال الظَّاهرة وهي مؤقَّتة، وأدام إرادتهم، فاستغرقت جميع أوقاتهم؛ لأنها من الأحوال (^١) الباطنة، وهي مؤبَّدة.\n﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ لا دنياهم بكرائمها، ولا عُقباهم بعظائمها، والوجه يعبَّر به عن ذات الشيء وحقيقته، والمراد بإرادة وجه الله تعالى: الإخلاص، رتَّب النَّهي على مواظبتهم على دعاء ربهم وعبادته مع الإخلاص؛ إشارة إلى أنها الموجِبةُ لإكرامهم، وأن مِلاك الأمر في العبادة الإخلاص، فلا يعتبَر بدونه.\nلمَّا قصّر لهم لسان المعارَضة سكتوا متضرِّعين بقلوبهم بين يدي الله تعالى، داعين له بحسن الابتهال، فتولَّى ﷾ خصومَتهم فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ إلخ (^٢): لا تنظر يا محمَّد إلى خِرقتهم (^٣) على ظواهرهم، وانظر إلى حُرقتهم في سرائرهم، كانوا مستورين فشهَرهم الله تعالى.\nقال الإمام أبو منصور: ذهب عامَّة أهل التَّأويل إلى أن النبيَّ ﵇ همَّ بطرد فقراء المسلمين طمعًا في إسلام رؤساء المشركين، فعاتبه الله في ذلك وأنزل (^٤) عليه هذه الآية. ولكنَّه بعيدٌ سمجٌ، ينسبون النبيَّ ﵇ إلى أقبح فعلٍ وأوحشه، ولا يحتمل أن يكون النبي ﷺ يقرِّب الأعداء ويبعد الأولياء، ولو فعل ذلك لوجد الكفرة عليه مطعنًا، يقولون: يدعو الناس إلى الإيمان والتَّوحيد\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(ح): \"أحوال\"، والمثبت من (م).\n(^٢) في (ح): \"الآية\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"حرفتهم\"، وفي (ح): \"حرقتهم\". والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في \"لطائف الإشارات\" (١/ ٤٧٥).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"رؤساء المشركين فأنزل الله\".","vol":"3","page":321},{"text":"والاتِّباع له (^١)، فإذا فعلوا ذلك وأجابوه طردهم وأبعدهم، هذا لَعمري مدفوعٌ في عقل كلِّ عاقل، ولكن يجوز أن يكون طلبَ ذلك منه أولئك، فأمَّا أنْ يهمَّ هو به فلا، ويجوز أن يكون هذا من الله تعالى ابتداءَ تأديب وتعليم له في صحبة (^٢) أصحابه ﵃ ومعاملتهم، وإخبارًا عن قَدْرهم عنده (^٣).\n﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ (^٤) [الشعراء: ١١٣].\nوذلك أن المشركين طعنوا في دينهم وإخلاصهم، فشهد (^٥) الله تعالى لهم بالإخلاص، وقال لنبيه ﵇: ما عليكَ من حسابهم من شيءٍ كما لا عليهم من حسابكَ من شيءٍ؛ أي: لا يلزمُك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم (^٦) بعد اتِّسامهم بسيرة المتَّقين وصلاحِ ظواهرهم، إنما ذلك على الله تعالى أو عليهم، أَخلصوا أو لم يُخلصوا لا عليك، فحالهم في ذلك بالنسبة إليك كحالك بالنسبة إليهم سواءً لا يتعدَّى ذنب أحد إلى صاحبه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فالجملتان في تأدية المعنى المراد بمنزلة جملة واحدة.\nوقيل: حساب رزقهم؛ أي: فقرهم.\n_________\n(^١) \"له\" سقط من (ح) و(ك).\n(^٢) في (ف): \"صحبته\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الماتريدي\" (٤/ ٩١).\n(^٤) \"لو تشعرون\": ليست في (م) و(ك).\n(^٥) في (م): \"وشهد\".\n(^٦) \"وإخلاصهم\" من (م).","vol":"3","page":322},{"text":"وقيل الضمير للمشركين؛ أي: لا يؤاخَذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يَهمَّك إيمانهم فتطرد المؤمنين لأجلهم.\n﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النَّفي؛ أي: ما عليك شيء من حسابهم فتطردهم.\n﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جواب النهي؛ أي: ولا تطردهم فتكون من الظالمين، وجوِّز (^١) عطفُه على ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ على وجه التَّسبُّب، ولا يساعده المعنى فإن الطرد إنما يستقيم جوابًا للنَّفي على تقدير أن يكون حسابهم عليه، وحينئذ لا يكون سببًا للظلم إلَّا أن يُقدَّرَ: فتطردهم بقول المشركين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-842\"> </span>(٥٣) - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفَتْنِ العظيم، وهو اختلاف أحوال النَّاس في الدُّنيا ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾؛ أي: ابتلينا بعضَ النَّاس ببعض، فقدَّمنا فقراء المسلمين على أشراف قريش بالسَّبْقِ إلى الإيمان.\n﴿لِيَقُولُوا﴾؛ أي: ليقول المشركون، اللام للعاقبة، وإنْ ضمِّن (فتناهم) معنى: خذلناهم، فللتعليل (^٢) على أصل القائلين بصحة تعليل أفعاله تعالى بالأغراض؛ أي: خذلناهم مفتونين ليقولوا، فكان افتتانُهم سببًا لهذا القول، فإنَّه لا يقوله إلا مفتون مخذول.\n_________\n(^١) \"جواب النهي أي ولا تطردهم فتكون من الظالمين وجوِّز\" سقط من (ف) و(ح)، وفيهما بدلا منه: \"ويجوز\"، والمثبت من (م) و(ك).\n(^٢) في (م): \"فالتعليل\".","vol":"3","page":323},{"text":"﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ إشارة إلى أولئك المؤمنين واستحقارٌ لهم، كقولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].\n﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾؛ أي: أنعم الله عليهم من بيننا (^١) بالتَّوفيق لمَا يُسْعِدهم عندَه من الإيمان وإصابة الحقِّ من دوننا، ونحن الرُّؤساء والمقدَّمون، وهمُ الضُّعفاء والعبيد؟ وهو إنكار منهم لأن يكون أمثالهم على الحقِّ وممنونًا عليهم بالخير دونهم، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١].\n﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الاستفهام للتقرير؛ أي: الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفِّقه لذلك، وبمن لا يقع منه فيخذله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-843\"> </span>(٥٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ هم الذين يَدْعون ربهم، وصَفهم بالمواظبة على الطَّاعة، ثمَّ بالإيمان بالله وآياته من الحجج والبيِّنات بعد النَّهي عن طردهم، ثم أمَره ﵇ بقوله:\n﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بأنْ (^٢) يبدأ بالتسليم عليهم، أو يبلِّغَ سلام الله تعالى إليهم، ويبشِّرهم بسَعَة رحمته وفضله عليهم، وأن الله تعالى التزم لهم ذلك إيذانًا بأنهم الجامعون لفضيلَتِي العلم والعمل، ومَن كان كذلك وجب إعزازه وإكرامه، وأن يبشَّر مِنَ الله تعالى بالسَّلامة في الدُّنيا والرَّحمة في الآخرة.\n_________\n(^١) \"أي: أنعم الله عليهم من بيننا\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"بأنه\".","vol":"3","page":324},{"text":"وقيل: إنَّ قومًا جاؤوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إنَّا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فلم يردَّ عليهم شيئًا، فانصرفوا، فنزلَتْ (^١).\n﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا﴾ استئناف وتفسير للرَّحمة (^٢)، وقرئ بالفتح (^٣) على البدل منها.\n﴿بِجَهَالَةٍ﴾ في موضع الحال؛ أي: عملَه وهو جاهل، أو ملتبسًا بجهالة.\n﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد العمل السُّوء.\n﴿وَأَصْلَحَ﴾ بالتَّدارك والعزم على أن لا يعود إلى مثله.\n﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتَحه مَن فتَح الأول (^٤) - غير نافع (^٥) - على إضمار مبتدأ أو خبر؛ أي: فأمرُه أو: فله غفرانُه (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-844\"> </span>(٥٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التفصيلِ البيِّن ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: آياتِ القرآن في وصف المطيعين والمجرمين، الأوَّابين منهم والمصرِّين.\n_________\n(^١) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٣٩٠).\n(^٢) في (م) و(ك) و(ح): \"تفسير الرحمة\".\n(^٣) وهي قراءة عاصم وابن عامر ونافع ويعقوب. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢)، و\"النشر\" (٢/ ٢٥٨).\n(^٤) في (م) و(ك): \"الأولى\".\n(^٥) يعني أن نافعًا قرأ بالكسر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٦) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي (٣/ ٣١٢)، وفيه شرح هذا الكلام حيث قال: (وأمّا فتحها بعد الفاء من قوله: ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فعلى أنَّه أضمر له خبرًا تقديره: فله أنَّه غفور رحيم، أي: فله غفرانه، أو أضمر مبتدأ يكون أنَّ خبره، كأنَّه فأمره أنَّه غفور رحيم\".","vol":"3","page":325},{"text":"﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ استبان يجيء لازمًا ومتعديًا كتبيَّن، وقرئ بالتاء والياء مع رفع السَّبيل؛ لأنها تذكر وتؤنث، وقرئ بالتاء ونصب السبيل على خطاب الرَّسول ﵇ (^١).\nوهو إمَّا عطفٌ على علَّةٍ محذوفةٍ؛ أي: ليَظهر الحقُّ ولتستبين، أو علةٌ لمحذوفٍ؛ أي: ولتستبين سبيل المجرمين فصَّلنا ذلك التَّفصيل.\nواكتفى بذكر ﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليتبيَّن سبيلُ غيرهم منه، ولم يعكس؛ لأنَّ ذِكْرَه أهمُّ، والنَّفس إلى التَّرهيب أطوع منها إلى التَّرغيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-845\"> </span>(٥٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾ صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بنور فطرتي وصفاء عقلي، وبما أُوْحِيَ إليَّ ونُصِبَ لي من الدَّلائل ﴿أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: عن (^٢) عبادة ما تعبدون من دون الله أو تدَّعونها آلهة.\n﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ تأكيدٌ لقطع أطماعهم، واستجهالٌ لهم، واستركاكٌ لعقولهم، وإشارةٌ إلى علَّة النَّهي ومُوجِب الامتناع عن مشايعتهم (^٣)، وبَيانٌ لسبب\n_________\n(^١) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بالياء والباقون بالتاء، وقرأ نافع: (سبيلَ المجرمين) بنصب اللام والباقون برفعها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٣).\n(^٢) في (م) و(ك): \"من\".\n(^٣) في (م): \"متابعتهم\".","vol":"3","page":326},{"text":"ضلالتهم، وذمٌّ لطريقتهم، وأنَّ ما هم عليه مجرَّد هوًى فارغٌ عن (^١) الدَّليل، مخالفٌ لمقتضى (^٢) العقل، ومعنى:\n﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ إن اتَّبعتكم فقد ضللت؛ لأنَّه مركوزٌ في العقل أنَّ كلَّ من اتَّبعَ الهوى فهو ضالٌّ، وفيه تنبيهٌ على أنَّ كلَّ مَنْ طلبَ الحقَّ فلْيَجتنبِ الهوى، وليتمسَّك بالحجَّة، وليلزم طريقَ العقل فإنه الهدى، ثمَّ أكَّده بقوله:\n﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ على الجملة الاسميَّة الدَّالة على المنافاة الكليَّة بين متابعة الهوى والهدى، مع المبالغة بناءً على أنَّ ﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أبلغ من: مُهتدٍ، وهو أبلغ من اهتدى، وأنَّ القيدَ دخلَ النَّفيَ؛ أي: وما أنا من الهدى في شيء ما دمْتُ أنا أنا؛ يعني: أنتم كذلك، وفيه غايةُ التَّنفير عن طريقتهم.\nولما بالغ في نفي كون الهوى متَّبعًا نبَّه على ما يجبُ اتِّباعه بقوله:\n\n<span id=\"aya-846\"> </span>(٥٧) - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ البيِّنة: الحجَّة الواضحة التي تفصِل الحقَّ عن الباطل، فقَيْدُ الوضوح معتبرٌ في مفهومِها، لا مستفادٌ من التَّنكير، وهي أعمُّ من أن تكون وحيًا، أو دليلًا عقليًّا، أو كشفًا.\n﴿مِنْ رَبِّي﴾ متعلِّقٌ بالظَّرف، أو صفةٌ لـ ﴿بَيِّنَةٍ﴾؛ أي: إنِّي من معرفةِ ربي ووحدانيَّته على يقين وحجَّة واضحة.\n_________\n(^١) في (م): \"من\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"مقتضى\".","vol":"3","page":327},{"text":"﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بربي حيث أشركتم به غيره، أو بالبيِّنة حملًا على المعنى، وهو القرآن.\n﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ يعني: العذابَ الذي استعجلوه بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ في تأخير العذاب، لا لي، وإلَّا عجَّلته.\n﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ في كلِّ ما يرجعُ إليه (^١) من التَّعجيل والتَّأخير، ﴿الْحَقَّ﴾ صفة للمصدر؛ أي: القضاءَ الحق، أو مفعولٌ به؛ أي: يصنعُ الحقَّ، من قولهم: قضى الدِّرع: إذا صنعها، فيرجع إلى القراءة الثَّانية معنى.\nقال الزَّجَّاج: هذه كتبت هاهنا بغير ياء على اللَّفظ؛ لأن الياء سقطت لالتقاء السَّاكنين، كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] (^٢).\nوقرئ: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ (^٣)؛ أي: يَتَّبع ما هو الحقُّ، مِن قصَّ أثرَه: إذا اتَّبعه (^٤)، لا من قصَّ الخبر؛ لعدم ملاءمته ما في السِّباق واللحاق من الحكم والفصل.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: القاضِينَ، وأصل القضاء: الفَصْلُ بين الحقِّ والباطل.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"به\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٢٥٦) ..\n(^٣) هي قراءة عاصم ونافع وابن كثير، وقرأ باقي السبعة بالأولى، أي: (يقضِ). انظر: \"التيسير\" (ص:١٠٣).\n(^٤) في (م): \"تبعه\".","vol":"3","page":328},{"text":"<span id=\"aya-847\"> </span>(٥٨) - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.\n﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾؛ أي: في قدرتي ووسعي (^١) ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب.\n﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: لأهلكتُكم عاجلًا غضبًا (^٢) لربي، وانقطع ما بيني وبينكم، استعظامٌ (^٣) لتكذيبهم؛ أي (^٤): أنتم إذ كذَّبتم بما هو أبينُ شيءٍ أحِقَّاءُ بأن تغافَصْتُم (^٥) بالعذاب المستأصِل، لكنَّه لا قدرةَ لي، ولو كان عندي أشدُّ العذاب لأوقعْتُه بكم (^٦) معجَّلًا.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ تسجيلٌ عليهم بأنَّ الشِّركَ الذي هم عليه أعظمُ (^٧) الظُّلم، والظُّلم مُوجِبٌ لاستحقاق العذاب، لكنَّ اللهَ أعلمُ بما يجب من عذابهم وبوقته (^٨).\n* * *\n\n<span id=\"aya-848\"> </span>(٥٩) - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"ووسعتي\".\n(^٢) في (ك): \"لأهلكنكم غضبًا عاجلًا\"، والمثبت من باقي النسخ و\"الكشاف\" (٢/ ٣٠).\n(^٣) في (ح): \"استعظامًا\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"إذ\".\n(^٥) في (م): \"بأن يعاجلكم\". وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٠). والمغافصة: الأخذ على غِرَّةٍ.\n(^٦) \"بكم\": ليست في (م) و(ك).\n(^٧) في (م) و(ك): \"أظلم\".\n(^٨) في (ف) و(ح): \"يوقته\".","vol":"3","page":329},{"text":"﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ المفاتح: جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المخزن الذي يُفتَح ويُغلَق، أو جمع مِفْتَح بكسرها، وهو المفتاح، ويؤيده قراءةُ مَن قرأ: (مفاتيح) (^١)، استعار المفاتح (^٢) لِمَا أَوْدعَ فيه الغيبَ من خزائنه، أو لِمَا يُتوصَّل به إليه، وخُصِّصَتْ به بتقديم الظَّرف؛ لأنَّه لا اطِّلاع [لأحد] (^٣) عليه ولا يُمْكِنُه التَّوصلُ إليه.\n﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: هو المطَّلع على مكامن غيبه وحده، أو هو ما به يتوصل إليه، كأنَّه في مخزن (^٤) مغلَقٍ أبوابُه، لا يعلم أحدٌ مفاتيحه إلا هو؛ أعني: أسبابَه التي توجِب إحداثه وإظهاره في عالم الشَّهادة؛ أي: يعلم أوقاتها وما في تأخيرها وتعجيلها من الحكمة، فيُظهرها على ما اقتضته مشيئتُه بحسَب حكمته، وهذا الوجه أنسب لِمَا قبله.\nوقيل (^٥): فيه دليل على علمه تعالى بالأشياء قبل وقوعها.\nوَيرِدُ عليه أنَّ علمه تعالى ليس بزمانيٍّ، فلا قَبْليَّة بينه وبين الأشياء الواقعة في الزَّمان.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ كما يعلم ما في الغيب كلِّه يعلم ما في الشَّهادة كلِّها.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣١)، ونسبت لابن السميفع كما في: \"تفسير الثعلبي\" (٢/ ٥٤٠)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ١٩٩).\n(^٢) في (م) و(ك): \"المفتاح\".\n(^٣) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٤) في (ح) و(ف) و(ك): \"مخدع\".\n(^٥) في (م): \"قيل\".","vol":"3","page":330},{"text":"﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ أي: هو المطَّلعُ (^١) تأكيد لعلمِه بالجزئيَّات ممَّا في البر والبحر.\n﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ أرادَ: ظلمةَ بطنها، وظلمةَ داخل الشَّجر، وظلمةَ جوف الثَّمر، عبَّرَ بالحبَّة الموصوفة بهذه الصِّفة عمَّا هو في مبدأ أمره من جنس النَّامي، وبالورقة السَّاقطة عما بلغ منتهى شأنه منه.\n﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾ معطوفان (^٢) على ﴿وَرَقَةٍ﴾، وقوله:\n﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ كالتَّكرير لقوله: ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾؛ لأن معناه ومعنى ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ متَّحدٌ، أما (^٣) إذا أريد بـ (الكتاب المبين) علمَ الله تعالى فظاهر، وأما إذا أريد به اللَّوح المحفوظ فلأن كونه فيه (^٤) كنايةٌ عن كونه من جملة معلوماته تعالى، فهو آيلٌ إليه في المعنى.\nوقرئت بالرفع (^٥) على العطف على محل ﴿مِنْ وَرَقَةٍ﴾، أو على الابتداء، والخبر: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-849\"> </span>(٦٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"أي هو المطلع\" من (م).\n(^٢) في (م) و(ك): \"معطوف\"، وفي (ف): \"معطوفات\"، والمثبت من (ح).\n(^٣) في (م): \"واحد أما\"، وفي (ك): \"واحد وأما\".\n(^٤) \"فيه\" من (ك) و(م).\n(^٥) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٧١)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٢٠٣).","vol":"3","page":331},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ في وقت النَّوم، وإنما عبَّر عنه بـ (الليل)، وعن وقت الكسب بـ (النَّهار)؛ لأنهما معظم (^١) أوقاتهما، أو خصَّهما بالذِّكْر جريًا على ما هو المعتاد، واستعير (^٢) التَّوفِّي من الموت للنَّوم لمشابهته إيَّاه في زوال الإحساس والتَّمييز (^٣) به، وأصله: قبض الشيء بتمامه.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾: ما كسبتم فيه، ومنه إطلاق الجوارح للأعضاء الكاسبة، والواو حالية لا ناسقة (^٤)، وإلَّا لَأُخِّرَتْ عن قوله:\n﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: في النَّهار، والبعث: الإثارة، لا الإيقاظ، غايتُه بعث النائم يكون بإيقاظه، فلا ترشيح فيه للتَّوفِّي.\n﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ في علم الله تعالى، وقضاءُ الأجل: فصلُ مدَّة العمر من غيرها، ويلزمه البلوغ إلى نهاية تلك المدة، وهو المراد (^٥) هاهنا.\n﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بالبعث بعد الموت، والمراد: الرجوع إلى موقف (^٦) حسابه تعالى.\n﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبرُكم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الخير والشر، فهذا وعدٌ ووعيدٌ.\nوقيل: الخطابُ للكفرة، والمعنى: إنكم مُلقَون كالجيف في اللَّيل وكاسبون للآثام في النَّهار، وإنه تعالى مطَّلع على أعمالكم، يبعثكم من القبور في شأن ما قطعتم\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"معظمًا\".\n(^٢) في (م): \"وقد استعير\".\n(^٣) في (ف) و(ح) و(م): \"التميز\"، والمثبت من (ك).\n(^٤) في (م): \"حالية ناسقة\"، وقال في الهامش: \"لا عاطفة\".\n(^٥) في (م) و(ك) زيادة: \"بقوله\".\n(^٦) \"موقف\" من (ك) و(م).","vol":"3","page":332},{"text":"به أعماركم من الغفلة والمعاصي في اللَّيل والنَّهار؛ ليقضي المدة التي ضربها لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم، ثم إليه مرجعكم بالحساب، ثم يخبركم بأعمالكم بالجزاء.\nوعلى هذا يكون الضمير في ﴿فِيهِ﴾ عائدًا إلى مضمون كونهم متوفَّين (^١) وكاسبين، وتكون (في) بمعنى لام التعليل، والأجلُ المسمَّى مدة الكون، ولا يخفى ما فيه من التَّعسُّف المُسْتَغنَى عنه بما قُدِّمَ من الوجه الظَّاهر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-850\"> </span>(٦١) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد مرَّ تفسيره في هذه السورة (^٢)، قدَّمه على ذكر إرسال الحَفَظة؛ ليُعْلم أنَّ إرسالهم لم يكن لحاجته (^٣) إلى ذلك؛ لأن المحتاج لا يكون قاهرًا، بل لحكمة، وهي أنْ يكونَ العبادُ على حذرٍ، وهذا أبلغ في الزجر؛ لأن مَنْ علمَ أنَّ عليه رُقباءَ كانَ أجدرَ بالحذر؛ فإنَّ العبد إذا وثق بلطف مولاه، واعتمد على عفوه، لم (^٤) يحتشم منه احتشامه من خدَمه المتطلِّعين (^٥) عليه.\n_________\n(^١) في (ح): \"مستوفين\"، وفي (ف): \"مستوفون\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٧٤)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٢١٠).\n(^٢) في هامش (ح): \"في تفسير البغوي: القاهر: الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهو منع غيره عن بلوغ المراد\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"لحاجة\".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"لم يكن\".\n(^٥) في (ف): \"المطلعين\".","vol":"3","page":333},{"text":"﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ الجمهور على أنهم حفظةُ الأعمال، وقيل: إنهم الذين يحفظون أنفاس الخلق وَيعدُّونها إلى وقت انقضائها، ثم يقبضون الرُّوح، ويناسبه ما بعده.\nو﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿يُرْسِلُ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ (^١) [الرحمن: ٣٥]، وهم لتمكُّنهم منَّا جُعِلوا مستولين علينا.\nويجوز تعلُّقه بـ ﴿حَفَظَةً﴾؛ أي: حافظين عليكم.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه ﴿تَوَفَّتْهُ﴾: قبضَتْ روحَه، وقرئ بألفٍ ممالة (^٢).\n﴿رُسُلُنَا﴾ جاء جمعًا، عُني (^٣) به ملك الموت وأعوانه، وفي عبارة ﴿رُسُلُنَا﴾ إشارةٌ إلى أن ذلك بأمرِه تعالى، ولذلك أسنده إلى نفسه في موضعٍ آخر، وقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].\n﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ جملة حالية أو استئنافية، قرئ بالتشديد والتخفيف (^٤)، فالتَّفريطُ: التَّواني والتَّأخير عن الحد، والإفراطُ: مجاوزةُ الحدِّ؛ أي: لا ينقصون مما أُمروا به ولا يزيدون فيه.\n* * *\n_________\n(^١) بعدها في (م): \"من نار\".\n(^٢) وهي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٣).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"جاؤوا جميعا يعني\".\n(^٤) التشديد قراءة الجمهور، والتخفيف تنسب للأعرج. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٢٣)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٢١٠).","vol":"3","page":334},{"text":"<span id=\"aya-851\"> </span>(٦٢) - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ فيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، ومن التَّكلم إليها، وذلك لأن الردَّ يناسبه اعتبار (^١) الغيبة وإن لم تكن حقيقة، فإنهم ما غابوا عن قبضته (^٢) لحظة، ولا خرجوا عن (^٣) حُكْمِه نظرةً ولا لفظةً، فالردُّ من البرزخ إلى موقف العرض للسؤال والجواب.\n﴿مَوْلَاهُمُ﴾: الذي يتولَّى أمرهم، والمراد منه في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] معنى المعين والنَّاصر، فلا منافاة.\n﴿الْحَقِّ﴾: العدل الذي لا يحكمُ إلَّا بالحق، وقرئ بالنَّصب على المدح (^٤).\n﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾ يومئذ لا حكمَ لغيره فيه.\n﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ إذ لا يشغلُه حساب عن حسابٍ، ولا لبث في السؤال والجواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-852\"> </span>(٦٣) - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي، وقرئ بالتَّخفيف (^٥).\n_________\n(^١) \"اعتبار\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(م): \"قبضه\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"من\".\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٢)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٢١٢).\n(^٥) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩).","vol":"3","page":335},{"text":"﴿مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: من شدائدهما، استُعِيْرَت الظُّلمة للشِّدَّة للمشاركة بينها وبين معنى الظُّلمة في الهول وإبطال الأبصار، فقيل لليوم الشديد: يومٌ مظلِم، ومن جملة تلك الشدائد الخسفُ في البر، والغرقُ في البحر.\n﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ مظهرين بلسان (^١) الضراعة وهي شدَّةُ الفقر والحاجة إلى الشيء، ومسرِّين الطلب على وجه الإخلاص بالقلب.\nأو: إظهارًا وإسرارًا.\nوقرئ: (خِفْية) بالكسر (^٢).\n﴿لئن أنجيتنا﴾ وقرئ: ﴿أَنْجَانَا﴾ (^٣)؛ ليوافق قوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾.\n﴿مِنْ هَذِهِ﴾ إشارة إلى الظُّلمات.\n﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ جواب القسم المحذوف، ولا حاجة إلى تقدير القول؛ لدلالة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-853\"> </span>(٦٤) - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾.\n﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف (^٤).\n﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ عبارة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في التَّكثير المناسِبة للمقام (^٥)، فإنَّ كلَّ نَفْسٍ عند كُلِّ نَفَسٍ في مَعرض الآفات التي لا تعدُّ ولا تحصى، والله تعالى ينجيها\n_________\n(^١) في (ح) و(ف) و(ك): \"باللسان\".\n(^٢) وهي قراءة أبي بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٣).\n(^٣) هي قراءة الكوفيين: حمزة والكسائي وعاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٣).\n(^٤) الكوفيون وهشام عن ابن عامر قرؤوا مشددًا والباقي مخففًا. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٣).\n(^٥) في (م): \"لمناسبة المقام\".","vol":"3","page":336},{"text":"منها، وهي نعمة الدَّفع، قلَّما يتنبَّه لها الإنسان، والأُولى نعمة النَّفع، وهي ونعمة الدَّفع (^١) ظاهرتان، وتعذَّر الخروج عن عهدة الشُّكر لعدم إمكان التَّذكُّر (^٢) لأفراد النَّوع الأول بتفاصيلها؛ لأنَّ الشُّكرَ على النِّعمة نعمةٌ أخرى.\nثم إنَّ الكلام المذكور على طريقة ذِكْر أحد الفعلين، وعطف متعلَّق المحذوف على المذكور على حسب ما يقتضيه لفظه (^٣)، حتى كأنَّه شريكه في أصل الفعل؛ إجراءً لأحد المتقاربَين مجرى الآخر، كقولك: تقلَّدْتُ (^٤) السَّيف والرُّمح.\nالكربُ: الغمُّ الشَّديد، أصلُه من كَرْب الأرض، وهو قَلْبُها بالحَفْرِ، فالغمُّ إذا اشتدَّ يثيرُ النَّفس إثارةَ ذلك.\n﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: لا تُخلِصون حين تتخلَّصون، ولا تشكرون بل تشركون.\nو﴿ثُمَّ﴾ استبعادٌ لشركهم (^٥) مع إقرارهم بأنَّه لا يكشفُ الضرَّ إلا الله تعالى، ووضع ﴿تُشْرِكُونَ﴾ موضعَ (لا تشكرون) مبالغة؛ لأنَّ مَنْ يشركْ بالله تعالى فهو في غاية البعد مِنْ شُكْرِه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ح): \"والأولى نعمة الدفع، وهي ونعمة الدفع\"، وفي (ك) و(م): \"والأولى نعمة الدفع، وهي ونعمة النفع\"، وفي (ف): \"والأولى نعمة الرفع، وهي ونعمة الدفع\"، ولعل المثبت هو الصواب.\nوفي (م) و(ك): \"ونعمة النفع\".\n(^٢) في (ف): \"التذكير\".\n(^٣) في (ف) و(م) و(ح): \"لفظة\"، والمثبت من (ك).\n(^٤) في (ح): \"كقولهم: تقلدت\"، وفي (ف): \"كقولهم: لم تقلدت\".\n(^٥) في (ف): \"إشراكهم\".","vol":"3","page":337},{"text":"<span id=\"aya-854\"> </span>(٦٥) - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.\n﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾؛ أي: هو الذي عرفتموه أنَّه الكامل في القدرة الذي لا قدرةَ لأحدٍ سواه، ومعنى الآية الوعيدُ بأحد أصناف (^١) العذاب المذكورة.\n﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ كما أمطر (^٢) على قوم لوط وعلى أصحاب الفيل الحجارة ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ كما خسف بقارون وأغرق فرعون. أو من الجهتين معًا كطوفان نوح ﵇.\nوقيد ﴿أَرْجُلِكُمْ﴾ لقطع المجاز، كما في ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.\nولك أن تقول: أُريدَ بالأوَّل ظلمُ السَّلاطين، وبالثَّاني تسلُّط (^٣) السَّفِلة، وبالثَّالث الهَرْج والمرج (^٤)، ولما كان بين هذه الثلاثة منع الجمع بحسب العادة أتى بأداة التَّعريف.\n﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: فِرَقًا، بأن يخلط أمرهم خلْطَ شِقاق لا وِفاق، فيجعلهم مختلفي الأهواء ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يقاتل بعضكم بعضًا، نعوذ بالله من الفِتن ما ظهرَ منها وما بطنَ.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: نحوِّلها من نوعٍ إلى آخر من أنواع الكلام تقريرًا للمعنى، وتقريبًا إلى الفهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"بأصناف\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"أمطرنا\".\n(^٣) في (ف): \"تسليط\".\n(^٤) \"والمرج\" سقط من (ك).","vol":"3","page":338},{"text":"وقيل: بالوعد والوعيد، ولا يناسبُه قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-855\"> </span>(٦٦) - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.\n﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾، أو استئناف، أخبرَ بأنَّ القرآن الصدق.\n﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: بحفيظ، وُكِلَ إليَّ أمرُكم أمنعكم من (^١) التَّكذيب إجبارًا، إنما أنا منذرٌ، واللهُ الحفيظُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-856\"> </span>(٦٧) - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ النَّبأ: خبرٌ ذو خطرٍ.\n﴿مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لكلِّ شيءٍ يُنبَّأُ به (^٢) في القرآن وقتُ استقرارٍ وحصولٍ لا بدَّ منه.\n﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند وقوعه في الدُّنيا والآخرة، وهذا كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-857\"> </span>(٦٨) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ بالاستهزاء بها، والطَّعن فيها، والخوضُ أصلُه\n_________\n(^١) في (ك): \"عن\".\n(^٢) \"به\": ليست في (م) و(ك).","vol":"3","page":339},{"text":"في الماء، ثم استُعمِلَ بطريق الاستعارة في غمرات الأشياء التي هي مجاهل؛ تشبيهًا لها بغمرات الماء.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمرَهَ ﵇ بعدمِ التَّوجُّهِ إليهم، وتركِ الإقبال عليهم، ويلزمه النَّهي عن مجالستهم بطريق المبالغة.\n﴿حَتَّى يَخُوضُوا﴾: إلى أن يخوضوا ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: غير القرآن، وليس هذا من قَبيل عود الضَّمير على الآيات باعتبار المعنى، بل من قَبيل عودِه إلى ما عُلِمَ من سِياقِ الكلام.\n﴿وَإِمَّا﴾ (ما): زائدة بعد (إنْ) الشَّرطيَّة، وما أحسنَ مجيءَ الشرط الأول بـ (إذا) التي هي للمحقَّق أو غالب الوقوع، ومجيءَ هذا الشَّرط بـ (إنْ) التي هي (^١) للمشكوك.\n﴿يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾: وإن شغَلَكَ بوسوسته (^٢) حتى تنسى النَّهي عن مجالستهم.\nوقرئ: ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ بالتشديد (^٣).\n﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾: فقم كما ذَكَرْتَ (^٤).\n﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: معهم، فوضع الظَّاهر موضعه دلالةً على أنهم ظَلموا بوضعهم التَّكذيب والاستهزاء موضع التَّصديق والاستعظام.\n* * *\n_________\n(^١) \"هي\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٢) في (ح) و(ف) و(م): \"بوسوسة\".\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٣).\n(^٤) في \"الكشاف\" (٢/ ٣٥): \"بعد أن تذكر النَّهي\".","vol":"3","page":340},{"text":"<span id=\"aya-858\"> </span>(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: وما على المتقين الذين يجالسونهم.\n﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾: مما يحاسبون عليه من ذنوبهم واستهزائهم.\n﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: مَن كان نقيَّ الثَّوب عن ارتكاب الآثام كانَ بمعزلٍ يوم النُّشور عن ملاقاة الآلام.\n﴿وَلَكِنْ﴾ عليهم أن يذكِّروهم ﴿ذِكْرَى﴾ - إذا سمعوهم يخوضون فيها - بالموعظة والنَّهي، ثم القيامُ وإظهار الكراهة، فـ ﴿ذِكْرَى﴾ نصبٌ على المصدر، ويجوز أن يكون مرفوعَ المحل؛ أي: عليهم ذكرى.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: يجتنبون الخوض حياءً أو كراهةً لمساءتهم، ويجوز أن يكون الضمير لـ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لعلهم يثبتون على التَّقوى ويزدادون منها (^١).\nولا يجوز عطفه على محل ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن ﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾ يأباه؛ لأنَّه حال من ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ قُدِّمَ عليه، فصار قيدًا للعامل، فإذا عطف ﴿ذِكْرَى﴾ عليه (^٢) كانت جهة القيد معتبرةً فيه بحكم الاستعمال في عطف المفرد على المفرد، لا سيَّما بحرف الاستدراك، فيؤول المعنى إلى أنَّ عليك (^٣) من حسابهم ذكرى، وذكرى ليس من حسابهم (^٤).\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"ويزدادونها\".\n(^٢) أي: على ﴿شَيْءٍ﴾. انظر: \"نواهد الأبكار\" للسيوطي (٣/ ٣٦١).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"عليك\"، والمثبت هو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٤) من قوله: \"فإذا عطف ذكرى .. \" إلى هنا جاءت في (ح) و(ف) بعد قوله: \"المسجد الحرام فنزلت\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق. وجاء في هامش (م): \"الظاهر أن =","vol":"3","page":341},{"text":"روي: أنَّ المسلمين قالوا (^١): لئن كنَّا نقوم كلَّما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام، فنزلت (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-859\"> </span>(٧٠) - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾: الذين كُلِّفُوه.\n﴿لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ حيث سخروا به، أو بنوا (^٣) أمر دينهم على التَّشهي، وتديَّنوا بما لا نفع فيه أصلًا؛ كعبادة الصَّنم، وتحريم البحائر والسَّوائب، أو جعلوا (^٤) عيدهم الذي جُعِلَ ميقاتَ عبادتهم زمانَ لهوٍ ولعبٍ.\nوالمعنى: أعرضْ عنهم، ولا تبالِ بأفعالهم وأقوالهم.\nويجوز أن يكون تهديدًا لهم كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]؛ أي: كِلْهُم إلى ما اختاروا فإنَّا أعتدنا لهم من خفيِّ المكر\n_________\n= محل هذا قبيل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ والغلط من الناسخ\". قلت: والظاهر من السياق المتفق مع المصدر أن مكانها هنا، وأن هذا ما جاء في هذا التنبيه على هامش (م) وكذا ما وقع في (ح) و(ف) هو الغلط. والكلام منقول من السعد التفتازاني على ما صرح به السيوطي.\n(^١) في (ح) و(ف): \"قالوا للنبي ﵇\"، والمثبت من (ك) و(م) والمصادر وستأتي.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٠٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٦٧).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"وبنوا\"، والمثبت من (ك) و(م) وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٦٧).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وجعلوا\"، والمثبت من (ك) و(م) وهو الموافق لما في المصدر السابق.","vol":"3","page":342},{"text":"ما إذا حللنا بهم كسَرنا عليهم (^١) خمار الغفلة (^٢) وكشفنا عنهم خمار الوهم والجهلة، فلا ضرورة في جعله منسوخًا بآية السَّيف بحمله على الأمر بالكفِّ عنهم (^٣) وترك التَّعرض لهم.\n﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ اعتراض لبيان أنهم إنما بنوا أمر دينهم على اللَّعب واللَّهو؛ لأن الحياة الدُّنيا غرَّتهم حتى أنكروا البعث.\n﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ مخافةَ أن تُمْنَعَ نفسٌ من النَّجاة، وتُسلَمَ إلى الهلَكَة والعقاب (^٤) بسبب كسبها، وتُرْهَنَ بسوء عملِها، كقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، أو تُبسرَ بسوءِ (^٥) كسبها وعذابه، كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤].\nالإبسال والبَسْل: المنع، ومنه أسد باسلٌ: مانع أن يُفْلِتْ فريسته (^٦)، ويقال: بَسَرَ (^٧) الرَّجل: إذا اشتدَّ عبوسه، فإذا زاد قالوا: بَسلَ.\n﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ يدفعُ عنها العذاب.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"كسر ما عليه\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"وكشفنا خمار الغفلة\".\n(^٣) \"عنهم\" من (ك) و(م).\n(^٤) في (م) و(ك): \"والعذاب\".\n(^٥) في (م): \"أو يقبس بسوء\"، وفي (ف) و(ح): \"تعبَّ سوءَ\"، والمثبت من (ك).\n(^٦) في (م): \"يفلت فريسة\"، وفي (ح): \"يغلب فريسة\".\n(^٧) في (ف): \"بسل\"، وفي (ك) و(م): \"أبسر\"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٣٦).","vol":"3","page":343},{"text":"﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾: وإنْ تَفْدِ كُلَّ فِداءٍ، والعَدْلُ: الفِديةُ؛ لأنَّها تعادِل المفدَى، و﴿كُلَّ﴾ نصب على المصدر.\nو﴿يُؤْخَذْ﴾ في قوله: ﴿لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ مسندٌ إلى ﴿مِنْهَا﴾، لا إلى ضمير العدل إلَّا بطريق الاستخدام (^١)؛ لأنَّ العدلَ هاهنا مصدرٌ لوقوعه مفعولًا مطلقًا، وهو ليس بمأخوذ، بخلاف قوله: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] لأنَّه المفدَى به (^٢).\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: أُسلموا إلى العذاب بسبب قبائح أعمالهم، استعمل الإبسال للإسلام إلى العذاب؛ لأنَّ المُسْلَمَ إليه يمنعُ المُسْلِم.\n﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ بما شربوا من القَهوات (^٣) ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بما تناولوا من الشَّهوات ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: هم بسبب كفرهم بينَ ماءٍ مغليٍّ يتجرجَر في بطونهم، ونارٍ تشتعلُ بأبدانهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-860\"> </span>(٧١) - ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n_________\n(^١) الاستخدام على طريقة السكاكي وأتباعه: أنْ يُؤْتَى بلفظٍ له معنيانِ فأكثرُ مُرادًا به أحدُ معانيهِ ثم يُؤْتَى بضميرِه مُرادًا به المعنَى الآخر. ولابن جماعة فيه وجه آخر. انظر: \"الإتقان\" للسيوطي (٣/ ٢٨٨).\n(^٢) \"به\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٣) في (م): \"الفهوات\". والمراد بالقهوات: جمع القهوة: وهي الخمر، سميت بذلك لأنها تقهي شاربها عن الطعام، أي: تذهب بشهوته؛ أو تُشبعه، هذا هو الأصل في اللُّغة ثم أطلقت على ما يشرب الآن من البُنِّ لثمرِ شجرٍ باليمن. انظر: \"تاج العروس\" (مادة: قهو).","vol":"3","page":344},{"text":"﴿قُلْ أَنَدْعُو﴾: نعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا﴾ إنْ أطعناه ﴿وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إنْ عصيناه (^١).\n﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾؛ أي: نرتدُّ عن ديننا ونرجع إلى ورائنا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فأنقذَنا منه ورزقَنا الإسلام، والمعنى: إنكارُ الرُّجوع إلى الشرك بعد الاهتداء (^٢) إلى التَّوحيد.\n﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾: مردة الجن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ استهوى: استفعل، من هوى في الأرض: إذا ذهبَ فيها، كأن معناه: طلبَتْ هواه وحرصَتْ عليه.\nوزعم أبو علي أنه من الهُويِّ؛ أي: ألقته في هُوَّة، ويكون استفعل بمعنى أفعل، نحو استزلَّ في أزلَّ (^٣)، ويأباه ما بعده.\n﴿حَيْرَانَ﴾ نصب على الحال، ولم ينصرف لأن أنثاه حَيرى، كسَكْران وسَكرى، والحيرانُ: هو الذي لا يهتدي لجهةٍ حَيرةً.\n﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾: رفقة ﴿يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾: إلى الطريق المستقيم، سمى الطَّريق بالهدى تسمية بالمصدر (^٤) للمبالغة.\n﴿ائْتِنَا﴾ يقولون له: ائتنا، وأضمر القول لدلالة ﴿يَدْعُونَهُ﴾ (^٥) على ذلك.\n_________\n(^١) في هامش (ح): \"ولما تقرر أن غير الله لا يمنع من الله بنوع، لا آلهتهم التي زعموها أنها شفعاؤهم ولا غيرها، ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواه لا ينفع شيئًا ولا يضر، فكان في غاية التبكيت، قوله: ﴿قُل أَنَدْعُواْ﴾ بقاعي\".\n(^٢) في (م): \"الاهتداء به\".\n(^٣) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي (٣/ ٣٢٥). وجاء في (ك): \"استزل وأزل\".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"للمصدر\".\n(^٥) في (ف): \"يدعون\".","vol":"3","page":345},{"text":"﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: الإسلام ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ وحده، وما عداه ضلالٌ.\n﴿وَأُمِرْنَا﴾ في محل النصب عطفًا (^١) على محل: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ على أنه مقول، واللام في: ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ للتعليل؛ أي: وأُمرنا بذلك لِنُسلِمَ.\nوزعم الكسائي والفرَّاء أن لام (كي) تقع في موضع (أنْ) في (أردتُ وأمرتُ) (^٢)، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦].\n* * *\n\n<span id=\"aya-861\"> </span>(٧٢) - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nوقيل: بمعنى الباء (^٣). وقيل: زائدة. ويقوِّيهما عطف: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ عليه؛ كأنَّه قيل: وأمرنا بأن نسلم وأن أقيموا، وعلى الأول معناه: وأمرنا بذلك الإسلام وإقامة الصلاة وتقوى (^٤) الله تعالى، فـ (أنْ) (^٥) المصدريهُ إذا دخلت على الأمر ينسبك منه مصدر ولا يلاحَظ فيه معنى الأمر، وقيل (^٦): موقع العلة موقع المأمور به، فعطف على موقعها.\n﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ يوم القيامة.\n_________\n(^١) \"عطفًا\" زيادة من (ك) و(م).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٢٦١ و٣٣٩)، وانظر: \"روح المعاني\" للآلوسي (٥/ ٤٦٢، و٨/ ٢٤٢).\n(^٣) أي: (وأمرنا بالإسلام). وتعقبه أبو حيان بأنه غريب لا تعرفه النحاة. انظر: \"البحر\" (٩/ ٢٣٤)، و\"روح المعاني\" للآلوسي (٨/ ٢٤١).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وبتقوى\".\n(^٥) في (م) و(ك): \"فإن أن\".\n(^٦) في (ك): \"قيل\".","vol":"3","page":346},{"text":"<span id=\"aya-862\"> </span>(٧٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ في موضع النَّصب على الحال؛ أي: قائمًا بالحقِّ والحكمة.\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: وحين (^١) يقول لشيء من الأشياء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ذلك الشيء.\nو﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بما دل عليه ﴿بِالْحَقِّ﴾، أو بـ ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: ويقوم بالحق يوم يقول، أو: خَلَق السماوات يوم يقول، و﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ وخبر، قُدِّم (^٢) فيها الخبر لا للحصر؛ لأنَّه لا يناسب المقام، بل لكونه الشَّائعَ في الاستعمال مثل: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤].\nوقيل: ﴿قَوْلُهُ﴾ (^٣) على هذا الوجه يجوز أن يكون فاعلَ ﴿فَيَكُونُ﴾ و(^٤) ﴿الْحَقُّ﴾ صفتَه؛ أي: ويوم يقول بالحق يوم يأمر كلَّ شيء بقوله: كن، فيكون قوله الحق. ولا يخلو عن تعسُّفٍ.\nأو منصوبٌ بفعل الاستقرار على أن ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ خبر (^٥) مقدَّم، كقولك: يومَ الجمعة القتال، أو ﴿قَوْلُهُ﴾ مبتدأ و﴿الْحَقُّ﴾ خبره، و﴿يَوْمَ﴾ ظرفٌ للقول أو للحقِّ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م) و(ح): \"وهو\"، والمثبت من (ك).\n(^٢) في (م): \"فقدم\"، وفي (ك): \"مقدم\".\n(^٣) في (ك) زيادة: \"قوله\".\n(^٤) سقطت الواو من النسخ عدا (ك).\n(^٥) في (ك): \"خبره\".","vol":"3","page":347},{"text":"﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، أو بدل من ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ على أنَّ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بمعنى الإحياء والبعث، و﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾: قوله (^١) يوم القيامة.\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ رفعٌ على المدح؛ أي: هو عالم الغيب، أو خبرٌ بعد خبر.\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ كالفذلكة للآية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-863\"> </span>(٧٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ هو عطف بيان لـ (أبيه).\nقال الفرَّاء والزجَّاج: ليس بين النَّسَّابين اختلافٌ في أنَّ اسمَ أبِ إبراهيم ﵇ تارخ، والذي في القرآن يدلُّ على أن اسمه آزَر، فكأنَّ آزر لقبٌ له (^٢).\nقال ابن الأنباري: قد يغلب على اسم الرَّجل لقبُه حتى يكون به أشهرَ منه باسمه، فيجوز أن يكون آزرُ لقبًا أَبطل الاسم لشهرته، فخبَّر الله تعالى به لذلك (^٣).\nوقيل: نعتٌ مشتقٌّ من الأَزْر، ومُنع صرفه للعُجمة والعلميَّة، أو للوصفيَّة ووزن الفعل.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"وقوله\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٣٤٠)، و\"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٢٦٥).\n(^٣) انظر: \"التفسير الوسيط\" للواحدي (٢/ ٢٨٩)، و\"زاد المسير\" لابن الجوزي (٢/ ٤٦).","vol":"3","page":348},{"text":"وقيل: المراد به الصنم، ونصبُه بفعل مضمر يفسِّره ما بعده؛ أي: أتَعْبدُ ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ تفسير وتقرير (^١)، ويعضُده قراءة: (أأزرًا) بفتح الهمزة وكسرها بعد همزة الاستفهام وسكونِ الزاي ونصبِ الراء منوَّنة (^٢)، على أنه اسم (^٣) صنم، وتوجيهُها على الأول أنه كان (^٤) اسمَ صنم يعبده، فلقِّب به للُزومه عبادته، أو أطلق عليه بحذف المضاف.\nوقرئ بالضم على النداء (^٥)، وهذا ظاهر في حذف المضاف؛ لِمَا في نداء الابن أباه باسم العلم [من] (^٦) غلظة واستخفاف لا يليق بشأن إبراهيم ﵇ الموصوفِ بغاية الحلم، المعروفِ بمحبَّة أبيه ورعايته، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ظاهر الضلالة، حيث لم يقل: أنت وقومك في ضلال مبين؛ رعايةً لحسن الأدب في مخاطبته.\n_________\n(^١) أي: تفسير وتقرير للوجه المذكور من كونه منصوبًا بفعل مضمر، وكلام المؤلف في بعض الغموض، يظهر ذلك من عبارة الزمخشري والبيضاوي، قال البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ١٦٩): (وقيل: المراد به الصنم، ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده؛ أي: أتعبد آزر؟ ثم قال: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ تفسيرًا وتقريرًا). وانظر عبارة الزمخشري في التعليق الآتي.\n(^٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٧٦)، و\"القراءات الشاذة\" (ص: ٣٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٢٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٩)، و\"البحر\" (٩/ ٢٤٨)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٢٥١). ومن قرأ بهذه القراءة قرأ (تتخذ) بلا همزة الاستفهام كما صرح بذلك النحاس وأبو حيان والآلوسي، وهو الظاهر من كلام الزمخشري حيث قال: وقرئ: (أإزرا تتخذ أصناما آلهة) … وهو اسم صنم ومعناه: أتعبد إزرًا؟ على الإنكار، ثم قال: (تتخذ أصناما آلهة) تثبيتًا لذلك وتقريرًا، وهو داخل في حكم الإنكار؛ لأنَّه كالبيان له).\n(^٣) \"اسم\" من (م).\n(^٤) في (م): \"أن كلها كان\".\n(^٥) وهي قراءة يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٥٩).\n(^٦) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"3","page":349},{"text":"<span id=\"aya-864\"> </span>(٧٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾ مثلَ ذلك التَّبصير نُبصِّرُ إبراهيم، قد سبق أن اسم الإشارة في مثل هذا المقام إشارةٌ إلى هذه الإراءة، لا إلى شيء آخر يشبَّه به، هذه جملةٌ (^١) اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه.\nومعنى الاعتراض: بيان الإرشاد والهداية بطريق الاستدلال الموصِل إلى مرتبةِ الإيقان الذي انكشف به (^٢) ضلال قومه، ولذلك استحضر الماضي حالًا فقال: ﴿نُرِي﴾ على الحكاية؛ تصويرًا وتعظيمًا.\nوقرئ بالتاء ورفع الملكوت (^٣)، ومعناه: نُبْصِّرُه دلائلَ الرُّبوبية.\n﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فَعَلوتٌ من الملك، وزيادة التاء للمبالغة، ومعناه: ما يُملك به الشيء؛ أي: نُرِي ربوبيةَ الله تعالى للسماوات والأرض وما يدبِّرهما (^٤) ويملكهما به من عجائب الملكوت.\n﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أي: فعلنا (^٥) ذلك ليكون من المحققِّين، أو فصَّلنا ذلك (^٦)، قيل: أي: ليستدلَّ وليكونَ، ويأباه اللام والواو؛ فإنهما لا يذكران بين الاستدلال وما يترتَّب (^٧) عليه.\n_________\n(^١) في (م): \"هذه الجملة\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"الذي يكشف\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٢٥٣).\n(^٤) في (ف): \"نورهما\".\n(^٥) في (ف): \"فصلنا\".\n(^٦) \"أو فصلنا ذلك\": ليست في (م) و(ك).\n(^٧) في (ح): \"والترتيب\"، وفي (ف): \"والمترتب\".","vol":"3","page":350},{"text":"<span id=\"aya-865\"> </span>(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، أي: سترَه بظلامه.\n﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: كان (^١) الكوكب الزُّهَرةَ أو المشتري (^٢).\n﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ على سبيل الوضع، فإن المستدِلَّ على فساد قول يحكيه على ما يقول (^٣) الخصم، ثمَّ يَكرُّ (^٤) عليه بالإفساد، وفي تقديم الاعتراض المذكور تنبيهٌ على هذا، فإنَّه لولا ذلك البيان لسبق إلى الوهم أنه استدلال لنفسه (^٥)، وأما بعد تقديمه فلم يبقَ ذلك الاحتمال.\nمن هنا (^٦) تبيَّن أنه لا مجال لأنْ يكون قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ تفصيلًا وبيانًا لذلك؛ لأن ما ذُكِر طريقُ النَّظر والاستدلال الشَّائعِ الذائع بين أصحاب الظَّواهر المقصورِ نظرُهم على عالَم الملك، فلا يصلح بيانًا لحالِ مَن يترقَّى منه إلى درجة الوقوف على سرائر عالَم الملكوت أو المشاهدةِ (^٧) لأسرار الربوبيَّة، فتَعيَّن عطفه على ﴿قَالَ (^٨) إِبْرَاهِيمُ﴾ فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبِّههم على (^٩) ضلالتهم ويرشدَهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال.\n_________\n(^١) \"كان\" سقط من (ك).\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"والمشتري\".\n(^٣) في (م): \"يقوله\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"لم ينكر عليه بالاوصي\"، والمثبت من (م) و(ك) وهامش (ح).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"بنفسه\".\n(^٦) في (م) و(ك): \"ومن هاهنا\".\n(^٧) في (م) و(ك): \"والمشاهدة\".\n(^٨) في (ف) و(ح): \"نري\" وهو خطأ. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٦٩).\n(^٩) في (م): \"ينهيهم عن\"، وفي (ك): \"ينهاهم عن\". والمثبت موافق لما المصدر السابق.","vol":"3","page":351},{"text":"﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾ الأفول: الغروب.\n﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: الأربابَ المنتقلين من حالٍ إلى حالٍ، المحتجِبين بالغروب والانتقال، فضلًا عن أنْ أعبدهم، فالتعبير (^١) بالانتقال من مكان إلى مكان من خواصِّ الأجرام المحتاجة إلى الرَّبِّ فلا تصلح للرُّبوبيَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-866\"> </span>(٧٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ البزوغ: الطُّلوع.\n﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ كأنَّه غاب عن نظره، أو لم يكن حين رآه في ابتداء الطُّلوع بل كان في وراء الجبل ثم طلع منه، أو في (^٢) جانبٍ آخر لا يراه، وإلَّا فلا احتمال لأن يطلع القمر من مطلعه بعد أفول الكواكب (^٣) ثمَّ يَغرب قبلَ طلوع الشَّمس.\n﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ تنبيهًا لقومه على أن مَن اتَّخذ الآفل المتغيِّر إلهًا فهو ضالٌّ، وأنَّ الهدايةَ إلى الحقِّ إنما تكون من فضل الرب (^٤) وعطائه، وهذا طريقُ مَنْ يتلطَّف في البحث والإرشاد بإظهار المناصحة لنفسه وإمحاضِ النُّصح حين أراد لصاحبه ما أراد لنفسه، ويَنسب الذَّمَّ والتَّقريع إلى نفسه لا يواجه به الخصم ليكون أبعد من امتعاضه وعناده، وأشدَّ تليينًا لعريكته، وكسرًا\n_________\n(^١) في (ح) و(ت): \"فإن التغيير\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"وفي\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"الكوكب\".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"من فضله\".","vol":"3","page":352},{"text":"لعود شكيمته، كما قال صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢]، وفيه تقريعٌ قويٌّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-867\"> </span>(٧٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ ذكَّر اسم الإشارة لتذكير الخبر، أو لأنَّه لا يفرَّق في غير لغة العرب بين المذكَّر والمؤنث في الإشارة (^١)، فأجرى الكلام على قاعدة تلك اللُّغة في مقام الحكاية، وعلى قاعدة العربية في مقام الإخبار.\nوأما ما قيل: وكان (^٢) اختيار هذه الطَّريقة واجبًا لصيانة (^٣) الرَّبِّ عن شبهة التَّأنيث، فيَرِدُ عليه: أن هذا الوجوب في الرَّبِّ الحقيقيِّ مسلَّم، وأما الذي فرض بالإبطال بإظهار ما فيه من الأوصاف النَّافية للرُّبوبية فالوجوب المذكور فيه ممنوع، بل المناسب حينئذ إظهار علامة التَّأنيث؛ لما فيه من الإشارة إلى ما سِيْقَ له العبارة.\n﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ من باب مراعاة النَّصَفَةِ أيضًا مع الخصم، ويحتمل أن يكون تجريد اسم الإشارة عن علامة التأنيث أيضًا من هذا الباب، كأنه يفرضُ ما يفرضه ربًّا متجنبًا عمَّا يمكن التجنُّب عنه ممَّا (^٤) يوهم ما لا يليق بشأن الرَّبِّ.\n﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ من الأجرام المحدَثة المتغيرة\n_________\n(^١) \"في الإشارة\" من (ك).\n(^٢) في (م) و(ك): \"فكان\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"بصيانة\".\n(^٤) في (ك): \"ما\".","vol":"3","page":353},{"text":"المحتاجة (^١) إلى محدِثٍ ومدبِّرٍ مغيِّرٍ، وهذا صريحٌ في أنَّ الكلام مع القوم، وقد دلَّ قولُه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ على أنه عارفٌ (^٢) بأنَّ له ربًّا يستحقُّ العبادة، ومنه الهداية، وأنَّ قومَه على الضَّلالة، وأشعرَ بأنَّ محاجَّته كانت مع منكِرٍ مبالِغٍ في الإنكار؛ حيث احتيج إلى القَسَم، فإنَّ اللام في ﴿لَئِنْ﴾ موطِّئة للقسَم، وفي ﴿لَأَكُونَنَّ﴾ جواب قسَم.\nلمَّا تمَّ استدلاله وظهرَ بالحجَّة، ولم يبقَ شبهةٌ يتمسَّك بها الخصم، صرَّحَ بالمقصود، وأظهرَ التَّبرِّيَ ممَّا كانوا يشركون به عن (^٣) آخرها، والتوجُّهَ إلى مَنْ دلَّتْ عليه الممكناتُ المتغيِّرة من موجِدها ومبدِعها فقال:\n\n<span id=\"aya-868\"> </span>(٧٩) - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إنَّما استدلَّ بالأفُول دون البزوغ - مع دلالته أيضًا على التَّغيُّر والانتقال من حالٍ إلى حالٍ - لتعدُّد دلالته من جهة الانتقال والاختفاء وانتفاء التَّورَية، ولأنه لا مجال للاستدلال بالبزوغ في الكوكب؛ لأنَّه رآه في وسط السماء حين قرَّر (^٤) الاستدلال.\n* * *\n_________\n(^١) \"المتغيرة المحتاجة\" ليست في (ف)، و\"المتغيرة\" ليست في (ح).\n(^٢) في (م): \"عارفًا\"، وفي (ك): \"كان عارفًا\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"على\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"قرار\".","vol":"3","page":354},{"text":"<span id=\"aya-869\"> </span>(٨٠) - ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: خاصموه في توحيده (^١) تعالى ونفي الشركاء عنه.\n﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي﴾ وقرئ بتخفيف النُّون (^٢).\n﴿فِي اللَّهِ﴾: في وحدانيته تعالى، أنكر مخاصمتهم فيها بعد أن حجَّ عليهم بالبرهان، كما أشار إليه بقوله تعالى:\n﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ إلى توحيده، وكانوا خوَّفوه أنَّ معبوداتهم تصيبه بسوء، فقال:\n﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾؛ أي: ولا أخاف معبوداتكم وقتًا مّا؛ لأَنَّها لا تضرُّ ولا تنفع ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ نصب على الظَّرف؛ أي: إلَّا وقتَ مشيئةِ ربِّي ﴿شَيْئًا﴾ يُخافُ من جهتها، مثل أن يصيبني مكروه من جهة الكواكب والشَّمس والقمر، فإنْ كان فذلك منه تعالى لا منها.\n﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ اعتراض كالتَّعليل للاستثناء؛ أي: لا أعلم، والله أحاط علمًا بكلِّ شيء، فلا يبعد أن يكون في علمه أن يصيبني مكروهٌ من جهتها.\n﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أَبَعْدَ ما لخَّصتُه من الدَّليل لا تتذكَّرون مؤدَّاه؟ وهو أنْ لا مؤثر إلَّا الله تعالى، والفاء للعطف على مقدَّر؛ أي: أتخوفونني فلا تتذكرون (^٣)، فتميِّزوا بين الصَّحيح والفاسد والقادر والعاجز.\n* * *\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"توحيد الله\".\n(^٢) وهي قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن هشام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٤).\n(^٣) من قوله: \"مؤداه … \" إلى هنا من (م) و(ك).","vol":"3","page":355},{"text":"<span id=\"aya-870\"> </span>(٨١) - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nثم تعجَّب من جهلهم بقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ ولا تأثيرَ له في شيءٍ ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وأنتم لا تخافون ما يوجب كمال (^١) الخوف، وهو إشراككم بالله القادر على كلِّ شيء ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾ بإشراكه ﴿عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ تهكُّمٌ بهم؛ فإنَّ إقامةَ الحجَّة على التَّركِ (^٢) ممتنع وتعريض بوجود (^٣) الحجَّة على نفيه.\nولمَّا دلَّ الكلام على أنهم يخافون المأمونَ مِنْ كلِّ وجهٍ وهم لا يخافون المخُوف من جميع الوجوه قال: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الموحِّدون أم المشركون، ولم يقلْ: فأيُّنا أنا أم أنتم؛ حفظًا للأدب واحترازًا عن تزكية النَّفس.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ما يحقُّ أنْ يُخافُ منه، ثم استأنف جواب الاستفهام (^٤) بقوله:\n\n<span id=\"aya-871\"> </span>(٨٢) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؛ أي: ولم يخلِطوه بشركٍ، كنسبة التَّأثير إلى الغير بعد التَّصديق بالله تعالى، لمَا روي أن الآية لمَّا نزلت شقَّ ذلك على الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال ﷺ:\n_________\n(^١) في (ك): \"كل\".\n(^٢) في (م): \"الشرك\".\n(^٣) في (ف): \"بوجوب\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"القسم\"، والصواب المثبت.","vol":"3","page":356},{"text":"\"ليس ما تظنُّون، إنَّما هو ما قال لقمانُ لابنه (^١): ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] \" (^٢).\nوقيل: بمعصيته.\nويؤيِّد الأوَّل كونُه جوابًا للاستفهام من المشرِك والموحِّد.\n﴿أُولَئِكَ﴾ الموحِّدون ﴿لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ دون غيرهم ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ خاصَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-872\"> </span>(٨٣) - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَتِلْكَ﴾: إشارةٌ إلى ما احتجَّ به (^٣) إبراهيم ﵇ على قومه من قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\n﴿حُجَّتُنَا﴾ خبرُ (تلك).\n﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾: ألهمناها إيَّاه، ووفَّقناه لها ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلِّقٌ بـ ﴿حُجَّتُنَا﴾، و﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر بعد خبر، أو جملة مبيِّنة (^٤)، أو ﴿حُجَّتُنَا﴾ بدل، و﴿آتَيْنَاهَا﴾ خبر، و﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليه مفعول ﴿آتَيْنَاهَا﴾؛ أي: آتيناها (^٥) حجَّة على قومه.\n_________\n(^١) \"لابنه\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٦٠)، ومسلم (١٢٤)، من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٣) \"به\" من (م) و(ك).\n(^٤) في (ف) و(ح) و(ك): \"مبنية\"، والمثبت من (م) وهو الصواب.\n(^٥) في (ك): \"آتيناه\". وفي \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٠): (آتيناها إبراهيم حجة على قومه).","vol":"3","page":357},{"text":"﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم (^١) والحكمة، وقرئ: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين (^٢).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في رفعِه وخفضِه ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالِ المرفوع والمخفوض، واستحقاقِ كلٍّ منهما بما فُعِلَ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-873\"> </span>(٨٤) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾؛ أي: كلًّا منهما هدينا ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل إبراهيم ﵇.\nوقومُ نوحٍ ﵇ أوَّلُ قومٍ عبدوا الأصنام، ووحَّدَ هو اللهَ تعالى، ففي عبارة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى أنَّ فيه أسوةً حسنةً لإبراهيم ﵇، وأمَّا عَدُّ هداه نعمةً لإبراهيم ﵇ من حيث إنه أبوه (^٣)، وشرفُ الوالد يتعدَّى، فحقُّه أن يَذكرَ نوحًا ﵇ بعلاقته لإبراهيم ﵇ كما ذُكِرَ مَنْ ذُكِرَ (^٤) بعدَه كذلك.\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّميرُ لإبراهيم ﵇؛ لأنَّ الكلامَ فيه، ويونس ﵇ من ذريَّته؛ لِمَا ذكرَ في \"جامع الأصول\" أنه كان من الأسباط في زمن شعيب ﵇، أرسله الله تعالى إلى نينوى من بلد الموصل (^٥).\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"الحكم\".\n(^٢) قرأ الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين، والباقون بغير تنوين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٤).\n(^٣) في (م) و(ك): \"ابن\".\n(^٤) \"من ذكر\": ليست في (م) و(ك).\n(^٥) انظر: \"جامع الأصول\" لابن الأثير (١٢/ ١١٥).","vol":"3","page":358},{"text":"ولا بُعدَ في عَدِّ لوط ﵇ من ذرية إبراهيم ﵇ باعتبار أنه كان ابن أخيه، هاجر معه إلى الشَّام، فلا ضرورةَ داعيةَ إلى تخصيص البيان بالمعدودين في الآية الأولى والثانية، وعطفِ المذكورين في الثالثة على نوح ﵇.\nوقيل: لنوح ﵇؛ لأنَّه أقرب، وفيه أنه يلزم حينئذ إفرادُ إسماعيل ﵇ عن باقي ذريَّة إبراهيم ﵇.\n﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ﴾ أيوب بن أموص (^١) من أسباط إسحاق ﵇ ﴿وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الجزاء العظيم الذي جزينا إبراهيم ﵇؛ مِنْ رفعِ درجاته، وكثرة أولاده، والنُّبوَّةِ فيهم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين أحسنوا في عبادتنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-874\"> </span>(٨٥) - ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾: هو المسيح ابن مريم ﵉، دلَّ (^٢) ذكرُه على تناولِ الذُّريَّة لأولاد البنت.\n﴿وَإِلْيَاسَ﴾: هو من سبط هارون ﵇، وقيل: هو إدريس جدُّ نوح ﵉، فيكون البيان مخصوصًا بمن في الآية الأولى.\n﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: الكاملين (^٣) في الصَّلاح، وهو الإتيانُ بما ينبغي، والتَّحرُّزُ\n_________\n(^١) في (ف): \"أيرص\"، وهو تحريف، وجاء في كثير من المصادر: (موص). انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٢٨٧).\n(^٢) \"دل\" من (م) و(ك).\n(^٣) في (م) و(ك): \"من الكاملين\".","vol":"3","page":359},{"text":"عمَّا لا ينبغي، وفي توصيف الأنبياء ﵈ بالصلاح تنويهٌ بشأن تلك الصِّفة، وتنبيهٌ على عظيم قَدْرها كما في وصف الأنبياء ﵈ والملائكة بالإيمان؛ فإنَّ (^١) أوصافَ الأشرافِ أشرافُ الأوصاف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-875\"> </span>(٨٦) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾ هو اليسَع بن أخطوب، وقرئ: (اللَّيْسَعَ) كضَيْغَمٍ (^٢)، وعلى القراءتين هو علم أعجمي، قيل: أُدخل عليه اللام كما أدخل على اليزيد في قوله (^٣):\nرأيْتُ الوليدَ بنَ اليزيدِ مُبارَكًا\nويردُّه لزوم اللَّام له، فالوجه ما قال ابن مالك: ما قارنَتْ (أل) نقلَه كالنَّضر والنُّعمان، أو ارتجالَه كاليسع والسَّمَوأل، فإنَّ الأغلب ثبوتَ (أل) فيه (^٤).\n﴿وَيُونُسَ﴾: هو يونس بن متَّى ﵇.\n﴿وَلُوطًا﴾: هو ابن هاران ابن أخِ إبراهيم ﵇.\n﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ بالنبوَّة على مَن ليس من الأنبياء، ولا بدَّ من هذا القيد كيلا يلزمَ تفضيل كلٍّ منهم على الآخر، أو تفضيلُ كلٍّ من المعاصِرين على الآخر (^٥).\n_________\n(^١) في (م): \"بأن\".\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٤).\n(^٣) لابن ميادة، انظر: \"ديوانه\" (ص: ١٩٢)، وقد تقدَّم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾ [الأنعام: ٥٢].\n(^٤) انظر: \"شرح التسهيل\" لابن مالك (١/ ١٧٦).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"الآخرين\".","vol":"3","page":360},{"text":"<span id=\"aya-876\"> </span>(٨٧) - ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ في محل النَّصب عطفًا على (كلًّا) أو ﴿نُوحًا﴾، و(من) للتَّبعيض؛ إذ (^١) منهم مَن لم يكن نبيًّا ولا مهديًّا.\n﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿فَضَّلْنَا﴾ ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تقريرٌ لبيان ما هُدوا إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-877\"> </span>(٨٨) - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ إشارةٌ إلى ما دانوا به ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيه دليل على أن الهداية بمشيئته تعالى، وأمَّا أنَّه متفضِّل بها فمبناه على عدم لزوم المشيئة لذاته تعالى، وذلك غير ظاهرٍ من الكلام.\n﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا﴾ مع فضلِهم وتقدُّمِهم وعلوِّ درجاتهم ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: لكانوا كغيرهم في بطلان أعمالهم بسقوطِ ثوابها عنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-878\"> </span>(٨٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: جنسه ﴿وَالْحُكْمَ﴾: الحكمة، أو فصلَ الأمر على ما يقتضيه الحقُّ ﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾ قد يأتي الفرق بينها وبين الرسالة في سورة الأعراف.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لأن\".","vol":"3","page":361},{"text":"﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾؛ أي: بهذه الثَّلاثة، أو بالأخير منها ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكَّة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾: هم مؤمنو أهلِ المدينة، قاله ابن عباس ﵄ (^١).\nومعنى توكيلهم: توفيقُهم للإيمان بها والقيامِ بحقوقها كما يوكَّل الرَّجل بالشيء ليقوم به ويعتمده، فمعنى المراعاة داخل في مفهوم التَّوكيل.\n﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الباء الأولى صلة الكافرين، والثانية توكيد للنَّفي (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-879\"> </span>(٩٠) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الإشارة (^٣) إلى الأنبياء المتقدِّم ذكرُهم.\n﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ تقديم ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ للتَّخصيص؛ أي: فاخْتَصَّ (^٤) هداهُم بالاقتداء، ولا تقتدِ إلَّا بهم.\nوالمراد بهداهم: الإيمان والتَّوحيد وأصل الدِّين مما (^٥) اشترك الكلُّ فيه، دون الفروع من الشرائع المختلفة والأديان، فإنها تختلف بحسب الأزمان، بقي قسم آخر وهو الفروع من (^٦) المتَّفق عليه كالصَّوم والصَّلاة وحرمة الكذب والزِّنا، فيدخل هذا القسم من الفروع مع الأصول تحت مطلق الهدى من\n_________\n(^١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥١٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١٣٣٩).\n(^٢) \" ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ الباء الأولى صلة الكافرين، والثانية توكيد\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٣) في (ك): \"إشارة\".\n(^٤) فعل أمر لا ماض.\n(^٥) في (ف) و(ح): \"ما\".\n(^٦) \"من\" سقط من (ف) و\"ح\".","vol":"3","page":362},{"text":"المشترك المضاف إلى الكل، فيصلح متمسَّكًا في الجملة على قولِ مَن قال (^١): إنَّه ﷺ كان متعبَّدًا بشرائعِ مَن قبله.\nوالهاء في ﴿اقْتَدِهْ﴾ للوقف، ومَن أثبتها في الدَّرج ساكنةً أجرى الوصل مجرى الوقف (^٢)، ووجهُ إشباعها أن تُجعَلَ كنايةً عن المصدر.\n﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على التَّبليغ ﴿أَجْرًا﴾: جُعْلًا من جهتكم، كما لم يسأل الأنبياء ﵈ (^٣) السَّابقون.\nقيل: هذا (^٤) من جُملة ما أُمِرَ بالاقتداء بهم فيه، وفيه اعترافٌ بعدم اختصاص الهدى المذكور بالأصول، فلا وجه لنفي التَّمسُّكِ المارِّ ذِكْرُه.\n﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: التَّبليغ أو القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾: تذكرةٌ وعظةٌ لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-880\"> </span>(٩١) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وما عرفوه حقَّ معرفته في الرَّحمة على عباده، والإنعام عليهم ببعثة الرُّسل وإنزال الكتب، أو في السَّخط على الكافرين والبطش بهم حين أنكروا الوحي والنبوَّة وأقدموا على تلك المقالة العظيمة.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لمن قال\".\n(^٢) قرأ ابن ذكوان بكسر الهاء وصلتها، وهشام بكسرها من غير صلة، وحمزة والكسائي يحذفان الهاء في الوصل خاصة، والباقون يثبتونها ساكنة في الحالين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٣) \"الأنبياء ﵈\" سقط من (ف).\n(^٤) في (م) و(ك): \"وهذا\".","vol":"3","page":363},{"text":"﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والقائلون هم اليهود، بدليل إلزامهم بإنزال التَّوراة على موسى ﵇.\nوقيل: القائلون قريش، وإنما أُلزِموا بإنزال التَّوراة لأنَّه كان من المشهورات الذَّائعة عندهم، ولذلك كانوا يقولون: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧].\n﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾: ﴿نُورًا وَهُدًى﴾ حالان؛ أي: جامعًا بين كونِه نورًا تتبيَّن به الأحكام والشَّرائع، وبينَ كونِه هدًى للنَّاس إلى التَّوحيد والمعاد.\n﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ اعتراض لبيان سوءِ حملِهم للكتابِ وفِعْلهم به (^١) ما ينافي كونه نورًا وهدًى للنَّاس؛ توبيخًا لهم وتعييرًا.\n﴿قَرَاطِيسَ﴾: ورقات متفرِّقةً ليتمكنوا بتفريقها على ما قصدوا من الإبداء والإخفاء.\n﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ قراءة الجمهور: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ﴾؛ نقضًا لكلامهم وإلزامًا لهم، وقرأ بعضهم بالياء التحتانيَّة (^٢)؛ حملًا على ما (^٣) ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَمَا قَدَرُوا﴾، ولتضمين الإلزام توبيخَهم على تبعيضِ التَّوراة وتحريفها، وإبداءِ بعضٍ وإخفاءِ بعضٍ، وعلى هذا التفت إلى الغيبة تبعيدًا لهم بسبب فعلهم القبيح، ثم التفت ثانيًا إلى الخطاب تنبيهًا على أن الغائبين هم المخاطبون، وما أحسن الالتفاتين: حيث\n_________\n(^١) في (ف) زيادة \"في\".\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء في الثلاثة، والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٣) كلمة: \"ما\" كذا وقعت في النسخ، ولعل الصواب على حذفها.","vol":"3","page":364},{"text":"أُريدَ نسبة القبيح إليهم أعرض عنهم حتى لا يواجَهوا به، وحيث نسبَ إليهم الحسن وهو عِلْم ما لم يعلموا به خاطبَهم به.\n﴿وَعُلِّمْتُمْ﴾ خطاب لليهود؛ أي: على لسان محمَّد ﷺ.\n﴿مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ﴾ مع كونكم حملَةَ الكتاب ﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ الأقدمون الذين كانوا أعلمَ منكم من (^١) الحكم والمواعظ والقصص زيادةً (^٢) على ما في التَّوراة، وبيانًا لِمَا التبسَ عليكم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦]، وعلى القول الثاني الخطاب لمن آمن من قريش، كقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس: ٦].\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمرٌ بالجوابِ عنهم؛ إشعارًا بأنَّ الجوابَ متعيِّنٌ لا يَلتبسُ عليهم، ولا يناكرون (^٣) فيه، وهو: اللهُ أنزله، حذف الخبر لدلالة ﴿أَنْزَلَ﴾ في السُّؤال عليه، لكنَّهم بُهِتوا محجوجين (^٤) مُلزَمين لا يقدرون على الجواب خوف (^٥) الفضيحة.\n﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ لاستبعاد الكلام بعد الإلزام؛ أي: لا كلام إلا هذا، ولهذا سمَّى كلامَهم غير هذا خوضًا في الباطل؛ أي: هراءً (^٦) وهذَيانًا، وسمَّاهم لاعبين لأنَّ الكلام الذي ليس بنافع ولا معقول لعبٌ.\nومعنى ﴿ذَرْهُمْ﴾: لا عليك بعد إلزام الحجة إن لم يسكتوا فاتركهم، ﴿يَلْعَبُونَ﴾:\n_________\n(^١) في هامش (ح): \"الظاهر بالأحكام والحكم\".\n(^٢) في (ك): \"وزيادة\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"ينكرون\".\n(^٤) في (م): \"محجوبين\".\n(^٥) في (ك): \"فوق\".\n(^٦) في (ف) و(م): \"هواء\".","vol":"3","page":365},{"text":"حالٌ من ﴿ذَرْهُمْ﴾ (^١)، و﴿فِي خَوْضِهِمْ﴾ صلةٌ له (^٢)، أو لـ ﴿يَلْعَبُونَ﴾، أو حال منه (^٣)، أو من ﴿خَوْضِهِمْ﴾ (^٤) وهو صلة لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-881\"> </span>(٩٢) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.\n﴿وَهَذَا﴾؛ أي: القرآن. والتَّعظيمُ الذي قصد بـ ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢] حصَل من تنكير ﴿كِتَابٌ﴾ فحصل التَّعادل بين القولين (^٥).\n﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كثيرُ المنافع الثَّابتة والفوائد الباقية، فإنَّ البركة: ثبوت الخير على الازدياد.\n﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الإنجيل وسائر الكتب الإلهيَّة المخبِرة عن رسالةِ\n_________\n(^١) أي: من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾ كما هي عبارة \"البحر\"، وعبارة المؤلف من \"الكشاف\".\n(^٢) أي: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ حال من ضمير ﴿خَوْضِهِمْ﴾، ويجوز أن يكون حالًا من فاعل ﴿يَلْعَبُونَ﴾.\nانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٢).\n(^٣) أي: لـ ﴿ذَرْهُمْ﴾.\n(^٤) أي: من مفعول ﴿ذَرْهُمْ﴾ كما هي عبارة \"البحر\"، وعبارة المؤلف من \"الكشاف\".\n(^٥) في هامش (ح): \"قال في قطف الأزهار: لما قرر بطلان قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، وأثبت إنزاله بإنزال الكتاب - أعني كتاب موسى المتفق عليه عند الخصم - عطف عليه إنزال هذا الكتاب القرآن؛ لأنَّه يلزم مَن سلَّم إنزال التوراة إنزال القرآن، بجامع أن الله قادر على الإنزال، واستظهر عليه بقوله: ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ لأن الموافقة في الكتب وتصديق بعضها بعضًا شاهد على أن المتكلم واحد\".","vol":"3","page":366},{"text":"نبيِّنا ﷺ، والمبشِّرة عن بعثته، وموجبة (^١) إلى تصديقه ﵇ في دعوى النبوَّة، وهو من المقاصد الأصليَّة من إنزال القرآن.\n﴿وَلِتُنْذِرَ﴾ عطفٌ على ما دلَّ عليه صفة الكتاب؛ أي: للبركات وللتَّصديق وللإنذار، اكتفى بذكره عن مقابليه وخصَّه بالذِّكْرِ لعمومه.\nوقيل: يجوز عطفه على صريح الوصف؛ أي: كتاب مبارك وكائن للإنذار، وعطفُ الظَّرف على المفرد في (^٢) باب الصفة والخبر كثير.\nأو علةٌ لمحذوف (^٣)؛ أي: ولتنذر أنزلناه (^٤)، وقرئ بالياء (^٥)، والضمير لـ ﴿كِتَابٌ﴾.\n﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: أهلَ مكَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ به (^٦) لأنَّها قِبْلةُ أهل القُرَى ومحجُّهم، ومكانُ أوَّلِ بيتٍ وُضِعَ للناس، ولأنَّها أعظمُ القرى شأنًا.\n﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من أهل الشرق والغرب (^٧)، وإنَّما خصَّهم بالذِّكْرِ مع أنَّ أصلَ الإنزال للإنذار العام؛ لأن نزوله عربيًّا لأجلهم، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧].\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"ومرجعه\"، وفي (ح) و(ف): \"وموجهة\"، والمثبت من هامش (ح).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"من\".\n(^٣) \"أو علةٌ لمحذوف .. \" عطف على: \"عطفٌ على ما دل عليه صفة .. \".\n(^٤) في (ك): \"أنزلنا\".\n(^٥) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٦) في (ف) و(ح): \"وإنما سُمِّيَتْ أمَّ القرى\".\n(^٧) في (ح): \"من أهل الشرف والعرب\"، وفي (ك) و(م): \"من العرب\"، والمثبت من (ف)، والموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٢).","vol":"3","page":367},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ لأنَّ التَّصديق بالآخرة يحمِلُ صاحبَه على النَّظر والتَّدبُّر خوفَ العاقبة، حتى يؤمنَ بالكتاب وبالنبيِّ ﷺ ويحافظَ على الطَّاعات.\n﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ المراد بالمحافظة على الصلاة: المحافظةُ على الطَّاعات كلِّها، وإنَّما خصَّ الصَّلاة بالذِّكرِ لأنَّها عمادُ الدِّين، فاروق (^١) بين الكفر والإسلام، ناهيةٌ عن الفحشاء والمنكر، فمَن واظبَ عليها واظبَ على كلِّها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-882\"> </span>(٩٣) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنَّه بعثه الله تعالى نبيًّا؛ كمسيلمةَ كذَّاب (^٢) اليمامة، والأسود كذَّاب صنعاء، أو اختلقَ (^٣) عليه أحكامه (^٤) كعمرو بن لحيٍّ ومتابعيه (^٥).\n﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: هو عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح القرشي، كان يكتب لرسول الله ﷺ، فلمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] كان رسول الله ﷺ يملي عليه، حتى إذا بلغ قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ\n_________\n(^١) \"فاروق\" سقطت من (ف) و(ح).\n(^٢) في (ف): \"الكذاب\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"اختلف\".\n(^٤) في (ح): \"أحكامًا\".\n(^٥) في (م): \"كعمرو بن طُر وتابعيه\".","vol":"3","page":368},{"text":"خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] تعجَّبَ ظ (^١) عبد الله من أطوار خلقة الإنسان (^٢)، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقالَ ﵇: \"اكتبها، فكذلك نزلَتْ\"، فشكَّ عبدُ الله وقال: لئن كان محمَّدٌ صادقًا لقد أُوحِيَ إليَّ كما أُوحِيَ إليه، ولئن كان كاذبًا لقد قلْتُ كما قال، فارتدَّ عن الإسلام ولحق بمكَّة، ثم رجع مسلمًا قبل فتح مكة (^٣).\n﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضر بن الحارث وأشباهه حيث قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١].\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ اللام إمَّا للعهد والإشارةُ إلى المذكورين من اليهود والمتنبِّئةِ وسائر المُدَّعين، وإمَّا للجنس ودخل هؤلاء تحته دخولًا أوليًّا.\nوحذف جواب (لو) وهو: لرأيت أمرًا عظيمًا؛ إيماء إلى أنه لا يمكن وصفه لشدَّته.\nوحذف مفعول ﴿تَرَى﴾ لدلالة ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ عليه؛ أي: ولو ترى الظَّالمين.\n﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أصلُ الغَمْرَة: ما يَغمر من الماء، فاستُعيرَتْ (^٤) للشدَّةِ الغالبةِ.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ إليهم: حال ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على تقدير القول؛ أي: يقولون: أخرجوا أرواحكم إلينا من أجسادكم.\n_________\n(^١) في (ك): \"فعجب\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"من أطوار خلقه\".\n(^٣) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٢/ ٤٠١): (غريب، وذكره الثعلبي عن ابن عباس ﵄ [في \"تفسيره\" (٧/ ٤٣)] … وكذلك الواحدي في \"أسباب النزول\" [(ص: ٢٢٠)] عن الكلبي عن ابن عباس ﵄. قلت: والكلبي متروك.\n(^٤) في (م) و(ك) و(ح): \"فاستعير\".","vol":"3","page":369},{"text":"وقيل: باسطوها بالعذاب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾: خلِّصوها من أيدينا، أي: لا يقدرون على الخلاص، تشبيه لهم بالمطالِب المعنِّف والغريم المشدِّد، الذي لا يمهِل ولا يخفِّف، بل يلحُّ ويبرِّح، تصويرًا لعنفهم في إزهاق الرُّوح، والغلظ في المطالبة والقبض من غير تنفيس، أو بالمؤاخذ الباطش القائل لأسيره تهكُّمًا: خلِّص نفسك منِّي (^١)؛ يريد تعجيزه وأنَّه لا يقدر على الخلاص البتَّة.\n﴿الْيَوْمَ﴾ يريد به: وقتَ الإماتة، أو الوقتَ الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له (^٢).\n﴿تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ إضافة العذاب إلى الهون لإفادة الأصالة فيه والتمكُّن والعراقة، كما يقال (^٣): رجلُ سوءٍ.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾: بسبب قولكم ﴿عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ كنسبة الولد (^٤) والشريك إليه، ودعوى النبوَّة والوحي كاذبًا.\n﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: وباستكباركم من الآيات فلا تؤمنوا بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-883\"> </span>(٩٤) - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ للحساب والجزاء.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"عني\".\n(^٢) \"له\" من (م) و(ك).\n(^٣) في (م) و(ك): \"تقول\".\n(^٤) في (ف): \"الولاد\"، وفي (ح): \"الولاء\".","vol":"3","page":370},{"text":"﴿فُرَادَى﴾: منفردين عن أموالكم وأولادكم وسائر ما آثَرْتموه من دنياكم وأعوانكم وأوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم (^١)، وهو جمع فَرْدٍ، أو جمع فَريدٍ، كقَرينٍ وقُرانَى، ورَديفٍ ورُدَافَى، والألف للتَّأنيث ككُسالى.\nوقرئ: (فُرادًا) بالتنوين، قيل (^٢): كرُخال (^٣)، وفيه: أنه بالضم اسم جمع، وبالكسر جمع رخِل بكسر الخاء، وقد يقال: الرُّخال بالضم أنه جمع إمَّا تجوُّزًا وإمَّا لقلب الكسرة ضمة، وقرئ: (فُرادَ) كثُلاثَ، و: (فَرْدى) (^٤) كسكرى (^٥).\n﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ صفة لمصدر؛ أي: مجيئا مثلَ خَلْقِنا لكم أول مرة (^٦)، أو صفةٌ لـ ﴿فُرَادَىنَ﴾، أو بدل منه؛ أي: على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، أو حال ثانية، أو حالٌ عن ضمير في ﴿فُرَادَى﴾؛ أي: مشبِهين ابتداءَ خلقكم عراة حفاة غرلًا بهما.\nوانتصب ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على الظَّرف.\n﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾؛ أي (^٧): أعطيناكم وتفضَّلنا به عليكم في الدُّنيا فشُغِلْتم به عن الآخرة.\n_________\n(^١) \"وسائر ما آثرتموه من دنياكم وأعوانكم وأوثانكم التي زعمتم أنها شفعاؤكم\" سقط من (ك).\n(^٢) \"قيل\" من (ف) و(ح)، والسياق يقتضيه، وهو ما سيورَد عليه بقوله: \"وفيه .. \".\n(^٣) جمع رخل، وهو الأنثى من أولاد الضأن، ويجمع على: أرْخُلٌ ورِخالٌ، ويُضَمُّ، ورِخْلانٌ ورَخَلَةٌ ورِخَلَةٌ. انظر: \"القاموس المحيط\" (مادة: رخل).\n(^٤) في (ف) و(ح): \"وقرئ\".\n(^٥) انظر هذه القراءات في: \"الكشاف\" (٢/ ٤٧)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٢٩٤).\n(^٦) \"أول مرة\" من (م).\n(^٧) \"أي\": ليست في (م) و(ك).","vol":"3","page":371},{"text":"﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ مبالغةٌ في التَّرك وعدم الانتفاع به بحيث لا يمكنه النَّظر إليه.\n﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ﴾ صريح في أنه يحال بينهم وبينهم ابتداءً، والاستفسار (^١) عنهم عند ذلك، ثم إنهم يُجمعون معهم على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ [النحل: ٨٦]، وقد مرَّ ما يتعلَّق بهذا في هذه السُّورة.\n﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾: في ربوبيتكم واستحقاقِ عبوديتكم.\n﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ والمعنى: وقع التفرُّقُ بينكم.\nأكثر القراء رفع ﴿بَيْنَكُمْ﴾ (^٢) على إسناد الفعل إلى الظَّرف على الاتساع، كما يقال: قُوتِل خلفُكُم وأمامُكُم، ومَن نصب فعلى تأويل إسناد الفعل إلى المصدر، كما تقول: وقع التقطُّع بينكم، كما يقال: جُمع بين الشيئين، إذا (^٣) أُوْقعَ الجمع بينهما، وأصله: (لقد تقطَّعَ ما بينكم)، وقد قرئ به (^٤).\nوقيل: إنَّ البَيْنَ مصدرٌ، وهو من الأضداد، يجيء بمعنى الفَصْل والوَصْل، فمعناه: تقطَّع وصلُكم وتشتَّت جمعكم، ولا تأباه قراءة النَّصب؛ إذ حينئذ تكون حركتُه حركةَ بناءٍ لإضافته إلى المبنيِّ، وهو ضمير الخطاب، فيكون فاعلًا لـ ﴿تَقَطَّعَ﴾، فتستوي القراءتان.\n﴿وَضَلَّ﴾: غاب.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \" وللاستغناء\".\n(^٢) قرأ نافع وحفص والكسائي بنصب النون والباقون برفعها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٣) في (م) و(ك): \"أي\".\n(^٤) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٧)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٢٩٨).","vol":"3","page":372},{"text":"﴿عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شفعاؤكم، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-884\"> </span>(٩٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بالنَّبات والشَّجر، أخبر عنه بشقِّ النَّواة مع شدَّتها وصلابتها، ويخرج منه نبتًا أخضر لينًا ما لو اجتمع كل الخلائق على إخراج مثله ما قدروا عليه.\nوقيل: المراد به الشُقاق الذي في النَّواة والحنطة مثلًا.\n﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ جملة مبينة لمَا قبله؛ لأنَّ فلقَ الحبِّ بالنَّبات والنَّواة بالشَّجر إخراجُ الحيِّ من الميت؛ لأنَّ النَّاميَ في حكم الأحياء؛ لقوله تعالى: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، إلَّا أنَّه أعمُّ ليكون (^١) كالدَّليل.\n﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ﴾: ما لا ينمو من النُّطف والحبِّ (^٢).\n﴿مِنَ الْحَيِّ﴾: من الحيوان والنَّبات، ذكره بلفظ الاسم حملًا على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ذلكم القادر على تلك الأمور العجيبة هو الذي يحق له العبادة.\n﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرَفون عنه إلى غيره، وفيه دلالة على أنَّ هناك صارفًا لهم عن مقتضى فطرتهم، وأنَّه غير الله تعالى.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"فيكون\".\n(^٢) \"والحب\" سقط من (ف) و(ح).","vol":"3","page":373},{"text":"<span id=\"aya-885\"> </span>(٩٦) - ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\n﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: شاقُّ ظلمةِ الإصباح، وهو الغبش (^١) في آخر اللَّيل الذي علا الأفقَ من الصبح، أو شاقُّ محمود الصبح عن بياض النَّهار، يقال: انشقَّ عمودُ الصُّبح وانصدع الفجر (^٢)، وسمَّوا الفجر فَلْقًا بمعنى مفلوق.\nو﴿الْإِصْبَاحِ﴾ في الأصل مصدر أصبح: إذا دخل في الصبح، سمي به الصبحُ (^٣).\nوقرئ بفتح الهمزة على الجمع (^٤)، وقرئ: ﴿فَالِقَ﴾ بالنَّصب على المدح (^٥).\n﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ السَّكن: ما يُسْكَنُ إليه ويُسْتأنَسُ به، ومنه قيل للنَّار (^٦): سكن؛ لأنَّه يُستأنَسُ بها، واللَّيل يَستأنِسُ به التَّعِب، وَيسكنُ إليه للاستراحة فيه، ونصبه بفعلٍ دلَّ عليه ﴿وَجَاعَلُ﴾ لا به؛ لأنَّه قُصد به معنى المضيِّ، وَيعضُده قراءة: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ (^٧) حملًا على معنى المعطوف عليه، فإن ﴿فَالِقُ﴾ بمعنى: فَلَق، ولذلك قُرئ به (^٨).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"الغلس\"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٤)، و\"البحر\" (٩/ ٣٠٤).\n(^٢) \"الفجر\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٣) \"سمي به الصبح\" من (م) وهو الموافق لما في المصادر السابقة.\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٩)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٠٥).\n(^٥) نسبت لإبراهيم النخعي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٠٦).\n(^٦) في (ف) و(ح): \"للنهار\".\n(^٧) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي، والباقون: (وجاعل) على وزن فاعل. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٨) يعني: (فَلَق الإصباحَ)، ونسبت لإبراهيم النخعي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩).","vol":"3","page":374},{"text":"أو به (^١) على أن المراد منه جعلٌ مستمرٌّ في الأزمنة.\nوما يقال: إنَّه لمَّا بَعُدَ بمعنى المضيِّ عن شَبَهِ الفعل فبمعنى (^٢) الاستمرار أولى، ليس بشيء؛ لأن شبهه الخاص إنما هو بالمضارع، وباعتباره يعمل، ولهذا يشترط معنى الحال أو الاستقبال الذي هو حقيقةُ المضارع عند الجمهور، والمضارع قد يجيء للاستمرار (^٣) كثيرًا، فاسم الفاعل بالاستمرار لا يَبْعُدُ عن شَبَهِ الفعل بخلافِ معنى المضيِّ.\nوعلى هذا التَّقدير يجوز أن يكون ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ عطفًا على محلِّ ﴿اللَّيْلَ﴾، والأحسن نصبهما على إضمار فعل دلَّ عليه ﴿جَاعِل﴾.\nوقرئ بالجرِّ (^٤) عطفًا على ﴿اللَّيْلَ﴾، ولا دلالة فيه على أن نصبهما عطفًا على محل ﴿اللَّيْلَ﴾ حتى ينافيَ حُسنَ نصبِهما على إضمار فعلٍ (^٥).\nوقرئ بالرفع (^٦) على الابتداء، والخبر محذوف؛ أي: والشَّمسُ والقمرُ محسوبان.\n﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: جُعِلا حُسبانًا، جعلهما علمَي (^٧) حسبان؛ لأن حُسبان الأوقات\n_________\n(^١) أي: بـ (جاعل). وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٤).\n(^٢) في (م) و(ك): \"فمعنى\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"بمعنى الاستمرار\".\n(^٤) يعني: (والشمسِ والقمرِ). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٩).\n(^٥) من قوله: \"دل عليه جاعل … \" إلى هنا سقط من (ف) و(ح).\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٠٩).\n(^٧) قوله: \"جعلهما علمي حسبان\" كذا جاءت في جميع النسخ، ولعل المعنى: جعلهما علمين على نوع من الحساب؛ لأن حساب الأوقات يعلم بحركتهما، وفي مطبوع \"الكشاف\" (٢/ ٥٠): =","vol":"3","page":375},{"text":"يُعْلَم بسَيرهما ودَورهما، يعني: على أدوارٍ مختلفةٍ تُحْسَبُ بها الأوقات، ويكونان علمَي (^١) الحسبان، وعلى قراءة الجرِّ نُصب ﴿حُسْبَانًا﴾ بفعلٍ مقدَّرٍ؛ أي: جُعِلا كما مرَّ في ﴿سَكَنًا﴾.\nوالحُسْبَان كالكُفْران مصدرُ حسَبَ بفتح العين، وأما مصدر حسِبَ بالكسر فالحِسْبان كالفِقْدَان.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: جَعْلُهما حسبانًا؛ يعني: ذلك التَّسيير بالحساب المعلوم ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾ الذي قهَرَهما وسخَّرَهما ﴿الْعَلِيمِ﴾ بتدبيرهما وتدويرهما (^٢) على الأدوار المختلفة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-886\"> </span>(٩٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n= (جعلهما على حسبان؛ لأنّ حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما) والمعنى عليه واضح، وكذا جاء في \"فتوح الغيب\" (٦/ ١٧٥)، لكن لفظ المؤلف جرى التنبيه عليه في هامش نسخة خطية جيدة من \"الكشاف\" أنه في نسخة منه: (علمي)، وأما البيضاوي فقد وقع الاختلاف في مطبوعاته، ففي طبعة إحياء التراث (٢/ ١٧٤)، وطبعة \"حاشية الشهاب\" (٤/ ١٠٢): (﴿حُسْبَانًا﴾؛ أي: على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ويكونان علمي الحسبان)، وفي طبعة \"حاشية شيخ زاده\" (٤/ ١٠٢)، وطبعة \"حاشية القونوي\" (٨/ ٢٠٥): (على الحسبان)، ولم ينبه أحد من أصحاب الحواشي المذكورة على هذا الاختلاف بين اللفظين، ولكل منهما وجه كما علمت.\n(^١) في (ف) و(ح): \"ويكون على\"، وفي (ك): \"ويكونان على\"، والمثبت من (م). وانظر التعليق السابق.\n(^٢) \"وتدويرهما\" سقط من (ف) و(ح).","vol":"3","page":376},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ إجمالٌ؛ أي: خلقَها لأجلِكم (^١)؛ فإنَّ لكم فيها منافع، وهو دليلُ إضماره في الكلِّ من ﴿فَالِقُ الْحَبِّ﴾، و﴿وَجَاعَلَ اللَّيْلَ﴾ و﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾؛ لأنَّه في مَعرضِ الامتنان، وتعديد (^٢) النِّعم على الإنسان.\n﴿لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ يتبيَّن بإفراد بعض منافعها بالذِّكْرِ إشارةٌ إلى أنَّه أكثرُ منافعها وأجلُّها.\n﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: في ظلماتِ اللَّيل في البرِّ والبحر، وإضافتها إليهما للملابَسَة، أو: في مشتبِهات الطُّرق، وسمَّاها ظلماتٍ على الاستعارة.\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: بيَّناها فصلًا فصلًا، وإنَّما قال (^٣):\n﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لِمَا علمْتَ أنَّ ذلك التَّفصيل في معرض الامتنان، وهو لا يكون إلَّا للعالِمِ بما امتنَّ به (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-887\"> </span>(٩٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو آدم ﵇.\n﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: فلكُم استقرار في الرَّحم أو فوقَ الأرض، واستيداعٌ في الصُّلب أو تحتَ الأرض.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"لآجالكم\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"وتقدير \".\n(^٣) في (م) و(ك): \"وإنما قال\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"للعالم به لما امتن به\".","vol":"3","page":377},{"text":"وقال ابن الحنفيَّة: المستقرُّ الصُّلْب، والمستودعُ الرَّحم (^١)؛ لتقدُّم (^٢) ذِكْره على المستودَعَ.\nأو: فلكم محلُّ استقرار واستيداع.\nوعلى قراءة كسر القاف (^٣): فمنكم مستقِرٌ؛ اسم فاعل، ومنكم مستودعَ اسم مفعول؛ لأن الاستقرار منَّا دون الاستيداع، وهو جعل (^٤) الشيء في الشيء للاحتفاظ به.\nقال الحسن: المستقِرُّ مَن مات، والمستودعَ أنتم (^٥).\nوأُنْشِدَ:\nفُجِعَ الأحبَّةُ بالأحبَّة قبلَنا … فالنَّاس مفجوعٌ به ومفجَّعُ\nمستودعٌ أو مستقِرٌّ قدْ خلا (^٦) … فالمستقِرُّ يزورُه المستودعُ\nوكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك. ويُنشد (^٧):\n_________\n(^١) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١٣٥٦)، و(٦/ ٢٠٠٣).\n(^٢) في (م) و(ك): \"لتقديم\".\n(^٣) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٤) في (ف) و(ح): \"حصر\".\n(^٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ١٧٣).\n(^٦) قوله: \"قد خلا\" كذا في النسخ، وفي \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ١٧٤): (مدخلا)، ومثله في \"روح المعاني\" (٨/ ٣٣٥). وعزاهما الثعلبي والآلوسي لسليمان بن زيد العدوي.\n(^٧) في (ح) و(ف): \"وأنشد\". ومثله في \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ١٧٤)، والمثبت من (ك) و(م)، ومثله في \"روح المعاني\" (٨/ ٣٣٤).","vol":"3","page":378},{"text":"وما المالُ والأهلونَ إلَّا وديعةٌ … ولا بُدَّ يومًا أنْ تُرَدَّ الودائعُ (^١)\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ فرَّق بينَ الفاصلتين فذَكَرَ مع ذِكْرِ النُّجوم والاهتداء بها: ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛ لظهور أمرها (^٢)، ومع إنشاء الخلق (^٣) من نفسٍ واحدة: ﴿يَفْقَهُونَ﴾؛ لأن تصريفهم بين أطوارٍ وأحوالٍ مختلفةٍ يحتاج إلى دقَّةِ نظرٍ وروَّية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-888\"> </span>(٩٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: من جانبها أو من السحاب.\n﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على تلوين الخطاب ﴿بِهِ﴾: بالماء ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: نبتَ كلِّ صنفٍ (^٤) من أصناف النَّامي، وفيه إيماءٌ إلى عجيبِ صنعِه، وبديعِ خلقِه، من كون السَّبب واحدًا، والمسبَّبات أشياءَ مختلفةً، كقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤].\n﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ من النَّبات ﴿خَضِرًا﴾: شيئًا غضًّا أخضرَ، وهو ما تشعَّب من أصل النَّبات الخارج من الحبَّة.\n_________\n(^١) البيت للبيد. انظر: \"ديوانه\" (ص: ١٧٠).\n(^٢) في (ف) و(ح): \"لظهوره\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"إنشائهن\".\n(^٤) \"صنف\" من (م) و(ك).","vol":"3","page":379},{"text":"﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾: من الخَضِر ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: هو (^١) السُّنبل.\n﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا﴾ الطَّلْعُ: أوَّلُ ما يخرجُ من النَّخلة في أكمامها (^٢).\n﴿قِنْوَانٌ﴾ وهو الأعذاق: جمع عِذقٍ. مبتدأٌ و﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ خبره، و﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾ بدل منه (^٣)، كأنه قيل: وحاصلةٌ من طلع النخل قنوانٌ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة (أخرجنا) عليه؛ أي: ومخرَجةٌ من طلع النَّخل قنوانٌ (^٤).\nومَن قرأ: (حبٌّ متراكبٌ) (^٥) عَطَف ﴿قِنْوَانٌ﴾ على (حبٌّ).\nوقرئ بضم القاف وبفتحها (^٦) على أنه اسمُ جمع؛ إذ ليس فَعلان من أبنية الجمع.\n﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبةُ التَّناول؛ لأنَّ النَّخل تُثمر (^٧) على قِصَرها، أو قريبةٌ بعضُها من بعض، وصف القنوان بالدانية؛ لأنَّ النَّعمة فيها أكثرُ وأهنا، واستغنى بها عن ذِكْرِ مقابِلها، كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾.\n﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بالكسر في محل النصب، عطفٌ على ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"وهو\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"أكمامه\".\n(^٣) بدل بعض من كل بإعادة العامل. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٣٣٩).\n(^٤) \"ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة أخرجنا عليه أي: ومخرجه من طلع النخل قنوان\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٥) أي: (يُخرَج منه حبٌّ متراكب). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١)، و\"الدر المصون\" (٥/ ٦٩). وهي على بناء (يخرج) للمفعول كما صرح بذلك السمين.\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٢٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١).\n(^٧) في (م): \"تغمر\"، وفي (ك): \"تعمر\".","vol":"3","page":380},{"text":"وقرئ بالرفع (^١) على الابتداء؛ أي: ولكم - أو: وثمَّة - جنَّاتٌ من الأعناب؛ أي: مع النَّخل، ويجوز عطفه على ﴿قِنْوَانٌ﴾، ولا يلزم أن يكون المعنى: ومن النَّخيلِ جنَّاتٌ من أعناب؛ إذ حينئذ يكون ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾ عطفًا على (من النخيل)، فيصير من عطف مفرد على الابتداء، وأخِّرَ على (^٢) خبرُه، وقدِّم الظَّرف في المعطوف عليه للتَّخصيص وأخِّر في المعطوف لعدم اختصاص الجنَّات (^٣)، غايته أن المعطوف على المبتدأ يكون نكرةً غيرَ مخصوصة، ولم يُعرَفْ منعُ ذلك، كيف وقد قال الشاعر:\nعندي اصطبارٌ وشكوى عند قاتلتي … فهل بأعجبَ من هذا امرؤٌ سمعا (^٤)\n﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ أيضًا عطف على ﴿نَبَاتَ﴾، أو نصب على المدح، لعزَّة هذين الصِنْفَين عندَهم.\n﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ حال، وتقديره: والزيتون مشتبهًا وغير متشابه، والرُّمان كذلك، كقوله:\n......... كنْتُ منه ووالدي … بريئا ......... (^٥)\n_________\n(^١) وهي فراءة الأعمش. انظر: \"القراءات الشاذة\" (ص: ٣٩)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣١٥).\n(^٢) \"على\"من (م) و(ك).\n(^٣) في (م): \"الاختصاص بالجنات\".\n(^٤) البيت بلا نسبة في \"شرح التسهيل\" لابن مالك (١/ ٢٩٢)، و\"مغني اللبيب\" (ص: ٦١٠).\n(^٥) جزء من بيت، وتمامه:\nرَمانِي بأَمْرٍ كنتُ مِنه ووالِدِي … بَرِيئًا ومن جُولِ الطَّوِىِّ رَمانِي\nويروى: ومن أجل الطويِّ.\nوقد اختلف في نسبته؛ فعزاه سيبويه في \"الكتاب\" (١/ ٧٥) لابن الأحمر، وهو في \"ديوانه\" (ص: ١٨٧)، ونُسب للأزرق بن طرفة بن العمرَّد الفراصي، كما في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (٢/ ١٦١)، وانظر: \"لسان العرب\" (١١/ ١٣٢).","vol":"3","page":381},{"text":"أي: بعضُه متشابهٌ وبعضُه غيرُ متشابهٍ، في (^١) القَدْرِ واللَّون والطَّعم والشَّكل، وذلك دليل القدرة.\nوقرئ: (متشابهًا) (^٢)، والاشتباه والتَّشابه بمعنًى واحد، وكثيرًا ما يشترك الافتعال والتَّفاعل بمعنى.\n﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ إلى ثمر كلِّ واحدٍ من ذلك، وقرئ بضم الثاء (^٣)؛ جمعُ ثَمَرَةٍ، كخَشَبَةٍ وخُشُبٍ، أو ثِمارٍ ككتابٍ وكُتُبٍ.\n﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾: إذا أخرج ثمره، نظرَ استبصارٍ واعتبار واستدلال على قدرة مقدِّره ومدبِّره وناقله من حال إلى حال، كيف يخرجُ ضئيلًا حقيرًا لا ينتفع به (^٤).\n﴿وَيَنْعِهِ﴾ وإلى حال نضجه، أو إلى نضيجه كيف يعود شيئًا جامعًا لمنافِعَ وملاذَّ.\nواليَنْعُ: مصدرُ يَنَعَ، بفتح الياء في لغة (^٥) الحجاز، وضمها في بعض لغةِ نجد، يقال: ينعَتِ الثَّمرة: إذا أَدركت ونَضِجت.\nوقيل: جمعُ يانع، كتَجْرٍ وتاجر.\nوقرئ بالضم (^٦)، وهو لغة فيه، و: (يَانعِهِ) (^٧).\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"وفي\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٢)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣١٨).\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٤) في (ف): \"كيف سبيلًا حقيرًا ولا ينتفع به\"، وفي (ح): \"كيف سنبلًا حقيرًا ولا ينتفع به\". وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٢).\n(^٥) في (م): \"لغة أهل\".\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٢٨)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٢٠).\n(^٧) نُسبَتْ لابن محيصن. انظر: \"القراءات الشاذة\" (ص: ٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٢).","vol":"3","page":382},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لآياتٍ دالَّةً على وجودِ قادرٍ حكيمٍ وتوحيدِه لمن (^١) نظرَ واعتبرَ، وظهورُ الآياتِ لا تنفعُ إلَّا لمن قدَّرَ اللهُ تعالى له الإيمان، فنبَّه على ذلك بتوصيف (^٢) القوم بالإيمان، فهو من قَبيل: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\nولمَّا ذكرَ ما دلَّ على صانعٍ قادرٍ حكيمٍ لا نِدَّ له ولا ضِدَّ وَبَّخَ مَنْ أشرك به واستعظم (^٣) ذلك فقال:\n\n<span id=\"aya-889\"> </span>(١٠٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ﴿لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ مفعولا (جعلوا) (^٤)، و﴿الْجِنَّ﴾ منصوبٌ بمحذوف جوابًا عن سؤال، كانه قيل: مَنْ جعلوه شركاء لله؟ فقيل: الجنَّ، أو بدل من ﴿شُرَكَاءَ﴾، أو ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولاه، و﴿لِلَّهِ﴾ متعلِّق بـ (جعلوا)، أو حال من ﴿شُرَكَاءَ﴾، و﴿شُرَكَاءَ﴾ ثاني مفعوليه (^٥).\nوقرئ: (الجِنُّ) بالرَّفع (^٦)، كأنه قيل: مَن هم؟ فقيل: الجنُّ؛ أي: هم الجنُّ، وبالجر على الإضافة للتبيين (^٧).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"بمعنى\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"توصيفه\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"أو استعظم\"، وسقطت به من (ح) و(ف).\n(^٤) في (ك) و(م): \"مفعولان لجعلوا\".\n(^٥) في (ف) و(ح): \"أو شركاء الجن مفعوليه\".\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٢٩)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٢٥).\n(^٧) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٢)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٢٥).","vol":"3","page":383},{"text":"وفائدةُ تقديمِ ﴿لِلَّهِ﴾ استعظامُ أن يكون لله شركاء، أيِّ شيء كان، جنيًّا أو إنسيًّا أو غير ذلك، وكذا فائدة تقديم ﴿شُرَكَاءَ﴾ على ﴿الْجِنَّ﴾، والظاهر أن المراد به الملائكة، وسمَّاهم جنًّا لاجتنانهم تحقيرًا لشأنهم، ويجوز أن يُرادَ بالجنِّ الشياطين؛ لأنهم أطاعوهم كما يجب أن يطاع الله تعالى، وعبدوا الأوثان بتحريضهم وتسويلهم، فهم عبدوهم في الحقيقة.\nوقيل: المراد به الثَّنويَّه القائلون بيزدان وأهرمن (^١)، من الذين زعموا أنَّ اللهَ تعالى خالقُ كلِّ خيرٍ ونافعٍ، وإبليس خالقُ كلِّ شرٍّ وضارٍّ.\n﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: الجاعلين (^٢)، معناه: وقد علموا أنَّ اللهَ خالقَهم دونَ الجنِّ، فكيفَ يجعلون مَنْ لا يخلقُ شريكَ الخالق.\nأو: الجنَّ؛ يعني: وخلقَ اللهُ الجنَّ، فكيفَ يجعلونَ مخلوقَه شريكًا له.\nوقرئ: (وخَلْقَهم) بسكون اللام (^٣)، عطفًا على ﴿شُرَكَاءَ﴾ على الوجه الأول؛ أي: اختلاقَهم للإفك، معناه: وجعلوا لله افتراءهم، وهو ما (^٤) نسبوا قبائحهم إلى الله تعالى في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم هذا، وقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، وأمثال ذلك.\n_________\n(^١) حيث قالوا: إن الله - تعالى - وإبليس أخوان، فالله - تعالى - خلق الناس والدواب والأنعام وكل خير، ويعبرون عن الله بيزدان، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب وكل شر، ويعبرون عن إبليس بأهرمن. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٥)، و\"جامع البيان\" للإيجي (١/ ٥٦٣)، والشرح الذي ذكرناه لفظه.\n(^٢) في (ف): \"الجاهلين\".\n(^٣) نسبت ليحيى بن معمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٢٤).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وهم\". وسقطت منهما: \"ما\".","vol":"3","page":384},{"text":"﴿وَخَرَقُوا﴾: افتعلوا الإفكَ، يقال: خلقَ الإفكَ وخرقَه واختلقَه واخترقَه بمعنى، ويجوز أن يكون من خرَقَ الثَّوب: إذا شقَّه؛ أي: اشتقُّوا له بنين وبنات.\nوقرئ: ﴿وَخَرَقُوا﴾ بالتَّشديد (^١) للتَّكثير لقوله (^٢): ﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ على الجمع.\nوقرئ: (حرَّفوا له) (^٣)؛ أي: وزوَّروا (^٤) له أولادًا؛ لأن المزوِّرَ محرِّفٌ مغيِّرٌ للحقِّ إلى الباطل، هو قولُ أهل الكتابَين في المسيح وعُزَيرٍ ﵉، وقولُ قريشٍ في الملائكةِ.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: منْ غيرِ أنْ يعلموا حقيقةَ ما قالوه، أي: قولًا عن جهالةٍ وعمًى منْ غيرِ فكرٍ وروَيَّةٍ (^٥)، وهو في موضعِ الحالِ؛ أي: خرقوا مُلْتَبسينَ (^٦) بالجهالة، أو المصدر؛ أي: خرقًا بغير علمٍ.\nولما ذكر إثباتهم الشُّركاء للهِ (^٧) تعالى، واختلاقَهم بنسبةِ ما لا يجوز نسبتُه إليه تعالى، نزَّهَهُ عن ذلك بقوله:\n﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وهو أنَّ له شريكًا أو ولدًا.\n_________\n(^١) قرأ بها نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٢) في (ف) و(ح): \"ليكثر بقوله\"، وفي (م): \"تكثير لقوله\".\n(^٣) نسبت هذه القراءة لابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٢٤)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٢٧).\n(^٤) في (ف) و(ح): \"زوروا\".\n(^٥) \"وروية\" سقط من (ك).\n(^٦) في (م): \"متلبسين\".\n(^٧) في (م) و(ك): \"له\".","vol":"3","page":385},{"text":"<span id=\"aya-890\"> </span>(١٠١) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من إضافة الصِّفة إلى فاعِلها؛ أي: بُدِعَتْ سماواتُه وأرضُه، أو إلى الظَّرف؛ أي: بديعٌ فيهما، بمعنى: عديم النَّظير فيهما، كقولك: فلانٌ ثَبْتُ الغَدْرِ؛ أي: ثابتٌ فيه.\nوقيل: بمعنى: المبدع، وقد مرَّ أن فَعِيلًا يجيء بمعنى المُفْعِل كأليم وحكيم.\nوهو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هو بديع، أو مبتدأٌ خبرُه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: مِنْ أين - أو: كيف - يكون له ولدٌ؟ أو فاعلُ (تعالى).\nوقرئ بالجرِّ صفةً لله تعالى، أو بدلًا من ضمير ﴿سُبْحَانَهُ﴾، وبالنَصب على المدح (^١).\n﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ يكون منها الولد، وقرئ بالياء (^٢)، للفصل، أو لأنَّ الاسمَ ضميرُ الله (^٣)، أو ضمير الشَّأن.\n﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه خافيةٌ، وإنما قال: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ولم يقل: (به)؛ لأن الأوَّل اختصَّ بالمخلوقيَّة.\nوفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه: أحدها: أنَّه تعالى مُبدِعُ الأجسامِ كلِّها، ومبدعُ الأجسام كلِّها لا يكون\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣).\n(^٢) نسبت لإبراهيم النخعي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٠)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٢٤).\n(^٣) أي: \"ضميرٌ يعود على الله\". انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٣٢٨).","vol":"3","page":386},{"text":"جسمًا، والولادةُ إنَّما تكون من صفات الأجسام، فلم يكن له ولا.\nوثانيها: أنَّ الأجسامَ مُبدَعةٌ، والمُبدِعُ هو الذي لا يوجَدُ من مادَّةٍ، والولد لا يكون إلَّا من مادَّة شخص، فالمبدِعُ ليس بوالدٍ.\nوثالثها: أنَّ الولدَ لا يكون إلَّا عن زوجةٍ تُجانس الوالدَ، وهو غير مجانَسٌ، فلا زوجةَ له، فلا ولدَ.\nورابعها: أنَّه تعالى خالقُ الكلِّ، والمخلوقُ ممكِن محتاجٌ إلى الخالقِ، والخالقُ واجبٌ مستغنٍ، فلا يشابهه شيءٌ من خلقِه.\nوخامسها: أنَّه تعالى عالمٌ بكلِّ شيءٍ لذاته، ومَنْ عداهُ ليس كذلك بالإجماع، فلا يجانسُه غيرُه، والولدُ إنَّما هو مجانسٌ للوالد (^١)، فلم يكن له ولدٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-891\"> </span>(١٠٢) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.\n﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصِّفات، وهو مبتدأ وما بعده أخبارٌ مترادفة، وهي: ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويجوز أن يكون البعض خبرًا، والبعض بدلًا أو صفة.\n﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ مسبَّب عن مضمون الجملة؛ أي: مَن استجمع هذه الصفات وجبَ عبادته، ولا تحقُّ العبادة إلَّا له.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: هو مع تلك الصِّفات متولي أموركم، فكِلُوا إليه أمورَكُم وتوصَّلوا (^٢) إليه بعبادته ليجازَيكم بها.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"والوالد إنما هو يجانس الولد\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"وتوسلوا\"، والمؤدى واحد.","vol":"3","page":387},{"text":"<span id=\"aya-892\"> </span>(١٠٣) - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.\n﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾: لا تحيط به ﴿الْأَبْصَارُ﴾ فإذا لم يُحِطْ به الكلُّ فعدمُ إحاطةِ كلِّ واحدٍ منها به (^١) بطريقِ الأَوْلى، وهذا (^٢) الوجه للعدول عن المفرد إلى الجمع، وإذا كان المنفيُّ الإدراكَ الخاصَّ فلا متمسَّكَ فيه لمن أنكر الرؤية، وأمَّا الجواب عنه بتخصيص الحكم ببعض الأوقات أو ببعض الأشخاص فلا يتحمَّله الكلام على الوجه المذكور المناسب للمقام.\nو﴿الْأَبْصَارُ﴾: جمع بصر، وهو حاسَّة العين؛ أي: قوتها التي بها تدرك، وقد تطلق على العين مجازًا.\n﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: يحيطُ بها (^٣) علمًا.\n﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فيدرِكُ ما لا يُدرَكُ بالبصر، ويجوز (^٤) أن يكون الأوَّل ناظرًا إلى قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، والثَّاني إلى قوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، كأنه قيل: لا تدركه الأبصار لأنَّه اللطيف، وهو يدرك الأبصار لأنَّه الخبير بكلِّ خفيَّة وجليَّة، والمراد من ﴿اللَّطِيفُ﴾: ما لا يتعلَّق به حاسّة النَّظر؛ لعدم حظِّه من الكثافة بطريق الاستعارة.\n_________\n(^١) \"به\" من (م) و(ك).\n(^٢) في (م): \"وهذا هو\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"به\".\n(^٤) \"الواو\" ليست في (م).","vol":"3","page":388},{"text":"<span id=\"aya-893\"> </span>(١٠٤) - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البصائر: جمع بصيرة، وهي نورٌ للقلب (^١) يدرِك به الحقائق (^٢) ويستبصِر، وهي للقلب بمنزلة البصر للعين، سُمِّيَتْ بها الدلالة لأنها يُجلى بها الحقُّ ويبصَر بها.\n﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾؛ أي: أبصرَ الحقَّ بهذه الدَّلائل فآمن (^٣) به ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أبصر، وإيَّاها نفعَ.\n﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾؛ أي: عميَ عن الحقِّ وأنكر ﴿فَعَلَيْهَا﴾ عميَ، وإيَّاها ضرَّ؛ إذ ليس وباله إلَّا عليه (^٤).\nوهذا الكلام واردٌ على لسانِ النَّبيِّ ﷺ لقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: وما أنا عليكم برقيب يحفظ أعمالكم ويجازيكم بها، بل اللّه هو الحفيظ، وما أنا إلَّا منذرٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-894\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ ومثلَ ذلك التَّصريف نصرِّفُ، وهو نقلُ الشيء من حالٍ إلى حالٍ.\n﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ علَّةُ فعلٍ محذوف؛ أي: وليقولوا درسْتَ نصرِّفها، واللام للعاقبة.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"بصر وهو نور القلب\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"الحق\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"وآمن\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"عليها\".","vol":"3","page":389},{"text":"كذا قالوا، والظَّاهر أنها لام الأمر، والفعل مجزوم بها، لا منصوب بإضمار أن (^١)، ويؤيِّده قراءة من قرأَ بتسكين اللَّام (^٢)، والمعنى عليه متمكِّن (^٣)، كأنَّه قيل: ومثلَ ذلك نصرِّف الآيات ولْيقولوا هم ما يقولون، وهو أمرٌ معناه الوعيد والتَّشديد، وعدمُ الاكتراث بهم وبما يقولون.\nوالدَّرس: استمرار التِّلاوة، وقرئ: ﴿دَارَسْتَ﴾ (^٤) العلماءَ، و: ﴿وَدَرَسْتَ﴾ (^٥) من الدُّروس، أي: قَدُمَتْ هذه الآياتُ وعَفتْ، كقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥].\nوقرئ: (دَرُسَتْ) بضم الرَّاء (^٦)؛ مبالغة في دَرَسَتْ.\nو: (دُرِسَتْ) على البناء للمفعول (^٧)، أي: قُرِئَتْ هذه الآيات، أو: عَفيَتْ.\nو: (دَارَسَتْ) (^٨) بمعنى: دَرَسَتْ، أو: دارسَتِ اليهودُ محمَّدًا ﷺ، وجاز الإضمار؛ لأنَّ اليهود كانت مشهورة عندهم بالدِّراسة، ويجوز أن يكون الضَّمير للآيات، والمرادُ أهلُها، وهم أهل الكتاب.\n_________\n(^١) هذا القول الذي نفاه هو قول الجمهور في الآية. انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٣٣٧).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٦٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٣١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٣٩).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"ممكن\".\n(^٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٥) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٥)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٣٥).\n(^٧) نسبت للحسن كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٠)، ولابن عباس ﵄ كما في \"المحتسب\" (١/ ٢٢٥).\n(^٨) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٠).","vol":"3","page":390},{"text":"و: (دَرَسَ) (^١)؛ أي: درسَ محمَّدٌ ﷺ.\nو: (دَرَسْنَ) (^٢)؛ أي: عَفَوْن.\nو: (دارسات)؛ أي: قديمات، أو: ذات درس؛ كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] (^٣).\n﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ اللام للتعليل على الحقيقة أو بطريق الاستعارة، على اختلاف الأصلين في جواز أن يكون فعلُ الله تعالى معلَّلًا بالغرض، وأعيد الضمير مفردًا على معنى الآيات وهو القرآن، ولما كان التصريف (^٤) اعتبر فيه وحدةُ المعنى كان لتوحيد الضمير هاهنا باعتبار المعنى موقعٌ حسَن.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وجه التَّخصيص ما ذُكر في قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-895\"> </span>(١٠٦) - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بالتَّديُّن به.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراض أكَّد به إيجابَ اتِّباع الوحي، أو حالٌ مؤكِّدة من ﴿رَبِّكَ﴾ بمعنى: منفردًا في الألوهيَّة.\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٠).\n(^٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٢٥). وانظر هذه القراءات وغيرها في \"البحر المحيط\" (٩/ ٣٣٥)، وقد أورد في \"البحر المحيط\" ثلاث عشرة قراءة لهذه الكلمة.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٥)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٣٦). وقد أورد في \"البحر المحيط\" ثلاث عشرة قراءة لهذه الكلمة منها ما ذكر هنا ومنها ما لم يذكر.\n(^٤) في (ح) و(ف): \"التزييف\"، وفي (م) و(ك): \"التعريف\". والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٥).","vol":"3","page":391},{"text":"﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: ولا (^١) تحفلْ (^٢) بأقوالهم ولا تلتفت إليهم، ومن جعله منسوخًا بآية السَّيف حمل الإعراض على ما يعمُّ الكفَّ عنهم، ولا ضرورة فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-896\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ توحيدَهم وعدمَ إشراكهم ﴿مَا أَشْرَكُوا﴾ دليل على أنَّ الله تعالى لا يريدُ إيمانَ الكفار، وأنَّ مرادَه تعالى واجبُ الوقوع.\n﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: رقيبًا.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ يقومُ بأمورِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-897\"> </span>(١٠٨) - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: لا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ ليتسبَّب سبُّكم لأنْ يسبُّوا الله.\nفيه تلوين الخطاب بالعدول عن (^٣) خطابه ﷺ وحده إلى الخطاب في ضمن الكلِّ؛ لِمَا في مواجهته ﵇ بما ذكر من خلافِ ما كان عليه من الأخلاق الكريمة، إذ لم يكن فحَّاشًا (^٤) ولا سبَّابًا.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"أي لا\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"تحتفل\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"فمن\"، وفي (ك): \"من\"، والمثبت من (م).\n(^٤) في (ك): \"فاحشًا\".","vol":"3","page":392},{"text":"قال الإمام أبو منصور: كيفَ نهانا الله تعالى عن سبِّ مَنْ (^١) يستحقُّ السَّبَّ لئلا يُسَبَّ مَنْ لا يستحقُّه، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا (^٢)، وقَتْلُ المؤمن بغير حقٍّ منكرٌ، وكذا أُمِرَ النَّبيُّ ﷺ بتبليغ الوحي والتِّلاوة عليهم، وإن كانوا يكذِّبونه؟\nثم قال في جوابه: إنَّ السَّبَّ لأولئك مباحٌ غيرُ مفروضٍ، وقتالهم فرضٌ، وكذا التَّبليغ، وما كان مباحًا فإنَّه يُنهى عما يَتولَّد منه وَيحدث، وما كان فرضًا لا يُنهَى عن المتولِّد منه، وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمَنْ قطعَ يدَ قاطعِ يده قصاصًا فمات منه (^٣)، فإنَّه يضمن الدِّية؛ لأنَّ استيفاء حقِّه مباحٌ، فأُخِذَ بالمتولِّد منه (^٤)، والإمام إذا قطع يدَ السَّارقِ فمات لم يضمن؛ لأَنَّه فرضٌ عليه، فلم يُؤْخَذْ بالمتولِّد منه. إلى هنا كلامه (^٥).\nوعلى هذا لا دلالة في الآية على أنَّ الطَّاعة الواجبة يجب أنْ تُترَك إذا أدَّت إلى معصية راجحة كالنَّهي عن المنكر.\nبقي هاهنا شيء: وهو أنهم كانوا مقِرِّين بالله تعالى وعظمته، وأن الأصنام إنما تُعبَد ليكونوا شفعاء عند الله تعالى، فكيف يسبُّونه؟\nوأجيب عنه: بأنهم لا يفعلون ذلك صريحًا، لكن ربَّما يُفضي فعلهم إلى ذلك، كما قالوا: اترك شتمَ آلهتنا وإلا شتمناك ومَنْ يأمرك بذلك.\n_________\n(^١) في (م): \"ما\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"قتلونا\"، في (ح) و(ف): \"فقتلوا\"، والمثبت من \"تأويلات أهل السنة\".\n(^٣) \"منه\" زيادة من (م).\n(^٤) \"وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة فيمن قطع يد قاطع يده قصاصًا فمات منه، فإنه يضمن الدية لأن استيفاء حقه مباح، فأخذ بالمتولد منه\" سقط من (ك).\n(^٥) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" (٤/ ٢٠٧).","vol":"3","page":393},{"text":"ويعضد ذلك قوله: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: تجاوُزًا عن الحقِّ إلى الباطل على جهالة.\nحالٌ (^١)؛ أي: عادِين، أو مفعولٌ له؛ أي: لعدوانٍ فيهم، أو مصدرٌ للنَّوع؛ أي: سبًّا عَدْوًا.\nوقرئ: ﴿عَدْوًا﴾ بضم الدَّال وتشديد الواو (^٢).\nوبما قرَّرناه تبيَّن الخلَّل فيما قيل: إنه ﵇ كان يطعن في آلهتهم، فقالوا: لتنتهينَّ عن سَبِّ آلهتنا أو نهجونَّ إلهك، فنزلت (^٣).\nفإنَّ عبارة: (نهجونَّ) تأبى عن التَّأويل المذكور، وقد ذكر في \"التيسير\" (^٤) سبب النزول على وفق ذلك (^٥) التأويل.\n﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: مثلَ ذلك التَّزيين العظيم - وهو تزيينُ سبِّ الله تعالى - زيَّنا لكلِّ أمَّة من أمم الكفَّار سوء عملهم بالخذلان والتَّخلية بينهم وبين أعمالهم حتى تزيَّن لهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"قال\".\n(^٢) وهى قراءة يعقوب. انظر: \"المبسوط في القراءات العشر\" (ص: ٢٠٠)، و\"النشر\" (٢/ ٢٦١).\n(^٣) أخرج نحوه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٣٠٩)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ١٣٧٧)، عن ابن عباس ﵄ وعن غيره. وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٢١)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ٣٣٨).\n(^٤) هو كتاب: \"التيسير في التفسير\" لنجم الدين، أبي حفص: عمر بن محمد النسفي الحنفي، المتوفى بسمرقند سنة (٥٣٧). انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٥١٩).\n(^٥) \"ذلك\" من (م) و(ك).","vol":"3","page":394},{"text":"وقيل: هو عامٌّ؛ أي: زيَّنَّا (^١) لكلِّ أمَّةٍ عملَهم من الخير والشرِّ بإحداث ما يمكِّنهم منه ويحملهم عليه توفيقًا وتخذيلًا.\nويقوِّي الأوَّلَ كونُ الكلام في الكفَّار، والمشبَّهُ به تزيين سبِّ الله تعالى لهم، والتَّهديدُ بقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بالمجازاة والمعاقبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-898\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موقع الحال؛ أي: جاهدين أيمانهم جَهدًا، وإنما أقسموا بالله تعالى مؤكِّدين تحكُمًا على رسول الله ﷺ في طلب الآيات واقتراحها وعدمِ الاعتداد بما رأوا منها.\n﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ من مقترَحاتهم ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندي؛ أي: هو القادر عليها لا أنا حتى آتيكم بها.\n﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استفهامُ إنكارٍ للسَّبب (^٢) مبالغةً في المسبَّب؛ أي: لا تدرون أيُّها المؤمنون أنَّ الآيات المقترحة إذا جاءتهم لا يؤمنون بها (^٣)، بل أنا أعلم بذلك؛ يعني: أنَّ سببَ عدمِ إنزال الآية التي يقترحونها (^٤) علمُ اللهِ تعالى بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها، وذلك أنَّ المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم\n_________\n(^١) \"أي زينا\" زيادة من (م) و(ح).\n(^٢) في (ك): \"للمسبب\".\n(^٣) \"بها\" من (م).\n(^٤) في (ت) و(ح): \"يفترونها\".","vol":"3","page":395},{"text":"ويتمنَّون مجيئها ليؤمنوا، فأجيبوا بذلك، ودليله قوله تعالى: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].\nومنهم من جعل ﴿لَا﴾ مزيدةً في القراءة بالفتح (^١).\nوقرئ: ﴿لَا تُؤْمِنُونَ﴾ بالتَّاء (^٢)، على أن الخطاب للمشركين.\nوقرئ: ﴿وَمَا يُشْعِرُهُمْ﴾ (^٣)؛ أي: ولا (^٤) يعلمون أنَّ قلوبهم إذا جاءت كانت كما كانت (^٥) مطبوعًا عليها فلا يؤمنون بها.\nوقيل: ﴿أَنَّهَا﴾ بمعنى: لعلَّها، من قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لحمًا، ويؤيِّده قراءة أُبيٍّ ﵁: (لعلَّها) (^٦).\nوقرئ: ﴿أَنَّهَا﴾ بالكسر (^٧)، على أنَّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ كلامٌ قد تمَّ؛ أي: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم ابتدأَ فأعلمهم بقوله: إنها إذا جاءت لا يؤمنون البتَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-899\"> </span>(١١٠) - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n_________\n(^١) أي: فتح ألف ﴿أَنَّهَا﴾، والقراءة بالفتح سبعية وسيأتي تخريجها.\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر وحمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٨).\n(^٤) في (م) و(ك): \"وما\".\n(^٥) \"كما كانت\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٦) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٣٥٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٧) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم، وباقي السبعة بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).","vol":"3","page":396},{"text":"﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ عطف على ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، داخلٌ في حكم الاستفهام، وكذا ﴿نَذَرُهُمْ﴾؛ أي: وما يشعركم أنَّا نقلِّب أفئدتهم؛ أي (^١): نطبع على قلوبهم ونُعمي أبصارهم كما كانت، ولم يذكر أسماعهم إذ لا يناسبه التَّغليب، ولهذا أيضًا لم يقل: قلو بهم، بدل ﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾.\nويجوز أن يكون ﴿كَمَا﴾ في قوله: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ للتعليل، و(ما) مصدريَّة؛ أي: يفعل بهم ذلك لكونهم لم يؤمنوا به؛ أي: بما أنزل من الآيات أوَّل وقتٍ جاءهم (^٢) هدى اللهِ تعالى، ويناسب هذا المعنى آخر الآية.\n﴿وَنَذَرُهُمْ﴾: نخلِّيهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ متحيِّرين، لا نهديهم هداية المؤمنين.\nوقرئ: (ويُقلِّبُ … وَيذَرهُم) على الغيبة (^٣).\nوقرئ: (وتُقَلَّبُ) على البناء للمفعول ورفع (أفئدتُهم وأبصارُهم) (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-900\"> </span>(١١١) - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ كما قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١].\n_________\n(^١) بعدها في (ح) و(ف): \"وما يشعركم\".\n(^٢) في (م): \"وجاهم\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٨)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٣٤)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٥٥).\n(^٤) نسبت للأعمش وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٨)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٥٥).","vol":"3","page":397},{"text":"﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾ كما قالوا: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ [الدخان: ٣٦].\n﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ كما قالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] (^١)، والقُبُل. جمع قبِيلٍ، بمعنى كفيل؛ أي: كفلاءَ بما بشِّروا به وأنذروا، أو جمعُ قَبِيلٍ جمعِ قَبيلَة؛ أي: جماعاتٍ، أو مصدرٌ بمعنى: مقابلَةً (^٢).\nوقرئ: (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء (^٣)؛ أي: عِيانًا.\nحالٌ على الوجوه (^٤) كلِّها من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ لعمومه (^٥).\n﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لا لما (^٦) سَبَق عليهم القضاء بالكفر (^٧)؛ لأن فيه تعليلَ الحوادث بالتقدير الأزليِّ، ولا يخفى فسادُه؛ [بل] (^٨) لبطلان استعدادهم وتبدُّل فطرتهم القابلة بسوء (^٩) اختيارهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"قبلًا\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"مقابل\".\n(^٣) قرأ بها نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"القراءات\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الأنسب لأنَّه لم يذكر سوى قراءتين بينما ذكر ثلاثة وجوه.\n(^٥) في (ح) و(ف): \"بعمومه\".\n(^٦) في (ت) و(ح): \"بما\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق \"تفسير البيضاوي\". ويصح في (لما) تشديد الميم وتخفيفها. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ١١٣).\n(^٧) هكذا علله البيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٨). وما سيأتي رد عليه.\n(^٨) ما بين معكوفتين من \"حاشية الشهاب\" (٤/ ١١٣)، وقد نقل كلام المؤلف لكنه لم يعين قائله، وكذا نفله الآلوسي في \"روح المعاني\" (٨/ ٣٨٦) وسماه بعض الأفاضل، وفيه مناقشة حسنة للمسألة فانظرها ثمة.\n(^٩) في (ف): \"سوء\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدرين السابقين.","vol":"3","page":398},{"text":"﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ظرف؛ أي: إلا وقتَ أن يشاء الله.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أنَّهم لو أُتوا (^١) بكل آية لم يؤمنوا، فيُقسمون بالله (^٢) جهد أيمانهم على ما لا يشعرون (^٣)، ولذلك أُسند الجهل إلى أكثرهم مع أنَّه يعمُّهم؛ لأنَّ المقسِمين بعضُهم.\nأو: ولكنَّ أكثرهم يجهلون أنَّهم لا يؤمنون عند مجيء الآيات، فيطمعون في إيمانهم ويتمنَّون نزولها، بيَّنَ أنَّ الآيات وإنْ توالَتْ، وشُموسَ البرهان وإنْ تعالَت، فمَنْ قصمَتْه العزَّة (^٤)، ووكسته القسمة (^٥)، لم يزدْه ذلك إلا ضلالًا، فلم يَستجدْ إلَّا للقسوة حالًا (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-901\"> </span>(١١٢) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾؛ أي: كما جعلنا لك عدوًّا جعلنا لكلِّ نبي سبقك عدوًّا، والحكمة في ذلك الابتلاءُ والامتحان؛ ليظهر الثَّبات والصَّبر، وكثرةُ الثَّواب والأجر.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"أوتوا\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الصواب لأن المراد الإتيان لا الإيتاء.\n(^٢) \"بالله\": ليست في (ك).\n(^٣) \"على ما لا يشعرون\" من (م) و(ك).\n(^٤) في (ف): \"العدة\"، وفي (م): \"الغيرة\"، وفي (ك): \"العرة\"، والمثبت من (ح).\n(^٥) في (م): \"القسمية\".\n(^٦) جاءت العبارة في \"لطائف الإشارات\" (١/ ٤٩٥): \"لأن الآيات وإن توالت، وشموس البرهان وإن تعالت، فمن قصمته العزّة وكبسته القسمة لم يزده ذلك إلا حيرة وضلالا، ولم يستنجز إلا للشقوة حالًا\".","vol":"3","page":399},{"text":"﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ متمردي الصِّنْفَين، بدل من ﴿عَدُوًّا﴾، أو هما مفعولان و﴿عَدُوًّا﴾ مفعوله الثاني (^١)، و﴿لِكُلِّ﴾ متعلق به، أو حال منه.\n﴿يُوحِي﴾: يلقي في خُفيةٍ ﴿وَبَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: شياطينُ الجنِّ إلى شياطينِ الإنس، أو بعضُ أحد الصنفين إلى بعضٍ آخر منه.\n﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: مُزيَّنَه ومموَّهَه (^٢) بالأباطيل.\n﴿غُرُورًا﴾ حال؛ أي: غارِّين، أو: مغرورين، أو مفعول له للغرة (^٣).\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ حذف المفعول لدلالة: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ عليه؛ أي: لو شاء ربك أن لا يفعلوا معاداةَ الأنبياء وإيحاءَ الزَّخارف - على أنَّ الضمير لمَا ذُكر (^٤) - ما فعلوه، ولكن ما شاء مما (^٥) اقتضته حكمته، ويجوز أن يكون الضمير للإيحاء.\nوفي الآية دلالةٌ على أن الشُّرور صدورها عنه تعالى بمشيئته.\n﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: إذا عرفْتَ أنَّ ذلك بمشيئته تعالى، ومشيئتُه (^٦) تابعةٌ لحكمته، فاتركهم وَكُفْرَهم، وفيه تهديدٌ ووعيدٌ.\n_________\n(^١) \"وعدوا مفعوله الثاني\" من (م).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"تزيُّنه وتموُّهه\".\n(^٣) قوله: \"للغرة\" كذا في النسخ، وفي \"روح المعاني\" (٨/ ٣٩٢) (﴿غُرُورًا﴾ مفعول له؛ أي: ليغرُّوهم).\n(^٤) أي: ما فعلوا ذلك، يعني: معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٨).\n(^٥) في (م) و(ك): \"لما\".\n(^٦) \"ومشيئته\" من (م).","vol":"3","page":400},{"text":"<span id=\"aya-902\"> </span>(١١٣) - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾.\n﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ عطفٌ على ﴿غُرُورًا﴾ إنْ جُعِلَ علَّة، أو علَّةٌ لمحذوف؛ أي: ولتصغَى إليه جعلنا لكلِّ نبيٍّ عدوًّا، واللَّام للتَّعليل أو للعاقبة على الاختلاف في جواز أن يكون فعلُه تعالى معلَّلًا بالغرض، وليست لامَ الأمر، وإلَّا لقيل: (ولْتَصْغَ) بحذف الألف، ولا لامَ القسم؛ لأن عطف قوله: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ يأباه، وهذا يدفع كونها للأمر أيضًا.\nوالضَّمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ و(ليرضوه) لِمَا له ضمير ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾.\nوالصَّغو: الميل لغرضٍ من الأغراض، يقال: أصغيتُ الإناء: إذا أَمَلْتَه لتجمع ما فيه.\n﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: لأنفسهم ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾: وليكتسبوا ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ من الآثام، فيتميَّز الشَّقي من السَّعيد.\nوترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة؛ لأنَّه أوَّلًا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرِّضى (^١)، فيكون فعلُ الاقتراف، فكان كلُّ واحدٍ مسبَّبًا (^٢) عمَّا قبلَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-903\"> </span>(١١٤) - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"الرضاء\".\n(^٢) في (ف) و(ح) و(ك): \"سببًا\".","vol":"3","page":401},{"text":"﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ على إرادة القول؛ أي: قل لهم يا محمد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على ما دلَّ عليه ما قبله؛ أي: أأشكُّ (^١) لكثرة الجاحدين المفترين (^٢)، فغيرَ اللّه تعالى أبتغي - أي: أطلبُ - حكمًا يحكم بيني وبينكم، وَيفصل المحقَّ منَّا من المُبطل.\nروي أن مشركي قريش قالوا لرسول الله ﷺ: اجعل بيننا وبينك حكمًا (^٣) من أحبار اليهود، وإن شئت من أساقفة النصارى؛ ليخبرنا (^٤) عنك بما في كتابهم عن أمرك، فنزلت (^٥).\nو(غيرَ) مفعولُ ﴿أَبْتَغِي﴾، وفي تقديمه إيماءٌ إلى وجوب تخصيصه تعالى بالابتغاء والرضى بكونه (^٦) حكمًا، و﴿حَكَمًا﴾ حال منه، ويحتمِل عكسَه.\nوجوِّزَ أن يكون ﴿حَكَمًا﴾ تمييزًا عن (غير)، كقولهم: إن لنا غيرها إبلًا، وهو أبلغ من الحاكم، قيل: ولذلك لا يُوصَفُ به إلا العادل، وفيه: أن المبالغة من جهة التَكرُّر، ولا دلالةَ فيه على الوصف.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ﴾ الواو للحال ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن ﴿مُفَصَّلًا﴾ مبيَّنًا فيه الحق والباطل، مميَّزًا به الصَّادق مِن المفتري، وفيه تنبيهٌ على أنَّ القرآنَ بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات.\n_________\n(^١) في (ح): \"الشك\"، وفي (ف) و(ك): \"أتشك\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"الجاهلين المقترفين\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"اطلب حكمًا يحكم بيننا وبينك\".\n(^٤) في (م): \"فيخبرنا\".\n(^٥) انظر: \"النكت والعيون\" (٢/ ١٦٠)، و\"زاد المسير\" (٣/ ١١٠).\n(^٦) في (ح) و(ف): \"والرضاء يكون\".","vol":"3","page":402},{"text":"ثم أكَّدَ الدّلالة على أنَّ القرآنَ حقٌّ - يعلمُ أهلُ الكتاب أنَّه حقٌ؛ لتصديقه ما عندهم وموافقته لهم من غير قراءته ﷺ لكتابهم (^١) - بجملة استئنافية وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (^٢).\n﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ إنما وصف الكلَّ بالعلم تنزيلًا للجاهلين منهم لتمكُّنهم منه منزلةَ العالم،\nوقيل: المراد: مؤمنو أهل الكتاب.\n﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أنهم يعلمون ذلك، أو أنَّه منزَّل من ربِّك بالحقِّ لكثرة جحودهم وكفرهم، وهو (^٣) من باب التَّهييج والإلهاب.\nأو خطاب لكل أحد؛ أي: لفَا تعاضدت الأدلَّة وبَهَرت فلا ينبغي لأحدٍ أن يرتاب فيه.\nوقيل: الخطاب للرَّسول ﵇ والمراد أمته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-904\"> </span>(١١٥) - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: تمَّتْ كلُّ كلمةٍ من ربك (^٤)، ومعنى (تمت): استمرَّتْ، لا أنه كان بها نقصٌ فكمَلتْ وبلغت الغاية.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"قراءة كتابهم\".\n(^٢) قرأ بالتشديد ابن عامر وحفص، والباقون بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٣) في (م) و(ك): \"فهو\".\n(^٤) \"من ربك\" من (ك) و(م).","vol":"3","page":403},{"text":"﴿صِدْقًا﴾ في الأخبار والمواعيد ﴿وَعَدْلًا﴾ في الأحكام والأقضية، نُصبا على الحال، أو التَّمييز، أو المفعول له.\n﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا أحد يقدر أن يحرف شيئًا منها شيوعًا وذياعًا كما فُعِلَ بالتَّوراة، على أنَّ المراد بها القرآن، فيكون ضمانًا من الله تعالى بحفظه، إذ لا نبيَّ ولا كتاب بعدَه ينسخُه ويبدِّل أحكامه.\nوقرئ: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (^١)؛ أي: ما تكلَّم به، أو القرآن.\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِمَا يقولون ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما (^٢) يُضمرون، فلا يُهملهم وإن أمهلهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-905\"> </span>(١١٦) - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أكثرَ النَّاس ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأنَّ أكثرهم يتَّبعون أهواءَهم.\nوقيل: المراد بـ ﴿الْأَرْضِ﴾: أرض مكَّة.\n﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: الآراءَ الفاسدة والأهواء الباطلة، وظنُّوا أنَّ آباءهم كانوا على الحقِّ، وهم يقلدونهم (^٣)، فإنَّ الظَّنَّ يُطلَقُ على ما يُقابلُ العلم.\n﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يُقَدِّرونَ أنَّهم على شيءٍ، أو يكذبون في قولهم: إنَّ اللهَ حرَّم كذا وأحلَّ كذا، فإنَّ الخَرْصَ التقديرُ والكذبُ.\n_________\n(^١) وهي قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالجمع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٢) في (ف) و(ح): \"لما\".\n(^٣) في (ف) و(ح): \"يقتدونهم\".","vol":"3","page":404},{"text":"<span id=\"aya-906\"> </span>(١١٧) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: أعلم بالفريقَيْنِ، و﴿مَنْ﴾ إمِّا موصولة أو موصوفة، وهي في محل النصب بفعلٍ دلَّ عليه ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن (أفعل) لا يعمل في الظاهر في مثل هذه الصورة.\nأو في محلِّ الجرِّ لا بإسقاط حرف الجر وإبقاء عمله لدلالة ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ عليه؛ لأن مثله لا يجوز إلَّا في ضرورة الشِّعر، بل بإضافة ﴿أَعْلَمُ﴾ إليه.\nأو استفهامية في محلِّ الرَّفع بالابتداء، والخبر ﴿يَضِلُّ﴾ والجملة معلَّق (^١) عنها الفعل المقدَّر، وعلى هذا صَرفه عن وفاق قسيمه تعجيبًا من (^٢) شأن المضلِّين المتَّبعين للظنِّ الكاذبين (^٣)، وإبعادًا لهم.\nوقرئ: (مَن يُضِلُّ) بضم الياء (^٤)؛ أي: يضلُّه الله؛ أي: أعلمُ المضلِّين، من قوله تعالى (^٥): ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أو أضلَلْتُه (^٦): إذا وجدْتَه ضالًّا.\nوالتفضيل في العلم بكثرته، وإحاطته بالوجوه التي من شأن العلم أن يتعلَّق بها، ولزومه (^٧)، وكونه بالذَّات لا بالغير.\n_________\n(^١) في (ف): \"متعلق\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"تعجبًا في\".\n(^٣) في (م): \"الكاذب\".\n(^٤) نسبت للحسن وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٠)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٢٨).\n(^٥) في النسخ: \"من قولهم\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٧٩).\n(^٦) في (ف) و(ح): \"أو أضله\".\n(^٧) في (م): \"ولدوامه\"، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٠).","vol":"3","page":405},{"text":"<span id=\"aya-907\"> </span>(١١٨) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: مسبَّبٌ عن إنكارِ (^١) اتِّباع المضلِّين الذين يحلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين: إنكم تعبدون الله، فما قتلَ اللهُ أحقُّ أن تأكلوا مما قتلتم أنتم، فقيل للمسلمين: إن كنتم متحقِّقين بالإيمان فكلوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه خاصَّة، دونَ ما ذُكِرَ عليه اسمُ غيره من آلهتهم، أو ماتَ حتفَ أنفِه.\nوما ذُكِرَ اسمُ الله عليه هو المذكَّى باسم الله تعالى.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ فإنَّ الإيمان بها يقتضي ما ذُكِرَ، وقد دلَّ (^٢) هذا على شرطٍ محذوفٍ جوابُه: ﴿فَكُلُوا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-908\"> </span>(١١٩) - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾.\n﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: وأيُّ غرضٍ لكم في أن لا تأكلوا.\n﴿مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وتتحرَّجوا من (^٣) أكله.\nقيل: هو كلام على القلب؛ إذ المراد: أن تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، فقلبَ مبالغةً في صونهم عن أكل ما حُرِّمَ عليهم، وأنهم ليسوا مما يَهُمُّون بذلك فيحتاجون (^٤)\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"سبب عن إنكارهم\"، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٠) ..\n(^٢) في (ك): \"حل\".\n(^٣) في (م): \"ويتحرجوا من\"، وفي (ف) و(ح): \"ويتحرجوا عن\"، والمثبت من (ك).\n(^٤) في (ف) و(ح): \"محتاجون\".","vol":"3","page":406},{"text":"إلى التَّنبيه، وأنهم من شدَّة (^١) الاحتراز عن الحرام كادوا يتركون ما أُحِلَّ لهم تورعًا، ولهذا رتَّب الوعيد على تجاوز الحدِّ.\n﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾: وقد بيَّنَ لكم ما حرَّم عليكم مما لم يحرِّم؛ يعني في هذه السُّورة؛ لأنها على ما نُقِلَ مكيَّة، ونزلَتْ (^٢) في مرَّة واحدةٍ، والتفصيل الواقع في (البقرة) و(المائدة) متأخِّر (^٣) في النُّزول؛ لأنهما مدنيتان.\nوقرئ: ﴿فَصَّلَ﴾ على البناءين، وكذا ﴿حَرَّمَ﴾ (^٤).\n﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ استثناء متَّصل؛ أي: ممَّا حُرِّمَ عليكم (^٥)، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدريَّة، و﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ (^٦) في محلِّ النَّصب على الظَّرف، والاستثناء مفرَّغ؛ أي: ما حُرِّمَ عليكم في جميع الأوقات إلا وقتَ اضطراركم إليه؛ يعني في حال الضَّرورة، فإنَّه حينئذٍ حلال.\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾ فيحللِّون ويحرِّمون ﴿بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بتَشهِّيهم من غير تمسُّكٍ بدليلٍ يفيد العلم.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لشدة\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"ويذكر\".\n(^٣) في (ك): \"مأخرة\".\n(^٤) قرأ الكوفيون ونافع ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ بفتح الفاء والصاد، والباقون بضم الفاء وكسر الصاد، وقرأ نافع وحفص: ﴿مَا حَرَّمَ﴾ بفتح الحاء والراء، والباقون بضم الحاء وكسر الراء. انظر: \"التيسير\" (ص:١٠٦).\n(^٥) \"عليكم\" سقط من (ك).\n(^٦) في (م) و(ك): \"أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية وما في ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾ \"، وهذا يوهم أن المصدرية هي غير التي في ﴿مَا اضْطُرِرْتُمْ﴾، والصواب أنها هي.","vol":"3","page":407},{"text":"وقرئ: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بضم الياء وفتحها (^١).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾: المتجاوِزين الحقَّ إلى الباطلِ، والحلالَ إلى الحرامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-909\"> </span>(١٢٠) - ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾.\n﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: ما يُعلَن به وما يُسَرُّ، أو: ما يعمل بالجوارح وما بالقلب،\nوقيل: الزِّنا في منازلهنَّ واتِّخاذِ الأخدان؛ قال الضَّحَّاك: كان أهل الجاهلية يرون ما كان من الزِّنا سرًّا حلالًا، فحرِّم بهذه الآية (^٢).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾: يكتسبون (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-910\"> </span>(١٢١) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهر في تحريم المتروك عليه اسم الله تعالى عمدًا أو نسيانًا، وعليه أحمدُ ومالكٌ وداودُ، خلافًا للشافعي؛ لقوله عليه\n_________\n(^١) قرأ الكوفيون: ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ بضم الياء، والباقون بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٨/ ١٤).\n(^٣) في (م) و(ك): \"يكسبون\".","vol":"3","page":408},{"text":"السلام: \"ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإنْ لم يَذكر اسم الله عليه\" (^١)، وفرَّق أبو حنيفة بين العمد والنِّسيان، وأوَّلَه (^٢) بالميتة، وما ذُكر اسمُ غير الله عليه، لقوله (^٣): ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].\n﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الواو للاستئناف، أو للعطف على جملة استئنافية للتعليل، حُذِفَتْ لدلالة باقي الكلام عليها؛ أي: إنه حرام وإنه لفسق، الضمير لمصدر الفعل الذي دخل عليه النَّهي؛ أي: وإن الأكل منه لفسق، أو للموصول إما بحذف المضاف؛ أي: وإنَّ أكلَه، وإما بجعل ما لم يذكر اسم الله عليه نفسَ الفسق، ويجوز أن يكون الضَّميرُ الثَّاني على تقدير التقدير لعدم ذكر اسم الله تعالى.\n﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ﴾؛ أي (^٤): لَيُوَسْوِسُونَ ﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ من المشركين ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم المنقول فيما سبق، وهو يؤيِّدُ التَّأويلَ بالميتة.\n﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال ما حُرِّمَ ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأنَّ مَنِ اتَّبع غيرَ الله تعالى في دينه فقد أشرك، جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ (^٥) قبل الشرط سادٌّ مسدَّ جوابه؛ أي: والله.\nوقيل: حُذف الفاء لدخول الشرط على الماضي، ورُدَّ بأنَّه يقع ضرورةً فلا تكون في القرآن.\n_________\n(^١) رواه أبو داود في \"المراسيل\" (٣٧٨) عن الصلت السدوي، وعلته مع الإرسال جهالة الصلت كما ذكر ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\"، ورواه الحارث ابن أبي أسامة كما في \"بغية الباحث\" (١/ ٤٧٨ - ٤٧٩) عن راشد بن سعد. قال البوصيري في \"إتحاف الخيرة\" (٥/ ٢٨١): هذا إسناد مرسل ضعيف. وانظر: \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ١٨٣).\n(^٢) في النسخ جميعها: \"أولاه\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٠).\n(^٣) \"لقوله\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٤) \"أي\": ليست في (م) و(ك).\n(^٥) في (م) و(ك): \"القسم المقدر\".","vol":"3","page":409},{"text":"<span id=\"aya-911\"> </span>(١٢٢) - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدَّرٍ دلَّ عليه ما قبله؛ أي: هل يكون المهتدي كالضَّالِّ ومَنْ كان ميتًا فأحييناه.؟\nوقرئ: ﴿مَيْتًا﴾ على الأصل (^١).\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ﴾ إنما زاد: ﴿فِي النَّاسِ﴾ تقويةً للنُّور؛ فإنَّ المشي بينهم يعجز عنه مَنْ (^٢) في نور بصره ضعفٌ.\n﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾: صفتُه، وهو مبتدأ خبره: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ على سبيل الحكاية، يعني: أنَّه إذا وُصف يقال له ذلك، والجملة صلة (^٣) (مَن)؛ أي: كمَن صفته هذه، وقوله:\n﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ حالٌ من المستكنِّ في الظَّرف، والعاملُ معنى (^٤) الاستقرار، لا مِن البارز في ﴿مَثَلُهُ﴾ للفصل.\nوهو مَثَلٌ لمَن بقي في الضَّلالة (^٥) لا يفارقها بحال، وما سبق مَثَلٌ لمَن هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال (^٦)، وجَعل له نورَ البصيرة يميِّز به بين الحق والباطل بالتَّأمُّل\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٢) في النسخ جميعها: \"ما\"، ولعل الصواب المثبت.\n(^٣) في (م) و(ك): \"صفة\".\n(^٤) في (ف): \"يعنى\".\n(^٥) في هامش (ف): \"من قال: على الضلالة، كأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]. منه\".\n(^٦) \"لا يفارقها بحال وما سبق مثل لمن هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال\" سقط من (ك).","vol":"3","page":410},{"text":"في الآيات والبيِّنات، وكلاهما من قَبيل الاستعارة التَّمثيلية؛ إذ لا ذكر للمشبَّه صريحًا، ولا دلالة بحيث (^١) ينافي الاستعارة، وهذا كما تقول في الاستعارة الإفرادية: أيكون الأسد كالثعلب؟ أي: الشَّجاعُ كالجبان (^٢)؟.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثْلَ ذلك التَّزيين، والإشارةُ إلى ما في قوله: ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، أو قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].\n﴿زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والآية نزلت في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمر أو عمَّار ﵄ وأبي جهل (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-912\"> </span>(١٢٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلنا في مكَّة أكابر مجريها ليمكروا فيها ﴿جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى: صيَّرنا، ومفعوله (^٤) الأول ﴿أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾، و﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مفعولُها الثاني. ويجوز أن يكون ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ ظرفًا لغوًا، والمفعولُ الثاني ﴿لِيَمْكُرُوا﴾ على أنَّ الجَعْلَ بمعنى التَّمكين (^٥). و﴿أَكَابِرَ﴾ على هذين الوجهين مضاف إلى مُجْرِمِيهَا﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"حيث\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"كالمحتال\".\n(^٣) انظر ما ورد من روايات في الأسباب المذكورة في \"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٣٣ - ٥٣٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٤/ ١٣٨١)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٢٤)، و\"الدر المنثور\" (٣/ ٣٥٢).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"ومفعولها\".\n(^٥) في هامش (ف): \"ومن وهم أن الجعل على كلا الوجهين بمعنى التمكين فقد وهم. منه\".","vol":"3","page":411},{"text":"وأجاز أبو البقاء أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ بدلًا من ﴿أَكَابِرَ﴾ (^١).\nوأجاز ابن عطية أن يكون ﴿مُجْرِمِيهَا﴾ المفعولَ الأوَّل، و﴿أَكَابِرَ﴾ المفعولَ الثانيَ، والجَعْلُ بمعنى التَّصيير، أو بمعنى التَّمكين، على أن يكون الكلام من قبيل: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] (^٢).\nويردُّهما أنَّ أفعل التفضيل إذا كان بـ (مِن) (^٣) ملفوظًا بها أو مقدَّرًا أو مضافًا إلى نكرة، كان مفردًا مذكَّرًا دائمًا، سواءٌ كان لمذكَّرٍ أو مؤنَّثٍ، مفردٍ أو مثنًّى أو مجموعٍ، فإذا أنِّث أو ثُنِّيَ أو جُمِعَ طابَقَ ما هو له في ذلك، ولزمه أحد الأمرين: إما الألف واللام، أو الإضافة إلى معرفة، وعلى الوجهين المذكورين يلزم أن يبقى ﴿أَكَابِرَ﴾ مجموعًا، وليس فيه الألف واللام، ولا هو مضافٌ إلى معرفة، واللازم باطل (^٤).\nوتخصيص الأكابر (^٥) لأنَّهم أقوى على استتباع الناس في المكر بهم.\nوقرئ: (أكبر مجرميها) (^٦)، وعلى هذه القراءة يمكن تمشية الوجهين المردودين على القراءة السابقة.\n﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لأن وباله يحيق بهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.\n_________\n(^١) انظر: \"الإملاء\" (ص: ٥٣٦).\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٤١).\n(^٣) في (ف) و(ح): \"من من\".\n(^٤) انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٣٨٤)، وتعقبه الشهاب في \"حاشيته على البيضاوي\" (٤/ ١٢٢).\n(^٥) \"وليس فيه الألف واللام ولا هو مضاف إلى معرفة واللازم باطل وتخصيص الأكابر\" سقط من (ك).\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٣)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٣٨٥).","vol":"3","page":412},{"text":"<span id=\"aya-913\"> </span>(١٢٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ﴾؛ أي: بتلك الآية ﴿حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ لم يقولوا: مثل ما أوتي محمَّد؛ لأنهم كانوا في مقام الإنكار لذلك، وفيما روي أنَّ أبا جهل قال: زاحمْنا بني عبد مناف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منَّا نبيٌّ يُوحَى إليه، والله لا نرضى به ولا نتَّبعه إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت (^١).\nقولُه: (كما يأتيه) لا يناسب النكتة المذكورة (^٢)، وعلى صحَّة ما روي الجمعُ في (قالوا) لأن مَنْ تبعَه من (^٣) قريش رضُوا بقوله، فنُزِّلوا منزلةَ القائلين.\n﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ استئناف للردِّ عليهم بأنَّ النُّبوَّةَ ليسَتْ بكبر النَّفس ولا بالمال والجاه، إنَّما هي لخصائصَ (^٤) يخصُّ الله تعالى بها مَن يشاء من عباده، وَيصطفي بها مَن يعلم أنَّه يصلح لها، وهو يعلم بالمحل الذي يضعُها فيه.\nفناصب ﴿حيث يعلم﴾ محذوفٌ مدلول (^٥) عليه بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، لا به؛ لأن أفعل التفضيل لا يعمل في المفعول به، ﴿حَيْثُ﴾ هاهنا مفعولٌ به (^٦)؛ لِمَا عرفتَ أن\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ١٧٨)، و\"زاد المسير\" (٣/ ١١٨). والخبر أيضًا في \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ١٥٧)، ونحوه في \"معجم الطبراني\" (٢٤/ ٣٤٧).\n(^٢) \"المذكورة\" من (م) و(ك).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"في\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"بخصائص\".\n(^٥) في (م) و(ك): \"محذوفًا مدلولًا\".\n(^٦) في هامش (ف): \"صرح بذلك في \"مغني اللبيب\"، وفيه رد لاعتراض سعد الدين بأن فيه إخراجَ =","vol":"3","page":413},{"text":"المعنى: أنَّه تعالى يعلم نفس المحلِّ المستحِقِّ لوضع الرِّسالة فيه لأشياء في (^١) المحل.\nوقرئ: ﴿رِسَالَاتِهُ﴾ (^٢).\n﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ من أكابرها ﴿صَغَارٌ﴾: هوان وحقارةٌ (^٣) بعد كِبْرِهم وعظمتهم مكانَ ما يفترون من عزِّ (^٤) النُّبوَّة وحشمة الرِّسالة، وفيه دلالةٌ على أنَّ المجرم يستحقُّ الذُّلَّ والهوان، وأنَّ الرُّسل إنما فازوا بتلك العزَّة لعصمتهم (^٥) عن الجرائم.\n﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يوم القيامة، وقيل: تقديره: من عند الله، ويأباه الفصل به (^٦) بين الصَّغار والعذاب؛ لأن كلاهما من عند (^٧) الله تعالى.\nويمكن أن يُقال: إنه من قَبيلِ الفصل بين المعطوفين بما له تعلُّق بهما، ويأتي نظيره في هذه السورة.\n﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدَّارين من القتلِ والأسْرِ وعذابِ النَّارِ.\n﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾: بسبب مكرهم، أو جزاء عليه.\n_________\n= (حيث) عن الظرفية. منه\".\n(^١) في (م): \"فيه لا يتنافى\"، وفي (ك): \"فيه لا تنافي\".\n(^٢) قرأ ابن كثير وحفص: ﴿رِسَالَتَهُ﴾، والباقون بالجمع وكسر التاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"وحقار\"، وفي (ك): \"وحقرة\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"مكان ما يقترفون من غير\".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"بتلك بعصمتهم\".\n(^٦) \"به\" من (م).\n(^٧) في (ف) و(ح): \"من عذاب\".","vol":"3","page":414},{"text":"<span id=\"aya-914\"> </span>(١٢٥) - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾: يوفقَه للإيمان، ويعرِّفَه طريق الحقِّ (^١).\n﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ شرح الصَّدر وتوسيعه كنايةٌ عن تنويرِ الباطن وتصفية الاستعداد (^٢) عمَّا ينافي قَبول الحقِّ من ظلمات الشُّكوك والشُّبَه، فيصدق الرَّغبةَ في الإيمان.\n﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أي: يخذلَه ولا يوفِّقَه.\n﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد (^٣).\nضِيْقُ الصدر كنايةٌ عمَّن (^٤) يكدِّر الباطن، ويزيل الاستعداد، ويُميل النَّفس إلى الشَّهوات، فينبو (^٥) عن الحقِّ، وينقبضُ عنه فلا يقبله.\n﴿حَرَجًا﴾: شديد الضيق، وقرئ بفتح الراء (^٦) وصفًا بالمصدر.\n﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ مثَلٌ لمن يزاولُ أمرًا ممتنعًا لا تَسَعه (^٧) قدرته؛ لأن\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"يعني: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾. منه\".\n(^٢) في (ف): \"وتصفيته للاستعداد\".\n(^٣) قرأ جمهور السبعة: ﴿ضَيِّقًا﴾ بتشديد الياء، وابن كثير بتخفيفها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٤) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (عما).\n(^٥) في (م) و(ك): \"فيتبرأ\".\n(^٦) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الراء، والباقون بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٧) في (ك): \"بسعة\".","vol":"3","page":415},{"text":"صعود الإنسان إلى السماء أمرٌ خارج عن طوقه العاديِّ، وقيل لمن ينبو عن الشيء ويتباعد مبالغًا في الهرب منه والتَّجافي (^١).\nوأصل ﴿يَصَّعَّدُ﴾: يَتَصعَّد، وقد قرئ به (^٢)، وقرئ: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ من صَعِد (^٣)، و(يُصْعِدُ) من أَصْعَدَ (^٤)، و﴿يَصَّاعَدُ﴾ بمعنى يتصاعد (^٥).\nومعنى ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: في مدارج السَّماء، وهذا أبلغ من: إلى السماء.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي (^٦): مِثْلَ ذلك التَّضييق ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾: العذاب، أو الخذلان، أو الفعل المؤدِّي إلى العذاب.\n﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وضع المُظهَر (^٧) موضع المُضمَر للتَّعليل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-915\"> </span>(١٢٦) - ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.\n_________\n(^١) وفي هذا النصّ معجزة من أبلغ المعجزات القرآنية، وذلك أنه تبيّن في عصرنا أنّ الضغط الجوي يخف كلما ارتفع الإنسان في الجو حتى يتلاشى، وأن الإنسان كلما صعد في السماء ضاق صدره حتى يصل لدرجة الاختناق. وحينما تركبُ الطائرةَ لا تشعرُ بشيء مِن هذا القبيلِ؛ لأنّ أجهزةَ الطائرةِ قد ضَغَطَت الهواءَ ثمانيةَ أمثالٍ، ليكونَ الضغطُ الجويُّ ونسبةُ الأكسجين موافقةً لِمَا هي عليه في سطحِ الأرض، فلو تعطلتْ أجهزةُ الضغط فجأةً في الجوِّ فسوف يموت الرُّكابُ إن لم تهبط الطائرة.\n(^٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٢).\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٤).\n(^٥) وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٧).\n(^٦) \"أي\": ليست في (م) و(ك).\n(^٧) في (م) و(ك): \"الظاهر\".","vol":"3","page":416},{"text":"﴿وَهَذَا﴾؛ أي: الإسلام، أو ما ذكر من التَّوفيق والخذلان ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾: طريقُه الذي ارتضاه، أو طريقه الذي اقتضته حكمته.\n﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عوج فيه، ولا ميل إلى شيء من الجوانب، أو عادلًا مطَّردًا، وهو (^١) حالٌ مؤكِّدةٌ؛ لأنَّ صراطه تعالى لا يكون إلَّا مستقيمًا، والعامل فيه (^٢) معنى الإشارة.\n﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ ليعلموا (^٣) أنَّه القادرُ على ما يشاء، وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ بقضائه وقَدَره، وأنَّه عالمٌ بأحوال العباد، عادلٌ فيما يفعل (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-916\"> </span>(١٢٧) - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ﴾ إضافةُ الدَّار إن كانت إلى السَّلام الذي هو اسم من أسماء الله تعالى فتعظيم ورفع من شأنها، وإشارةٌ إلى أنها دارٌ لا نقص فيها ولا آفَةَ ولا عيب، وإلَّا فبمعنى السَّلامة من المكاره، أو: دارٌ تحيَّتُهم فيها سلام.\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في نُزُلِهِ وضِيافَتِه، كما نقولُ: نحن اليوم عند فلان؛ أي: في كرامته وضيافته، ويحتمِل أن يكون قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ فيما سبقَ من قوله تعالى: ﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ بهذا المعنى على التهكُّم، وقيل: في ضمانه، كقولك: له عندي حقٌّ.\n﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: محبُّهم، أو: ناصرهم (^٥) على أعدائهم\n_________\n(^١) \"وهو\" من (م) و(ك).\n(^٢) في (م) و(ك): \"فيها\"، والحال تذكر وتؤنث.\n(^٣) في (م) و(ك): \"فيعلمون\".\n(^٤) في (م) و(ك) زيادة: \"بهم\".\n(^٥) في (م) و(ك): \"وناصرهم\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٤)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٤٣٠).","vol":"3","page":417},{"text":"﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بسبب أعمالهم، أو متولِّيهم بجزائها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-917\"> </span>(١٢٨) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ منصوبٌ بإضمار: نقول، أو قائلين ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ وهذا أولى من إضمار اذكر مفعولًا به (^١)؛ لخروجه عن الظَّرفية، والحاجةِ إلى تقدير القول في ربط ما بعده، والضمير لمن يُحشَرُ من الثَّقلين (^٢).\nوقرئ: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء (^٣).\nوالمراد من الجن: الشياطين.\n﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾: من إغوائهم، أو: منهم بأن جعلتُموهم أتباعَكم فحشروا معكم، يقال: استكثر الأمير من الجند (^٤).\n﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهم: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ استمتع الإنسُ بالجنِّ لدلالتهم على شهواتهم، وما يُتوصَّل به إليها من الحِيَل،\n_________\n(^١) أي: من نصب اليوم مفعولا به بفعل مضمر هو: اذكر. انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٣٩٧).\n(^٢) في هامش (ف): \"قال الليث: المعشر كل جماعة أمرهم واحد نحو معشر المسلمين من التهذيب. منه\".\n(^٣) وهي قراءة حفص، وقرأ الباقون: (نحشرهم). انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٧). ووقع في النسخ جميعها: \"يحشر\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"الجنود\".","vol":"3","page":418},{"text":"واستمتع (^١) الجن بالإنس لطاعتهم ومساعدتهم على مرادهم وما يشتهون من إغوائهم.\nوقيل: استمتاع الإنس بهم ما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، واستمتاع الجن بهم اعترافُهم للجن (^٢) بأنهم يقدرون على الدَّفع عنهم وإجارتهم لهم.\n﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾؛ أي: البعثَ، وهو اعتراف منهم بطاعة الشيطان (^٣) في الدُّنيا، والتَكذيبِ بالبعث، وتحسُّر على حالهم.\n﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾: منزلُكم، أو: ذاتُ مثواكم (^٤).\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالٌ، عاملُها ﴿مَثْوَاكُمْ﴾ إنْ جُعل مصدرًا، ومعنى الإضافة إن جُعل مكانًا.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من عصاة المؤمنين، واستعمال (ما) في ذوي العقول شائع، كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، وفي قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣].\nأو: من الأوقات التي يخرجون فيها من النَّار، وهو ما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، مِنْ أنَّه يُفتَح لهم وهم في النَّار بابٌ إلى الجنَّة،\n_________\n(^١) في (ك): \"واستمتاع\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"بالجن\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"الشياطين\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"منزلكم\".","vol":"3","page":419},{"text":"فيُسْرِعون نحوه، فإذا صاروا إليه (^١) سُدَّ عليهم الباب، وذلك قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤].\nوقيل: من الأوقات التي يُنقَلون فيها من النَّار إلى الزَّمهرير. وفيه من الحاجة إلى صرف النار من (^٢) معناها العلمي إلى معناها (^٣) اللغوي.\nوقيل: إلا ما شاء الله (^٤) قبل الدَّخول.\nولا وجه له؛ لأنَّ حكمَ الخلود والأبد بعد الدُّخول، ومن (^٥) جهة المنتهَى لا من جهة المبتدأ (^٦).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالِ عباده وأحوالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-918\"> </span>(١٢٩) - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ما فعلْنا من تمكين الجنِّ من إغواء الإنس ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾؛ أي: نجعلُ بعضَ الظَّالمين واليًا على بعضٍ يسخِّرونهم ويُغوونهم (^٧)،\n_________\n(^١) \"إليه\": ليست في (م) و(ك).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"عن\". ووقع في (ك): \"إلى حرف\"، مكان: \"إلى صرف النار\".\n(^٣) \"معناها\" من (م). والمراد بالمعنى العلمي: أنها دار العذاب. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٤٣٧).\n(^٤) اسم الجلالة غير موجود في (ك).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"من\" دون واو.\n(^٦) وقعت العبارة في (ك) هكذا: \"ولا وجه له؛ لأنَّ صرفَ النَّار عن حكمِ الخلود والأبد بعد الدُّخول، ومن جهة المنتهى لا من جهة المبدأ\".\n(^٧) في (م): \"ويعدونهم\".","vol":"3","page":420},{"text":"أو: نجعل بعضَهم يتولَّى بعضًا يغويهم، أو: نجعل بعضهم أولياءَ بعض وقرناءَهم يوم القيامة كما كانوا في الدُّنيا.\n﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-919\"> </span>(١٣٠) - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ لأنَّ الخطابَ للتَّوبيخ.\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾: مِنْ جُملتكم، وهم رسل الإنس.\nعن الكلبي: كانت الرُّسل قبل نبيِّنا ﷺ يُبعثون إلى الإنس، وهو ﵇ بُعِثَ إلى الثَّقلَيْن (^١).\nوقيل: من الجنِّ أيضًا رسُل، ولا دلالة في الآية على ذلك؛ إذ لم يقل: (رسل منكما) حتى يحتاج القول الأوَّل إلى التأويل بمثل ما ذُكِرَ في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢].\n﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ يعني: يوم القيامة.\n﴿قَالُوا﴾ جوابًا: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ بالجُرْمِ والعصيان، أرادوا شهادتهم عند وفاتهم، على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٣٧]، ولذلك قالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ بلفظ الماضي.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٦)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٤٠٧).","vol":"3","page":421},{"text":"﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ذمّ لهم، وتخطئةٌ لرأيهم، وتحذيرٌ لمن سمع للاتِّعاظ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-920\"> </span>(١٣١) - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من إرسال الرُّسل وإنذارِهم، وهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك.\n﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ تعليلٌ، و﴿أَنْ﴾ هي الناصبة للأفعال؛ أي: لئلا يكون، أو المخفَّفة من الثَّقيلة؛ أي: لأنَّ الشَّأنَ والحديثَ لم يكن ربُّك مهلك القرى، ويجوز أن يكونَ بدلًا من ﴿ذَلِكَ﴾ كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر: ٦٦]، وأن يكون خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: إرسالُ الرسل والإنذار لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم.\nوالباء للسببية؛ أي: بسبب ظلم (^١)، أو ﴿بِظُلْمٍ﴾ حال؛ أي: مُلْتبسين بظلم؛ يعني: أنَّه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبَّهوا برسولٍ وكتابٍ لكان ظلمًا، وهو تعالى مُنزَّه عن الظُّلم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-921\"> </span>(١٣٢) - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أي: ولكلِّ عاملٍ بطاعة أو معصية ﴿دَرَجَاتٌ﴾؛ أي: مراتبُ في الجزاء.\n_________\n(^١) فالجار متعلق بـ ﴿مُهْلِكَ﴾. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٤٤٢).","vol":"3","page":422},{"text":"﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾: من أجل أعمالهم بحسَبها، فالمحسِن في رَوح الثَّواب متنعِّمٌ، والمسيء في نَوح العقاب متألِّمٌ.\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرئ بياء الغائبة ردًّا على الآية التي قبلها، وبتاء المخاطبة (^١) ردًّا على قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠].\nوالمعنى: وما ربك بغافل عمَّا يعملون من المعاصي، ولكن يؤخِّر تعذيبَهم رحمةً منه، كما قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢]، أو: إنَّه تعالى على علمٍ بأعمالهم خلَقهم لا عن جهل.\nلما أنَّ ضررَ أعمالهم يرجع إليهم لا إليه تعلَّق أبو يوسف ومحمَّد بظاهره في أنَّ الجنَّ لهم ثواب، وأبو حنيفة ذهب إلى التَّخصيص، والقراءة بتاء المخاطبة تشهد لهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-922\"> </span>(١٣٣) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.\n﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ فلا ينتفعُ بالطَّاعة ولا يتضرَّرُ بالمعصية، فليسَ التَّكليفُ لمصلحةِ نفسه، بل لتكميلهم وتبليغهم (^٢) إلى الدَّرجات والكمال.\n﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا يُعاجل بالعقوبة، بل يُمهلهم عسى أن يتداركوا ما فاتهم.\nأخبر بالأوَّل عن جلاله، وبالثَّاني عن إفضاله، فهم (^٣) في سماع هذه الآية بين\n_________\n(^١) قرأ ابن عامر بالتاء، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٢) \"وتبليغهم \"من (م) و(ك).\n(^٣) \"فهم \"سقط من (ف) و(ح).","vol":"3","page":423},{"text":"احتياجٍ وارتياحٍ، وهذا تكملةٌ لِمَا قبلَه من إرسال الرُّسل للرَّحمة عليهم لا لانتفاعه بطاعتهم، وتأسيسٌ لِمَا بعدَه مِنْ قوله (^١):\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العصاة؛ أي: لغناه عنكم.\n﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ من الخلق المطيع، لكنَّه أبقاكم ترحُّمًا عليكم.\n﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أي: مِنْ نسلِ قومٍ كانوا قبلَكم.\nوقيل: ﴿مِنْ﴾ للبدل؛ كما يقال: أعطيتك من دينارٍ ثوبًا؛ أي: أنشأكم بدلًا منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-923\"> </span>(١٣٤) - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.\n﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ من البعث وأحواله ﴿لَآتٍ﴾: لكائن لا محالة ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين طالبَكم به؛ أي: يدرككم حيثما كنتم، يقال: قصدت فلانًا فأعجَزَني؛ أي: سبقني ففاتني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-924\"> </span>(١٣٥) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ المكانة: مصدر مَكُنَ مكانةً: إذا تمكَّن أبلغَ التَّمكُّن، وقد يكون بمعنى المكان، يقال: مكان ومكانة، كما يقال: مقام ومقامة، أي: على غاية تمكُّنكم وأقصى استطاعتكم، أو: على مقامكم وحالتكم التي أنتم عليها\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"قصصه \".","vol":"3","page":424},{"text":"مِنْ كفركم وعداوتكم لي، يقال (^١) للرجل: أثبت على مكانتك؛ أي: أثبت على ما أنت عليه من حالٍ، ولا تنحرف عنه.\nوقرئ: ﴿مَكَانَتِكُمْ﴾ على الجمع (^٢).\n﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾: فاعلٌ على قدرتي واستطاعتي (^٣)، أو: على مقامي وحالي في الإسلام والمصابرة معكم، فحُذِفَ (^٤) للاختصار والمبالغة في الوعيد، وللإشعارِ (^٥) بأنه حالة لا تقف؛ فإنَّه تعالى يزيده (^٦) على مرِّ الأيام قوَّةً ونصرة.\nومعنى الآية على الأوَّل: إظهارُ التَّجلُّد للعدوِّ وعدمِ المبالاة به (^٧)، غاية الوثوق بحفظ الله تعالى، والاعتماد على نصرته؛ أي: لا تبغوا عليَّ وأنفذوا وسعكم في عداوتي فإنِّي فاعل بكم ما أقدر عليه، وهذا غايةٌ في التَّهديد، وتعجيزِ الخصم (^٨).\nوعلى الثاني: التخليَةُ، والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلَّا الشَّرُّ، فكأنَّه مأمورٌ به واجبٌ عليه ذلك لا يسعه خلافُه والإعراض عنه بالكليَّة، والإشعارُ بأنه لا مطمَع (^٩) في خيره؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وعداوتكم لما يقال\".\n(^٢) قرأ بها أبو بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٧).\n(^٣) في (م): \"أو استطاعتي\".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"فحذفا\".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"والإشعار\".\n(^٦) في النسخ جميعها: \"يزيد\"، والصواب المثبت. وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٤٣).\n(^٧) \"به \"سقط من (م) و(ك).\n(^٨) (في (ح) و(ف): \"الخصم\".\n(^٩) في (ك) و(م): \"مطيع \".","vol":"3","page":425},{"text":"﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ﴿مَنْ﴾ إمَّا استفهامية عُلِّقَ عنها الفعل، ومحلُّها الرَّفع على الابتداء، ما بعده خبره؛ أي: فسوف تعلمون (^١) أيُّنا تكون له العاقبةُ المحمودة التي لها هذه الدَّار. وإمَّا موصولةٌ محلُّها النَّصب على المفعوليَّة؛ أي: فسوف تعرفون الذي يكون له العاقبة، وعيدٌ وإنذارٌ لطيف المسلَك مع مراعاة حُسْنِ الأدب، والإنصافِ للخصم في القول عند الوثوق بسوء عاقبته وحُسْنِ عاقبة المُوْعِد، وكذا قوله:\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ إشعارٌ بظلم المخاطَبين، وأنَّ ظلمهم سببُ (^٢) امتناع فلاحهم، مع حسن العبارة، وإرخاء العنان، والمسامحة، والإيهام بأني إنْ كنْتُ أنا الظَّالمَ فلا فلاحَ لي، ولهذا ذكر الظُّلمَ دون الكفر، ثم بيَّنَ ظلمهم وكفرهم في الآية بعدها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-925\"> </span>(١٣٦) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلُوا﴾؛ أي: مشركو العرب ﴿لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ﴾: خلَق، فيه إيماء إلى أنهم يرجِّحون ما لم يخلق شيئًا ولم يقدِرعلى شيء على مَنْ خلقَ أشياءَ (^٣)، فيُؤْثِرونه عليه بما خلقها وزكَّاها جهالةً، وكان العكس أولى (^٤)، ولهذا قال: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"فستعلمون\".\n(^٢) في (ك): \"بسبب\"، وهو خطأ لأنَّه يقلب المعنى ويفيد عكس المراد.\n(^٣) \"على من خلق أشياء\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٤) أي: هم من فرط جهالتهم أشركوا الخالق في خلقه جمادًا لا يقدر على شيء، ثم رجحوه عليه بأن=","vol":"3","page":426},{"text":"﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ لم يذكر هنا نصيبَ الشُّركاء إيجازًا واكتفاءً بذكره في التفصيل الآتي، وإيماءً إلى جهالتهم بأنهم جعلوا لمن له الكل نصيبًا مما (^١) خلقه، وأنَّ التَّسوية شيء لا يليق بالأدب التَّلفظُ به مراعاةً للحشمة.\n﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ وقرئ بضم الزاي (^٢)، وهي لغةٌ فيه، وهو الظنُّ الخطأ، وقد جاء فيه الكسر أيضًا (^٣)، كَالْودِّ، وفيه تنبيا على أن ذلك من جهالاتهم وشرعِهم ما لم يأذن به الله تعالى.\n﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ﴾ كانوا يعيِّنون من حرثهم ونتاجهم نصيبًا لله تعالى ونصيبًا لآلهتهم، فإذا رأوا ما عيَّنوه لله تعالى أزكى رجعوا وجعلوه لآلهتهم، وإن (^٤) رأوا ما عيَّنوه لآلهتهم أزكى تركوه (^٥) لها، معلِّلين بأنَّ الله تعالى غنيٌّ، وإنما فعلوا ذلك حبًّا لآلهتهم وإيثارًا لها.\n﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مصدرَّية، و﴿سَاءَ﴾ متعدِّية حُذف مفعولها لدلالة المعنى، تقديره: ساءهم حكمهم، أي: جلب لهم السوء.\n_________\n= جعلوا ما خلقه الخالق وزكاه لهذا الجماد الذي لا يخلق شيئا، والله سبحانه كان أولى بأن يجعل له الزاكي؛ لأنَّه هو الذي ذرأه وزكاه. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٤).\n(^١) في (ح) و(ف): \"بما\".\n(^٢) قرأ بها الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٦).\n(^٣) ولم يقرأ به؛ قال الفراء في \"معاني القرآن\" (١/ ٣٥٦): (ثلاث لغات، ولم يقرأ بكسر الزاي أحد نعلمه)، وقال في \"البحر المحيط\" (٩/ ٤١٩): \"والكسر لغة لبعض قيس وتميم، ولم يقرأ به \".\n(^٤) في (م) و(ك): \"وإذا\".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"يتركوه\".","vol":"3","page":427},{"text":"<span id=\"aya-926\"> </span>(١٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك التَّزيين، والإشارةُ إلى مضمون قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآية، أو إلى نفس هذا التَّزيين الذي هو تزيين قتل (^١) الأولاد، وقد مرَّ مثلُ هذا.\n﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ﴾ بالوأد، وبنحرهم لآلهتهم.\n﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ من الجنِّ أو من السَّدَنة.\nقرئ: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للفاعل وهو ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ ونصبِ ﴿قَتْلَ﴾ (^٢)، وعلى البناء للمفعول وهو (قتلُ)، ورفع ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ (^٣) بإضمار فعل دلَّ عليه المذكور، كأنه قيل: مَنْ زيَّنه؛ فقيل: زَّينه شركاؤهم.\nوأما قراءة ابن عامر: ﴿زَيَّنَ﴾ على البناء للمفعول، وهو القتل، ونصبِ الأولاد، وجرِّ الشُّركاء (^٤) على إضافة القتل إليه، والفصلِ بينهما بغير الظَّرف، فقد رُدَّتْ (^٥) بأن ذلك غير مقبولٍ في مقام الضَّرورة كما في قوله:\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"ومثل ذلك التزيين قتل\".\n(^٢) وهي قراءة جمهور السبعة ما عدا ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٧).\n(^٣) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١).\n(^٤) انظر: \"التيسير\" (ص: ٤١).\n(^٥) في (ف) و(ح): \"فقدرت\".","vol":"3","page":428},{"text":"زجَّ القَلوصَ أبي مزادة (^١)\nفكيف به في غيره (^٢)؟\nلكنَّه مردودٌ؛ لأنَّه مختلفٌ فيه بين النَّحويين على ما ذكره أبو حيَّان (^٣)، ووقوعه في قراءة متواترة دلَّ على الصِّحة؛ لأنَّ العربيَّة تثبت بالقرآن، وفَهمُ العكس مِن عكس\n_________\n(^١) صدره:\nفزججتها بمزجَّة\nوهو بلا نسبة في \"الكتاب \" (١/ ١٧٦)، و\"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ١٦٩)، و\"الخصائص\" لابن جني (٢/ ٤٠٦)، وقال البغدادي في \"خزانة الأدب\" (٤/ ٤١٥): قال ابن خلف: هذا البيت يروى لبعض المدنيين المولدين. وذكر في شرحه: (زج القلوص)؛ أي: زجًّا مثل زج القلوص، والقلوص: الناقة الشابة، والزَّج: الطعن بالزُّج، وهي الحديدة التي في أسفل الرمح.\n(^٢) هذا الكلام هو بعض ما قاله الزمخشري في رد قراءة ابن عامر، وقد شنع عليه العلماء رده لقراءة متواترة، حتى قال أبو حيان: اعْجَبْ لعجمي ضعيف في النحو يرد على عربي صريح محضٍ قراءةً متواترة … واعجب من سوء ظن هذا الرجل بالقراء الأئمة الذين تخيرتهم هذه الأمة لنقل كتاب الله شرقا وغربا .. إلى آخر ما قال.\nوكان الآلوسي ﵀ أكثر شدة في الرد حيث قال: وقد ركب في هذا الكلام عمياء وتاه في تيهاء، فقد تخيل أن القراء أئمةَ الوجوه السبعة اختار كل منهم حرفا قرأ به اجتهادا لا نقلًا وسماعًا كما ذهب إليه بعض الجهلة، فلذلك غلط ابن عامر في قراءته هذه وأخذ يبين منشأ غلطه، وهذا غلط صريح يخشى منه الكفر والعياذ بالله تعالى، فإن القراءات السبعة متواترة جملة وتفصيلًا عن أفصح من نطق بالضاد ﷺ، فتغليط شيء منها في معنى تغليط رسول الله ﷺ، بل تغليط الله ﷿، نعوذ بالله سبحانه من ذلك. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٠)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٤٢٣)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٤٥١). والعجب من البيضاوي على إمامته تأثرًا بما ذهب إليه الزمخشري، فقال متابعًا له - كما ذكر الشهاب - في تضعيف هذه القراءة: وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر. انظر \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٤)، و\"حاشية الشهاب \" (٤/ ١٢٨).\n(^٣) انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٤٢٣).","vol":"3","page":429},{"text":"الفهم، ثم إنه لا ضرورة في الشِّعر المذكور كما توهَّم؛ لاستقامة الوزن والقافية بجرِّ (القلوص) ورفع (أبي).\nواعتقاد الضَّعف في مثل تلك القراءة مِنْ ضعف الاعتقاد، مبناه عدمُ الاعتماد على القراءة والطَّعنُ في الإسناد، ولا يخفى ما فيه من الفساد.\n﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: ليُهلكوهم بالإغواء والإضلال، واللامُ للتعليل إن كان التَّزيين من الجنِّ، وللعاقبة (^١) إن كان من السَّدَنة.\n﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾: وليخلطوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ وهو ما كان عليه في الأصل من دين إسماعيل ﵇، أو دينهم الذي وجبَ عليهم أنْ يَتدينوا به (^٢).\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ أي: ما فعل المشركون [ما زُين لهم من القتل]، أو: ما فعل الشياطين أو السَّدنةُ (^٣) التزيينَ أو الإرداءَ (^٤) أو اللبسَ، والأَولى أن يجري الضمير مجرى اسم الإشارة فيُرادَ (^٥) به الجمع.\n﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: وافتراءَهم، أو: الذي يفترونَ من الإفك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-927\"> </span>(١٣٨) - ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"والعاقبة\".\n(^٢) في (ح): \"يتدينوا\"، وفي (ف): \"يدينوا\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"والسدنة\".\n(^٤) في (ح): \"الازدراء\"، وفي (ك): \"الأولاد\"، وفي (م): \"الأوداء\"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٠)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٤٥٣)، وما بين معكوفتين منهما.\n(^٥) في (م) و(ك): \"ويراد\".","vol":"3","page":430},{"text":"﴿وَقَالُوا هَذِهِ﴾ إشارة إلى ما جُعل ﴿أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: حرامٌ، مِنَ الحَجْرِ، وهو المنع، فِعْلٌ بمعنى مَفعولٍ (^١)، كالذِّبح، ويستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، والواحد والكثير؛ لأنَّ حكمَه حكمُ الأسماء لا الصِّفات.\nوقرئ: (حُجْرٌ) بالضم (^٢).\nوعن ابن عباس: (حِرْجٌ) (^٣)؛ أي: ضيق.\n﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ يعني: خدمَ الأوثان، أو الرِّجالَ دون النِّساء.\n﴿بِزَعْمِهِمْ﴾، أي: قولِهم الباطل.\n﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب والحوامي.\n﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ في الذَّبح، وإنما يذكرون عليها أسماء أصنامِهم.\nوقيل: لا يحجُّون ولا يلبُّون على ظهورها.\nأي: قسموا أنعامهم أجناسًا بهواهم؛ فقالوا: هذه حِجْر، وهذه محرَّمة الظَّهر، وهذه لا يذكر عليها اسم الله تعالى.\n﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾؛ أي (^٤): نَسبوا ذلك التَّجنيس إلى الله تعالى افتراءً عليه، نصبٌ على المفعول له، أو حال؛ أي: مفترِين على الله تعالى، أو مصدر مؤكِّد؛\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"المفعول\".\n(^٢) نسبت للحسن وقتادة. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٩٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧١).\n(^٣) بكسر الحاء وتقديم الراء على الجيم. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٣١)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧١)، و\"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٧٩).\n(^٤) \"أي\" من (م) و(ك).","vol":"3","page":431},{"text":"لأن تقوُّلهم (^١) ذلك محضُ افتراء (^٢)، والجارُّ متعلق بـ (قالوا).\n﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: بسببه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-928\"> </span>(١٣٩) - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾؛ يعني: ما في بطون هذه البحائر - ونحوِها - من الأجنَّة، وفي قول ابن عباس والشَّعبي ﵁: هي اللبن (^٣)، ويأباه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾.\n﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: حلال للذُّكور خاصَّة لا يشاركهم فيها الإناث، إن ولد حيًّا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾.\nومعنى الاختصاصِ للذُّكور مهمٌّ في المقام؛ لأنَّه قرينةٌ لإرادة الإناث من الازدواج، وهو لا يفاد بعبارة المباح، فلذلك أورد عبارة ﴿خَالِصَةٌ﴾ عليها، مع (^٤) حقِّ المقابلة مع عبارة (محرم) لها.\nوالتَّاء في ﴿خَالِصَةٌ﴾ ليست للتَّأنيثِ، بل يقال في الاسم: خالصٌ وخالصةٌ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"قولهم\".\n(^٢) في (ك): \"الافتراء\".\n(^٣) انظر: \"تفسير مجاهد\" (ص: ٣٢٩)، و\"تفسير الطبري\" (٩/ ٥٨٤ - ٥٨٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٥٢). ووقع في النسخ: \"هي ألبان\"، والمثبت من المصادر المذكورة.\n(^٤) في (ح) و(ف): \"مع أن\".","vol":"3","page":432},{"text":"أو حُمل ﴿خَالِصَةٌ﴾ في التَّأنيث على المعنى؛ لأن ما في بطونهم في معنى الأجنَّة، ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾ على اللَّفظ.\nأو كانت التاء للمبالغة كراوية الشعر.\nأو كان مصدرًا كالعافية (^١) وقعَتْ موقعَ الخالص (^٢)، أي: ذو خالصة، بمعنى: خالص، ويؤيِّده قراءة: (خالصةً) بالنَّصب (^٣)، على أنَّه مصدَرٌ مؤكِّدٌ، والخبر ﴿لِذُكُورِنَا﴾، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير الذي هو فاعل الاستقرار في قوله: ﴿فِي بُطُونِ﴾، لا مِنَ الذي في ﴿لِذُكُورِنَا﴾؛ لأن العامل المعنوي لا يتقدَّم معمولُه عليه، ولا من الذُّكور؛ لأن المجرور لا يتقدَّم عليه حالُه.\nوقرأ ابن عباس ﵄: (خَالِصُهُ) على الإضافة (^٤)، وهو بدلٌ من ﴿مَا﴾، أو مبتدأٌ ثانٍ.\nوفي مصحف عبد الله: (خالصٌ) (^٥). وقرئ: (خالصًا) (^٦).\n﴿عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ لم يقل: (على إناثنا) مع أن المراد من الأزواج الإناث، وهو (^٧)\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"كالعاقبة\"، وكلاهما صواب.\n(^٢) في النسخ: \"موقع النصب\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٥)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٤٥٦).\n(^٣) نسبت للزهري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٣٢).\n(^٥) عزاها في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١) إلى ابن عباس ﵄، وفي \"المحتسب\" (١/ ٢٣٢) إلى ابن مسعود وابن عباس ﵃.\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٣٢).\n(^٧) في (م) و(ك): \"وهي\".","vol":"3","page":433},{"text":"المناسب أن يذكر في مقابلةِ الذكور؛ لأنَّ المقصود الإشارة إلى وجه تحريمها على الإناث - وهو كونهنَّ أزواج الرِّجال في الجملة - لا بيانُ حرمتها على الإناث، فإنها قد فُهِمَتْ مما تقدَّم، ولهذا صدَّره بأداة الوصل، فإنه لو أريد به بيان الحرمة على الإناث لكان حقُّه الفصلَ؛ لِمَا بيْنه وبين ما تقدَّم من (^١) كمال الاتصال.\n﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ الضمير لِمَا في بطونها، وقرئ بالتاء الفوقانية على تأويل الأجنة، وقرأ ابن عامر بها ورفعِ ﴿مَيْتَةً﴾ (^٢) على كان التَّامة، وتذكيرُ الضمير في: ﴿فَهُمْ فِيهِ﴾ لأنَّ الميتة قد تكون ذكرًا فغلِّب، وقرئ بالياء التحتانية ورفع ﴿مَيْتَةً﴾ (^٣).\n﴿شُرَكَاءُ﴾؛ أي: الذكور والإناث فيه سواءٌ.\n﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ الكذب؛ أي: جزاءَ وصفهم الكذبَ على الله تعالى في التحريم والتحليل.\n﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ في جزائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-929\"> </span>(١٤٠) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ يريد بهم العرب الذين يدفنون بناتهم أحياءً،\n_________\n(^١) \"من\" من (ك).\n(^٢) في هامش (ف): \" (ومن وهم أن هذه قراءة ابن كثير حيث نسبها إلى مكة فقد وهم. منه \".\n(^٣) قرأ ابن عامر: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ بالتاء ﴿مَيْتَةً﴾ بالرفع، وابن كثير: ﴿يَكُنْ﴾ بالياء و﴿مَيْتَةً﴾ بالرفع، وأبو بكر عن عاصم: ﴿تكن﴾ بالتاء كابن عامر ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب، وباقي السبعة: ﴿يَكُنْ﴾ بالياء ﴿مَيْتَةً﴾ بالنصب. انظر: \"السبعة في القراءات\" (ص: ٢٧٠)، و\"النشر\" (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).","vol":"3","page":434},{"text":"فبعضهم يفعل ذلك خوف العَيلة والإقتار، وبعضهم خوف السبي والعار، وقرئ: ﴿قَتَلُوا﴾ بالتَّشديد (^١).\n﴿سَفَهًا﴾ مفعول له، والسَّفه: خفَّة الحُلم بالعجلة؛ أي: ما لا ينبغي أن يُعجل إليه.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ أو صفةُ مصدر؛ أي: قتلًا بغير علم، فيه إشارةٌ إلى أن فعلهم ذلك لجهلهم (^٢) بأن الله تعالى هو الرزَّاق والمقدِّر للسَّبي وغيره.\n﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ من البحائر ونحوها.\n﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ قد مرَّ (^٣) وجوه الإعراب في مثله.\n﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق والصواب، وزيادة (كان) للدلالة على الاستمرار؛ أي: استمَروا على عدم الاهتداء، على أن القيد المذكور داخلٌ على (^٤) النَّفي في الاعتبار، وإن كان مدخولًا له (^٥) في الظاهر، وبهذا اندفع وهم القصور والتكرار (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-930\"> </span>(١٤١) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٣).\n(^٢) في (ح) و(ف): \"لجهلهم\".\n(^٣) في (ف): \"قدم \".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"في\".\n(^٥) \"له \"من (م) و(ك).\n(^٦) في هامش (ف): \"اللازم من نفي الاستمرار على الاهتداء وأما لزوم التكرار […] ظاهر. منه \".","vol":"3","page":435},{"text":"أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ﴾ من الكروم ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾: مرفوعاتٍ على دعائم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: متروكات على الأرض.\nوقيل: الأول ما غرسه النَّاس وعرشوه، والثاني ما نبت في الجبال والبوادي (^١)، ولم يغرس.\n﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا﴾ حال مقدَّرة؛ لأنَّه لم يكن كذلك حال الإنشاء ﴿أُكُلُهُ﴾: ثمرُه الذي يؤكل، في الهيئة والكيفيَّة، والضَّمير للنَّخل (^٢)، والزرعُ داخل في حكمه لكونه معطوفًا عليه؛ لأنَّ الأصل أن يطلق الأكُل على الثَّمرة والجناتِ بالحقيقة، فغلِّب فيه الزَّرع. أو للزرع والباقي مَقيس عليه، أو للجميع (^٣) على تأويل: ذلك، أو: كل واحد منهما (^٤).\n﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: يتشابه (^٥) بعض أفرادهما في الكم والكيفية، ولا يتشابه بعضُها.\n﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الضمير لكلِّ واحد ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾ قد كان من المعلوم أنه (^٦)\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"في الجبال في البراري \". وتحتمل (ف): \"البوادي\".\n(^٢) في (ح) و(ف) و(ك): \"والضمير في النخل\"، والمثبت من (م) وهو الصواب.\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"للجمع\"، والمثبت من (ح)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٥).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"منها\".\n(^٥) في (ف): \"يشابه\".\n(^٦) في (ف) و(ح): \"أن\".","vol":"3","page":436},{"text":"لا يُؤْكَل قبل أن يُثمر، ففائدةُ القيد المذكور التَّنبيهُ على أن إباحة الأكل تثبت (^١) قبل الإدراك والإيناع، بخلاف وجوب الحقِّ الشَّرعيِّ المذكور في قوله:\n﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ما يُتصدَّق به وقت الحصاد، وكان ذلك الحقُّ واجبًا حتى نُسِخَتْ بالزَّكاة، وقيل: هو الزَّكاة، والآية مدنية، والظَّرف لـ ﴿حَقَّهُ﴾ ليُعلم أن الوجوب وجوبُه بالإدراك لا بالتَّنقية (^٢)، لا للإيتاء للحاجة إلى التأويل، والتَّوقيتُ في الأوامر حقُه أن يحافظ على ظاهره كيلا يَشتبه (^٣) الموقَّت بالمطلق.\nوقرئ: ﴿حِصَادِه﴾ هو بكسر الحاء (^٤)، وهو لغةٌ فيه.\n﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التَّصدُّق، لا في الأكل، ولذلك اقتصر على نفي المحبَّة عنهم، وقد قيل: إنهم كانوا يعطون شيئًا سوى المقدَّر ويسرفون فيه، فنُهي عنه.\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ الموصوفين بهذه الصِّفة، فإنه من أمارات الممكورين لا المشكورين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-931\"> </span>(١٤٢) - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي (^٥): وأنشأ من الأنعام.\n_________\n(^١) في (م): \"ثبت\". وفي (ك): \"ثبتت\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"بالتبعية\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٥). والمراد بالتنقية: تخليصه من القشر ونحوه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ١٣٠).\n(^٣) في (ك): \"يشتبه\".\n(^٤) قرأ ابن عامر وعاصم وأبو عمرو بفتحها والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٧).\n(^٥) \"أي \"من (ح) و(ف).","vol":"3","page":437},{"text":"﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ما يحمل الأثقال، وما يُفرش للذَّبح، أو يُنسج من وبره وصوفه وشعره الفرش (^١).\nوقيل: الأوَّل الكبار (^٢) التي تصلح للحمل، والثَّاني الصغار مثل الفُرُش، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها النَّاس.\n﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: ما أُحلَّ (^٣) لكم منه، ولا دلالة فيه على أنَّ كلَّ رزقٍ مأكولٌ حتى ينتهِض حجَّةً للمعتزلة في أنَّ الحرام ليس برزق (^٤).\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تقتفوا آثاره في التَّحليل والتَّحريم من عند أنفسكم اعتقادًا وقولًا وعملًا، وكان في الإتيان بعبارة الجمع إشارة إلى هذه الثلاثة.\n﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهرُ العداوة\n* * *\n\n<span id=\"aya-932\"> </span>(١٤٣) - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ بدل من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، والزَّوج: ما معه آخَرُ من جنسه يزاوجه، وقد يقال لمجموعهما، والمراد هنا الأول.\n﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: زوجين اثنين: الكبش والنَّعجة، وهو مع ما (^٥) بعده\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"للفرش\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"للكبار\".\n(^٣) في (ك): \"حل\".\n(^٤) انظر الكلام في هذه المسألة في \"تفسير الرازي\" (١٣/ ٢١٦)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٤٥٠).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"وهو وما\".","vol":"3","page":438},{"text":"عطفُ بيان لـ ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، أو ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بدل من ﴿الْأَنْعَامِ﴾ و﴿اثْنَيْنِ﴾ من ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾، أو من ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، إن جوَّزنا للبدل بدلًا.\nوقرئ: (اثنان) على الابتداء (^١).\nوالضَّأن: جمع ضائن، كالتَّجر جمع تاجر، وقيل: هو (^٢) جمعٌ لا واحد له من لفظه، ويجمع على ضَئينٍ، كالعبد يجمع على عبيد، وقرئ بفتح الهمزة (^٣)، وهي لغة فيه.\n﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾: التَّيس والعَنْز، وهي (^٤) جمع ماعز، وقرئ بالفتح (^٥)، وهو أيضًا جمع له؛ كحارس وحَرَسٍ، وقرئ: (المِعْزَى) (^٦).\n﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾: ذكَرَ الضَّأن والمعز، والهمزةُ للإنكار ﴿حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: أم أُنثيَيْهما، ونصبُ الذَّكرين والأنثيين بـ ﴿حَرَّمَ﴾، وتقديمُ المفعول للتخصيص.\n﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: حَوَته وانضمَّتْ عليه، ذكَرًا كان أو أنثى.\n﴿أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الأرحام: جمع رحِم، وهو موضع الولد، وما كان في الحيِّ\n_________\n(^١) نسبت لأبان بن عثمان. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١).\n(^٢) في (م) و(ك): \"هي\".\n(^٣) نسبت لطلحة بن مصرف وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٣٤).\n(^٤) في (م) و(ك): \"وهو\".\n(^٥) هي قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو، والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٨).\n(^٦) نسبت لأبي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٤٥١). ووقع في النسخ: \"معزى\" بلا (أل)، والصواب المثبت.","vol":"3","page":439},{"text":"منه عضو واحد، فالإضافة إلى الاثنين (^١) بالجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\n﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾: أخبِروني بأمرٍ معلومٍ من جهةِ اللهِ تعالى يدلُّ على أنَّه تعالى حرَّم (^٢) شيئًا من ذلك، عبَّر (^٣) عنه بالعلم مبالغةً؛ للتَّنبيه على أنَّ دليلَ التَّحريم لا بُدَّ أن يكون قطعيًّا.\nوهو اعتراضٌ لطيفٌ بينَ أقسام التَّفصيل؛ للتَّأكيد في الاحتجاج على مَنْ حرَّم ما أحلَّ اللهُ تعالى لعباده، مَنَّ بالتَّفضُّل به عليهم مبالغةً في التَّحليل.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم أن الله تعالى حرَّم هذا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-933\"> </span>(١٤٤) - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما سبق، والمرادُ إنكار (^٤) تحريمِ الله تعالى شيئًا من الأجناس المذكورة.\nوذلك أنهم كانوا يحرِّمون ذكور هذه الأنعام تارةً وإناثَها أخرى، وأولادَها\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"اثنين\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"ما حرَّم\"، وزيادة (ما) خطأ يقلب المعنى ويفيد عكس المراد.\n(^٣) \"عبر\": ليست في (م) و(ك).\n(^٤) في (م) زيادة: \"التحريم\".","vol":"3","page":440},{"text":"كيفما كانت ذكورًا وإناثًا تارة، وينسبون تحريمها إلى الله تعالى، فأنكر ذلك عليهم.\n﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ معنى بل في (أم) المنقطعة: الإضرابُ (^١) عن طلب العلم والدليلِ القطعيِّ الدَّالِّ على التَّحريم من عند الله على سبيل المسامحة، ومعنى الهمزة: إنكار المشاهدة، وذكرُها تهكُّمٌ بهم وبدِينهم؛ لأنهم لم يؤمنوا بنبيٍّ ولا كتابٍ، وزعموا أن الله تعالى حرَّم هذا، فلم يبقَ إلَّا طريقُ (^٢) المشاهَدة والسَّماع، فقيل لهم: أشاهدتم ربَّكم ﴿إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: حين وصَّاكم بهذا التَّحريم وأمركم (^٣)، والوصية مقدَّمة مؤكَّدة فيما يُفعل أو يُترك.\nولما ثبت أنْ (^٤) لا علم لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلَّا الافتراء وهو ظلم، قال (^٥): ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: نسَب إليه تعالى تحريمَ ما لم يحرِّم، وهو عَمْرُو بنُ لُحيِّ بنِ قمعة (^٦)، المؤسِّسُ لتبحير البحائر وتسييب السَّوائب.\n﴿كَذِبًا﴾: كاذبًا، لا مخطئًا في ظنه، فإن فيه مندوحةً عن الكذب.\n﴿لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾؛ أي: عمِل عمل القاصد (^٧) إضلالَهم، من أجل دعائهم إلى ما فيه الضلالةُ وإن لم يقصد الإضلال، ولذلك قال: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"للإضراب\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"بطريق\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"وأكرمكم\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"أنه\".\n(^٥) \"قال\" من (م).\n(^٦) ضبط (قمعة) على أربعة وجوه انظرها في \"شرح مسلم\" للنووي (١٧/ ١٨٩).\n(^٧) في (ح) و(ف): \"عمل عملا قاصدا\".","vol":"3","page":441},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى دار الثَّواب؛ لأنهم يستحِقُّون العقاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-934\"> </span>(١٤٥) - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم﴾.\n﴿قُلْ لَا أَجِدُ﴾ كنَى بعدم الوجدان عن عدم الوجود، ومَبْنى هذه الكناية على أنَّ طريقَ التَّحريمِ التَّنصيصُ مِنَ الله تعالى عليه، ولا مساغَ للرَّأي فيه، ففيها ثبوتُ ذلك المبنى (^١) اقتضاء.\nثم إنَّ فيهما إشارةً إلى أنَّ من الأحكام المنزَّلة ما في العثور عليه حاجةٌ إلى التَّفقُّد (^٢) والتَّتبُّع لكونه بطريق الدّلالة الخفيَّة، وإنما قال:\n﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ دون: ما أُنزل عليَّ؛ لأنَّ النَّصَّ المحرِّم لا يلزم (^٣) أن يكون من جنس الكتاب (^٤).\n﴿مُحَرَّمًا﴾ طعامًا محرَّمًا ﴿عَلَى طَاعِمٍ﴾: نكَّره تجريدًا له عن قيدٍ زائد حتى يَنتظِم الطَّاعمُ الظَّالمَ وغيرَ الظَّالم، فيَؤُول المعنى إلى أنَّه ليس من جنس المطعوم من حيث إنه مطعوم محرَّم إلَّا هذه الأربع، فلا يتَّجه النقض بحرمة المأكول ظلمًا؛ لأن حرمته مِن قيدِه لا مِن نفسه.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"المعنى\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"التصور\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"من\".\n(^٤) في هامش (م): \"رد لمن فسر قوله: (ما أوحي إلي) بالقرآن. منه \".","vol":"3","page":442},{"text":"وفائدة التَّوصيف بقوله: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ قطعُ المجاز، كما في ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ فإن الطَّاعم يطلَق على المطعِم مجازًا.\n﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: إلَّا أن يكون المطعوم، فالاستثناء من المفهوم، وقرئ بالتاء - لتأنيث الخبر - وبرفع: ﴿مَيْتَةً﴾ (^١) على أن (كان) هي التَّامة.\nوالمراد من الميتة هاهنا: ما فقَدَ حياته بلا ذبح أصلًا؛ أي: شرعيًّا كان أو غيرَ شرعيٍّ، ولهذا احتيج إلى ذكر المحرَّم الرَّابع.\nفي قوله: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دلالةٌ على أن جلد الميتة قبل الدِّباغ يحرم؛ لأنَّه قد (^٢) يُشوَى فيؤكل، وإذا دُفيَ خرج عن قابلية الأكل.\n﴿أَوْ دَمًا﴾ عطف على ﴿مَيْتَةً﴾، أو على ﴿أَنْ﴾ مع ما في حيِّزه على اختلاف القراءتين فيهما، وإنما ذكرهما هنا منكَّرين وفي (سورة البقرة) و(المائدة) معرَّفتين؛ لأنَّ هذه السُّورة مكيَّة، وهما مدنيَّتان، فناسب أن يُذكرا فيهما (^٣) معرَّفين بتعريف العهد، وتعريفُهما في (سورة النَّحل) مع أنها أيضًا مكيَّة بناء على تأخُّر (^٤) نزول ما فيها من الآية المشتملة عليهما من (^٥) نزول ما في هذه السورة.\n﴿مَسْفُوحًا﴾: مصبوبًا ضائعًا، يرشدك إلى اعتبار هذا القيد الزَّائد على معنى الصَّبِّ في مفهوم السَّفح (^٦) ........................................................\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر، وقرأ ابن كثير وحمزة بالتاء ونصب ﴿مَيْتَةً﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٨).\n(^٢) \"قد\" من (م) و(ك).\n(^٣) \"معرفتين لأن هذه السورة مكية وهما مدنيتان فناسب أن يذكرا فيهما\" سقط من (ف)، و(ح).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"تأخير\".\n(^٥) قوله: \"من\" كذا في النسخ، والأحسن: (عن).\n(^٦) بعدها في (ح) و(ف): \"في\".","vol":"3","page":443},{"text":"إطلاقُهم السِّفاح (^١) على الزِّنا باعتبار تضييعه الماء، قال النبيُّ (^٢) ﵇: \"وُلدْتُ مِنْ نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ\" (^٣).\nوإذا تقرَّرَ هذا ففي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ هذا الدَّم التَّضييعُ والإهدار، لا الحفظُ والادِّخار، وإنَّما خصَّ الدَّم بالقيد المذكور لأنَّ ما اختلطَ باللَّحم منه وقد تعذر تخلصه من اللَّحم عفوٌ (^٤) مباحٌ، وأمَّا الطُّحال فليس بدمٍ (^٥) حقيقةً، وكذلكَ الكبد، فلا حاجة إلى الاحتراز عنهما إلى القيد (^٦) المذكور.\n﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ إنما زيد ﴿لَحْمَ﴾ (^٧) لا لأنَّ كلَّه غير مأكول، وإلا لناسب زيادتها في الميتة أيضًا للاشتراك في العلة المذكورة، بل لئلا يسبق إلى الوهم أنَّه من قبيل (^٨) صيد البرِّ حتى لا يبقى محرَّمًا بعدما صار لحمًا.\nولما كان المأكول المحرَّم من الخنزير غيرَ منحصرٍ في اللَّحم تدارك الحكمَ في الباقي بالتَّعميم دلالة، حيث علَّل المذكور بقوله:\n﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: قذرٌ ينفر عنه الطَّبعُ السَّليم؛ لتعوُّده أكلَ النَّجاسة.\n_________\n(^١) \"السفاح\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٢) \"النبي\": ليست في (م).\n(^٣) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٤٧٢٥) من حديث علي ﵁. وانظر: \"التلخيص الحبير\" (٣/ ١٣٦).\n(^٤) في (ف) و(ح): \"عضو\".\n(^٥) في (ف) و(ح): \"دمًا\".\n(^٦) \"القيد\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٧) في (م) و(ك): \"عبارة اللحم\".\n(^٨) \"قبيل\" من (م) و(ك).","vol":"3","page":444},{"text":"ولا يخفى ما في الاعتراض بين المعطوفين للتَّعليل من الدلالة على سائر أجزائه القابلة للأكل.\nويجوز أنْ يُرادَ باللحم: ما يُؤكَل منه مطلقًا، على طريقة التَّعبير عن الكل بالجزء (^١)، وعلى هذا لا حاجة إلى صرف الضمير عن المضاف.\nفإن قلْتَ: أليس في هذا التعليل غنًى عن إقحام اللحم لإفهام ما ذُكِرَ آنفًا؟\nقلْتُ: لا؛ لأنَّ التَّعليل النَّحوي لا يلزم أن يكون بالعليَّة الشَّرعيَّة، بل قد يكون بالحكمة التي لا يلزمها الاطراد ولا الانعكاس، وإنَّما خصّص هذا والذي يليه بالتَّعليل عبارةً وإشارةً لأنَّ الطَّبع يساعد السَّمع في الأَوَّلَيْن بخلافِهما في الآخرَيْنِ.\n﴿أَوْ فِسْقًا﴾ نصب عطفًا على ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، لا على أنه مفعول له، دَلَّ على ذلك قولُه تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، سمي بالمصدر مبالغةً، فهو بعبارته تحذير منه (^٢)، وبإشارته تعليل لحرمته.\n﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صفة موضِّحة له، والإهلال به كنايةٌ عن ذبحه، وهو في الأصل: رفعُ الصَّوت بالشيء.\n﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: دعته الضرورة إلى أكلِ شيء من ذلك ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطرٍّ مثله ﴿وَلَا عَادٍ﴾ قَدْرَ الضرورة في تناوله.\n﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ﴾ لِمَا عسى أن يفرط عند العمل بالرُّخصة ﴿رَحِيمٌ﴾ بالرُّخصة فيه.\n_________\n(^١) في (ك): \"بالجل\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"عنه\".","vol":"3","page":445},{"text":"وقد استُدِلَّ بهذه الآية على انتساخِ الكتابِ بالسُّنَّة؛ لأن عبارتها وإن كانت ساكتة عن عدم محرَّم آخر، لكنَّ دلالتها ناطقةٌ بأنْ (^١) لا محرَّم غير هذه، وليس فيها توقيت، فلمَّا زيدَ محرَّم آخر بالسُّنَّة انتسخَ حُكْمُ تلكَ الدِّلالة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-935\"> </span>(١٤٦) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال ابن عباس وجماعةٌ: هي (^٢) ذواتُ الظِّلف كالإبل والنَّعام، وما ليس بذي أصابع منفرجةٍ كالبطِّ والإوزِّ ونحوهما (^٣). واختاره الزَّجَّاج (^٤).\nوفي قوله: ﴿حَرَّمْنَا﴾ تكذيبٌ لليهود في قولهم: إن الله تعالى لم يحرم علينا شيئًا، وإنما حرَّمنا على أنفسنا ما حرَّمه إسرائيل على نفسه.\n﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ﴾ عطف على ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ تبيين للمحرَّم منهما، ولا بدَّ من الإضافة للرَّبط.\nوفي الإجمال ثمَّ التَّفصيلِ زيادةُ تقريرٍ وتأكيدٍ، ولولا القصد إلى ذلك لكان الظَّاهر أنْ يُقالَ: وشحومَ البقر والغنم، أو يقال: ومن البقر والغنم الشحومَ، والمعنى:\n_________\n(^١) في (ك): \"بأنه\".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"من\".\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٩/ ٦٣٨ - ٦٣٩) عن ابن عباس وجمع من التابعين.\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٠١).","vol":"3","page":446},{"text":"حرَّمنا لحمَ كلِّ ذي ظفرٍ وشحمَه وكلَّ شيء منه، وتركنا البقر والغنم على التَّحليل، لم نحرِّم (^١) منهما إلا الشُّحومَ خاصَّة، وهي الثُّروب (^٢) وشحومُ الكُلى.\nوكان بعض ذوات الظُّفر حلالًا لهم، فعمَّ التَّحريم بسبب ظلمهم، لقوله (^٣) تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].\nوتدَّعي النَّصارى أنَّ ذلك نُسِخَ في شرع عيسى ﵇، ويشهد (^٤) بذلك التَّخصيص المستفاد من تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾.\n﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ إلَّا ما علقت بظهورهما (^٥).\n﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ إنْ قُدِّرَ وزنها: (فواعِلَ) فجمع حاوية، كزاويةٍ وزوايا، أو جمع حاوياءَ؛ كقاصعاءَ وقواصِعَ، وإنْ قُدِّرَ وزنُها (فعائلَ) فجمع حَوِيَّةٍ، كمطيَّةٍ ومطايا، وهي الدُّوَّارَةُ التي تكون في بطن الشِّياه (^٦).\nوقيل: هي (^٧) عطف على ﴿شُحُومَهُمَا﴾، و﴿أَوِ﴾ للتَّفصيل، فصِّل بها ما حرِّم من البقر والغنم.\n_________\n(^١) في (ك): (يحرم).\n(^٢) الثُّروبُ: جمع ثَرْب، والثَّرْبُ: شحمٌ رقيقٌ يُغَشَي الكَرِشَ والأمعاء. انظر: \"القاموس المحيط\" (مادة: ثرب).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"بقوله\".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وشهد\".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"بظواهرهما\".\n(^٦) وهي ما تحوى من أمعاء الشاة. انظر: \"القاموس المحيط\" (مادة: دور).\n(^٧) في (م) و(ك): \"هو\".","vol":"3","page":447},{"text":"﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ كالأَلْيَة وما في القوائم والجُنُوب والرَّأس والعيون والآذان والمخ.\n﴿ذَلِكَ﴾ التَّحريمُ أو الجزاء ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ بسبب ظلمهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-936\"> </span>(١٤٧) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ في ذلك ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ أي: لا تُعرِض عنهم، ولا تؤايسهم من (^١) رحمتي، بل كن ثابتًا في مقام الدَّعوة على قَدَمَيِ الإبْشار والإنذار، وذلك أن ما ذُكِرَ كلمةٌ جامعة لهما؛ أما الإبشار فلِمَا فُهِمَ من العبارة المذكورة من أنه تعالى يقبل التَّوبةَ ويغسل الحَوْبَةَ، فإنْ رجعوا عن التَّكذيب إلى التَّصديق فلهم الفوز والنَّجاة، وأما الإنذار فلِمَا فُهِمَ من إشارتها إلى أنَّه تعالى لسَعة (^٢) رحمته يمهل، ولمَّا كان في الإمهال مَظِنةُ الاندفاع (^٣) تداركه بقوله:\n﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ حين ينزل ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فلا تغترُّوا بإمهاله.\nأو: فإن كذَّبوك في الإنذار وإيعاد العصاة، واعتلُّوا بأنَّ اللهَ واسعُ الرَّحمة فلا يؤاخذ بالبغي، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة للمطيعين، وذو بأس شديد للمجرمين، فلا تَردُّ رحمتُه بأسَه عليهم، بل ربَّما أودعَ قهرَه في صورة لطفه استدراجًا، فلا تغترُّوا.\n_________\n(^١) في (ك): \"تؤسهم عن\"، وفي (م): \"تؤيسهم عن\".\n(^٢) في (ح) و(ف): \"بسعة\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"الانتفاع\".","vol":"3","page":448},{"text":"<span id=\"aya-937\"> </span>(١٤٨) - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾.\n﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ في ردِّ الدَّعوة وتكذيب الرَّسول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ عطف على الضمير المرفوع في ﴿أَشْرَكْنَا﴾ بلا تأكيدٍ للفصل بـ (لا) (^١).\n﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما صدر منَّا ومن آبائنا ما صدرَ إلَّا بمشيئة الله تعالى (^٢) وإرادته، أصابوا فيما قالوا على وَفق ما مرَّ في هذه السورة من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، ولكنهم أخطؤوا في تمسُّكهم به في الرَّدِّ على الرَّسول ﷺ، وزعمهم أنَّ فيه حجَّةً عليه؛ بناءً على ظنِّهم أنَّ ما أرادَه اللهُ تعالى لا يكون منهيًّا عنه، وما لم يُردْهُ اللهُ تعالى لا يكون مأمورًا به، فلا مساغ للنَّهي عن شركٍ دلَّ وقوعه على أنَّه مرادُ اللهِ تعالى، والأمرُ بالتَّوحيد دلَّ عدم وقوعه على أنَّه (^٣) لم يكن مرادًا له تعالى - لِمَا تقرَّر في (^٤) موضعه أنه لا تلازم بين الأمر والإرادة، بل ينفكُّ كلٌّ منهما عن الآخر، وكذا بين النَّهي وعدم الإرادة، ولذلك - أي: لعدم خطئهم في\n_________\n(^١) وهذا عند البصريين، ساغ العطف عندهم وإن لم يؤكد الضمير لأنَّه يكفي عندهم أي فاصل كان، وقد فصل بـ (لا) هاهنا، والكوفيون لا يشترطون في ذلك شيئا ويستدلون بما هنا. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٤٨٨).\n(^٢) في (م) و(ك): \"بمشيئته تعالى\".\n(^٣) \"مراد الله تعالى والأمر بالتوحيد دل عدم وقوعه على أنه\" سقط من (م) و(ك).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"من\". وقوله: \"لما تقرر\" متعلق بـ \"أخطؤوا\".","vol":"3","page":449},{"text":"القول المذكور بل في احتجاجهم به عليه الصلاة السلام - ذمَّهم بالتَّكذيب دونَ الكذب، حيث قال:\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك التَّكذيب العظيم لك (^١) ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ للرُّسل، وهذا دليل على أنَّ مرادَهم التَّكذيبُ دونَ إبداء (^٢) العذر.\n﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾: حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم.\nوبيَّنَ أنَّ احتجاجهم ليس عن (^٣) علمٍ ويقينٍ، بل عن ظنٍّ وتخمينٍ بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾؛ أي: ليس عندكم بذلك علمٌ.\n﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾: فتظهروه ﴿لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾، أي: الذي لا يغني من الحقِّ شيئًا.\n﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: وما أنتم إلا تخمِّنون وتقدِّرون أنَّ الأمرَ كما زعموا، وليس كذلك، لِمَا مَرَّ مِنْ بطلان مبنى (^٤) ذلك الظنِّ، فلا متمسَّك فيما ذكر لأهل الزَّيغ والضَّلال من أصحاب الاعتزال، ولا حاجة إلى التَّوجيه والتَّأويل (^٥) بتقييد المشيئة أوَّلًا؛ أي: فيما مرَّ، وإجرائها على إطلاقها آخرًا، أي: فيما يستمر (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) \"العظيم لك \"من (م) و(ك).\n(^٢) في النسخ: \"إبلاء\"، والصواب المثبت.\n(^٣) في (م) و(ك): \"من\".\n(^٤) في (م): \"معنى\"، وسقطت من (ف)، والمثبت من (ح) و(ك).\n(^٥) في هامش (ف): \"والعجب أنَّ البيضاوي مع وقوفه على ذلك وعلى ما دل عليه في تفسيره كيف التزم هنا بالتأويل والانصراف عن الظاهر. منه \".\n(^٦) في (م): \"يستمر سيأتي\"، وفي (ح) و(ف): \"سبق\"، والمثبت من (ك).","vol":"3","page":450},{"text":"<span id=\"aya-938\"> </span>(١٤٩) - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ الفاء للسَّببيَّة، والجملة مسببَّة عمَّا دلَّ عليه الكلام السَّابق، والمعنى: إذ قد ظهر عدمُ تمام حجَّتكم فالحجَّةُ التَّامة مختصَّةٌ به تعالى ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الفاء قامت مقام (إنَّ) في تحقيق ما دلَّ عليه الكلام السَّابق من كونهم محجوجين، وذلك أنَّ فيه إلزامًا لهم بناءً على قولهم؛ أي: بل قد (^١) صدَقتم، ولكن كما شاء كفركم لو شاء هدايتكم لهداكم كلَّكم، فبأي شيء علمتم أنَّه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟!\nوهذا تهييجٌ لمن عسى أن يكون له استعدادٌ منهم فينقمعَ ويهتدي، فيرجعَ عن الشرك ويؤمنَ.\nوفيه فائدة أخرى، وهي تداركٌ لِمَا يخطر بالبال من إبطال احتجاجهم أن يكون الاختلال في قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ بتصديقهم في ذلك المقال، ففيه حجَّة دامغة لأصحاب الاعتزال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-939\"> </span>(١٥٠) - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.\n﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ ﴿هَلُمَّ﴾ من أسماء الأفعال، يجيء متعديًا كما هاهنا بمعنى: هاتوا، ولازمًا كقوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: تعالوا (^٢).\n_________\n(^١) \"قد\"من (ك) و(م).\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"ومن قال هاهنا: إنه لازم في القول المذكور، وقال في تفسير سورة الأحزاب: معناه: قربوا أنفسكم إلينا، ثم قال: وقد بثنا أصله في الأنعام، لم يكن كلامه على سنن الانتظام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام \".","vol":"3","page":451},{"text":"وإنما أضاف الشُّهداء إليهم لأنها لو أُطلقت لكان المعنى: هلم ناسًا يشهدون، فكان ظاهره طلبَ الشُّهداء بالحقِّ، وذلك فاسد.\n﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾؛ يعني: مرتضاهم وقدوتَهم، أمَرهم بإحضارهم ليُلزمهم الحجَّةَ ويُبكِّتَهم، فيظهرَ للمشهود لهم عند انقطاعهم أنهم ليسوا على شيء، ولهذا قال:\n﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾: فلا تصدِّقهم، ولا تسلِّم لهم، كنَّى عن ذلك بالشَّهادة معهم مبالغةً في النَّهي؛ دلالةً على أنَّ الإصغاء إليهم دخول في عداد الشهداء بالباطل (^١).\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير، للدّلالة على أن المكذِّب بآيات الله تعالى لا يكون إلا متَّبع الهوى؛ إذ لو اتَّبع الدَّليلَ والعقل لكان مصدّقًا بها.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ كعبدة الأوثان ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: يجعلون له تعالى عديلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-940\"> </span>(١٥١) - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ من التَّعالي، وأصله: أَمْرُ مَنْ كانَ في مكانٍ عالٍ لمن هو أسفل منه، فعُمِّمَ اتِّساعًا فيه لكثرة الاستعمال.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ويأبى عن الاستعارة والمشاكلة قوله: ﴿مَعَهُمْ﴾. منه \".","vol":"3","page":452},{"text":"﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ موصولة منصوبة ب ﴿أَتْلُ﴾، أو استفهامية منصوبة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، والجملة في محل النَّصب بـ ﴿أَتْلُ﴾؛ لأن التِّلاوة من باب القول (^١)؛ أي: أتلُ أيَّ شيءٍ حزَم ربُّكم.\n﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿حَرَّمَ﴾، و(أنْ) في قوله (^٢): ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ مفسِّرة، و(لا) للنَّهي؛ لعطف الأوامر عليه في قوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ لأن تقديره: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا (^٣).\nوعطفُ الأوامر على النَّواهي الواقعة بعد (أنْ) المفسِّرةِ لتلاوة المحرَّمات - مع القطع بأنَّ المأمور به لا يكون محرَّمًا - دل على أنَّ التَّحريمَ راجعٌ إلى أضدادها، وذلك أنَّه لمَّا علَّقَ (^٤) التِّلاوة بالتَّحريم إجمالًا ثم فسَّره بالتَّفصيل، وجبَ أن تكون التفاصيلُ كلُّها منهيَّاتٍ محرَّماتٍ، لكنْ عدلَ في بعضها إلى الأمر بأضدادها مبالغةً في النَّهي، وتنبيهًا على أن أضدادها واجبة، فيلزمها النَّهي عنها بأبلغ الوجوه.\nويحتمِل أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي وداخلةً تحت (أنْ) التفسيرية (^٥).\n﴿شَيْئًا﴾ يحتمل المصدر والمفعول، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأحسنوا\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فلا حاجة إلى التضمين. منه\".\n(^٢) \"قوله\": ليست في (م) و(ك).\n(^٣) \"إحسانًا\" من (م) و(ك).\n(^٤) في (ك): \"لما أنه علق \".\n(^٥) في هامش \"ف\": \"ويصح ذلك على تقدير محذوف تكون (أنْ) مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه، والتقدير: وأما أمركم به، فحذف لدلالة ﴿مَا حَرَّمَ﴾ عليه، كما لا يخفى على من لب. منه\".","vol":"3","page":453},{"text":"بهما (^١) إحسانًا، وضعه موضع النَّهي عن الإساءة إليهما؛ للدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كافٍ، بخلاف غيرهما.\nولك أن تقول: إنها معطوفة على قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾، أمَرهم أوَّلًا بأمرٍ ترتَّب عليه ذِكْرُ مَنَاهٍ، ثم أمرهم ثانيًا بأوامر، ويتبعها المبالغة في النَّهي.\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ النَّهي مطلقٌ، وإنَّما قال: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ظهارًا لسوء صنيعهم؛ فإنهم كانوا يفعلون ذلك من أجله.\nفي \"الأساس\": أملَقَ الرَّجلُ: أنفق ماله حتى افتقر (^٢).\nولما كان الإملاق باعتبار بدايته إنفاقًا وباعتبار نهايته فقرًا جاز استعمالُه في كلِّ منهما.\nوقد قيل: الخطاب هنا للفقراء، ولذا (^٣) قدِّم رزقُهم فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ منعًا لموجَب (^٤) ما كانوا يفعلون لأجله، واحتجاجًا عليهم، فناسب أن يفسَّر الإملاق هنا بالفقر، والخطاب في ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] للأغنياء، ولذا قدِّم رزقُ أولادهم، فقيل: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: ٣١]، فناسب أن يفسَّر الإملاق ثمَّة بالإنفاق.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾: كبائر الذنوب ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ بدلٌ منه، والظَّاهر: ما بينك وبينَ الخلقِ، والباطن: ما بينك وبينَ الحقِّ.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"لهما\".\n(^٢) انظر: \"أساس البلاغة\" للزمخشري (مادة: ملق).\n(^٣) في (ف) و(ح): \"الخطاب من الفقراء وإنما\".\n(^٤) في (ف) و(ح): \"لموجبية\".","vol":"3","page":454},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ لَمَّا كان في إطلاق النَّفس شمولٌ للنُّفوس الحيوانيَّة - والأصلُ في قتلها (^١) الإباحةُ - قيَّد بقوله: ﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾، يعني: النَّفسَ الإنسانيَّة ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما (^٢) يحقُّ به قتلها، ككفرٍ بعد إيمان، وزِنًى (^٣) بعدَ إحصانٍ، وقتلِ نفسٍ ظلمًا.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ تفصيلًا.\n﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ لمَّا كانَ في الوصية معنى الاهتمامِ والمحافظة زيادةً على معنى الطَّلب استُعيرَتْ للأمر المؤكَّد، والموصَّى به نفسُ ما ذكرَ، لا حفظُه (^٤).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ترشُدون؛ فإنَّ غايةَ العقلِ الرُّشد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-941\"> </span>(١٥٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ نهى عن القُرْبِ الذي يعمُّ وجوهَ التَّصرُّف، وفيه سدُّ الذَّريعة.\n﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾؛ أي: بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ في حقِّ اليتيم، وإنما جيء بصيغة التفضيل مراعاةً لمال اليتيم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"فيها\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"مما\".\n(^٣) في (ح) و(ف) و(ك): \"ورجم\"، وفي (م): \"وزنا رجم\"، والصواب المثبت.\n(^٤) في هامش (م): \"لما عرفت أن معنى الحفظ ينتظم مفهوم الوصية، فافهم \".","vol":"3","page":455},{"text":"﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: غايةٌ (^١) من حيث المعنى؛ أي: احفظوه عليه حتى يبلغَ أوانَ (^٢) الحُلُمِ مع الرُّشدِ، فادفعوه إليه.\nوالأَشُدُّ: جمعُ شِدَّة، كأَنْعُمٍ ونِعْمَةٍ (^٣).\n﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ الإيفاءُ مخصوصٌ بالكيل، والميزانُ عطفٌ عليه، على طريقة ذِكْرِ أحدِ الفِعلَيْن وعطفِ متعلَّق المحذوف على المذكور، على حسَب ما يقتضيه لفظه، حتى كاله شريكه في أصل الفعل، كقوله:\nعلفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا (^٤)\nوقوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل والتَّسوية، متعلق بالفعل المحذوف؛ أي: وزنوا الميزان بالقسط؛ فإنَّه مظِنّة البخس، بحيث لا يتفطَّن له صاحبه، بخلاف الكيل (^٥).\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"غايته \".\n(^٢) في (ف) و(ح): \"إبداء\".\n(^٣) في هامش (ف): \"كذا قال سيبويه في تهذيب الأزهري، قال أبو الهيثم: واحد الأنعم نعمة، وواحد الأشد شدة، ولا عبرة بما قاله الجوهري من أن فِعلة لا يجمع على أَفْعُل، تدبر. منه\".\n(^٤) صدر بيت أنشده الفراء لبعض بني دُبَير - قبيلة من أسد - يصف فرسه. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ١٤)، و\"تفسير الطبري\" (١/ ٢٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٠٨)، و\" الخزانة\" (١/ ٤٩٩). وعجزه:\nحَتَّى شَتَتْ هَمّالَةٌ عَيْناهَا\n(^٥) في هذا التخصيص نظر، ففي المكيال أيضًا مجال واسع للغش كما للميزان وإن اختلفت الطريقة، والغشاشون لا يعدمون طريقة لأي نوع من أنواع الغش وفي أي شيء كان مهما خفي على الناس أو ظُن أن لا مجال فيه للغش، فلا داعي لهذا التخصيص بوزن الميزان وإخراج الكيل من الحكم، لا بل يجب تعميم الحكم إلى غير الكيل والميزان مما يتعامل به الناس لاستيفاء حقوقهم، ولعل ذكرهما لكونهما أكثر ما يتعامل به الناس، أو لاقتصار الناس عليهما في ذلك الزمان.","vol":"3","page":456},{"text":"﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الوُسع: ما احتملته الطَّاقة، وذكرهُ (^١) عَقيبَ الأمرِ للدّلالة على أنَّه لا يؤاخذها بتقصيرٍ يقع بعدَ الاجتهادِ في مراعاة العدل.\n﴿وَإِذَا قُلْتُمْ﴾ أُرِيدَ بالقول هنا: ما لا يُطَّلَعُ عليه إلَّا بالقول؛ من أمرٍ وحكمٍ وشهادةٍ وخبرٍ وسفارةٍ (^٢) وغير ذلك.\n﴿فَاعْدِلُوا﴾ فيه ﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المقول إليه أو عليه ﴿ذَا قُرْبَى﴾: من ذوي قرابتكم.\n﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما عاهدكم (^٣) الله من أوامره ونواهيه ﴿أَوْفُوا﴾ أو: بما عاهدتم الله عليه من أيمانكم ونذوركم.\n﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾؛ أي: أمركم به وأكَّد الأمرَ (^٤).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لمَّا كان في هذه الأمور نوعُ خَفاء بالقياس إلى ما سبقَ بحيث يحتاج إلى الاجتهاد والذِّكْر الكثير ضُمَّتْ (^٥) يتذكرون.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"وذكر\".\n(^٢) في (م): \"وخير وسعادة\" وهو تصحيف فيهما.\n(^٣) قوله: \"عاهدكم\" لعل المراد: (عهد إليكم). وعبارة البيضاوي: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ يعني: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع. وقال الآلوسي: أي: ما عهد إليكم من الأمور المعدودة … أو: ما عاهدتم الله تعالى عليه من أيمانكم ونذوركم. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٨٩)، و\"روح المعاني\" (٨/ ٥٠٠). قلت: وهذان الوجهان بحسب المضاف إليه، ففي الأول الإضافة إلى الفاعل، وفي الثاني إلى المفعول.\n(^٤) \"الأمر\" سقط من (ك).\n(^٥) في (ح) و(ف): \"ضمنت\"، وفي (ك): \"ضمن\"، والمثبت من (م).","vol":"3","page":457},{"text":"<span id=\"aya-942\"> </span>(١٥٣) - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ الصِّراط من (^١) السِّبيل: ما لا التواء فيه ولا اعوِجاج، بل يكون على جهة القصد، وإنما يُوصَف بالاستقامة للاحتراز عن الميل إلى شيء من الجوانب الأربعة بالصُّعود والهبوط ونحوهما، إلَّا (^٢) أنَّ الاحتراز المذكور حصل هنا با لإضافة، فقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حالٌ مؤكِّدة.\nوالإشارة إلى ما ذُكِرَ في السُّورة، فإنَّها بأسرها في إثبات التَّوحيد والنُّبوة وبيان الشَّريعة.\nوقرئ: ﴿إنَّ﴾ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح بتقدير اللَّام على أنه [علة] الأمر في قوله (^٣): ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾، وقرئ: ﴿أَنْ﴾ مخففَّة من الثَّقيلة (^٤)، وفيها ضمير الشَّأن.\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: الأديان المختلفة، أو الطُّرُق التَّابعة للهوى، والطَّريق: كلُّ ما يطرقه طارق معتادًا كان أو غير معتاد، والسَّبيل من الطُّرق (^٥): ما هو معتاد السُّلوك، أعمُّ مِنْ أن يكون على جهة القصد أو لا، وبهذا التفصيل تبيَّن وجه إصابة (^٦) كلٍّ من الصراط والسبيل محزَّه.\n_________\n(^١) \"من \"سقط من (ك).\n(^٢) \"إلا\" سقط من (ف) و(ح).\n(^٣) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق مستفادة من عبارة البيضاوي في \"تفسيره\" (٢/ ١٨٩)، ولفظه: (على أنه علة لقوله).\n(^٤) قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة، والباقون بفتحها، وخفَّف ابن عامر النُّون وشدَّدها الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص:١٠٨).\n(^٥) في (ف): \"الطريق\".\n(^٦) في (م): \"إصابة وجه\".","vol":"3","page":458},{"text":"﴿فَتَفَرَّقَ﴾ الفاء جواب النَّهي، والمضارع المحذوف التَّاءِ منصوبٌ بإضمار (أنْ)، وفاعله ضمير ﴿السُّبُلَ﴾، ومنهم مَن لم يحذف التَّاء بل أدغمها في تاء التفعُّل، فقرأها بتشديد التاء (^١).\nوالباء في: ﴿بِكُمْ﴾ للتعدية، وتعديتُه بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمُّنه معنى الإزالة؛ أي: فتزيلَكم متفرِّقين.\n﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فيه التفات وتفنُّن، وتنبيهٌ على أنَّ الطَّريقَ المنسوب إليه تعالى لا يكون إلا صراطًا مستقيمًا.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ الإشارة إلى مجموع الأمر والنَّهي.\n﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ذكر أوَّلًا ﴿تَعْقِلُونَ﴾، ثم ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ثم ﴿تَتَّقُونَ﴾؛ لأنهم يعقلون ثم يستيقظون (^٢)، تم يتَّقون المحارم والمهالك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-943\"> </span>(١٥٤) - ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ عطف على ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾، فـ ﴿ثُمَّ﴾ للتَّراخي في الإخبار، أو للتَّفاوت في المرتبة، كانه قيل: ذلكم وصاكم به قديمًا تمَّ آتينا، أو: ثم أعظمُ من ذلك أنَّا آتينا موسى الكتاب.\n﴿تَمَامًا﴾ للكرامة والنِّعمة ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾: على مَن أحسن القيام، ويؤيده\n_________\n(^١) هي رواية البزي عن ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٣).\n(^٢) في (م): \"يتفطنون\". وفي (ك): (يتعظون).","vol":"3","page":459},{"text":"قراءة ابن مسعود ﵁: (على الذين أحسنوا) (^١)، وقراءة أبيٍّ: (تمامًا على المحسنين) (^٢).\nأو: على الذي أحسن بتبليغه (^٣)، وهو موسى ﵊.\nأو: تمامًا على الذي أحسنه؛ أي: أجاده من العلم والشَّرائع، أي: زيادة على علمه إتمامًا له.\nوقرئ بالرفع (^٤)، على أن تقديره: على الذي هو أحسنُ.\nوقيل في وجه النَّصب: إنه خفضٌ، لكنه لا ينصرف ففُتح، وحينئذ يكون بدلًا عن ﴿الَّذِي﴾ وترجمةً (^٥) عنه؛ كقولك: مررت بالذي خيرٍ منك، بالخفض.\n﴿وَتَفْصِيلًا﴾: بيانًا في غاية التَّفصيل، عطف على ﴿تَمَامًا﴾، ونصبُهما يحتمِل العلَّة والحال والمصدر (^٦).\n﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحتاجُ إليه في الدِّين، ففيه (^٧) دلالةٌ على أنه لا اجتهاد في شريعة (^٨)\n_________\n(^١) انظر: \"القراءات الشاذة\" (ص: ٤١).\n(^٢) انظر: \"البحر المحيط\" (٩/ ٤٨٨). وعزاها السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٨٦) إلى الحسن رواها عنه ابن الأنباري في \"المصاحف\". وانظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٢٠٦).\n(^٣) \"بتبليغه\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٤) نسبت إلى يحيى بن يعمر. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٣٤)، وضعف ابن جني هذه القراءة.\n(^٥) في (ك) و(م): \"وترجمته \".\n(^٦) في هامش (ف): \"أي: يكون ﴿تَمَامًا﴾ مصدر أتمينا المحذوف المدلول عليه بـ ﴿آتَيْنَا﴾، تدبر.\n(^٧) في (م): \"وفيه\".\n(^٨) في (م): \"شرعة\".","vol":"3","page":460},{"text":"موسى ﵊؛ لأنَّه فرعُ الإجمال في بعض الأمور الدِّينيَّة (^١).\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ يهوِّن عليهم مقاساة التَّكليف بما ذكر من التَّعريف.\n﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلَّ بني إسرائيل ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾: بلقاء ثوابه وعقابه يوم الجزاء ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-944\"> </span>(١٥٥) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿وَهَذَا﴾؛ أي: القرآن ﴿كِتَابٌ﴾ عظيم الشَّأن ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أسنده إلى نفسه بنون العظمة.\n﴿مُبَارَكٌ﴾: كثير النَّفع، إنَّما فرَق بينه وبين قرينه بـ (أنزلنا) لأن الانتفاع به بعد نز وله.\n﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾ مخالفته ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بذلك، علَّقها بكلمة التَّرجِّي لأن حصولها بالختم على الإيمان، وفيه خطر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-945\"> </span>(١٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾.\n_________\n(^١) تعقبه الآلوسي بقوله: ولا دلالة فيه على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى ﵇ خلافا لمن زعم ذلك، فقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة [يوسف: ١١١]، ﵇: وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ولو صح ما ذكر لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضا. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ٥٠٩). وانظر أيضا كلام الشهاب عليه في \"حاشيته على البيضاوي\" (٤/ ١٣٩) و(٥/ ٢١٤).","vol":"3","page":461},{"text":"﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: كراهةَ أن تقولوا، علَّةٌ لمقدَّر (^١) دلَّ عليه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ فيما تقدم.\nوقرئ بالتاء والياء (^٢)، وعلى الثاني فيه التفاتٌ من خطاب (^٣) ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا﴾، وفي ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] التفات من الغيبة إلى الخطاب، وكلاهما في مَحَزِّه؛ حيث أعرض عنهم وجعلهم غائبين عند حكاية أقوالهم الرَّديَّة، ثم خاطبهم عند قصد توبيخهم وتبكيتهم.\n﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾: جنسُ الكتاب المنحصِر في التَّوراة والزَّبور والإنجيل؛ لقولهم: ﴿مِنْ قَبْلِنَا﴾، وأمَّا الصُّحف فليست من جنس الكتاب في العُرْفِ.\n﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنصارى، ودل هذا على أن المجوس ليسوا (^٤) من أهل الكتاب؛ إذ لو كانوا منهم كانوا ثلاثَ طوائف.\n﴿وَإِنْ كُنَّا﴾ إنْ) هي المخففَّة، دلَّ عليه دخول اللام الفارقة خبرَ (كان)؛ أي: وإنه كنا ﴿عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾: قراءتهم ﴿لَغَافِلِينَ﴾ لا ندري ما هي؛ لأنَّه لم يكن على لغتنا (^٥) فلم نقدر على قراءته.\n* * *\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لمصدر\".\n(^٢) قرأ السبعة بالتاء، وقرأ ابن محيصن بالياء. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤١)، و\"البحر المحيط\" (٩/ ٤٩٢).\n(^٣) في (م) زيادة: \"في \".\n(^٤) في (ح) و(ف): \"ليس\".\n(^٥) في (ح) و(ف): \"لأنَّه ما لم يكن في لغتنا\".","vol":"3","page":462},{"text":"<span id=\"aya-946\"> </span>(١٥٧) - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.\n﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ عطف على الأوَّل: ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى﴾: أرشدَ وأسرع اهتداء ﴿مِنْهُمْ﴾ لحدَّة (^١) أذهاننا وثَقابة أفهامنا، ولهذا تلقَّفنا فنونًا من العلم كالتَّواريخ والأشعار والخطب على أنَّا أمّيُّون.\n﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: حجَّة واضحة تعرفونها. تبكيتٌ لهم وإلزام (^٢) الحجَّة، وفيه إيجاز بحذف الشرط إشعارًا بتصديقهم في دعوى الذَّكاء وحدَّة الذهن، وأنَّ مَنْ يدَّعي ذلك فليتنبَّهْ بمثل هذه النُكتة، وليدرك البيِّنة، وبعثًا (^٣) لأفهامهم، وتهييجًا وإيذانًا بأنَّ الأهمَّ هو الجزاءُ لا الشرط، والمعنى؛ إنْ صدَقتم في الدَّعوى فقد جاء أوان إظهار صدقه.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ كالذي أنزل على مَنْ قبلكم.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: لنفسه وغيره، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] تحقيق هذا النوع من الاستفهام.\n﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بعدما عرف صحَّتها، وتمكَّن من معرفتها.\n_________\n(^١) في (ح) و(ف): \"بحدة\".\n(^٢) في (م): \"وإلزامهم\".\n(^٣) في (ح) و(ف): \"وبعث\"، ولعله الصواب؛ لأنَّه معطوف على المرفوع وهو \"تبكيت\"، لكن وقع العطف عليها في النسخ كلها بالنصب في: \"وتهييجًا وإيذانًا\"، ولعل النصب في جميعها سهو.","vol":"3","page":463},{"text":"﴿وَصَدَفَ﴾: صدَّ ﴿عَنْهَا﴾ النَّاسَ، فضلَّ وأضلَّ، وأما معنى الإعراض فقد حصل بالتَّكذيب.\n﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: العذابَ السَّيِّئِّ، وهو الموصوف بنهاية النكاية.\n﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾: بسبب استمرارهم على تجديد الصَّدِّ وإحداثه حينًا فحينًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-947\"> </span>(١٥٨) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينظرون؛ يعني الذين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا …﴾ إلخ [الإسراء: ٩٠].\n﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ هذا ما ذكروه بقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢].\n﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ هذا ما ذكروه بقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وإنما عبَّر عنه بـ ﴿بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ تعظيمًا؛ لأنَّه أعظم الآيات الظَّاهرة قبل قيام الساعة.\n﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ يعني: الآيةَ المذكورة آنفا، لا بعضُ أشراط السَّاعة مطلقًا؛ لأنَّ الإيمان نافع بعدَ (^١) ظهورها، كيف ونزول عيسى ﵇ لدعوى الخلق إلى دين الحقِّ بعد خروج الدَّجَّال.\n_________\n(^١) في (ح) و(ت): \"نافع عن\".","vol":"3","page":464},{"text":"﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ كالمحتضَر إذا صار الأمرُ عِيانًا، والإيمانُ المقبول برهانيًّا كان أو تقليديًّا ما يكون بالغيب.\n﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ﴾ صفة ﴿نَفْسًا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بالمعطوفين (^١).\n﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾ عطف على ﴿آمَنَتْ ﴿فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أُريدَ بالإيمان: المعرفة، يرشدك إلى هذا قراءة: (لا تَنفعُ) بالتاء (^٢)، وبكسب الخير: الإذعان والقَبول.\nونحن معاشرَ أهل السُّنَّة نقول بما هو مُوجَب النَّص: مِنْ أنَّ الإيمان النَّافع مجموعُ الأمرين، فلا حجَّة (^٣) فيه للمخالف؛ لأن مبناها على حمل الإيمان على المعنى الاصطلاحي المُخترَع بعد نزول القرآن، وتخصيصِ الخير بما (^٤) يكون بالجوارح، وكلٌّ منهما خلاف الأصل والظَّاهر، ولو سُلِّم فنقول: الإيمان النَّافع لا بُدَّ فيه من أمرين؛ الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللِّسان، وقد عبَّرَ عن الأول بقوله: ﴿آمَنَتْ﴾، وعن الثاني بقوله: ﴿أَوْ كَسَبَتْ﴾؛ فإن الكسب يكون بالآلات البدنية ومنها اللسان، فمنطوق (^٥) الآية على وفق مذهبنا، والله أعلم.\n﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾؛ أي: انتظروا إتيان أحد هذه الثلاثة ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ له (^٦)، وعيدٌ لهم، ووعدٌ لنا.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"كـ: لا محالة، في قول صاحب \"المفتاح\": للكذب لا محالة أو للتهمة، قال الشارح: إنما فصل بقوله: لا محالة، بين المعطوفين إشعارًا بتعلقه بهما. منه \".\n(^٢) نسبت لابن عمر وابن سيرين. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٢).\n(^٣) في (ف): \"حاجة\".\n(^٤) في (م): \"مما\".\n(^٥) في (ف): \"فنطق\".\n(^٦) \"له \"من (م) و(ك).","vol":"3","page":465},{"text":"<span id=\"aya-948\"> </span>(١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾: بددَّوا ﴿دِينَهُمْ﴾ فآمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ، وافترقوا فيه، قال ﷺ: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً، وافترقت النَّصارى على اثنين وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقةً، كلُّها في الهاوية إلا واحدةً\" (^١).\nوقرئ: ﴿فَارَقُوا﴾ (^٢).\n﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقًا، جمعُ شيعة، وهي الفرقة المُتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِنْ شاعه: إذا تبعَه، وأصله الشِّياع، وهو الحطب الصغار يوقَد به (^٣) الكبار.\n﴿لَسْتَ مِنْهُمْ﴾: من أمرهم ﴿فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: ليس إليك شيء من مجازاتهم والعفو عنهم، إنَّما عليك إنذارهم وتبليغ الوحي إليهم.\n﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاء عاجلهم بالعقوبة، وإن شاء أخَّرهم إلى الآخرة، وإن شاء وفَّقهم للرجوع عنها، فعفا عنهم.\n﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: في الآخرة، ويجازيهم على ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) روى نحوه أبو داود (٥٤٩٦)، والترمذي (٢٦٤٢)، من حديث أبي هريرة ﵁، قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٨).\n(^٣) في (ح) و(ف): \"وهي الحطب الصغار توقد بها\".","vol":"3","page":466},{"text":"<span id=\"aya-949\"> </span>(١٦٠) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ لم يقل: مَن عمل الحسنة؛ ليُعْلمَ أنَّ النَّظرَ إلى ما خُتمَ به، وعلى ذلك (^١) قال ﷺ: \"الأعمال بالخواتيم \" (^٢).\n﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ على (^٣) إقامة صفة الجنس المميِّز مقامَ الموصوف، تقديره: عشرُ حسناتٍ أمثالِها، لم يُرِدْ به القصرَ، بل أراد به التفضُّل بالتضعيف، وهذا أقل ما وعد بالأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين، وبسبع مئة (^٤)، وبغير حساب.\nوقرئ: ﴿عَشْرُ﴾ بالتنوين، و﴿أَمْثَالِهَا﴾ بالرَّفع على الوصف (^٥).\n﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾؛ أي: بواحدة (^٦)، هذا بحكم الوعد، لا باقتضاء العدل كما توهَّمه المعتزلة (^٧)؛ إذ لا حقَّ للخلق على الخالق.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ ما وعد لهم من الأجر (^٨)، وبالعقاب (^٩) بلا استحقاق.\n_________\n(^١) في (ك): \"ولذلك\".\n(^٢) رواه البخاري (٦٦٠٧) من حديث سهل بن سعد ﵁.\n(^٣) \"على\"من (م) و(ك).\n(^٤) في (ح) و(ف): \"وسبعمئة\".\n(^٥) قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: \" النشر\" (٢/ ٢٦٦). ونسبت للحسن. انظر: \"القراءات الشاذة\" (ص:٤١).\n(^٦) في (ف) و(ح): \"أي واحدة بعد واحدة\"، وسقطت \"أي \" من (ك)، والمثبت من (م).\n(^٧) يرد بذلك على الزمخشري إذ قال في \"الكشاف\" (٢/ ٨٣): \"ومضاعفة الحسنات فضل، ومكافأة السيئات عدل\".\n(^٨) في هامش (ف): \"لا ينقص الثواب مطلقًا لما عرفت من أن زيادته تفضيلًا. منه \".\n(^٩) سقطت الواو في (ف) و(ح) و(ك).","vol":"3","page":467},{"text":"<span id=\"aya-950\"> </span>(١٦١) - ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: أرشدني إلى ما نصبَ من الحُججِ.\n﴿دِينًا﴾ بدلٌ من محل ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾؛ لأن معناه: هداني صراطًا؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢٠]، أو مفعولُ فعلٍ مضمَر دلَّ عليه الملفوظ، أو حالٌ من ﴿صِرَاطًا﴾؛ لاختصاصه بالصِّفة، أو نصبٌ على المدح؛ أي: أعني - أو: أخصُّ - دينًا.\n﴿قِيَمًا﴾ فَيْعِلٌ مِن قامَ، كسَيِّدٍ مِنْ سادَ، وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزِّنة، والمستقيمُ أبلغ منه باعتبار الصِّيغة؛ لأنَّه نَصٌّ في الاستقامة.\nوقرئ: ﴿قِيَمًا﴾ (^١)، وهو مصدر بمعنى القيام، وُصِفَ به.\n﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطفُ بيان لـ ﴿دِينًا﴾، إنَّما ذَكَرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم.\n﴿حَنِيفًا﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ عطفٌ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-951\"> </span>(١٦٢ - ١٦٣) - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾: عبادتي وتقرُّبي كلَّه.\n_________\n(^١) بكسر القاف وفتح الياء مخففة، وهي قراءة الكوفيين وابن عامر، والباقون بفتح القاف وكسر الياء مشددة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٨).","vol":"3","page":468},{"text":"وقيل: ذبحي، وجمع بين الصلاة والذَّبح كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].\nوقيل: وحجِّي، من مناسك الحجِّ، وإنَّما خصَّه بالذِّكر لأنَّ المشركين كانوا يُدْخِلون الشِّرك في التلبية، وكذا تخصيص الذَّبح بالذِّكر على القول الأول.\n﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطَّاعة، أو: طاعاتِ الحياة والخيراتِ المضافة إلى الممات كالوصيَّة والتَّدبير.\nوقرئ: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ وإسكان الياء (^١)؛ إجراءً للوقف مجرى الوصل.\n﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾: خالصةً له لا أُشرك فيها (^٢) غيره.\n﴿وَبِذَلِكَ﴾ الإخلاص ﴿أُمِرْتُ﴾، بدأ بقوله: ﴿قُلْ﴾ وختم بهذا؛ بيانًا أنه يقول ائتمارًا لا افتخارًا (^٣).\n﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ لأنَّ إسلامَ كلِّ نبيٍّ متقدِّم على إسلام أمَّته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-953\"> </span>(١٦٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ هذا أبلغُ من: أغيرَ الله أعبدُ؛ لدلالته على معناه بطريق البرهان (^٤)، وهو جوابٌ عن دعائهم له ﵇ إلى عبادة الأصنام.\n_________\n(^١) رواية ورش عن نافع بخلاف عنه. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٨).\n(^٢) \"فيها\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٣) في هامش (م): \"فيه رد لمن زعم أنه خارج عن مقول القول حيث قال: وبذلك القول والإخلاص. ح\".\n(^٤) في هامش (ف): \"من غفل هذا قال: فأشركه في عبادته. منه\".","vol":"3","page":469},{"text":"﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فلا يصلُح غيره أنْ يكون معبودًا أصلًا، فضلًا عن أن يكون شريكًا له تعالى في المعبوديَّة (^١)، وهو مستحِقٌّ لأن يكون معبودَ كلِّ شيءٍ، جملةٌ حالية في مقام التَّعليل للإنكار المذكور.\n﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لا تكون جنايةُ نفسٍ إلَّا عليها، ومعناه السَّلبُ الكلِّيُّ، لا سلبُ الكلِّ (^٢)، فأداةُ السور (^٣) داخلة على النَّفي معنًى (^٤)، وإن كانت مدخولةً له لفظًا.\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: لا تحملُ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى.\nقال عطاء: قال الوليد (^٥) بن المغيرة: اتَّبعوا سبيلي أحملْ عنكم، فنزلت (^٦).\nهذا نفيُ القدرة عن الغير على ذلك التَّحمل، وأمَّا نفيُ التَّحميل (^٧) من الله تعالى، فالآية ساكتةٌ عنه، فلا منافاةَ بينها وبين حديث أبي موسى المذكور في \"صحيح مسلم \"، وهو هذا: \"يجيء يوم القيامة ناسٌ من المسلمين بذنوبٍ أمثالَ الجبال، فيغفرُها الله تعالى لهم، ويضعُها على اليهود والنَّصارى\" (^٨).\n_________\n(^١) في (ف) و(ح): \"العبودية\".\n(^٢) \"لا سلب الكل\": ليست في (م)، وفي (ف): \"الكلي\" بدل \"الكل\".\n(^٣) كذا في النسخ.\n(^٤) \"معنى\": ليست في (م) و(ك).\n(^٥) في (م): \"وليد\". وسقط من (ك): \"عطاء قال\".\n(^٦) ذكره الواحدي في \"التفسير البسيط\" (٨/ ٥٦٤) عن عطاء عن ابن عباس ﵄. وانظر: \"تفسير البغوي\" (٢/ ١٧٩)، و\"زاد المسير\" (٥/ ١٧).\n(^٧) في (ف): \"التحمل\".\n(^٨) رواه مسلم (٢٧٦٧).","vol":"3","page":470},{"text":"﴿ثُمَّ﴾ متعلِّق بقولِه: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾، وقولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١) إمَّا (^٢) معترِضٌ تأكيدٌ لما ذكره (^٣).\n﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لا إلى غيره ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ يبيِّن الرُّشْدَ من الغَيِّ، ويميِّزُ المحِقَّ من المبطِلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-954\"> </span>(١٦٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: خلائف الأمم الماضية في الأرض.\n﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ في الخِلْقةِ والمَكِنَةِ والعلمِ والعمرِ.\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾؛ أي: ليختبركم ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾: فيما أعطاكم من النِّعم بالشُّكر، وفيما ابتلاكم به من المحن بالصَّبر.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾؛ أي (^٤): لأعدائه، وإنما كان عقابه سريعًا لأنَّه لا يحتاج إلى استعمال آلات (^٥)، ولا يتوقف على استحصال أدوات.\n﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لأوليائه.\nوصفَ العقاب ولم يُضِفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضمَّ إليه الوصفَ\n_________\n(^١) \"وازرة وزر أخرى\" زيادة من (ك).\n(^٢) قوله: \"إما\" كذا في النسخ، ولم يذكر لها قسيم.\n(^٣) في (ح) و(ف): \"ذكر\".\n(^٤) \"أي\" من (م) و(ك).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"الآلات\".","vol":"3","page":471},{"text":"بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة وعَلَمَي التأكيد (إنَّ) واللام؛ تنبيهًا على أنه تعالى غفورٌ بالذَّات معاقِبٌ بالعَرَض، كثيرُ الرَّحمة مبالغ فيها، قليلُ العقوبة مسامحٌ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]؛ أي: استخلافُكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلافُ مَن يختبر، ولا يلزم مِنْ هذا أن يكون الخطاب للمؤمنين خاصَّة.\nوكلُّ مَن جاء بعدَ ما مضى فهو خليفتُه، والجمع: الخلائف، جاؤوا به على الأصل، مثل: كريمة وكرائم، وقالوا أيضًا: خلفاء، من أجل أنه لا يقع إلَّا على مذكَّرٍ (^١)، وفيه الهاء، جمعوه على إسقاط الهاء، مثل ظريف وظرفاء؛ لأن (فعيلة) بالهاء لا يجمع على (فعلاء)، واللهُ أعلمُ بالصَّواب (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"لا يقع إلا مذكرًا\"، وفي (ح): \"لا يقع إلا مذكر\".\n(^٢) هنا تنتهي النسخة الخطية لمكتبة الحرم المكي والمرموز لها بـ (ح).","vol":"3","page":472},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>سُورَةُ الأَعْرَافِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-955\"> </span>(١) - ﴿المص﴾.\n\n﴿المص﴾ قد سبق الكلام في مثله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-956\"> </span>(٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ صفتُه، والمراد بالكتاب السورةُ، وهذا أولى من أن يراد به القرآن؛ لأن البعض إذا استقل بالكمال أو الإعجاز فالكلُّ أولى به.\n﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾؛ أي: فلا تكن شاكًّا أو خائفًا، على طريقةِ الكناية؛ فإن الشاكَّ والخائف ضيِّق الصدر. أو: فلا يكن في قلبك شكٌّ أو خوف، على أن الصدر مجازٌ عن القلب، والحرجَ مجازٌ عن الشك أو الخوف، وتوجيه النهي إليه لإيهامِ أن الحرج لو كان مما يُنهى عنه لنهيناه (^١) عنك، فانتهِ أنت عنه، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار اللطيف من تعظيم شأنه الشريف. والفاء للسببية؛ أي: إذا أنزل إليك من الله تعالى فلا يَحرجْ صدرك؛ لأنَّه سبب الانشراح.\n_________\n(^١) في (ف): \"نهيناه\"، وفي (م): \"لنهينا\".","vol":"4","page":7},{"text":"أو (^١): فلا يكن في صدرك ضِيقٌ على أن يكون النهي للتكوين، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.\n﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أنه منزلٌ من الله تعالى، أو: من تبليغه مخافةَ أن تُكذَّب فيه أو تُقصِّرَ في القيام بحقه، وفائدته التشجيع (^٢).\n﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ علةٌ لـ ﴿أُنْزِلَ﴾، وإنما أُخر تنبيهًا على أنه ينبغي أن يزيل الحرج عن صدره أولًا ثم يشتغلَ بالإنذار، أو للنهي لأنَّه إذا تيقَّن أنه من عند الله تعالى تشجَّع على الإنذار، وكذلك إذا أمَّنه الله تعالى.\n﴿وَذِكْرَى﴾ نصبٌ باضمار فعلِها؛ أي: ولتذكِّرَ تذكيرًا، فإن الذكرى اسم بمعنى التذكير.\nأو جرٌّ عطفًا على المصدر المنسبِك من (أنْ) والفعلِ المنصوبِ بإضمارها في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: لإنذارك، لا على محلِّ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ لأن محله النصب.\nأو رفعٌ عطفًا على ﴿كِتَابٌ﴾، أو خبرًا لمحذوفٍ، أي: هو ذكرى.\n﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أُطلق الإنذار لعمومه الفريقين، وخُصَّ التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفِعون به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-957\"> </span>(٣) - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ﴾ من القرآن والسنَّة، لا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾\n_________\n(^١) \"أو\" ليست في (ف).\n(^٢) في هامش (ف): \"ومن لم يتنبه له زعم أنه من قبيل لا أرينك. منه\".","vol":"4","page":8},{"text":"[النجم: ١٣] لأنَّه لا ينتظِم السنَّة التقريرية، بل لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ولهذا عدل عن الضمير، وقيل:\n﴿إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لمَّا شجعه ﵇ أمَر الجميع باتِّباع جميع ما يرسمه؛ ليكون أَدْعَى لانشراح صدره ورُحْبِ ذراعه.\n﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من دون ربِّكم ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ من شياطين الجن والإنس، فيُضلوكم عن دين الله تعالى، ويحملونكم على عبادة الأوثان واتِّباع الهوى والبدع.\nأو: من دون ما أُنزل إليكم؛ أي: من دون دِينِ الله تعالى دِينَ أولياءَ.\nوقرئ: (ولا تَبْتَغوا) (^١).\n﴿قَلِيلًا﴾ صفةٌ للمصدر؛ أي: تذكُّرًا قليلًا، أو للزمان، أي: زمانًا قليلًا، حيث تتركون دينَ الله تعالى وتتَّبعون (^٢) غيرَه.\n﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القلة.\n﴿تتذكرون﴾ صفة لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وقرئ بحذف التاء، وقرئ: ﴿يتذكَّرون﴾ (^٣)\n_________\n(^١) تنسب لمجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٢).\n(^٢) في (ف) و(م): \"يتركون دين الله ويبتغون\"، والمثبت من (ك) وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥).\n(^٣) بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة وهي قراءة ابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي وحفص: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بحذف إحدى التاءين وذال مخففة، وقرأ باقي السبعة بتاء فوقية وذال وكاف مشددتين، وروي عن ابن عامر: (تتذكرون) بتاءين فوقيتين، ذكرها ابن مجاهد عنه، لكنها شاذة كما صرح الآلوسي، وأوردها ابن خالويه في الشواذ، وبها صدر المؤلف تفسيرها، وكان الأولى =","vol":"4","page":9},{"text":"على أن الخطاب [بعدُ] مع النبي ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-958\"> </span>(٤) - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾.\n﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (كم) خبرية منصوبة بفعلٍ مقدَّر يفسره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ أي: وكثيرًا من القرى أهلكناها.\n﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ فيه استخدام (^١) وقلبٌ:\nأمَّا الأول: فلأن الضمير في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ للقرية باعتبار معناها الحقيقيِّ، والضميرَ في ﴿فَجَاءَهَا﴾ لها باعتبار معناها المجازيِّ وهو أهلُها.\nوأمَّا الثاني: فلأن أصل الكلام: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها. ويجوز أن تكون الفاء تفصيلية ويكونَ الكلام على أصله.\n﴿بَيَاتًا﴾ في موقع الحال؛ أي: بائتين.\n﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ في محل النصب عطفًا على ﴿بَيَاتًا﴾، كأنه قال: بائتينَ أو\n_________\n= بذلك التصدير بما تواتر من القراءات المذكورة. انظر: \"السبعة في القراءات\" لابن مجاهد (ص: ٢٧٨)، و\"التيسير\" (ص: ١٠٨)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥)، وما سيأتي بين معكوفتين منه، و\"روح المعاني\" (٩/ ١٤).\n(^١) شرحه المؤلف في آخر رسالته المسماة: \"رسالةٌ في دَفْعِ ما يَتعلَّقُ بالضَّمائرِ\"، حيث قال: اعلَمْ أنَّ الاستخدامَ مَرجعُهُ إلى أنْ يُرادَ باللَّفظِ معنىً ثُم يُرادَ بضميرهِ معنىً آخرُ، سواءٌ كان المعنيانِ حقيقيَّينِ أو مَجازِّينِ، أو أحدُهما حقيقيًَّا والآخرُ مَجازيًّا، وهذا أولى ممَّا قيل: هو أنْ يُرادَ بلفظٍ له معنيانِ أحدُهما، ثم يُرادَ بضميره الآخرُ؛ لأنَّ الظَّاهرُ مِن قوله: (له مَعنيان) كونُهما حقيقيَّينِ، وذلك غيرُ لازمٍ فيه. والرسالة المذكورة مطبوعة ضمن \"مجموع رسائل العلامة ابن كمال باشا\".","vol":"4","page":10},{"text":"قائلينَ، وإنما وقعت الجملة الاسمية حالًا بغير واوٍ، لا اكتفاءً (^١) بالضمير - لأنَّه غير فصيح - بل لعطفها على حالٍ قبلها، فاستُثقل اجتماع حرفي العطف؛ لأن واو الحال واوُ العطف استُعيرت للوصل.\nوتخصيص الوقتين بنزول العذاب لأنهما وقتُ دَعَةٍ وغفلةٍ، فيكون نزوله فيهما أشدَّ وأفظعَ، وأما المبالغةُ في التعبير فلا اختصاص له بالوقتين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-959\"> </span>(٥) - ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾: دعاؤهم على أنفسهم بالويل.\n﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾: وقتَ ظهور طلائع العذاب.\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: إلا قولَهم هذا، يرشدك إلى أن المعنى هذا قولُه تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤، ١٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-960\"> </span>(٦) - ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿فَلَنَسْأَلَنَّ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: لنجمعنَّ الخلائق فلنسألنَّ.\n﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: هم الأمم يسألهم (^٢) عما أجابوا به الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، والمراد به التوبيخ والتقريع، لا الاستخبارُ ولا التقرير؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦].\n_________\n(^١) في (ف): \"للاكتفاء\"، وهو تحريف.\n(^٢) في (ف): \"ليسألهم\".","vol":"4","page":11},{"text":"﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عمَّا أجيبوا به؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، والمنفيُّ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] (^١) السؤالُ عن الذنب لا مطلقُ السؤال، فلا ينافي هذا حتى يُحتاج إلى التوفيق بالاختلاف في الأوقات أو في معنى السؤال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-961\"> </span>(٧) - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾.\n﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾ لمَّا كان سؤال الفريق الأول سؤالَ تعنيفٍ وتعذيب، وسؤالُ الفريق الثاني سؤالَ تشريفٍ وتقريب، لا الاستخبارَ والاستفسارَ، سكتوا عن الجواب وتركوا الخطاب، فناسب المقامُ تصديرَ الكلام بالفاء الفصيحة.\n﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الفريقين ما كانوا عليه (^٢).\n﴿بِعِلْمٍ﴾ كاملٍ شامل لظواهرهم وسرائرهم.\n﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ حالٌ هي (^٣) في مقام التعليل؛ أي: إذ لم نكن (^٤) عنهم غائبين، لم يقل: وما كانوا عنا غائبين؛ تنبيهًا على أن المنشَأ لهذه الحال ما في شأنه تعالى\n_________\n(^١) قيل للاستعلام ولا وجه له لأنَّه غير محتمل فتأمل. منه.\n(^٢) في هامش (ف): \"فيه رد على القاضي في قوله: على الرسل، حين يقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾، ولا يذهب علينا أنه لا يناسب السؤال بـ: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ﴾، سواء كان للاستخبار أو لغيره. منه\".\n(^٣) \"هي\" من (ك).\n(^٤) في (ف): \"إذ لم أكن\" وسقطت منها \"أي\"، وفي (ك) و(م): \"إذا لم أكن\"، وفي هامش (م): \"لعلها: نكن\". والصواب المثبت.","vol":"4","page":12},{"text":"من الكمال، لا أمرٌ من (^١) جانبهم، وعدم الغيبة عنهم (^٢) مجازٌ متفرِّع على الكناية عن الإحاطة التامة بأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم (^٣)، وفيه دفعُ ما عسى أن يخطرَ بالبال من أنَّ وزن الأعمال لخفاءِ الحال (^٤)، فله تعلُّق تام لجانبي الكلام، مُورِثٌ لكمال الحسن في النظام، وتمامِ الالتئام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-962\"> </span>(٨) - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿وَالْوَزْنُ﴾ مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرفُه ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُه؛ أي: والوزن يومَ يسأل الله الأممَ ورسلَهم هو الحقُّ الثابت الواجب الوقوع، أو ﴿الْحَقُّ﴾ صفته والخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: الوزنُ العدل كائنٌ يومئذ، والأول أولى؛ لأن المقام مقامُ الإخبار عن الوزن الواقع يومئذ بأنَّه الحق لا غيرُه، لا عن اليوم المذكور بأن الوزن الحقَّ فيه لا في غيرَه.\nقيل: توزن صحف الأعمال بميزانٍ له لسانٌ وكفَّتان ينظر إليه الخلائق؛ إظهارًا للمَعدَلة وقطعًا للمعذِرة، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتُهم وتشهد بها جوارحُهم، وبه أخذ الجمهور، ويصدِّقه ما ورد في الخبر عن خير البشر: أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فيُنشرُ عليه تسعةٌ وتسعون سجلًّا (^٥) كلُّ سجلٍّ مدَّ البصر، فيُخرَجُ\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"عن\".\n(^٢) في (م): \"بينهم عنهم\"، والصواب المثبت، ولعل الثانية ذكرت تصحيحًا للأولى.\n(^٣) في هامش (ف): \"من غفل عن هذا قال: فيخفى علينا شيء من أحوالهم. منه\".\n(^٤) في هامش (ف): \"فيه رد لصاحب الكشاف. منه\".\n(^٥) في هامش (ف): \"فيه رد على القاضي في قوله: على الرسل، حين يقولون: لا علم لنا، ولا يذهب علينا أنه لا يناسب السؤال بـ: ماذا أجبتم، سواء كان للاستخبار أو لغير. منه\".","vol":"4","page":13},{"text":"له بطاقة فيها كلمتا الشهادة، فتوضع السجلَّات في كفَّةٍ والبطاقة في كفَّةٍ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة (^١).\n﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجَحت موزوناته وهي الأعمال التي لها وزنٌ واعتبار وقَدْرٌ؛ أي: الحسنات، أو ما يوزن به أعماله، على أن الموازين جمعُ موزون أو جمع ميزان.\nوتوحيدُ الضمير باعتبار لفظِ (مَن) لأن معناه جمعٌ؛ لقوله (^٢):\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بالنجاة والثواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-963\"> </span>(٩) - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ عن الحسنات (^٣)، وحُقَّ لميزانٍ تُوضع فيه الحسنات أن يَثقل، وحقَّ لميزان توضع فيه السيئات أن يَخفَّ، وهذا على ثاني معنيي (^٤) الموازين.\n﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتضييع الفطرة السليمة التي فُطروا عليها.\n﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: يُكذِّبون ظلمًا.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٦٣٩) وحسنه، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٩) و(١٩٣٧) وصححه.\n(^٢) \"لقوله\" ليست في (ف).\n(^٣) في (م) و(ك): \"الحسن\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"معنى\".","vol":"4","page":14},{"text":"<span id=\"aya-964\"> </span>(١٠) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أَقْدَرْناكم على التصرُّف فيها بالسُّكنى والزرع وغيرهما (^١).\n﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: ما تعيشون به: جمعُ معيشة، وهي وُصلةٌ من جهةِ مكسب المطعَم والمشرَب والملبَس إلى ما فيه الحياةُ، وقد يطلق ما يُعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما، والوجهُ تصريح الياء لأصالتها، ومَن همز (^٢) فقد شبَّهها بما فيه الياءُ زائدةً كصحائف.\n﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ نصبُ ﴿قَلِيلًا﴾ بـ ﴿تَشْكُرُونَ﴾، و﴿مَا﴾ مزيدةٌ لتأكيد القِلَّة، والشكر: اعترافٌ بالنعمة مع ضربٍ من التعظيم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-965\"> </span>(١١) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾؛ أي: خلقنا أباكم آدم ﵇ غيرَ مصوَّر ثم صوَّرناه، والصورة: بِنْيةٌ مقوَّمة على هيئةٍ ظاهرةٍ، نزَّل خلقَه ﵇ وتصويرَه منزلةَ خلقِ الكلِّ وتصويرِه؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾.\nأو: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأنْ خلقنا آدم ﵇ ثم صوَّرناه ثم قلنا.\nوكان الظاهر أن يقول: ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، وإنما عدل عنه لأن\n_________\n(^١) \"وغيرهما\" ليست في (ف).\n(^٢) في (م): \"همزها\".","vol":"4","page":15},{"text":"الأمر بالسجود (^١) كان قبل خلق آدم ﵇، على ما نطق به قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، والواقع بعد تصويره إنما هو قوله تعالى: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] لتعيين وقت السجدة المأمورِ بها قبل هذا، فلا صارف لكلمة (^٢) ﴿ثُمَّ﴾ عن معناها الأصلي، وعلى تقدير الصرف عنه حقُّها أن تُصرف إلى معنى التفاوت في الرتبة، لا على التراخي في الإخبار.\n﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سارَعوا في الامتثال، وأَتَوا بما أُمِروا به على الاستعجال، ولمَّا كان في بقعة الاحتمال أن يكون الاستثناءُ بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ عن المقيَّد راجعًا إلى قيده لا إلى أصله، احتيج إلى قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ دفعًا لذلك الاحتمال، فلا صارف فيه للاستثناء عن الاتصال، بناءً على أنه حينئذ لا حاجة إلى هذا المقال، وكان يكفي أن يقال: لم يسجد، إلا أنه قصد مع الإخبار عن عدم الائتمار، الإشعارَ بأنه على تقدير إظهاره (^٣) السجودَ لا يكون ساجدًا حقيقةً لِمَا فيه من إضمار الاستكبار، بل يكون معدودًا من الساجدين فنُفي ذلك الكونُ فافهم هذا الاعتبار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-966\"> </span>(١٢) - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.\n﴿قَالَ﴾ عدَل عن التكلُّم إلى الغيبة إيماءً - بعدم إسناد القول إلى نفسه صريحًا - إلى أن (^٤) هذه المخاطبة مع إبليس لم تكن بالذات، وكأن الجبَّائيَّ تنبَّه\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"بالسجدة\".\n(^٢) في (ف): \"لكلية\".\n(^٣) في (ف): \"إظهار\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"إلى نفسه ظاهرًا أن\".","vol":"4","page":16},{"text":"لهذا الإيماء حيث قال: إن هذه المكالمة كان على لسان بعض الملائكة (^١).\n﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مَنَع نظيرُ صَرَف، فحُمل عليه في التعدية بـ (إلى)، كأنه قيل: ما صرفك (^٢) عن أنْ تسجد إلى أنْ لا تسجد (^٣).\nولا يخفَى أن اعتبار الصرف أبلغُ في الكلام وأنسبُ للمقام، ومن هنا تبيَّن أنه لا دلالة في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] على زيادة (لا) في هذا القول؛ لانتظام معنى الصرف كِلَا القولين.\n﴿إِذْ﴾ معمولة لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾؛ أي: ما منعك عن السجود في وقت ﴿أَمَرْتُكَ﴾ بالسجود فيه، فلا دلالة فيه على أن مطلق الأمر للفور، ولا على أنه للوجوب:\nأمَّا الأول: فلأن الفور إنما لزم من تعيين وقتِ نفخِ الروح في بدن آدم ﵇ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] فإن فيه دلالةً على أن المأمور به السجدةُ في الحال، وفي تضاعيف المقال تلويحٌ إلى أنها كانت لتعظيم أمر النفخ وما يَظهر عنده من آثار القدرة الباهرة في الحقيقة وإن كانت في الظاهر لتعظيم آدم ﵇.\nوأما الثاني: فلأن مبناه على أن تكون صيغة الاستفهام للتوبيخ، وأن يكون التوبيخ (^٤) على عدم الائتمار.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الرازي\" (١٤/ ٢١٠) نقلًا عن بعض العلماء لم يسمه.\n(^٢) في (ف): \"ما منعك\".\n(^٣) في هامش (ف): \"هذا أولى مما ذهب إليه صاحب المفتاح من استعارة المنع للاضطرار؛ لأن استعارة أحد الضدين للآخر إنما تكون تملحًا أو تهكمًا، وواحد منهما لا يناسب المقام. منه\".\n(^٤) \"وأن يكون التوبيخ\" ليست في (ف).","vol":"4","page":17},{"text":"وكلٌّ منهما في مَعرِض المنع:\nأما الأول: فلأن الظاهر من قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] الاستفسارُ والاستخبار عن سبب المنع.\nوأما الثاني (^١): فلاحتمالِ (^٢) أن يكون التوبيخ على مخالفته لمن هم أعلى منه، وتركِ متابعته إياهم، كما هو الظاهر من قوله: ﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣١]؛ أي: أبى عن متابعتهم في أمر السجود.\nوفي قوله: ﴿أَمَرْتُكَ﴾ دلالةٌ على أن إبليس كان مأمورًا بالسجود لآدم ﵇ بقوله تعالى للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، عبارةً كان ذلك أو دلالةً، والظاهر من قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ هو الثاني، على ما تقف عليه في موضعه.\n﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لمَّا كان هذا القولُ منه جوابًا من حيث المعنى عن (^٣) السؤال على وجه التفصيل عن المانع المذكور في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] مستأنفًا (^٤) فيه باختيار الشق الثاني من الترديد المذكور؛ أي: كنتَ من الذين لم يتناولهم الأمر دلالةً - لعلوِّ شأنهم - كما لم يتناولهم عبارةً، ذكر هنا في معرض الجواب عن السؤال على وجه الإجمال عن المانع، ومَن غَفَل عن هذا قال: إنه جواب من حيث المعنى مستأنَفٌ فيه استبعادًا منه لأنْ يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول (^٥)، فهو الذي قال بالحُسن والقُبح العقليين أولًا.\n_________\n(^١) \"الاستفسار والاستخبار عن سبب المنع وأما الثاني\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف): \"لاحتمال\".\n(^٣) في (ف): \"على\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"مستأنف\".\n(^٥) في (م) و(ك): \"بسجود المفضول\".","vol":"4","page":18},{"text":"﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ تعليلٌ لفضله (^١) عليه، وقد غلط في ذلك حيث رأى الفضل كلَّه باعتبار العنصر، وغَفَل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله: (لِمَا خلقتُ بيديْ) على القراءة بالتوحيد (^٢)؛ أي: بغير واسطةٍ، وباعتبار الصورة كما أشار إليه بقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وباعتبار الغاية كما أشار إليه بقوله (^٣): ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على القراءة بالتشديد؛ أي: بقدرتي المتصرِّفة في عالمَيِ الشهادة والغيب، ولذلك - أي: ولكونه ذا حظٍّ من عالمَي الملك والملكوت - صار أفضل ممن له حظُّه من أحدهما فقط، واستَحقَّ لأنْ يَسجد له الملَك، فاللعين في تعليله كمَن قيل له (^٤):\nحفظتَ شيئًا وغابت عنك أشياء (^٥)\nوقيل: لعل نسبة خلق الإنسان إلى الطِّين وخلقِه إلى النار باعتبارِ الجزء الغالب.\nوَيرِدُ عليه: أن المناسب لهذا الاعتبار أنْ يقال: خلقتَه من تراب، والله أعلم بالصواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-967\"> </span>(١٣) - ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"في فضله\".\n(^٢) تنسب للجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٨).\n(^٣) من قوله: \"ونفخت فيه .. إلى .. بقوله\": ليست في (م).\n(^٤) في (ف): \"قيل له\".\n(^٥) عجز بيت ذكره البغدادي في \"خزانة الأدب\" (٥/ ٣٦٨)، وصدره:\nقل للَّذي يدعي في العلم فلسفةً","vol":"4","page":19},{"text":"﴿قَالَ فَاهْبِطْ﴾ تفريعٌ على جوابه الخارج عن حدِّ (^١) الأدب، بل عن نهج السَّداد، افتخر (^٢) اللعين بما في عنصره من شرف الصعود، فجُوزي بذلِّ الهبوط، وهو نزولٌ من جهة العلوِّ إلى جهة السُّفل، فصح عَودُ الضير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ إلى جهة العلوِّ، ويلزمه النزولُ من السماء والخروجُ من الجنة، فلهذا ذهب إلى كلٍّ منها ذاهبٌ غافلًا عن أنَّ في عود الضمير إلى واحدٍ منهما بخصوصه محذورُ الإضمار قبل الذكر.\n﴿فَمَا يَكُونُ﴾ يصحُّ ﴿لَكَ﴾ تعليل للأمر المذكور ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ لأنها مكانُ المطيعين المتواضعين، والتكبُّر في وصف المخلوق لإظهارِ (^٣) الكبرياء تكلُّفٌ بلا مساعدةٍ من الحال، وفي وصف الخالق إظهارُه على وجه الكمال، فلهذا صار ذمًّا في الأول ومدحًا في الثاني.\n﴿فَاخْرُجْ﴾ وفي سورة الحجر: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: ٣٤]؛ أي: من زمرة الملائكة المعزَّزين الساكنين، تفريعٌ على عدم لياقته لأن يكون في جهة العلو.\n﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ من الذليلين لصغر القَدْرِ، تعليلٌ للأمر بالخروج من بين المستحِقِّين للعزَّة (^٤)، قوبل في كلٍّ من مقامَيِ الأمر بضدِّ ما ظهر من المأمور قالًا وحالًا.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"على حد\".\n(^٢) في (ك): \"اعتز\".\n(^٣) في (م): \"وإظهار\"، وسقط من (ك) قوله: \"والتكبُّر في وصف المخلوق لإظهارِ الكبرياء تكلُّفٌ\".\n(^٤) في (ف): \"للمعزة\".","vol":"4","page":20},{"text":"<span id=\"aya-968\"> </span>(١٤) - ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\n﴿قَالَ أَنْظِرْنِي﴾ الإنظار (^١): الإمهال إلى مدةٍ فيها النظر طال أم قصُر، وقوله:\n﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ بيانُ مدة الإنظار الذي طلبه، والضمير في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ عائد على المفهوم من تضاعيف المقال، المعلومِ بقرائن الأحوال، وفيه دليل على اعتقاد اللعين بالبعث، وهو في الأصل: الإطلاق في الأمر، ثم استعمل مجازًا في الإخراج عن العدم.\nوالمراد باليوم المذكور: يومُ النشور، سأل البقاء إلى يوم اللقاء على ما أفصح عنه في قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: ٦٢].\n* * *\n\n<span id=\"aya-969\"> </span>(١٥) - ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: إنك من جملة مَن قدِّر لهم الإنظارُ، فلا حاجة إلى السؤال، وفيه الإشعارُ (^٢) بأن ذلك ليس من قَبيل استجابةِ الدعوة، فافهم لطفَ هذا الاعتبار.\nثم إن فيه الإخبارَ عن حصول ما رامه (^٣) من أصل الإنظار، ابتلاءً للعِبَاد وتعريضًا للعُبَّاد بمخالفته للثواب، لا عن الوصول إلى المقصود من امتداده (^٤) المعهود، وهو الأمانُ من خوف الفوت وألمِ ذوقِ الموت، حيث قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ للهِ\n_________\n(^١) في (م): \"من الإنظار بمعنى\".\n(^٢) في (ف): \"إشعار\".\n(^٣) في (ك): \"رابه\".\n(^٤) في (ك): \"امتداد\".","vol":"4","page":21},{"text":"تعالى، وهو وقتٌ قدِّر فيه انتهاءُ أجل المنظَرين، ويومُه يومُ النفخة الأولى، وإنما أبهمه الله تعالى كيلا يخلوَ اللَّعين عن ألم الخوف في كلِّ حين، وفي إقحام اليوم زيادةٌ في الإبهام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-970\"> </span>(١٦) - ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.\n﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسببية تعلَّقت بفعل القسم، وقد أُظهر المقسَمُ به في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، لا بـ (أقعدنَّ)؛ لأن اللام تصدُّ عنه (^١)، و(ما) مصدرية.\nوأصل الغَيِّ: الفساد، تقول (^٢) العرب: غَوِي الفصيل، إذا بَشِمَ، والبَشَمُ: فسادُ اللبن في البطن.\nوالمعنى: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ وجهٍ يمكِنني، بسبب إغوائك إياي فيهم، حتى يَفسُدوا بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم.\n﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ القعودُ كناية عن الترصُّد، بل مجازٌ متفرِّع عليها؛ لأن المراد من الصراط المستقيم: الدِّينُ القويم، وهو لا يصلح متعلَّقًا للقعود الحقيقي.\n﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ نصبُه على تضمين معنى اللُّزوم؛ أي: لألزَمنَّ صراطك مترصِّدًا كما يفعلُه قطاع الطريق للسابلة، وهذا أولى من انتصابه على الظرف، وأمَّا انتصابُه على إسقاط (على) كما قاله (^٣) الزجَّاج، وشبَّهه بقول العرب:\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فيه رد لمن قال: الباء للقسم، ولمن قال: المعنى: أقسم بالله. منه\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"لقول\".\n(^٣) في (ف): \"على إسقاطه كما قال\".","vol":"4","page":22},{"text":"ضُرِبَ زيدٌ الظَّهرَ والبطنَ (^١)، ففيه: أن إسقاط حرف الجر في مثل هذا لا يَنقاس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-971\"> </span>(١٧) - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ (^٢) لبُعد ما بين الإجمال المذكور والتفصيل الآتي في ضمن التمثيل.\n﴿لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ مثَّل إتيانه إياهم بقصدِ التسويل والإضلالِ بإتيانِ العدوِّ السابلة بقصدِ القتل ونهبِ الأموال، محيطًا بهم من الجوانب كيلا يفوتَ الاستئصال، ولهذا خَصَّ الجهات الأربعَ بالذِّكر، وإلا فقصدُ التسويل يَتيسَّرُ (^٣) له من جميع الجهات، وإنما قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ ولم يقل: قدَّامَهم، قصدًا إلى تشبيه إتيانه من تلك الجهة بإتيانِ عدوٍّ لم يتنبَّه له الخصم إلا وهو حاضرٌ بين يديه، فإنه أشدُّ كيدًا وأشدُّ نكايةً.\nوإنما عدِّي الفعل في الأوَّلَينِ بـ (مِن) لأن فيهما (^٤) معنى طلبِ النهاية، وفي الآخَرَينِ بـ (عن) لأن فيهما معنى الانحراف عن المقصد.\n﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ لم يقل: فلا تجد؛ لأنَّه أراد بيان حالهم هذا على مقتضَى جِبِلَّتهم (^٥) لا بسببِ تسويلٍ وإضلالٍ، ولا تعلُّقَ له بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٢٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٩٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧).\n(^٢) في (م) و(ك): \"يستعار\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"تيسير\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"فيها\".\n(^٥) في (م): \"حيلتهم\".","vol":"4","page":23},{"text":"إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]؛ لأن مظنونه بقرينةِ تمام ذلك الكلام - وهو قوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]- ما ذكره بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]، فإن انطباقه عليه لا بمضمون هذا الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-972\"> </span>(١٨) - ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾ الأمرُ بأصل الخروج من زمرة المقرَّبين (^١) قد كان، فهو هنا منصرفٌ إلى قيده المذكور بقوله:\n﴿مَذْءُومًا﴾ مِن ذَأَمه: إذا ذمَّه، وقُرئ: (مَذُومًا) (^٢) كمَسُولٍ في مسؤولٍ، أو مَكُولٍ في مكيلٍ مِن ذامه يَذيمه ذَيْمًا (^٣).\nوقيل: الذَّأم والذَّيم أشد العيب كاللوم.\n﴿مَدْحُورًا﴾ الدَّحْر: الدَّفعُ والطَّرد على وجه الهوان والإذلال.\n﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ اللام فيه لتوطئة القسم، وجوابه: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وهو سادٌّ مسدَّ جواب الشرط.\nوقرئ: (لِمَن) بكسر اللام (^٤)؛ أي: لِمَن تَبِعكَ منهم هذا الوعيدُ، وهو قوله:\n_________\n(^١) في (م): \"زمرة المؤمنين المتقربين\". وفي (ف): \"زمرة المتقين\".\n(^٢) تنسب للزهري والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٢).\n(^٣) معنى الكلام أن فيه على هذه القراءة وجهين كما قال الآلوسي، ولفظه: فيه احتمالان: الأول أن يكون مخففا من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع، وكان قياسه على هذا: مذيم كمبيع، إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم: مكول، في مكيل، مع أنه من الكيل. انظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٥٥).\n(^٤) رواية عصمة عن عاصم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٢).","vol":"4","page":24},{"text":"﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، على أن ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ في محل الابتداء و(لِمَن تبعك) خبرُه، أو على أنه علة لـ ﴿اخْرُجْ﴾، ولامُ ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف على الوجهين.\n﴿مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: منك وممن تبعك؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] فغلِّب هنا المخاطَب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-973\"> </span>(١٩) - ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَيَاآدَمُ﴾؛ أي: وقلنا: يا آدم، على ما ذكر في سورة البقرة، ولا (^١) مساغ لأن يعطف على قوله: ﴿اخْرُجْ﴾؛ لأنَّه في مَعرض الاستئناف في جواب إبليسَ، وهذا ليس من تتمَّته ولا (^٢) من تتمة الامتنان، وفي العطف على ما بعدَ ﴿قُلْنَا﴾ بعدٌ (^٣).\n﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ قد سبق ما يتعلق به من اللطائف.\n﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ وفي سورة البقرة: ﴿وَكُلَا﴾ [البقرة: ٣٥]، اعتُبر ثَمةَ الاستقلالُ في أمر الأكل تعظيمًا لشأن تلك النعمة الجليلة، واعتُبر هنا تفرُّعُه على الأمر الأول، وفيه زيادة التفخيم (^٤) لذلك الأمر.\n﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وقرئ: (هذي) (^٥) على الأصل؛ لتصغيره على (ذه)، والهاء بدلٌ من (يا).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"لا\".\n(^٢) في (ك): \"ولأنه\".\n(^٣) في (ف): \"بعده\"، وجاء في هامشها: \"قيل: لأنَّه حينئذ يؤول إلى: قلنا للملائكة، وفيه نظر. منه\".\n(^٤) في (م): \"تفخيم\".\n(^٥) تنسب لابن محيصن. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٤٤).","vol":"4","page":25},{"text":"﴿فَتَكُونَا﴾: فتَصيرا، يَحتمِلُ الجزمَ بالعطف، والنصبَ بالجواب.\n﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أتى بصيغة الفاعل لأنَّه أبلغ من: الذي ظَلَم، وأطلقه لينتظِم الظلمُ غيرَه من ذريته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-974\"> </span>(٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.\n﴿فَوَسْوَسَ﴾؛ أي: تكلَّم كلامًا خفيًّا مكرَّرًا.\nأصل الوسوسة: الصوتُ الخفيُّ، ومنه: وسواسُ الحليِّ، وهو غير متعدٍّ؛ كـ: وَلْوَلتِ المرأةُ، وعَوْعَوتِ الذئبُ، فلا بد من أداة التعدية، ولهذا قيل:\n﴿لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، والفاء للترتيب على ما تقدم من النهي.\n﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ الإبداءُ: الإظهار، والمواراةُ: السَّتر، والسَّوْءةُ: العورة، مجازٌ لأنَّه يَسوءُ صاحبَها ظهورُها، وكانا لا يريانها من أنفسِهما ولا أحدُهما من الآخَر، واللام للتعليل إن كان اللعين عالمًا بذلك وإلا فلامُ العاقبة.\n﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ بيانٌ لوسوسته، والواو للاستئناف.\n﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾: إلا كراهةَ أن تكونا ﴿مَلَكَيْنِ﴾ في حصول الكمالات الفطرية، والاستغناءِ عن الأطعمة والأشربة؛ إذ لا احتمال لقلب الحقائق، ولا دلالةَ فيه على فضل الملَك على بني (^١) آدم.\n﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ من الذين يخلَّدون في الجنة ولا يموتون (^٢).\n_________\n(^١) \"بني\" ليست في (ك).\n(^٢) في (م): \"يموتون به\".","vol":"4","page":26},{"text":"<span id=\"aya-975\"> </span>(٢١) - ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.\n﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ أَقسم لهما بالنصيحة، فأخرجه على زِنة (^١) المفاعَلة للمبالغة؛ لاجتهاده فيه اجتهادَ المبالِغ (^٢).\nوقيل: أقسم لهما، وأقسما عليه بالله إنك لمن الناصحين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-976\"> </span>(٢٢) - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ فنزَّلهما إلى الأكل من الشجرة، وفيه دلالةٌ على أنه أَهبطهما من درجةٍ عاليةٍ إلى منزلةٍ سافلة؛ لِمَا في معنى التَّدليةِ من إرسال الشيء من أعلى إلى أسفلَ.\n﴿بِغُرُورٍ﴾ بما غرَّهما من القسم بالله، وكانا لا يظنَّان أن أحدًا يحلف بالله كاذبًا، أو: متلبِّسَينِ بغرورٍ؛ أي: مغرورَين، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغشِّ، وأصل الغَرِّ: طيُّ الثوب، فإن فيه إظهارَ حالٍ وإخفاءَ أخرى، ومنه الغررُ لخفاءِ ما لا يُؤمَن فيه.\n﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل من ثمرتها، دل هذا على أن المراد من الأكل في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: ١٢١] بدايتُه كما دل هو على أن المراد من الذوق هنا نهايتُه، فالقرآن يفسِّر بعضه بعضًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"وزن\".\n(^٢) في (ك): \"المبالغة\".","vol":"4","page":27},{"text":"﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أخذتهما العقوبةُ بشؤم المعصية، وتساقَطَ (^١) عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما.\n﴿وَطَفِقَا﴾ عطفٌ على مقدَّر؛ أي: فتداركا وأخَذا ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: على عوراتهما ورقةً فوق ورقةٍ ليَستترا بها؛ كما يُخصف النعل ويُجعل طرفُه فوق طرفه.\nوالخصَّاف: الذي يَرْقَع النعل، والمِخْصَف: المثقَب الذي يُخصف به النعل (^٢).\n﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قيل: كان ورقَ التين.\n﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ إنما قال: ﴿تِلْكُمَا﴾ لأنَّه خاطب اثنين وأشار (^٣) إلى الشجرة.\n﴿وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ توبيخٌ من الله تعالى لهما على الاغترار بقول العدوِّ بعد التحذير، وعتابٌ على مخالفة النهي الإرشادي، ولا دلالة فيه على أن مجرد النهي للتحريم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-977\"> </span>(٢٣) - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ بنقصِ حظِّها (^٤) من المنحة، وتعريضًا للمحنة.\n﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ إنما لم يقل: فإنْ لم تغفر؛ لأن الحاجة إلى المغفرة والرحمة\n_________\n(^١) في (ك): \"تساقط\".\n(^٢) من قوله: \"والخصاف الذي .. إلى .. النعل\": ليس في (م) و(ك).\n(^٣) في (ف): \"ثم أشار\".\n(^٤) في (م): \"حظنا\".","vol":"4","page":28},{"text":"والكونِ من زمرة الخاسرين عند عدمهما ليس لِمَا تقدم من النقص والتعريضِ، بل ذلك أمر آخر وراء ما ذُكر (^١).\n﴿وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هذا على عادة المقرَّبين في استعظام الصغير من السيئات، واستصغارِ العظيم من الحسنات؛ لِمَا عرفتَ أن النهي إرشاديٌّ لا تكليفيٌّ، فلا دلالة فيه على أن الصغيرة من الذنوب معاقبٌ (^٢) عليها إن لم تغفر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-978\"> </span>(٢٤) - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾ خطابٌ لهما ولذرِّيتهما، أو لهما ولإبليسَ، كرَّر الأمرَ له تبعًا ليُعلم أنهم قرناءُ، أو أخبر عما قال لهم مفرَّقًا.\n﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ في موضع الحال.\n﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾: استقرارٌ، أو: موضعُ استقرار ﴿وَمَتَاعٌ﴾: تمتُّعٌ ﴿إِلَى حِينٍ﴾ انقضاءِ آجالكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-979\"> </span>(٢٥) - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.\n﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ يُعلمهم أنهم لا يعودون إلى الجنة إلى أن يُحشروا من قبورهم، ثم يصير السعيد إلى الجنة والشقيُّ إلى النار.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"كيف وموجب هذه الدلالة أن يقال: (فإن لم ..) إلى آخره، فتدبر. منه\".\n(^٢) في (ف): \"معاقب\".","vol":"4","page":29},{"text":"<span id=\"aya-980\"> </span>(٢٦) - ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\n﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ أراد نوعَ الإنسان، والتعبير بما (^١) يشيرُ إلى بدءِ خلقته وابتداءِ ولادته لتذكير خلقه عريانًا، فإنه المناسب لمقام الامتنان بإعطاء أسباب اللباس.\n﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾ جَعل ما في الأرض مُنزلًا من السماء لأنَّه قُضي وقدِّر ثمةَ وخُلق (^٢) بتدبيراتٍ سماويةٍ وأسبابٍ نازلةٍ منها؛ كقوله ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥].\n﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ التي قَصد الشيطان إبداءَها؛ أي: يستر ما يَسوؤكم انكشافُه من الجسد، ويُغنيكم عن خَصْف الورق.\n﴿وَرِيشًا﴾ وقرئ: (ورياشًا) (^٣) جمعُ ريش؛ كشِعْبٍ وشِعابٍ، والرِّيش: لباسُ الزينة والجمال، استُعير من ريش الطير لأنَّه لباسه وزينتُه؛ أي: أنزلنا عليكم لباسين؛ لباسًا يواري سوآتكم ولباسًا يجمِّلكم ويزينكم.\nوالزينة غرض صحيح في الشرع؛ كما قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ [النحل: ٦].\n﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو الاكتفاءُ بالصوف والخشِن من الثياب، ورفعُه بالابتداء، خبرُه:\n_________\n(^١) في (م): \"والتعيين بما\". وسقطت \"بما\" من (ف).\n(^٢) في (ك): \"وقضي\".\n(^٣) نسبت لعثمان وابن عباس ﵃ وجمع من التابعين والقراء. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ١٢٠)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٩٧)، و\"البحر\" (١٠/ ٥١).","vol":"4","page":30},{"text":"﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ وذلك لأن خير الأمور أوساطُها (^١)، أو خبرُه ﴿خَيْرٌ﴾، و﴿ذَلِكَ﴾ صفته (^٢)، عُدل به عن النصب وفخِّم بالإشارة إليه.\nوقُرئ: ﴿ولباسَ التقوى﴾ بالنصب (^٣) عطفًا على ﴿لِبَاسًا﴾؛ قيل: هو ما يُتَّقى به في الحروب، ولا يناسبه الترجيحُ والتفخيم، فإن ما ذُكر هو (^٤) وجه الرجحان، إنما يساعد الأولَ.\nوقيل: هو لباس الورع. ولا يساعده:\n﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: تحصيلُ اللباس من موادَّ أرضيةٍ حاصلةً بأسبابٍ سماويةٍ، واتصالُ منافع إحداهما بالأخرى مع بُعد ما بينَهما، دليل على كمال قدرة منشئهما وحكمةِ مدبِّرهما.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعرفون (^٥) نعمتَه، ويعترفون بقدرته، ويحترزون عن نقمته. أو: يتعظون فيتورَّعون عن القبائح.\nروي: أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراةً ويقولون: لا نطوف في ثيابٍ عصينا الله فيها، فنزلت (^٦).\nفعلى هذا تكون قصةُ آدم ﵇ تَقدِمةً لذلك؛ تنبيهًا على أن انكشاف\n_________\n(^١) في (ف): \"أوسطها\"، وسقط من (ك) قوله: \"وذلك لأن خير الأمور أوساطها أو خبرُه خيرٌ\".\n(^٢) في (ف): \"صفة\".\n(^٣) هي قراءة نافع وابن عامر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٩).\n(^٤) \"هو\": ليست في (م) و(ك).\n(^٥) في (ف): \"فيوفون\".\n(^٦) رواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ١٢٠) عن مجاهد.","vol":"4","page":31},{"text":"العورة أولُ سوءٍ أصاب الناس من الشيطان، وأنَّه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم، وأن الفطرة السليمة اقتضت سترَها بخَصْف الورق عليها ليَتَّعِظوا بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-981\"> </span>(٢٧) - ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ لا يخفى على الفَطِن ما في هذا التعبير من الإشارة إلى أنهم مَظِنَّة الافتنان لكونهم ذريةَ مَن افتتن.\n﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾: لا يمنعنَّكم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ دخول الجنة بالافتتان؛ أي: بالإغواء.\n﴿كَمَا أَخْرَجَ﴾؛ أي: أَفْتَنَ (^١) ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ بما أدى إلى إخراجهما ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾.\nوالمراد بنهي الشيطان: المبالغةُ في نهيهم عن مظانِّ الافتتان به.\n﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ حال من ﴿أَبَوَيْكُمْ﴾ أو من فاعلِ ﴿أَخْرَجَ﴾، وإسنادُ النزع إليه مجازيٌّ للتسبُّب، والعدولُ عن صيغة الماضي لاستحضار تلك الصورة الفظيعة.\nوالنزع: قلع الشيء عن موضعه الذي هو مُلابسٌ له.\n﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان ﴿يَرَاكُمْ﴾ تعليل للنهي على سبيل الاستئناف، وتأكيدٌ للتحذير من فتنه بأنَّه بمنزلةِ العدوِّ المُداجي يكيدكم (^٢) من حيث لا تشعرون.\n﴿هُوَ﴾ أظهره ليصح عطفُ قوله: ﴿وَقَبِيلُهُ﴾؛ أي: جنوده.\n_________\n(^١) في (ك): \"فتن\".\n(^٢) في (م): \"المواجي بكيدكم\". وفي \"ف\": (المداحي لكيدكم).","vol":"4","page":32},{"text":"﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾؛ أي: من مكانٍ لا ترونهم فيه، قال ابن عباس ﵄: صدرُ الإنسان له مسكنٌ، وَيجري منه مجرى الدم.\nوإنما لم يقل: ولا تَرونهم، كيلا يذهبَ الوهم إلى عدم تيسير رؤيتهم لنا مطلَقًا.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالتناسُب بينهم، والآية مقصودُ القصة (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-982\"> </span>(٢٨) - ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ فعلةً متناهيةً في القبح؛ كعبادة الصنم، وكشفِ العورة في الطواف.\n﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ اعتذَروا بتقليد الآباء. ولمَّا رأوا ما فيه من الضعف أيَّدوه بقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾.\nقيل: هما جوابَا سؤالين مترتِّبين؛ كأنه قيل لمَّا فعلوها: لِمَ فعلتُم؟ فقالوا: وجدنا عليها آباءنا، فقيل: من أين أَخذ آباؤكم؟ فقالوا: الله أمرنا بها.\nوفيه: أن حقَّ النظم حينئذ: والله أمَرهم بها.\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾؛ لأن عادته تعالى جرت على الأمر بمحاسنِ الأفعال، والحثِّ على مكارم الخصال، اقتصر على ردِّ الثاني لِمَا عرفْتَ أن الأول لا يُعوَّل عليه بدونه.\n_________\n(^١) في (م): \"مقصودة القصة\". وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠)، وفيه: (والآية مقصود القصة وفذلكة الحكاية). ويعني: الحكاية السابقة، والفذلكة: مجمل ما فصِّل وخلاصته.","vol":"4","page":33},{"text":"وفي (^١) الآية دلالةٌ على أن في بعض الأفعال قبحًا (^٢) يُثْبته العقل مع قطع النظر عن السمع، وإن لم يدلَّ على ترتُّب الذمِّ عليه آجلًا قبل النَّهي عنه.\n﴿أَتَقُولُونَ﴾ أتفترون ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ إنكارٌ يتضمَّن النهيَ، وإنما قال:\n﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إظهارًا لِمَا في افترائهم من زيادةِ قبحٍ؛ لتضمُّنه الإخبارَ عمَّا لا علم لهم به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-983\"> </span>(٢٩) - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل الذي هو الواسطةُ بين طرفي الإفراط والتفريط في كلِّ شيء.\n﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ معطوفٌ على ما ينحلُّ إليه المصدر الذي هو (القسط)؛ أي: بأنْ أَقْسِطوا وأَقِيموا، وكما ينحلُّ المصدر إلى (أنْ) والفعلِ الماضي نحو: عجبتُ من قيام زيد وخَرَج؛ أي: من أنْ قام زيدٌ وخَرَج، كذلك ينحلُّ إلى (أنْ) مع الفعل المضارع نحو:\nلَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عيني (^٣)\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"في\".\n(^٢) في (ف): \"قبيحًا\".\n(^٣) صدر بيت لميسون بنت بحدل كما في \"المحتسب\" (١/ ٣٢٦)، و\"الحماسة الشجرية\" (٢/ ٥٧٤)، ودون نسبة في \"الكتاب\" (٣/ ٤٥)، وعجزه:\nأحبُّ إلي من لبس الشُّفوف","vol":"4","page":34},{"text":"أي: لَأَنْ ألْبَسَ عباءةً وتَقَرَّ عيني.\n﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: موضعِ سجودٍ؛ أي: لا تسجدوا كما يسجد اليهود على أنصاف الوجوه، وقد مرَّ وجهُ ذلك في تفسير سورة البقرة (^١).\n﴿وَادْعُوهُ﴾: واعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الطاعةَ، مُبْتغِينَ بها وجهَ الله تعالى خالصًا، فإنكم مبعوثون مجزيُّون على أعمالكم، فحذف التعليل وذكر (^٢) ما يدلُّ على البعثة اكتفاءً بالعبارة عن الإشارة.\n﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾؛ أي: كما أبدأكم (^٣) ابتداءً ﴿تَعُودُونَ﴾ بإعادته؛ أي: قِيسوا الإعادةَ بالإبداء، فلا تنكروها لأنها أهونُ منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-984\"> </span>(٣٠) - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\n﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ بأنْ وفَّقهم للإيمان.\n﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ بإبطالهم الاستعدادَ الأصلي والقابليةَ الفِطْريةَ لا (^٤)\n_________\n(^١) في هامش (ف) \"قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇ أنهم إن قبلوا وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا أن لا مهرب بهم قبلوا ما في التوراة وسجدوا من المهابة على أنصاف وجوههم؛ لأنهم كانوا يلاحظون الجبل، وكذلك يسجد اليهود، وكذلك في \"التيسير\" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. منه\".\n(^٢) في (ك): \"وزيد\".\n(^٣) في (ف): \"بدأكم\".\n(^٤) \"لا\" سقطت من (ف).","vol":"4","page":35},{"text":"باقتضاءِ القضاءِ الأزلي كما زعمت (^١) الجبريةُ؛ لأن القضاء تابعٌ للمقضيِّ (^٢) لا متبوعٌ له، وانتصابُه بفعلٍ مضمَرٍ يفسِّره ما بعده؛ أي: أضلَّ، كقولك: زيدًا مررتُ به.\n﴿إِنَّهُمُ﴾؛ أي: إنَّ (^٣) الذين حقَّ عليهم الضلالةُ ﴿اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فأطاعوهم، تعليل للمفسَّر أو تحقيق للمفسِّر.\n﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ولولا حسبانُهم هذا لكان فيهم تأثيرٌ لإنذار (^٤) النذير، فهو تتميمٌ للتعليل أو التحقيق، وتنبيهٌ على أن الضلال إنما حَقَّ على مَن ضلَّ وزعم أنه اهتدى، ومن هنا ظهر أن المكلَّفين غيرُ محصورين في الفريقين المذكورين، فإن المعاند بمعزلٍ عن الحسبان المزبور (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-985\"> </span>(٣١) - ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما خاطبهم بهذا (^٦) تذكيرًا لسُنَّةِ أبيهم آدمَ ﵇ في ستر العورة.\n_________\n(^١) في (ف): \"زعمته\".\n(^٢) في (ك): \"لمقضي\".\n(^٣) \"إن\" ليست في (ك).\n(^٤) في (ف): \"لكان فيه تأثير لإنذار\"، وفي (ك): \"لكان فيهم تأثير للإنذار\"، وفي (م): \"لكان فيهم تأثير الإنذار\". والصواب المثبت.\n(^٥) في هامش (ف): \"فيه رد لمن زعم أن فيه دلالة على أن الكافر المخطئ والمعاند سواءٌ في استحقاق الذم\".\n(^٦) في (ف): \"بها\".","vol":"4","page":36},{"text":"﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ أي: لباسكم الموارِي لعوراتكم، والزينة (^١) فِعْلةٌ من التزيُّن، وهو اسم ما يُتجمَّل به من ثيابٍ وغيرها، والمأمورُ بأخذه هنا ما يستر العورة.\n﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: عند كلِّ قصدةٍ للطواف (^٢)، دلَّ عليه سببُ النزول، فإنهم كانوا يدَعون ثيابهم وراء المسجد عند الطواف. أو: للصلاة؛ فإن ستر العورة فيها واجب.\nوالسنَّة أن يأخذ الرجل أحسنَ هيئةٍ للصلاة اعتبارًا لظاهر عبارةِ الزينة.\n﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾؛ أي: لا تضيِّقوا على أنفسكم فيما وسَّعه الله تعالى من الأكل والشرب.\nروي: أنهم كانوا لا (^٣) يصلُّون في ثيابهم، ويقولون: لا نصلي في ثيابٍ أَذْنبنا فيها، ولا يأكلون من الطعام إلا قُوتًا، ولا يأكلون دسِمًا في أيام حجِّهم، يعظِّمون بذلك حِجِّتهم (^٤)، فقال المسلمون: يا رسول الله! نحن أحقُّ بذلك أن نفعل، فنزلت الآية (^٥).\nولمَّا كان حذفُ المفعول في الموضعين مَظِنَّةَ التعميم والتوسيعِ لدائرة الرخصة في الأكل والشرب كمًا وكيفًا، تُدُورِكَ دفعُه بقوله:\n_________\n(^١) بعدها في (ف): \"اسم\".\n(^٢) \"للطواف\": ليست في (م) و(ك).\n(^٣) \"لا\" سقطت من (ف).\n(^٤) في (ك): \"حجهم\".\n(^٥) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٢٦) عن الكلبي.","vol":"4","page":37},{"text":"﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: في التغدِّي بالتعدِّي من الحلال إلى المحظور، بل من الطيِّب إلى المحذور (^١).\n﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الله تعالى، والإضمار قبل الذكر للتفخيم.\n﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي (^٢): لا يرتضيهم لإسرافهم، وهذا أبلغ في ذم الإسراف، وصيغةُ الجمع للتعميم لأنواعه، فإنه مذمومٌ في كلِّ أمر حتى في التصدُّق، على ما مر في سورة الأنعام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-986\"> </span>(٣٢) - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ﴾ معنى الاستفهام: إنكارُ تحريم هذه الأشياء، وتوبيخُ محرِّمها، والاستفهام إذا تضمَّن الإنكارَ لا جواب له.\n﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾ الإضافةُ إليه تعالى تعظيمًا لنعمة الزينة؛ للدلالة على عدم التحريم من جهته تعالى.\n﴿الَّتِي أَخْرَجَ﴾ من الحيوان كالحرير والصوف، والنبات كالقطن والكتان، والمعدن كالحديد وسائر الأجساد.\n﴿لِعِبَادِهِ﴾ في عبارة العباد إشارةٌ إلى أن الإخراج المذكور لمصلحة العبادة، فلهذا آثرها على الناس.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"الحلال ما لا خطر فيه والطيب ما لا […] فيه\". وما بين معكوفتين كلمة غير واضحة.\n(^٢) \"أي\": ليست في (م) و(ك).","vol":"4","page":38},{"text":"﴿وَالطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: المحلَّلات؛ فإن المحرَّم ليس بطيِّبٍ وإن كان مستلذًّا.\n﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾: من المآكل والمشارب، فوصفُ الطِّيب هنا في مقابلة الإضافة إلى الله تعالى قرينةٌ (^١) في إفادة المعنى المهم في المقام وهو كونُهما غيرَ محرَّمَينِ في الشرع، فلا دلالةَ في الآية على أن الأصل في المطاعم والملابس والمشارب وأنواع التجمُّلات الإباحةُ (^٢).\n﴿قُلْ هِيَ﴾؛ أي: جملةُ ما ذُكر من الزينة والطيبات.\n﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ غيرَ خالصةٍ لهم؛ لكون الكفار شركاءَهم فيها، وإنما لم يقل: للَّذين آمنوا ولغيرهم؛ تنبيهًا على أنها خُلقت لهم بالأصالة والكفارُ تَبَعٌ لهم فيها (^٣)، وإقحام ﴿الْحَيَاةِ﴾ للإشعار إلى وجه التشريك بإفهامِ أنها للحاجة إليها في الحياة.\n﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يشاركُهم فيها غيرهم، وانتصابُها على الحال من الضمير المستكنِّ في الجارِّ والمجرور الواقع (^٤) خبرًا لـ ﴿هِيَ﴾. وقُرئ بالرفع (^٥) على أنها خبرٌ بعد خبرٍ.\n﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: كتفصيلنا لكم (^٦) هذه الأحكامَ في الحلال والحرام نفصِّل لكم جميع ما بكم حاجةٌ إليه من شرائع الإسلام، وإنما قال:\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"في قرينه\".\n(^٢) في هامش (ف): \"ومن الجمال الأجساد السبعة\".\n(^٣) \"فيها\" ليست في (ف).\n(^٤) في (ف): \"والواقع في\".\n(^٥) هي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٩).\n(^٦) في (ف): \"تفصيلنا لهم\".","vol":"4","page":39},{"text":"﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تفضيلًا للعلماء على غيرهم بتخصيص التفصيل لهم، وتغليبًا للذكور على الإناث لأصالتهم في أهلية الخطاب بإعلام الأحكام وإفهامِ الحلال والحرام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-987\"> </span>(٣٣) - ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾؛ أي: لم يحرِّم الزينة والطيِّبات وإنما حرَّم القبائح التي زاد قبحُها.\nوالتحريم: المنع من الفعل بإقامةِ الدليل على وجوب تجنُّبه، وضدُّه التحليل وهو: الإطلاق في الفعل ببيان جواز تناوُله.\n﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال ابن عباس ﵄: كانوا لا يرون بالزنا سرًا بأسًا، وكانوا يستقبحونه عَلَانيَةً، فنُهوا عنه جميعًا (^١).\nوتخصيصُها بالذكر مع انتظامها في سلكِ الآتي ذكرُه للاهتمام.\n﴿وَالْإِثْمَ﴾ أريد به: ما بين العبد وبينه تعالى من الذَّنْب.\n﴿وَالْبَغْيَ﴾ أريد به: ما بينه وبين الغير، وهو التعدي مبتدئًا كان أو منتصِرًا، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ زيادةُ بيانٍ؛ لأن ما كان بحقٍّ لا يكون بغيًا.\n﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ تهكُّمٌ بهم، إذ معلومٌ أنه لا برهانَ عليه حتى ينزل، فهو من قبيل:\n_________\n(^١) رواه الطبري (٩/ ٦٦٠).","vol":"4","page":40},{"text":"ولا ترى الضبَّ بها يَنجحِرْ (^١)\nوإذا لم يَجزْ إنزال البرهان بالإشراك كان ذكرُ ذلك استهزاءً.\nثم إن في السلطان مزيَّةً على البرهان، من حيث إن البرهان: إظهارُ صحة المعنى وفسادِ نقيضه، والسلطان: إظهارُ ما يُتسلط به على نقيض المعنى بالإبطال، ولا يخفى ما في اعتبار هذه المزية واشتراطِ نزوله دون ظهوره من تعظيم أمر الشرك.\n﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ﴾: وأن تفتروا عليه ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنما ذكره إظهارًا لزيادة قبح ما فعلوه، وإلا فالافتراء لا يكون عن عِلم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-988\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ الأمة: الجماعة التي على مقصدٍ واحد، والأجل: الوقت المضروب لانقضاء المُهَلِ، ففيه إشارةٌ إلى تقارُب أعمار (^٢) أهل العصر الواحد، وأما الوعيدُ فمبناه على أن يكون المراد من الأجل مدةَ نزول العذاب، ولا يساعده أخذُ الكلِّية على ظاهرها.\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: لا يتقدَّمون ولا يتأخَّرون.\n_________\n(^١) عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: ١٥١]، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره:\nلا تفزعُ الأرنبَ أهوالُها\n(^٢) في (ف): \"إعمال\".","vol":"4","page":41},{"text":"وإنما قال: ﴿سَاعَةً﴾؛ لأنها أقصر الأوقات في العرف، يقول (^١) المستعجِل لصاحبه: في الساعة؛ أي: أقصرِ وقت.\nوإنما قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾؛ لأنَّه قبل المجيء يُقبَل التقدُّم والتأخُّر بخلاف ما بعده، على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤].\nوالمراد من مجيء الأجل: مجيءُ قربه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وهذا كما يقال: جاء الشتاء، وجاء الصيف، إذا قارَب (^٢) وقته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-989\"> </span>(٣٥) - ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ إنما (^٣) أُوثر هذا التعبير لِمَا فيه من التذكير (^٤) لأول الرسل منهم.\n﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي (إنْ) الشرطيةُ زيدت عليها (ما) لتأكيد معنى الشرط، ولذلك لزمت فعلَها النونُ الثقيلة أو الخفيفة، وجواب الشرط الجملة الشرطية الآتية.\n﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ إنما جاء في إتيان الرسل بحرف الشك تنبيهًا على أنه غير واجب كما زعم أهل التعليم (^٥).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"يقول\".\n(^٢) في (ف): \"فات\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"وإنما\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"التذكر\".\n(^٥) في (ف): \"أهل التنطح\". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢). وقد اختلف شراحه في المقصود بهذا اللفظ، فهم في قول الشهاب: الفلاسفة، قال: =","vol":"4","page":42},{"text":"﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ القَصَصُ: وصل الحديث بالحديث (^١)، وأصله: إتْباع الشيء بالشيء.\n﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الشرك والمعاصيَ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العمل والإسلام (^٢)\n﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من الوقوع في العقوبات، وهذا ثمرة (^٣) الاتقاء.\n﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفوات الثواب، وهذا ثمرةُ الإصلاح، وليس فيه إبطالُ مخافات القيامة؛ لأنَّ المراد به العاقبة، فهو كقول الطبيب: لا بأس عليك ولا خوف، وإن كان في وجعٍ وضعف.\n* * *\n_________\n= (قالت الفلاسفة: إنه - أي: إرسال الرسل لهداية البشر - واجب على الله؛ لأنَّه يجب عليه تعالى أن يفعل الأصلح، وهم يسمون أهل التعليم). وقال القونوي: (هم الإسماعيلية، وهم طائفة من الشيعة، فهم ذهبوا إلى أن المعرفة لا تحصل بدون معلم). والذي يفهم من كلام ابن التمجيد أنهم ليسوا جماعة بعينها بل ولا تخالُف بينهم وبين أهل السنة، حيث قال: (قوله - يعني البيضاوي -: كما ظنه أهل التعليم؛ أي: كما ظن وجوبه أهل التعليم، قالوا: إن من فوائد بعثة النبي ﷺ أن يعلم الصناعات الضرورية النافعة المكملة لأمر المعاش … إلخ)، ولعل سكوت شيخ زاده عن شرحها من هذا المعنى. وذهب الآلوسي إلى أن المراد بالرد هم المعتزلة لكن دون نعتهم بأهل التعليم، فقال: (وفي الإتيان بـ (إنْ) تنبيه على أن إرسال الرسل أمر جائز لا واجب، وهو الذي ذهب إليه أهل السنة، وقالت المعتزلة: إنه واجب على الله تعالى؛ لأنَّه سبحانه - بزعمهم - يجب عليه فعل الأصلح). انظر: \"حاشية شيخ زاده\" (٤/ ٢١٤)، و\"حاشية الشهاب\" (٤/ ١٦٦)، و\"حاشية القونوي\" (٨/ ٣٧٧)، وبهامشها \"حاشية ابن التمجيد\"، و\"روح المعاني\" (٩/ ٩٦).\n(^١) \"بالحديث\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف): \"العمل في الإسلام\".\n(^٣) في (ك): \"ثمر\".","vol":"4","page":43},{"text":"<span id=\"aya-990\"> </span>(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: تعظَّموا عن قبولها، والمعنى: واستمروا على التكذيب، فإن الاستكبار يلزمه الاستمرارُ على خلافِ مَن اتَّقى وأصلح.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ الملازِمون لها لتكذيبهم بآياتنا.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لاستمرارهم عليه (^١)، وإنما أورد في جواب ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الفاء (^٢) دون جوابِ ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-991\"> </span>(٣٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾: أفحشُ ظلمًا، والفاء للترتيب على ما فُهم مما تقدم؛ من عِظَم شأن الافتراء حيث قُرن بالشرك بالله، وشأنِ التكذيب حيث أُخبر بأن جزاءه الخلود في النار.\nوالاستفهامُ للاستعظام، وقد مرَّ بيان طريقته في تفسير (سورة الأنعام).\n﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ الافتراء: اختراع أمر لا أصل له في حق مَن يَشينه، ولهذا\n_________\n(^١) في (ك): \"عليها\"، وسقطت من (ف)، والمثبت من (م)، والضمير يعود على التكذيب.\n(^٢) \"الفاء\" سقطت من (ك).","vol":"4","page":44},{"text":"يتعدَّى بـ (على) فقوله: ﴿كَذِبًا﴾ تصريحٌ بما عُلم التزامًا؛ إظهارًا لِمَا في الافتراء من مزيدِ قبحٍ حيث جَمع بين القبيحين.\n﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ لم يقل: أو كذَّبه؛ لأن مَن كذَّب كلام الله تعالى إنما كذَّبه منكِرًا لكونه كلامَه، وإنما قال: ﴿بِآيَاتِهِ﴾ لينتظِم المعجزات الفعليةَ.\n﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ﴾ النيل: هو وصول النفع إلى الغير إذا أُطلق، وإنْ قيِّد وقع على الضرر؛ لأن أصله الوصول إلى الشيء.\n﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمار؛ أي: هؤلاء مع نهاية (^١) ظلمهم لا يَحرِمهم في الدنيا، بل يَصل إليهم حظُّهم في الدنيا مما كُتب لهم في الكتاب السابق.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ﴾ غايةٌ لنَيلهم نصيبَهم واستيفائه (^٢)، وهي التي تقع بعدها الجملة.\n﴿رُسُلُنَا﴾؛ أي: ملك الموت وأعوانه.\n﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: يستوفون أرواحهم، حال من الرسل\n﴿قَالُوا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، حقُّ (ما) أنْ تُفصل لأنها موصولةٌ، ولكن وقعت موصولةً في خط المصحف بـ (أين) فاتُّبع سُنَّتُه.\n﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تعبدونه من الآلهة ترجون شفاعتَهم ومَعُونتهم.\n﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عنا فلا نراهم.\n﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾؛ أي: اعترفوا بكفرهم بلفظة الشهادة التي\n_________\n(^١) في (ف): \"زيادة\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"واستبقائه\".","vol":"4","page":45},{"text":"هي تحقيقُ الخبر، ولا يخالف هذا ما تقدم في سورة الأنعام من قولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ لأن إنكارَهم ذلك عند غيبة آلهتهم على ما بيِّن فيما سبق، واعترافَهم هذا عند حضورهم على ما أَفصح عنه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦].\n* * *\n\n<span id=\"aya-992\"> </span>(٣٨) - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ أي: يقول الله تعالى لهم على ألسنة الملائكة يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوا﴾.\nويجوز أن يكون الأمر (^١) للتسخير؛ كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا﴾ [البقرة: ٣٦]، فيكون دخولهم في النار بلا قدرةٍ منهم واختيار (^٢)، كما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ [الملك: ٨].\n﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: كائنين في عدادِهم ومصاحِبين (^٣) لهم، فإن كلمة (في) تجيء بمعنى (مع).\n﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: مضت؛ لأنَّ مَن مضَى بالهلاك فقد انتَفَى عن مكانه فخلا مكانُه عنه، إلا أنه قَلب فنَسب الخلوَّ إليه.\n_________\n(^١) \"الأمر\": ليست في (م).\n(^٢) في (م) و(ك): \"قدرة واختيار منهم\".\n(^٣) في (ف): \"أو مصاحبين\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٠٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢).","vol":"4","page":46},{"text":"﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأصالتهم في الإغواء والإضلال (^١)؛ لأن المقام مقامُ التحقير.\n﴿فِي النَّارِ﴾ متعلِّق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾، والدخول في النار وإنْ لم يقتضِ كونَ الفريقين من الكفَّار، لكن الأمر بالمشركين بالكون منهم في معرض العقاب دل على ذلك.\n﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ﴾؛ أي: في النار ﴿أُمَّةٌ﴾ من تلك الأمم ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: مِثْلَها في الدِّين التي ضلَّت هي بها.\nوقيل: بالاقتداء بها. وَيرِدُ عليه: أنه يلزم حينئذ أن تكون سلسلة الأمم الداخلةِ في النار متناهية.\n﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ وقرئ: (تداركوا) (^٢)؛ أي: تلاحَقوا، وهو الأصل، ثم وقع الإدغام فاحتيج إلى ألف الوصل.\n﴿فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ منزلةً، وهم الأتْباع والسَّفِلة.\n﴿لِأُولَاهُمْ﴾ لأَجْل أولاهم؛ لأن الخطاب مع الله تعالى لا معهم، وهم الرؤساء والقادة.\n﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ بأنْ دعونا إلى ذلك وأمرونا به، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] فلا حاجة إلى الصرف عن الظاهر المتبادِر.\n﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾: مضاعفًا؛ لأنهم ضلُّوا (^٣) وأضلُّوا.\n_________\n(^١) \"لأصالتهم في الإغواء والإضلال\": ليست في (م) و(ك).\n(^٢) تنسب لابن مسعود والأعمش. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٤٧)، و\"البحر\" (١٠/ ٨٦).\n(^٣) في (ك): \"أضلوا\".","vol":"4","page":47},{"text":"﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾؛ أي: لكلٍّ منكم ومنهم ضعفٌ: مِثْلٌ زائد على مِثْلٍ؛ لأن كلًّا من الفريقين ضالٌّ ومُضلٌّ، وهذا في حق القادة ظاهرٌ، وأمَّا في حق الأتْباع فلأنهم بالاتِّباع لهم وصدورهم عن رأيهم زادهم في طغيانهم وثباتهم على الضلال، وقوتهم على الإضلال، وقد أَفصح عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، وأما التقليد في الباطن (^١) فلا يصلح وجهًا له؛ لعدم اختصاصه بالأتباع، فإن القادة أيضًا قد يكونون مقلِّدين (^٢).\n﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ كيلَا يحصلَ لهم نوعُ سلوةٍ وسرور، فإنه لو علم كلٌّ منهم ما بالأخرى (^٣) بسبب إضلالهم إياهم لكان لهم فيه تسلِّ وخفَّةٌ. وقرئ بالياء على الانفصال (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-993\"> </span>(٣٩) - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.\n﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ مرتَّبًا كلامُهم على جوابه تعالى لآخريهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"الباطل\".\n(^٢) في هامش (ف): \"ويرد عليه أنه يلزم في أن يكون سلسلة الأمم الداخلة في النار غير متناهية؛ لأن موجب ما ذكر أن يكون لكل أمة داخلة في النار قادة مضلة لها، وهي أيضًا من الأمم الداخلة فيها، فيلزم أن يكون لها أيضًا قادة فضلًا هكذا إلى ما لا نهاية له\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"كل منهم بالآخر\".\n(^٤) هي رواية شعبة عن عاصم، والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).","vol":"4","page":48},{"text":"﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾؛ أي: فقد ثبت أنْ (^١) لا فضل لكم علينا، بل إنَّا وإياكم متساوون في الضلال والإضلال، واستحقاقِ العذاب بهما.\n﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ كما نحن نذوقُه بما كنا نكسبه، فليس هذا القول منهم (^٢) تشفِّيًا، كيف والمقام لا يحتمل الإخبار عن حالٍ فيها نوعُ سرورٍ لهم؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-994\"> </span>(٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ قد سبق تفسيره.\n﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾؛ أي: لأدعيَتِهم وأعمالهم أو لأرواحهم كما تفتح للمؤمنين، فهو بمنطوقه وعيد للكفار، وبمفهومه وعد للمؤمنين؛ إذ لولاه لمَا كان (^٣) وعيدًا لهم.\nوالحاجة إلى صيغة الجمع في قوله: ﴿أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ لمصلحةِ المفهوم؛ إذ لا حاجة إليها في المنطوق.\nوقرئ: ﴿تُفَتَّحُ﴾ بالتشديد لكثرة الأبواب، وبالياء لأن تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ والفعلُ مقدَّم (^٤).\n_________\n(^١) \"أن\": ليست في (م).\n(^٢) \"منهم\" ليست في (ف).\n(^٣) في (ف): \"لولاه لكان\".\n(^٤) قرأ أبو عَمْرو بالتَّاءِ خَفيفًا، وحمزة والكسائِيّ بالياءِ خَفيفا، والباقُونَ بالتَّاءِ شديدًا. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).","vol":"4","page":49},{"text":"وعلى البناء للفاعل ونصب الأبواب: بالتاء على أن الفعل للآيات (^١)، وبالياء على أنه لله تعالى (^٢).\n﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ الولوج: التقحُّمُ في الشيء، وإنما خُص الجمل من جنس البعير بالذِّكر لأنَّه أكبرُ وأصلب من الناقة.\n﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ في ثقبة الإبرة، وهو من باب التعليقِ بالمحال؛ إذ المعنى: لا يدخلون الجنة حتى يدخل ما هو مِثْلُ الجمل (^٣) في عظَم الجِرْم فيما هو مَثَلٌ في ضيقِ المسلك، وذلك مما لا يكون أبدًا، فكذلك ما علِّق به.\nوقرئ: (الجَمْل) كالحَبْل، و: (الجُمَل) كالنُّغَر، و(الجُمْل) كالقُفْل، و: (الجُمُل) كالنُّصُب، و: (الجُمَّل) كالقُمَّل (^٤)، وهي (^٥): الحبل الغليظ، وقيل: حبل السفينة.\nو: (سُمِّ) بالضم والكسر، [وقرأ عبد الله]: (في سمِّ المِخْيَط) (^٦)، وهو والخيَاط: ما يُخاط به؛ كالحِزام والمِحْزَم.\n_________\n(^١) في النسخ: \"للأبواب\"، والتصويب من \"الكشاف\" و\"البيضاوي\" انظر التعليق الآتي.\n(^٢) أي: (لا تَفْتَحُ -أو: لا يَفْتَحُ- لهم أبوابَ السماء). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٠٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢).\n(^٣) \"الجمل\" ليست في (ف)، ولها وجه بأن يكون الضبط هكذا: \"مَثَلٌ\".\n(^٤) انظر هذه القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٣)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٤٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٠٣)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٥) في (ك): \"وهو\"، والصواب المثبت؛ لأن هذا الضمير بعود على كل ما سبق من القراءات؛ أي: على جمع، فيناسبه التأنيث لا التذكير.\n(^٦) انظر هذه القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٠٣)، والكلام وما بين معكوفتين منه.","vol":"4","page":50},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومِثْلَ ذلك الجزاء الفظيعِ ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين الموصوفين بالجُرم الكامل، وإنما وضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع الضمير تسجيلًا على المكذِّبين بالإجرام، وإيذانًا بأن الإجرام هو السبب الموجِب للحرمان، الموصلُ إلى العقاب المؤبَّد في النيران، ولذلك كرَّر الجزاء وسجَّل عليهم بالظلم تأكيدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-995\"> </span>(٤١) - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾: جمع مَهْدٍ، وهو الوِطاء الذي يُفترش، ومنه: مَهْد الصبيِّ، وتمهيدُ الأمور: تسويتُها وإصلاحها، فهو على طريقة قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، ولهذا - أي: لِمَا (^١) في لفظ المهاد من التهكُّم - آثره على لفظ الفراش مع ما فيه من صنعة التجنيس؛ اعتبارًا لجانب المعنى، وترجيحًا للمزيَّة المعنويَّة على اللفظيَّة.\n﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: جمع غاشيةٍ، وهي لباسٌ مجلِّل، والتنكيرُ فيها وفي ﴿مِهَادٌ﴾ للتعظيم والتهويل.\nولما كان في المهاد اختصاصٌ لجهة التَّحت، بخلاف الغاشية فإنها خِلْوٌ عن الاختصاص بجهةٍ، وكان المراد التغطيةَ من جهة (^٢) الفوق، فلا جَرَمَ احتيج إلى قوله: (مِن فوقهم) دون: مِن تحتهم، وقد ذُكرا في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] لقيام الحاجة إلى تعيين الجهة\n_________\n(^١) في (م): \"ولما\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"جانب\".","vol":"4","page":51},{"text":"في الموضعين، قوله: ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ يرشدك إلى إرادة معنى الجمع من (^١) المهاد (^٢).\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالإصرارِ على عدم الإيمان، والاستكبارِ عن الإذعان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-996\"> </span>(٤٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ اعتراض بين المبتدأ وخبره للإشارة أولًا إلى أن المذكور في معرض الشرط الأعمالُ التكليفية، وثانيًا إلى أنه غير معتبَر في حق غير المكلَّفين والمعذورين.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ على عادته تعالى في أن يَشفع الوعيد بالوعد، و﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى أنَّ استحقاق الخلود في النعيم بسبب اتِّصافهم بالإيمان والأعمال الصالحة مع سهولتهما وتعظيم لشأنهما (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"في\".\n(^٢) في هامش (ف): \"يرشدك إلى هذا قول الزمخشري في \"الأساس\": مهد المهد والمهود والمهاد والمهد، وإن لم يساعده ما في \"الكشاف\" من تفسيره بالفراش\".\n(^٣) في (م): \"شأنهما\".","vol":"4","page":52},{"text":"<span id=\"aya-997\"> </span>(٤٣) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ النزع: رفع الشيء عن مكانه المتمكِّنِ فيه: إما بتحويله عنه، وإما بإعدامه. والمراد هنا هو الثاني.\nوالغل: هو الحقد الذي يصل بلطفه إلى صميم القلب، ومنه: الغلول، وهو الوصول بالحيلة إلى دقيق الخيانة.\nوالصُّدور: ما يَصدر (^١) من جهة التدبير والرأي، ومنه قيل للرئيس: الصَّدر.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ زيادةً في حبورهم وسرورهم، والنَّهْر: المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه: النهار؛ لاتساع ضيائه، والجريان: انحدار المائع.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ بالدلالة إلى ما يوصلنا إليه من الإيمان والعمل الصالح.\n﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ زيادةُ اللام لتأكيد النفي؛ أي: وما كان (^٢) يصح ويستقيم لنا أن نكون من المهتدين إلى ذلك مع تيسُّره (^٣) لولا هدايةُ الله تعالى وتوفيقُه.\nوجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف دل عليه ما قبله.\n_________\n(^١) في (م): \"والصدر ما يصدق\".\n(^٢) في (م): \"وما كنا\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"سيره\"، ولعله محرف عن: (يسره).","vol":"4","page":53},{"text":"وقرئ: ﴿مَا كُنَّا﴾ بغير واوٍ (^١) على أنها جملةٌ مبيِّنةٌ للأولى، وعلى القراءة المشهورة اعتراضيةٌ للتأكيد (^٢).\n﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فاهتدَيْنا إلى هذا بإرشادهم، وهو كلام وارد على سبيل الاغتباط والتبجُّح بما نالوا، والسرورِ بما شاهَدوا.\n﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ النداءُ الدعاء (^٣) على طريقةِ: يا فلان، كأنه قيل لهم: يا أيها المؤمنون.\nو﴿أَنْ﴾ هي المخفَّفة من الثقيلة، تقديره: بأنه، والضمير ضميرُ الشأن. أو المفسِّرة؛ لأنَّ النداء في معنى القول.\n﴿الْجَنَّةُ﴾ صفة ﴿تِلْكُمُ﴾، وهي (^٤) مبتدأٌ خبرُه ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾.\nأو ﴿الْجَنَّةُ﴾ خبرٌ، و﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾ (^٥) حالٌ، والعامل معنى الإشارة في ﴿تِلْكُمُ﴾؛ أي: مُورَثةً لكم، والإشارة بـ (تلك) لقصد التعظيم.\nوإنما سماها ميراثًا لأنها ليست مما يُستحق بالعمل، بل هو مَحْضُ فضل الله ووعدِه على الطاعة؛ كالميراث من الميت لا يكون عوضًا مستحَقًّا عن شيء، بل هو عطيةٌ خالصة، ففيه حفظ (^٦) السامع عن المتبادِر إلى الفهم من الباء السببية في قوله:\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).\n(^٢) في (م): \"لتأكيد\".\n(^٣) في (ف): \"النداء الذي\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"ومن\"، ولعلها محرفة عن المثبت، والضمير (هي) عائد على: ﴿تِلْكُمُ﴾.\n(^٥) في (م) و(ك): \"أورثتموها\".\n(^٦) في (ف): \"خط\"، وهو تحريف.","vol":"4","page":54},{"text":"﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من أن تكون تلك الأعمالُ أسبابًا حقيقيَّةً لِمَا يُعطى لهم في الدار (^١) الآخرة، فإن سببيَّتها له إنما هي بحكم الوعد، وهذه طريقةٌ بليغةٌ سميناها في بعض رسائلنا المعمولة في أسرار البلاغة بـ: التقدُّم بالحفظ، وهي أبلغ من طريقة التدارُك، وقد غفَل عنها القوم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-998\"> </span>(٤٤) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ قد مرَّ أن (نادى) معناه دعاءٌ، غير أن في النداء معنى امتداد الصوت ورفعه، وليس كذلك الدعاءُ؛ لأنَّه قد يكون بعلامةٍ كالإشارة من غير صوت ولا كلام.\nوالصاحب هو المقارِن على نيَّةِ طول المدة، والصُّحبةُ والمقارَنة نظيران، إلا أن في الصحبة معنى (^٢) الإرادة.\n﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ (أنْ) في المواضع الأربعة محتمِلةُ الوجهين كالتي مرت آنفًا.\nووَجَدْنَا من الوجود، و﴿حَقًّا﴾ مفعوله الثاني، أو من (^٣) المصادفة و﴿حَقًّا﴾ حال.\n﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ﴾ الوعد عند الإطلاق ينتظِم الخيرَ والشر، بخلاف الوعيد فإنه يختصُ بالثاني.\n_________\n(^١) \"الدار\": ليست في (م).\n(^٢) معنى\" من (ف).\n(^٣) \"من\" من (ك).","vol":"4","page":55},{"text":"﴿رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ إنما قالوه (^١) تبجُّحًا بحالهم، وتحسيرًا لأصحاب النار، ولذلك ذُكر مفعول (وعد) في الأول وتُرك في الثاني، فإن أهل الجنة يستبشِرون بحصول موعودهم، فذكروا ما وعدهم الله تعالى مضافًا إليهم، وأطلقوه حين سألوا أهل النار ليشمل كلَّ موعود؛ من البعث والحساب والثواب والعقاب، وسائرِ ما في أحوال القيامة من الأهوال؛ تنبيهًا على تكذيبهم (^٢) بأمور كثيرة ليست مخصوصةً بهم ساءهم كلَّها، وتكون إجابتهم بـ ﴿نَعَمْ﴾ تصديقًا بجميع ما وعد الله بوقوعه في الآخرة للصنفين، واعترافًا منهم بحصول موعود المؤمنين؛ ليتحسَّروا على ما فاتهم من نَعْيمهم، إذ نعيم أهل الجنة مما يَحزُنهم ويزيد في عذابهم.\n﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ وقرئ: ﴿نَعَمْ﴾ بكسر العين (^٣) فرقًا بين (نَعمْ) التي هي جوابٌ، وبين نَعَمٍ هي التي اسم للإبل والبقر والغنم.\n﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ أُبهم للتنكير، ونُكر للتعظيم، وهو ملَك ينادي بأمر الله تعالى نداءً يسمعه أهل النار زيادةً في تحسيرهم، فمعنى ﴿بَيْنَهُمْ﴾: بين القائلين ﴿نَعَمْ﴾، ولو كان المعنى: بين الفريقين، لقيل: بينهما كما قيل: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦].\n﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكفارِ؛ إطلاقًا لاسم الجنس على الفرد الكامل، بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ وقرئ: ﴿أَنْ لَعْنَةُ﴾ بالتشديد والنصب (^٤).\nوقرئ: (إنَّ) بالكسر (^٥) على إرادة القول، أو إجراء التأذين مجراه.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"قالوا\".\n(^٢) في (ف): \"تنبيههم\".\n(^٣) هي قراءة الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).\n(^٥) بكسر الهمزة والتشديد ونصب (لعنةَ). انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٠٣)، و\"البحر\" (٤/ ٩٩).","vol":"4","page":56},{"text":"<span id=\"aya-999\"> </span>(٤٥) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفةٌ مقرِّرة لـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، أو نصبٌ على الذمِّ، أو رفع عليه. والصَّدُّ: الصَّرفُ عن الخير خاصةً.\n﴿وَيَبْغُونَهَا﴾؛ أي: يبغون بها، والضمير للسبيل وهو يذكَّر ويؤنَّث.\n﴿عِوَجًا﴾ العِوَج بالكسر في المعاني (^٦) والأعيان ما لم تكن منتصبةً، وبالفتح في المنتصِبة كالحائط والرمح. أي: يطلبون بها زيغًا وميلًا إلى الباطل.\n﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾؛ أي: كانوا بها جاحدين.\nلمَّا كان مناداةُ الفريقين مُنْبئةً عن القرب بينهما، ومَظِنَّةَ أنْ يُتوهَّم وصولُ رَوح الجنة إلى أهل النار وقبحِها إلى أهل الجنة، دفعه بقوله:\n\n<span id=\"aya-1000\"> </span>(٤٦) - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾.\n﴿وَبَيْنَهُمَا﴾؛ أي: بين (^٧) الفريقين لا بين الدارين؛ لأنَّه قال في مواضع آخر: ﴿بَيْنَهُمَ﴾.\n﴿حِجَابٌ﴾ الحجاب: هو (^٨) الحاجز المانع عن الإدراك، والمراد هاهنا (^٩): السور المذكور في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣].\n_________\n(^٦) في (م): \"المعنى\".\n(^٧) في (م): \"وبين\".\n(^٨) في \"ك\": (وهو)، وليست في (م).\n(^٩) في (م) زيادة: \"هو\".","vol":"4","page":57},{"text":"﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾؛ أي: أعرافِ الحجاب وهو أعاليه، جمع عُرْفٍ، وهو ما ارتفع من الشيء فإنه بارتفاعه وظهوره أعرفُ من غيره، ومنه: عُرْفُ الديك.\n﴿رِجَالٌ﴾: قومٌ عَلَتْ درجاتهم؛ كالأنبياء ﵈ والشهداءِ (^١)، أو خيارِ المؤمنين، أو ملائكة يُرون في صورة الرجال.\nوقيل: جمع قصَّروا في العمل، أو تساوت حسناتُهم وسيئاتُهم، ويأباهما عبارةُ الرجال؛ لأن الأمر المذكور لا يختصُّ بالذكور.\n﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ من أهل الجنة والنار ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها؛ كبياض الوجه وسواده، فِعْلَى مِن سام إبله: إذا أرسلها في المرعى معلَّمةً، أو عِفْلَى مِن (وَسَم) على القلب؛ كالجاه من الوجه.\nوقد دل الباء السببية على أنهم يعرفونهم بالأمارات الظاهرة، فلا وجه لِمَا قيل: وعرفانُهم ذلك يجوز أن يكون بالإلهام من الله تعالى، أو بتعريف الملائكة (^٢).\n﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: إذا نظروا إلى أهل الجنة نادَوهم بالتسليم عليهم، وقد دل على هذا تمامُ الكلام فلا حاجة إلى تقديره.\n﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ استئنافٌ، أو صفةٌ لـ ﴿أَصْحَابَ﴾ (^٣)؛ أي: لم يَدْخلوها بعدُ، وفيه دفعُ (^٤) ما يتبادر إلى الفهم من عبارة ﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، ودفعُ وهمِ مخالفته لِمَا يأتي من قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وفي \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٤): (أو الشهداء).\n(^٢) رد على الزمخشري والبيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٠٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٤).\n(^٣) في (ف): \"للأصحاب\". وضعف هذا الوجه من حيث إنه فَصَل فيه بين الموصوف وصفته بجملة قوله: \"ونادَوا\" وليست جملةَ اعتراض. انظر: \"الدر المصون\" (٥/ ٣٣٠).\n(^٤) في (ف): \"رفع\".","vol":"4","page":58},{"text":"﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ منهم، والطمع: توقُّع المحبوب، ونقيضُه اليأس: وهو القطع بعدم حصوله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1001\"> </span>(٤٧) - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ (^١) الصرف إمالة الشيء من جهة إلى أخرى.\n﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: حِذاءَهم، وهي جهةُ اللقاء تِفْعالٌ استُعمل ظرفَ مكان، وفيه دلالةٌ على أن نظرهم إلى أهل الجنة نظرُ رغبةٍ وارتضاء، وأما نظرُهم إلى أهل النار فليس كذلك، بل لا ينظرون إليهم لكراهتهم ونفرتهم منهم، ولا يتأتَّى منهم النظر إليهم طوعًا، حتى كأنَّ صارفًا صَرَف نظرهم إليه كرهًا ليَعلموا قَدْرَ ما هم فيه، ولهذا كان الأول مقابَلًا (^٢) بالتسليم والثاني بالاستعاذة.\n﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ استعاذوا بالله تعالى من مصاحبتهم صريحًا، وفي ضمنها الاستعاذةُ من النار، ولا يخفى ما في هذا الاعتبار من تقديم الفِرار من عذاب صُحبة الفجَّار على الفرار من عذاب النار، بناءً على أن الأول روحانيٌّ والثاني جسمانيٌّ، والروحانيُّ أشد إيلامًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1002\"> </span>(٤٨) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ من رؤوس الكفرة وأعيان الفجرة.\n_________\n(^١) في (م): \"أبصارهم\" جاءت بعد \"أخرى\".\n(^٢) في \"ك\": (متقابلًا).","vol":"4","page":59},{"text":"﴿يَعْرِفُونَهُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ المعهودِ عندهم، فهذه معرفتُهم بأشخاصهم، وما سبق معرفتهم من حيث إنهم من أهل الجنة أو من أهل النار.\n﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ﴾ استئناف لبيانِ ما نودي به.\n﴿جَمْعُكُمْ﴾: كثرةُ خَدَمكم وأعوانكم، أو: جمعُكم المالَ.\nو﴿مَا﴾ في ﴿مَا أَغْنَى﴾ استفهاميةٌ للتوبيخ والتقريع، ويجوز أن تكون نافيةً، وفي ﴿وَمَا كُنْتُمْ﴾ مصدريةٌ؛ أي: وكونُكم.\n﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الحق (^١)، أو: على الخلق، وقرئ: (تستكثرون) بالتاء المثقلة (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1003\"> </span>(٤٩) - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\n﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ من تتمة قولهم للرجال، والإشارة إلى فقراء أهل الجنة، والخطاب لرؤساء الكفرة الذين كانوا يستهينون (^٣) بهم ويحتقرونهم لفقرهم، يُقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة، وقد مرَّ تفسير النَّيل.\n﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ من كلام أهل الأعراف لفقراء أهل الجنة (^٤)، لمَّا أشاروا\n_________\n(^١) في (ف): \"الخلق\".\n(^٢) القراءتان في \"المحتسب\" (١/ ٢٤٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٠٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٠٦)، و\"البحر\" (١٠/ ١٠٨).\n(^٣) في (م): \"يستخفون\".\n(^٤) من قوله: \"لرؤساء الكفرة .. \" إلى هنا سقط من \"ك\".","vol":"4","page":60},{"text":"إليهم بـ (هؤلاء) معيِّرين لرؤساء الكفرة، قالوا لهم إخبارًا من الله تعالى ملتفِتينَ إليهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾.\nوقرئ: (أُدْخِلوا) على البناء للمفعول، وقرئ: (دَخَلوا) على الاستئناف، والتقدير: أُدخلوا - أو: دَخَلوا - مقولًا لهم (^١).\n﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ فيما يأتي ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ على ما فات، وفيه تعريض لأصحاب النار بأنهم يحزنون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1004\"> </span>(٥٠) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾؛ أي: الكفارُ على ما ستقف عليه.\n﴿أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ إن قلت: كيف النداء وبينهما حجاب؟\nقلت: إن في الجنة كُوًى ينظر أهلها منها إلى أهل النار.\n﴿أَنْ أَفِيضُوا﴾ من الفيض وهو السيلان عن الامتلاء، ولمَا فيه من معنى الإحسان قالوا:\n﴿عَلَيْنَا﴾؛ أي: أحسِنوا علينا مما ازداد منكم ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾ فلا دلالة فيه على أن الجنة فوق النار.\n﴿أَوْ مِمَّا﴾ من فضلةِ ما ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من نوعٍ آخَر من جنس المشروب، وإنما خصّهم بالطلب لمَا بهم من غلبة العطش وشدة الحرارة، ولهذا أتوا بأداة التنويع، ولو\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٠٧).","vol":"4","page":61},{"text":"كان المراد الطعامَ لَمَا عدلوا عن العطف بأداة الجمع إذ لا بد لهم من طلب الماء.\nولمَّا كان في سؤالهم ما دلَّ على أن التماسهم (^١) من الفضلة وما لا حاجة لهم به، وكان الامتناعُ عن الإجابة في مثله مَظِنَّة البخل، أجابوا بما يندفع به هذا الوهم، ثم إنهم عدَلوا عن الجواب بالمنع الصريح إلى ذكر سببه؛ محافظةً بجانب الكرم مهما أَمكَن، وقطعًا لإطماعهم على وجهٍ أحسن:\n﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ لم يقل: عليكم، تضمينًا لمعنى التعليل، وتعميمًا (^٢) للجواب لغير السائلين من جنسهم.\nوالتحريم: المنع، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ كتعديَةِ الشهادة بها؛ كما في قوله تعالى ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، ولا خفاء في أن المعنى اللُّغويَّ أبلغُ من التحريم الشرعيِّ، فلا وجه لِمَا قيل: مَنعَهما عنهم مَنع المحرَّم عن المكلَّف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1005\"> </span>(٥١) - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الاتِّخاذ: أخذُ الشيء بإعداد الأمر من الأمور، ولا يخفى لطف موقعه هاهنا من حيث تضمُّنُه الإشارةَ إلى أن حقَّ الدِّين الجِدُّ والاهتمام بشأنه، دون الهزل واللعب، فكان فيه نعيٌ لهم بتقبيح صَنيعهم.\n﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ كتحريم البَحيرة، والتَّصديةِ حول البيت.\nوأصل اللهو: الانصراف عن الشيء، والمراد: ما ينصرف إليه مما لا يعني.\n_________\n(^١) في (ف): \"إلقاءهم\".\n(^٢) في (ف): \"وتتميما\".","vol":"4","page":62},{"text":"واللعب: طلب الفرح (^١) بما لا يَحسُن أن يُطلب به، واشتقاقه من اللعاب وهو المرور على غير الاستواء (^٢).\n﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ التغرير: تزيين الباطل للوقوع فيه.\n﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعل الناسِينَ بتركهم في النار ترك المنسيِّ.\n﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾؛ أي (^٣): كما فعلوا به فلم يُخْطروه ببالهم، ولم يستعدُّوا له، ولم يُهمُّوا به، والمراد من اليوم: الواقعةُ، ولهذا أضافه إليهم.\n﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ معطوفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾ (^٤)، و(ما) فيهما مصدرية، والكاف في ﴿كَمَا﴾ للتعليل؛ أي: لنسيانهم (^٥) وكونِهم جحدوا بآيات الله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1006\"> </span>(٥٢) - ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ التنكير للتعظيم، وفي التعبير بـ ﴿جِئْنَاهُمْ﴾ (^٦) زيادةُ تعظيم له.\n﴿فَصَّلْنَاهُ﴾؛ أي: جعلناه فُصولًا هي أصول الأمور الدينية والدنيوية.\n_________\n(^١) في (ك): \"المرح\"، وفي (م) تحتمل: \"المزح\" وتحتمل: \"المفرح\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥).\n(^٢) قوله: \"واشتقاقه من اللعاب … \" لم أجد من ذكر هذا المعنى.\n(^٣) \"أي\" من (م).\n(^٤) في (ف): \"على ما نسوا\".\n(^٥) في (ك): \"كنسيانهم\".\n(^٦) في (م) و(ك): \"بجئنا به\".","vol":"4","page":63},{"text":"﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: عالِمِين كيف يجب أن يُفصَّل حتى جاء حكيمًا.\nوقرئ: (فضَّلناه) (^١)؛ أي: رجَّحناه على سائر الكتب عالِمين بوجهِ رجحانه، وأنَّه حقيقٌ بذلك.\n﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ حالٌ من الهاء، أو مفعول له؛ أي: لأجْلِ هدى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1007\"> </span>(٥٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينتظرون، والانتظار: هو الإقبال على ما يأتي بالتوقُّع له، وإنما قيل لهم: ينتظرون، وإن كانوا جاحدين؛ لأنهم بمنزلة المنتظِر في أن يأتيَهم لا محالةَ إتيانَ المنتظَر.\n﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ التأويل: ما يَؤول إليه حال الشيء.\n﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾؛ أي: يَتبيَّن صدقُه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد.\n﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: تركوه تركَ الناسي.\n﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: قد تبيَّن أنهم جاؤوا بالحق وظهر ما أَخبروا عنه.\n﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ اليوم، حُذف النون للنصب بالفاء جوابًا للتمنِّي.\n﴿أَوْ نُرَدُّ﴾: أو هل نرد إلى الدنيا؟ وجوابه: ﴿فَنَعْمَلَ﴾.\n_________\n(^١) تنسب لابن محيصن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٤).","vol":"4","page":64},{"text":"وقرئ: (أو نردَّ) بالنصب (^١) عطفًا على (يَشفَعوا)؛ أي: فيَشفَعوا لنا (^٢) أو فنُردَّ، أو حملًا لـ ﴿أَوْ﴾ على معنى: إلى أن؛ أي: فيَشفعوا حتى نُردَّ فنعملَ.\nوقرئ بنصب (نُردَّ) ورفعِ (فنَعملُ) (^٣)؛ أي: فنحن نعملُ، فالمعنى على الرفع: تمنِّي الشفاعة أو الرد، وعلى أولِ وجهي النصب تمنِّي الشفيع للشفاعة بدون الرد أو للرد، وعلى ثانيهما تمنِّي الشفيع للشفاعة (^٤) مُفضيًا إلى الردِّ وسببًا ووسيلةً إليه.\n﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ من الكفر والمعاصي.\n﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في الدنيا بإبطال استعدادهم، فلا يجدي الرد على ما أفصح عنه في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] استئناف لبيان حالهم على وجهٍ يتضمن الحكمة في عدم استجابتهم.\n﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: وغاب ﴿عَنْهُمْ﴾ في الآخرة ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ما كانوا يعبدون (^٥) من آلهتهم.\n* * *\n_________\n(^١) تنسب لابن أبي إسحاق. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٤)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٥١).\n(^٢) \"لنا\" ليست في (ف).\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٠٩). وعبارة: \"وقرئ بنصب ونرد ورفع نعمل\" ليست في (م).\n(^٤) \"بدون الرد أو للرد، وعلى ثانيهما تمنِّي الشفيع للشفاعة\" سقط من \"ك\".\n(^٥) في (م): \"يعبدونه\".","vol":"4","page":65},{"text":"<span id=\"aya-1008\"> </span>(٥٤) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي﴾؛ أي: ليس ربُّكم وحافظُكم ومدبرِّكُم ما عبدتُموه من الأصنام والكواكب والملائكة والجن والإنس (^١)، بل كلُّ ذلك مربوبٌ ومخلوقٌ ومحتاجٌ إلى مدبِّر وحافظ، بل ربُّكم وحافظكم الله (^٢) الذي ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وما بينهما على ما بيَّنه في موضعٍ آخر، جعل الخبر موصولًا بناءً على كون ذلك معهودًا عند السامع، ومفروغًا من تحقيق النسبة والعلم به.\n﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ في \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة ﵁ قال: \"أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: خلق الله ﷿ التربةَ يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق الظلمة يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدوابَّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخِرَ الخلق في آخِرِ ساعة من ساعات يوم الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل\" (^٣).\nوالمراد من اليوم: مقدار دورة العرش من الزمان (^٤).\n_________\n(^١) \"والإنس\": ليست في (م) و(ك).\n(^٢) في (م): \"الله وخالقكم\".\n(^٣) رواه مسلم (٢٧٨٩)، ورواه أيضًا الإمام أحمد في \"المسند\" (٨٣٤١)، وانظر في حواشيه كلام العلماء في هذا الحديث، وأن الأصح فيه أنه من كلام كعب الأحبار. وقد نبه الآلوسي إلى إشكال فيه من حيث المعنى فقال في \"روح المعاني\" (٩/ ١٣٥): (ولا يخفى أن هذا الخبر مخالف للآية الكريمة، فهو إما غير صحيح - وإن رواه مسلم - وإما مؤول).\n(^٤) ليته ذكر ما هو البرهان الذي استدل به على هذا الكلام.","vol":"4","page":66},{"text":"﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استوى (^١) عليه بالتأثير في إيجاد الأشياء بإثباتِ صورها عليه قصدًا مستويًا (^٢) من غير أن يَلويَ إلى شيء آخَرَ، فهو شأنه الذي عليه كلَّ يوم.\nولمَّا ذكر الاستواء على العرش وهو إخبارٌ عن نَفاذ أمره وكمالِ ملكه واطِّرادِ تدبيره، بيَّن ذلك في عِيَانٍ فقال:\n﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يغطِّيه به، ولم يَذكر عكسَه لا لأن اللفظ يحتملُهما إذ لا بد من إرادة أحدهما على التعيين، بل للعلم به.\n﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ من الحثِّ، وهو الحمل على السرعة، حالٌ من ﴿اللَّيْلَ﴾ تقديره: حاثًّا، أو من ﴿النَّهَارَ﴾ وتقديره: محثوثًا، ويجوز أن ينتصِب نعتًا لمصدرٍ محذوف؛ أي: طلبًا حثيثًا؛ أي: حاثًا أو محثًا (^٣).\nوالمرادُ من طلبِ الليلِ النهارَ: تَعاقُبُه اللازم، فكأنه طالبٌ له لا يدركه، بل هو في أثره بحيث يكاد يدركه.\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ عطف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾.\n﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾ حالٌ منها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾.\nوقرئ كلُّها بالرفع على الابتداء والخبر (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"استولى\".\n(^٢) \"مستويا\" ليست في (ف).\n(^٣) انظر: \"البحر\" (١٠/ ١٢٠)، وفيه: (حاثا أو محثوثا)، وهو الصواب، وقد وقع في بعض نسخه مثل ما هنا: (أو محثا) كما نبهنا عليه في حاشيته.\n(^٤) هي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).","vol":"4","page":67},{"text":"﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾؛ أي: هو الذي أَوجَد الأشياء وصرَّفها بإرادته كيف يشاءُ، جملةٌ اعتراضية مبيِّنة لِمَا ذكر من التوحيد كالمقصود منه، ولذلك صدَّرها بحرف التنبيه، وقدَّم فيها الظرف للتخصيص؛ إيذانًا بأن أهم الأشياء اعتقادُ التوحيد في الخَلق والتدبير.\n﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: فذلك هو الربُّ للجميع لا ربَّ سواه، فلْيَجِبْ تعظيمه، اعتراضٌ آخر لبيان تعظيمه بالوحدانية في الألوهيَّة والربوبية للكل؛ أي: تعاظَمَ الواحد الموجِدُ للكلِّ المتصرِّف فيه بالربوبية (^١).\nوتوجيهُه: أن الكفرة كانوا متَّخذينَ أربابًا، فدعاهم إلى التوحيد بالحكمة والحجة، وصدَّر الآية بـ ﴿إِنَّ﴾ لإنكارهم، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ﴾ المستحِقَّ للربوبية ليس إلا واحدًا وهو ﴿اللَّهُ﴾ الموجِدُ للكل على الترتيب المحكَم المتقَن الدالِّ على العلم والحكمة والقدرة، الذي أنشأ ملكَه على ما يشاهَدُ (^٢) ثم عمَد إلى تدبيره كالملِك المتمكِّن في مملكته لتدبير ملكه، فصرَّف الدهر على ما يُرى (^٣) من تصريف الملَوَينِ، وسخَّر الإجرام السماوية بأمره، ونفَّذ أمره بقضائه وقدره، ثم صرَّح بما هو فذلكةُ التقرير في بيان التوحيد بالجملة الاعتراضية الأولى، وأفصح عن المقصود من التركيب كالنتيجة بالجملة الاعتراضية الثانية، ثم أمرهم بتخصيصه بالعيادة والدعوة متضرِّعين متذلِّلين ذوي خِيفةٍ (^٤) بقوله:\n_________\n(^١) \"بالربوبية\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف) و(م): \"نشاهد\".\n(^٣) في (ك): \"نرى\".\n(^٤) في (ف): \"حقيقة\".","vol":"4","page":68},{"text":"<span id=\"aya-1009\"> </span>(٥٥) - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\n﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ التضرُّع: التذلُّل، وهو التكلُّف في إظهار الذل الذي في النفس.\n﴿وَخُفْيَةً﴾ كيلا يشوبَ الدعاء معنى الرياء، والإخفاء: إغماض الشيء بحيث لا يقع عليه الإدراك، وفي التعبير عن قسيم الدعاء خُفْيةً بما ذكر إشارةٌ إلى أن الدعاء جهرًا إنما يصلح مأمورًا به إذا كان مقرونًا بالاستكانة والتذلُّل.\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ استئنافٌ لتعليل ما قدَّمه عبارةً وإشارةً.\nوالاعتداء: تجاوُز الحد الذي لا ينبغي تجاوُزُه؛ أي: إن الله تعالى لا يحب المجاوِزين ما أُمروا به في كلِّ شيء من الدعاء وغيره، ففيه تنبيه على أنه لا ينبغي الصياح في الدعاء والإسهابُ فيه، وطلب ما لا يليق (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1010\"> </span>(٥٦) - ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ببعثِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وشرعِ الأحكام.\n﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خائفين من عقابه طامعين في ثوابه، والخوف هو الانزعاج بما لا يؤمَن من المضارِّ، والطمع: توقُّع المحبوب، وإنما قدَّم الخوف لأنَّه أهم.\n_________\n(^١) في (ف): \"وطلب ما يليق به\".","vol":"4","page":69},{"text":"﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ استئناف لتعليل ما قدَّمه من القيدين عبارةً وإشارةً:\nأمَّا الأول: فظاهر؛ فإن الأخبار التأكيدي عن قرب (^١) رحمته تعالى مطمع.\nوأما الثاني فلأنَّ اشتراط الإحسان - وهو وراء الإيمان والإسلام - مظنةُ الخوف لعامة المؤمنين، وقد قال كثير من العلماء: ينبغي أن يغلَّب الخوف على الرجاء طولَ الحياة، فإذا جاء الموت غلِّب الرجاء، ومن هنا اتَّضح وجه آخرُ لتقديم الخوف على الطمع.\nوتذكير ﴿قَرِيبٌ﴾ لأن تأويل الرحمة بالرُّحم (^٢) أو التَّرَحُّم، أو لاكتسابها التذكيرَ من المضاف إليه كما ذكروا في قراءة: (ما إنَّ مَفاتحه ليَنوءُ) بالياء التحتانية (^٣)، أو لكونه صفةَ محذوفٍ؛ أي شيءٌ قريبٌ، أو على تشبيهه بفعيلٍ بمعنى مفعولٍ، أو بفعيلٍ الذي هو المصدر كالنقيض، أو للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره، وأما التذكير لكون التأنيث غيرَ حقيقي فوهمٌ؛ لوجوب التأنيث في نحو: الشمس طالعة، و: الموعظة نافعة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"قريب\".\n(^٢) بضم الراء وسكون الحاء، وبضمهما، بمعنى الرحمة. \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ١٧٥).\n(^٣) تنسب لبديل بن ميسرة، وستأتي في مكانها عند تفسير سورة القصص.\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١١١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٦)، و\"روح المعاني\" (٩/ ١٥٣) وما بعدها، وقد ذكر الآلوسي هذه الأوجه وزاد عليها وجوهًا أخرى وتعقبها جميعًا في بحث حسن.","vol":"4","page":70},{"text":"<span id=\"aya-1011\"> </span>(٥٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ وقرئ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على الوحدة (^١)، والأولُ أولى؛ لأن الغالب استعمال الجمع في الرحمة واستعمالُ المفرد في العذاب، ولهذا قال ﵇: \"اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا\" (^٢).\n﴿نُشُرًا﴾ بضمتين: جمع نَشُور بمعنى: ناشرٍ.\nو: ﴿نُشْرًا﴾ تخفيف نُشُرِ؛ كرُسْلٍ ورُسُلٍ.\nو: (نَشَرًا) بمعنى: منشوراتٍ، فَعَلٌ بمعنى: مفعولٍ.\nو: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى: ناشرات، أو مفعولٌ مطلق فإن النشر والإرسال متقاربان.\nو: (بُشُرًا) جمع بشير، و: ﴿بُشْرًا﴾ الخفيفة، و: (بَشْرًا) بفتح الباء مصدرٌ من بَشَره بمعنى: بشَّره، و: (بُشْرَى) (^٣).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).\n(^٢) رواه الشافعي في \"مسنده\" (٥٠٢)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٤٥٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٥٣٣)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ١٣٥١)، والبيهقي في \"الدعوات\" (٣٦٩)، من طريقين عن ابن عباس كلاهما ضعيف. انظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ١٢٩).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١١١)، وعنه نقل المؤلف هذه القراءات جميعًا، وهي منها المتواتر ومنها الشاذ. فالمتواتر: عاصم: ﴿بُشْرًا﴾ بالباء مضمومة وإسكان الشين حيثُ وقع، وابن عامر بالنُّون مضمومة وإسكان الشين، وحمزة والكسائيّ بالنُّون مفتوحَة وإسكان الشين، والباقون بالنُون مضمومة وضم الشين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).","vol":"4","page":71},{"text":"﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أمامَ نعمته، وهو (^١) الغيث الذي هو من أهمِّ النِّعم وأعمِّها (^٢) نفعًا، وقد سبق في أوائل السورة في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ (^٣) بيانُ ما في عبارة ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ من الدلالة على القرب، ولهذا تُؤْثَر على عبارة الأمام والقدَّام (^٤).\nقيل: أن الصَّبا تُثير (^٥) السحاب، والشَّمالَ تجمعُه، والجَنوب تُدِرُّه، والدَّبُور تفرِّقه.\n﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾: حملت ورفعت، واشتقاقُ الإقلال من القِلَّة؛ لأن الرافع المُطيق يرى ما يرفعُه قليلًا.\n﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾ بالماء، وجمعَه (^٦) لأن السحاب جمع سحابة.\n﴿سُقْنَاهُ﴾ الضمير للسحاب على لفظه، ونُسب السَّوقُ إليه تعالى بنون العظمة الْتفاتًا؛ لِمَا فيه من عظيم (^٧) المنَّة وجليلِ النعمة.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"وهي\".\n(^٢) في (ف): \"وأتمها\".\n(^٣) قوله: \"في أوائل السورة في قوله: ثم لآتينهم\": ليس في (ك) و(م).\n(^٤) في هامش (ف): \"ولعله عبر فيه باليدين اليمنى واليسرى لدلالته مع ما فيه من الفخامة على أنه تارة يكون رحمة، وتارة عذابًا كما كان على قوم نوح، وإن كانت الرحمة فيه أغلب، وهي ذات اليمين، وتارة بمعنى الرياح جامعة لها لحفظه الماء، وتارة مفرقة مبللة لها، وتارة مقومة للزروع، وتارة مهيئة لها أو مهلكة، وكذا وكذا من المناسبات. منه\".\n(^٥) في (ك): \"تنشر\"، وفي (م): \"ينشر\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٧)، و\"روح المعاني\" (٩/ ١٦٣).\n(^٦) في (ف) و(ك): \"جمعه\".\n(^٧) في (ف): \"عظم\".","vol":"4","page":72},{"text":"﴿لِبَلَدٍ﴾؛ أي: لأجْله (^١)، ولا يلزم أن يصل له، بل يكفي أن يكون وصولُه لِمَا وَصل له لمصلحته، فينتظِم المسوقَ إلى الجبال والأودية، ومن هنا ظهر وجهُ مزيَّة اللام على (إلى).\n﴿مَيِّتٍ﴾ استُعير الموت لجَدْبه وعدمِ نباته؛ لأنَّه (^٢) من حيث عدمُ الانتفاع به كالجسد الذي لا روح فيه.\n﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾؛ أي: بالبلد، أو: بالسَّوق، أو: بالسحاب والباء للسببية، وعلى الأول يحتمِل الظرفية والإلصاق.\n﴿الْمَاءَ﴾ المعهودَ، وهو ما ثقل به السحاب.\n﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بالماء لأنَّه أقرب لفظًا ومعنًى، لا إلى البلد على أن الباء للظرفية؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فإن جميع أنواعها لا يخرج في البلد، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] صريح في المعنى الأول، والقرآن يفسِّر بعضه بعضًا.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثلَ ذلك الإخراجِ - وهو إخراج الثمرات - ﴿نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ من الأجداث، قال الكلبي: وذلك (^٣) إذا مات الناس كلهم أَمطرت (^٤) السماء أربعين يومًا كمنيِّ الرجال، فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم، ثم يُخرجون في النفخة الآخرة، وبينهما أربعون سنة.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"قوله: لأجل بلد ميت، ليس فيه حيًا - مقصور - وهو الخصب، الجوهري: أحيا القوم، صاروا في الحيا وهو الخصب، وأحييت الأرض: وجدتها خصبة\".\n(^٢) \"لأنَّه\" ليست في (ت).\n(^٣) \"وذلك\" ليست في (ف).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"مطرت\".","vol":"4","page":73},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلمون أنَّ مَن قدر على هذا قدر على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1012\"> </span>(٥٨) - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: الأرض الكريمةُ التربةِ، وتخصيص البلد بالذكر لأنَّه أصلحُ مَنْبِتًا على ما نُبِّه عليه في الخبر المأثور، وهو قوله: الرجال من القرى (^١)، ولهذا سقط (^٢) في مقابِلهِ.\n﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: بتيسيره، عبَّر به عن كثرة النبات وحُسنه لأنَّه أوقعه في مقابَلَة:\n﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ السَّبخةُ التي لا تُنبت ما تَنتفِع به.\n﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ النَّكِد: الذي لا خير فيه، ونصبُه على الحال تقديره: لا يخرج نباته إلا نكدًا، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه - وهو الضمير المجرور - مقامه، فانقلب مرفوعًا مستكنًا لوقوعه موقع الفاعل، أو تقديره: ونباتُ الذي خبُث.\nوقرئ: (يُخْرِجُ) من أَخْرَجَ (^٣)، فيكون ﴿نَكِدًا﴾ مفعولًا.\nوقرئ: ﴿نَكِدًا﴾ بفتح الكاف على المصدر (^٤)؛ أي: ذا نَكَدٍ، و: (نَكْدًا) بإسكانها للتخفيف (^٥).\n_________\n(^١) لم أقف عليه.\n(^٢) في (م) و(ك): \"أسقطه\".\n(^٣) أوردها صاحب \"النشر\" (٢/ ٢٧٠) رواية عن أبي جعفر، وهي خلاف المشهور عنه.\n(^٤) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٠).\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٤).","vol":"4","page":74},{"text":"﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك التصريفِ والترديدِ ﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نردِّدها ونكررها ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الله ويتفكَّرون فيها ويعتبرون بها.\nوالآية مَثَلٌ لمَن تَدبَّر الآيات وانتَفع بها، ولمَن لم يَرفع إليها رأسًا ولم يتأثَّر بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1013\"> </span>(٥٩) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ جوابُ قسم محذوف (^١)، ولا يكاد تقع هذه اللام إلا مع (قد)؛ لأن الجملة القسمية مَظِنَّةُ التردُّد، ونوح ﵇ أولُ مَن شُرعت له الشرائع، وسُنَّت له السُّنَن، وليس بينه وبين إدريس ﵇ نبيٌّ، وإنما قال:\n﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ لأن بعثته كانت مخصوصةً لقومه كبعثةِ سائر الأنبياء ﵈، غيرَ نبيِّنا ﷺ فإن بعثته عامةٌ خاصةٌ، ولا ينافي هذا قولَ نوح ﵇: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] لأن مَن لم تعمَّ له دعوته لا يدخل تحت هذا الدعاء.\n﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ﴾ أتى هنا بالفاء الدالَّةِ على التعقيب بدون الإمهال دلالةً على الاستعجال في الامتثال:\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وفي تفسير القاضي عضد الدين وجه الربط: قال ابن عباس: معنى ﴿أَرْسَلْنَا﴾: بعثنا، وقال الآخرون: معناه: حمَّلناه رسالة يؤديها، فعلى هذا البعثُ كالتابع، وهذا البحث ينبني على خلاف في الأصول؛ أي: من شرط الرسول أن يعرِّفهم على لسانه من الأحكام ما لا سبيل لهم إليها بعقولهم، أو الحكمة مجرد تأكيد ما في العقول، وهذا البحث لا يليق إلا بمذهب المعتزلة؛ لأنهم القائلون بالحُسن والقبح العقليين. انتهى\".","vol":"4","page":75},{"text":"﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وحِّدوه وأَفرِدوه بالعبادة لتفرُّده بالألوهية.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ بيانٌ لوجه اختصاصه بالعبادة، وقرئ: ﴿غَيْرُهُ﴾ بالجرِّ على اللفظ (^١)، والرفع على المحلِّ؛ كأنه قال: ما لكم إلهٌ غيرُه، وبالنصب على الاستثناء (^٢)؛ أي: ما لكم من إلهٍ إلا إيَّاه.\n﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعيدٌ، وبيانٌ للداعي إلى عبادته تعالى، وموقعُها الاعتراض.\n﴿عَذَابَ﴾ العذاب: هو الألم الجاري على الاستمرار.\n﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يوم القيامة، أو يومُ نزول العذاب وهو الطُّوفان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1014\"> </span>(٦٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأ: الجماعة الشريفة؛ لأنهم يملؤون النفس والعين بجلالهم وجمالهم، على أنه مأخوذ من المَلْء، ويحتمل أن يكون مأخوذًا مِن: تمالأ القوم على أمر؛ أي: توافَقوا، ومنه قول علي ﵁: ما قاتلتُ عثمان ولا مالَأْتُ في دمه (^٣).\nوالملأُ صفةٌ غالبة، وجمعُه: أملاءٌ، وليس من باب رَهْطٍ وإن كانا اسمين للجمع؛ لأن رهطًا لا واحدَ له من لفظه، وملأٌ يوجد من لفظه: مالئ، قال أحمد بن يحيى: المالئ: الرجل الجليل الذي يملأ العين، فهو كعازبٍ وخادم، فإن اسم جمعهما عَزَبٌ وخَدَمٌ (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة الكسائي، وباقي السبة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٤).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤١٥). ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٦٧٩).\n(^٤) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤١٥).","vol":"4","page":76},{"text":"﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ القوم: الجمع الذي (^١) يقوم بالأمر لا نسوةَ فيهم، وفائدةُ التقييد بالوصفين: تجريد المسنَد إليه عن ناقصات العقول كيلا يُتوهَّم أن هذا القول صدر عن بعض ضعفائهم في العقل والرأي، فأُسند (^٢) إلى الكل إسنادَ فعلِ واحد إلى الجماعة.\n﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ استعاروا (^٣) الرؤية للعلم بلا شبهةٍ، تمهيدًا لِمَا ادَّعوا من الظهور في المعلوم.\n﴿فِي ضَلَالٍ﴾: منغمِسًا فيه، والضَّلال: الذهاب عن صَوْب الصَّواب، والتنكيرُ للتعظيم.\n﴿مُبِينٍ﴾: بالغ فيه كيفًا بعدما بالغ كمًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1015\"> </span>(٦١) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ إضافة إلى نفسه تمهيدًا لِمَا يأتي من دعوى الإخلاص والإمحاص.\n﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ قدَّم الجارَّ والمجرور للتعريض لهم به، وزيدت التاء للتقليل؛ أي: ليس بي أقلُّ قليلٍ من الضلالة فضلًا عن الضلال العظيم الظاهر.\nوما يَتخايل من أن نفي الماهية أبلغُ؛ لأن نفي الشيء مع قيد الوحدة قد يكون\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الذين\".\n(^٢) في (ف): \"وأسند\".\n(^٣) في (ف): \"استعار\".","vol":"4","page":77},{"text":"بانتفاء الوحدة - مضمحِلٌّ بأن الوحدة ليست صفةً مقيِّدةً، بل اللفظ موضوعٌ للجزاء الأقلِّ المتحقِّق (^١) مع الكثرة.\n﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ﴾ استدراكٌ بطريق الكناية؛ كأنه قال: ولكني على هدًى كاملٍ في الغاية لأني رسول.\nقابَلَ تصريحهم بالتعريض الذي هو أوقعُ في البلاغة، وبالكناية التي هي أقوى في النِّكاية (^٢)، وأداةَ ظرفه بأداة الملابَسة لأنها أوسع دائرة، ففي النفي تكون أقطعَ لدابر احتمالِ الضلال، وأداةَ تعظيمه في التضليل بأداة التحقير والتقليل، ولا يخفى ما في هذه المقابلة على وجه المقالبة من المبالغة في المغالبة.\n﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: فيه إشارةٌ إلى أن رسالته لمصلحةِ تربيتهم، ففيه إظهارٌ لمكابَرتهم وفَرْطِ عنادهم، حيث وَصفوا مَن هو بهذه المنزلة من الهدى الباهرِ بالضلال المبينِ الظاهر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1016\"> </span>(٦٢) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ استئناف (^٣) لبيان كونه رسولًا. والإبلاغ: إيصال ما فيه بيانُ الإفهام، ومنه: البلاغة، وهي إيصال المعنى إلى النفس بأحسن صورةٍ من اللفظ.\n﴿رِسَالَاتِ﴾ الرسالة: جملةٌ من البيان يحملها القائم بها ليؤدِّيَها إلى غيره (^٤)،\n_________\n(^١) في (ف): \"موضوع للخبر الأقل المستحق\".\n(^٢) في (ف): \"التي هي أبلغ في الكناية\".\n(^٣) \"استئناف\" ليست في (ك).\n(^٤) في (م) و(ك): \"غيرها\".","vol":"4","page":78},{"text":"وإنما جمعها باعتبار تعدُّدها بحسب الأوقات، أو باعتبار تنوُّعها بحسب المعاني.\nوفي قوله: ﴿رَبِّي﴾ بعد قوله: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارةٌ إلى أن في الرسالة تربيتين: عامةً وهي للمرسَل إليهم، وخاصةً وهي للمرسَل.\n﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ النصيحة: الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهيُ عما فيه الفساد، ومنه قوله ﵇: \"الدِّين النَّصيحة\" (^١) والنُّصحُ كذلك، وخلافُه الغشُّ.\nوفي زيادة اللام تأكيدٌ في إمحاض النصح لهم، ومبالغةٌ في أنها خالصةٌ للمنصوح له مقصودٌ بها جانبه لا غير، فرُبَّ نصيحة ينتفِع بها الناصح أيضًا (^٢).\n﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ، وتقريرٌ لِمَا في قوله:\n﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: أعلم من قدرته وشدة بطشه، أو من جهته بالوحي شيئًا لا يتيسر لكم علمُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1017\"> </span>(٦٣) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أكذَّبتُم وعجِبْتُم، والعجب تغيُّر النفس بما خفيَ سببُه، وخرج عن العادة مثلُه.\n﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كلُّ ما يأتي من الله تعالى فله حكمُ النزول، فكأن ﴿جَاءَكُمْ﴾ معناه: نزل، فحسُن معه أن يقال: ﴿عَلَى رَجُلٍ﴾ ولا حاجةَ إلى تقدير: لسان.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٥) من حديث تميم الداري ﵁.\n(^٢) \"أيضًا\" ليست في (ك).","vol":"4","page":79},{"text":"﴿مِنْكُمْ﴾: من جنسكم، فإنهم كانوا يتعجَّبون من إرسال (^١) البشر، ويقولون: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]؛ أي: بإرسال (^٢) البشر.\nوإنما لم يقل: على بشر، بل آثر الإطناب على الوجه المذكور؛ لأن المناسب لإنكار تعجُّبهم أن يبيَّن مجيءُ الرسالة على مقتضَى الحكمة، وهو أن يكون الرسول من جنسهم، ولا يكونَ أنثى ولا صغيرًا.\n﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾: ليحذركم عاقبةَ الكفر والمعاصي (^٣)، اكتفى بأحد القرينينِ عن الآخر (^٤)، وإنما خصَّ الإنذار بالذكر دون الإبشار لأنَّه أعمُّ وأهمُّ.\n﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: وليوجَدَ منكم التقوى؛ ولم يُعتبر بسببية (^٥) الإنذار له، وإلا لقيل: فتَتَّقوا.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتقواكم، والعطف بالواو دون الفاء للتنبيه على أن الترحُّم من الله تعالى تفضُّلٌ لا يوجبه التقوى، فهو في بقعة الإمكان، وكلمة الترجي لترجيح جانب الوقوع، حتى تزداد الرغبة في تحصيل التقوى، ولا تعتمدَ عليه كلَّ الاعتماد.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"إرسال الرسل\".\n(^٢) في (م): \"إرسال\".\n(^٣) في هامش (ف): \"والإنذار هو الإعلام بموضع المخافة، والتحذير هو الزجر عن موضع المخافة، والغرض من الإنذار إنما هو التحذير، فيجوز أن يستعار له. منه\".\n(^٤) في (ف): \"القرينتين عن الأخرى\".\n(^٥) في (ك): \"سببية\".","vol":"4","page":80},{"text":"<span id=\"aya-1018\"> </span>(٦٤) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، وقد ذكر ما حذف هنا في موضع آخر (^١).\nولك أن تقول: في الوصل بينهما بأداة التعقيب تنزيلٌ للتكذيب منزلة العذاب الذي ترتَّب (^٢) عليه، ولا يخفى ما فيه من التهويل والتعظيم لأمر التكذيب (^٣).\n﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من البشر وسائر أنواع الحيوان، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أن نجاتهم بسبب متابعتهم وبركة مصاحبتهم، فقوله:\n﴿فِي الْفُلْكِ﴾ متعلِّق بـ ﴿مَعَهُ﴾؛ أي: الذين (^٤) صَحِبوه في الفلك، واشتقاقه من فَلَّكَ ثدي المرأة: إذا استدار، سميت السفينة فُلْكًا لأنها تدور على الماء كيف أُديرت.\n﴿وَأَغْرَقْنَا﴾ الإغراق: الغوص المتلِف (^٥) في الماء.\n﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ كان إغراقُهم بسبب تكذيبهم على ما أشير إليه، وإغراق سائر أنواع الحيوان بشؤم معاصيهم.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ استئنافٌ على سبيل التعليل، وإنما قال: قومًا على تغليب الذكور على الإناث تنبيهًا على تبعيَّتهِنَّ للرجال في الضلالة الحاصلة بسبب كونهم عُمْيَ القلوب غيرَ مستبصرين، وقرئ: (عامِين) (^٦)، والأول أبلغ لدلالته على الثبات.\n_________\n(^١) قوله: \"فأنجيناه .. إلى .. موضع آخر\" جاء في (م) بعد قوله: \"لأمر التكذيب\".\n(^٢) في (م): \"يترتب\".\n(^٣) من قوله: \"ولك أن تقول .. \" إلى هنا سقط من \"ك\".\n(^٤) في (م): \"الذي\".\n(^٥) في (ف): \"الإغراق التلف\".\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٤).","vol":"4","page":81},{"text":"<span id=\"aya-1019\"> </span>(٦٥) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهم قومٌ سُموا باسم أبيهم، وهو عاد بن عَوْصِ بن إرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ ﵇، ومعنى ﴿أَخَاهُمْ﴾: نسيبُهم، وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لمقاله، وأعرفُ بحاله، وأرغب في اقتدائه.\n﴿هُودًا﴾ عطفُ بيان لـ ﴿أَخَاهُمْ﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾ استئنافٌ على تقدير سؤالِ سائلٍ قال: فما قال لهم؟ فقيل: قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ وكذا جوابه هاهنا.\nفإن قلتَ: ما وجه اختصاص قولِ نوح ﵇ بالعطف والربط اللفظيِّ، وقولِ هود ﵇ بالاستئناف والربطِ المعنوي؟\nقلتُ (^١): قصة نوح ﵇ ابتداءُ كلام فليس مَظِنَّةَ سؤالٍ، بخلافِ قصة هود ﵇ فإنها معطوفة على قصة نوح ﵇، فكانت مظنةَ أن يقال: أقال هود مثلَ ما قال نوح ﵉ أم لا؟\n﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبق تفسيره.\n﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عاقبةَ الشرك، الهمزة للإنكار، والفاءُ لترتيبه على ما تقدَّم من مُوجَب التوحيد، فهي مقدَّمة على الهمزة معنًى وإن أُخرت عنها لفظًا محافَظةً على حق صدارتها.\nوكأنهم كانوا واقفين على نزول العذاب على مشركي قوم نوح ﵇ لقرب عهدهم منهم، فلهذا أَنكر عليهم بهذه الصيغة.\n* * *\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"قلنا\".","vol":"4","page":82},{"text":"<span id=\"aya-1020\"> </span>(٦٦) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ التقييد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ للتنبيه على أن في أشراف قومه مَن آمن به (^١)، كمَرثد بن سعدٍ الذي أسلم وكتم إيمانه، ولا مساغ لهذا التنبيه في قصة نوح ﵇، ولهذا لم يُذكر ذلك القيد (^٢) ثمة، وأما ذكره فيها في سورة المؤمنين فلِلذَّمِّ، والمميِّز وإن كان في معرض اللزوم فلا كذلك الإلزام (^٣).\n﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ متمكِّنًا في خفةِ عقلٍ راسخًا فيها، حيث خالفت أشراف قومك وأسلافَك، ولما كان هذا تخطئةً له ﵇ في فعله قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ على سبيل (^٤) القطع واليقين، وقوله:\n﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ تخطئةً له (^٥) في قوله، ولا علم عندهم بحقيقة الحال، إنما متمسَّكهم فيه التقليدُ بآبائهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"لا للاحتراز عمن آمن منهم لعدم الحاجة إليه، فإنه معلوم لكل أحد أن القول المذكور لا يصدر عمن آمن. منه\".\n(^٢) في (ف): \"التقييد\".\n(^٣) في (ف): \"إلزام\".\n(^٤) \"سبيل\" من (م).\n(^٥) \"له\": ليست في (م) و(ك).","vol":"4","page":83},{"text":"<span id=\"aya-1021\"> </span>(٦٧ - ٦٩) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ اكتفَى بنفي السَّفاهة إيماءً إلى أن الإقدام على الكذب في مثل هذا الأمر الخطير لا يخلو عن نوعِ سَفَهٍ فنفيُه رأسًا يغني عن نفي الكذب.\n﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ قد سبق تفسيره.\n\n<span id=\"aya-1022\"> </span>وفي إجابة الأنبياء ﵈ أممَهم المكذِّبين عن كلماتهم الحمقَى بما أجابوا به والإعراضِ عن مقابَلتهم كمالُ الشفقة وهضمِ النفس وحُسنِ المجادلة وكرمِ الخُلق؛ ليقتديَ بهم المؤمنون في آداب المناظرة والمعاشرة مع الخَلْق.\nوفي قوله: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ تنبيهٌ على أنه مشهورٌ فيما بينهم بالنُّصح والأمانة.\n\n<span id=\"aya-1023\"> </span>﴿وَاذْكُرُوا﴾ حذَّرهم من انتقام الله ثم ذكَّرهم بإنعامه.\n﴿إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ مفعولٌ به لا ظرفٌ؛ أي: اذكروا ذلك الوقتَ.\n﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾؛ أي: خلَفْتُموهم في مساكنهم أو في الأرض، أو: جعلكم ملوكًا فإن منهم شدادَ بنَ عاد.\n﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ في القامة (^١) والقوة والبَدانة، وهو تعميمٌ بعد تخصيص.\n_________\n(^١) في (م): \"في العلم القامة\"، ولعلها: (في العلم والقامة).","vol":"4","page":84},{"text":"﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾؛ أي (^١): فاشكروا (^٢) نعم الله تعالى، وفي الكناية بالذكر عن الشكر تنبيه على أن هذه النِّعم بحيث يَستتبع ذكرُها الشكرَ عليها، ففي تذكُّرها (^٣) غنًى عن الحث على الشكر عليها.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعل الشكر عليها يفضي إلى الفلاح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1024\"> </span>(٧٠) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ كان له ﵇ مكانٌ يتحنَّث فيه معتزلًا عن قومه كما كان لرسول الله ﷺ بحراء، فلمَّا أُوحي إليه جاء قومَه يدعوهم.\nوَيحتمِل أن لا يراد حقيقةُ المجيء، ولكنِ التعرُّضُ بذلك والقصدُ؛ كما يقال: ذهب يَشتمني، ولا يراد حقيقةُ الذهاب؛ كأنهم قالوا: قصَدْتَنا.\n﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ وتعرَّضْتَ لنا بتكليف ذلك.\n﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أنكروا واستبعدوا اختصاصَ الله تعالى بالعبادة والإعراضَ عن الآلهة التي اعتكف عليها آباؤهم؛ حبًّا لِمَا نشؤوا (^٤) عليه، وإلفًا لما صادفوا أسلافهم يتديَّنون به.\n_________\n(^١) \"أي\" ليست في (ك)، ووقع قبلها في (ف) زيادة: \"فإن الذكر هنا كنايةٌ عن الشكر؛ لأن الذكر حقيقةٌ لا يتخلَّف عن المتذكَّر، فلا حاجة للأمر به بعده بل لا وجه له لتفريعه عليه\".\n(^٢) في (م) و(ك) زيادة: \"على\".\n(^٣) في (ك): \"تذكيرها\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"شاؤا\".","vol":"4","page":85},{"text":"﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ استعجالٌ منهم لِمَا خوَّفهم منه من العذاب تكذيبًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1025\"> </span>(٧١) - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\n﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ﴾: قد حَقَّ ووَجَب ﴿عَلَيْكُمْ﴾، أو على جعل المتوقَّع الذي لا بدَّ من وقوعه بمنزلة الواقع.\n﴿مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ عذابٌ، من الارتجاس وهو الاضطراب ﴿وَغَضَبٌ﴾ إرادةُ انتقام.\n﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾؛ أي: أسماءٍ بلا مسمَّياتٍ؛ لأنكم سمَّيتُموها آلهةً واستحال فيها معنى الألوهية.\n﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تهكُمٌ بهم؛ لأن المستحيل لا يمكن إثباته بالحجة ولا نزول الوحي به، فجَمع بينهما إظهارًا لفَرْط جهالتهم.\n﴿فَانْتَظِرُوا﴾؛ أي: لمَّا تبيَّن الحقُّ وأنتم مُصرُّون على العناد فانتَظِروا العذاب.\n﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ هذا غايةٌ في التهديد والوعيد، ونهايةٌ في الوثوق بما يَحلُّ بهم، وأنَّه كائن لا محالة.\n* * *","vol":"4","page":86},{"text":"<span id=\"aya-1026\"> </span>(٧٢) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، وما حذف هنا مذكور (^١) في موضعٍ آخر. الإنجاء: التخليص من الهلاك، وأصله: من النجوة وهي الارتفاعُ من الأرض.\n﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: الذين اتَّبعوه ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ عليهم، لا بقوةٍ وتدبيرٍ منهم.\nفيه إشارةٌ إلى أن هودًا ﵇ مع رتبته في النبوَّة ودرجته في الرسالة إنما نجا برحمةٍ من الله ليعلم أن النجاة لا تكون باستحقاق الذات (^٢)، ولا باستيجاب الصواب من العمل، وإنما تكون بفضل (^٣) من الله ورحمةٍ ابتداءً.\n﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قَطْعُ دابرهم: استئصالُهم عن آخرهم؛ لأن الدابر: الذي يَدْبُر القوم ويأتي خلفهم، فإذا انتهى القطع إلى ذلك لم يبق أحد.\nوفي قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ دلالةٌ على أنه كانت لهود ﵇ معجزاتٌ، ولكنْ لم تُذكر لنا بخصوصها.\n﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تعريضٌ بمَن (^٤) آمن منهم كمرثدٍ، وتنبيهٌ على أن الفارق بين مَن نجا ومَن هلك هو الإيمان، وأن النجاة مرتَّبةٌ عليه كما أن الهلاك مسبَّب عن التكذيب؛ كأنه قيل: قطعنا دابر الذين كذَّبوا بآياتنا ولم يكونوا ممن آمَن.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"ذكر\".\n(^٢) \"الذات\": ليس في (م).\n(^٣) في (م) و(ك): \"لفضل\".\n(^٤) في (م): \"لمن\".","vol":"4","page":87},{"text":"<span id=\"aya-1027\"> </span>(٧٣) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ بمنع الصرف اسمُ القبيلة، وقرئ: (ثمودٍ) بالصَّرف (^١) بتأويل الحي، أو باعتبار الأصل لأنَّه اسم أبيهم الأكبرِ.\n﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ﴾ قد سبق وجه الاستئناف.\n﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾: معجزة ظاهرةُ الدلالة على صحة نبوتي (^٢) حيث جاءتكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لتصديقي في دعوى النبوَّة.\n﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ استئنافٌ لبيانها، وإضافة الناقة إلى الله تعالى للتعظيم، ولأنها وجدت معجزةً من عنده تعالى من غير أسبابٍ ووسائطَ معهودةٍ فأُضيفت إليه.\n﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصب على الحال من ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ والعامل فيها معنى الإشارة.\nو﴿لَكُمْ﴾ بيان لمَن هي له آيةٌ وهم ثمود، فإن دعوة هود ﵇ كانت مخصوصةً لهم، فمعجزتُه كانت لأجلهم، ومَن وهَم أنها كانت معجزةً لهم خاصةً لأنهم عاينوها وسائرُ الناس أُخبروا عنها فقد وَهِم؛ إذ بعد ظهور المعجزة الأخبارُ المتواترة كافيةٌ بغير المشاهدة (^٣).\n_________\n(^١) تنسب ليحيى بن وثاب والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٢٠)، و\"البحر\" (١٠/ ١٦٣).\n(^٢) في (م): \"نبوتي\".\n(^٣) في هامش (ف): \"وتوسطها في إيجاب تلك المعجزة للإيمان لا يوجب اختصاص إعجازها بالحاضرين، وهذا ظاهر وإن خفي على بعض الناظرين في هذا المقام. منه\".","vol":"4","page":88},{"text":"وهو حال من ﴿آيَةً﴾، أو ﴿نَاقَةُ﴾ بدلٌ من ﴿هَذِهِ﴾ أو عطف بيان، والخبر ﴿لَكُمْ﴾ والعامل ما فيه من معنى الاستقرار.\n﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾؛ أي: الناقةُ ناقةُ الله، والأرضُ أرض الله، فذروها تأكل فيها من العشب، فليست الأرض أرضَكم، ولا ما فيها من النبات نباتكم.\n﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ قد سبق أن في المسِّ أمرًا زائدًا على معنى الإصابة، وهو تأثير الحاسة به، وأن سوء العذاب أفظعُه (^١)، فلا وجه لِمَا قيل: نهى عن المسِّ الذي هو مقدمةُ الإصابة (^٢) بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغةً في الأمر وإزاحةً للعذر.\n﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ جواب للنهي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1028\"> </span>(٧٤) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ لم يقل: من عاد؛ لِمَا بينهما خلائف هو خلائف (^٣) عاد بالذات.\n_________\n(^١) في (م): \"سوء العذاب لاحق\"، وسقطت العبارة من (ك)، والمثبت من (ف).\n(^٢) من قوله: \"وهو تأثير الحاسة .. \". إلى هنا ساقط من (ك).\n(^٣) في (ف): \"خلائق هم خلائق\"، وفي (م): \"خلائق هو خلائق\"، والمثبت من (ك). ومعنى الكلام كما جاء في \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ١٨٤)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٢٠٣): (لم يقل: خلفاء عاد، مع أنه أخصر، إشارةً إلى أنَّ بينهما زمانًا طويلًا).","vol":"4","page":89},{"text":"﴿وَبَوَّأَكُمْ﴾: نزَّلكم المباءةَ، [والمباءة]: المنزلُ (^١) ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرضِ الحِجر.\n﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا﴾ السهل: ما ليس فيه مشقَّةٌ على النفس من عملٍ أو أرض.\n﴿قُصُورًا﴾ القصر: هو الدار الكبيرة بسورٍ تكون به مقصورةً، قيل: كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء.\n﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾؛ أي: من الجبال، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل إليه، دل على ذلك قولُه في سورة الحجر: ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ [الحجر: ٨٢] (^٢).\nوالنَّحت: النَّجْر والنَّشْر في الشيء الصلب كالحجر والشجر.\n﴿فَاذْكُرُواْ﴾ ما مرَّ من الذكر اللساني، وهذا من الذكر القلبي.\n﴿آلَاءَ اللَّهِ﴾: أنواع نعمه؛ من التمكين في الأرض، والتسخير حتى تبوَّءوا القصور وشيَّدوا المنازل والدورَ، مع طول الآمال، وتبليغِ الآجال.\nوالمراد: الأمر بالشكر على تلك النعمة بطريق الكناية، وفيها إيماء إلى أنها من النعم الجسام التي لا مانع عن القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"المنزلة\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"البحر المحيط\" (١٠/ ١٦٧)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) في هامش (ف): \"لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، فلا وجه لما قيل: انتصاب بيوتًا على الحال المقدرة، أو تنحتون بمعنى تتخذون. منه\".","vol":"4","page":90},{"text":"<span id=\"aya-1029\"> </span>(٧٥) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: عن متابعةِ صالح ﵇؛ لأن الاستكبار طلبُ الكِبر فوق القَدْر حتى يؤدِّي صاحبه إلى إنكار ما دُعي (^١) إليه من الحق أنفةً من اتِّباع الداعي إلى الحق (^٢).\n﴿مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الاستضعاف: طلبُ الضعف بالأحوال التي يَقعد (^٣) صاحبُها عما يمكنُ غيره من القيام بالأمر، وبناء المجهول لأنهم غيرُ مقصورين على مَن استَضعَفهم تلك الملأ (^٤) واستذلَّهم.\n﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بدل من (الذين استُضعفوا) بتكرير العامل بدلَ البعض من الكلِّ، سواءٌ كان الضمير لـ (الذين) أو لـ ﴿قَوْمِهِ﴾؛ لأن من المستضعَفين مَن لم يؤمن، وإنما آثر اختلاف المرجعين من حيث إنه على الأول لا يكون الاستضعاف مقصورًا عليهم بحكم دلالة اللفظ، بخلاف الثاني (^٥).\n﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كلام قالوه على سبيل الاستهزاء\n_________\n(^١) في (ف): \"ما دل\"، والمثبت من (م)، وسقطت العبارة من (ك).\n(^٢) من قوله: \"لأن الاستكبار .. \" إلى هنا سقط من \"ك\".\n(^٣) في (ف): \"تبعد\".\n(^٤) \"الملأ\" سقطت من (ف).\n(^٥) في هامش (ف): \"وقد اعترف بهذا من قال به بدل البعض من الكل على تقدير أن يكون الضمير للذين، فلم يبق له محال يمنعه على تقدير أن يكون الضمير لقومه، إذ مبناه على أن يكون منهم من لم يؤمن. منه\".","vol":"4","page":91},{"text":"والسخرية؛ كما تقول للمجسِّمة: أتعلمون أن الله تعالى فوق العرش، ولهذا لم يقولوا: نعم، بل أجابوا بما نقل عنهم في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إيذانّاَ بَأن إرساله أظهرُ من أن يشكَّ فيه عاقل (^١)، أو يَخفى على أحد فيحتاجَ إلى السؤال عنه؛ لغاية وضوحه وإنارة برهانه، إنما الكلام في وجوب الإيمان به فنخبركم أنا به مؤمنون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1030\"> </span>(٧٦) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.\n﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كان الجواب المطابق: إنا بما أرسل به كافرون، إلا أنهم لمَّا عدلوا عن الظاهر بأنْ جعلوا الإرسال مسلَّمًا معلومًا كان جواب الكفرة أيضًا معدولًا به عن الظاهر؛ أي: ليس ما جعلتُموه مسلَّمًا معلومًا (^٢) من ذلك القبيل، وأيضًا لم يريدوا أن يتفوهوا (^٣) بإثباتِ الرسالة له (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1031\"> </span>(٧٧) - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"عاقل\": ليس في (م).\n(^٢) في (م) و(ك): \"معلومًا مسلمًا\".\n(^٣) في (ف): \"يتوهم\".\n(^٤) في هامش (ف): \"وليس فيه عدول عن الجواب السوي؛ لأنَّه على تقدير أن يكون السؤال استخبارًا. منه\".","vol":"4","page":92},{"text":"﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ أسند الفعل إلى الجميع (^١) لأنهم أَمروا صاحبهم فتعاطَى فعَقر، على ما يأتي التفصيل في سورة القمر، ومَن غفل عن هذا زعم أن الإسناد إليهم للملابسة.\nوالعَقر: الجَرح الذي يأتي على أصل النَّفْس، وهو من عُقر الحوض وهو أصلُه.\n﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ هو (^٢) ما بلَّغه صالح ﵇ بقوله: ﴿فَذَرُوهَا﴾، وعُتوُّ الأمر: مخالفتُه على وجه التهاوُن به والاستكبار عن قبوله.\n﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب، والإبهامُ لقلة الاهتمام ذريعةٌ إلى التحقير في أمثال هذا المقام، والوعد يُذْكر في الخير والشر، ويُعْرف بالقرينة عند الإطلاق.\n﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ استعجالُهم للعذاب (^٣) إظهارٌ للجزم في تكذيبهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1032\"> </span>(٧٨) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزَّلزلة المحرِّكة.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: في بلدهم، ولذلك وحِّد.\n﴿جَاثِمِينَ﴾ بارِكينَ على رُكبهم غيرَ قادرين على الحركة؛ لقوله تعالى في سورة الذاريات: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ [الذاريات: ٤٥] ثم صاروا ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١] وهو المذكور في سورة القمر.\n_________\n(^١) في (ف): \"الجمع\".\n(^٢) في (م): \"وهو\".\n(^٣) في (ف): \"بالعذاب\".","vol":"4","page":93},{"text":"<span id=\"aya-1033\"> </span>(٧٩) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.\n﴿فَتَوَلَّى﴾ صالحٌ ﵇ ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، والظاهر أنه كان يتولى عنهم، حين رأى العلامات قبل نزول العذاب تولى ذاهبًا عنهم منكرًا لإصرارهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1034\"> </span>(٨٠) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَلُوطًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطًا ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وقتَ قوله (^١) لهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ مِن أتى المرأة: إذا غَشِيَها، إنكارٌ وتوبيخ لهم، وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح، واللام في ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ للجنس، كأنها الفاحشةُ على الحقيقة وما عداها ليس من جنسها نظرًا إلى فُحش التفاوت بينهما (^٢) في ذلك المعنى.\n﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الباء للتعدية ﴿مِنْ﴾ الأولى زائدةٌ لتأكيد النفي والاستغراق، والثانية للتبعيض؛ أي: ما عمِلها أحد قبلكم قط، وهو جملة استئنافية مقرِّرة للإنكار، وبَّخهم أولًا بإتيان الفاحشة، ثم باختراعها فإنه أسوء وأفحش؛ لعدم المجال للاعتذار بالتقليد.\n_________\n(^١) يريد أن ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرف لـ (أرسلنا) كما قال الزمخشري وغيره. واعترض بأن الإرسال قبل وقت القول، لا فيه كما تقتضيه هذه الظرفية، ودُفع بأنه يعتبر الظرف ممتدًّا كما يقال: زيد في أرض الروم، فهو ظرف غير حقيقي يُعتبر وقوع المظروف في بعض أجزائه. وجوز أن يكون (لوطًا) منصوبا بـ (اذكر) محذوفًا، فيكون من عطف القصة على القصة، و﴿إِذْ﴾ بدل من (لوطًا) بدل اشتمال بناءً على أنها لا تلزم الظرفية. انظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٢١٦).\n(^٢) في (م): \"بينها\".","vol":"4","page":94},{"text":"<span id=\"aya-1035\"> </span>(٨١) - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.\n﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ بيان لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ والهمزة مثلُها في الإنكار والاستقباح كرِّرت لتأكيد الإنكار تفصيلًا وإجمالًا، وهي مع (إنَّ) أبلغُ في الإنكار.\nوقرئ ﴿إِنَّكُمْ﴾ (^١) على الإخبار المستأنَف.\nوفي التقييد بقوله: ﴿شَهْوَةً﴾ - وهي مطالبةُ النفس بفعلِ ما فيه اللذةُ - زيادةُ استهجان، ووصفٌ لهم بالبهيميَّة الصرفة، ولا ذم أعظم منه؛ أي: لا حاملَ لكم عليه إلا مجردُ الشهوة، لا طلبُ النسل وبقاءُ النوع الذي هو مقتضَى العقل، فهو مفعولٌ له، أو مصدرٌ في موقع الحال؛ أي: مشتَهِين تابعين للشهوة.\nوقوله: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ نصبٌ على الحال من ﴿الرِّجَالَ﴾؛ أي: منفرِدينَ، والمعنى: تَطَؤون الرجال لمجرَّد (^٢) الشهوة البهيميَّة ولكم عنها بدل! ففيه تذكيرٌ لتجاوُزهم المعتادَ المطبوع المشروع، وإظهارٌ لعدم الضرورة الداعيَة إلى ذلك الفعلِ القبيح، وفي ذكر الرجال دون الذكور المقابلِ للنساء زيادةُ تقبيح لصنيعهم الشنيعِ بإظهارِ أنهم يفعلونه بأمثالهم في الرُّجولية، وذلك لا يخلو عن الإيماء إلى أنهم يفعلونه كُرهًا؛ لأن مقتضى الرُّجولية الامتناعُ عنه.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أنكر عليهم مخالفةَ العقل، ثم أَضربَ عن الإنكار بالإخبار عنهم بحالهم التي هي أمُّ الرذائل، ومُوجِب ارتكاب جميع القبائح؛ أي: فليست هذه غريبةً عن عادتهم حتى تُنكَر عليهم، وهي أنهم قوم عادتُهم\n_________\n(^١) هي قراءة نافع وحفص. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١١).\n(^٢) في (ف): \"بمجرد\".","vol":"4","page":95},{"text":"الإسراف وتجاوُزُ الحد في كلِّ شيء، فمِن ثَمة أسرفوا في باب الشهوة أيضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1036\"> </span>(٨٢) - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أي: وما جاؤوا بما هو جوابٌ له عمَّا كلَّمهم به ونصح لهم فيه من إنكار الفاحشة واستعظامِها؛ لغايةِ دعارتهم وخبثهم، ولكنهم قابلوا نصيحته ووعظَه بالأمر بإخراجه ومَن معه من المؤمنين من قريتهم، وهي من القَرْي وهو الجمع، سميت بها ما فيه (^١) الأبنيةُ لأنها مجتمَع الناس في الإقامة، إلا أنه صار بالعرف عبارةً عن مجتمَع الناس (^٢) في منازلَ متجاورةٍ بقرب ضيعةٍ يأوي إليها الأسرة (^٣).\n﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ استئنافٌ بطريق الاستهزاء؛ كأنه قيل لهم: لِمَ تُخرجوهم من قريتكم؟ فقالوا: لأنا قوم ملوَّثون بالفواحش وهم أناس يبالغون في التنزُّه منها (^٤)، فلا وجه لاختلاط الطاهرين بالخبائث. وهذا غايةُ السخرية منهم، وهذا ليس بجوابٍ عن إنكاره وتوبيخه، لكنهم قالوه تضجُّرًا منه عَقيب إنكاره وتوبيخه (^٥)، وفي إطلاق الجواب عليه إشارةٌ إلى أنهم كانوا مُلزَمين مبهوتين حتى لم يقدروا على أن يتكلموا في معرِض الجواب بشيء سوى هذا، وهذا قريب من أسلوب الشاعر:\n_________\n(^١) بعدها في (ك) و(م) زيادة: \"من\".\n(^٢) \"الناس\" ليست في (ك).\n(^٣) في (م) و(ك): \"الأكثر\".\n(^٤) في (ف): \"عنها\".\n(^٥) \"وتوبيخه\" من (م).","vol":"4","page":96},{"text":"ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب (^١)\nولما كان مآل المعنى أنهم لم يقدروا على الجواب، وكان السلوك إلى الطريق المذكور (^٢) للمبالغة في عدم قدرتهم عليه (^٣)، اندفع وهمُ المنافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وبين قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]؛ لأن المنقول فيهما أيضًا ليس بجوابٍ حقيقةً وإن كان مذكورًا في مَعرض الجواب، والله أعلم بالصواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1037\"> </span>(٨٣) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمحذوف هنا مذكور في موضع آخر، والمراد من الإنجاء: إخراجه من بينهم قبل نزول العذاب.\n﴿وَأَهْلَهُ﴾: أهل بيته، لا من تبعه في الدين؛ لقوله:\n_________\n(^١) البيت للنابغة الذبياني. انظر: ديوانه (ص: ١١). وفي الاستدلال بهذا البيت هنا نظر؛ لأنَّه عادة ما يذكر مثالا على أسلوب المدح في صورة الذم، وهنا عكسه تماما؛ إذ ليست غاية القائلين هي المدح بل الذم، كما أن الصيغة المستعملة ليس ظاهرها الذم بل المدح، فيمكن أن يقال: إنه من أسلوب الذم في صورة المدح، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، وقولِ الشاعر:\nوقلت لسيدنا يا حليم … إنك لم تأسُ أسوًا رفيقا\nوأسلوب الذم في صورة المدح ذكره البطليوسي في \"التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف\" (ص: ٩٨)، وعنه نقلنا المثالين المذكورين من الآية والبيت.\n(^٢) في (ف): \"الطريقة المذكورة\".\n(^٣) \"عليه\": ليس في (م).","vol":"4","page":97},{"text":"﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فإنها كانت تسرُّ الكفر.\n﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا، والتذكير لتغليب الذكور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1038\"> </span>(٨٤) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ يقال في العذاب: أَمْطَرتْ، وفي الرحمة: مَطَرتْ، وتعديَتُه بـ (على) لِمَا فيه من معنى النزول.\n﴿مَطَرًا﴾: نوعًا من المطر عجيبًا غيرَ معهود، إذ كان الممطور عليهم الحجارةَ على ما بيِّن في موضعٍ آخر.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ من قوم نوح وهود وصالح ولوط ﵈، والمراد نظرُ التفكُّر، أو نظر البصر فيمَن بقيت له آثارُ منازل ومساكن، وفيه اتعاظٌ وانزجارٌ أن تسلك هذه الأمة ذلك المسلك الفظيع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1039\"> </span>(٨٥) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾؛ أي: وأرسلنا إليهم، وهم أولاد مدين بن إبراهيم ﵇، وشعيبٌ هو ابن مكيل بن يشجر بن مدين، وكان يقال له: خطيبُ الأنبياء، لحُسن مراجعته قومه.","vol":"4","page":98},{"text":"﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبق تفسيره.\n﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: معجزةٌ شاهدةٌ بنبوتي، ولم يذكر في القرآن، فإن ما ذكر فيه وفي (^١) التفاسير متأخر عن هذه المقاولة (^٢).\n﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: آلةَ الكيل، لا لقوله (^٣): ﴿وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأنَّه يجيء بمعنى الوزن (^٤)، بل لقوله في سورة هود: ﴿الْمِكْيَالَ﴾ [الآيتان: ٨٤ و٨٥].\nويجوز أن يكون الميزان (^٥) مصدرًا كالميعاد والميلاد، والمراد: الإيفاءُ في الكيل والوزن، أو يراد: الكيلَ ووَزْنَ الميزان، على الإضمار، أو إطلاقُ الكيل على المكيال (^٦) كالعيش على المَعاش (^٧).\nهذا ما عند القوم، والذي هو عندي - ولعله أدقّ وبالقبول أحقّ - قد سبق في تفسير سورة الأنعام، والمراد بإيفاء الكيل والميزان: إيفاءُ ما يكال وما يُوزن (^٨)،\n_________\n(^١) وقع بعدها في (ف) كلمة هذا رسمها: \"التا\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"المقاولة\".\n(^٣) في (ف): \"بقوله\".\n(^٤) في (م): \"الموزون\".\n(^٥) في (ك): \"المكيال\"، وهو خطأ.\n(^٦) في (ك): \"المكال\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٣)، وانظر التعليق الآتي.\n(^٧) أي: يراد بالكيل ما يكال به مجازًا كالعيش بمعنى ما يعاش به. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ١٨٨)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٢٣٥). وبهذا يظهر أن الصواب: المكيال، لا المكال الذي جاء في (ك).\n(^٨) في (م) و(ك): \"ما يكال ويوزن\".","vol":"4","page":99},{"text":"فنُسب إلى الفعل مجازًا، أو إلى الآلة للمُلابسة. كانوا أهل بَخْسٍ للمكاييل والموازين فأمرهم بالإيفاء.\nولمَّا كان المحظور بالأمر المذكور التعدِّيَ إلى جانب النقصان لا إلى جانب الزيادة نبَّه على ذلك بقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ ولا تَنقُصوا حقوقهم (^١)، وإنما قال: ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾ للتعميم؛ لأنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير، والقليل والكثير، أو كانوا مَكَّاسين لا يَدَعون شيئًا إلا مَكَسوه.\n﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر والحَيفِ ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بعد ما أصلح فيها الأنبياء ﵈ بالإيمان والعدل.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مطلَقًا ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بزعمكم؛ لأن قضية الإيمان العدالةُ.\nأو: خير لكم في الإنسانية وحُسنِ الأحدوثة، أو فيما تطلبون من التكسُّب والتربُّح (^٢) وزيادة المال؛ لأن الناس إذا عرفوا منكم الأمانةَ والعدالة رغبوا في مُتاجَرتِكم، إن كنتم مصدِّقين لي فيما أقول لكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1040\"> </span>(٨٦) - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"ولا تنقصوا حقوقهم\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"والربح\".","vol":"4","page":100},{"text":"﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: ولا تقتدوا بالشيطان (^١) في قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] فتقعدوا بكلِّ منهجٍ من مناهج الدِّين؛ لقوله:\n﴿تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ وطريق الحق وإن كان واحدًا لكنْ يتشعَّب إلى عقائد ومعارف حقَّةٍ، وفضائلَ وأخلاقٍ حميدة (^٢)، وحدودٍ وأحكام كثيرةٍ، فكانوا إذا رأوا أحدًا يسلك طريقًا منها أو يتكلَّم فيها منعوه وأَوْعَدوه وصدُّوه.\nوقيل: كانوا يقعدون بالمراصد ويقولون لمن يريد شعيبًا: إنه كذَّاب لا يَفتِنَنَّكَ عن دينك، كما كان يفعل قريش بمكة، ويُوْعِدون مَن آمَن به.\nوقيل: كانوا يقطعون الطريق.\nومحل ﴿تُوعِدُونَ﴾ وما عُطف عليه النصبُ على الحال؛ أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغيها عوجًا، و﴿مَنْ آمَنَ﴾ مفعول ﴿تَصُدُّونَ﴾ على إعمال الأقرب، ومفعول ﴿تُوعِدُونَ﴾ محذوف لدلالته عليه، ولو كان مفعولَ ﴿تُوعِدُونَ﴾ لقال: وتصدونهم، إلا أن يُجعل ﴿تَصُدُّونَ﴾ بمعنى: تُعْرضون، لازمًا.\nوالضمير في ﴿بِهِ﴾ لـ ﴿اللَّهِ﴾؛ أي: تُوعدون وتصدُّون مَن آمن بالله عن سبيله ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾؛ أي: تطلبون سبيلَ الله عوجًا تصفونها للناس بالعوج، وأنها مُعوجَّة وغيرُ مستقيمة فلا تسلكوها، أو بإلقاء الشُّبه.\nوقيل: الضمير المذكور راجع إلى (كلِّ صراط)؛ أي: تُوعدون مَن آمَن به وتصدون عنه، فوُضع الظاهر الذي هو (سبيل الله) موضعَ الضمير تقبيحًا لِمَا كانوا\n_________\n(^١) في النسخ: \"ولا تقعدوا الشيطان\" والتصويب من \"الكشاف\" (٢/ ١٢٨).\n(^٢) في (م) و(ك): \"جميلة\".","vol":"4","page":101},{"text":"عليه، ودلالةً على عظم ما يصدُّون عنه، ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تهكُّمٌ بهم؛ أي: تطلبون ما هو محالٌ.\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ عَدَدًَا أو عُدَدًا.\n﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ بالبركة في النسل والمال (^١).\n﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ من قوم نوح وهود ولوط وصالح ﵈، وكانوا قريبي العهدِ مما أصاب المؤتفِكة، والمراد من النظر: الاعتبار بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1041\"> </span>(٨٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ﴾ من الطَّوف، صفةٌ غالبة أُقيمت مقام الموصوف، مأخوذةٌ من الاجتماع على الطَّواف (^٢).\n﴿آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أطلقه هنا إيماءً إلى أن عدم الإيمان بما أُرسل به نبيٌّ يَستلزم عدم الإيمان بما أرسل به سائر الأنبياء ﵈؛ لأن كلًّا منهم يصدِّق الآخرين.\n﴿فَاصْبِرُوا﴾ الصبر: حبسُ النفس عما تُنازع إليه من الجزع؛ أي: فتربَّصوا وانتظِروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: بين الفريقين بنصر المحقِّين على المبطِلين، فهو وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين.\n_________\n(^١) في (ف): \"أو المال\".\n(^٢) في (ف): \"الطريق\".","vol":"4","page":102},{"text":"﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾؛ لأن حكمه حقٌّ وعدل، لا يخاف حيفًا ولا ميلًا (^١)، والحكم: المنع من الخروج عن الحق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1042\"> </span>(٨٨) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾؛ أي: آمنوا بما أُرسلت به تابعِين لك.\n﴿مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾؛ أي: ليكوننَّ أحد الأمرين: إما إخراجُكم عن القرية، وإمَّا عودُكم في الكفر.\nوالعود: هو الرجوع إلى الحالة التي كان عليها؛ لمَّا شركوا شعيبًا ﵇ في الإخراج مع الذين اَمنوا معه شركوه في العود تغليبًا للجماعة على الواحد، وإن لم يكن ﵇ في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء ﵈ لا يجوز عليهم الكفر مطلقًا، وكذلك (^٢) أجرى شعيب ﵇ جوابه على التغليب.\nويجوز أن يكون قولهم على زعمهم وقولُه ﵇ للمشاكَلة (^٣).\nويجوز أن يكون العود بمعنى الصيرورة؛ كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]؛ أي: صار.\n_________\n(^١) قوله: \"لا يخاف حيفا ولا ميلا\" كذا في النسخ، ولا يناسب السياق، وعبارة \"الكشاف\" (٢/ ١٢٩): (لا يخاف فيه الحيف).\n(^٢) في \"ك\": (ولذلك).\n(^٣) في (ف): \"على المشاكلة\".","vol":"4","page":103},{"text":"﴿فِي﴾ أبلغ من: إلى؛ لدلالته على الاستقرار والتمكُّن؛ كأنهم لم يرضَوا بأن يتظاهروا أنهم من أهل ملتهم.\n﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الواو للحال، والهمزة للاستفهام الإنكاري؛ أي: أنعود فيها ونحن كارهون لها، أو: أتُعيدوننا (^١) فيها على كراهتنا إياها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1043\"> </span>(٨٩) - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾.\n﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ إخبارٌ مقيَّد بالشرط، وهو بمعنى المستقبل لأنَّه لم يقع لكنه جُعل كالواقع للمبالغة، وأُدخل عليه ﴿قَدِ﴾ لتقريبه من الحال؛ أي: قد افترينا الآن إنْ همَمنا بالعود في ملَّتكم بعد أنْ وفقنا الله تعالى للنجاة منها بالتوحيد؛ لأنَّا (^٢) علمْنا أنْ لا شريك له، فإنْ زعمْنا أن له ندًا فلا افتراءَ أعظمُ من افترائنا، وقد سبق معنى الافتراء ووجه تقييده بقوله: ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (^٣).\n﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ شرط جوابه محذوف دل عليه ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا﴾ وهو استئناف في معنى التعجُّب؛ كأنهم قالوا: ما أكذبَنا على الله تعالى إن عدنا؛ لأنَّا تحقَّقْنا التوحيد وتيقَّنَّاه فادِّعاءُ النِّد مع اعتقاد التوحيد افتراءٌ في غاية القبح.\nوقيل: جواب قسم على تقدير حذف اللام؛ أي: لقد افترينا على هذا التقدير.\n_________\n(^١) في النسخ: \"أتعيدنا\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٣٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٤).\n(^٢) في (م): \"ولأنا\".\n(^٣) تقدم في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٤٤].","vol":"4","page":104},{"text":"﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾؛ أي: حفظَنا عنها، فإن النجاة الحقيقية إنما تكون بعد الابتلاء، ولا ابتلاء هنا، فلا بد من المصير إلى أقربِ المجاز.\n﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا﴾ وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا﴾ وقتَ ﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ عودَنا، هذا هو الذي يقتضيه المساق، وتقدير الخذلان من خذلان التقدير (^١).\n﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لم يقل: قدرةً، أو إرادةً (^٢) لأن الإخبار عن سعة قدرته أو إرادته (^٣) لكلِّ شيء إنما يناسب المقام إذا كان مَساق الكلام للإشعار بوقوع المستثنَى، وأما إذا كان مَساقُه للإشعار بعدم وقوعه فلا يناسب ذلك، إنما المناسب حينئذٍ الإخبار عن سعة علمه وحكمته، وفائدة هذا الأشعارِ حسمُ طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون.\nوفي زيادة ﴿رَبُّنَا﴾ مع تمام الكلام بدونه نوعُ تأييد للإشعار المذكور، وفضلُ تأكيد للحسم المزبور، من حيث إنَّ الربَّ في الأصل بمعنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا.\n﴿عَلَى اللَّهِ﴾ خاصة ﴿تَوَكَّلْنَا﴾ في (^٤) أن يثبتنا على الإيمان، ويحفظَنا من الشر والعدوان.\n﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾: احكُم بيننا وبينهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ والفَتَاحة: الحكومة، والفتَّاح: القاضي.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"دس الزمخشري هنا مذهبه الباطل ولم يتفطن البيضاوي. منه\". وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٣٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٤)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٠٢)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٢٤٦).\n(^٢) في (ف): \"وإرادة\".\n(^٣) في (ف): \"وإرادته\".\n(^٤) \"في\": ليس في (م).","vol":"4","page":105},{"text":"أو: أظهِرْ أمرنا ينفتحْ ما بيننا وينكشف، ويتميز المحقُّ من المبطِل بإنزال العذاب عليه وإنجاء المحق، مِن فَتَح المُشكل: إذا بيَّنه.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ على المعنيَين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1044\"> </span>(٩٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه في معاملاتكم.\n﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئذٍ - هو اسم زمان - ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ الأموالَ، وهو سادٌّ مَسدَّ جواب الشرط والقسمِ الموطَّأ باللام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1045\"> </span>(٩١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الزلزلةُ الحادثة من الصيحة المذكورة في سورة هود (^١) ﵇.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قد سبق تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1046\"> </span>(٩٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"من قال في سورة الحجر فقد أخطأ. منه\".","vol":"4","page":106},{"text":"﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مبتدأ ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ خبرُه، وكذا ما بعده؛ أي: كأنْ لم يقيموا فيها؛ يقال: غَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، والمَغاني: المنازل.\n﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ بالَغَ في تقرير هلاكهم بوجوهٍ:\nبالاستئناف (^١) وإيرادِ الموصول كأنه قال: الذين كذبوا شعيبًا هم المخصوصون بالاستئصال أحقَّاءُ به لتكذيبهم. وبقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: ما بقي أثرٌ منهم كأنْ لم يكونوا قط. وبالتكرير على الوجه الأول، وبكونهما اسميتين، وتعريفِ ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ بلام الماهية، وبإطلاقه - أي: ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ - في الدارين، وبتوسيط ﴿هُمُ﴾ في الثانية؛ أي: هم الأخصَّاء بالخسران المطلق لا الذين صدَّقوه واتَّبعوه كما زعموا، فإنهم الرابحون فيها.\nكلُّ ذلك ردًّا لمقالة الملأ فيما بينهم، وتسفيهًا لرأيهم، واستهزاءً بنصح بعضهم لبعض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1047\"> </span>(٩٣) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.\n﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ كلام قاله بعد هلاكهم تأسُّفًا وتحزُّنًا عليهم، ثم أنكر على نفسه أسفه وشدةَ حزنه عليهم فقال:\n﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ليسوا بأهلٍ للحزن عليهم؛ لاستحقاقهم ما حل بهم بكفرهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"الاستئناف\".","vol":"4","page":107},{"text":"أو قاله اعتذارًا عن عدم شدة حزنه عليهم؛ أي: لقد أَعذَرْتُ إليكم (^١)، وبالغتُ في الإبلاغ، وبذلت وسعي في النصح لكم والتحذير عما نزل بكم، فلم تصدقوا قولي، فكيف آسى عليكم؟ أي: فلا أحزن عليكم بعد اللُّتيَّا والَّتي (^٢)؛ لكفركم وكونِكم غيرَ مستحقِّين لذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1048\"> </span>(٩٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ تعديةُ (أَرسل) بـ (إلى)، وإنما أتى بـ ﴿فِي﴾ اعتبارًا بمعنى الاستقرار، فإنه يدل على الاستمرار في أمر الإبشار والإنذار، وعند ذلك يظهر استحقاقهم بالأخذ الآتي ذكره.\n﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾؛ أي: إلا آخذين أهلها، فهو استثناءٌ مفرَّغ من الأحوال.\n﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: بالبؤس والفقر.\n﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: والضرِّ والمرض؛ لاستكبارهم عن اتِّباع النبي وتَعزُّزهم، والشدة والبلاء تُلين القلوب القاسية الأبية، وتذلِّل النفوس الطاغية القوية.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: لكي يتذلَّلوا ويضعوا تيجان العز والكبر والنخوة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1049\"> </span>(٩٥) - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"إليهم\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"التي واللتيا\".","vol":"4","page":108},{"text":"﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ لفظة ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على امتداد تلك الحالة، ويؤيده ما في عبارة المكان من الإشعار بالتمكُّن؛ أي: ثم أوردنا مكان الحالة السيئة الحالةَ الحسنة مبدِّلين إحداهما بالأخرى إكمالًا لأمر الابتلاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨].\nوالحكمة فيه: أن النفوس الجافية الغليظة تنقهِر وتنكسر بالبلاء والشدة، والنفوسَ اللطيفة تنقاد وتطيع بالسعة والنعمة.\n﴿حَتَّى عَفَوْا﴾: كثروا عَددًا وعُددًا بالنموِّ في أنفسهم وأموالهم، من عفا النباتُ: إذا كثُر، ومنه قوله ﵇: \"وأعفوا اللحى\" (^١).\n﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ بطرًا وأشرًا بالنعمة، ونسيانًا للنقمة، واعتقادًا أن هذه عادةُ الدهر يُضيق تارة ويوسع أخرى، ويتعاقب فيه المحنة والمنحة كما عليه حال آبائنا، فلم يروا ذلك ابتلاء من الله تعالى.\n﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لمَّا لم يتنبهوا من غفلتهم بإحدى الحالتين فلم يبق إلا أن أخذناهم أشدَّ الأخذ بالعذاب، وهو الأخذ فجأة من غير شعورٍ لأنَّه أعظم حسرةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1050\"> </span>(٩٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ اللام للعهد والإشارةِ إلى القرى التي دلَّ عليها ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩/ ٥٢)، من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"4","page":109},{"text":"﴿آمَنُوا﴾ وصدَّقوا بدل كفرهم وتكذيبهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بدل عصيانهم.\n﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لوسَّعنا عليهم الخير في كل شيء ومن كل جهة ويسَّرنا لهم، وقيل: لآتيناهم المطر والنبات.\n﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرسل ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: بسوء كسبهم المعتادِ من التكذيب والعصيان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1051\"> </span>(٩٧) - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.\n﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ الفاء للعطف على ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ وكذا الواو في ﴿أَوَأَمِنَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ إلخ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، والهمزة للإنكار؛ أي: أَبَعْدَ أخذِنا إياهم بتكذيبهم أَمِنَ أهل هذه القرى.\n﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ البيات إن كان بمعنى البيتوتة فظرف؛ أي: وقتَ بيات، وإن كان بمعنى التبييت فحال؛ أي: مبيِّتًا أو مبيَّتين، أو مصدر لأن التبييت نوعٌ من الإتيان؛ كأنه قال: أن يبيِّتهم بأسُنا تبييتًا.\n﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ حال من ضميرهم البارز أو المستتر في ﴿بَيَاتًا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1052\"> </span>(٩٨) - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.\n﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ نصب على الظرف، والضُّحى بين البُكرة والضَّحوة (^١).\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"أول اليوم هو الفجر، وبعده الصباح، ثم الغداة، ثم البكرة، ثم الضحى، ثم =","vol":"4","page":110},{"text":"﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: يشتغلون بأمور الدنيا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦]، والعدول إلى صيغة المضارع للدلالة على التجدُّد المناسب للَّعب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1053\"> </span>(٩٩) - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وتقريرٌ للجملتين على سبيل التعميم باستعارةٍ لطيفةٍ، وهي استعارةُ المكر للأخذ بغتةً بلا شعورٍ منهم استدراجًا.\n﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: إذا كان استدراجه وأخذُه على هذا الوجه فلا يأمن مكر الله إلا الذين خسروا أنفسهم بالكفر وتركِ النظر والاعتبار، وفي تكرير ﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾ (^١) تهويل وتربيةٌ للمهابة (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1054\"> </span>(١٠٠) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾\n_________\n= الضحوة، ثم الحر، ثم الظهر، ثم الرواح، ثم المساء، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم العشاء الأولى، ثم العشاء الآخر، وذلك عند مغيب الشفق الأول، كذا في تفسير الأفاضل. منه\". وفي هامش (م): \"في الصحاح: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم من بعده الضحى، وهي حين تشرق الشمس، وهي مقصورة تؤنث وتذكر، ثم بعده الضَّحاء ممدود مذكر، وهو عند ارتفاع النهار الأعلى، ويضحى ضحيًا بلا هاء\".\n(^١) بعدها في (ف) و(ك): \"دون فلا يأمن مكر الله\"، والمثبت من (م)، وهو الصواب.\n(^٢) في (م): \"للماهية\".","vol":"4","page":111},{"text":"قرئ: ﴿يَهْدِ﴾ بالياء على أن قوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ﴾ فاعلُه، وبالنون (^١) على أنه مفعوله.\nو﴿أَنْ﴾ مخفَّفة من الثقيلة مُعْمَلةٌ في (^٢) ضمير الشأن.\nوتعديةُ فعل الهداية باللام إلى المفعول الأول لِمَا فيها من معنى التبيين (^٣)؛ أي: أولم يهدِ وَيتبيَّنْ للَّذين يَخلفون مَن مضى قبلَهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأنُ وهو أنَّا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم (^٤) كما أصبنا مَن قبلَهم، وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين، أو: أولم نبيِّن لهم ذلك.\n﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ عطفٌ على ما دل عليه ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾؛ أي: يغفلون عن الهداية ونطبع، أو كلامٌ مبتدأ عطفَ الجملة على الجملة؛ أي: ونحن نطبع.\nولا يستقيم عطفه على ﴿أَصَبْنَاهُمْ﴾ بمعنى: وطبعنا؛ لأنَّه في سياقِ ﴿لَوْ﴾، فيؤدي إلى نفي الطبع، والقومُ مطبوع على قلوبهم.\nوأما عطفه على ﴿يَرِثُونَ﴾ فيَلزمه الفصلُ بين إبعاض الصلة بالأجنبي (^٥)؛ لأن المعطوف على الصلة صلةٌ، ولا تعلق لقوله: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بشيء من الصلة.\n﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّم واعتبار.\n_________\n(^١) القراءة بالياء قراءة الجمهور، وبالنون تنسب لقتادة ومجاهد وأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥)، و\"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ١٤٠)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٢٦٥).\n(^٢) في (م): \"معموله\".\n(^٣) بعدها في (ف): \"أي: لو نشاء ﴿أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ \".\n(^٤) \"بذنوبهم\" ليست في (ف).\n(^٥) في (ف): \"بأجنبي\".","vol":"4","page":112},{"text":"<span id=\"aya-1055\"> </span>(١٠١) - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾؛ أي: قرى الأممِ المارِّ ذكرُهم ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ حالٌ منها؛ كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، أو خبر ثان، أو ﴿الْقُرَى﴾ صفةُ ﴿تِلْكَ﴾ و﴿نَقُصُّ﴾ خبرٌ.\nو﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ أي: نقصُّ عليك بعضَ أنبائها، إذ لهم (^٦) أنباءٌ غيرُها لم نقصَّها (^٧) عليك.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عند مجيء الرسل بالبينات ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: بما كذبوه من قبلِ الرسل بل كانوا مستمرِّين على التكذيب.\nأو: فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذَّبوا أولًا حين مجيء الرسل؛ أي: استمرُّوا على التكذيب مع تكرار (^٨) المواعظ وتتابُع البينات، ولم تلن قلوبهم حتى ماتوا.\nوتأكيد النفي باللام للدلالة على أن الإيمان كان منافيًا لحالهم في تصميمهم على الكفر طُول عمرهم، وشدةِ (^٩) شكيمتهم في عنادهم.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلَ ذلك الطبع العظيم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ فلا تلين شكيمتُهم بالآيات والنُّذر، وفيه إيذان بأن سبب الطبع كفرُهم الأصلي.\n_________\n(^٦) في (ف): \"ولهم\" بدل: \"إذ لهم\".\n(^٧) في (ف): \"نقصصها\".\n(^٨) في (ف): \"تكرر\".\n(^٩) في (ف): \"ولشدة\".","vol":"4","page":113},{"text":"<span id=\"aya-1056\"> </span>(١٠٢) - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾.\n﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: لأكثر الأمم المذكورين؛ لأن الأقل من كلٍّ منهم آمنوا، أو: للناس على الإطلاق، والجملةُ اعتراضية.\n﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أراد بنفي العهد نفيَ الوفاء به على سبيل المبالغة، يقال: ما له عهد، لمن ينكثُ العهد، والمراد من العهد: إما ميثاق الفطرة في الإيمان والتقوى، وإما قولُهم عند الضر والمخافة: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]، أو عهدهم مع الأنبياء ﵈ كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤].\n﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: علِمناهم، من: وجدتُ زيدًا ذا الحفاظ (^١)؛ لدخول (إنْ) المخفَّفة واللامِ الفارقة فيه، وذلك لا يجوز إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلة عليهما، وعند الكوفيين (إنْ) للنفي واللامُ بمعنى: إلا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1057\"> </span>(١٠٣) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ البعث: الإرسال، وهو في الأصل: النقل باعتمادٍ يوجب الإسراع إلى الشيء.\n﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الضمير للرسل أو للأمم.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٣٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦). ومعنى \"ذا الحفاظ\": صاحب الحفاظ، وهو المحافظة والمراقبة، ويقال: إنه لذو حفاظ ومحافظة، إذا كان له أنفة. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٢٠٠).","vol":"4","page":114},{"text":"﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾: بمعجزاتنا ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: الأشرافِ من قومه، وفرعون كان لقبًا لمَن مَلَكَ مصر من العمالقة.\n﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وتعديتُه بالباء لتضمينه معنى الجَحْد، والمراد مِن ظلمهم: اختيارُهم الكفر على الإيمان.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ النظر: تحديق القلب إلى المعنى لإدراكه، فكأنه قيل: فانظر بعين القلب كيف كان عاقبتهم بسبب إفسادهم، وموضع ﴿كَيْفَ﴾ نصبٌ؛ لأنَّه خبر ﴿كَانَ﴾، وتقديره: انظر أيَّ شيء كان آخِرَ أمر الذين أفسدوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1058\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ﴾ خطابٌ له بأحسن ما يُدْعَى به، وإجهالُه لِمَا عرفتَ أنه من الألقاب الشريفة المخصوصة بملوك العمالقة، ففيه ائتمارٌ بالأمر الوارد في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤].\n﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لم يقل: إليك؛ لعدم اختصاص رسالته ﵇ له.\nولمَّا كان فرعون قد ادَّعى الربوبيةَ فاتحه موسى ﵇ بما ينبِّهه على أنه مُبطِلٌ في الوصف الذي ادعاه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1059\"> </span>(١٠٥) - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.","vol":"4","page":115},{"text":"﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ﴾ جواب لتكذيبه إياه في دعوى الرسالة المفهومة من قوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وقرئ: ﴿عَلَىَّ﴾ بالتشديد (^١)؛ أي: واجبٌ عليَّ، وعلى قراءة التخفيف معنى الحقيق: جدير (^٢) وخليق، إلا أنه ضمِّن معنى المجبول، ولذلك عُدِّي بـ ﴿عَلَى﴾؛ أي: مجبول على ذلك جديرٌ به، وفيه إشارة إلى أن مَن هو في مقام الرسالة يكون في غاية العصمة عن وصمة الكذب حتى لو قصده لا يَقدر عليه.\n﴿عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ إنما قال: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ لأن في الرسالة تحميلَ العهدة على المرسِل الذي نقل عنه الرسالة.\n﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: بما يُبين أني رسول من رب العالمين، ادَّعى الرسالة ثم أردفها بما يدل على صحتها.\nولمَّا قرَّر رسالته فرَّع عليها تبليغَ الحكم بقوله: ﴿فَأَرْسِلْ﴾؛ أي: فأطلق ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطنُهم ومولد اَبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال تغلُّبًا منذ تُوفِّي يوسف ﵇ وانقرضت الأسباط.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1060\"> </span>(١٠٦) - ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ مِن عند مَن أرسلك ﴿فَأْتِ بِهَا﴾: فأَظْهِرها وأحضِرها عندي ليَثبت بها صدقُك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدعوى.\n* * *\n_________\n(^١) هي قراءة نافع، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١١).\n(^٢) في (ك) و(م): \"معنى حقيق وجدير\".","vol":"4","page":116},{"text":"<span id=\"aya-1061\"> </span>(١٠٧) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ أصل (ألقى) من الإلقاء الذي هو الانفصال (^١)\n﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾: أزال اتِّصالها مما كان، وعصا: عود يابس، وأصله: الامتناع ليبسه، يقال: عصى: إذا امتنع، ومنه: العصا لمن عصى.\n﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (إذا) للمفاجأة والفاء للتعقيب.\n﴿ثُعْبَانٌ﴾: حية عظيمة، يقال: انْثَعبَ الماء: إذا جرى باتِّساع، والمَثْعَب: هو المجرى الواسع، ومنه: الثعبان؛ لأنَّه يجري باتِّساع لعظمته.\n﴿مُبِينٌ﴾ أبان عن نفسه أنه ثعبانٌ حقيقةً، لا شيءٌ يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزوَّرة بالشعوذة والسحر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1062\"> </span>(١٠٨) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.\n﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: أخرجها من جيبه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل: ١٢]، والنزع: إخراج الشيء مما كان متَّصلًا به ومُلابسًا له.\n﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ لها شعاعُ يكاد يُغشي الأبصار ويسدُّ الأفق، وفي قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ دلالةٌ على أن بياضها كان شيئًا يجتمع النَّظَّارة على النظر إليه لخروجه عن العادة.\nوقيل: بيضاءُ للنُّظَّار، لا أنها كانت بيضاءَ حقيقةً.\nويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]؛ لأنَّه صريح في انقلابها أبيض؛ لأن مَظِنَّة السوء عند ذلك.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"من اللقاء الذي هو الاتصال\".","vol":"4","page":117},{"text":"<span id=\"aya-1063\"> </span>(١٠٩) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ وفي موضع آخر: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ [الشعراء: ٣٤]، وذلك أنه قال هو وأشرافُ قومه على سبيل التشاور في أمره، فحُكي عنه تارةً وعنهم أخرى، وفي عبارة (الملأ) نوعُ إشارة إلى هذا من حيث إن الملأ جماعةٌ يجتمعون للتشاور.\n﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: فائق في علم السحر، وهو لطف الحيلة في إظهار أعجوبةٍ تُوهم خرقَ العادة لخفاءِ سببه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1064\"> </span>(١١٠) - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.\n﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بسحره، بأن يُلقي العداوة والفُرقة بينكم، ويستميلَ بعضكم ليحارب به بعضَكم فيخرجَكم من بلادكم.\n﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (ماذا) مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿تَأْمُرُونَ﴾ على سبيل التوسُّع فيه بأنْ حُذف منه حرف الجر، والمفعول الأول محذوف؛ أي: بأيِّ (^١) شيء تأمرونني، من آمَرْتُه فأمرني بكذا: إذا شاورْتَه فأشار عليك برأيٍ.\nتحيَّر عند غلبته سلطان المعجزة فنسي دعوى الألوهية ومرتبةَ كونه آمرًا وناهيًا، حتى خاطبهم خطاب الأذلاء المقهورين المأمورين.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"أي\" وهو الموافق لما في \"البحر\" (١٠/ ٢٣٣)، والمثبت من (ف) و(م) وهو الموافق لما في \"روح المعاني\" (٩/ ٢٨٣)، وكلاهما صواب، على أن أحدهما تقدير مع الباء، والآخر بعد حذفها.","vol":"4","page":118},{"text":"<span id=\"aya-1065\"> </span>(١١١) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَرْجِهْ﴾ من الإرجاء، وهو التأخير؛ أي: أخِّر أمره، وهذا يدل على تقدُّم همٍّ من فرعون (^١) بقتله، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦]، فقالوا: أخِّر قَتْلَه واغلبه بالحجة كيلا يُدخل على الناس الشبهةَ، توهموا أنهم بالتأخير، وتقديم التدبير، وبذلِ الجهد (^٢) والتشمير، يغيِّرون شيئًا من التقدير.\n﴿وَأَخَاهُ﴾ يعني: هارون، وكان معه على ما ذكر في موضع آخر.\n﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ الحشر: السَّوق من جهاتٍ مختلفةٍ إلى مكانٍ واحد (^٣)، وتعدية (أرسل) بـ (إلى)، وإنما أتى بـ ﴿فِي﴾ تضمينًا لمعنى الاستقرار؛ ليفيد الاهتمام في أول (^٤) أمر الحشر، ولأن المقصود إتيان مَهَرة السحرة ومَن هم في الطبقة العليا من ذلك الجنس، وهو لا يكون إلا بالتتبُّع والتفحُّص، فلا بد من مكث في مظانهم من المدائن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1066\"> </span>(١١٢) - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.\n﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ مِثْلِه في عمل (^٥) السحر وعلمه، وقرئ: ﴿سَحَّارٍ﴾ (^٦) وهو أبلغ لأن اعتبار المبالغة في وصف مَن يؤتى للمغالبة أولى.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"تقدم من هم فرعون\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"الجد\".\n(^٣) بعدها في (م) و(ك): \"أي أخر أمره\" ولعل هنا ليس مكانها حيث تقدمت قريبًا.\n(^٤) \"أول\": ليس في (م) و(ك).\n(^٥) \"عمل\": ليس في (م) و(ك).\n(^٦) هي قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة ﴿سَاحِرٍ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٢).","vol":"4","page":119},{"text":"وفي دخول كلمة (كلّ) على المفرد دلالةٌ على أنَّ كل واحد منهم منفرد (^١) عن الآخرين، مطلوب بالإتيان ومقصودٌ أصالة وبالذات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1067\"> </span>(١١٣) - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.\n﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فأرسل الحاشرين وجاء السحرة، فالواو فصيحة كالفاء في قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ [الشعراء: ٣٨].\n﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ استئناف على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤوه؟ فأُجيب بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ استفهامًا، والقراءة بالإخبار (^٢) أوقعُ للدلالة على إيجابهم عليه أجرًا عظيمًا، كأنهم قالوا: لا بد لنا من أجر كثير، ومثلُ هذا التنكيرِ في إفادة التعظيم والتكثير قولُهم: إن له لإبلًا وإن له لغنمًا.\nوالأجر: الجزاء بالخير، فإن الجزاء قد يكون بالخير والشر بحسب العمل وبحسب ما يقتضيه العدل، والغلبة: إبطال المقاومة بالقوة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1068\"> </span>(١١٤) - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.\n﴿قَالَ نَعَمْ﴾ مجيبًا لهم عما سألوه ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ الواو للعطف كأنه قال: نعم لكم ذاك وإنكم ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إلى مراتب الجلالة التي يكون فيها الخاصَّة (^٣) ولا\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"منفردًا\".\n(^٢) قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حَفْص: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ مَكْسُورَة الألف على الخَبَر، وباقي السبعة على الاستفهام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٢).\n(^٣) في (م) و(ك): \"الحاجة\".","vol":"4","page":120},{"text":"يتخطَّى إليها العامة، حقَّق أمنيتهم وزاد على ذلك ما لم يتصوَّروه مع المبالغة بـ (إنَّ) واللام؛ أي: لا أقتصرُ على الثواب العظيم، وإن لكم مع الثواب ما يقلُّ معه الثواب وهو التقريب والتعظيم، تحريضًا لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1069\"> </span>(١١٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ الإلقاء: إرسال المعتمد إلى جهة السُّفلِ وضدُّه الإمساك، و﴿إِمَّا﴾ للتخيير، والتقدير: إمَّا أن تلقي أنت أولًا وإما أن نلقي نحن أولًا، دليله ما في موضع آخر: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].\nقيل: أظهروا الاقتدار وقالوا: إن بدأت أنت أو بدأنا فلا خوف علينا ولا حذار.\nوقيل: بل احترموا وببركة ذلك أسلموا، ولمَّا (^١) كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله فنبَّهوا عليها بتغيير النظم إلى ما فيه رجحان طرفهم في الإلقاء؛ من الجملة الابتدائية والتأكيد بتوسيط الضمير وتعريف الخبر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1070\"> </span>(١١٦) - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿قَالَ أَلْقُوا﴾ لمَّا كارموه بالتخيير أكرمهم (^٢) موسى ﵇ وسوَّغ لهم ما تراغبوا به؛ إظهارًا للفضيلة وتحقيرًا لهم وازدراء بشأنهم، وثقةً بالله تعالى وما خصَّصه به من التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبدًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"ولكن\".\n(^٢) في (ك): \"كرمهم\".","vol":"4","page":121},{"text":"﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾: خيَّلوا إليهم بالحقيقة بخلافه، وأَرَوهم بالحيل والشَّعوذة ما لا وجود له، ومن هنا ظهر أن السحر لا يقلب عينًا وإنما هو من باب (^١) التخييل.\n﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: أرهبوهم إرهابًا شديدًا كأنهم استدعوا رهبتهم.\nوقيل: استفعل هنا بمعنى: أفعل، كأبلَّ واسْتبَلَّ (^٢). والرهبة: الخوف مع الفزع.\n﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وصفه بالعظيم لبُعد مرام الحيلة فيه وشدةِ التمويه، حتى أوجس موسى عليه وسلم في نفسه خِيفةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1071\"> </span>(١١٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ويجوز أن تكون مفسِّرة (^٣)؛ لأن في الوحي معنى القول.\n﴿فَإِذَا هِيَ﴾ (إذا) فجائيةٌ والفاء فصيحة؛ أي: فألقاها فإذا هي، ونكتة الحذف في مثل هذا قد مر بيانها في تفسير قوله تعالى: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٦٠] من سورة البقرة.\n﴿تَلْقَفُ﴾ تبتلع تناولًا بفيها سرعةً منها، ويؤيده قراءة: ﴿تَلْقَفُ﴾ (^٤)؛ أي: تبتلع كاللقمة.\n_________\n(^١) \"باب\" من \"ك\".\n(^٢) أي: حسنت حاله بعد الهزال. وتحرفت في النسخ إلى: (أبيل واستبيل)، والصواب المثبت. انظر: \"البحر\" (١٠/ ٢٤٠).\n(^٣) في (م): \"المفسرة\".\n(^٤) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٣٩)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٤٤).","vol":"4","page":122},{"text":"﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ الإفك: قلب الشيء عن وجهه، و﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: ما يأفكونه، أو مصدرية؛ أي: إفكهم، تسميةً للمأفوك إفكًا مبالغةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1072\"> </span>(١١٨) - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلًا إلى مستقرِّه، والحق: كون الشيء في موضعه الذي اقتضته الحكمة.\n﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر والمعارضة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1073\"> </span>(١١٩) - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.\n﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾؛ أي: عند ذلك الجمع.\n﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾؛ أي: رجعوا إلى المدينة أذلَّاء مقهورين، والضمير لفرعون وقومه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1074\"> </span>(١٢٠) - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.\nوإنما قال: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ دون: وخروا سجَّدًا، للمبالغة كأنهم (^١) ألقاهم ملق لشدة خرورهم؛ لأن الحق بهرهم واضطَرَّهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالكٌ، وقد وفَّقهم الله تعالى لذلك ودبَّر الأمر؛ لينكسر فرعون وقومه بالذين أراد بهم كسر موسى ﵇ (^٢).\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"كأنما\".\n(^٢) رد القاضي حيث زعم أن فيها وجوهًا وأصله رجه وأرجه. منه.","vol":"4","page":123},{"text":"<span id=\"aya-1075\"> </span>(١٢١ - ١٢٢) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\n﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لمَّا استشعروا أنْ يتُوهَّم أنهم أرادوا فرعون تداركوا بقولهم:\n\n<span id=\"aya-1076\"> </span>﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بأنْ أبدلوه منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1077\"> </span>(١٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ﴾ استفهامٌ على سبيل الإنكار والتوبيخ؛ أي: أفعلتم هذا الفعل الشنيع، وقرئ بالإخبار (^١)، وهو أيضًا تقريع وتشنيع بدلالة ما بعده.\n﴿بِهِ﴾؛ أي: بموسى ﵇ لا بالله تعالى؛ لأن قوله في سورة الشعراء: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١] لا ينتظِمه.\n﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ فيه إيذانٌ بوهن أمره، حيث جعل ذنبهم مفارقة الإذن دون نفس الإيمان به.\n﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: صنعُكم هذه الحيلةَ احتَلْتُموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى الميعاد وتواطأتم عليها.\n﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾: القِبط، وتَخْلُصَ لكم ولبني إسرائيل، قاله تمويهًا على الناس لئلا يتَّبعوا السحرة في الإيمان.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ما فعلتُم، وعيد مُجمَلٌ مفصَّله:\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر بالاستفهام، وباقي السبعة بالإخبار. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٢).","vol":"4","page":124},{"text":"<span id=\"aya-1078\"> </span>(١٢٤) - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾: من كل شقٍّ طرفًا، وذلك للتشديد في العذاب والتغليظ، فإن الإنسان لا يتعيَّش برجل واحدة ويد واحدة إذا كانتا من جانب (^١) واحد، بخلافِ ما إذا كانتا من جانبين، ولهذا تُقطع رجل السارق في المرة الثانية من خلافٍ، وإذا كان القطع من وفاقٍ يأسًا من الانتفاع بالحياة الباقية يكون الموت بعده راحةً، بخلاف ما إذا كان القطع من خلافٍ، فإن في الموت بعده - خصوصًا إذا كان متراخيًا - ألمًا جديدًا، فأراد فرعون أن يضمِّن وعيدَه الشديدَ بتجديد العذاب بالقتل بعد ما زال ألم القطع وعاد لذة الحياة، على ما دل عليه كلمة ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى:\n﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تفضيحًا لكم وتنكيلًا لأمثالكم، قيل: إنه أول مَن قطع وصلب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1079\"> </span>(١٢٥) - ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: إنا لا نبالي بوعيدك لانقلابنا إلى ربنا ورحمته، كأنهم استطابوا شغفًا إلى لقاء الله تعالى، أو: إنا جميعًا - أي: إنك وإيانا - منقلبون إليه فيحكم بيننا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1080\"> </span>(١٢٦) - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"جنس\".","vol":"4","page":125},{"text":"﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ النقمة: الأخذ بالعقوبة، وتعديتُه بـ (من) لتضمُّنه معنى: تنال، وعلى هذا يكون قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ مفعولًا من أجله استثناءً مفرَّغًا؛ أي: ما تنال منا أخذًا إيانا بالعقوبة لشيء من الأشياء إلا لأنْ آمنا، وهذا ما أشار إليه عطاء في تفسيره حيث قال: أي: ما لنا عندك ذنب تعذِّبُنا عليه إلا أنْ آمنا (^١).\nثم فزعوا إلى الله تعالى بقولهم: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾؛ أي: على وعيد فرعون؛ لعلمهم أن الصبر مَطهَرة لهم استعارةً بالكناية، شبَّه الصبر بالماء فأورد الإفراغ؛ أي: أَفِضْ علينا من الصبر ما يَغمرنا ويَفيض عنَّا كما يُفْرَغ الماء إفراغًا، والتنوين للتعظيم؛ أي: صبرًا واسعًا كثيرًا.\nأو: ما يطهِّرنا من أوضار الآثام كما يطهِّر الماءُ من الأقذار.\n﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ثبِّتنا على السلام إلى الممات.\nقيل: إنه فعل بهم ما أَوعدهم.\nوقيل: لم يقدر عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]. وفيه نظر؛ لأن المراد مَن اتبعهما قبل غلبتهما فلا يتناول السحرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1081\"> </span>(١٢٧) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البغوي\" (٢/ ٢٢١)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٥٠)، وعنه نقل المؤلف.","vol":"4","page":126},{"text":"﴿وَيَذَرَكَ﴾ عطفٌ على (يُفسدوا في الأرض)، بدؤوا أولًا بالعلة العامة، ثم أتبعوه بالخاصة، قدَحوا بذلك زَنْدَ (^١) تغيُّظه على موسى ﵇ وقومه؛ ليكون ذلك أبقى عليهم منازلهم؛ إذ هم الأشراف، وبترك موسى ﵇ وقومِه بمصر يذهب ملكهم وشرفهم. وإنما نسبوا الفساد إلى الجميع والتركَ إلى موسى ﵇ خاصةً؛ لأن الترك المذكور راجع إلى أمر الدِّين وقومُه تابعون له فيه، فذِكرُ تركِه كافٍ، بخلاف الفساد لأنَّه من جهة الدنيا والملك وهم مستقلون فيه.\nأو جوابٌ للاستفهام بالواو على معنى: أيكونُ منك تركُ (^٢) موسى ﵇ وقومِه ويكون [منه] تركُه إياك وآلهتك؟!\nوقرئ بالرفع عطفًا على ﴿أَتَذَرُ﴾ (^٣)؛ أي: أتذرُه ويذرُك، بمعنى: تطلق له ذلك (^٤)؟ أو استئنافًا، أو حالًا؛ أي: وهو يذرُك وآلهتك.\nوقرئ بالجزم (^٥)، كأنه قيل: يفسدوا ويذرْك، جوابًا للاستفهام كقوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠].\n_________\n(^١) في (م): \"يزيد\".\n(^٢) في (ف): \"أن يكون منك ترك\"، وفي (ك): \"أن يكون منكر بترك\"، وفي (م): \"أن يكون منكرا بتركه\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٤٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٩)، وما سيأتي بين معكوفتين منهما.\n(^٣) تنسب للحسن بخلاف عنه ولنعيم بن ميسرة. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٥٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٤٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٤١)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٥٢).\n(^٤) في النسخ: \"يطيق\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٤٢).\n(^٥) تنسب للحسن بخلاف عنه وللأشهب العقيلي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٥٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٤٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٤١)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٥٢).","vol":"4","page":127},{"text":"﴿وَآلِهَتَكَ﴾ قيل: كان يعبد الكواكب.\nوقيل: صنع لقومه أصنامًا وأمرهم أن يعبدوها تقرُّبًا إليه، ولذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].\nوقرئ: (إلاهتك)؛ أي: عبادتك (^١).\n﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾: سنعيد عليهم ما كنا محنَّاهم به (^٢) ليعلموا ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾؛ أي: وأنَّا على ما كنا عليه من القهر والغلبة عليهم، وأنْ لا أثر لغلبة موسى في ملكنا، وأن لا (^٣) يتوهَّم العامة أنه هو المولود الذي حكَم المنجِّمون والكهَنة بذهاب ملكنا على يده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1082\"> </span>(١٢٨) - ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ لمَّا جزع قوم موسى ﵇ من قول فرعون: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وتضجَّروا سلَّاهم بقوله:\n﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ذكَّرهم ما وعَده الله تعالى من إهلاك القِبْط وتوريثهم أرضَهم وديارهم، فاللام في ﴿الْأَرْضَ﴾ للعهد، والأفصح أن تكون للجنس فتتناولَ المعهود - وهو أرض مصر - تناوُلًا أوليًا.\n_________\n(^١) تنسب لابن مسعود وجماعة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٥٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٤٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٤١)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٥٤).\n(^٢) في (ف): \"ما كنا فعلناه بهم\".\n(^٣) أي: (ولئلا) كما في \"الكشاف\" (٢/ ١٤٣).","vol":"4","page":128},{"text":"وعلَّق إيراث الأرض (^١) بالمشيئة فأَجمَلَ، ثم بيَّنه بقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ للبشارة بعد الإبهام بأنَّ العاقبة التي تستأهل أن تُسمى عاقبةً - أي: العاقبةَ المحمودة كأنَّ ما عداها ليست بعاقبة - مخصوصةٌ بالمتقين منكم ومن القِبْط؛ إشعارًا بأنهم هم المتقون والعاقبةُ لهم.\nوقرئ: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ بالنصب عطفًا على اسم ﴿إِنَّ﴾ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1083\"> </span>(١٢٩) - ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: بنو (^٣) إسرائيل: ﴿أُوذِينَا﴾ بقتل الأبناء، والاستعباد (^٤)، والامتهان بالخدمة، وأنواع التعذيب. والأذى: ضرر لا يبلغ بصاحبه أن يأتي على نفْسه.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالة، والإتيانُ ينتظِم المجيءَ وما يقابلُه وهو الذهاب.\n﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادته علينا.\n﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ تصريحٌ بما رمز إليه من البشارة، وهو إهلاك فرعون وقومَه واستخلافُهم في الأرض.\n_________\n(^١) في (ف): \"الميراث\"، وفي (م): \"الإيراث\".\n(^٢) تنسب لابن مسعود وأبيٍّ ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٤٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٤٢)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٥٥).\n(^٣) في (م): \"بني\" وأشار في الهامش: \"ظ: بنو\".\n(^٤) في (م): \"والاستبعاد\".","vol":"4","page":129},{"text":"﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ شكرًا أو كفرانًا، طاعةً أو معصيةً (^١)، فيجازيكم بحسَبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1084\"> </span>(١٣٠) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ اَثر عبارة الآل (^٢) على عبارة القوم (^٣) لانتظامها الإناثَ حقيقةً، ولا نكتةَ للتغليب، وللتنبيه على أن أخذهم بذلك لاتِّباعهم فرعون، فيُفهم منه سلامةُ مَن اَمَن مِن قومه، ودخولُ فرعون في الحكم المذكور بطريق الدلالة.\n﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالجدوب؛ لقلة الأمطار والمياه والنبات، والسَّنةُ غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكَر عنه ويؤرَّخ به، فصارت كالدابة والنجم، ثم اشتقوا منها فقالوا: أَسْنَتَ القوم، إذا قُحطوا، وجمعت على سنين.\n﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ قال ابن عباس ﵄: أما السِّنونَ فكانت لباديتهم، وأما نقصً الثمرات فكانت في أمصارهم (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"أو معصية أو طاعة\"، وفي (م): \"بإطاعة أو معصية\". وفي \"ك\": (طاعة أو معصية).\n(^٢) في (ك): \"آثر الآل\". وجاء في هامش (م): \"الآل: أهل الرجل وأتباعه وأولياءه، ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: أهله، وأصله: أهل، أبدلت الهاء همزة فصارت أأل، وتوالت همزتان فأبدلت الثانية ألفًا، تصغيره: أويل وأهيل. ق\".\n(^٣) في هامش (م): \"القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا، أو للرجال خاصة، أو تدخله النساء على تبعية، ويؤنث في أقوام\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٤٤).","vol":"4","page":130},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لكي يتنبَّهوا (^١) أنَّ ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم، أو يتَّعظوا فتَلينَ قلوبهم وتَرِقَّ بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويتضرَّعوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1085\"> </span>(١٣١) - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ﴾ الفاء فصيحةٌ لترتيب (^٢) مدخولها على مقدَّر دلَّ عليه سياق الكلام ولحاقُه من عدم تنبُّههم لِمَا ذكر، وتفصيل ذلك:\n﴿الْحَسَنَةُ﴾ الخصب والرخاء والسعة.\n﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾؛ أي: لكرامتنا خاصة (^٣) واستحقاقِنا لها (^٤).\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: جدبٌ وشدةٌ وضيقٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ وقالوا: هذا بشؤمهم، ولولا مكانُهم فينا لَمَا أصابنا (^٥) التطيُّرُ والتشاؤم، وأصله: التفاؤل بالطير، ومنه: الطائر الذي هو سبب الخير والشر، فغلَب التطيُّر على الشر.\nوأصل ﴿يَطَّيَّرُوا﴾: يتطيَّروا، فأُدغم.\nوإنما عرَّف الحسنة بلام العهد الذِّهني، مع (إذا) الدالَّةِ على الوقوع،\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"على\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الفاء الفصيحة ترتيب\".\n(^٣) \"خاصة\" من (م).\n(^٤) في (م) و(ك): \"بها\".\n(^٥) في (م): \"أصبنا\".","vol":"4","page":131},{"text":"وصيغةِ الماضي الدالةِ على الاستمرار بأنَّ جنسها مقطوعُ الوقوع (^١) لكثرته واتساعه، ونكَّر السيئة مع حرف الشكِّ وصيغةِ المضارع؛ لقلَّتها ونُدور وقوعها وتجدُّدها يناسب الإيقاظَ والاتِّعاظ، والحسنة لا يخلو عنها أحد والسيئة لا يقع منها إلا شيء (^٢).\nوهذا إغراقٌ (^٣) في وصفهم بالقساوة والجَفوة والغباوة، بأنَّ الشدائد التي ترقِّق القلوب، وتذلِّل النفوس، وتُلين العرائك، وتكسِر الشكائم، لم توثِّر فيهم، ولم يزدادوا بها إلا انهماكًا في الغي وعُتوًّا في الكفر، ولذلك بولغ في إنكار التطيُّر بموسى ﵇ ومَن معه بإسنادِ الشر والخير إلى الله تعالى على القصر بـ ﴿إِنَّمَا﴾، وتصديرِ الجملة بحرف التنبيه، حيث قال:\n﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ﴾ سببُ خيرهم وشرهم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: كلٌّ بقضائه ومشيئته، وهو الذي أيهما شاء أصابهم به، وليس بيُمن أحد ولا بشؤمه، والتأكيدِ بقوله:\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ (^٤) ما يصيبهم من الله تعالى ومن شؤم أعمالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1086\"> </span>(١٣٢) - ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بلام العد الذهني الدالة على الوقوع\".\n(^٢) في (ك): \"سيء\"، وفي (م): \"شر\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ١٤٥)، وفيه: (ولا يقع إلا شيء منها)، وكذا نقله عنه الآلوسي في \"روح المعاني\" (٩/ ٣٠٥)، وجاء في \"البحر\" (١٠/ ٢٦١) نقلًا عنه أيضًا: (ولا يقع إلا يسير منه).\n(^٣) في (م): \"اعتراف\".\n(^٤) في (ف): \"أي\".","vol":"4","page":132},{"text":"﴿وَقَالُوا مَهْمَا﴾ أصله: (ما) الشرطيةُ ضمَّت إليها (ما) المزيدةُ للتأكيد (^١)، ثم قُلبت ألفها هاءً لئلا يُتوهم (^٢) التكرير، وهو مبالغةٌ في التعميم.\nومحلُّها الرفع على الابتداء، أو النصبُ بفعلٍ يفسِّره: ﴿تَأْتِنَا بِهِ﴾؛ أي: أيَّ شيء تُحْضِرنا تأتنا به ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ بيان لـ ﴿مَهْمَا﴾ وإنما سمَّوها آيةً استهزاءً، ولذلك قالوا: ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾؛ أي: لتسحر بها أعينَنا، والضميران لـ (مهما) (^٣): الأول باعتبار اللفظ، والثاني باعتبار المعنى.\nوعدلوا في الجزاء عن: لن نؤمن، إلى الجملة الاسمية مع تأكيد النفي بالباء، وتحقيقِ الجزاء بزيادة (ما)، حيث قالوا: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: فلا تشتغل بإيرادها فما نحن لك بمصدقين أنها من عند الله تعالى، وهذا منهم غايةُ الضلالة والعناد؛ إذ كذَّبوه بما لم يأت به بعدُ، وأظهروا أنهم مصرُّون على كفرهم أبدًا، غيرُ منقادين للحق وإن ظهر وبدا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1087\"> </span>(١٣٣) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ قال ابن عباس ﵄: الطوفان هو الماء المُغرِق (^٤).\n_________\n(^١) في هامش (م): \"ما هذه في موضع لن في الأصل، بل في لن معنى زائد وهو تأكيد نفي الاستقبال. فتأمل\".\n(^٢) في (ك): \"يوهم\".\n(^٣) في النسخ: \"والضميران لما\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٤٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٦٣)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٣٠٨).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٤٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٦٣). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٣٧٩ و٣٨٠).","vol":"4","page":133},{"text":"وقال جماعة: هو المطر المتتابع المُضِرُّ.\nوهو في اللغة: ما طاف بالقوم وغلبهم من ماءٍ أو مرضٍ أو غيرهما.\n﴿وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ﴾: هي كبار القُراد (^١) ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: جمع ضِفْدِع ﴿وَالدَّمَ﴾.\nروي أنهم مُطروا (^٢) ثمانيةَ أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمسًا ولا قمرًا، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم ولم يدخلها قطرة، وفاض الماء على وجه أرضهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف، فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشفْ عنا ونحن نؤمن بك، فدعا فكشف عنهم ونبت لهم من الزرع ما لم يُعهد مثله فلم يؤمنوا، فبعث الله تعالى الجراد فأكلت عامة زروعهم (^٣) وثمارهم، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب، ولم يدخل بيوتَ بني إسرائيل منها شيءٌ، ففزعوا إلى موسى ﵇ ووعدوه التوبة، فرُفع عنهم ثم لم يؤمنوا، فسلط الله تعالى عليهم القمَّل فأكل ما أبقاه الجراد، وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين (^٤) أثوابهم وجلودهم فيمصُّها، ففزعوا إليه ﵇ فرُفع عنهم، فقالوا: قد تحقَّقْنا الآن أنك ساحر، ثم أرسل الله تعالى عليهم الضفادع بحيث لا يُكشف ثوب ولا طعام إلا وُجدت فيه، وكانت تمتلئ منها مضاجعهم، وتَثِبُ إلى قدورهم وهي تغلي، وأفواهِهم عند التكلُّم، ففزعوا إليه ﵇ وتضرَّعوا، فأخذ عليهم العهود\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"القرد\".\n(^٢) في هامش (م): \"على ما سبق آنفًا صوابه: أمطروا\". قلت: و(مُطروا) صحيحة أيضًا. انظر: \"مختار الصحاح\" (مادة: مطر).\n(^٣) في (ك): \"زرعهم\".\n(^٤) في (ف): \"في\".","vol":"4","page":134},{"text":"ودعا فكَشف الله تعالى عنهم فنقضوا العهد، ثم أرسل الله تعالى عليهم الدمَ فصارت مياههم دمًا، حتى كان يجتمع القِبْطيُّ مع السِّبْطيِّ على إناء، فيكون ما يليه دمًا وما يلي السِّبطيَّ ماءً، ويمصُّ الماء من فم السِّبْطي فيصيرُ دمًا في فيه.\n﴿آيَاتٍ﴾ نصبٌ على الحال ﴿مُفَصَّلَاتٍ﴾ مميَّزاتٍ بعضها من بعضٍ، بين كل اَيتين فصلٌ ومدةٌ، ليُتأمل في كلِّ واحدة حقَّ التأمل، كانت إذا أتتهم اَيةٌ [منها] (^١) أقامت عليهم أسبوعًا ثم تُقلع عنهم شهرًا، ثم تأتيهم أخرى تأكيدًا للحجة عليهم، كأنه يقول: قد قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لكنا تابعنا لهم الآية ولم نقطع عنهم البراهين بما أَظهروا من الجهالات.\n﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: فتعاظَموا عن الانقياد للحق والإيمانِ بموسى ﵇، وكانوا قد اعتادوا الآثام والإجرام، واكتسابَ أنفسهم العذابَ اللِّزام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1088\"> </span>(١٣٤) - ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾؛ أي: الطاعون، فمات من القِبْط سبعون ألف إنسان.\nوقيل: هذا العذابُ المفصَّلُ. وفيه: أن المناسب حينئذٍ تصدير الكلام بـ: كلما.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ فيه آيةُ غايةِ عنادهم، حيث قالوا: ﴿رَبَّكَ﴾ دون: ربَّنا؛ إظهارًا للإصرار على الإنكار في مقام العجز والاضطرار.\n_________\n(^١) \"منها\" سقط من \"ك\".","vol":"4","page":135},{"text":"﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أي: بذمامك ومَيلك (^١) إليه، فهو يعمُّ جميع الوسائل بين الله تعالى وبينه ﵇ من طاعةٍ منه ونعمةٍ من الله تعالى.\nوهو صلةٌ لـ ﴿ادْعُ﴾؛ أي: ادع لنا ربَّك يكشف عنا العذاب بحقِّ ما عندك من عهدِ الله، أو بمعنى الحال؛ أي: متوسلًا إليه بعهده عندك، أو قسمٌ جوابه ﴿لَنُؤْمِنَنَّ﴾؛ أي: بعهد الله عندك ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾، ويجوز أن تكون موصولةً؛ أي: بالذي عَهِدَه إليك أن تدعوَه به فيجيبَك.\nوفي إسناد الكشف إليه ﵇ حيدةٌ عن إسناده إلى الله تعالى لعدم إقرارهم به.\n﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إنما زاد قوله: ﴿مَعَكَ﴾ لأنَّه ﵇ كان طالبًا لإرسالهم معه حيث قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1089\"> </span>(١٣٥) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ الفاء فصيحة عاطفةٌ على مقدَّر؛ كأنه قيل: فدعا موسى ربه فكشف عنهم الرجز فلما .. إلخ.\n﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: إلى حدٍّ من الزمان ﴿هُمْ بَالِغُوهُ﴾ مهلَكون فيه، وهو وقت الغرق.\nلا يقال: إن منهم مَن مات قبل الغرق، ومنهم من بقي بمصر. لأن لحاق (^٢) الكلام يدفعه على ما ستقف عليه.\n_________\n(^١) في (ف): \"بزمانك ومنك\"، وفي (م): \"بزمانك وميلك\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"إلحاق\".","vol":"4","page":136},{"text":"بولغ في وصف الأجل بالجملة الاسمية مع تجريد الخبر عن شائبة الحدوث؛ إشارةً إلى ضرورة بلوغهم الحدَّ المقدَّر لهم ولزومِه.\n﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ جواب لـ (لمَّا)؛ أي: لمَّا كشفنا عنهم الرجز فاجؤوا بالنكث وبادروه من غير توقُّفٍ وتأمُّل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1090\"> </span>(١٣٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.\n﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أحللنا بهم النقمةَ، وهي ضد النعمة.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ الفاء تفسيرية كما في قولك: رُزق زيدٌ المالَ فمنع المعروف فلم يُحسن إلى الفقراء (^١).\n﴿فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر الذي لا يدرَك قعره، وقيل: هو لجَّة البحر ومعظَم مائه، وهذا صريح في أن الناكثين كلَّهم هلكوا بالغرق.\n﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ والآيات: هي المعجزات التي ظهرت على يد موسى ﵇\n﴿وَكَانُوا عَنْهَا﴾؛ أي: عن آياتنا ﴿غَافِلِينَ﴾ غفلتُهم من جهة دلالتها على صدق موسى ﵇ في دعوى الرسالة غفلةُ عن تلك الآيات في الحقيقة؛ لأنها بدون الدلالة المذكورة لا تبقى آياتٍ، وهذه الغفلة هي سببُ التكذيب.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"صاحب الكشاف مع وقوفه بهذه الفاء ومع إيراده هذا المثال في تفسير سورة المؤمن ذهب هنا إلى صرف انتقمنا عن ظاهره. منه\".","vol":"4","page":137},{"text":"<span id=\"aya-1091\"> </span>(١٣٧) - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.\n﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بالاستبعاد وهم بنو إسرائيل ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ الشام ﴿وَمَغَارِبَهَا﴾.\nملَّكهم الله تعالى بعد الفراعنة والعمالقة نواحيَها الشرقيةَ والغربيةَ، وتصرَّفوا فيها كيف شاؤوا، وصيغة الجمع للمبالغة في سعتها من جهة الخصب والبركة.\n﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالخصب وسعة العيش، وهذا ظاهر في أن المراد أرضُ الشام لا أرضُ مصر، ولأن (^١) القوم المستضعفين لم يعودوا إلى ديار مصر بل أقاموا في الأرض المقدسة.\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ تحقَّقت عِدَتُه الحسنى بالتمكين في الأرض وتقرَّرتْ بالإنجاز، وهي قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦].\nوقرئ: (كلمات ربك) (^٢)؛ لأنها كانت مواعيد.\n﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بسبب صبرهم، وكفى به حاثًّا على الصبر.\n﴿وَدَمَّرْنَا﴾: خرَّبنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ من القصور والعِمارات ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ من الجنات، أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان، وأصل التعريش: الترفع (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"لأن\" دون واو.\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥).\n(^٣) في هامش (م): \"في نسخة: الترفيع\".","vol":"4","page":138},{"text":"<span id=\"aya-1092\"> </span>(١٣٨) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾؛ أي: البحرَ الذي غرق فيه فرعون وقومه، وهو بحر القُلْزُم.\nلم يقل: وجاوز بنو إسرائيل البحر، تنبيهًا على أن جوازه كان خارقًا للعادة، خارجًا عن طور (^١) البشر، ثم إن: جاوَزَ به، أبلغ من: أجازه، كما أن: ذَهَب به، أبلغ من: أَذْهَبه.\nذكر ما أَحدثوه بعد هلاك (^٢) عدوِّهم وإنجائهم من الأمور الشنيعة عقيبَ ما رأوا من الآيات العظام والنِّعم الجِسام؛ تسليةً لرسول الله ﵇ مما رأى منهم بالمدينة، وإيقاظًا للمؤمنين لئلا يغفلوا عن سياسة نفوسهم ومحاسَبتها، وحراسةِ أحوالهم ومراقبتها.\n﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ﴾ فمروا عليهم ﴿يَعْكُفُونَ﴾ يقيمون ﴿عَلَى أَصْنَامٍ﴾ على عبادتها، قيل: كانت تماثيلَ بقر، وذلك أولُ شأن العجل، وإنما قال:\n﴿لَهُمْ﴾ تنبيهًا على غاية حماقتهم، حيث عبدوا ما يملكونه.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾: صنمًا نعكف عليه ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: أصنامٌ يعكفون عليها، و(ما) كافَّةٌ للكاف، ولم يقل: كآلهتهم؛ لأن مشابهَتَها غيرُ مقصودة، إنما مقصودهم أن يكون لهم أيضًا إلهٌ.\n﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تعجَّب من قولهم بعد ما رأوا\n_________\n(^١) في (م): \"طوق\".\n(^٢) في (م): \"إهلاك\".","vol":"4","page":139},{"text":"الآية العظمى والمعجزة الكبرى فجهَّلهم، وأكَّد جهْلَهم بالإطلاق، وتكرير النسبة، وتقويتِها بـ (إنَّ)، وإيرادِ الفعل المضارع الدالِّ على التجدُّد الدائم؛ إشعارًا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة لا ينتقلون عنه في حال (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1093\"> </span>(١٣٩) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: عبدةَ تلك التماثيل ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مكسَّر مدمَّر ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يُتبِّر [الله] (^٢) الذي هم عليه على يديَّ ويحطِّم أصنامهم ويجعلُها رُضاضًا (^٣).\n﴿وَبَاطِلٌ﴾: مضمحِلٌّ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من عبادتها.\nبالَغ في تحذيرهم وتنفيرهم عمَّا طلبوا إليه بإيراد (^٤) ﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾، وتقديم الخبر في الجملتين بعده، وإيقاعِ ﴿كَانُوا﴾؛ أي: إن هؤلاء الذين عبدوا الأصنام هم المعيَّنون المعرَّضون بوسمهم وعبادتهم لها للتتبر (^٥)، وأنَّه لا يَعْدُوهم البتةَ، وأنَّه لهم ضربةُ لازبٍ، وهباءٌ ما هم فيه، وما عملوا من شيء من عبادتها فيما سلف من الزمان إلا وهو باطل مضمحلٌّ (^٦)، وإن كان في زعمهم أنه تقرُّبٌ إلى الله تعالى.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"الحال\".\n(^٢) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (٢/ ١٥٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٣٢)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٣٢٤).\n(^٣) في (ف) و(م): \"ركاضًا\".\n(^٤) في هامش (م): \"لعله لفظ صلة هنا ساقط\".\n(^٥) كذا في النسخ، ولعل الأنسب بالسياف: (للتتبير)؛ لأنَّه هنا من: تبَّر، ومصدره: التتبير.\n(^٦) \"مضمحل\" من (م).","vol":"4","page":140},{"text":"ثم أنكر عليهم ما طلبوا وتعجَّب من طلبهم عبادة غير الله تعالى مع كونهم مغمورين في نعمه (^١) بالهمزة وتقديم المفعول فقال:\n\n<span id=\"aya-1094\"> </span>(١٤٠) - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: أغير المستحِقِّ للعبادة ﴿أَبْغِيكُمْ﴾: أطلب لكم ﴿إِلَهًا﴾: معبودًا ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: وهو الذي فعل بكم ما فعل دون غيره؛ من الاختصاص بالنعمة التي لم يُنعم بها على أحد من العالمين.\nوفيه تنبيه على سوء مقابَلتهم، حيث قابلوا تخصيص الله تعالى إياهم من أمثالهم بما لا يستحقُّونه تفضُّلًا بأنْ قصدوا أن يُشركوا به أخسَّ شيء من مخلوقاته.\nوالمراد من ﴿الْعَالَمِينَ﴾: عالَمِي زمانهم.\nوانتصب (غيرَ) مفعولًا بـ ﴿أَبْغِيكُمْ﴾ و﴿إِلَهًا﴾ تمييز عن (غير) أو حال، أو على الحال و﴿إِلَهًا﴾ المفعول، فكان (غير) صفةً فلما تقدَّم انتصب حالًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1095\"> </span>(١٤١) - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.\nثم ذكر نعمة الإنجاء وما يتبعه: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت.\n﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: يبغونكم، استئنافٌ لبيان ما أنجاهم، أو حالٌ من المخاطَبين، أو من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو منهما، ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾: شدتَه ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ بدل منه مبيِّنٌ، والمعنى مبيَّنٌ فيما سبق.\n_________\n(^١) في (ك): \"نعمته\".","vol":"4","page":141},{"text":"﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى الإنجاء أو العذاب ﴿بَلَاءٌ﴾: نقمةٌ، أو محنةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وزيادة قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يرجِّح المعنى الأول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1096\"> </span>(١٤٢) - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾: ذا القعدة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا﴾ الضمير عائد للمُواعَدة المفهومة من (واعدنا) ﴿بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجة، وحذفت الهاء من (عشر) لأن العدد من مؤنث.\n﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ الميقات: وقتٌ قدِّر فيه عملٌ من الأعمال، وفي عبارة ﴿رَبِّهِ﴾ إشارةٌ إلى أنه لمصلحته ﵇ وتربيته.\n﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ مفعولٌ به لـ (تَمَّ)؛ لأن معناه: بلغ، ويجوز أن يكون تمييزًا منقولًا من الفاعل وأصله: فتمَّ أربعون ميقاتِ ربه؛ أي: كملت، ثم أسند التمام لـ ﴿مِيقَاتُ﴾ وانتصب (أربعون) على التمييز.\nودلت الآية على أن التاريخ بالليالي دون الأيام، وهذا لأن اللياليَ أوائلُ الشهور، روي أنه ﵇ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مَهلك فرعون بكتابٍ من الله تعالى فيه بيانُ ما يأتون وما يذَرون، فلمَّا هلك سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خُلوفَ فيه فتسوَّك، فقالت الملائكة: كنا نَشْتمُّ (^١) منك رائحة المسك فأفسدْتَه بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"نشم\".","vol":"4","page":142},{"text":"﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾: كن خليفتي فيهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ما يجب أن يُصلح من أمورهم، أو: كن مصلِحًا فيهم.\n﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: لا تتَّبع المفسدين في سبيلهم، كقوله: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم، وهو أسلوب بديعٌ لم يتنبه له الناظرون في كلام الله تعالى، ويجوز أن يكون على طريقةِ التَّضمين؛ أي: ولا تسلك سبيل المفسدين متَّبعًا لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1097\"> </span>(١٤٣) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾: لوقتنا الذي وقَّتنا له وحدَّدناه، واللام للاختصاص؛ أي: اختَصَّ مجيئه بميقاتنا.\n﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ بغير واسطةٍ، كما يكلِّم الملائكةَ، وروي أنه ﵇ كان يسمع ذلك الكلامَ من كل جهةٍ، وذلك لأن الله تعالى ليس في جهةٍ، وكلامَه ليس من جنس كلام المحدِّثين.\nوالعدول عن الظاهر وهو: وكلَّمناه، إلى ما ذكر كالعدول عن: ميقاتنا، إلى ﴿مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ والنكتةُ مشترَكة بينهما.\n﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: أرني نفسك بأنْ تتجلَّى لي فأنظرَ إليك وأراك، وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزةٌ في الجملة؛ لأن طلب المستحيل على الأنبياء","vol":"4","page":143},{"text":"﵈ محالٌ، وخصوصًا بما (^١) يتعلق بمعرفة الله تعالى ويقتضي الجهلَ به، وردُّه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ليس لامتناع رؤيته تعالى في نفس الأمر، وإلا لقال: لن أُرى، بل لقصورِ الطالب عن رؤيته لبقية الحجاب، فهي موقوفة على ارتفاعه.\nوجَعْلُ السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] ليس بشيء؛ لأن حقَّه ﵇ في أن يجهِّلهم ويزيلَ شبهتهم كما فعل بهم حيث قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾.\nوالاستدلال على استحالتها بالجواب أبعدُ عن الصواب؛ إذ لا دلالة فيه على أن لا يراه ﵇ أبدًا، ولا على أنْ لا يراه غيرُه أصلًا، فضلًا من أنْ يدل على استحالتها، ودعوى الضرورة فيه مكابرةٌ أو جهالةٌ لحقيقة الرؤية.\n﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾؛ أي: لن تُطيق أنت أن تراني.\n﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ استدراك يريد أن يبيِّن به أنْ لا يطيقُه، فإنَّ الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقرَّ فالآدميُّ مع ضعف بِنيته أولى أن لا يستقرَّ، وهذا تسكين لقلب موسى ﵇، وتخفيفٌ عنه ثقلَ أعباء المنع.\nولا يذهبْ على مَن نَظر بعينِ الإنصاف وتجنَّب عن التعصُّب والاعتساف أنه ليس بجوابِ مَن سأل محالًا، وقد قال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] فلو سأل موسى ﵇ محالًا لكان في الجواب زجرًا مّا.\n﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ بعد رفعِ الموانع من البين علَّق رؤيته بالاستقرار، وهو أمر ممكنٌ في نفس الأمر، ففُهم منه أنه ممكنٌ في نفسه، لكن المانع\n_________\n(^١) في (ف): \"ما\".","vol":"4","page":144},{"text":"من جهته على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] حيث قال: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ ولم يقل: ما كان له تعالى، أتى بالتعليق ثم بالتسويف مبالغةً في تعذُّر المطلب: أما التعليقُ فلبيانِ أن الطاقة البشرية لا تتحمل رؤيته تعالى، وأما التسويف فلبيانِ أنه على تقدير التحمُّل لا بد من ارتفاع موانع زوالها تدريجيٌّ يقتضي مهلةً ومدةً.\n﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أي: ظهر له ظهورَ المرئيِّ للرائي بأنْ خلق الله تعالى فيه حياةً وحسًّا، وهذا المعنى هو المرويُّ عن ابن عباس ﵄ (^١)، وهو الموافق لمساق الكلام، المطابقُ لأصل أهل السنَّة والجماعة، ومَن صرَفه عن الظاهر فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال.\n﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ الدكُّ والدقُّ أخوان كالشَّكِّ والشَّقِّ، وإنما قال: ﴿دَكًّا﴾ مبالغةً - كـ: رجلٍ عدلٍ - والمجازُ عقليٌّ، فمَن فسره بالمدكوك على أنه مصدرٌ بمعنى مفعولٍ والمجازُ لغويٌّ فقد أخرجه إلى شيء مغسول، على طريقة كلامٍ عاميٍّ مرذول.\nفإن قلتَ: أليس صحةُ (^٢) المرام وصدقُ الكلام يقتضي معنى المدكوك؟\nقلت: لا نزاع فيه، إنما الخلاف في طريقة (^٣) إفادته وكيفية إرادته من عبارة الدك.\nوقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ (^٤) أي: أرضًا مستوية.\nوقُرئ: (دُكًّا) (^٥)؛ أي: قطعًا، جمعُ دكَّاءَ تأنيثِ أَدَكّ.\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٥١)، و\"البحر\" (١٠/ ٢٩٦).\n(^٢) في (ك): \"حجة\".\n(^٣) في \"ك\": (طريق).\n(^٤) هي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٣).\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥).","vol":"4","page":145},{"text":"﴿وَخَرَّ﴾: سقط ﴿مُوسَى صَعِقًا﴾ مغشيًّا عليه كحالِ مَن تصيبه الصَّعقةُ، لا لهولِ ما رأى من تلاشِي الجبل وإلا لكان حقُّ النظم العطفَ بالفاء، ولمَّا عُطف بالواو عُلم أنه أيضًا ترتَّب على التجلِّي للجبل.\n﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾؛ أي: من غشيته ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال الإمام أبو نصر: خرج هذا الكلام منه ﵇ مخرجَ العادة عند رؤية الأفزاع حسَب ما يجري على ألسنة الأنام عند الأخطار، لا عن ذنبٍ يتذكَّرونه فيتوبون عنه، ونظيرُ هذا التسبيحِ ما في قول عيسى ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] ونظير ذكر التوبةُ من غير ذنب ما في قول النبيِّ ﵇ في كلِّ يوم مئةَ مرة: \"أستغفر الله وأتوب إليه\" (^١).\n﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بما أُخبرت به في حق الرؤية من أنه لا يُطيقها هذه البنية للبشر (^٢)، وإنما أخفى ﵇ عليه إلى (^٣) ذلك الوقتِ أنه لا يُعطي الخلق رؤيته في الدنيا مع جوازها ليوجَد منه ﵇ سؤالُ الرؤية بناءً على معرفة جوازها؛ ليتحقق جواز الرؤية بسؤاله ﵇ ذلك، فيكونَ حجة قاطعة لأهل الحق على المنكرين له من أهل البدعة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1098\"> </span>(١٤٤) - ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغر المزني ﵁.\n(^٢) في (ف): \"للبشرية\".\n(^٣) تحرفت في (ف) و(ك) إلى: \"أي\"، وسقطت من (ف) و(م): \"عليه\".","vol":"4","page":146},{"text":"﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتك ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ الموجودين في زمانك، وهارون ﵇ وإن كان نبيًّا وأكبرَ منه سنًّا لكنه كان وزيرًا له مأمورًا باتِّباعه، لا كليمًا ولا صاحب شرع (^١).\n﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرئ على الجمع؛ إذ الذي أُرسل به ضروبٌ، وعلى الإفراد على أن محل الرسالة محل المصدر الذي هو الإرسال (^٢).\n﴿وَبِكَلَامِي﴾ يعني: أسفارَ التوراة، وإنما أخره لأن الرسالة أسبق زمانًا، أو للانتقال من الشريف إلى الأشرف.\n﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾: أعطيتك من الرسالة والحكمة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ من المعروفين بالشكر، وهذا أبلغ من الأمر بالشكر على النعمة بوجوه.\nروي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة يوم النحر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1099\"> </span>(١٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظ ﴿كُلِّ﴾ هنا للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].\nوالألواح: جمع لوح، وهو الصحفة المهيَّأة للكتابة فيها، وإنما قال: ﴿لَهُ﴾\n_________\n(^١) في هامش (م): \"فالنظم خلو عن التنبيه على الاصطفاء بالتكلم وهو في هذا الباب أبلغ من غيره\".\n(^٢) هي قراءة نافع وابن كثير، وقرأ باقي السبعة بالجمع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٣).","vol":"4","page":147},{"text":"لأن الوقوف (^١) بالمكتوب فيها على تفصيل كل شيء كان مخصوصًا به ﵇.\n﴿مَوْعِظَةً﴾: تحذيرًا بما يَزجر عن القبح، وتبصيرًا (^٢) بمواقع الخوف والحذر، وهي مفعول له لا البدل من الجار والمجرور؛ لأن المعنى الذي ذكرنا مقصودٌ بالإفادة في المقام.\n﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من المصالح الدينية والدنيوية.\n﴿فَخُذْهَا﴾ عطف على (كتبنا) على إرادة القول؛ أي: فقلنا: خذها، والضمير للألواح.\n﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجدٍّ وعزيمة.\n﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ بواجباتها؛ فإنها أحسنُ من غيرها، أو: بما هو واجب وندبٌ فإنه أحسنُ من المباح، أو: بأحسنِ ما فيها، ما هو حسنٌ وأحسنُ كالصبر بالنسبة إلى الانتصار؛ أي: مُرهم باختيار الأفضل على طريقة الندب.\n﴿سَأُرِيكُمْ﴾ من رؤية العين، ولهذا تعدَّت إلى اثنين.\n﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ الذين أهلكهم الله تعالى بفسقهم، فينتظِمُ دارَ فرعون وقومه، ودارَ العمالقة، ومنازلَ عادٍ وثمودَ، وموعظةً بليغةً تجري مجرى الوعيد على ترك الطاعة؛ أي: وأمر قومك يأخذوا بأحسنها، ويطيعوا ولا يهملوها وَيفسقوا، سأريكم (^٣) دارَ مَن فَسَق منعوه بهلاكهم ليعتبروا.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"الموقوف\".\n(^٢) في (م): \"وتصييرًا\". وفي (ك): \"وتبصير\".\n(^٣) في (م): \"ولا يفسقوا فسأريكم\".","vol":"4","page":148},{"text":"وقرئ: (سأُوريكم) (^١)؛ أي: سأبيِّن لكم، من أَوْرَيتُ الزَّند، وهي لغة فاشية بالحجاز.\nوقرئ: (سأورثكم) (^٢) على وفق قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1100\"> </span>(١٤٦) - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.\n﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ في الآفاق حتى لا يتفكَّروا في خلقها ولا يعتبروا بها، وفي الأنفس حتى لا يروا فناها (^٣) ويُعجَبوا بها.\n﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾: يتعظَّمون عن الانقياد للأنبياء ﵈ طلبًا (^٤) للعلوِّ والرئاسة.\nوإنما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة إلى كونهم من العالم السفلي الذي لا يليق الرفع بشأنِ مَن كان منها (^٥)، ففيه تمهيدٌ لقوله:\n﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بدون الاستحقاق، حالٌ من فاعل ﴿يَتَكَبَّرُونَ﴾ أو صلةٌ؛\n_________\n(^١) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٥ - ٤٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٥٨)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٠٨).\n(^٢) نسبت لابن عباس وقسامة بن زهير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٠٩).\n(^٣) \"فناها\"من (م).\n(^٤) في (م): \"طالبًا\"، وقال في الهامش: في (ظ): \"طالبين \".\n(^٥) في (ك): \"فيها\".","vol":"4","page":149},{"text":"أي: يتكبرون بما ليس بحق، أي: بباطل، وفيه إنذارٌ للمخاطبين من عاقبة المتكبرين الذين طُبعوا على قلوبهم بسبب شآمة (^١) التكبُّر، فلا يتفكروا في آيات الله تعالى.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إذ لا يعتبرون بها غفلةً وانهماكًا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾، لاستيلاء الشيطنة عليهم، وقرئ: ﴿الرُّشْدِ﴾ بفتحتين (^٢)، وقرئ: (الرَّشاد) (^٣)، وثلاثتُها لغة.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أراهم الله تعالى السبيلين، قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ورأوهما فآثروا الغيَّ على الرّشد، قال (^٤) الله تعالى ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾؛ أي: ذلك الصرفُ بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، أو نصب على المصدر؛ أي: سأصرفهم ذلك الصرفَ بسببهما، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ استئنافُ إخبارٍ منه تعالى عنهم؛ أي: من شأنهم أنهم كانوا غافلين عن الآيات وتدبُّرها فأورثَتْهم (^٥) الغفلةُ التكذيبَ بها.\nهذا ما قيل، والوجه عندي هو أن يكون إشارةً إلى التكبر؛ لأن سبب الصرف قد طُم من قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ لِمَا تقرر في الأصول أن ترتيب\n_________\n(^١) قوله: \"المتكبرين الذين طبعوا على قلوبهم بسبب شامة\" من (م).\n(^٢) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة ﴿الرُّشْدِ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٣).\n(^٣) نسبت لعلي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦).\n(^٤) في (م): \"وقال\".\n(^٥) في النسخ: \"وتدبيرها وأورثهم \"، والمثبت من \"البحر\" (١٥/ ٣١٢)، والكلام منه.","vol":"4","page":150},{"text":"الحكم على الموصول يدلُّ على علِّيَّة الصلة له، إنما المحتاج إلى البيان سببُ ذلك التكبُّر (^١)، فالكلام على ما ذكرنا يكون على أحسن وجوه الانتظام، حيث يُشار فيه أولًا إلى أن سبب الصرف هو التكبُّر عن الانقياد للأنبياء ﵈، ثم يصرَّح بأن سبب التكبر تكذيبُ المعجزات الدالةِ على صدقهم، ثم ينبَّه على أن سبب التكذيب انهماكُ المتكبرين في أسباب الغفلة عن جهة دلالة الآيات المذكورة على صدقهم في دعوى النبوة، وإعراضِهم عن النظر فيها، ولا بد من صرف القول المذكور عن ظاهره، وتأويله بالوجه المزبور، كيلا يكون مَظِنّةَ الاعتذار من جهتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1101\"> </span>(١٤٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ من باب إضافة المصدر إلى المفعول به؛ أي: لقائهم (^٢) الآخرةَ، أو إلى الظرف؛ أي: ولقاءِ ما وعد الله في الآخرة.\n﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بَطَلت وتلاشت ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ فلا ينتفعون بها، واحتمالُ عموم الأعمال للسيئات أيضًا قد اندفع بقوله:\n﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا يجزون إلا جزاءَ ما عملوا من الكفر والمعاصي.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ك \": (التذكر).\n(^٢) في (م): \"ولقاءهم\".","vol":"4","page":151},{"text":"<span id=\"aya-1102\"> </span>(١٤٨) - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد مفارقته ﵇ إياهم إلى الطور للميقات.\n﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الذي استعاروا من القِبْط حين همُّوا بالخروج من مصر، وإضافتُها إليهم للملابَسة؛ لأنها كانت في أيديهم، وأما ما قيل: إنهم ملَكوها بعد المهلَكين فلا صحة له لفظًا ولا معنى:\nأما الأول: فلأن التدافُع بين الوجهين يأبى عن عبارة التلاوة (^١).\nوأما الثاني: فلأن المهلَكين هم الرجال والحليُّ كانت لنسائهم.\nوقيل: هذا الحليُّ ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق، وعلى هذا يصح الوجه الثاني.\nوالحُليُّ بضم الحاء: جمعُ حَلْيٍ؛ كثُدِيٍّ وثَدْيٍ، وهو اسمُ ما يُتزين به من الذهب (^٢)، وقرئ: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾ بكسرها (^٣) بالإتْباع كدِليٍّ، وقرئ بالإفراد (^٤).\n﴿عِجْلًا﴾ لمَّا كان المتبادِرُ أن يكون عجلًا حقيقةً أبدل عنه قوله: ﴿جَسَدًا﴾ لا روح فيه، لم يقل: بدنًا؛ لأن الرأس وسائرَ الأطراف خارجٌ عنه.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"العلاوة\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"والفضة\".\n(^٣) هي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ باقي السبعة: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٣).\n(^٤) هي قراءة يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٢).","vol":"4","page":152},{"text":"﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: صوت البقر، قيل: إن السامري لمَّا صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل ﵇ فصار حيًّا.\nوقيل؛ صاغه بنوع من الحيل، فيدخل الريح جوفَه ويصوِّت.\nونسبة الاتخاذ إليهم لا لأنهم رضوا بفعله، بل لأن المراد اتخاذُهم إياه إلهًا على ما دل عليه التشنيع الآتي ذكرُه، وإنما حُذف قوله: إلهًا، لدلالة مساق الكلام عليه، وفيه إيهام أن ما صنعوا أمر منكر مع قطع النظر عن عبادته، وقرئ: (جُؤار) (^١)، أي: صياح.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ تقريع على فَرْط ضلالهم وإضلالهم بالنظر، أي: ألم يروا حين اتخذوه إلهًا أنه لا يقدر على التكلُّم ولا على الإرشاد كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقُوى والمُدر.\nولما كان الإرشاد إلى السبيل ممكنًا بالإشارة كان نفيُ الثاني أبلغَ فأخِّر على طريقة التَّرقِّي.\n﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تكريرٌ للذم؛ أي: أقدَموا على ما أقدَموا عليه من المنكَر الفظيع.\n﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾، أي: قومًا عادتُهم وضعُ الأشياء على (^٢) غير مواضعها، فلم يكن هذا بِدْعًا منهم ولا أولَ مناكيرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1103\"> </span>(١٤٩) - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) نسبها ابن خالويه لأبي السمال العدوي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦).\n(^٢) \"على\" من (م).","vol":"4","page":153},{"text":"﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ كنايةٌ عن اشتداد ندمهم وتحسُّرهم؛ لأن مِن شأن النادم الشديد التحسُّر أن يَعَضَّ يده غمًّا، فتصير يده مسقوطًا فيها؛ لأن فاه قد (^١) وقع في يده بلا اختيار.\nوقرئ: (سَقط) على البناء للفاعل (^٢) كمرض (^٣)؛ أي: وقع العضُّ فيها.\nوقال الزجَّاج: إنه تشبيه بما يحصل في النفس وتصويرٌ للمعقول في القلب، فمعناه: سقط الندم في أنفسهم؛ كما يقال: حصل في يده مكروه (^٤).\n﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ﴾ وعلموا أنهم ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ باتخاذه ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾ وقرئ: (ربَّنا) بالنصب على النداء (^٥).\nانقطاع إلى الله تعالى، واعترافٌ بعظَم ما أَقدموا عليه، ولما كان ذنبُهم أعظمَ الذنوب بدؤوا بالرحمة التي وسعت كلَّ شيء، ومن نتائجها غفرانُ الذنب (^٦).\n﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ بالتجاوز عن الخطيئة.\n﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) \"قد\"من (ك).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٧٨)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٦٠)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٥٥)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٢٠).\n(^٣) قوله: \"كمرض\"، كذا في النسخ، وهو خطأ؛ لأن المبني للفاعل من (سقط) هو من باب دخل كما في \"مختار الصحاح\" (مادة: سقط)، بل إن ابن عطية قيد القراءة فقال: (وقرأت فرقة: \"سَقَط\" بفتح السين والقاف حكاه الرجاج). أما (مرض) فهو مكسور العين فلا يطابق الممثَّل في الوزن.\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٧٨) بنحوه.\n(^٥) هي قراءة حمزة والكسائي، قرأا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٣).\n(^٦) في (ف): \"الذنوب\".","vol":"4","page":154},{"text":"<span id=\"aya-1104\"> </span>(١٥٥) - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ صيغةُ مبالغةٍ ﴿أَسِفًا﴾: شديدَ الحزن على ما كان منهم في غيبته ﵇.\n﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾؛ أي: قمتُم مقامي وكنتم خلَفائي (^١) حيث لم تمنعوا من عبادة العجل، والخطاب لهارون ﵇ والمؤمنين معه، أو: بئسما خلفتُموني من (^٢) حيث عبدْتم العجل مكان عبادة الله تعالى، والخطاب لعَبَدة العجل.\n﴿مِنْ بَعْدِي﴾: من (^٣) ذهابي عنكم، أو: من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والدعوةَ إلى عبادة الله تعالى، والكفَّ عن عبادة غيره، ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة (^٤) المستخلِف.\n(ما) نكرة موصوفةٌ مفسِّرةٌ للمستكنِّ في (بئس) منصوبةُ المحلِّ، ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ صفته، والمخصوصُ بالذم محذوف؛ أي: بئس خلافةً خَلَفْتُمونيها من بَعْدي خلافتكم.\n﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: أتركتُموه غيرَ تامٍّ، استفهامُ (^٥) إنكارٍ، يقال: عَجِلَ عن الأمر: إذا تركه غيرَ تام، إلا أنه ضمِّن معنى (سَبَق) فعُدِّي تعدِيَتَه، يعني: لم تَنْتَظروا\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"خلفا\".\n(^٢) \"من \"من (ك).\n(^٣) قال في هامش (م): \"لعله لفظ بعد هنا ساقط\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"بسير\".\n(^٥) \"استفهام\" من (م).","vol":"4","page":155},{"text":"وعدَ ربِّكم الذي وَعَدنيه من الأربعين فتركتُم الميعاد غيرَ تامٍّ؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦].\nروي أنهم عدُّوا عشرين يومًا بلياليها، فجعلوها أربعين، ثم أحدَثوا ما أحدثوا بعد ما قال لهم السامريُّ: إن موسى ﵇ لن يرجع، وإنه قد مات، فغيَّروا ما غيرت الأمم بعد موت أنبيائهم ﵈.\n﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: طرحها من شدة الغضب وفَرْطِ الضجر حمية للدين.\nقيل: إن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت فرُفعت ستة أسباعها، وكان فيها كلُّ شيء، وبقي سُبعٌ كان فيها المواعظ والأحكام، ويأباه قوله: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ لأن الظاهر منه (^١) أن المأخوذ هو المَلقيُّ بعينه.\n﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ ولحيته على ما نصَّ عليه (^٢) في موضعٍ آخر.\n﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ لفَرْط ما دَهمه من الأمر الذي استفزَّه، ظنًا بأخيه أنه قصَّر في الكف.\n﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ في ذكر الأمِّ مع أنهما كانا أخوين لأبٍ وأمٍّ استعظامٌ واسترحامٌ لتذكيره أنهما من بطن واحد بلا شبهةٍ فيه، وأن مراعاة حقِّها أحقُّ وأوجب فإنه أعظم؛ لأنها هي التي قاست المخاوف والشدائد لأجله (^٣).\nقرئ بكسر الميم وطرحِ ياء الإضافة اكتفاءً بالكسرة، وبالفتح لكونها أخفَّ، أو تشبيهًا بخمسةَ عَشَر (^٤).\n_________\n(^١) \"منه\" ليست في (ك).\n(^٢) \"عليه\" ليست في (م).\n(^٣) \"لأجله\" من (م).\n(^٤) قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر بالكسر، وباقي السبعة بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٣).","vol":"4","page":156},{"text":"﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾؛ أي (^١): لم يَهابوني ولم يستَحْيوا مني.\n﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾؛ أي: بذلْتُ وسعي في كفِّهم حتى قهروني وقاربوا قتلي، قاله إزاحةً لتوهُّم التقصير في حقِّه.\n﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: فلا تفعل ما هو أمنيتُهم من الاستهانة بي، وما يَشمتون بي لأجْله، والشماتةُ: فرحة (^٢) العدوِّ بمصائب عدوِّه.\n﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: معدودًا في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبةِ التقصير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1105\"> </span>(١٥١) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعت بأخي ﴿وَلِأَخِي﴾ ضم إليه أخاه في الاستغفار - إنْ عسى فرَّط في حُسن الخلافة (^٣) - ترضيةً له ودفعًا للشماتة عنه.\n﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ بمزيد الإنعام علينا.\n﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: أرحم بنا منَّا على أنفسنا، والو أو للعطف على مقدَّر؛ كأنه قيل: أنت الغفور وأنت أرحمُ … إلخ.\n_________\n(^١) \"أي \" ليست في (ك).\n(^٢) في (ف): \"فرح\".\n(^٣) قوله: (إن عسى فرط ..) كذا عبارة الزمخشري، وذكر الطيبي في هذا التركيب إشكالًا ثم أورد بحثا في حله حتى توصل إلى أن المعنى: (واستغفر موسى لأخيه إن فرط في حسن الخلافة)، قال: (ثم أقحم عسى لإعطاء تأكيد معنى إنْ الشرطية، وهو الخلو عن الجزم بوقوع الشرط). انظر: \"فتوح الغيب\" (٦/ ٥٩١ - ٥٩٢).","vol":"4","page":157},{"text":"<span id=\"aya-1106\"> </span>(١٥٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ﴾ هو ما أمرهم به من قتل أنفسهم، وإنما قال:\n﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إشارةً إلى ما في ضمنه من أثرِ الرحمة حيث كان فيه قبول توبتهم، ولهذا قدمه على قوله: ﴿وَذِلَّةٌ﴾ إخراجًا لها عن حيِّز التربية لهم.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: هي خروجهم عن ديارهم، وقيل: الجزية.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله سبحانه، ولا فِرْيةَ أعظمُ من فِرْيَتهم: هذا إلهكم وإلهُ موسى، ولعله لم يَفترِ مثلَها أحد قبلهم ولا بعدهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1107\"> </span>(١٥٣) - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من الكفر والمعاصي.\n﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد السيئات، وعبارةُ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على أن التماديَ فيها لا يضرُّ بعد ما تاب عنها.\n﴿وَآمَنُوا﴾؛ أي: أخلَصوا الإيمانَ؛ لأن أصل الإيمان قد ذكر فيما سبق.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد تلك العظائم ﴿لَغَفُورٌ﴾: محَّاءٌ لها وإنْ كبُرت كعبادة العجل، وكثرت كجرائم بني إسرائيل ﴿رَحِيمٌ﴾ بالإمهال وتركِ الاستعجال في الأخذ بالنَّكال.","vol":"4","page":158},{"text":"فكان في عبارة ﴿ثُمَّ﴾ تمهيد لهذا، وتكريرُ ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ مع ﴿إِنَّ﴾ واللامِ مبالغةٌ في شمول غفرانه وسعة رحمته، عظمت جريمتُهم أولًا ثم عقَّبها بتعظيم مغفرته ورحمته تعظيمًا لا كتعظيمها بل أزيدُ وأزيد ليعلم (^١) أن الذنوب وإنْ جلَّت فإنَّ عفوه وغفرانه (^٢) وكرمَه وإحسانه إذا تاب صاحبُها وأخلصَ أجلُّ وأعظم، وفيه تحريض على التوبة وحث على الإخلاص.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1108\"> </span>(١٥٤) - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.\n﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ ضمَّنه معنى زال فعدِّي بـ (عن)؛ أي: زال ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ ساكتًا، وهو كلام في غاية البلاغة؛ لأن فيه تشبيهَ الغضب بشخصٍ كان يغريه (^٣) على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألقِ الألواح، وخُذ برأس أخيك، على طريقة الاستعارة بالكناية، فكونُ السكوت على حقيقته غيرَ مَجازٍ عن السكوت أبلغُ، أو طريقةِ الاستعارةِ التمثيلية على تشبيه الحال بسكوت الغضب بحال السكوت الناطق الآمر الناهي، وشرطُها أن يكون أجزاء الكلام على معانيها الأصلية.\nوقال الزجَّاج: مصدر سَكَت الغضب: سَكْتًا، ومصدر سَكَت الرجل: سكوتًا (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"بل أزيد وليعلم\".\n(^٢) \"وغفرانه\" من (م).\n(^٣) في (ك): \"يقربه\".\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٧٩)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٣١). وما جاء في النسخ من قوله: \" … سَكْتًا … سكوتًا\" بالنصب الصواب فيه الرفع على الخبرية، وهكذا جاء في \"البحر\" بالرفع.","vol":"4","page":159},{"text":"وهذا يقتضي أنه فِعْلٌ على حِدَ؛ وليس من سكوت الناس، ويؤيده قول يونسَ بن حبيب: تقول العرب: سال الوادي يومين ثم سكت (^١)، فعلى هذا ﴿سَكَتَ﴾ بمعنى: (سكَن) (^٢) وقد قرئ به (^٣).\nوقرئ: (سُكّتَ) و(أُسْكِتَ) (^٤) على أن المسكِتَ هو اللهُ تعالى، أو أخوه بالاعتذار، أو قومه بتوبتهم، وفيه إشارة إلى حُسن إمهال الله تعالى العبدَ إذا تغيَّر عن حاله، وغَلَب عليه ما لا يطيق.\nوإذا كان أولو العزم من الرسل يغلبه ما يَصرفه عن الاختيار فكيف الظن بمن دونه؟!\n﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ التي ألقاها ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ النُّسخة فُعْلةٌ بمعنى مفعولٍ (^٥) كالخُطْبة وهي المكتوبة؛ أي: فيما نُسخ فيها، يعني: كُتب، والنسخ: النقل، فيقتضي نقل مكتوب من أصلٍ آخر، وقد يُطلق على الكتابة وإن لم يكن نقلٌ من آخَر.\nويجوز أن يكون المعنى: وفيما انْتَسَخ بنو إسرائيل من الألواح.\nوالوا وفي ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ للحال.\n﴿هُدًى﴾: بيان للحق ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: وإرشاد إلى الصلاح والخير.\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٥٩)، و\" البحر\" (١٠/ ٣٣١).\n(^٢) في هامش (ف): \"من هنا ظهر أن القاضي خلط بين المعنيين وغلّط. منه\".\n(^٣) نسبت لمعاوية بن قرة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٦٣)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٣٢).\n(^٤) انظر القراءتين في المصادر السابقة.\n(^٥) \"بمعنى مفعول\" من (م).","vol":"4","page":160},{"text":"﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾: للَّذين يَخُصُّون (^١) رهبتهم بالله تعالى، والرهبة: خوف معه تحرُّزٌ واضطراب، واللام في ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ دخلت جابرةً للضعف العارض للفعل بسبب تأخُّره عن المفعول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1109\"> </span>(١٥٥) - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.\n﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾؛ أي: اختار موسى من قومه، فحذف الجارُّ وأُوصل الفعل إليه، وفيه إيهامُ تنزيلِ جلِّ القوم منزلةَ كلِّهم.\n﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ القوم لا يكون (^٢) إلا رجالًا، ففائدة قوله: ﴿رَجُلًا﴾ دفعُ احتمال التغليب، والتفخيمُ المستفاد من التنكير.\n﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ روي أنه تعالى أمره ﵇ بأن يأتيه في سبعين من نُجباء بني إسرائيل، فاختار من كلِّ سبط من الأسباط الاثني (^٣) عشر ستةً فزاد رجلان فقال: ليتخلَّف منكم رجلان، فتشاحُّوا (^٤)، فقال: إنَّ لِمَن قعد منكم مثلَ أجرِ مَن خرج، فقعد كالبٌ ويوشعُ وذهب مع الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمامٌ فدخل موسى ﵇ بهم الغمام، وخرُّوا سجَّدًا، فسمعوه تعالى يكلم موسى ﵇ يأمره\n_________\n(^١) في (ك): \"يخضعون\".\n(^٢) في (م): \"يكونوا\".\n(^٣) في (م): \"اثني \"، وقال في الهامش: لعله: \"الاثني\".\n(^٤) في (م): \"فتشاجروا \".","vol":"4","page":161},{"text":"وينهاه، ثم انكشف الغمام، فأقبلوا إليه ﵇ وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] فأخذتهم الرجفة فصُعقوا منها.\n﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الاهتزاز والتمايل للهول العظيم، وقيل: هي رجفة الجبل.\n﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ تمنى هلاكه وهلاكهم قبل أن يرى ما رأى، كما يقول المبتلَى ببلية: لو شاء الله لأهلكني قبل هذا، واستَرْحَم الله تعالى فقال: إنك قدرت أن تُهلكنا بسببٍ آخر؛ كإقدار فرعون علينا والإغراق بالبحر وغيرهما، فترحَّمت وأنجيتنا، فإن ترحَّمت مرة أخرى لم يَبْعُد من عَميم إحسانك.\n﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ جميعًا ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ من التجاسُر على طلب الرؤية، وكان القائل بعضَهم فسفَّههم.\nوقيل: المراد به عبادة العجل، واختيارُ موسى ﵇ السبعين إنما كان لميقات التوبة، فغشيهم هيبةٌ قلقوا (^١) منها ورجفوا حتى كادت تَبين مفاصلهم، وأشرفوا على الهلاك، فخاف عليهم موسى ﵇، فبكى ودعا فكشفها الله تعالى عنهم.\n﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: ابتلاؤك (^٢) حين أسمعتَهم كلامك فطمعوا في رؤيتك، أو: أحدثتَ في العجل خُوارًا فضلُّوا به، والضمير للفتنة.\n﴿تُضِلُّ بِهَا﴾: بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ضلالَه بالتجاوز عن حدِّه واتِّباعِ المخايل.\n_________\n(^١) في النسخ: \"فألقوا\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٣٧) والكلام منه.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"ابتلاؤهم\".","vol":"4","page":162},{"text":"﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ هدايتَه فتقْوَى بها إيمانه، وكذا كل ابتلاء.\n﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: مولانا القائمُ بأمرنا ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ بمغفرة ما قارفنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾ بدفع العذاب عنا.\nلمَّا كان هو وأخوه ﵉ من المعصومين من الذنوب، فحين سأل (^١) المغفرة له ولأخيه لم يؤكد المغفرة، بل قال: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، ولما كان قد اندرج قومه في قوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ وفي سؤال المغفرة والرحمة، وكان قومه أصحابَ الذنوب، أكَّد استعطاف ربه تعالى في غفران تلك الذنوب فقال:\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ تغفر الذنب الكبير بالعذر اليسير (^٢)، ثم تَجوده بالعطاء الجزيل الكثير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1110\"> </span>(١٥٦) - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَاكْتُبْ لَنَا﴾؛ أي: أَثبتْ لنا، الكَتْبُ يستعمل في كل ما يُخلَّد.\n﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ زيادة ﴿هَذِهِ﴾ لتنزيل شأن الدنيا عن شأن الآخرة.\n﴿حَسَنَةً﴾: عاقبةً وحياةً (^٣) طيبةً، وحُسنَ سيق وتوفيقًا للطاعة.\n﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: وفيها حسنةً أيضًا، وهي الجنة وما فيها.\n_________\n(^١) في (م): \"سأله\".\n(^٢) \"بالعذر اليسير\" من (م).\n(^٣) بعدها في (ف) زيادة: \"الدنيا\".","vol":"4","page":163},{"text":"﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: تبنا إليك، مِن هاد يَهُود: إذا رجع.\nوقرئ: (هِدْنا إليك) بكسر الهاء من هادَه يَهِيدُه: إذا حرَّكه وأماله (^١)، ويحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل وللمفعول، بمعنى: أَمَلْنا أنفسَنا - أو: أُمِلْنا - إليك، ويجوز أن يكون المضموم أيضًا مبنيًّا للمفعول منه على لغةِ مَن يقول: عُود المريض.\n﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ تعذيبَه بمقتضَى عدلي.\n﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لا يخلو منها مسلم ولا كافر، ولا شيءٌ من الأشياء، ولا اختصاصَ لرحمة الآخرة بمسلمٍ على ما بينَّاه في تفسير سورة الفاتحة.\n﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾: فسأُثْبتها، والضمير للرحمة.\n﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ والمعاصيَ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ خصَّها بالذكر لا لإنافتها لأنها حقُّ الصلاة التي هي عماد الدين، بل لأنها كانت أشقَّ عليهم لحبهم الدنيا.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا﴾: بجميع آياتنا ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: لا يكفرون بشيء منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1111\"> </span>(١٥٧) - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ إما جرُّ صفة لـ (الذين يتقون)، أو بدلٌ منه بدلَ الكلِّ على أن\n_________\n(^١) تنسب لأبي وجزة السعدي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٦٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٦٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٦٠)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٤٠).","vol":"4","page":164},{"text":"المراد مَن آمَن منهم بمحمد ﷺ، أو البعضِ، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه، أي: هم الذين يتبعون، أو مبتدأ خبره: ﴿يَأْمُرُهُمْ﴾.\n﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ وصفَه بالرسالة باعتبارِ تبليغ الأحكام من الله تعالى، وقدَّمه لأنَّه الأعمُّ حيث يوصف به الملَك، ثم بالنبوة باعتبار إنبائه عن الله تعالى وصفاته، وإخبارِه عن الغيوب وأحوالِ الآخرة، وفيها جهةُ عموم إذا اعتُبر الرسالةُ في بني آدم، فلو اعتُبر بهذه الجهة يكون تقديم الرسالة بالنظر إلى أنه أرسله الله تعالى إلى الخَلق فأنبأهم عنه تعالى، ثم بكونه أميًّا تنبيهًا على أن كمال علمه مع أنه لم يقرأ شيئًا ولم يكتب أصلًا ليس إلا اختصاصًا من عند الله تعالى، واصطفاءً مِن لدُنه وإعجازًا.\nوالأميُّ: الذي هو على صفة أمة العرب؛ قال ﵇: \"إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّة لا نَكتبُ ولا نَحسُبُ\" (^١) كأنه نُسب إلى الأم، فإن الولد يُولد من أمِّه غيرَ كاتبٍ ولا قارئ ولا حاسب.\n﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾؛ أي: يجدون اسمه ونعتَه.\n﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ رفعٌ لذكره، وإشارةٌ بأنه مذكور في كتب الله تعالى أَخبر عنه الأنبياء السابقون، وأقرُّوا بنبوته، وزيادةُ قوله: ﴿عِنْدَهُمْ﴾ لإفادة أنه وجد في الكتابين المذكورَين حال كونهما محفوظَين عندهم (^٢)، فلا احتمالَ لأن يكون ذلك ملحقًا من خارج.\n﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ المعروف: ما عُرف بالشرع جهةُ حُسنه، والمنكر: ما عُرف به جهةُ قبحه.\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٥/ ١٠٨٠)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) \"عندهم\" من (م).","vol":"4","page":165},{"text":"﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ التي حرِّمت عليهم كالشحوم وغيرها.\n﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ كالخمر ولحم الخنزير ونحوِهما، ونسبةُ الحِل والحُرمة إليه ﵇ لأنَّه مُظهِرُهما، والاختلاف في أداة التعدية لِمَا في الثاني من معنى التكليف دون الأول.\n﴿وَيَضَعُ﴾: يَحطُّ ﴿عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وقرئ: (أَصْرَهم) (^١) لأنَّه جنس فيصلح للجمع.\n﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ الإصر والأغلال استعارتان لطيفتان للثقل الذي كان عليهم من التكاليف الشاقة المانعة عن حركاتهم بمقتضَى الهوى والقيودِ التي تمنعهم عن اختيارهم.\nوالإصر في الأصل: الثقل الذي يأصِرُ صاحبه؛ أي: يحبسُه عن الحركة.\nأي؛ يخفِّف عنهم ما كلِّفوا به من التكاليف الشاقَّة: كاشتراطِ قتل النفس في صحة التوبة، وقطعِ الأعضاء الخاطئة، والقيودِ الصعبة: كقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريمِ السبت، وأمَّا تعيين القصاص في العمد والخطأ فقد مرَّ ما فيه فتذكَّرْ.\nولا خفاءَ في أن ما أريد بالآصار أشقُّ مما أريد بالأغلال وألصقُ منه، فلذلك ذكرها بالإضافة إليهم دون الأغلال.\n﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾؛ أي: بمحمد ﷺ، تكريرٌ لتأكيد مدحهم وتعظيمِهم\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٦٤)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٤٨).","vol":"4","page":166},{"text":"بالصفات المذكورة، وإعلامٌ بأنها هي الموجِبةُ لانحصارِ الفلاح فيهم، والفاءُ للترتيب على ما تقدَّم.\n(وَعَزَرُوهُ): منعوه من العدوِّ حتى لا يَقْوَ ى عليه، وقرئ: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ بالتشديد (^١)، أي: عظَّموه بالتقوية.\n﴿وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، أي: مع نبوَّته، أي: القرآن، وإنما سمي نورًا لأنَّه بإعجازه ظاهرٌ أمرُه ومُظهِرٌ غيرَه، أو لأنَّه كاشفُ الحقائق مُظهِرٌ لها، ويجوز أن يكون ﴿مَعَهُ﴾ متعلقًا بـ (اتبعوا)، أي: واتَّبعوا القرآن مع اتِّباع النبيِّ ﵇، فيكون إشارةً إلى اتِّباع السنَّة (^٢).\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ إلى الموصوفين بالصفات المذكورة، وإلى أن استحقاقهم للفلاح إنما هو بسببها، وتوسيطُ ﴿هُمُ﴾ وتعريفُ الفلاح قد مرَّ ما يتعلقُ بهما غير مرةٍ.\nومضمونُ الآية جوابٌ لدعاء موسى ﵇، متضمِّنٌ لتوبيخ بني إسرائيل على ما صدر منهم من أنواع الكفر والمعاصي، والتعريضِ بهم في تكذيبهم بآيات الله العِظام التي أجراها على يد موسى ﵇ بقوله: ﴿وَالَّذِينَ\n_________\n(^١) هي بالتشديد قراءة الجمهور، والتخفيف قراءة شاذة وردت في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٦١)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٦٦)، و\" المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٦٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٣٧)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٥٠). وما شرح به المؤلف قراءة التخفيف قاله الزمخشري في التي بالتشديد، أما شرحه الآتي لقراءة التشديد فهو قول البيضاوي فيها. وكان الأولى بالمؤلف التصدير بالمتواتر بدل الشاذ.\n(^٢) في هامش (ف): \"قال القاضي: اتباع الكتاب والسنة، ولا وجه له لأن إثبات الكتاب مذكور عبارة. منه \".","vol":"4","page":167},{"text":"هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾، وترغيبِهم في الإخلاص والعمل الصالح ببيان حال أعقابهم الذين يتَّبعون النبيَّ المبعوث في آخر الزمان، وتحريضِهم على التصديق بما في التوراة والإنجيل من نَعتهِ (^١)؛ ليوطِّنوا أنفسهم على الإيمان به طمعًا في الرحمة التي خصَّصها بهم في قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ فيُحشروا معهم وهم عبد الله (^٢) ابن سلَامٍ وأضرابُه (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1112\"> </span>(١٥٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الخطاب عامّ؛ كان كلُّ نبي مبعوثًا إلى قومه خاصةً، ورسولنا ﵇ إلى الناس كافةً، بل إلى الإنس والجن عامةً.\n﴿جَمِيعًا﴾ حال من ﴿إِلَيْكُمْ﴾.\n﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفةُ ﴿اللَّهِ﴾، أو بدلٌ منه، ولا يمنعُه الفصل بما هو في حكم المقدَّم، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه.\nأو مبتدأٌ وخبره: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهو (^٤) على الوجوه الأُوَل (^٥) بيانٌ للجملة التي هي الصلة؛ لأن مَن مَلك العالَم كلَّه لا يكون غيرُه إلهًا.\n_________\n(^١) \"من نعته \": ليست في (م) و(ك).\n(^٢) في (ك): \"وعبد الله\" بدل: \"وهم عبد الله\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"وأضرابهم\".\n(^٤) أي: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.\n(^٥) أي: ما تقدم من وجوه في إعراب ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ …﴾.","vol":"4","page":168},{"text":"وكذلك ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بيانٌ لِمَا قبله؛ لأنَّه تقريرٌ لاختصاصه بالألوهية؛ إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيرُه.\n﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ لمَّا ذكر أنه (^١) رسولُ الله أمرهم بالإيمان به ﵇، وبدأ بالإيمان بالله تعالى لأنَّه أصلٌ يَتفرع عليه (^٢) الإيمان بالرسل ﵈، والتفتَ عن التكلُّم إلى الغيبة تعظيمًا له بتكرار ذكر الرسول وإعادته صفاتِ المدح، وتنبيهًا على أن الذي وجب الإيمان به واتِّباعُه هو (^٣) الموصوف بهذه الصفات لأجْلها كائنًا مَن كان، وإيقاظًا للسامع لئلا يغفل عنه فيتمكَّن وقعُه في نفسه.\n﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: ما أَنزل الله عليه وعلى جميع الرسل من كتبه ووحيه.\nوقرئ: (وكلمته) (^٤)؛ أي: جنسِ ما تكلَّم به، أو القرآنِ، أو عيسى ﵇، تعريضًا لليهود، وتنبيهًا على أنَّ مَن لم يؤمن به ﵇ لم يعتبر (^٥) إيمانه.\nوقيل: كلمته التي أوجد بها الكلَّ، وهي قوله: كن.\n﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ جعل رجاءَ الاهتداء أثرَ الأمرين تنبيهًا على أنَّ مَن صدَّقه ولم يتابعه بالْتزام شرعه فهو بعدُ في خِطَط (^٦) الضلالة.\n_________\n(^١) في (م): \"أن \".\n(^٢) \"عليه \": ليست في (م) و(ك).\n(^٣) في (م): \"وهو\".\n(^٤) نسبت لمجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"يتيسر\".\n(^٦) في (ف) و(م): (حطط)، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٣٨). و(خِطط) بكسر الخاء: جمع خِطَّة، بكسرها أيضًا، وهي المنزل والدار من قولهم: اختط الدار، إذا=","vol":"4","page":169},{"text":"<span id=\"aya-1113\"> </span>(١٥٩) - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿أُمَّةٌ﴾ التنكير للتكثير ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يُرشِدون الناس محقِّين، أو: بكلمة الحق.\n﴿وَبِهِ﴾ وبالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم بين الناس، وهم الثابتون في الإيمان القائمون بالحق من أهل زمانه، أتبع ذكرَهم ذكرَ عبدة العجل كما هو عادةُ القرآن في الجمع بين السعداء والأشقياء في الذكر؛ تنبيهًا على أنَّ تعارُض الخير والشر وتزاحُمَ أهل الحق والباطل أمر مستمرٌّ.\nوفيه دفعُ (^١) ما أَوهم تخصيصُ الرحمة في جواب دعاء موسى ﵇ بالذين يتَّبعون الرسول في آخر الزمان أن غيرهم كلهم أهل الضلالة.\nوقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب.\nوقيل: قوم وراء الصين رآهم رسول الله ﷺ ليلةَ المعراج فآمنوا به (^٢).\n* * *\n_________\n= ضرب حدودها، وهذه خِطة بني فلان وخِططهم، فقوله: (في خطط الضلالة)؛ أي: نازل ومتمكن فيها، كما يقال: هو في ضلال وفي هدى. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ٢٢٦).\n(^١) في (ف) و(م): \"رفع\".\n(^٢) ورد هذا في خبر رواه عبد بن حميد عن مقاتل كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٨٦)، وليس في الأخبار الواردة في هذه الحكاية ما يصح، قال الآلوسي في \"روح المعاني\" (٩/ ٤١٤): وضعف هذه الحكاية ابن الخازن [في \"تفسيره\" (٢/ ٣٠٠)] وأنا لا أراها شيئًا، ولا أظنك تجد لها سندًا يعول عليه ولو ابتغيت نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء. اهـ. قلت: يعرض بما جاء في بعض الأخبار: أن الله تعالى فتح لهم نفقًا في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين.","vol":"4","page":170},{"text":"<span id=\"aya-1114\"> </span>(١٦٠) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ مفعولٌ ثانٍ على تضمين (قطَّعنا) معنى: صيَّرنا، وتأنيثُه على تأويل القطعة أو الفرقة.\n﴿أَسْبَاطًا﴾ بدلٌ منه ولذلك جُمع، أو تمييز لأنَّه أراد: اثنتَيْ عَشْرةَ قبيلةً كل قبيلة أسباطٌ، فوُضع (أسباط) موضع قبيلة للدلالة على أنَّ كلَّ واحد (^١) منها أسباط تحقيقًا، فعلى هذا (أسباط) قائم مقام المفرد.\n﴿أُمَمًا﴾ بدل من ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾، أو من (أسباط)، أو نعتٌ لها، وفيه إشارةٌ إلى أن كلَّ واحد من الأسباط كانت أمةً كثيرةَ العدد يؤمُّ كلُّ واحدة منهم خلافَ ما تؤمُّه الأخرى، لا تكاد تأتلف (^٢) وتتَّفق، والباقي مر تفسيره في سورة البقرة.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ في التِّيه.\n﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾، أي: فضرب فانبجست، وحذفُه لتقصير اللفظ وتكثير المعنى، وهو أبلغ وجوه الإيجاز (^٣)، وذلك أن فيه إشعارًا بأنَّ الانفجار مسبَّبٌ عن الإيحاء مرتَّب عليه، وأنَّ (^٤) الضرب لا تأثير له بذاته، وأمَّا أنَّ\n_________\n(^١) في (ف). \"على أن كلا\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"تأتلفه\".\n(^٣) في (ف): \"الإعجاز\".\n(^٤) في (ف): \"إذ\"، وفي (ك): \"أن\".","vol":"4","page":171},{"text":"موسى ﵇ لم يتوقَّف في الامتثال فلا دلالةَ عليه في قوله: فضرب، محذوفًا كان أو مذكورًا.\nوالانبجاس: خروج الماء الجاري بقلَّةٍ، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان البدءُ بقلَّة ثم يكثر بالاتِّساع.\n﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾: كلُّ سبطٍ، اسمُ جمعٍ كرُخالٍ (^١) وثُناءٍ، لا جمعُ تكسير، أو جمعُ إنس، أصلُه كسر الهمزة كشِعْبٍ وشِعَابٍ، فأبدلت الكسرة ضمَّةً.\n﴿مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ ليَقِهم الحرَّ.\n﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾؛ أي: وقلنا لهم: كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ قد مر تفسيره في سورة البقرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1115\"> </span>(١٦١) - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ بإضمار: اذكر، والقرية: بيت المقدس.\n﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ مِثْلُ ما\n_________\n(^١) في النسخ: \"كرخاء\"، والمثبت من \"الكشاف\" (١/ ٥٤) و(٢/ ١٦٩)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٥٧). ورخال براء مهملة وخاء معجمة ولام، واحده: رِخل أو رِخلة، وهي أنثى ولد الضأن. انظر: \"حاشية الشهاب\" (١/ ٣٠٢).","vol":"4","page":172},{"text":"في سورة البقرة (^١)، غيرَ أن هناك: ﴿وَادْخُلُوا﴾ وهنا: ﴿اسْكُنُوا﴾ والسكنى يتعقَّب الدخول، فأُمروا هناك بالمبدأ وهنا بما تسبَّب عنه، وهناك: (فكلوا) بالفاء وهنا بالواو، وذلك لأن الدخول حالةٌ منقضية (^٢) فحَسُنَ ذكر فاء التعقيب بعده، والسكنى حالةٌ مستمرَّة فحَسُنَ الأمر بالأكل معه لا بعده، وأثبت (رغدا) هناك بعد الأمر بالدخول لأنها حالةُ قدوم فالأكل فيها ألذُّ، بخلاف السكنى المذكور هنا، فإنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها كالأكل عند الدخول، وأما تقديم الحِطَّة على الدخول وتأخُّرُها عنه فلا تفاوت فيه لأن الواو للجمع لا للترتيب، وأما قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ في مقام ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ على حذف الفاعل للعلم به، وأما (أنزلنا) و(أرسلنا)، و﴿يَفْسُقُونَ﴾ و﴿يَظْلِمُونَ﴾ فمن وادٍ أحد.\n﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعدٌ بالغفران والزيادةِ عليه بالإثابة.\nقيل: وإنما أُخرج الثاني مخرج الاستئناف للدلالة على أنه تفضُّلٌ محضٌ ليس في مقابلةِ ما أُمروا به. ومبناه الغفولُ عن الواو الجامعة بينهما في سورة البقرة الدالةِ على التشريك في المقابلة المذكورة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1116\"> </span>(١٦٢) - ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) الآية: (٥٨) منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n(^٢) في (م) و(ك): \"مقتضية\" وهو تحريف.","vol":"4","page":173},{"text":"﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مر تفسيره في سورة البقرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1117\"> </span>(١٦٣) - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\n﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ المراد من سؤالهم التقريعُ بقديم كفرهم واعتدائهم حدودَ الله تعالى، والتقريرُ والإعلام بأن هذا من العلوم التي لا تحصل إلا بالتعليم أو بالوحي، فلم يتعلم ﵇ قطُّ فهو حجةٌ لأنَّه معجزة.\n﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾: عن خبرها وحالِ أهلها، وهي أَيْلةُ (^١).\n﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر﴾: قريبةً منه على شاطئه بين مَدْينَ والطُّور، وقيل: مدين، وقيل: طَبرية، والعرب تسمِّي المدينة قرية.\n﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ إذ يتجاوزون حدَّ (^٢) الله تعالى في تعظيم السبت بالاصطياد، و﴿إِذْ﴾ ظرف لـ ﴿كَانَتْ﴾، أو ﴿حَاضِرَةَ﴾، أو للمضاف المحذوف، ولا يجوز أن يكون بدلًا منه (^٣) بدل الاشتمال؛ لأن (إذ) من الظروف التي لا تتصرَّف\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"إيلياء\"، وهو خطأ، وفيها أقوال المثبت واحد منها، وسيأتي غيره، وانظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٤٢٧).\n(^٢) في (م): \" حدود\".\n(^٣) أي: بدل من المضاف المقدر، وهو: (أهل)، يعني: أهل القرية. وهذا ابتداء رد على الزمخشري والبيضاوي اللذين أجازا البدل المذكور، وهذا الرد منقول عن أبي حيان. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٧١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٣٩)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٦٣).","vol":"4","page":174},{"text":"ولا يدخل عليها حرفُ جرٍّ، وجعلُها بدلًا يُجوِّز دخول (عن) عليها؛ لأن البدل على نية تكرير العامل، وإنما تُصرِّف فيها بأنْ أُضيف إليها بعض الظروف الزمانية، نحو: يومَ إذْ كان كذا.\nوقرئ: (يَعَدُّون) (^١)، وأصله: يَعْتدون، أدغمت التاء في الدال ونُقلت حركتها إلى العين.\nو: (يُعِدُّون) من الإعداد؛ أي: يُعِدُّون آلات الصيد في حال تعظيم السبت، أو يوم السبت وقد نهوا عنه وأمروا بأنْ لا يشتغلوا فيه بغير العبادة (^٢).\n﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ ظرفٌ لـ ﴿يَعْدُونَ﴾، واحتمال الإبدال قد مرَّ وجه بُطلانه.\n﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: يوم تعظيمهم للسبت، مصدر سَبَتتِ اليهودُ: إذا عظَّمت سَبْتَهم بالتجرُّد للعبادة.\nوقيل: اسم اليوم، والإضافةُ لاختصاصهم بأحكامٍ فيه.\nويرجِّح الأولَ قراءةُ: (يومَ إسباتهم) (^٣)، وقولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.\nوقرئ: (لا يُسبِتون) مِن أَسْبَتَ، و: (لا يُسبَتون) على البناء للمفعول (^٤)، بمعنى: لا يدخلون في السبت.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٦).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٧٠)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٦٣).\n(^٣) نسبت لعمر بن عبد العزيز. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٦٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٧١)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٦٤).\n(^٤) نسبت الأولى لعلي ﵁ والثانية للحسن. انظر المصادر السابقة.","vol":"4","page":175},{"text":"و﴿شُرَّعًا﴾ حال من الحيتان، ومعناه: ظاهرةً على وجه الماء، مِن شَرَع علينا: إذا دنا وأشرف.\nوقيل: أي: مقبِلًا إليهم مصطفًّا، كما تقول: أُشرعتِ الرماح: إذا مُدَّت مصطفَّةً.\nوالحيتان: جمع حوتٍ، وأكثرُ ما تَستعمل العرب الحوت في معنى السمكة، واختلف في إطلاق اسم السمكة على ما سوى الحوت من الحيوانات البحرية، والذي نصَّ عليه الشافعي في \"الأم\" و\"المختصَر\" أنها تطلق على الجميع، قال صاحب \"الروضة\": وهو الصحيح.\n﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مِثْلَ ذلك البلاء الشديد، والظاهرُ أن الإشارة إلى ابتلائهم بإتيان الحيتان يوم السبت وعدمِ إتيانها في سائر الأيام.\n﴿نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسببِ استمرارهم على الفسق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1118\"> </span>(١٦٤) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ عطفٌ على ﴿وَإِذْ﴾ قبلها.\n﴿أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾: جماعة من أهل القرية من صُلحائهم الذين بالَغوا في وعظهم، وبذلوا المجهود في نهيهم، حتى ملُّوا وأَيسوا من قبولهم، وتفرَّسوا من حالهم أن الوعظ لا يؤثِّر فيهم فتركوا، لآخرين (^١) منهم لم يتركوا موعظتهم:\n_________\n(^١) في النسخ: \"الآخرين\"، وهو خطأ، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٧١)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٤٣٠).","vol":"4","page":176},{"text":"﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؛ أي: قد أشرفوا على أن يُهلكهم الله تعالى فيَصْطَلِمَهم.\n﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ غيرَ مصطَلِمٍ.\n﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾؛ أي: موعظتُنا معذرةٌ إلى الله تعالى لئلا نُنسب إلى تقصير (^١) في النهي عن المنكر.\nوقرئ: ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالنصب (^٢)؛ أي: نَعِظُهم معذرةً، على أنه مفعولٌ له، أو: نعتذر معذرةً، على المصدر.\n﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: ولطمَعِنا في أنْ يتَّقوا بعضَ الاتِّقاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1119\"> </span>(١٦٥) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾: تركوا ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: ما ذكَّرهم به الصُّلحاء، وجُعل التركُ نسيانًا مبالغةً؛ إذ أقوى أحوالِ الترك أن يُنسى المتروك.\n﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ هي عامةٌ في المعاصي، ويدخل فيها صيدُ الحوت دخولًا أوليًّا.\n﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالارتكاب للمنكَر، وفيه تنبيهٌ على أن العلة للأخذ هي الظلم.\n_________\n(^١) في (م): \"التقصير\".\n(^٢) هي قراءة حفص، والباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٤).","vol":"4","page":177},{"text":"﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: شديدٍ، فعيلٌ من بَؤُسَ يبؤسُ (^١) بأسًا: إذا اشتدَّ.\nوقرئ: (بَئِسٍ) كحَذِرٍ (^٢).\nو: ﴿بَئِيسٍ﴾ وكظِئْرٍ على تسكين العين للتخفيف (^٣)، ونقلِ حركتها إلى الباء؛ ككِبْدٍ في كَبِدٍ.\nوقرئ: ﴿بِيسٍ﴾ على قلب الهمزة ياءً كما قُلبت في ذيبٍ (^٤)، أو على أنه فعل الذمِّ وُصف به فجعل اسمًا.\nوقرئ: (بَيِّسٍ) كرَيِّسٍ (^٥) على قلب همزة ﴿بَئِيسٍ﴾ (^٦) ياءً وإدغام الياء فيها.\nو: (بَيْسٍ) على تخفيف (بيِّس) كمَيْتٍ في مَيِّتٍ (^٧).\n﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسبب استمرارهم على الفسق.\n* * *\n_________\n(^١) \"يبؤس \"من (م).\n(^٢) نسبت لأبي عبد الرحمن السلمي وطلحة بن مصرف. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٦٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٧٢)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٧٠).\n(^٣) هي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٤).\n(^٤) هي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٤).\n(^٥) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٧٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٧٢)، و\" البحر\" (١٠/ ٣٧٠).\n(^٦) هي قراءة أبي بكر بخلاف عنه، والوجه الآخر عنه: ﴿بَئِيسٍ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٤).\n(^٧) هي رواية خارجة عن نافع، وهي خلاف المشهور عنه. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٦٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٧٣)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٧٠).\nولم يُعن أحد بهذه القراءات كما عني بها أبو حيان رحمه في \"البحر\"، فقد ذكر فيها اثنتين وعشرين قراءة مع شرحها، وقد خرجناها وفصلناها بفضل الله في تحقيقنا له فلتنظر فيه.","vol":"4","page":178},{"text":"<span id=\"aya-1120\"> </span>(١٦٦) - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾: طَغَوا وتكبروا عمَّا نُهوا عنه، وزادوا عصيانًا وتَفَرْعُنًا.\n﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾ على طريقة الأمر التكويني: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾؛ أي: مسخناهم دفعةً.\n﴿خَاسِئِينَ﴾: أذلَّاءَ مُبْعَدِين عن الناس، وقد مرَّ ما يتعلق بهذا في تفسير (^١) سورة البقرة.\nوالظاهر من المعنى: أن الله تعالى عذَّبهم أولًا بعذابٍ شديد، فلم ينتهُوا وعَتَوا بعد ذلك فمسخهم.\nوقيل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تكريرٌ وتقريرٌ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾.\nوالعذاب الشديد: هو المسخ، وعن مجاهد: مُسخت قلوبهم لا أبدانُهم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1121\"> </span>(١٦٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ ﴿تَأَذَّنَ﴾: عَزَم، وهو تفعُّلٌ من الإيذان وهو الإعلام؛ لأن العازم على الأمر يؤذِن نفسَه به ويحدِّثها، ومثلُه في التفعُّل بمعنى الإفعال: تَوَعَّدَ، بمعنى: أَوْعَدَ، وأُجري مُجرى القَسَم كعَلِمَ اللهُ وشَهِدَ اللهُ، ولذلك أُجيب بما يُجاب به القسم وهو:\n﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: عزم ربك وأَوْجَب على نفسه ليسلِّطنَّ على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾: يكلِّفُهم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ كالإذلال وضرب الجزية.\n_________\n(^١) \"تفسير\"من (م).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ٦٥).","vol":"4","page":179},{"text":"بعث الله تعالى عليهم بعد سليمان ﵇ بُخْتَ نَصَّرَ، فخرَّب ديارهم، وقتل مقاتِلتَهم، وسبى نسائهم وذراريهم، وضرب الجزية على مَن بقي منهم، وكانوا يؤدُّونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدًا ﷺ فضربها عليهم لا إلى آخر الدهر - كما قيل (^١) - بل إلى نزول عيسى ﵇؛ لأنَّه بعد نزوله من السماء يضع عنهم الجزية على ما ورد في الحديث المرفوع (^٢)، وعند ذلك ينقلبُ تكليف الجزية إلى أَشَدِّه وهو تكليفُ الإسلام بالقتل (^٣)، وسوءُ العذاب ينتظِمُهما (^٤).\nويجوز أن يكون المراد من يوم القيامة: وقتَ ظهور بعض شرائطها (^٥)، فحينئذ لا حاجة إلى تعميم سوءِ العذاب، والله أعلم بالصواب.\n﴿نَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ لا يحتاج إلى إعداد الآلات وإحضار الأسباب ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ من تاب وأناب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1122\"> </span>(١٦٨) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"كما قيل\": ليست في (م) و(ك). والقائل الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ١٧٣).\n(^٢) رواه البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁. وتعقب الآلوسي ﵀ هذا الكلام بقوله: ولا ينافي ذلك [أي: كونُها مضروبة إلى آخر الدهر] رفْعَها عند نزول عيسى ﵊؛ لأن ذلك الوقتَ ملحق بالآخرة لقربه منها، أو لأن معنى رفعه ﵇ إياها عنهم أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ويخيرهم بينه وبين السيف، فالقوم حينئذ إما مسلمون أو طعمةٌ لسيوفهم فلا إشكال. انظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٤٣٨).\n(^٣) يعني: لا يقبل منهم إلا الإسلام، فيخيرون بينه وبين القتل. انظر التعليق السابق.\n(^٤) في (ف): \"ينتظمها\".\n(^٥) في (م): \"أشراطها\".","vol":"4","page":180},{"text":"﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: وفرَّقناهم في أقطارها بحيث لا يخلو قطرٌ منهم، تتميمًا لإدبارهم حتى لا يكون لهم شوكةٌ بالاجتماع.\n﴿أُمَمًا﴾ مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ.\n﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ الذين آمنوا [بالمدينة] ونظراؤهم (^١)، و﴿الصَّالِحُونَ﴾ فاعلٌ للظرف لاعتماده على الموصوف، أو مبتدأ و﴿وَمِنْهُمْ﴾ خبرُه والجملة صفة لـ ﴿أُمَمًا﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ﴿دُونَ﴾ صفةٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: ومنهم ناسٌ دون ذلك الوصف منحطُّون عن درجة الصلاح، وهم الفَسَقة والكَفَرة (^٢).\n﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: بالنِّعم والنِّقم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عما كانوا عليه بالانتهاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1123\"> </span>(١٦٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: من بعد المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ بدلُ سوءٍ، وهو مصدرٌ\n_________\n(^١) \"ونظراؤهم\"؛ أي: ممن يؤمن في غير المدينة، وما بين معكوفتين من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٠) والكلام منه. قال الشهاب في \"الحاشية\" (٤/ ٢٣١): وقوله (أي: البيضاوي): (وهم الذين آمنوا بالمدينة)، قيل: إنه خلاف الظاهر؛ لتفريع قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ عليهم، وضم المصنف ﵀ إليه نظراءهم ليخفَّ الإشكال.\n(^٢) في (م) و(ك): \"والكفار\".","vol":"4","page":181},{"text":"نُعت به، ولذلك يستوي فيه الواحد والكثير، وقيل: جمع، قال ثعلبٌ: الناس كلهم يقولون: خَلَفُ صِدْقٍ، للصالح، و: خَلَفُ سوءٍ، للطالح.\nوكأنه غافل عن قول حسَّان في المدح:\nلنا القَدَمُ الأولى إليكَ وخَلْفُنا … لأوَّلنا في طاعةِ الله نافعُ (^١)\nوالمراد به: الذين كانوا في عصر رسول الله ﷺ.\n﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: التوراةَ من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها ولا يعملون.\nوفي عبارة ﴿وَرِثُوا﴾ إشارة إلى أنها وصلت إليهم بلا استحقاقٍ منهم كما يصل المال الموروثُ من المورِّث الصالح إلى الوارث الطالح.\n﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾؛ أي: حطامَ هذا الشيء الأدنى، وهو ما يأخذونه من الرُّشا في الأحكام، وعلى تحريفِ الكلِم للتسهيل على العامة.\nو﴿الْأَدْنَى﴾: إما من الدنوِّ بمعنى القُرْب؛ لأنَّ الشيء الحقيرَ سهلُ التناول قريبُ المأخذ، وإما من الدناءة بمعنى الخسَّة والمراد به الدنيا وما يُتمتَّع به منها.\nوالإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ لمزيد التحقير، والجملة حالٌ من ضمير ﴿وَرِثُوا﴾، أو صفةٌ بعد صفةٍ.\n﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ﴾؛ أي: إذا عُوتبوا على ذلك اعتذَروا بما يَرْجونه من سَعة رحمة الله تعالى، ويقولون: لا يؤاخِذُنا الله تعالى بما أَخذْنا وَيتجاوز عنا (^٢)، وهو يَحتمِل العطفَ والحالَ، والفعلُ مسنَدٌ إلى الجارِّ والمجرور، أو إلى مصدرِ ﴿يَأْخُذُونَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"ديوان حسان\" (ص: ٣١٠).\n(^٢) \"عنا\" من (م).","vol":"4","page":182},{"text":"﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ حال من الضمير في ﴿يقولونَ﴾؛ أي: يرجُون المغفرة جازِمينَ بها وهم مصرُّون على ذنوبهم لا يتوبون عنها.\n﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: العهدُ الذي في التوراة.\n﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ عطفُ بيان للميثاق، أو متعلِّق به؛ أي: بأنْ لا يقولوا؛ أي: لا يفتروا على الله تعالى، وهو القطع بالمغفرة مع الإصرار على الذنب، وهو خلاف ميثاق الكتاب.\nويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسِّرةً، و﴿لَا يَقُولُوا﴾ نهيًا؛ كأنه قيل: ألم يقل لهم أنْ لا يقولوا .. إلى آخره.\nوإنْ فسِّر الميثاق بما بيِّن فيه - وهو أنَّ مَن ارتَكب ذنبًا عظيمًا لا يُغفر إلا بالتوبة - كان ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ مفعولًا له؛ أي: لئلا يقولوا.\n﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ الظاهر أنه عطفٌ على ﴿وَرِثُوا﴾، وقوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ اعتراضٌ أو حالٌ بتقدير (قد).\nوقيل: عطفٌ على ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ من حيث المعنى لأنَّه تقرير له؛ كأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاقُ الكتاب ودرَسوا ما فيه.\nومعنى الهمزة في ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ﴾ تقريعٌ وتوبيخٌ على أخذ الرشوة والقطعِ بالمغفرة، ولهذا (^١) قُبحَ فعلهم بوجوه:\nأولها: أنه خلاف ميثاق الكتاب.\nالثاني: أنه افتراء على الله تعالى.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"ولذا\".","vol":"4","page":183},{"text":"الثالث: التأكيد بقوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾؛ أي: من اشتراط التوبة في غفران الذنب (^١).\nالرابع: قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من ذلك العَرَض الخسيس ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الرُّشا، وهو تعريض بأنهم يستحبُّون الدنيا على الآخرة ويستبدلونها بها.\nثم التأكيد بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أيأخذون العَرَض الحقير فلا يعقلون أن الدار الآخرة خيرٌ فلا يبيعون الشريف الباقي بالخسيس الفاني.\nوقرئ: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء على الالتفات (^٢).\nوفي الإبهام بقوله: ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا﴾ تنبيهٌ على عظم ما يرتكبونه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1124\"> </span>(١٧٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ تعريضٌ بأنهم لا يمسِّكون بالكتاب إذ يخالفونه، وأنهم لا يصلُّون، وتخصيصُها بالذكر لأنها عماد الدِّين وأمُّ العبادات.\nوالجملة عطف على ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، و﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ اعتراض بينهما، و(^٣): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ اعتراضٌ آخر.\n_________\n(^١) في هامش (م): \" قوله: من اشتراط التوبة، هذا عين مذهب المعتزلة، والمناسب أن يترك ويفسر بما ذكر في الكتاب من غيره \".\n(^٢) هي قراءة نافع وابن عامر وابن ذكوان وحفص، والباقون بالثاء.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٣) الواو من \"ك\".","vol":"4","page":184},{"text":"أو مبتدأ خبره (^١): ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾؛ أي: منهم، أو على وضع الظاهر موضع الضمير تنبيهًا على أن الإصلاح كالمانع من التضييع، وإيماءً إلى أنهم مفسدون بما يفعلون.\nأو استئنافٌ لتعليل الخبر المحذوف (^٢)، كأنه قيل: نوفيهم أجورهم لأنا لا نضيع أجر المصلحين (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1125\"> </span>(١٧١) - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾؛ أي: فلَقْناه من الأصل ورفعْناه.\n﴿فَوْقَهُمْ﴾ يقال: نتَقتِ الدابةُ صاحبَها حين تعدوا به؛ أي: حرَّكته ورفعته.\n﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ في موضع الحال من ﴿الْجَبَلَ﴾، والظلَّة: كلُّ ما أظلَّ من سَقيفة أو سَحابٍ، وقرئ بالطاء المهملة من أَطَلَّ: إذا أشرف (^٤).\n﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: ساقطٌ عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثِقَلها، فرفع الله تعالى الطُّور فوقهم وقيل لهم: إن قبلتُم (^٥) ما فيها وإلا ليقعنَّ (^٦)\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"وخبره\". والمراد بالمبتدأ قوله: (الذين يمسكون).\n(^٢) أي: خبر (الذين يمسكون) محذوف، وجملة: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ استئناف لتعليل هذا الخبر.\n(^٣) في (م): \"المحسنين\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٧٥).\n(^٥) في (م) و(ك): \"قبلتم\".\n(^٦) في النسخ: \"ليقض\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٧٥)، و\"تفسير البيضاوي\"=","vol":"4","page":185},{"text":"عليكم، وهذا لا يقتضي تيقُّنهم بوقوع الجبل بهم، وكذا عدمُ ثبوت الجبل في الجوِّ لا يقتضيه؛ لأنَّه على جَرْي العادة، وأما على تقدير خَرْقها (^١) فلا بُعد فيه، وعدمُ وقوع المتعلّق لا يصلح وجهًا لإطلاق الظن على الاعتقاد الجازم، لعدم الفرق بينهما في عدم الاقتضاء بوقوعه، فالوجه أن يكون الظنُّ هنا على حقيقته (^٢).\n﴿خُذُوا﴾ على إضمار القول، أي: وقلنا: خذوا، أو قائلين: خذوا ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ من الكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجِدٍّ وعزم على احتمالِ تكاليفه ومشاقِّه، وهو حال من الواو.\n﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ بالعمل فيه ولا تتركوه كالمنسيِّ.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ما أنتم عليه من قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1126\"> </span>(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أَخرج من أصلابهم بَنيهِم على ما يتولَّدون قرنًا بعد قرن، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بدلَ البعض، والضميرُ لآدم ﵇ وبنيهِ لا لبنيهِ خاصةً، ولا يلزم إخراجُ أولاده من حيِّز (^٣) الإرادة، وأما عيسى ﵇ فخارجٌ من ظهر جدِّه بواسطة أمِّه.\n_________\n= (٣/ ٤١)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٤٤٧).\n(^١) في النسخ: \"خرقه\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٤٤٦).\n(^٢) في هامش (ف): \"يعني: أن اليقين المذكور بمعنى الاعتقاد الجازم كما هو المناسب لاعتبار البلغاء، لا الاعتقادِ المطابق للواقع كما هو مصطلح الحكماء\".\n(^٣) في (ك): \"غير\".","vol":"4","page":186},{"text":"﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ أي: نَصَب لهم دلائلَ رُبوبيَّته، وركَّب في عقولهم ما يَدْعوهم إلى الإقرار بها، حتى صاروا بمنزلةِ مَن قيل لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ونزَّل تمكينَهم من العِلم بها وتمكُّنهم منزلةَ الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل، ويدلُّ عليه قوله:\n﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (بلى) في سؤال النفي إثباتٌ، فكان إقرارًا والإقرارُ بدون الاعتقاد لا يكون شهادة، ولهذا ردَّ الله تعالى قول المنافقين قالوا: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فالتصديق ثبت بمقتضى قولهم: ﴿شَهِدْنَا﴾.\n﴿أَنْ تَقُولُوا﴾؛ أي: كراهةَ أنْ تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ لم نتنبَّه (^٤) عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1127\"> </span>(١٧٣) - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\n﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، وقرئ كلاهما بالياء (^٥) على ما دَل عليه (^٦) أول الكلام من الغيبة.\n﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدينا بهم (^٧)؛ لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكُّن من العلم به لا يَصلح عذرًا.\n_________\n(^٤) في (ف): \"ننبه\". وفي (ك): \"يتنبه\".\n(^٥) هي قراءة أبي عمرو، وباقي السبعة بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٤).\n(^٦) \"دل عليه\" سقطت من (ف)، و\"دل\" سقطت من (م).\n(^٧) في (م): \"فاقتديناهم\".","vol":"4","page":187},{"text":"﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾؛ أي: أبعدَ تأسيس آبائنا الشركَ المبطلِين، وجَعْلِهم إياه سنةً لنا تُهلكنا بما فعلوه؟!\nوقيل: لمَّا خلق الله تعالى آدم ﵇ أخرج من ظهره ذرِّيةً كالذَّرِّ، وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك، لخبرٍ رواه عمرُ ﵁ (^١).\nوالمقصود من إيرادِ هذا الكلام هنا إلزامُ اليهود مقتضَى (^٢) الميثاق العامِّ بعدما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم، والاحتجاجُ عليهم بالحجج السَّمعية، ومنعُهم عن التقليد، وحملُهم على النظر والاستدلال كما قال:\n\n<span id=\"aya-1128\"> </span>(١٧٤) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذلك التفصيلِ البليغ ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ قطعًا لعذرهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ أي: نَميز بعضَها عن بعضٍ ليتمكَّنوا (^٣) من الاستدلال، ويرجعوا عن التقليد واتِّباع الباطل، والواو للعطف لمقدَّر نبَّهنا عليه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤١) والكلام منه، و\"تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة\" للبيضاوي أيضًا (١/ ١٠٥)، و\"تفسير القرطبي\" (٩/ ٣٧٦)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٤٥٦). وقد ذكر هؤلاء عن عمر حديثًا في الآية رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٨٩٨ - ٨٩٩)، والإمام أحمد في \"المسند\" (٣١١)، وأبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥). وأعله ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٣) بجهالة الراوي عن عمر، ثم قال: لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها، من حديث عمر وغيره. اهـ. قلت: وثمة حديث آخر عن عمر ﵁ في هذا المعنى أورده الآلوسي (٩/ ٤٦٧)، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (١٦٨٢)، والبيهقي في \" الشعب \" (٤٠٤٠)، وأعله بأبي هارون العبدي، وقال الذهبي في \"تلخيص المستدرك\": أبو هارون ساقط.\n(^٢) في (م): \"لمقتضى\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"ليمكنوا\".","vol":"4","page":188},{"text":"<span id=\"aya-1129\"> </span>(١٧٥) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على اليهود ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ هو أحد علماء بني إسرائيل، وقيل: من الكنعانيين، اسمه بَلْعَمُ بنُ باعُوراءَ، أُوتي علمَ بعض كتب الله تعالى.\n﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ بأنْ كذبها (^١) وخرج عن حُكمها.\n﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ خطواتِه، أي: جعَله تابعًا له، وقيل: استَتْبعه، أو: أتبعه ليُضلَّه، فأدركه ولحقه وصار قرينًا له.\n﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: فصار من الضالين.\nوقيل: هو أمية بن أبي الصَّلت، كان قد قرأ الكتب، وعلِم أن الله تعالى مرسل في ذلك الزمان رسولًا، وتوقَّع أن يكون هو، فلما بُعث محمد ﷺ حسده (^٢) وكفر به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1130\"> </span>(١٧٦) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، أي: إلى منازل الأبرار من العلماء؛ لأن مراد الله تعالى لا يتخلَّف، ولكن حكمته اقتضتْ أن يُتبع إرادتَه اختيارَ العبد.\n_________\n(^١) في (ك): \"كفر بها\"، وفي (م): \"كفر\".\n(^٢) في (ف): \"جحده\".","vol":"4","page":189},{"text":"وأُشير إلى هذا حيث قال في موقع (ولكنْ لم نشأ): ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ فذَكر فِعل العبد لا فِعله؛ أي: مال إلى الدنيا وإلى السَّفالة.\n﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثار الدنيا واسترضاءِ قومه، وأعرض عن مقتضى الآيات.\nنسب إيتاء الآيات إلى الله تعالى، وخروجَه عن حكمها إليه؛ إشعارًا بأن الكل إنما يكون بحسب استعداد العبد بإعطاء (^١) أسباب الكمال، ولكنه بحسب استعداده إلى الجهة السفلية خرج عن حكمها فناسب الشيطان فأغواه فشَقي بها، وعلَّق رفعَه بمشيئة الله تعالى واستدرك عنه بفعل العبد تنبيهًا على أن المشيئة سببٌ لفعله الموجِب لرفعه، وأن عدمه دليلُ عدمها، لاستلزامِ انتفاءِ المسبَّب انتفاءَ السبب، وأن السبب الحقيقيَّ هو المشيئة، وأن الأسباب وسائطُ في حصول المسبَّب إذا تعلقت المشيئةُ به كذلك، ووضع قوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ موضع: أعرض عنها؛ إقامةً للسبب مقام المسيَّب، مبالغةً وتنبيهًا على أن موجِبَ إعراضه هوى (^٢) النفسِ وحبُّ الدنيا، وأنَّه رأس كلِّ خطيئة.\nوكان مقتضى الظاهر أن يقول: ولكنه أخلد إلى الأرض فحطَطْناه، في مقابلةِ: (رفعناه)، فوَضَع قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ موضعَ فحططناه أبلغَ حطٍّ وأذلَّه مبالغةً؛ أي: صفتُه كصفة الكلب - الذي هو مَثَلٌ في الخسةِ - في أخسِّ أحواله وأذلِّها، وهو دوام اللَّهَثِ سواءٌ حُمل عليه وهِيج أو تُرك ولم يُهَجْ، على ما ذَكر بقوله:\n﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فإنه دائمًا يلهث لضعف قلبه\n_________\n(^١) في (ف): \"فأعطاه\"، وفي (م): \"فأعطي\".\n(^٢) في (ف): \"هو\".","vol":"4","page":190},{"text":"وحرارته، بخلاف سائر الحيوانات فإنه يلهث عند التحريك والإزعاج ولا يلهث عند التوريع والإحمام (^١).\nواللَّهَث: هو إدلاعُ اللسان من النَّفَس الشديد الذي يَلحَقُ الإنسان وغيرَه من شدَّة الإعياء، وهو في الكلاب طبعٌ، وقد يكون من العطش.\nمحل الجملة الشرطية النصبُ على الحال؛ أي: كمَثَل الكلب لاهثًا في الحالين.\nوالمراد من التمثيل: أن الاستعداد الخبيث لا يكون من موجِبات الترقِّي (^٢) وأسبابِ الكمال والسعادة، بل يزيده (^٣) نقصًا وانحطاطًا وشقاوة، كما لا تنفعه الآيات بل زادته رجسًا إلى رجسه.\nوجه (^٤) التمثيل: أن إيتاء الآيات وأسبابَ السعادات كالتوريع والإحمام، وضلالَه واستعدادَه كلَهَث الكلب وطبيعتِه، ولهذا قيل: معناه: إنْ وعظْتَه فهو ضالٌّ، وإن لم تَعِظْه فهو ضالٌّ.\n﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعني: لا اختصاص للتمثيل المذكور بالذي ورد في حقِّه، بل يَعُمُّه وأمثالَه من المكذِّبين بآياتنا، كما لا اختصاص للأحكام النازلة بأسبابِ نزولها، ومن هنا يتَّضح وجه التفريع في قوله:\n﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ المذكورة المشتمِلة على التمثيلات المشبِّهة لمَن حالُه كحالهم.\n_________\n(^١) في (ف): \"التورية والإحمار\". وفي (ك): \"التؤدة والإحماد\".\n(^٢) في (م): \"لا يوجب الترقي \"، وفي (ك): \"لا موجبات الترقي\".\n(^٣) في (م): \"بل يزيد\".\n(^٤) في (م): \"ووجه\".","vol":"4","page":191},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه فيتَّعِظون به ويحذَرون مِثلَ عاقبته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1131\"> </span>(١٧٧) - ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس، وأصلُها التعدِّي، تقول: ساءني الشيء يَسُوءني، ثم لمَّا استعملت استعمالَ (بئس)، بُنيت على (فَعُلَ) وجرت عليها أحكام (بئس).\nو﴿مَثَلًا﴾ تمييز للضمير المستكنِّ في ﴿سَاءَ﴾ فاعلًا، وهو مفسَّر بهذا التمييز، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدَها، ولا بد أن يكون المخصوصُ بالذم من جنس التمييز، فاحتيج إلى تقديرِ مضافٍ (^١): إما في التمييز، أي: ساء أصحابُ مَثَلِ القوم، وإما في المخصوص، أي: ساء مَثَلًا مَثَلُ القوم، وهذه الجملةُ تأكيدٌ للجملة السابقة.\n﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ بعد قيام الحجة وعِلمهم بها، إمَّا معطوف على ﴿كَذَّبُوا﴾ فيكون في حيِّز الصلة، أي: الذي جمعوا بين التكذيب والظلم على أنفسهم، وإمَّا كلام منقطِعٌ عن الصلة اعتراضًا للبيان؛ أي: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسَهم؛ لأن وباله لا يتعدَّى إلا إليها، ولهذا التخصيصِ قدِّم المفعول، وهذا الأخيرُ أحسن.\n\n<span id=\"aya-1132\"> </span>﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لمَّا تقدَّم ذكر المهتدِين والضالِّين أَخبر تعالى أنه المتصرّف فيهم بما شاء من هدايةٍ وضلال، وفيه تصريحٌ بأن الاهتداء مخصوصٌ بمَن يهدي اللهُ تعالى، وتنزيلٌ (^٢) للهداية التي\n_________\n(^١) \"مضاف\" من (م).\n(^٢) في (م): \"وتنزيلًا\".","vol":"4","page":192},{"text":"لم يترتَّب عليها الاهتداءُ منزلةَ العدم، وأما اختصاصُ هداية الله تعالى ببعضٍ دون بعضٍ، واستلزامُها للاهتداء، فيردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (^١).\nوفي الإفراد في الأول والجمعِ في الثاني - لاعتبار اللفظ في الأول والمعنى في الثاني (^٢) - والتغيرِ (^٣) عن لفظ الضالين تنبيهٌ على أن المهتدين كنفسٍ واحدةٍ لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين فإن لهم طرقًا لا تنحصر، وأن اجتماعهم لا يُجدي نفعًا في دفع الخسران اللازم لضلالتهم.\nوفي الاقتصار في الإخبار عمَّن هداه الله تعالى بالمهتدين تعظيمٌ لشأن الاهتداء، وبيانُ أنه في نفسه كمالٌ تامٌّ لو لم يكن لكَفَى نفعًا جليلًا وربحًا وافيًا؛ لأنَّه المستلزم للفوز الأكبر، والعنوانُ لجميع الكمالات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1133\"> </span>(١٧٩) - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾: خَلَقْنا ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ لمصلحته؛ فإنه مظهر (^٤) جلال الله تعالى\n_________\n(^١) رد على البيضاوي في قوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٣).\n(^٢) \"لاعتبار اللفظ في الأول والمعنى في الثاني\" من (م).\n(^٣) في (م): \"والتعبير\"، ولعلها محرفة عن: (والتغيير).\n(^٤) في (ف) (ك): \"يظهر\".","vol":"4","page":193},{"text":"وقهره فلا يناسب الحكمَ تعطيلُه، وفيه تنبيهٌ على سبب خلقه تعالى مَن لا حظ له في (^١) الاهتداء.\n﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأن الكلام في مقام التحقير والإذلال، وهم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا تَنجَع فيهم الدعوة إلى الحق والآيات.\n﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ إذ لا يُلقُون أفهامَهم إلى النظر في الدلائل، ولا أذهانَهم إلى طلب الحق ومعرفته.\n﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، أي: لا ينظرون بها نظرَ اعتبارٍ إلى ما خلق الله تعالى.\n﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ آياتِ الله تعالى سماعَ تدبُّر وتأمُّل، فكأنه لا إدراكَ لقلوبهم ومشاعرهم.\n﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ لمَّا لم ينتفِعوا (^٢) بقلوبهم ومشاعرهم جعَلَها مسلوبةَ الفهم الإدراك ثم شبَّههم بالأنعام في عدم الفقه والاعتبار والفهم، أو في أن مشاعرهم لا تتوجه إلا إلى اللذات الحسِّية وأمورِ المعاش، لا تطمح أبصارهم ولا تلتفت بصائرهم إلى أمور المَعاد.\n﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾؛ لأنها مع عدم العقل تجتنِبُ المضارَّ وتجلبُ أسباب المسارّ، بخلاف الكفار فإنهم على عكس هذا، كيف وهم يصرُّون على الكفر والإنكار؟ والإصرارُ يُورثُهم الإضرار في هذه (^٣) الدار ودارِ القرار.\n_________\n(^١) في (م): \"من\".\n(^٢) في (م): \"ينفعوا\".\n(^٣) في (م): \"هذا\".","vol":"4","page":194},{"text":"﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغفلة، بيَّن به سببَ كونهم أضلَّ من الأنعام، وهو الغفلةُ عما أَعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.\nوفي الآية تعريضٌ لليهود ببيان ما هو صورة حالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1134\"> </span>(١٨٠) - ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التي هي أحسنُ الأسماء؛ لدلالتها على المعاني التي هي أشرفُ المعاني.\n﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ لا بغيرها، ولا تدعو غيرَه بها (^١).\n﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: واتركوا تسميةَ الذين يَميلون في أسمائه عن الحقِّ إلى الباطل فيسمُّونه بما لا توقيفَ فيه، أو بما يوهم معنًى فاسدًا، كقول أهل البدو: يا أب المكارم، يا أبيض الوجه، أو الذين يَزيغون في أسمائه فيُطلقونها على غيره تعالى، كقولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فلا تبالوا بإنكارهم وإلحادهم (^٢)، أو ذروهم وإلحادَهم في إطلاقها على أصنامهم لتسميتهم آلهةً، أو اشتقاقهم أسماءها منها كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم فيها وأعرضوا عنهم فإن الله تعالى مُجازيهِم كما قال:\n﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والتركيب على هذا الوجه أدلُّ.\n_________\n(^١) \"بها\" من (م).\n(^٢) في (م): \"فلا تبالوا بإنكارهم واتركوهم وإلحادهم\".","vol":"4","page":195},{"text":"وقرئ: ﴿يَلْحَدون﴾ بالفتح (^١)؛ يقال: لَحَدَ وأَلحَدَ: إذا مال عن المقصد.\nولمَّا قال ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا﴾ كالضالِّين الغافلين والملحدين قفَّاه بما دلَّ على أنه خلَق للجنة كثيرًا وهو قوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-1135\"> </span>(١٨١) - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.\n﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الحكم؛ أي: في كلِّ قرنٍ طائفة بهذه الصفة؛ لقوله ﵇: \"لا تزالُ طائفةٌ من أمَّتي على الحقِّ إلى أنْ يأتيَ أمرُ الله\" (^٢)، ففيه دلالةٌ على صحة الإجماع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1136\"> </span>(١٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾؛ أي: بآيات الله التي تضمَّنها القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [القلم: ٤٤].\nوالمراد من الاستدراج: الاستدناءُ إلى الهلاك قليلًا قليلًا، يقال: دَرَج الكتابَ؛ أي: طوَاه شيئًا بعد شيء.\nقال الخليل: أي: سنطوي عمرهم في اغترارٍ منهم (^٣). فهو من الدَّرْج بمعنى اللفِّ، ومنه أُدرِج الميت في أكفانه.\n_________\n(^١) هي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٤).\n(^٢) رواه البخاري (٣٦٤٠)، ومسلم (١٩٢١)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٣١٢)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٢٩٤)، و\"البحر\" (١٠/ ٤١٧).","vol":"4","page":196},{"text":"وقيل: هو من الدَّرَجة، فهو في الأصل: التقريب من المقصود درجةً درجةً بالإصعاد أو الإهباط، ثم اتُّسع فأُطلق على التقريب منه قليلًا قليلًا (^١) ومنه: دَرَج الصبي، إذا قارَبَ بين خطاه.\nوالفرقُ بين المعنيين واضح وإن اشتبه على مَن ذكر المعنى الثانيَ وقال: ومنه دَرَج الكتابَ (^٢).\n﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنه استدراج، حيث جدَّد لهم النعمة كلما (^٣) جدَّدوا ما يستحقُّون به النِّقمة، فاغترُّوا به: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1137\"> </span>(١٨٣) - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.\n﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأُؤخِّرُ عذابهم، من المليِّ ثقيلةَ الياء؛ يقال: مضى عليه مَلِيٌّ من الدهر وملَاوةٌ - بفتح الميم وضمِّها وكسرها -؛ أي: قطعة منه، عطفٌ على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ لا على (نستدرجهم)؛ إذ لا حاجة إلى إدخاله في حكم السين، فإن الإملاء يَلزمُه الاستدراج المذكور لزومًا بيِّنًا، فتأكيده يُغني عن تأكيد هذا، فمَن قال: عطفٌ على ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ (^٤)، ثم قال: وهو داخل في حكم السين، فقد أخطأ مرتين.\n_________\n(^١) \"قليلا\" الثاني من (ك).\n(^٢) \"والفرق بين المعنيين واضح وإن اشتبه على مَن ذَكر المعنى الثاني وقال: ومنه درج الكتاب\" من (م).\n(^٣) في (م): \"كما\".\n(^٤) في (م): \"نستدرجهم\"، والمثبت من (ف) و(ك)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ١٨٢)، وعليه تعقَّب المؤلف.","vol":"4","page":197},{"text":"وإنما لم يقل: نملي لهم، على وفق ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ للفرق بينهما، فإن الاستدراج بالتدبير العادي الذي توسَّط فيه المدبِّراتُ أمرًا، والإملاء بالتقدير الإلهي الذي لا دخل فيه لأحد.\n﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ الكيد: الأخذ على خفاءٍ، فإطلاقُها هنا على الحقيقة لا على التشبيه؛ كما زعمه مَن قال: وإنما سماه كيدًا لأنَّه على صورته، ولا يُعتبر فيه إظهار خلافِ ما أبطنه، وبه يفارق المكرَ، فإنه يشارك الكيدَ في الأخذ المذكور، ويمتاز عنه باشتماله القيدَ المذكور.\n﴿مَتِينٌ﴾: شديد قوي، أصله من المَتْن، وهو اللحمُ الغليظ الذي على جانب الصُّلب، وهما متنان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1138\"> </span>(١٨٤) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ الاستفهامُ للتعجب، والواو للعطف على محذوف تقديره: ألم يعلموا ولم يتفكَّروا.\n﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا (^١) ﷺ.\n﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جنونٍ، من مسِّ الجن، وكانوا يقولون فيه ﵇: شاعر مجنونٌ، بالَغَ في نفي الجنون عنه ﵇ بنفي الحقيقة منكِّرًا قاصدًا بتنكيرها التقليلَ (^٢)؛ أي: ليس به ﵇ شيءٌ من الجِنَّة، وبزيادة ﴿مِنْ﴾ الدالةِ على نفي (^٣)\n_________\n(^١) في (م): \"بمحمد\".\n(^٢) في (ت): \"التمثيل\".\n(^٣) \"نفي\" من (م).","vol":"4","page":198},{"text":"ما ينسب إليها أيضًا وإن لم يكن منها حقيقةً. وفي تقديم ﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾ تعريضٌ لهم، وفي عبارة (^١) الصاحب إليهم إشارةٌ إلى أنه لو كان به ﵇ تلك الحال لَمَا خَفِيَتْ عليكم؛ لِمَا بينكم (^٢) من المصاحَبة والمخالطة.\n﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ عن قتادة: أن النبي ﷺ علا الصَّفا فدعاهم فخذًا فخذًا يحذِّرهم بأس الله تعالى، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنونٌ بات يصوِّت إلى الصباح، فنزلت (^٣).\nفالمعنى: ما هو ﵇ في تلك الحالة (^٤) إلا منذر ﴿مُبِينٌ﴾: موضحٌ إنذارَه بأعلى صوت.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1139\"> </span>(١٨٥) - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ نظرَ استدلال ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: فيما يدلَّان عليه من عظم ملكه، أو فيما يملك به السماوات والأرض من ملكوتيَّاتهما.\nالملكوت: الملك العظيم، أو الملائكة؛ أي: جنسِ الملائكة المدبِّرة (^٥) لهما بأمره تعالى.\n_________\n(^١) قوله: \"عبارة\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (إضافة).\n(^٢) في (م) و(ك): \"بينكما\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٨٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٤)، وفيهما: (.. بات يهوت ..)، ومعناه: يصيح.\n(^٤) في (ك): \"الحال\".\n(^٥) \"المدبرة\" ليست في (ك).","vol":"4","page":199},{"text":"ثم إنه لم يقتصِر على الحثِّ على النظر في الملكوت، بل نبَّه على أن كلَّ فردٍ من الموجودات محلٌّ للنظر والاعتبار والاستدلال على وجود الصانع ووحدانيَّته، كما قيل:\nوفي كلّ شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنه واحدُ (^١)\nفقال: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾: وفيما خلق الله تعالى من كلِّ ما يقع عليه اسم الشيء مما لا يمكن حصرُه؛ ليدلَّهم على كمال قدرة صانعها ووحدةِ فاطرها، وعِظَم شأن مالكها ومدبِّرها، فيعلمون صحةَ ما يدعوهم إليه، وفي إمكان اقتراب أجلهم - فعلَّهم (^٢) يموتون عن قريبٍ - فيسارعون إلى النظر فيما يهديهم إلى الحق، ويبادرون من العمل إلى ما ينجيهم من العذاب قبل مغافَصة (^٣) الأجل وحلول العقاب، على ما ذكره بقوله:\n﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ عطف على ﴿مَلَكُوتِ﴾، و(أنْ) مخفَّفة من الثقيلة، أصله: أنه، والضمير فيها وفي ﴿يَكُونَ﴾ ضمير الشأن والحديثِ؛ أي: وفي أنَّ الشأنَ عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، ولا يجوز أن تكون مصدريةً؛ لأنهم نصُّوا أنها تُوصَل بفعلٍ متصرِّفٍ، و(عسى) فعل جامدٌ فلا يجوز أن يكون صلةً لـ (أنْ).\nويجوز أن يراد باقتراب الأجل اقترابُ الساعة.\n﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن.\n﴿يُؤْمِنُونَ﴾ متعلِّق بـ ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾؛ أي: لعل أجلهم قد اقترب فما بالُهم\n_________\n(^١) البيت لأبي العتاهية، وهو في \"ديوانه\" (ص: ١٠٤).\n(^٢) في (ك): \"فلعلهم\".\n(^٣) من غافصه: فاجأه، وأخذه على حين غرة. انظر: \"القاموس\" (مادة: غفص).","vol":"4","page":200},{"text":"لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوحه ولزوم الحجة عليهم؟\nوقيل: فواتُه ما هو إلا لكونهم مطبوعًا على قلوبهم.\nلمَّا أرشدهم إلى الاستدلال، وحرَّضهم (^١) على النظر في إمكان قُرب الأجل، أنكر عليهم التثبُّط عن (^٢) الإيمان، ثم قرَّر معنى الإنكار وما يلزمُه وعلَّل ذلك بقوله:\n\n<span id=\"aya-1140\"> </span>(١٨٦) - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ نفى نفيًا عامًّا أن يكون هادٍ لمَن أضلَّه الله تعالى، فتضمَّن اليأسَ من إيمانهم والمقتَ لهم.\n﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ بالرفع اعتراضٌ للبيان؛ أي: وهو يذرهم (^٣)، وقرئ: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالياء، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، وقرئ به وبالجزم عطفًا على محل ﴿فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾، كأنه قيل: لا يَهْدِه أحدٌ غيره وَيذَرْهم (^٤).\n﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطِ ترفُّعهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ مهو حال منهم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"وحرصهم\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"من\".\n(^٣) قوله: \"وهو يذرهم\" كذا قال، وهذا من حق القراءة بالياء الآتية، وأما هنا على القراءة بالنون فالصواب أن يقوله: (ونحن نذرهم). انظر: \"روح المعاني\" (٩/ ٥١١).\n(^٤) قرأ عاصم وأبو عَمْرو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ بالياءِ ورفع الرَّاء وحمزة والكسائيّ بالياءِ وجزم الرَّاء والباقون بالنُّون ورفع الرَّاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٥).","vol":"4","page":201},{"text":"<span id=\"aya-1141\"> </span>(١٨٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾، أي: عن يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] وهو من الأسماء الغالبة، وإطلاقها على ذلك اليوم: أمَّا لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنها على طولها كساعةٍ عند الله تعالى.\nوقيل: أصلها: ساعة قيام الناس، بالإضافة، فلما غَلبتْ تعيَّنتْ فاستَغْنتْ عن الإضافة، وعلى هذا لا حاجة إلى وجه التسمية.\n﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ ﴿أَيَّانَ﴾ بمعنى: متى، قيل: اشتقاقه من (أيٍّ) وهو من أَوَيتُ (^١)، لأن البعض آوٍ إلى الكل.\nويمكن أن يكون تركيبُها من (أيَّ) مع الآن (^٢)، فركَّبتْها له (^٣)؛ لأن معناه: أيَّ وقتٍ.\n﴿مُرْسَاهَا﴾ مصدر، أي: إرساؤها (^٤)، أو اسمُ زمان، والإرساء: الإثبات، من الرُّسوِّ، وهو ثباتُ جسم ثقيلٍ وقرارُه، ومنه: رسا الجبل، ولا أثقل من الساعة.\n_________\n(^١) في (ف): \"من أي وإن أو من أويت\"، وفي (ك) و(م): \"من أي والثامن أويت\"، والصواب المثبت. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٦٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٨٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٤)، و\"البحر\" (١٠/ ٣٨٨)، و\"روح المعاني\" (٩/ ٥١٧).\n(^٢) في (ف): \"مع آن\".\n(^٣) \"له\" من (م).\n(^٤) في النسخ: \"إرسائها\"، والصواب المثبت.","vol":"4","page":202},{"text":"كان النبيُّ ﷺ يدعوهم إلى الإيمان والطاعة، وينهاهم عن الكفر والمعصية، ويحذرهم قيام الساعة، فقالوا: متى هي؟\n﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثره به لم (^١) يُطْلِع عليه ملَكًا مقرَّبًا ولا نبيًّا مرسلًا.\nلمَّا كان السؤال عن الساعة عمومًا، ثم خصِّص بالسؤال عن وقتها، جاء الجواب عنها عمومًا بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ ثم خصِّص من حيث الوقت فقيل:\n﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: لا يبيِّنها ولا يكشفُ أمرها للناس، واللام للتأقيت كما في ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، والمعنى: إن الخفاء بها مستمرٌّ على غيره إلى وقت وقوعه، ولا يُظهرها إلا في ذلك الوقت الذي تقع فيه بغتةً بنفس الوقوع لا بالإخبار عنها؛ ليكون أَدْعَى إلى الطاعة وأَنْهَى عن المعصية، كإخفاء الأجل الخاصِّ الذي هو وقت الموت.\n﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: ثقُلت وكبُرت على أهلها من الملائكة والثَّقَلين، لشدة هولها وعظَمها، كأنه إشارةٌ إلى حكمة إخفائها، أي: لا يطيقون حمل إخبارها، أو: ثَقُلَ إخفاؤها عليهم، فإن ما خَفِيَ أمرُه ثقل على النفوس.\n﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: فجأةً على غفلةٍ منكم؛ كما قال: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩].\nوقد ورد في الحديث: \"إن الساعةَ تَهِيجُ بالناس والرجلُ يُصْلِحُ حوضَه، والرجل يسقي ماشيتَه، والرجل يقوِّمُ سلعته في السوق، والرجل يَخفضُ ميزانَه ويرفعُه\" (^٢).\n_________\n(^١) في (م): \"ولم\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٨٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٤)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٢٨). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٦١٠) عن قتادة عن النبي ﷺ مرسلًا. وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ رواه البخاري (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤).","vol":"4","page":203},{"text":"﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ أي: عن الساعة ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، حَفِيَ عن الشيء: إذا بالغ في السؤال عنه، والتركيبُ للمبالغة، ومنه إحفاءُ الشارب، واحتفاءُ (^١) البقل: استئصاله، وأحفى في المسألة: إذا أَلْحفَ، فالمعنى: عالمٌ بها علمًا متقَنًا لأن مَن بالَغَ في المسألة عن الشيء استَحْكَم علمُه [فيه] وأَتقن، ولهذا عُدِّي بـ (عن)؛ أي: كأنك بليغ في السؤال عنها حتى أحكَمْتَ علمَها.\nوقرئ: (حفيٌّ بها) (^٢)؛ أي: عليمٌ بليغ في العلم بها.\n﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كرَّره بتكرير ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ لِمَا نِيطَ به من زيادةِ قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ للتأكيد والمبالغة.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ (^٣) علمَها عند الله تعالى لم يؤتهِ أحدًا مِن خَلْقه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1142\"> </span>(١٨٨) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: جلبَ نفعٍ ودفعَ ضرٍّ، وهو إظهار العبودية، وتبرّأ عما يختصُّ بالربوبية من علم الغيب؛ أي: كسائر المماليك والعبيد لا أملك لنفسي شيئًا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ من ذلك فيُلهمني إياه ويوفِّقني له.\n﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: ولو كنت أعلمه\n_________\n(^١) في (ف): \"وإخفاء\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ١٨٤).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٧) عن ابن مسعود، و\"المحتسب\" (١/ ٢٦٩).\n(^٣) في (ف): \"أي\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٤).","vol":"4","page":204},{"text":"لخالفت حالي (^١) ما هي عليه؛ من استكثار الخير باجتلاب المنافع، والاستخلاصِ عن الشر باجتناب المضارّ، كما هو مقتضى طبع البشر.\nوفيه دلالة على أنه لا تأثير للتدبير، وإلا لمَا أَمكن التعبير (^٢) بالتدبير على تقدير العلم بأسباب النفع والضر فتدبر، فإنه موضع النظر.\nعن ابن عباس ﵄: قال أهل مكة: ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ، فنشتريَ فنربح، وبالأرض التي تريد أن تُجدب فنرحلَ عنها إلى ما أخصب؟ فنزلت (^٣).\n﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: إلا عبد أرسلت بشيرًا ونذيرًا.\n﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ متعلِّق بالبشير، ومتعلَّق النذير محذوف للتعميم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢]، والقوم مختصٌّ بالرجال فالبشارةُ عبارةً تختصُّ بهم، ودلالةً تعمُّ النساء حيث علِّلت بالإيمان، فإن ترتيب أمرٍ بموصوفٍ (^٤) يدل على علِّيَّة الوصف له، وفيه تحريضٌ للكفار على الإيمان.\n* * *\n_________\n(^١) في النسخ: \"حال\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٨٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٥).\n(^٢) في (ف): \"التغيير\". وفي (ك): \"التغير\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٣١٣)، و\"البسيط\" للواحدي (٩/ ٥٠٧)، و\"تفسير البغوي\" (٢/ ٢٥٦)، و\"زاد المسير\" (٢/ ١٧٦) عن ابن عباس، و\"تفسير أبي الليث\" (١/ ٥٧٣)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٢٨)، عن الكلبي، ولعل الوارد عن ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه. وجاء في أكثر المصادر: (.. فتشتري فتربح .. فترحل ..) بتاء المخاطب.\n(^٤) في (ف): \"بموصوفه\".","vol":"4","page":205},{"text":"<span id=\"aya-1143\"> </span>(١٨٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هو آدم.\n﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾: من جنسها؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢].\n﴿زَوْجَهَا﴾: حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ سكونَ الشيء إلى جنسه، فيأنسَ بها ويطمئنَّ إليها، وإنما ذكَّر الضمير ذهابًا إلى المعنى، ليبيِّن أن المراد منها آدم، ويؤكِّدَ معنى الأنس والميل؛ لأن الذَّكر بالأنثى آنسُ وإليها أميلُ، وليناسب (^١) قوله:\n﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ التغشِّي كنايةٌ عن الجماع ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا﴾ الحمل بالفتح: ما كان في البطن (^٢)، وبالكسر: ما كان على ظَهر.\n﴿خَفِيفًا﴾ لكونه نطفةً، أو خفَّت عليها ولم تَلْقَ منها ما يلقى الحبالى غالبًا من الكرب والأذى.\n﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فقامت به وقعدت، أي: تردَّدت به لخفَّته كما لم تكن تحبل، واستمرت به كما هو قراءةُ ابن عباس ﵄ (^٣)؛ أي: لم تزلق ولم تسقط (^٤) ولم تجزع.\n_________\n(^١) في النسخ: \"ليناسب\" دون واو، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٨٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٥).\n(^٢) في (ف): \"بطن\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٧٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٨٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٨٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٤١).\n(^٤) في (م) و(ك): \"تسقط\".","vol":"4","page":206},{"text":"وقرئ بالتخفيف (^١)، أي: فشَكَّت فيما أصابها: هل هو حملٌ أو مرض أو غيرهما؟\nوقرئ: (فمارَتْ به) (^٢)؛ أي: جاءت وذهبت وتصرَّفت؛ كما تقول: مارت الريح مورًا (^٣).\n﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: صارت ذات ثِقْلٍ بكِبَر الولد في بطنها؛ أي: حان وقتُ وضعه.\nوقرئ: (أُثْقِلَتْ) على البناء للمفعول (^٤)؛ أي: أثقلها الحملُ.\n﴿دَعَوَا اللَّهَ﴾ الضميرُ لآدم وحواء.\n﴿رَبَّهُمَا﴾: مالكَ أمرهما، ومتعلَّق الدعاء محذوف يدلُّ عليه جملة جواب القسم.\n﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾؛ أي: دَعَوَا الله ورَغِبَا إليه في أن يؤتيهما ولدًا سويًا قد صَلح بدنُه وكَمل خلقتُه.\n_________\n(^١) أي: (فمَرَتْ به)، نسبت لابن عباس وأبي العالية ويحيى بن يعمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٦٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٨٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٨٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٤٠).\n(^٢) نسبت لعبد الله بن عمرو بن العاص والجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٧ - ٤٧)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٧٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٨٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٨٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٤٠).\n(^٣) وجعله الزمخشري مع المخففة - أي: (فمَرَتْ به) - من معنى واحد، فقال: (من المرية، كقوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ و﴿أَفَتَمْرُونه﴾، ومعناه: فوقع في نفسها ظن الحمل، فارتابت به). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٨٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٤٠).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٨٦)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٤١).","vol":"4","page":207},{"text":"﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لك على نعمائك، ويدخل فيه دخولًا أوليًا الشكرُ على هذه النعمة المجدَّدة (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1144\"> </span>(١٩٠) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا﴾ أي: جعل أولادهما ﴿لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أي: أتى أولادهما فسمَّوا عبدَ العُزى وعبدَ منافٍ، على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nوكون الخطاب لغير آدم ﵇ يأباه قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.\nوقرئ: ﴿شِرْكًا﴾ (^٢)؛ أي: شركةً بأن أَشركا فيه غيرَه، أو: ذوي شرك؛ أي: شركاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1145\"> </span>(١٩١) - ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.\n﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ الاستفهام بمعنى التوبيخ ﴿مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (هم) ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها (^٣) آلهةً.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"المحدودة\"، ولعله تحريف، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٥).\n(^٢) هي قراءة نافع وأبي بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٥).\n(^٣) في (م): \"إياه\".","vol":"4","page":208},{"text":"<span id=\"aya-1146\"> </span>(١٩٢) - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.\n﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي: لعبدتهم ﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ فيدفعون (^١) عنها ما يعتريها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1147\"> </span>(١٩٣) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: المشركين ﴿إِلَى الْهُدَى﴾: إلى الإسلام ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾.\nوقيل: الخطاب للمشركين، و(هم) ضمير الأصنام؛ أي: إن تدْعوهم إلى أن يهدُوكم لا يتَّبعوكم إلى مرادكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله تعالى.\nوقرئ: ﴿لا يَتْبِعوكم﴾ بالتخفيف (^٢).\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ قد مر ما يتعلق به في تفسير سورة البقرة ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ إنما لم يقل: أم صمتُّم؛ لأن المراد أن يقال: سواءٌ عليكم أأحدثتُم الدعاء أم أنتم على ما أنتم عليه من عادةِ الصمت عن دعائهم فإنهم جماداتٌ، وهو حَسَبَ حالهم لأنَّه إذا دَهمهم (^٣) أمرٌ دعوا الله دون الأصنام؛ كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨] وفيه مبالغةٌ في عدم إفادة الدعاء من حيث هو مسوًّى بدوام الثبات على الصمات.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"فيرفعون\".\n(^٢) هي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٥).\n(^٣) في (م): \"همهم\".","vol":"4","page":209},{"text":"<span id=\"aya-1148\"> </span>(١٩٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعبدونهم وتسمُّونهم آلهة ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ من حيث إنها مملوكةٌ مسخَّرة، وإنما سمى الأصنام عِبادًا لأنهم كانوا يعتقدون أنها تَضرُّ وتنفع.\n﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنها قادرة على النفع والضر.\nوقيل: ذلك استهزاءٌ بهم؛ أي: قُصارى أمرهم أن يكونوا أحياءً عقلاءَ، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضُل بينكم، ثم أَبطل أن يكونوا عبادًا أمثالهم (^١) بإثبات أنهم أعجزُ منهم، [فقال]:\n\n<span id=\"aya-1149\"> </span>(١٩٥) - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾.\n﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾. ويأباه الفصل بقوله: ﴿فَادْعُوهُمْ﴾ إلخ فإنَّ انتظامه مع سياق الكلام والتئامَه للمقام على الوجه الأول كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\nوقرئ: (إنِ الذين تَدْعون) بتخفيف (إنْ) ونصبِ (عبادًا) على أنها نافية عملت عملَ (ما) الحجازية فرفعت الاسم ونصبتِ الخبر، وفيه خلافٌ أجازه الكسائيُّ (^٢)\n_________\n(^١) في النسخ: \"أمثالكم\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٨٩)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٢) كما في \"الأزهية\" لأبي عبيد الهروي (ص: ٤٦)، و\"أمالي ابن الشجري\" (٣/ ١٤٤)، و\"مغني اللبيب\" (ص:٣٥).","vol":"4","page":210},{"text":"وأكثرُ الكوفيين، ومن البصريين ابنُ السَّرَّاج (^١)، والفارسيُّ وابنُ جِنِّي (^٢)، ومنعه الفرَّاء (^٣) وأكثر البصريين واختلف النقل عن سيبويه (^٤) والمبرد (^٥)، والصحيحُ أنه لغةٌ ثبت في النظم والنثر (^٦).\n_________\n(^١) في \"الأصول في النحو\" (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).\n(^٢) في \"المحتسب\" (١/ ٢٧٢). وذكره عنهما ابن مالك في \"شرح التسهيل\" (١/ ٣٩٣).\n(^٣) كما في \"الأزهية\" (ص: ٤٦)، و\"أمالي ابن الشجري\" (٣/ ١٤٤)، و\"مغني اللبيب\" (ص: ٣٥).\n(^٤) نقل عنه جواز الإعمال ابن مالك في \"شرح التسهيل\" (١/ ٣٩٣)، ونقله أيضًا السهيلي وأبو بكر بن طاهر كما ذكر أبو حيان في \"التذييل والتكميل\" (٤/ ٢٧٧ و٢٨٠). أما المنع فنقل عنه في \"المقتضب\" (٢/ ٣٦٢)، و\"الأصول في النحو\" (١/ ٢٣٥)، و\"الأزهية\" (ص: ٤٥)، و\"أمالي ابن الشجري\" (٣/ ١٤٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٨٩)، و\"مغني اللبيب\" (ص: ٣٥). والصواب أنه لم يرد في \"الكتاب\" أي تصريح بالجواز، والذين نقلوا عن سيبويه ذلك إنما اعتمدوا على تأويل بعض عباراته الواردة فيه، وهي تأويلات مردودة عند غيرهم من العلماء، بل نقل أبو حيان في \"التذييل والتكميل\" (٤/ ٢٧٧) عن ابن عصفور أن الذي يعطيه كلام سيبويه أنها لا تعمل، قال: (لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر)، كما يرجح الفول بالمنع عنه أن ممن نقله المبرد في \"المقتضب\" كما تقدم، وكان أعلم الناس في زمانه بكتاب سيبويه، وقد أخذه عن تلامذة أبي الحسن الأخفش تلميذ سيبويه، والذي كان كما قيل: الطريق إلى كتاب سيبويه. وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في حواشي \"البحر\" (١٠/ ٤٤٨)، وعنه نقل المؤلف هذا البحث.\n(^٥) نقل المنع عنه السهيلي كما ذكر أبو حيان في \"التذييل والتكميل\" (٤/ ٢٧٧). لكن كلامه في \"المقتضب\" (٢/ ٣٦٢) صريح في جواز الإعمال، ونقله عنه ابن السراج في \"الأصول في النحو\" (١/ ٢٣٦)، والهروي في \"الأزهية\" (ص: ٤٦)، وابن الشجري في \"أماليه\" (٣/ ١٤٤)، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٨٩)، وابن مالك في \"شرح التسهيل\" (١/ ٣٩٣)، وابن هشام في \"مغني اللبيب\" (ص: ٣٥).\n(^٦) سقط من (ف) قوله: \"والنثر\"، والمثبت من باقي النسخ و\"البحر\". قال أبو حيان: وقد ذكرنا ذلك مشبعًا في \"شرح التسهيل\". قلت: يعني كتابه \"التذييل والتكميل\" وقد ورد هذا البحث =","vol":"4","page":211},{"text":"﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ قرئ بكسر الطاء وضمها (^١)، وهما لغتان.\nوالبطش: الأخذُ بقوةٍ والقدرةُ على الإمساك، وبهذه الزيادة يكون الأخذ من خواصّ اليد من بين (^٢) الأعضاء، كما أن المشي بما فيه من الزيادة على مطلق الحركة يكون من خواصِّ الرجل، وإعادةُ أداة الاستفسار على وجه الإنكار دون أداةِ الجمع؛ للإشعار باستقلال انتفاءِ الكلِّ منهما في الإبطال والإثبات المذكورَين آنفًا.\n﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة فتقدَّر بـ (بل) والهمزة، وهو إضراب على معنى الانتقال لا على معنى الإبطال، وإنما هو تقرير على نفي كلِّ واحدة من هذه الجملة، وتوجه النفي إلى الوصف لأنهم كانوا يصوِّرون هذه الأعضاء للأصنام.\n﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ من بابِ وضعِ الظاهرِ موضعَ المضمَر للتهكُّم بعد إثبات عجزهم؛ أي: استعينوا بهم على الضر إليَّ.\n﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾؛ أي: بالِغوا فيما تقدرون عليه من مكروهي (^٣) أنتم وشركاؤكم.\n﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: فلا تهملوني (^٤) فإني لا أبالي بكم، وهذا غايةُ الوثوق على ولاية الله تعالى وحفظه، ولهذا قال بعده على سبيل التأكيد بـ ﴿إِنَّ﴾: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾\n_________\n= فيه (٤/ ٢٧٧ - ٢٨١)، وقد نقلنا بعضًا من كلامه قبل قليل.\n(^١) قرأ بضم الطاء أبو جعفر، وباقي العشرة بكسرها. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٤).\n(^٢) \"بين\" ليست في (ف).\n(^٣) في (ف): \"مكروه\". والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٦)، ومعنى (من مكروهي): من أذيتي ومضرتي. انظر: \"حاشية القونوي على البيضاوي\" (٨/ ٥٧٧). وجاء في نسخة من \"البيضاوي\": (من مكر أنتم وشركاؤكم). انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٢٤٦).\n(^٤) في (ك): \"تمهلوني\". وجاء في هامش (ف) و(م): \"من لم يتنبه لهذا قال في تفسيره: فلا تمهلوني. منه\".","vol":"4","page":212},{"text":"الآيةَ، لمَّا كان بلوغُهم إلى الغاية في بذل الجهد متراخيًا عن الاستعانة المذكورة عطَفه (^١) عليها بأداة التراخي، وكان عدم الإمهال مترتِّبًا (^٢) عليه صدَّره بأداة التعقيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1150\"> </span>(١٩٦) - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: ناصري وحافظي اللهُ الذي أكرمني بما نزال القرآن عليَّ (^٣) ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ومن عادته أنه يتولَّى الصالحين من عباده (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1151\"> </span>(١٩٧) - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله تعالى ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾؛ أي: إنهم عاجزون عن نصرة أنفسهم فضلًا عن نصرة غيرهم، أعاد بيان عجزهم لأن الأول للتقريع والثاني لتعميم (^٥) التعليل لعدم مبالاتهم فلا تكرار.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"عطف\".\n(^٢) في (ف): \"مرتبًا\".\n(^٣) وقع بعدها في النسخ زيادة: \"لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون أي أنهم عاجزون عن نصرة أنفسهم فضلًا\"، وليس هذا مكانها، وستأتي في محلها المناسب قريبًا.\n(^٤) في هامش (ف) و(م): \"قال البيضاوي [أي: زاد هنا بعد كلمة (عباده)]: فضلًا عن أنبيائه، وفيه: أن أعيان الأنبياء كيوسف وسليمان ﵉ طلبوا اللحوق بالصالحين والدخول في زمرتهم، فعبارة فضلًا لم تصادف محزها. منه\".\n(^٥) في (م) و(ك): \"لتتميم\".","vol":"4","page":213},{"text":"<span id=\"aya-1152\"> </span>(١٩٨) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ لأنها جمادٌ لا تحسُّ، وليس هذا موضعَ اشتباهٍ، بخلاف أمر النظر فإنهم صوَّروها بصورةِ مَن ينظر إلى مَن يواجهه، ولهذا قال:\n﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ والحال أنه لا قدرةَ فيهم على الإبصار، فليس ما تراه على الحقيقة.\nإنما تكرَّر القول في هذا وتردَّدت الآيات فيه لأنَّ أمر الأصنام وتعظيمِها كان متمكِّنًا من نفوس العرب في ذلك الزمان، ومستوليًا على عقولهم، فأطنب القول في ذلك من الله تعالى بهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1153\"> </span>(١٩٩) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.\n﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: السهلَ وما يتيسَّر (^٢) من أفعال الناس وأخلاقهم من غير كلفةٍ، ولا تطلب منهم الجهد وما يَشُقُّ عليهم من التكاليف، من العفو الذي ضدُّ الجَهد (^٣).\nأو: الفضلَ من صدقاتهم وما يسهل عليهم ويتيسر لهم، وذلك قبل وجوب الزكاة.\n﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: بالمعروف المستحسَن من الأفعال والأقوال والأحوال.\n﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: ولا تكافئ السفهاء بمثل سفَههم، ولا تمارِهم واحْلُم عنهم، وأعرض عن المذنبين.\n_________\n(^١) \"بهم\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف): \"تيسر\".\n(^٣) الجهد بالفتح: المشقة. انظر: \"مختار الصحاح\" (مادة: جهد).","vol":"4","page":214},{"text":"وهذه الآية جامعةٌ لمكارم الأخلاق، روي (^١) أنه ﵇ سأل جبريل ﵇ عن معنى هذه الآية، فقال: أَعطِ مَن حَرَمك، وصِلْ مَن قَطَعك، واعْفُ عمَّن ظَلَمك، وأَحْسِنْ إلى مَن أساء إليك (^٢).\nوقيل: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: \"يارب، كيف والغضب؟ \" فنزل قوله:\n\n<span id=\"aya-1154\"> </span>(٢٠٠) - ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (^٣). (إمَّا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و(ما) التي هي صلةٌ زائدةٌ، والنون للتأكيد.\nوالنزغ: الإزعاج بالتحريك إلى الشر؛ أي: اعترَض لك الشيطان بإفسادِ شيء من هذه الأخلاق التي أمرتك بها ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: فاعْتَصِم (^٤) به من الشيطان الرجيم.\n﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لكلامك ﴿عَلِيمٌ﴾ بمَرامك، كناية عن الاستجابة.\n* * *\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"وروي\".\n(^٢) رواه بنحوه ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله ﵄، كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٢٨). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٤٣) من طريق سفيان بن عيينة عن رجل قد سماه، ومن طريق سفيان عن أُميٍّ الصيرفي، ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٦٣٨) من طريق سفيان عن أميٍّ عن الشعبي، وكل هذه مرسلات كما قال ابن كثير عند تفسير الآية، وزادة \"وقد روي له شواهد من وجوه أُخر\". قلت: له شاهد من حديث عقبة بن عامر ﵁ عند أحمد (١٧٤٥٢).\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٤٦) عن ابن زيد مرسلًا.\n(^٤) في (م) و(ك): \"فاستعصم\".","vol":"4","page":215},{"text":"<span id=\"aya-1155\"> </span>(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾: إن المؤمنين المتقين الله ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: إذا نالهم وسوستُه (^١).\nقيل: كأنه: طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثِّر [فيهم] (^٢).\nومبناه الغُفول عن دلالة المسِّ على التأثير (^٣).\nوقرئ: (طَيْفُ) (^٤)، والطَّيف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارض الشيطان.\nوقرئ: (طيِّفُ) بتشديد الياء (^٥)، قال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيفُ: إذا ألمَّ به، وطاف عليهم يطوف، أي: دار (^٦). ومَن جعَل هذا من الطوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد، ثم خُفِّف كالهيْن والهيِّن.\nوالمراد من الشيطان الجنس ولذلك جُمع ضميره.\n﴿تَذَكَّرُوا﴾ ما أَمر الله به ونهَى عنه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ بسبب التذكُّر مواقعَ الخطأ (^٧) ومكائدَ الشيطان، فيحترزون عنها ولا يتَّبعونه فيها.\n_________\n(^١) في (م): \"وسوسة\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٤٧)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) في (ف) و(ك): \"التأثر\".\n(^٤) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٥).\n(^٥) تنسب لسعيد بن جبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٦٣).\n(^٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٣٩٦).\n(^٧) في (ف): \"الخطاب\".","vol":"4","page":216},{"text":"والآية تقريرٌ لِمَا تقدَّم، وما فيه من وجوب الاستعاذة عند نزغ الشيطان، وبيانٌ أن المتقين عادتُهم إذا أصابهم أدنى نزغٍ وإلمامٍ (^١) بوسوسته (^٢) أن يستعيذوا ويتذكَّروا قبل أن يصير خاطرًا وجالت فيه النفس بالفكر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1156\"> </span>(٢٠٢) - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.\n﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ﴾، أي: إخوان الشياطين الذين لم يتَّقوا يمدُّهم الشياطين (^٣) ﴿فِي الْغَيِّ﴾ بالتزيين والحمل عليه.\nوقرئ: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ (^٤) من أَمَدَّ.\nو: (يُمادُّونهم) (^٥) كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء، وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال.\n﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: لا يمسكون عن إغوائهم حتى يَردُّوهم، وهذا أشدُّ من الأول، ولهذا عطف عليه ﴿ثُمَّ﴾ (^٦) المستعارة للتراخي في الرتبة.\nويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين، والضمير المضاف إليه للجاهلين،\n_________\n(^١) في (ف): (والأمر)، وفي (ك) (م): \"والام\"، وكلاهما تحريف، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٩١).\n(^٢) في (م) و(ك): \"بوسوسة\".\n(^٣) في (م): \"الشيطان\".\n(^٤) هي نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٥).\n(^٥) تنسب للجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨)، و\"المحتسب\" (٢/ ٢٧١). و\"البحر\" (١٠/ ٤٦٧).\n(^٦) في (م) و(ك): \"بثم\".","vol":"4","page":217},{"text":"فيكون الخبر جاريًا على ما هو له، والأول أوجه لأن ﴿إِخْوَانُهُمْ﴾ في مقابلة ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1157\"> </span>(٢٠٣) - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ من القرآن أو مما اقترحوه.\n﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: هلا جمعْتَها افتراءً وتقوُّلًا مِن عند نفسك؛ لأنهم كانوا يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣].\nأو: هلَّا أخذتَها مقترَحة، من جبَاهُ: إذا جمعه، أو من جُبي إليه فاجتباه، أي: أخذه.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لستُ بمختلِقٍ للآيات، أو لستُ بمقترحٍ لها.\n﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هذا القرآن بصائر للقلوب بها يُبصَر الحقُّ ويُدرك الصواب.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قد سبق تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1158\"> </span>(٢٠٤) - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ لمَّا ذَكر أن القرآن بصائرُ وهدًى ورحمةٌ أمر باستماعه إذا شُرِع في قراءته، وبالإنصات وهو السكوت مع الإصغاءِ إليه؛ لأن ما اشتمل على تلك الأوصاف حريٌّ بأنْ يُصغى إليه حتى يحصل منه للمنصِت المستمِع هذه النتائجُ العظيمة، فيَستبصِر من العمى وَيهتدي من الضلال، ويُرحم بها.","vol":"4","page":218},{"text":"وقيل: نزلت في الصلاة، كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة القرآن والإنصاتِ له (^١).\nوإطلاق الأمر يقتضي وجوبهما حيث يُقرأ القرآن مطلقًا، وعامةُ العلماء على استحبابهما خارج الصلاة، وفيه إشكال إذ حينئذ يلزم الجمع بين مَعْنييِ الأمر، ويمكن أن يقال: إنه جائز عند اختلاف المحل على ما ذهب إليه العراقيون من أصحابنا.\nوعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قرأ في المكتوبة، وقرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية (^٢).\nومن هنا اتَّضح وجه احتجاج مَن لا يرى القراءة على المأموم بها، وأمَّا قولُ مَن قال: إنها في الخطبة، فضعيفٌ؛ لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد الهجرة.\nبقي هنا دقيقة أنيقة (^٣) لا بد من التنبيه عليها: وهو أن الإنصات مقدِّمة الاستماع فحقُّه أن يقدَّم في الذكر، وإنما أُخر هنا اهتمامًا لشأنه، وإخراجًا له عن حيِّز الإتْباع إلى حدِّ الاستقلال، وتنبيهًا على أنه مقصودٌ بالذات ومأمورٌ به أصالةً حتى لو كان في مجلس القراءة نائيًا عن القارئ، فحقه أن ينصت وإنْ لم يتيسَّر له الاستماع؛ تعظيمًا لشأن القرآن، وإحرازًا لإحدى الفضيلتين (^٤)، ولو قُدم الإنصات لتَبادَر إلى الفهم أن الأمر به لمصلحة الاستماع فلا يجب بدونها.\n* * *\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٥٨ و٦٥٩) عن ابن مسعود وأبي هريرة ﵄.\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٦٤).\n(^٣) في (م): \"أنيقة دقيقة\".\n(^٤) في (ك): \"الفضلين\".","vol":"4","page":219},{"text":"<span id=\"aya-1159\"> </span>(٢٠٥) - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\n﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ عامٌّ في جميع الأذكار؛ من القراءة والدعاء والتهليل والتسبيح وغيرها؛ لأن الإخفاء في النفس أَدخَلُ في الإخلاص والخشوع.\n﴿تَضَرُّعًا﴾ باللسان ﴿وَخِيفَةً﴾ بالقلب (^١)، مفعول من أجْله؛ أي: لتَضرُّعٍ وخِيفةٍ، أو مصدران منصوبان على الحال؛ أي: متضرِّعًا وخائفًا (^٢).\n﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ معطوف على قوله: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أي: ذكرًا في نفسك، وذكرًا دون الجهر، أو على ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: وقائلًا قولًا دون الجهر، ولهذا جعل قوله: ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾ بيانٌ (^٣) للجهر.\n﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: بأوقاتِ الغدوِّ؛ أي: غَدَوات، لمقارنة (الآصال)، وهي جمع أصيلٍ كاليمين والأيمان، وقيل: جمعُه: الأُصُل، وجمعُ الأُصُل: الآصال.\nوقرئ: (والإيصال) (^٤) من آصَلَ: إذا دخل في الأصيل (^٥)، وهما عبارةٌ عن الليل والنهار، والمراد به الذكرُ على الدوام.\nلمَّا أمر تعالى بالذكر أكَّد ذلك بالنهي عن ضدِّه فقال:\n_________\n(^١) \"بالقلب\": ليست في (م).\n(^٢) في (م) و(ك): \"وخافيًا\".\n(^٣) كذا في النسخ، والصواب: (بيانا).\n(^٤) نسبت لأبي مجلز لاحق بن حميد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ١٩٢)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٧٤). ووقع في النسخ: \"بالإيصال\"، والتصويب من المصادر.\n(^٥) في النسخ: \"بالإيصال\"، والتصويب من \"الكشاف\" (٢/ ١٩٢)، و\"البحر\" (١٠/ ٤٧٤).","vol":"4","page":220},{"text":"﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، خاطبه ﵇ والمرادُ نهيُ أمَّته عنها بأبلغ وجهٍ؛ أي: لا تقتدوا بالغافلين لكنْ بالملائكة الذين لا يغفلون، وذلك قوله تعالى:\n* * *\n\n<span id=\"aya-1160\"> </span>(٢٠٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هم الملائكة المقرَّبون، و﴿عِنْدَ﴾ بيانُ قرب الكرامة دون المكان، فإن الله تعالى يتعالى عن ذلك.\n﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ كما أن الاستكبار مقدِّمةُ العصيان، كذلك عدمُه مقدِّمةُ الطاعة.\nثم ذكر الطاعة القلبية - وهو التنزيهُ والتطهير عن جميع ما لا يليق بذاته المقدَّسة - بقوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ والطاعةَ القالبيةَ - وهي الحال التي يكون العبد فيها أقرب إلى الله تعالى - بقوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وتقديم (له) للاختصاص؛ أي: ويخصُّونه بالعبادة لا يشركون به، وهو تعريضٌ بمَن عَدَاهم من المكلَّفين، ولذلك شُرع السُّجودُ لقراءته.\n* * *","vol":"4","page":221},{"text":"<span data-type='title' id=toc-72>سُورَةُ الأَنفَالِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1161\"> </span>(١) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: جمع نَفْلٍ، وهو الغنيمة، وأصله الزِّيادة، ومنه نوافل العبادات، وإنَّما سُمِّيَتِ الغنيمة نفلًا لأنها زيادةٌ على القيام بالجهاد وحمايةِ الحَوْزَة والدُّعاء إلى الله تعالى، وعبارةُ ﴿عَنِ﴾ صريحه في أن السُّؤال سؤالُ الاستفتاء، فالمطلوب بيانُ حكمِها.\nوقرئ بدون ﴿عَنِ﴾ (^١)، فيكون السُّؤالُ سؤالَ استعطاءٍ (^٢)، وما يشترطه (^٣) الإمامُ لمن يقتحم خطرًا زائدًا على سهمه يُسمَّى أيضًا نفلًا، فالمعنى: يسألك المقتحِمون للخطر ما شرطْتَ لهم.\nوقرئ: (عَلَّنْفَال) (^٤) بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على اللام وإدغام نون ﴿عَنِ﴾ فيها.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٧٢).\n(^٢) في (م) و(ك): \"الاستعطاء\".\n(^٣) في (م): \"يشترط\".\n(^٤) تنسب لابن محيصن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨).","vol":"4","page":225},{"text":"﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: حكمُها مختصٌّ بالله ورسوله، يأمر (^١) اللهُ تعالى رسولَه ﵇ بقسمتها على مقتضى حكمته، ويمتثلُ (^٢) الرَّسول ﷺ أمره تعالى فيها، فيقسمُها على حسب أمرِه، ليس لأحد فيها حكم.\nوسببُ نزوله اختلافُ المسلمين في غنائم بدر؛ أنها كيف تقسم؟ ومَنْ يقسمُ المهاجرون منهم أو الأنصار؟\nوقيل: شرَط رسولُ الله ﷺ لمن كان له غَناءٌ أن ينفلِّه، فتَسارعَ شبَّانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلَهم، وكان المال قليلًا، فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرَّايات: كنا رِدْءًا لكم، وفئةً تنحازون إليها، فنزلت (^٣).\nوعلى هذا يكون ما شُرِعَ بالسُّنَّةِ منسوخًا بالكتاب قبل العمل به، فلا متمسَّكَ فيه للشافعي ﵁ في أنه لا يلزم الإمامَ أن يفي بما وعدَ.\nوعن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية نزلَتْ أوَّلًا، فصارت الأنفال لرسول الله ﷺ، ثم نزلت: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، فقسَم الله تعالى ذلك الخمسَ لرسوله ولمن سمَّى (^٤) فيها (^٥).\nويوافق هذا ما رُوي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه قال: نزلَتْ فيَّ هذه\n_________\n(^١) في (ف): \"بأمر\".\n(^٢) في النسخ: \"وتمثيل\"، والصواب المثبت.\n(^٣) رواه أبو داود (٢٧٣٧) عن ابن عباس ﵄، وانظر: \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٦٨)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٣١).\n(^٤) في (ف): \"يسمى\".\n(^٥) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٤٨٣)، وأبو عبيد في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص: ٣٤٢)، والطبري في \"تفسيره\" (٩/ ١٧٥).","vol":"4","page":226},{"text":"الآية، وذلك أنَّه لما كان يومُ بدرٍ قُتل أخي عمير وقتلتُ سعيد بن العاص، وأخذت سيفه فأتيت به رسول الله ﷺ واستوهبتُه منه، فقال: ليس هذا لي ولا لك، فاطرحه في القَبَضِ، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سَلَبي، فما جاوزت إلا قليلًا حتى نزلَتْ سورةُ الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: \"سألْتني السَّيفَ وليس لي، بيانه قد صار لي فاذهب (^١) فخذه\" (^٢).\nوعلى هذا يكون المعنى: الأنفال للرَّسول، ويكون ذكر الله تمهيدًا؛ لتعظيم شأنه ﵇، والتنبيهِ (^٣) على أنه ﵇ يتصرَّف فيها على ما يرتضيه تعالى، وتقتضيه الحكمة (^٤).\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الاختلاف والتَّخاصم، وكونوا متحابِّين متآخين في الله.\n﴿وَأَصْلِحُوا﴾ بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى وتفضَّلَ به عليكم، وتسليمِ أمرِه إلى اللهِ والرَّسولِ.\n﴿ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ذات البين: هي (^٥) الأحوال التي تقع بين النَّاس؛ أي: بينكم من الأحوال، ولمَّا كانت ملابِسةً للبَيْن قيل لها: ذات البين، بالإضافة كقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، أي: مضمَراتها من السرائر.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في تفويض أمركم إليهما والتسليمِ لحكمهما.\n_________\n(^١) \"فاذهب\" سقط من (ك).\n(^٢) رواه بنحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٥٥٦)، وأصل الحديث رواه مسلم (١٧٤٨).\n(^٣) في (ف): \"وللتنبيه\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"ويقتضيه الحكم\".\n(^٥) في (ف): \"هي من\".","vol":"4","page":227},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيمانًا يُعتدُّ به، قد جعلَ التَّقوى وطاعةَ اللّهِ ورسولِه وإصلاحَ ذاتَ البَيْنِ من لوازم الإيمان وشرائطه؛ إيذانًا بأنَّ كمالَ الإيمان موقوفٌ عليها، حتى إذا فُقِدَتْ كانَ كَلَا إيمانٍ، كما تقول: إن (^١) كنت من الرجال فأوفِ بعهدك، تشير إلى لزوم الوفاء للرُّجولية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1162\"> </span>(٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\nواللام في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إشارةٌ إليهم، والمراد: الكاملون في الإيمان، والدلالة عليه قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، كأن غيرهم ليسوا بمؤمنين حقيقةً.\n﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرغَتْ لِذِكْرِه؛ استعظامًا له، وتهيُّبًا من جلاله، فلا يخالفونه في أمره، وقيل: هو الرَّجل يهمُّ بمعصيته، فيقال: اتقِ الله، فيفزع عنه خوفًا من عقابه.\nوقرئ: (وَجَلَتْ) بالفتح (^٢)، وهي لغة فيه، و(فَرِقَتْ) (^٣)؛ أي: خافت.\n﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: يقينًا وطمأنينةَ نفسٍ، فإنَّ للإيمان مراتبَ في القوَّة والضَّعف، ورسوخُ اليقين إنما هو بتظاهُر الأدلة (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"لأن\".\n(^٢) نسبت ليحيى وأبي واقد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٨).\n(^٣) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ١٩٦)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ١٣).\n(^٤) انظر: \"تفسرِ البيضاوي\" (٣/ ٤٩)، وفيه: ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة، أو بالعمل بموجبها، وهو =","vol":"4","page":228},{"text":"وقيل: لزيادة المؤمَن به، ويلزمه تخصيص الآيات بالتي تُلِيَتْ أوَّلًا.\nوقيل: وبالعمل بموجبها على قوِل مَن قال بدخول العمل في الإيمان، ويلزمه تخصيصًا بالتي يتعلق بالأعمال زيادة على التَّخصيص الأوَّل، فتأمَّل.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في تقديم الجار والمجرور على الفعل إشارةٌ إلى أنَّ المؤمنين بالإيمان الكامل حقُّهم أن لا يفوِّضوا أمورَهم إلَّا إليه، ويسلِّموا تسليمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1163\"> </span>(٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قد مرَّ تفسيره في أوائل (^١) (سورة البقرة).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1164\"> </span>(٤) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قد جمع في الآية بين أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل وبين أعمال الجوارح من الصلاة والزكاة؛ لأنَّ الظاهرَ عنوانُ الباطن، والباطنُ أساسُ الظَّاهر، وكما أن الثلاثة الأُوَل أصولُ الأعمال القلبية وملاكُها، فالأُخريان أصول الأعمال القالبية وعيارُها، فهي مستتبعةٌ لسائرها.\n﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ مؤكَد لِمَا تقدَّم؛ أي: حَقَّ ذلك حقًّا، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إيمانًا حقًّا.\n_________\n= قول من قال: الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه.\n(^١) في (م) و(ك): \"أول\".","vol":"4","page":229},{"text":"﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: كرامةٌ وعلوُ منزلةٍ ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لِمَا فرَطَ منهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أُعِدَّ لهم في الجنَّة، لا ينقطعُ عددُه، ولا ينتهي أمدُه.\nلمَّا تقدَّمَتْ ثلاثُ صفاتٍ: قلبية وقالبيَّة وماليَّة، يترتَّبُ عليها ثلاثةُ أشياء، فقُوبلَتِ الأعمالُ القلبيَّة بالدَّرجات، والقالبيَّةُ بالغفران، والماليَّةُ بالرِّزق الكريم.\nقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بالمعطوفَين، كـ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقد مرَّ بيانُه في تفسير (سورة الأنعام).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1165\"> </span>(٥) - ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.\n﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ في محلِّ الرَّفع خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هذه الحالُ كحالِ إخراجك للحراب في كراهتهم إيَّاها (^١).\nأو في محلِّ النَّصبِ صفةً لمصدر الفعل المقدَّر في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ أي: الأنفال ثبتَتْ للهِ والرَّسول مع كراهتهم ثباتًا مثلَ ثباتِ إخراج ربك ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ - بالمدينة، أو المدينةِ نفسها؛ لأنها في اختصاصها به من حيث إنها مسكنه ومهاجَرُه كاختصاص البيت بصاحبه - مع كراهتهم إيَّاه.\n﴿بِالْحَقِّ﴾ صفةٌ للمصدر (^٢)؛ أي: إخراجًا ملتبِسًا بالحق.\n﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ حال؛ أي: أخرجَكَ في حال كراهتهم.\nوفيه دلالة على أن كراهة الإخراج إنما كانت من بعضهم.\n_________\n(^١) في (ف): \"إياهما\".\n(^٢) في (ف): \"المصدر\".","vol":"4","page":230},{"text":"وسببُ إخراجِه أنَّ عيرَ قريشٍ أقبلَتْ من الشام فيها تجارةٌ عظيمةٌ، وفيها أربعون راكبًا، فأَخبرَ جبريلُ رسولَ الله ﷺ، فأَخبرَ المسلمين، فأعجبهم تلقِّي العير؛ لكثرة الخير، وقلَّة القوم، فلما خرجوا بلغَ الخبرُ أهل مكَّة، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكَّة، النَّجاءَ النَّجاءَ، على كلِّ صَعبٍ وذَلولٍ، عيرَكم أموالَكم، إنْ أصابَها محمَّدٌ لن تفلحوا بعدَها أبدًا.\nفخرج أبو جهل بجميع أهل مكَّة - وهو (^١) النفير في المثل السائر: لا في العير ولا في النَّفير (^٢) - فقيل [له]: إنَّ العيرَ أخذَتْ طريقَ السَّاحل ونجَتْ، فارجعْ بالنَّاس إلى مكَّة، فقال: لا والله لا يكون ذلك أبدًا حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ببدر، فيتسامعَ جميعُ العرب بمخرجنا، وأنَّ محمدًا لم يُصبِ العيرَ، وأنَّا أعضضناه (^٣)، فمضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسُوقهم يومًا في السنة.\nوكان رسول الله ﷺ بوادي دفران، فنزل جبريل ﵇ بالوعد بإحدى الطَّائفتين؛ إمَّا العير وإمَّا النَّفير (^٤)، فاستشار فيه أصحابه ﵃ فقال بعضهم:\n_________\n(^١) في \"الكشاف\" (٢/ ١٩٧): \"وهم\"، وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٢) قوله: \"لا في العير ولا في النفير\": قال المفضل: أول من قال ذلك أبو سفيان بن حرب حين انصرف بنو زهرة إلى مكة: يا بني زهرة، لا في العير ولا في النفير! عني بالعير: عمر قريش التي أقبلت مع أبي سفيان من الشام، وبالنفير: من خرج من المشركين لاستنقاذها من أيدي المؤمنين، وكان ببدر ما كان. قال الأصمعي: يضرب للرجل يحط أمره ويصغر قدره. انظر: \"فتوح الغيب\" للطيبي (٧/ ٢٣).\n(^٣) قوله: \"أعضضناه\" أي: استخففنا به وشتمناه، وهي شتيمة عند العرب يريدون بها: عضضت بظر أمك، ومنه قول أبي جهل لعتبة يوم بدر: لو غيرك يقول هذا أعضضته، أي: شتمته. انظر المصدر السابق.\n(^٤) في (م) و(ك): \"قريش\".","vol":"4","page":231},{"text":"هلَّا ذكرْتَ لنا القتال حتى نتأهَّب له، إنَّا خرجنا للعير. وهم المراد من الفريق المذكور، وتمام القصة يطلب من كتاب السِّير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1166\"> </span>(٦) - ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.\n﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ يحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في ﴿لَكَارِهُونَ﴾ ويحتمل أن يكون استئنافَ إخبارٍ.\nوجدالهم: قولهم: ما كان خروجنا إلَّا للعير، ولو عرفنا لاستعدَّينا للقتال.\nوالحقُّ هنا: نصرة دين الإسلام بالجهاد.\n﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعدَ تَبيُّنِه بإعلام الرَّسول أنَّهم ينصرون، وهذا أبلغ في الإنكار لجدالهم.\n﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حال؛ أي: يجادلونك مُشْبِهين مَنْ يُساق إلى الموت.\n﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ حال من ضمير ﴿يُسَاقُونَ﴾، شبَّه حالهم في شدَّة فزعهم وفَرْطِ رعبهم لقلَّة عَدَدِهم وعُدَدهم بحالِ مَن يُساق بالذُّل والصَّغار إلى القتل المتيقَّن، وهو مشاهِدٌ لأسبابه، ناظِر إليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1167\"> </span>(٧) - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ على إضمار (اذكر)، و﴿إِحْدَى﴾ ثاني مفعولي ﴿يَعِدُ﴾، وقد أُبدل عنها ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ بدلَ الاشتمال.","vol":"4","page":232},{"text":"﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ هي العير؛ لأنَّه لم يكن فيها إلا أربعون فارسًا، وكانوا يكرهون النَّفْر لشوكتهم بكثرة العَدَد ووفرة العُدَد.\nوالشَّوكة: الحِدَّة، استُعيرَتْ في الأصل من واحد الشَّوك، فقلبت في كلِّ قوَّة وحدَّة، ومنه: شائك السِّلاح.\n﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ أي: يثبِّته ويُعليَه (^١).\n﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بآياته المنزَلَة في محاربة ذات الشوكة، أو بأمر الملائكة بالنُّزول لنصرتهم، وبما قضى وقدَّر من قتلهم وأسرهم.\nوقرئ: (بِكَلِمَتِهِ) (^٢)؛ أي: بأمره.\n﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ يستأصلَهم، والدَّابر: الآخِر، مِنْ دَبَرَ: إذا أدبرَ، وإذا (^٣) قطعَ آخرهم لم يبق منهم أحد.\nوالمعنى: أنَّكم تتمنَّون أن تصيبوا مالًا ولا تلقوا مكروهًا، وهو من سَفْساف (^٤) الأمور، والله يريد إعلاء الدِّين وإظهار الحقِّ، وما فيه فوز الدَّارين، وهو من معالي الأمور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1168\"> </span>(٨) - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ متعلق بمحذوف، أي: فعَل ذلك، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بـ ﴿وَيَقْطَعَ﴾.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"ويغلبه\".\n(^٢) نسبت لمسلمة بن محارب. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩).\n(^٣) \"أدبر وإذا\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٤) في (ف) و(م): \"سفاق\".","vol":"4","page":233},{"text":"ويجب أن يُقدَّر الفعلُ مؤخَّرًا ليفيد معنى الاختصاص، وأنَّه ما فعلَ إلا لذلك.\nوليس بتكريرٍ؛ لأنَّ الأوَّل لبيان المراد وما (^١) بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الدَّاعي إلى حمل الرَّسول على اختيار ذات الشوكة ونصره عليها.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾ ذلك، الجملة في موضع الحال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1169\"> </span>(٩) - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.\n﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بدل من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (اذكرْ)، ويجوز أن يكون متعلِّقًا بقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾.\nواستغاثتُهم لأنهم لَمَّا (^٢) علموا أنَّه لا بدَّ من القتال أخذوا يَدْعون الله يقولون: أي ربِّ، انصرنا على عدوِّك، يا غِيَاث المستغيثين أَغِثْنا.\n﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أصله: بأني ممدكم، فحذف الجارَّ وسلِّط عليه (استجاب).\nوقرئ: (إنِّي) بالكسر (^٣)؛ إجراء للقراءة مُجرى القول.\n﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ بكسر الدال، من رَدِفه: إذا تبعه (^٤)، أي: مُتْبعين بعضُهم بعضًا المؤمنينَ ليحفظوهم، أو أنفسَهم المؤمنين، أو يتقدَّمونهم\n_________\n(^١) في (م): \"فيما\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥١).\n(^٢) في (م): \"أنهم\"، وفي (ك): \"أنهم لما\".\n(^٣) رويت عن أبي عمرو والمشهور عنه الفتح كقراءة الجمهور. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٤٨).\n(^٤) في (ف): \"اتبعه\".","vol":"4","page":234},{"text":"فيُتْبِعونهم أنفسَهم. أو من أردفته: إذا جئْتَ بعدَه؛ أي: متَّبعين بعضَهم بعضًا، أو متَّبعين المؤمنين (^١).\nوقرئ بفتح الدَّال (^٢)، بمعنى: مُتبعين؛ أي: كانوا مقدِّمة الجيش، ومُتْبَعين؛ أي: كانوا ساقَتَهم.\nوقرئ: (مردِّفين) بكسر الراء أو فتحها (^٣) وتشديد الدَّال (^٤)، وأصله: مُرْتَدِفين، بمعنى: مترادفين (^٥)، فأدغمت الدال في الفاء، فالتقى ساكنان، فحرِّكت الرَّاء بالكسر على الأصل، أو بالضم على الإتباع.\nوقرئ (بآلاف) (^٦)، فيوافق ما في (سورة آل عمران).\n_________\n(^١) للزمخشري والبيضاوي وشراحهما كلام كثير في تفسير هذه الكلمة وما فيها من الوجوه، وذلك من خلال التفريق بين معنى (اتَّبع) المشدد ومعنى (أَتْبع) المخفف اللذين يحتملهما (أردف)، وما تحتمله الآية من معاني على كل واحد منهما. انظر ذلك في \"حاشية شيخ زاده\" (٤/ ٣٦٧)، و\"حاشية الشهاب\" (٤/ ٢٥٦)، و\"حاشية القونوي\" (٩/ ٢٤)، وبهامشها \"حاشية ابن التمجيد\"، وكذلك \"روح المعاني\" (١٠/ ٣٨ - ٣٩). وملخصه كما قال أبو حيان في \"البحر\" (١١/ ٢٩): أنَّ اتَّبع مشددًا يتعدى إلى واحد، وأَتْبع مخففًا يتعدى إلى اثنين، وأردف أتى بمعناهما، والمفعول لـ (اتَّبع) محذوف، والمفعولان لـ (أَتْبع) محذوفان، فيقدر ما يصح به المعنى.\n(^٢) قرأ بها نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٦).\n(^٣) في (م): \"أو فتحها\".\n(^٤) بكسر الراء مع تشديد الدال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٧٣). وبفتح الراء مع تشديد الدال. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٩١)، و\"المحتسب\" (١/ ٦٠). وروي عن الخليل أنها بضم الراء إتباعًا لحركة الميم. انظر: \"البحر المحيط\" (١١/ ٢٨).\n(^٥) في (ف): \"مرادفين\"، و(ك): \"مردوفين\".\n(^٦) تحرفت في النسخ وفي مطبوع \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩) إلى: \"بالألف\"، =","vol":"4","page":235},{"text":"ووجهُ القراءة على التَوحيد إذا لم يفسَّر الإرداف بإتباع ملائكة آخرين (^١) أنَّ المرادَ بالألف: الذين كانوا على المقدِّمة أو السَّاقة، أو وجوههم وأعيانهم، والباقي أتباع لهم، أو مَن قاتل منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1170\"> </span>(١٠) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nواختُلف في مقاتَلتهم، وقد رُوي أخبار تدلُّ عليها، والظَّاهرُ من قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: الإمداد ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾: إلَّا بشارةً ﴿لَكُمْ﴾ بالنَّصر ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيزولَ ما بها من الوَجَل لقلَّتكم وعدم عُدَّتكم = أنهم لم يكونوا نازلين (^٢) للقتال.\nوللمخالِف أن يقول: إن الضمير في ﴿جَعَلَهُ﴾؛ لقوله: ﴿أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ فلا ينافي أن يكون نزولهم للقتال، والله أعلم بحقيقة الحال.\nوقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ عطٌ على ﴿بُشْرَى﴾ من جهة المعنى، والمراد به مطلق الحدث المدلول عليه ضمنًا على الاتِّساع، كما في قوله: تسمَعُ بالمُعَيديِّ\n_________\n=والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٥٠٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥١)، و\"البحر\" (١١/ ٢٨)، و\"الدر المصون\" (٥/ ٥٦٦)، وقد نص السمين على أنها على وزن: (أحمال).\n(^١) أي: إذا لم يفسر المردِفين بإرداف الملائكة ملائكة آخرين، والمردِّفين بارتدافهم غيرهم. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) في النسخ: \"تاركين\"، والصواب المثبت بدلالة السابق واللاحق، ويؤيده قول الألوسي في \"روح المعاني\" (١٠/ ٤٢): (وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالًا، وهو مذهب لبعضهم).","vol":"4","page":236},{"text":"خيرٌ من أن تراه، فالمعنى: إلا لبشارتكم ولطمأنينة قلوبكم.\n﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا من الملائكة ولا من المقاتلة، أي (^١): وما النَّصرُ بالملائكة وسائر الأسباب إلا من عند الله، والمنصورُ مَنْ نصرَه اللهُ تعالى.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: منيعٌ لا يُغالَب ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1171\"> </span>(١١) - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.\n﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ بدلٌ ثانٍ من ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ﴾؛ لإظهار نعمة ثالثة، أو منصوب بـ ﴿النَّصْرُ﴾ أو بما في ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو بما ﴿جَعَلَهُ﴾، أو بإضمار (اذكر).\nوقرئ بالتَّخفيف (^٢)، مِنْ أَغشَيْتَهُ الشَّيء: إذا غَشَّيْتَهُ إيَّاه (^٣)، والفاعل هو الله تعالى.\nوقرئ: ﴿يَغْشَاكُمُ﴾ بفتح الياء، ورفع ﴿النُّعَاسُ﴾ (^٤)، من غَشِيَ.\nوالنُّعاس: ابتداءُ حال النَّوم قبل الاستقلال.\n﴿أَمَنَةً﴾ مفعولٌ له من جهة المعنى؛ فإنَّ قولَه: ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾ يتضمَّنْ معنى تنعسون و﴿يَغْشَاكُمُ﴾ بمعناه، والأَمَنَةُ فعلٌ لفاعله.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أو\".\n(^٢) قرأ بها نافع. انظر: \"السبعة في القراءات\" (ص: ٢٨٢)، و\"جامع البيان في القراءات السبع\" للداني (٣/ ١١٣٥)، و\"النشر\" (٢/ ٢٧٦)، وسقطت هذه القراءة من مطبوع \"التيسير\".\n(^٣) أي: من الإغشاء بمعنى التغشية. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ٤٣).\n(^٤) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٦).","vol":"4","page":237},{"text":"﴿مِنْهُ﴾ صفة لـ ﴿أَمَنَةً﴾؛ أي: أمنًا لكم حاصلًا منه تعالى.\nويجوز أن يُراد بها الإيمان، فيكون فعلَ المغشيِّ، وأنْ يُجعَلَ على القراءة الأخيرة فعلَ النُّعاس على المجاز؛ لأنها لأصحابه، أو لأنَّه كان من حقَّه أن لا يغشاهم (^١) لشدَّة الخوف، فلما غَشِيَهم فكأنه حصلت له أمنة من الله تعالى لولاها لم يَغْشَهم، كقوله:\nيَهابُ النَّومُ أنْ يغشى عيونًا … تهابُكَ فهو نفَّارٌ شَرُودُ (^٢)\nوالمعنى: تنعسون في وقتٍ كان ما بكم من الخوف مانعًا من النَّوم، فأمَّنكم اللهُ فنعستم لأَمْنكم.\nوقرئ: (أَمْنَةً) كرحمة (^٣)، وهي لغة فيه.\n﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الحدَثِ والجنابة.\n﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: الجنابةَ؛ فإنها من تخييله ووسوسته إليهم، وتخويفهم من العطش والجنابة، وذلك أن الشَّيطان تمثَّل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المؤمنون في كثيبٍ أحمرَ تسوخُ فيه الأقدام على غير ماءٍ، وناموا فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمَّد تزعمون أنكم على الحقِّ، [وإنَّكم تصلون على غير وضوءٍ، وعلى الجنابة، وقد عطشتم، ولو كنتم على حقٍّ] (^٤) ما غلبكم هؤلاء على الماء، وما يَنتظرون (^٥) بكم إلا أن يجهدكم العطش،\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"يغشيهم\".\n(^٢) نسب البيت للزمخشري. انظر: \"فتوح الغيب\" (٧/ ٤٠)، و\"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٢٥٨)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٤٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٣)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٣٣).\n(^٤) ما بين معكوفتين زيادة من \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٣).\n(^٥) في (ك): \"ينظرون\".","vol":"4","page":238},{"text":"فإذا قَطع العطش أعناقكم مشَوا إليكم، فقتلوا مَنْ أحبُّوا (^١) وساقوا بقيتكم إلى مكَّة، فأشفقوا (^٢)، فأُنْزِلَ المطرُ، فمُطروا ليلًا حتى جرى الوادي، واتَّخذ رسول الله ﷺ وأصحابُه ﵃ الحِياضَ على عُدوة الوادي، وسقَوا الرِّكاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبَّد الرَّمل الذي كان بينهم وبين العدو، حتى ثبتت (^٣) فيه الأقدام، وزالت وسوسة الشيطان (^٤).\n﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾؛ أي: يشدَّها ويقوِّيَها بالسُّكون وحُسن الظَّن وزوالِ الاضطراب والارتياب.\n﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ أي: في مواقف الالتقاء للقتال.\nوالضمير في ﴿بِهِ﴾ للرَّبط؛ فإنَّ القلب إذا قويَ باليقين والوثوق بالله تعالى تثبتُ القدمُ في المعركة، وحينئذ يكون الثُّبوت من لوازم الرَّبط، ويظهر وجهُ عدم الفصل بينهما بإعادة أداة التعليل، كعدم الفصل بين التطهير والإذهاب المذكورين قبل هذا.\nوقيل: للمطر؛ فإن به يتلبَّد الرَّمل فلا تسوخ القدم فيه.\nوَيرِدُ عليه أنه حينئذ لا يكون الثُّبوت من لوازم الربَّط، فحقُّه أن يعاد فيه أداة التعليل.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"أجيدكم\"، و(م): \"احتداء\"، وفي (ك): \"أخذ\"، والمثبت من \"الكشاف\".\n(^٢) في (ف): \"فاستقوا\". وفي \"الكشاف\": (فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا).\n(^٣) في (ف): \"تثبتت\".\n(^٤) روى نحوه الطبري في \"التفسير\" (٩/ ١٩٥)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٧٨). وهذا السياق من \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤).","vol":"4","page":239},{"text":"<span id=\"aya-1172\"> </span>(١٢) - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.\n﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ وبدل ثالث، أو متعلق بـ (يثبِّت).\n﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أُعينكم في تثبيت المؤمنين، وهو مفعول ﴿يُوحِي﴾، وقرئ: (إنِّي) بالكسر (^١)؛ إجراء للوحي مجرى القول.\n﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم، فيكون قوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا﴾؛ إذ لا إعانة كإلقاء الرُّعب في قلوب الأعداء، أو نوع آخر من الإعانة.\nوالرُّعب: الخوف الذي علا القلب، من قولهم: رَعَبَ السَّيلُ الواديَ: إذا مَلأهُ (^٢)، أو يقطع القلبَ من ترعيبِ السَّنام، وهو تقطيعه.\n﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أعاليَها؛ أي: المذابحَ والرؤوس (^٣) والهامات.\n﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: أصابع؛ أي: الأطراف (^٤)؛ أي: حزُّوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.\nوزاد هنا عبارة ﴿كُلَّ﴾ المتعدِّد في الأطراف، والمراد: استيفاؤهم بالقطع، أمر الملائكة بأن يقتلوهم على وجهٍ لا يمتنعون على من (^٥) قصدَ أسرهم.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٤)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٣٨).\n(^٢) في (ف): \"ملأ\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"أو الرؤوس\".\n(^٤) في (م): \"أي أصابع الأطراف\"، وفي (ك): \"أي الأطراف\".\n(^٥) \"من\" سقط من (ف).","vol":"4","page":240},{"text":"وفيه دليل على أنهم قاتلوا، ومَن أنكره، قال: قوله: ﴿سَأُلْقِي﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ بَنَانٍ﴾ تلقينٌ لهم معنى تثبيتهم، كأنَّه قال لهم قولوا للمؤمنين قولي هذا، أو تفسير للخطاب بأن يكون ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطابَ الملائكة، والباقي خطابَ المؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1173\"> </span>(١٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إشارة إلى ما أصابَ الكفَّار من القتل والعقاب بسبب مُشاقَّتهم لله تعالى وللرسول ﵇، والخطاب للرسول ﵇، أو لكلِّ واحد (^١)، وهو أبلغ لدلالته على فظاعة الأمر، والمشاقَّةٌ مشتقَّة من الشَّقِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتعادِين في شَقٍّ خلاف شَقِّ الآخر، كالمعاداة من العدوِّ، والمخاصمة من الخَصْمِ، وكلاهما الجانب.\n﴿يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ تقريرٌ للتَّعليل ووعيدٌ لهم بما أُعِدَّ لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدُّنيا بسبب المشاقَّة، ومَنْ شاقَّ فلا يقتصر (^٢) على هذا، فإنَّ اللهَ شديدٌ عقابُه في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1174\"> </span>(١٤) - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾.\nوالخطابُ في قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ للكفرة على طريقة الالتفات، وهو رفعٌ\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"أحد\".\n(^٢) في (ف): \"ومن يشاق فلا يقتصرن\".","vol":"4","page":241},{"text":"بالابتداء أو الخبر، أي: ذلكم العقاب، أو العقاب ذلكم، أو نصبٌ بفعل يفسِّرُه قولُه: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ والفاء (^١) عاطفة؛ أي: ذوقوا ذلكم فذوقوه، أو: باشروا، قيل: أو عليكم ذلكم، ولا وجهَ له لأن (عليكم) من أسماء الأفعال لا تُضْمَر.\nوهذه الجملة تأكيدٌ وتقريرٌ لِمَا سَبَقَ؛ لأنَّ الأولى دالَّة على استحقاقِهم العذابَ العاجلَ مع العذابِ الآجلِ، ولمَّا كان عذاب الدُّنيا بالنِّسبة إلى عذاب الآخرة يسيرًا سُمِّيَ ما أصابهم فيه ذوقًا؛ لأنَّ الذَّوق يُعْرَفُ به الطَّعمُ (^٢)، وهو يسيرٌ.\n﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ عطفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ رفعًا ونصبًا، ويجوز أن يكون مفعولًا معه على أنَّ الواو بمعنى (مع)؛ أي: ذوقوا هذا العذابَ العاجلَ مع العذابِ الآجلِ الذي لكم في الآخرة، ووُضع الظَّاهرُ فيه موضعَ المضمرِ للدَّلالة على أنَّ الكفرَ سببُ العذابِ الآجلِ، أو الجمع بينهما.\nوقرئ: (وإنَّ) بالكسر (^٣)، على الاستئناف.\nولَمَّا كانت النَّارُ إعدادُها للكفَّار على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، صَحَّ تقديمُ الجار والمجرور المفيدِ لاختصاصِ عذابها المُعَدِّ لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1175\"> </span>(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"الفاء\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"بالطعم\"، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في \"البحر\" (١١/ ٤٤).\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩).","vol":"4","page":242},{"text":"والزَّحْفُ: الجيشُ الدَّهْمُ الذي يُرَى لكثرته كأنَّه يزحفُ؛ أي: يَدبُّ، مِنْ زَحفَ الصبيُّ: إذا دَبَّ على استِه قليلًا، سُمِّيَ بالمصدر.\n﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ كنايةٌ عن الفرار، ولا يلزمه الانهزام على ما أفصح عنه الاستثناء الآتي ذِكْرُه؛ أي: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل فلا تَفِرُّوا، فضلًا أن تُدانوهم في العَدَدِ والعُدَدِ، أو تساووهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1176\"> </span>(١٦) - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: هو الكَرُّ بعدَ الفَرِّ لتغريرِ العدوِّ، وهو من باب خدعِ الحرب ومكائدها، يختلُ للعدوِّ أنَّه منهزِمٌ، ثم يعطِفُ عليه.\n﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا﴾: منحازًا ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾: إلى (^٢) جماعة أخرى من المسلمين على القُرْبِ منه؛ لِمَا روى ابنُ عمرَ ﵄: أنَّه خرجَتْ سريَّة وأنا فيهم، ففرُّوا (^٣)، فلَمَّا رجعوا إلى المدينة استحيَوا فدخلوا البيوت، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ، نحنُ الفرَّارون. فقال: \"بل أنتم العكَّارون، وأنا فئتُكم\" (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"وتسَاووهم\".\n(^٢) في (ك): \"أي\".\n(^٣) \"ففروا\" سقط من (ك).\n(^٤) رواه أبو داود (٢٦٤٧)، والترمذي (١٧١٦)، وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، ومعنى قوله: \"بل أنتم العكَّارون\"، العكَّار: الذي يفر إلى إمامه لينصره ليس يريد الفرار من الزحف.","vol":"4","page":243},{"text":"وانتصاب ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ و﴿مُتَحَيِّزًا﴾ على الحال، و﴿إِلَّا﴾ لغوٌ لا عملَ له، أو الاستثناء من المولِّين؛ أي: إلَّا رجلًا متحرِّفًا أو متحيِّزًا.\nووزن متحيِّز (^١): مُتفَيْعِل، لا مُتفعِّل، وإلَّا لكان: متحوِّزًا؛ لأنَّه مِنْ حازَ يحوزُ؛ يقال: حاز الشَّيءَ، أي: ضمَّه وجمعَه، والحيِّز: مجتمَع (^٢) القوم؛ فَيْعَل مِنَ الحوز، والتَّحيُّز الانضمام إليهم والدُّخول في جملتهم، وهو تفعُّل (^٣) من الحيِّز.\nوالفئة: الجماعة المنقطِعة عن غيرها، مِنَ الفأو (^٤)، وهو قطعُ الرَّأس بالسَّيف.\nوإنْ جُعِلَ ﴿زَحْفًا﴾ حالًا من المؤمنين يكون إشعارًا لهم بما سيكون منهم يوم حُنَين، وحين تقدَّمه نهيٌ تولَّوا مدبرين (^٥) وهم اثنا عشرَ ألفًا، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أمَارة عليه.\n﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: استوجبَه.\n﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ هذا إذا لم يَزِدِ العدوُّ على الضِّعْف؛ لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦]، وقيل: هذه الآية مخصوصة بأهل بدرٍ، أو الحاضرين معه في الحرب.\n_________\n(^١) في (ف): \"متحيزًا\".\n(^٢) في (ك): \"مجمع\".\n(^٣) في النسخ: \"تفعيل\" والصواب المثبت.\n(^٤) في النسخ: \"من الفاء\" والصواب المثبت. انظر ما سيأتي في هذه السورة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾.\n(^٥) قوله: \"وحين تقدمه نهي تولوا مدبرين\"، كذا في النسخ، ولعل الصواب إسقاط الواو قبل \"حين\"، وحذف جملة: \"تقدمه نهي\" كما جاء في المصادر. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥٣)، و\"البحر\" (١١/ ٤٩)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٥٥).","vol":"4","page":244},{"text":"﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هي؛ أي: جهنَّم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1177\"> </span>(١٧) - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بقوتكم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بنصركِم، وإمدادِ الملائكة، وإلقاءِ الرُّعب في قلوبهم وتقويةِ قلوبكم، وهو كالتَّعليل لِمَا تقدَّم من النَّهي عن الانهزام بسبب كثرة العدو.\nورُويَ أنَّه لَمَّا التقى الجمعان يومَ بدرٍ تناولَ رسول الله ﷺ كفًّا من الحصى فرمى بها في وجوههم، وقال: \"شاهَتِ الوجوهُ\"، فلم يبقَ مشركٌ إلا شُغِلَ بعينه، فانهزموا، ورَدِفَهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لمَّا انصرفوا أقبلوا على التَّفاخُر، فيقول القائل (^١): قتلْتُ وأسرْتُ، فنزلت الآية (^٢)؛ صيانةً لهم عن الإعجاب، وتنبيهًا على أن الله تعالى هو الذي هيَّأ لهم هذه الأسباب.\nوكذا الحال في الخطاب الآتي ذكره.\nوقيل: الفاءُ جوابُ شرطٍ محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم، ولكنَّ اللهَ قتلهم.\nويأباه عطف قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أنتَ (^٣) تلك الرَّمية العجيبة يا محمَّد ﴿إِذْ\n_________\n(^١) في (ف) ت \"القاتل\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٧)، والكلام بهذا السياق مجموع من عدة أخبار. انظر: \"تفسير الطبري\" (١١/ ٨٧ - ٨٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٧٢ - ١٦٧٣).\n(^٣) \"أنت\": ليست في (م).","vol":"4","page":245},{"text":"رَمَيْتَ﴾ لأنَّك لو رميتها لمَا زاد تأثيرها على تأثير رمي البشر ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ حيث أثَّرَتْ ذلك الأثر العظيم.\nأثبَتَ الرَّميةَ لرسول الله ﷺ لأنَّ صورتها وُجِدَتْ منه، ونفاها عنه لأنَّ أثرَها الذي لا يقدر عليه البشر فعلُ الله تعالى، فكانَ الله فاعلَها على الحقيقة لا الرَّسولُ، والفعل قد يُطلَق ويُرادُ به مُسمَّاه، وقد يُطلَق ويراد به كماله والمقصودُ منه - أي: غايته (^١) - مجازًا.\n﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: وليُنْعِمَ عليهم ﴿مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ إنعامًا جميلًا؛ أي: وللإنعام على المؤمنين ذلك (^٢) الإنعامَ العظيم بالنُّصرة والغنيمة ومشاهدةِ الآيات فَعَلَ ما فعلَ، وما فعلَ (^٣) إلا لذلك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لدعائهم واستغاثتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالهم ونياتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1178\"> </span>(١٨) - ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرَّفع؛ أي: المقصود ذلكم، أو: الأمر ذلكم.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ معطوفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ أي: المقصود بلاء المؤمنين وتوهينُ الكافرين، وقرئ: ﴿وَأَنَّ﴾ بالفتح (^٤)؛ أي: ولأن الله تعالى مُعِينٌ للمؤمنين كان ذلك.\n_________\n(^١) في (ف): \"والمقصود منه أنها غاية\".\n(^٢) في (ف): \"وذلك\".\n(^٣) \"وما فعل\" سقط من (ف).\n(^٤) هي قراءة نافع وابن عامر وحفص، والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٦).","vol":"4","page":246},{"text":"<span id=\"aya-1179\"> </span>(١٩) - ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ خطابٌ لأهل مكَّة على سبيل التَّهكُّم، وذلك أنَّهم حين أرادوا أن يَنفِروا تعلَّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهمَّ انصر أعلى الجندَيْن وأهدى الفئتَيْن وأكرم الحزبَيْن (^١).\n﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفرِ وعداوة رسول الله ﷺ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لتضمُّنه سلامة الدَّارين وخير المنزلَيْن.\n﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لمحاربته ﴿نَعُدْ﴾ في نصرته عليكم.\n﴿وَلَنْ تُغْنِيَ﴾: ولن تدفع ﴿عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾: جماعتكم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ فئتكم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنَّصر والمعونة.\nكذا قالوا، ويُشْكِلُ هذا بيوم أحدٍ، فإنهم عادوا فيه للمحاربة وكانت الغلَبة لهم.\nوقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصِروا فقد جاءكم النَّصر، وإن تنتهوا عن التَّثاقل في القتال والرَّغبة عما يستأثره الرَّسول فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى (^٢) التثاقل نَعُدْ بالإنكار، ولن تغني عنكم كثرتكم حينئذ إذا لم يكن معكم بالنَّصر، وأن الله مع الكاملين إيمانًا.\nويؤيِّد هذا حسنَ الالتئام مع قولِه:\n\n<span id=\"aya-1180\"> </span>(٢٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٠٨).\n(^٢) في (ف): \"عن\".","vol":"4","page":247},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾؛ أي: ولا تتولَّوا عن الرَّسول؛ فإنَّ المرادَ الأمرُ بطاعته ﵇، والنَّهيُ عن الإعراض، وذكر الله تمهيدٌ (^١) لاختصاص الرَّسول ﷺ به تعالى (^٢)، كقوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢].\nوفيه تنبيهٌ على أن طاعة الله وطاعة الرَّسول شيءٌ واحدٌ، و﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].\nويجوز أن يرجعَ الضَّمير في ﴿عَنْهُ﴾ إلى الأمر بالطَّاعة؛ أي: ولا تتولوا عن هذا الأمر.\n﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾؛ أي: تسمعونه، أو تسمعون القرآنَ والمواعظَ سماعَ فهمٍ وتصديقٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1181\"> </span>(٢١) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ كالكفرة والمنافقين ادَّعوا السَّماع.\n﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ لأنهم ليسوا بمصدِّقين، فكأنَّهم غيرُ سامعين أصلًا.\nوالمعنى: إنكم تصدِّقون القرآنَ والنُّبوَّة، فإنْ تولَّيتم عن طاعةِ الرَّسول ﷺ في بعض الأمور كقسمة الغنائم كانَ تصديقُكم كلَا تصديقٍ، وأشبهَ سماعكُم سماعَ مَنْ لا يؤمن.\n_________\n(^١) في (م): \"تمهيدًا\".\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"ولولا ذكر التمهيد لأعيد ﴿أَطِيعُوا﴾ كما أعيد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. منه\".","vol":"4","page":248},{"text":"<span id=\"aya-1182\"> </span>(٢٢) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾: شرَّ مَنْ يدُبُّ على وجه الأرض، أو: شرَّ البهائم.\n﴿الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في (سورة البقرة)، جعلهم كالبهائم في عدم انتفاعِهم بالمشاعر والجوارح، ثم جعلهم شرَّها لإبطالهم ما مُيِّزُوا به عنها وفُضِّلوا به عنها (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1183\"> </span>(٢٣) - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾؛ أي: شيئًا من جنس الخير (^٢).\n﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ سماعَ تفهُّم؛ أي: لا يُسْمِعهم لأنَّه لا يجدي فيهم نفعًا، فقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: لم ينتفعوا به، تقرير وتأكيد له، فهو مِنْ قَبِيل العطفِ على ما قبلَه باعتبار المعنى.\nالتَّولي قد يكون للتردُّد والتدبُّر فقوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ تأسيسٌ لا تأكيدٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1184\"> </span>(٢٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ وحَّدَ الضَّمير لأنَّ دعوةَ الله تُسمعُ من الرَّسول ﷺ، وقصدُ التَّمهيد يأباه إعادةُ الصِّلة.\n_________\n(^١) كذا في النسخ: \"عنها\" والأنسب بالسياق: (عليها). وفي \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥٥): (ما ميزوا وفضلوا لاجله).\n(^٢) في هامش (ف): \"فلا حاجة إلى قيد اعتبره مَن قال: وقد علم الله أن لا خير فيهم. منه\".","vol":"4","page":249},{"text":"﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ من العلوم الدِّينية؛ فإنها حياة القلب، والجهلُ موته:\nالجاهلُ ميتٌ وإنْ لمْ يُدفَن … بيتُه قبرٌ وثوبُه كفن (^١)\nوقيل: لجهاد الكفَّار؛ لأنهم لو تركوه لغلبوهم وقتلوهم (^٢)، فهو سبب حياتهم، كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].\nوقيل: للشهَّادة؛ لقوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nالمرادُ بالاستجابةِ: الطَّاعة والامتثال، وبالدَّعوة: البعث والتَّحريض.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ تحذيرٌ عن تأخير الاستجابة.\nوزيادة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ لمزيد التَّأكيد؛ أي: إن القلوب بيدِ اللهِ تعالى يقلِّبها كيفَ يشاء، فعجِّلوا بالاستجابة قبل أنْ يُحدِثَ اللهُ تعالى في قلوبِكم ما يشغلنا عنها (^٣)، ويمنعكم عن الامتثال بالأمر.\nوقرئ: (بَين المرِّ) بتشديد الرَّاء على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الرَّاء وإجراء الوصل مجرى الوقف (^٤)، على لغةِ مَن يشدِّد فيه.\n_________\n(^١) لم أقف على قائله، وفي \"الكشاف\" (٢/ ٢١٠):\nلَا تُعْجِبَنَّ الْجَهُولَ حُلَّتُهُ … فَذَاكَ مَيْتٌ وَثَوْبُهُ كَفَنُ\nقال الشهاب في \"حاشيته على البيضاوي\" (٢/ ٢١٠): (البيت المذكور للزمخشري من قصيدة مدح بها المؤتمن بالله الخليفة). وقال الطيبي في \"فتوح الغيب\" (٧/ ٦٤): البيت من قول أبي الطيب:\nلا يُعجِبنّ مَضيمًا حُسنُ بزّته … وهل تروقُ دَفينًا جودَةُ الكفنِ\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"يأتي في سورة التوبة ما يتعلق بهذا. منه\".\n(^٣) قوله: \"ما يشغلنا عنها\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (ما يشغلها عنا).\n(^٤) نسبت للحسن والزهري. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٧٦).","vol":"4","page":250},{"text":"﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازيكم على النَّقير والقِطمير من أعمالكم وأحوالكم، قالبيَّةً كانت أو قلبيَّة.\nوفيه زيادةُ تحذيرٍ عن التَّقصير بالتَّأخير، وأشير إلى هذا في قوله ﵇: \"عجِّلوا بالصَّلاةِ قبلَ الفَوْتِ، وعجِّلوا بالتَّوبة (^١) قبلَ الموتِ\" (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1185\"> </span>(٢٥) - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ أراد بالفتنة: الظُّلمَ الفاحش، بقرينة ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، والتنكيرِ الدَّال على التَّكثير.\n﴿لَا تُصِيبَنَّ﴾ جواب الأمر؛ أي: إصابتُكم لا تصيب (^٣) الظَّالمين خاصَّة، بل تعمُّ الطَّالح والصَّالح، ثم تكون للظالم عقوبةً، ولغيره كفَّارةً.\nوالنُّون لتضمُّنه معنى النَّهي، والتأكيدُ بها للمبالغة في النَّهي، و(مِن) للتَّبعيض.\nقال ابن عباس ﵄: هذا في تركِ الأمرِ بالمعروفِ عند غلبةِ المنكرِ، فيصيب الفسَقَة بفسقِهم، وغيرَ الفسقة بتركهم الأمر بالمعروف (^٤).\nوهذه الفرقة أيضًا وإن كانوا مذنبين، لكنهم ليسوا من الذين ظلموا؛ أي: باشروا الظلم.\n_________\n(^١) في (ف): \"بالطاعة\".\n(^٢) أورده الصاغاني في \"الموضوعات\" (٣٤).\n(^٣) في (ك): \"لا تصيبن\".\n(^٤) رواه بمعناه الطبري في \"تفسيره\" (٩/ ٢١٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٦٨٢).","vol":"4","page":251},{"text":"أو نهيٌ بعدَ أمرٍ، كأنَّه قيل: واحذروا ذنبًا أو عقابًا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظُّلم فيصيبَ العقابُ أو وبالُ الذَّنب مَنْ ظلمَ منكم خاصَّة.\nأو صفةً لـ ﴿فِتْنَةً﴾ على إرادة القول؛ أي: فتنة مقولًا عندها: لا تصيبن، كقوله:\nجاؤوا بمَذْقٍ هَلْ رأيْتَ الذِّئبَ قَطّ (^١)\nو(مِن) على هذين الوجهين للتَّبيين.\nويعضد الأخير قراءة: (لتُصيبن) (^٢) على جواب قسمٍ محذوف.\nوفي تقييد الظالمين بـ ﴿مِنْكُمْ﴾ في الوجهين الأخيرين تنبيهٌ على أن الظُّلمَ منكم أقبحُ منه من غيركم.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وعيدٌ شديدٌ، وفي (^٣) زيادة ﴿وَاعْلَمُوا﴾ مزيدُ تهديد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1186\"> </span>(٢٦) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَاذْكُرُوا﴾: وأخطروا ببالكم أوَّل حالكم ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قيل: في أوَّل الإسلام قبل أن تكملوا أربعين، وقيل: قبل الهجرة، والخطاب للمهاجرين.\n_________\n(^١) الرجز دون نسبة في: \"البيان والتبيين\" للجاحظ (٢/ ٢٨١)، و\"الكامل\" للمبرد (٢/ ١٠٥٤)، و\"خزانة الأدب\" (٢/ ١٠٩).\n(^٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢١٢).\n(^٣) في (م): \"في\".","vol":"4","page":252},{"text":"﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ مقهورون في أرض مكَّة، لم يقل: (ذليل) مع ما فيه من حُسن (^١) الازدواج بـ ﴿قَلِيلٌ﴾؛ تفاديًا عن إطلاقه على مَنْ هو عزيزٌ بعزِّ الإسلام.\nوقيل: الخطاب لعامَّة العرب؛ لأنهم كانوا مغلوبين لأهل فارس والروم.\n﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ لأنَّ النَّاس كانوا جميعًا لهم أعداء. والتَّخطفُ: الأخذُ والانتزاعُ بسرعة.\n﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينة، وجعل لكم مأوًى تتحصنون به عن أعدائكم.\n﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ على الكفَّار بمظاهرةِ الأنصار، وبإمداد (^٢) الملائكة يوم بدر.\nوعلى تقدير أن يكون الخطاب لقريش يكون المعنى: فآواكم إلى الحرم، ويؤيِّده قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].\n﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الغنائم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إرادةَ أن تشكروا هذه النِّعم.\nوعلى المعنى الآخر يكون المراد من ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: الثَّمرات؛ لقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1187\"> </span>(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخون: النَّقص، كما أنَّ الوفاءَ\n_________\n(^١) في (ف): \"جنس\".\n(^٢) في النسخ: \"بإمداد\" دون واو، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٢١٣).","vol":"4","page":253},{"text":"التَّمامُ، ومنه تخوَّنه: إذا تنقَّصُه، ثم استُعمل في مقابلة الأمانة والوفاء؛ لأنك إذا خنْتَ (^١) الرَّجل فقد أدخلْتَ عليه النُّقصان.\nذكر ﴿اللَّهَ﴾ تعالى للتَّمهيد، وخيانتُهم للرَّسول ﷺ بأن يُضمروا خلاف ما يظهرون، أو بالغُلول في الغنائم.\nروي أنَّها نزلَتْ في أبي لُبابة ﵁، وقصَّتُه مذكورة في كتب التَّفاسير (^٢).\n﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ فيما بينكم؛ أي (^٣): لا يصدر منكم خلافُ ما هو من حكم الإيمان، جزمٌ داخل في حكم النَّهي، أو نصبٌ بإضمار (أنْ)، كقوله: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢].\n﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنكم تخونون؛ أي: وأنتم علماء تميِّزون الحسَنَ من القبيح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1188\"> </span>(٢٨) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ جعلَ الأموالَ والأولاد فتنةً؛ لأنها سببُ الوقوع في الفتنة، وهي الإثم والعذاب، أو: محنةٌ وبلاءٌ، فلا يحملنكم فيه على الخيانة كأبي لبابة ﵁، وعليكم أن تحافظوا فيهم على حدود الله تعالى، وهي من جملة ما نزلَ فيه.\n_________\n(^١) في (ك): \"أخنت\".\n(^٢) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٨)، و\"تفسير الطبري\" (١٣/ ٤٨١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٨٤)، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي (٤/ ١٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢١٤).\n(^٣) في (ف): \"أو\".","vol":"4","page":254},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أن تُؤثروا حبَّ اللهِ تعالى على حبِّهم، وتزهَدوا في الدُّنيا، ولا تحرصوا على حبِّ المال والولد.\nوفي قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ تشريفٌ للأجر (^١) المذكور، وبيانٌ أنه مصونٌ عن الضياع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1189\"> </span>(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: هدايةً ونورًا في قلوبكم، وتوفيقًا وشرحًا لصدوركم، تفرِّقون به بينَ الحقِّ والباطلِ، أو نصرًا يفرِّق بينَ المحِقِّ والمبطِلِ، بإعزاز الإسلام وأهله، وإذلالِ الكفر وحزبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].\nأو: ظهورًا يُشْهِرُ أمرَكم وينشرُ صيتكم في أقطار الأرض، من قولهم: بِتُّ أفعل كذا حتى سطع الفرقان؛ أي: الصُّبح.\n﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: صغائرَ ذنوبكم، أراد بالكفَّارة الإزالةَ، ولذلك قال: ﴿عَنْكُمْ﴾، وهي بالحسنات لقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\n﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبَكم؛ كبائرَها، والغَفْرُ: السَّترُ، ضمَّنه معنى الرَّحمة، ولذلك قال: ﴿لَكُمْ﴾، وكنَّى به عن العفو والتجاوز عنها، وذلك بالاستغفار والشفاعة.\n_________\n(^١) في (م): \"الأجر\".","vol":"4","page":255},{"text":"﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ باللُّطف الوافي (^١) في الدُّنيا، والإحسان الباقي في دار القرار، لِمَا عرفْتَ أنَّ العبدَ أُعْطِيَ جزاءَ حسناته بإزالة سيئاته، فكان ما وصل إليه من اللُّطف والإحسان فضلًا من الله تعالى، ووعدُه على التَّقوى أيضًا تفضُّل، فإطلاق (^٢) الأجر على ما وعده في مقابَلته بطريق الاستعارة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1190\"> </span>(٣٠) - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ذكَّرَه ﵇ ما مُكِرَ به حين كان بمكَّة؛ ليشكرَ نعمة الله تعالى عليه في إنجائه من مكرهم وتسليطه عليهم، أي: واذكر وقتَ مكرِهم بك وتسليطه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.\n﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليَسجنوك، أو يُوْثقوك، أو يُثْخنوك بالضرب والجَرح، من قولهم: ضربَه حتى أثبتَه لا حراكَ به ولا بَرَاحَ، وقرئ: (لِيُبَيِّتُوكَ) من البَيَاتِ (^٣).\n﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكَّة.\n﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ بإخفاء المكائد له ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ بإخفاءِ ما أعدَّ لهم حتى يأتيَهم بغتة، أو بردِّ (^٤) مكرهم عليهم، أو بمعاملة الماكرين معهم حيث أخرجهم\n_________\n(^١) في (ك): \"الموافي\".\n(^٢) في (ك): \"لإطلاق\".\n(^٣) نسبت لإبراهيم النخعي. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٣٥٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢١٥)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٨٢).\n(^٤) في النسخ: \"يرد\"، والمثبت أنسب بالسياق.","vol":"4","page":256},{"text":"إلى بدر وقلَّل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقُتلوا (^١).\n﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ إذْ مكرُه أنفذُ من مكر غيره وأبلغُ تأثيرًا.\nقيل: وإسناد المكر إلى الله تعالى للمزاوجة والمشاكَلة، ولا يجوز إطلاقها عليه تعالى ابتداءً؛ لِمَا فيه من إيهام الذَّم، وكأن هذا القائل غافل عن قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1191\"> </span>(٣١) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ هذا غاية مكابرتهم وفَرْطُ عنادهم؛ إذ لو استطاعوا ذلك فما منعَهم أن يشاؤوا، وقد تحدَّاهم وقرَّعهم بالعجز عشر سنين، ثم قارعهم بالسيف، فلم يعارضوا سورة، مع أَنَفهم (^٣) وفَرْطِ استنكافِهم أن يُغلبوا، خصوصًا في باب البيان.\nقيل: هو قول النَّضر بن الحارث، وهو كان موسومًا بينهم بالنُّبل والفَهم، فكان إذا قال قاله كثير منهم واتَّبعوه عليه، كما يفعله الناس اقتداء بعلمائهم.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّرَه الأوَّلون من القصص، قد سبق ما يتعلَّق بالأساطير.\n* * *\n_________\n(^١) \"فقتلوا\" سقط من (ف).\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"قد مر هذا القول ورده في تفسير سورة آل عمران. منه\".\n(^٣) الأنَف كالَأنَفة معناهما الاستنكاف من أَنِفَ: استنكف. انظر: \"القاموس\" (مادة: أنف).","vol":"4","page":257},{"text":"<span id=\"aya-1192\"> </span>(٣٢) - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالُوا﴾؛ أي: واذكر إذ قالوا، وهذا أيضًا من كلام ذلك القائل أبلغُ في الجحود.\nروي أنَّه لمَّا قال النضر: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال له النبيُّ ﷺ: \"ويْلَكَ إنَّه كلامُ الله تعالى\". فقال:\n﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^١)؛ أي: إن كان القرآن حقًّا منزلًا فأَمطرْ علينا حجارةً خاصَّةً عقوبةً لنا على إنكاره، والمرادة التَّهكُّم وإظهار اليقين والجزم التَّام بكونه باطلًا؛ إغراقًا في الإنكار، وإظهارًا للجرأة فيه، جَحَد القرآن أوَّلًا بأن جعله مثل كلامهم، وسمَّاه أساطير الأولين، ثم بالَغَ في الجحود بشبهةٍ جعلها كالدَّليل على بطلانه زاعمًا أنه برهان، وهو لو كان حقًّا لاستحقَّ منكِرُه العقاب، لكنَّا لم نعاقَبْ بإنكارِه، فلم يكن حقًّا.\nوقرئ: (الحَقُّ) بالرفع (^٢)، على أنَّ ﴿هُوَ﴾ مبتدأٌ لا فَصل.\nوفائدة التعريف: أنَّه (^٣) كانَ هو الحقَّ الذي يدَّعيه رسولُ الله ﷺ من أنه كلام الله تعالى منزلٌ عليه؛ لأنَّه لم ينكروا كونَه مطابقًا للواقع كالأساطير (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٥٧) والكلام منه، و\"تفسير الطبري\" (٩/ ٢٢٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٩٠)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٣٦).\nوأخرج البخاري (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦) عن أنس ﵁ أن قائل ذلك هو أبو جهل.\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"أنه إن\".\n(^٤) بعدها في (ف): \"الأولين\". وعبارة البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ٥٨): (وفائدة التعريف فيه الدلالة =","vol":"4","page":258},{"text":"وفائدة التقييد بكونه ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ مع أنَّ الأمطار لا تكون إلَّا منها: كونها حجارةً مسوَّمة للعذاب، وهي السِّجِّيل، فوُضِعَتْ: ﴿حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ موضعَه، ولهذا قال:\n﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾؛ أي: بنوعٍ من عذابٍ أليمٍ سواه، إشارةً إلى أنَّ السجِّيلَ نوعٌ أليم من العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1193\"> </span>(٣٣) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: ليس في عادته تعالى ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ بيانُ سببِ (^١) إمهالهم، والتَّوقُّفِ في إجابة دعائهم.\nواللام لتأكيد النَّفي، والدلالةِ على أن تعذيبهم حالَ كون النبي ﵇ فيهم غيرُ جائز في الحكمة؛ لأن سنَّة الله تعالى جاريةٌ أن لا يَستأصل قومًا بالعذاب ما دام نبيُّهم بين أظهرهم.\nوفيه إشعارٌ بأنهم مُرصَدون للعذاب إذا هاجر عنهم، لدلالة قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ …﴾ إلخ على إثبات التعذيب، كأنه قال: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو معذِّبُهم إذا فارقْتَهم.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾ لمَّا كانت كينونتُه ﵇ فيهم سببًا لانتفاء\n_________\n= على أن المعلق به كونُه حقًا بالوجه الذي يدعيه النبي ﷺ وهو تنزيله - لا الحق مطلقًا؛ لتجويزهم أن يكون مطابقًا للواقع غير منزل كأساطير الأولين) وبها تتضح عبارة المؤلف.\n(^١) في (ك): \"بسبب\".","vol":"4","page":259},{"text":"تعذيبهم أكَّدَ خبر ﴿كَانَ﴾ باللام على رأي الكوفيين، أو جعل خبر ﴿كَانَ﴾ الإرادةَ المنتفيَةَ على رأي البصريين، وانتفاءُ الإرادة للعذاب أبلغ من انتفاء العذاب، ولمَّا كان استغفارهم دون تلك الكينونة الشريفة لم يؤكَّد باللَّام، فشتان ما بين استغفارهم وكينونته ﵈ فيهم.\n﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ حالٌ لقوله: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾، والمراد باستغفارهم: إمَّا استغفار مَن بقي فيهم من المؤمنين، أو قولُهم: اللهم غُفرانك، أو فَرْضُه على معنى: لو استغفروا لم يُعذَّبوا، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1194\"> </span>(٣٤) - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾: وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك، وكيف لا يُعذَّبون ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وحالُهم ذلك، ومِن صدهم عنه إلجاءُ رسول الله ﷺ والمؤمنين إلى الهجرة، وأما إحصارهم عام الحديبية فقد كان بعد قتل النضر ونظرائه، فلا انتظام له مع ما سيق الكلام له في هذا المقام.\n﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ مستحقِّين ولاية أمره مع شركهم، وهو ردٌّ لِمَا كانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصدُّ مَن نشاء، وندخلُ من نشاء.\n﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: الذين لا يعبدون فيه غيره؛ أي: ما استحقُّوا لولاية البيت وما حظٌّ لهم منها؛ لأنها مخصوصة بالمتقين من المسلمين، ليس كلُّ مسلم يصلح لذلك، فكيف بالمشركين من أعداء الدِّين؟","vol":"4","page":260},{"text":"﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنْ لا ولاية لهم عليه، نبَّهَ بالأكثر على أنَّ فيهم مَن يعلم ذلك، ولكن يعاند.\nلمَّا نفى عنهم أن يكونوا من ولاة البيت، ذكرَ من فعلهم القبيحِ ما يؤكِّدُ ذلك، وأنَّ مَن كانت صلاته ما يُذكَرُ لا يستأهل أن يكونوا أولياءَه، وما ذكر بقوله:\n\n<span id=\"aya-1195\"> </span>(٣٥) - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ من جملة مَوانع استحقاقهم للولاية، وموجبات استحقاقهم للعذاب، كما ذكر بقوله: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾.\nوالمراد بـ ﴿صَلَاتُهُمْ﴾: ما يضعونه موضِعَها ويسمُّونه صلاةً، وفيه من التَّهكُّم ما لا يَخفى.\nوقرئ: (صلاتَهم) بالنَّصب (^١)، على أنه الخبر المقدَّم.\n﴿إِلَّا مُكَاءً﴾: صفيرًا، فُعال مِنْ مَكايَمْكو: إذا صَفَر، وقرئ بالقصر كالبُكَا (^٢).\n﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقًا، تَفْعِلةً من الصَّدى، ومن الصَّد، على إبدال أحد حرفي التَّضعيف بالياء، يعني: أنهم يضعون الصَّفير والتَّصفيق موضعَ الصَّلاة، ولهذا أورد قوله:\n﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ بفاء السَّببية؛ أي: بسبب هذا الكفر ذوقوا وباله في الدُّنيا، والمرادُ عذاب القتل والأسر يوم بدر.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٧٨).\n(^٢) أي: بالقصر منونًا (مكًا). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٤٩).","vol":"4","page":261},{"text":"والظاهر أن تكون اللام للعهد، والمعهودُ ما ذكر في قوله: ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nووضعُهم المكاء والتَّصدية موضعَ الصلاة: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عُراةً الرجالُ والنساءُ وهم مُشبِّكون بين أصابعهم يَصفُرون فيها ويصفِّقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله ﷺ في صلاةٍ يخلِّطون عليه، وُيرون أنهم يصلُّون أيضًا.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أتى بصيغة المضارع، وزاد عليها عبارة ﴿كُنْتُمْ﴾ للدلالة على الاستمرار التَّجدُّدي، والمراد: ما كانوا يفعلونه عند البيت من المكاء والتَّصدية مكان الصلاة.\nولا يجوز أن يكون المرادُ من العذاب عذابَ الآخرة؛ لأن الفاء تأباه، وذلك لأن السببيَّة للعذاب مطلقًا قد استُفيدَتْ من الباء، والفاءُ إنما تفيد إذا كان ذلك العذاب السَّببَ بما ذكره (^١) معجلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1196\"> </span>(٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن دينه واتِّباع رسوله.\nنزلت في المُطْعِمين يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشر رجلًا من قريش، يطعمُ كلُّ واحدٍ منهم كلَّ يوم عشرَ جُزر (^٢).\n_________\n(^١) في (ك): \"ذكر\".\n(^٢) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٦٦٤ - ٦٦٦)، و\"المغازي\" للواقدي (١/ ١٤٤)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ١٤١).","vol":"4","page":262},{"text":"وقيل: في أبي سفيان، استأجر ليومِ أُحِدٍ ألفين من الأحابيش، سوى مَن استجاشَ (^١) من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقيَّة (^٢).\nوقيل: في أصحاب العير؛ فإنَّه لَمَّا أُصيْبَ قريش ببدرٍ قالوا لكلِّ مَنْ له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حربِ محمَّد؛ لعلنا ندرك منه ثأرنا، ففعلوا (^٣).\n﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾ فائدة تكرارِ ذكر الإنفاق: أنَّ مساقَ الأوَّل لبيانِ الغرضِ منه، والثَّاني لبيان عاقبته ومآل أمره، وأنَّ غرضَهم لا يحصل منه ويُعْقِب الخيبة.\nهذا ما قالوا، ويأباه زيادة السين في الثاني، وترتيبه بالفاء على الأوَّل، وكذا يأبى هذا الأخير حملُ الأوَّل على ما كان في يوم بدر، والثاني على ما كانوا في يوم أحد، فالوجه أنْ يُحمَل الأوَّلُ على عزمهم على الإنفاق، والثاني على وقوعه عن قريب متفرِّعًا على ذلك العزم.\n﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لاستلزام إنفاقهم الأموال ندامةً، وسرعةِ انقلابه إليها كأن ذاتها تصير ندامةً مبالغةً.\nوالحسرة: غمٌّ بما انكشف من فوتِ استدراك الخطيئة، وذكر الغمِّ يسمَّى ندامةً، وأصلها الكشف، من قولهم: حَسَر عن ذراعيه، والحاسر ضد الدَّارع.\n﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾: ثم لا يبقى حالهم على النَّدم والحسرة لفَقْد الأموال وفقدان الغرض، حتى يصير آخر الأمر إلى المغلوبية التي هي ضد الحالة التي قصدوها،\n_________\n(^١) في (ف) و(م). \"اجتاش\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١١/ ١٧٠)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٧٩).\n(^٣) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٢/ ٦٠)، و\"تفسير الطبري\" (١١/ ١٧٣)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٥/ ١٦٩٨).","vol":"4","page":263},{"text":"فيرجعون طلقاء (^١)، وإن كانت الحرب بينهم وبين المؤمنين قبل ذلك سجالًا.\nومعنى ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين: غاية بُعْدِ ما بين غرضهم في الإنفاق وبين ما يحصل منه ويقع بعده.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثبتوا على الكفر إذ أسلم بعضهم وحسُن إسلامه.\n﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ خاصَّة ﴿يُحْشَرُونَ﴾: يُجمعون بالسَّوق من جهاتٍ متعددةٍ. وفائدة تقديم الجار والمجرور دفعُ وَهمِ القرار في مجمع (^٢) آخر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1197\"> </span>(٣٧) - ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ أي: الفريقَ الكافر من الفريق المؤمن ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ﴾؛ أي: الكافرَ ﴿بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾؛ أي: يجمعهم ويضمَّهم حتى يتراكموا، كقوله: ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]؛ أي: لفرط ازدحامهم ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ جعلَ الكفَّارَ في الانضمام والازدحام والاجتماع في النَّار شيئًا مركومًا، كحطبٍ مرتكبٍ بعضه على بعض، مجموعٍ ملقًى في جهنَّم مبالغةً.\nأو: المالَ الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ من المالِ الطَّيب الذي أنفقه المسلمون في نصرته، فيجمَعُ الخبيثَ الذي أنفقه المشركون فيجعله في جهنم من جملة ما يُعذَّبون به كمال الكافرين.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"فيخرجون حلفاءه\"، وفي (ك): \"فرحون طلقاءه\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٢١٩).\n(^٢) في (ف): \"القرار في تجمع\"، وفي (م): \"الفرار في مجمع\".","vol":"4","page":264},{"text":"واللَّام في قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ على الأول متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾، أو ﴿يُغْلَبُونَ﴾، وعلى الثاني بـ ﴿تَكُونُ﴾.\nوقرئ: ﴿لِيَمِيزَ﴾ من التميُّز (^١)، وهو أبلغ من المَيز.\n﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الفريق الخبيث على الأوَّل، وإلى الذين كفروا على الثَّاني.\nمَنْ قال: أو إلى المتَّقين، فكأنه غفل عن أنَّ منهم مَنْ أسلمَ وحسُن إسلامه.\n﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الكاملون في الخسران؛ لأنَّهم خسروا أنفسهم وأموالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1198\"> </span>(٣٨) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾: لمن بقي من كفَّار قريش بعد مَنْ قُتلَ منهم ببدر، واللَّام للتبليغ.\n﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن معاداة الرسول ﷺ وقتاله بالدُّخول في الإسلام.\n﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله.\nوقرئ بالتَّاء والكاف على الخطاب (^٢).\n﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى قتاله ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ تعليلٌ للجواب أُقيم\n_________\n(^١) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٢).\n(^٢) أي: (إن تنتهوا يغفر لكم)، ونسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥١).","vol":"4","page":265},{"text":"مقامه، والتقدير: وإن تعودوا انتقمنا منهم وأهلكناهم، فقد مضَتْ سنَّةُ الأولين في أنَّا انتقمنا منهم وأهلكناهم بتكذيب أنبيائهم ﵈.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1199\"> </span>(٣٩) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: إلى أن لا يوجد فيهم شرك.\n﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ بأن تضمحل الأديان الباطلة كلُّها، ويبقى فيهم (^١) دين الإسلام وحده.\n﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عمَّا يجب الانتهاء عنه، والفاء للتَّرتيب على ما تقدَّم.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تعليلٌ لِمَا تضمَّنه الجواب من عدم التَّقصير في المجازاة، تقديره: فيجازيهم على الامتثال ولا يَضيع نقيرٌ وقطميرٌ من التروك والأعمال.\nوقرئ: ﴿تعملون﴾ بالتَّاء (^٢)، على معنى: فإن الله تعالى بما تعملون من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر بصيرٌ يجازيكم عليه، ويكون تعليقه بـ ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ - على الغيبة - للتَّغلب؛ أي: إنه بصير بعملكم وعملهم، فينبئكم جميعًا، ويجازي كلًّا بحسب عمله، ومَن وَهَمَ أن إثابتهم للتَّسبُّب فقد وَهِمَ.\n* * *\n_________\n(^١) \"فيهم\" سقط من \"ف\".\n(^٢) هي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ١٧٦).","vol":"4","page":266},{"text":"<span id=\"aya-1200\"> </span>(٤٠) - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الامتثال.\n﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ومتولِّي أموركم، فلا تبالوا بمعاداتهم، وثِقوا بولايته تعالى، وفي زيادة (اعلموا) - لتضمُّنه الدلالة على تنزيلهم منزلة الجاهل لنكتة خطابية تناسب المقام، وتزيد في البلاغة درجةَ الكلام - مزيدُ تهييجٍ لهم على ذلك.\n﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ هو، فلا يُضيع مَن تولَّاه ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ فلا يُغلَب مَن يَنصره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1201\"> </span>(٤١) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾؛ أي: الذي أخذتُموه من الكفَّار قهرًا ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من أقلِّ ما يقع عليه اسم الشيء، حتى المِخْيَط والخيط، وتصدير الكلام بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ لزيادة الاهتمام.\n﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ دخلت الفاء في خبر (أنَّ) لتضمُّن العموم الذي دلَّ عليه ما في معنى الشَّرط، و(أن لله) في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فالحكم أنَّ للهِ خمسَه.\nوالجمهور على أن ذكر الله تعالى تمهيدٌ لِذِكْرِ الرَّسول وما عطف عليه؛ تعظيمًا وتخصيصًا للمعطوفِينَ به، كما في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وأن (^١) المراد قسم الخُمْسِ على الخمسة المعطوفين.\n_________\n(^١) \"أن\" ليست في (ف).","vol":"4","page":267},{"text":"﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ كأنه قال: فأنَّ لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصِّينَ به تفضيلًا (^١) لهم على غيرهم.\nوليس المراد من قوله: (اعلموا) مجرد العلم يستوي فيه المؤمن والكافر، بل العلمُ المستلزِم للعملِ؛ فإن المقصود بالذَّات من العلم إذا أُمِرَ به هو العمل، والعلمُ مقصودٌ بالعَرض.\nوهو متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه: ﴿وَاعْلَمُوا …﴾ إلخ؛ أي: اجعلوا الخُمسَ لله وأحبابِه للتقرُّب إليه، فاقطعوا أطماعكم عنه، واصرفوا إلى مَن عيَّنَ من المخصوصين به، واقتنِعوا بالأخماس الأربعة.\nوالحكم بعدُ باقٍ، إلَّا أنَّ سهمَ الرَّسولِ يُصرَفُ إلى ما كان يُصْرَفُه مِن مصالحِ المسلمين، كما كان يفعله الشَّيخان، وقيل: إلى الإمام، وقيل: إلى الأصناف الأربعة الباقية، وعند أبي حنيفة سقط سهمه ﵇ بوفاته، وسهم ذوي القربى لأنهم استحقُّوه بالنُّصرة والمظاهرة حينئذٍ، وصار الكلُّ مصروفًا إلى الثَّلاثة الباقية، وعندَ مالكٍ يفوَّض إلى رأي الإمامِ، يصرفه إلى ما يراه أهم.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﵇ من الآيات والملائكة والنُّصرة، معطوف على ﴿بِاللَّهِ﴾.\nوقرئ: (عُبُدِنَا) بضمتين (^٢)؛ أي: الرسول والمؤمنين.\n﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ بدرٍ، فإنه فُرِّقَ فيه بين الحقِّ والباطل ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفار، واليوم الأوَّل بمعنى الوَقْعَة، والثَّاني بمعنى الوقت.\n_________\n(^١) في (م): \"تفضلًا\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ١١٣).","vol":"4","page":268},{"text":"﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختمَ بصفة القدرة؛ لأنَّه تعالى أدالَ المؤمنين (^١) على قلَّتهم على الكافرين على كثرتهم ذلك اليوم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1202\"> </span>(٤٢) - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾.\n﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾: القُرْبَى؛ يعني: من المدينة، و(العدوة) بالحركات الثلاث: شطُّ الوادي، وقرئ بها، والمشهور الضمُّ والكسر (^٢).\n﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: البُعدى؛ تأنيثُ الأقصى، وكان قياسُه قلبَ الواو ياءً كالدنيا والعليا، وكذا كلُّ فعلٍ من بناء الواو تفرقةً بين الاسم والصِّفة، فجاء على الأصل، كالقَوَد وهو أكثر استعمالًا من القُصيا.\n﴿وَالرَّكْبُ﴾؛ أي: العيرُ وقوَّادها.\n﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ في مكانٍ أسفلَ من مكانِكم؛ يعني السَّاحلَ، نصبٌ على الظرف، وهو مرفوعُ المحل لأنَّه خبر مبتدأ، والجملةُ حالٌ من الظَّرف قبلَه.\n_________\n(^١) أدال الله ﷿ فلانًا من فلان؛ أي: جعل له الدولة عليه، والدالُّ الظافر. انظر: \"الغريبين\" (٢/ ٦٥٨).\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر العين، وباقي السبعة بضمها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٦). أما القراءة بفتح العين فنسبت إلى الحسن وزيد بن علي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٨٠)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ١١٤).","vol":"4","page":269},{"text":"وفائدةُ التقييد به وتعيينِ مراكز الفريقين: بيانُ الحالة (^١) الدَّالة على شوكة الكفَّار، وعُدَّةِ غَلَبتهم، واستظهارِهم بالرَّكب، وحرصِهم على المقاتلة عنها، وتوطينِ نفوسهم على أن لا يُخلوا مراكزهم، ويبذلوا جهدهم، وضعفِ شأن المسلمين، والتياث (^٢) أمرهم، واستبعاد غلبتهم عادةً، وأنَّ ظفرَهم بالعدوِّ وغلبتَهم في مثل هذه الحالة ليست إلَّا بتأييدٍ من الله تعالى ونصرِه؛ ليعلموا أنَّ الحولَ والقوَّة والقدرة كلَّه لله تعالى، وأنَّ الفتحَ كان صُنعًا إلهيًّا من خوارق العادات، فيزدادوا إيمانًا وثقةً، وذلك أن مركز المؤمنين كان أيضًا رخوةً تَسُوخ فيها الأقدام، ولا يُمْشَى [فيها] (^٣) إلَّا بتعب، ولم يكن بها ماء، بخلاف العُدْوة القُصوى، ويقوِّيه (^٤) قوله:\n﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾؛ أي: ولو تواعَدْتم أنتم وهم القتالَ، ثم علمتم حالهم في الكثرة والقوة والشَّوكة وتمهُّد العُدَّة، وحالَكم في القلَّة والضَّعف وعدم أسباب الظَّفَر، لاختلفتم أنتم تهيُّبًا منهم وتأبِّيًا من الظَّفر عليهم وظنًّا بالمغلوبيَّة.\n﴿وَلَكِنْ﴾ دبَّرَ اللهُ تعالى ذلكَ حيثُ وعدَ إحدى الطَّائفتين مبهَمةً، وأخرجكم راغبين في العير، وأخرجهم ليمنعوا عِيرهم (^٥)، وسبَّب الأسبابَ، وجمع بينكم وبينهم على هذه الحالة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"للحالة\".\n(^٢) قوله: \"والتياث أمرهم\"؛ أي: صعوبته والتباسه عليهم، من قولهم: التاثت عليه الأمور وألبست واختلطت. انظر: \"حاشية الشهاب غلى البيضاوي\" (٤/ ٢٧٧).\n(^٣) ما بين معكوفتين من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦١).\n(^٤) في (م) و(ك): \"وبقربه\".\n(^٥) في النسخ: \"غيرهم\"، والصواب المثبت.","vol":"4","page":270},{"text":"﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: حَقيقًا بأن يُفعل، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه.\n﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ بدل منه، أو متعلِّق بقوله: ﴿مَفْعُولًا﴾، استُعيرَ الهلاكُ للكفرِ والحياةُ للإسلامِ، كما يُستَعارُ الموتُ والحياةُ للجهل والعلم؛ أي: ليكون كفرُ مَن كفرَ عن وضوحِ بيِّنةٍ حتى لا يبقى عند الله تعالى مَعذرةٌ، وَيصدرَ إسلامُ مَنْ أسلمَ أيضًا عن يقينٍ بأنه دينُ الحقِّ الذي يجب الدُّخولُ فيه والتَّديُّنُ به، وذلك أنَّ وقعةَ بدرٍ كانت من الآيات الواضحة التي مَنْ كفرَ بعدها كان مكابرًا لنفسه مغالطًا لها.\nوقرئ: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ التَّضعيف (^١)، لموافقة مستقبلهِ (^٢).\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بكفرِ مَنْ كَفَرَ وعقابِه، وإيمانِ مَنْ آمنَ وثوابِه، والجمع بين الوَصْفَيْنِ لاشتمالِ الأمرَيْنِ على القول والاعتقاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1203\"> </span>(٤٣) - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ بدلٌ ثانٍ من ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾، أو نصبٌ بإضمار: اذكر، أو بقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: سميع بأحاديث نفوسكم في كراهة القتال،\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع والبزي وأبي بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٦). ووقع في النسخ: \"وحيي\"، والصواب المثبت.\n(^٢) أي: مضارعه وهو يَحْيَى، فكما لم يدغم فيه لم يدغم في الماضي. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ١٣٢).","vol":"4","page":271},{"text":"عليم بتدابير أموركم، وتسوية مصالحكم؛ إذ يريكهم في نومك (^١) قليلًا، أراهم الله تعالى إيَّاه في رؤياه قليلًا، فأخبر به (^٢) أصحابَه، فثبَّتهم ذلك، وشجَّعهم على عدوهم.\n﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ الفشل: صنفٌ (^٣) من الوَجَل.\nلم يقل: (لفشلتَ)؛ لأنَّه ﵇ كان معصومًا من النَّقائص، فأسندَ الفشل إليه ﵇ على طريقة التَّغليب؛ رعايةً لجانِبَي الكلام والمقام.\n﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أمرِ القتال، وتفرَّقَتْ آراؤكم بينَ الفرار والقرار.\nوالتَّنازع: الاختلاف الذي يحاول كلُّ واحدٍ منهما نزعَ الآخرِ صاحبِه (^٤) مما هو عليه.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: أنعمَ بالسَّلامة من الفشل والتنازع، وعصمَكم منهما.\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ مما سيكون فيها من الجبن والجرأة والصبر والجزع، وما يغيِّر (^٥) أحوالها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1204\"> </span>(٤٤) - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\n_________\n(^١) في النسخ: \"نومكم\"، والصواب المثبت.\n(^٢) في (ف) و(م): \"فأخبره\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"ضعف\".\n(^٤) قوله: \"صاحبه\" بدل من \"الآخر\"، وكان يكفي أحدهما كما في \"تفسير الرازي\" (١٥/ ٤٨٨): (.. نزع صاحبه ..).\n(^٥) في (ك): \"وما تعسر\".","vol":"4","page":272},{"text":"﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ حتى قال ابن مسعود ﵁ لمن إلى جنبه: أتراهم سبعين؟ فقال: أراهم مئة (^١)؛ تثبيتًا لهم.\nوقيل: تصديقًا لرؤيا الرَّسول، وفيه نظر.\nوالضميران مفعولا (يُري)، و﴿قَلِيلًا﴾ نصب على الحال (^٢).\n﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ حتى قال أبو جهل: إنَّ محمدًا وأصحابه أَكَلَةُ جَزُورٍ (^٣).\nقلَّلهم في أعينهم قبل الْتِحام القتال له ليَجْترؤوا (^٤) عليهم، ولا يستعدُّوا لهم، ثم كثَّرهم بعده حتى رأوهم مثلَيْهم لتُفاجئهم الكثرة فتهيبهم (^٥) وتكسر حدَّتهم وشوكتهم، وذلك من عظائم آيات تلك الوقعة (^٦)، وليس هذا التَّفاوت في الإبصار مع تساوي الشروط إلا بخرق العادة.\n﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كرَّره لاختلاف الفعل المعلَّل به، أو لأنَّ المرادَ بالأمرِ ثمَّةَ: الالتقاءُ على وجه المحكي، وهاهنا: إعزاز الإسلام وأهله، وإذلالُ الكفر وحزبه.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فلا رادَّ لقضائه ولا تغيير لتقديره.\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٧٨٣٣)، والطبري في \"تفسيره\" (١٠/ ٣٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٧١٠).\n(^٢) أي: من المفعول الثاني. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ١٣٣).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦١). دون ذكر اسم القائل عند الزمخشري.\n(^٤) في (ف): \"ليتجرؤوا\"، وفي (م): \"ليجرؤوا\".\n(^٥) في (ك): \"فئتهم\"، وفي (م): \"فيتهم\".\n(^٦) في (ف): \"الواقعة\".","vol":"4","page":273},{"text":"<span id=\"aya-1205\"> </span>(٤٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ﴾؛ أي: حاربتم؛ فإنَّ اللِّقاء مما غلبَ في القتال.\n﴿فِئَةً﴾ الانقطاع معتبر في مفهوم الفئة، أصلها من فَأَوْتَ رأسَه بالسَّيفِ: إذا قطعتَه، والجماعة المنقطعة عن المؤمنين كفَّارٌ أو بغاةٌ، ومَن لم يقف على هذه الدَّقيقة الأنيقة قال: ولم يصفهم لأنَّ المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفَّار (^١).\n﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في مواطن الحرب، داعين (^٢) له، مستظهِرين بذكره (^٣)، ومترقِّبين لنصره.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: تظفرون بالنُّصرة والمثوبة.\nوفيه تنبيه على أنَّ المؤمن يجب أن يداوم على ذكر الله تعالى، خصوصًا عند الشَّدائد؛ ليجتمع همُّه ولا يتوزَّع باله، ويتشجَّع (^٤) قلبه، ويطمئنَّ بالتَّوجُّه نحوَه، ويستمدَّ منه فيتأيَّد، ويستظهرَ بقوَّته وحَوْلِه.\n* * *\n_________\n(^١) رد على الزمخشري ومن تابعه. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦٢)، و\"البحر\" (١١/ ١٢١). وتعقبه الآلوسي بقوله: (ومنهم من زعم أن الانقطاع معتبر في معنى الفئة لأنها من فاوت؛ أي: قطعت، والمنقطع عن المؤمنين إما كفار أو بغاة، وبني على ذلك أنه لا ينبغي أن يقال: لم توصف لظهور إلخ وليس بشيء كما لا يخفى) انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ١٤٢).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"دائمين\".\n(^٣) في (ك): \"لذكره\".\n(^٤) في (م): \"ويشجع\".","vol":"4","page":274},{"text":"<span id=\"aya-1206\"> </span>(٤٦) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ باتفاق الكلمة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ باختلافها، تنازُعَكم بأحد.\n﴿فَتَفْشَلُوا﴾ نصبٌ بإضمار (أنْ) (^١)، أو جزمٌ داخلٌ في حكم النَّهي.\nوقرئ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ بالتاء والنصب عطفًا على الأول، وبالياء والجزم على الثاني (^٢).\nأي: تذهب دولتكم، على أن الرِّيح مستعارَة للدَّولة، شبِّهت في تمشِّي أمرها ونفاذه بالرِّيح في جريها وهبوبها، يقال: هبت رياح فلان: إذا آلت إليه الدولة، ومنه قولُ عليٍّ ﵁:\nولا خيرَ في ودِّ امرئ متلوِّنٍ … إذا الريحُ مالت مالَ حيث تميلُ (^٣)\nوقيل: ذهاب الريح على ظاهره؛ فإنه لم يكن نصرٌ قطُّ إلَّا بريحٍ يبعثُها اللهُ تعالى، كما قال ﵇: \"نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبورِ\" (^٤).\n﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالكلاءة والنصر.\n* * *\n_________\n(^١) \"أن\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٢) نسبت لعيسى بن عمر. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٥٣٦).\n(^٣) نسب البيت للشافعي. انظر: \"تاريخ ابن عساكر\" (٤٣/ ١١)، أما البيت الذي نسب لعلي ﵁ كما في \"ديوانه\" (ص: ٣٤) في القصيدة المسماة بـ \"الزينبية\":\nلا خير في ودِّ امرءٍ متملقٍ … حلوِ اللسان وقلبه يتلهب\n(^٤) رواه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"4","page":275},{"text":"<span id=\"aya-1207\"> </span>(٤٧) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ يعني: قريشًا حين خرجوا لحماية العير.\n﴿بَطَرًا﴾ البَطَرُ: سوء احتمال الغنى (^١)، ومن آثارِه: الفخرُ والأَشرُ.\n﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ليُثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة.\nنزلت في أبي جهل وأصحابه، خرجوا من مكَّة لنصرة العير بالقَيْنات والمعازف، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثل هؤلاء بَطِرين طَرِبين مُرائين بأعمالهم. ويلزمه الأمرُ بالتَّقوى والإخلاصِ بناءً على أنَّ النَّهي عن الشَّيء يستلزمُ الأمرَ بضدِّه.\nوأمَّا ما قيل: وذلك أنَّهم لما بلغوا الجُحْفَةَ (^٢) وأتاهم رسولُ أبي سفيان أنِ ارجعوا فقد سلِمَتْ عيرُكم، فقال أبو جهلٍ: لا والله حتى نقدَم بدرًا، ونشرب بها الخمور، وتَعزف علينا القِيَان، ونُطعم بها مَن حضَرنا من العرب (^٣). فوافَوها ولكن سُقُوا كأسَ المنايا، وناحَتْ عليهم النَّوائح (^٤) = فلا يصلح وجهًا لخروجهم من مكَّة بَطِرين ومرائين.\n﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ نصب على الحال، أو المفعول لهما.\n﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عطفٌ عليهما: حالَين مطلقًا، ومفعولًا لهما على تأويل المصدر؛ أي: وصدُّوا عن سبيل الله.\n_________\n(^١) في (ف): \"الفتى\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"جحفة\".\n(^٣) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٦١٨)، و\"تفسير الطبري\" (١١/ ٢١٧).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٧).","vol":"4","page":276},{"text":"﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالمٌ به فيجازيكم عليه، وعيدٌ وتهديدٌ لمن بقيَ مِنَ الكفَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1208\"> </span>(٤٨) - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ منصوب بـ ﴿اذْكُرْ﴾.\n﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ التي عملوها في معاداةِ الرَّسولِ ﷺ.\n﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ﴾ خبر ﴿لَا غَالِبَ﴾؛ أي: كائنٌ لكم، أو صفتُه، وليس صلتَه بمعنى: لا غالب إيَّاكم، وإلَّا لكان منصوبًا، كقولك: لا ضاربًا زيدًا عندَنا.\n﴿الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ والجار: هو المجير الذي يعطي الخائفَ الأمانَ.\nروي عن ابن عباس ﵄: أن المشركين تخوَّفوا من بني بكر بن كنانة؛ إذ كانوا قَتلوا منهم قتيلًا، فلم يأمنوا يومَ خروجهم إلى بدرٍ أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك وهو من بني بكر، وقال: أنا جارٌ لكم من بني بكر، فركنوا إلى قوله، وساروا وهو معهم، حتى إذا التقى المسلمون والكفَّار أسلمهم شرَّ مَسْلَمٍ، وتبرَّأَ منهم، ولَمَّا نكصَ على عقيبه أخذ الحارث بن هشام بيده فقال: أعلى هذه الحالة تخذلُنا؟ قال: إني أرى ما لا ترون، قال الحارث: والله ما نرى إلا جَعاسيس يثرب (^١)، قال: إني أخاف الله، قال الحارث: فهلَّا كان هذا أمس، فدفع\n_________\n(^١) الجعسوس، بالضم: القصير الدميم اللئيم الخلقة والخلق القبيح. \"تاج العروس\" (مادة: جعس).","vol":"4","page":277},{"text":"في صدر الحارث وانطلق، فانهزم النَّاس، فلما قدموا مكَّة، قال: هزم النَّاسَ سراقةُ بن مالك، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمْتُ النَّاسَ، فوالله ما شعرْتُ بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا: ما أتيتنا يومَ كذا؟ فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان (^١).\nوذهب بعضهم إلى أن التَّزيين (^٢) في هذه الآية وما بعده من الأقوال هو (^٣) بالوسوسة والمحادثةِ في النُّفوس، ولا يخفَى ضعفه؛ فإن قوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ ليس مما يُلْقَى بالوسوسة، وكذا النُّكوص (^٤) على عقيبه وما بعده من الأقوال، وليس مما يُلْقَى بها.\n﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ تراءت: تفاعَلَت من الرُّؤية؛ أي: رأى كلٌّ من الفريقين الأخرى، وهذه الحالة قبل الالتقاء.\n﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ لبيانِ أنَّه انهزم على أسوأ الحال.\n﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾: إني رجعت عمَّا كنْتُ ضَمِنْتُ لكم من الأيمان.\n﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ تعليلٌ لبراءته، قاله (^٥) حينَ رأى إمداد المسلمين بالملائكة، كأنه يقول: إني كنْتُ مجيرَكم من النَّاس، وضمنْتُ لكم الغلبة\n_________\n(^١) رواه عنه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٢٢١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٧١٥). وانظر الخبر في: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٦٦٢).\n(^٢) في النسخ: \"التزين\"، والصواب المثبت.\n(^٣) \"هو\" ليس في (ك).\n(^٤) في هامش (م): \"نكص الشيطان؛ أي: رجع القهقرى خوفًا مما يرى. زيادة، وقوله: على عقيبه\".\n(^٥) في (ف) و(م): \"قال\".","vol":"4","page":278},{"text":"عليهم، وأرى ما ليس من جنسهم (^١) جاؤوا لمحاربتكم.\n﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾: إني أخاف عقابه على أيدي مَن أراهم ولا ترونهم أنتم.\nقال قتادة وابن الكلبي: إن هذه معذرةٌ كاذبة، ولم تلحقه قطُّ مخافةٌ (^٢).\nوقال الزجَّاج وغيره: بل خاف مما رأى من الأمر وهوله أنه يومُه الذي أُنظر إليه (^٣).\n﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يُرَدُّ عقابه بشيء ولا يُقاوَم، والظَّاهر أنَّه من كلامه؛ إذ على تقدير كونه مستأنفًا يكون تقريرًا لمعذرته، ولا يقتضيه المقام، فيكون فضلةً في الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1209\"> </span>(٤٩) - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ بالمدينة ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: والذين ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام، بل كانوا على حرف.\nوعن الحسن: هم المشركون (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"جنسكم\".\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٥٣٩)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ١٢٩). ورواه عنهما عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٢٦٠)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٢٢٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٧١٦)، عن قتادة قال: (ذُكر لنا ..). وذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٤/ ٣٦٦) عن قتادة وابن إسحاق.\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٤٢١).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٨).","vol":"4","page":279},{"text":"ويحتمل أن يكون صفةً للمنافقين، والواو للجمع بين الصفتين؛ أي: الجامعون بين النفاق والشرك.\n﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: المسلمين (^١) ﴿دِينُهُمْ﴾ حيث وثقوا به، وتعرَّضوا لِمَا لا يَدَيْ (^٢) لهم به، فخرجوا وهم ثلاثُ مئة وبضعةَ عشر إلى زُهاء ألف.\n﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جواب لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالبٌ لا يَذلُّ مَن استجارَ به وإنْ قلَّ، ويتسلَّط بتأييده على الكثير القوي.\n﴿حَكِيمٌ﴾ يفعل بحكمته ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1210\"> </span>(٥٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\n﴿وَلَوْ تَرَى﴾: ولو رأيت؛ فإن (لو) تردُّ المضارع ماضيًا، كما تردُّ (إنْ) الماضي مضارعًا، وإنما عدل عن الماضي إلى المستقبل لتصوير الحال الماضية بالاستحضار استفظاعًا لها.\n﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدر، و﴿إِذْ﴾ ظرفُ ﴿تَرَى﴾ (^٣)، والمفعول محذوف؛ أي: ولو ترى الكفرةَ أو حالَهم حينئذ.\n_________\n(^١) \"أي المسلمين\": من (م).\n(^٢) في (ف): \"لما بدى\"، وفي (ك) و(م): \"لما بدا\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦٣)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ١٤٨)، وهو الصواب. و(يدي) مثنى يد بمعنى القدرة؛ أي: لا طاقة لهم به، وهذا التركيب سمع من العرب بهذا المعنى، وحذفت نون التثنية منه كما أثبتت الألف في: لا أبًا لك؛ لتقدير الإضافة فيها. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) \"ترى\" سقط من (ك).","vol":"4","page":280},{"text":"و﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ فاعل ﴿يَتَوَفَّى﴾، ويدل عليه قراءة: ﴿تَتَوَفَّى﴾ بالتاء (^١)، والأصل في القراءتين التوفيق بينهما مهما أَمْكَن، فلا وجه لِمَا قيل: ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى، وهو مبتدأ خبره: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ في ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ والجملة حال من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، واستُغني فيه بالضمير عن الواو، وهو على ما ذكرنا حالٌ منهم، أو من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾، أو منهما؛ لاشتماله على الضميرين.\n﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾: ظهورَهم وأستاهَهم، وتخصيصُها بالضَّرب (^٢) لكونِ الخزي والنَّكال في ضربها أشد، ويجوز أن يكون المراد (^٣) تعميمَ الضَّرب لِمَا أقبلَ منهم وما أدبر.\nوحُذف جواب ﴿وَلَوْ﴾ للتَّفظيع والتَّهويل؛ أي: لرأيْتَ أمرًا عظيمًا لا يمكن وصفُه.\n﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: ويقولون: ذوقوا عذاب النَّار؛ فإنَّ الحريقَ اسمُ النَّار، قيل: كانت معهم (^٤) مقامعُ من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1211\"> </span>(٥١) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ الضَّرب والعذاب ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: بسببِ ما كسبتُم من الكفر والمعاصي، وهو خبر لـ ﴿ذَلِكَ﴾، يحتمل أن يكون من كلامهم، وأن يكون من كلام الله تعالى.\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٦).\n(^٢) \"وتخصيصها بالضرب\" من (م).\n(^٣) \"المراد\" من (م).\n(^٤) \"معهم\" من (م).","vol":"4","page":281},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ جملة حاليَّة لتقرير ما فُهِمَ ممَّا سبَقَ مِن أن ما يُفعل بهم إنما يُفعل (^١) جزاءً بما كسبوه، فيكون عدلًا مَحْضًا.\nولو قيل: (ليس بظالم) لكان أبلغَ (^٢)، والعدولُ عنه إلى صيغة المبالغة للتَّنبيه على أن شأنه تعالى يقتضي أن يكون كلُّ وصفٍ يثبت له بالغًا إلى حدِّ الكمال.\nومَنْ لم يتنبَّه لهذه الدَّقيقة الأنيقة زعم أنه لأَجْل العبيد (^٣)، ولم يدرِ أنَّ ما يُقالُ: إنَّ اللهَ تعالى ليس بظلَّام للعبيد، نفيٌ للمبالغة (^٤)، ونفي مبالغة الظُّلم لا يستلزم نفي أصله، بل ربَّما يوجب إثباته بدليل الخطاب، وبرجوع النَّفي إلى القيد لا يندفع بما ذُكر؛ إذ المعنى حينئذ نفيُ ظلمه تعالى عن الكلِّ، ولا يلزمه نفيُه عن كلِّ واحد، فإنَّ رفعَ الإيجاب الكلِّيِّ لا ينافي الإيجاب الجزئيَّ.\nوقيل: (أنَّ الله) تعالى عطفٌ على (ما قدَّمت)؛ أي: ذلك العذاب بسببين: بسبب ما كسبوا، وبسبب أنَّ الله ليس بظلَّام؛ لأن تعذيب الكفَّار من العَدْل.\n_________\n(^١) \"إنما يفعل\" ليس في (ف).\n(^٢) يعني: نفي نفس الظلم أبلغ من نفي كثرته، ونفي الكثرة لا ينفي أصله بل ربما يشعر بوجوده. وإنما قال المؤلف هذا ليتبعه ببيان العلة في العدول عنه إلى لفظ التنزيل، ولو قال: الكان أبلغ في الظاهر) لكان أولى؛ لئلا يوهم أن يكون لفظ أبلغ من لفظ القرآن.\n(^٣) في هامش (م): \"قاضي\". والمراد به البيضاوي، فقد قال في \"تفسيره\" (٣/ ٦٣) حيث قال: و(ظلام: التكثير لأجل العبيد). والمراد: أنه كثِّر توزيعا على الآحاد، كأنه قيل: ليس بظالم لفلان، ولا بظالم لفلان، وهكذا، فلما جمع هؤلاء عدل إلى ظلام لذلك. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ١٥٣).\n(^٤) في (م): \"إن الله تعالى ليس بظالم أصلًا\"، والمثبت من (ك)، وعبارة: \"ليس بظالم أصلا\" موجودة فيها لكن مضروب عليها.","vol":"4","page":282},{"text":"وَيرِدُ عليه: أنا سلَّمنا ذلك، لكنَّ تركَ التَّعذيب من مستحقِّه ليس بظلم، بل فضلٌ، فلا ينتهِض نفيُ الظُّلم سببًا للتَّعذيب (^١).\nوقيل: إنَّ العطف المذكور للدلالة على أن سببيَّته مقيَّدة بانضمامه؛ إذ لولاه لأَمكنه أن يعذبهم بغير ذنوبهم.\nوفيه: أنَّ الحاجة إلى ما ذُكِرَ لانحصار السببية فيما كسبوا، بحيث لا يكون التَّعذيب بسببٍ آخر محتملًا، وذلك غير مُستَفادٍ من الكلام، وليس بمقتضًى للمقام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1212\"> </span>(٥٢) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الكاف في محل الرفع؛ أي: دأبُ هؤلاء مثلُ دأب آل فرعون. والدَّأبُ: العادة والعمل الذي دَأَبُوا فيه؛ أي: واظبوا عليه.\n﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: من قبلِ آل فرعون.\n﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تفسيرٌ لِدَأبهم.\n﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أخذ هؤلاء.\n﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ لا يغلبُه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يُطَاقُ عقابُه، ولا يردُّه شيء.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"بسبب التعذيب\"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦٣)، و\"حاشية الشهاب\" (٤/ ٢٨٤).","vol":"4","page":283},{"text":"<span id=\"aya-1213\"> </span>(٥٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما حلَّ بهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللهَ تعالى ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾: مبدِّلًا ﴿نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ بالنقمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا﴾: يبدِّلوا ﴿مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: ما بهم من الحالِ إلى حالٍ أسوأ منها، كما بدَّلَتْ قريشٌ حالَهم في صلة الرَّحم وعدَمِ التَّعرُّض للآيات والرُّسل وإن كانوا كفرةً؛ لأن الكفرَ لا يمنع النِّعمة الدُّنيوية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] بمعاداة (^١) الرَّسول ﷺ ومَن تابعه، وإيذائهم، والسَّعي في قتلهم، والاستهزاء بالآيات، إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعث، فبدَّلَ اللهُ تعالى ما أنعمَ به عليهم من الإمهال وحُسن الحال في العاجل، وعاجلهم بالعذاب.\nأي: سنَّةُ الله تعالى جارية بأنْ يغيِّر نعمته على من أنعم عليهم عند تغييرهم حالَهم، فالسبب مفهومُ ما ذُكِرَ لا مَنطوقُه.\nوأصل ﴿يَكُ﴾: يكون، فلمَّا دخلها ﴿لَمْ﴾ جزَمتْها، فالْتَقى ساكنان، فحذف الواو، فبقي: لم يكن، ثمَّ لَمَّا كثر استعماله حذفوا النُّون تخفيفًا، فإذا تحركت أثبتوها، قالوا: لم يكنِ الرَّجل، كذا قال الجوهري (^٢).\nوالذي ذكره ليس بحتْمٍ؛ فإنَّ النون قد تثبت عند السُّكون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر: ٣٣].\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.\n* * *\n_________\n(^١) قوله: \"بمعاداة\" متعلق بقوله: \"بدلت\"؛ أي: (كما بدلت قريش حالها في صلة الرحم … بمعاداة).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: كون).","vol":"4","page":284},{"text":"<span id=\"aya-1214\"> </span>(٥٤) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ تكريرٌ للتأكيد، وفي تفسير تغييره (^١) زيادةُ دلالة على كفران النِّعم وجحود الحقِّ (^٢)؛ لِمَا في لفظ الرَّبِّ المضاف إليهم من الإشعار بكونه منعِمًا عليهم.\nوقيل: الأوَّل لتشبيه الكفر والأخذ به، والثَّاني لتشبيه التغيير في النِّعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم.\nوفيه: أنَّه لا مساعدة للتَّخصيص المذكور، لا من جهة المقام، ولا من جهة نظم الكلام.\n﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: عاجلًا ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ على العموم، دلالةُ الباء على السببية المطلقة، والسببيةُ للعذاب العاجل (^٣) إنما تُستفاد من الفاء (^٤).\n﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على الخصوص، وفيه بيان الأخذ بالذُّنوب.\nوفي قوله: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ إشارة إلى أنَّ سببَ الأخذ ظلمُهم، وفيه تقرير لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]؛ أي: المشبَّهون الذين هم قتلى قريش، والمشبَّه بهم الذين هم آل فرعون والذين من قبلهم، كلُّهم كانوا ظالمين أنفسَهم بالكفر والمعاصي، فتشبهُ (^٥) شدَّة ظلمهم لعقابهم، فما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.\n_________\n(^١) في (ف): \"تغيير تفسيره\".\n(^٢) في هامش (ف): \"كيف وقضية التغيير من تتمة التشبيه الأول. منه\".\n(^٣) \"العاجل\" من (م).\n(^٤) \"من الفاء\" سقط من (ك).\n(^٥) في (ف) و(م): \"فشبه\".","vol":"4","page":285},{"text":"<span id=\"aya-1215\"> </span>(٥٥) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أصرُّوا على الكفر ورسخوا فيه؛ لأنَّ (^١) بمجرَّد الكفر لا يصحُّ الإخبار عنهم بعدم الإيمان.\n﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلا يُتوقَّع منهم الإيمان لكونهم مطبوعًا على قلوبهم.\nمعنى الفاء السَّببية: التَّنبيه على أن كفرهم في الرُّسوخ بحيث يوجبُ انتفاءَ صدور الإيمان منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1216\"> </span>(٥٦) - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بدلَ الكلِّ أو البعض؛ للبيان أو التَّخصيص، وهم يهود قريظةَ، عاهدهم رسولُ الله ﷺ أن لا يمالئوا عليه، فأعانوا المشركين بالسِّلاح، وقالوا: نسينا، ثم عاهدهم فنكثوا، ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركبَ كعبُ بن الأشرف إلى مكَّة فحالفهم (^٢).\nوإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ لتضمُّن المعاهدة معنى (^٣) أخذِ الميثاق.\nوالمراد من المرة في قوله: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾: مرةُ (^٤) المعاهدة أو المحاربة.\nوإنما كانوا شرَّ الدَّواب؛ لأنَّ نقضَ العهد خروج عن المروءةِ والإنسانيَّة،\n_________\n(^١) في (ك): \"لا\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٣٥)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ١٥٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٣٠).\n(^٣) في (ف) و(م): \"مع\"، وفي هامش (م): \"لعله: معنى\"، والمثبت من (ك).\n(^٤) \"مرة\" من (م).","vol":"4","page":286},{"text":"فخالفوا مقتضى فطرتهم بالكفر ونقض العهد الأوَّل الفِطري، فانحطُّوا عمَّا جُبِلوا عليه، ثم أصرُّوا على ذلك، ثم نكثوا العهد الظَّاهر، فكانوا شرَّ الدَّواب؛ لكونها على ما جُبلَتْ عليه.\n﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ عاقبةَ الغدر، ولا يبالون بوخامتها في الدُّنيا والآخرة، مِنَ العار والنَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1217\"> </span>(٥٧) - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\n﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ وتظفرون بهم؛ أي (^١): تقتلهم شرَّ قِتلة، والثَّقف: الإدراك بسرعة.\n﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: فنكِّل هؤلاء تنكيلًا يكون سببًا لشرود مَن وراءهم خوفًا منك. والتَّشريد: التَّفريق على اضطراب.\nوقرئ: (فَشَرِّذْ) بالذال المعجمة (^٢)، وكأنه مقلوبٌ من: شَذِّر.\nوقرئ: (مِنْ خَلْفِهُم) (^٣)، والمعنى واحد، فإنه إذا شرَّد مَن وراءهم فقد فعَل التشريد في الوراء.\n﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعل المشرَّدين ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: يتَّعظون (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"أو\".\n(^٢) نسبت لابن مسعود. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٨٠).\n(^٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠).\n(^٤) في (ك): \"يتفطنون\".","vol":"4","page":287},{"text":"<span id=\"aya-1218\"> </span>(٥٨) - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.\n﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ معاهدين ﴿خِيَانَةً﴾ بأمارةٍ تلُوح لك (^١). الخيانة: نقضُ عهدٍ فيما ائتُمِن عليه.\n﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ النَّبذُ: إلقاءُ الخبر إلى مَن لا يعلمه بما يوجِبُ أنَّه حربٌ.\n﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ استواءِ حالٍ من (^٢) النَّابذ والمنبوذ إليهم؛ أي: ألقِ إليهم الخبر أنَّك نقضْتَ العهد الذي بينك وبينهم؛ لتكونوا أنتم وهم في العلم بالنَّقض على استواء؛ أي: مُسْتوين فيه، ولا تحاربهم قبلَ الإعلام؛ فإنه خيانة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ تعليل للأمر بالنَّبذِ، والنَّهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1219\"> </span>(٥٩) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ خطاب للنَّبيِّ ﷺ، وقوله (^٣): ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مفعولاه.\nوقرئ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بياء الغيبة (^٤)، والفاعل ضمير يعود على الرسول ﵇ أو على السَّامع، والمفعول الأوَّل: ﴿الَّذِينَ﴾، والثاني: ﴿سَبَقُوا﴾.\n_________\n(^١) في النسخ: \"تلوح ذلك\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦٤).\n(^٢) سقطت اللوحة رقم (٢٥١) من (ك)، وكررت اللوحة (٢٥٤). وتبدأ اللوحة من هنا، وتنتهي قبل قوله: \"مقاومة الكثير من الكفار\".\n(^٣) \"وقوله\" من (م).\n(^٤) قرأ بها حفص وابن عامر وحمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٧).","vol":"4","page":288},{"text":"وقيل: أصله: أنْ سَبَقوا، فحُذفت (أنْ)، كما في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤]، ودليله قراءة ابن مسعود ﵁: (أنهم سبقوا) (^١).\nوهذه القراءة (^٢) لم ينفرد بها حمزة كما تُوهِّم (^٣)، بل وافقه ابن عامر وعاصم في رواية حفصٍ عنه.\n﴿أنَّهم لا يُعْجِزون﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تحسبنَّهم سبقوا فأَفلتوا؛ لأنهم لا يفوتون الله، ولا يجدونه طالبَهم عاجزًا عن إدراكهم.\nوقرئ ﴿إِنَّهُمْ﴾ بالكسر (^٤)، على أنه تعليلٌ على سبيل الاستئناف، والمراد: الإزاحة لِمَا يُحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو.\nعن الزهري: أنَّها نزلَتْ فيمَنْ أَفلَت مِن فَلِّ المشركين (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٤١٤)، و\"حجة القراءات\" لابن زنجلة (ص: ٣١٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٣١). وهذا الوجه من الإعراب ذكره الفراء وتعقبوه بأن حذف (أنْ) المصدرية ضعيف في القياس شاذ في الاستعمال، فلا ينبغي أن يخرج عليه كلام الله تعالى. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ١٦٤).\n(^٢) أي قراءة: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء.\n(^٣) المتوهم الزمخشري إذ قال في \"الكشاف\" (٢/ ٢٣١): (وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة). وقد ردوا عليه بأنها - كما نقل الآلوسي - أنور من الشمس في رابعة النهار، وأن جمعا من كبار الأئمة قد قرؤوا بها أيضا منهم ابن عامر، وهو - كما قال أبو حيان - من العرب الذين سبقوا اللحن، وقرأ على عثمان ﵁. انظر: \"البحر\" (١١/ ١٤٢)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ١٦٣).\n(^٤) هي قراءة الجمهور عدا ابن عامر فقد قرأ بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٧).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣١). وكلمة: \"فل\" سقطت من (ف).","vol":"4","page":289},{"text":"<span id=\"aya-1220\"> </span>(٦٠) - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\n﴿وَأَعِدُّوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿لَهُمْ﴾ لناقضي العهد، أو للكفار ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ مِنْ كلِّ ما يُتقوَّى به في الحرب، وعن عقبة بن عامر ﵁: سمعته ﵇ يقول على المنبر: \"ألا إنَّ القوَّة الرَّمي\"، قالها ثلاثًا (^١). والمراد: أنه أقواها.\n﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الرِّباط: شدٌّ أيسر من العقد، يقال: ربَطَه يَربِطُه رَبْطًا ورِبَاطًا، وصار اسمًا للمربوط، إلَّا أنَّه لا يستعمل إلا في الخيل (^٢)، فالإضافة باعتبار عموم المفهوم الأصلي (^٣)، ويحتمل أن يكون جمع ربيط، كفصيل وفصال.\nوقرئ: (رُبط الخيل) بضم الباء وسكونها (^٤)، جمع رباط.\nوعطفُها على ﴿قُوَّةٍ﴾ كعطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة ﵈.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٩١٧).\n(^٢) في هامش (ف): \"فيه رد لمن وهم وقال: إنه اسم للخيل التي تربط. منه\". والقائل لذلك الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٢).\nوفي هامش (ف) أيضًا: \"رد لمن وهم أنَّه إضافة الشيء إلى نفسه: منه\"، وفوقه: \"سعد الدين\"، والصواب أن قائله الطيبي تعقيبا على قول الزمخشري، ولفظه: قوله (أي: الزمخشري): (والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله): قيل: فإذن يلزم من إضافته إلى الخيل إضافة الشيء إلى نفسه. انظر: \"فتوح الغيب\" (٧/ ١٤١).\n(^٣) في (م): \"باعتبار عموم مع مفهوم الأصل\". والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"نواهد الأبكار\" للسيوطي (٣/ ٤٧٧)، والكلام منقول عن السعد التفتازاني كما صرح السيوطي.\n(^٤) بالضم نسبت إلى الحسن، وبالسكون لأبي حيوة. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠).","vol":"4","page":290},{"text":"﴿تُرْهِبُونَ﴾ الإرهاب: إزعاج النَّفس بالخوف، ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما استطعتم، أو بالإعداد ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾؛ يعني: كفَّار مكَّة.\n﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: من غيرهم من الكفرة، قيل: هم اليهود، وقيل: المنافقون، وقيل: الفرس.\n﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾: لا تعرفونهم بأعيانهم ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: يعرفهم.\n\n﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ جزاؤه، وفي عبارة ﴿يُوَفَّ﴾ بعد بيان ما ينفَق بقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إشارةٌ إلى أنه وإنْ كان قليلًا فجزاؤه جليل.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بتضييع العمل.\nقيل: أو نقصِ الثَّواب. ومَبناه على استحقاق العبد بالعمل للثواب، وقد عرفت ما فيه في تفسير: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].\n* * *\n\n(٦١) ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾\n\n<span id=\"aya-1221\"> </span>﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾: مالوا، ومنه الجَناح، وتعديتُه باللام أو إلى.\n﴿لِلسَّلْمِ﴾: للصلح والاستسلام ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وعاهِدْ معهم. وتأنيث الضمير لحمل السّلم على نقيضها وهو الحرب.\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: ولا تخف من إبطالهم خداعًا فيه؛ فإنَّ الله تعالى يَعصمك منه ويُحيقه بهم ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم وأحوالهم.","vol":"4","page":291},{"text":"والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتِّصالها بقصتهم، وقيل: عامَّة نسخَتْها آيةُ السَّيف.\n* * *\n(٦٢) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1222\"> </span>﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بالصُّلح ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ ﴿حَسْبَكَ﴾ بمعنى: مُحْسِبُكَ وكافيْكَ، قال جريرٌ:\nإِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم … أَنْ تَلْبسُوا حُرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا (^١)\n﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بجماعة المؤمنين واتفاقِ كلمتهم، على ما دلَّ عليه قوله:\n\n<span id=\"aya-1223\"> </span>﴿وَأَلَّفَ﴾؛ أي: أوقع التَّأليف ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ حتى صاروا كنفسٍ واحدةٍ بعد ما كان فيهم من العصبية والغضبية في أدنى شيء، والتَّهالكِ على الانتقام، بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان، كما بيَّنَه بقوله:\n﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: تناهي عداوتهم إلى حدٍّ لو أنفق منفقٌ في إصلاح ذاتِ بينِهم ما في الأرض من الأموال لا يقدرُ على الألفة والإصلاح.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بقدرته البالغة؛ فإن المالك للقلوب يقلِّبها كيف يشاء.\n_________\n(^١) اختلف في نسبة البيت؛ ففي \"الكتاب\" لسيبويه (٣/ ١٥٣)، و\"أدب الدنيا والدين\" للماوردي (ص: ٢٣٩) نسب لعبد الرحمن بن حسان. وفي \"الحماسة البصرية\" (٢/ ٢٦٥)، و\"شرح أبيات سيبويه\" للسيرافي (٢/ ٢٦٨) نسب لسعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. وفي \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٤٧٦)، و\"تاريخ دمشق\" (٢٩/ ١٨١) نسب لحسان بن ثابت ﵁. وفي \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٣) لجرير.","vol":"4","page":292},{"text":"﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القدرةِ والغَلَبةِ، لا يُعصى عليه ما يريدُه.\n﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم (^١) أنه كيف ينبغي أن يَفعل ما يريد.\nوقيل: الآية في الأوس والخزرج، وكان بينهم من الحرب والوقائع ما أهلَكَ سادتهم ورؤساءهم، ولم يكن لبغضائهم أمدٌ ومُنتهًى، وبينهما التَّجاوُر (^٢) الذي يَهيجُ الضَّغائن ويُديمُ التَّحاسد، وكان كلٌّ من الطَّائفتين يتجنَّب ما آثَرتْه الأخرى، ويكره ما أحبَّته، فأنساهم الله تعالى ذلك كلَّه حتى توافقوا على الإسلام والطَّاعة، وتصادَقُوا وتصافَوْا وتحابُّوا، وصاروا أنصار الله، وذلك من المعجزات الباهرة، والآيات الظَّاهرة (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1224\"> </span>(٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كفاك الله تعالى وكفى أتباعك من المؤمنين ناصرًا، وكفاك الله تعالى وكفاك المؤمنون، على أنَّ (مَن اتَّبعك) في محل النَّصب على المفعول معه، كقولك: حسبك وزيدًا درهم، أو الرفعِ عطفًا على اسم الله.\nنزلت في البيداء في غزوة بدر (^٤).\nوقيل: نزلت عند إسلام عمر ﵁ (^٥).\n_________\n(^١) \"يعلم\" من (م).\n(^٢) في (ف) و(م): \"التجاوز\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٤)، وانظر: \"تفسير الطبري\" (١١/ ٢٥٦)، و\"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٣٧٠).\n(^٤) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٥٤٩).\n(^٥) رواه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٤٧٠) وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨): (فيه إسحاق بن بشر الكاهلي، وهو كذاب). وقال القرطبي في \"تفسيره\" (١٠/ ٦٧): (وقع في =","vol":"4","page":293},{"text":"<span id=\"aya-1225\"> </span>(٦٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ التَّحريضُ: المبالغةُ في الحثِّ على الأمر، من الحَرَضِ، وهو أن يُنهكه المرض حتى يُشرف على الموت. وقرئ: (حَرِّصْ) بالصَّاد المهملة (^١).\n﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ على القتال ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة عليه ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تكرار المعنى الواحد بالأعداد المتناسبة في المقاومة للدّلالة على أنَّ حكمَ القليل والكثير واحد.\nوشَرَط في الوعد والبشارة بغلبة الجماعة من المؤمنين على عشرةِ أمثالٍ من الكفَّار الصَّبرَ حتى يؤيِّدهم بعونه ونصره، ثم قال:\n﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: بسبب أنَّ الكفَّارَ قومٌ جهَلة لا يقاتلون لله تعالى، ولا يثبتون ثبات المؤمنين الذين يبتغون (^٢) بالقتال رضا الله تعالى، فلا يستحقُّون النُّصرة والمعونة؛ لكون دواعيهم منبعثةً من الهوى والشَّيطنة، فاستحقُّوا الهوان والخذلان لتوليهم الشيطان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1226\"> </span>(٦٦) - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n_________\n= السيرة خلافه ..) وانظر باقي كلامه ثمة، وانظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٣٤٢).\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠).\n(^٢) في (ف): \"يثبتون\".","vol":"4","page":294},{"text":"﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ كان في أوَّلِ الأمر لخواصِّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ زيادةُ استبصار وقوَّةُ قلب، حتى لقي حمزة ﵁ في ثلاثين راكبًا أبا جهل في ثلاث مئة راكب (^١).\nفلمَّا اختلط بهم سائر الناس وفيهم مَن يكون به حبُّ الأهل والولد والمال، وأنَّه يضعف القلب عن (^٢) مقاومة الكثير من الكفَّار، خفَّف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين.\n﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتقديره وتيسيره ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ بالنُّصرة والمعونة، فكيف لا يَغلبون (^٣)؟\nفي ضمن الآية مبالغة في شدَّة المطلوبية، ولكونه أهمَّ أُثبت (^٤) في أُولى جملتي التَّخفيف، وحذف من الثانية لدلالة السَّابقة عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1227\"> </span>(٦٧) - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾؛ أي: ما صحَّ له وما استقام. وقرئ: (للنَّبيِّ) على العهد (^٥).\n﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ وقرئ ﴿تكونَ﴾ بالتَّاء (^٦)، وقرئ: ﴿أُسَارَى﴾ (^٧).\n_________\n(^١) وهي سرية حمزة ﵁ إلى سيف البحر. انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٥٩٥).\n(^٢) إلى هنا تنتهي اللوحة التي سقطت من (ك) وتقدم التنبيه عليها.\n(^٣) في (ف) و(م): \"لا يغلبوا\".\n(^٤) في (م): \"وأثبت\".\n(^٥) نسبت لأبي الدرداء وأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠).\n(^٦) قرأ بها أبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٧).\n(^٧) قرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٧).","vol":"4","page":295},{"text":"﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ بإشاعة القتل؛ أي: يُضعفَ الكفر ويُذلَّه، وَيعزَّ الإسلامُ بالنَّصر (^١)، ثم يجوز له الأسر بعد ذلك، ولهذا لمَّا كثر المسلمون وضَربَ الإسلامُ بِجِرانِهِ (^٢) نزلَ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤].\nمِنْ أَثْخَنَهُ المرض: إذا أثقلَه، وأصله: الثَّخانة. وقرئ: (يُثَخِّنَ) بالتَّشديد (^٣)؛ للمبالغة.\n﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: حطامَها بأخذكم الفداء.\n﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ لكم؛ أي: ثوابَ الآخرة، أو سببَ (^٤) نيله من إعزاز دينه وقمع أعدائه.\nوقرئ بجرِّ: (الآخرة) (^٥)، على إضمار المضاف كقوله:\nأَكُلَّ امرئٍ تَحْسَبِيْنَ امْرَأً … ونارٍ تَوَقَّدُ باللَّيلِ نَارا (^٦)\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغلِّب أولياءه على أعدائه.\n﴿حَكِيمٌ﴾ يعلم ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخان ومنع عن\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بالقهر\".\n(^٢) أي: ثَبَتَ واستقام، والجِرَانُ: الصَّدْر، والأصل فيه: أنْ يَبْرُك البعيرُ فيَضرِبَ بصدره الأرضَ، يقال ذلك للشيء إذا ثَبَتَ واستَقرَّ. انظر: \"مجمع الغرائب\" لعبد الغافر الفارسي (مادة: جرن).\n(^٣) نسبت ليزيد بن القعقاع ويحيى بن يعمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠).\n(^٤) في النسخ: \"بسبب\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦٧).\n(^٥) انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٨١)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٣٧).\n(^٦) البيت لأبي دؤاد الإيادي، كما في \"الكتاب\" لسيبويه (١/ ٦٦)، و\"الأصمعيات\" (ص: ١٩١).","vol":"4","page":296},{"text":"الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين، وخيَّر بينه وبين المَنِّ لَمَّا تحوَّلَتِ الحالُ، وصارت الغلبة للمؤمنين.\nوروي: أنَّه ﵇ أُتِيَ يوم بدرٍ بسبعين أسيرًا فيهم العبَّاس وعقيل بن أبي طالب، فاستشار فيهم فقال أبو بكر: قومك وأهلك، استَبْقهم لعلَّ الله يتوب عليهم، وخُذْ منهم فديةً يقوَى بها أصحابك، وقال عمر ﵁: اضرب أعناقهم؛ فإنَّهم أئمَّة الكفر، وإنَّ الله أغناك عن الفداء، مكِّنِّي من فلانٍ - لنسيب له -، ومكِّنْ عليًّا وحمزةَ من أخويهما فلنضرب أعناقهم، فلم يهوَ ذلك رسولُ الله ﷺ، وقال: \"إنَّ اللهَ ليُلينُ قلوبَ رجالٍ حتى تكون ألينَ من اللِّين، وإنَّ اللهَ تعالى يشدِّدُ قلوبَ رجالٍ حتى تكونَ أشدَّ من الحجارة، وإنَّ مَثَلكَ يا أبا بكر مَثَلُ إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَك يا عمر مَثَلُ نوح قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فخيَّر أصحابه ﵃ فأخذوا الفداء، فنزلت (^١).\nقيل: فدخلَ عمرُ ﵁ على رسولِ اللهِ ﷺ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول الله، أخبرني، فإن أجد بكاءً بكيْتُ وإلا تباكَيْتُ، فقال: \"أبكي على أصحابِكَ في أخذِهم الفِداءَ، ولقدْ عُرِضَ عليَّ عذابَهم أدنى مِنْ هذه الشَّجرةِ\" لشجرة قريبة (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٦). ورواه مطولًا ومختصرًا الإمام أحمد في \"المسند\" (٣٦٣٢)، والترمذي (١٧١٤) و(٣٠٨٤) وحسنه، والطبراني في \"الكبير\" (١٠٢٥٨)، من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٦). ورواه \"مسلم\" (١٧٣٦) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ باختلاف يسير. وانظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٢/ ٣٥).","vol":"4","page":297},{"text":"وفيه: أنَّهم ما أخذوا الفداء إلا بعد تخييرهم صاحبَ الشرع فلا يستحقُّون العذاب، وفيما ذكر ما يُفصح عن استحقاقهم إيَّاه.\nثم إنَّ المذكور في سبب النُّزول صريحٌ في أنه ﵇ استشارَ بعضَ أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأخذ برأي أبي بكر في القضية المذكورة، فلا دلالة في الآية المذكورة على أنَّ الأنبياء ﵈ يجتهدون، وأنَّه قد يكون خطأ ولكن لا يُقَرُّون عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1228\"> </span>(٦٨) - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿لَوْلَا كِتَابٌ﴾: حكم وقضاء ﴿مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ إثباتُه في اللَّوح: أني لا أعذِّب إلَّا بعد النَّهي، لعذَّبْتكم فيما صنعْتُم، ولم يكن نهاهم.\nأو: أنَّ الفدية التي أخذوها ستُحَلُّ لهم؛ قال الحسن: إن الله تعالى أطعم هذه الأمَّة الغنيمة، وإنهم أخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤمروا به، فعاتب الله تعالى ذلك عليهم، ثم أحلَّه لهم (^١).\nأو: أن لا يعذِّب أهلَ بدرٍ (^٢).\n﴿لَمَسَّكُمْ﴾ المس (^٣): إصابةٌ يتأثَّر منه البشر ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: بسبب ما أخذتم من\n_________\n(^١) رواه الطبري عنه في \"تفسيره\" (١١/ ٢٧٦).\n(^٢) وهذا أيضًا مروي عن الحسن، رواه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٢٨١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ١٧٣٥).\n(^٣) \"المس\" سقط من (ك).","vol":"4","page":298},{"text":"الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، لما نزلت هذه الآية (^١) أمسكوا عن مدِّ أيديهم إلى شيءٍ من الغنائم، فنزل:\n\n<span id=\"aya-1229\"> </span>(٦٩) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ الفاء للسَّبب، والسَّبب محذوفٌ، تقديره: أحللْتُ لكم الغنائم فكلوا، وفي عموم (ما غنمتم) تدخل الفدية؛ لأنها من جملة الغنائم، وإذا كان تقدير الكلام ما ذُكِرَ، لا يكون فيه متمسَّكٌ لمن زعم أنَّ الأمرَ الوارد بعد الحظر للإباحة.\n﴿حَلَالًا﴾ حالٌ من المغنوم، أو صفةٌ للمصدر؛ أي: أكلًا حلالًا، وفائدته: إزاحة ما وقع في نفوسهم بسبب العتاب، ولذلك وصفَه بقوله:\n﴿طَيِّبًا﴾ لبيان أنَّه لا تبعةَ فيه، فإنَّ الحلالَ قد يكون مكروهًا، فإذا وُصِفَ بالطِّيبِ لا يبقى هذا الاحتمال، وأمَّا الإباحة فلا تجامعه الكراهة، فالمباح أخصُّ من الحلال، ومن هاهنا تبيَّن أنَّ حقَّ المقدر أن يكون: أحللْتُ، دون: أبحْتُ.\nوجُوِّزَ أنْ تكون الفائدة ما وقع في نفوسهم بسبب حرمة الغنائم على الأولين.\nوفيه: أنه ﵇ بعد ما رخَّص وخيَّر بين القتل والفداء لا وجه لأنْ يبقى في نفوسهم احتمال الحرمة، خصوصًا بعدما أقدموا على أخذ الفداء وعملوا بموجب الرُّخصة.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الإقدام على ما لم يُعهَد إليكم فيه حكمٌ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ غفرَ ذنبَكم ﴿رَحِيمٌ﴾ أباحَ لكم ما أخذتم.\n_________\n(^١) في (ف): \"الأمة\"، وسقطت من (ك) و(م)، والصواب المثبت.","vol":"4","page":299},{"text":"ولا يخفى لطفُ موقع هذا الكلام وحسنُ انطباقه بمقتضى المقام، فإن في الأمر بالاتقاء ما يسبق إلى الأوهام من بقاءِ التَّبعة وشيءٍ من الآثام فيما صدرَ عنهم من الإقدام والالتزام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1230\"> </span>(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُم﴾ في ملكتكم (^١) كأنَّ أيديكم قابضةٌ عليهم ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ وقرئ: ﴿من الأُسارى﴾ (^٢).\nأُمرَ النَّبيُّ ﷺ باستمالة (^٣) الأُسارى الذين أخذ منهم الفداء؛ ترغيبًا لهم في الإسلام.\n﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ إخلاصًا في الإيمان وصدقًا في النيَّة.\n﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء: إمَّا في الدُّنيا إخلافًا، وإمَّا في الآخرة إثابةً.\nروي أنَّها نزلَتْ في العبَّاس ﵁؛ كلَّفه رسولُ اللهِ ﷺ أن يفديَ نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال: يا محمَّد! تركتني أتكفَّف قريشًا ما بَقيْتُ، فقال: \"أينَ الذَّهب الذي دفعْتَ إلى أمِّ الفضل وقت خروجك، وقلْتَ لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حَدَث بي حدثٌ فهو لكِ ولعبد الله\n_________\n(^١) \"في ملكتكم\" من (م).\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٧).\n(^٣) في النسخ: \"باستحالة\"، والصواب المثبت.","vol":"4","page":300},{"text":"وعبيد الله والفضل وقثم\"، فقال: وما يدريك؟ فقال: \"أخبرني ربي\"، قال: فأشهد أنَّك صادقٌ، وأن لا إله إلا الله، وأنك رسوله، والله لم يطلع عليه أحدٌ إلا الله، ولقد دفعته إليها في سواد اللَّيل، قال العباس: فأبدلني الله خيرًا من ذلك، لي الآن عشرون عبدًا إن أدناهم ليَضرب في عشرين ألفًا، وأعطاني زمزمَ ما أُحبُّ أنَّ لي بها جميعَ أموال أهل مكَّة، وأنا أنتظر المغفرة من ربكم (^١). يعني: الموعودَ بقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1231\"> </span>(٧١) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ يعني: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾: نقضَ ما عهدوك (^٢) ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ﴾ بالكفر ونقضِ ميثاقه المأخوذ بالعقد ﴿مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: فأَمْكَنك منهم؛ أي: فأَقْدَرك عليهم؛ يعني يومَ بدر، وهم ورؤساؤهم، فكيف بعد ذهابهم بالقتل؟ فإن عادوا للخيانة فيُمْكِنُك منهم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بالأحوال ﴿حَكِيمٌ﴾ في الأفعال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1232\"> </span>(٧٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) روى نحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (٣٣١٠) من حديث عبد الله بن عباس ﵄، والحاكم في \"المستدرك\" (٥٤٠٩) - وصححه - من حديث عائشة ﵂، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ١٤٢) عن الزهري وجماعة.\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (عاهدوك).","vol":"4","page":301},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ وهم المهاجرين، هجروا أوطانهم حبًّا لله ولرسوله.\n﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ بأنْ صرفوها في الكراع والسلاح، وأنفقوا على (^١) المحاويج.\n﴿وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمباشرة القتال.\n﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ أي: آووا المهاجرين إلى ديارهم ﴿وَنَصَرُوا﴾ على أعدائهم، وهم الأنصار.\n﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الميراث، وكان المهاجرون (^٢) والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نُسِخَ بقوله:\n\n﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].\nوقيل: بالنصرة والمظاهرة.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ذكر (^٣) ﴿آمَنُوا﴾ هاهنا دون الثاني؛ لأنَّ قوله: ﴿آوَوْا﴾ يغني عنه، بخلاف قوله:\n﴿وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾ بل يُوْهِمُ خلافَه.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: من تولِّيهم في الميراث ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾.\nوقرئ: ﴿وِلَايَتِهِمْ﴾ بالكسر (^٤)؛ تشبيهًا للتولِّي بالعمل والصِّناعة كالكتابة والإمارة، كأنَّه بتولِّيه صاحبَه يزاول (^٥) عملًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"وأنفقوها في\".\n(^٢) في (م): \"المهاجرين\".\n(^٣) \"ذكر\" سقط من (ف).\n(^٤) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٧).\n(^٥) في (ف) و(م): \"يزول\".","vol":"4","page":302},{"text":"﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾: فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على المشركين.\n﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: عهدٌ، فإنه لا يجوز أن يُنقض عهدهم بنصرهم عليهم.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تحذير عن تعدِّي حدِّ الشرع في الموالاة وتركها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1233\"> </span>(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ظاهرُه إثبات الموالاة بين الكفَّار، والمراد نهيُ المسلمين عن موالاتهم وموارثتهم؛ لأن الموالاة بينهم مترتِّبة (^١) على التَّناسب في الكفر، كترتُّبها بين المؤمنين على التناسب في الإيمان، فالمفهوم عدم الموالاة حيث لا تناسُبَ، فيلزم انتفاءُ موالاة المؤمنين (^٢) والكافرين في التَّوارث، ووجوبُ مصارفتهم ومباعَدتهم وإن كانوا الأقارب.\n﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾: إن (^٣) لم تَمتثِلوا ما أمرتُكم به، ولم تتركوا موالاة الكفار، ولم تفضِّلوا (^٤) نسبة الإيمان على نسبة القرابة، وأخوَّةَ الإسلام على اتصال اللُّحْمية، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفَّار، ولم تجعلوا القرابة دينيَّة فقط.\n_________\n(^١) في (ف): \"مرتبة\".\n(^٢) \"على التناسب في الإيمان فالمفهوم عدم الموالاة حيث لا تناسب فيلزم انتفاء موالاة المؤمنين\" زيادة من (م).\n(^٣) في (ف) و(م): \"وإن\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"تفصلوا\".","vol":"4","page":303},{"text":"﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾: تحصل فتنةٌ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ عظيمةٌ، هي ضعفُ الإسلام وقوَّةُ الكفر.\n﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ في الدِّين؛ لأن المسلمين ما لم يصيروا يدًا واحدة على الكفرة لم يقم الدِّين، وازداد الفساد وكبر.\nوقرئ: (كثير) (^١).\nاكتفى بالتَّنكير في توصيف الفتنة بالكبير؛ للتَّنبيه على أنه لا يفي به التفسير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1234\"> </span>(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لمَّا قسم المؤمنين ثلاثةَ أقسام بيَّنَ أنَّ القسمَيْن الأوَّلَيْن المتواصلَيْن هم الكاملون في الإيمان، الذين حقَّقوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه؛ من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق، وأثنى عليهم، ووعد لهم الموعد الكريم مخصوصًا بهم وبمن لحقهم، حيث قال:\n﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: مغفرة عظيمةٌ ونوعٌ من الرِّزق لا تَبِعةَ ولا مِنَّةَ فيه، والتَّخصيصُ مستفادٌ من تقديم الجار والمجرور.\nوالآية الأولى للأمر بالتَّواصل بينهم والموالاة، وهذه لبيان فضلهم، فلا تكرار.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٠).","vol":"4","page":304},{"text":"<span id=\"aya-1235\"> </span>(٧٥) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار؛ أي: حكمُ اللاحقين بهم المتَّسِمين بسِمَتِهم حكمُ السابقين إلى الهجرة وكمالِ الإيمان والموعد؛ ترغيبًا لهم وتكريمًا.\n﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارث من الأجانب.\n﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في حُكمه، أو في اللَّوح المحفوظ، أو في القرآن، وهو آية المواريث، واستُدلَّ بها على توريث ذوي الأرحام.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم الحكمة في التَّوريث بنسبة الإسلام والمظاهرة أوَّلًا، ثم بنسبة القرابة ثانيًا.\n* * *","vol":"4","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>سورة براءة </span>(^١)\nهي آخرُ ما نزل، ولها أسماء أُخر منها سورة التَّوبة.\nوعن حذيفة ﵁: إنَّكم تسمُّونها سورة التَّوبة، وإنَّها سورة العذاب، والله ما تركَتْ أحدًا إلا نالَتْ منه (^٢).\nقيل: كان النبي ﷺ إذا نزلت عليه آيةٌ أو سورةٌ يبيِّن موضعها، وتوفي ولم يبيِّن موضع هذه السُّورة، وكانت قصَّتها تشابه قصَّة الأنفال وتُناسبها؛ لأن في الأنفال ذكرَ العهود وفي البراءة نبذَها قرن بينهما (^٣).\nوأمَّا أنَّها لم تنضم إليها فلأنَّ الصحابة ﵃ اختلفوا في أنهما (^٤) سورة واحدة - وهي سابعة السَّبع الطِّوال - أو سورتان، فتركت بينهما فرجة، ولم تكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) (^٥)؛ رعاية للاحتمالين.\n_________\n(^١) في (ف): \"سورة التَّوبة\"، وبياض في (م) و(ك)، والصواب المثبت.\n(^٢) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٢٧٤)، وصححه. وانظر: \"الكشاف\" (١/ ٢٤١).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٠). وهذا مأخوذ من حديث عثمان ﵁ الذي رواه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، دون ما ذكر من قصة العهود ونبذها.\n(^٤) في (م): \"أنها\".\n(^٥) \"الرحمن الرحيم\": ليست في (م) و(ك).","vol":"4","page":309},{"text":"ومن قال: إنما تُرِكَتِ التَّسمية بينهما لأنها نزلت لرفع الأمان و(بسم الله) أمانٌ، فكأنه غافلٌ عن أنها توقيفية، لا دخل للرأي في إثباتها وتركها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1236\"> </span>(١) - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿بَرَاءَةٌ﴾ مبتدأ؛ لأنها موصوفة بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: حاصلة منهما، خبره: ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: واصلةٌ إليهم، ويجوز أن تكون ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه براءة، وحينئذ لا حاجة إلى تقدير حاصلة، بل يكفي تقدير: واصلة (^١)؛ أي: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾.\nوالعهد: الذي يُتقدَّم به لتوثيق الأمر به.\nوإظهار ما (^٢) ذكر في صورة الإخبار - وهو أمر في الحقيقة - للمبالغة في مبادرته ﵇ إلى الامتثال للأوامر الواردة.\nوذكرُ الله تعالى تمهيدٌ كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]؛ تعظيمًا لشأنه ﵇، وإشعارًا بأنَّه مِنَ الله تعالى بمكانٍ يوجب إجلالَه (^٣)، وإنما نَسَبَ البراءةَ إلى الرَّسول ﷺ والمعاهدة إلى المسلمين؛ لشركتهم في الثانية دون الأولى.\n﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من أهل مكَّة وغيرهم من العرب، فإنهم نكثوا العهد إلا\n_________\n(^١) \"بل يكفي تقدير واصلة\" سقط من (ف)، وكلمة \"تقدير\" سقطت من (ك).\n(^٢) في (م): \"لما\"، وهو خطأ.\n(^٣) في هامش (ف): \"ولولا قصد التمهيد لأعيد ﴿مِنَ﴾ كما أعيد ﴿عِندَ﴾ في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ دفعًا لاحتمال التمهيد\".","vol":"4","page":310},{"text":"ناسًا منهم من بني ضمرة وبني كنانة، فأمر الله تعالى المسلمين بنبذ العهد إلى النَّاكثين منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1237\"> </span>(٢) - ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿فَسِيحُوا﴾ السَّيح: السَّير على مَهَلٍ، والجريُ على انبساط، ولا يخفى حسنُ موقعه هنا.\nوفيه تلوين الخطاب من صورة الخبر إلى الأمر الظَّاهر، ونقلُه من مخاطَبٍ إلى آخر بلا فصلٍ بينهما بأداة النِّداء، وهذا جائز عند عدم الاشتباه (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، فلا حاجةَ إلى تقدير القول، ولا بُعْدَ في ترتُّبِ (^٢) الثَّاني على الأوَّل كما في قول الحماسة:\nلا تَقْبِرُونِي إِنّ قَبْرِي مُحَرَّمٌ … عَلَيْكُمْ ولكِنْ أَبْشِرِي أُمَّ عَامِرِ (^٣)\nوإنما زيد قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ تعميمًا للإذن، وإلَّا فمعلومٌ أنَّ السَّيح لا يكون إلا في الأرض (^٤).\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"قائله سعد الدين ذكره في تفسير قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من سورة البقرة\".\n(^٢) في هامش (ف): \"وما قيل عطف لام المخاطب على الأمر الآخر من غير تصريح بالنداء مما منعه النجاة لا ينبغي أن يلتفت إليه\".\n(^٣) البيت للشنفرى الأزدي كما في \"الحماسة\" مع شرح التبريزي (ص: ١٨٨). وانظر: \"الأغاني\" (١٠/ ١٨٨)، و\"محاضرات الأدباء\" (٢/ ٥١٨).\n(^٤) في هامش (ف): \"كان زيد في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ \".","vol":"4","page":311},{"text":"﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أمهِلْهم أربعة أشهر ليسيروا فيها على مهلٍ آمنين أين شاؤوا، وهي الأشهر المرادة بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ على ما يأتي بيانه بإذن الله تعالى.\nوقيل: هي شوَّال، وذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرم؛ لأنها نزلَتْ في شوَّال سنة تسعٍ من الهجرة، كان صيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها واجبة، فوافقها النُّزول.\nوقيل: عشرون من ذي الحجَّة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر؛ لأنَّ التَّبليغ كان يوم النَّحر، وكانت حرمًا؛ لأنهم أُومنوا فيها وحرِّم قتلهم وقتالهم، أو على التَّغليب لأن ذا الحجَّة والمحرَّم منها.\nوَيرِدُ عليه: أنَّه لا دلالة في كون التَّبليغ العام على رؤوس الأنام يوم النَّحر على ما ذُكِرَ؛ إذ يجوز أن يكون النُّزول قبله، وتحصل فائدة التبليغ بالإعلان والإشاعة.\nروي أنه لمَّا ضَرب لهم مدَّة قالوا: نسيح في المدَّة على أمان، ثم نحتال فنمتنع (^١)، فنزلَ قولُه:\n﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفوتونه وإنْ أَمهَلكم، وزيادةُ: ﴿اعْلَمُوا﴾ للتَّشديد.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ الإخزاء: الإذلال بما فيه الفضيحة والعار؛ أي: مُذِلُّهم بالقتل والأسر في الدُّنيا، والعذابِ في الآخرة، ووضع الظَّاهر موضع الضمير في الموضعين: أمَّا في الأول فلتفخيم أمر الخزي، وأمَّا في الثاني فللدلالة على أن الكفر هو الموجِبُ له، وكذا في: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"ثم نمتنع\".","vol":"4","page":312},{"text":"<span id=\"aya-1238\"> </span>(٣) - ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الأذان (^١): فعَال بمعنى الإفعال، كالأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، قيل: معناه النِّداء بالأمر الذي يُسمَع بالأذان.\nورفعُه كرفع ﴿بَرَاءَةٌ﴾ على الوجهين، والواو عاطفة للجملة على الجملة.\n﴿إِلَى النَّاسِ﴾ لما كانت البراءةُ مخصوصةً بالمعاهَدين، والإيذانَ بها للعموم، علَّق الإخبارَ بالبراءة بالمعاهَدين (^٢)، والإخبارَ بالإيذان بذلك بالناس.\n﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: يوم العيد؛ لأن فيه تمامَ الحج ومعظَمَ أفعاله، ولأنَّ التَّبيلغ كان فيه، ولِمَا روي أن النبي ﷺ وقفَ يوم النَّحر عند الجمرات في حجَّة الوداع فقال: \"هذا يوم الحجِّ الأكبر\" (^٣).\nوتوصيفُه بالأكبر لأن العمرةَ حجٌّ أصغر، أو لأنَّ المراد من الحجِّ أعمالُه، وما يقع فيه أكبر من سائر باقي الأعمال، أو لأنَّه ظهر فيه عزُّ المسلمين وذلُّ الكافرين.\nوأما الموافَقة لأعياد سائر الملل فلا ينبغي أن يُعبأ بها (^٤) في تعظيم حجِّنا، ثمَّ إنَّ التَّوصيف المذكور قد ورد في حجَّة الوداع أيضًا، ولا موافقه ثمَّة.\n_________\n(^١) من قوله: \"بما فيه الفضيحة والعار .. \" إلى هنا سقط من (ك).\n(^٢) \"والإيذان بها للعموم علق الإخبار بالبراءة بالمعاهدين\" سقط من (ك).\n(^٣) رواه أبو داود (١٩٥٤)، وابن ماجه (٣٠٥٨) من حديث ابن عمر ﵄. وعلقه البخاري بعد الحديث (١٧٤٢).\n(^٤) في (م): \"به\".","vol":"4","page":313},{"text":"﴿أَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: بأنَّ الله، حُذِفَتِ الباء التي هي صلة الأذان تخفيفًا. وقرئ: (إنَّ اللهَ) بالكسر (^١)، إجراءً للأذان مجرى القول.\n﴿بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، ويندرج فيها عهودهم اندراجًا أوَّليًّا.\n﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ عطف على المستكنِّ في ﴿بَرِيءٌ﴾ من غير تأكيدٍ للفصل، أو على محل (إنَّ) المكسورة واسمها (^٢) بلا فصلٍ بأداته.\nوقرئ بالنصب (^٣)؛ عطفًا على اسم ﴿أَنَّ﴾، أو على أنَّ الواو بمعنى: مع.\nويجوز (^٤) أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر؛ أي: ورسولُه كذلك.\n﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ تفريعٌ على ما فُهِمَ ممَّا تقدَّم مِن كون المشركين وآثاره (^٥) سببًا للبراءة المذكورة، وفي هذا التفريع غنًى عن ذكر متعلَّق التَّوبة.\n﴿فَهُوَ﴾؛ أي: فالتَوب ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدُّنيا والآخرة.\n_________\n(^١) نسبت للحسن وجماعة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥١).\n(^٢) قوله: \"على محل إن واسمها\" هذه عبارة الزمخشري، وعبارة الآلوسي: (على محل اسم إنَّ)، والمؤدى من العبارتين واحد كما أشار إليه الآلوسي بقوله: (ووقع في كلامهم: محل إنَّ مع اسمها، والأمر فيه هين). وقال الطيبي في شرح كلام الزمخشري: (لأن المكسورة لما لم تغير المعنى جاز أن تقدر كالعدم فيعطف على محل ما عملت فيه) وهذا بعينه كلام الآلوسي في تعليل العطف المذكور، وزاد عليه: (أي: على محلٍّ كان له قبل دخولها، فإنه كان إذ ذاك مبتدأ). انظر: \"فتوح الغيب\" (٧/ ١٧٢)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٢١٧).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٧)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٣٩٧)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ١٨٥).\n(^٤) أي: على القراءة بالرفع.\n(^٥) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"الشرك وآثاره\".","vol":"4","page":314},{"text":"﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، أي: أعرضتم عمَّا دُعيتم إليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ﴾ قد مَرَّ أنَّ إقحام (اعلموا) إلى (^١) مثل هذا المقام للتَّهديد في الوعيد.\n﴿غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تَفوتونه طلبًا، ولا تتخلَّصون منه هربًا.\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الأمرُ بالبشارة عامٌّ لكلِّ مَنْ يقدِر عليها، وفيه تلوينُ الخطاب.\n﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1239\"> </span>(٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ استدراك من قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلخ، بحسب المفهوم، كأنه قيل: لا تُمهلوا النَّاكثين للعهد غيرَ أربعة أشهر، لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا عهدهم فلا تجعلوهم في حكم النَّاكثين الذين لا رخصة في إمهالهم عن المدَّة المذكورة، ولا يضرُّه تخلُّل الفاصل؛ أعني قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إلخ؛ لأنَّه ليس بأجنبيٍّ بالكليَّة، لكونه أمرًا بالإعلام معنًى، كأنَّه قيل: واعلموا أنَّ الله بريءٌ منهم.\nقيل: استثناء من ﴿فَسِيحُوا﴾. ومبناه على تقدير القول بين الفاء ومدخوله، وقد عرفْتَ أنَّه تكلُّفٌ مستغنًى عنه.\nوقيل: استثناء من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾. ورُدَّ بأنَّه يلزم حينئذ تخلُّل الفاصل بالأجنبي مع منافاته لعموم المشركين في قوله (^٢): ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"إلى\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ف): \"وفي قوله\"، ومن قوله: \"أن الله بريءٌ منهم، قيل: استثناء … \" إلى هنا سقط من (ك).","vol":"4","page":315},{"text":"والعدول في قوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من المضمَر إلى الظَّاهر لطول العهد، والتَّنبيهِ على أن الشرك (^١) إذا قارنه الوفاء بالعهد لا يؤثر في النَّبذ. ولا يخفى ما فيه من التَّفخيم لشأن الوفاء.\n﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من (^٢) شرائط العهد، وفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارة إلى أنهم لم يفعلوا ذلك مع تمادي العهد.\n﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾؛ أي: ولم يعاونوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائكم.\n﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ﴾ تفريعٌ على ما تقدَّم، وبيانٌ للمراد من عدم جعلِهم في حكم النَّاكثين.\nوإنما قال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ تضمينًا لمعنى الإرسال؛ أي: أتمُّوا عهدهم إلى مدَّتهم مرسِلين إليهم؛ يعني: أمرَ الإتمام، وذلك لَمَّا اعتبر الإعلام في قرينه السابق ذكرُه كان المناسب اعتبارها هاهنا أيضًا.\nوفيه دفعُ وهم (^٣) تعميم حكم النَّبْذِ لهم أيضًا، وأمَّا تضمُّن أدُّوا ففيه التزامُ للجمع بين معنيين أحدهما مغنٍ (^٤) عن الآخر.\n﴿عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ المدَّة: زمان طويل الفسحة، واشتقاقه من مَدَدْتُ له في الأجل المهلة، والمراد منتهاها، بقرينة ﴿إِلَى﴾ التي لانتهاء الغاية، فلا حاجة إلى تقدير المضاف.\n_________\n(^١) في (ك): \"المشرك\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"هي\".\n(^٣) في (ف): \"وهمهم\".\n(^٤) في (ك): \"يغني\".","vol":"4","page":316},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تعليلٌ وتنبيهٌ على أنَّ قضيةَ التَّقوى إتمامُ العهد، والتَّسوية بين الوفي والغادر.\nالنَّبذ مخالفة التَّقوى، وإنْ كان الأوَّل مشتركًا (^١).\nوفيه تتميمٌ لِمَا قصد بقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من التَّفخيم لشأن الوفاء بالعهد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1240\"> </span>(٥) - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ الانسلاخ: انفصالُ الشَّيء عمَّا يلابِسه ملابَسةَ الْتِحام، مِن سلخ الشَّاة، وإذا كان الانفصال عمَّا يلابسه ملابَسةَ مجاوَرةٍ أو الْتصاقٍ دون الْتحامٍ يقال: انخلع، ولا يقال: انسلخ.\nثم الخلع والسلخ مشتركان في التعلُّق بما يحتوي الشَّيء، وبه يفارقان النَّزْع؛ فإنه يتعلَّق بما يحويه الشَّيء، مثلًا يقال: نزعْتُ المسمار، ولا يقال: خلعتُه، ولا: سلختُه، وإنَّما يقال لآخِر الشَّهر: يوم السَّلْخ؛ استعارةً لعبارة السَّلخ لإزالة النُّور.\n﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي تسعة أشهر لبني كنانة، وأربعةُ أشهر لسائر المعاهَدين\n_________\n(^١) قوله: \"والتسوية بين الوفي … \" كذا وقعت العبارة في النسخ، وهي عبارة قلقة غير واضحة، ويفسرها كلام حقي والآلوسي، ولفظهما: (تعليل لوجوب الامتثال، وتنبيه على أن مراعاة العهد من باب التقوى، وأن التسوية بين الغادر والوفي منافية لذلك وإن كان المعاهد مشركًا). انظر: \"روح البيان\" لإسماعيل حقي الإستانبولي الخلوتي (٣/ ٣٨٦) و\"روح المعاني\" (١٠/ ٢٢٢).","vol":"4","page":317},{"text":"المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ومَن قال (^١): التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها؛ فكأنَّه غفل عن عموم الحكم لبني كنانة.\nوقيل: هي رجبٌ وذو القَعدة وذو الحجة والمحرَّم، ويأباه ترتيب الكلام على ما تقدَّم بالفاء.\nوأمَّا ردُّه بأنَّه مخالفٌ للإجماع لأنَّه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما ينزل (^٢) بعدُ ما ينسخها، فليس بتامٍّ؛ لأنَّ ناسخ الكتاب لا يلزم أن يكون من الكتاب، وعلى تقدير لزومه كما هو مذهب الشافعي يحتمل أن يكون ناسخه من الكتاب منسوخ التلاوة.\n﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ النَّاكثين عهدهم ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في حلٍّ أو حرمٍ.\nولمَّا كان التَّعريف في الموضعين للعهد لم يكن لمسألة جواز قتال المشركين في الأشهر الحرم تعلُّق بهذا (^٣) المقام، كما سبق إلى بعض الأوهام.\n﴿وَخُذُوهُمْ﴾ الأخذ: الأسر، ومنه: الأَخيذ، للأسير (^٤).\nوليس أسرُهم للاسترقاق؛ لأنَّه لا يجوز في حقِّ المشرك (^٥)، ولهذا أَمر بالحبس، والمراد منه: الإمهال في تخييرهم بين السَّيف والإسلام (^٦).\n_________\n(^١) هو الزمخشري وتابعه البيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٤٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧١).\n(^٢) \"ينزل\" من (م).\n(^٣) في (ف) و(م): \"لهذا\".\n(^٤) في (ك): \"الأسير\".\n(^٥) لعل الصواب تقييده بمشركي العرب كما فعل الآلوسي انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ٢٢٥).\n(^٦) في (م) زيادة: \"هذا في حق الحاضر والذي في حق الغائب ما ذكر بقوله: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ﴾ … إلخ\".","vol":"4","page":318},{"text":"﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾؛ أي: واحبسوهم، ويجوز أن يكون المراد من الحصر المنعُ من التَّبسُّط في البلاد، ويدخل فيه دخولًا أوَّليًّا منعُهم من المسجد الحرام.\n﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾؛ أي: مواضعَ الغِرَّة (^١)، قال النَّابغة:\nأعاذلُ إن الجهل مِنْ لَذَّةِ الْفَتَى … وَإِنَّ الْمَنَايَا لِلنُّفُوسِ بِمَرْصَدِ (^٢)\nوقيل: هي كلُّ ممرٍّ ومجازٍ، يرصدونهم كيلا يتبسَّطوا في البلاد، وعلى هذا يكون من قَبيل التأسيس، والتَّأكيدُ خير منه، وانتصابه على الظَّرف.\n﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: من المعاصي، ويدخل فيها دخولًا أوليًّا الرُّجوع عن الكفر، فهي متضمنة للإيمان، ثم قرن به إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ تنبيهًا على مكانهما من الشرع، ويجوز أن يكون من قَبيل الاكتفاء بذكر أمَّي العبادات البدنية والمالية عن جميع العبادات الواجبة.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: التزموا لتينك العبادتين البدنية والمالية، وذلك يتضمَّن التَّصديق بنبوَّة نبيِّنا محمَّد ﷺ، وهو المقصود الأصلي، فمضمون الكلام المذكور منطوق كلمَتي الشَّهادة.\n﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ تأمينٌ لهم؛ أي: فدعُوهم ولا تتعرَّضوا لهم بشيء من ذلك.\nولا دلالة فيه على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يُخلَّى سبيله؛ لمَا عرفْتَ أنَّ الشَّرط التزامها كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩].\n_________\n(^١) في (ف): \"الغزاة\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الصواب. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٨)، و\"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١١١).\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٨)، و\"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١١١). ونسب في \"الحماسة البصرية\" (٢/ ٤٨) لعدي بن زيد العبادي.","vol":"4","page":319},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ تعليل لِمَا تقدَّم؛ أي: لأنَّ الله غفور يغفر لهم ما سلف ﴿رَحِيمٌ﴾ لا يكلِّفهم المشاقَّ.\nولا يخفى حسنُ انتظامه مع المساق؛ لتضمُّنه الإشارة إلى وجه الاكتفاء بالالتزام لِمَا أمر به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1241\"> </span>(٦) - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ فاعل فعلٍ مضمَرٍ يفسِّره ما بعدَه لوجود حرف الشرط، وإنما قال: ﴿أَحَدٌ﴾ لعدم الرخصة لإجارة الجماعة؛ لأنها مظنَّةُ الفساد، ولا يتوقَّف عليها تمام المصلحة.\n﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لم يقل: (منهم) لعدم اختصاص الحكم بهم على ما يأتي بيانه.\n﴿اسْتَجَارَكَ﴾: سألك أن تؤمِّنه وتكون جارًا له ليَسمع كلام الله تعالى، ويتبيَّن ما تدعو إليه.\n﴿فَأَجِرْهُ﴾: فأجبْه إلى ذلك ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ تعالى خاصَّة، أي: يفهمَه ويتدبَّره، فيعلمَ أنه معجِزٌ من عند الله تعالى، وذلك يقتضي مهلةً، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يعني: إنْ لم يؤمن وطلب الرجوع إلى موضع أمنه.\nوالتعبير عن الفهم بالسمع لأنَّهم من أهل اللِّسان، فيفهمون المعنى كما يسمعون اللفظ.","vol":"4","page":320},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾ الحكم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسبب أنَّهم ﴿قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى لطف المعاملة معهم في الإجارة وتبليغ المأمن؛ أي: لا يعلمون حقيقة ما تدعون إليه، فلا بدَّ من الأمان زمانًا حتى يسمعوا ويفهموا الحقَّ فيُذعنوه.\nويجوز أن يكون ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ منزَّلًا منزلة اللازم؛ أي: ليسوا من أهل العلم والمعرفة، وهذا الحكم عام ثابتٌ أبدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1242\"> </span>(٧) - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ استفهام على جهة التَّعجب والاستبعاد، ومرجعه إلى الإنكار على وجه الأغلب.\n﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يأمنون به من عذابه في الآخرة (^١) ﴿وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ يأمنون به عذاب الدُّنيا من القتل والأخذ، وتكرار ﴿عِنْدَ﴾ للتَّنبيه على اختلاف المراد، وفيه سدٌّ لباب التَّمهيد (^٢).\nوقيل: إنكار واستبعاد لأنْ يكون لهم عهدٌ ولا ينكثوه مع وغرَة (^٣) صدورهم، أو لأنْ يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"من عذاب الآخرة\".\n(^٢) وقد جرى التنبيه عليه في حاشية (ف) في أول السورة.\n(^٣) في النسخ: \"ولا ينكثون مع غرة\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٢) وهو صاحب هذا القيل. والوغرة: شدة توقد الحرّ، ومنه قيل: في صدره عليّ وغر بالتسكين؛ أي: ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ٣٠٢).","vol":"4","page":321},{"text":"ولا يذهبْ عليك أنَّ ما ذكر معنى قولنا: كيف يكون لله ورسوله عهد عند المشركين، لا معنى ما قاله.\n﴿كَيْفَ﴾ حال عن اسم ﴿يَكُونُ﴾ مقدَّمة للاستفهام، و﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ خبره، و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿عَهْدٌ﴾، أو ظرفٌ لـ ﴿يَكُونُ﴾.\nأو ﴿كَيْفَ﴾ خبر مقدَّم، و﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حال مبيِّنة للعهد، أو ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ خبر.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ نصبٌ على الاستثناء، أو جرٌّ على البدل، أو رفعٌ على أنَّه كلام مستدرَك، بمعنى: لكن الذين عاهدتم.\n﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هم المستثنون قبله.\n﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ على العهد ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ عليه، والفاء الأولى على الوجهين الأوَّلَيْن (^١) عاطفة الجملة على مقدَّر؛ أي: فتربصوا أمرهم فما استقاموا لكم، وعلى الثَّالث فاء الجزاء؛ لتضمين الموصول معنى الشَّرط، و(ما) شرطيَّة، وجزاء الشرط: ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾، أو مصدرية على معنى: فاستقيموا لهم ما استقاموا لكم، والفاء الثانية مكرَّرة للتَّأكيد.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تعليل للأمر بالاستقامة، وإشعار بأنَّ المحافظة على العهد من لوازم التَّقوى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1243\"> </span>(٨) - ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"الأولين\" من (م).","vol":"4","page":322},{"text":"﴿كَيْفَ﴾ إعادة للاستبعاد المذكور على وجه الاختصار، على طريقة الاقتصار على ذكر أوَّل الكلام عند انفهام التَّمام بمعونة المقام.\nوأمَّا التَّنبيه على العلَّة فحاصلٌ بدون إعادة ﴿كَيْفَ﴾.\nوالمعنى: كيف يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله ولا عهد لله ولرسوله عندهم، وقد عبَّر عن هذا على طريقة إقامة دليل الشيء مقامه بقوله:\n﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: وحالهم أنهم إن يظفروا بكم. أصل الظُّهور: العلوُّ بالغلبة.\n﴿لَا يَرْقُبُوا﴾: لا يراعوا ﴿فِيكُمْ﴾ أصل الارتقاب بالبصر، ومنه الرَّقيب، ثم قيل: لكل مَن حافظ على الشَّيء (^١) وراعاه: راقبه وارتقبه.\n﴿إِلًّا﴾ حلفًا (^٢)، وقيل: قرابة ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾: عهدًا أو حقًّا يعاب على إغفاله.\n﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ لبيان حالهم المنافية للثَّبات على العهد، وتقديرِ (^٣) عدم مراعاتهم حقَّ الميثاق للحلف (^٤) أو القرابة، والإرضاءُ بالأفواه عبارةٌ عن معاذيرهم الكاذبة ومواعيدهم الباطلة، وإنما ذكر الأفواه لأنها الظاهرة (^٥).\n﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ عن الإرضاء حقيقةً بما فيها من العزائم على خِلاف ما قالوا، وإنما قال:\n_________\n(^١) في (ك): \"شيء\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"خلفًا\".\n(^٣) كذا في النسخ ولعل الصواب: \"وتقرير\".\n(^٤) في النسخ: \"للخلف\"، والصواب المثبت.\n(^٥) في (ف) و(ك): \"المظاهر\".","vol":"4","page":323},{"text":"﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ لما في بعضهم من التفادي عن الغدر، والتعفُّفِ (^١) عما يجرُّ إلى أحدوثة السُّوء.\nوتوصيفُهم بالفسقِ مع أنَّ الشِّركَ أشدُّ منه؛ لرفع شأن الفسقِ في الذَّمِّ، كما أن توصيف الأنبياء ﵈ بالإيمان لرفع شأن الإيمان في المدح، فلا حاجة إلى التَّكلُّف في صرف الفسق عن ظاهره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1244\"> </span>(٩) - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ استئنافٌ لبيان فسقِهم، وقد مرَّ تفسيرُه في سورة البقرة.\n﴿فَصَدُّوا﴾؛ أي: أعرضوا، مِنْ صَدَّ عنه يَصُدُّ صُدودًا، أو منعوا من صدَّه عنه يَصُدُّه صدًا.\n﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أراد بالسَّبيل: الدِّينَ الحقَّ، والإضافة إلى الله تعالى للتَّشريف.\n﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المخصوصُ بالذَّم محذوف، أو ما دلَّ عليه قوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-1245\"> </span>(١٠) - ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾.\n﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [فهو] (^٢) تفسير لـ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لا تكرير.\n_________\n(^١) في النسخ: \"التعنت\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٣).\n(^٢) من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٣).","vol":"4","page":324},{"text":"﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: المجاوزون الغايةَ في الظُّلم والشّرارة، والواو للعطف من جهة المعنى على ما تقدم من الجملة الإنشائية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1246\"> </span>(١١) - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ تَابُوا﴾، أي: بعد هذا كلِّه إن رجعوا عن الكفر إلى الإيمان ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ قد مرَّ تفسيره.\n﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم.\n﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ اعتراضٌ للتَّحريض على تدبُّر ما فُصِّلَ من الآيات، وما بُيِّنَ من أحكام المشركين المعاهدين والتَّائبين، والحثِّ على المحافظة عليه ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فيه إشعار بأنَّ العالِمَ مَن تأمَّل تفصيلها، والواو للعطف على مقدَّر، أي: ننزِّل القرآن ونفصِّل الآيات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1247\"> </span>(١٢) - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ النَّكثُ: النَّقْضُ، وأصله فيما يُفتَلُ ثم يُحَلُّ، فهي في الأيمان والعهود مُستعارَة، وإنَّما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ إظهارًا لقبح حال النَّاكثين، حيث عاهدوا ثمَّ أكَّدوا عهدهم بالأيمان.","vol":"4","page":325},{"text":"وأفردَ العهد وجمع الأيمان لأنَّ الأوَّل يكون بالنِّيابة، فعهدُ (^١) مقدَّمِ جماعةٍ يكون عهدًا لهم، دون الثَّاني فلا بُدَّ مِنْ صدور اليمين من كلِّ واحد منهم.\n﴿وَطَعَنُوا﴾ الطَّعنُ: هو الاعتماد بالعيب، وأصله (^٢): الاعتماد بالرمح.\n﴿فِي دِينِكُمْ﴾ بصريح التَّكذيب وتقبيح الأحكام؛ أي: أظهروا النَّقض المذكور بالقول، ولا بُدَّ من إظهاره في إباحة القتال، وتخصيصُ الإظهار الأدنى بالذِّكرِ ليُعْلَم الحكم في الإظهار الأعلى، وهو ما يكون بالفعل بالطَّريق الأولى.\nولَمَّا كانَ ذِكْرُ الطَّعنِ في صددِ بيانِ أنَّ نقضَ العهد إنَّما يبيحُ القتل والقتال إذا كان ظاهرًا قولًا أو فعلًا (^٣) لم يكن في الآية دلالة على أنَّ الذِّمِّيَّ إذا طعنَ في الدِّين يُنكَثُ عهدُه ويُباحُ قتلُه (^٤).\n﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ وضع الظَّاهر موضع الضَّمير للدلالة على أنَّ سياقَ الكلام في رؤسائهم، بناءً على أنَّ المعاهدة إنَّما تكون لهم (^٥) بحسب العادة، فقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ تمهيدٌ له.\nولك أنْ تقول: إنَّ الجزاءَ في الحقيقة: فاقتلوهم، ولَمَّا كان قتلهم مسبوقًا بمقاتلة مقدَّميهم، ودفع مدافعة رؤسائهم من البين، نزَّلها منزلةَ الجزاء على طريقة الكناية بذكر الملزوم عن اللازم.\n_________\n(^١) كتب فوقها في (م): \"فهو\" ومعه علامة التصحيح.\n(^٢) في (ف): \"أصله\".\n(^٣) في (ك) و(م). \"وفعلا\".\n(^٤) في هامش (ف): \"ومن لم يتنبه لهذ قال ما قال وماذا بعد الحق إلا الضلال\".\n(^٥) في (ف) و(م): \"بهم\".","vol":"4","page":326},{"text":"وقرئ: ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين، والأفصح جعل الثَّانية بينَ بين (^١)، وأمَّا التَّصريح بالياء فلحنٌ صريحٌ (^٢).\n﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ تعليلٌ لِمَا ذكر على طريقة تنزيل الشيء الخالي عن التأثير منزلة العدم (^٣)؛ أي: لا أثرَ لعهودهم في المنع عن قتلهم بعد النَّكث، فلا دلالة فيه على أن يمين الكافر ليس بيمين.\nوقرئ: ﴿لَا أَيْمَانَ﴾ بالكسر (^٤)؛ يعني أنَّ المانعَ عن قتلهم أخذُ العهد - وقد نقضوه - والإيمانُ، ولا وجود له.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ متعلِّقٌ بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا﴾، أي: ليكن غرضُكم في قتالهم\n_________\n(^١) أي: بين مخرج الهمزة والياء، وقد قرأ بتحقيق الهمزتين حيث وقع حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر، وأدخل هشام بينهما ألفًا، أما قراءة بين بين فقد قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو كما في \"التيسير\" (ص: ١١٧)، لكن ذكر في \"النشر\" (١/ ٣٧٩) خلافًا بين الرواة عمن قرأ بين بين، فذهب الجمهور من أهل الأداء إلى أنها تجعل بين بين، وذهب آخرون إلى أنها تجعل ياء خالصة، وهذا الوجه الثاني لم يذكره الداني في \"التيسير\" لكنه أشار إليه في \"جامع البيان\" كما ذكر ابن الجزري. وانظر: \"جامع البيان في القراءات السبع\" للداني (٢/ ٥١١).\n(^٢) هذا كلام الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٢٥١)، وتابعه البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ٧٣). وقد ردَّ الأئمة على الزمخشري، فقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" (١١/ ٢٠٩): وذلك دأبه في تلحين المقرِئين، وكيف يكون ذلك لحنًا وقد قرأ به رأس البصريين النُّحاة أبو عمرو بن العلاء، وقارئ مكَّة ابن كثير، وقارئ مدينة الرسول ﷺ نافع؟! وانظر أيضًا في الرد عليه كلام الآلوسي في \"روح المعاني\" (١٠/ ٢٤٤).\n(^٣) في هامش (ف): \"ومن لم يتنبه لهذ قال ما قال. منه\".\n(^٤) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٧).","vol":"4","page":327},{"text":"انتهاءَهم (^١) عمَّا هم عليه من الكفر والوِزْرِ وسائر العظائم، لا إيصالَ الأذية بهم، كما هو طريق المُؤْذِين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1248\"> </span>(١٣) - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ﴾ معنى الهمزة الدَّاخلة على نفي القتال: الإنكار والتَّوبيخ، فيفيد المبالغة في الحثِّ والتَّحريض عليه، وتعديدُ الصفات الموجبة له من نكثِ الأيمان، والهمِّ بإخراجه ﵇، والبدء بالقتال، تقويةٌ وتأكيدٌ لذلك (^٢).\n﴿قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ التي حلفوها مع الرَّسول ﵇ والمؤمنين على أن لا (^٣) يعاونوا عليهم، فعاوَنوا بني بكر على خزاعة.\n﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ حين تشاوَروا بمكَّة في أمره، حتى أذِنَ الله تعالى له ﵇ في الهجرة.\n﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بالمعاداة والمقاتَلة؛ لأنَّه ﵇ بدأهم بالدَّعوة، وتحدَّاهم بالكتاب، وألزمهم بالحجَّة، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى المقاتلة، فهم البادون بالقتال.\n﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أتتركون قتالهم خشيةَ أنْ ينالكم منهم مكروه (^٤)، والخشيةُ:\n_________\n(^١) في النسخ: \"انتهاؤهم\"، والصواب المثبت.\n(^٢) في (م): \"وتأكيدًا بذلك\".\n(^٣) \"لا\" من (ك)، وفي هامش (م): \"لعل لفظ (لا) ساقط\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"ينال مكروه\".","vol":"4","page":328},{"text":"انزعاجُ النَّفس لتوقُّع ما لا يُؤمَن مِنَ الضَّرر، وإدخال الهمزة إنكارٌ للخشية، وإيماءٌ إلى منافاتها للإيمان، على ما صرَّح به بعدَه بقوله: ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّ الإيمان يستلزم تخصيصَ الخشيةِ باللهِ تعالى، وعدمَ المبالاة بغيره.\nوفيه جمعٌ بينَ التَّقريع والتَّشجيع، وهو أبلغ في التَّحريك.\nولَمَّا بالغَ في التَّوبيخ على ترك القتال وبيَّن موجباته، جرَّدَ لهم الأمرَ به صريحًا، ووعَد لهم النَّصر والغلبة، وتعذيبَ الكفار بأيديهم؛ ليكون أوقعَ في نفوسهم، وأشدَّ تثبيتًا لقلوبهم، وتقويةً لعزائمهم، فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-1249\"> </span>(١٤) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ قتلًا ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ الخزيُ: ذلٌّ يُستحيى منه.\n﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ النَّصرُ: المعونةُ بدفع الضَّرر، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمُّنه معنى التَّغليب.\n﴿وَيَشْفِ﴾ الشِّفاءُ: ملاءمةُ النَّفس بما يزيل عنها الأذى.\n﴿صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ وهم خزاعة، وجه تخصيصهم: أنَّهم الذين نُقِضَ فيهم العهدُ، ونالتهم الحربُ، وكان فيهم مؤمنون كثير، وتخصيص المؤمنين منهم بالذِّكر لأنَّ المقصودَ أصالةً شفاءُ صدورِهم.\n* * *","vol":"4","page":329},{"text":"<span id=\"aya-1250\"> </span>(١٥) - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لِمَا لقوا منهم من المكروه الغيظ (^١).\nأمرَهم بالقتال، ووعدَ عليه هذه الأشياء، وأنجزَ ما وعدَ، فكان الإخبار بذلك من المعجزات.\n﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ كلامٌ مبتدأٌ، وإخبارٌ بأنَّ بعضَ أهل مكَّة يتوبُ ويقبلُ الله توبته لصدقها. وكان ذلك أيضًا منفصلًا عمَّا قبله لفظًا، ولكنَّه متَّصلٌ به معنى (^٢)؛ أي: ومن فوائد القتال أنَّه يتوبُ بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه.\nوقرئ: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ﴾ بالنَّصب (^٣)، على إضمار (أن)، وعلى دخول التَّوبة في جملة ما أجيب به الأمر من حيث المعنى.\n﴿وَاللَّهُ﴾ العدول عن الضمير للتَّفخيم ﴿عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاءٌ ﴿حَكِيمٌ﴾: لا يلحقه خطأٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1251\"> </span>(١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n(^١) قوله: \"الغيظ\" كذا في النسخ، ولا يظهر لها ارتباط بسابقها ولا بلاحقها، ولعل كلامًا سقط من النسخ، أو أراد أن يذكر شيئًا ثم سها عنه، وقد قال في \"البحر\" (١١/ ٢٣١): (وإذهابُ الغيظِ بما نال الكفارَ من المكروه، وهذه الجملةُ كالتأكيدِ للَّتي قَبْلها؛ لأنَّ شفاءَ الصدرِ من ألم الغيظِ هو إذهابُ الغيظِ).\n(^٢) \"معنى\" سقط من (ك).\n(^٣) رويت عن أبي عمرو ويعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ١٧٨).","vol":"4","page":330},{"text":"﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ تتضمَّن إضرابًا عن اللفظ الأوَّل، لا عن معناه، واستفهامًا فهي تسدُّ مسدَّ (بل) والألفِ للاستفهام، والاستفهامُ (^١) هنا للتَّوبيخ على حسبانهم.\n﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ بحالكم (^٢)؛ أي: أخطأتم في ظنِّكم أنَّكم تُترَكون على ما أنتم عليه دون اختبارٍ وامتحان؛ فإنَّكم لا تُترَكون حتى يتميَّز الخُلَّصُ الذين جاهدوا منكم في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا بطانةً من الذين يضادُّون رسول الله والمؤمنين (^٣) يوالونهم ويُفشون إليهم (^٤) أسرارهم، من غيرهم (^٥).\n﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: وما في ﴿وَلَمَّا﴾ مِنْ معنى التَّوقُّع منبِّهٌ (^٦) على أنَّ تبيُّن ذلك متوقَّع؛ أي: لم يتبيَّنِ الخُلَّصُ منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم، لِمَا لنفي العلم مع التوقُّع، والمراد به المبالغة في نفي المقاوم على طريق البرهاني؛ لأنَّه لو وقع لكان معلومًا له، فلمَّا لم يُعلَم لزم عدمُ وقوعه.\n﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا﴾ عطفٌ على ﴿جَاهَدُوا﴾، داخل في الصلة.\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: بطانةً من الولوج، وهو الدُّخول، ووَلِيْجُكَ: صديقُكَ الذي تُطلعُه على ما في داخلِ قلبِك.\n_________\n(^١) في (ف): \"وألف الاستفهام\".\n(^٢) في النسخ: \"بحالهم\"، والصواب المثبت.\n(^٣) في (ف) و(ك): \"يتعادون رسول الله والمؤمنون\"، وفي (م): \"ينقادون رسول الله والمؤمنون\". والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٢٥٣).\n(^٤) \"إليهم\" سقط من (ك) و(م).\n(^٥) \"من غيرهم\"، متعلق بـ \"يتميز\".\n(^٦) في (م): \"مبني\".","vol":"4","page":331},{"text":"﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيعلم عملَ المجاهدين المخلصين قبلَ وقوعه، فهو كالمُزيح لِمَا يقعُ في الوهم من الشُّبهة في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1252\"> </span>(١٧) - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.\n﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾: ما صحَّ لهم ﴿أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: شيئًا منها، فضلًا عن المسجد الحرام، والمراد هو، وإنما جُمع لأنَّه قِبْلَةُ المساجد كلِّها وإمامُها، فعامرُه كعامر الجميع.\nوقراءتها بالتوحيد في الموضعين (^١) يوافق المعنيَيْن؛ لأن تعريفه يحتمل العهد والجنس.\n﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ حال من الواو، وفيه إشارة إلى حالهم المنافية؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةِ بيت الله تعالى، وعبادةِ غيره.\n﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ التي يفتخرون بها من العمارة والحجابة والسِّقاية وفكِّ العُناة؛ لأنَّ الكفر الطَّارئ يهدِمُ الأعمال، فكيف بالمقارِن؟\n﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ لكفرهم، دون العصاة من المؤمنين.\n* * *\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب الأولَ على التوحيد، وباقي العشرة على الجمع، ولا خلاف على الجمع في الثاني بينهم، إلا رواية ذكرها ابن مجاهد عن ابن كثير في غير المشهور عنه أنه قرأ بتوحيد الثاني. انظر: \"السبعة\" (ص: ٣١٣)، و\"التيسير\" (ص: ١١٨)، و\"النشر\" (٢/ ٢٧٨).","vol":"4","page":332},{"text":"<span id=\"aya-1253\"> </span>(١٨) - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\n﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾؛ أي: لا يستقيم ولا يصحُّ عمارة مساجد الله تعالى إلَّا ممَّن آمن، وجمعَ بين الكمالات العلميَّة والعمليَّة.\nوالإيمان باليوم الآخر المتضمِّنُ للتَّصديق بالمعاد الجسماني لا يكون إلا بطريق السَّمع، فهو بهذا الاعتبار يشمل الإيمان بنبيِّنا ﵇؛ لأنَّ المعاد الجسماني لم يُذكَر في غير القرآن من الكتب السَّماوَّية (^١)، هذا هو الوجهُ لعدم ذكر الإيمان به ﵇، وأمَّا قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ فلم يغنِ عنه؛ لأنهما يجوز أنْ يُؤخَذا من سائر الشَّرائع.\nوالعمارةُ تتناول رمَّ ما استَهدمَ منها، وتنظيفَها، وتنويرها بالمصابيح، وتمهيدَ الفُرُش، وإقامةَ الصلوات، وإقامةَ الذِّكر وتلاوة القرآن ودراسة العلوم، وصيانتَها مما لم تُبْنَ له كحديث الدُّنيا وسائر الفضول.\n﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ المراد من الخشية: هو الرَّهبة والهيئة والانقماعُ اللَّازمة من تصوُّر عظمة الله تعالى، لا الانفعالُ الجِبِلِّيُّ الذي هو الخوف؛ فإنه ليس بإراديٍّ، وأمَّا هذه فإنَّه من لوازم التَّقوى؛ لأنَّ عِظَمَ الخالق في قلب المؤمن يصغِّرُ المخلوق في عينه، فلا خشية له من غيره.\n﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ في ذكره بصيغة التَّوقُّع قطعٌ لأطماع\n_________\n(^١) لم أقف على هذا التعليل عند أحد من المفسرين، وهو غريب فكيف لا يذكر في الكتب السماوية مثل هذا الأمر العظيم الذي هو من أركان الإيمان التي اتفقت عليها الشرائع كلها.","vol":"4","page":333},{"text":"المشركين في الاهتداء، وتبعيدٌ لهم عن مظانِّه؛ لأن الموحِّدين المخلِصين في الأعمال إذا كان اهتداؤهم دائرًا بعسى ولعلَّ، فكيف يطمع فيه المشركون بأعمالهم المبنيَّة على الافتخار والرِّياء والمباهاة، والتَّقرب بها إلى العُزَّى واللَّات؟ ومنعُ (^١) المؤمنين أن يغترُّوا بأحوالهم، ويتَّكلوا عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1254\"> </span>(١٩) - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: السقاية والعمارة مصدران، والحدَث لا يُشَبَّهُ بالجثَّة، فلا بُدَّ مِنْ مُضْمَرٍ مَدلولٍ عليه بقرينةِ الفعلِ (^٢) محذوفٍ للإيجاز، تقديرُه: أجعلتم أهلَ سقاية الحاجِّ وعمارةِ المسجد الحرام كمَن آمن، ويعضدُه قراءة: ﴿سُقاةَ الحاجِّ وعَمَرَةَ المَسْجِدِ﴾ (^٣)، أو: سقايةً كإيمانِ مَنْ آمنَ.\nوالمعنى: إنكار أنْ يتشبَّه المشركون وأعمالُهم المحبَطةُ بالمؤمنين وأعمالِهم المثبَتةِ (^٤).\nوقوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تقريرٌ لذلك وتأكيدٌ له، وبيَّن عدمَ تساويهم بقوله:\n_________\n(^١) \"ومنع\"، معطوف على \"قطعٌ\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"العقل\".\n(^٣) نسبت لأبي وجزة السعدي. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٨).\n(^٤) في (ك): \"المسة\"، وفي (ف): \"المشية\"، وفي (م): \"المشبة\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٥).","vol":"4","page":334},{"text":"﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكفرةُ ظَلَمَةٌ بالشِّركِ ومعاداةِ الرَّسول ﵇، منهمِكون في الضَّلالة، فكيف يساوون الذين هداهم اللهُ تعالى ووفَّقهم للحقِّ والصَّواب؟\nوقيل: المرادُ بـ ﴿الظَّالِمِينَ﴾: الذين يسوُّون بينهم وبين المؤمنين، وإنَّما قال: ﴿لَا يَهْدِي﴾ تنزيلًا للهداية الواقعة في حقِّهم منزلةَ العدم؛ لعدم ترتُّب الأثر عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1255\"> </span>(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ من أهل السقاية والعمارة عندكم أو ممَّن ليس كذلك، فيندرج فيه أهلهما اندراجًا أوَّليًّا لكونهم مشركين.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: المختصُّون بالفوز دونكم، أو دون مَن عداهم.\nوالفوزُ: بلوغُ البغية؛ إمَّا في نيلِ مرغوبٍ أو نجاةٍ عن مكروهٍ، والمراد هنا: الفوزُ الكاملُ، فينتظِمُهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1256\"> </span>(٢١) - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾.\n﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا﴾: في الجنَّات (^١) ﴿نَعِيمٌ﴾ النَّعيم: لينُ العيشِ ورَغدُه ﴿مُقِيمٌ﴾: دائمٌ.\n_________\n(^١) في هامش (م): \"ويحتمل أن يكون المذكور مشرَّكًا بين المعطوفين، كما في قوله: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨] \".","vol":"4","page":335},{"text":"وتنكيرُ المبشَّرِ به للتَّعظيم، وكونِه فوقَ وصفِ الواصفِ وتعريفِ المعرِّف.\nوفي إسنادِ البِشارة إلى ربهم زيادةُ (^١) تعظيمٍ للمُبَشَّرِ به وتكريمٍ للمُبَشَّرِ.\nوبيانُ كونِ الرَّحمة منه تعالى مع كونه معلومًا لا يخلو عن قصدِ التَّعظيم لها، وإنَّما أطلق الرِّضوان لينتظمَ نوعيه المذكورين في قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1257\"> </span>(٢٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أكَّد الخلودَ بالتَّأبيد؛ لآنَّه قد يُستَعمل للمُكثِ الطَّويل.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يُستحقَر دونه (^٢) الأجور الدنيوية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1258\"> </span>(٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ عن ابن عباس ﵄: هي في المهاجرين خاصَّة (^٣). كان قبلَ فتح مكَّة (^٤) مَنْ آمنَ لم يتمَّ إيمانُه إلَّا بأنْ يُهاجِر، ويُصارِمَ أقاربَه الكفرةَ، ويقطع موالاتهم.\nولم يذكر الأبناء في هذه الآية إذ الأغلب في البشر أنَّ الأبناء هم التَّبع للآباء.\n_________\n(^١) \"زيادة\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"عنده\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ١٧٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٥٦).\n(^٤) في (ك): \"الفتح\".","vol":"4","page":336},{"text":"والمعنى: لا تتخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإيمان ويصدونكم عن الطاعة؛ لقوله: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ﴾؛ أي: اختاروه وآثَروه ﴿عَلَى الْإِيمَانِ﴾ فتعديتُه ب ﴿عَلَى﴾ لتضمينه معنى الاختيار والإيثار (^١).\n﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لوضعهم (^٢) الموالاةَ غيرَ موضعها، على خلاف أمر الله تعالى (^٣).\nلمَّا ورد التشديد في أمر المهاجرة قالوا: يا رسول الله، إن نحن اعتزلنا مَن خالفَنا في الدِّين قطعنا آباءنا وأبناءنا وعشائرنا، وذهبت تجارتنا، وهلكت أموالنا، وخَرِبت ديارنا، وبقينا ضائعين، فنزلت (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1259\"> </span>(٢٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ ذُكر الأبناء في هذه الآية لمَّا جلبَتْ (^٥) ذكرَهم المحبَّةُ، والأبناءُ صدرٌ في المحبَّة.\n﴿وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: أقرباؤكم، مأخوذ من العِشْرة، وقيل: من العَشَرة؛ فإنها جماعة ترجع إلى عقدٍ واحدٍ، كعَقْدِ العَشَرةِ.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"لا لاعتبار التحريض بما يوهم عبارة القاضي\".\n(^٢) في (ك): \"بوضعهم\".\n(^٣) في هامش (ف): \"لا بد من هذه الزيادة حتى يتجاوز الظلم عن حده اللغوي إلى حده الشرعي\".\n(^٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ١٧٧)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٤٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٥٦).\n(^٥) في (م): \"جبلت\".","vol":"4","page":337},{"text":"﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: اكتسبْتُموها، وأصل الاقتراف: اقتطاعُ الشَّيءِ من مكانه إلى غيره.\n﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ يعني: ما اشتريتُموه طلبًا للربح تخافون وقوفها وخسرانها بفواتِ وقت نَفاقها.\n﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: منازلُ تعجبكم الإقامة فيها.\n﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ أرادَ الحبَّ الاختياريِّ دونَ الطبيعيِّ؛ فإنه لا يدخل تحتَ التَّكليف والتَّحفظ.\n﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ فيه دلالةٌ ظاهرة على أن سياق الكلام في الحضِّ على الهجرة.\n﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ جوابٌ ووعيدٌ. والتَّربُّصُ: التَّوقُّف على الانتظار.\n﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بعقوبةٍ (^١) عاجلةٍ وآجلةٍ، وفي العدول عن: حتى يأتيَ أمرُ الله، إلى ما ذكر تفخيمٌ للأمر.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ فيه تنزيلٌ لوجود الهداية في حقِّهم (^٢) منزلةَ العدم؛ لعدم الأثر.\nوفي الآية تشديد عظيم، وقلَّما يُتخلَّص عنه (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وبعقوبة\".\n(^٢) \"في حقهم\" سقط من (ك).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٦) وفيه: (وقل من يتخلص منه)، وفي \"روح المعاني\" (١٠/ ٢٧٠): (والآية أشد آية نعت على الناس ما لا يكاد يتخلص منه إلا من تداركه الله سبحانه بلطفه).","vol":"4","page":338},{"text":"<span id=\"aya-1260\"> </span>(٢٥) - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾.\n﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ الموطنُ: موضعُ الإقامة، ومواطن الحروب: مواقفها، وهي المراد هنا.\n﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ عطف على محلِّ ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾، أي: وموطنَ يومِ حنين، أو التقدير: في أيامِ مواطن كثيرةٍ ويومِ حنين، لتناسُب الأمكنة والأزمنة (^١)، فيقع حرف النَّسق موقعه، ويجوز أن يُرَاد بالموطن: الوقت، كـ: مقتل الحسين.\n﴿فِي مَوَاطِنَ﴾ بدل من ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾، ولا يَمنَعُ إبدالَه منه عطفُه على محلِّ ﴿فِي مَوَاطِنَ﴾؛ إذ لا يقتضي العطفُ اشتراكَهما فيما أضيف إليه المعطوف، فلا يلزم أن يكون إعجابها إيَّاهم في جميع المواطن.\nوحنين: وادٍ بين مكَّة والطَّائف، قيل: انهزم المسلمون يومئذ وهم اثنا عشر ألفًا، وبقي رسول الله ﷺ في مركزه ليس معه إلَّا عمُّه العبَّاس وابنُ عمِّه أبو سفيان ﵄ (^٢).\nوليس الأمر (^٣) كما قِيل، فإنَّ الثَّابتين معه ﵇ كانوا عشرة رجال (^٤)،\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أو الأزمنة\".\n(^٢) رواه مسلم (١٧٧٥) من حديث العباس ﵁، وفيه: \"فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﷺ، فلم نفارقه\". لكن لا يعني ذكر هذين الصحابيين الجليلين في الحديث عدم وجود غيرهم ممن ثبت مع رسول الله ﷺ كما سيرد التنبيه عليه لاحقًا.\n(^٣) \"الأمر\" سقط من (ك).\n(^٤) عدهم القرطبي في \"تفسيره\" (١٠/ ١٤٤) فقال: (وثبت معه أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي =","vol":"4","page":339},{"text":"وقد أفصح عنه العبَّاس ﵁ في قوله:\nنَصَرْنا رسولَ اللهِ في الحربِ تسعةً … وقدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ منهم وأَقْشَعوا\nوعاشرُنا لاقى الحِمامَ بنفسِهِ … بما مَسَّهُ في اللهِ لا يتوجَّعُ (^١)\nوذلك العاشر أيمنُ ابنُ أم أيمن ﵁.\nقال البراء بن عازب ﵁: لقد رأيته ﵇ وإنه على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان آخذٌ بلجامها، والنبيُّ ﵇ (^٢) يقول: \"أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب\" (^٣)، أوَّلُ قوله تثبيتُ المسلمين عامَّة، وآخرُه تثبيتُ عمِّه وابنِ عمِّه خاصَّة؛ فإنَّ في ذِكْرِ جدِّه إشعارًا بأنَّ مَنْ كان من نسله حقُّه القَرار دونَ الفِرار (^٤)، وهذا آيةُ غايةِ الشجاعة، حيث لم يُخْفِ اسمَه ونسبَه (^٥) في تلك الحالة، ولم يَخَفِ الكفَّارَ على نفسِه.\n_________\n= والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابنه جعفر وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد - وهو أيمن بن أم أيمن قتل يومئذ بحنين - وربيعة بن الحارث والفضل بن عباس، وقيل في موضع جعفر بن أبي سفيان: قثم بن العباس).\nوفي عددهم خلاف، أنقص بعضهم عمن ذكر وزاد آخرون حتى أوصلوهم إلى مئة رجل. انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر (٨/ ٣٠).\n(^١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٠).\nوانظر: \"المعارف\" لابن قتيبة (ص: ١٦٤)، و\"الاستيعاب\" (٢/ ٨١٣)، و\"أسد الغابة\" (١/ ١٨٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١٠/ ١٤٥)، والأول في \"العمدة\" لابن رشيق (ص: ٣٦)، وفيها جميعًا عدا القرطبي: (سبعة) و(فر عنه) و(وثامننا)، بدل: \"تسعة\" و\"فر منهم\" و\"عاشرنا\".\n(^٢) \"والنبي ﵇\" من (م).\n(^٣) رواه البخاري (٢٨٧٤)، ومسلم (١٧٧٦).\n(^٤) \"دون الفرار\" من (م).\n(^٥) \"اسمه ونسبه\": ليست في (م).","vol":"4","page":340},{"text":"﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾؛ أي: تلك الكثرة ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء، أو: من أمر العدو.\n﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: بِرُحْبِهَا؛ أي: من الخوف، كما قال الشاعر:\nكَأنَّ بِلادَ اللهِ وَهيَ عَرِيْضَةٌ … عَلَى الخَائِفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حَابِلِ (^١)\nوالرُّحب بالضم: السَّعة، وبالفتح: الواسع.\nوالجار والمجرور في محلِّ الحال؛ أي: مُلْتبسة بِرُحْبِها، ومعنى ضيق الأرض عليهم مع سعتها: أنهم لا يجدون فيها مَنجًى ولا مَهربًا يرتضونها (^٢)؛ لِفرْطِ الرُّعب، فكأنها ضاقت عليهم، أو (^٣) لا يثبتون فيها كمَن لا يسعه مكانُه.\n﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ﴾ الكفَّارَ ظهورَكم ﴿مُدْبِرِينَ﴾: منهزمين، والإدبار: الذَّهاب إلى خِلاف الإقبال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1261\"> </span>(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: رحمته التي سكنوا بها وأمنوا ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى\n_________\n(^١) نسب للبيد في \"ثمار القلوب\" (ص: ٦٣٠)، و\"محاضرات الأدباء\" (٢/ ٣٧٠)، ولرزين العروضي الشاعر في \"معجم الأدباء\" (٣/ ٣٣٥).\n(^٢) \"يرتضونها\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ك): \"و\".","vol":"4","page":341},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين انهزموا، وقيل: الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ حين وقع الهرب، وتكرير ﴿عَلَى﴾ تنبيه على اختلاف الحال (^١).\n﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ بأعينهم، والجنودُ: الجموعُ التي تصلح للحرب، والمراد هنا: الملائكة.\n﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتلِ والأسرِ والسَّبي.\n﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ما فُعل بهم جزاءُ كفرهم في الدنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1262\"> </span>(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: الجريمة العظيمة ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَّوفيق للإسلام، وهم ناس منهم (^٢).\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ يتجاوز عنهم ﴿رَحِيمٌ﴾ يتفضَّلُ عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1263\"> </span>(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ مصدر، والأفصح أن يجعل ﴿نَجَسٌ﴾ خبرًا على أنهم النَّجاسة بعينها، والمعنى: أنه يجب أن يُجتنَبَ عنهم كما\n_________\n(^١) في (م): \"وتكرير الجار على اختلاف الحال\"، وصحح في هامشها إلى المثبت.\n(^٢) في هامش (ف): \"روي أنهم جاؤوا فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، وقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا … إلخ\".","vol":"4","page":342},{"text":"يُجتنبُ عن النَّجاسة، إلَّا أنَّه بُولِغَ في وصفهم بها، فجُعلوا عينَها للتَّنفيرِ وبيانِ وجوب تبعيدهم عن المسجد.\nوقرئ: (نِجْس) بكسر النون وسكون الجيم (^١)، وهو تخفيفُ نَجِسٍ نعتًا، وأكثر ما جاءه تابعًا لرِجْسٍ، وعلى هذه القراءة لا بُدَّ من تقدير موصوفٍ (^٢) كـ: جِنْسٌ، أو ضَرْبٌ.\n﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الفاء للسببية، أي: فلا يَقْرَبوه بسبب أنهم عينُ النَّجاسة، والنَّهيُ عن الاقتراب للمبالغة، أو للمنع عن دخول الحرم، وهو مذهب عطاء، والمراد من نهيهم أن يقربوه: نهيُ المسلمين عن تمكينهم منه، ولهذا صدِّر الكلام بالخطاب لهم، فلا دلالة فيه على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالفروع.\nوقيل: المراد: المنع عن الحج والعمرة، وعليه أبو حنيفة، ويؤيِّده قوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فإنَّه لولا هذه الإرادةُ لكان مقتضَى التفريع المذكور انتظامُ النَّهي لبقية أيام هذا العام أيضًا.\nوالإشارة إلى سنة عشرٍ، وقيل: إلى سنة تسع.\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: فقرًا. وسببُ وروده: أنَّ المسلمين حين مَنعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات، قذفَ الشَّيطان في نفوسهم الخوف من الفقر، وقالوا: من أين نعيش؟ فوعدهم الله تعالى أن يُغنيَهم من فضله (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٢).\n(^٢) في (م): \"موصوف له\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٢٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢١).","vol":"4","page":343},{"text":"قال الضَّحَّاك: ففتح عليهم باب أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩] (^١).\nوقرئ: (عائلةً) (^٢)، وهو مصدرٌ كالعاقبة، أو نعتٌ لمحذوفٍ؛ أي: حالًا عائلة.\n﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: من عطائه أو تفضُّلِه بوجهٍ آخر، وقد أنجز وعدَه بأن فتحَ عليهم بابَ أخذ الجزية من أهل الذِّمَّة، وأخذِ الغنيمة من دار (^٣) الحرب، أو وفَّق (^٤) أهل تَبالةَ وجُرَشَ فأسلموا وامتاروا لهم.\n﴿إِنْ شَاءَ﴾ قيَّده بالمشيئة لا ليُتنبَّه على (^٥) أنه متفضِّل في ذلك؛ لأن قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ صريحٌ في ذلك، بل لتنقطعَ الآمال إليه، ويُتنبَّه على وجه اختلاف الأحوال والأعوام والأشخاص والأقوام.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكمَ وأرادَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1264\"> </span>(٢٩) - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) رواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٤٠٢)، وانظر: \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٧٧٧)، و\"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٢٨).\n(^٢) نسبت لابن مسعود. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٢)، و\"المحتسب\" (١/ ٢٨٧).\n(^٣) في (م): \"من أهل درب\".\n(^٤) في (ك): \"ووفق\".\n(^٥) \"على\" سقط من (م).","vol":"4","page":344},{"text":"﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: لا يؤمنون بهما على وجهٍ يصحُّ ويُقبَلُ، على ما مَرَّ بيانُه في أوائل سورة البقرة، وإنما قال: ﴿قَاتِلُوا﴾ دون (اقتلوا) إشارة إلى اختصاص الجزية التي ينتهي عندها القتال بمن (^١) تَحتمِل بِنيتُه الحرابَ، فلا جزية على المرأة والصَّبي والشَّيخ الفاني.\n﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لم يقل: (أو رسوله) لأنَّه ﵇ لم يحرِّم شيئًا إلا بالوحي على المذهب الصحيح، فليس المعنى: ما حرَّمَ اللهُ بالكتاب ورسولُه بالسُّنَّة؛ لِمَا في هذا التوزيع من إيهام استقلاله ﵇ في التَّحريم.\n﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ الثَّابت، الذي هو ناسخٌ سائرَ الأديان ومبطلُها.\n﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بيانٌ لـ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وتأكيدٌ للحجَّة التي لا بُدَّ من تقديمها على القتال؛ لأنهم كانوا يجدونه ﵇ في التَّوراة والإنجيل، فلا دلالة فيه من جهة المفهوم على اختصاص قَبول الجزية بأهل الكتاب، كما لا دلالة فيه على اختصاص وجوب القتال بهم.\nبيَّنَ في الآية السَّابقة قتالَ المشركين وبيَّنَ في هذه الآية (^٢) قتال اليهود والنصارى، ولو قال: قاتِلوا أهل الكتاب، لكفى، وإنما أَطنب بذكر هذه الأوصاف الذَّميمة تحريضًا للمؤمنين على قتالهم؛ لأنها صفات توجب البراءة منهم والعداوة لهم (^٣).\n﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ أي: إلى أن يَقبلوها، وهي عطيةُ عقوبةٍ جزاءً على الكفر،\n_________\n(^١) في (ك): \"ممن\".\n(^٢) \"الآية\" من (م).\n(^٣) في هامش (ف): \"وجه التفريع هو أن مبنى المفهوم على أن لا يكون للقيد فائدة أخرى\".","vol":"4","page":345},{"text":"على ما وظَّفه رسول الله ﷺ على أهل الذِّمَّة، وهي على وزن جِلْسَة وفِقْرَة لنوعٍ من الجزاء.\nوقيل: من جزى يجزي: إذا كان أهدى إليه، كأنهم أُعطوها جزاءَ ما مُنِحوا من الأمن، ومن هذا المعنى قول الشاعر:\nيَجْزِيكَ أو يُثْنِي عليكَ وإنَّ مَن … أَثْنَى عليكَ بما فَعَلْتَ كمَن جَزَى (^١)\nمَدَّ وجوبَ القتالِ إلى هذه الغاية، وهذا حكمُ أهل الكتاب بالنَّصِّ، وحكمُ المجوس كذلك بالخبر، وهو قوله ﵇: \"سُنُّوا بالمجوسِ سُنَّةَ أهلِ الكتابِ غيرَ ناكحي نسائِهم ولا آكلي ذبائِحهم\" (^٢).\n_________\n(^١) أحد أبيات ثلاثة أنشدتها أم المؤمنين عائشة ﵂ أمام النبي ﷺ كما روى ذلك الطبراني في \"الأوسط\" (٣٥٨٠)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٩١٣٨).\nواختلف في نسبة هذه الأبيات: فنسبت لورقةَ بن نوفل كما في \"نسب قريش\" للزبيري (٦/ ٢٠٧)، و\"قضاء الحوائج\" لابن أبي الدنيا (٧٥). ونسبت لابن غريضٍ اليهوديِّ كما في \"قضاء الحوائج\" لابن أبي الدنيا (٧٦)، و\"المجروحين\" لابن أبي حاتم (رقم: ٤٤٩). ونسبت لزهير بن جناب الكلبي كما في \"العقد\" لابن عبد ربه (١/ ٢٢٦)، و\"المجالسة وجواهر العلم\" (١/ ١١٩).\nقال الأصبهاني في \"الأغاني\" (٣/ ١٠٨): الشعر لغريض اليهودي وهو السمو أل بن عادياء، وقيل: إنه لابنه سعية بن غريض، وقيل: إنه لزيد بن عمرو بن نفيل، وقيل: إنه لورقة بن نوفل، وقيل: إنه لزهير بن جناب، وقيل: إنه لعامر بن المجنون الجرمي، الذي يقال له: مدرج الريح، والصحيح أنه لغريض أو لابنه.\n(^٢) روى بمعناه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٣٢٥) عن الحسن بن محمد يرفعه، وهو مرسل.\nوشطره الأول دون الاستثناء رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٧٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁. وفي سنده انقطاع كما نبه على ذلك ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٢/ ١١٤) قال: لكن معناه متصل من وجوه حسان. قال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٣٥٤): (تبين أن الاستثناء في حديث عبد الرحمن مدرج). وانظر كلامه على الحديث ثمة.","vol":"4","page":346},{"text":"ولا يجوز هذا في مشركي العرب؛ لقوله ﵇: \"لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف\" (^١).\nويجوز في الهنود (^٢) والأتراك والدَّيلم (^٣) عندنا، خلافًا للشافعي، وعند مالك (^٤): يُؤْخَذْ مِنْ كلِّ كافرٍ إلَّا المرتدَّ.\n﴿عَنْ يَدٍ﴾ حالٌ من الضمير، واليدُ مجازٌ عن القوَّة والقدرة، والمراد قدرة المعطي، وفائدته الإشارةُ إلى أنَّه لا جزيةَ على الفقير العاجز عن الكسب، وإن كان بنيتُه بنيةَ الحراب، وهذه الإشارة من مقتضيات المقام، فلا وجه لتفويتها (^٥) بحمل القيد المذكور على معنًى آخر، كمعنى الإنعام عليهم، ومعنى الطَّاعة والانقياد، ومعنى التسليم بنفسه، على أنَّ هذين المعنَيَين الأخيرَيْن من لوازم القيد الآتي ذكرُه، فلا حاجة لإفادته إلى زيادة قيدٍ آخرٍ.\nومن هنا تبيَّنَ أنَّه لا وجهَ لأنْ يكون المرادُ من القدرة على تقدير الحمل عليها: قدرةَ الأخذِ.\nوأما معنى: نقدًا مسلَّمةً عن يدٍ إلى يدٍ، على أنه حال من الجزية، فلا يناسب المقام؛ لِمَا عرفتَ أن الغاية حقيقةً (^٦) هي التَّقبُّل والالتزام، دونَ العطاءِ بالفعلِ.\n﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: الصَّغارُ: الذُّلُّ والنَّكال الذي يصغِّر قدرَ صاحبه؛ أي: وهم\n_________\n(^١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٤/ ١١٧ - ١١٨) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\n(^٢) في هامش (م): في نسخة: \"اليهود\".\n(^٣) \"والديلم\" سقط من (م).\n(^٤) في (م) زيادة: \"اليهود والديلم\"، ولا معنى لها.\n(^٥) في (ك) و(م): \"لتقويتها\"، ولعله تحريف.\n(^٦) في \"حقيقة\" من (م).","vol":"4","page":347},{"text":"أذلَّاء، يأتون لأداء الجزية مشاةً لا ركبانًا، ويؤدُّون قيامًا والآخذ قاعدًا، ويؤخَذ بِلُببهِ عند الأخذِ، ويُحرَّك ويُقال: أدِّ الجزية يا يهوديُّ، أو يا نصرانيُّ.\nوالجزيةُ على ثلاثِ مراتبَ: على المعتمِل بالسَّنة اثنا عشر درهمًا، وعلى وسط الحال أربعةٌ وعشرون درهمًا، وعلى كامل الحال ثمانية وأربعون درهمًا. كذلك وظَّفها عمر ﵁ (^١).\nوبهذه الجزية أغناهم الله تعالى عن العَيلة، وهو وجه اتِّصال هذه الآية بالأولى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1265\"> </span>(٣٠) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ إنما (^٢) قال بعضهم من متقدِّميهم، أو ممَّن كان بالمدينة: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر، وسقط التَّنوين بمنع الصَّرف للعُجمة والعَلَميَّة، ومَنْ نوَّنه من القرَّاء جعله عربيًّا (^٣)، أو لأنَّ ﴿ابْنُ﴾ صفةٌ له، وعلى هذا يكون الخبر متروكًا غيرَ ملفوظٍ ولا ملحوظٍ، وقَصْرُ النقل على هذا القَدْرِ من كلامهم لتجريد الإنكار للتوصيف المذكور، وفيه إيهامُ التبعيد لكلامهم عن حيِّز التَّمام، وتمهيدٌ للمقصودِ من زيادة قوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ على أحد الوجهَيْن الآتي ذكرُهما (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"أحكام القرآن\" للجصاص (٤/ ٢٩٠)، و\"شرح صحيح البخاري\" لابن بطال (٥/ ٣٣١)، و\"المبسوط\" للسرخسي (١٠/ ٧٨).\n(^٢) في (م): \"وإنما\".\n(^٣) قرأ بالتنوين عاصم والكسائي، والباقون بتركه. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٨).\n(^٤) في هامش (ف): \"من قال: والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا =","vol":"4","page":348},{"text":"﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وهو أيضًا قولُ بعضِهم.\n﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؛ يعني: أنَّهم يذكرونه صريحًا؛ لأنَّه يفهم بطريق الاستدلال من بعض أفعالهم، فهو لرفع التَّجوُّز في المسند، فغنه أهمُّ من رفع التَّجوُّز في الإسناد.\nونسبة القول إلى الأفواه دون الألسنة لأنَّ النسبة أولى وأشمل وأكمل (^١)؛ فإنَّ مِنَ الأقوال ما لا حاجة في التَّلفظ به إلى اللِّسان.\nويجوز أن يكون المراد: أنَّه قولٌ لا حقيقةَ له ولا معنى، كالمهملات الملفوظة التي تخرج من الأفواه ولا معنى لها في القلوب.\n﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تقديره: يضاهي قولُهم قولَ الذين كفروا، فحذف المضاف وأُقِيمَ المضاف إليه مقامه، فانقلب مرفوعًا، هذا ما قالوا، وعندي أنَّه على طريقة: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]؛ أي: لا يهديهم في الكيد، فالمعنى: يضاهونهم (^٢) في القول، والمضاهاةُ: المشابهةُ.\nوقرئ بالهمزة (^٣)، من قولهم: امرأة ضَهياءُ، وهي التي ضاهأتِ الرِّجال في أنها لا تحيض.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قَبْلِهم، والمراد: المشركون الذين قالوا: الملائكة بنات الله.\n_________\n= مع تهالكهم على التكذيب، فقد استضاء بالمصباح عند طلوع الصباح؛ حيث لم يقنع بما نطق به الكلام، وتمسك بشكوكة العاجز\".\n(^١) في (م): \"دون الألسنة لا أن الآية الأولى أشمل وأكمل\".\n(^٢) في (ك): \"يضاهئونهم\".\n(^٣) وهي قراءة عاصم، والباقون بضم الهاء من غير همز. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٨).","vol":"4","page":349},{"text":"﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ دعاءٌ عليهم بالإهلاك، فإنَّ مَنْ قاتله الله هلكَ، ويُفهَم التَّعجُّب من السِّياق؛ لأنَّه كلمة لا يُفاه بها إلا في موضع التَّعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم، ولهذا تعجَّبَ بعده من اعتقادهم وتلفُّظهم بالكلمة الشَّنعاء بقوله:\n﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصرَفون عن الحقِّ إلى الباطل، فلا مانع عن الجمع بينهما قصدًا.\n\n<span id=\"aya-1266\"> </span>(٣١) ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: اتَّخذوا علماءَ اليهود وعُبَّاد النَّصارى كالأرباب، حيث أحلُّوا لهم الحرام فاستحلُّوه وحرَّموا عليهم الحلال فحرَّموه، فقوله: ﴿أَرْبَابًا﴾، كقوله: ﴿نَارًا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦].\nقال ابنُ السِّكِّيْتِ: الحِبرُ بالكسر: المداد، وبالفتح: العالم والرَّاهب، مأخوذ من الرَّهْبة، وهو الذي حمله خوف الله تعالى على أن يُخلص له النِّيَّة دون النَّاس.\n﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ أي: اتَّخذوه ربًّا معبودًا، والرَّبُّ هنا على الحقيقة، ولهذا فصَله عمَّا قبله، مُخرِجًا له عن زمرتهم، مفرِدًا له بالإخبار عنه.\nوإنما ذكره بنسبته إلى أمه إظهارًا لعدم صلاحيته للرُّبوبيَّة، وفي التَّعبير عنه بلقبه المشعِر بالربوبية نوعُ تمهيدٍ لذلك المقصود، ولا يخفى ما فيه من النَّعي عليهم.\n﴿وَمَا أُمِرُوا﴾؛ أي: وما أمر المُتَّخِذونَ.","vol":"4","page":350},{"text":"قيل: يجوز أن يكون المعنى: وما أُمِرَ المتَّخذون أربابًا، فيكون كالبرهان على بطلان الاتِّخاذ.\nوكأنَّ هذا القائل غافل من أنَّ الرَّبَّ في غير المسيح ﵇ لم يُتَّخذ على الحقيقة.\n﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو الله تعالى، ولا حاجة إلى صرف العبادة عن معناها إلى معنى الإطاعة حتى تحتاج إلى أن يُقال: طاعةُ الرَّسول ﵇ وسائرِ مَن أَمرَ اللهُ تعالى بطاعته فهو طاعة الله تعالى في الحقيقة.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةٌ ثانية، أو استئنافٌ مقرِّر للتَّوحيد ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وتنزيهٌ له عن الإشراك به.\n\n<span id=\"aya-1267\"> </span>(٣٢) ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ الإطفاءُ: إذهابُ نور النَّارِ، ثم استُعمِلَ في إذهاب (^١) كلِّ نورٍ، وفي سورة الصف: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ [الصف: ٨]؛ أي: يقومون لذلك الأمر، والتَّجوُّز عن إرادة أمر بالقيام له مجاز (^٢) شائع، فكذا عكسه سائغ، والقيامُ لأمرٍ عبارةٌ عن الاهتمام بشأنه.\n﴿نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إطفاءُ نورِ الله بأفواهم تهكُّم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: هذا السحر، مُثِّلَتْ حالُهم بحال مَن ينفخ في نور الشَّمس بفيهِ ليطفئه.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"استعمال\".\n(^٢) \"مجاز\" زيادة من (م).","vol":"4","page":351},{"text":"ويجوز أن يكون المراد من ﴿نُورَ اللَّهِ﴾: القرآنُ والإسلامُ والحججُ الدَّالة على حقيقته، ويكون المراد من (^١) (أفواههم): أقوالهم التي لا صحَّة لها؛ فإنها لا تتجاوز عن الأفواه إلى فهم السامع، وعلى هذا يكون الإطفاء ترشيحًا لاستعارة النور (^٢).\n﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بإعزاز الإسلام وإعلاء كلمة التَّوحيد، وإنما جاز الاستثناء المفرَّغ من الكلام الموجَب؛ لأن قوله: ﴿يَأْبَى اللَّهُ﴾ أوقعُ من (^٣) موقع (لا يريد الله)؛ ألا ترى كيف قابل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ بقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾؟.\n﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ حذف جواب ﴿وَلَو﴾؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: ولو كره الكافرون إتمامَ نورِ الله أبى إلَّا إتمامه (^٤).\n\n<span id=\"aya-1268\"> </span>(٣٣) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾؛ أي: محمدًا (^٥) ﵇ ﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن، كما في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].\n﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: الإسلام.\n_________\n(^١) \"نور الله القرآن والإسلام والحجج الدالة على حقيقته ولكون المراد من\" من (م).\n(^٢) في هامش (ف): \"وما روينا أبلغ كافية من الإيماء إلى أنهم لم يتجاوزوا عن الإرادة إلى مباشرة المراد. فافهم\".\n(^٣) \"من\" من (ك).\n(^٤) في (ف): \"تمامه\".\n(^٥) في النسخ: \"محمد\" والصواب المثبت.","vol":"4","page":352},{"text":"﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: دينِ الحق، أو الرسول ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ كالبيان لقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾، ولذلك كرر قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ بوضع (المشركين) موضع (الكافرين)؛ للدلالة على أنهم ضَمُّوا الكفرَ بالرَّسول إلى الشِّرك بالله تعالى.\nوالتعريف في ﴿الدِّينِ﴾ للجنس، والظهورُ على الجنس إنما يكون بالظُّهور على جميع أفراده، وجميعُ أفراده وقت إرساله ﵇ إنما هو سائر الأديان، وظهورُ الدِّين على الدِّين إنَّما يكونُ بنسخه وإبطاله.\nوعلى تقدير رجوع الضَّمير إلى الرَّسول ﵇ يكون المراد: ظهوره ﵇ على أهل سائر الأديان، على تقدير المضاف.\n\n<span id=\"aya-1269\"> </span>(٣٤) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المراد بهذه الآية: بيانُ نقائص المذكورين فيها، وفي ضمنه نهيُ المؤمنين عن تلك النَّقائص، لمَّا ذكر الله تعالى أنَّهم اتَّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دونِ اللهِ، ذكرَ ما هو عليه كثيرٌ منهم تنقيصًا في شأنهم وتحقيرًا، وأنَّ مِثل هؤلاء لاينبغي تعظيمهم فضلًا عن اتخاذهم أربابًا.\n﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ يأخذونها بالرُّشا، والتَّخفيفِ في الشرائع. وأطلق الأكل على أخذ المال مجازًا؛ لأنَّه معظمُ الغرض منه، أو لكونه سبب الأكل.","vol":"4","page":353},{"text":"﴿وَيَصُدُّونَ﴾ صَدَّ يُستعمَل واقعًا ومجاوزًا (^١)، فالمعنى: يصدُّون غيرهم.\n﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن دينِ الإسلام وشريعةِ محمَّدٍ ﵇، أو يصدُّون عنه في أكلهم الأموال بالباطل؛ أي: لا تتوهَّموا في كثير من الأحبار والرُّهبان صلاحًا، ولا تغترُّوا بظاهر زِّيهم وسكونهم؛ فإنَّ ذلك كلَّه (^٢) مصائدُ للمطامع، واستجلابٌ للرِّئاسة، ومكائدُ للصدِّ عن سبيلِ الله والجرِّ إلى الضَّلالة. قال عبد الله بن المبارك:\nوهل أفسدَ النَّاسَ إلَّا الملوكُ .... وأحبارُ سوءٍ ورهبانُها (^٣)\n﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾؛ أي: يجمعونهما ويحفظونهما في الأوعية، ومنه قولهم: رجل مُكتنِزُ؛ أي: مجتمِعُ اللحم. وليس من شرطِ الكنزِ الدَّفنُ، ولكن كثُر في حفظ (^٤) المال أن يُدفَنَ حتى تُعورِفَ اسمُ الكنز في المدفون.\nوإنَّما خُصَّا بالذِّكر لأنهما قانون التَّموُّل وأثمانُ الأشياء، فالاحتياج إليهما فيما بين النَّاس أكثر، ولا يجوز كنزهما ومنع الناس عن فائدتهما.\n﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ اسم موصول ضُمِّنَ معنى اسم الشرط، فلذلك دخلت الفاء في خبره في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) لعله يريد: لازمًا ومتعديًا، وقد تقدم التمييز بينهما عند تفسير قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد جزم المؤلف - كما سيأتي - بالتعدية فيه، وأجاز غيره الوجهين. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ٣٠٤).\n(^٢) \"كله \"سقط من (ك).\n(^٣) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٧٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٧٣٠٠).\n(^٤) في (ف): \"حفظة\".","vol":"4","page":354},{"text":"ويجوز أن يكون ﴿وَالَّذِينَ﴾ معطوفًا على الضمير في قوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ﴾ والفصلُ يقوم مقام التأكيد.\nوأن يكون محلُّ الموصول منصوبًا عطفًا على اسم (إنَّ) في قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا (^١) مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذِ الرُّشا، وكنزِ الأموال والضَّنِّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير.\nوأُورد عليه أنه لو أريد أهل الكتاب خاصَّة لقيل: (ويكنزون)، بغير ﴿وَالَّذِينَ﴾، فلمَّا زيدَ ﴿وَالَّذِينَ﴾ فقد استُؤْنِفَ معنًى آخرُ، تبيَّن أنه عطفُ جملة على جملة.\nوأمَّا تسويته تعالى (^٢) للمسلمين الكانزين غيرِ المنفقين بالمرتَشين من أهل الكتاب باقترانهم بهم في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم؛ تغليظًا ونهيًا عن الكنز، وبعثًا على الإنفاق، ويدل على هذا أنه لما نزل كبُر على المسلمين، فذكر عمر ﵁ لرسول لله ﷺ فقال: \"إنَّ اللهَ لم يفرضِ الزَّكاةَ إلَّا ليطيِّبَ بها ما بقيَ مِنْ أموالِكُمْ\" (^٣)، فعُلِمَ أنَّ المرادَ بتركِ الإنفاقِ في سبيلِ اللهِ منعُ الزَّكاةِ.\nوقوله ﵇: \"ما أُدِّيَ زكاتُه فليسَ بكنزٍ وإنْ كانَ باطنًا، وما بلغَ أنْ يُزَكَّى فلم يُزَكَّ فهوَ كنزٌ وإنْ كانَ ظاهرًا\" (^٤) معناه: ليس بكنزٍ أُوْعِدُ عليه؛ فإنَّ الوعيد على\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"وهو إشارة إلى الكثير\".\n(^٢) في (ف): \"شبهه\"، وفي (م): \"تسوية\"، وفي (ك): \"نعته تعالى\"، والمثبت هو الأنسب بسياق الكلام.\n(^٣) رواه أبو داود (١٦٦٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٤٨٧) و(٣٢٨٢)، وصححه، وفي إسناده عثمان أبو اليقظان وهو ضعيف. انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٤/ ٨٣).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٦٦)، ورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨٣) من طريق محمد بن جبير عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: \"كل ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان=","vol":"4","page":355},{"text":"الكنز مع عدم الإنفاق فيما أمرَ اللهُ تعالى أليقُ فيه، على ما فُهِمَ من قوله:\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والضَّمير للفضَّة وحدها، إحالةً للحكم في قرينها على الدِّلالة، وإنما لم يعكس مع ما فيه من اعتبار جانب التَّذكير؛ رعايةً لجهة القُرْبِ، وعلى هذه الطَّريقة سلكَ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢] أيضًا.\nوأما قوله ﵇: \"مَنْ تركَ صفراءَ أو بيضاءَ كُوِيَ بها\" (^١) أو نحوه، فالمراد\n_________\n= مدفونًا تحت الأرض، وكل ما لا يؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا\" قال البيهقي: ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. ورواه الطبراني في \"الأوسط\" (٨٢٧٩) وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٤٢٦) من طريق سويد بن عبد العزيز عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا، ولفظه: \"كل مال وإن كان تحت سبع أرضين يؤدى زكاته فليس بكنز، وكل مال لا يؤدى زكاته وإن كان ظاهرا فهو كنز\" قال ابن عدي: رفعه سويد إلى النبي ﷺ وغيره يرويه موقوفًا. والموقوف رواه الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٨٧)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٧١٤٠) و(٧١٤١). وفي الباب عن أم سلمة قالت: \"كنتُ ألبَسُ أوضاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فقلت: يا رسولَ الله، اكنزٌ هو؟ قال: \"ما بلغ أن تُؤَدَّى زكاتُه، فزُكِّيَ، فليس بكَنزٍ\" أخرجه أبو داود (١٥٦٤) واللفظ له، والحاكم في \"المستدرك\" (١٤٣٨)، من طريق عطاء عن أم سلمة. ورجاله ثقات إلا أن عطاء - وهو ابن أبي رباح - لم يسمع من أم سلمة فيما قاله علي بن المديني. ومع ذلك فقد صححه ابن القطان، وجودَّ إسناده الحافظ العراقي، فيما نقله عنهما الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ٢٧٢).\nوروى البخاري في \"صحيحه\" (١٤٠٤): عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن هذه الآية فقال: من كنزها فلم يؤدِّ زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. وقد ترجم له البخاري بقوله: (باب ما أدي زكاته فليس بكنز).\n(^١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١٤٨٠)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٥٩) - وقال: فيه نظر -، من حديث أبي ذر ﵁. وإسناده ضعيف لجهالة أحد رواته. ويشهد له ما رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١٤٦١) بإسناد صحيح من حديث أبي ذر ﵁ أيضا، ولفظه: \"أيُّما ذهبٍ أو=","vol":"4","page":356},{"text":"منها ما لم يؤدِّ حقَّها؛ لقوله ﵇: \"ما مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضَّةٍ لا يؤدِّي منهما حقَّهما إلَّا إذا كانَ يومَ القيامة صفِّحَتْ له صفائح من نارٍ، فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه\" (^١).\n﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هو الكَيُّ بهما.\n\n<span id=\"aya-1270\"> </span>(٣٥) - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.\n﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أصله: تُحمَى النَّارُ عليها؛ أي: تُوْقَدُ النَّار ذاتَ (^٢) حَميٍ شديد، من قوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١١] فحذفت النَّار لقوله: ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ وأُسند الفعل إلى الجارِّ والمجرور فلزم تذكيرُه؛ كما يقال: رُفعتِ القصَّةُ إلى فلان، فإذا حذفت قيل: رُفِعَ إلى فلان.\nوفي جعل الإحماء للنَّار، والإبهامِ بإسناد الفعل إلى الظَّرف ثم التفصيلِ وجعلِ نار جهنم مكانًا للإحماء، من المبالغة ما ليس في قولك: تُحمى بالنار، وأمَّا الاكتفاء بضمير القصَّة فقُدِّمَ (^٣) وجهُه.\n﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ الكي: إلصاقُ الشَّيء الحارِّ بالعضوِ (^٤).\n_________\n=فضةٍ أُوكِيَ عليه، فهو كَيٌّ على صاحبه حتى يُفْرِغَهُ في سبيلِ اللهِ إفراغًا\".\n(^١) رواه البخاري (١٤٠٣)، ومسلم (٩٨٧) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) في النسخ: \"ذات النار\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٢٦٨) و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٧٩).\n(^٣) في (ك): \"فقد مرّ\".\n(^٤) في النسخ: \"بالفضة\"، والمثبت من هامش (م).","vol":"4","page":357},{"text":"﴿جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ إنَّما خُصِّصَتْ هذه المواضع بالكيِّ لأنَّه في الجبهة أشنعُ، وفي الجنب والظهر أوجعُ لوصول الحرِّ إلى الجوف، بخلاف اليد والرِّجل.\nوقيل: لأنَّ الغنيَّ المانعَ للزكاة إذا رأى الفقير انقبضَ وجهه، وإذا ضمَّه والفقيرَ مجلسٌ ازْوَرَّ عنه فعارضه بجنبه، وإذا أمَّله قام وولَّاه ظهرَه.\n﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ﴾ على إرادة القول.\n﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ توبيخٌ لهم وتهكُّم بهم؛ أي: كنزتُموه لتنتفع به نفوسكم وتلتذَّ بها، فكانت عينَ مضرَّتها وسببَ تعذيبِها.\n﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾؛ أي: وَبالَ ما كنزْتُم (^١)، أو: ما تكنزونه.\n\n<span id=\"aya-1271\"> </span>(٣٦) - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ مَبلغَ عدِّها ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرفُ ﴿عِدَّةَ﴾ لأنَّها مصدر.\n﴿عَشَرَ شَهْرًا﴾ شهور السَّنة شمسيَّةً كانت أو قمريَّةً كذلك، إلَّا أنَّ المراد هنا الشُّهور القمريَّة.\n﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: في اللَّوح المحفوظ، أو فيما أثبته وأوجبه في حكمه، صفة لـ ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؛ أي: مثبتة فيه، وقوله: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: أمرٌ\n_________\n(^١) في (ف): \"وبال كنزكم\".","vol":"4","page":358},{"text":"ثابتٌ في نفس الأمر مذ خلقَ الله تعالى الأجرام والأزمنة، متعلِّق بما فيه من معنى الثُّبوت، أو بالكتاب إن جعل مصدرًا.\n﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ واحدٌ فردٌ، وهو رجبٌ، وثلاثةٌ سَرْدٌ، وهي (^١): ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تحريم الأشهر الأربعة ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: دينُ إبراهيم وإسماعيل ﵉، وكانت العرب ورثوه منهما.\n﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾ لمَّا كان جمعُ الحُرُم للقلَّة عاد الضميرُ عليها بالنون، تقول العرب: الجذوع انكسرت؛ لأنَّه جمع كثرة، والأجذاع انكسرْنَ؛ لأنَّه جمع قلَّةٍ.\n﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بهتك حرمتها، وعن عطاء: ما يحلُّ للنَّاس أن يغزوا في الحَرم ولا في الأشهر الحرم إلَّا أنْ يُقَاتَلوا، وما نُسِخَتْ (^٢).\nوالجمهور على أن حرمة المقاتلة فيهنَّ منسوخة، وأوَّلوا الظُّلم بارتكاب المعاصي فيهنَّ فإنَّه أعظم وزرًا، كارتكابها في الحرم، وحالَ الإحرام.\nوقيل: يؤيده ما روي أنَّه ﵇ غزا هوازن بحُنَين وحاصر الطَّائف في شوال وذي القعدة.\nوفيه نظر؛ لأنَّ غزوَ هوازن بحنين كان في شوَّال فلا تأييد فيه (^٣)، وأما محاصرةُ الطَّائف فقيل: إنَّه ﵇ حاصره بقيَّة الشَّهر المذكور، فلما دخل ذو القعدة انصرف عنه وأتى الجِعْرانةَ وأَحرم منها للعمرة.\n_________\n(^١) \"وهي\" ليست في (ف).\n(^٢) رواه الجصاص في \"أحكام القرآن\" (١/ ٤٠١)، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٤٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٦٩).\n(^٣) في هامش (ف): \"التفصيل يطلب من \"التيسير\" في تفسير قوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾.","vol":"4","page":359},{"text":"﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: جميعًا، من الكفِّ بمعنى المنع (^١)، كأنهم كُفُّوا أن يخرج منهم أحدٌ باجتماعهم (^٢)، وقع موقع الحال.\n﴿وَاعْلَمُوا﴾؛ أي: كونوا على ثقةٍ ويقينٍ ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بشارةٌ لهم، وضمانٌ بالنَصر، وبيانٌ أنَّ تقوُّلهم سببٌ لنصرهم.\n\n<span id=\"aya-1272\"> </span>(٣٧) - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ مصدر نَسَأه: إذا أخَّره؛ أي: تأخيرُ حرمة الشَّهر إلى شهرٍ آخر، وذلك أنهم كانوا أصحابَ حروبٍ وغاراتٍ، فإذا جاء الشهر (^٣) وهم محاربون أحلُّوه وحرَّموا مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا خصوصَ الأشهر، واعتبروا مجرد الورود، وذلك قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾، وهي الأربعة، وربَّما زادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر ليتَّسع لهم الوقت، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؛ أي: من غير زيادةٍ زادوها.\n﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ لأنهم لَمَّا أحلُّوا ما حرَّم اللّه تعالى وحرَّموا ما أحلَّه زادوا كفرًا على كفرهم.\n_________\n(^١) في النسخ: \"بمعنى منع\"، والمثبت هو الأنسب بالسياق.\n(^٢) في هامش (ف): \"وأما ما قيل: فإن الجمع مكفوف عن الزيادة فليس بشيء\".\n(^٣) في (م): \"جاء أشهر حرم\".","vol":"4","page":360},{"text":"﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضلالًا زائدًا.\n﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا﴾ الضمير للمنسوء الدَّالِّ عليه النَّسيء.\n﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾؛ أي: إذا أحلُّوا منها شهرًا عامًا (^١) رجعوا فحرَّموه في العام القابل، والجملتان تفسير للضَّلال، أو في موقع الحال.\n﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أي: ليوافقوا عدَّة الأربعة، واللَّام متعلقة بـ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ﴾، أو بما دَلَّ عليه مجموع الفِعْلَين.\n﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بمواطأة العِدَّة وحدها من غير مراعاةِ وقت.\n﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ خذلهم الله وأضلَّهم حتى حسبوا قبيحَ أعمالهم حسنًا.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ على طريقة تنزيل وجودِ ما لا يترتَّب عليه أثره بمنزلة العدم (^٢).\n﴿الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضعَ المضمر؛ للدّلالة على أنَّ كفرَهم مانعٌ مِن قَبول الهداية وترتُّب الأثر.\n\n<span id=\"aya-1273\"> </span>(٣٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾ هو حرف استفهام بمعنى التوبيخ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ النَّفْرُ: التَّنقُّل بسرعةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ لأمرٍ يحدث.\n_________\n(^١) \"عامًا\" سقط من (م).\n(^٢) في هامش (ف): \"من لم يتنبه لهذا […] التقدير فقال: هداية موصلة إلى الاهتداء\".","vol":"4","page":361},{"text":"و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: طلب رضا الله تعالى.\n﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: تباطأتم وتقاعدتم، وقرئ: (تَثاقَلْتُم) على الأصل (^١)، وقرئ: (أَثَّاقَلْتُم) على الاستفهام (^٢)، ومعناه: الإنكار والتَّوبيخ، ضمَّنه معنى الميل والإخلاد فعُدي بـ (إلى)؛ أي: مِلْتُم إلى الدُّنيا ولذَّاتها، أو مِلْتُم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم وكرهتم مشاقَّ السَّفر والجهاد.\nوهو العامل في ﴿إِذَا﴾ إذا لم يُستفهم به (^٣)، وإذا استُفهم به منع الاستفهامُ عمله فيما قبله، فالعاملُ حينئذ ما دلَّ عليه، أو معنى الفعل في ﴿مَالَكُمْ﴾ كما يعمل في الحال إذا قيل: ما لك قائمًا؟ كأنه قيل: ما تصنعون؟\nوما ذكر عبارةٌ عن تخلُّفِهم عن رسول الله ﷺ، وتركهِم الغزوَ، واختيارِهم سكنى ديارهم، والتزامِ نخلهم وظلالهم، وكان ذلك في غزوة تبوك، أُمِروا بها بعد رجوعهم من الطَّائف في وقت عُسْرَةٍ وقيظٍ، مع بُعْدِ الشُّقَّة وكثرة العدو فشقَّ عليهم (^٤).\n﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وغرورِها ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾: بدلَ الآخرةِ ونعيمها.\n﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: فما التَّمتُّع بها (^٥) ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنب الآخرة ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾: مستحقَرٌ.\n_________\n(^١) نسبت للأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٣).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٧١).\n(^٣) \"به\" من (م).\n(^٤) \"فشق عليهم\" من (م).\n(^٥) في (ك): \"في التمتع فيها\".","vol":"4","page":362},{"text":"<span id=\"aya-1274\"> </span>(٣٩) - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾: إنْ لا تنفروا إلى ما استُنفرتم إليه ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ الله ﴿عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ إظهارُ سخطٍ عظيم على ترك النَّفْرِ والتَّثاقل، حيث أوعدهم عليه بعذابٍ مطلَقٍ متناوِلٍ لعذابِ الدُّنيا (^١) والآخرة، ونكَّره ووصفه بالإيلام وأنَّه يهلكهم ويستبدل بهم قومًا خيرًا منهم وأطوعَ، كأهل اليمن (^٢) وأبناء فارس.\n﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾؛ أي: إنَّه غنيٌّ عنهم في نصرة دينه، وفي كلِّ أمرٍ لا يقدح تثاقلُهم فيها شيئًا.\nوقيل: الضَّمير للرَّسول ﵇، أي: ولا تضروه لأنَّ الله تعالى وعدَه بالعصمة والنصرة (^٣)، ووعدُه حقٌّ.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة، كما قال:\n\n<span id=\"aya-1275\"> </span>(٤٠) - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: إن لم تنصروه فسينصره مَن نصره\n_________\n(^١) في (ك): \"العذاب في الدنيا\"، وفي (م): \"للعذاب في الدنيا\".\n(^٢) في (م): \"يمن\".\n(^٣) \"والنصرة\" سقط من (ك).","vol":"4","page":363},{"text":"حين لم يكن معه إلَّا رجلٌ واحدٌ، فدلَّ بقوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ في الماضي على أنَّه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت وأقامه مقامه، أو: فقد حكم الله بنصره وأوجبه على نفسه حين نصره في ذلك الوقت، فلم يكن ليخذله في غيره أبدًا.\n﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إسنادٌ مجازيٌّ؛ لأن هَمَّ الكفرة بإخراجِه أو قتلِه سببٌ لإذن الله تعالى بالخروج، فكأنهم أخرجوه.\n﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ نصبٌ على الحال، وهما رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، ولا يخفى ما في التَّعبير المذكور من التَّعظيم للصدِّيق ﵁؛ إذ المعنى: أحدَ اثنين، والعدول إلى ما ذكر للإشعار بأنه ﵇ كان تاليًا له في دخولهما الغار، وقد كان كذلك.\n﴿إِذْ هُمَا﴾ بدل من ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾ بدلَ البعض؛ إذ المراد بزمان الإخراج: زمانٌ متَّسِع.\n﴿فِي الْغَارِ﴾: هو الثُّقب العظيم في الجبل، وهو في جبلٍ بمكَّة يُقال له: ثور، مأخوذ من غار يغور: إذا دخلَ في عمق.\n﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدل ﴿ثان﴾ أو ظرف لـ ﴿ثان﴾.\n﴿لِصَاحِبِهِ﴾ وهو أبو بكر ﵁ (^١): ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ الحزن: الغم (^٢) الذي يغلظ على النَّفس، ومنه: الحَزَن، للأرض الغليظة.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"قال أبو بكر ﵁: حين انتهينا إلى باب الغار قلت: يا رسول الله، الغار موضع المكاره فدعني أدخل قبلك، فإن كان منه شيء مكروه كان لي دونك، فدخل فيه؛ أي: حجره، وكان عليه برد سابري [.......] تلك الحجرة، وبقي حجران فسدهما بعقبه، وقال: ادخل يا رسول الله، فدخل. منه\".\n(^٢) \"الغم\" من (م).","vol":"4","page":364},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ بالحفظ والعون.\n﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: أَمْنَه الذي تسكن عنده القلوب، والفاء للتعقيب بلا مهلة، وفيه نوع دلالة على أنَّ توكُّله ﵇ على الله تعالى (^١) كان سببًا للنُّزول المذكور.\n﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على أبي بكر ﵁؛ فإنَّه هو الخائف المحتاج إلى الأمن، فأمَّا النَّبيُّ ﷺ فقد كان آمنًا ساكنًا بما وعد له من النَّصر.\n﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ عطف على قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، والمراد من الجنود: الملائكة ﵈، والتأييدُ بهم كان في حرب بَدْرٍ وحُنين.\n﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: دعوتَهم إلى الكفر ﴿السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّه﴾؛ أي: دعوتُه إلى الإسلام ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ وتغييرُ الأسلوب للدِّلالة على أن الأُولى أَولى بالتَّغيير والتَّبديل، بخلاف الثَّانية؛ فإنها المستمرة الثَّابتة.\nوقرئ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بالنصب (^٢)، عطفًا على ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ﴾، والرفعُ أبلغُ؛ لِمَا فيه على وفق ما قدَّمناه من الإشعار بأن كلمة الله تعالى عاليةٌ في نفسها، فإنْ فاق غيرُها فلا ثبات (^٣) لتفُّوقه ولا اعتبار، ولذلك وسَّط الفصل.\n﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وأحكامه.\n_________\n(^١) \"على الله تعالى\" ليس في (ك).\n(^٢) وهي قراءة يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"يناسب\".","vol":"4","page":365},{"text":"<span id=\"aya-1276\"> </span>(٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الخفَّة والثِّقل مستعاران لمن يمكنه السَّفر بسهولة ومَن يمكنه بصعوبة، وما ذكر في تفسيرهما من المعاني فلا وجه لتخصيص بعضها دون بعضٍ بالإرادة، بل هي معانٍ متفقة، والتَّحقيقُ أنَّ النَّاس أُمِروا جملة، وتلك الأقوال إنما هي على وجه المثال للثِّقل والخفَّة.\n﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ذكر أكمل ما يكون من الجهاد وأنفعَه عند الله تعالى، وقُدِّمَتِ الأموال في الذِّكر (^١) لأنَّها أوَّل مصروفٍ وقت التَّجهيز، فرتِّب الأمرُ كما هو في نفسِه.\n﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم﴾ من الجهاد بأحدهما، ومَن قال: مِن تَرْكه، فلم يُصِب.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخيرَ علمتُم أنه خير.\n\n<span id=\"aya-1277\"> </span>(٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا﴾ العَرَضُ: خلافُ النَّقد، وقد عَبَّر به عن الغنيمة لأنَّه الغالب فيها؛ أي: لو كان ما دعوا إليه غُنمًا (^٢) ﴿قَرِيبًا﴾: سهلَ المأخذ ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: متوسطًا، سُمِّي قصدًا (^٣) لأنَّه ممَّا يُقْصَد.\n_________\n(^١) \"في الذكر\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ك): \"مغنمًا\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (قاصدا). انظر: \"تفسير الرازي\" (١٦/ ٥٦).","vol":"4","page":366},{"text":"﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ فيما قصدْتَ إليه.\n﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: المسافة التي تُقْطَع بمشقَّة، وهي القطعة من الأرض التي يَشُقُّ ركوبها على صاحبها.\n﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّه﴾؛ أي: المتخلِّفون عند رجوعك من غزوة تبوك معتذِرين.\n﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾: لو كان لنا استطاعةُ الخروج من جهةِ البدن والمال.\nوالشَّرطيَّة محكيَّة على أن الحَلِف من جنس القول، فلا حاجة إلى تقديره؛ لأنَّ التعدية باعتبار التَّضمين من خارجٍ جائزةٌ، فجوازها باعتبار ما في ضمنها بالطَّريق الأَولى.\n﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُم﴾ سادٌّ مسدَّ جوابي القسم والشرط.\nوقرئ: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ بضم الواو (^١)؛ تشبيهًا لها بواو الضمير في قوله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: ١٦].\n﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُم﴾ بدل من (سيحلفون)؛ لأنَّ الحَلِف الكاذب إيقاعٌ للنَّفس في العذاب، أو حالٌ بمعنى: مهلِكين، والإخبار بهذا قبل وقوعه قد كان من المعجزات.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ذلك؛ لأنهم كانوا مستطيعين للخروج.\n\n<span id=\"aya-1278\"> </span>(٤٣) - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ الإخبار عن العفو مقصودٌ بالإفادة، فلا يكون كنايةً عن\n_________\n(^١) نسبت للأعمش. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٢٩٢).","vol":"4","page":367},{"text":"الخطأ، نعم يفهم منه وجود الخطأ بطريق الاقتضاء، وهذا من لطيف المعاتبة، ولو لم يفتح باب المخاطبة بالعفو لما كان ﵇ يتحمَّل لقوله (^١) تعالى:\n﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ولا يخفى ما في تقديم العفو على ذِكْرِ ما (^٢) يُوْهِمُ العِتاب من تعظيم شأنه ﵇، والتنبيه على لطف مكانه، ومَن لم يتنبَّه لذلك قال: إنَّه كناية عن الجناية، ومعناه: أخطأْتَ وبئسَ ما فعلْتَ (^٣)، ثم إنه لم يدرِ أنَّ الإذن المذكور مِنْ قَبِيل الخطأ في الاجتهاد، فهو مظنَّة الثَّواب لا العقاب، والله تعالى أعلم بالصواب.\nوالإذنُ: رفعُ التَّبعة في الفعل.\n﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الاعتذار، متعلِّق بما تقدَّم باعتبار المفهوم لا باعتبار المنطوق؛ فإنه استفهام إنكاري في معنى: هلَّا توقَّفت (^٤).\nفحاصل المعنى: لِمَ أذنْتَ على الفور، فمرجع الإنكار إلى كيفية الإذن لا إلى نفسه.\n﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه، قيل: إنَّما فعل رسول الله ﷺ شيئين لم يُؤْمَرْ بهما؛ أخذه للفداء، وإذنه للمنافقين، فعاتبه الله تعالى عليهما.\nوكأن هذا القائلَ غافلٌ (^٥) عن ثالثهما، وهو تحريمه ﵇ ما أحلَّ الله تعالى ابتغاءً لمرضاة أزواجه.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بقوله\".\n(^٢) في (ك): \"على ما\"، وفي (م): \"على ما ذكر ما\".\n(^٣) القائل لهذا هو الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٢٧٤)، وقد رد عليه العلماء وعده بعضهم من سوء الأدب، وقد ذكرنا في المقدمة بعضًا مما قيل في الرد عليه.\n(^٤) في (م): \"توقفته\"، وفي (ف) و(ك): \"توقف\"، والصواب المثبت.\n(^٥) في (ف) و(م): \"وقد كان هذا القائل غافلًا\".","vol":"4","page":368},{"text":"ثمَّ إنَّ العِتاب ليس على الإذن؛ لِمَا عرفْتَ أنَّه بالاجتهاد، والخطأُ فيه لا يتعلَّقُ به العِتاب، بل على عدم التَّوقف على نزول الوحي في بيانِ شأنهم، على ما نبَّهْتُ عليه آنفًا.\n\n<span id=\"aya-1279\"> </span>(٤٤) - ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا، فضلًا أن يستأذنوك في التخلُّف عنه، وكان الخُلَّصُ من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذنُ رسولَ الله ﷺ، ولنجاهدنَّ معه بأموالنا وأنفسنا.\nأو: كراهة أن يجاهدوا.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ شهادةٌ لهم بالتَّقوى وعِدَةٌ لهم بثوابه.\n\n<span id=\"aya-1280\"> </span>(٤٥) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التَّخلُّف ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تخصيصُ الإيمان بالله واليوم الآخر بالذِّكْرِ في الموضعين إشعارٌ بأنَّ الباعثَ على الجهاد وبذلِ النَّفس والمال للّه تعالى هو الإيمانُ بهما، والوازع عنه عدمه.\n﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: يتحيرون.","vol":"4","page":369},{"text":"<span id=\"aya-1281\"> </span>(٤٦) - ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.\n﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾؛ أي: معكم للغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾؛ أي: للخروج ﴿عُدَّةً﴾ العدَّةُ: ما يُعَدُّ للأمر ويُهيَّأ له.\nوقرئ: (عِدَّةً) بكسر العين (^١)؛ أي: جماعةً من الآلات.\n﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾: انطلاقهم للخروج، استدراكٌ عن مفهوم قوله: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾؛ لأن معناه نفيُ إرادة الخروج، كأنه قيل: ما أرادوا الخروج، وتنزيلٌ لعلَّةِ الشيء منزلتَه؛ فإنَّ المعنى: ولكن تثبَّطوا عنه؛ لأن الله تعالى كره انبعاثهم.\nهذا ما قيل في توجيه ما ذُكِرَ، وفيه وقوع (لكنْ) بينَ متَّفقين (^٢) من جهة المعنى، فالوجه أن يكون ذلك من قَبيل حذف الجملة من الكلام لدلالة الباقي عليه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الآية [النمل: ١٥]، وذلك أنه لمَّا احتمل أن يُتوهم أن عدم خروجهم للغزو لعدم تنبُّههم له قبله حتى يتهيَّؤوا (^٣) له، تُدورك دفعه بما ذُكر محذوفَ الصَّدر، فكأنَّه قيل: ليس هذا من تقصيرك في بعثهم للخروج، ولكن كره الله انبعاثهم.\n﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ التَّثبيط: التَّوقيف عن الأمر بالتَّزهيد فيه.\n_________\n(^١) نسبت لزر بن حبيش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (٥٣).\n(^٢) في (ف): \"النعتين\"، وكذا وقع رسمها في (ك) لكن دون نقط، وفي (م): \"المعنيين\"، والصواب المثبت. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ٣٣٠)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٣٥٩).\n(^٣) في (ك) و(م): \"تهيؤوا\"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.","vol":"4","page":370},{"text":"﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا﴾ تمثيل لإلقاء الله تعالى في قلوبهم التَّثبيط وكراهةَ الانبعاث، أو وسوسةِ الشيطان بآمرٍ أمرَ بالقعود عنه، أو حكاية قولِ (^١) بعضهم لبعض، أو إذن الرسول ﵇ لهم. وقوله: ﴿مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ذمٌّ لهم، وإلحاقٌ بالذين شأنُهم القعودُ ولزومُ البيت للعجز عن القيام بمصالح الغزو من النِّساء والصِّبيان والزَّمنى.\n\n<span id=\"aya-1282\"> </span>(٤٧) - ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\n﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ لم يقل: (معكم)؛ لأن إضرارهم على تقدير خروجهم مختلِطين معهم، لا منفردِينَ عنهم.\n﴿مَا زَادُوكُمْ﴾ شيئًا ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ الخَبَال: الفسادُ في الأشياء المؤتلِفة الملتحِمة.\nوالزِّيادةُ لَمَّا كانت باعتبار أعمِّ العام الذي وقعَ منه الاستثناء، لم يلزم أن يكون لهم خَبالٌ حتى لو خرجوا فيهم زادوه.\n﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ الإيضاعُ: تهييجُ المركوب على الإسراع؛ أي: لِيَسْعَوا بينَكم بالنَّميمة وإفساد ذاتِ البَيْن، وهو مجازٌ يفيدُ المبالغة في السَّعي بالنَّمائم؛ لأنَّ الرَّاكِبَ أسرعُ من الماشي، ويقوِّيه حذف المفعول؛ لِمَا في التَّعميمِ مِن زيادة المبالغة بتقدير السَّامع كلَّ ما شاء من الرَّاكب، كأنَّه قيل: لأوضعوا كلَّ ما وجدوا مِنَ الرَّكائبِ.\n﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ حالٌ من ضمير (أوضعوا)؛ أي: يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم، والرُّعبِ في قلوبكم.\n_________\n(^١) \"قول\" من (م).","vol":"4","page":371},{"text":"﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: نمَّامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو: ضَعَفةٌ مطيعون لهم، يسمعون ما يأمرونهم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيعلم ضمائرهم وما يتأتَّى منهم، وعيدٌ لهم من باب وضع الظَّاهر موضع المضمَر؛ للتسجيل عليهم بالظُّلم، وإيجاب الظُّلم للوعيد.\n\n<span id=\"aya-1283\"> </span>(٤٨) - ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.\n\n﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ بالسَّعي في تشتيت أمرك وتفريق أصحابك.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: يومَ أُحُدٍ حين انصرف عبد الله بن أُبَيٍّ بِمَن معه.\n﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: ودبَّروا لك الحِيَل والمكائد، ودوَّروا الآراء في إبطال أمرك.\n﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: النَّصر والتَّأييد الإلهي ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ على دينه.\n﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ أي: غلبَ أمرُ الله وشرعُه على رغم منهم.\nوالآيتان لتسلية الرَّسول ﵇ والمؤمنين على تخلفهم، وبيانِ ما ثبَّطهم (^١) اللهُ لأجله، وكره انبعاثهم له، وهتكِ أستارهم، وكشفِ أسرارهم، وإزاحةِ (^٢) اعتذارهم؛ تداركًا لِمَا فوَّت الرَّسول ﷺ بالمبادرة إلى الإذن.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ما ثبط\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"وإذاعة\".","vol":"4","page":372},{"text":"<span id=\"aya-1284\"> </span>(٤٩) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾؛ أي (^١): في القعود.\n﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾: ولا تُوْقِعني في الفتنة، وهي المعصية والإثم، فإنِّي إنْ لم تأذن لي وتخلَّفْتُ بغير إذنك أَثِمْتُ؛ إذ لا يمكنني الخروج معك، فلا بُدَّ لي من التَّخلُّف، أذنتَ أو لم تأذنْ.\nأو: لا تُلْقِني في الهَلَكَة؛ فإنِّي إنْ خرجْتُ معك هلك مالي وعيالي؛ إذ لا كافلَ لهم.\nأو: لا تفتنِّي ببناتِ الأصفر؛ لِمَا رويَ: أنَّ جدَّ بنَ قيسٍ قال: قد علمَتِ الأنصارُ أني مستَهْتَرٌ (^٢) ببنات الأصفر - يعني: نساء الرُّوم - فلا تفتنِّي بهنَّ، ولكن أُعِيْنُك بمالٍ (^٣) فاتركني (^٤).\n﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ تقديم الظَّرف بعد حرف التَّنبيه إيذانٌ بعِظَمِ ما وقعوا\n_________\n(^١) \"أي\" ليست في (ك).\n(^٢) \"مستهتر\" سقطت من (ف)، وفي (ك): \"قد علمت الأنصار افتتاني\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٢٧٧)، وفي \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٨٣): (أني مولع). والمعنى في الكل واحد.\n(^٣) في (ك): \"بمالي\".\n(^٤) رواه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٦٥٤) عن ابن عباس ﵄، وفي إسناده يحيى الحماني وهو ضعيف كما قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٣٠). وانظر: \"سيرة ابن هشام\" (٥/ ٥١٦)، و\"تفسير الطبري\" (١١/ ٤٩٢)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٠٧)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (٢٤٦).","vol":"4","page":373},{"text":"فيه وتخصيصٌ له؛ أي: ما الفتنة إلَّا التي وقعوا فيها، وهي التَّخلُّف، لا ما احترزوا عنه، وما وقعوا إلَّا فيما زعموا أنهم محترِزون عنه.\nوفي عبارة: ﴿سَقَطُوا﴾ إشارةٌ إلى أنهم وقعوا فيما وقعوا فيه (^١) من غفلةٍ وعدمِ تدارُك.\n﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ وعيدٌ لهم من بابِ وضع الظَّاهر موضِعَ المضمَر للتَّسجيل عليهم بالكفر، والإشارةِ إلى سبب الإحاطة بهم.\nوالمراد: إحاطةُ أسبابها بهم، فوُضع المسبَّب موضِعَ السَّبب إشعارًا بشدَّة (^٢) إيجابه له، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].\n\n<span id=\"aya-1285\"> </span>(٥٠) - ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾.\n﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعض غزواتك ﴿حَسَنَةٌ﴾: ظفرٌ وغنيمةٌ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لفرط حسدهم.\n﴿وَإِنْ تُصِبْكَ﴾ في بعضها ﴿مُصِيبَةٌ﴾ هي آفَةٌ في النَّفس أو الأهل أو المال، وأصلُه الصَّوب (^٣)، وهو الجري إلى الشيء، ومنه صوَّب الإناء: إذا ميَّله.\nوالإصابةُ: وقوع الشَّيء بما قُصد به. والصَّوابُ: إصابةُ الحقِّ.\n_________\n(^١) من قوله: \"وهي التخلف\" إلى هنا سقط من (ك).\n(^٢) في (ف) و(م): \"الشدة\".\n(^٣) في (ف): \"وأصلها الصواب\"، وفي (م): \"وأصل الصوب\".","vol":"4","page":374},{"text":"﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ الذي نحن متَّسمون (^١) به من التيقُّظ والحذر والعمل بالحزم.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبلِ ما وقع؛ أي: يتبجَّحون بانصرافهم، ويستحمدون (^٢) رأيهم في التَّخلف.\n﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ عن مقام التَّحدث بذلك إلى أهليهم، أو عن الرَّسول ﷺ.\n﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1286\"> </span>(٥١) - ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ يعني: في اللَّوح المحفوظ.\nأمرَ اللهُ تعالى نبيَّنا ﵊ أنْ يردَّ على المنافقين بأنْ يُعْلمهم أنَّ الشيء الذي يعتقدونه مصيبةً ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما كتبه الله تعالى للمؤمنين؛ فإمَّا أن يكون ظفرًا أو سرورًا في الدُّنيا، وإما أن يكون (^٣) ذخرًا للآخرة، يرشدك إلى هذا قوله:\n﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: الذي يتولَّانا، فإنَّه لتأكيد ما سبقَ مِن الاختصاص.\nوأمَّا ما قيل: إنَّ المعنى: إلَّا ما كتبَ اللهُ في اللَّوح وجفَّ به القلم فلا يتغير\n_________\n(^١) في النسخ: \"مسمون\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) في النسخ الثلاث: \"ويستمدون\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٨٤)، ولفظه: (… تبجحوا بانصرافهم واستحمدوا …).\n(^٣) \"ظفرًا أو سرورًا في الدنيا وإما أن يكون\" سقط من (ف) و(ك).","vol":"4","page":375},{"text":"بموافقتكم ولا بمخالفتكم؛ فلا يناسبُ المقامَ؛ لأنَّه لا يَصلح ردًّا لهم، ثمَّ إنَّ ما ذَكَرَ على وفقِ ما قاله الجبْريَّة.\nوقرئ: (هل يصيِّبُنا) بشديد الياء (^١)، وهو يُفَيْعِلُ من فَيْعَلَ [لا] (^٢) من فَعَّلَ؛ لأنَّه من بنات الواو؛ لقولهم: صاب السَّهمُ يَصُوبُ.\n﴿وَعَلَى اللَّه﴾ لا على غيره ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّ حقَّهم أن لا يتوكلوا إلَّا عليه، جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة؛ لتقدُّم (^٣) العلَّة للاختصاص، كأن الواو للعطف والفاءَ لإفادة التَّسبب.\nوالتَّوكُّلُ: تفويضُ الأمر إلى الله تعالى، والرِّضا بتدبيره، والثِّقةُ بحسن اختياره.\n\n<span id=\"aya-1287\"> </span>(٥٢) - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.\n﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ التَّربُّصُ: التَّمسُّكُ بما يُنتَظر به مجيءُ حينه.\n﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: إحدى العاقبتين اللَّتين كلُّ واحدة منهما حُسْنَى العواقب: النُّصرة والشَّهادة.\n_________\n(^١) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ١٢٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٢٧٨). وفي \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٣) عن طلحة بن مصرف: (لن يصيبنَّا) بـ (لن) بدل (هل)، وبتشديد النون كما قيدها ابن خالويه. وذكرها النحاس عن أعين قاضي الري وردها بقوله: وهذا نحن، لا يؤكّد بالنون ما كان خبرًا، ولو كان هذا في قراءة طلحة لجاز.\n(^٢) من \"الكشاف\" (٢/ ٢٧٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٨٤)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٣٦٨).\n(^٣) في (ك): \"لتقديم\".","vol":"4","page":376},{"text":"﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السُّوءتَيْن من العواقب: ﴿يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: قارعةٍ من السَّماء كما نزلت على عاد وثمود ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ وهو القَتْلُ على الكفر.\n﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بنا ما ذكرْنَا من عاقبتنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ ما هو عاقبتكم.\n\n<span id=\"aya-1288\"> </span>(٥٣) - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\n﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ نصبٌ على الحال؛ أي: طائعين أو كارهين.\n﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ أمر في معنى الخبر؛ أي: لن يُتقبَّل منكم نفقاتُكم، أنفقتم طوعًا أو كرهًا، وفائدتُه المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القَبول، كأنهم أُمروا بأنْ يمتحنوا فينفقوا في الحالين وَينظروا هل يُتقبَّلُ منهم؟ وهو جوابُ قول جدِّ بن قيس: وأُعِينك بمالي.\nونفيُ التَّقبُّل يَحتمِلُ أنْ لا يَتقبَّلَ الرَّسولُ ﵇ ولا يأخذَ منهم، وأنْ لا يتقبَّلَ اللهُ تعالى منهم ولا يُثيبَ عليها.\nو﴿كَرْهًا﴾ يحتمِل الإلزامَ والإكراه فيؤيِّد الثَّاني، والكراهةَ من المنفقِين فلا يَرْجَح أحدُهما.\nولعَمْري إنهم لا ينفقون إلَّا كراهةً، كما أخبر عنهم (^١) في الآية التي بعدها، وأمَّا التَّطوُّع فهو على سبيل الفَرْضِ؛ لمساواةِ الكُره في عدم القَبول، أو أن يُعطُوا (^٢) من غير إلزامٍ وإكراه وفي أنفسهم الكراهة.\n_________\n(^١) في (ك): \"أخبرهم\".\n(^٢) في (م): \"يطيعوا\".","vol":"4","page":377},{"text":"﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ لردِّ إنفاقهم على سبيل الاستئناف؛ إذ الفسق هنا هو التَّمرُّد والعتوُّ في الكفر، فيوجِبُ ردَّ كلِّ عمل، وفيه تنفير للمسلمين عن الفسق، وما بعده بيان وتقرير به.\n\n<span id=\"aya-1289\"> </span>(٥٤) - ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.\n﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ لا يخفى ما في هذا التَّعبير من حُسْنِ التَّصوير لقَبولِه النَّفقة بصورةِ أمرٍ مرغوبٍ مطلوبٍ، كأنهم طلبوه بالطَّبع؛ فإنَّ كرام العرب مجبولون على حبِّ الإنفاق، ومنَعهم إيَّاه ما بهم من الكفر والنِّفاق.\n﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾؛ أي: وما منعهم قَبولَ نفقاتهم إلَّا كفرُهم.\nوإعادة الجارِّ للتَّنبيه على أن كفرهم به ﵇ أصالة لا تبعًا لكفرهم بالله تعالى.\n﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾: متثاقلين، ذمُّهم على الكسل في الصَّلاة ذمٌّ على النِّفاق الذي يبعث على الكسل، وفقدِ الإيمان (^١) الذي يبعث على النشاط.\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ لأنهم لا يَرجون بفعلها ثوابًا، ولا يخافون بتركها عقابًا.\n_________\n(^١) \"وفقد الإيمان\" مكرر في (ك).","vol":"4","page":378},{"text":"<span id=\"aya-1290\"> </span>(٥٥) - ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ﴾ الإعجاب بالشَّيء: أنْ يُسَرَّ به سرورَ متعجِّبٍ من حسنِه، راغبٍ فيه، والتَّفريعُ (^١) على ما تقدَّم باعتبار أنَّ كونَ المال مرغوبًا يؤدِّي إلى كراهة الإنفاق، التي سياق الكلام في ذمِّها.\n﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾؛ أي: فلا يَسرُّك أموالهم ولا أولادهم، مستحسِنًا إيَّاها، متعجِّبًا منها؛ فإنَ ذلك استدراجٌ لهم ووَبالٌ، كما قال:\n﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: بسبب ما يتكابدون (^٢) منها، من كُلَفِ الجمعِ والحفظِ، وما ينوبهم من الشَّدائد والمصائب، وآفات النَّهب والسَّبي، وما كلَّفهم الله تعالى من الإنفاق في سبيل الخير على كراهتهم إيَّاه.\nومفعول ﴿يُرِيدُ﴾ محذوف، تقديره: يريد إيتاءهم من الأموال والأولاد.\n﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾ الزُّهوق: الخروجُ بصعوبة وشدَّة.\n﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: في حالة كفرهم، متحسِّرين لاهين بالتَّمتُّع بها عن النَّظر في العاقبة، متألِّمين بالتَّعلّقِ بها وحبِّها، متعذِّبين بفراقها.\nلَمَّا قطعَ رجاءَهم عن جميع منافع الآخرة بيَّنَ أنَّ الأشياء التي يظنّونها من باب منافع الدُّنيا جعلَها الله تعالى أسبابًا لتعذيبهم بها في الدُّنيا والآخرة.\n_________\n(^١) في (ك): \"والتقريع\".\n(^٢) في (ك): \"يتكادون\"، ولفظ البيضاوي: (يكابدون لجمعها)، وكله محتمل.","vol":"4","page":379},{"text":"<span id=\"aya-1291\"> </span>(٥٦) - ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾.\n﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ عطف على مُقدَّر تقديره: ينافقون ويحلفون بالله ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: لَمِن جملة المسلمين، منصوب بـ (يحلفون) لتضمُّنه معنى القَول.\n﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ لكفرهم الباطن.\n﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أي: يخافونكم على أنفسهم إن أظهروا لكم ما في قلوبهم، فلهذا يحلفون أنهم منكم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦].\nوالفَرَقُ في الأصلِ: انزعاج النَّفس بتوقُّع الضَّررِ، فلا يستعمل إلَّا في الخوف الشَّديد.\n\n<span id=\"aya-1292\"> </span>(٥٧) - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.\n﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ حصنًا يلجؤون إليه ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: جمع مغارة، من غارَ يغير (^١).\nوقال ابن عباس ﵄: المغارات: الغِيران والسَّراديب (^٢)، وهي المواضع التي يُسْتَتر فيها.\n﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: مُفْتَعَلٌ من الدُّخول؛ أي: مَسلكًا يُتترَّس (^٣) بالدُّخول فيه.\n﴿لَوَلَّوْا﴾ وجوهَهم ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: لأقبلوا نحوه، والضمير لأحد الثلاثة.\n_________\n(^١) في (م): \"يغور\" وقال في الهامش: \"يغير\".\n(^٢) في (ك): \"المغارات السراديب\"، والمثبت موافق لما في \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ٢٤١) والكلام منه، ورواه بنحوه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥٠٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨١٤).\n(^٣) في (ك): \"يندس\".","vol":"4","page":380},{"text":"﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون إسراعًا لا يردُّه شيء، من جمحَ الفرسُ: إذا لم يردُّه اللِّجام.\n\n<span id=\"aya-1293\"> </span>(٥٨) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ﴾: يَعيبك. قال الزُّجاج: اللَّمزُ: التَّعييب مسارَّةً، والهمزُ: التَّعييب مجاهرةً (^١).\n﴿فِي الصَّدَقَاتِ﴾ في قِسْمتها، و﴿فِي﴾ هنا بمعنى الباء السَّببية كما في قوله تعالى: ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].\n﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ وذكروه بالجميل ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ للمفاجأة، ناب مناب الفاء الجزائية.\nوما أحسنَ مجيءَ جواب هذين الشَّرْطَين؛ لأنَّ الأوَّل لا يلزم أن يقارنه ولا أن يَعتقِبه، بل قد يجوز أن يتأخَّرَ، نحو: إن أسلمْتَ دخلْتَ الجنَّة، وأمَّا جواب الشَّرط الثَّاني فإنَّما جاءَ بـ (إذا) الفجائيَّة ليدلَّ على أنَّه إذا لم يُعطَوا فاجأهم (^٢) سخطهم، ولم يُمْكنْ تأخُّره؛ لِمَا جُبِلُوا عليه من محبَّة الدُّنيا والشَّرَهِ في تحصيلها.\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٤٥٦). وظاهر كلامه اختيار عدم الفرق بينهما، وكذا في تفسير سورة الهمزة (٥/ ٣٦١).\n(^٢) قوله: \"فاجأهم\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (فاجؤوا)، أو: (فاجأه)؛ أي: النبي، والمذكور قد يكون له وجه على معنى: فاجأ المعطين.","vol":"4","page":381},{"text":"<span id=\"aya-1294\"> </span>(٥٩) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ذِكْرُ ﴿اللَّهُ﴾ تعالى تمهيدٌ للتَّنبيه على أن إعطاءه ﵇ بأمره تعالى، فهو المعطي في الحقيقة، قال ﵇: \"والله المعطي وأنا القاسم\" (^١).\nومفعول ﴿رَضُوا﴾ محذوف؛ أي: رضوا ما أعطاهم الرَّسول ﵇، وطابت به أنفسهم، وإنْ قل نصيبهم، وليس (^٢) المعنى: رضوا عن الرَّسول ﵇؛ لأنهم منافقون، ولأنَّ رضاهم (^٣) وسخطهم لم يكن إلَّا لأجْل الدُّنيا.\n﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على ﴿رَضُوا﴾ في حيِّز الشَّرط، والجواب محذوفٌ تقديرُه: لكان خيرًا لهم.\n﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾؛ أي: لكان كافيَنا ورازقَنا من حيث يشاء، فيعطينا كفايتنا وإن تأخرَتْ.\n﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ﴾ من صدقةٍ أخرى، وإنَّما قال: ﴿مِنْ فَضْلِه﴾؛ لأنَّ ما آتاه الله فضلٌ منه، سواءٌ بكسبِ العبد (^٤) أو بدونه.\n﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: ويؤتينا رسوله ﵇ بأمره (^٥) ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: إلى\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١١٦) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄.\n(^٢) في (ف): \"وأنَّه ليس\".\n(^٣) \"ولأن رضاهم\" ليس في (ك).\n(^٤) \"العبد\" ليس في (ف).\n(^٥) \"بأمره\" سقط من (ك).","vol":"4","page":382},{"text":"رضائه تعالى ﴿رَاغِبُونَ﴾: لا رغبةَ لنا إلى زخارف الدُّنيا، فتقديم الجار والمجرور للتَّخصيص.\n\n<span id=\"aya-1295\"> </span>(٦٠) - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قَصر جنسَ الصَّدقات المشتمِلة على الأنواع المختلفة - المشارِ إليه بصيغةِ الجمع - على الأصناف المعدودة تصويبًا لِمَا فعله الرَّسول ﵇، ورغمًا لأنوف المنافقين، وردعًا لهم عن اللَّمز، وحسمًا لأطماعهم بإثبات استحقاق غيرهم لها دونهم، وأنَّهم ليسوا منها في شيءٍ، فما لهم (^١) والتكَلُّمَ فيها وفيمَن قاسمها (^٢).\nفإيرادها استطرادٌ ساقَ إليه الكلام في مثالبهم ورذائلهم، وظهورِ ما أضمروا من معاداة الرَّسول ﷺ والمؤمنين مِن فَلَتاتِ لسانهم، ولهذا توسَّطتْ بين ذكر المنافقين (^٣)، ومعناه: إنَّما هي لهم لا لغيرهم، وهو دليل على أنَّ اللَّمزَ (^٤) في قسمة الزَّكاة لا في الغنائم.\nوالقصرُ المذكور يفيد اختصاصها بالأصناف الثمانية، وعدمَ تجاوزها إلى\n_________\n(^١) في (م): \"هم\".\n(^٢) في (ك): \"قسمها\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"ومن أيديهم\".\n(^٤) في (ك): \"الأمر\".","vol":"4","page":383},{"text":"غيرهم؛ لا إيجابَ شمولها لهم (^١) وقسمتِها (^٢) على جميعهم، فيحتمِل استيعابُ الجميع (^٣) الصرفَ إلى بعضهم؛ فأبو حنيفة اختار الثَّانيَ، وعن عمر وابن عباس وحذيفةَ وكثير من الصحابة ﵃ والتابعين (^٤) جوازُ صرفها إلى واحد ومنهم.\nوالشَّافعي اختار وجوب الصَّرْف إلى كلِّ واحدٍ منهم، والتَّسويةِ بينهم، على قضية الاشتراك.\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ المسكين: مَن له مال أو كسبٌ ولكن لا يكفيه. والفقير: مَن ليس له واحدٌ منهما، ولهذا قدَّمه.\nورُوِيَ أنَّه ﵇ سأل المسكنةَ وتعوَّذ من الفقر (^٥).\n﴿وَالْعَامِلِينَ﴾: السُّعاةِ في جمع (^٦) الصَّدقات وقبضِها، وإنما قال: ﴿عَلَيْهَا﴾ لتضمين معنى القيام، كأنَّه قيل: القائمين على جميع مصالحها، وكلُّ مَنْ يُبعث\n_________\n(^١) \"لهم\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"وقسمها\".\n(^٣) في (م): \"الجمع \".\n(^٤) \"والتابعين\" من (م). وانظر الصحابة - ومنهم المذكورون - والتابعين الذين روي عنهم هذا القول في \"أحكام القرآن\" للهراسي (٣/ ٢٠٦)، و\"تفسير القرطبي\" (١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٥) وذلك في أحاديث، منها دعاؤه ﷺ: \"اللهم أحيني مسكينًا وتوفني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين\"، رواه الترمذي (٢٣٥٢) من حديث أنس ﵁، وقال الترمذي: غريب، وابن ماجه (٤١٢٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\nأما تعوذه ﷺ من الفقر فرواه البخاري (٦٣٧٥)، ومسلم (٥٨٩)، من حديث عائشة ﵂.\nورواه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي (٥٤٦٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٦) في (ك): \"جميع\".","vol":"4","page":384},{"text":"معهم مِنْ عَوْنٍ لا يُستغنى عنه فهو منهم؛ لأنَّه يحثُّ (^١) النَّاس عليهم.\n﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم كانوا أصنافًا ثلاثة: صنفٌ كان النَّبيُّ ﵇ يتألَّفهم ليسلموا، وصنفٌ يعطيهم لدفع شرِّهم، وصنفٌ كانوا أسلموا وفي إسلامهم ضعفٌ، فيزيدهم بذلك تقريرًا على الإسلام.\nكلُّ ذلك كان جهادًا منه ﵇ لإعلاء كلمة الله تعالى؛ لأنَّ الجهادَ تارةً يكون بالسِّنان، وتارةً يكون (^٢) بالبَيان، وتارةً بالإحسان.\nواختُلف في انقطاع هذا الصِّنف بعزَّة الإسلام وظهوره.\n﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وللصَّرف في الرِّقاب بأنْ يُعَانَ المكاتَب بشيءٍ منها على أداء النُّجوم، وقيل: بأنْ يُبتاعَ الرِّقاب فيُعتق، وقيل؛ بأن يُفدى الأُسارى.\nوالعدول من اللَّام إلى (في) للدّلالة على أنَّ الاستحقاق في الجهة لا في الرِّقاب، أو للإيذان بأنَّهم أحقُّ بها وأقوى استحقاقًا؛ لأنَّ (في) للظَّرفية؛ أي: هم مواضعُها التي يوضع فيها؛ لِمَا فيها من الفَكِّ والإنقاذ من الرِّقِّ والغرم والأسر، وحفظِ بيضة الإسلام، والتَّخليصِ من الإشراف على الهلاك.\n﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ الذين يَدينون لأنفسهم من غير معصيةٍ إذا لم يكن لهم وفاءٌ، أو لإصلاح ذات بَيْنٍ بتحمُّل الحمالات وإن كانوا أغنياءَ؛ لقوله ﵇: \"لا تَحِلُّ الصَّدقةُ إلَّا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيلِ اللهِ، أو لغارمٍ، أو رجلٍ اشتراها بماله، أو رجلٍ له جارٌ مسكينٌ فتصدَّق على المسكين فأهدى المسكينُ للغنيِّ، أو لعاملٍ عليها\" (^٣).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"يحشر\".\n(^٢) \"يكون\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) رواه بمعناه أبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"4","page":385},{"text":"﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: وللصَّرف في الجهاد بالإنفاق (^١) على المتطوِّعة (^٢)، وابتياعِ الكُراع والسِّلاح، وقيل: في بناء القنطرة والمصانع (^٣).\nوإعادة الجارِّ؛ لأنَّه من نوعٍ آخر.\n﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أخَّره عن سبيل الله تعالى مع أنَّه من قَبيل ما سبقَ؛ رعاية لظاهر الكلام؛ فإنَّ ابنَ السَّبيل يناسبه أن يُذْكرَ بعد السَّبيل، والمراد منه المسافر المنقطِع عن ماله، وابنُ السبيل كالعَلَم، فلذلك لم يُجْمَعْ.\n﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ لأنَّ معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾: فرضَ اللهُ الصَّدقات لهم، أو حالٌ من الضَّمير في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾.\nوقرئ: (فريضةٌ) بالرفع (^٤)، أي: تلك الفريضة.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمواضع الاستحقاق ﴿حَكِيمٌ﴾ يضع الأشياء مواضعها.\n\n<span id=\"aya-1296\"> </span>(٦١) - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَمِنْهُمُ﴾؛ أي: من المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ روي أنَّ جماعة منهم\n_________\n(^١) في (ك): \"بالإنفاع\"، وفي هامش (م): \"بالإيقاع\".\n(^٢) في (ف): \"المطوعة\"، وفي (م): \"المتطوع\".\n(^٣) في (ف): \"والمضائق\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٨٣)، ونسبها القرطبي في \"تفسيره\" (١٠/ ٢٨٢) لابن أبي عبلة. قال الزجاج في \"معاني القرآن\" (٢/ ٤٥٧): ولا أعلمه قرئ به. وقال الفراء في \"معاني القرآن\" (١/ ٤٤٤): والرفع في (فريضة) جائز لو قرئ به.","vol":"4","page":386},{"text":"ذمُّوه ﵇ وبلغه ذلك، فاشتغلت قلوبهم، فقال بعضهم: لا عليكم إنما هو (^١) أُذُن سامعةٌ، قد سمع كلام المبلِّغ فتأذَّى، ونحن نأتيه فنعتذرُ فيسمع عذرنا أيضًا فيرضى (^٢).\nوهذا ما ذكره بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الأُذُنُ مَنْ إذا قيل له شيءٌ سمعه، وحُدِّثَ بشيءٍ لا ينكرُه، فإن الأُذُن الذي هو جارحةُ السَّماع كذلك؛ أي: ليس فيه وراء الاستماع تمييزُ الحقِّ من الباطل.\nوأرادوا ذمَّه ﵇، فَما ذُكِرَ مِنْ قَبيلِ التَّشبيه، والغرضُ: المبالغة في الذَّمِّ.\nوأمَّا إطلاق العين على الجاسوس فمن قَبيل المجازِ العقلي، كإطلاق العَدْل على العادل، والغرضُ منه المبالغة في المدح، فأين هذا من ذاك؟!\nكان النَّبيُّ ﷺ يستمعُ إلى كلامِ كلِّ مَنْ يحدِّثُه بشيءٍ؛ لِكرمِه وحُسنِ خُلقه، فظنَّ أولئك أنَّه لسلامة قلبه وغفلته.\nولقد أحسن مَن قال: عابَه الجُهَّالُ بما هو آيةُ غايةِ كرمه، وعلامةُ حُسنِ شِيمِه (^٣)، قال ﵇: \"المؤمن غِرٌّ كريمٌ، والمنافقُ خِبٌّ لئيمٌ\" (^٤).\n﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أضاف الأذن إلى ﴿خَيْرٍ﴾ للمبالغة، كقولك: رجلُ صِدْقٍ، تريد وصفه بالجَودة والصَّلاح، كأنَّه مطبوعٌ منه ولا يتبيَّن إلَّا به، نحو: خاتم\n_________\n(^١) في (ك): \"هي\".\n(^٢) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٤٨)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢١٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٢). وانظر: \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٥٢١).\n(^٣) في (م): \"سمته\".\n(^٤) رواه أبو داود (٤٧٩٠)، والترمذي (١٩٦٤)، من حديث أبي هريرة ﵁، وفيهما: \"والفاجر\" بدل \"والمنافق\". وقال الترمذي: \"غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".","vol":"4","page":387},{"text":"فضَّة، أو مختصٌّ بذلك المعنى، أراد الوصفَ بالخيريَّة، كأنّه قيل: نعم، هو أُذُنٌ، ولكن نِعْمَ الأُذُن، أو: أُذُنٌ في الخير وفيما يجبُ سماعه وقَبوله، لا في كلِّ شيء على الوجه الذي ذمَمتُموه به.\nوالدَّليل عليه قراءة: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ بالجر (^١)؛ أي: هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرهما ولا يقبلُه.\nوقرئ: (أذنٌ خيرٌ لكم) برفعهما منوَّنَيْن (^٢)، على أن (خيرٌ) صفةٌ له، أو خبرٌ ثانٍ، أو كلًّا منهما (^٣) خبرٌ لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أذنٌ (^٤) خيرٌ لكم؛ لأَنه يقبل معاذيركم، ولا يكافيكم (^٥) على سوء ظنِّكم (^٦).\nثم فسَّره بقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يصدِّق به لِمَا قام عنده من الأدلة ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يسلِّم لهم ما يقولون، فالاختلاف في التعدية للاختلاف في المعنى.\n﴿وَرَحْمَةٌ﴾؛ أي: هو رحمة، أُريْدَ المبالغة في رحمته لهم، فسلك مسلَك: رجلٌ عَدْلٌ.\n﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: أظهروا الإيمان ﴿مِنْكُمْ﴾ حيث يقبله ولا يكشف سرَّه.\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٨).\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٣)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٣٣٤).\n(^٣) في (م): \"كلاهما\".\n(^٤) في (م) زيادة: \"منهما\" في الهامش.\n(^٥) في (ك): \"يكافئكم\".\n(^٦) في (ك): \"دخلتكم\".","vol":"4","page":388},{"text":"وفيه تنبيهٌ على أنَّه ﵇ ليس يقبلُ قولهم جهلًا بحالهم، بل يقبل ترحُّمًا لهم ورفقًا بهم.\nوقرئ: (ورحمةً) بالنَّصب (^١)، تعليلًا لِمَا تقدم من جهة المعنى، فإنَّ: ﴿أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ في معنى: يأذنُ لكم رحمةً.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إظهارُ ذِكْرِ رسولِ اللهِ تعظيمٌ وإيذانٌ بأنَّ الإيذاءَ (^٢) الذي هذا شأنُه يوجب استيجابَهم العذابَ الأليم.\n\n<span id=\"aya-1297\"> </span>(٦٢) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾؛ أي: يحلفون على معاذير عند الاعتذار إليكم في التَّخلُّف عن الجهاد والتَكلُّم بالمطاعن والإيذاء؛ لتَعذُروهم وترضَوا عنهم.\n﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ذِكْرُ اللهِ تعالى تمهيدٌ لتعظيمِ الرَّسولِ ﵇، وبيانٌ أن إرضاءه إرضاءُ الله تعالى؛ أي: ورسولُ الله أحقُّ بالإرضاء بالطَّاعة والموافَقة.\n﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كما يزعمون؛ لأنَّ الإيمان يقتضي ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، ولو بسخطِ مَن سواه.\n_________\n(^١) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٨٥)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٣٣٥).\n(^٢) في (م): \"إيذاء\".","vol":"4","page":389},{"text":"<span id=\"aya-1298\"> </span>(٦٣) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: الشَّأن ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ المحادَّةُ: مفاعَلةٌ من الحدِّ، كالمشاقَّة من الشقِّ؛ لأن المتخالفَينِ كلٌّ منهما في حدٍّ.\nوذِكْرُ اللهِ تعالى هنا أيضًا تمهيدٌ.\n﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ على حذف الخبر؛ أي: فحقّ أنَّ له، أو على تكرير (أنَّ) للتَّأكيد.\nقيل (^١): يجوز أن يكون معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ ويكون الجوابُ محذوفًا، تقديره: مَنْ يحاددِ اللهَ ورسولَه يهلك، فيكون ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ في موضع نصب.\nوهذا الذي قرَّره لا يصح (^٢)؛ لأنهم نصُّوا على أنَّه إذا حُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه كان فعل الشَّرط ماضيًا في اللَّفظ، أو مضارعًا مجزومًا (^٣) بـ (لم)، فمن كلامِهم: أنت ظالم إن فعلت، ولا يجوز: إن تفعل، وهنا حذف جواب الشَّرط، وفعلُ الشَّرط ليس ماضيَ اللَّفظ ولا مضارعًا مقرونًابـ (لم)، وذلك إن (^٤) جاء في كلامهم فمخصوصٌ بالضرورة، وأيضًا فتجدُ الكلامَ تامًّا دونَ تقدير هذا الجواب.\n_________\n(^١) القائل الزمخشري وتابعه البيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٨٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٨٧).\n(^٢) في (ف): \"يصلح\". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في \"البحر\" (١١/ ٣٣٩)، والكلام منه.\n(^٣) في (ف): \"مقرونًا\". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٤) في (ك): \"أن ما\"، والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.","vol":"4","page":390},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾ الهلاكُ الدائم.\n﴿الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ الخزيُ: الهوانُ بما يُستحَى مِن مثلِه.\n\n<span id=\"aya-1299\"> </span>(٦٤) - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.\n﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ خبرٌ عن حذرِهم، وقيل: هو بمعنى الأمر، أي: ليحذَرِ المنافقون.\n﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾: على المنافقين، والنَّازل فيهم كالنَّازل عليهم من حيث إنه مقروءٌ محتجٌّ به عليهم.\n﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾: تخبرهم ﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لم يكن ذلك الإخبار لإعلام المخبَر به، بل لإعلام أنَّه لا يخفى على الله تعالى ولا يخفيه عن رسوله ﵇.\nوفيه هَتْكُ أستارِهم، وإظهارُ أسرارهم للمؤمنين، ولا يخفى ما في هذا المعنى من شدَّة الالتئام بين أجزاء الكلام، واعتبارٌ (^١) لطيفٌ يناسب المقام، بل التزامٌ لانتشار الضمائر.\nثمَّ إنَّ ما ذكر على تقديرِ الأمرِ ظاهرٌ، وأمَّا على تقدير الخبر فنقول: لكثرة ما كان يُطْلعُ اللهُ تعالى رسولَه (^٢) ﵇ كانوا يحذرون ذلك، ولخبثِ باطنهم وشدَّة كفرهم كانوا يؤذونه ﵇ ويستهزءون به، وذلك قوله تعالى:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"واعتذار\".\n(^٢) في النسخ: \"ورسوله\"، والصواب المثبت.","vol":"4","page":391},{"text":"﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ صيغةُ أمر، وهو للتَّهديد، ودليله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ من لكُمُونِ إلى البروزِ ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾؛ أي: ما تحذرونه من نزول السُّورة في (^١) أسراركم وهَتْك أستاركم، أو من إظهار مساوئكم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1300\"> </span>(٦٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ رُويَ أنَّ ركبَ المنافقين مَرُّوا على رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقالوا: انظروا إلى هذا الرَّجل، يريد أن يفتح قصور الشَّام وحصونه، هيهات هيهات، فأخبر الله تعالى به (^٣) نبيَّه ﵇، فدعاهم فقال: قلتُم كذا وكذا؟ فقالوا: لا والله ما كنَّا في شيء من أمرك وأمر أصحابك، ولكن كنَّا في شيء مما يخوض فيه الرَّكب، ليقصر بعضنا على بعضٍ السَّفر، فنزلَتْ (^٤).\nفما ذكر من السؤال والجواب كان مع بعضِهم، إلَّا أنَّه أسند إلى الكلِّ لاتِّحادهم في المنشأ.\n﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ الخوضُ في الأصلِ: دخولُ القَدَم فيما كان\n_________\n(^١) في (م): \"نزول السورة وإظهار\".\n(^٢) في هامش (ف): \"فلا دلالة فيه على ترددهم في كفرهم\".\n(^٣) \"به\" من (م).\n(^٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٨٧) وعنه نقل، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥٤٤ - ٥٤٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٣٠)، عن قتادة، وعزاه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٢٥٠) لزيد بن أسلم ومحمد بن كعب، وانظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢١٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٥).","vol":"4","page":392},{"text":"مائعًا من الماء والطِّين، ثم شاعَ (^١) وكثرَ حتى صارَ في كلِّ دخولٍ فيه أذًى (^٢).\n﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ تقرير للاستهزاءِ، وتوبيخٌ لهم على استهزائِهم لمن (^٣) يجب تعظيمه ولا يصحُّ الاستهزاء به؛ لأن إيلاءَ المستهزَءِ به حرفَ الاستفهام إنما يصح بعد وقوع الاستهزاء، فلم يعبأ باعتذارهم للعلم بكذبهم في ذلك.\nوذِكْرُ اللهِ تمهيدٌ لتعظيمِ آياته، والتَّنبيهِ على أنَّ استهزاءَها راجعٌ إلى الله تعالى.\n\n<span id=\"aya-1301\"> </span>(٦٦) - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾؛ أي: لا تشتغِلوا بأعذاركم؛ فإنَّها معلومةُ الكذبِ لا تنفعُكم بعد ظهور أسراركم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ بالاستهزاء والإيذاء ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعد إظهاركم الإيمانَ.\n﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ لتوبتهم وإخلاصهم، أو لاجتنابهم عمَّا كانوا يفعلونه من الإيذاء والاستهزاء.\n﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: بكونهم مجرمين مصرِّين على النِّفاق وما كانوا عليه.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ثم كان\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"وموت\".\n(^٣) في (ك): \"من\"، ولعل الأحسن: (بمن).","vol":"4","page":393},{"text":"<span id=\"aya-1302\"> </span>(٦٧) - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\n﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾؛ أي: جنسٌ واحد كأبعاض الشَّيء الواحد، غيرُ مماثل لجنس المؤمنين.\nتعريضٌ بأنَّهم ليسوا من المؤمنين، وتكذيبٌ لهم في حَلِفهم بالله إنهم لمنكم، وتقريرٌ لقوله (^١) تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾، وما بعده كالدَّليل عليه ببيانَ (^٢) منافاةِ حالهم لحال المؤمنين، وهو قوله:\n﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بالكفر والمعاصي ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: الإيمانِ والطاعة.\n﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ قبضُ اليدِ عبارة عن الشحِّ؛ أي: يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الخير.\n﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ النِّسيان في الأوَّل كنايةٌ عن التَّرك، والمراد: ترك طاعته، وفي الثاني مجازًا مرتَّبًا على الكناية، والمراد ترك (^٣) رحمتهم، وإنما يعبَّر\n_________\n(^١) في النسخ: \"بقوله\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٨٨)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٤٠٧).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بيان\". والمثبت من (م) وهو الصواب، ولفظ البيضاوي: (وما بعده كالدليل عليه، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين).\n(^٣) \"طاعته وفي الثاني مجازًا مرتبًا على الكناية والمراد ترك\" من (م) زيد في الهامش وعليه علامة التصحيح، والصواب: (مجاز مرتب).","vol":"4","page":394},{"text":"بالنِّسيان عن التَّركِ مبالغةً إذا بلغ وجوه الترك الوجهَ (^١) الذي يقترِن به النسيان.\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكاملون في التَّمرُّد والخروج عن دائرة الخير، والمبالغةُ في ذمِّهم بالفسق، وجعلُه غايةً في التَّمرُّد والعتوِّ، والفاروقَ الأعظم بينهم وبين المسلمين، تنفيرٌ للمسلمين عنه.\n\n<span id=\"aya-1303\"> </span>(٦٨) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ التَّفصيل بين الجنسين منهم للاهتمام بشأنهم لأن الكلام في ذمِّهم (^٢).\n﴿وَالْكُفَّارَ﴾؛ أي: المجاهرين بالكفر، بقرينةِ المقابلة، وهي لا تخلو عن الدّلالة إلى (^٣) أنَّهم جنسٌ آخر.\n﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال عن معنى ﴿وَعَدَ﴾، فإنه كنايةٌ عن وقوع العذاب، كأنه قيل: يعذبهم الله بنار جهنَّم خالدين فيها.\n﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ إشارةٌ إلى عظم عذابها، وأنَّه لا مزيد عليه؛ أي: حسبُهم عقابًا وعذابًا إذ لا شيء أبلغ منه.\n﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردَهم وأهانهم مع التَّعذيب.، وقَرَنهم بالشَّياطين الملاعين في التَّبعيد، ففيه بيان عذابهم الروحاني.\n_________\n(^١) في النسخ: \"هو\" بدل: \" الوجه\"، والصواب المثبت. انظر: \" المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٦).\n(^٢) \"لأن الكلام في ذمهم\" من (م).\n(^٣) في (ك): (أي)، ولعل الصواب: (على).","vol":"4","page":395},{"text":"﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾؛ أي: ولهم نوعٌ من العذاب سوى الصلي بالنَّار.\n﴿مُقِيمٌ﴾: دائم كعذاب النَّار.\n\n<span id=\"aya-1304\"> </span>(٦٩) - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿كَالَّذِينَ﴾؛ أي: أنتم مثلَ الذين مِن قبلكم، أو: فعلتم مثل الذين ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾: منعة وبطشًا ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾؛ أي: كانوا أشد منكم قوةً وأقدر، فإذا كنتُم في سوء المعاملة مثلَهم وفي القوة دونهم، فما يُؤْمنكم أن يصيبكم من العقوبة مثلُ ما أصابهم.\nومَن وَهَمَ أنه بيانٌ لتشبيههم بهم وتمثيلِ حالهم بحالهم فقد وَهِمَ (^١)، فافهم.\n﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ الخَلَاقُ: النَّصيب، من الخَلْق بمعنى التَّقدير، وهو ما خُلق للإنسان؛ أي: قُدِّرَ له من خيرٍ، كما سُمِّيَ نصيبًا؛ لأنَّه نُصب له وأثْبِتْ (^٢)، وتقديمه على التشبيه المذكور بقوله:\n﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ تمهيدٌ لذمِّهم بذمِّ الأوَّلينَ بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدُّنيا واشتغالِهم بها، وذهولِهم بلذَّاتها الفانية عن التَّفكُّر في أمر الآخرة والنَّظرِ في العاقبة وطلبِ الفلاح، وتحصيلِ اللَّذات\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فإنَّ اعتبار التفصيل في الوصفين يرشد إلى ما ذكرنا\".\n(^٢) في (ك): \"لأنَّه نصيب له\" وسقط منه \"وأثبت\".","vol":"4","page":396},{"text":"الباقية؛ ليتقرَّرَ سوءُ حالهم وسماجةُ فعلهم في أنفسهم، ثم يتفطَّنوا ويتيقَّظوا (^١) لقبحِ ما هم فيه بتشبُّههم واقتفاءِ آثارهم.\nوالاستمتاع: طلب المتعة، وهي فعلُ ما فيه اللذةُ من المآكل والمشارب والمناكح.\n﴿وَخُضْتُمْ﴾؛ أي: دخلتُم في الباطل ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾، أي: كالذين خاضوا.\n(الذي): اسمٌ ناقصٌ يُعبَّرُ به عن الواحد والجمع.\n﴿أُولَئِكَ﴾ الذين رضوا من آخرتهم بدنياهم ﴿حَبِطَتْ﴾: بَطَلت ﴿أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أمَّا في الآخرة فلأنَّه لا ثواب لهم ولا نجاة من العذاب، وأمَّا في الدُّنيا فلأنهم قصدوا بذلك توهينَ الإسلام وقهرَ أهله وعلوَّ أنفسهم، فأبطل الله تعالى كيدَهم وخيَّبَ أملَهم.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ذهبَ أموالهم فيما ضرَّهم ولم ينفعْهم، ولو ذهب فيما لا يضرُّهم ولا ينفعهم كان خسرانًا، فكيف وقد ذهب فيما يضرُّهم ولا ينفعهم؟!\nأشارَ إلى الأوَّلينَ المستمتِعينَ؛ ليَعلَمَ المشبَّهون بهم أنَّ استمتاعَهم وتَلهِّيهِم سببٌ لحَبْط أعمالهم في الدُّنيا والآخرة وخسرانهم المطلَقِ، فيَرتدِعوا.\n\n<span id=\"aya-1305\"> </span>(٧٠) - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ويتعظوا\".","vol":"4","page":397},{"text":"﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الاستفهام للتَّقرير والتَّحذير. والنَّبأُ: الخبرُ الذي له شأن.\n﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغرِقوا بالطُّوفان ﴿وَعَادٍ﴾ أُهلِكوا بالرِّيح ﴿وَثَمُودَ﴾ أُهلِكوا بالرَّجفة.\n﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هلك نمرود ببعوضٍ وكذا أصحابُه.\n﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ أُهلكوا بالرَّجفة على ما صرَّح في سورة الأعراف، والذين أُهلكوا بالنَّار يومَ الظُّلة هم أصحاب الأيكة من قوم شعيبٍ ﵇، ولم يقل: وقومِ شعيب؛ لأن كثيرًا منهم آمَنوا له ﵇، ولمثلِ هذا عدل فيما سبق من (قوم هود وقوم صالح ﵉ إلى: (عادٍ وثمود).\n﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ الائتفاك: الانقلاب، والمرادُ: كلُّ مَنْ أُهْلِكَ مِنَ المكذِّبين المتمرِّدين، كما يُقالُ: انقلبَتْ عليه الدُّنيا، ويدخل فيهم دخولًا أوَّليًّا قوم لوط، ولو أريد بها قومه ﵇ خاصَّة لكان حقَّها أن يُذكَر قبل أصحاب مدين.\n﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الضَّمير لكلِّ ما تقدَّم ذكره من الأمم.\n﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ أي: لم يكن من عادته العقوبة بلا جُرم، ولمَّا تبيَّن هذا مما تقدَّم صَدَّره بأداة التَّفريع (^١)، وهو كما يكون باعتبارِ الوجود يكون باعتبار (^٢) الظهور.\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بإيقاعها فيما يوجب العقوبة، وتقديم المفعول يفيد التَّخصيص.\n_________\n(^١) في (ك): \"التقريع\".\n(^٢) \"الوجود يكون باعتبار\" زيادة من (م).","vol":"4","page":398},{"text":"<span id=\"aya-1306\"> </span>(٧١) - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ذكر في مقابلة المنافقين والمنافقات، والمراد: المخلِصون والمخلِصات، وفي العبارة المذكورة إشارةٌ إلى أنَّ حقَّ الإيمان الإخلاص، وأنَّ المنافقين ليسوا (^١) من جنس المؤمنين.\nوالمعنى: أنَّ ذكورَهم وإناثهم يتوالون على الدِّين ويتناصرون ويتعاونون، حتى إنَّ الرَّجلَ يخرجُ إلى الجهاد وامرأتَه تهيِّئ أسبابه، ويخرج النِّساء مع الرِّجال أيضًا، فيداوْينَ الجرحى، ويعالجْنَ المرضى، ويُصلحْنَ الطَّعام، ويحملْنَ الماء، وغير ذلك من المهمَّات.\nواختيار كلمة التَّبعيض ثمَّة لشدَّةِ الارتباط فيما بينهم، وقوَّةِ اتِّفاقهم على الكفر والنِّفاق (^٢)، وإيثارُ عبارة الولاية هنا للإشارة إلى أن حقَّ الأخوَّة الإيمانيَّة الموالاةُ في المصالح الدِّينية وإنْ كان بينهم (^٣) معاداةٌ في المصالح الدُّنيويَّة.\n﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ التَّعريف في الموضعين للجنس.\n﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ فهم يذكرون الله تعالى.\n﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فلا يقبضون أيديَهم، والتعريفان (^٤) هنا للعهد، ولو\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ليس\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والشقاق\".\n(^٣) \"بينهم\" ليست في (م).\n(^٤) في (ك): \"التعريفان\".","vol":"4","page":399},{"text":"حُمِلَ على الجنس نظرًا إلى أن المدح بالنَّوافل أبلغ، أو مَن يقيم النَّافلة أحرى بإقامة الفرض، لكانَ له وجهٌ.\n﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنَّواهي.\n﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ السِّين مؤكِّدةٌ للوعد، مُفيدةٌ لوقوع الرَّحمة لا محالة.\nهذا ما بحسب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه أنها مدخلةٌ في الوعد مهلةً لتكون النُّفوس تتنَّعم برجائه، وفضلُه تعالى زعيمٌ بالإنجاز (^١).\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: قويٌّ غالبٌ قادرٌ على قهر أعدائه وإعزاز أوليائه بجميع الوجوه.\n﴿حَكِيمٌ﴾: يضع الأشياء مواضعها، فيخصُّ النِّقمة بالمنافقين والكفَّار، والرَّحمة بأعدائهم على حَسَب استحقا قاتهم، فليتعذَّبوا بكِلَا الأمرين، فهو من تتمَّة وعيد المنافقين على وجهٍ يتضمَّن وعد المؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1307\"> </span>(٧٢) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ففيه انتقالٌ من التَّضمين والإشارة إلى التَّصريح؛ اهتمامًا لأمر البِشارة.\n﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: السُّكونَ والقرارَ فيها.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لمَّا كان الموعود قرارهم فيها صحَّ أن يكون قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حالًا عنه بلا تأويلٍ.\n_________\n(^١) في (م): \"الإنجاز\".","vol":"4","page":400},{"text":"﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ تستطيبُها النَّفس، أو يطيبُ فيها العيش، وفي الحديث أنها قصور من اللُّؤلؤ والزَّبرجد والياقوت الأحمر (^١).\n﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مقامٌ معيَّن؛ لِمَا روى أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ: \"عدنٌ دارُ الله التي لم ترها عينٌ ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النَّبيُّون والصِّدِّيقون والشُّهداء\" (^٢).\nوهذا لا ينافي تعميم الوعد لسائر المؤمنين، فإنَّ الموعود لهم ما (^٣) حوله من الجنَّات.\nقال ابنُ مسعود ﵁: عَدْنٌ هي بُطْنانُ الجنَّةِ وسُرَّتُها (^٤).\nولا يجوز أنْ يُراد به معناه اللُّغوي، وهو الإقامة والخلود؛ لِمَا فيه من التكرار في اعتبار معنًى واحد.\n_________\n(^١) روى نحوه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٥٧٧)، والطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥٥٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨/ ١٦٠) من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ﵄، ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٣٩) من حديث عمران بن حصين ﵁.\nولفظ الطبراني: \"عن الحسن، عن عمران بن حصين، وأبي هريرة، قالا: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] قال: قصر من لؤلؤة، في ذلك القصر سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتًا من زبرجدة خضراء … \". والحديث فيه كلام، وجعله ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١٧٠٤). وكلمة: \"الأحمر\" من (م).\n(^٢) رواه البزار كما في \"كشف الأستار\" (٣٥١٦)، والدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" (٣/ ١١٥١)، وابن الجوزي في \"العلل\" (٢١)، وقال: هذا الحديث من عمل زيادة بن محمد، لم يتابعه عليه أحد.\n(^٣) في (ك) و(م): \"ما في\".\n(^٤) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥١٦٧)، والطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥٦١).","vol":"4","page":401},{"text":"وَعَدهم أوَّلًا بالرَّحمة المطلقة إجمالًا، ثمَّ فصَّلها وفسَّرها بما هو أبهى الأماكنِ التي يعرفونها من جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، ونكَّرها للتَّعظيم لتميلَ إليها طباعهم أوَّلَ ما تقرعُ أسماعَهم، ثمَّ زادَ عليها دفعَ وهم ما يُنَغَّصُ (^١) به العيش، وهو زوال تلك النِّعمة، ثمَّ وصفَه بأنَّه محفوفٌ بطِيب العيش، معرًّى عن شوائب الكُدُورات التي لا يخلو شيء منها أماكن الدنيا.\nوأمَّا زيادة قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ فلدفع وهم أن تكونَ تلك المساكن خارجةً عن الجنَّات، ويكونَ سكون المؤمنين فيها قبل الدخول في الجنة (^٢).\nثمَّ وعدهم بما هو أكبر ممَّا تقدَّم ذِكْرُه فقالَ:\n﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أفرده بالذِّكْرِ ونوَّنه تعظيمًا في شأنه؛ أي: وشيءٌ من رضوان الله تعالى أكبر من ذلك كلِّه؛ لأن رضاه تعالى سببُ كلِّ فوزٍ وسعادةٍ، ومُوجِب كلِّ قُرْبٍ وكرامة.\nروي أن الله تعالى يقول لأهل (^٣) الجنَّة: هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحدًا من خلقِكَ؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: وأيُّ شيءٍ أفضل من ذلك؟ قال: أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم أبدًا (^٤).\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى جميع ما وعدهم، وقيل: إلى الرِّضوان خاصَّة لتعظيمه، وفيه\n_________\n(^١) في (ك): \"نغص\"، وفي (م): \"نقص\".\n(^٢) \"في الجنة\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"أهل\".\n(^٤) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"4","page":402},{"text":"إخراج ما عدا الرِّضوانَ المذكورَ عن حدِّ الفوز العظيم، ويأباه ما يأتي من قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فإنه صريحٌ في دخوله في حدِّ الفوزِ المذكور (^١).\n﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لا ما يَعُدُّه النَّاس في الدُّنيا فوزًا؛ لأنَّه يَفنى ويتغيَّر دونه، وينقص ويتكدَّر بخلافه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1308\"> </span>(٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ المجاهرين بالقتل والسَّبي ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بإلزام الحجَّة وإقامة الحدود، وتقديم الكفَّار لأنَّ جهادَهم أهمُّ وأتمُّ؛ لكونه باللِّسان أوَّلًا، وبالسِّنَان ثانيًا، وجهاد المنافقين بالثاني فقط.\n﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في الجهادين.\nقال عطاء: نَسَخَتْ هذه الآيةُ كلَّ شيءٍ من العفو والصَّفح (^٢).\n﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عطفه بالواو؛ دلالةً على أنَّ المذكورَ بعضُ ما أُعِدَّ لهم، فأضمرَ بعضَه ثمَّ عطف عليه ما ذكرَ، ولا يخفى ما فيه من التَّهويل.\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هو.\n_________\n(^١) في (ك): \"في الحد المذكور\"، وفي (ف): \"في حد المذكور\"، والمثبت من (م).\n(^٢) ذكره عن عطاء البغوي في \"تفسيره\" عند تفسير هذه الآية، وعزي أيضا لابن عباس وابن مسعود ﵃. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٦٩).","vol":"4","page":403},{"text":"<span id=\"aya-1309\"> </span>(٧٤) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\n﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ روي أنَّه أقام رسول الله ﷺ في غزوة تبوك (^١) شهرين ينزل عليه القرآن وَيعيب المتخلِّفين، فقال الجُلَاس بن سُوَيْدٍ: لئن كان ما يقول محمَّدٌ لإخواننا حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، فبلغ رسولَ الله ﷺ فاستحضره، فحلف بالله ما قاله، فنزلت (^٢)، فتاب الجُلَاس وحسُنَتْ توبتُه (^٣).\n﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ هي كلُّ لفظةٍ ترجع إلى الطَّعن في الدِّين أو في الرَّسول ﷺ.\n﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾؛ أي: أظهروا الكفر بعدما أظهروا الإسلام.\n﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ وهو الفَتْكُ برسولِ الله ﷺ، وذلك عند مرجعه من تبوك.\n﴿وَمَا نَقَمُوا﴾: وما أنكروا، أو: ما وجدوا ما يورِثُ نقمَتهم ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ استثناء مفرَّغ من أعم المفاعيل والعلل، وعلى الأخير يكون الكلام على طريقة قولِ النَّابغة:\nولا عيْبَ فيهِمْ غيْرَ أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكتائِبِ (^٤)\n_________\n(^١) \"في غزوة تبوك\" من (م).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥٦٩) عن عروة وابن إسحاق ومجاهد. ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٤٣) عن كعب بن مالك وابن عباس ﵃.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٨٣٠٣).\n(^٤) انظر: \"ديوان النابغة\" (ص: ١١). وقد تقدم مرارًا.","vol":"4","page":404},{"text":"أو: ما نقموا إلَّا وحقُّه أن يُشْكَر، وذلك أنهم كانوا حين قدم رسول الله ﷺ المدينة في ضنكٍ من العيش، لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فأَثْرَوا بالغنائم.\n﴿وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الضمير لله تعالى، وتوسيط ذِكْرِ الرَّسول ﷺ لأنَّه الواسطة في وصول الفضلِ المذكور منه تعالى إليهم.\n﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ والضمير في ﴿يَكُ﴾ للتَّوب، وهذا إحسان منه تعالى ورفقٌ بهم؛ حيث فتح لهم باب التَّوبة بعد ارتكاب تلك الجرائم العظيمة، وهذا هو الذي حمل الجُلَاس على التَّوبة.\n﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ بالإصرار على النِّفاق ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل وفي ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنَّار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينجيهم من العذاب باللُّطف أو بالعنف.\nوإنَّما أفرد الأرض بالذِّكْرِ تخصيصًا لِمَا هو المحتمل بالنَّفي، وهذا أبلغ من ذكر السَّماء معها، والتَّصريح بنفي الولي والنَّصير فيه أيضًا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1310\"> </span>(٧٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ﴾؛ أي: ومن المنافقين ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ قال الضحاك: هم نَبْتَلُ بن الحارث، وجَدُّ بن قيس، ومُعَتِّب بن قشير، وثَعْلَبة بن حاطب، وفيهم نزلَتِ الآية (^٢).\n_________\n(^١) لعله يعني: أن تخصيص الأرض بالذكر في نفي الولي والنصير لأنَّه لا ولي ولا نصير لهم في السماء قطعًا فلا حاجة لنفي ذلك في السماء.\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٢٧)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٤٧٤).","vol":"4","page":405},{"text":"روي أنه قال: يا رسول الله ادعُ اللهَ أن يرزقني مالًا، فقال ﵇: \"يا ثعلبةُ، قليل تؤدِّي شكرَه خيرٌ من كثيرٍ لا تطيقُه\" فراجعَه، وقال: والذي بعثك بالحقِّ لئن رزقني مالًا لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. فدعا له، فاتَّخذ غنمًا، فنمَتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقَتْ بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجُمُعة.\nفسأل عنه رسولُ الله ﷺ، فقيل: كثر مالُه حتى لا يسعه وادٍ، فقال: \"يا ويحَ ثعلبة\"، فبعث رسول الله ﷺ مصدِّقَين لأخذ الصَّدقات، فاستقبلهما النَّاس بصدقاتهم، ومرَّا بثعلبة فسألاه الصَّدقة، وأقرأاه كتابَ رسولِ الله ﷺ الذي فيه الفرائض، فقال: ما هذه إلَّا جزية، ما هذه إلَّا أخت الجزية، وقال: ارجعا منِّي حتى أراني، فلما رجعا قال لهما رسول الله ﷺ قبل أن يكلماه: \"يا ويحَ ثعلبةَ\" مرتين فنزلَتْ، فجاء ثعلبة بالصَّدقة، فقال ﵇: \"إنَّ الله منعني أنْ أقبلَ منك\"، فجعل يحثو التُّراب على رأسه، فقال ﵇: \"هذا عملُك، قد أمرتُك فلم تُطِعني\"، فقُبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر ﵁ فلم يَقبلها، ثم جاء بها إلى عمر ﵁ فلم يَقبلها، ثم جاء بها إلى عثمان ﵁ فلم يَقبلها، وهلَك في زمن خلافته (^١).\n﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: يريد الحجَّ (^٢)؛ ليلائم\n_________\n(^١) رواه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٢٥٣)، والطبري في \"التفسير\" (١١/ ٥٧٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧٨٧٣)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٢) من حديث أبي أمامة ﵁، قال البيهقي: هذا حديث مشهور فيما بين أهل التفسير، وإنما يروى موصولًا بأسانيد ضعاف. وقال الذهبي في \"تجريد أسماء الصحابة\" (ص: ٦٦): منكرٌ بمرَّة.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٩٣). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٢٢/ ٦٧١، ٦٧٢) عن الضحاك بن مزاحم، وبمعناه عن ابن عباس ﵄، لكن في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.","vol":"4","page":406},{"text":"المعطوفَ عليه، أعني: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إشارة إلى الزَّكاة، فيَحْسُن ترتيبُها على إيتاء المال المشار إليه بـ (^١) ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾، ومن هنا قالوا: الصَّلاح في المال بعد النَّفقة (^٢) في الحجِّ والغزو.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1311\"> </span>(٧٦) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾: منعوا حقَّ الله تعالى منه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: وهم قوم عادتُهم الإعراض عنها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1312\"> </span>(٧٧) - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.\n﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾؛ أي: فعلُهم ذلك من البخل والتَّولي ﴿نِفَاقًا﴾ متمكِّنًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنَّه كان سببًا فيه، والظاهر أنَّ الضَّمير لله تعالى، أي: فجعل عاقبة فعلهم ذلك نفاقًا ثابتًا في قلوبهم.\n﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ دلَّ على موتهم على النِّفاق، ولذلك لم يقبل الخلفاء زكاة ثعلبة.\nوالضَّميرُ للهِ تعالى، ويومُ لقائه: وقتُ (^٣) الجزاء، وابتداؤه من وقت الموت.\n_________\n(^١) في (م): \"بقوله\".\n(^٢) في (ك): \"الصدقة\".\n(^٣) في (م): \"يوم\".","vol":"4","page":407},{"text":"أو لفعلِهم، والأعمال تتجسَّم حينئذ، وتحصل الملاقاة حقيقةً، على ما ورد في الأحاديث الصحيحة وإنَّما لم يقل: إلى أن يموتوا؛ تنبيهًا على أن يوم الجزاء ابتداؤه من وقت الموت، ولهذا قال النبي ﷺ: \"مَنْ ماتَ فقد قامَتْ قيامَتُه\" (^١).\n﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ بسبب إخلافهم ما وعدوا الله تعالى من التَّصدُّق والصَّلاح.\n﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: وبكونهم كاذبين فيه، فإنَّ خُلْفَ الوعد أختُ الكذبِ، يجوز استعارة اسمه له. فيه وعيدٌ بالعذاب، وتهديدٌ بالعقاب. ثم عقبه تأكيدًا للوعيد بقوله:\n\n<span id=\"aya-1313\"> </span>(٧٨) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾؛ أي: المنافقون، وقرئ بالتَّاء الفوقانيَّة على الالتفات (^٢).\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما أسرُّوه من النِّفاق والعزمِ على إخلاف الوعد، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدِّين، وتسميةِ الصَّدقة جزيةً، وتدبيرِ منعها.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فلا يخفى عليه شيء من ذلك.\n_________\n(^١) رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" (١١١٧) من حديث أنس ﵁، وقال العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٢/ ١٠١٣): رواه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الموت\" بإسناد ضعيف. ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٤٦٨) عن المغيرة بن شعبة ﵁ موقوفًا.\n(^٢) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁ والسلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٥٤).","vol":"4","page":408},{"text":"<span id=\"aya-1314\"> </span>(٧٩) - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ محلُّه النَّصب، أو الرَّفع على المدح، أو الجرُّ على البدل من الضَّمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. واللَّمزُ قد مرَّ تفسيره.\n﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: المتطوعين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ روي أنَّ رسول الله ﷺ حثَّ على الصَّدقة، فجاء عبد الرَّحمن بن عوف ﵁ بأربعة آلاف درهم، وأمسك مثلَها، فبارك له الرَّسول ﷺ فيما أعطاه وفيما أمسك، وتصدق عاصم بن عدي بمئة وسق تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاريُّ بصاعِ تمرٍ، فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره على الصَّدقات، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أعطى عبد الرَّحمن وعاصم إلَّا رياء، وما تصدَّق أبو عقيل إلا ليُذْكَر مع الأكابر، أو ليذكِّرَه بنفسه لِيُعْطَى من الصَّدقات، والله غنيٌّ عن صاعه، فنزلَتْ (^١).\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ وقرئ بالضَّم (^٢)، وهو مصدر جَهِدَ في\n_________\n(^١) رواه أبو الشيخ في \"تفسيره\" عن الحسن مرسلًا مطولًا كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٥٢)، وللقصة شواهد رواها مفرقة الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٥٨٨ - ٥٩٦). وانظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص:٢٥٤).\nوخبر أبي عقيل رواه البخاري (١٤١٥)، ومسلم (١٠١٨) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.\n(^٢) قراءة الضم هي قراءة السبعة، أما قراءة الفتح فهي قراءة شاذة نسبت لعطاء والأعرج ومجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٤). وكان الأولى بالمؤلف أن يصدر بالمتواتر. وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩١)، وفيه: (﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: إلا طاقتهم. وقرئ بالفتح وهو مصدر جهد في الأمر …)، فإما أن المؤلف عكس ما جاء فيه، أو أنه وقع في النسخ تحريف بين الضم والفتح.","vol":"4","page":409},{"text":"الأمر: إذا بالغ فيه وحمل على نفسه (^١) المشقَّة فيه، وقيل: هو بالضَّمِّ: الطَّاقة، وبالفتح: المشقَّة.\n﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: يهزؤون بهم.\n﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ قد مرَّ بيانه في تفسير: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] من سورة البقرة.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تنكير العذاب للتَّعظيم، ومعلوم أن العذاب لا يخلو عن ألم، فالتَّوصيف إنما يفيد إذا قصد به المبالغة، وتقديم الجار والمجرور لمحافظة الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1315\"> </span>(٨٠) - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\n﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أراد الخبر عن تسوية الاستغفار وتركه في امتناع الغفران، كما نصَّ عليه في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.\nوفائدة الأمر به وبتركه أن يُمتحن فيعلم يقينًا أنه لا يتفاوتُ في الحالَيْن عدمُ الغفران.\n﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ روي أنه سأل عبدُ الله أبنَ عبدِ الله، ابن أُبيٍّ رسولَ الله ﷺ - وكان رجلًا مخلصًا - أن يستغفر لأبيه في مرضه، ففعل، فنزلت، فقال ﵇: لأزيدن على السَّبعين، فنزلت: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (^٢).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"نفس\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٩٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩١)، وما بين معكوفتين منهما، وأورد =","vol":"4","page":410},{"text":"وذلك لأنَّه ﵇ فهم من السَّبعين العددَ المخصوص؛ لأنَّه الأصل، فجوَّز أن يكون (^١) حدًّا يخالفه حكم ما وراءه، فبيِّن له أن المراد به التكثير (^٢) دون التَّحديد، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبع مئة ونحوها في التَّكثير؛ لاشتمال السبعة على جملةِ ما هو الأصول من كسور العدد، فكأنها العدد بأسره.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى امتناع الغفران، وعدمِ تأثير الاستغفار في حقِّهم.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: أنَّ ذلك لعدم قَبولهم له بسبب كفرهم وتمرُّدهم في الفسق والعصيان، ولا لمنعي (^٣) ولا لتقصيرك.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾ قد مرَّ أنَّه من قَبيل تنزيل الموجود منزلةَ المعدوم لعدم أثره ﴿الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ المتمرِّدين في كفرهم.\nوهذا كالدَّليل على الحكم السَّابق؛ فإنَّ مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر\n_________\n= عليهما أنّ سورة براءة آخر ما نزل فكيف تكون هذه الآية نازلة بعدها. قاله الشهاب في \"الحاشية\" (٤/ ٣٤٩). وقال ابن حجر \"الكافي الشافي\" (ص: ٧٨): (لم أجده بهذا السياق، وأصله في المتفق عليه عن ابن عمر ﵄ قال: لما توفى عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعصيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام يصلي عليه، فأخذ عمر ﵁ بثوبه فقال: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلى عليه؟ فقال: \"إنما خيرنى فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآية، وسأزيده على السبعين\" فصلى عليه، فأنزل اللّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ فتُركت الصلاة عليهم. لفظ مسلم). قلت: رواه البخاري (٤٦٧٠، ٤٦٧٢)، ومسلم (٢٤٠٠).\n(^١) \"أن يكون\" مكررة في (ك).\n(^٢) في (م): \"الكثير\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"بمنعي\".","vol":"4","page":411},{"text":"والإرشاد إلى الحقِّ، والمنهمِكُ في كفره المطبوعُ عليه لا ينقلع ولا يهتدي، والتَّنبيه على عذر النَّبي ﵇ في استغفاره وهو عدم يأسه ﵇ عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضَّلالة، والممنوعُ هو الاستغفار بعد العلم؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1316\"> </span>(٨١) - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾.\n﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾: الذين لم يخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك.\nالمخلَّفُ: المتروكُ خلفَ مَن مضى. والفرحُ: انشراحُ الصَّدر بلذَّةٍ عاجلةٍ.\n﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾؛ أي: بقعودهم عن الغزو في المدينة عند خروجه ﵇.\n﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ نصبٌ على الظَّرف؛ أي: خلفَه، يُقال: أقام خلاف الحيِّ؛ أي: بعد ارتحالهم، ويعضده قراءة أبي حيوة: (خلف رسول الله) (^١) ﷺ على المصدر، أي: خالفوا رسول الله خلافًا، نحو قوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ أي: اضربوا الرِّقاب ضربًا.\nوقيل: هو بمعنى المخالفة؛ لأنهم خالفوه ﵇، وحينئذ يكون حالًا أو مفعولًا له؛ أي: مخالِفِين له، أو: للمخالفة.\n﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ﴾ إيثارًا للموجود الفاني على الموجود الباقي\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٤).","vol":"4","page":412},{"text":"﴿وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ترجيحًا للدَّعة على طاعة الله تعالى ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في طريق الغُزاة (^١).\nوالإضافة إلى الله تعالى للتَّشريف والتَّنبيهِ على أن الغزو (^٢) المحمود ما كان خالصًا لله تعالى.\nوفي ذكر حالهم هذه في معرض القدح تعريضٌ لحال الباذلين أموالَهم وأنفسَهم في سبيل الله تعالى، المتحمِّلين للمشاقِّ لوجه الله تعالى بالمدح.\n﴿وَقَالُوا﴾ حُذف المقول له للتَّعميم؛ أي: قالوا لكلِّ مَنْ لاقَوه وقدروا على إغوائه وإضلاله:\n﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ في وقته؛ أي: لا تخرجوا للغزو؛ فإنه وقع في شدَّة (^٣) الحرِّ، لا يؤمَن معها قلَّةُ المياه، وهلاكُ الظَّهر، والضَّعفُ عن المشي.\nفعاب الله هذا من قولهم، وهدَّدهم عليه بالنَّار بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ أُقيمت عليهم الحجَّة بأن قيل لهم: فإذا كنتم تجزعون من حرِّ القيظ فنار جهنَّم أشدُّ حرًّا، فأحرى أن تجزعوا منها.\nوذِكْرُه في سياق الوعيد لهم يتضمَّن الدلالة على أن حالتهم هذه موجبة للتَّعذيب بنار جهنَّم.\n﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ الفقهُ: الفهم بالفطنة؛ أي: لو كان لهم فهمٌ وفطنةٌ لَمَا رغبوا\n_________\n(^١) في النسخ: \"الغزا\"، فإن كان المراد: الغزاء، بمعنى الغزو، فلم أجده.\n(^٢) في النسخ: \"الغزا\"، وانظر التعليق السابق.\n(^٣) \"شدة\" ليست في (ف).","vol":"4","page":413},{"text":"عن طاعة الله تعالى لِمَا فيها من التَّعب، وهو سببُ الرغبة فيها (^١)؛ لأن الأجرة للعمل بقَدْر المشقَّة فيه، قال ﵇: \"أفضل الأعمال أحمزُها (^٢) \" (^٣).\nوأما ما قيل: استجهالٌ لهم؛ لأن مَن تصوَّن عن مشقَّة ساعةً فوقع بسبب ذلك التصوُّنِ في مشقَّةِ الأبد كان أجهلَ مِنْ كلِّ جاهل = فلا يناسبه إيثار ﴿يَفْقَهُونَ﴾ على: يعلمون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1317\"> </span>(٨٢) - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ الفاء للتَّسبب.\nوالضَّحكُ: حالُ تفتُّحٍ (^٤) وانبساطٍ يظهر في وجه الإنسان عن تعجُّب مع فرحٍ.\nوالبكاءُ: حالٌ يَظهر في الوجه عن غمٍّ مع جَرْي الدُّموع على الخدِّ.\n_________\n(^١) \"فيها\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف): \"أحمدها\".\n(^٣) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٤/ ٢٣٣)، و\"غريب الحديث\" لابن قتيبة (١/ ٢٧٠)، و\"غريب الحديث\" للحربي (٢/ ٤٨٠). قال أبو عبيد: يروى هذا عن ابن جريج عمن يُحدِّثُه، عن ابن عباس.\nوقال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص: ١٣٠): قال المزي: هو من غرائب الأحاديث، لم يرو في شيء من الكتب الستة. وقال القاري في \"الأسرار المرفوعة\" (ص: ١٠٠): قال الزركشي: لا يعرف، وقال ابن القيم في \"شرح المنازل\": لا أصل له، قلت: ومعناه صحيح؛ لما في الصحيحين عن عائشة: \"الأجر على قدر التعب\". اهـ. قلت: رواه مسلم (١٢١١/ ١٢٦) من حديث عائشة ﵂ بلفظ: \"ولكنها على قدر نصَبك\" أو قال: \"نفقتك\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"بفتح\".","vol":"4","page":414},{"text":"والأمر في الموضعين للتَّكوين، ومجيئه على صيغة المضارع لأن كون تلك الحال في الاستقبال.\nوقيل (^١): إخبار عمَّا يَؤُول إليه حالهم في الدُّنيا والآخرة، أخرجه على صيغة الأمر للدَّلالة على أنه حتمٌ واجبٌ.\nومبناه على أن يكون الإخراج المذكور أقوى من إبقاء الإخبار على صيغته، ولا يخفى ضعفُه، كيف وما عليه الجمهور - وهو المشهور - أن إخراج الأمر على صيغة الإخبار أقوى من إبقائه على حاله؟!\nويجوز أن يكون المراد من الضحك والبكاء: فرطَ (^٢) السُّرور والغمِّ، ومن القلَّة: العَدَم، ومن الكثرة: الأبد.\n﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من أنواع المعاصي، ويندرج فيه معصيتهم السَّالفُ ذكرُها اندراجًا أوَّليًّا، ففيه تقريرٌ وتعيين لِمَا دلَّ عليه الفاء السَّببيَّة.\nوالكسب: اجتلاب لفظ بما هُيِّئ له من الأسباب، فلا ينتظِم تركَ الواجب، والمفهوم إنَّما يُعتبر إذا لم يعارضه منطوقُ نصٍّ آخر.\nوالجمع بين (كان) وصيغةِ المضارع للدلالة على الاستمرار التجدُّدي، واعتباره (^٣) يناسب الإخبار عن الجزاء الدائم.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"وما قيل\".\n(^٢) في (م): \"قوة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"واعتبارها\".","vol":"4","page":415},{"text":"<span id=\"aya-1318\"> </span>(٨٣) - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ الفاء للتفريع على ما تقدَّم، ورجع متعدٍّ من الرَّجع بمعنى الرَّد، والطَّائفة: الجماعة التي من شأنها أن تطوف، ولهذا لا يقال في جماعة الحجارة: طائفة.\nوالمراد: الجماعة المتخلِّفون، وإنَّما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾ لأنَّ كلَّهم لم يكونوا منافقين، أو لأنَّ فيهم من تاب ومات، كان يقول الرسول ﷺ إلى الطيبة بطيب (^١) الخاطر وحسن الاختيار، وأما وصوله إلى زمرة المنافقين فقد كان بكراهة واضطرار، فأُوثر صيغةُ المتعدِّي على اللازم للإشعار بهذه الدَّقيقة الأنيقة.\n﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ﴾ الاستئذان: طلب الإذن، وهو رفع التَّبعة في الفعل أو التَّرك، وأصله أن يكون بقولٍ يُسمَع بالأذن.\nوالفاء فصيحة عاطفةٌ على مقدَّر، تقديره: فمن أراد الخروج إلى غزوة أخرى.\n﴿لِلْخُرُوجِ﴾؛ أي: معك. والخروج في الأصل: الانتقال عن محيط.\n﴿فَقُلْ﴾ جواب شرط: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ﴾ نهيٌّ عن خروجهم معه ﵇ إلى الغزاة، أخرجه على صيغة الإخبار للدلالة على وقوع الامتثال عنهم بالاضطرار، وعدمِ قدرتهم على المخالفة.\n﴿أَبَدًا﴾ الأبدُ: الزَّمان المستقبل من غير انتهاء إلى حدٍّ، ونظيره في الماضي: (قطّ).\n_________\n(^١) في (ف): \"تطييب\"، وفي (م): \"يطيب\".","vol":"4","page":416},{"text":"﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ الأوَّل لإسقاطهم عن ديوان الغزاة خاصَّة، وهذا لإسقاطهم عن ديوان المجاهدين مطلقًا.\n﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ﴾ تعليلٌ للنَّهي المذكور، وكان إسقاطهم عن الدِّيوانَيْن المذكورَيْن آنفًا عقوبةً لهم عن التَّخلف بالاختيار بلا كره واضطرار (^١)، لا على التَّخلُّف مطلقًا، وللإشارة إلى هذا أتى بعبارة الرِّضا.\n﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي الخَرْجة إلى غزوة تبوك.\n﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ من النِّساء والصِّبيان، وسائرِ مَن لا يليق بالجهاد من أصحاب الأعذار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1319\"> </span>(٨٤) - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\n﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ﴾ هذه فضيحة لهم بعد الوفاة، وما ذُكر قبلها خزيٌ لهم في حال الحياة.\nقال قتادة: دخل رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيٍّ ابنِ سلولَ في مرض موته، وكان دعاه، فسأله أن يصلِّي عليه، ويقوم على قبره، ويكفِّنه في قميصه، ففعل ذلك، فنزلَتِ الآية (^٢).\nوعن عمر ﵁ أنَّه قال: لَمَّا توفِّي عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنُ سلولَ ووضعناه لنصلِّي عليه قام رسول الله ﷺ، فقلْتُ: أتصلِّي على عدوِّ الله، القائل يوم كذا: كذا،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"للإكراه والاضطرار\".\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ١٦١)، والطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٦١٤).","vol":"4","page":417},{"text":"والقائل يوم كذا: كذا (^١)، وعددتُ أيامه الخبيثة، فتبسَّم رسول الله ﷺ وصلى عليه، ثم مشى معه، وقام على حفرته حتى دفن وانصرف، فوالله ما لبث إلا يسيرًا حتى نزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، فما صلى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره (^٢).\nوإنما (^٣) قال: ﴿مَاتَ﴾ والمراد الاستقبال؛ لأنَّه كائن لا محالة.\nوقوله: ﴿أَبَدًا﴾ منصوب بـ ﴿تُصَلِّ﴾، وبه صارت الآية محكَمة، لا بـ ﴿مَاتَ﴾ كما توهَّمه مَن قال: فإنَّ إحياء الكافر للتعذيب له دون التمتُّع، فكأنه لم يَحْيَ (^٤).\nولم يَدْرِ أنه على التقدير المذكور أيضًا لا حاجة إلى التوجيه المزبور، بل لا وجه له؛ لأن الحياة في البرزخ لا تنافي استمرار الموت الواقع في الدُّنيا.\n﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ القبرُ: حفرةٌ يُدفَنُ فيها الميت، والمراد من القيام عليه معناه الحقيقيُّ، وهو نوع إكرام، وقيل: أراد به المباشرة بأسباب دفنه ومواراته، وعلى هذا يراد بالقبر معناه المصدريُّ، ويندرج فيه التَكفين، فلا يتمشَّى ما قيل: إنما لم ينهَ عن التَّكفين في قميصه، ونهى عن الصلاة عليه؛ لأن الضِّنة بالقميص كانت مُخلَّة (^٥) بالكرم، ولأنه كان (^٦) مكافأةً لإلباسه العبَّاس ﵁ قميصَه حين أُسِرَ ببدر (^٧).\n_________\n(^١) \"والقائل يوم كذا كذا\" سقط من (م). وعبارة البخاري: \"القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا\".\n(^٢) رواه بنحوه البخاري (١٣٦٦)، ومسلم (٢٤٠٠).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"إنما\".\n(^٤) قائله البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ٩٢).\n(^٥) في (ف) و(م): \"مخلًا\".\n(^٦) \"كان\" سقط من (ف).\n(^٧) رواه البخاري (٣٠٠٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.","vol":"4","page":418},{"text":"على أن ما ذكره لا يصلُح تعليلًا لعدم النَّهي عنه، لِمَا عرفتَ أنَّ نزول الآية المذكورة بعد الصَّلاة والتَّكفين، فيكون النَّهي على تقدير وروده عن العود إلى مثله.\nوفي المرويات (^١) قيل له ﵇: أَتُلْبِسُ عدوَّ اللهِ قميصَك؟ قالَ: \"إنِّي لأرجو أنْ يُسلمَ بقميصي ألفٌ من بني الخزرج\" (^٢)، وكان كذلك (^٣).\n﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ تعليلُ النَّهي على سبيل الاستئناف.\n﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أي: كفروا وأصرُّوا عليه حتى ماتوا على الفسق؛ أي: الخروج عن الطَّاعة.\nقال الإمام أبو منصور: سمَّى الله تعالى الكفَّار والمنافقين فاسقين في آيات وإن كان اسم الكافر والمنافق أبلغ في الذَّمِّ من اسم الفاسق؛ لأنَّ اسم الفاسق يأنف منه كل ذي دِينٍ، فإنَّه خروج عما تديَّن به، فأخبر الله تعالى أنهم مع تديُّنهم بالباطل فاسقون في معاملاتهم، خارجون عن دياناتهم، مستوجبون للمذمَّة بتلك الجهة أيضًا (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"الروايات\"، وفي (م): \"وفي بعض الروايات\".\n(^٢) رواه ابن شبة في \"أخبار المدينة\" (٧٣٢) عن الحسن، و(٧٣٤) عن قتادة، وفيهما: (من بني النجار) بدل (من بني الخزرج). ورواه عن قتادة أيضًا الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٦١٤)، وفيه: (من قومه).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٢/ ٤٦٣). وفيه: (فيروى أنه أسلم من بني الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ). قلت: وهذا كله لم يرد به خبر يصلح للاحتجاج به.\n(^٤) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" (٥/ ٤٤١).","vol":"4","page":419},{"text":"<span id=\"aya-1320\"> </span>(٨٥) - ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾ قد مرَّ تفسيره (^١)، ومعنى التَّكرير: المبالغةُ في التَّأكيد والتَّقرير، والأمر حقيق به؛ فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والقلوب مرتبطة بهما، والنفوس منقبضة (^٢) عليهما.\nوإنَّما عطفت هاهنا بالواو دون الفاء لعدم صحَّة التفريع على ما تقدَّم، بخلاف ما سبق فإنَّ للتَّفريع ثمة (^٣) جهةً على ما بُيِّنَ هناك.\n﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا﴾ لا تحسبنَّ أنَّ تمكينَ أهل النِّفاق من تنفيذ مرادهم وتكثيرِ (^٤) أموالهم وأولادهم إسداءُ معروفٍ مِنَ الله تعالى إليهم، أو إسباغُ إنعامٍ من لدنه عليهم، إنما ذلك مَكْرٌ بهم، واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمالٌ، والله قديرٌ مُتَعالٍ.\n﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فيَعذَّبون بالنَّار في دار القرار أبدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1321\"> </span>(٨٦) - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ بتمامها على الحقيقة، أو بعضُها على المجاز؛ لأنَّه عَلَمٌ\n_________\n(^١) في (ك): \"التَّفسير\".\n(^٢) في (ك): \"مغتبطة\" وفي (م): \"معتبطة\".\n(^٣) \"ثمة\" من (م)، وفي (ف): \"التفريع\".\n(^٤) في (ك): \"وتكثر\".","vol":"4","page":420},{"text":"للمجموع المعيَّن، بخلاف القرآن والكتاب فإنَّه يقع كلٌّ منهما على الكلِّ والبعض على الحقيقة.\n﴿أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرة.\n﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾؛ أي: جاهدوا الكفار متابِعينَ لرسول الله ﷺ.\n﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: ذوو الفضل والسَّعة، مِنْ طال عليه طَولًا.\n﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: الذين قعدوا عن الجهاد بعذرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1322\"> </span>(٨٧) - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\n﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ من النِّساء، جمعُ خالفة، وقيل: معناه: مع الخِسَاس (^١)، من قولهم: فلان خالفةُ قومه: إذا كان دونهم في أسباب الفضل، وهذا تعييرٌ لهم وذمٌّ.\n﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: خُتِمَ عليها. إنَّما عطفه على ما تقدَّم بالواو دون الفاء؛ تنبيهًا على أنَّ الطَّبع المذكور ليس أثرَ الرضا المذكور، بل الأمرُ بالعكس.\n﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ فضلَ ما في الجهاد من السَّعادة الآجلة على ما في تركه من الرَّاحة العاجلة، ورجحانَ ما في التَّخلف من الشَّقاوة الباقية على ما في عدمه من المشقَّة الزَّائلة.\nوعلى هذا يظهر وجه إيثار ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ على (لا يعلمون).\n_________\n(^١) في (ف): \"الخسايس\".","vol":"4","page":421},{"text":"وأيضًا فيه تنبيا على أنَّ أثرَ الطَّبع إزالةُ الفطنة، لا إزالةُ (^١) الفهم رأسًا حتى ينافيَ بقاء التَّكليف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1323\"> </span>(٨٨) - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿لَكِنِ الرَّسُولُ﴾ استدراك عمَّا تقدَّم من جهة المعنى، فإنَّ قوله تعالى: ﴿رَضُوا﴾ إلخ، في معنى: لم يجاهدوا أصلًا.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: المخلِصين من المؤمنين، وإنما قال: ﴿مَعَهُ﴾ إفادةً لمعنى التَّبعيَّة له ﵇.\n﴿جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ إنْ تخلَّفَ هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد مَنْ هو خيرٌ منهم وأخلصُ نيَّةً، كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].\nصرَّح هاهنا بما قدَّمه تعريضًا.\n﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ إنما أتى بالواو عطفًا على مُضمَر، كأنَّه قيل: فأولئك لهم النُّصرة والغَلَبة.\nوالمراد من الخيرات: أنواع الغنائم، فإنها جمع خَيْرَةٍ، تخفيف خَيِّرَةٍ، وهو المستحسن من كلِّ شيء، وكثر استعمالها في النِّساء، ومنه ما في قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن: ٧٠]، ولهذا قيل: أريد هاهنا الحور.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الذين أدركوا بُغيتهم في الآخرة.\n_________\n(^١) في (م): \"لا زالت\"، وفي (ف): \"لإزلة\".","vol":"4","page":422},{"text":"والحصر في المواضع الثَّلاثة إضافيٌّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1324\"> </span>(٨٩) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بيانُ وجهِ إدراكهم (^١) البُغية.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ ما يتعلق به من التَّفسير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1325\"> </span>(٩٠) - ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ يقال: أَعْذَرْتُ إلى فلان؛ أي: تكلَّمْتُ بالعذر فعَذَرني، أي: قبلَ عُذْري. واعتَذَرْتُ إليه، أي: أَقَمْتُ العذرَ الصَّحيح على أمري، وعذَّرتُ (^٢) بالتَّشديد؛ أي: أتيتُ بما هو في صورة العذر، ولا عذر لي فيه حقيقةً.\nوالآية قرئت بالتَّخفيف، وهو قراءة ابن عباس ﵄ (^٣)، وبالتَّشديد وهو قراءة سائر الناس.\nفبالتَّخفيف مِن أَعْذَرَ، وبالتَّشديد من اعْتَذَر، على إدغام التَّاء في الذَّال ونقل حركتها إلى العين (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"لإدراكهم\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وعذرني\".\n(^٣) كما في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٤)، وهي قراءة يعقوب من العشرة كما في \"النشر\" (٢/ ٢٨٠)، ورواية عن الكسائي - في غير المشهور عنه - كما في \"جامع البيان\" للداني (٢/ ١٨٢).\n(^٤) كذا اقتصر المؤلف على هذا الوجه في تعليل التشديد، بينما ذكر الأئمة وجها آخر له بل وقدموه، =","vol":"4","page":423},{"text":"إخبارٌ عن قومٍ أَتَوا بالعذر الصَّحيح فعُذِّروا - بالتَّشديد - من عذَّر (^١)، [أو] (^٢) إخبارٌ عن أعراب تكلَّموا بالعذر ولا عذر لهم، فلم يُعذروا، وفي الآية ذمٌّ لهم.\nوجملته: أنَّ نزول السُّورة في الجهاد صار النَّاس على أصناف:\nمنافقو أهل المدينة: وقد ذكرهم (^٣) في قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦].\nوالمخلصون: وذكرهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٧٤].\nوأعراب أهل البادية ممَّن لهم عذرٌ حقيقةً أو لا عذر لهم: وذكرهم الله تعالى في هذه الآية على القراءتين.\nوآخرون من الأعراب تخلَّفوا من غير استئذان: وذكرهم في قوله:\n﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في ادِّعاء الإيمان، وفى ليله قراءة أُبَيٍّ ﵁: (كذَّبوا اللهَ) بالتَّشديد (^٤).\n_________\n= قال الزمخشري: ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ من عذَّر في الأمر: إذا قصر فيه وتوانى ولم يجدّ، وحقيقته أنه يوهم أن له عذرًا فيما يفعل ولا عذر له. أو: المعذرون بإدغام التاء …). ونحوه فعل البيضاوي وأبو حيان والآلوسي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٠٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٣)، و\"البحر\" (١١/)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٤٦١).\n(^١) كذا قال المؤلف ﵀، والذي يقتضيه ما ذكره في أول الآية من معاني عذر وتصريفاتها أن يقول هنا: (فعُذِروا - بالتخفيف - من عَذَر)، وهو الموافق لما نقلناه عن الزمخشري في التعليق السابق.\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق، فما قبلها هو المعنى على قراءة التخفيف، وما بعدها على التشديد بكلا وجهيه؛ أي: سواء كان من (عذَّر) أو من (اعتذر). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٠٠).\n(^٣) في (ف): \"ذكر\".\n(^٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٣٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٠٠).\nونسبها في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٤) إلى ابن عباس ﵄ والحسن وأبي رجاء.","vol":"4","page":424},{"text":"﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: من الأعراب، وإنما قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ لأن منهم مَن اعتذرَ للسَّامة (^١)، لا للكفر.\n﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدُّنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنَّار.\nوقوم آخرون من ضعفاء المسلمين لم يكن لهم عُدَّةٌ، فجاؤوا واستعانوا، وذكرهم في قوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-1326\"> </span>(٩١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الذين لا قوَّة لهم بسبب كبر سنٍّ أو زَمانةٍ أو عرجٍ أو عمًى أو غير ذلك ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ الذين بهم علَّة يرجى زوالها، إلَّا أنَّه لا طاقةَ به في الحال ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ لفقرهم ﴿حَرَجٌ﴾: إثمٌ في التَّأخير.\n﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ النُّصح لله تعالى ولرسوله ﵇: الإيمان بهما، وطاعتُهما في السِّرِّ والعلن، والقيامُ بما يعود إلى الإسلام والمسلمين بالصَّلاح قولًا وفعلًا كما يفعله النَّاصح لمن ينصحه، ويندرجُ فيه اندراجًا أوَّليًّا ما قيل؛ أي: لم يثبِّطوا غيرهم من الموسرين والأصحَّاء عن الخروج، ولم يُوْهموهم أن قعودهم كان لجواز التَّخلُّف لكلِّ مَن أراده، بل بيَّنوا سببَ تخلُّفهم، ووضعوا القادرين عليه، وقاموا بأسبابهم عند خروجهم وأسبابِ مَن خلَّفوهم بالمعونة.\n﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ أي: ليس عليهم جُناح، ولا إلى معاتبهم\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (للسلامة)، وعند البيضاوي: (فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٣).","vol":"4","page":425},{"text":"سبيل. وأمَّا وضع الظَّاهر موضعَ الضَّمير فللدَّلالة على أنَّهم موصوفون بصفةٍ تنافي العِتاب فيفيد المدح والتَّعليل.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للمسيء، فكيف للمحسن؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-1327\"> </span>(٩٢) - ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.\n﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ عطفٌ على ﴿الضُّعَفَاءِ﴾؛ أي: ولا حرج أيضًا على الأصحَّاء الذين لا يستطيعون المشي ويحتاجون إلى المركب وجاؤوك ليسألوك (^١) مراكبَ تحملُهم عليها. يقال: حمل الأمير فلانًا: إذا أعطاه مركبًا.\n﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ حالٌ من الكاف في ﴿أَتَوْكَ﴾ بإضمار (قد)، كقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]، أي: إذا ما أتوك قائلًا: لا أجد ﴿تَوَلَّوْا﴾ جوابُ ﴿إِذَا﴾، ويجوز أن يكون جوابًا لسؤالٍ مقدَّر كأنَّه قيل: فما حالُهم إذا أجابهم الرَّسول؟ قيل: تولوا، ويكون جوابُ ﴿إِذَا﴾ قولَه: ﴿قُلْتَ﴾.\n﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ الفَيْضُ: هو السَّيلان عن الامتلاء.\n﴿مِنَ الدَّمْعِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للبيان، كما في قولك: أفديك مِن رجلٍ.\nقيل: محل الجارِّ والمجرور النَّصب على التَّمييز. ورُدَّ بأنَّ التَّمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جرُّه بـ (مِن).\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يسألوك\".","vol":"4","page":426},{"text":"وأصل (^١) الكلام: يفيض دمعُها، فعُدل إلى ما ذُكِرَ ليكون أبلغ، كأنَّ العينَ كلُّها دمع فيَّاض.\n﴿حَزَنًا﴾ مفعول له، أو حال، أو مصدر لفعلٍ دلَّ عليه ما قبله.\n﴿أَلَّا يَجِدُوا﴾؛ أي: لئلا يجدوا، متعلِّق بـ ﴿حَزَنًا﴾، أو بـ ﴿تَفِيضُ﴾.\n﴿مَا يُنْفِقُونَ﴾ في مغزاهم.\nفيه دلالة على أنَّهم مندرجون تحت قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ﴾ معطوفًا على ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ عطفَ الخاصِّ على العام، ويحسِّن هذا قولُه:\n\n<span id=\"aya-1328\"> </span>(٩٣) - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ معرَّفًا بالألف واللَّام؛ إذ عاد على النَّكرة.\nوكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ ليست للحصر، بل هي للمبالغة فيما يريد تقريره، كما في قولِكَ: إنَّما الشُّجاع عنترة.\n﴿عَلَى الَّذِينَ﴾ السَّبيل قد يوصَل بـ (على) وبـ (إلى)، غير أنَّ وصلَها بـ (على) يقتضي ضعف (^٢) المتوصَّل إليه وقلَّة منعته، فلذلك حَسُنت في هذه الآية.\n﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾: واجدون الأُهْبةَ.\n﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قيل: ما بالُهم\n_________\n(^١) في (ك): \"أصل\".\n(^٢) في النسخ: \"صفة\"، والتصويب من \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٧١).","vol":"4","page":427},{"text":"استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا بالضَّعَة والدَّناءة والانتظامِ في سلك الخوالف؛ إيثارًا للدَّعة.\nوفائدتُه: بيانُ سبب الاستئذان مع الغنى، وهو أمران: رضاؤهم بالدَّناءة، والطَّبعُ على قلوبهم بالخذلان حتى غفلوا وجهلوا وَخَامَة (^١) عاقبتهم.\n﴿فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مغبَّته (^٢).\nقد حُصِرَ المعذِّرون في التَّخلُّف في ثلاثة أقسام: الذين فقدوا الاستطاعة البدنيَّة، والذين عدموا الاستطاعة الماليَّة، والذين استحملوه فلم يجدوا ما يحملُهم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1329\"> </span>(٩٤) - ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التَّخلُّف، خطابٌ للصَّحابة ﵃ ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ مِنْ هذا السَّفر.\n﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالمعاذير الكاذبة ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ علَّةٌ للنَّهي عن الاعتذار؛ لأنَّ غرضَ المعتذِرِ أنْ يُصَدَّقَ فيما يعتذِرُ به فلا يعاتَبَ، فإذا لم يُصَدَّقْ يَترك الاعتذار.\n﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ علَّة لانتفاء التَّصديق؛ أي: أَعْلَمنا بالوحي إلى نبيِّه ﵇ بعضَ أخباركم، وهو ما في ضمائركم من الشَّرِّ والفساد.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وخابت\".\n(^٢) كلمة غير واضحة في (ك) و(ف)، وفي (م): \"معنيه\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٤).","vol":"4","page":428},{"text":"﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ رؤيةُ العمل في مثل هذا المقام يكون كنايةً عن فعل الرَّائي ما يستحقُّه العاملُ بسببه؛ أي: سيرى الله تعالى أتُنيبون إليه وتتوبون، أم تَثْبتون على الكفر وتُصرُّون عليه. ففيه وعيدٌ بالإساءة في الدُّنيا، ووعدٌ بالإحسان فيها.\nوتقديم ﴿عَمَلَكُمْ﴾ على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾ للفصلِ بين الرُّؤيتَيْن؛ تنبيهًا على أنَّ الثَّاني على حقيقته، والمراد مُوجَبُها، وهو الفصاحة على تقدير الثَّبات على الكفر، ولا يخفى أنَّه في غاية الإيجاز والفصاحة.\nثمَّ إنَّ في عبارة التَّسويف إشارةً إلى الإمهال لتدارك الإنابة، ففي الكلام استتابةٌ (^١) على العطف وجيه (^٢).\nوإنَّما قلنا: إن ما ذُكِرَ مِن الوعد والوعيد في الدُّنيا؛ لأنَّ قولَه: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وعدٌ ووعيدٌ في الآخرة.\nوفيه تداركٌ لِمَا عسى أنْ يذهبَ إليه الوهم من قوله: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾ إلى ما لا يليق بشأنه تعالى من الحاجة إلى الرؤية، وسبق علمه ببعض الأشياء بالغفلة عنه، ولهذا وضع ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ موضعَ الضمير؛ أي: لا يخفى عليه خافية ممَّا في قلوبكم، ولا بادرة مما يظهر على ألسنتكم وجوارحكم، فيجازيكم به.\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ على رؤوس الأشهاد ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تشهيرًا لحالهم، وتقريرًا لو بالهم، وتذكيرًا لِمَا ذهب عن خيالهم وبالهم، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر بقوله: ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦]، فيتمنَّون عنده المسارعةَ بهم إلى النَّار لِمَا يُحيقهم (^٣) به من الخزي والعار.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"اتنابة\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"وجه\"، والعبارة غير واضحة.\n(^٣) في (ف) و(م): \"يحفهم\".","vol":"4","page":429},{"text":"<span id=\"aya-1330\"> </span>(٩٥) - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لمَّا ذكر أنَّه يصدر منهم الاعتذار، أخبر ألَهم سيؤكِّدون ذلك الاعتذار الكاذب بالحلف بالله، وأنَّ سببَ الحلف طلبهم أن يعرضوا عنهم إعراضَ صفحٍ فلا يلوموهم ولا يوبِّخوهم.\n﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾؛ أي: فأجيبوا إلى طَلِبتِهم، وفي تعليل الإعراض عنهم بقوله: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ دلالة على أنَّه إعراضُ مقتٍ؛ أي: مستقذَرون بما انطَوَوا عليه من النِّفاق، فيجب مباعدتُهم واجتنابهم (^١)، كما قال في الآية الأخرى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].\nوهذا أولى مما قيل: لا ينفع فيهم التَّأنيب فإن المقصود منه التَّطهيرُ بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاسٌ لا تقبل التَّطهير؛ لأنَّ قوله:\n﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يفيد هذا المعنى؛ أي: إنَّهم أرجاسٌ من أهل النَّار، لا يجدي فيهم التَّوبيخ، والإفادة خير من الإعادة إليهم.\nإلَّا أن يُقال: إنَّه تعليل آخر؛ أي: وكَفَتْهم جهنَّم عقابًا وتوبيخًا، فلا تتكلَّفوا في عقابهم.\n﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مصدرٌ مؤكِّد، أو مفعول له، أو حال من ﴿جَهَنَّمُ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"فيجب اجتنابهم\".","vol":"4","page":430},{"text":"<span id=\"aya-1331\"> </span>(٩٦) - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.\n﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ حُذِفَ هاهنا المحلوف به وأُثْبِتَ فيما تقدَّم؛ اكتفاءً بذكره مرَّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ [القلم: ١٧].\nوقوله تعالى: ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾؛ أي: غرضُهم من الحلف بالله طلبُ رضاكم لينفعهم في دنياهم.\n﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: فإنَّ رضاكم عنهم لا ينفعُهم إذا كان اللهُ تعالى ساخطًا عليهم؛ لأنَّ سخطَ اللهِ تعالى يورثهم عقوبةَ الدُّنيا والآخرة، ورضاكم لا يستلزم رضاه.\nوالعدولُ عن الضَّمير إلى الظَّاهر للتَّسجيل عليهم بالفسق، والدلالة (^١) على أنَّ سخطَه تعالى عليهم مسبَّب عن فسقِهم، فلا يحصل رضاه ما داموا فاسقين، وعلى أنَّ الحكم عامٌّ وإنْ كان سببُ الورودِ خاصًّا؛ لأنَّ العبرةَ لعموم اللَّفظ لا لخصوصِ السَّبب.\nوالمرادُ: نهيُهم عن الرِّضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم.\nلَمَّا ذكرَ حَلِفهم فيما سبقَ لأجل الإعراض جاءَ الأمرُ بالإعراض هنا؛ لأنَّها تتنوَّع بحسب الإعراض، فيكون المعنى على مقتضى الحكمة ولا كذلك الرِّضا، وقد ذكر هاهنا الحلف لأجل الرِّضا وأبرزَ النَّهي عنه في صورة الشَّرطيَّة إخراجًا له مخرجَ التَّردُّد فيه لأنَّه مِنَ الأمور القلبيَّة، بخلاف الإعراض فإنَّه محسوسٌ مشاهدٌ، وجعلَ جوابه انتفاءَ رضاء الله تعالى عنهم، فصار رضا المؤمنين أبعدَ شيءٍ من الوقوع؛ لأنَّ اللَّائق بهم أن لا يرضَوا عمَّنْ لا يرضي الله عنهم.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وللدلالة\".","vol":"4","page":431},{"text":"<span id=\"aya-1332\"> </span>(٩٧) - ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿الْأَعْرَابُ﴾: سكان البوادي ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر؛ لأنَّهم كانوا في البوادي، ولا محالةَ أنَّ خوفَهم هنالك أقلُّ من خوف منافقي المدينة، فألسنتُهم لذلك أطلق، ونفاقُهم أشقُّ إزالةً؛ لقساوة قلوبهم.\n﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ﴾ وأحقُّ بأن لا يعلموا؛ لبعدهم عن رسول الله ﷺ، وغيبتهم عن مجالسته، وقلَّة ما يَرِدُ عليهم من مواعظ (^١) القرآن.\n﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الأوامر والنَّواهي؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: يعلمُ حالَ كلِّ واحدٍ مِنْ أهلِ الوَبَر والمَدَر.\n﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقابًا وثوابًا.\nذِكْرُ العِلم بعد العملِ أبلغُ وعدٍ ووعيدٍ، وأكملُ بشارةٍ وتهديدٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1333\"> </span>(٩٨) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾: يصرفُه في سبيل الله ويتصدَّق به (^٢).\n﴿مَغْرَمًا﴾: غرامةً وخسرانًا؛ أي: يجعلُه مقصدَه، ولا يرى فيه غير ذلك؛ إذ لا يحتسبُه عند الله، ولا يرجو عليه ثوابًا، وإنَّما ينفقُ رياءً أو تَقيَّة.\n_________\n(^١) \"مواعظ\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"بصرفه … وبتصدق\"، والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٥).","vol":"4","page":432},{"text":"وأصل الغُرْمِ: الدَّين، ومنه تعوّذ رسول الله ﷺ من المغرَمِ والمأثم (^١)، ولكنْ كثر استعمالُه فيما يؤديه (^٢) الإنسان مما لا يلزمُه بحقٍّ، وفي لفظه معنى اللُّزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].\n﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدَّائرة في الأصل: مصدرٌ سُمِّيَ به كالعاقبة، أو اسمُ فاعل من دار يدور، سُمِّيَ به عُقبةُ الزَّمان التي لا مخلَص عنها، فهي تحيط الشَّيء كما تحيط الدَّائرة.\nويحتمل أن يؤخذ من دور الزَّمان؛ أي: ينتظِر بكم ما تأتي به الأيَّام وتدور به من النَّوائب؛ لينقلبَ الأمر عليكم فيتخلَّصوا من الإنفاق (^٣).\n﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دعاءٌ عليهم بنحو ما تربَّصوا به، معترِضٌ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤].\n﴿السَّوْءِ﴾ بالفتح، وهو ذمٌّ للدائرة أضيف إليه (^٤)، كقولك: رجلُ سَوءٍ؛ لأنَّ مَن (^٥) دارت إليه ذمَّها بالسوء.\nوقرئ بضم السِّين (^٦)، قيل: بالفتح المصدر، وبالضَّم الاسم.\nوقال أبو علي: معنى الدَّائرة يقتضي معنى السوء، فإنما هي إضافة بيانٍ وتأكيدٍ، كما قالوا: شمس النَّهار، ولَحْيَا رأسه، ولا يقال: رجل سَوءٍ، إلَّا بفتح السين، ولهذا\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩)، من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) في (م) و(ك): \"يدريه\"، وفي (ف): \" بدريه\". والصواب المثبت.\n(^٣) في (م) زيادة: \"عليهم\".\n(^٤) فهو من إضافة الموصوف إلى صفته. انظر: \"البحر\" (١١/ ٤٠٧).\n(^٥) \"من\" سقطت من (ف) و(ك).\n(^٦) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٩).","vol":"4","page":433},{"text":"لم تختلف القرَّاء في فتح السين في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] (^١).\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لِمَا يُظهرونه عند الإنفاق ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرونه من النِّفاق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1334\"> </span>(٩٩) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لمَّا ذكر مَن يتَّخذ ما ينفق مغرمًا ذكرَ مُقابِلَه، وهو مَن يتَّخذ ما ينفق مَغنمًا، وذكر هاهنا الأصل الذي يترتَّب عليه إنفاق المال في القُرُبات، وهو الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر؛ إذ (^٢) جزاء ما ينفق إنما يَظهر ثوابه الدَّائم في الآخرة، وقد اكتفى ثمَّة بذكر سجيَّة الكفر، وهو اتِّخاذ ما ينفق مَغرمًا والتَّربُّصُ بالمؤمنين الدَّوائر.\n﴿وَيَتَّخِذُ﴾؛ أي: يجعل مقصدًا ﴿مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ سببَ قُرباتٍ، وهو ثاني مفعولي (يتخذ)، (وعند الله) صفتُها، أو ظرفٌ لـ (يتخذ).\n﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: سببَ صلواته؛ لأنَّه ﵇ كان يدعو للمتصدِّقين، ويستغفر لهم، ولذلك سُنَّ للمتصدَّق عليه أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذ صدقته، لكن ليس له أن يصلِّي عليه كما قال ﵇: \"اللهمَّ صلِّ على آل أبي أوفى\" (^٣)؛ لأنَّه منصبُه، فله أن يتفضَّلَ به على غيره.\n_________\n(^١) انظر: \"الحجة\" للفارسي (٤/ ٢٠٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٧٤)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٢) في (ك): \"إن\".\n(^٣) رواه البخاري (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨)، من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄.","vol":"4","page":434},{"text":"أقيم المسبَّب مقام السَّبب في الموضعين لقوَّة الاستلزام، وشدَّة التَّشوُّق إلى اللَّازم.\n﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شهادةٌ من الله تعالى للمتصدِّقين بصحَّة ما اعتقدوه على أبلغ الوجوه؛ من التَّأكيد بالاستئناف و(ألا) و(إنَّ) المفيدين للتَّحقيق وثبات الأمر وتمكُّنه.\nوتنكير ﴿قُرْبَةٌ﴾ للتَّعظيم، والضَّمير لنفقتهم.\n﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تصديقًا (^١) لرجائهم؛ لِمَا في السِّين من تحقيق الوعد بإحاطة الرَّحمة عليهم.\nوما أقوى دلالة هذا الكلام على رضى الله تعالى على (^٢) المتصدِّقين، وأنَّ الصَّدقة من الله تعالى بمكانٍ إذا خَلَصت النيَّة من صاحبها.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استئنافٌ لتقرير ما وعد لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1335\"> </span>(١٠٠) - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾: هم الذين صلَّوا إلى القبلَتَيْن، وقيل: هم الذين شهدوا بدرًا ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾: أهلِ بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعةَ نفر، وأهلِ العقبة الثَّانية، وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عُمَير.\n_________\n(^١) في (ك): \"تصديق\".\n(^٢) في (م): \"عن\".","vol":"4","page":435},{"text":"وقرئ بالرَّفع عطفًا على (السابقون) (^١).\n﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ﴾ اللَّاحقون بالسَّابقين من القبيلين، والذين اتَّبعوهم بالإيمان والطَّاعة إلى يوم القيامة.\n﴿بِإِحْسَانٍ﴾ بإخلاصٍ، قال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢].\n﴿﵃﴾ لطاعتهم وأعمالهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لإفاضته عليهم نعمه الدِّينية والدُّنيويَّة.\n﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ وقرئ: ﴿مِنْ تَحْتَهَا﴾ (^٢).\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قد مرَّ تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1336\"> </span>(١٠١) - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: حول بلدتكم وهي المدينة ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ وهي جُهَينةُ ومُزينةُ وأَسْلَمُ وأَشْجَعُ وغِفَارٌ.\n﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عطفٌ على (ممن حولكم)، أو خبرٌ لمحذوف صفته: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: دربوا فيه، ومَرَدوا عليه (^٣)، ولجُّوا فيه، وهو يستعمل في الشَّرِّ لا في الخير، ونظيره في حذف الموصوف وإقامةِ الصِّفة مقامه، قوله:\n_________\n(^١) قرأ بها يعقوب من العشر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨٠).\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٩).\n(^٣) قوله: \"ومردوا عليه\"، لا وجه لذكره هنا لأنَّه من تعريف الشيء بنفسه.","vol":"4","page":436},{"text":"أنا ابنُ جَلا وطلَّاع الثَّنايا (^١)\nوعلى الأوَّل صفة للمنافقين فُصلَ بينها وبينه بالمعطوف على الخبر، أو كلامٌ مبتدأ لبيان تمرُّنهم وتمهُّرهم في النفاق.\n﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: لا تعرفُهم بأعيانهم، بيانٌ لقوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ أي: بلغوا من مهارتهم فيه إلى أنْ خَفِيَ حالهم عليك مع كمال فطنتك وصدقِ فِراستك؛ لتنوُّقهم (^٢) في توقِّي مواقع التُّهم.\n﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ تأكيدٌ للبيان؛ لإفادة تقديم الضَّميرِ التَّخصيصَ؛ أي: لا يعلمهم إلَّا الله وحده، ولا يطَّلع على سرِّهم غيرُه لشدَّة إبطانهم الكفر وإظهارهم (^٣) الإخلاص.\nوحملُ ﴿مَرَدُوا﴾ على الاستئناف أبلغُ وأنسبُ لهذه المبالغة.\n﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ فيه تحقيق لعذابهم بموجب علمه.\n﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بالفضيحة والقتل، أو بأحدهما وعذابِ القبر، أو بأخذِ الزكاة ونهكِ الأبدان، ويحتمل أن لا يراد بها شَفْعُ الواحد، بل يكون المعنى على التَّكثير، كقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ [الملك: ٤]؛ أي: مرَّةً بعد مرَّةٍ.\n﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ إلى عذاب النَّار في دار القَرار.\n_________\n(^١) صدر بيت لسحيم بن وثيل اليربوعي. انظر: \"الكتاب\" لسيبويه (٣/ ٢٠٧)، و\"الأصمعيات\" (ص: ١٦)، و\"الشعر والشعراء\" (٢/ ٦٤٣). وعجزه:\nمتى أضع العمامة تعرفوني\n(^٢) في (ك): \"لتفوقهم\". والمثبت من (ف) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\"، والتنوق: التصنع والتكلف بإظهار النيقة وهي الحذف وما يعجب الناظر. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ٣٥٩).\n(^٣) في (ك): \"وإظهار\".","vol":"4","page":437},{"text":"<span id=\"aya-1337\"> </span>(١٠٢) - ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: لم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة من تخلُّفهم واعترفوا بتقصيرهم ومخالفتهم نادمين.\nوهم طائفة من المتخلِّفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد لَمَّا بلغهم ما نزل في المتخلِّفين، فقدم رسول الله ﷺ فدخل المسجد على عادته، فصلَّى ركعتين، فرآهم فسأل عنهم، فذكر أنهم أقسموا أن لا يحلُّوا أنفسهم حتَّى تحلَّهم، فقال: وأنا أقسم أنْ لا أحلَّهم حتى أؤمر فيهم، فنزلت فأطلقهم (^١).\n﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ هو إظهار النَّدم والاعتراف بالذَّنب.\n﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ هو التَّخلُّف وموافقة أهل النِّفاق.\nوالواو في الخلط أبلغ من الباء؛ لدلالتها على كون كلٍّ منهما مخلوطًا ومخلوطًا به، بخلاف الباء لإفادتها أن يكون أحدهما مخلوطًا والآخر مخلوطًا به.\nويجوز أن تكون بمعنى الباء، والمفعول محذوف، و﴿عَمَلًا﴾ بدل منه، من قولهم: بعْتُ الشَّاة شاةً ودرهمًا.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقبلَ توبتَهم، وهي مدلولٌ عليها بقوله: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾.\nقال الكلبي: (عسى) من الله تعالى واجب (^٢)؛ أي: هو إطماعٌ، وإطماع الكريم إيجاب.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٦٥١)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٢٧١)، وابن مردويه كما في \"الكافي الشاف\" (ص: ٨٠) عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) قطعة من الخبر السابق عن ابن عباس.","vol":"4","page":438},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوز عن التَّائب ويتفضَّل عليه.\nقال بعض العلماء: المسيء منَّا إلى مخلوق إذا خافه لم يخلصه من ذلك إلا شيئان: الإنكار والفِرَار، والمسيء في حقِّ الله تعالى لا ينجيه إلَّا شيئان: الإقرار والقَرار.\nقال قائلهم:\nأَقْرِرْ بذنبكَ ثمَّ اطلبْ تجاوُزَه … واعلمْ بأنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنبانِ (^١)\n* * *\n\n<span id=\"aya-1338\"> </span>(١٠٣) - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ روي أنهم لما أُطْلِقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلَّفَتْنا عنك فتصدَّق بها وطهِّرنا، فقال ﵇: \"ما أُمِرْتُ أنْ آخذَ مِنْ أموالِكم شيئًا\"، فنزلَتْ (^٢).\n﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن الذُّنوب، أو حبِّ المال المؤدي لهم إلى مثله، صفةٌ لـ ﴿صَدَقَةً﴾، والتاء للخطاب أو لغيبة المؤنث.\nوقرئ: (تُطْهِرُهُمْ) (^٣) من أَطَهَره بمعنى طَهَّره، وقرئ: (تُطَهِّرْهم) بالجزم جوابًا للأمر (^٤).\n_________\n(^١) بلا نسبة في \"الأغاني\" (١٣/ ١٢٨)، و\"تفسير الثعلبي\" (٣/ ١٧٠)، و\"محاضرات الأدباء\" (١/ ٢٨٥).\n(^٢) قطعة من خبر ابن عباس المتقدم.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٤).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٠٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٦).","vol":"4","page":439},{"text":"ولم يُقرأ: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ إلا بإثبات الياء. والتَّزكيةُ: مبالغةٌ في التَّطهير، وزيادةٌ فيه، أو (^١) الإنماء والبركة في المال.\n﴿بِهَا﴾؛ أي: بالصَّدقة ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: واعطف عليهم وترحَّم بالدُّعاء والاستغفار لهم.\n﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: تسكنُ إليها نفوسُهم، وتطمئنُّ قلوبُهم بأنَّ الله تعالى قَبِلَ توبتَهم. وجمعها لتعدُّد المدعوِّ لهم.\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يسمع اعترافهم بذنوبهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في ضمائرهم من الغمِّ والنَّدم وصدق التَّوبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1339\"> </span>(١٠٤) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الضمير إمَّا للمَتوب عليهم، والمراد: أنْ يُمكَّن في قلوبِهم قَبولُ توبتهم، والاعتداد بصدقاتهم، أو لغيرهم والمراد التَّحضيض عليهما.\n﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ إذا صحَّت، لا رسولُه ولا غيرُه.\n﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ تعدية ﴿يَقْبَلُ﴾ بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمُّنه معنى التَّجاوز.\n﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ إذا صدرَتْ عن خلوص النِّيَّة.\nوأخذها مجاز عن قَبولها، وقَبولُها كناية عن إعطاء الثَّواب في مقابَلته، كما هو شأن الكريم.\n_________\n(^١) في (ف): \"و\".","vol":"4","page":440},{"text":"﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: وأنَّ مِنْ شأنه قَبولُ توبةِ التَّائبين مرَّةً بعدَ أخرى، والتَّفضُّلُ عليهم بالتَّجاوز عمَّا وقع بين التَّوبتَيْن، والواو للعطف على مُقدَّر، كأنَّه قيل: إن الله هو البَرُّ الكريم، تعليل للكناية المذكورة، وحذفُ أداة التَّعليل لأنَّه قياسيٌّ (^١)، وتقديمُه على ما ذكر في تعليل قَبول التَّوبة للتَّقريب بين التَّعليل والمعلَّل مهما أَمْكَن، فتأمَّل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1340\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شئتم، ظاهرُه أمرٌ وباطنُه وعدٌ ووعيدٌ، والخطاب للجميع.\n﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ خيرًا كان أو شرًا، وقد مرَّ بيانُه.\n﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وفي الخبر: لو أنَّ رجلًا عمل في صخرة لا بابَ لها ولا كوَّة، يخرج عمله إلى النَّاس كائنًا ما كان (^٢).\n﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قد مَرَّ بيانُه، وإنَّما أتى هنا بدل (ثم) حرفُ\n_________\n(^١) في (ف): \"مع أن قياسي\"، وفي (ك) و(م): \"مع أنه قياس\". والصواب المثبت. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٣٦١ - ٣٦٢). ثم نقل الشهاب تعقبًا عليه فقال: (وقيل عليه: إنه لا حاجة إلى الاعتذار عن حذف أداة التعليل؛ لإمكان تقديرها في المعطوف عليه المقدر، وكل ذلك من ضيق العطن).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١١٢٣٠)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٣٧٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٥٦٧٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٨٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"4","page":441},{"text":"التَّقريب (^١)؛ لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ؛ ولأنَّ الرَّدَّ عند الموت، وهو محتملٌ في كلِّ آنٍ، والمقام مقام التَّحذير، فلا يناسبه أداة التَّسويف.\n﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وعدٌ في حقِّ المحسن، ووعيدٌ في حقِّ المسيء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1341\"> </span>(١٠٦) - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَآخَرُونَ﴾ من المتخلِّفين ﴿مُرْجَوْنَ﴾ قرئ بالهمزة من أرجأه، وبغير الهمزة من أرجيته (^٢)، ومعناه: مؤخَّرون؛ أي: موقوفٌ أمرُهم.\n﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: إلى أمر الله تعالى في شأنهم.\n﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾؛ أي (^٣): إن أصرُّوا ولم يتوبوا ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابوا.\nوالتَّرديد لنا، ولدفع وهم أن يكون له تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأعمالهم ونيَّاتهم ﴿حَكِيمٌ﴾ بما (^٤) يَفعل بهم، ويدخل فيه أمر التَّأخير دخولًا أوَّليًّا.\nوقرئ: (غفورٌ رحيمٌ) (^٥).\nوالمراد بهؤلاء كعبُ بن مالك وهِلالُ بن أميَّة ومُرارةُ بن الرَّبيع، أمرَ\n_________\n(^١) في (ك): \"للتقريب\".\n(^٢) قرأ بالهمز ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بغير همز. انظر: \"التيسير\" (ص:١١٩).\n(^٣) \"أي\" سقط من (ك).\n(^٤) في (م): \"فيما\".\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٠٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٧).","vol":"4","page":442},{"text":"رسولُ اللهِ ﷺ أصحابَه ﵃ أن لا يسلِّموا عليهم ولا يكلِّموهم، فلمَّا رأوا ذلك أخلصوا نيَّاتهم، ونصحت توبتهم، فرحمهم الله تعالى (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1342\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ عطف على ﴿وَآخَرُونَ﴾، أو نصب على الذَّم، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهم الذين، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: وفيمن وصفنا الذين اتخذوا.\nوالواو عاطفة الجملة على الجملة (^٢).\nوقرئ بغير الواو (^٣)، فاحتَمَل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ﴾، وأن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأً محذوفَ الخبر.\nو﴿تَّخَذُوا﴾ هنا تعدَّى إلى واحد (^٤) كما في قوله: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ١٤]؛ أي: عَمِلته.\n﴿ضِرَارًا﴾؛ أي: مُضارَّة، مفعولٌ لأجله، لمَّا ذكر طرائق ذميمة لأصناف المنافقين\n_________\n(^١) روى حديثهم مطولًا البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، من حديث كعب بن مالك ﵁.\n(^٢) \"على الجملة\"من (م).\n(^٣) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٩).\n(^٤) في (ك): \"لواحد\".","vol":"4","page":443},{"text":"أقوالًا وأفعالًا، ذكر أنَّ منهم مَن بالغ في الشَّرِّ حتى ابتنى مجمعًا للمنافقين يرتِّبون ما شاؤوا فيه من الشَّرِّ، وسمَّوه مسجدًا.\n﴿وَكُفْرًا﴾: وتقويةً للكفر الذي يُضْمِرونه.\nرُوي أن بني عمرو بن عوف لمَّا بنوا مسجد قُبَاء سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم، فأتاهم فصلَّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجدًا على قصد أن يؤمَّهم فيه ابن عامر الرَّاهب إذا قدم من الشَّام (^١).\n﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المجتمعين على الصَّلاة في مسجد قباء؛ لأنهم أرادوا أن يتفرَّقوا عنه وتختلفَ كلمتهم.\n﴿وَإِرْصَادًا﴾: وترقبًا ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ﴾: لأَجْل مَن حارب الله (^٢) يعني: الرَّاهب، فإنَّه قال لرسول الله ﷺ يومَ أُحُد: لا أجد قومًا يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم، فلم يزل يقاتله ﵇ إلى يوم حنين، انهزم مع هوازن، وهرب (^٣) إلى الشَّام، ليأتيَ من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله ﷺ، ومات بقِنَّسْرين وحيدًا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٠٩)، وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ٨١): (لم أجده بهذا السياق إلا في الثعلبي بلا إسناد، وليس صدره بصحيح فإن مسجد قباء كان قد أسس والنبي ﷺ بقباء أول ما هاجر، وبني مسجد الضرار وكان في غزوة تبوك فبينهما تسع سنين). قلت: وفي ذكر أن الباعث على بنائه حسدهم لإخوانهم نظر، فإن الله سبحانه قد أخبرنا أنهم بنوه ضرارًا وكفرا وتفريقا، ولو كان ذلك لمجرد الحسد لما بالغ القرآن في ذمهم، والرسول ﵇ في هدمه وتحريقه كما سيأتي.\n(^٢) \"لأجل من حارب الله\" من (م).\n(^٣) \"وهرب\" سقط من (ك).\n(^٤) انظر: \"سيرة ابن هشام\" (١/ ٥٨٥)، و\"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٩٢)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٤٩٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣١٠). وقنسرين بكسر القاف وفتح النون المشددة فتحها أبو عبيدة سنة (١٧ هـ)، وكانت هي وحمص شيئًا واحدًا. انظر: \"معجم البلدان\" (٤/ ٤٠٣).","vol":"4","page":444},{"text":"﴿وَرَسُولَهُ﴾ ذِكْرُ اللهِ تعالى تمهيدٌ لتعظيم أمر محاربته ﵇.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿حَارَبَ﴾، أو بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أي: اتخذوا مسجدًا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتَّخلف؛ لِمَا رُوي أنه بُنِيَ قُبيلَ غزوة تبوك، فسألوا رسول الله ﷺ أن يأتيه فقال: \"أنا على جَناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله صلَّينا فيه\"، فلما قفلَ كُرِّر عليه، فنزلَتْ، فدعا بجماعة منهم الوحشيُّ، فقال لهم: \"انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهدِموه وأَحْرقوه، ففُعِلَ، واتُّخِذَ مكانه كناسةً (^١).\n﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى، أو: الإرادة الحسنى، وهي الصَّلاة والزَّكاة والتَّوسعة على المصلِّين، فإنَّهم قد قالوا لَمَّا أتوا رسول الله ﷺ بعدما أتمُّوا بناءه: إنَّا قد بنيناه مسجدًا لذي الحاجة والعلَّة واللَّيلة المطيرة والشَّاتية (^٢). ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في حَلِفهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1343\"> </span>(١٠٨) - ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾.\n﴿لَا تَقُمْ فِيهِ﴾ أراد القيام للصَّلاة، كما في قوله ﵇: \"مَنْ صامَ رمضانَ وقامَه\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"سيرة ابن هشام\" (٢/ ٥٣٠)، وروى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ٦٧٣) عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة.\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٩٧).\n(^٣) رواه أبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٦٨٣)، وابن ماجه (١٣٢٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"4","page":445},{"text":"﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ يعني: مسجدَ رسول الله ﷺ أُسِّسَ لإحياء دين الله تعالى وإظهار شريعته التي لا يقوم بها إلَّا مَنِ اتَّقى اللهَ تعالى.\nقال أبو سعيد الخدري وأبيُّ بن كعب ﵁: قال النَّبي ﵇: \"هو مسجدي هذا\" (^١).\n﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ من أيَّام وجوده.\nوقيل: هو مسجد قُباء؛ لأنَّه (^٢) أوفق للقصَّة.\nوالأوَّل هو الوجه؛ لأنَّه لا نظر مع الحديث (^٣)؛ ولأنه أوفق لقوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ أولى بأن تصلِّي فيه.\n﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ التَّنكير للتَّعظيم ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من المعاصي والخصال المذمومة؛ طلبًا لمرضاة الله تعالى، وقيل: من الجنابة فلا ينامون عليها.\nاستئنافٌ تعليليٌّ يتضمَّن الإشارة إلى أن صلاح جماعة من أسباب ترجيح الصلاة في مسجدهم.\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يرضى عنهم ويُدْنيهم من جَنابه إدناءَ المحبِّ حبيبَه.\nروي أنَّه ﵇ قال: \"يا معشر الأنصار، رأيت الله قد (^٤) أثنى عليكم\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩)، والنسائي (٦٩٧)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. واللفظ للترمذي والنسائي.\nورواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١١٠٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٢٨٤) وصححه، من حديث أبي بن كعب ﵁.\n(^٢) في (ف) و(م): \"لأنَّه هو\".\n(^٣) في النسخ: \"لا نظر مع نظر\"، والصواب المثبت. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٨٢).\n(^٤) \"قد\" من (م).","vol":"4","page":446},{"text":"بالطُّهور، فماذا تفعلون عند الغائط؟ \" فقالوا (^١): نُتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نُتبع الأحجار الماء فتلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1344\"> </span>(١٠٩) - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾؛ أي (^٣): بنيانَ دينِه.\n﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾: على قاعدةٍ محكَمة هي التَّقوى من الله تعالى وطلبُ مرضاته بالطَّاعة.\n﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ على قاعدةٍ هي أضعف القواعد وأرخاها.\nالشَّفا: الحَرْف والشَّفير.\n_________\n(^١) في (م): \"قالوا\".\n(^٢) روى نحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٥٤٨٥)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٨٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٣٤٨)، من حديث عويم بن ساعدة الأنصاري ﵁.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢١٢): رواه أحمد والطبراني في الثلاثة، وفيه شرحبيل ابن سعد، ضعفه مالك وابن معين وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان. وقال الحافظ في \"التقريب\": وفي سماعه من عويم نظر.\nوروى نحوه أيضًا ابن ماجه (٣٥٥)، والدارقطني في \"السنن\" (١٧٤) من حديث أبي أيوب وأنس وجابر ﵃. وصعفه الحافظ في \"التلخيص الحبير\" (١/ ١١٣).\nوأصل استنجاء أهل قباء بالماء عند أبي داود (٤٤)، والترمذي (٣١٠٠)، وابن ماجه (٣٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) \"أي\" سقط من (ك).","vol":"4","page":447},{"text":"وجُرُفُ الوادي: جانبه الذي جَرَف أصلَه السُّيولُ وتحفَّر بالمياه فبقي واهيًا، من الجَرْف، وهو انقلاع الشَّيء من أصله.\nوالهاري (^١): الهائر، وهو المتصدِّع الذي أَشْفَى على الهدم والسقوط.\nلَمَّا استعار الجُرُف الهائر لمقابل التَّقوى من الباطل الذي هو الفجور والنِّفاق والضِّرار على أنه (^٢) شبَّه الحق الذي هو التَّقوى بقاعدة محكمة قويَّة على طريق الاستعارة بالكناية، ولهذا نكَّر التَّقوى للتَّعظيم، ووصفها بكونها من الله تعالى، ثمَّ رشَّح الاستعارة بقوله:\n﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ فإنَّ الجُرُف الهائر سهل الانهيار لخَوَره وقلَّة ثباته واستمساكه، وهو تصويرٌ لسرعة أداء الباطل إلى هُوِيِّ صاحبه في قعر جهنَّم كأنه بني على جُرُفِ وادٍ من أودية جهنم (^٣) جرفَ أصلَه السيلُ.\nويُفهم منه أنَّ تأسيس الذي يقابله على أمر يحفظه عن النَّار ويوصله إلى الرِّضوان الذي أدنى مقتضياته الجنَّة، ولذلك عُطف الرِّضوانُ على التَّقوى، وجُعِلا كأنهما أمران متلازمان ونكِّرت التقوى (^٤)؛ إشعارًا بأن تلازمهما بحيث كلُّ ما يلزم أحدهما يلزم الآخر.\nولا نرى أبلغ من هذا الكلام ولا أدلَّ على المقصود من المقام منه. وإنما لم يقل: (فوقع في نار جهنم)؛ لأنَّه ما دام حيًّا أمكنه أن يخلص فيتخلَّص ولا يقع فيها.\n_________\n(^١) في النسخ: \"والهار\"، والصواب المثبت.\n(^٢) قوله: \"على أنه\" كذا وقع في النسخ، ولعل الأحسن حذفه، أو أن في الكلام سقطًا، ويكون الكلام هكذا: (على أنه مَثَلٌ في قلة الثبات والاستمساك).\n(^٣) \"كأنه بني على جرف واد من أودية جهنم\" من (م).\n(^٤) \"ونكرت كالتقوى\" من (م).","vol":"4","page":448},{"text":"﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يهديهم من حيث هم ظالمون إلى ما فيه صلاح ونجاة، وقد مَرَّ أنَّ نفي الهداية في مثل هذا على طريقة تنزيل ما لا أثر له منزلةَ العدم، وإلَّا فالله هادي الكلِّ إلى مصالحهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1345\"> </span>(١١٠) - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾: بناؤهم الذي بنوه، مصدرٌ أُريدَ به المفعول، وقيل: هو جمع واحدُه: بنيانةٌ، وحينئذ يكون ﴿الَّذِي﴾ بمعنى: الذين.\nوالإخبار بقوله: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ عن المضاف المحذوف؛ أي: بناء بنيانهم الذي بنوها سببَ ريبة؛ فإنَّه حملهم على ذلك، ثمَّ لَمَّا هدمَه رسولُ اللّه - صلى اللّه تعالى عليه وسلم - رسخَ ذلك في قلوبهم، وازدادوا نفاقًا بحيث لا يزول وَسْمه من قلوبهم.\n﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قِطَعًا، بحيث لا يبقى لها قابليةُ الإدراك والإضمار (^١)، فالتقطيع تصوير لامتناع زوال السّكر (^٢) عن القلوب مع بقائها، وأن زواله (^٣) لا يكون إلا بزوالها (^٤)، وهو في غاية المبالغة.\nوالاستثناء من أعمِّ الأزمنة؛ أي: وقتَ أن تقطَّع. وهو في محل النَّصب على الظَّرف.\n_________\n(^١) في (ف): \"قابلية الإضمار أو الإدراك\".\n(^٢) في (م): \"الشكر\"، وفي (ف): \"التنكير\". وقوله: \"السكر\" إن كان بفتح السين والكاف فيحتمل الغيظ والغضب، وكذا كل ما يُسكر فهو سَكَرٌ، وإن كان بكسر السين وسكون الكاف فالمراد: ما يسد تلك القلوب ويمنعها عن الإيمان.\n(^٣) في (م): \"زوالها\".\n(^٤) في (ف): \"بزواله\"، وفي (ك) و(م): \"بزوال\". والصواب المثبت.","vol":"4","page":449},{"text":"ويجوز أن يكون المراد حقيقةَ التَّقطيع بالقتل، أو في القبور، أو في النَّار.\nوقيل: معناه: إلَّا أن يتوبوا توبةً تتقطَّع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم.\nوقرئ بحرف الانتهاء (^١)، و﴿تَقَطَّعَ﴾ بمعنى تَتَقطَّع (^٢).\nوقرئ: (يُقَطَعَ) بالياء، و(تُقْطَعَ) بالتَّخفيف، و(تُقَطِّعَ) على خطاب الرَّسول ﷺ أو كلِّ مخاطب (^٣).\nوقرئ: (ولو قطعت) على البناءين (^٤).\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بضمائر العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ في التَّمييز بين أهل الصَّلاح وأهل الفساد.\nفيدخل في الأول بناؤهم وفي الثانية الأمرُ الوارد في حقِّهم دخولًا أوَّليًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1346\"> </span>(١١١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ\n_________\n(^١) يقصد بحرف الانتهاء: (إلى). ونسبت هذه القراءة إلى الحسن. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٤٥٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣١٣).\nوقرأ بها أيضًا يعقوب مع الإمالة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨١).\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر وحمزة وحفص. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٠).\n(^٣) انظر هذه القراءات في \"الكشاف\" (٢/ ٣١٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٨٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٨)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٤٣٧).\n(^٤) نسب إلى ابن مسعود أنه قرأ: (ولو قُطِّعَتْ قلوبُهم) على إسناد الفعل مجهولا إلى (قلوبهم). انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٤٥٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣١٣). ونسب إلى طلحة أنه قرأ: (ولو قطَّعْتَ قلوبَهم) على خطاب النبي أو كل مخاطب. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣١٣)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٤٣٨). وأورد ابن خالويه عن طلحة أنه قرأ: (حتى تقطع قلوبهم). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٥).","vol":"4","page":450},{"text":"وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ استعار الاشتراء لإثابتهم الجنة على بذل الأموال والأنفس في سبيل الله تعالى.\nولم يقل: (بالجنَّة)؛ مدحًا لهم باعتبار أنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم (^١) بمجرد الوعد، وفيه كمال ثقتهم بوعده تعالى، وأيضًا تمامُ الاستعارة المذكورة به؛ إذ لا بُدَّ لها من قرينةٍ مانعةٍ عن إرادة الحقيقة، ولو قيل: (بالجنة) لم تُوْجَد تلك القرينة؛ لأنَّ الجنَّة صالحةٌ لأنْ تكون أَحَدَ العِوَضَيْن، بخلاف الوعد بها.\n﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استئناف لبيان الاشتراء، لا لبيان ما لِأَجْلِه الشِّراء.\nوقيل: خبر بمعنى الأمر، كقوله: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١] إظهارًا لاهتمامهم بالمأمور به، كأنهم سارَعوا إلى الامتثال، فأخبر عنه، فعلى هذا يكون الاشتراء تمهيدًا له.\n﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ تفصيل لمقاتَلتهم (^٢)، وبيانٌ لإحرازهم فضيلتي الجهاد.\nوقرئ بتقديم المبني للمفعول (^٣)، ومبناه على إسنادِ فعل البعض إلى الكلِّ، وفيه دلالة على ثبات قلوبهم وجرأتهم (^٤) على العدوِّ، حيث لم ينكسروا بأن قُتِلَ بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) \"وأموالهم\" زيادة من (م).\n(^٢) في (م): \"لمقاتلهم\"، وفي هامشها إشارة لنسخة: \"لمقاسيهم\".\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٣).\n(^٤) في (م): \"جرأتهم\".\n(^٥) قرأ الكوفيون وابن عامر: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ﴾، وقرأ الباقون: (قُتِلَ) بضم القاف وكسر التاء من غير=","vol":"4","page":451},{"text":"وقيل في توجيهه: إنَّ الواو لا توجب التَّرتيب. ولا (^١) يجدي؛ لأنَّ تقديمَ ما حقُّه التَّأخير لا يكون بسلامة الأمر (^٢).\n﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدر مؤكِّد لما دلَّ عليه قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾.\n﴿حَقًّا﴾ صفته ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ أي: أوحى به إلى أنبيائه ﵈، وأثبته في كتبه.\n﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ مبالغة في إنجاز الوعد، وتقريرٌ لكونه حقًّا.\n﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فافرحوا به غاية الفرح؛ فإنَكم تبيعون فانيًا بباقٍ، وتأخذون ثمنًا من مشترٍ (^٣) بمبيع هو (^٤) ملكه وحقُّه.\nخاطبهم على سبيل الالتفات؛ تشريفًا لهم.\nواستبشر: فِعْل جاء فيه استَفْعَلَ بمعنى أفْعَلَ، وليس هذا من معنى الطلب في شيءٍ؛ كعَجِبَ واستَعْجَب (^٥).\n﴿وَذَلِكَ﴾ البيع ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾؛ لأنَّه الوصول إلى الحظِّ الأغبط من حَطِّ الذُّنوب ودخول الجنَّة بلا حساب.\n_________\n= ألف. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٠).\n(^١) في (ف) و(م): \"ولا هو\" والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٣٦٨)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٥٣٠).\n(^٢) كذا في النسخ، والذي في المصدرين السابقين: (بسلامة الأمير)، وهي كلمة استعملها الشهاب كثيرا في \"حاشيته\".\n(^٣) في النسخ: \"مشترى\"، والصواب المثبت.\n(^٤) في (ف) و(ك): \"وهو\".\n(^٥) \"واستعجب\" زيادة من (م) و(ك).","vol":"4","page":452},{"text":"<span id=\"aya-1347\"> </span>(١١٢) - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿التَّائِبُونَ﴾ رفعٌ على المدح؛ أي: هم التَّائبون، والمراد بهم المؤمنون المذكورون، والدليل عليه قراءة: (التائبين) إلى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾ نصبًا على المدح، أو جرًّا صفةً للمؤمنين (^١).\nويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف؛ أي: التائبون الموصوفون بهذه الصِّفات من أهل الجنَّة وإن لم يجاهدوا؛ لقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، أو خبره.\n﴿الْعَابِدُونَ﴾ وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الصِّفات، ﴿الْعَابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله تعالى وحده مخلصين له الدِّين.\n﴿الْحَامِدُونَ﴾ لنَعمائه، أو لِمَا نالهم من السَّرَّاء والضَّرَّاء.\n﴿السَّائِحُونَ﴾؛ أي: الصَّائمون؛ لقوله ﵇: \"سياحةُ أمتي الصيام\" (^٢)، شُبِّهَ بها من حيث إنَّه يعوِّق عن الشَّهوات، أو لأنَّه رياضة نفسانيَّة يُتوصَّل بها إلى الاطِّلاع على خفايا المُلك والملكوت.\nأو: السَّائرون للجهاد، أو طلب العلم.\n_________\n(^١) نسبت هذه القراءة إلى ابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٥).\n(^٢) رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٣١٧)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٣٨)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقال العقيلي: فيه حكيم بن خذام كان يرى القدر، منكر الحديث. ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١١/ ١٢) عن أبي هريرة موقوفًا، وصوب وقفه ابن كثير عند تفسير هذه الآية.","vol":"4","page":453},{"text":"﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ في الصَّلاة.\n﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمان والطاعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ عن الشرك والمعاصي. والعاطف فيه (^١) للدلالة على أنهما بمنزلةِ خصلةٍ واحدة، كأنه قال: والجامعون بينهما.\nوفي (^٢) قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾؛ أي: فيما بيَّنه وعيَّنه من الحقائق والشَّرائع؛ لأنَّه من تمام تلك الخصلة، فإنَّ مَنْ لم يصدِّق فعلُه قولَه (^٣)، ولم يوافق حالُه مقالَه، لا يجدي أمرُه نفعًا، ولا يفيد نهيُه رَدْعًا.\nومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: إنه للتَّنبيه على أن ما قبله مفصَّل الفضائل وهذا مجمَلُها، وليت شعري ما وجه الدلالة في العاطف على هذا؟!\nوقيل: إنه للإيذان بأنَّ التَّعداد قد تمَّ بالسَّامع، من حيث إنَّ السَّبعة هو العدد التَّام، والثَّامن ابتداءُ تعداد آخر معطوفٍ عليه، ولذلك تُسمَّى واوَ الثَّمانية. وتقف بإذن اللّه تعالى على ما فيه في موضعه.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني بهم: هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل (^٤).\nووضعُ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ موضعَ ضميرهم إشعار بأنَّ الإيمان هو الباعث على هذه الخِصال، وأن الكامل في الإيمان مَن كان على الصِّفات المذكورة، وحُذف المبشَّر\n_________\n(^١) \"فيه \"من (م).\n(^٢) في (م): \"في\". والصواب إثبات الواو؛ لأنَّه معطوف على: \"فيه\"، أي: (والعاطف فيه للدلالة … والعاطف في قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ﴾ … لأنَّه من تمام …)\n(^٣) في (م): \"قولًا\".\n(^٤) \"بتلك الفضائل\" سقط من (ك).","vol":"4","page":454},{"text":"به للتَّعظيم؛ كأنَّه قيل: وبشرهم لما (^١) يجلُّ عن الوصف وإحاطةِ الإفهام والتَّعبيرِ عنه بالكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1348\"> </span>(١١٣) - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ فائدة دخول ﴿كَانَ﴾ المبالغةُ (^٢) في نفي الفعل الدَّاخلةِ هي عليه بتعديد جهة نعته، عمومًا باعتبار الكون، وخصوصًا باعتبار الاستغفار مثلًا.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾: أن (^٣) يطلبوا المغفرة لهم.\n﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ روي أنَّه ﵇ قال لأبي طالب لَمَّا حضره الوفاة: \"قل كلمةً أحاجُّ بها عند اللّه\"، فأبى، فقال ﵇: \"لا أزال أستغفر لك ما لم أُنْهَ عنه\" فنزلت (^٤).\nوفيه: أنَّ موتَ أبي طالب كان قبل الهجرة، وهذا آخر ما نزلت بالمدينة.\nلا يقال: ما ذكر إنَّما يتمُّ أن (^٥) لو كان نزول الآية عقيب موت أبي طالب، وليس بلازم؛ لجواز أن يكون النبي ﵇ يستغفر له إلى وقت نزول الآية=\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"بما\".\n(^٢) في (ك): \"للمبالغة\".\n(^٣) في (م): \"أي\".\n(^٤) رواه البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤)، من حديث المسيب بن حزن ﵁.\n(^٥) \"أن\" سقط من (ك).","vol":"4","page":455},{"text":"لأنَّا نقول: الظاهر من قوله (^١): (فنزلت) إنَّما هو التَّعقيب بلا تراخٍ (^٢).\nوإنما قال: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾ دون: الكافرين؛ لأنَّ منهم مَن هو معذور؛ كالذي لم تبلغه الدَّعوة، فلا نهي عن الاستغفار لهم.\nوذكر الكلبي: أنَّ النَّبيَّ ﷺ زارَ قبر أمِّه في ألف فارس وهو يريد أن يستغفرَ لها، فلمَّا قام عند قبرها فإذا هو بجبريل ﵇، فوضع يده على صدره، وتلا هذه الآية، فبكى النبي ﷺ وبكى المسلمون، فما رؤي يومًا (^٣) أشد باكيّا من يومئذ (^٤).\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ لا بموتهم على الشِّرك خاصَّة، بل به وبنزول الوحي فيه، فلا يختصُّ النَّهي بالذين ماتوا على الشرك، وإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ لعدم المنع عن الاستغفار قبل ذلك؛ لأنَّه طلب التَّوفيق للإيمان اقتضاء، ومَن قال بحجيَّة المفهوم اتخذه دليلًا على جواز الاستغفار للأحياء من الكفار مطلقًا.\n_________\n(^١) في (ك): (قول)، وفي (م): \"قول الراوي\".\n(^٢) ويمكن أن يقال: إن الفاء للسببية لا للتعقيب، يعني أن قوله: (فنزلت) لا يراد به أن النزول كان عقيب القول، بل يراد أن ذلك سبب النزول. انظر: \"روح المعاني\" (١٠/ ٥٣٩).\n(^٣) \"يومًا\" من (م).\n(^٤) لم أقف عليه بهذا السياق، والكلبي كذاب متروك، لكن روى مسلم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، فقال: \"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت\". وليس فيه أن الآية نزلت في ذلك، لكن روي عن ابن مسعود نحو هذه القصة على أنها سبب نزول الآية، رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ١٨٩٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٢٩٢)، والبيهقي في \"الدلائل\" (١/ ١٨٩).","vol":"4","page":456},{"text":"ولَمَّا ورد النَّهي عن الاستغفار للمشركين قال النَّاس: إن إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه المشرك (^١)، فنزلت هذه الآية (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1349\"> </span>(١١٤) - ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ يعني: بعد موته على الشرك؛ لأن الاستغفار له قبل الموت لا يصلح متمسَّكًا للقائل المذكور - وذلك ظاهر - فلا ينطبق سببُ النزول.\n﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ وقرئ: (أباه) (^٣)؛ أي: وعدها إبراهيم ﵇ بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧]، فأنجز وعده؛ فإن إنجاز الوعد واجب، ولم يكن موته على الشرك ظاهرًا حينئذ (^٤) عنده ﵇، كما هو الظاهر من قوله تعالى:\n﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ وهذا التَّبيين عنده ﵇ كان يومَ الجزاء على ما ورد في الحديث الصحيح (^٥).\n_________\n(^١) \"المشرك\" من (م).\n(^٢) رواه بنحوه النَّسَائِيّ (٢٠٣٦)، والترمذي (٣١٠١) وحسنه، من حديث علي ﵁.\n(^٣) نسبها ابن خالويه لحماد الراوية ثم قال: ويقال: إنه صحفه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (٥٥).\n(^٤) \"حينئذ\"سقط من (ك).\n(^٥) لعله يقصد ما رواه البخاري (٣٣٥٠) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: \"يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا=","vol":"4","page":457},{"text":"﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ولم يطلب مغفرته بعد ذلك.\n﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ استئناف لبيان ما حمله ﵇ على الاستغفار لأبيه.\n﴿لَأَوَّاهٌ﴾ فعَّالٌ (^١) من أَوَّهَ، وهو الذي يُكثر التَّأوُّه؛ أي: الترحُّم والتعطُّف، ولكثرة تأوُّهِهِ كان يتعطَّف لأبيه المشرك.\n﴿حَلِيمٌ﴾: صبورٌ على الأذى، ولذلك كان يحلم عن أبيه ويتحمَّل أذاه ويستغفر له مع شكاسة خلقه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1350\"> </span>(١١٥) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ قد مرَّ وجه زيادة ﴿كَانَ﴾ في مثل هذا المقام.\n﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾: ليَخْلقَ فيهم الضَّلالة، ومَن قال: يسمِّيهم ضلَّالًا، فقد دسَّ فيه مذهب الاعتزال.\n﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ للإِسْلَامِ ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ بالنَّهي عبارةً أو دلالةً ﴿مَا يَتَّقُونَ﴾: ما يجب اتِّقاؤه؛ أي: ليس من شأنه تعالى تكليفُ الغافل، فالمهتدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات الشرع إنما يكون ضالًا إذا كان إقدامه\n_________\n= تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول اللّه تعالى: \"إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر، فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار\".\n(^١) في (م): \"يقال\".","vol":"4","page":458},{"text":"عليه بعد بيان حظره (^١)، وكأنه عذر الرسول ﷺ في الإقدام (^٢) على استغفار أمِّه.\nوفيه دليل على أن تكليف الغافل غير واقع في شرائع الأنبياء ﵈.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم حاجة الغافل إلى البيان فيَعذره، وهو تتميمٌ للبيان المذكور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1351\"> </span>(١١٦) - ﴿إِنّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ﴾ خاصَّة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شريك له ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: يَهدي ويُضل ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nلمَّا منعهم من الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى، وأشار بقوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ إلى وجوب التَّبرِّي منهم بعد ما تبيَّن حالهم، بيَّنَ أن المُلك والحول والقوة كلَّها لله تعالى، وأنَّه الهادي والمضل، ولا ولاية ولا نصرة لهم إلَّا منه؛ ليتولَّوه ويتوجَّهوا إليه بشراشرهم (^٣)، ويتبرؤوا عمَّا عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"خطره\".\n(^٢) \"في الإقدام\" من (م).\n(^٣) في (ف) و(م): \"بسرائرهم\". و(بشراشرهم)؛ أي: بجملتهم وكليتهم. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ٣٧١).","vol":"4","page":459},{"text":"<span id=\"aya-1352\"> </span>(١١٧) - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال ابن عباس ﵁: هو (^١) العفو عن إذنه للمنافقين بالتَّخلُّف عنه (^٢).\n﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ قيل: هو في حقِّ زلَّات سبقَتْ منهم يوم أُحُد وحُنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. ففيه بعث للمؤمنين على التَّوبة.\nوالمعنى: ما من أحدٍ إلا وهو محتاجٌ إلى التَّوبة حتى النبيُّ ﵇ والمهاجرون (^٣) والأنصار ﵃؛ لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾، إذ لا أحد إلا وله حالٌ سينتقِص ما هو فيه بالنسبة إليها، فالتَّرقي منه إليها توبة (^٤) من تلك النقيصة.\nوفيه بيانٌ لفضلها وشرفها بأنها مقام الأنبياء ﵈ والصَّالحين رحمهم اللّه تعالى.\n_________\n(^١) في (م): \"وهو\".\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٠/ ٤٠٧).\n(^٣) في النسخ: \"والمهاجرين\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣١٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٠)، و\"البحر\" (١١/ ٤٥٢).\n(^٤) في (ك): \"توبته\". وعبارة البيضاوي: (إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٠)","vol":"4","page":460},{"text":"قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: كانت السُّورة تدعى الفاضحة، فلما نزلت هذه الآية سُمِّيَتْ بها: سورةَ التَّوبة.\n﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ أي: اتَبعوا أمره ﵇.\n﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ في وقتها؛ فإن السَّاعة في اللغة بمعنى مطلق الزَّمان، والعسرة: الضِّيق والشِّدة والعدم، وهي حالهم في غزوة تبوك، كانوا في عسرة الظَّهر يَعتقِب العشرة على بعير واحد، والزَّادِ حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة، والماءِ حتى نحروا الإبل واعتصروا فُروثها، في شدَّة زمانٍ في حرارة القيظ.\n﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ﴾؛ أي: بعدما قاربوا من الميل عن اتِّباع الرَّسول ﷺ في تلك الغزوة، وإنما أسند زيغهم إلى القلب إظهارًا لكونه بمعنى الميل القلبي لا بمعنى الانحراف القالبي.\n﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المتَّبعين له ﵇.\nوفي ﴿كَادَ﴾ ضمير الشَّأن، أو ضمير القوم، والعائد عليه الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾.\nلم يقل: زاغت، بل قال: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾، ولم يقل: قلوبهم، بل قال: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾؛ تنبيهًا على شركة كلهم في القرار على عدم الثبات في مثل (^١) تلك الحال، وامتيازِ جلِّهم عن الباقين بقوة الثبات.\nوفيه إشارة إلى جهة استحقاقهم لِأَنْ يتوبَ الله تعالى عليهم.\nوما في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الإبهام؛ لإيهام أنهم ليسوا من المهاجرين والأنصار\n_________\n(^١) \"مثل\" من (م).","vol":"4","page":461},{"text":"لعدم انحصار المتَّبعين له ﵇ فيهما، ما لا يخفى من التَّعظيم لشأنهما، والترفيع لمكانهما عن مَظِنة التَّشنيع.\n﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ على الفريق الذي كاد يزيغ قلوبهم لكيدودتهم، وعلى قراءة عبد الله: (من بعد ما زاغَتْ) (^١) لزيغهم، وما تقدَّم في حقِّ زلَّاتٍ سبقت من المهاجرين والأنصار في يوم أُحُد وحُنين لا يغني عن هذا، فلا تكرير.\nوفي عبارة التراخي إشارةٌ إلى تأخُّر عفوهم [لا] (^٢) إلى تخلُّل الكفر بينه وبين جريمتهم.\n﴿إِنَّهُ بِهِمْ﴾ استئناف تعليلي ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والجمع بين الاسمين للمبالغة والتأكيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1353\"> </span>(١١٨) - ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ﴾ هم الذين تقدم فيهم: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، معطوفٌ على قوله: ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾.\n﴿خُلِّفُوا﴾: أُخِّروا وتُرِك أمرهم، لم تقبل منهم معذرة ولا رُدَّت عليهم، فكأنَّهم خُلِّفوا عن المعتذرين ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: برُحْبها؛\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٩٣)، و\"البحر المحيط\" (١١/ ٤٥٦).\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"4","page":462},{"text":"لإعراض النَّاس عنهم (^١) بالكليَّة، وهو مَثَلٌ لشدة الحيرة.\n﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: قلوبهم من فرط حيرة الوحشة والغَمِّ، بحيث لا يسعها أُنْسٌ ولا سرورٌ.\n﴿وَظَنُّوا﴾: وعلموا ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ من سخطه ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ بالتوبة والاستغفار.\nجاءت هذه الجملة في كنف (^٢) ﴿إِذَا﴾ في غاية الحسن والتَّرتيب؛ حيث ذكرَ أوْلًا ما هو كنايةٌ عن ضيق المحل، وثانيًا ما هو كنايةٌ عن ضيق الحال، والأوَّل لا يغني عن الثَّاني لأنَّه قد يضيق المحل (^٣) وتكون النَّفس منشرحة، وثالثًا ما هو كنايةٌ عن اليأس عن النَّاس، والانقطاع إلى الله تعالى.\nو﴿حَتَّى إِذَا﴾ كلمةُ غايةٍ، تقديره: وخلِّفوا إلى هذه الغاية.\n﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: وفَّقهم للتوبة ﴿لِيَتُوبُوا﴾ أو: أنزل قَبول توبتهم - بقرينة الاستئناف - ليصيروا من جملة التَّوابين، أو: رجع عليهم بالقَبول والرَّحمة مرَّة بعدَ أخرى ليستقيموا على توبتهم بقرينة الاستئناف (^٤)، للتَّعليل بقوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب ولو عاد في يوم ألفَ مرة.\n_________\n(^١) \"عنهم\" من (م).\n(^٢) في (م)، و(ك): \"كيف\".\n(^٣) قوله: \"وثانيًا ما هو كناية عن ضيق المحل والأول لا يغني عن الثاني لأنَّه قد يضيق المحل\" ليس في (م).\n(^٤) \"ليصيروا من جملة التوابين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم بقرينة الاستئناف\" سقط من (ك).","vol":"4","page":463},{"text":"﴿الرَّحِيمُ﴾ المتفضِّل عليهم بأصناف النِّعم، وهم (^١) المستحقُّون بأنواع النِّعم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1354\"> </span>(١١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما لا يرضاه.\n﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا في دين الله تعالى نيَّةً وقولًا وعملًا، أو في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله ﵇ على الطَّاعة، أو في توبتهم وإنابتهم، فيكون المراد هؤلاء الثلاثةَ وأضرابهم.\nوقرئ: (مِنَ الصَّادقِيْنَ) (^٣)، ونسبة القراءتين (^٤) إلى المعاني المذكورة على السَّواء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1355\"> </span>(١٢٠) - ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: ما صحَّ وما جاز لهم.\n_________\n(^١) في (ف): \"وهو\".\n(^٢) كذا وقعت العبارة في النسخ، وجاء في \"تفسير أبي السعود\" (٤/ ١٠٩)، و\"روح المعاني\" (١٠/ ٥٥٨):) المتفضل عليهم بفنون الآلاءِ مع استحقاقهم لأفانينِ العقاب).\n(^٣) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٢٦٢)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٥١٤).\n(^٤) في (ك): \"القراءة\".","vol":"4","page":464},{"text":"﴿وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ كمُزينة وأشجعَ وجُهينة وغِفار.\n﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التَّخلف عن رسول اللّه ﷺ في غزوه، ويُفهَم منها الأمر على أبلغ وجه بملازمته ﵇ أينما توجَّه غازيًا، وبذل النُّفوس دونه.\n﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: ولا أن يرغبوا، عطفًا على الأول.\nو(رغب) إذا تعدَّى بـ (في) أو الباء يفيد معنى الطَّلب، وإذا تعدَّى بـ (عن) يفيد معنى التَّرك والإعراض.\nومآل المعنى: ولا يرضوا أن يكونوا في خفضِ عيشٍ (^١) ودَعَةٍ ورسولُ اللّه ﷺ في شدَّةٍ ونَصَب.\nروي أن أبا خيثمة بلغ بستانه، وكانت له امرأة حسناء، فرشَّت له في الظِّل، وبسطت له الحصير، وقرَّبت إليه (^٢) الرُّطب والماء البارد، فقال: ظلٌّ ظليل، ورُطَبٌ يانع، وامرأة حسناء، ورسول الله ﷺ في الضَّحِ والرِّيح (^٣)! ما هذا بخير. فقام فرحَل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومرَّ كالرِّيح، فمدَّ رسولُ اللّه ﷺ طرفه إلى الطَّريق فإذا براكب يزهاه السَّراب، فقال: \"كن أبا خيثمة\" (^٤)، فكأنه، ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له.\n_________\n(^١) \"عيش\" من (ك).\n(^٢) في (ف): \"له\".\n(^٣) في (م): \"والرمح\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣١٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠١). ورواه البيهقي في \"الدلائل\" من طريق ابن إسحاق عن عبد بن أبي بكر بن حزم: أن أبا خيثمة …، وهو في \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٢/ ٥٢٠) عن ابن إسحاق قوله. ورواه الطبراني في \"الكبير\" (٥٤١٩) من حديث سعد بن خيثمة، وإسناده ضعيف لضعف يعقوب بن محمد الزهري. انظر: \"مجمع الزوائد\" (٦/ ١٩٣). وورد ذكر=","vol":"4","page":465},{"text":"وفي ﴿وَلَا يَرْغَبُوا﴾ يجوز النصب والجزم.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى وجوب متابعته ﵇ المدلول عليه بقوله: ما كان لهم أن يتخلَّفوا.\n﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾: عطش ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾: تعب ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾: مجاعة، مَفْعَلة من خموص البطن، وهو ضمرُه، وكني بذلك عن حالة الجوع لأنَّه ملازم لها.\nوالتَّنكير في الثَّلاثة للتَّقليل.\n﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طريق الجهاد.\n﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ بأقدامهم، أو أرجل خيولهم، والموطئُ يجوز أن يكون مصدرًا، وأن يكون موضعًا كالمرجع (^١).\n﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ وطؤهم إيَّاه ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ﴾ لم يقل: منهم؛ إخراجًا للمسالمين (^٢) منهم، والغيظُ - وهو انقباض الطَّبع بما يرى ممَّا يسوءه - يَنتظِمهم.\n﴿نَيْلًا﴾ شيئًا مَنْ قتلٍ أو جرحٍ أو ضربٍ أو أسرٍ أو تشريدٍ أو أخذِ مالٍ.\n﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ أي: حصل لهم بكلِّ واحدٍ من هذه الآثار حسنةٌ مقبولةٌ، فإنَّ كتابته كناية عن حصوله، وذلك مما يوجب المشايَعة.\n_________\n= لحاق أبي خيثمة بالنبي ﷺ، وقوله ﵊: \"كن أبا خيثمة\" ضمن حديث كعب بن مالك ﵁ الطويل في رواية مسلم (٢٧٦٩).\n(^١) في (ك): \"كالمرح\"، وفي (م): \"كالمبرح\".\n(^٢) في (ف): \"للمساكين\".","vol":"4","page":466},{"text":"وإنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ مع ذكر أشياء جمعًا؛ لأنَّه لَمَّا أدخل بينَ كلِّ شيئين منها ﴿لَا﴾ مكرّرًا، صار كلُّ واحد منها مفردًا بالذِّكر مقصودًا بالوعد، ولهذا قالوا: مَن حلف لا يأكل خبزًا ولا لحمًا حنثَ بكلِّ واحدٍ منهما، ولو قال: لا يأكل خبزًا ولحمًا، لا يحنث إلَّا بهما جميعًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم، فيه إيذانٌ بأنَّ الجهاد إحسانٌ، وأنَّ الإحسانَ مُوجِب للأجر، فيكون تعليلًا لـ ﴿كُتِبَ﴾.\nأمَّا كونه إحسانًا بالنسبة إلى المؤمنين فلِمَا فيه من صيانة حوزة الإسلام عن استيلاء الكفَّار، وأمَّا بالنِّسبة إلى الكفَّار فلأنَه سعيٌ في إصلاحهم وإرشادهم بأقصى ما يمكن، كضرب المداوي للمجنون ليشرب الدَّواء النَّافع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1356\"> </span>(١٢١) - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ ولو تمرةً أو عِلَاقةَ سوط ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ مثل ما أنفق عثمان ﵁ في جيش العسرة.\nوتقديم النَّفقة الصغيرة مع أنَّ حقَها التَّأخير للاهتمام بشأنها؛ لأنها مظنَّة التَّحقير وعدم الالتفات بها.\n﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في ذهابهم ومجيئهم، والوادي: كلُّ مُنفرجٍ (^١) ينفذ فيه السَّيل، اسم فاعل من وَدَى: إذا سالَ، فشاع في معنى الأرض.\n﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: أثْبِتَ لهم ذلك ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ به ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا\n_________\n(^١) في (ك): \"منعرج\".","vol":"4","page":467},{"text":"يَعْمَلُونَ﴾: أحسنَ عملِهم، مصدر (^١)، أو مفعول ثانٍ؛ أي: جزاء أحسنِ أعمالهم، أو أحسنَ جزاءِ أعمالهم (^٢)، فيُلحق ما دونه به؛ شكرًا لسعيهم وتوفيرًا لأجرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1357\"> </span>(١٢٢) - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ اللام لتأكيد النَّفي؛ أي: وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا لنحوِ غزوٍ أو طلب علمٍ، كما لا يستقيم لهم أن يتثبَّطوا جميعًا؛ فإنَّه مخلٌّ بأمر المعاش، وهو تمهيدٌ لوجوب النَّفر في طلب العلم؛ لأنَّه فهم منه أنَّه لو أَمْكن نَفْرُ الكلِّ ولم يؤدِّ إلى مَفسدةٍ لوجب (^٣)، وهذا لوجوب التَّفقُّه (^٤) على كلِّ مسلمٍ؛ لقوله ﵇: \"طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم\" (^٥).\n﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾؛ أي: فإذا لم يمكن (^٦) نفرُ الكل لمنافاته المصلحة، فهلَّا نفرَ مِنْ كلِّ فرقة كثيرةٍ منهم كقبيلةٍ وأهلِ بلدةٍ طائفةٌ قليلة.\n﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ أي:\n_________\n(^١) \"مصدر\" ليس في (ك)، و\"عملهم\" ليس في (ف) و(م).\n(^٢) \"أو أحسن جزاء أعمالهم\" زيادة من (ك)، و(م).\n(^٣) \"لوجب\" سقط من (ك).\n(^٤) في (ف) و(م) و(ك): \"النفقة\"، والصواب المثبت.\n(^٥) رواه ابن ماجه (٢٢٤)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٧٣٧)، من حديث أنس ﵁. قال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٤٤٠): ضعيف.\n(^٦) في (ف) و(م): \"يكن\".","vol":"4","page":468},{"text":"ليتكلَّفوا الفقاهة، ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غرضهم في ذلك ونهاية سعيهم إنذارَ قومهم وإرشادهم إرادة أن يحذروا الله تعالى في اجتناب معاصيه وامتثال أوامره.\nوتخصيص الإنذار بالذِّكر، وجعلُه وحده غرضَ التَّفقُّه وإن كان العمل به أقدمَ وأهمَّ؛ لأنَّه أشرف وأعلى؛ لأنَّ التَّفقُّه (^١) لا يكون تفقُّهًا إلَّا عند العمل به، فمَن لم يعمل بما عَلِم فليس بفقيه، ولا شكَّ أنَّ التكميل بعد الكمال، فكان العمل داخلًا في التَّفقُّه، وبعد الكمال بالعلم والعمل لا يكون الغرض منه إلَّا التَّكميل.\nوفيه دليل على أن التَّفقُّه في الدِّين والتَّذكير من فروض الكفاية، وأن خبر الآحاد حجَّة لعموم ﴿كُلِّ فِرْقَةٍ﴾، فلو كانت فرقة في قرية لوجب خروج بعضهم للتَّفقُّه وإنذارهم، ولوجب عمل الباقين بإخبارهم وإن لم يتواتر، فإنه غير ممكنٍ فيه.\nوفي الآية وجهٌ آخر، وهو أنَّ المؤمنين بعدما سمعوا ما أنزل الله تعالى في المتخلِّفين عن غزوة تبوك تسابقوا في الجهاد، فكان إذا بعثَ رسول اللّه ﷺ جيشًا نفروا عن آخرهم وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتَّفقُّه، فأُمِروا أن ينفر من كلِّ فرقةٍ طائفةٌ ليتفقَّه الباقون في الدِّين، فلا ينقطع التَّفقُّه الذي هو الغرض من البعثة والجهاد الأكبر، فإنَّ الجدال (^٢) بالحجَّة أعظم أثرًا من الجدال بالسَّيف، ولينذروا قومهم النَّافرين إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم.\nوعلى هذا الوجه فالضمير في ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ و﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ و﴿إِلَيْهِمْ﴾ للفرقة الباقين، وفي ﴿رَجَعُوا﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ﴾ للطَّائفة النَّافرين، وفيه تشتيتُ الضمائر،\n_________\n(^١) في (ك): \"النفقة\" في الموضعين.\n(^٢) في (ك): \"الجهاد\".","vol":"4","page":469},{"text":"وهو وإن لم يكن مخلًّا بالفصاحة عند انتظام المعنى وانسياق الذِّهن إليه، لكن عدمه أولى، فالراجح هو الوجه الأول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1358\"> </span>(١٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾: يَقْربون منكم ﴿مِنَ الْكُفَّارِ﴾ أُمِروا بقتال الأقرب منهم (^١) فالأقرب.\nقيل: كان النَّبي ﷺ إذا غزا ربَّما يجاوز كفَّارًا ويقاتل الأبعد؛ ليكون آيةً لنبوَّته أنَّه لا يبالي ولا يخافُ مَن تركه، فنزلت الآية تعليمًا للمؤمنين أمرَ الحرب كما علَّمهم ذلك في آياتٍ أُخَر؛ من الأمر بأخذ الحذر، وإعداد ما استطاعوا من قوة.\nوقيل: إن الذين يلونهم من الأعداء يوم نزول هذه الآية هم الرُّوم الذين بهم ختم رسول اللّه ﷺ غزوةَ تبوك، فكان الكلام متَّصلًا بما تقدَّم من غزوة تبوك.\n﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: خشونةً وشدَّة وصبرًا على القتال.\nوقرئ: (غلظة) بالحركات الثَّلاث (^٢).\n﴿وَاعْلَمُوا﴾ قد مرَّ وجه زيادة (اعلموا) في مثل هذا المقام.\n﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ينصر مَنِ اتَّقاه، فهو تبشير لهم بالنَّصر.\n* * *\n_________\n(^١) \"منهم\" ليست في (ف).\n(^٢) قرأ بالضم أبان بن عثمان، وبالفتح المفضل عن عاصم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٥٥).","vol":"4","page":470},{"text":"<span id=\"aya-1359\"> </span>(١٢٤) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾: فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ لبعضهم: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ﴾ السُّورة ﴿إِيمَانًا﴾ إنكارًا واستهزاءً بالمؤمنين.\nوقرئ: (أيَّكم) بالنَّصب (^١)، على إضمارِ فعلٍ يفسره ﴿زَادَتْهُ﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: فأمَّا (^٢) المخلِصون، والفاء لترتيب الإخبار عنهم وعن مقابِليهم على التنويع والتفصيل على ما تقدَّم (^٣).\n﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بزيادة اليفين الحاصل من تدبُّر السُّورة، وانضمامِ الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم.\n﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وهم يفرحون بنزولها لزيادة أعمالهم وارتفاع درجاتهم، حتى يتبين ذلك في وجوههم وبشرتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1360\"> </span>(١٢٥) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: كفر ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: كفرًا مضمومًا إلى الكفر بغيرها ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه.\nإنزالُ القرآنِ لقومٍ شفاءٌ ولقومٍ شَقاءٌ.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٥).\n(^٢) في (م): \"فأما الذين\".\n(^٣) \"على ما تقدم\" من (م).","vol":"4","page":471},{"text":"<span id=\"aya-1361\"> </span>(١٢٦) - ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\n﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ يعني: المنافقين، وإنَّما فُتحَتِ الواو لأنها عاطفة دخل عليها ألف الاستفهام للتَّوبيخ، فالكلام مستأنفٌ من وجهٍ، متَّصلٌ من وجهٍ.\nوقرئ بناء الخطاب (^١)؛ يعني: المؤمنين، والاستفهام حينئذ للتَّعجُّب؛ أي: عَجبًا منهم كيف قسَتْ قلوبُهم وعميت أبصارُهم عمَّا يتتابع عليهم من أنواع المحن وأصناف الفتن.\n﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾: يُبتلَون بأنواع البليَّات، أو بالجهاد مع رسول الله ﷺ، فيعاينون بما يظهر عليه من الآيات.\n﴿فِي كُلِّ عَامٍ﴾ العام هنا ليس على عمومه، بل مُخصَّص بقرينة المقام.\n﴿مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قيل: هذه الفتنة تَهتكُ أستارهم وتُظهر (^٢) أسرارهم.\n﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم (^٣) ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: ولا يتَّعظون بما يصيبهم حتى ينتهون عمَّا هم عليه.\nوزيادة ﴿هُمْ﴾ لأنَّ غيرهم يتَّعظون باختبارهم أنَّ سنَّة الله تعالى أنْ لا يُخْليَ أرباب التَّكليف من دلائل التَّعريف والتَّحريكِ لهم في كلِّ وقتٍ بنوعٍ من البيان، والتَّعريكِ في كلِّ أوان بضربٍ من الامتحان، فمنهم من لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادة الخذلان، والحجبة عن قرائر البيان.\n_________\n(^١) وهي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٠).\n(^٢) في (ف) و(م): \"بهتك … وإظهار\".\n(^٣) \"من نفاقهم\" سقط من (ك).","vol":"4","page":472},{"text":"<span id=\"aya-1362\"> </span>(١٢٧) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ذكر فيما سبق ما يَحدث منهم من القول على سبيل الاستهزاء، وذكر هاهنا ما يحدث منهم من الفعل استهزاءً.\n﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: تغامزوا بالعيون؛ إنكارًا لها وسخرية، أو غيظًا (^١) لِمَا فيها من عيوبهم.\n﴿هَلْ يَرَاكُمْ﴾ قائلين: هل يراكم ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ من المسلمين، يريدون الانصراف سرًّا، لانتفاء صبرهم على الاستماع (^٢) لغلبة الضحك، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال؛ لغلبة الغيظ، فإن لم يرهم أحدٌ قاموا (^٣)، وإن رآهم أقاموا (^٤) نفاقًا.\n﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن حضرته ﵇ مخافةَ الفضيحة على التَّقديرَيْن.\n﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ الظَّاهر أنَّه خبر، ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: بسبب أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوء فهمهم، أو عدم تدبُّرهم.\nلَمَّا كان الكلام في معرض ذِكْرِ الذَّنب بدأ بالفعل المنسوب إليهم بقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾، ثم ذكر فعله بهم على سبيل المجازاة (^٥) لهم في فعلهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].\n_________\n(^١) \"أو غيظًا\" من (م).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"استماع\".\n(^٣) في (ك): \"أقاموا\".\n(^٤) في النسخ: \"قاموا\"، والصواب المثبت؛ أي: مكثوا وبقوا ولم يقوموا.\n(^٥) في (ف): \"المجاز\".","vol":"4","page":473},{"text":"ومن بلاغة القرآن وبديعِ نَظْمه: أنه إذا كان القول في تعداد الذَّنب بدأ في ترتيبه من الجهة التي هي عن المذنب، كما في المثالَيْن المذكورين؛ ليكون هذا أشدَّ تقريرًا للذَّنب عليهم، وإذا كان في تعداد نِعَمه تعالى بدأ في ترتيبه بالجهة التي هي عنه تعالى، كما في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ليكون ذلك منبِّهًا على تلقاء النِّعمة من عنده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1363\"> </span>(١٢٨) - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ مخاطبة للعرب على جهة تعديد النِّعمة عليهم في ذلك؛ إذ نشأ من مكانهم، وجاء بلسانهم، وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة، وتشرفوا به غابر الأيام على سائر الأنام.\nوقرئ: (مِنْ أَنْفَسِكُمْ) (^١)؛ أي: أَشْرَفِكم.\nثم ذكر ما يتبع المجانسة والمناسبة بقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: شديدٌ وشاقٌّ عليه عنَتُكم ولقاؤكم المكروهَ من سوء العاقبة والوقوع في العذاب.\n﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: على إيمانكم وصلاح شأنكم.\n﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ خاصَّة - ففيه تعميم من وجهٍ، وتخصيصٌ من وجهٍ - ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ الرَّأفة: أشدُّ الرَّحمة. والرَّحمةُ أعمُّ منها؛ لأنَّ الرَّحمة تُستَعمل\n_________\n(^١) نسبت إلى النبي ﷺ وفاطمة وابن عباس ﵃. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٥٦).","vol":"4","page":474},{"text":"في كلِّ نفعٍ من المطر والسَّعة والعافية وغيرها، فكان المعنى في الرؤوف: الشَّفيق العطوف، وفي الرَّحيم: النَّافع المفضِّل، فلكلٍّ منهما وجهُ تقدُّمٍ على الآخر.\nوقيل: قدَّم الرَّأفة على الرَّحمة لأنَّ الرَّأفةَ إنَّما تكون باعتبار الحفظِ والصِّيانةِ عن الآفات والنَّقائص التي يُستحقُّ بها العقاب، والرَّحمةَ باعتبار إفاضة الكمالات والسَّعادات التي يُستحقُّ بها الثواب، فالأُولى من باب التَّزكية، والثَّانية من باب التَّحلية، ولا تكون التَّحلية إلَّا بعد التَّزكية، ونسبتها إلى الأولى نسبةَ ﴿حَرِيصٌ﴾ إلى ﴿عَزِيزٌ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1364\"> </span>(١٢٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ﴾ أي: فإن أعرضوا عن الإيمان بك فقل لهم، وفيه تلوين الخطاب، ووجهُ التَّفريع: أنَّ مقتضى الرَّحمة والرَّأفة أنْ لا يدعو عليهم ولا يجازَيهم بالفعل الذي يؤذيهِم، أي: فاقتصِرْ على القول الجامع للتَّرغيب والتَّرهيب.\n﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي (^١): فاستعِنْ بالله تعالى، وفوِّض إليه أمرك، فإنَّه يكفيك مَعرَّتهم ويُعينك عليهم.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كالدَّليل على التَّسليم والتَّوكُّل.\n_________\n(^١) \"أي\" سقط من (ك).","vol":"4","page":475},{"text":"﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه.\n﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: المُلك العظيم، أو الجسم الأعظم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير.\nوعن أُبَيِّ ﵁: آخر ما نزل هاتان الآيتان (^١).\nوقال البراء بن عازب ﵁: آخر سورة أُنزِلَتْ كاملةً براءة (^٢).\nومَن قال (^٣): وعن النبي ﷺ: \"ما نزل القرآن إلا آيةً آيةً وحرفًا (^٤) حرفًا ما خلا سورةَ براءة وقل هو الله أحد، فإنَّهما نزلَتَا عليَّ ومعهما سبعون ألف صفٍّ من الملائكة\" (^٥)، فكأنه نسي ما قدَّمه من قوله عن رسول الله ﷺ: \"أُنزِلَتْ عليَّ سورة الأنعام جملةً واحدةً معها سبعون ألف ملك\" الحديث (^٦)، والله أعلم بالصواب (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) روى نحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١١١٣)، والطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ١٠١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٥٣٣).\n(^٢) رواه البخاري (٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨).\n(^٣) هو الزمخشري وعنه البيضاوي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٢٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٣).\n(^٤) في (ك): \"حرفًا\".\n(^٥) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٥/ ٥) من حديث عائشة ﵂ بإسناد واه كما قال الحافظ في \"الكافي الشاف\" (ص: ٨٣).\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٨٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٩٢).\n(^٧) \"والله أعلم بالصواب\" ليست في (ف).","vol":"4","page":476},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>سُورَةُ يُونُسَ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1365\"> </span>(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.\n﴿الر﴾: قرِئ بفتح الراءِ على التفخيمِ، وبكسرِها على الإمالةِ (^١)، وقرئ بينَ الفتحِ والكسرِ (^٢)، والأصلُ تركُ الإمالةِ؛ لأنَّ ألِفَها ليسَتْ مُنقلِبةً من الياءِ، ومَن أمالَهُ (^٣) قصَدَ التنبيهَ على أنها اسمٌ لا حرفٌ.\n﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ ﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى ما تضمَّنهُ السورة أو القرآنُ، والمراد من ﴿الْكِتَابِ﴾ أحدُهما، والأول أبلغُ من حيثُ إن البعض إذا استقلَّ بوصفِ الكمالِ فالكلُّ أولى.\nوالحكيمُ: ذو الحكمةِ؛ وصِفَ به لاشتماله عليها، ويجوزُ أن يكونَ من قَبيل (^٤) توصيفِ الكلامِ بصفة المتكلمِ؛ كـ (شعرٌ شاعِرٌ) للمبالغةِ؛ كأنهُ في نفسهِ حكيمٌ لكثرة حِكَمهِ، وأن يكونَ على تشبيه الكتابِ بالحكيمِ الناطق بحكمتِه، فيكون استعارةً مَكْنيةً، وإثباتُ الحكمةِ قرينةٌ.\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة، والباقون بالفتح مع التفخيم، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٠).\n(^٢) هي قراءة ورش، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٠).\n(^٣) في (ك): \"أمال\".\n(^٤) \"قبيل\" سقط من (ك).","vol":"5","page":7},{"text":"<span id=\"aya-1366\"> </span>(٢) - ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾: الهمزةُ لإنكار تعجُّبِ الكفارِ من الإيحاءِ، ولتعجُّب السامعين من تعجُّبهم لكونهِ في غير المحلِّ.\nو﴿عَجَبًا﴾ خبرُ (كان) قدِّمَ على اسمِه، وهو: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ لكونِ الإنكارِ والتعجُّبِ (^١) راجعَين إليه.\nوقرئ: (عجبٌ) (^٢) فجعِلَ اسمًا مع كونهِ نكرةً لتخصُّصهِ بتقدمِ ﴿لِلنَّاسِ﴾ عليهِ؛ لأنَّه في المعنى صفةٌ له انقلبَت حالًا بالتقدمِ، والاستفهامُ - خصوصًا الإنكاريُّ - في حكمِ النفيِ، و﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ خبرًا، على عكسِ ما تقدم لا على القلبِ، لا لأنَّه خلافُ الأصلِ؛ لأنَّه لا يخِلُّ بالبلاغةِ، بل لأن القلبَ المقبولَ هو المشتمِلُ على لطيفةٍ، أو اعتبرَ ﴿كَانَ﴾ تامةً، و(عجبٌ) فاعلٌ لها، والمعنى: أحدَثَ للناس عجبٌ لأن أوحينا.\nوأما ما قيل: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ بدلٌ من (عجبٌ) (^٣)، فلا يساعده سدادُ المعنى.\nاللام في ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلقةٌ بـ ﴿عَجَبًا﴾ على طريق البيانِ؛ بمعنى: أن هذا العجبَ لهم كما في: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] بمعنى: هذا الخطابُ لكَ؛ أي: أنهم جعلُوه أعجوبةً يتعجَّبون مِنها، ونصبوه لهم علمًا في إنكارِهم واستهزائهم بهِ، ولو قيلَ: (عند الناس) لم يُفد هذا المعنى.\n_________\n(^١) في (ك): \"والتعجيب\".\n(^٢) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) في النسخ: (عجب)، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٢٧)، و\"تفسير البيضاوي\" على هامش حاشية الشهاب (٣/ ٥). وهذا رد عليهما في القول بالبدلية على قراءة ابن مسعود.","vol":"5","page":8},{"text":"والتعبيرُ عنهم باسمِ الجنس للتحقيرِ كما في قولهم: ومن الناس مَن يقولُ كذا؛ فكأنهُ قصدَ مقابلَتهم فيما قصدُوه بقولهم:\n﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ تعجَّبوا من أن يُوحَى إلى رجلٍ من أفناءِ رجالهم، دون عظيمٍ من عظمائهم، فقد كانوا يقولونَ: العجبُ أن اللّه لم يجد رسولًا يرسلُه إلى الناسِ إلا يتيمَ أبي طالبٍ؛ وذلك من فَرْطِ حماقتِهم وقصورِ نظرِهم عن معرفةِ الأوصاف التي بها اختارَه اللّهُ تعالى للرسالةِ، فإنَّ رسولَ اللّه ﷺ لم يكُن ليقصر من عظمائهم في النسبِ والحسبِ والشرفِ وكلِّ ما يُعتبَرُ في الرياسةِ من أكرم (^١) الخصالِ، إلا المالِ، وخفَّةُ الحال أعوَنُ شيءٍ في هذا الباب، ولذلك كان أكثرُ الأنبياءِ ﵈ قبلَهُ كذلكَ.\nوقيل: تعجَّبوا من أنه تعالى بعثَ بشرًا رسولًا كما سبقَ ذكرُه في سورة الأنعامِ، فمَن خلطَ بينَ الوجهَين لم يصِبْ كما لا يخفَى على ذوي الأفهامِ (^٢).\n﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ ﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرةُ؛ لأن في الإيحاءِ معنى القول، وجُوِّزَ أن تكونَ مخفَّفةً من الثقيلةِ على أن الأصلَ: أنه أنذِر، والمعنى: أنَّ الشأنَ قولُنا: أنذرِ الناسَ، وموقعه النصبُ بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾.\nوفيهِ حذفُ الاسمِ والخبرِ، وفي الأول خلافُ الكوفيينَ، فالأَولى أن تكون مصدريةً تقديره: بإنذار الناس (^٣).\nوذُكرَ اسم الجنسِ للتعميمِ للفريقين، كأنهُ قالَ: أن أنذرِ الناسَ مؤمنًا كان أو كافرًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"كرم\".\n(^٢) في هامش (م): \"رد لصاحب الكشاف\".\n(^٣) \"تقديره بإنذار الناس\" من (م).","vol":"5","page":9},{"text":"﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خاصةً؛ لأن المبشَّرَ به مشروطٌ بالإيمانِ، فالبشارةُ به تنقلِبُ إنذارًا في حقِّ الكفارِ، لا للاستغراقِ؛ كما ذهبَ إليه مَن قال: عمَّم الإنذارَ إذ قلَّما مِن أحدٍ ليس فيه ما ينبغِي أن يُنذَر منهُ (^١)؛ لأنَّ تبليغَ الإنذارِ ولو بإرسالِ الخبرِ إلى كلِّ مَن في عصرِه ليسَ في وسعِه ﵇ (^٢).\nوإطلاقُ المؤمنين للتعميمِ لمن آمَن من الثقلَين، وبذلكَ يَنجبرُ (^٣) القصورُ السابقُ إلى الوهمِ من تخصيص الإنذارِ بأحدهما لأصالَتهِ في أمرِ البعثةِ؛ لأن المفهومَ إنما يُعتَبرُ إذا لم يعارِضهُ المنطوقُ، وهذا الشرطُ مفقودٌ هاهنا؛ لأن العبارةَ وإن كانت ساكتةً عن العمومِ لكن الدلالةَ ناطقةٌ بهِ بقرينَةِ ما في قرينهِ من التعميمِ، وإنما قدَّمَ الإنذارَ على التبشيرِ لأنَّه أهمّ، ولأن التحليةَ بعد التخليةِ أتمّ.\n﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ في محلِّ النصبِ بـ (بشِّر) على حذف الباءِ.\n﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ سمِّيتِ السابقةُ والمسعاةُ الجميلةُ قدمًا لأنَّ السعيَ والسبق إنما يكونُ بالقدَمِ؛ كما سمِّيَتِ النعمةُ يدًا لأنها تُعطَى باليد، وإضافتُها إلى الصدقِ للدلالة على زيادة فضلٍ، وأنها متحقِّقةٌ، لو أنَّ صاحبَها قد نالها بصدقِ القول والنية.\n_________\n(^١) قائل هذا هو البيضاوي، وزاد: (وخصَّص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٤). وقوله: (عمم الإنذار .. الخ)؛ أي: حيث قال: ﴿النَّاسَ﴾ دون: المؤمنين والكافرين. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٥).\n(^٢) وتعقبه الشهاب بقوله: (ولا مانع من الاستغراق العرفي؛ أي: كل أحد ممن يقدر على تبليغه؛ إذ تبليغ جميع أهل عصره غير ممكن له، وإليه يشير قول المصنف ﵀: إذ قلما من أحد .. الخ، فلا وجه للاعتراض بأنَ الاستغراق المفهوم من كلامه غير صحيح لأنّ تبليغ الإنذار إلى كل من في عصره …). انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٤/ ٥).\n(^٣) في (م) و(ف): \"ينحصر\".","vol":"5","page":10},{"text":"ويجوزُ أن يُرادَ به المنزلةُ الرفيعة معنويةً أو صوريةً، فيكونَ كقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] وَيعضدُه قولُه:\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ومَن قالَ: أي: سابقةً وفضلًا ومنزلةً ورفعةً، لم يُصِب في الجمعِ بين وجهَي المجازِ، بل بينَ وجوهِه (^١).\n﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا﴾: فيه دلالة على أنهم يقولونَه عند حضرته ﵇.\n﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: وقرئ: ﴿لَسَاحِرٌ﴾ (^٢)، والإشارةُ إلى القرآنِ وسائرِ ما أتى به من الخوارقِ للعاداتِ، وكيف ما كان ففيهِ اعترافٌ بعجزِهم عن المعارضةِ، وتسليمٌ لإعجازهِ معنًى، وإن كانوا يطلِقون عليه لفظَ السحرِ عنادًا ومكابرةً؛ لأن التعجُّبَ أولًا ثم التكلمَ بما هو معلومُ الانتفاءِ قطعًا حتى عندَ نفسِ المعارِضِ دأبُ العاجزِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1367\"> </span>(٣) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: دلَّ بهِ على عظمةِ شأنِه وكمالِ سُلطانِه بالقدرة على خلق أصولِ الممكنات كلِّها معَ سعتها وبسطِها في وقتٍ يسيرٍ، وعلى عِظمِ ملكِه بالاستواءِ على العرش، ثم قرَّرها وأكَّدَها بقولِه:\n_________\n(^١) في هامش (م): \"رد لصاحب الكشاف ومن حذا حذوه\".\n(^٢) وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ونافع، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٠).","vol":"5","page":11},{"text":"﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ لأنَّ تدبيرَ أمر الخلائق كلِّها بتهيئةِ أسبابها وترتيبِها على النظامِ الحكمي مما يبينُ أمرَ العظمةِ ويقرِّرُه.\nوالتدبيرُ: النظرُ (^١) في أدبارِ الأمورِ لتقعَ على ما ينبَغِي من الوجهِ الأتمِّ الأصوبِ.\nثم زادَ في تقريرِ معنى العظمةِ والكبرياءِ والعزةِ والجلالِ بقولِه:\n﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقولهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وفيهِ إثباتُ الشفاعة لمن أَذِنَ له، وأما الردُّ على مَن زعمَ أن آلهتهم تشفَعُ لهم عندَ اللّه تعالى فلا يتمُّ؛ لأنهم يدَّعونَ أن اللّهَ تعالى يأذَنُ لهم في الشفاعةِ، ولا دلالةَ في الآية على عدمِ الإذن لهم (^٢).\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى المعلومِ الموصوف بتلكَ العظمةِ والكبرياءِ الموجبةِ لاستحقاقِ العبادةِ؛ أي: ذلكُم الموصوفُ بما وُصِفَ هو:\n﴿رَبُّكُمُ﴾ لا غيرُ؛ إذ لا يشاركُه أحدٌ في شيءٍ من ذلكَ.\n﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحدَهُ ولا تشركُوا به شيئًا من أشرفِ الموجوداتِ فضلًا عن الجمادِ.\n_________\n(^١) \"النظر\"من (ك).\n(^٢) في هامش (م): \"قوله: وأما الرد إلى قوله: فلا يتم … إلخ لأن دعواهم هذه لا دليل عليها، بل قام الدليل على عدمها لأنَّه جمادات لا شعور لها بشيء حتى يصح منها الشفاعة، بل على فرْض شعورها فهي ممنوعة من الشفاعة لأنها ليست أهلًا للشفاعة لقصور رتبها عن رتبة الشفعاء، وعلى فرض أهليتها لكنه لم يؤذن لها في الشفاعة إذ لا يؤذن في الشفاعة إلا في حق من تصح فيه الشفاعة وتنفعه، وهي لا تنفع الكافر لتحتُّم خلوده في النار، فكيف يصح أن يؤذن في الشفاعة فيه؛ فعلى كل حال فهو رد عليهم فيما ادعوه وقام الدليل على بطلانه. تأمل\".","vol":"5","page":12},{"text":"﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: أبَعْدَ النظرِ في تفرُّدِه تعالى في هذهِ الأوصافِ، الموجِبِ لتخصيصِهِ بالعبادةِ، لا تتذكَّرونَ فتتنَبَّهون بأدنى تفكُرٍ على خطأ ما أنتُم فيهِ؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-1368\"> </span>(٤) - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيرِه ﴿مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ بالبعثِ من القبورِ يوم النشورِ، ظاهرُهُ إخبارٌ عن المالِ، وباطنُهُ إنذارٌ بما فيه من سوءِ الحالِ، وأمرٌ على وجهِ الإرشادِ بالاستعدادِ ليوم التنادِ.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدَرٌ مؤكِّدٌ لنفسِهِ؛ لأن قوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعدٌ من اللّه تعالى.\n﴿حَقًّا﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لغيرِه، وهو ما دلَّ عليهِ ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.\n﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: بعدَ بدئه وإهلاكِه، استئنافٌ كالدليلِ لِمَا تقدَّم؛ وذلكَ أنه تعالى لمَّا أخبَر عن وقوع الحشرِ والنشرِ ذكرَ بعده ما يدلُّ على كونِه ممكنَ الوقوعِ في نفسِه بقولِه: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾؛ لأن إمكانَ الوجود أولًا يدُلُّ على إمكانِه ثانيًا، ثم ذكَرَ ما يدلُّ على وقوعِهِ بقولِهِ: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.\nوقيلَ: هو كالتعليلِ لقوله: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنهُ لمَّا كان المقصودُ من الإبداِء والإعادة مجازاةَ اللّه المكلَّفين على أعمالهم، وجَبَ أن يكون مرجِعُ الجميعِ إليه، ويؤيدُه قراءةُ ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح (^١)؛ أي: لأنَّه، وبعدَ حذف اللامِ يكون منصوبًا بالظرفِ أعني ﴿إِلَيْهِ﴾.\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي جعفر، انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨٢).","vol":"5","page":13},{"text":"ويجوزُ أن يكون من غيرِ اعتبارِ اللامِ منصوبًا بـ (وَعَدَ) المحذوفِ (^١)، مفعولًا به باعتبارِ المعطوفِ؛ أعني: ثم يعيدُه؛ لأن الموعودَ هو الإعادةُ لا البدءُ، أو مرفوعًا بـ[ما نَصَب] ﴿حَقًّا﴾ المحذوفِ (^٢).\nوقد (^٣) قرئ: (وعَدَ اللّهُ) على لفظ الفعل (^٤)، و: (حقٌّ أنهُ يبدأ الخلقَ) (^٥)؛ كقولك: حقٌّ أن زيدًا منطلِقٌ (^٦)، وقرئ: (يُبدئ الخلق) من الإبداء (^٧).\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ متعلِّق بـ (يجزي)؛ أي: بعدلِه، أو: بعدالتهم، أو: بما عدَلوا بإيمانهم وعملِهم، ولم يظلِموا بالشركِ؛ لأنَّ الشرك ظلمٌ عظيمٌ، وهو الأوجَهُ لمقابلتِهِ قولَهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾: من ماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد انتهى حرُّه، وهو في جهنَّمَ.\n_________\n(^١) أي: المقدر ناصبًا لقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: وَعَدَ اللهُ وَعْدًا بَدْءَ الخلق ثم إعادته. أنظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٢٩).\n(^٢) أي: بالفعل المقدر ناصبًا لقوله: ﴿حَقًّا﴾؛ فهو فاعل له على هذا الوجه؛ أي: حقَّ حقًّا بدءُ الخلق. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٢٩)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) \"قد\" سقط من (ك).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٢٩).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٢٩) والكلام منه، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٠٥)، و\"البحر\" (١٢/ ١٨)، وعزاها ابن عطية لابن أبي عبلة. ووقع في النسخ: \"حقا أنه يبدأ الخلق كقولك: حقا .. \" بالنصب في الموضعين، والمثبت من المصادر. والوجه في الإعراب عند أبي حيان أن يكون (حقٌّ) خبرًا مقدمًا على المبتدأ الذي هو (أنه يبدأ).\n(^٦) في (ف): \"منطلقًا\".\n(^٧) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٦).","vol":"5","page":14},{"text":"﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: عذابٌ (^١) يخلصُ وجعُه إلى قلوبهم.\n﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: غيَّرَ النظمَ، ولم يقُلْ: ويجزي الذين كفروا بشرابٍ من حميمٍ وعذابٍ أليمٍ بسبب كُفرِهم كما قالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾؛ للمبالغةِ في استحقاقِهم للعقابِ ولصوقِ (^٢) العذابِ بهم.\nوجعَلَ ثوابَ الإيمان والعملِ الصالحِ غرَضًا دونَ عقابِ الكُفر للتنبيهِ على أن المقصودَ بالذاتِ من الإبداءِ والإعادةِ هو الإثابةُ، وأن اللّه تعالى هو الذي يتولَّى إثابة المؤمنين بما يَليق بلطفِه وكرمِه ولذلك لم يعيِّنهُ، وأما العقابُ فإنه واقع بالعَرَضِ كأنه داءٌ ساقَهُ إلى الكفرةِ سوءُ اعتقادِهم وشؤمُ أعمالِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1369\"> </span>(٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: (صيَّرَ) يكونُ ﴿ضِيَاءً﴾ مفعولًا ثانيًا، وإن كانَ بمعنى (خَلَق) يكونُ حالًا، والضياء مصدر، أو جمعُ ضوءٍ كسياطٍ وسَوط، والياءُ فيهِ (^٣) منقلبةٌ عن الواوِ.\nوقرئ بهمزَتين (^٤) على القلبِ بتقديم اللامِ على العينِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"عذابه\".\n(^٢) في (ك): \"ولصدق\".\n(^٣) \"فيه\" سقط من (ك).\n(^٤) وهي رواية قنبل عن ابن كثير، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٠).","vol":"5","page":15},{"text":"﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: جعلَ نفس الشمس ضياءً وعينَ القمرِ نورًا للمبالغة (^١).\nولما كانت الشمسُ أعظَمَ جِرمًا خُصَّت بالضياءِ؛ لأنَّه هو الذي لهُ سطوعٌ ولمعانٌ وهو أقوى من النورِ.\nوقيلَ: ما هو بالذات ضوءٌ؛ وما هو بالعرَضِ نورٌ؛ فكأنهُ قصَدَ بما ذكر التنبيهَ على أن نور الشمسِ ذاتيٌّ، ونور القمرِ عرضيٌّ مستفادٌ منها.\n﴿وَقَدَّرَهُ﴾: قدَّرَ القمرَ.\n﴿مَنَازِلَ﴾؛ أي: مسيرةَ منازِلَ، أو: قدَّره ذا منازلَ كقولهِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] والمرادُ بالمنازلِ: البروجُ؛ إذ بها وبقطعِها عددُ الشهورِ والسنينَ، وخصَّصَ القمر بها لأن المعتبرَ في الشرع السنةُ القمريةُ والشهر الهلاليُّ، وبهما يتعلق أحكامُ الشرعِ، ولذلك علَّلهُ بقولِه:\n﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾؛ أي: حسابَ الأوقاتِ من الأشهُرِ والأيام والليالي في معاملاتكم وعباداتكم.\n﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حالٌ مستثناةٌ من أعمِّ الأحوال؛ أي: ما خلقَهُ بحالٍ إلا مُلْتبِسًا بالحق مراعيًا فيهِ مقتضى الحكمةِ البالغة إلى الصوابِ.\n﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنُ العلامات التي يُستدلُّ بها على الحقِّ.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ خصَّهم بالذكر (^٢) بذلك لأنهم هم (^٣) المنتفعُون بها.\n* * *\n_________\n(^١) \"للمبالغة\" من (م).\n(^٢) \"بالذكر\" من (م).\n(^٣) \"هم\" سقط من (ك).","vol":"5","page":16},{"text":"<span id=\"aya-1370\"> </span>(٦) - ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ اختلافُهما: تعاقُبهما (^١) وكونُ أحدِهما يخلُفُ الآخرَ، وتفاوتُهما وكونُ أحدِهما يزيدُ بنقصان الآخرِ.\n﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أنواعِ الكائنات.\n﴿لَآيَاتٍ﴾ على وجود الصانعِ ووحدَتِه، وكمالِ علمِه وقُدرته.\n﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصَّهم بذلك لأن الباعثَ على النظرِ والتدبرِ لا يكون إلا تقوى اللّه والحذرَ عن العاقبةِ، فهم الذين يعلمونها آياتٍ، وينتَفِعون بها دون غيرِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1371\"> </span>(٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: لا يخافُونه، لا لإنكارِهم البعثَ؛ لأنهُ لا ينتظِمُ مع تعليلِ قرينهِ، بل لاعتمادِهم على شفعائهم.\nواستعمالُ الرجاء في معنى الخوفِ شائعٌ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] وقالَ الهُذَلي:\nإذا لسعَتهُ نحلةٌ لم يرجُ لَسْعَها (^٢)\n_________\n(^١) \"تعاقبهما\"من (م).\n(^٢) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في \"ديوان الهذليين\" (١/ ١٤٣)، و\"معاني الفرآن\" للفراء (١/ ٢٨٦)، و\"مجاز القرآن \" (٢/ ٧٣)، و\"تفسير الطبري\" (٧/ ٤٥٦)، و\"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤١٣). وفي المصادر: إذا لسعته النحل، وعجزه:\nوخالَفها في بيتِ نُوبٍ عواسِلِ","vol":"5","page":17},{"text":"والمرادُ من لقاءِ اللّه تعالى: سوءُ الحساب عندَهُ تعالى، وما يترتَّبُ عليه من إصابةِ المكروهِ، وهذا صريحٌ في عدمِ تأثير التحذيرِ والترهيبِ فيهم.\n﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من الآخرةِ؛ لغفلَتِهم عنها، ولا تمشيةَ لهذا التعليل في حق المنكرينَ لها؛ ضرورةَ أن الإنكارَ لأمرٍ لا يجامِعُ الغفلة عنهُ.\nووصفُهم هذا كنايةٌ عن أن الترغيبَ لا يجدِي نفعًا في حقِّهم.\nولما احتُملَ أن يُقالَ: لمَ لا يجوزُ أن يُزالَ غفلَتُهم بالتنبيهِ والاستدلالِ، دفعَهُ بقولِه:\n﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾؛ أي: سكَنوا فيها سكونَ مَن لا يُزعَجُ عنها، فانظُر إلى حسن انتظامِ هذا المقالِ، فمَن قالَ في تفسيرِ الوصفِ الأولِ: لا يتوقَّعونَه لإنكارِهم البعثَ وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءَها. فكما أخطأ في التعليلِ لم يصِب في المعلَّل؛ لأنَّه أخلَّ بشقِّ الترهيبِ.\nثم إن قولَه: وذهولِهم بالمحسوساتِ عما وراءها، إنما يناسِبُ تفسيرَ الرجاء بالأملِ على ما هو حقيقَتُه، وحملُ اللقاءِ على نيل الثوابِ على أن عبارةَ الذهولِ لاقتضائه سبق العلم (^١) لا يُناسِبُ المقامَ.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها لانهماكِهم فيما يضادُّها (^٢).\nوالواو بين الموصولينِ للجمعِ بين الوصفَين المتغايرينِ، والتنبيهِ على أن الوعيدَ لهُ، أو الذاتَين وهما (^٣) الفرقةُ الفارغةُ عن أحوال الآخرةِ وأهوالِها الراضيةُ بالحياة الدنيا، والتي ألهاهم حبُّ العاجلِ عن التأمُّلِ في الآجلِ والإعدادِ له.\n_________\n(^١) \"سبق العلم\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"يضارهم\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٦).\n(^٣) \"هم\" سقط من (ك).","vol":"5","page":18},{"text":"<span id=\"aya-1372\"> </span>(٨) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بما واظَبُوا عليهِ وتمرَّنوا به من المعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1373\"> </span>(٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾: بسببِ إيمانهم، إلى سلوكِ السبيل المؤدِّي إلى الجنةِ؛ ولذلكَ جعَلَ: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ بيانًا وتفسيرًا له، أو: يهدِيهم في الآخرَةِ بسببِ نورِ إيمانهم إلى الجنةِ؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]، أو لِمَا يريدونَهُ في الجنةِ، وعلى هذا يكونُ ﴿تَجْرِي﴾ خبرًا ثانيًا لـ ﴿إِنَّ﴾، أو حالًا من الضميرِ المنصوبِ في ﴿يَهْدِيهِمْ﴾، وجعَلَ التمسكَ بسببِ السعادةِ نفسَ الوصولِ إليها، كأنَّ هدايتَهم إلى الطريقِ هدايتُهم إلى المقصِدِ بسرعَةِ الأداءِ إليه.\n﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿تَجْرِي﴾، أو بـ ﴿يَهْدِي﴾، أو خبر، أو حالٌ آخرُ من الضميرِ المذكورِ، أو من الأنهارِ.\nولا يخفَى على مَن أنصَف، وبالتجنُّبِ عن التعسُّفِ اتَّصف، أن الجمعَ بين الإيمانِ والعمل الصالحِ ظاهرٌ في أنه السببُ، لا سيما في مقامِ الترغيبِ في اكتسابِ أسبابِ حسنِ اللقاءِ، واجتناب أسبابِ سوءِ الجزاءِ.\nثم التصريحُ بسببيةِ الإيمان المضافِ إلى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ كالتنصيصِ على أنهُ ذلكَ الإيمانُ المقرونُ بالعملِ الصالحِ، لا","vol":"5","page":19},{"text":"مُطلَقُ الإيمانِ، غايةُ الأمرِ أنه ذُكرَ لأصالَتِهِ وزيادةِ شرفِهِ، فلا يكونُ ذكرُه مستدركًا ولا دالًّا على استقلالِ الإيمانِ.\nوبهذا التفصيل اندفَعَ ما قيلَ: ومفهومُ الترتيبِ وإن دلَّ على أن سبَبَ الهدايةِ هو الإيمانُ والعملُ الصالح، لكنْ دل منطوق قوله تعالى: ﴿بِإِيمَانِهِمْ﴾ على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمةِ والرديفِ (^١).\nقيلَ: ولا مخالِفَ لما ذُكرَ من أهل السنةِ والجماعةِ؛ لأن العصاةَ غيرُ مَهديين، وأما أنَّ كلَّ مَن لم يكن مهتديًا فهو خالدٌ في النار فهو ممنوعٌ، ودعوى ذلك غايةُ المكابرةِ (^٢).\nولا وجهَ له؛ لأن الكلامَ في الهدايةِ بسبب الإيمانِ إلى سلوك السبيلِ المؤدِّي إلى الجنةِ، وعصاةُ المؤمنين مهديُّون (^٣) بهذه الهدايةِ، ولا خلافَ في أنَّ مَن لا يكونُ مهتديًا بهذه الهدايةِ لا يدخُلُ الجنةَ.\nفالصوابُ في الجوابِ عن تمسُّكِ المخالفِ بهذه الآية: أنها مُعارَضةٌ بمثل قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١] فإنَّ فيه دلالةً على أن الإيمان وحدَه كافٍ في استحقاقِ ما أُعِدَّ لهُ.\nوالأصلُ في النصوصِ التوقيفُ، وهو هاهنا بحملِ النعيمِ على ما هو اسمٌ خاصٌّ لإحدى الجنانِ السبعِ على ما مرَّ تفصيلُه في تفسيرِ سورةِ البقرةِ، والمرادُ من الجناتِ المضافةِ إليهِ: ما فيه من البساتينِ، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ\n_________\n(^١) القائل لهذا هو البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ١٠٦).\n(^٢) القائل لهذا هو القزويني في \"الكشف على الكشاف\" كما في \"روح المعاني\" (١١/ ٤١).\n(^٣) في (ف): \"مهتدين\".","vol":"5","page":20},{"text":"الْمَأْوَى﴾ [السجدة: ١٩] فيجوزُ أن تكونَ الهدايةُ إلى جنةِ النعيم مشروطةً بالعمل الصالحِ لكون (^١) الإيمانِ وحدَه كافيًا في الهدايةِ إلى مُطلَقِ الجنةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1374\"> </span>(١٠) - ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي: دعاؤهم: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ أي: اللهُمَّ إنَّا نسبِّحك تسبيحًا.\n﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا﴾ أي: تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، أو: تحيةُ الملائكة إياهم.\n﴿سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ خاتمةُ دعائهم: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أنْ يقولوا ذلكَ، و(أنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ؛ أصلُهُ: أنَّه الحمدُ للّهِ، والضميرُ للشأنِ.\nوقرئ: (أنَّ الحمْدَ للّهِ) بالتشديدِ ونصب (الحمد) (^٢)، يعني: أن أهلَ الجنة مستغنون عن طلب النوالِ؛ لحضورِ كلِّ ما يشهِّيهم في الحالِ، آمنونَ عن احتمال الانقطاعِ والزوالِ، فلا جرَمَ دعاؤهم أولًا وآخرًا مقصورٌ على التمجيدِ والتحميدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1375\"> </span>(١١) - ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"فيكون\"، وذكر في الهامش أن في نسخة: \"لأن\".\n(^٢) حكاها ابن خالويه عن بلال بن أبي بردة الأشعري، وابن محيصن، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٦).","vol":"5","page":21},{"text":"﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ أصلُهُ: ولو يعجِّلُ اللّهُ للناس الشرَّ تعجِيلَه لهم الخير حين (^١) استعجلُوهُ بالخيرِ، فوضَع ﴿اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ موضعَ: تعجيله الخيرَ، وحذف ما حذف منه لدلالة الباقي عليهِ إيجازًا، وذلك الوضعُ للإشعار بسرعةِ إجابته تعالى لهم في الخيرِ، حتى كان استعجالُهم به نفسَ تعجيله له، وبأنَّ المراد بالشرِّ: الشرُّ الذي استعجلُوه كقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].\n﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾؛ أي: ولو يعجِّلُ اللّهُ لأهل مكة الشرَّ الذي دعَوا به واستعجلُوه كما يعجِّلُ لهم الخيرَ، ويجيبُهم إليهِ لَمَا قاموا لعذابنا، بل أهلِكُوا (^٢) وأُميتوا؛ لأن تركيبهم (^٣) في الدنيا لا يحتمِلُ ذلكَ.\nوقرئ: ﴿لَقُضِيَ﴾ على البناء للفاعلِ (^٤) وهو اللّه تعالى، ويؤيده قراءةُ: (لقَضَينا) (^٥).\nوهذه الآيةُ متصلةٌ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ دلالةً على استحقاقِهم العذابَ، واللّهُ تعالى إنما يمهلُهم استدراجًا، وجيءَ بـ (الناسِ) بدل ضميرِهم تفظيعًا للأمرِ، ثم قيلَ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مصرَّحًا باسمهم، وذكرُ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"حتى\".\n(^٢) في (ك): (هلكوا).\n(^٣) في (ف): (تركهم).\n(^٤) وهي قراءة ابن عامر.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١).\n(^٥) نسبت لعبد اللّه بن مسعود ﵁، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٢٧).","vol":"5","page":22},{"text":"المؤمنين إنما وقعَ في البينِ تتميمًا ومقابلةً فليس بأجنبيٍّ، ومن هنا ظهرَ أنه لا حاجةَ إلى أن يجعَلَ ﴿فَنَذَرُ﴾ جوابَ شرطٍ محذوفٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1376\"> </span>(١٢) - ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ لإزالتِه في جميع أحوالِه لا يَفتُرُ عنه في حالٍ من أحوالِه.\n﴿لِجَنْبِهِ﴾: مُلْقًى لجنبِهِ (^١)، في موضع الحالِ لعطفِ الحالين عليهِ، أي: دعانا مضطجعًا ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ فالترديدُ للتعميمِ لجميع أحوال أصنافِ - أو لجميع أصناف أحوال (^٢) - الضررِ مُلْقًى لجنبِه عاجزًا عن القعودِ، أو قاعدًا لا يقدِرُ على القيامِ، أو قائمًا لا يقدِرُ على النقلةِ، أي: لا يستغني عن الدعاءِ في نوعٍ من أنواعِه.\n﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾: مضى على طريقهِ الأولى في الذهولِ والغفلةِ عنَّا ونسي الجهدَ، أو: مرَّ عن موقفِ الدعاءِ لا يرجِعُ إليه.\n﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا﴾ أصلُه: كأنَّهُ لم يدعُنا، فخفَّف وحذفَ ضمير الشأنِ كما في قوله:\nونَحْرٍ مُشْرِقُ اللَّونِ كأنْ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ (^٣)\n_________\n(^١) في النسخ: \"ملقيا\" وهو خطأ؛ لأنَّه اسم مفعول من لقيَ، وليس المعنى عليه، بل هو من الإلقاء، واسم المفعول منه هو المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٧)، و\"روح المعاني\" (١١/ ٥٢).\n(^٢) \"أو لجميع أصناف أحوال \" من (م).\n(^٣) لا يعرف قائله، وهو في \"كتاب سيبويه\" (١/ ٢٨١)، و\"أمالي ابن الشجري\" (١/ ٢٣٧).","vol":"5","page":23},{"text":"﴿إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾؛ أي: كشفِ ضرٍّ.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك التزيين ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عملُهم من الإعراضِ عن الذكرِ والدعاءِ، والانهماك في الشهواتِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1377\"> </span>(١٣) - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الخطابُ لأهل مكةَ ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: حينَ ظلَموا بالتكذيبِ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الواو للحالِ، ولا حاجةَ إلى تقديرِ (قد) لأنها لم تدخُل على: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وحدَهُ، بل على جملَةِ ذلك القولِ والتي تليها، كأنهُ قيلَ: لما ظلَموا وقصَّتُهم هذِه، وقد مرَّ نظيرُ هذا في أوائلِ سورة البقرة في تفسير قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية (^١).\nأو عطفٌ على ﴿ظَلَمُوا﴾؛ لأن معناهُ: إحداثُ التكذيبِ، وهذا معنى الإصرارِ عليه بحيثُ لا فائدة في إمهالِهم.\n﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: وما استقامَ لهم أن يؤمنوا لفسادِ استعدادِهم، واللامُ لتأكيد النفيِ، وأما علمُه تعالى بأنهم يموتونَ على الكفرِ فلا تأثيرَ له في عدمِ إيمانهم؛ لأنَّ العلمَ تابعٌ للمعلُومِ فلا يؤثِّرُ فيهِ.\nويجوزُ أن يكونَ عطفًا على ﴿ظَلَمُوا﴾، ويكونُ ﴿ظَلَمُوا﴾ مؤخَرًا عن\n_________\n(^١) \"في تفسير قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية\" من (م).","vol":"5","page":24},{"text":"﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ معنًى، وإن قدِّمَ عليهِ لفظًا للاهتمامِ كما قدِّمَ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ على ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠] لذلكَ، والمعنى: أنَّ السبب في إهلاكِهم تكذيبُهم الرسلَ، وعدمُ الفائدةِ في إمهالهم بعدَ أن أُلزِموا الحجةَ ببعثِهِ الرسلَ.\nويجوزُ أن يكونَ ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ اعتراضًا لتقريرِ ما تخلَّلَ هو بينَهُ.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلكَ الجزاءِ بالإهلاك على وجهِ الاستئصالِ ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أرادَ المجرمينَ بالجُرم المعهودِ، وهو تكذيب الرسلِ والإصرارُ عليه.\nوإنما قال: ﴿نَجْزِي الْقَوْمَ﴾ لأن الكلامَ في عذاب الاستئصالِ، ولم يتنبَّه له مَن قالَ في تفسيره: نجزي كلَّ مجرمٍ، والمقصودُ وعيدٌ لأهل مكةَ، وتهديدٌ لهم، ومبناهُ على اندراجِهم فيه اندراجًا أوليًا، وهذا أبلَغُ من الخطابِ لهم، ومَن لم يتنبَّه له جوَّزَ أن يكونَ المعنى: نجزيكم، على وضعِ المُظهَرِ موضِعَ المُضمَرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1378\"> </span>(١٤) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعد القرونِ التي أهلكناهم، جَعْلَ مختبِرٍ.\n﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أتعملونَ (^١) خيرًا أم شرًا؟ فيعامِلَكم على حسبِ أعمالكُم، استُعيرَ ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي في الرتبةِ فلا يُغني عنهُ قولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.\nو﴿كَيْفَ﴾ في محلِّ النصبِ بـ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مستعارًا لمعنى: أيَّ شيءٌ؟\n_________\n(^١) \"أتعملون\" من (ك).","vol":"5","page":25},{"text":"فيكونُ نصبُه على المفعوليةِ، ويجوزُ أن يكون نصبُه على الحاليةِ؛ أي: لننظُرَ على أيِّ حالٍ تعمَلون: على حالِ الخير أم على (^١) حالِ الشرِّ، ولا يجوزُ انتصابُه بـ ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لأنَّ الاستفهام لا يتقدمُ عليهِ عاملُهُ، وفائدتُهُ: التنبيهُ على أن المعتبرَ في الجزاءِ ماهياتُ (^٢) الأفعالِ وكيفيَّاتها، لا هِيَ من حيثُ ذاتُها، ولهذا يحسُنُ الفعلُ تارةً ويقبُحُ أُخرى.\nوالنظرُ على حقيقتِهِ لأن الكلامَ على طريقةِ الاستعارةِ التمثيليَّةِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ [الفرقان: ٢٣] على ما نبَّهتُ عليه آنفًا.\nومَن لم يتنبَّه لذلك قالَ: هوَ مستعارٌ للعلم المحقَّقِ الذي هو العلمُ بالشيء موجودًا.\nويلزَمهُ الالتزامُ بأن يكون علمُه تعالى بالحوادثِ حادثًا، ولا صحةَ له؛ لأنَّه صفةُ كمالٍ، لا يجوزُ خلوُّهُ تعالى عنهُ، ومنشؤه الغفولُ عن أنَّ مَن ليسَ بزمانيٍّ لا يتوقَّفُ عِلمُه بالحوادثِ على مرور الزمانِ، وحصولِ تلكَ الحوادثِ في أوقاتها، كما هو شأنُ علمٍ هو زمانيٌّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1379\"> </span>(١٥) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) \"على\"ليس في (ك).\n(^٢) في (ف): \"جهات\".","vol":"5","page":26},{"text":"﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿لِقَاءَنَا﴾ يعني: المستهزئين من المشرِكينَ؛ ذكرَه ابن عباسٍ ﵄ (^١).\n﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾: بكتابٍ آخرَ ليس فيه ما يَغيظُنا من ذمِّ آلهتِنا والوعيدِ على عبادَتِها نتَّبِعْكَ.\n﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾: بأنْ تجعلَ مكانَ آيةٍ تفيد ذلك آيةً أُخرى، وإنما اقترَحوا ذلك مكرًا وطمَعًا في إجابته إليهِ، فيُلزِموه ويستهزئوا منهُ.\nولمَّا كانَ الإتيان بقرآنٍ غيرِ هذا ليس مقدورًا للإنسانِ، لم يَحتَجْ إلى نفيِه، ونَفَى ما هو مقدورٌ له وإن كان غيرَ جائزٍ في حقه (^٢) ﵇، فقيل لهُ: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي﴾: ما يصحُّ (^٣) لي ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ مصدرٌ استُعمِلَ ظرفًا.\nهذا بحسب جليل النظر، والذي هو بحسب دقيقِه: أن نفي الثاني نفيٌ للأولِ دلالةً، فلا اقتصارَ في النفي ولا اكتفاءَ ببعضِ الجوابِ، واللّهُ تعالى أعلَمُ بالصوابِ.\n﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾؛ لأنَّ المتَّبِعَ لغيره في أمرٍ سيَّما الوحي لا يستبِقُ بالتصرفِ فيه بوجهٍ، وجوابٌ للنقصِ بنسخِه بقرآنٍ آخرَ، ورَدٌّ لِمَا عرَّضوا به في هذا السؤالِ من أنَّ القرآنَ كلامُه ﵇ ومفتراهُ، ولذلكَ قيَّدَ التبديلَ في الجوابِ بقوله: ﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ وسماهُ عصيانًا بقولِه:\n_________\n(^١) ذكره ابن الجوزي من طريق أبي صالح عن ابن عباس، والواحدي عن الكلبي، فيرجح أن رواية ابن عباس من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه. انظر: \"أسباب النزول \" (ص: ٢٦٤)، و\"زاد المسير\" (٢/ ٣٢٠).\n(^٢) في (ك) و(م): \"نفسه\".\n(^٣) في (ف): \"صح\".","vol":"5","page":27},{"text":"﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أي: بالتبديلِ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: فيهِ إيماءٌ بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الإخراج.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1380\"> </span>(١٦) - ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ غيرَ ذلكَ.\n﴿مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾: ولا أَعلَمَكم به على لساني؛ أي: إن تلاوتَهُ ليسَت إلا بمشيئةِ اللهِ تعالى لا بمشيئتي حتَّى أجعلَهُ على نحو ما تشتهونَهُ.\nوقرئ: ﴿أَدْرَاكُمْ﴾ بلام التأكيدِ (^١)، أي: لو شاءَ اللهُ ما تلوتُه عليكُم، ولأعلمكم اللهُ به على لسانِ غيري، والمعنى: إنهُ الحقُّ الذي لا محيصَ عنهُ، لو لم أُرسَل به لأُرسِلَ به غيري.\nوقرى: (ولا أدراتُكم) (^٢) على لغةِ مَن يقولُ: أعطاته وأرضاته (^٣)، في: أعطيتُه وأرضيتُه، ويعضدُه قراءةُ ابن عباسٍ ﵄: (ولا أنذرتكم) (^٤).\n_________\n(^١) هي قراءة قنبل ورواية أبي ربيعة - وهو محمد بن إسحاق بن وهب الربعي المكي أنبل أصحاب البزي في وقته - عن البزي عن ابن كثير، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١)، و\"معرفة القراء الكبار\" للذهبي (١/ ٤٥٤).\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٢٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٣٥).\n(^٣) في (ف): \" أعطيته وأرضيته \"، وفي (ك): \" أعطته وأرضته \"، وفي (م): \" أعطئته وأرضئته \". والمثبت من المصدرين السابقين.\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٣٥)، و\"البحر\" (١٢/ ٣٩).","vol":"5","page":28},{"text":"وقرئ: (ولا أَدْرَأكم به)، [(ولا أَدْرَاعْيهم)] بالهمزةِ (^١) على لغةِ مَن يقلب الألفَ المبدلةَ من الياءِ همزةً لأنهما من وادٍ واحدٍ، أو على أنهُ من دَرَأْتُه: إذا دفعتَهُ، وأَدْرَأْتُه: جعلتُه داريًا؛ أي: ولا جعلتكم بتلاوته خُصماءَ تدرؤونني بالجدالِ وتكذِّبونني.\n﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ طويلًا مقدارَ أربعين سنةً.\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ هذا القرآنِ؛ أي (^٢): لا أتلوهُ ولا أعلَمُ شيئًا، وهو تقريرٌ (^٣) لكونه مِن إعلام اللهِ تعالى وبمشيئته، فإنَّ مَن نشأ بهم وعاش فيهم هذه المدَّةَ لم يتعلَّم شيئًا، ولم يجالس قطُّ عالمًا، ولم يمارِس علمًا، ولم ينشِئ خطبةً ولا قريضًا، ثم أتى بكلامٍ بذَّت فصاحتُه فصاحةَ كلِّ بليغٍ، وعلا نظمُهُ كلَّ منظومٍ ومنثورٍ، خارقًا للعادةِ، أعجزَ عن معارضتِهِ البلغاءَ عن آخرِهم، محتوٍ على فنون العلومِ والحِكَمِ، ناطقٍ بغيوبٍ لا يعلَمُها إلا اللهُ، مشتمِلٍ على أصولِ الأحكامِ وفروعِها، معربٍ عن أقاصيصِ الأولينَ وأحاديثِ الآخرينَ على ما هي عليهِ، عُلِمَ أنه معلَّمٌ به (^٤) من عندِ الله تعالى.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا تستعملون عُقولكم بالتأمُّلِ فيهِ فتعلَمون أنهُ ليسَ إلا من اللهِ تعالى لا من مِثلي، فلا تتَّهموني بالافتراءِ على الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٨)، والكلام وما بين معكوفتين منه، والأولى ذكرها أيضًا العكبري في \"إملاء ما من به الرحمن\" (ص: ٦٦٩)، والثانية نسبت لابن عباس وابن سيرين والحسن وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٠٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٣٥)، و\"البحر\" (١٢/ ٣٨).\n(^٢) \"أي\" ليست في (ك)، وتحرفت في (م) إلى \"أو\".\n(^٣) في (ك): \"تقريب\".\n(^٤) \"به \"من (ف).","vol":"5","page":29},{"text":"<span id=\"aya-1381\"> </span>(١٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾: كنايةٌ منه ﵇ ومنهم؛ أي: أظلَمُ مني إن افتريتُ على اللهِ كذبًا بتبديلِ ما أنزَلَ اللهُ تعالى عليَّ، ومنكم بتكذيبِكم بآياتِ الله تعالى، وقد سبقَ في تفسير سورة البقرة وجهُ هذه الطريقةِ الاستفهاميةِ في مقام المبالغةِ.\nوأما ما قيلَ: تظليمٌ للمشركين بافترائهم على اللهِ تعالى في قولهم: إنهُ ذو شريكٍ، وذو ولدٍ. فيأباهُ التصديرُ بالفاء الدالَّةِ على ترتيبِ الكلامِ على ما سبقَ.\nوإنما زاد قولَهُ: ﴿كَذَّبَ﴾ مع أنَّ الافتراءَ لا يكونُ إلا كذلكَ؛ إظهارًا لِمَا فيه من جِهَتي القبحِ.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا يظفرونَ بمطلوبٍ، ولا يَصِلُون إلى مأمولٍ، ولا يأمنون من محذورٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1382\"> </span>(١٨) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ أي: الأوثانَ؛ لأنها جماداتٌ لا تضرُّهم إن تركوا عبادَتها، ولا تنفَعُهم إن عبدُوها، ومن خواصِّ المعبودِ أن يكونَ قادرًا على النفعِ والضرِّ، مُثيبًا على الطاعةِ، معاقبًا على المعصيةِ.","vol":"5","page":30},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾ الأوثانُ ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشفَعُ لنا في الآخرةِ، وعن النضر بنِ الحارث: إذا كان يومُ القيامةِ شفعَت لي اللاتُ والعزَّى.\nومَن زادَ على هذا قولَه: إنْ نكن نُبعَثُ، وكأنهُم كانوا شاكِّين فيهِ - فقد أتى بشيءٍ عُجاب، كما لا يخفى على ذوي الألباب (^١).\n﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾: أتخبرونَهُ (^٢) ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾؛ أي: بما لا وجودَ له أصلًا، وهو أن لَهُ شريكًا.\nإنباؤهم للهِ تعالى تهكُّمٌ بهم وتقريعٌ لهم بإخبارِهم علَّامَ الغيوبِ بما ادَّعَوه من المحالِ الذي هو وجودُ الشركاءِ، وشفاعتُهم عند الله تعالى، وإعلامٌ ببطلانِه واستحالتِه بأنَّ ما لا يتعلَّقُ علمه بهِ لم يكُن شيئًا أصلًا؛ لأن علمَهُ تعالى محيطٌ بجميع الأشياءِ (^٣)، ولا حاجةَ في تمشيةِ هذا الكلامِ إلى تفسيرِ الشيء بما يُعلَمُ ويخبر عنه.\n﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: حالٌ من العائدِ المحذوفِ مؤكِّدةٌ للنفيِ، لا لأن ما لم يوجد فيهِما فهو منتفٍ لعدمِ صحَّتهِ، بل لِمَا جرى بهِ العُرفُ من أنه يقالُ عندَ تأكيد النفيِ: ليس هذا (^٤) في السماءِ ولا في الأرضِ؛ لاعتقادِ العامَّةِ أن كلَّ ما يوجد فهو إما في السماءِ وإما في الأرضِ؛ فلا حاجةَ إلى التزامِ أن يكون الكلامُ إلزاميًا، ودعوى أن الأمرَ كذلك في اعتقاد (^٥) دعوى المخاطَبين.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"رد لصاحب \"الكشاف\"، ويفهم منه عدم تمام ما في تفسير القاضي من التنبيه. منه\".\n(^٢) في (ك): \"تخبرونه\".\n(^٣) \"بجميع الأشياء\" من (م).\n(^٤) \"هذا\" سقط من (ك).\n(^٥) \"اعتقاد\" ليس في (ك).","vol":"5","page":31},{"text":"﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عن إشراكِهم، أو: عن الشركاءِ الذين يشركونهم به (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1383\"> </span>(١٩) - ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: موحِّدينَ على الفطرةِ من غير اختلافٍ بينَهم، وذلكَ في عهد آدمَ ﵇، إلى أن قتَلَ قابيلُ هابيلَ.\nوقيل: بعد طوفان نوح (^٢) حينَ لم يذَر من الكافرين ديَّارا. ومَبْنَى هذا على عمومِ آفَةِ الطوفانِ، وتمامُه موقوفٌ على أن يكونَ نوحٌ ﵇ مبعوثًا لكافة الأنام، حتى يلزَم الكفرُ لمن لم يتَّبعهُ، ولا يخفَى ما فيه من الكلام.\n﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ باتِّباعِ الهوى، فبعثَ الله تعالى النبيين مبشِّرينَ ومنذِرين، على ما مرَّ في سورة البقرةِ، فمن وهَم أن اختلافهم ببعثةِ الرسلِ فما فهِم أنه مخالفٌ لنصِّ القرآن.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: قضاءٌ جرى في الأزلِ بتأخيرِ الفصلِ والحُكمِ بينَهم إلى يومِ القيامةِ لمجال الردى (^٣) والعملِ في دارِ التكلِيفِ.\n﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بتمييزِ الحقِّ عن الباطلِ بإبقاء المحقِّ وإهلاك المبطِلِ.\n_________\n(^١) \"به \"ليس في (ك).\n(^٢) في (ك): \"بعد الطوفان\". وقوله \"نوح\" ليس في (م).\n(^٣) \"لمجال الردى\" كذا في (ف) و(ك)، وفي (م): \"لمحال الردي\"، ومعناها غير ظاهر على كليهما.","vol":"5","page":32},{"text":"<span id=\"aya-1384\"> </span>(٢٠) - ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (^١) أرادوا بهِ آيةً من الآياتِ التي كانوا يقترحونها (^٢)، غيرَ مكترِثين بما نزل عليه ﵇ من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل مثلُها على أحد من الأنبياء ﵈ قبله، خصوصًا القرآنُ المعجز الباقي على وجه الدهر، وغيرَ مقتدين (^٣) به عنادًا ومكابرة، بل جعلوا نزوله كلَا نزولٍ، وكأنه لم ينزل عليه آية قط، حتى قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ بتنكير ﴿آيَةٌ﴾ للتحقير؛ أي: آيةٌ ما واحدةٌ وشيءٌ من جنس الآية، وذلك لفرط عنادهم، وتماديهم في التمرد، وانهماكهم في الغَيّ.\n﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾؛ أي: إني لا أعلم المانعَ من إنزالها؛ فإنها غيبٌ ولا يعلَمُ الغيبَ إلا اللهُ.\nوما قيلَ: فلعله يعلَمُ في إنزالها من مفاسدَ تَصرِفُ عنهُ (^٤). لا ينتَظِمُ مع قولِه:\n﴿فَانْتَظِرُوا﴾: نزولَ ما اقترحتُموه ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: ما يَفعلُ اللهُ بكم من العذابِ بجحودِكم الآياتِ العظامَ، واقتراحِكم غيرَها تعنُّتًا.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"عدل عن صيغة الماضي إلى صيغة المضارع حكاية للحال الماضية، وقصدًا إلى الاستمرار. منه\".\n(^٢) في (ف): \"يفترونها\".\n(^٣) في (ك): \"مقيدين\".\n(^٤) أي: عن إنزالها، كما صرحت به عبارة البيضاوي صاحب هذا القيل. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٩).","vol":"5","page":33},{"text":"<span id=\"aya-1385\"> </span>(٢١) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: كخصبٍ وأمنٍ وصحة ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾: من القحطِ والشدةِ والمرض ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: خالطتهم حتى أحسُّوا بسوء أثرِها.\n﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ قد سبق في تفسيرِ سورةِ الأعرافِ بيانُ معنى (^١) المكرِ، وما بهِ يفارقُ الكيدَ، و﴿إِذَا﴾ الأولى شرطيةٌ، والثانيةُ للمفاجأةِ وقعَت جوابًا للشرطِ.\nقيلَ: سلَّطَ اللهُ تعالى القحطَ على أهل مكةَ سبعَ سنينَ حتى كادوا يهلِكُون، ثم رحمِهم بالحيا، فطفِقوا يقدَحون في آياتِ الله تعالى، ويمكُرون برسوله (^٢) ﵇.\n﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ إنما قالَ: ﴿أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ يعني: منكُم؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ قد دلَّ على السرعةِ ففضّل عليها (^٣)؛ أي: فاجَؤوا في وقتِ إذاقةِ الرحمة المكرَ، وسارعوا إليهِ قبلَ أن ينفضُوا من رؤوسهم غبارَ الضرَّاءِ، ومعناه: قد دبَّرَ عذابكم وهو مُوقِعه بكم قبلَ أن تدبِّروا كيدكَم في إطفاءِ نور الإسلامِ.\nوالمكر من الله تعالى: جزاءُ مكرِهم، وأخذُهم (^٤) بغتةً بعد الاستدراجِ.\n﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلامٌ بأنَّ ما دبَّروا في إخفائه من مقدماتِ\n_________\n(^١) في (ك): \"لمعنى\".\n(^٢) في (ك): \"رسوله\".\n(^٣) يعني: استعمل أفعل التفضيل في مقابلة مفاجأتهم الدال عليها (إذا) الفجائية.\n(^٤) في (ف): \"وأخذه\".","vol":"5","page":34},{"text":"المكرِ لم يَخْفَ على الحفظةِ فضلًا عن أن يخفى على اللهِ تعالى، وإيعادًا بالانتقامِ وتحقيقٌ لهُ، وقرئ: ﴿يمكرون﴾ (^١) ليوافقَ ما قبله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1386\"> </span>(٢٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ﴾ يمكنكم من السيرِ فيه بأن جعلَ لكُم الأرضَ ذَلولًا تمشُون في مناكبها، وقرئ: ﴿ويَنْشُرُكم﴾ (^٢) من النشرِ.\n﴿وَالْبَحْرِ﴾ ولمَّا كان السيرُ فيه أغرَبَ، وإلى ظهورِ آثار القدرةِ والرحمةِ أقربَ، خصَّهُ بالتفصيلِ فقالَ:\n﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ في السفنِ، و﴿حَتَّى﴾ على القراءةِ الثانية لبيانِ أن غاية السيرِ مضمونُ الجملةِ الشرطيةِ (^٣)، والالتفاتُ في:\n﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ أي: بمن فيها؛ [وهو التفاتٌ] (^٤) للمبالغةِ في جريِ الفلكِ بمرادهم، كأن ركوبها ووقوعَهم في الغيبة مع لسرعةِ الجري، وفي تقبيحِ حالهم\n_________\n(^١) هي رواية روح عن يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨٢)، ونسبت للحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٦)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٩).\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١).\n(^٣) في هامش (ف) و(م): \"أما على القراءة الأولى فلا حاجة إلى التأويل لأن الكون في السفن يصلح غاية للتسيير بمعنى التمكين من السير. منه\".\n(^٤) زيادة يقتضيها السياق، وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٠٩)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٨).","vol":"5","page":35},{"text":"بمنزلةِ ما إذا أعرَضَ المتكلِّمُ عن المخاطبِ، وحكَى لغيرِه سوءَ صنيعِه وقلةَ حيائهِ، كأنهُ يذكِّرُ بغيرِهم حالَهم ليُقبِّحَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتقبيحَ.\nولك أن تقولَ في وجهِ الالتفاتِ: إن قولَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ خطابٌ فيهِ امتنانٌ، وإظهارُ نعمةٍ للمخاطَبين، والسائرونَ في البر والبحر مؤمنون وكفارٌ، والخطابُ شاملٌ؛ فحسُنَ خطابهم بذلكَ ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعل الطالحَ يتذكَّرُ هذه النعمةَ فيرجِعَ، فلما ذكرَتْ حالَهُ اَلَ الأمرُ في آخرِها إلى أن الملتبِسَ بها هو باغٍ (^١) في الأرضِ بغيرِ الحقِّ عدَلَ عن الخطابِ إلى الغيبةِ، حتى لا يكونَ المؤمنون يخاطَبون بصدورِ مثل هذه الحالةِ.\n﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ليِّنةِ الهبوبِ ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلكَ الريحِ.\n﴿جَاءَتْهَا﴾ جوابُ: ﴿إِذَا﴾ والضميرُ للريحِ الطيبةِ بمعنى: تلقَّتْها ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: ذاتُ عصفٍ، شديدةُ الهبوبِ.\nوجوِّزَ أن يكونَ الضميرُ للفلكِ، ولا يلائمه قولُه: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ﴾ لِمَا فيهِ من تخصيصِ مجيء الريحِ بالسفينة، ومجيءِ الموجِ بمن فيها بلا نكتةٍ تقتضِيها، بل معنى مجيء الموجِ من جهاتٍ متقابلةٍ يستدعي أن يكون الضميرُ للريح الطيبةِ حتى يفيدَ معنى التقابلِ والتدافعِ بين الريحين فتحصلَ المبالغةُ في اللجاجِ (^٢) البحرِ واضطرابِ أمواجِها المقصودةِ من قولِه:\n﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فإنَّ عبارةَ ﴿كُلِّ﴾ في مثل هذا المقامِ للمبالغةِ والتفخيمِ، لا للإحاطة والتعميمِ، ومن غفلَ عنه قيَّدَ المكانَ بقوله: يجيءُ الموجُ منهُ.\n_________\n(^١) في (ف): \"ساع\".\n(^٢) في (ف): \"عجاج\".","vol":"5","page":36},{"text":"﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ سُدَّت عليهم مسالكُ الخلاصِ، كمن أحاط به العدوَّ، مَثَلٌ في الهلاكِ فاستُعملَ مكانَهُ.\n﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بدلٌ مِن ﴿مُخْلِصِينَ﴾ بدلَ الاشتمالِ؛ لأن دعاءَهم من لوازمِ ظنَهم.\n﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: موحِّدين بلا إشراكٍ، لصفاءِ الفطرةِ بزوال المانعِ من شدة الخوفِ.\n﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مفعولُ ﴿دَعَوُا﴾ لأنهُ من جملةِ القولِ فلا حاجةَ إلى تقديرِه، واللامُ في ﴿لَئِنْ﴾ موطِّئةٌ للقسمِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1387\"> </span>(٢٣) - ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ إجابةً لدعائهم.\n﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: فاجؤوا الفسادَ فيها وسارَعوا إلى ما كانوا عليه.\n﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: احترازٌ من البغي بالحقِّ؛ كتخريبِ المسلمين ديارَ الكفارِ، وقلعِ أشجارِهم، وإحراقِ زروعِهم، فإنه إفسادٌ بحقٍّ.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: تلوينٌ للخطاب في أثناء الكلامِ، والتفاتٌ آخَرُ لشدةِ الاعتناءِ بترك البغيِ، والمبالغةِ في النهيِ، والتنفيرِ عنهُ.\n﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: ﴿بَغْيُكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ صلته (^١) ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبره؛ أي: بغيُكم على مَن هو من جنسكم ومثلُكم، يعني: بغيُ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"صلة\".","vol":"5","page":37},{"text":"بعضِكم على بعضٍ منفعةُ الحياة الدنيا لا تبقَى ويبقى عقابُها.\nأو ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبرٌ، أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسِكُم، و﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو متاعُ الحياة الدنيا.\nوقرئ ﴿مَتَاعَ﴾ بالنصب (^١) على أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ، و﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ خبرٌ؛ أي: إنما بغيُكم وبالٌ على أنفسكُم تتمتَّعون متاعَ الحياة الدنيا.\n﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ في القيامةِ ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد (^٢) سبق تفسيرُه في سورةِ التوبةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1388\"> </span>(٢٤) - ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: حالُها العجيبةُ في سرعةِ تقضِّيها وذهابِ نعيمِها (^٣) بعدَ إقبالها واغترارِ الناس بها.\n﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾: فاشتبَك بسببِه حتى خالطَ بعضُه بعضًا لتكاثُفه.\n﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾: من الزروعِ والبقولِ والحشيش.\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم برواية حفص، وباقي السبعة بالرفع، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١).\n(^٢) في (ك): \"قد\".\n(^٣) في (ف): \"بغيتها\".","vol":"5","page":38},{"text":"﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: استعيرَ لتلكَ البهجةِ (^١) والنضارةِ والألوان المختلفةِ لفظةُ الزخرفِ وهو الذهبُ (^٢)، لمَّا كان من الأشياءِ البهيَّةِ المنظرِ السار للنفوسِ.\n﴿وَازَّيَّنَتْ﴾: بأصنافِ النباتِ وأشكالها وألوانِها المختلفة، و(ازَّينت) أصلُهُ: (تزينَت) فأُدغِم، وقد قرئ على الأصلِ (^٣)، و: (أَزينَتْ) على أفعلَت (^٤) من غير إعلالٍ (^٥) - كأَغْيَلت - أي: صارَت ذات زينةٍ، و: (ازيانَّتْ) كابياضَّتْ (^٦).\n﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: متمكِّنون من حصدِها وتحصيلِ ريعِها والانتفاع بها.\n﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾: بإتلاف زرعِها وإفساده ببعض العاهاتِ بعدَ أمنهم من آفاتها.\n﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: فجعلنا زرعَها، على تقديرِ حذف المضافِ للمبالغة.\n﴿حَصِيدًا﴾: مقطوعًا مُستأصلًا شبيهًا بالحصيدِ.\n﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: كأن لم ينبُت ذلك الزرعُ، ولا حاجةَ هنا إلى تقديرِ\n_________\n(^١) في (ك): \"الهيجة\".\n(^٢) في (ف): \"الزينة\". والمثبت من (ك) و(م)، واللفظ يحتملهما، قال ابن عطية: (الزخرف: التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١١٤).\n(^٣) نسبت لأبي وابن مسعود والأعمش. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١١٤)، و\"البحر\" (١٢/ ٦٠).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٦)، و\"المحتسب\" (٢/ ٣١١).\n(^٥) في (ك) و(م): \"إدغام \". والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\"، قال الشهاب: كان قياسه أن يعل فتقلب ياؤه ألفًا فيقالَ: أَزَانَتْ؛ لأنَّه المطَرد في باب الإفعال المعتل العين، لكنه ورد على خلافه كـ: أغيلت المرأة بالغين المعجمة: إذا سقت ولدها الغيل، وهو لبن الحامل، ويقال أغالت على القياس. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٥/ ٢٠).\n(^٦) نسبت لعوف بن أبي جميلة، انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١١٤).","vol":"5","page":39},{"text":"المضافِ، وقرئ بالياء على الأصل (^١)، يُقالُ: غَنِيَ بالمكانِ غَنًى - مثل: عَمِيَ عَمًى - وتغنَّى: إذا أقامَ.\nوقرئ: (لم تَتَغنَّ) (^٢).\n﴿بِالْأَمْسِ﴾: فيما قُبيلَهُ (^٣)، مَثَلٌ في الوقت القريب الماضي، كأنه قيلَ: كأنْ لم تَغْنَ آنفًا\" لمَّا قَرَّرَ أن البغي متاعُ الحياِة الدنيا عقَّبه بتمثيلِ الحياة الدنيا في سرعةِ تقضِّيها وانقراضِ نعيمها مع بهجته وزينتِهِ، بحالِ نبات الأرض النابتِ بماء المطرِ في سرعةِ جفافِهِ وذهابِهِ حطامًا بعد اخضرارِهِ وغضاضَتِهِ قبلَ انتفاعِ الناسِ بهِ، لتنفيرِ العقلاء عنهُ.\nوالممثَّلُ بهِ مضمون الحكايةِ لا الماء (^٤) وإن وليَه حرفُ التشبيهِ؛ لأنَّه من التشبيه المركَّبِ، وقولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ مبالغةٌ في تزيينِ الأرض وبهجَتِها في أثناءِ التمثيلِ بتشبِيهها في جعلِها اَخذةً زخرُفها بالعروسِ إذا أخذت الثيابَ الفاخرةَ من كل لونٍ فاكتسَتْها وتزيَّنَتْ بأنواعِ الزينة والحليِّ على طريق الاستعارةِ بالكنايةِ.\n_________\n(^١) نسبت للحسن البصري، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٢٣١).\n(^٢) في (ف): \"تغن\"، وفي (م): \"يغن\"، وكلاهما تكرار لا لزوم له، ووقعت في (ك) بالرسم نفسه لكن دون تنقيط، والصواب المثبت، وهي قراءة نسبت لمروان بن الحكم. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣١٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٤١)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ١١٥)، و\"البحر\" (١٢/ ٦٢).\n(^٣) بالتصغير، وفي نسخة من \"تفسير البيضاوي\": (قبله) بالتكبير، أي: فيما قبل - أو: قبيل - أمرنا. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٥/ ٢١).\n(^٤) في النسخ: \"مضمون الحكاية للماء\" وهو خطأ. والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٠).","vol":"5","page":40},{"text":"﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: نبيِّنها (^١) ونميِّزُ بعضها عن بعضٍ.\n﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: إنما خصَّها بهم لأنهم المنتفِعون بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1389\"> </span>(٢٥) - ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾: الجنةُ، أضافَها إلى اسمِه تعالى تعظِيمًا لها، أو: دارِ السلامةِ من النقصِ والآفةِ، لسلامةِ أهلِها من كلِّ مكررهٍ.\nوقيلَ: دارُ السلام لفشوِّ (^٢) السلامِ بينهُم، أو تسليمِ الملائكة عليهم.\n﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾: هدايتَه بالتوفيق ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: طريقِها؛ وهو الإسلامُ والتقوى.\nولمَّا كانَ الدعاءُ عامًا لم يقيَّد بالمشيئةِ، بخلافِ الهداية فإنها خاصَّة فتقيَّدَت بها، وفيه إيذانٌ بأن الأمر غيرُ الإرادة، وأن المقَرَّ على الضلالة لم يُرِدِ الله تعالى أن يرشده (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1390\"> </span>(٢٦) - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"نبينها\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف): (لنشر)، وفي (م) غير واضحة، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٣٤١).\n(^٣) \"وفيه إيذان بأن الأمر غير الإرادة وأن المقر على الضلالة لم يرد الله تعالى أن يرشده\" من (م).","vol":"5","page":41},{"text":"﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾: المثوبةُ الحسنى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ عليها؛ وهي تفضلٌ لقولِه تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ١٧٣].\nوقيلَ: ﴿الْحُسْنَى﴾ مثل حسناتهم، والزيادةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ وأكثرَ.\nوقيلَ: الزيادةُ الرضوانُ.\nوقيلَ: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: الجنةُ، والزيادةُ هو اللقاءُ.\nومن غلاةِ (^١) أصحابِ الضلالِ مَن قال: زعمَت المشبِّهةُ والمجبِرةُ أن الزيادةَ النظرُ إلى وجه اللهِ تعالى، وجاءت بحديثٍ مرقوع (^٢): \"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نودوا: أن يا أهلَ الجنةِ! فيُكشفُ الحجابُ فينظُرون إليهِ، فواللّه ما أعطاهم اللهُ شيئًا هو أحبَّ إليهم منهُ \".\nقوله: مرقوعٌ، صحَّ بالقاف عندَهُ، ومعناهُ: مرقوع مُفترًى، وأما عند أهل الحقِّ فقد صحَّ بالفاءِ، رواهُ أبو بكر الصديقُ، وأبو موسى الأشعريُّ، وحذيفةُ، وابن عباسٍ، وعكرمةُ، وقتادَةُ والضحَّاكُ، وابن أبي ليلى، ومقاتل (^٣).\n_________\n(^١) في (ك): \"علامات\".\n(^٢) قائل هذا هو الزمخشري في \"الكشاف\" (٣/ ٣٤٢). وقوله: (المشبهة والمجبرة) يريد أهل السنة القائلين بجواز رفلته تعالى ووقوعها في الآخرة، خلاف المعتزلة القائلين بامتناع ذلك. وقال الآلوسي: (وقول الزمخشري عامله الله تعالى بعدله: (إن الحديث مرقوع) بالقاف؛ أي: مفترى، لا يصدر إلا عن رقيع، فإنه متفق على صحته، وقد أخرجه حفاظ ليس فيهم ما يقال. نعم جاء في تفسير ذلك غير ما ذكر لكن ليس في هذه الدرجة من الصحة ولا رفع فيه صريحًا). انظر: \"روح المعاني\" (١١/ ١٠٣).\n(^٣) انظر ما روي عن الصحابة والأئمة المذكورين في \"تفسير الطبري\" (١٢/ ١٥٦ - ١٦١)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٦/ ١٩٤٥)، و\"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٥٠٤ - ٥١٣).","vol":"5","page":42},{"text":"أورده مسلمٌ في \"صحيحه\" عن صهيبٍ ﵁ عنِ النبي ﷺ، وأوردَه البخاري في \"صحيحه\" بلا إسنادٍ، وصححهُ أحمد بن حنبلٍ، والترمذِيُّ، وابن ماجَه (^١).\nفالحديثُ متفق على صحتِهِ، وذلك المتعصِّبُ طعن في الحديثِ الصحيحِ، والخبرِ الحقِّ الصريح ترويجًا لاعتقادِه الفاسد، وتصحيحًا لمذهبه الباطلِ، وصحَّفَ المرفوعَ فجعله مرقوعًا ليرقِّعَ به مذهبَهُ المخروقَ، هيهاتِ اتَّسع الخرقُ على الراقع، والحقُّ الواقعُ ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٨].\n﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾: ولا يغشاها ﴿قَتَرٌ﴾: غبرةٌ فيها سوادٌ ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: هوانٌ، يعني: لا يرهَقُهم ما يرهقُ أهل النارِ، أو: لا يلحَقُهم ما يوجِبُ ذلك؛ من حزنٍ، وسوءِ حالٍ، وكسوف بالٍ.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمون لا زوالَ فيها ولا انقطاعَ لنعيمِها، بخلافِ الدنيا وزخارِفها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1391\"> </span>(٢٧) - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: عطفٌ على ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾، كقولهم: في الدار زيدٌ، والحجرةِ عمرٌو، وجازَ العطفُ على عاملين مختلِفَين لتقدُّمِ المجرورِ.\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٢)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١٨٩٣٥)، من حديث صهيب ﵁.","vol":"5","page":43},{"text":"أو مبتدأٌ خبرُه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ على تقديرِ: وجزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً بسيئةٍ واحدةٍ مثلِها.\nوفيه دليل على أن الزيادةَ هي (^١) الفضلُ؛ لأن جزاءَ السيئة بمثلِها هو العدلُ.\n﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ إذكارٌ لهم بما يتقدم (^٢) منهُ برحمتِه.\n﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾؛ أي: من سخطِ الله تعالى وعقابِه، أو: من جهةِ اللهِ ومن عندِه كما يكون للمؤمنين.\n﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: حالٌ من ﴿اللَّيْلِ﴾، ولفرطِ سوادِها وظلمَتِها، والعاملُ فيها ﴿أُغْشِيَتْ﴾ لأنهُ العاملُ في ﴿قِطَعًا﴾، و﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ صفةٌ لهُ، والعاملُ في الموصوفِ عاملٌ في الصفةِ، أو معنى الفعلِ في ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾.\nوقرئ ﴿قِطَعًا﴾ بالسكون (^٣)، من قوله: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] فيكونُ ﴿مُظْلِمًا﴾ صفةً لـ ﴿قِطَعًا﴾، أو حالًا منهُ لاختصاصِه بالوصفِ، ويعضدُه قراءةُ: (كأنما يَغْشَى وجوهَهم قِطَعٌ من الليل مُظْلِمٌ) (^٤).\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ولا متمسَّكَ فيهِ للوعيدِ به؛ لأن سياقَ الكلامِ في الكفارِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢﴾ [عبس: ٤٥ - ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\n_________\n(^١) في (ك): \"هو\".\n(^٢) في (ك): \"ينفذهم\".\n(^٣) قراءة ابن كثير والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١).\n(^٤) نسبت لأبي بن كعب ﵁، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٤٣).","vol":"5","page":44},{"text":"وأما التعليل (^١) باشتمالِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ على الشركِ والكفرِ ففيهِ تخصيصُ الحكمِ المذكورِ بالمشركينَ، ولا وجهَ له، والتعليلُ بتناول (الذين أحسَنُوا) أصحابَ الكبيرةِ من المؤمنين فلا يتناولهم قسيمُهُ؛ فليسَ بقويٍّ؛ لأن كونَهم من المحسنينَ على الإطلاقِ غيرُ ظاهرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1392\"> </span>(٢٨) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الفريقين جميعًا.\n﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾؛ أي: الْزَموا مكانكُم حتى تنظروا ما يُفعَل بكم.\n﴿أَنْتُمْ﴾: تأكيدٌ للضمير المرفوعِ المنتقلِ إلى ﴿مَكَانَكُمْ﴾ من عاملِه لسدِّ مسَدِّ: الزمُوا.\n_________\n(^١) في هامش \"ف \": \"قوله: وأما التعليل .. إلخ يشير به إلى الرد على القاضي البيضاوي؛ لأنَّه ذكر العلتين، وظاهره: أن كلا منهما كاف في العلية، مع أن العلة الأولى مستلزمة أن الخلود لا يكون إلا للمشرك، وهذا لا وجه له إذ الخلود يعم كل كافر ولو غيرَ مشرك، والعلة الثانية تفتضي إطلاق المحسن على الآتي بالكبيرة عند الإطلاق، وهو غير سديد إذ إنه إذا أطلق ذلك فلا ينصرف إلا للمطيع المحسن في غالب أحواله، والجواب عن الأول: أن القاضي إنما جاء به مصحِّحًا لما ادعاه من كون الثاني في حق الكفار ولا ينافيه قوله: ﴿كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الظاهر في إرادة العصاة؛ لأن ذلك يشمل الكفر والشرك كما يشمل المعصية دونهما وكل واحد منهما كاف في الخلود لا بقيد الشرك، وأما ادعاء أن المحسن على الإطلاق لا ينصرف إلا للطائع فغير مسلَّم؛ لما علم من الأحاديث الشريفة من إطلاقه على المؤمن مطلقًا، وعليه جرى أهل السنة والجماعة\".","vol":"5","page":45},{"text":"﴿وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ عطفٌ عليهِ، وقرئ: (شركاءكم) (^١) بالنصبِ على المفعولِ معه.\n﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: ففرَّقنا بينَهم، وقطَعنا الوُصَلَ التي كانت بينهم في الدنيا (^٢).\nقيلَ: فباعَدنا بينهُم بعد الجمعِ في المحشرِ، وتبرُّؤِ شركائهم منهُم ومن عبادَتِهم؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٣ - ٧٤] ويأباه ترتيب (^٣) قوله:\n﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بالفاء الواصلةِ بلا تراخٍ على ما تقدَّمَ، و﴿مَا﴾ مجازٌ عن براءةِ ما عبدُوه (^٤) من عبادَتهم، فإنهم إنما عبَدُوا (^٥) في الحقيقةِ أهواءهم؛ لأنها الآمرة بالإشراك (^٦) لا ما أشركوا بهِ.\nوالمرادُ من الشركاء: الملائكةُ، وعُزَيرٌ، والمسيحُ، ومَن عبدُوهم مِن أولي العقلِ.\nوقيلَ: الأصنامُ يُنطِقُها اللهُ تعالى فتكلِّمُهم بذلكَ مكانَ الشفاعةِ التي يتوقعون منها.\nوقيلَ: الشيطانُ والشياطينُ، ويردُّه:\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٤٣).\n(^٢) \"في الدنيا\" في (م).\n(^٣) في (ف): \"ترتيبه قبل\".\n(^٤) في (ك): \"عهدوه\".\n(^٥) في (ك): \"عهدوا\".\n(^٦) في (ف): \"الآمرة بالإشراكي\".","vol":"5","page":46},{"text":"<span id=\"aya-1393\"> </span>(٢٩) - ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾.\n﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: العالمِ بكنهِ الحالِ.\n﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾: لأن عبادتهم كانت بإغوائهم، (إنْ) هي المخفَّفةُ من الثقيلةِ، واللام هي الفارقةُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1394\"> </span>(٣٠) - ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلك المكانِ.\n﴿تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾: تختبرُ ما قدَّمت من العملِ؛ أي: تُعاين (^١) ضرَّهُ ونفعَهُ.\nوقرئ: ﴿تتلوا﴾ منَ التلاوةِ (^٢)، أي: تقرأ في صحيفَتِها ما قدَّمت من الخيرِ والشرِّ، أو من التُّلُوِّ، أي: تتبَعُ؛ لأن عملَها هو الذي يقودُها إلى الجنة أو النارِ.\nوقرئ: (نبلو) بالنونِ، ونصبِ (كلَّ) (^٣)، أي: نُصيبُ كلَّ نفسٍ بالبلاءِ وهو العذابُ بسببِ ما قدَّمت من الشرِّ، فيكونُ (ما) ناصبًا (^٤) بانتزاعِ الخافضِ، أو: نختبرها باختبارِ ما أسلفَت، أي: نفعَلُ بعملِها فعلَ المختبرِ بحالها المتعرِّف لسعادَتها وشقاوتها بمعرفة عمِلها في الصلاحِ والفسادِ، والقَبول والردِّ، فيكون (ما) بدلًا من (كلَّ نفس) بدلَ الاشتمالِ.\n_________\n(^١) في (ف): \"تعارف\".\n(^٢) قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١).\n(^٣) قرأ بها عاصم في رواية وهي خلاف المشهور عنه، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٤٤).\n(^٤) كذا في النسخ، والصواب: \"منصوبًا\".","vol":"5","page":47},{"text":"﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾: إلى جزائه (^١) إيَّاهم بما أسلَفُوا.\n﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: ربِّهم، أو المتولي أمورِهم الحقِّ، لا الباطلِ الذي اتخذُوه مولى، أو مولاهُم على الحقيقةِ، لا الذي ليس لولايتِه حقيقةٌ، أو العدلِ الذي لا يظلِمُ أحدًا.\nوقرئ: (الحق) (^٢) بالنصبِ على المدحِ، كقولكَ: الحمدُ لله أهلَ الحمدِ، أو على المصدرِ المؤكِّدِ، كقولكَ: الحمدُ للهِ هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: مِن أنهم آلهتُهم تشفَعُ لهم، أو: ما كانوا يَدَّعون [أنها] (^٣) آلهة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1395\"> </span>(٣١) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: منها جميعًا، فإنَّ الأرزاق إنما تحصُلُ من الأسبابِ (^٤) سماويةً وأرضيةً مع، أو من كلِّ واحدةٍ توسعةً عليكم.\nوقيلَ: ﴿مِّنَ﴾ لبيان ﴿مَنْ﴾ على حذفِ المضافِ؛ أي: مِن أهل السماءِ والأرض.\n﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾، أي: مَن يستطيعُ خلقَهما وتصويرَهما، أو حفظَهما\n_________\n(^١) في (ك): \"جزاء له\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٤٤).\n(^٣) من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١١).\n(^٤) في (ك): \"أسباب\".","vol":"5","page":48},{"text":"وكَلاءتهما (^١) من الآفاتِ مع كثرتِهما وسرعةِ تأذِّيهما وبطلانِهما من أدنى شيءٍ.\nولما كان الوصولُ إلى الرزق بواسطَتِهما كان خلقُهما وحفظُهما من تمامِ الترزيقِ؛ ولهذا قالَ: ﴿أَمَّنْ﴾ ولم يقل: (ومَن)، كما قالَ:\n﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: ينشئُ الحيوان (^٢) من النطفةِ، والنطفةَ منه (^٣).\n﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: ومَن يلي تدبيرَ أمر العالمِ؟ تعميمٌ بعد التخصيصِ تنبيهًا على أنَّ تفاصيل المننِ والنعمِ والأسبابِ؛ الإيجادِ والربوبيةِ أكثرُ من أن تُحصى؛ كأنهُ قالَ: وبالجملةِ مَن يدبِّرُ أمر العالم كلَّهُ.\n﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾: إذ لا يقدرونَ نسبةَ (^٤) ذلكَ إلى غيرهِ مكابرةً؛ لفرطِ وضوحِه.\nفالسينُ للتأكيدِ، والفاءُ جزائيةٌ للترتيبِ على شرط محذوفٍ تقديرُه: إن سألتَهم عن ذلكَ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ البتة.\n﴿فَقُلْ﴾: تفريعٌ على الشرطية المذكورةِ.\n﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ اللهَ في إشراككم بهِ ما لا يشارِكُه في شيءٍ من ذلكَ؟! الهمزةُ للاستفهامِ الإنكاريِّ، والفاءُ لترتيب الإنكار على الاعترافِ المذكورِ، فهي مُقدَّمةٌ معنًى وإن أُخِّرت لفظًا؛ حفظًا لصدارةِ الهمزةِ.\n_________\n(^١) في (ف): \"وكلاءهما\".\n(^٢) في النسخ: \"الحياة\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١١).\n(^٣) في (م): \"عنه\". وسقطت \"والنطفة\" من (ك) و(م). والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٤) في (ك): \"بنسبة\".","vol":"5","page":49},{"text":"<span id=\"aya-1396\"> </span>(٣٢) - ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.\n﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ مَن هذه أفعالهُ وقُدرته ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الثابتُ ربوبيتُه، الواجب وجودُه؛ لأنَّه الذي أنشأكم وأحياكم، ورزقكم ودبَّرَ أموركم.\n﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ استفهام إنكارٍ؛ أي: ليسَ بعد الحقِّ الذي هو التوحيدُ وتخصيصُ العبادة به تعالى إلا الضلالُ.\n﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ من الحقِّ إلى الضلالِ، ومن التوحيدِ إلى الشركِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1397\"> </span>(٣٣) - ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الحقِّ؛ أي: كما حقَّتِ الربوبية للهِ تعالى، أو كما حقَّ وثبتَ أن الحقَّ بعده الضلالُ، أو أنهم مصروفون عن الحقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: حكمُه ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾: وتمردوا في الكفرِ، وخرجوا عن حدِّ الاستصلاح.\n﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: مفعولُ ﴿كَلِمَتُ﴾ لأنها في معنى الحكمِ؛ أي: حكمهم (^١) بأنهم لا يؤمنون، أو بدلٌ منها؛ أي: حقَّ وثبت أنهم لا يؤمنون، أو تعليلٌ على أن الكلمةَ كلمةُ العذابِ وعِدَتُه، أي: لأنهم لا يؤمنون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1398\"> </span>(٣٤) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: ألزمَهم بإبداء الخلقِ وإعادَتهِ وإن\n_________\n(^١) \"أي حكمهم\" سقط من (ف).","vol":"5","page":50},{"text":"لم يكونوا معترِفين بها، تنبِيهًا على وضوحِ برهانها، ودلالةً على أن مَن أنكرها كان مكابرًا رادًّا للظاهرِ البيِّنِ الذي اعترفَ بصحته العقلاءُ، وكان عندَهم من المسلَّماتِ.\nوقد أُومئ إلى لجاجِهم وعنادِهم وشدةِ مكابرتهم، بأمرِ النبيّ ﷺ بأن ينوب عنهُم في الجواب في قولِه:\n﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ أي: لا تدَعُهم لجاجتُهم أن ينطِقوا بكلمة الحقِّ فكلِّمْ عنهم.\n﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: تُصرَفون عن قصد السبيلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1399\"> </span>(٣٥) - ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.\n﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾: بنصبِ الحُججِ، وإرسال الرسلِ، والتمكينِ، والإقرار على النظرِ، والتوفيق للتفكُّرِ والتدبُّرِ، وإلهام الحقِّ والصوابِ.\nو(هَدَى) كما يُعدَّى بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الانتهاءِ، يُعدَّى باللام للدلالةِ على أن المنتهى غايةُ الهدايةِ، وأنها لم تتوجَّه نحوه على سبيل الاتِّفاقِ (^١)، ولذلك عُدِّيَ بها ما أُسنِدَ إلى اللهِ تعالى في قوله:\n﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، أي: اللهُ تعالى وحدَه هو الذي يهدِي للحقِّ دون غيرِه.\n﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أفمَن يهدي هذه الهدايةَ\n_________\n(^١) \"على سبيل الاتفاق\"؛ أي: من غير قصد وإرادة، بل تتوجه نحوه على سبيل القصد والإرادة. انظر: \"حاشية القونوي على البيضاوي\" (٩/ ٤٥٧).","vol":"5","page":51},{"text":"أحقُّ بالاتِّباع أم الذي لا يهتدي بنفسِه إلا أن يهدِيَه الله تعالى؟ وهذا حال أشرفِ شركائهم كالملائكةِ، والمسيحِ وعزيرٍ ﵉.\nوقيل: مَن لا يَهتدي (^١) من الأوثانِ إلى مكانٍ (^٢) فينتَقِلَ إليهِ ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: إلا أن ينقِلَ (^٣).\nوقرئ: ﴿لَا يَهِدِّي﴾ بفتح الياءِ وكسرها وتشديد الدالِ (^٤)، والأصلُ: يَهتَدِي؛ فأُدغِمَ.\nوقرئ: (إلا أن يُهَدَّى) (^٥) من هدَّاه للمبالغةِ، ومنهُ جاءَ: تَهَدَّى، بمطاوعَتِها (^٦) كقولهم: قطَّعتُه فتقَطَّعَ.\n﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطلِ؛ إذ تزعمون أنهم أندادُ اللهِ تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1400\"> </span>(٣٦) - ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م) و(ف): \"يهدي\".\n(^٢) \"إلى مكان\" من (م).\n(^٣) في النسخ: \"ينتقل\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٣٤٦).\n(^٤) كذا ذكر حركة الياء والدال، ولم يذكر حركة الهاء، فوجب التفصيل، فقد قرأ ابن كثير وورش وابن عامر بِفَتْح الياء والهاء وتَشديد الدَّال، وقالون وأبو عَمْرو كذلك إلا أنهما يخفيان حركة الهاء، والنَّصُّ عن قالون بالإسكان، وقال اليزيدي عن أبي عَمْرو: كانَ يُشمُّ الهاء شيئا من الفتح، وأبو بكر بكسر الياء والهاء، وحَفْص بفتح الياء وكسر الهاء، وحمزة والكسائِيّ بفتح الياء وإسكان الهاء وَتَخْفِيف الدَّال. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٢).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٤٦).\n(^٦) في (ك): \"بمطاوعته\".","vol":"5","page":52},{"text":"﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾: في معتقداتهم ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ غيرَ مستندٍ إلى برهانٍ، بل مستندٌ إلى خيالاتٍ وأقيسةٍ فاسدةٍ؛ كقياسِ الغائبِ على الشاهدِ، والخالقِ على المخلوقِ بأدنى مشاركةٍ موهومة، والمرادُ بالأكثر: مَن ينتمي منهُم إلى تمييزٍ ونظرٍ، ولا يرضَى بالتقليدِ الصرفِ.\n﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ﴾: في معرفةِ الله تعالى من الحقِّ إلى العلم والاعتقادِ.\n﴿شَيْئًا﴾ مفعولٌ به و﴿مِنَ الْحَقِّ﴾ حالٌ منهُ، أو نصبٌ على المصدرِ؛ أي: لا يغني بدلَ الحقِّ شيئًا من الإغناء.\nوقيلَ: وما يتَّبعُ أكثرهم في اتخاذِ الأصنامِ آلهةً وأنها شفعاء إلا ظنًا.\nوفيه (^١) دليل على أن تحصيلَ العلم في الأصولِ واجبٌ، والتقليدَ والاستغناءَ (^٢) بالظنِّ غير جائزٍ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: وعيدٌ لهم على ما يفعلونَ من اتباع الظنِّ، وتقليد الآباء دونَ البرهان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1401\"> </span>(٣٧) - ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: وما صحَّ أن يكونَ مثلُ هذا القرآن في الإعجازِ افتراءً من الخلقِ.\n_________\n(^١) في (م): \"وقيل\".\n(^٢) في (ف): \"والاكتفاء\".","vol":"5","page":53},{"text":"﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: ولكن كانَ تصديقَ ما تقدَّمه من الكتبِ المنزلةِ الصادقةِ، وتصديقُ الصادقِ صادقٌ، وهو لكونِه معجزًا دليل على صدقِها، وشاهدٌ لصحَّتها.\n﴿تَصْدِيقَ﴾ خبرُ (كان) المقدَّرِ، أو علةٌ لفعل محذوفٍ تقديرُه: لكن أنزلَ اللهُ تصديقَ الذي، وقرِئ بالرفع (^١) على تقديرِ: ولكن هو تصديقُ الذي.\n﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: وتبيينَ ما كُتبَ وما فُرضَ من الأحكام والشرائعِ؛ من قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].\nوقرئ: (وتفصيلُ) (^٢) بالرفع عطفًا على (تصديقُ) على قراءة الرفعِ.\n﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: خبرٌ ثالثٌ داخلٌ في حكم الاستدراكِ؛ أي: منفيًّا عنهُ الريبُ كائنًا: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nويجوزُ أن يكونَ ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ متعلِّقا بـ ﴿تَصْدِيقَ﴾ و﴿وَتَفْصِيلَ﴾، ويكون ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراضًا؛ كقولكَ: زيدٌ لا شك فيهِ كريمٌ، أو بالفعلِ المعلَّلِ بهما، أو حالًا من الكتابِ، أو الضميرِ في ﴿فِيهِ﴾ (^٣) لأنهُ مفعولٌ في المعنى، وسياقُ الآيةِ بعد المنعِ عن اتباع الظنِّ لبيانِ ما يجبُ اتِّباعُه، والبرهانِ على كونِه من عند الله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1402\"> </span>(٣٨) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n_________\n(^١) نسبت لعيسى بن عمر، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٧).\n(^٢) عزاها أبو حيان إلى عيسى بن عمر، انظر: \"البحر المحيط\" (١٢/ ٩٤).\n(^٣) في (ك): \"أو ضمير فيه\".","vol":"5","page":54},{"text":"﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾: بل أيقولون: ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ، ومعنى الهمزةِ إنكارٌ لقولهم، واستبعادٌ لدعوى الافتراءِ، مع كونه حجةً عليهم بالإعجاز.\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: إن كان افتراءً كما زعمتُم فأتوا أنتم بسورةٍ مفتراةٍ مِثْلِه في البلاغةِ وحسن النظمِ، فأنتم مثلي في البلاغةِ والفصاحةِ، بل أشدُّ تمرنًا بها مني.\n﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾: ومع ذلكَ فاستعينوا بمن أَمكنكُم أن تستعينوا (^١) به.\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من خلقِه؛ أي: لا تدعوا اللهَ فإنه وحدَهُ قادرٌ على ذلك، وادعوا غيرَهُ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنه افتراهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1403\"> </span>(٣٩) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾: بل سارعوا إلى التكذيبِ بالقرآن ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾: بالقرآن في أولِ وهلةِ سماعه (^٢) قبل أن يفهموه، ويعلمُوا معانيَهِ، أو: بما جهِلُوه ولم يحيطوا به علمًا من ذكرِ البعثِ والجزاءِ، وما يخالفُ دينَهم؛ لفَرْطِ (^٣) أُنسِهم بما ألِفُوه وتعوَّدوه (^٤) من دينهم، ونفورِهم عما يخالِفُه.\n﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: ولم يقفوا بعدُ على تأويلِه، ولم يبلُغ أذهانَهم معانيهِ، أو: لم\n_________\n(^١) \"بمن أمكنكم أن تستعينوا\" من (ك).\n(^٢) في (ف): \"إسماعه\".\n(^٣) وقع في (ك) مكانها كلمة غير واضحة.\n(^٤) في (ف): \"وتعودوا به\".","vol":"5","page":55},{"text":"يأتهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبارِ بالغيوبِ حتى يتبيَّنَ لهم أنهُ صدقٌ أم كذبٌ، يعني: إن القرآن معجزٌ من جهة (^١) اللفظِ والمعنى، ثم إنهم فاجَؤوا تكذيبَه قبل أن يتدبَّروا نظمَهُ، ويتفحَّصوا معناه.\nومعنى التوقُّعِ في المَّا) أنه قد ظهرَ لهم بالآخرةِ إعجازُه لما كرَّرَ عليهم التحدِّي، فرازوا (^٢) قواهم في معارضَتهِ فتضاءلتْ دونَها، أو لما شاهَدُوا وقوعَ ما أَخبر (^٣) به طِبقًا لإخبارِه مرارًا فلَم يُقلعوا (^٤) عن التكذيبِ تمرُّدًا وعِنادًا.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التكذيبِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أنبياءَهُم قبلَ النظرِ في معجزاتهم تقليدًا، وبعدَه عنادًا أو حسدًا.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: وعيدٌ لهم بمثلِ ما عوقِبَ به مَن قبلَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1404\"> </span>(٤٠) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: يصدِّق به نفسه ولكِن يعانِدُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾: مَن يشُكُّ فيهِ ولا يصدِّقُ، أو: منهُم مَن سيؤمِنُ، ومنهم مَن سيصِرُّ ولا يؤمنُ به.\n﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: بالمعاندِين والمصرِّين.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"حيث\".\n(^٢) \" فرازوا\"؛ أي: جربوا وامتحنوا. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٥/ ٣١).\n(^٣) في (م): \"أخبروا\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"يغفلوا\"، وفي (ف): \"يفعلوا\"، والتصويب من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٣).","vol":"5","page":56},{"text":"<span id=\"aya-1405\"> </span>(٤١) - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: أصرُّوا وواظبُوا على تكذِيبكَ بعد إلزامِ الحجة.\n﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: فتبرَّأ مِنهم وخلِّهِم فقَد أَعْذَرتَ، وقُل: لي جزاءُ عملِي، ولكُم جزاءُ عملِكُم؛ حقًّا كانَ أو باطلًا.\n﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: لا تؤاخَذُونَ بعملِي، ولا أواخَذ بعملِكم.\nقيلَ: ولمَا فيهِ من إيهامِ الإعراضِ عنهُم، وتخليةِ سبيلِهم، قيلَ: إنه منسوخٌ بآيةِ السيفِ.\nولا وجهَ له؛ لأن النسخَ إنما يُصارُ إليهِ عندَ قيامِ التعارضِ قطعًا، والإيهام بمعزلٍ عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1406\"> </span>(٤٢) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ إذا قرأتَ القرآنَ، وعلَّمتَ الشرائعَ، ولكِن لا يقبَلُون ولا يُصغونَ؛ كالأصمِّ الذي لا يسمَعُ أصلًا.\n﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: أبعدَ التبليغِ تقدِرُ على إسماعِ الصمِّ.\n﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: ولو انضَمَّ إلى صمَمِهم عدَمُ تعقُّلِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1407\"> </span>(٤٣) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾.","vol":"5","page":57},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ ويعايِنُ دلائلَ صدقِكَ ونبوَّتِك، ولكن لا يصدِّقُ.\n﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾: أ أنت بعدَ إظهارِ المعجزاتِ ودلائل النبوَّةِ تقدِرُ على هدايتِهم ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: ولو انضمَّ على عماهُم عدَمُ بصيرَتِهم.\n﴿أَفَأَنْتَ﴾ إنكارُ أن يكونَ هو الذي يقدِرُ على إسماعِ الأصمِّ الذي لا يعقِلُ، وهدايةِ الأعمى الذي لا بصيرةَ لهُ.\nوفيهِ تنبيهٌ على أن حقيقَةَ الاستماعِ هو فهمُ المعنى، وحقيقةَ الإبصارِ هو الاستبصارُ والاعتبارُ، وهما إنما يكونانِ بالعقلِ والبصيرةِ، لا بالحاسَّتين، ولذلك لا يُوصَفُ بالأولِ البهائمُ، ويحدُسُ الأعمى المستبصِرُ، ويتفطَّنُ بما لا يدرِكُه البصيرُ الأحمَقُ، وأنَّه لا يقدِرُ على موهبةِ العقلِ والبصيرَةِ والتوفيقِ للفهمِ والاستبصارِ إلا اللهُ تعالى وحدَهُ، فإذا لم يهَبْ ولم يوفِّقْ فمحالٌ أن يقدرَ على ذلك.\nوفي تشبيهِهم بالصمِّ والعمي: أن فائدةَ السمعِ والبصرِ الفهمُ والاستبصارُ، فإذا لم يحصُلا فكأنَّهما لم يكونا.\nوفي ضمِّ سلبِ العقلِ والبصيرةِ إلى الصمم والعمَى أنهم على اليأسِ من أن يفهَمُوا أو يستبصِروا.\nوأما سلبُ العقلِ في (^١) الأولِ، وسلبُ البصرِ في الثاني؛ فلأنَّ بالبصرِ بدونِ العقلِ يوصِلُ إلى اهتداءِ الطرُقِ والسلوكِ فيها، ألا ترى أن البهائمَ تبصِرُ الطرقَ وتسلُكُ فيها، وتتَّقي بها المهالِكَ ولا عقلَ لها؛ بخلاف السمعِ فإنهُ لا يُنتفَعُ بها بدونِ\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".","vol":"5","page":58},{"text":"العقلِ، فبظاهر (^١) البصرِ بدون العقلِ تُبصَرُ الأشياءُ، وبظاهر (^٢) السمعِ بدون العقلِ لا تُعرَفُ الأشياءُ، والآيةُ كالتعليلِ للأمر بالتبرُّؤ والإعراضِ عنهُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1408\"> </span>(٤٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾: بإخلال شيءٍ من الأسبابِ: كمالِهم، ووسائِل اهتدائهم، كنقصِ حواسِّهم، وسلبِ عقولهِم وبصائرِهم، وإهمالهم سُدًى بلا تنبيهٍ ببعثة الرسل وإنزال الكتبِ.\n﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بترك استعمالِ مشاعِرهم، وعدمِ التفكّرِ والتفهُّمِ بعقولِهم، والنظرِ والاعتبار ببصائرِهم، والذهولِ عن الوحيِ والإنذارِ بالانهماك في شهَواتهم.\nأو: لا يظلِمُهم بالتعذيبِ بكبرِهم وعنادِهم يوم القيامةِ فإنه عدلٌ، ولكنَّ الناس أنفُسَهم يظلِمون باقترافِ أسبابِه واستيجابِه.\nفعلَى هذا الوجه هو وعيدٌ لهم، وعلى الأولِ تنبيهٌ على أن كونهم بمنزلَةِ الصمِّ والعُمي مِن عدمِ استعمالهم لآياتِ الاهتداءِ فيما خُلِقت له، لا لأن أسبابَ الهداية مفقودةٌ، وعلى الوجهَين تذييلٌ لسابقِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1409\"> </span>(٤٥) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"فنظائر\".\n(^٢) في (ف): \"ونظائر\".","vol":"5","page":59},{"text":"﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً﴾: استقصارٌ منهم لمدةِ لُبثِهم في الدنيا، أو في البرزَخِ؛ لهول ما يرونَ، وفي بيانها بقولِه:\n﴿مِنَ النَّهَارِ﴾: تأكيد للاستقصارِ؛ لأنَّ النهارَ لكونِه زمانَ الاشتغالِ بالأشغالِ لا يُدرَكُ طولُ ساعاتِه، بخلافِ الليلِ.\nوالجملةُ التشبيهيَّةُ في موقع الحالِ، أي: نحشُرُهم مشبَّهين بمن لم يلبَث إلا ساعةً، أو صفةٌ لـ (يوم)، والعائد محذوفٌ، أي: يومًا كأنْ لم يلبثُوا قبلَهُ، أو المصدَرِ محذوفٌ، أي: حشرًا كأن لم يلبثُوا قبلَهُ.\n﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يعرِفُ بعضُهم بعضًا كأنْ لم يتعارَفُوا إلا قليلًا، وذلك أولَ ما حُشِروا، ثم ينقطِعُ التعارفُ بينهُم لشدةِ الأمرِ عليهم، فهو بيانٌ لقولِه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ لأنَّ طول مدةِ اللَّبثِ يوجِبُ التناكُرَ، والتعارُفُ إنما يبقى مع قلَّتها.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: استئنافٌ للشهادةِ من اللهِ تعالى بخُسرانهم في تجارَتهم وبيعِهم الإيمانَ بالكفرِ.\n﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: إلى طريقِ التجارةِ (^١)، وفيهِ معنى التعجُّبِ؛ كأنهُ قيلَ: ما أخسَرهُم، ووضعَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ موضعَ ضميرِهم إشعارًا بأنَّ سببَ الخسرانِ إنما هو تكذيبُهم لقاءَ الله تعالى، وعدمُ اهتدائهم لاستعمالِ ما أوتوا منَ المشاعر والعقولِ والبصائرِ في تحصيل المعارفِ، واكتسابهم بها عقائدَ فاسدةً، وجها لاتٍ تؤدّيهم إلى الحسابِ والهلاكِ والعذاب.\n* * *\n_________\n(^١) \"التجارة\" سقط من (ك). وانظر: \"روح المعاني\" (١١/ ١٦٠)، وفيه: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لطرق التجارة عارفين بأحوالها، أو: ما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة).","vol":"5","page":60},{"text":"<span id=\"aya-1410\"> </span>(٤٦) - ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾: نبصِّرنك ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ في حياتكَ، كما أراه يومَ بدرٍ ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل أن نُريكَ.\n﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: فنريكَهُ في الآخرَةِ، قيلَ: فهو جوابُ ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجوابُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ محذوفٌ، مثل: فذاكَ.\nولا حاجةَ إلى تقديرِ الجوابِ المذكورِ؛ لأنَّ قولَه: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ صالحٌ أن يكونَ جوابًا للشرطِ وما عطِفَ عليهِ، وعلى هذا يكونُ المعنى: فعلَى كِلَا التقديريَنِ نُعذِّبُهم في الآخرةِ، والذي نُريكَهُ في الدنيا لا يكونُ سببًا لتخفيفِ عذابِهم (^١) في الآخرةِ، وهذا هو المناِسبُ للمقامِ، فلا وجه للعدولِ عنه بها، لارتكابِ المحذوف في الكلامِ.\n﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾، أي: بعدَ رجوعِهم إلينا اللهُ معاقِبُهم على أفعالهم.\nأو الله مؤدٍّ شهادتَهُ على أفعالهم حينَ تنطِقُ جلودُهم وألسنَتُهم وأيديهِم وأرجلُهم شاهدةً عليهم، والمرادُ من الشهادةِ: مقتضاها ونتيجَتُها؛ أي: العقابُ؛ لأن شهادةَ الذي أحاطَ علمُه بجميعِ أفعالهم السيئةِ الخفيَّةِ والظاهرةِ توجِبُ العقابَ الشديدَ لأنهُ مُحصٍ كلَّ ما نسُوهُ.\nوالالتفاتُ من التكلُّم إلى الغيبةِ، وإظهارُ اسم الله تعالى، وإيقاعُ ﴿ثُمَّ﴾، وإيرادُ الجملة الاسميةِ: للتنبيهِ على أن المعاقب (^٢) هو اللهُ تعالى الذي لا يخفَى عليهِ ما فيهِ، وتربيةِ المهابةِ، والتهديدِ والتهويلِ بأن مضمونَ الوعيد في غايةِ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"للتخفيف\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"على أنه\".","vol":"5","page":61},{"text":"البعد من تصوُّرِهم عند الرجوعِ ودوامِ العقابِ، وفيهِ أنواعٌ من المبالغاتِ في تشديد الوعيدِ وتأكيدِه.\nوقرئ: (ثَمّ) بالفتحِ (^١)؛ أي: هناك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1411\"> </span>(٤٧) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: من الأممِ الماضيةِ ﴿رَسُولٌ﴾: بعِثَ إليهم ليدعُوَهم إلى الحقِّ.\n﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ بالبيِّناتِ فكذَّبوه ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ، فأُنجي الرسولُ ومَن اَمنَ بهِ، وأُهلك المكذِّبون (^٢)، وذلكَ لإلزام الحجةِ؛ كقولهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: بالعقابِ في الآخرةِ بعد العذابِ في الدنيا لأنهُ جزاءُ سيئاتهم، والتعذيبُ في الدنيا لا يكُون مكفِّرًا في حقِّ الكافرِ، وعلى هذا هو تأسيسٌ لا تأكيدٌ لِمَا قبلَهُ؛ فالعاطفُ أصابَ المحزَّ.\nبخلافِ ما قيلَ: معناه: لكلِّ أمةٍ يوم القيامةِ رسولٌ تنسَبُ إليهِ، فإذا جاءَ رسولهم الموقفَ ليشهَدَ عليهم بالكفرِ والإيمانِ قُضي بينهُم بإنجاء المؤمنِ وعقابِ الكافرِ؛ كقوله (^٣): ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٦٩]- فإنهُ حينئذٍ يتعينُ التأكيدُ، فالعاطفُ يكون واقعًا بينَ الشجرِ ولحائه.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لابن أبي عبلة، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٥٠)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ١٠٩).\n(^٢) في (ف) و(م): \"المكذبين\".\n(^٣) في (ك): \"لقوله\".","vol":"5","page":62},{"text":"<span id=\"aya-1412\"> </span>(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: استعجالٌ من المكذِّبين لِمَا وُعِدوا من العذابِ استبعادًا وإنكارًا واستهزاء.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: خطابٌ للرسولِ ﵇ والمؤمنينَ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1413\"> </span>(٤٩) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: فكيف أملِكُ لكم فأعجِّلَ لكم العذابَ؛ وتقديمُ الضرِّ لأن ما فيه الكلامُ من جنسِهِ.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: استثناءٌ متصلٌ؛ أي: إلا ما شاءَ اللهُ أن أملكَهُ، أو منقطعٌ؛ أي: ولكنْ ما شاءَ الله من ذلكَ كائنٌ.\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: مضروبٌ لهلاكِهم عند اللهِ تعالى، وحدٌّ محدودٌ من الزمانِ.\n﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: إذا جاء وقتُهُ، وقد سبقَ ما يتعلَّقُ به في تفسيرِ سورة الأعرافِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1414\"> </span>(٥٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ الذي تستعجلون به ﴿بَيَاتًا﴾: نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ بياتِكم وغفلَتِكم بالنومِ ﴿أَوْ نَهَارًا﴾؛ أي: وقتَ اشتغالكُم بطلب المعاشِ والكسبِ، أو اللهوِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ؛ أي: ندمتُم على الاستعجالِ، أو عرفتُم الخطأ فيهِ، وقولُه:","vol":"5","page":63},{"text":"﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ متعلق بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ماذا يستعجِلُون منهُ؟ والشرطيةُ اعتراضٌ، والأَولى أن يكونَ ﴿مَاذَا﴾ جوابَ الشرطِ كقولِكَ: إن أتيتُكَ ماذا تطعِمُني؟ والشرطيةُ متعلقة بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، وفحواها: أن العذابَ كلَّهُ مكروهٌ مُوجِبٌ للنفارِ، يجبُ أن يُستعاذَ منه لا أن يُستعجلَ، فأيَّ شيءٍ تستعجلونَ منهُ؟ على أن الضميرَ في ﴿مِنْهُ﴾ للعذابِ، وقيلَ: للهِ تعالى.\nويجوزُ أن يكونَ معنى الاستفهامِ في ﴿مَاذَا﴾ هو التعجُّبُ من العذابِ مع الإنكارِ، أي: أيُّ شيءٍ هائلٍ شديدٍ يستعجلُون منهُ؟ و(مِن) في هذا الوجهِ يجوزُ أن يكونَ للبيانِ، وضِعَ المجرمون موضِعَ ضميرِ المخاطبِينَ على طريقة الالتفاتِ تقويةً لِمَا في الاستفهامِ من معنى الإنكارِ والتعجُّبِ، ودلالةً على موجبِ ترك الاستعجالِ الذي هو الإجرامِ، فإن المجرِمَ مَن حقُّهُ أن يخاف التعذيبَ، ويستعيذَ منهُ - وإن أبطأ - فضلًا عن أن يستعجِلَهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1415\"> </span>(٥١) - ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\nويجوزُ أن يكون: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ جوابَ الشرطِ، ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ اعتراضًا، أي: أخبروني إن أتاكُم عذابُه آمنتُم به بعد وقوعِه حين لا ينفَعُكم الإيمانُ.\nودخولُ الهمزةِ على (ثم) لإنكارِ تأخير الإيمانِ إلى وقتٍ لا ينفعُ، وهو وقت العذابِ، وإدخالُها على المعطوفِ لأنَّه مَصبُّ (^١) الإنكار والاستبعادِ.\nوإنما جيءَ بحرف التراخي بدلَ الواو دلالةً على الاستبعادِ، ثم زِيدَ أداةُ الشرطِ دلالةً على استقلالِه بالاستبعادِ، وعلى أن الأولَ كالتمهيدِ لهُ، وجيءَ بـ ﴿إِذَا﴾ مركَّبًا\n_________\n(^١) في (ف): \"نصب\".","vol":"5","page":64},{"text":"بـ ﴿مَا﴾ ترشِيحًا لمعنى الوقوعِ والتحقيقِ وزيادةِ التجهيل، وأنهم لم يؤمنوا إلا بعدَ أن لم ينفَعهُم البتة.\n﴿آلْآنَ﴾ على إراد القولِ؛ أي: قيلَ لهم إذا آمنوا بعدَ وقوع العذابِ: الآن آمنتُم به؟\n﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبًا وإنكارًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1416\"> </span>(٥٢) - ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عطفٌ على (قيل) المقدَّرِ قبلَ الآن: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ المؤلمِ على الدوامِ.\n﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الكفرِ والمعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1417\"> </span>(٥٣) - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.\n﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾: ويستخبِرُونك ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ الضمير للعذابِ الموعودِ، ﴿أَحَقٌّ﴾ خبر والضميرُ مبتدأٌ، أو المبتدأ والضميرُ مرتفِعٌ بهِ سادٌّ مسدَّ الخبرِ؛ كقولهم: أقائمٌ زيدٌ، والجملةُ في محلِّ النصبِ بـ (يستنبئونك) (^١)، والهمزةُ للاستفهامِ على سبيل الإنكارِ والاستهزاءِ.\nوقرئ: (آلحَقُّ هو) (^٢) على أن اللامَ للجنسِ؛ كأنه قيلَ: أهو الحقُّ لا الباطلُ،\n_________\n(^١) في (ك): \"ليستنبئونك\".\n(^٢) انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣١٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٥٢).","vol":"5","page":65},{"text":"أو: أهو (^١) الذي سميتُموه الحقَّ، وهو أقوى في الاستهزاءِ لتضمُّنه معنى التعريضِ بأنه باطلٌ.\n﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: إنَّ (^٢) العذابُ لكائنٌ، و(إي) من حروفِ الإيجابِ بمعنى: نعم، وتختصُّ بالقسم كما أن (هل) بمعنى (قد) تختصُّ بالاستفهامِ، فيقولون: إي والله، ولا ينطِقُون به وحدَهُ.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: فائتين العذابَ؛ أي: هو لاحقٌ بكم لا محالةَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1418\"> </span>(٥٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بفعلِ ما يُستحَقُّ به العذابُ.\n﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: ما في الدنيا اليومَ مِن خزائنها وأموالِها وجميعِ منافعِها.\n﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾: بجعلتهُ فديةً لها من العذابِ؛ من قولهم: افتداهُ، بمعنى: فداهُ، ولفظةُ (كل) لتعميمِ الحكمِ لكلِّ واحدة من النفوسِ الظالمة.\n﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: حينَ رؤيتهم العذابَ؛ لأنهم بُهِتُوا بما عايَنوه مما لم يخطر ببالهم، ولم يحتسِبوه (^٣)، وسلَبَت شدَّتُه وفظاعتُه قِواهُم،\n_________\n(^١) \"أو أهو\" وقع في النسخ: \"وهو\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٥٢)، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ١٥٤)، و\"روح المعاني\" (١١/ ١٧٥).\n(^٢) في (ف): \"أي\".\n(^٣) في (ف): \"يحسبوا\" وفي (ك): \"يحسوا\"، وفي (م): \"ولم يحسنوا يحتسبوه\". والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٦)، وجاءت العبارة فيه: (لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه).","vol":"5","page":66},{"text":"فلم يطيقُوا إظهارَ الجزعِ والبكاءِ للدهَشِ والحيرةِ (^١)، لا للتجلُّدِ إذ ليسَ هناكَ، فامتلأتْ قلوبهم ندَمًا.\nوقيلَ: أسرَّ رؤساهم الندامةَ من أَتْباعهم الذينَ أضلُّوهم حياءً منهم، وخوفًا من توبيخِهم.\nوقيلَ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: أخلَصُوها وجعَلُوها سرَّهم، أي: ملؤوا (^٢) بطونهم بحيثُ لم يكن فيها شيءٌ آخرُ، من قولهم: سِرُّ الشيءِ، لخاصَّتهِ (^٣)؛ لأنها تُخفَى ويُضَنُّ بها، وعلى هذا يكونُ فيه تهكُّمٌ بهم.\nوقيلَ: أظهروها، من قولهم: أسرَّ الشيءَ: إذا أظهرَهُ، وهو من الأضدادِ.\n﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: بين الظالمينَ والمظلومين؛ لدلالةِ ذكر الظلم.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ليس تكريرًا؛ لأن الأوَّلَ قضاءُ حكومة، والثاني مجازاتُهم على الشركِ وسائر المعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1419\"> </span>(٥٥) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: تقرير لقدرته تعالى على الإثابةِ والعقابِ.\n﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ما وعدَهُ من الثوابِ والعقابِ كائنٌ (^٤) لا خُلفَ فيه.\n_________\n(^١) في (ف): \"والحسرة\".\n(^٢) في (ك): (ملء).\n(^٣) في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٦): (لخالصته)، قال الشهاب: قوله: لخالصته، الخالصة: ما خلص من كل شيء. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٩).\n(^٤) في (ف): \"وكائن\".","vol":"5","page":67},{"text":"أتى بكلِمَتي التنبيهِ والتحقيقِ، وجمعَ بينهُما في جملتَي الاختصاِص بالملكِ وإنجازِ الوعدِ؛ تقريرًا لِمَا وُعِدُوه، وتنبيهًا على أن ما ذكرَه (^١) حقّ واجبُ الوقوع لا محالة.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لانهماكِهم في الغفلةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1420\"> </span>(٥٦) - ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا، فهو يقدِرُ عليهما في العُقبى أيضًا؛ لأن القادرَ لذاتِه لا تزولُ قدرَتُه، والمادةُ القابلَةُ بالذات للحياةِ والموتِ قابلةٌ لهما أيضًا.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعثِ بعد الموتِ، تحذيرٌ وترهيبٌ، وإطماعٌ وترغيبٌ (^٢)؛ ليُخافَ ويُرجى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1421\"> </span>(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: كتابٌ جامع لهذه الفوائدِ من الحِكَمِ (^٣) العمليَّةِ المبيِّنةِ لمحاسنِ الأعمالِ وقبائحها، والتحريضِ على الأُولى، والتحذير عن الثانيةِ، والحكمةِ النظريةِ من المعارفِ والحقائقِ التي هي شفاءٌ لما في الصدورِ من الأمراضِ\n_________\n(^١) في (ك): \"ذكر\".\n(^٢) \"وإطماع وترغيب\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ف): \"الحكمة\".","vol":"5","page":68},{"text":"القلبيةِ كالجهلِ والشكِّ والنفاقِ والشركِ، والهدايةِ إلى الحقِّ والتوحيدِ، والرحمةِ لمن آمنَ بهِ من إنزالهِ عليهِم ما يُنجِيهم من ظلمات الضلال والكُفرِ إلى نور الهدى والإيمانِ، ومن دَرَكاتِ النيران إلى درجات الجنانِ، وتنكيرُ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ ووما عُطِفَ عليها للتعظيمِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1422\"> </span>(٥٨) - ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.\n﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾: متعلقٌ بفعلٍ محذوفٍ يفسرُه ما بعدَه، تقديرُه: بفضلِ اللهِ وبرحمتِه - يعني: بإنزالِ القرآن والهدايةِ إلى الإيمان - فليفرَحوا ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، يعني: نوعَهُ وما يناسبُه؛ نحو: بفضلِ اللهِ وبرحمَتِه فلْيَعْتنوا، فحذفَ الأولَ لدلالةِ الثاني عليه.\nو(ذلكَ) إشارةٌ إلى الفضلِ والرحمةِ بتأويل ما ذُكرَ، وتقديمُه للتأكيدِ والبيانِ بعد الإبهامِ، وإيجابِ اختصاصِ الفضلِ والرحمةِ بالفرحِ دونَ ما عداهما من فوائد الدنيا، وكذا تكريرُ الفاءِ للتأكيدِ؛ وهو جوابُ شرطٍ مقدَّر (^١)، تقديره: إن كانوا يفرحُون بشيءٍ فليخصُّوهما بالفرح، فإنه لا مفروحَ به أحقُّ منهما.\nويجوزُ أن تكونَ الفاء للربطِ بما قبلها، والدلالةِ على أنَّ مجيء الكتابِ الجامعِ بين هذه الصفاتِ موجبٌ للفرحِ.\nويجوز أن يتعلَّقَ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ بقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ﴾؛ أي: قد جاءتكُم موعظةٌ بفضل الله وبرحمتِه، و(ذلك) إشارةٌ إلى مصدرِ: جاءَ، فبمجيئها فليفرحُوا.\n_________\n(^١) \"مقدر\" من (م).","vol":"5","page":69},{"text":"وقرئ بالتاء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ (^١) على الأصل المرفوض، وهو القياسُ، وروِيَ عن رسول اللهِ مرفوعًا (^٢)، وإنما (^٣) آثرهُ ﵇ لأنَّه أدلُّ على الأمرِ بالفرحِ، وأشد تصريحًا به.\n﴿هُوَ﴾ راجعٌ إلى (ذلكَ) ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: من حطامِ الدنيا السريعِ الزوال، وقرئ: ﴿وتجمعون﴾ بالتاء (^٤) على الخطابِ.\nومَن لم يذُق حُسنَ هذا الاستئناف في مقام التعليلِ، ولم يَدْرِ أنه أقوى الوصلَين، قالَ: على معنى: فبذلك فليفرحِ المؤمنون فهو خيرٌ مما يجمعون. فأوهمَ أن حقَ المقام الوصلُ بالفاءِ التعليليةِ، ولا يخفَى ما فيه من سوءِ الأدب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1423\"> </span>(٥٩) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩)﴾.\n_________\n(^١) رواية رويس عن يعقوب، انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨٥).\n(^٢) الصواب موقوف كما سيأتي، فقد رواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (١٠٦٢ - تفسير) عن أُبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي رسولُ اللهِ ﷺ: \"أُمِرْتُ أنْ أَقرأَ عليكَ القرآنَ\"، قال: قُلْتُ: سَمَّاني لك ربِّي؟ قال: \"نَعَمْ \"، فتَلَا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. والصواب أن المرفوع من هذا الحديث ينتهي عند قوله: \"نعم\"، أما الآية فقد جاء في كثير من الروايات أن الذي قرأها هو أبي ﵁، وأنَّه قرأ فيها: ﴿فلتفرحوا﴾ بالتاء، انظر: \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣٠٩٣٧) تحقيق محمد عوامة، و\"مسند أحمد\" (٢١٢٣٧)، و\"خلق أفعال العباد\" (٥٣٤)، و\"سنن أبي داود\" (٣٩٧٩)، و\"شرح معاني الآثار\" (٥٥٨٧). ويشهد لذلك أن الحديث رواه البخاري (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩)، عن أنس ﵁، وينتهي عند قوله: \"نعم\".\n(^٣) \"إنما\" سقط من (ك).\n(^٤) قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٢).","vol":"5","page":70},{"text":"﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾: جعلَ الرزق مُنزَلًا؛ لأنَّه مقدَّرٌ في السماء مسبَّبٌ بأسباب منها: من (^١) المطرِ والشمسِ والقمرِ، في الإنباتِ والإنضاجِ والتلوينِ.\nو﴿مَا﴾ في محلِّ النصب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو بـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ لأنهُ بمعنى: أخبِروني.\nو﴿لَكُمْ﴾ دلَّ على أن المرادَ بالرزقِ ما حلَّ (^٢)، ولذلك وبخَهم على التبعيضِ بقولِه:\n﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: من البَحيرةِ والسائبةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وما جعَلُوا للهِ من الحرثِ والأنعامِ.\nوإنما قدَّم ﴿حَرَامًا﴾ لأنَّه مصبُّ الإنكارِ، وفي (^٣) إسنادِ التحريمِ والتحليل إليهم إشارةٌ إلى أنهُم هم المبعِّضونَ توبيخًا وتمهِيدًا لإثباتِ القِسم الثاني من المنفصِلةِ في قوله:\n﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؛ أي: أخبِروني اَللهُ أذِنَ لكم في لتحريم والتحليلِ، فتفعلونَ ذلك بإذنِهِ، أم تكذِبون على اللهِ في نسبتِهِ إليه؟\nعلى أنَّ ﴿أَمْ﴾ متصلةٌ، وتكريرُ ﴿قُلْ﴾ بينَ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ وما يتعلَّقُ به للتأكيدِ، والاستفهامُ للتبكيتِ، والإشارةِ إلى أن نسبةَ ذلكَ إلى الله تعالى تقليدٌ، وقولٌ بلا حجةٍ، فلزمَ الافتراق (^٤).\n_________\n(^١) \"من \"ليست في (ف).\n(^٢) في (ك): \"قل\" والمثبت موافق لما في \"البيضاوي\".\n(^٣) في (ف): \"في\".\n(^٤) في (ف): \"الافتراء\".","vol":"5","page":71},{"text":"وكان الأصلُ: اَللهُ أذنَ أم غيرُهُ؟ فعدَلَ إلى المنزَلِ دلالةً على أن الثابتَ هو الشقُّ الثاني، وهم (^١) نسبوه إلى اللهِ تعالى، فهم مفترونَ عليه لا على غيرِه، وفيه زجز وتهديدٌ عظيم.\nوإنْ جُعلَت ﴿أَمْ﴾ منقطعةً بمعنى (بل) و(الهمزة) فالاستفهامُ للإنكارِ، ومعنى (بل) إضراب عن أن يكونَ ذلك (^٢) بإذنِ الله تعالى، ومعنى الهمزة تقريرُ الافتراءِ، وتوبيخٌ عليهِ، وتقديمُه على اللهِ تقبيحٌ لتخصيصِهِ تعالى بالافتراء عليه؛ فإنه نهايةٌ في قبح الكذبِ، وفي العدولِ عن الضميرِ إلى الاسم المُظهَرِ تفخيمًا زيادةُ إظهارٍ لقبح الافتراء.\n\n<span id=\"aya-1424\"> </span>(٦٠) - ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: في إبهامِ متعلَّقِ الظنِّ بحذفِهِ والسؤالِ عنهُ وعيد (^٣) بليغٌ، وتهديدٌ عظيمٌ؛ أي: أيُّ شيءٍ ظنُّهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهو يوم الجزاءِ، يحسبونَ أنهم لا يجازَون على الافتراءِ.\nوقرئ: (ظَنَّ) على لفظ الفعل، على جعل المحقَقِ الوقوع واقعًا، ونصبِ (م) على المصدر (^٤)؛ أي: أيَّ (^٥) ظنٍّ ظنوا فيه.\n_________\n(^١) في (ف): \"وهو\".\n(^٢) \"ذلك\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) \"وعيد\"من (م).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٥٤).\n(^٥) في (م): \"أي شيء\"، والمثبت باقي النسخ و\"الكشاف\".","vol":"5","page":72},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: على كلِّهم بما أنعَمَ عليهم من العقلِ والحواسِّ، وساقَ إليهم الرزقَ، وهداهُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسلِ، وإنزال الكتبِ، وأخَّرَ عنهم العذابَ من غير سابقةِ صُنعٍ منهُم يستوجِبون به ذلك.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ العظيمة بجهلهِم (^١) بمواقعها.\n\n<span id=\"aya-1425\"> </span>(٦١) - ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ الشأنُ: الأمرُ، وأصلُه: القصدُ، وعينُه الهمزة، مِن شأنتُ شأنهُ: إذا قصدتَ فخفّفت، والضميرُ في قولِه:\n﴿وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ﴾: راجعٌ إلى الشأنِ؛ لأن تلاوةَ القرآنِ شأنٌ معظَّمٌ من شؤونِ النبيِّ ﷺ، أو لأن القراءة تكونُ بشأنٍ، فيكونُ التقديرُ: من أجلِه، ومفعولُ ﴿تَتْلُواْ﴾: ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ على أن ﴿مِن﴾ تبعيضيةٌ، أو مزيدةٌ لتأكيدِ النفيِ.\nأو للقرآنِ (^٢)، وإضمارُه قبلَ الذكرِ ثم بيانُه تفخيمٌ له، أو للهِ.\n﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: ﴿مِن﴾ لتأكيدِ النفيِ؛ أي: أيِّ عملٍ كانَ، و(لا تعملون) تعميمٌ للخطابِ بعد تخصيصِهِ بمَن هو رأسُهم ومقدَّمهم، وحيثُ خصَّ ذَكَرَ ما\n_________\n(^١) في (م): \"لجهلهم\".\n(^٢) \"للقرآن\"، متعلق بـ \"راجع \"؛ أي: الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى الشأن أو للقرآن …، وسيأتي عطف قوله: \"لله\" عليه أيضا.","vol":"5","page":73},{"text":"فيه فخامةٌ، وحيثُ عمَّ ذكر (^١) ما يتناولُ الخطيرَ والحقيرَ للمناسبةِ.\n﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: رقباءَ مطَّلعين (^٢) عليهِ، استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ على تقديرِ: قد كنا، أو أعمِّ الأوقاتِ؛ أي: وقتَ كُنَّا.\n﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: وقتَ اندفاعِكُم فيهِ، ظرفٌ لـ ﴿شُهُودًا﴾، وعلى الثاني جازَ كونُه بدلًا من الوقت المقدَّرِ.\n﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: قرِئ: ﴿يَعْزُبُ﴾ بكسر الزاي وضمِّها (^٣)، والعزوبُ معناه: البعدُ والغيبةُ، يقالُ: عزبَ، إذا انفردَ عن أهلِهِ.\n﴿مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾: مُوازِنِ نملةٍ (^٤) صغيرةٍ، أو هباءٍ.\n﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: عبَّرَ بقُطرَي العالمِ عن كلِّهِ، والمرادُ: إحاطةُ علمِه بجميعِ ما في الوجودِ، فعبَرَ عنه بما ذُكرَ على معتقد العامةِ، فإن التنزيلَ واردٌ على لسانهم، وهم ينكِرُونَ وجودَ ممكنٍ ليس بخيرٍ.\nوقدَّمَ الأرضَ على السماء هاهُنا بخلافِ ما في سورة سبأ؛ لأنَّ الكلامَ هنا (^٥) في شأنِ أهل الأرضِ، وشهادَتهُ عليها رعايةٌ للملاءمةِ، وإلا فالواو في الجمعِ بينَهُما كالتثنيةِ.\n﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: جملةٌ برأسِها، و(لا) لنفي الجنسِ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"ذلك\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٧).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"مطلعة\".\n(^٣) قرأ بالكسر الكسائي وباقي السبعة بالضم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٢).\n(^٤) في (ك): (غلة).\n(^٥) \"هنا\" سقط من (ك).","vol":"5","page":74},{"text":"و﴿أَصْغَر﴾ مبني على الفتحِ اسمُها، و﴿فِي كِتَابٍ﴾ خبرُها، و﴿وَلَا أَكْبَر﴾ عطفٌ عليهِ بالنصبِ، و﴿وَلَا﴾ مزيدةٌ للتأكيدِ، أو مفتوحٌ مثلُهُ.\nوقرئا مرفوعين (^١) على أن الأولَ مبتدأٌ خبرُهُ ﴿فِي كِتَابٍ﴾، والثاني عطفٌ عليهِ (^٢). ومَن جعَلَ رفعَهما عطفًا على محلِّ ﴿مِنْ مِثْقَالِ﴾ وفتحَهما على لفظِ ﴿مِثْقَالِ﴾ لكونهما غيرَ منصرِفَين مفتوحَين في موضعِ الجرِّ، جعَلَ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ استثناءً منقطعًا بمعنى: لكنْ في كتابٍ مبين.\nوالمرادُ من الكتابِ: اللوحُ المحفوظُ، فيصيرُ مؤكَدًا لقولِه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ كأنهُ قيلَ: كيفَ يعزُبُ وهو في كتابٍ مبينٍ؟\nعلى أنَّ الاتصال لهُ أيضًا وجهٌ، لا سيَّما إذا فسِّرَ الكتابُ المبينُ بعلمِ الله تعالى كما مرَّ في سورة الأنعامِ، ويكونُ المعنى: لا يغيبُ عنه إلا في عِلمِه، ومعلومٌ أنَّ غيبةَ الشيءِ في العلمِ عينُ كشفِهِ فهو من باب ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وإن فسِّرَ باللوحِ فلا بأسَ به أيضًا؛ لأنهُ محلُّ صورِ معلوماته تعالى.\nوكانَ مقتضى البلاغةِ بحسب جليلِ النظرِ تقديمُ الأكبر على الأصغرِ ليكون الكلامُ على طريقة الترقِّي، وإنما عكَسَ الترتيب سوقًا له على مُقتضَى ما بحسبِ دقيق النظرِ؛ ليكونَ في كلِّ واحدٍ من جزئي الكلامِ نوعٌ من الاهتمامِ، وذلك أنه حينئذٍ يكون في الجزءِ الأول منهُ اهتمامُ التقديمِ، وفي الثاني اهتمامُ التصريحِ بعد العلم بالالتزام.\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٣).\n(^٢) \"بالنصب ولا مزيدة للتأكيد أو مفتوح مثله وقرئ مرفوعين على أن الأول مبتدأ خبره في كتاب والثاني عطف عليه\" من (ك).","vol":"5","page":75},{"text":"<span id=\"aya-1426\"> </span>(٦٢) - ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: الذين يتولَّونهُ بالطاعة ويتو لَّاهم بالكرامةِ.\n﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: في الحالِ من لحوق محذورٍ.\n﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: من وقوعِ مكروهٍ من فوات نافعٍ وحصول ضارٍّ.\n\n<span id=\"aya-1427\"> </span>(٦٣) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: نصبٌ أو رفعٌ على المدحِ، أو على وصف الأولياءِ فيكونُ بيانًا لتولِّيهم ربهم، أو رفعٌ على الابتداء والخبرُ:\n\n<span id=\"aya-1428\"> </span>(٦٤) - ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾: بيانٌ لتوليه تعالى إيَّاهُم، والبشرى في الدنيا ما بشَّرَ اللهُ تعالى به المؤمنين المتقين في غير موضعٍ من كتابِه، وعلى لسان نبيِّهِ ﵇، وما يُريهم في الرؤيا الصادقةِ، وما يسنَحُ لهم بالمكاشفةِ وبشرى الملائكةِ عند النزعِ، وأما البُشرى في الآخرةِ فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلِّمين مبشِّرين بالفوز والكرامة.\n﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: لا تغييرَ لأقوالِه وأحكامِه، ولا إخلافَ لمواعيدِه.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى تخصيص البشارةِ بهم في الدارين.\n﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: لأنَّه نيلُ جميعِ ما يُرجَى، والأمنُ من كل ما يُخشَى.\nهذه الجملة والتي قبلَها اعتراضٌ لتحقيقِ المبشَّرِ به وتعظيمِ شأنه، وليسَ من شرطه أن يقَعَ بعدَهُ كلامٌ متَّصلٌ بما قبلَهُ.","vol":"5","page":76},{"text":"<span id=\"aya-1429\"> </span>(٦٥) - ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾: تكذيبُهم وتهديدُهم وتشاورُهم في تدبيرِ هلاكك، وقرئ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (^١) من أَحْزَنَه.\n﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: استئنافٌ للتعليلِ؛ كأنه قيلَ: ما لي لا أحزَنُ؟ فقيل: إنَّ العزةَ للهِ .. إلخ؛ أي: الغلبةَ والقدرةَ كلَّها لله تعالى، ولا (^٢) يملِكُ أحدٌ غيرُه شيئًا منها، فهو يغلِبُهم وينصُرك عليهِم.\nوقرئ: (أن العزةَ) بالفتح (^٣)؛ أي: لأن العزة، تصريحًا بالتعليلِ، وفيه إخبارٌ عن أهل العزةِ تسليةً لأهل العزة.\n﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بعزماتهم فيكافئُهم عليها.\n\n<span id=\"aya-1430\"> </span>(٦٦) - ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾: تمهيدٌ لِمَا بعدَه من امتناعِ أن يكونَ الجمادُ له نذًا؛ لأنَّه تخصيصٌ للعقلاءِ بملكيته بتقديمِ ﴿لِلَّهِ﴾، وإيرادِ ﴿مَن﴾ دون (ما) مع التأكيدِ بتصديرِ الجملةِ بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ، فالعقلاءُ من الملائكة والثقلَين إذا كانوا تحتَ يدِه عبيدًا مملوكينَ مع كونهم\n_________\n(^١) قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١).\n(^٢) في (ك): \"لا\".\n(^٣) قرأ بها أبو حيوة، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٢٧).","vol":"5","page":77},{"text":"أشرفَ المخلوقات، ولا يصحُّ كونُهم شركاءَ، فكيف يصحُّ أن يكونَ الجمادُ له ندًا؟ فهو كالدليلِ على بطلان اعتقادِ المشركين.\n﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾: ﴿وَمَا﴾ نافيةٌ، و﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾، ومفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوفٌ؛ أي: ما يتَّبعُ الذين يدعونَ من دون اللهِ شركاءَ شركاءَ حقيقةً (^١) وإن سمَّوها شركاء (^٢)، فحذِفَ أحدُهما لدلالةِ الباقي (^٣) عليهِ.\nويجوزُ أن يكونَ ﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولَ يدعون ومفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾ محذوفًا دلَّ عليهِ:\n﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتَّبعون ﴿إِلَّا الظَّنَّ﴾ يقينًا، وإنما يتَّبعونَ ظنَّهُم أنهم شركاءُ.\nوإن جُعلَت (ما) استفهاميةً فهي مفعولُ ﴿يَتَّبِعُ﴾، و﴿شُرَكَاءَ﴾ مفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾، وإن جُعِلت موصولةً فمنصوبةُ المحلِّ عطفًا على ﴿وَمَن﴾.\nوقرئ: (تَدعُون) بالتاء (^٤)، والمعنى: وأيُّ شيءٍ يتَّبعُ الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكةِ والنبيينَ؟ أي: إنهم لا يتَّبِعون إلا اللهَ، ولا يعبُدون غيرَه، فما لكُم لا تتَّبِعونهم فيهِ؟ كقولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] فيكونُ إلزامًا بعدَ برهانٍ، وما بعدَهُ مصروف (^٥) عن خطابهم لبيانِ سندِهم ومنشأ رأيهم.\n_________\n(^١) في (م): \"مشركًا حقيقة\".\n(^٢) \"وإن سموها شركاء\" من (ف).\n(^٣) في (م): \"الثاني\".\n(^٤) قراءة السلمي، ورويت عن علي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٧).\n(^٥) في (ت) و(ك): \"معروف\"، وهو تحريف. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٨) والكلام منه، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ١٦٢) ولفظه: (ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل: إنْ=","vol":"5","page":78},{"text":"﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: يكذِبون فيما ينسبون إلى اللهِ تعالى، أو يحزِرون ويقدِّرون أنها شركاءُ تقديرًا باطلًا.\n\n<span id=\"aya-1431\"> </span>(٦٧) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: تنبيهٌ على أنه تعالى هو المنفرِدُ بكمالِ قدرتِهِ وعظيمِ نعمتِهِ التي لا يمكِنُهم أن يعيشوا بدُونها؛ ليدُلَّهم على أنه المتوحِّدُ باستحقاق العبادةِ فيخصُّوهُ بها، و﴿جَعَلَ﴾ متعدٍّ إلى مفعول واحد بمعنى: خلق، و﴿مُبْصِرًا﴾ حال، ويجوزُ أن يكونَ متعدِّيًا إلى مفعولين، والثاني ﴿لَكُمُ﴾ أو ﴿لِتَسْكُنُوا﴾؛ أي: جعلَهُ محلًّا لسكونكِم، وقيلَ: مظلِمًا، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ (^١) عطفٌ على المفعولَينِ.\nذكَرَ علَّةَ خلق الليل لتسكُنوا فيه وتسترِيحوا من تعب التردُّدِ في طلب المعاش، وما يكدَحون منه في النهارِ، وحذَفها من النهار، وذكَرَ وصفَ النهارِ وحذفَهُ من الليلٌّ، وكلٌّ من المحذوفَين يدلُّ عليه المذكورُ في مقابِله، والتقديرُ: جعلَ لكم الليلَ مظلمًا لتسكُنوا فيهِ والنهارَ مُبصرًا لتتحركوا (^٢) فيه في مكاسبِكم، وتهتَدُوا إلى مآربكم.\nوإسنادُ الإبصار إلى النهارِ مجازيٌّ على طريقَةِ: ليلُهُ قائمٌ ونهارُه صائمٌ، وإنما\n_________\n= يتَّبع هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبيون من الحق).\n(^١) في (ف): \"مستبصرًا\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"لتحركوا\".","vol":"5","page":79},{"text":"عدَلَ عن قولِهِ: لتُبصروا فيهِ، مناسبًا لـ (تسكُنوا فيهِ) لدلالته (^١) على أنه مع كويهِ ظرفًا للإبصارِ سببٌ له بخلافِ سائر الظروفِ.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: سماعَ اعتبارٍ وادِّكارٍ (^٢).\n\n<span id=\"aya-1432\"> </span>(٦٨) - ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾؛ أي: تبنَّاه ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهٌ له تعالى عنِ التبنِّي، وتعجِيبٌ مِن كلماتِهم الحمقاء (^٣).\n﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ علةٌ لتنزُّههِ عنهُ؛ فإنه مسبَّبٌ عن الحاجةِ.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ تقريرٌ لغِناه.\n﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ نفيٌ لمعارِض البرهانِ الذي أقامَهُ تحقيقًا لبطلانِ قولهِم، ومبالغةً في تجهيلِهم؛ أي: ما عندَكُم من حجةٍ بهذا القول (^٤)، مع أن الحجةَ دالةٌ على خلافِه، والباءُ في ﴿بِهَذَا﴾ متعلقٌ بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾، أو بقولِه: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ بمعنى الظرفيةِ؛ أي: ما عندَكُم في القول حجةٌ؛ كقولكَ: ما عندَكُم بأرضِكم موزٌ.\n﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: لما نفَى البرهان عنهُم جعلَهم جاهلينَ،\n_________\n(^١) في (ف): \"للدلالة\".\n(^٢) في (ف): \"وإذكار\".\n(^٣) في (ك): \"كلمتهم الحمقى\".\n(^٤) \"القول\" سقط من (ك).","vol":"5","page":80},{"text":"وفيهِ دليل على أن كلَّ قولٍ لا دليلَ عليه فهو جهلٌ، وأن العقائدَ لا بد أن تكونَ بُرهانيَّةً لا تقليديَّةً، والهمزةُ للتوبيخِ والتقريعِ لهم على اختلافِهم وجهلِهم.\n\n<span id=\"aya-1433\"> </span>(٦٩) - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: بنسبةِ الولدِ والشريكِ إليه تعالى.\n﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا ينجُونَ من النار (^١)، ولا يفوزون بالجنةِ.\n\n<span id=\"aya-1434\"> </span>(٧٠) - ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿مَتَاعٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والتنكيرُ للتقليل تقديرُهُ: افتراؤهم متاعٌ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: متعةٌ (^٢) يسيرةٌ ﴿فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: يقيمونَ به في الدنيا رئاستَهم في الكفرِ.\nأو: حياتُهم وتقلُّبَهم فيها متاعٌ، أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ؛ أي: لهم تمتُّعٌ في الدنيا.\n﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: بالبعثِ بعد الموتِ فيلقَون الشقاء المؤبَّدَ.\n﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ في جهنَّم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: بسببِ استمرارِهم على الكفرِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"العذاب\".\n(^٢) في (م): \"أي منفعة\".","vol":"5","page":81},{"text":"<span id=\"aya-1435\"> </span>(٧١) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾.\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾: خبرَهُ مع قومِه.\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾: شقَّ وثقُلَ، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].\n﴿مَقَامِي﴾: مكاني؛ أي: كوني ووجودِي، ومنهُ: فعلتُ كذا لمكان (^١) فلانٍ.\nأو: إقامتي ومُكثي بين أظهُركم مدةً طويلةً.\nأو: قيامِي على الدعوةِ، لا على (^٢) التذكيرِ؛ لأن قولَه: ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ يُغني عنهُ، والتأسيسُ خيرٌ من التأكيدِ.\n﴿بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي: خصَصتُ الله تعالى بالتوكُّلِ عليهِ والوثوقِ به، فإنه جوابُ الشرطِ، أي: فلا أبالي.\nوقيلَ (^٣): جوابُ الشرطِ ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ وما تقدَّمَ اعتراضٌ بين الشرطِ وجوابِه، كما تقولُ: إن كنتَ أنكرتَ عليَّ شيئًا فإنَّ الله حسبي فاعمَل ما تريدُ.\nو(أَجْمِعوا) قرئ بالوصل من الجمع (^٤)، وبالقطع من الإجماع (^٥)، وهو العزم،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بمكان\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر. \"الكشاف\" (٢/ ٣٥٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١١٩)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٢).\n(^٢) \"على الدعوة لا على\" من (م).\n(^٣) في (ك): \"وقيل هذا\"، بزيادة \"هذا\" وهو خطأ كما سيتضح من الكلام الآتي.\n(^٤) هي قراءة رويس عن يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨٥).\n(^٥) هي قراءة العشرة عدا رويس. انظر المصدر السابق.","vol":"5","page":82},{"text":"وفي (^١) إسناد الجمع والإجماع على الشركاء تهكُّم بهم وبشركائهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥].\n﴿وشُرَكَاءَكُمْ﴾: معطوفٌ على ﴿أَمْرَكُمْ﴾ على حذفِ مضافٍ تقديرُه: وأمرَ شركائكُم، أو منصوبٌ بفعلِ محذوفٍ تقديرُه: وادعوا شركاءكم (^٢)، وقدْ قُرِئ به (^٣).\nوقيلَ: (اجمَعُوا) بمعنى: أَعِدُّوا، فيقَعُ على المعطوفَين جميعًا.\nوقال الزجَّاجُ: هو مفعولٌ معَهُ، والواو بمعنى معَ؛ أي: مع شركائكم (^٤).\nولا يساعِدُه قراءةُ الوصلِ، كما قال الحريريُّ في \"درة الغوَّاصِ\": لا يُقال: اجتمعَ فلانٌ مع فلان، وإنما يُقال: اجتمَعَ فلانٌ وفلان (^٥).\nوقرئ بالرفعِ (^٦) عطفًا على الضمير المتصل، وجاز بلا تأكيد للفصل (^٧).\n﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدِي ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: مستورًا عليكم، وليكُن مكشُوفًا مجاهرًا بهِ، مِن غمَّهُ: إذا سترَهُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"في\" والصواب المثبت.\n(^٢) في النسخ: \"شهداءكم\"، والصواب المثبت. انظر المصادر الآتية.\n(^٣) نسبت لمصحف أُبي ﵁، انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣١٤)، \"الكشاف\" (٢/ ٣٥٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٣٢).\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٢٨).\n(^٥) انظر: \"درة الغواص\" (ص: ٣٣).\n(^٦) قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٨٥).\n(^٧) \"للفصل \"من (م).","vol":"5","page":83},{"text":"أو: لا يكُن أمرُكم - أي: ما تكونونَ فيه من شدَّةِ الحالِ والكراهةِ (^١)، وثقلِ مُقامي فيكُم ومشقَّتِه عليكُم - غمًّا وكربًا عليكم.\nالغمُّ والغُمَّةُ كالكَربِ والكُربةِ معنًى وصِيغةً، أي: لا تتوقَّفوا في إهلاكي وتدبِيره لئلا يكون عيشُكم بسببِ مصاحبَتي وحالكُم معي غُمةً عليكُم.\n﴿ثُمَّ اقْضُوا﴾: أدُّوا ﴿إلَىَّ﴾ ذلك الأمرَ الذي تريدون بي؛ يعني: أدُّوا قطعَه وتصحيحَهُ إليَّ، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْر﴾ [الحجر: ٦٦]، أو: أدوا إليَّ ما هو حقٌّ عليكم من وجوبِ إهلاكي، كما يقضي الرجلُ غريمَه.\nوقرئ: (ثم أفضوا) بالفاء (^٢)؛ أي: ثم انتهُوا إلي بشرِّكم.\nوقيل: هو مِن أفضَى الرجلُ: إذا خرجَ إلى الفضاءِ؛ أي: اصحَروا بهِ إليَّ وابرُزوا بهِ لي.\n﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: ولا تمهِلون.\n\n<span id=\"aya-1436\"> </span>(٧٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أي: أعرضتُم عن تذكِيري ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ يوجبُ إعراضَكم عني لثقَلِه عليكم، واتهامكُم إياي لأجلِه من طمعٍ في أموالكم.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ في نصيحتِكم ووعظكم ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ هو الذي يثيبُني عليه؛ أي: ما نصحتُكم إلا لوجه الله تعالى، لا لغرض من أغراضِ الدُّنيا.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أو الكراهة\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٧).","vol":"5","page":84},{"text":"﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادِينَ لأمر اللهِ، وقضيةُ الإسلامِ أن لا يُطلَبَ على تعليم الدِّينِ شيءٌ (^١)، ولا يُبتغى بالدعوةِ والموعظةِ إلا وجهُ اللهُ تعالى، رضيَ الله عن أبي حنِيفةَ ما أمعَن النظَرَ إذ لم يرَ الإجازة في الإجارةِ على الطاعاتِ.\nوالمرادُ: إلزام (^٢) الحجةِ لهم، وتبرئةُ ساحتِه عما يوجبُ الإعراض.\n\n<span id=\"aya-1437\"> </span>(٧٣) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: فأصرُّوا على تكذيبِه تمرُّدًا وعنادًا (^٣) بعد طولِ مدةِ الدعوةِ وإلزامِ الحُجَّةِ.\n﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ يعني: من الغرَقِ؛ دلَّ عليهِ قوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾: من الإنسان والحيوانِ، وإنما قال: ﴿وَمَنْ﴾ دونَ (ما) تغلِيبًا للعقلاءِ على غيرِهم؛ للتنبيهِ على أن نجاةَ غيرِهم كان تبَعًا لهم.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ من الهالكين ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: بالطوفانِ، والجعلُ مؤخَّرٌ عن الإغراقِ، وإن قُدِّمَ لفظًا للاهتمام به.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: تعظيمٌ لما نزَلَ بهم من العذابِ، وتهديدٌ لمن كذَّبَ رسول اللهِ ﷺ، وتسليةٌ لهُ (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"تطلب .... شيئًا\".\n(^٢) \"إلزام\" من (ك).\n(^٣) في (ك) زيادة: \"به\".\n(^٤) \"وتسلية له\" سقط من (ك).","vol":"5","page":85},{"text":"والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ (^١) نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ.\n\n<span id=\"aya-1438\"> </span>(٧٤) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: البعثُ أعمُّ من الإرسال؛ فإن كل شيءٍ أرسلتَه فقد بعثتَه، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، والذي أُمِرَ بتبليغ الرسالةِ إلى قوم وهو فيهم إنما يناسبُه عبارةُ البعث دونَ الإرسال.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعدِ نوحٍ ﵇ ﴿رُسُلًا﴾ التنكيرُ للتكثيرِ ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: إلى أقوامِهم كلُّ رسولٍ إلى قومه، وإنما لم يُجمَع لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ.\n﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالحججِ الواضحة المثبِتةِ لدعواهم.\n﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: عبارةُ (كان) الدالَّة على الاستمرار مقدَّمةٌ على أداة النفي في الاعتبارِ؛ أي: لم يؤمنوا بهم (^٢) وأصرُّوا على الإنكار، وفي زيادةِ لامِ الجحود تأكيدٌ لهذا المعنى، ودلالةٌ على أن إيمانهم في حيِّزِ الامتناع.\n﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: بسبب تعوُّدِهم بتكذيبِ الحقِّ وتمرُّنهم عليه من قبل بعثة الرسلِ؛ أي: ما تفاوت في حالهم قبلَ البعثة وبعدَه؛ لاعتيادِهم بالعنادِ وإنكار الحقِّ.\n_________\n(^١) في (ك): \"سيوجب\".\n(^٢) \"بهم\" من (م).","vol":"5","page":86},{"text":"﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الطبعِ المحكَمِ ﴿نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ لأنَّ الاعتداء والإفراطَ في التجافي عن الحقِّ يوجِبُ الخذلانَ حتى يصيرَ رَينًا وطبعًا؛ فالكلامُ على الحقيقةِ دون الكنايةِ.\n\n<span id=\"aya-1439\"> </span>(٧٥) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعدِ (^١) هؤلاء الرسلِ ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾: خصَّ أشرافَهم بالذكرِ اكتفاءً بذكرِ الجزء عن الكُلِّ.\n﴿بِآيَاتِنَا﴾: بالآياتِ التسع، أضافَها إلى نفسِه تنبيهًا على خروجِها عن حيِّزِ استطاعة العبدِ، وتعلُّقِ كسبِه بها، وكونها من خوارق العاداتِ.\n﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: عن قَبول الحقِّ، واتِّباعِ مَن أُرسِلَ إليهم.\nوالاستكبارُ: طلبُ الكِبرِ من غيرِ استحقاقٍ، وأعظَمُ الكِبر: استهانةُ العبدِ برسالةِ ربِّهِ بعدَ تنبيهِه بالبيِّناتِ.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: معتادِين بالآثامِ العظامِ، فلذلكَ استكبَرُوا عنها، واجترؤوا على ردِّها، أما توصيفُ الآثامِ بالعظامِ فلأن الجُرمَ يؤذِنُ عن ذنبٍ له عِظَمٌ، ثم إنَّ سبيلَ الكلامِ سبيلُ الاعتراض التذييلي، ويدلُّ على تمرُّنِهم واعتيادِهم له، فجمَعَهُ لذلكَ.\nعلى أن الكافرَ إذا وصِفَ بالجُرمِ والفسقِ دل على أَشَدِّه، وأما السببية (^٢) فمن نفسِ الاعتراضِ، والحملُ على العطف الساذجِ لا يلائمُ بلاغة القرآنِ.\n_________\n(^١) \"من بعد\"من (م).\n(^٢) في (ك): \"سببه\".","vol":"5","page":87},{"text":"<span id=\"aya-1440\"> </span>(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: فلما عرفوا أنه الحقُّ، وأنَّه من عندِ اللهِ تعالى لا من قِبَلِ موسى وهارونَ ﵉ ﴿قَالُوا﴾ من فرطِ تمرُّدِهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ، أو: فائقٌ في فنِّهِ واضحٌ من بين فنونِهِ.\nوالدليلُ على العرفانَينِ المذكورَين من النظمِ: إيقاعُ ﴿الْحَقُّ﴾ موضعَ ضميرِ الآياتِ، وإسنادُ المجيء إليهِ، وقولهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كما مرَّ في صدر السورة من دلالَتهِ على الاعتراف وتناهي العجز.\n\n<span id=\"aya-1441\"> </span>(٧٧) - ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾.\n﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾: أتَعِيبُونه وتطعنونَ (^١) فيهِ؟ من قولهم: فلان يخافُ القالةَ (^٢)، كقوله: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠] فيستغني عن المفعولِ.\nوقيلَ: حُذِفَ مقولُ القول لدلالةِ ما قبلَه عليهِ، وهو: إنه لسحرٌ، والهمزةُ للتوبيخِ أو التقرير، ولا يجوزُ أن يكونَ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؛ لأنهم بتُّوا القولَ، بل هو استئنافٌ بإنكارِ ما قالوه، إلا أن يكونَ الاستفهامُ فيه للتقرير، والمحكيُّ مفهومُ قولِهم، وهذا على الوجه الأولِ إشارة إلى وضوحِ حقيقتِهِ، وكونِه ممتازًا في الحسِّ من (^٣) الباطلِ، معلومُ الحقيقةِ بحيث لا يُشكُّ فيهِ مشارًا إليه في ذلكَ، وعلى الثاني تحقيرٌ واستبعادٌ لكونهِ موجِبًا للفلاح.\n_________\n(^١) في (م) و(ف): \"وتطغون\".\n(^٢) في (ك): \"المقالة\".\n(^٣) في (ف): \"عن\".","vol":"5","page":88},{"text":"﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: من تمامِ كلام موسى ﵇؛ للدلالةِ على أنه ليسَ بسحرٍ، فإنهُ لو كان سحرًا لاضمحلَّ، ولم يُبطِل سحرَ السحرةِ، ولأن العالِم بأنهُ لا يفلِحُ الساحرُ لا يُسحَرُ.\nأو من تمام قولهم إن جعِلَ: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾ محكِيًّا؛ كأنهم قالوا: أجئتَنا بالسحرِ تطلُبُ به الفلاحَ ولا يفلِحُ الساحرون؟ ويأباه قولُه: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ لأنهُ مظِنَّةُ طلبِ الفوزِ بهم، وصيغةُ الجمعِ للدلالة على أن اجتماعَهم لا يُجدي نفعًا في طلبِ الفوزِ.\n\n<span id=\"aya-1442\"> </span>(٧٨) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: لتصرِفنا، واللفتُ والفتلُ أَخَوان.\n﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادةِ الأصنامِ.\n﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾: الملكُ فيها، فإن الملوكَ يوصفون بالكبرِ، ويجوزُ أن يُقصدَ به ذمُّهما بأنهُما (^١) يريدانِ أن يتكبَّرا أو يتجبَّرا في أرِض مصرَ باستتباعِ الناسِ.\n﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدِّقين ما جئتما به.\n\n<span id=\"aya-1443\"> </span>(٧٩) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) \"بأنهما\"من (م).","vol":"5","page":89},{"text":"﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وقرئ: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ (^١)، ﴿عَلِيمٍ﴾: حاذقٍ فيه.\n\n<span id=\"aya-1444\"> </span>(٨٠) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا﴾ استطالةً عليهم، وعدمَ مبالاةٍ بهم، وفي إبهامِ: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ تحقيرٌ لهم وتعليلٌ، وإعلامٌ بأنه لا شيءَ يُلتفتُ إليهِ.\n\n<span id=\"aya-1445\"> </span>(٨١ - ٨٣) - ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾: ﴿مَا﴾ موصولةٌ مبتدأٌ خبرُهُ: ﴿السِّحْرُ﴾؛ أي: الذي جئتم بهِ هو السحرُ، لا الذي جئنا به من آياتِ اللهِ تعالى.\nوقرئ: ﴿آلسِّحْرُ﴾ على الاستفهام (^٢)؛ أي: على أن ﴿ومَا﴾ استفهاميةٌ (^٣) مبتدأةٌ، تقديرُه: أيُّ شيءٍ، و﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾ الخبرُ، و﴿السِّحْرُ﴾ بدلٌ من ﴿مَا﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: أهو السحرُ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ تقديرُه: السحرُ\n_________\n(^١) قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٢).\n(^٢) قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٣).\n(^٣) \"أي على أن ما استفهامية\" زيادة في (م).","vol":"5","page":90},{"text":"هوَ، ويجوزُ أن ينتصِبَ ﴿مَا﴾ بفعلٍ يفسِّرُه ما بعده تقديرُه: أيُّ شيءٍ أتيتم، السحرُ إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقَةَ له.\n\n<span id=\"aya-1446\"> </span>﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: ويثبِّتُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بأوامرِه.\n\n<span id=\"aya-1447\"> </span>﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ في أوَّلِ أمرِه ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: إلا طائفةٌ من ذرارِي قومه؛ أي: أولادٌ من بني إسرائيل دعا أباءهم فلم يجيبوهُ خوفًا من فرعونَ وقومه، وأجابَهُ (^١) طائفة من أبنائهم وبناتهم.\nوقيلَ: الضميرُ في ﴿قَوْمِهِ﴾ لفرعونَ، والذريةُ: طائفةٌ من شبان قومِهِ، أو من آل فرعونَ، وآسيةُ امرأتُهُ، وخازنُهُ، وامرأةُ الخازِنِ، وما شطَتُهُ.\nولا يناسبُه قولُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾: فإن حقَّ الكلام حينئذٍ إظهارُ اسم فرعونَ ثمَّةَ، وإضمارُه هاهنا.\n﴿وَمَلَئِهِمْ﴾: الضميرُ يرجع إلى فرعونَ؛ بمعنى: آلِ فرعونَ؛ كما يقالُ: مُضَرُ ورَبِيعَةُ، أو لأنَّه ذو أصحابٍ يأتمِرون لهُ، فعلى هذا يكونُ من باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].\nولا يجوزُ أن يكون جمعُهُ على ما هو المعتادُ في ضمير العظماءِ؛ لأنَّه يكونُ عند قصدِ التعظيمِ، ولا يساعدُهُ المقامُ (^٢).\nأو إلى الذريةِ، أو ﴿قَوْمِهِ﴾ أي: على خوفٍ من فرعونَ، ومن أشرافِ بني إسرائيل؛ لأنهم كانوا يمنَعون أعقابهم خوفًا من فرعون عليهِم وعلى أنفسهم، بدليلِ\n_________\n(^١) في (ك): \"وأجابته\".\n(^٢) في هامش (ف): \"فإن فرعون لا يستحق التعظيم من جانبه تعالى. منه\".","vol":"5","page":91},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: أن يعذِّبهم فرعونُ، وهو بدلٌ منهُ، أو مفعولُ: ﴿خَوْفٍ﴾، وعلى الوجهِ الأولِ إفرادُه بالضمير يحتاجُ إلى التأويلِ بأن يُقالَ: الخوف من الملأ كان بسببه.\nوإنما قالَ: ﴿عَلَى خَوْفٍ﴾ للدلالةِ على شدَّةِ خوفِهم، ولا يفيدُ (مع) ما أفاده (على)؛ لأن المصحوبَ ليس كالمركوب.\n﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ﴾: لغالبٌ قاهر فيها، استئنافٌ لبيان السببِ في كون أولئك المؤمنين خائفينَ، فالمناسبُ أن يكون المرادُ من الإسرافِ في قوله:\n﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: تجاوزُه عن الحدِّ المعتادِ في التعذيب والقتل لمن يخالفُه في أمرٍ من الأمور (^١).\n\n<span id=\"aya-1448\"> </span>(٨٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمَّا رأى تخوُّفَ المؤمنين منه: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: صدَّقتم به تعالى وبآياتِه، وفي إيراد ﴿إِن﴾ إيماءٌ إلى أن حالهم ليسَت حالَ المصدِّقِ باللهِ، الصادقِ في الإيمان، الواثقِ به تعالى.\n﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾: فخصِّصوه بالتفويضِ إليه، أو: ثقوا به (^٢) في العصمةِ من فرعونَ، ثم شرَطَ في حصولِ التوكُّل وصحته (^٣) الإسلامَ بقوله:\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾: كما شَرطَ في وجوبه الإيمانَ؛ لأن من قضية الإيمانِ\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ومن حمله على الإسراف في الكفر فقد أبعد، منه\".\n(^٢) \"أو ثقوا به\"، وقع في (ك) بدلا منه: \"والتوبة\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"وصحة\"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.","vol":"5","page":92},{"text":"وجوبُ التوكُّلِ على الله تعالى، ولا يصِحُّ التوكل إلا مع تسليمِ نفوسِهم له تعالى خالصةً سالمةً، ليس لغيرِه فيها حظٌّ ولا تخليطٌ فيه، فهو (^١) كقولكَ: إن أتاكَ زيدٌ فأحسِنْ إليه إن قدَرت.\n\n<span id=\"aya-1449\"> </span>(٨٥) - ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ لأنهم كانوا مخلِصين، ولذلك قبِلَ توكُّلَهم، وأجاب دعاءَهم، ونجَّاهم، وأهلك مَن كانوا لا (^٢) يخافون عذابَه وبلاءَه، وجعلَهم خلفاء في أرضِه.\n﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: موضعَ فتنةٍ لهم؛ أي: عذابٍ يعذِّبوننا بهِ، أو يفتِنوننا عن دينِنا، أو فتنةً لهم يُفتنون عنا يقولونَ: لو كان هؤلاءِ على الحقِّ لمَا أُصيبوا.\n\n<span id=\"aya-1450\"> </span>(٨٦) - ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: من مجاهدةِ استعبادِهم (^٣) وسوء مشاهدَتهم، وإنما قدَّموا التوكلَ على الدعاءِ لأن الداعي ينبَغي أن يَتوكَّلَ أولًا لتُجاب دعوتُه (^٤).\n_________\n(^١) \"فهو\" في (م).\n(^٢) في (ف): \"كان\" و\"لا\" ساقطة.\n(^٣) في (ف): (استبعادهم).\n(^٤) في النسخ: \"تجاب دعوتهم\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٢).","vol":"5","page":93},{"text":"<span id=\"aya-1451\"> </span>(٨٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ﴾: أن اتَّخِذا مباءةً؛ أي: مرجِعًا يرجَعُ إليه.\n﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: تسكُنون فيها وترجِعون (^١) إليها للعبادة.\n﴿وَاجْعَلُوا﴾ أنتُما وقومُكما ﴿بُيُوتَكُمْ﴾: تلك البيوتَ ﴿قِبْلَةً﴾: مُصلًّى.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فيها؛ قالَ ابن عباسٍ ﵄: إن فرعونَ لما أتاه موسى ﵇ بالرسالة أمرَ لمساجدِ بني إسرائيلَ فكسِّرت كلُّها، وكانت مساجِدُهم ظاهرةً فأمرهما (^٢) الله تعالى أن يجعلا لقومِهما مساجدَ في جوفِ البيوت ولا يظهِرُوها (^٣).\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنصرة في الدنيا والجنةِ في العُقبى.\nوإنما ثنَى الضميرَ أولًا لأن التبوُّء للقومِ، واتخاذَ المقابرِ مما يتعاطاه رؤوس القومِ بتشاورٍ، ثم جمعَ لأن جعلَ البيوتِ مساجدَ والصلاةَ مما ينبغي أن يفعلَهُ كلُّ أحدٍ، ثم وحَّدَ لأن البشارةَ في الأصل وظيفةُ صاحب الشرعِ.\n\n<span id=\"aya-1452\"> </span>(٨٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"عبارة القاضي: أو، والمناسب ما يأتي من الرواية إنما هو الواو، منه\".\n(^٢) في (ف): (فأمرهم).\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٤٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١١/ ٣٤). وفيهما: (فخربت) مكان (فكسرت).","vol":"5","page":94},{"text":"﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾: ما يُتزيَّنُ به من لباسٍ وحليٍّ وفرشٍ وغير ذلك.\n﴿وَأَمْوَالًا﴾: صنوفًا من الأموالِ.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عن ابن عباسٍ ﵄: كانت لهم من أرضِ مصرَ فسطاطٌ إلى أرضِ الحبشةِ جبالٌ فيها معادِنُ ذهبٍ وفضةٍ وزبرجَدٍ وياقوتٍ (^١).\n﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دعاءٌ عليهم بما هم فيهِ بلفظ الأمرِ (^٢)؛ للإياسِ عن قَبولهم الدعوةَ والهدايةَ، وتحقُّقِ (^٣) إصرارِهم على الكفرِ؛ كقولك: لعنَ اللهُ إبليسَ.\nوقيلَ: إنَّ اللام للعاقبة، وهي متعلِّقةٌ بـ ﴿آتَيْتَ﴾.\nوَيحتمِلُ أن تكونَ للعلةِ؛ لأن إيتاءَ النعمِ على الكفر استدراجٌ وتثبيتٌ على الضلالِ، ولأنهم لما جعلُوها سببًا للضلالِ فكأنهم أوتوها للضلالِ، فيكُون تكرارًا (^٤) للأول (^٥)، وتنبيهًا على أن المقصودَ من عرضِ الآياتِ ضلالُهم وكفرانُهم تقدمةً لقولِه:\n﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: أهلِكْها (^٦)، والطمسُ: المَحْقُ، قالَ ابن عباسٍ\n_________\n(^١) انظر: \"الوسيط\" للواحدي (٣/ ٥٥٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١١/ ٣٨).\n(^٢) قاله الزمخشري، وجعله ابن المنير من اعتزاله الخفي الذي هو - كما قال - أدق من دبيب النمل، يكاد الاطلاع عليه أن يكون كشفًا …، راجع كلامه في \"حاشية الكشاف\" (٢/ ٣٦٥).\n(^٣) في (م): \"وتحقيق\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"تكريرا\".\n(^٥) في (ف): \"للأولى\".\n(^٦) \"أهلكها\" سقط من (ك).","vol":"5","page":95},{"text":"﵄: بلغَنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارةً منقوشة كهيئة الدراهم والدنانير (^١).\n﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: الشدُّ على القلوبِ: الاستيثاقُ منها، وقبضُها حتى لا يدخُلَها الإيمانُ؛ أي: واطبَع عليها حتى لا تنشَرِح لقَبول الحقِّ.\n﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: جوابُ الدعاءِ (^٢) الذي هو ﴿وَاشْدُدْ﴾ (^٣)، أو دعاءٌ بلفظ النهيِ.\nوقيلَ: إن جعلتَ اللامَ في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ للعاقبةِ أو التعليلِ فهو عطفٌ عليهِ، وقولُهُ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ﴾ ﴿وَاشْدُدْ﴾ دعاءٌ معترِضٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليهِ.\nواعترِضَ عليه بأن الاعتراضَ بالدعاءِ لا يكونُ له حسنُ موقعٍ، ولهذا عِيبَ على النابغةِ (^٤) في قولِه:\nلعَلَّ زِبادًا لا أبا لكَ غافِلُ (^٥)\n﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾؛ أي: يروا ذلكَ، ويحتمِلُ الغايةَ؛ أي: إلى أن يروا العذابَ الأليمَ، وكان ذلك فإنهم لم يؤمنوا إلى الغرقِ.\n\n<span id=\"aya-1453\"> </span>(٨٩) - ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) رواه الطبري بنحوه عن ابن عباس وعن قتادة وسفيان، انظر: \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٢٦٥ - ٢٧٠).\n(^٢) في (ك) و(م): \"لدعائه\".\n(^٣) في (ك): \"الشد\".\n(^٤) في (ف): \"على المبالغة\".\n(^٥) عجز بيت للنابغة الذبياني، وهو في ديوانه (ص: ٩٦)، وصدره:\nيقُولُ أُناسٌ يُنكِرونَ خَلِيقَتي","vol":"5","page":96},{"text":"﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ يعني: موسى وهارونَ ﵉ لأنَّه كانَ يُؤمِّنُ.\n﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: فاثبُتا على ما أنتُما عليه من الدعوةِ وإلزام الحجةِ، ولا تستعجِلا؛ فإنَّ ما طلبتُما كائنٌ في وقتهِ، روي: أنهُ مكَثَ بعد الدعاء أربعين سنةً (^١).\n﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: طريقَ الجهلة في الاستعجالِ؛ فإن الأمورَ مقدَّرةٌ معلَّقةٌ بأوقاتها، أو عدمِ الوثوق بعهد الله تعالى.\nقال الزجَّاج: قولُه: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ﴾ موضعُه (^٢) جزمٌ؛ والتقديرُ: ولا تتَّبعا، إلا أن النونَ المشدَّدةَ دخلَت على النهي مؤكِّدةً، وكسرَت لسكونها وسكونِ النون التي قبلَها؛ فاختيرَ لها الكسرَةُ؛ لأنها بعد الألفِ تشبه نون التثنيةِ.\nواستضعفه ابن الحاجبِ، وحملَ على أنه نفيٌ بمعنى النهيِ؛ فجازَ العطفُ، أو الواو للحالِ، وفعل المضارعِ المنفيّ لا يمنعُ من دخول الواو عليهِ؛ أي: استقيما غير متبِعَين، وهذا أشدُّ ملاءمةً.\nوقرئ: ﴿ولا تتَّبعانِ﴾ بتخفيف النون (^٣)، (ولا تَتْبعانِ) من تَبعَ (^٤).\n_________\n(^١) نسبه الزمخشري إلى ابن جريج، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٦٦).\n(^٢) \"موضعه\" سقط من (ك).\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر، ورواية ابن ذكوان عن نافع، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٣)، و\"النشر\" (٢/ ٢٨٦).\n(^٤) هي رواية الأخفش الدمشقي عن أصحابه عن ابن عامر. انظر: \"الحجة\" للفارسي (٤/ ٢٩٣)، و\"النشر\" (٢/ ٢٨٧).","vol":"5","page":97},{"text":"<span id=\"aya-1454\"> </span>(٩٠) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتى بلغوا الشطَّ حافظين لهم، وقرئ: ﴿جَوَّزْنا﴾ (^١) وهو مِن فعَّلَ المرادفِ لفاعَلَ؛ كضعَّفَ وضاعَفَ.\n﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: طلبُوا لحاقَهم، فقربوا منهم، وأمَّا الإدراكُ فلم يحصُل.\n﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: باغين وعادِين، أو: للبغي والعَدْوِ.\n﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: الغَرَقُ بالفتحِ: القُرب من الهلاكِ بغمرةِ الماء، والغَرْق بتسكِينها: الهلاكُ فيها.\n﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾: قرئ بالفتح على حذف الباءِ التي هي صلةُ الإيمانِ، وبالكسر على الاستئنافِ (^٢) بدلًا مِن ﴿آمَنَتْ﴾ وتفسيرًا (^٣) له.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: على الأول تكريرٌ للمعنى الواحدِ بعبارَتين مختلفتَين، وعلى الثاني بثلاث عباراتٍ شغفًا على القبولِ، لكنْ لمَّا لم يبقَ وقتُ التكليفِ لم يُقبَلْ، ولو بقِي وقته لكفَت مرةٌ واحدةٌ، وكان مؤمنًا ضرورةَ حصولِ التصديقِ القلبيِّ، ولم يكن مسلمًا؛ لأن الإسلامَ تسليمُ النفسِ إلى الله تعالى، فإذا آمَن في وقتٍ خرجَت نفسُه من يدِه لم يصِر مسلِّمًا نفسَهُ إليه\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\": (ص: ٥٨).\n(^٢) قرأ حمزة والكسائي ﴿إنَّه﴾ بالكسر، والباقون بالفتح. انظر: \" التيسير\" (ص: ١٢٣).\n(^٣) في (ك): \"وتعبيرا\"، وفي (م): \"وتغييرًا\".","vol":"5","page":98},{"text":"تعالى؛ إذ ليس نفسُهُ في يده حينئذٍ فيسلِّمَها (^١)؛ لذلك وبخه بالعصيانِ المقابل للإذعانِ، دون الكفر المقابلِ للتصديقِ حيث قالَ:\n\n<span id=\"aya-1455\"> </span>(٩١) - ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿آلْآنَ﴾؛ أي: أتؤمنُ الآن وقد أيِست مِن نفسِكَ، ولم يبقَ لك اختيارٌ.\n﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: قبلَ ذلك مدَّةَ عمركَ.\n﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: الضالِّين المضلِّين عن الإيمانِ.\nروى الترمذيُّ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: \"لما أغرَقَ اللهُ فرعونَ قال: ﴿آمَنْتُ﴾ إلى قوله ﴿بَنُو إِسْرَائِيل﴾ قال جبريلُ: فلو رأيتَني يا محمدُ! وأنا آخذُ من حال البحرِ فأدسُّه في فيهِ مخافةَ أن تدرِكَه الرحمةُ\" (^٢).\nأراد إدراكَ الرحمةِ في الدنيا كما أدرك قومَ يونُسَ فنجَوا من العذابِ؛ فليسَ فيه ما يدلُّ على كراهةِ إيمان الكافرِ والرضا بكُفرِه؛ فإن الرضا بالشيء لا يستلزِمُ الرضا بسببِه؛ ألا يرى أن المريضَ يشربُ الدواء للشفاءِ (^٣) كارهًا إياهُ راضيًا بما (^٤) يترتَّبُ عليهِ من منفعةِ الشِّفاءِ، فمَن وهَم أن في قوله: \"مخافَة أن تدركَه الرحمةُ\" جهالتين: إحداهما أن الإيمان يصحُّ بالقلبِ كإيمانِ الأخرسِ فحالُ البحرِ لا يمنعُهُ، والأُخرى أن مَن كرِهَ إيمانَ الكافرِ وأحبَّ بقاءه على الكفرِ فهو كافرٌ؛ لأن الرضا بالكفرِ كفرٌ. وزَعَمَ بناءً على ذلكَ أنه من زياداتِ الباهتِين للهِ تعالى وملائكتِه فقد وهِمَ، ثم إنهُ على تقديرِ زيادته لا بهتَ فيه لله تعالى.\n_________\n(^١) في (ف): \"فيسلم أو\".\n(^٢) رواه الترمذي (٣١٠٧) وقال: هذا حديث حسن، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٢١٥) بلفظ مقارب.\n(^٣) في (ك): \"الشفي\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"لما\".","vol":"5","page":99},{"text":"<span id=\"aya-1456\"> </span>(٩٢) - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.\n﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نبعدُك مما وقعَ فيه قومُكَ من قعر البحرِ ونجعلُك ناجيًا، أو: نلقيكَ على نجوةٍ من الأرضِ ليراك بنو إسرائيلَ.\n﴿بِبَدَنِكَ﴾ في موقعِ الحال؛ أي: بدرعِكَ، وكانت له درعٌ من ذهبٍ يعرَفُ بها.\nوقرئ: (بأبدانك) (^١)؛ أي: بدروعكَ، كأنه كانَ مُظاهِرًا بينها.\nوخروجُه من الماءِ أو ظهورُه على وجهِه مع ما عليهِ من جسمٍ ثقيلٍ آيةٌ أُخرى.\nوقيلَ: أي: ببدنك عاريًا عن الروح، أو كاملًا سويًّا، أو عريانًا من غير لباسٍ. يأباه الباءُ؛ لأنها تقتضي وجود شيء آخرَ غير البدن، ولم ينجُ غير جسدِه، على أنه فرْقٌ بين البدن والجسدِ؛ فإن الأطرافَ خارجٌ عن الأولِ داخلٌ في الثاني؛ فحق المقام حينئذٍ أن يُذكرَ الجسد بدل البدنِ.\n﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾: لمن بقي بعدَك من السِّبْطي والقِبْطي علامةً؛ إذ كان في نفوسهِم من عظمته ما خَيَّلَ إليهم أنه لا يموتُ، حتى رويَ أن بني إسرائيل لم يصدِّقوا موسى ﵇ في إخباره بغرقِهِ حتى عاينوه مطروحًا على ممرِّهم من الساحلِ.\nأو: لمن يأتي بعدَكَ من القرونِ إذا سمعوا [مآلَ أمرِكَ] ممن شاهدكَ عبرةً (^٢)\n_________\n(^١) تنسب لأبي حنيفة، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٦٩)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ١٦٧).\n(^٢) تحرفت في النسخ إلى: \"غيره\"، والتصويب من، \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٣)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"5","page":100},{"text":"ونكالًا من الطغيانِ، أو حجةً تدلُّهم على أن الإنسانَ على ما كان عليهِ من عظم الشأنِ وكبرياءِ الملكِ والسلطانِ مملوكٌ مقهورٌ (^١) بعيدٌ عن مكانِ الربوبيةِ.\nوقرئ ﴿نُنْجِّيكَ﴾ (^٢) من أَنْجَى.\nوقرئ: (نُنَحِّيكَ) بالحاء من التنحيَة (^٣)، وهي (^٤) التبعيدُ (بيديكَ) على أنه تثنيةُ اليدِ (^٥). (لمَن خَلقَكَ) بالقافِ (^٦)؛ أي: نبعدُك عن الرحمةِ بما كسبت يداكَ من الجفوةِ، لتكون من خالقِكَ آيةً لخلقِهِ، فإن إفرادَهُ إياك بالإلقاءِ إلى الساحل دليل على أنه قصَدَ كشفَ (^٧) تزويركَ وإماطةَ الشبهةِ عن أمركَ، [وذلك] (^٨) دالٌّ على كمالِ قدرتهِ وعلمِهِ وإرادتِهِ، وهذا الوجه محتمل على المشهورةِ أيضًا.\nومن قالَ في تفسيرِه على القراءة الأخيرةِ: أي: نلقيك بناحية الساحلِ، فقد غفل عن أنَّ مَن قرأه بالحاءِ قرأ (بيديك) باليائين فوقعَ فيما وقعَ.\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبِرون (^٩) بها.\n_________\n(^١) في (م): \"ومقهور\".\n(^٢) قراءة يعقوب، انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٥٩).\n(^٣) نسبت إلى أبي وابن السميفع ويزيد البربري وأبي السمال، انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣١٦)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ١٧٢).\n(^٤) في (ك): \"وهو\".\n(^٥) لم أقف عليها.\n(^٦) نسبت لعلي ﵁، انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٣٠١)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ١٧٣).\n(^٧) في (ف): \"لكشف\"، وفي (م): \"بكشف\".\n(^٨) ما بين معكوفتين من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٣).\n(^٩) في (ك): \"يعتنون\".","vol":"5","page":101},{"text":"<span id=\"aya-1457\"> </span>(٩٣) - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾: نزَّلنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: منزلًا صالحًا مرضيًّا وهو مصرُ والشامُ.\n﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: من أسبابِ المعيشة المستطابةِ.\n﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾؛ أي: كانوا على ملةٍ واحدةٍ وطريقةٍ مع موسى ﵇ في أول حالِه ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بنزولِ التوراةِ فاختلفُوا، وهذا ذمٌّ لهم من جهةِ أن العلمَ سببُ الاتفاقِ فصارَ عندَهم سببَ الاختلافِ، حتى تشعَّبوا شُعَبًا بعدما قرؤوا التوراةَ.\nوفي ترتيبِ ذلك الاختلافِ الذي لا يخلو عن نوعِ كفرانٍ على إنعامِهِ تعالى عليهم المنازلَ البهيَّةَ، والمطاعمَ الشهيَّةَ، والعلمَ بالأحكام، تأكيدٌ للذمِّ لتنزيلِهم الكفرَ منزلة الشكرِ.\nوقيلَ: المرادُ من اختلافِهم: الاختلافُ في أمر محمدٍ ﷺ بعدَ (^١) ما علمُوا صدقَه بنعوتِهِ وظاهرِ معجزاته.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: فيميزُ المحقَّ من المبطِلِ، ويجزي كلًّا منهم على استحقاقهِ، وينزِّله منزلةَ استيجابِه على حكمِ وعدِه ووعيدِه.\n_________\n(^١) في (م): \"من بعد\".","vol":"5","page":102},{"text":"<span id=\"aya-1458\"> </span>(٩٤ - ٩٥) - ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ كلامٌ مبنيٌّ على الفَرْضِ والتقديرِ مؤكَّدٌ بما هو واردٌ على سبيلِ التهييجِ وزيادة التثبيتِ، فلا يستلزمُ وجود الريبِ والافتراءِ والتكذيبِ، ولا إمكانَها؛ إذ كلُّ ذلك (^١) من بابِ فرضِ المحالِ وبقاءِ الكلام عليهِ؛ أي: مَن هو [أقوى] (^٢) الناسِ يقينًا وأشرفُهم رتبةً (^٣) وأعزُّ خلقِ الله تعالى عليه مِثْلَك لو كان موصوفًا بهذه الصفاتِ الخبيثة التي وُصِفوا بها لوقعَ في الخسرانِ المطلقِ، وكما دلَّ على زيادةِ التثبيتِ والعصمةِ له دلَّ على سوءِ حالِ الشاكِّين فيه مِن بني إسرائيلَ.\n﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: من بني إسرائيلَ الذين آتيناهم الكتابَ من قبلِكَ؛ فإنه محقَقٌ عندَهم ثابتٌ في كتبِهم على نحو ما أنزلنا (^٤) إليكَ.\nوالمرادُ: إثباتُ نبوتِهِ ﵇ بشهادةِ الأحبار، وذلكَ أنه لمَّا ذكَرَ بني إسرائيل ووصفَهم بالعلمِ، أراد أن يقررَ عليهم صحة نبوَّتِه ﵇ وصدقَ القرآن بشهادةِ علمائهم وكِتَابِهم، أو وصفُ الأحبارِ بالرسوخِ في العلم بصحةِ\n_________\n(^١) \"ذلك\" ليست في (ك).\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق، وقد وقع التنبيه عليه في هامش (م)، وفيه: \"لعل هنا لفظ أقوى أو ما شابه ذلك\".\n(^٣) \"رتبة\" ليست في (ك).\n(^٤) في (ك): \"أنزل\".","vol":"5","page":103},{"text":"نبوتهِ ﵇ وما أنزلَ اللهُ تعالى إليهِ، لا إثباتُ الشكِّ وإمكانه لرسولِ الله ﷺ، ولذلكَ قال ﵇: \"لا أشكُّ ولا أسألُ، أشهدُ أنه الحقُّ\" (^١).\nوبهذا التقريرِ تبيَّنَ وجه تصديرِ الكلامِ بأداة الترتيبِ على ما قبلَهُ.\nوقيلَ: الخطابُ لكلِّ مَن يسمَعُ؛ أي: إن كنتَ في شكِّ أيها السامعُ مما أنزلنا على لسانِ نبيِّنا إليكَ، وفيهِ تنبيهٌ على أن كلَّ من خالطتْهُ (^٢) شبهةٌ فعليهِ بمراجعة العلماءِ.\n﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ثبتَ عندك بالبراهين القاطعةِ، والمعجزاتِ الواضحةِ أن الذي جاءك هو الحقُّ الذي لا تدخُلُ الشبهة فيه.\n\n<span id=\"aya-1459\"> </span>﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: فاثبُت على ما أنتَ عليه من الجزمِ (^٣) واليقينِ، وانتفاءِ المرية والتكذيب، وقد مرَّ أنهُ من باب التهييجِ والإلهابِ؛ كقولهِ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦].\n\n<span id=\"aya-1460\"> </span>(٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾: ثبتَتْ عليهم ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ حكمُه (^٤) بأنهم يموتون على الكفرِ، ويخلُدون في العذابِ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: إذ لا يُكذَّبُ كلامُه، ولا يُنقَضُ قضاؤه.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٢/ ٢٨٨) عن قتادة مرسلًا.\n(^٢) في (ف): \"خاطبه\". وفي (م): \"من خالطه\".\n(^٣) في (ك): \"الحزم\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"حكمه\".","vol":"5","page":104},{"text":"<span id=\"aya-1461\"> </span>(٩٧) - ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾: لانتفاءِ تعلُّقِ إرادته تعالى بإيمانهم، فإنهُ لا بدَّ منه في وجودِ كلِّ ممكنٍ.\n﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: وحينئذٍ لا ينفعُهم كما لم ينفع لفرعونَ.\n\n<span id=\"aya-1462\"> </span>(٩٨) - ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾: فهلَّا كانت قريةٌ واحدةٌ من القرى التي أهلكناها آمنَت قبلَ معاينةِ العذاب وضيق الخناقِ، ولم تُؤخِّر إليه كما أَخَّرَ فرعون.\n﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾: بأنْ يقبَلَها الله تعالى منها لوقوعِه في وقت الاختيارِ، ويكشفَ عنها العذاب.\n﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾: استثناءٌ من القرى لأنَّ المرادَ أهاليها (^١)، وهو متَّصلٌ، والجملةُ في معنى النفي لتضمُّنِ [حرف] التحضيض (^٢) معناهُ؛ كأنه قيلَ: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكةِ فنفعَها إيمانُها إلا قوم يونسَ، وانتصابُه على الاستثناءِ، والدليلُ عليه قراءته بالرفعِ على البدلِ (^٣).\nأو منقطعٌ، أي: لكنَّ قومَ يونُسَ ﵇:\n_________\n(^١) في (ك): \"أهالوها\".\n(^٢) تحرفت في النسخ إلى: \"التخصيص\"، والتصويب من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٣)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٨).","vol":"5","page":105},{"text":"﴿لَمَّا آمَنُوا﴾: أوَّلَ ما رأوا أماراتِ العذابِ، ولم يؤخِّروه إلى حلولِه آمنُوا.\n﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ والخزيُ: الهوانُ الذي يَفضَحُ صاحبَهُ.\n﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى وقتِ انقضاء آجالهم.\n\n<span id=\"aya-1463\"> </span>(٩٩) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾: حتى لا يشذَّ منهم أحدٌ.\n﴿جَمِيعًا﴾: مجتمِعينَ على الإيمانِ لا يختلفُون فيهِ، وفيه دلالةٌ على أن مَن شاء اللهُ إيمانَهُ يؤمن لا محالةَ.\n﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ على ما لم يشأ اللهِ منهم؛ يعني: إنما يقدِرُ على إكراهِهم واضطرارِهم إلى الإيمانِ هو لا أنتَ، وإيلاءُ الاسم حرفَ الاستفهام للإعلامِ بأن الإكراه ممكنٌ مقدورٌ عليهِ، وإنما الشأنُ في المكرِه مَن هو؟ وما هو إلا الله وحدَهُ لا يشاركُه فيهِ (^١) أحدٌ؛ لأنهُ هو القادرُ على أن يفعلَ في قلوبهم ما يُضْطَرُّون عنده إلى الإيمانِ، وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشرِ، وبهذا المساقِ تمسَّكَ مَن حملَ المشيئة المذكورةَ على المشيئةِ الملجئةِ.\n﴿حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ترتيبُ الإكراه على المشيئةِ بالفاءِ، وإيلاؤها حرفَ الاستفهامِ للإنكارِ؛ للدلالة على أن خلافَ المشيئةِ مستحيلٌ؛ يعني: إذا (^٢) لم يشأ الله تعالى إيمانَهم لم تقدر عليه أنت ولا غيرُكَ بالإكراهِ فضلًا عن مجرد الحثِّ والتحريضِ.\n_________\n(^١) \"فيه\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ف): \"إذ\".","vol":"5","page":106},{"text":"روي أنه ﵇ كان شديد الحرص على إيمان قومه فنزلت (^١)، ولذلك قرَّره بقولِه:\n\n<span id=\"aya-1464\"> </span>(١٠٠) - ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بإرادَته وتوفيقِه وتيسيرِه، فلا تُجهِدْ نفسَك في هُداها فإنهُ إلى اللهِ.\n﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: العذابَ، وقرئ: (الرِّجْزَ) بالزاي (^٢).\n﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يستعملون عقولهم بالنظرِ في الحججِ والبيِّناتِ فيؤمنوا، وَرَدَ (^٣) في مقابلةِ الإيمان عدمُ العقلِ، وفي مقابلةِ الإذنِ الرجسُ؛ لأن الإيمانَ إنما يكونُ بصحةِ العقلِ، والنظرِ في الدلائلِ العقلية والسمعيةِ، والإصرارُ على الكفرِ المقابلِ للإيمانِ مسبَّبٌ عن عدمِهِ كقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].\nفأومئ (^٤) إلى أن العاقلَ هو المؤمنُ، ومَن لم يوفِّقه اللهُ تعالى للإيمانِ لعدمِ عقلِه لزمَ كفرُه الموجبُ للعذابِ، فرتَّبَ لازم الكفرِ الذي هو الرجسُ على ملزومه الذي هو عدمُ العقلِ للجمعِ بين التهديد والتوبيخِ.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٤).\n(^٢) قراءة الأعمش، انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٤٥)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ١٨٢).\n(^٣) في (ك): \"أورد\".\n(^٤) في (ك): \"وهي\".","vol":"5","page":107},{"text":"<span id=\"aya-1465\"> </span>(١٠١) - ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قُلِ انْظُرُوا﴾: تفكَّروا ﴿مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من عجائب الصانعِ الدالَّةِ على توحيدِه وكمالِ قدرته وحكمَتهِ (^١)، و﴿مَاذَا﴾ استفهامٌ علَّقَ فعلَ النظرِ عن العملِ.\nو(ما) في: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ﴾ نافيةٌ أو استفهاميةٌ في محل النصبِ بـ ﴿تُغْنِى﴾.\n﴿وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في علمِ اللهِ وحُكمه.\n\n<span id=\"aya-1466\"> </span>(١٠٢) - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\n﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: مثلَ وقائعِهم، ونزول بأس الله تعالى بهم؛ إذ لا يستحِقُّون غيرَهُ؛ من قولهم: أيامُ العرب، لوقائعها.\n﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لذلكَ، أو: فانتظروا الإهلاكَ إني معكم من المنتظرينَ لهلاككُم (^٢).\n\n<span id=\"aya-1467\"> </span>(١٠٣) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ عطفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ كأنهُ قيلَ: فهلكَ الأممُ، ثم ننجِّي رسُلَنا.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معهم على حكايةِ الحال الماضيةِ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وكمال حكمته\".\n(^٢) في (م): \"بهلاككم\".","vol":"5","page":108},{"text":"﴿كَذَلِك﴾: مِثْلَ ذلك الإنجاءِ ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾: اعتراضٌ؛ أي: حقَ ذلكَ حقًا علينا، أو بدلٌ من ﴿كَذَلِك﴾.\n﴿نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ منكم، ونهلِكُ المشركين.\n\n<span id=\"aya-1468\"> </span>(١٠٤) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطابٌ لأهل مكةَ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وصحَّته.\n﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ فهذا ديني اعتقادًا وعملًا فاعرِضوه على العقلِ الصحيحِ، وانظروا فيه بعين الإنصافِ؛ لتعلَموا صحَّتَها، وهو أني (^١) لا أعبدُ ما تخلقُونه وتعبدُونه، ولكن أعبُدُ خالِقَكم الذي يوجِدُكم ثم يتوفَّاكم.\nوإنما خصَّ التوفيَ بالذكرِ للتهديدِ، وأنَّه حقيقٌ بأن يُخافَ ويُتَّقى فيُعبدَ، لا الجماد الذي لا يقدِرُ على شيءٍ.\n﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بما دلَّ عليه العقلُ، ونطق به الوحيُ، وحذفُ الجارِّ من ﴿أَنْ﴾ اجتمعَ فيهِ الوجهان: القياسُ وهو أن حذفَهُ مع (أنْ) و(أنَّ) يطَّرِدَ في سائر الأفعالِ، والسماعُ وهو حذفُه بعد فعلِ الأمرِ.\n\n<span id=\"aya-1469\"> </span>(١٠٥ - ١٠٦) - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"أن\".","vol":"5","page":109},{"text":"﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: استقِم عليهِ، ولا تلتفِت إلى غيره، عطفٌ على ﴿أَنْ أَكوُنَ﴾ وجازَ مع كون الفعلِ إنشاءً لأن حقَّ (أنْ) هذه أن تكونَ معَ الفعل في تأويل المصدرِ، والأمرُ والخبرُ في تضمُّنِ المصدر سواءٌ.\n﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ من الدِّينِ أو الوجهِ.\n\n<span id=\"aya-1470\"> </span>﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾؛ أي: لا يقدِرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ.\n﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾؛ أي: فإن دعوتَ من دونِ الله ما لا ينفعُك ولا يضرُّكَ، فكُنِّي عنه بالفعلِ مجازًا (^١).\n﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ الشركَ من أعظم الظلمِ؛ لقولِه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n\n<span id=\"aya-1471\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لمَّا أشارَ إلى علةِ النهي بإيرادِ (ما) (^٢) التي لغيرِ العقلاء، وسلبِ النفع والضرِّ عن أصنامهم، وإثباتِ الظلم لمن عبدَها، أتبعَهُ بإيراد العلةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادة باللهِ تعالى؛ وهي أنه هو الضارُّ النافعُ الذي إن أصابَك بضرٍّ لم يقدِر على كشفِه إلا هو وحدَه دونَ كلِّ قادرٍ غيرِه فضلًا عن الجمادِ الذي لا حياةَ لهُ، وإن أرادك بخيرٍ لم\n_________\n(^١) في (ك): \"إيجازًا\".\n(^٢) \"ما\" من (ك).","vol":"5","page":110},{"text":"يَرُدَّ أحدٌ ما أرادَهُ بك من فضلِه وإحسانِه، فكيفَ بالأوثان؟ ليدلَّ على أنه هو الحقيقُ بالعبادةِ دون ما عداهُ.\nوفي ذكرِ المسِّ مع الضرِّ والإرادةِ مع الخيرِ مع تلازُمِها إيماءٌ إلى أن المرادَ بالذاتِ هو الخيرُ، ولهذا لا يخلو أحدٌ منهُ، وأن الضرَّ إنما مسَّهم لا بالقصدِ الأولِ.\nوفي وضع الفضلِ موضِعَ الضميرِ دلالةٌ على أنه من بابِ الامتنانِ والتفضُّلِ، لا باستحقاقٍ منا (^١) واستيجابٍ كالشرِّ، وأكَّدَ ذلك بقولِه:\n﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخيرِ ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وتقديمُ الضميرِ للتهديدِ، والإيماءِ إلى أن عبادةَ الغير توجِبُ المسَّ بالضر، وتعَّرضُ للعقابِ لكونه ظلمًا.\nورَجَحَ (^٢) جانبُ الترغيب فيه على جانب الترهيبِ؛ لأن المقصودَ الحثُّ على لجاء (^٣) اللهِ تعالى وحدَهُ، والاعتصامِ به.\nولا شكَّ أن داعيَ اللطفِ أيسرُ، والنفوسَ الكريمة إليه أميَلُ، فأوثرَ في الأول لفظُ المسِّ الدالِّ على ملاصقةِ الظاهرِ دون نفوذٍ، ثم في عدمِ التصريحِ بالإرادة زيادةُ لطفٍ، وكذلكَ في قولِه: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ وكافيه من أنهُ يكشِفُه لا محالةَ إن لُذتَ بهِ (^٤).\nوفي الثاني لفظُ الإرادةِ، فجعَلَ المخاطَبَ مرادًا، والخيرَ تابعًا لهُ، وفيه أبلَغُ اللطف.\n_________\n(^١) \"منا\" ليست في (ك).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"راجح\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"الجاء\".\n(^٤) \"إن لذت به\" سقط من (ك)، و\"لذت به\" سقط من (ف)، و\"لذت\" تحرف في (م) إلى: \"لند\"، والمثبت جرى التنبيه عليه في هامش (م) بلفظ: \"لعلها لذت\"، وهو المناسب لسياق الكلام.","vol":"5","page":111},{"text":"ثم في (^١) إطلاقِ الإرادة وما فيهِ من شمولِ الظاهرِ والباطن زيادةُ تقويةٍ لهُ، ثم إنه طيَّبَ مسامعَهُ أولًا بكونه خيرًا مؤثرًا، وثانيًا بكونِه فضلًا، ولهذا لم يكدِّرِ الرجاءَ بالتعقيب بالاستثناءِ، وصفَّى موردَه عن شوائب الأهواءِ (^٢).\nوما قيلَ: ولم يستثنِ - يعني: في الثانيةِ (^٣) - لأنَّ مرادَ الله تعالى لا يمكنُ ردُّهُ. إنما يصلُحُ وجهًا لعدمِ الاستثناء فيه على طريقةِ ما في قرينه، وطريقُه غير منحصرٍ في ذلك الوجهِ.\nومن لم يتنبَّه لكون كلِّ واحدٍ من لفظي المسِّ والإرادةِ أمسَّ بمقامِه من الآخرِ قالَ: كأنه أراد أن يذكُر الأمرين جميعًا؛ الإرادةَ والإصابةَ في كلِّ واحدٍ من الضرِّ والخيرِ، وأنَّه لا رادَّ لما يريدُ منهُما، ولا مرسل لما يصيبُ به منهُما، فأوجزَ الكلام بأنْ ذكر المسَّ وهو الإصابةُ (^٤) في أحدِهما والإرادةَ في الآخرِ ليدلَّ بما ذكرَ على ما تركَ.\nثم إنه لم يُصب في عدمِ الفرق بين المسِّ والإصابةِ. وقد أوضحنا الفرق بينهما في تفسيرِ سورة البقرة.\n﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تحريض وحثٌّ (^٥) على التوبة من الشركِ؛ أي: لا تيأسوا من غفرانِه وتوبوا إليه (^٦) من عصيانِه، وتعرَّضوا لرحمتِه بتوحيدِه وتخصيصِه بالعبادةِ.\n_________\n(^١) \"في\" ليست في (ك).\n(^٢) في (ف) و(م): \"شوب الأهواء\".\n(^٣) في (ك): \"الثاني\".\n(^٤) \"وهو الإصابة\" من (م).\n(^٥) في (ك) و(م): \"وبعث\".\n(^٦) في (ف) و(ك): \"وتواليه\".","vol":"5","page":112},{"text":"<span id=\"aya-1472\"> </span>(١٠٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الرسولُ بالدِّين المتينِ، والقرآنِ المبين.\n﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فلم يبقَ لكم عذرٌ، ولا على اللهِ تعالى الحجةُ.\n﴿اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فمن اختارَ الهدى واتِّباعَ الحقِّ فما ينفع إلا نفسَه.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: ومَن آثرَ الضلالَ فما وبالُ ذلك إلا عليها، وفيه حثٌّ على إيثارِ الهدى والإعراض عن الضلالِ.\n﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾: بحفيظٍ موكولٍ إليَّ أمركم، وإنما أنا بشيرٌ ونذيرٌ.\n\n<span id=\"aya-1473\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\n﴿وَاتَّبِعْ﴾: ودُم على ما أنتَ عليه من اتِّباع ﴿يُوحَى إِلَيْكَ﴾ بالامتثالِ والتبليغِ.\n﴿وَاصْبِرْ﴾: على مشقَّةِ دعوتهم واحتمالِ أذاهُم.\n﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ لك بالنصرةِ عليهم والغلبةِ.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: إذ لا يمكن الخطأ في حُكمهِ لاطَّلاعهِ على السرائر اطلاعَهُ على الظواهرِ.","vol":"5","page":113},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>سُورَةُ هودٍ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1474\"> </span>(١) - ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.\n﴿الر كِتَابٌ﴾: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو خبر ﴿الر﴾ (^١).\n﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ صفةٌ له؛ أي: أُحكِمَت من جهة اللفظِ والمعنى والنظمِ عن تطرُّقِ الخللِ، فصارَت في غاية الإحكامِ ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: مُيِّزَت بعضُها عن بعضٍ في النزولِ (^٢)؛ كيلا يختل أمرُ الاستدلالِ على الأحكامِ، فالتراخي على الحقيقةِ.\nوقيلَ: المرادُ: آياتُ السورِ (^٣)؛ إذ ليسَ فيها منسوخٌ، فمعنى إحكامها: منعُها من النسخِ.\nأو: أُحكِمت بالحججِ والدلائلِ.\nأو: جعلَتْ حكيمةً، منقولةٌ من: حَكُمَ، إذا صارَ حكيمًا؛ لأنها مشتملةٌ على أُمهاتِ الحِكَمِ النظريةِ والعمليةِ.\n_________\n(^١) \"أو خبر آلر\" من (م).\n(^٢) في هامش (ف): \"ومن قال: أو بالإنزال، ثم قال: و﴿ثُمّ﴾ للتفاوت في الحكم، أو للتراخي في الإخبار، لم يصب كما لا يخفى، منه\".\n(^٣) \"وقيل المراد آيات السور\" من (م).","vol":"5","page":117},{"text":"ومعنى ﴿فُصِّلَتْ﴾: أنها فُصِّلَت بالفوائدِ، كما تُفصَّلُ القلائدُ بالفرائدِ؛ من العقائدِ والأحكام والمواعظ والأخبار، أو جعِلَت فصولًا فصولًا، آيةً آيةً، أو فصِّلَ فيها (^١) ما يحتاجُ العبادُ، أي: بُيِّن ولخِّص، فالتراخي رُتْبيٌّ.\nوقرئ: (فَصَلَتْ) من الثلاثي المجرَّدِ (^٢)؛ أي: فرَّقت بين الحق والباطلِ.\nوقرئ: (أَحْكَمْتُ آياتهِ ثمَّ فصَّلْتُ) على البناء للمتكلِّمِ (^٣).\n﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾ في تعلُّقه بـ (أحكمت ثم فصلت) طباق حسنٌ؛ لأن معناه: أحكَمها حكيمٌ، وفصَّلها وبيَّنها (^٤) خبيرٌ بالأشياءِ وأحوالِها، فصارَ على أكمل ما ينبغي باعتبارِ ما ظهرَ أمرُه وما خفِي.\n\n<span id=\"aya-1475\"> </span>(٢) - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير﴾.\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ مفعولٌ له؛ أي: لأنْ لا تعبدوا، أو نهيٌ و﴿أَنْ﴾ مفسِّرة؛ لأنَّ في تفصيل الآياِت معنى القولِ، أو أمرٌ لأن فيه معنى الأمرِ؛ أي: أُمِرتم أن لا تعبدوا إلا اللهَ.\nويجوزُ أن يكون كلامًا مبتدأً منقطِعًا عما قبلُ على لسانِ النبيِّ ﵇ بتقديرِ: قل؛ إغراءً منهُ على تخصيصِ الله تعالى بالعبادةِ، أو أمرًا بهِ، ويدلُّ عليه\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"منها\"، والمثبت من (ك) و\"الكشاف\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) نسبت لعكرمة والضحاك والجحدري وزيد بن علي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٧٧)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ١٩٦).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٤) \"وبينها\" في (م).","vol":"5","page":118},{"text":"قوله (^١): ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾: مِن جهتِه ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾؛ أي: هلَّا تعبدوا إلا اللهَ، أو: التزموا تركَ عبادةِ غير الله تعالى، على أنَّ (أنْ) مصدريةٌ، و(لا) نافيةٌ.\nوإنما قدّمَ ﴿نَذِير﴾ على ﴿بَشِيرٌ﴾ (^٢) لأن الإنذارَ أعمُّ وأهمُّ.\n\n<span id=\"aya-1476\"> </span>(٣) - ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.\n﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عطفٌ على ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ (^٣).\n﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: استغفِروا من الكفرِ والمعصيةِ، ثم توبوا إلى اللهِ تعالى بالطاعةِ، فالتراخي على الحقيقةِ، ويجوزُ أن يرادَ التراخي في الرتبةِ؛ لأنَّ التخليةَ أفضلُ من التحليةِ (^٤).\nوالاستغفارُ ينتظِمُ الندمَ على ما سلَفَ، وإحسانَ العملِ في المؤتنَف، حتى يكونَ راجعًا بعملِه إلى ربهِ، ولهذا قدَّمَ ذِكر الاستغفارِ على التوبةِ؛ أي: اطلُبوا مغفرةَ ربِّكُم بالإسلام، والندمِ على سالفِ الإجرام، والثباتِ على الطاعةِ في باقي الأيام، وارجعوا إلى اللهِ تعالى بالإخلاصِ والاستسلام، على الثباتِ والدوام.\n_________\n(^١) بعدها في (ك): \" ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عطف على أن لا تعبدوا\"، وموضعها ليس هنا بل فيما بعد كما سيأتي، والمثبت من (ف) و(م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٣٧٧).\n(^٢) من قوله: \"أي: هلا تعبدوا .. \" إلى هنا سقط من (ك).\n(^٣) \"عطف على أن لا تعبدوا\" سقط من (ك).\n(^٤) في (ك): \"التحلية أفضل من التخلية\".","vol":"5","page":119},{"text":"﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾: في خفضِ عيشٍ وسعة، وأمنٍ ودَعَة.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معيَّنٍ (^١) عند اللهِ تعالى، فهو آخرُ أعماركم المقدَّرةِ؟ إذ لا يهلِكُكم بعذاب الاستئصالِ.\n﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ في العمل والطاعةِ ﴿فَضْلَهُ﴾: جزاءَ فضلِه في الآخرةِ.\nأو: كلَّ ذي فضلٍ في الدينِ فضلَه في الثوابِ والدرجاتِ (^٢)، فإن الدرجاتِ تتفاضلُ في الجنة بحسبِ تفاضُلِ الأعمالِ.\n﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن تتولَّوا، وقرئ: (تُوَلُّوا) من ولَّى (^٣).\n﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾؛ أي: يومَ القيامةِ، وصِفَ بالكبرِ كما وصفَ بالعظمِ والثقلِ.\n\n<span id=\"aya-1477\"> </span>(٤) - ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ جميعًا (^٤): رجُوعُكم في ذلك اليومِ.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: بيانٌ لوجهِ كبرِ ذلك اليومِ بأنَّ مرجِعَهم إلى مَن هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ لا إلى غيرِه، فهو قادرٌ على أشد ما يريدُه من العذابِ، ولا يمكنُهم التَّفَصِّي عنه.\n_________\n(^١) في (ك): \"يعني\".\n(^٢) \"والدرجات\": ليست في (م).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩).\n(^٤) قوله: \"جميعًا\" جعلت في (ف) و(ك) من ضمن الآية، والصواب هنا أنها ليست منها.","vol":"5","page":120},{"text":"<span id=\"aya-1478\"> </span>(٥) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: يزوَرُّون عن الحقِّ، وينحرفون عنهُ؛ لأن مَن ازورَّ عن الشيء ثنى عنهُ صدرَهُ، وطَوَى عنهُ كشحَهُ، كما أن مَن توجَّه إليه استقبلَه بصدرِه، أو يعطفُون صدورَهم على الكفرِ وعداوةِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ أي: يضمرونهما (^١).\nوقرئ: (تَثْنَوْني صدورُهم) بالتاءِ والياءِ (^٢)، من اثنَوْنَى: افعَوْعَل من الثَّنْيِ، كاحْلَوْلى من الحلاوة، وهي مبالغةٌ.\nوقرئ: (تَثْنَوِنُّ) بالتاء والياءِ، وأصلُه: تَثْنَوْنِنُ، تَفْعَوْعِلُ من الثِّنِّ، وهو ما هشَّ وضَعُفَ من الكلأ أي: تُطاوعُ صدورهم للثَّني كما ينثني الهشُّ من النباتِ، أو تَضعفُ قلوبهم وإيمانهم.\nو: (تَثْنَئِنُّ) من اثْنَأنَّ: افْعَالَّ منهُ ثم هُمِزَ، كابيأضَّ في ابيَاضَّ.\nو: (تَثْنَوِي) بوزنِ تَرْعَوِي (^٣).\n﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾؛ أي: يريدون ليستخفُوا من اللّهِ تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على ازْوِرارهم؛ لأن ثَنْيَ الصدورِ بمعنى الإعراضِ إظهارٌ للنفاقِ، فلا\n_________\n(^١) في (ك): \"أي يصيرونهما\". وفي (م): \"أي يضمرونها\".\n(^٢) هما قراءتان نسبت كل منهما لجمع من الأئمة منهم ابن عباس ﵄ ومجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٧٩)، و\"البحر\" (١٢/ ٢٠٢).\n(^٣) انظر هذه القراءات في \"الكشاف\" (٢/ ٣٧٩) وعنه نقل المؤلف، و\"البحر\" (١٢/ ٢٠٢)، وقد وقع في النسخ هنا تحريف كثير، صححناه من المصدرين المذكورين، وجميع هذه القراءت مع زيادة عليها ومَن قرأ بكل منها مذكورة في \"البحر\"، وقد عُنينا بها عناية فائقة وضبطناها كاملة في تحقيقنا للكتاب المذكور والحمد لله.","vol":"5","page":121},{"text":"يصحُّ تعليلُهُ بالاستخفاءِ، ونظيرُ إضمارِ (يريدون) لقَوْدِ (^١) المعنى إلى إضمارِه [الإضمارُ] في قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣]؛ أي: فضرَبوه فحَيِيَ كذلك يُحيي اللهُ الموتى.\nفالمعنى: يظهِرون النفاقَ، ويريدون مع ذلك أن يستخفُوه، هذا على الوجه الأولِ من التفسيرِ، وأما على الثاني فلا حاجةَ إلى الإضمارِ.\n﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يتغطَّونها يريدونَ الاستخفاءَ أيضًا كراهةً لاستماعِ كلام اللهِ تعالى؛ كقولِ نوحٍ ﵇: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أي: ألا حينَ يَزيدون في إظهارِ نفاقِهم، ويفعلون ما هو أدلُّ عليه من ثَنْي الصدورِ.\nقالَ ابنُ عباسٍ ﵄: إنها نزلت في أخنسِ بن شريقٍ، وكان يُظهِرُ لرسولِ اللهِ ﷺ المحبَّةَ، وله منطِقٌ حلو وحسنُ سياقٍ للحديثِ بحيثُ كان يتعجبُ رسول الله ﷺ من مجالسَتِه ومحادثَتِه، وهو (^٢) يضمِرُ خلافَ ما يظهِرُ (^٣).\nوقيلَ: نزلَت في المنافقين جميعًا (^٤)، وكونُ النفاقِ في المدينةِ غيرُ مسلَّمٍ، بل ظهورُهُ والامتيازُ بثلاثِ طوائفَ كان فيها.\n﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بأفواهِهم، أرادَ التسويةَ بينهما،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"لفقد\"، وفي (م): \"ليفد\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٣٧٩)، والكلام وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) \"هو\" من (ك).\n(^٣) ذكره الزمخشري دون عزو لابن عباس ﵄، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٧٩).\n(^٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ٣١٩) عن الحسن وقتادة وأبي رزين وابن عباس ﵄.","vol":"5","page":122},{"text":"ولهذا عدَلَ عن أسلوبِ الترقِّي الظاهرِ في خلافِهِ؛ أي: يستوي في علمِه سرُّهم وعلنُهم، فكيفَ يخفَى عليه ما يُظهرُونه (^١).\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: بسرائرِها وضمائرِها، تعليل على سبيلِ الاستئنافِ للتلويحِ المذكورِ في قولِه: ﴿يَعْلَمُ﴾ إلخ، و(ألَا) و(إنَّ) للتنبيهِ على جهلِهم، وفسادِ اعتقادِهم، والاستغشاءِ (^٢)، وثني الصدورِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1479\"> </span>(٦) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: أسبابُ معاشِها، لتكفُّله إياهُ تفضلًا ورحمةً، وإنما أتى بلفظِ الوجوبِ تحقيقًا لوصولِه، وحملًا (^٣) على التوكُّلِ فيه.\n﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: أماكنَها في الحياةِ والمماتِ، أو الأصلابِ والأرحامِ.\nأو: مساكِنَها في الأرضِ حينَ وُجِدَت بالفعلِ، ومودَعَها من الموادِّ والمقارِّ (^٤) حين كانَتْ بعدُ بالقوةِ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يضمرونه \"، والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٨)، ولفظه: (ما عسى يظهرونه).\n(^٢) في النسخ: \"والاستثناء\"، والمثبت من نسخة أشير إليها في هامش (م).\n(^٣) في (ك) و(م): \"وحثا\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٨).\n(^٤) في النسخ: \"المبدأ والمعاد\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٨). وكذا جاء في حواشيه وعليها شرح بعضهم. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧٣/ ٥)، و\"حاشية شيخ زاده\" (٤/ ٦٢٠)، و\"حاشية القونوي\" (١٠/ ٢١)، ومثله في \"روح المعاني\" (١١/ ٣٤٥).","vol":"5","page":123},{"text":"﴿كُلٌّ﴾: كلُّ واحدٍ من الدوابِّ وأحوالها ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُثْبَتٍ في اللوح المحفوظِ.\nبيان وتقريرٌ لكونِه تعالى عالمًا بجميعِ المعلوماتِ، والآيةُ التي بعدها بيان لكونه قادرًا على كل شيءٍ، وتقرير لِمَا سبقَ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1480\"> </span>(٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الأعرافِ، ووجهُ الجمعِ في الأولى والإفرادِ في الثانيةِ مرَّ في سورة الأنعام.\n﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ عرشُه عبارةٌ عن قيُّوميَّتهِ تعالى، والماءُ إشارةٌ إلى حقيقة (^١) الحياةِ؛ إذ من الماءِ كلُّ شيءٍ حيٍّ، وفي ﴿عَلَى﴾ بناءُ الأولى (^٢) على الثانيةِ، أي: وكان حيًّا قيُّومًا، فلا دلالة فيه على إمكانِ الخلاءِ، ولا على أن الماء أولُ حادثٍ بعد العرش من أجرامِ هذا العالم، وليتَ شعري من أينَ الدلالة على تأخُّرِ خلق الماءِ من خلق العرشِ؟\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾: علةٌ للخلقِ؛ أي: خلقَ ذلك ليعاملَكم (^٣) معاملةَ المبتلي لأحوالكُم كيفَ تعملُونَ، فإنَّ جملَة ذلك أسبابٌ وموادُّ لوجودكُم ومعاشِكم،\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"صفة\".\n(^٢) في (م): \"وفي على بناء بيان الأولى\"، وفي (ك): \"وقع على بناء الأولى\"، والمثبت من (ف).\n(^٣) في (ك): \"يعاملكم\".","vol":"5","page":124},{"text":"وما تحتاجُ إليهِ أعمالُكم، ودلائلُ وأماراتٌ تستدلُّونَ بها، وتستنبِطون منها (^١).\nولما كان الابتلاءُ - أي: الاختبارُ - أحدَ طرفي العلمِ وأشهرَها وأعملَها استُعيرَ للعلمِ لأنهُ مُلابِسٌ له؛ كالنظرِ في قولهِ (^٢): ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨].\nوإنما قالَ: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلً﴾ وهم المتَّقون (^٣) - وفي المخاطَبِين مَن عملُهُ قبيحٌ وأقبحُ - لأمرين:\nأحدُهما: أن المقصودَ من الخلقِ بالقصد الأولِ وبالذاتِ هو الإيمانُ والعملُ الصالحُ، ونظرُه تعالى إلى ما هو (^٤) أحسنُ من ذلكَ، لا إلى القبيحِ والأقبحِ.\nوالثاني: التحريضُ والحثُّ على حسن العملِ والترغيب فيهِ، وهو أعمُّ من الأعمالِ البدنية كالطاعاتِ والخيراتِ، والقلبيةِ كالاعتقاداتِ والنيَّاتِ، فكأنُه قالَ: ليظهَر مَن هو أكملُ علمًا وعملًا، ويتميّزَ ممن هو على خلافِه، ولهذا قالَ النبي ﵇: \"ليبلوكم أيُّكم أحسن عقلًا، وأورعُ عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله\" (^٥) وفيه تعظيمٌ للمحبِّينَ المتَّقينَ وتشريفٌ (^٦) لهم، وإشارةٌ إلى أنهم من اللهِ تعالى بمكان.\n_________\n(^١) في (ف): (فيها).\n(^٢) \"ولما كان الابتلاء … \" غلى هنا من (ك).\n(^٣) \"وهم المتقون\" سقط من (ك).\n(^٤) في (ك): \"والعمل الصالح وهل إلى ما\".\n(^٥) رواه داود بن المحبر في كتاب \"العقل\"، ومن طريقه الحارث في \"مسنده\" (٨٣١)، والطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ٣٣٥)، عن عبد الواحد بن زياد عن كليب بن وائل عن ابن عمر عن النبي ﷺ، وداود ساقط. ورواه ابن مردويه من طريق آخر عن كليب كذلك، وإسناده أسقط من الأول. انظر: \"الكافي الشاف\" (ص: ٨٦).\n(^٦) في (ف): \"أو تشريف\".","vol":"5","page":125},{"text":"﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ للجزاءِ على ما انكشَف منكم بالابتلاء.\n﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إشارةٌ إلى القول بالبعثِ؛ أي: إنه باطل كالسحرِ الظاهرِ البطلانِ في الخديعة (^١)، أو إلى القرآنِ لأنهُ ناطق بالبعثِ، فإذا جعلوه ظاهرَ البطلان كالسحرِ لزمَ بطلانُ ما فيه من البعثِ، وغيرِه من الوعدِ والوعيدِ.\nوقرئ ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾ (^٢) إشارةً إلى الرسول ﷺ؛ أي: كاذب مبطِل كالساحرِ.\nوقرئ: (أنكم) بفتحِ الهمزةِ (^٣) على تضمينِ ﴿قُلْتَ﴾ معنى: ذكرتَ، أو على أنَّ (أنَّ) بمعنى: لعل؛ أي: ولئن قلتَ: لعلَّكُم مبعوثون، بمعنى: توقعوا بعثَكُم، ولا تجزموا بإنكاره يَعُدُّوهُ من قبيل ما لا حقيقةَ له مبالغةً في إنكارِه.\nواللامُ في ﴿وَلَئِنْ﴾ موطئةٌ للقسمِ في الآيات الأربعِ، والجوابُ له سادٌّ مسدَّ جواب الشرطِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1481\"> </span>(٨) - ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"الحذيقة\".\n(^٢) قرأ بها حمزة والكسائي، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٢).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩).","vol":"5","page":126},{"text":"﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ الموعودَ ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾: إلى (^١) جملةٍ من الأوقاتِ قليلةٍ.\n﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾: ما يمنعُه من الوقوعِ.\n﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كيوم بدرٍ ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾: ليسَ العذاب مدفوعًا عنهم، و﴿يَوْمَ﴾ منصوبٌ بخبرِ ﴿لَيْسَ﴾ مقدمٌ عليهِ، قيلَ: هو دليل على جوازِ تقدُّمِ خبرِها عليها؛ إذ المعمولُ لا يقعُ إلا حيث يقعُ العاملُ.\nوابنُ الحاجبِ يمنعُ دلالةَ جواز تقدُّمِ المعمولِ على جوازِ تقدُّمِ العاملِ، وأيضًا الظرفُ والمجرورُ يُتوسَّعُ فيهما ما لا يُتوسَّعُ في غيرهما، ويقعان حيثُ لا يقعُ العامل فيهِ.\nوكان ما ذُكرَ استعجالًا منهم للتعذُّرِ على وجهِ التكذيب والاستهزاءِ، ولذلك قال:\n﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: أحاطَ بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وواضعًا ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٢) موضعَ: يستعجلون، كأنه محضُ الاستهزاءِ، ولكون عذابهم محقَّقَ الوقوعِ عما قريبٍ أوردَ ﴿وَحَاقَ﴾ موضعَ يحيقُ - على عادةِ كلام الله تعالى - كأنه قد وقعَ مبالغةً في التهديدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1482\"> </span>(٩) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.\n_________\n(^١) \"إلى\" سقط من (ك).\n(^٢) \"واضعًا يستهزؤون\" زيادة من (م).","vol":"5","page":127},{"text":"﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾: نعمةً من صحةٍ وأمنٍ، وخصبٍ وجِدةٍ، بحيثُ يجِدُ ذوقها ولذَّتها.\n﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا﴾: سلبناها ﴿مِنْهُ﴾ وفي عبارة النزعِ إشارةٌ إلى ما في السلبِ المذكور من شدة الألمِ.\n﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾: شديد الياسِ من عَودِ مثلِها إليه، قاطعٌ رجاءَه من فضلِ الله تعالى وسعةِ رحمتِه، غيرُ صابرٍ ولا مسترجِعٍ، ولا مسلِّمٍ لقضائه.\n﴿كَفُورٌ﴾: عظيمُ الكفرانِ بما سلفَ له من (^١) النعمةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1483\"> </span>(١٠) - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: كصحةٍ بعد سَقَمٍ، وغنًى بعد عَدَمٍ، وفي ذكر الإذاقةِ مع النعماءِ والمسِّ بعد الضراءِ إشارةٌ إلى أن النعمةَ أدومُ حتى يجد الإنسانُ ذوقَها ويتلذَّذُ بها، بخلاف الضرِّ، فإن المسَّ مبدأُ الوصول، ففيهِ دلالةٌ على قلةِ صبرِهم كأنهم بمجرَّدِ أثره جزعوا وكفروا النعمةَ الطويلة الزمانِ.\n﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾؛ أي: البلياتُ التي ساءتني.\n﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾: أشرٌ بطرٌ ﴿فَخُورٌ﴾ على الناسِ بما أذاقَه اللهُ تعالى من نعمائه، قد شغَلَه الفخرُ والفرح عن الشكر.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"من كفران\".","vol":"5","page":128},{"text":"<span id=\"aya-1484\"> </span>(١١) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الضراءِ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ شكرًا لآلائه سابقِها ولاحقِها، فإن في قوله: ﴿صَبَرُوا﴾ دلالةً على (^١) هذا؛ لأن الإيمانَ نصفانِ: نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، أي: المؤمنين الذين عادتهم الصبرُ عند زوالِ النعمةِ ووقوع الضرَّاءِ، والشكرُ عند النعماءِ.\nاستثناءٌ من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، واللامُ لاستغراق الجنسِ؛ كما في قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ومن خصَّ الإنسانَ بالكافرِ بسبق ذكرِهم جعلَ الاستثناء منقطعًا.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: ثوابٌ عظيمُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1485\"> </span>(١٢) - ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.\n﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ هذا على النهيِ؛ أي: لا تترُك بعضَ ما يوحى إليك - وهوَ ما يخالِفُ رأي المشركينَ - مخافةَ ردِّهم واستهزائهم (^٢)، وهو كما يقولُ الرجلُ لآخرَ: لعلَّك تريدُ أن تفعلَ كذا، وهو ينهاه (^٣) عنهُ، ولما كان مبنَى هذا النهيِ على الصبرِ على أذى المشركِينَ واستهزائهم صحَّ ترتيبُه على كلامٍ تضمَّنَ الحثَّ والتحريضَ على الصبرِ، ومن وهَم أن (لعلَّ) للتوقُّعِ فقد وَهِم.\n_________\n(^١) في (ك): \"على أن\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"به\". وفي هامش (ف): \"نقله صاحب التيسير عن الإمام أبي منصور، منه\".\n(^٣) في (ف): \"نهاه\".","vol":"5","page":129},{"text":"﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: وعارضٌ لك أحيانًا ضِيقُ صدرِك، وإنما اختار ﴿وَضَائِقٌ﴾ على ضيِّقٌ لأن نهيَهُ أبلغُ، وهو يناسب لفظَ ﴿تَارِكٌ﴾.\n﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: بأن يقولوا.\nوقيلَ: الضميرُ في ﴿بِهِ﴾ مبهَم، و﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ تفسيرُه؛ أي: يضيقُ صدرُكَ بسبب قولهم هذا.\n﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾: ينفعُه في استتباعِ الناس كالملوك ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدَقه.\n﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾: ما عليكَ إلا الإنذارُ، وما عليك أن يقبلُوه ولا يردُّوهُ، فلا يضيقُ صدرُكَ بردِّهم وتهاونِهم به.\n﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: فكِلْ إليه أمرَكَ فإنهُ حافظٌ عليهم ما يقولونَ ويفعلونَ، وفاعلٌ بهم ما يجبُ أن يُفعَلَ من جزائهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1486\"> </span>(١٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: ﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ والضميرُ في ﴿افْتَرَاهُ﴾ لـ ﴿مَا يُوحَى﴾.\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾: في البلاغةِ، نزَلَ أولًا قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] وهو كُلُّ القرآن في ذلك الوقتِ، فلما ظهرَ عجزُهم عنه تحدَّاهم بعشرِ سور مثلِه (^١)، فلما عجَزوا عنه أيضًا سهَّلَ عليهم وتحدَّاهم بسورةٍ واحدةٍ؛ كما هو عادةُ المعارِضين.\n_________\n(^١) في (م): \"منه\".","vol":"5","page":130},{"text":"وتوحيدُ المثل لأنَّ المرادَ المماثلةُ من جهةِ البلاغةِ، ولا اختلافَ بين السورِ فيها، فما هو مِثْل لإحداها (^١) مِثْلٌ لسائرها، ففيهِ تنبيهٌ على أن المرادَ المماثلةُ في حسنِ البيان لا في بدائعِ المعاني.\n﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾: من بابِ (^٢) المساهلةِ، وإرخاء العنانِ، لمَّا قالوا: افتراهُ من عندِه، أُمِرَ بأن يعاودهم (^٣) على دعواهم ويقولَ: هَبُوا أني افتريتُه، فأتوا أنتم بكلامٍ مثله في حُسن النظمِ والبيانِ مفترً ى من عندِكم، فإنكم فصحاءُ مثلي.\n﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المعاونةِ على المعارضةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنه مُفترًى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1487\"> </span>(١٤) - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾، أي: لك وللمؤمنين بإتيانِ مثلِه، فإنهم أيضًا كانوا يتحدَّونهم، وكان أمرُ الرسولِ ﵇ مُتناولًا لهم من حيثُ إنه يجبُ عليهم اتباعُه في كل أمرٍ إلا ما خصَّهُ الدليلُ، وللتنبيهِ على أن التحدي مما يوجِبُ رسوخَ إيمانهم وقوةَ تيقُّنِهم فلا يغفلون عنهُ، ولذلك رتَّبَ عليه الأمرَ الآتي ذكرُ.\nويجوزُ أن يكون الجمعُ في الخطاب لتعظيمِ الرسولِ ﵇.\nويجوزُ أن يكون الخطابُ للمشركينَ، والضميرُ في (لم يستجيبوا) لـ ﴿مَنْ﴾\n_________\n(^١) في (ك): \"لأحد منها\".\n(^٢) في (ك): \"على\" بدل: \"من باب\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"يغادرهم\".","vol":"5","page":131},{"text":"في ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ أي: فإن لم يستجِب لكم من تدعُونه من دونِ الله إلى المظاهرةِ عن معارضَتِه لعلمِهم أنهم عاجزونَ عن ذلك.\n﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ﴾ مُلْتبسًا (^١) ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما لا يعلمُه إلا اللهُ من نظمٍ معجزٍ للخلق.\n﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: واعلمُوا عند عجز الكلِّ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ القادرُ على ما لا يقدِرُ عليه أحدٌ، وأن الشركَ به ظلمٌ، وأن ما تعبدُونه ليس من الألوهيةِ في شيءٍ.\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ بعد هذه الحجةِ القاطعةِ.\nويجوزُ أن يكون الخطابُ للمسلمينَ، ومعناه: واثبُتوا على العلم بالتوحيدِ، وزيدوا يقينًا؛ فهل أنتم دائمون على الإسلامِ، مخلصون للهِ تعالى بازديادِ اليقين وثباتِ القدم والطمأنينةِ؟\nوفي تفسيرِ مقتضى الاستفهامِ بـ (هل)، والعدولِ عن الفعل إلى الجملَةِ، وسبكِ المسلمون من: يُسلمونَ، إيذانٌ بطلبِ دوام الإسلامِ، وقوةِ الثباتِ في الدين، وأنهم مُطالبون بذلك لزوالِ العُذر ووضوحِ الدليلِ وقوَّتِه.\nوعلى خطابِ المشركينَ فإشارةٌ إلى أنَّ قوةَ الصارفِ عن الشركِ وقيامَ مُوجِبِ التوحيدِ يقتَضي استحالةَ الشركِ، والمواظبة على الإسلامِ، فما أبعدَ حالَكُم عن ذلكَ! وفيه تهديد بليغٌ، وإقناط من أن يجيرَهم من بأس اللهِ تعالى شركاؤهم؛ لأن دليلَ التوحيدِ دالّ على نفي القدر والألوهيةِ عن الغيرِ، ووجوب الإذعانِ له.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"بينًا\".","vol":"5","page":132},{"text":"<span id=\"aya-1488\"> </span>(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: بإحسانه وبرِّه، وزيادةُ (كان) للدلالةِ على استمرارِ تلك الحالِ، ولا بد منه في ترتُّبِ ما يأتي ذكرُه.\n﴿وَزِينَتَهَا﴾: الزينةُ تختصُّ الشيء وغيرَهُ من لبسِهِ وحِليَته (^١) وغير ذلكَ.\n﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾: وقرئ: (يُوَفِّ) بالياءِ (^٢)، أي: يوفِّ اللهُ تعالى، و(تُوَفَّ) للبناءِ على المفعولِ (^٣)، و(نُوْفِي) بالتخفيفِ (^٤) لأن الشرطَ ماضٍ إليهم.\n﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: جزاءَ أعمالهم (^٥)، من الصحةِ، والأمنِ، وسعةِ الرزق، وكثرة ا أولادِ، والرياسةِ، والتوفيةُ: تأديةُ الحقِّ على تمامٍ.\n﴿فِيهَا﴾: في الحياة الدنيا.\n﴿وَهُمْ فِيهَا﴾: أي: في حقِّ الأعمالِ، ولا يجوزُ عودُ الضميرِ إلى ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لما فيهِ من الإعادةِ دون الإفادةِ.\n﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾ البخسُ: نقصانُ الحقِّ ظلمًا؛ يعني: لا ظلمَ في إيفاء جزاءِ أعمالهم في هذه الدارِ دون إبقائه إلى دارِ القرارِ، فما ذكره (^٦) تأسيسٌ لا تأكيدٌ، والآيةُ عامةٌ في الكفرة وبرِّهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"لبس وحلية\".\n(^٢) نسبت لطلحة بن مصرف وميمون بن مهران، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٨٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٥٦).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٨٤).\n(^٤) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٣٨٤).\n(^٥) \"جزاء أعمالهم\" سقط من (ك).\n(^٦) في (ف): \"ذكرناه\".","vol":"5","page":133},{"text":"<span id=\"aya-1489\"> </span>(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: لو حط فما لهم ما بهِ يقابل، لعلهم يكونُ الكلامُ على طريقةِ: بشِّر قاتِلَ الزبيرِ بالنارِ (^١).\n﴿إِلَّا النَّارُ﴾: وما فيها من أنواع العذابِ، والاقتصارُ على ذكر النارِ من قَبيلِ الاكتفاءِ عن الشيءِ بذكرِ منبَعِه، وذلك لأنهم استوفوا ما يقتَضِيه صورُ أعمالهم الحسنةِ، وبقيَت عليهِم أوزارُ العزائمِ السيئةِ.\n﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾: في مصلحةِ الآخرةِ من وجوه البرِّ بنوع من التكليفِ؛ لأنَّه خلافُ مقتضى الطبعِ وهوى النفسِ، ولهذا عبَّرَ عنه بالصنعِ.\nوإنما قال فيه: ﴿وَحَبِطَ﴾ لأنَّه ليسَ باطلًا في حدِّ نفسِه لقرينه الآتي ذكرُه، إلا أنه لا يجدِي في الآخرةِ؛ لأنَّه لم يقارِن شرطَ القَبول وهو الإيمانُ.\n﴿وَبَاطِلٌ﴾ في نفسِه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ما اعتادوا عملَه في مصالحِ الحياة الدنيا وأسبابِ زينتِها، وللدلالةِ على الاستمرارِ التجدُّدِي جمعَ بين (كان) وصيغةِ المضارعِ؛ كما في قولِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ومجموعُ الجملَتين علةٌ لِمَا قبلَها.\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٦٨١)، والطبراني في \"الأوسط\" (٧٠٧٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٥٥٨٠)، عن علي ﵁ من كلامه. ولفظ \"المسند\" و\"المستدرك\": \"بشر قاتل ابن صفية بالنار\".","vol":"5","page":134},{"text":"وقرئ: (بَطَلَ) على الفعلِ (^١)، و: (باطلًا) (^٢) على أنه مفعولُ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، و(ما) إبهاميةٌ، أو في معنى المصدرِ كقوله:\nولا خارِجًا مِن فيَّ زُورُ كلامِ (^٣)\n* * *\n\n<span id=\"aya-1490\"> </span>(١٧) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ برهانٌ من اللهِ تعالى على أن دينَ الإسلام حقٌّ وهو القرآنُ، (مَن) مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ تقديرُه: أفمَن كان على بينةٍ من ربِه كمَن كان يريدُ الحياةَ الدنيا في المنزلةِ والرتبةِ؛ يعني: أن بين هؤلاءِ الكاملينَ المحقِّقينَ وبين أولئك الناقصينَ المقصِّرين بونًا بعيدًا وتفاوتًا عظيمًا، فالهمزةُ لإنكارِ المماثلة بينَهُما، والفاء لتفريعِ هذا الإنكارِ وترتيبِه على ما تقدَّمَ من بيانِ مساواةِ حالِ تلك الناقصِينَ، فهي متقدِّمةٌ معنًى، وإن أُخِّرَت عن الهمزةِ لفظًا لاقتضائها الصدارةَ في الكلامِ.\n_________\n(^١) نسبت ليحيى بن يعمر، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩).\n(^٢) نسبت لأبي وابن مسعود ﵄، وإلى عاصم في غير المشهور عنه، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٢٠).\n(^٣) عجز بيت للفرزدق تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩]، وصدره:\nعلى حلفة لا أشتم الدهر مسلمًا","vol":"5","page":135},{"text":"ومَن ذهبَ إلى أن الفاءَ عاطفةٌ للتعقيبِ (^١)، مستدعيةٌ سبقَ ما يعطَفُ عليهِ؛ فالتقديرُ: أمَن كان يريدُ الحياة الدنيا، فمَن كان على بينةٍ من ربهِ. والخبرُ محذوفٌ لدلالةِ الفاءِ عليه؛ أي: يَعقبونهم ويَقْربُونهم (^٢)، والاستفهامُ لإنكارِ هذا التعقيبِ، فقد تكلَّفَ.\nوأما مَن اختارَ التقديرَ الأول (^٣)، وزعمَ أن الهمزة لإنكارِ التعقيبِ، فلم يكُن على بصيرةٍ؛ حيثُ خلَّطَ بين الوجهَين فخبَّطَ.\n﴿وَيَتْلُوهُ﴾؛ أي: يَتْبعُ ذلك البرهانَ الذي يتضمَّنُ الدليل العقلي لكونه معجزًا.\n﴿شَاهِدٌ﴾: هو عيسى ﵇؛ حيثُ بشَّرَ ببعثةِ نبيِّنا ﵇، وهذه البشارةُ منه شهادةٌ بحقيَّةِ (^٤) دين الإسلامِ، والتنكيرُ للتعظيمِ، وكذا قولُه:\n﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من اللهِ تعالى.\n﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبلِ ذلك الشاهدِ ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ يعني: التوراةَ، فإنه أيضًا يتلوهُ في التصديقِ، وقرئ: (كتابَ) بالنصب (^٥) عطفًا على الضمير في ﴿وَيَتْلُوهُ﴾، والضميرُ في ﴿قَبْلِهِ﴾ للقرآن الذي عبَّرَ عنه بالبيِّنةِ، فالمعنى أن الشاهدَ المذكورَ يتبعُ الكتابينِ القرآنَ والتوراةَ.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"رد لصاحب الكشاف\". وانظر التعقيب الآتي.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٨٤)، ولفظه: (أمَن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة، أي: لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم، يريد أنَّ بين الفريقين تفاوتًا بعيدًا وتباينًا بينًا).\n(^٣) في هامش (ف): \"القاضي \".\n(^٤) فى (ف): \"بحقيقة\".\n(^٥) تنسب لمحمد بن السائب الكلبي، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩).","vol":"5","page":136},{"text":"﴿إِمَامًا﴾: كتابًا يؤمُّ بهِ في الدين قدوةً (^١) منه.\n﴿وَرَحْمَةً﴾: تامَّةً عظيمةً على المنزَلِ إليهم؛ لأنَّه الوصلةُ إلى الفوزِ بخير الدارَين.\n﴿أُولَئِكَ﴾: إشارةٌ إلى مَن كان على بيِّنةٍ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآنِ.\n﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ من أصنافِ الكُفَّارِ مشركًا كان أو كتابيًّا ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ يَرِدُها لا محالةَ؛ لأنهُ تعالى لا يُخلِفُ وعدَه.\n﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: من القرآنِ، وقيلَ: من الوعدِ، وقولُه: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ ظاهرٌ في الأولِ، وقرئ: (مُريَةٍ) بضم الميم وهما لغتان (^٢)، وقد مر في أولِ سورةِ البقرة الفرقُ بينها وبينَ الريب والشكِّ.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بكونِه من عند اللهِ تعالى؛ لقلةِ نظرِهم، وقصورِ تدبيرِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1491\"> </span>(١٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن أسندَ إليهِ ما لم يُنزِل (^٣)، أو نفى عنهُ ما أنزَلَ، وقد مرَّ ما يتعلقُ به في تفسيرِ سورة الأنعامِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"عدوه\".\n(^٢) نسبت لأبي رجاء وأبي الخطاب السدوسي والحسن وغيرهم، وهي لغة أسد وتميم، والكسر لغة أهل الحجاز. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩)، و\"البحر\" (١٢/ ٢٢٦).\n(^٣) في (ك): \"ينزله\".","vol":"5","page":137},{"text":"﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يُحبَسون في الموقفِ، وتُعرَض أعمالُهم.\n﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ من الملائكةِ والنبيينَ: جمعُ شاهدٍ أو شهيدٍ، كأصحابٍ وأشرافٍ، وما وَصَفَهم بذلك لأنهم يختصُّون بهذا العَرْضِ؛ لأن العَرْضَ عامٌّ في كل العبادِ؛ كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] بل أرادَ أنهم يُعرَضون فيفتَضِحون بقولِ الأشهاد عند عرضِهم:\n﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ بنسبةِ الولدِ والشريك إليهِ، ونفي ما أنزلَ عنه.\n﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ من قولِ الأشهادِ، أو قول اللهِ تعالى، أي: طُرِدوا ولُعِنوا بسببِ ظلمِهم بالكذبِ على الله تعالى، وفيه تهويلٌ عظيمٌ مما يَحيق بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1492\"> </span>(١٩) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن دينِه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: يصفونَها بالاعوجاج، أو يبغُون أهلَها أن يعوجُّوا بالارتدادِ، والعِوَجُ: الانحرافُ والميلُ المؤدِّي إلى الفسادِ. تقول: بغيتُكَ خيرًا أو شرًا، أي: طلبتُ لكَ.\n﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: والحالُ أنهم كافرون بالآخرةِ، وتكريرُ ﴿هُمْ﴾ لتأكيدِ كفرِهم واختصاصِهم به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1493\"> </span>(٢٠) - ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.","vol":"5","page":138},{"text":"﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾؛ أي: ما كانوا معجِزين اللهَ تعالى في الدنيا أن يعاقِبَهم، ومعنى ﴿مُعْجِزِينَ﴾: مُفْلَتين لا يُقدَر عليهِم، وإنما قالَ:\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لأن تصرُّفَ ابن آدمَ وتمتُّعَه إنما هو فيها وهي قُصاراهُ لا يستطيعُ التجاوزَ منها.\n﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أُثبتَ ذكرُ الله هنا، وأُسقط فيما سبق، وكان مقتضى الظاهرِ إثباتُه ثمَّةَ، والاكتفاءُ بالضميرِ هنا، وإنما عدلَ إلى ما وقع احترازًا عن إضافةِ العجزِ إليه تعالى صريحًا.\n﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: يمنعونهم من العقابِ، ولكن أخَّرهم إلى هذا اليومِ ليتضاعفَ عذابُهم، فقولُه:\n﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ استئنافٌ في مقام التدارُكِ بالجواب للسؤالِ عن وجهِ تأخيرِ العقابِ، والله أعلم بالصوابِ.\n﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ لفرطِ تصامِّهم كراهةَ استماع الحقِّ؛ كأنهم لا يقدرُون على استماعِهِ.\n﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لفرطِ تعامِيهم كراهةَ إبصاره، وكأنهُ العلَّةُ لمضاعفةِ العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1494\"> </span>(٢١) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتراءِ عبادة الأوثان بعبادة الله تعالى.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الآلهةِ وشفاعَتِها.\nأو: خسروا بما بذلُوا وضاعَ عنهم ما حصَّلُوا، فلم يبقَ معهم سوى الندامةِ.","vol":"5","page":139},{"text":"<span id=\"aya-1495\"> </span>(٢٢) - ﴿جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ مذهبُ الخليلِ وسيبويهِ أنهُ رُكِّبَ من (لا) و(جرم) وبُنيَ، والمعنى: حقَّ، وما بعدَه رفع على الفاعليَّةِ (^١).\nوقال الكسائيُّ: معناهُ: لا صدَّ ولا منعَ، فيكونُ (جرم) اسمَ (لا) وهو مبنيٌّ على الفتحِ (^٢).\n﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لما كانَ خُسرانُ النفسِ أعظمَ الخُسرانِ حكمَ عليهم بأنهم الزائدونَ في الخسرانِ على كلِّ خاسرٍ مِن سواهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1496\"> </span>(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: اطمأنوا إليهِ بالخشوعِ، من الخبتِ: وهو الأرضُ المطمئنَّةُ.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: دائمونَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1497\"> </span>(٢٤) - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾: الكافرِ والمؤمنِ، وقدِّمَ الكافرُ اعتبارًا للسياق.\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (٣/ ١٣٨).\n(^٢) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٢٧٨).","vol":"5","page":140},{"text":"﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ شبَّهَ فريق الكافرين في عدمِ انتفاعهم بالمشاعرِ بالأعمى والأصمِّ، وفريق المؤمنينَ بالسميعِ والبصيرِ، والتشبيهُ بحسبِ جليل النظرِ من قبيلِ المفرد، وبحسب دقيقِه من قَبيلِ المركَّبِ؛ لأنَّه أبلغُ، والتعييرُ بالمثل أنسَبُ، وذلك أن المقامَ يتحملُ تشبيه الفريقين بالجامعِ بين العمى والصمَمِ، والجامعِ بين السمع والبصرِ.\nعلى أن (الواوَ) في ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ ﴿وَالْبَصِيرِ﴾ للجمعِ بين الصفتَينِ، كما في قوله: الصالح (^١) والغانم والآيب، وتشبيهِ أحدِهما بكلِّ واحدٍ من الأعمى والأصمِّ، والآخرِ بكلِّ واحدٍ من السميع والبصيرِ، فيكون لكلٍّ منهُما تشبيهان كما في قولِه:\nكأنَّ قلوبَ الطَّيرِ رَطبًا ويابِسًا … لدى وكْرِها العنابُ والحشَفُ البالي (^٢)\nوهو من بابِ اللفِّ والطِّباقِ، والوجه هو الأولُ؛ لأن (^٣) تقسيم الكفارِ إلى مشبَّهٍ بالأولِ ومشبَّهٍ بالثاني وكذلك المؤمنون غيرُ مقصودٍ في الآية؛ بخلافِ البيت المذكورِ.\nبل المرادُ تشبيهُ حالِ هؤلاء الكفرةِ الغاوينَ الموصوفين بالتصامِّ عن آياتِ اللهِ بحالِ من خُلِقَ أعمى وأصمَّ لا تنفعُه إشارةٌ ولا عبارةٌ.\nوحالِ هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ فانتفعوا بأسماعِهم وأبصارِهم\n_________\n(^١) في (ك): \"الصابح\".\n(^٢) البيت لامرئ القيس، وهو في \"ديوانه\" (ص: ٣٨). العناب: ثمر، والحشف: اليابس الفاسد من التمر.\n(^٣) في (م): \"لأنَّه\".","vol":"5","page":141},{"text":"اهتداءً إلى الجنة، وانكفاءً (^١) عما كانوا خابطِين فيه من ضلالِ الكفر والدُّجُنةِ (^٢) بحالِ مَن هو بصيرٌ سميعٌ يستضيءُ بالأنوارِ في الظلامِ، ويستفيء بمغانمَ (^٣) الإنذارِ والإبشارِ فوزًا بالمرام.\n﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾؛ أي (^٤): الفريقان، لاستفهامُ إنكاريٌّ.\n﴿مَثَلًا﴾: صفةً أو تشبيهًا.\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ بالتأمل فيما ضربناهُ من المثلِ، فالفاءُ لترتيبِ الاستفهام التقريريِّ على ما تقدَّمَ، وتأخُّرُها لفظًا لرعايةِ ما للاستفهام من حقِّ الصدارة في الكلامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1498\"> </span>(٢٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ﴾: قرئ: ﴿إِنِّي﴾ بالكسرِ على إرادة القولِ، أو قائلًا: إني، وبالفتحِ (^٥)، فتقديرُه: بأني؛ أي: أرسلناه ملتبِسًا بهذا الكلامِ، فلما اتصلَ به الباء فُتح - والمعنى على الكسرِ - كما فُتحَ (إنَّ) في قولكَ: إنَّ زيدًا كالأسدِ، إذا اتصلَ به الكافُ؛ فقيل: كأنَّ زيدًا الأسدُ، والمعنى بحاله.\n﴿مُبِينٌ﴾: أبيِّنُ لكم مُوجِباتِ العذاب ووجهَ الخلاص عنه.\n* * *\n_________\n(^١) في النسخ: \"والكفار\"، والمثبت من \"روح المعاني\" (١١/ ٤٠٩)، وبه يستقيم السياق.\n(^٢) تحرفت في النسخ إلى: \"والرحبة\"، والمثبت من المصدر السابق. والدُّجُنَة: الظلمة.\n(^٣) في (ف) و(م): \"ويستضيء مغانم \"، وفي (ك): \"ويستضيء معالم\".\n(^٤) \"أي\" سقط من (ك).\n(^٥) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالفتح، وقرأ الباقون بالكسر، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٤).","vol":"5","page":142},{"text":"<span id=\"aya-1499\"> </span>(٢٦) - ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ بدلٌ من ﴿إِنِّي لَكُمْ﴾ على قراءة الفتحِ، وعلى قراءة الكسرِ (أنْ) مفسِّرةٌ متعلقةٌ بـ ﴿نَذِيرٌ﴾ أو بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾.\nويجوزُ أن يكون المعنى: بأنْ لا تعبُدوا إلا الله (^١)، على أن الباءَ صلةُ: ﴿أَرْسَلْنَا﴾؛ كأنه قيلَ: أرسلناهُ ينهاهُم عن الإشراكِ قائلًا: إني نذيرٌ.\n﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وصفُ اليومِ بأليم من الإسنادِ المجازي لوقوعِ الألم فيهِ؛ كقولِه: نهارُه صائمٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1500\"> </span>(٢٧) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾.\n﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أرادوا بهِ نفي رسالتِه بطريقِ البرهانِ، على زعمِهم أن الرسولَ يجبُ أن يكون ملَكًا (^٢)، فقوله: ﴿مِثْلَنَا﴾ لتحقيقِ البشريةِ، وقولُه:\n﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: استدلالٌ بأنهم ضعفاءُ العقولِ لا تمييز (^٣) لهم، فجوَّزوا أن لا يكونَ الرسولُ بشرًا، والأراذل: جمع الأَرْذلِ (^٤)،\n_________\n(^١) \"إلا الله\" ليست في (ك).\n(^٢) قوله: \"أن الرسول يجب أن يكون ملكا\" من (م)، ووقع فيها بعدها: \"وأما ما قيل: أي: لا نرى لك علينا تفضل بالنبوة ووجوب الطاعات فمعنى قوله: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾، ولعل مكانها ليس هنا.\n(^٣) في (م): \"تميز\".\n(^٤) \"الأرذل\" يحتمل هنا أن يكون بفتح الذال فيكون مفردًا مثل أساود: جمع الأسوَد من الحيات،=","vol":"5","page":143},{"text":"وهو (^١) بمعنى الأخسِّ؛ فإنه بالغلبةِ صار كالاسمِ؛ كالأكبرِ، والأَرْذُل: جمعُ رَذْلٍ.\n﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾: قرئ بالهمزةِ من بدأ يبدأ بَدْءًا: إذا ابتدأ؛ أي: أولَ الرأيِ، وبغير الهمز (^٢) من بدا يبدو: إذا ظهر؛ أي: ظاهرَ الرأي.\nنصبٌ على الظرفِ، والعاملُ: ﴿اتَّبَعَكَ﴾؛ أي: اتَّبعوك وقت حدوثِ أولِ رأيهِم، أو وقتَ حدوث ظاهرِ رأيهم، فحُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مُقامهُ.\nوإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرِهم؛ فإنهم لمَّا لم يعلموا إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا كان الأحظُّ بها أشرفَ، والمحرومُ منها (^٣) أرذلَ.\n﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾؛ أي: لك ولمتَّبِعيك، فغلَّب المخاطب على الغائبينَ.\n﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ التنكيرُ للتقليلِ، فهذا القولُ منهم تسجيلٌ بأن دعوى النبوة باطلةٌ لإدخالِه ﵇ والأرذلَ (^٤) في سلكٍ على أسلوبٍ يدلُّ على أنهم أنقصُ البشرِ فضلًا عن الارتقاء (^٥) إلى درجةِ التفضيلِ.\n﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: إياكَ في دعوى النبوةِ، وإياهم في دعوى العلمِ بصدقكَ، وكأنهم أظهروا الاحترازَ عن الجُزاف (^٦)، والاقتصارَ على قَدْرِ\n_________\n= ويحتمل أن يكون بضمها فيكون جمعًا مفرده: رَذْلٌ، فيكون مثل: كَلْب وأَكلُب وأَكالب. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١١/ ٩٨).\n(^١) \"وهو\"سقط من (ك).\n(^٢) قرأ أبو عمرو بالهمز وباقي السبعة بغير همز. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٧).\n(^٣) في (ف): \"فيها\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"الأرذل\" دون واو.\n(^٥) في (ف) و(ك): \"الإيقاع\".\n(^٦) في (ف) و(ك): \"الحراز\"، وفي (م): \"الخراف\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٠١)، ولفظه: (واقتصارُهم على الظنّ احترازٌ منهم عن نسبتهم إلى المجازفة).","vol":"5","page":144},{"text":"الحاجةِ، ولهذا عدَلوا عن دعوى اليقينِ إلى دعوى الظنِّ الكافي في إيجاب العاقلِ لموجَبِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1501\"> </span>(٢٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: حجةٍ شاهدةٍ بصحةِ دعواي ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾ هي النبوةُ.\n﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: فخَفِيَتْ (^١) عليكم البيِّنةُ؛ لأن خفاءَها يوجبُ خفاء النبوةِ؛ إذ النبوَّةُ بعد ظهورِ البيِّنةِ، أو كلُّ واحدةٍ منهما، أو قدِّر ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بعد البينةِ فحذفَ للاختصارِ والاكتفاءِ بذكره مرةً كقولِه:\nبينَ ذراعَي وجبهَةِ الأسدِ (^٢)\nويجوزُ أن يُرادَ بالبينةِ الرحمةُ مع النبوةِ.\nوقرئ: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ بالتشديد (^٣)؛ أي: أُخفِيَت.\nوقرئ: (فعَمَّاها) (^٤) على أن الفعل للهِ تعالى.\n_________\n(^١) في (ك): \"خفيت\".\n(^٢) هذا عجز بيت للفرزدق، كما في \"خزانة الأدب\" (٢/ ٣١٩)، وصدره:\nيا من رأى عارضًا أُسَرُّ به\n(^٣) قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص بضم العين وتشديد الميم، وقرأ الباقون بفتح العين وتخفيف الميم، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٤)، و\"النشر\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٥٩).","vol":"5","page":145},{"text":"﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أنُكْرِهُكم على الاهتداءِ بها؟ جوابُ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ سادٌّ مسدَّ جوابِ (^١) الشرطِ، وإذا اجتمعَ ضميران وليسَ أحدُهما مرفوعًا، وقدِّمَ الأعرفُ، جازَ في الثاني الاتصالُ كما وقع هاهنا، والانفصالُ كما لو قيلَ: أنلزِمُكم إياها.\n﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: لا تختارونها ولا تتأمَّلُون فيها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1502\"> </span>(٢٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: الضميرُ راجعٌ إلى قوله لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٥ - ٢٦]، وهذا -أي: الرجوعُ إلى القول- أولى من الرجوعِ إلى المدلول؛ لأن الأجرَ في مقابلة الشغلِ، فالقولُ المشتمِلُ على الإنذار هو المقابَلُ بالأجرِ.\n﴿مَالًا﴾: جُعلًا حتى تتفاوتَ الحالُ بسببِ كون المستجيبِ فقيرًا أو غنيًا؛ ففيهِ الجوابُ عن قولهم: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: بالتزامِه تفضُّلًا لا بالإيجابِ شرعًا أو عقلًا.\n﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: جوابٌ لهم حين سألوه طردَهم ليؤمِنوا بهِ آنفةً من أن يكونوا معهم، ولما لوَّحَ إليهم ما شكَّكهم في أمرِهم وتردَّدوا في علَّتِه قال:\n﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾؛ أي: فائزونَ بلقاءِ ربهم وقُربهِ، فكيفَ أطرُدُهم؟\nويجوزُ أن يكون جوابًا عن قولهم: اتَّبعوك بادي الرأي، أي: فعَليَّ العملِ\n_________\n(^١) في (ك) زيادة: \"أرأيتم\".","vol":"5","page":146},{"text":"بظاهر ما أرى، فاكتفى بظاهرِ إيمانهم، ووكَل (^١) باطنهم إلى اللهِ تعالى فإنهم ملاقوه فيجازِيهم على سرائرِهم.\n﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: استدراكٌ عما تقدَّمَ من قولهم: ﴿مَا نَرَاكَ … ﴿وَمَا نَرَاكَ﴾؛ أي: لا حقيقَة لما رأيتُم، فكأنَّكُم ما رأيتُم فينا شيئًا، ولكني أراكم قومًا تجهَلُون ما لا ينبَغي أن يخفَى على الرجالِ من أن الناسَ لا يتفاضلون بالأحسابِ والأنسابِ والأموالِ، بل بأسبابِ الكمال من الأعمالِ والأحوالِ، وبما قرَّرناه (^٢) تبيَّن وجهُ إدراجِ قولِه: ﴿قَوْمًا﴾ في الكلامِ، وإدماجُ دقيقةٍ أنيقةٍ في أثناءِ تقرير (^٣) المرامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1503\"> </span>(٣٠) - ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ﴾: تلطَّفَ نوحٌ ﵇ بندائه إيَّاهُم بقولِه: (يا قوم … يا قوم) (^٤) استدراجًا لهم في قَبولِ كلامِه، كما تلطَّفَ مؤمنُ آل فرعونَ بقولِه: (يا قوم … يا قوم).\n﴿مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ بدفعِ انتقامِه ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ وهُم بتلك المثابةِ من القربِ والكرامةِ عندَ اللهِ تعالى.\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ لتعرفوا أن توقيفَ الإيمان على طردِهم ليس بصوابٍ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وأحال\".\n(^٢) في (ك): \"قررنا\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"تقريب\".\n(^٤) \"يا قوم\" الثانية من (ك)، وكذا في الموضع الآتي.","vol":"5","page":147},{"text":"<span id=\"aya-1504\"> </span>(٣١) - ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: خزائنُ رزقِه ونعَمِه؛ أي: كما لا أسألُكم مالًا فكذلك لا أدَّعي أني أملِكُ مالًا (^١) أدفعُه لأتْباعي، فلا غرضَ لي في المالِ لا أخذًا ولا دفعًا.\n﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ حتى أصلَ إلى ما أريدُه لنفسي ولأتباعي (^٢)، عطفٌ على إلا أقول) لا على ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، وإنما لم يأتِ فيه بنفي القولِ للفرقِ الدقيقِ بينَهُ وبينَ ما أتى فيهِ لنفسِهِ، وقد مرَّ بيانُه في تفسير سورة الأنعامِ (^٣)، وأما فائدةُ تكرارِ (لا) أنكَ إذا أكَّدتَ بهِ لإزالَة (^٤) احتمالِ المعيةِ في النفيِ فقد آذنتَ أنك في الكلامِ محق بانٍ (^٥) على اليقينِ بعيدٌ عن السهوِ والتجوُّزِ.\n﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ بعبارَته جوابٌ عن قولِهم: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وبإشارته جوابٌ عن طعنِهم فيهِ ﵇ لمخالطَتِه للفقراءِ؛ أي: لا أتعاظَمُ بذلكَ عليكُم، بل طريقي الخضوعُ والتواضعُ، ومَن كانَ شأنه وطريقُه (^٦) كذلك لا يستنكِفُ عن مخالطَةِ الفقراءِ والمساكين، ولا يطلُبُ مجالسة الأغنياءِ والسلاطين، فلمَّا كانت طريقَتي توجِبُ مخالطةَ الفقراءِ لي فكيفَ جعلتُم ذلك عيبًا عليَّ؟ ثم أكَّدَ هذا بقولِه:\n_________\n(^١) في (ك): \"لا أدعو إلى ملك لا\".\n(^٢) في (ف): \"وتباعي\".\n(^٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ٥٠].\n(^٤) في (ك) و(م): \"لأزال\".\n(^٥) في (م): \"باق\".\n(^٦) في (ف) و(ك): \"ومن كان طريقه\".","vol":"5","page":148},{"text":"﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾؛ أي: في شأنِ مَن استرذلتُموهم (^١) لفقرِهم.\nالازدراءُ: افتعالٌ من زرَى عليهِ: إذا عاب، وأزرى به قصَّرَ بهِ (^٢)، وازدريتُه؛ أي: احتقرتُه، وإسناد الازدراءِ إلى الأعينِ مجازٌ للمبالغةِ والتنبيهِ على أنهم استخسُّوهم بادِئ الرؤيةِ من غير رويَّةٍ، بل بما عاينوا من رثاثةِ حالهم وقلةِ منالِهم، من غير تأمُّلٍ في معتقداتهم وكمالاتهم.\n﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ عسى أن يكون ما أعدَّ اللهُ لهم في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة، خيرًا مما آتاكم من الغِنى.\n﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الإيقان وعدَمِه.\n﴿إِنِّي إِذًا﴾: إن فعلتُ أو قلتُ شيئًا من ذلك ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفُسَهم بطردِ من أُمرتُ بقَبولِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1505\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾؛ أي: خاصَمْتَنا؛ يقالُ: جادلَه: إذا خاصَمه ليُرِجعه عما عليهِ، وأصله الجدْلُ، وهو الفتلُ.\n﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾: فأطلتَهُ، أو: أتيتَ بأنواعه.\n﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ المعجَّلِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الوعيد، فإن مناظرَتكَ لا تؤثِّرُ فينا ولا تفيدُ.\n_________\n(^١) في (ف): \"استرذلتموه\".\n(^٢) في (ف): \"فعير به\"، وفي (م): \"قصد به\"، وغير واضحة في (ك). والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٣٩٠).","vol":"5","page":149},{"text":"<span id=\"aya-1506\"> </span>(٣٣) - ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: ليسَ الإتيانُ به إليَّ إنْ هو إلا إلى الذي عصيتُموه وكفرتُم بهِ، فيفعلُه (^١) إن شاءَ كما شاءَ عاجلًا أو آجلًا.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بدفعِ العذابِ، أو الهربِ عنه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1507\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ النصحُ: إمحاضُ إرادة الخيرِ في الدلالةِ، ونقيضُه الغشُّ.\nوقيلَ: هو إعلامُ موضعِ الغَيِّ (^٣) ليُتَّقى، والرُّشدِ ليُبتغَى.\n﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: شرطٌ ودليلٌ وجوابٌ له، والجملةُ دليلُ جوابِ قوله:\n﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ وتقديرُ الكلامِ: إن كانَ الله يريدُ أن يُغويكم إن أردتُ (^٤) أن أنصَحَ لكُم لا ينفعُكم نصحِي، وهو جوابٌ لما أَوهَموا من أنَّ جِداله كلامٌ بلا طائلٍ.\nوإنما قالَ: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ﴾ مع وقوعِ النصح استظهارًا في الحجةِ؛ لأنهم ذهبوا إلى أنه ليسَ بنصحٍ فقال: لو كان نصحًا ما نفعَ مَن لا يقبلُهُ.\n_________\n(^١) في (ك): \"فيفعل\".\n(^٢) \"عنه\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"البغي\". والمثبت موافق لما في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٦)، و\"نظم الدرر\" للبقاعي (٩/ ٢٧٩).\n(^٤) في هامش (ف): \"عبارة القاضي: فإن أردت، وفيها ما فيها، منه\".","vol":"5","page":150},{"text":"وفيهِ دلالة على أن إرادةَ اللهِ تعالى يصحُّ تعلُّقها بالإغواءِ، وأنَّ خلافَ مراده تعالى غيرُ واقعٍ (^١).\n﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: خالقُكم ومبقِيكم في الدنيا إلى وقتِ إهلاككُم.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكُم على أعمالكُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1508\"> </span>(٣٥) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ قال مقاتلٌ: هذا الكلامُ في شأنِ محمد ﷺ، اعترضَ في قصة نوحٍ ﵇ (^٢). وهذا أظهرُ وأنسبُ بالسياق؛ لأنَّه كالتقريرِ لقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ دلالةً على كمالِ العنادِ، وأن مثلَهُ بعد الإتيانِ بالقصةِ على هذا الأسلوبِ المعجزِ لا ينبغي أن يُنسَب إلى افترائهِ، فجاءَ زيادةَ إنكارٍ على إنكارٍ، كأنه قيلَ: بل أمَعَ هذا البيان أيضًا يقولون: افتراهُ؟! وهو نظيرُ اعتراضِ قولِهِ: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٨] بيَّنَ قصةَ إبراهيمَ ﵇ على أحد الوجهَين.\n﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾؛ أي: إن ثبتَ افترائي فعليَّ عقوبةُ إجرامي، وكان حقِّي حينئذٍ أن تُعرِضوا عني وتعادُوني.\n﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾؛ أي: ولم يثبُت ذلك، بل هو فرضُ محالٍ، وأنا بريءٌ من افترائكم؛ أي: نسبتِكم إيايَ إلى الافتراءِ.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"عبارة القاضي: محال، ولا دلالة في الكلام المذكور على الاستحالة، منه \". قلت: وعبارة القاضي: (.. وأن خلاف مراده محال).\n(^٢) انظر قول مقاتل في \"تفسير أبي الليث\" (٢/ ١٤٨)، و\"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٦٦).","vol":"5","page":151},{"text":"وإنما عدَلَ إلى المنزَلِ على طريقة المشاكلةِ إدماجًا لكونهم مجرِمين، وأن المسألة معكوسةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1509\"> </span>(٣٦) - ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ﴾ هذا الاستثناءُ على طريقةِ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] على ما قيلَ: إنه استثناءٌ من اللفظِ للمبالغةِ في التحريمِ.\n﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أقنطَهُ الله تعالى في إيمانِهم على وجهٍ أبلغَ، ثم نهاهُ أن يغتمَّ بما استمرُّوا عليه من تجديدِ التكذيبِ والاستهزاءِ.\nوالابتئاسُ: حزنٌ في استكانة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1510\"> </span>(٣٧) - ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\n﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾: ملتبِسًا بأعيننا، ولما كان العينُ هي الجارحةَ التي بها يُحفَظُ الشيءُ عبَر بكثرَتها عن المبالغةِ في الحفظِ والرعايةِ عن الاختلالِ والزيغِ عن صنعَتهِ، وعن مُزاحمة العدوِّ له وكيدِه في المنعِ ومن عملِه، على طريقة التمثيلِ.\n﴿وَوَحْيِنَا﴾ إليكَ كيف تصنَعُها.\n﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ نهى عن التكلُّمِ فيهم مبالغةً في النهي عن الدعاءِ في استدفاعِ العذاب عنهُم.","vol":"5","page":152},{"text":"﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ محكومٌ عليهم بالإغراقِ، فلا سبيلَ إلى كفِّهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1511\"> </span>(٣٨) - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾.\n﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ.\n﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ من عملِ السفينةِ، وكان يعمَلُها في بريَّةٍ بعيدةٍ من الماءِ أوانَ عزَّته، فكانوا يتضاحكُون منهُ ويقولون: يا نوحُ! صرتَ نجارًا بعد ما كنتَ نبيًّا؟! والسخريةُ (^١): الاستجهالُ مع الاستهزاءِ، ومصدَرُه: سُخرِيٌّ بضمِّ السينِ، والمصدرُ من السُّخرةِ سِخريٌّ بكسرِها.\n﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾ فيهِ تنزيلُ المحقَّقِ منزلةَ المشكوكِ تمهيدًا لما قصدُوه من تجهيلِهم فيما فعلُوه.\n﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ المرادُ من سخريَتِه ﵇ مجرَّدُ الاستجهالِ، وإطلاقُ السخريةِ عليه (^٢) بطريقِ المشاكلَةِ، أي: إنا نستجهلُكم (^٣) في استجهالكم (^٤) إيانا بناءً على ظاهر الحالِ جهلًا بحقيقةِ الأمرِ كما هو عادةُ الجهَّالِ، والسخرية بهذا المعنى منهُ ﵇ في الحالِ.\nومَن قالَ: إذا أخذكم الغرقُ في الدُّنيا، والحرقُ في الآخرةِ، فقد حملَها على الحقيقةِ، وكأنه لم يدرِ أن الاستهزاءَ لا يناسِبُه ﵇.\n_________\n(^١) في (ف): \"والسخر\".\n(^٢) \"عليه\" سقط من (ك).\n(^٣) \"إنا نستجهلكم\" من (م).\n(^٤) في (ك): \"لاستجهلكم\".","vol":"5","page":153},{"text":"<span id=\"aya-1512\"> </span>(٣٩) - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تهديدٌ بليغٌ.\n﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يعني بـ ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾: إياهم، وبـ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: الغرقُ في الدنيا.\n﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ حلولَ الدَّينِ اللازم الذي لا انفكاكَ له عنه في الآخِرةِ.\n﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائمٌ هو عذابُ النارِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1513\"> </span>(٤٠) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ غايةٌ لقولِه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ وما ينهما حالٌ من الضميرِ فيهِ، أو (حتى) هي التي يُبتدأ بعدها الكلامُ.\n﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ كما يفورُ القِدرُ بالغليانِ؛ أي: نبعَ الماءُ وارتفعَ من الأرض لشدَّةِ الاندفاعِ، والتنورُ: تنور الخبز، ابتدأ منه ينبوعٌ على خرقِ العادة.\n﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾: الضميرُ للسفينةِ وكانت ذاتَ بطونٍ، والمحمولون كانوا في بطونها على طبقاتِهم، ولهذا قالَ: ﴿فِيهَا﴾ دونَ: عليها.\n﴿مِنْ كُلٍّ﴾: من كلِّ نوعٍ لابدَّ منهُ.\n﴿زَوْجَيْنِ﴾: الزوجُ واحدٌ له شكلٌ، فالذكر زوج والأنثى زوجٌ، وقد يُطلَقُ الزوج على مجموعِهما ولدفعِ هذا الاحتمال قالَ: ﴿اثْنَيْنِ﴾.\nوإنما لم يقُل: من كلِّ نوعٍ اثنينِ، إخراجًا لمِثْلِ البغلِ عن حيِّزِ الأمر بالحملِ؛ لعدم الحاجةِ إليه.","vol":"5","page":154},{"text":"وقرئ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ (^١) بالإضافة على معنى: احمل اثنين من كلِّ زوجَين.\n﴿وَأَهْلَكَ﴾ عطفٌ على ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أو ﴿اثْنَيْنِ﴾، والمرادُ: امرأتُه وبنوهُ ونساؤهم.\n﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المغرَقين، ولما كان القولُ السابق ضارًّا لهم قالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ دونَ: فيه، استثناءً من المعنى اللازم للأمرِ، وكأنهُ قيلَ: إنهم لا يغرقون إلا مَن سبقَ عليهِ القولُ؛ يعني: ابنَه كنعانَ وامرأتَه واعلةَ فإنهما كانا كافِرَين.\nفاندفعَ السؤالُ بأنه: لا يخلو من أن يكونَ المستثنى (^٢) معلومًا لنوحٍ ﵇، فلا حاجةَ لقولِه: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥] أو لا، فيلزَمُ استثناء المجهولِ من الذين أمرَ ﵇ بحملِهم على السفينةِ، ولا وجه له.\n﴿وَمَنْ آمَنَ﴾؛ أي: والذين آمنوا مِن غيرِهم، وأفردهم بالذكرِ مع أنهم من الذين آمنوا لمصلحةِ الاستثناءِ المذكور المتضمِّنِ للإشارة إلى أن الانتسابَ إليه ﵇ لا يُجدِي نفعًا في دفعِ العذابِ المذكورِ، إنما المنجِّي عنه هو الاتِّباعُ له ﵇.\n﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ اختلَفُوا في عدَدِه ولا فائدةَ في تعيينِه، وكلمةُ (مع) هنا كالتي في قولِه: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].\n* * *\n_________\n(^١) قراءة السبعة عدا حفص، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٤).\n(^٢) \"المستثنى\" من (م).","vol":"5","page":155},{"text":"<span id=\"aya-1514\"> </span>(٤١) - ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَقَالَ﴾؛ أي: قال نوحٌ ﵇ لمن آمَنَ معه: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ والركوب: العلوُّ على ظهر الشيءِ، وهو يتعدَّى بنفسِه فيُقالُ: ركبتُ السفينةَ، وزيادةُ (في) لأنَّه ﵇ أمرَهم أن يكونوا في جوفِها لا على فوقِها.\n﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ متعلقٌ بـ ﴿ارْكَبُوا﴾ حالٌ من ضميرِ الفاعلِ؛ أي: اركبوا مسمِّينَ الله تعالى، أو قائلينَ: بسم الله.\n﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: نصبٌ على الظرفِ؛ أي: وقتَ إرسائها وإجرائها؛ لأنهما اسما زمانٍ، أو مصدرانِ كالإجراء والإرساءِ بحذفِ الوقتِ؛ كقولهم: [آتيكَ] (^١) خفوقَ النجمِ، ويجوزُ أن يكونا اسمي مكانٍ، وانتصابُهما بما في ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من معنى الفعل، أو إرادةِ القولِ.\nويجوزُ أن تكون ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ جملةً من مبتدأ وخبرٍ في موضعِ الحالِ من ضميرِ الفلكِ؛ أي: اركبوا فيه مُجراهُ ومُرساه بسم الله، بمعنى التقديرِ؛ كقولِهِ: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.\nأو جملةً مقتضبةً (^٢) على أن نوحًا ﵇ أمرَهم بالركوبِ فيها ثم أخبرَهم بأن إجراءها وإرساءها باسمِ اللهِ تعالى؛ فيكونان كلامَين لهُ ﵇.\n_________\n(^١) من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٣٥).\n(^٢) في (ف) و(م): \"مقتضية\"، والمثبت من (ك)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٣٩٥)، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٠٩)، و\"روح المعاني\" (١١/ ٤٥٥). ومعنى مقتضبة: أنها لا تعلق لها بالجملة الأولى من حيث الإعراب؛ أي: منقطعة عما قبلها لاختلافهما خبرًا وطلبًا، كما يفيد اللاحق من كلام المؤلف، وهو قوله: \"على أن نوحا أمرهم .. \". وانظر: \"البحر\" (١٢/ ٢٦٠)، و\"روح المعاني\" (١١/ ٤٥٥).","vol":"5","page":156},{"text":"يروى: أنه إذا أراد أن تجري قالَ: (بسم الله) فجرَتْ، وإن (^١) أرادَ أن ترسوَ قال: (بسم اللهِ) فرست (^٢).\nويجوزُ أن يكونَ الاسمُ مُقحمًا كقولِهِ:\nثمَّ اسمُ السَّلامِ عَلَيكُما (^٣)\nويرادُ: بالله إجراؤها وإرساؤها؛ أي: بقد رَتهِ وأمرِهِ.\nوقرئ: ﴿مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ بفتحِ الميم (^٤)، من جرى ورسى مصدرَين، أو زمانَين، أو مكانَين.\nوقرئ: (مُجرِيها ومُرسِيها) بلفظِ اسم الفاعلِ مجرورَي المحلِّ صفتَين لله تعالى (^٥).\n﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لو لا مغفرَته لفرَطاتكم ورحمتُه إياكم لمَا نجَّاكم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"وإذا\".\n(^٢) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٢/ ٤١٦) عن الضحاك.\n(^٣) هو جزء من بيت للبيد بن ربيعة بن مالك الشاعر المشهور، وتمامه:\nإلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما … ومَن يَبْكِ حولًا كاملًا فقد اعتذرْ\nانظر: \"شرح ديوان لبيد\" (ص: ٢١٣ - ٢١٤)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ٩٧).\n(^٤) تنسب لابن مسعود وعيسى الثقفي والأعمش وغيرهم. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٢٨٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٧٢)، و\"البحر\" (١٢/ ٢٦٠). أما المتواتر فقد اتفق العشرة على ضم الميم في ﴿وَمُرْسَاهَا﴾، وقرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف: ﴿مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميم، وباقي العشرة بالضم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٤)، و\"النشر\" (٢/ ٢٨٨).\n(^٥) قراءة مجاهد، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠)، و\"البحر\" (١٢/ ٢٦٠).","vol":"5","page":157},{"text":"<span id=\"aya-1515\"> </span>(٤٢) - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليهِ: ﴿ارْكَبُوا﴾؛ أي: فركِبُوا مسمِّين وهي تجري بهم، والباء في ﴿بِهِمْ﴾ كالتي في قولِكَ: دخلت عليه بثيابِ السفرِ، والجريُ: مرٌّ سريعٌ، والعدولُ إلى صيغةِ المضارع لاستحضارِ تلك الحالة العجيبةِ.\n﴿فِي مَوْجٍ﴾: جمعُ موجةٍ، وهي قطعةٌ عظيمةٌ ترتفِعُ عن جملة الماءِ الكثيرِ عند اضطرابِه.\n﴿كَالْجِبَالِ﴾: شبَّهَ كلَّ موجةٍ بجبل في تراكُمِها وارتفاعِها، وفي قوله: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ ردٌّ لما قيلَ: إن الماء طبَّقَ ما بين السماءِ والأرضِ، وكانت السفينةُ تجري في جوفِه، إذ حينئذٍ لا مجال للموجِ، والحملُ على أنه في ابتداءِ الحال يأباهُ المقامُ؛ لأنَّه مقامُ المبالغةِ في بيانِ تلك الأهوالِ، فلا حاجَةَ للاكتفاءِ بذكر أوائلِها.\n﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعانَ، وقرئ: (ابنها)، و(ابنهَ) (^١) بفتحِ الهاءِ اكتفاءً بالفتحة عن الألفِ، والضميرُ لامرأته على أنه كانَ ربيبَهُ.\nوقرئ: (ابنَاهُ) على الندبةِ (^٢)، ولكونها حكايةً سوِّغَ حذفُ الحرفِ.\n﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ المعزلُ موضع منقطعٌ عن غيرِه، وكان كنعانُ في ناحيةٍ منفصلةٍ عن موضعه ﵇.\n_________\n(^١) قرأ علي ﵁: (ابنها) بالنسبة إلى امرأته، وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير: (ابنهَ) بالفتح، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).\n(^٢) قراءة السدي، بألف وهاء السكت، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).","vol":"5","page":158},{"text":"﴿يَابُنَيَّ﴾: قرئ بكسرِ الياء (^١) اقتصارًا عليه من ياء الإضافةِ، وبالفتحِ اقتصارًا عليهِ بالألف المبدلةِ من ياء الإضافةِ في قولكَ: [يا بنيَّا] (^٢)، أو سقطَتِ (^٣) الألفُ والياءُ لالتقاء الساكنين؛ لأن الراءَ بعدَهما ساكنةٌ.\n﴿ارْكَبْ﴾؛ أي: اركبِ السفينة ﴿مَعَنَا﴾ فنَجُوزَ، وقرئ بإدغامِ الباء في الميمِ لتقارُبهما (^٤).\n﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فتهلِكَ.\nوحالُه كانت ملتبسةً عليهِ ﵇ لأنَّه كان يُنافقُه، ولهذا سعى في خلاصِهِ بعد العلمِ بأن الكفارَ كلَّهم مُغرقونَ، وأما السؤالُ بأنه: كيف ساغَ له الأمرُ بركوبِه في السفينة بعد العلمِ بأنهُ من جملةِ المستثنى من أهلِهِ المأمورِ بحملِهم؛ فقد مرَّ وجهُ اندفاعِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1516\"> </span>(٤٣) - ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\n﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ﴾ عظيمٍ ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يعني: بارتفاعِه.\n_________\n(^١) هي قراءة جمهور القراء عدا عاصمًا، فإنه قرأ بفتح ﴿يَابُنَيَّ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٤).\n(^٢) من \"الكشاف\" (٢/ ٣٩٧)، والكلام منقول منه.\n(^٣) \"بالألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك أو سقطت\" ليست في (ك).\n(^٤) قرأ بالإظهار قالون والبزي وخلاد بخلف عنهم، وقرأه بالإظهار بلا خلاف ورش وابن عامر، وخلف عن حمزة، وفي اختياره، وأبو جعفر، والباقون بالإدغام قولًا واحدًا، وهم: قنبل ويعقوب وأبو عمرو والكسائي وعاصم، انظر: \"النشر\" (٢/ ١١)، و\"البدور الزاهرة\" (ص: ١٥٦).","vol":"5","page":159},{"text":"﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ إنما قالَ: ﴿الْيَوْمَ﴾ لأنَّ في سائر الأيامِ يوجدُ عاصمٌ من أمرِ الله على ما نطَقَ بهِ قولُه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] والمرادُ من ﴿أَمْرِ اللَّهِ﴾: الآفاتُ الواقعةُ على خلاف العادةِ.\n﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ أي: إلا الله (^١) الذي قد رحمَنا بما آمننا من الغرقِ، وفي العدولِ من الضميرِ إلى الموصولِ زيادةُ تفخيمٍ وتحقيقٍ لرحمته، وأن رحمته هي المُعتَصمُ لا الجبلُ.\nوقيلَ: ﴿لَا عَاصِمَ﴾ بمعنى: لا ذا عصمةٍ إلا مَن رحمَ اللهُ (^٢).\n﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾: بينَ نوحٍ ﵇ وابنِه، لا بينَ ابنه والجبلِ؛ لمكان التفريعِ في قولِه: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ إذ لا دخلَ للحيلولةِ بينَهُ وبينَ الجبلِ في صيرورَته من المهلكينَ بالماءِ، لما مرَّ أنه ليسَ بعاصمٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1517\"> </span>(٤٤) - ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾: البلعُ: الازدرادُ، والمرادُ بهِ: نشفُ الماءِ على طريقةِ الاستعارة، لا غورُ الماء في الأرضِ؛ لأن فعلَ الأرض هو النشفُ دون الغَورِ، فإنه فعلُ الماء بطبعِهِ.\n_________\n(^١) في (ف): \"إلا الله أي آلاء الله\".\n(^٢) في (ك): \"﵀\"، وفي هامش (ف): \"رد لصاحب المفتاح\".","vol":"5","page":160},{"text":"والإقلاع: إذهابُ الشيءِ من أصلِه حتى لا يبقى له أثرٌ، يقالُ: أقلعتِ السماءُ، إذا ذهبَ مطرُها حتى لا يبقى شيءٌ منها.\nشُبِّهت السماءُ والأرضُ في سرعةِ انقيادِهما لأمرِ ربِّهما وانفعاِلهما بفعلِه فيهما بلا توقُّفٍ، وقبولِ ما يريدُ منهما مع تعلُّقِ الإرادةِ بهِ (^١) من غير امتناعٍ، بالمأمورِ المطيع للآمرِ المطاع القادرِ على ما شاءَ، الذي إذا أُمِرَ سارعَ إلى الامتثال من غير ريبٍ، وبادرَ إلى الطاعة بلا لَبثٍ؛ خشيةً وهيبةً من عظمتِهِ وجلالِهِ، فنوديتا بما يُنادى به العاقلُ المميَز المطلوبُ إقبالُه، وأُمِرتا بما يؤمَرُ به المدرِكُ المتفطِّنُ لما أُمِرَ به، تنبيهًا على كمالِ قُدرته، ونفاذِ أمرِه ومشيئته في الكلِّ.\n﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ مِن غاضَهُ: إذا نقصَهُ.\n﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾: وأنجِزَ ما وُعِدَ من إهلاك الكافرين وإنجاءِ المؤمنين.\n﴿وَاسْتَوَتْ﴾ استقرَّت السفينَةُ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ جبلٌ بالموصلِ.\n﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هلاكًا لهم، يقالُ: بَعُدَ بعدًا: إذا صارَ بعيدًا بحيثُ لا يُرجَى عودُه، ثم استُعيرَ للهلاكِ، وخُصَّ بدعاءِ السوء.\nوإيرادُ الإخبارِ على الفعل المبنيِّ للمفعولِ للدلالةِ على عظمةِ الفاعلِ، وجلالَةِ قدرِه، وعلوِّ شأنِهِ (^٢)، وأنَّه لا يمكنُ أن تكون تلكَ الأفعالُ والآثارُ إلا لله الواحدِ القهَّار، القادرِ على ما يشاءُ ويختار، وأنَّه متعيِّنٌ عند العقلِ بدليلٍ أبينَ من اللفظِ، إذ يستحيل أن يشارِكَهُ (^٣) فيها غيرُه، ولا يذهب الوهمُ إلى أن يقولَ غيرُه: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي\n_________\n(^١) \"به \"سقط من (ك).\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"بخلاف الإخبار عن النداء لأن فيه خصوصية زائدة على مطلق الخطاب المستفاد من قال، منه\".\n(^٣) في (ك): \"يشارك\".","vol":"5","page":161},{"text":"مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، ولا أن يقضِيَ ذلك الأمرَ العظيم الهائلَ سواهُ، ولا أن تستقِرَّ السفينة بعد اضطرابها إلا بأمرِه وتقديرِه، ولا أن يهلكَ الظلمةُ ذلك الهلاكَ الفظيعَ إلا بقهرِه وتدميرِه.\nوقد جمعتِ الآية من فخامةِ المعنى، وجزالةِ اللفظِ، وحسنِ النظمِ، ورصافةِ التركيبِ، ووضوحِ الدلالةِ على كُنْهِ الحال، معَ الإيجاز الخالي من الإخلال (^١)، ما تاهتِ الأفهامُ في مجازيه (^٢)، واستقلَّتِ الألبابُ من كثرةِ النكاتِ ولطائفِ المعاني التي تحويه، بدائعُ الطباقِ والجناسِ التي فيه؛ لأنها وإن كانت تحسِّنُ ظاهرَ الكلام، وتزيِّنُ ديباجةَ النظام، لكنها بالنسبةِ إلى اللطائفِ المعنوية كالقشرِ من اللُّباب، وكالدُّرْدِيِّ من صَفْو الشرابِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1518\"> </span>(٤٥) - ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.\n﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أُريدَ النداءُ في نفسهِ، ولا دلالةَ في عطفِ قوله:\n﴿فَقَالَ﴾ على تقديرِ الإرادةِ، فإنهُ من قَبيلِ عطفِ المفصَّلِ على المجمَلِ، بل نقولُ: لا وجه لتقديرِها؛ لأن الإخبارَ عنها خِلْوٌ عن فائدةِ الخبرِ ولازِمها.\n﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ الذي وعدتَني أنجاءَهم بالركوبِ في السفينةِ، هذا الوعدُ غيرُ مذكورٍ في القرآن صريحًا، بل يُفهَمُ من الأمرِ بحملِهم في السفينةِ.\n﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾: وإن كلَّ وعدٌ تعِدُه لا يَتطرَّقُ إليه الخُلفُ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"الضلال\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"مجاريه\".","vol":"5","page":162},{"text":"﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنك أعلمُهم وأعدلُهم، فلا يشوبُ حكمَكَ ذلك دَخَلٌ (^١) فترجعَ، وهذا ابني قد حُرِمَ عن الركوبِ في السفينةِ، وعرِّفني السبب فيه حتى أكونَ على علمٍ فيسكُنَ قلبي، ومبنى هذا على زعمِهِ (^٢) أن ابنَهُ ليس بكافرٍ؛ لِمَا أنه كانَ يُنافِقُه على ما تقدَّمَ بيانُه.\nوهذا النداءُ منهُ ﵇ وإن كانَ بعد مكالمتِه مع ابنِه، لكنَّ قولَه: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ …﴾ إلخ لا يدلُّ على كفرِه؛ لجوازِ أن يكونَ قد ظن أن الصعودَ على الجبل الشامخِ يجري مجرى ركوبِ السفينةِ، وأنَّه يصونُه عن الغرَقِ، وبعد إخبارِ أبيهِ أنه لا عاصِمَ اليوم من أمرِ اللهِ حالَ الموجُ بينه وبين ابنه فلم يبقَ له مجالُ الركوبِ.\nوإنما قلنا: إنه بعد المكالمةِ؛ لأنَّه لو كان قبلَه لمَا ساغَ له ﵇ أن يقولَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ إذ حينئذٍ يكون معلومًا له ﵇ أنه من الذينَ نهِيَ عن حملِهم في السفينةِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"حكمك ذلك ولا خلل\".\n(^٢) قوله: \"على زعمه\"، فيه نظر، فلا يليق إطلاق الزعم في حق الأنبياء، فإن فيه شبهة الذم، حيث لم يرد في القرآن إلا بهذا المعنى، حتى إن المؤلف نفسه قد جعله كالعلَم في الباطل عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الاْنعام: ٢٢]، وإن كان في غير القرآن قد يأتي بمعنى القول، لكنه ليس مبررا لإطلاقه في حق الأنبياء ﵈. وانظر كلامنا على هذه المسألة عند تفسير الآية المذكورة. ولو قال: حسب ظنه، أو نحوه لكان أولى. هذا إن كان هذا الظن موجودًا أصلا، فإن حال ابنه أو غيره لا يمكن أن يخفى عليه ﵇، وهو النبي المتصف بكمال الفطنة والمؤيد بالوحي، وخصوصًا مع طول المدة التي لبثها في قومه.","vol":"5","page":163},{"text":"<span id=\"aya-1519\"> </span>(٤٦) ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\n﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ لانقطاعِ الولاية بين المؤمنينَ والكافرينَ، وأشارَ إليه بقولِه:\n﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ فإنه تعليلٌ لنفي كونِه من أهلِه.\nوأبدلَ (فاسدٌ) بـ ﴿غَيْرُ صَالِحٍ﴾ تصريحًا بالمنافاةِ بين وصفَيهِما، الموجبةِ لانتفاءِ القرابةِ بينَهُما، ونفيًا لِمَا أوجبَ النجاة لمن نجا من أهلِه، وإيماءً إلى أن مَن نجا من أهلِه إنما نجا بالصلاحِ لا بقرابتِه.\nوجَعَل ذاتَه نفسَ العمل للمبالغة في ذمه، وأصله: ذو عملٍ فاسدٍ، فحذف (ذو) (^١).\nوقرئ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (^٢) أيْ عمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ.\n﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ قرئ بكسر النون من غير ياءٍ (^٣)، وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء (^٤).\n﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: لا تطلُب مني ما لا تعلَمُ أصواب هو أم ليسَ بصوابٍ حتى يتبيَّن لك وجهُ كونه صوابًا.\n_________\n(^١) قوله: \"وجعل ذاته .. \" إلى هنا من (م)، لكنه وقع فيها قبل قوله: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ﴾ وحقه الكون هنا.\n(^٢) قراءة الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).\n(^٣) في النسخ: \"قرئ بتشديد النون .. \"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٣٩٩)، والكلام منه، وهو الصواب؛ لأن الذي في النسخ فيه إشكال التكرار مع الجملة الآتية. وانظر التعليق الآتي.\n(^٤) قرأ نافع وابن عامر بفتح اللَّام وكسر النُّون وتشديدها، وابن كثير كذلك إلا أنه بفتح النون، والباقونَ بإسكان اللَّام وكسر النُّون وتخفيفها، وكلها بغير ياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥). أما القراءة بإثبات الياء بعد النون المشددة المكسورة فنسبت لأبي جعفر وشيبة وزيد بن علي. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٧٧)، و\"البحر المحيط\" (١٢/ ٢٧٤).","vol":"5","page":164},{"text":"وإنما نهاه عن ذلكَ ليضمنَ كلامَهُ بتذكيرِ الوعد بنجاةِ أهله استجارةً في حقِّ ولدِه، وهذا لأنَّه ﵇ لم يكُن حينئذٍ عالمًا بهلاك ابنِه، ولا دلالةَ على هلاكِه في حيلولةِ الموج بينهُما، وأما ظاهرُ كلامِه ﵇، وهو سؤال استفسارٍ عن المانعِ لكونه محمولًا في السفينةِ معَ كونه من أهلِه الذين وردَ البِشارةُ في حقِّهم بذلكَ، فلا يُناسبُه النهيُ عنه خصوصًا معَ التقييدِ بقولِه: ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فإنه باعثٌ للاستفسارِ دون الانتهاءِ عنه.\n﴿إِنِّي أَعِظُكَ﴾ الوعظُ: الزجرُ عن القبيحِ بما يدعو إلى (^١) الجهلِ على وجهِ الترغيب والترهيب.\n﴿أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إنما سمَّاهُ جهلًا ونهاه عنه؛ لأنَّه لمَّا استثنى عندَ الموعد بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ فقد نبَّهه أنَّ من أهلِكَ مَن يهلِكُ، فكان الواجبُ عليه أن يوطِّنَ نفسه على أن مِن أهلِه من يستوجِبُ العذابَ، وقد دلَّ ظاهرُ حال ابنِه أنه منهم؛ فلا رخصَة في حقِّه بسؤالِ الاستنجاز لتبيُّنَ (^٢) حاله، فعوتبَ على ذلك.\nوأما سؤالُ الاستفسار وإن كان ينتظِمه أيضًا هذا القول (^٣)، لكن القيدَ المقدَّمَ ذكرُه لا يتحمَّله على ما نبهتُ عليهِ آنفًا.\nوأما ما قيلَ: إنَّ استثناءَ مَن (^٤) سبقَ عليه القولُ من أهله قد دلَّه على الحالِ، واستغناه عن السؤالِ، لكنْ شغلَهُ حبُّ الولدِ عنه حتى اشتبَه عليه\n_________\n(^١) في (ك): \"لما يزال\" بدل: \"بما يدعو إلى\".\n(^٢) في (م): \"قبل أن تبين\".\n(^٣) \"القول\" من (م).\n(^٤) في (ك): \"الاستثناء ممن\".","vol":"5","page":165},{"text":"الأمرُ، فمبناهُ على أن يكونَ الاستثناءُ المذكورُ من لفظِ أهله، وقد عرفتَ ما فيه من الإشكالِ؛ فإنه بعدَ علمِه ﵇ أن ابنَه مستثنًى من الذينَ أُمِرَ بحملِهم في السفينة يكون قولُه: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ عصيانًا، والاعتذارُ بما ذُكر لا يجدي نفعًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1520\"> </span>(٤٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾ العياذُ: الاعتصامُ بما يمنَعُ من الشرِّ.\n﴿أَنْ أَسْأَلَكَ﴾؛ أي: أطلُبَ منك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾: بحالِه (^١)؛ لاحتمال الخطأ، وهذا توبةٌ منه ﵇ عن أن يعودَ إلى مثلِه في المستقبلِ تأدُّبًا بتأديبِ اللهِ تعالى.\n﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي﴾ ما فرَطَ مني ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بالتفضُّلِ عليَّ بقَبول توبتي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أعمالًا.\nطلبُ المغفرة والرحمة بهذهِ الطريقة الكنائية أبلَغُ وآكدُ من قولِه: اللهمَّ اغفِر لي وارحمني؛ لما فيه من قطعِ الرجاء مِن غيره تعالى، وإخبارِ أنهُ لا يملِكُ أحدٌ ذلكَ غيرُه، بخلافِ ما صرَّحَ فيهِ بالطلبِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1521\"> </span>(٤٨) - ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"من قال: لا علم لي بصحته، لم يحسن؛ لأنَّه ينتظِم ما له علم بفساده، منه \".","vol":"5","page":166},{"text":"﴿قِيلَ يَانُوحُ﴾؛ أي: انزِل من الجبَلِ إلى قرارِ الأرضِ، فالهبوطُ نزولٌ من أعلى مكانٍ إلى ما (^١) دونَهُ.\n﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾؛ أي: تحيةٍ؛ كما قالَ: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩].\nوقيلَ: أي: سلامةٍ من الآفاتِ.\n﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ جمعُ بركةٍ وهو ثبوتُ الخيرِ بتمامِه؛ وهي في حقِّهِ ﵇ بتكثيرِ ذُرِّيته وأتباعِه وسائرِ المنافعِ.\nلما كانَ الطوفانُ عامًّا، فعندَما خرجَ نوحٌ ﵇ من السفينةِ علِمَ أنه ليسَ في الأرض ما يُنتفَعُ به من النباتِ والحيوانِ، فكان كالخائفِ في أنهُ كيفَ يعيشُ، وكيفَ يدفَعُ جميعَ الحاجاتِ عن نفسِه من المأكولِ والمشروبِ، فأزالَ اللهُ تعالى ذلك الخوفَ عنهُ بالبشارةِ بحصولِ السلامةِ عن العاهاتِ (^٢)، وسعةِ الرزقِ والمهماتِ.\n﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ (من) لابتداءِ الغاية؛ أي: أممٍ ناشئةٍ ممن معكَ في السفينةِ إلى آخر الدهرِ، ويجوزُ أن يكونَ للبيانِ، ويُرادَ الأممُ الذين كانوا معَهُ في السفينةِ؛ لأنهم كانوا جماعاتٍ، أو (^٣) لأن الأممَ تتشعَّبُ منه.\n﴿وَأُمَمٌ﴾ مبتدأ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صفةٌ لهُ، والخبر المحذوفُ دلَّ عليهِ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾؛ أي: وممَّن معكَ أممٌ سنمتِّعُهم، ولما خصَّ أممًا ناشئةً ممن معهُ بالسلامِ\n_________\n(^١) \"ما\": ليست في (م).\n(^٢) في (ك): \"البلاغة عن الآفات\".\n(^٣) في (ك): \"و\".","vol":"5","page":167},{"text":"والبركاتِ وهم المؤمنونَ، أشارَ إلى أنَّ مِنهم أممًا ممتَّعين (^١) في الدُّنيا، معذَّبين في الآخرةِ، وهم الكافرونَ.\nوقيلَ: هم قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ ﵈، والعذابُ المذكور في قوله:\n﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما نزلَ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1522\"> </span>(٤٩) - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى قصةِ نوحٍ ﵇، ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وخبرُه: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: بعضُها.\n﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ خبرٌ ثانٍ، والضميرُ لها؛ أي: موحاةٌ إليك (^٢)، أو حالٌ من الأنباءِ، أو هو الخبرُ، و﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ متعلق بهِ، أو حالٌ من الهاء.\n﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾ خبر آخرُ؛ أي: مجهولة عندَك وعندَ قومِكَ ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: مِن قبل إيحائنا إليكَ، أو حالٌ من الهاءِ في ﴿نُوحِيهَا﴾، أو الكافِ في ﴿إِلَيْكَ﴾؛ أي: جاهلًا أنتَ وقومُكَ بها.\nوالفائدة في قوله: ﴿وَلَا قَوْمُكَ﴾: أن قومَك مع كثرتهم ليسوا عن علم القصصِ والأخبارِ، وأنت أحدُهم فلم يمكِن تعلُّمك منهُم، ولم تخالِط غيرَهم فما علمتَ إلا بالوحي.\n_________\n(^١) في (م): \"متمتعين\".\n(^٢) \"إليك\" ليست في (ك).","vol":"5","page":168},{"text":"﴿فَاصْبِرْ﴾ على أداءِ الرسالة وأذى قومِكَ كما صبرَ نوحٌ ﵇، وتوقَّع في العاقبةِ لك ولمَن تبعِكَ ما قيّضَ له ولقومِه.\n﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ بالظفَرِ في الدُّنيا والفوزِ في الآخرةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الكُفرِ والمعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1523\"> </span>(٥٠) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.\n﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ﴾: واحدًا منهم، عطفٌ على ﴿نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾.\n﴿هُودًا﴾ عطفُ بيانٍ.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: لا تعبدُوا غيرَهُ، دلَّ عليهِ تعقيبُهُ بقولِه:\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وذلك يدلُّ على أن المقصودَ من هذا منعُهم عن عبادة الأصنامِ، و﴿غَيْرُهُ﴾ صفةٌ لـ ﴿إِلَهٍ﴾، قرئَ بالرفع حملًا على محلِّهِ وبالجرِّ على لفظِه (^١).\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ على اللهِ تعالى في قولِكُم: إنه أمرَ بعبادة الأصنامِ.\nوأما ما قيلَ: باتخاذ الأوثانِ شركاءَ وجعلِها شفعاءَ، فمبناه عدمُ الفرقِ بين الكذب والافتراءِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1524\"> </span>(٥١) - ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n_________\n(^١) قراءة الجر للكسائي، وقرأ الباقون بالرفع، انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).","vol":"5","page":169},{"text":"﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: ما (^١) من رسولٍ إلا خاطَبَ قومَه بهذا القولِ، إزاحةً (^٢) للتهمةِ، وتمحِيضًا للنصيحةِ\" فإنها ما دامَت مشوبةً بالمطامعِ لا تنجَعُ.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتميِّزون بين الحقِّ والباطلِ، وتعلمونَ أن مَن لا غرَضَ له في النصيحةِ لا تُردُّ نصيحَتُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1525\"> </span>(٥٢) - ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ إنما قدَّمَ الاستغفار على التوبةِ لأنَّه طلبُ (^٣) المغفرةِ التي هي (^٤) الغرضُ، ثم بيَّنَ ما به يُتوصَّلُ إليها من التوبةِ، فعبارةُ ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا كالتي في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦].\n﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ المدرارُ: كثيرُ الدَّرِّ (^٥) والمرادُ من السماءِ المطرُ.\n﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: ويضاعِف قوَّتَكم، وإنما رغَّبَهم بذلك لأنهم\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"فما\".\n(^٢) في (ف): \"إزالة\".\n(^٣) في (ك): \"لأنَّه من\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"هو\".\n(^٥) في (م): \"الدرور\".","vol":"5","page":170},{"text":"كانوا أصحابَ زروعٍ وعماراتٍ، قيلَ: حُبِسَ عنهم القطرُ وعقمَت نساؤهم ثلاثَ سنين، فالمرادُ بالقوةِ كثرة الأولادِ.\n﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا﴾ ولا تعرِضُوا عما أدعوكم إليه ﴿مُجْرِمِينَ﴾ مصرِّين على إجرامِكُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1526\"> </span>(٥٣) - ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: بحجةٍ تدلُّ على صحةِ دعواكَ، قالوا ذلك عِنادًا وجحودًا (^١) معَ كثرةِ مُعجزاتهِ؛ كقولِ قريشٍ لرسولِ اللهِ ﷺ: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] معَ فوتِ آياتهِ الحصر.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ حال من الضميرِ في (تاركي)؛ أي: صادرين عن قولك. الجملةُ الاسمية، وسبكُ اسمِ الفاعلِ من (ترك)، وزيادةُ الباء في الخبرِ في قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ما يصحُّ من أمثالنا مع وفورِ العقل والكياسةِ أن يُصدِّقوا مثلكَ= إقناطٌ له ﵇ من الإجابةِ والتصديقِ على وجه المبالغةِ والتأكيدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1527\"> </span>(٥٤) - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.\n﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ﴾ ﴿اعْتَرَاكَ﴾ مقولُ القولِ، و﴿إِلَّا﴾ لغو؛ لأن الاستثناء\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أو جحودًا\".","vol":"5","page":171},{"text":"مفرغٌ، أي: ما نقولُ إلا قولَنا: اعتراك، هو من اعتراهُ؛ أي: قصدَ عُراه، وهو الفضاءُ والساحة، والمراد الإصابةُ بطريق الكناية.\n﴿بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾: بجنونٍ، بسبِّك إياها وصدِّكَ عنها، ومن ذلك تهذي وتتكلم بالخرافاتِ، والقومُ كانوا جفاةً ثابتين (^١).\n﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (ما) مصدريةٌ أو موصولةٌ، وإشهاده تعالى كلامٌ جارٍ على أصله جيءَ ليؤكِّدَ به ما ذكرَه من البراءة عن شركِهم وشركائهم، وأما إشهاده إياهُم على البراءةِ فلا؛ إذ لا يقولُ أحدٌ لمن يعاديه: أشهِدُك أني منك بريءٌ، إلا وهو يريدُ عدم المبالاةِ والاستهانةَ بعداوته، وإذا كان كذلك لزِمَ التخالف بين الصيغتين (^٢): خبرًا ثانيًا (^٣) إبانةً، وطلبًا جازمًا استهانةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1528\"> </span>(٥٥) - ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.\n﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: أنتم تجعلونها شركاءَ، ولم يجعلها هو شركاءه، ولم ينزِّل بذلك سلطانًا.\nلمَّا واجهوه بكلمتهم الحمقاء، وبَهَتوه بتخييلِ الآلهة، وسمَّوا التوحيدَ الذي دعاهم إليهِ والإرشادَ الذي نصحَهم به خبتًا وخبطًا، ولم يعتدُّوا ببيناتٍ، وخوَّفُوه من آلهتهم، وآيسوه من الإيمان بما جاء بهِ - أجابَهم بالبراءة عن آلهتهم، وقابلَهم بعدم المبالاة بهمِ وآلهَتِهم ثقةً باللهِ، وأكَّدَ البراءة ووثَّقها بشهادة اللهِ، وبشهادة العبادِ\n_________\n(^١) في (ك): \"كانوا صائين\". وعبارة \"الكشاف\" (٢/ ٤٠٣): (كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد).\n(^٢) في (ف): \"الصفتين\"، وفي (م): \"الصنفين\".\n(^٣) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"ثابتًا\".","vol":"5","page":172},{"text":"على مجرى العادةِ، وبالغ في ذلكَ أن قالَ: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾، وخالف بين إشهادِ الله وإشهادِهم بأن بتَّ في الأولِ، وأكَّدَ إخباره تثبيتًا (^١) للتوحيدِ، وإحكامًا لمعاقدِه، وعدلَ عن الخبر إلى الأمرِ في الثاني قلَّةَ مبالاةٍ بهم وبدينِهم وآلهتهم، واستهانةً بما زعموا واعتقدوا من عقوبتِهم؛ ثقة باللهِ، وقوةَ اعتمادٍ عليهِ وصحةَ توكُّلٍ، وزاد على ذلك أن أمرَهم بالاجتماعِ على الكيد في إهلاكِه والاجتهاد (^٢) فيهِ، وعدم الإنظار والتوقُّف بقولِه:\n﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ كقول نوحٍ ﵇: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وذلك من أعظمِ المعجزاتِ، فإنه كان رجلًا واحدًا بين الجمِّ الغفيرِ، والعدوِّ الوتير (^٣) من الأقوياءِ الغلاظ الشدادِ، وخاطبهم بما يخاطِبُ، وحقَّرهم وآلهتَهم بما حقَّرَ، وشجعهم على نفسِه، فلم يقدروا على إضرِاره، ولم يَجسُروا على بطشه، وما ذاك إلا بعصمةِ الله تعالى إيَّاهُ وحُسنِ كلاءَته، ولذلك عقَّبه بقولِه:\n\n<span id=\"aya-1529\"> </span>(٥٦) - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ تقريرًا له؛ أي: إنكم إن اجتمعتُم وتعاونتُم أنتم وآلهتكم عليَّ، وبذلتم وسعَكم في قصدي بالسوءِ، لم تضرُّوني، ولم تقدروا على إهلاكي، فإني توكَّلت على اللهِ مالكِي ومالكِكم، لم يمكِنكُم إصابتي بما لم يُرِدهُ، ثم برهَن على ذلكَ بقولِه:\n_________\n(^١) في (م): \"تثبتا\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"والإحساد\".\n(^٣) في (ف): \"الوقير\".","vol":"5","page":173},{"text":"﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾؛ أي: إلا هو مالكُها ومصرِّفُها على مُقتضَى مشيئتِه، وهي في قبضتِه ومِلْكته (^١) وتحتَ قهره وسلطنتِه، والأخذُ بالنواصي تمثيلٌ لذلك، حتى صار الأخذُ بالناصية عُرفًا في القدرة على التصرفِ، وكانت العرب تجزُّ ناصيةَ الأسير الممنونِ عليه علامةَ أنه قد قُدِرَ عليه، وقُبضَ على (^٢) ناصيَته.\n﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على طريق الحقِّ والعدلِ في ربوبيته، لا يسلِّطُ على مَن توكل عليهِ ظالمًا، ولا يَضيعُ عندَه معتصِمٌ بهِ، ولا يَغلبُ أحدٌ أحدًا إلا بإذنه.\nوفي قولِه: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ من غيرِ إعادة (ربكم) - كما في الأول - نكتةٌ سَرِيةٌ بعد الاختصارِ المُغْني عن الحشوِ فيه، ما يدلُّ على زيادة اختصاصهِ به (^٣)، وأنَّه ربُّ الكلِّ استحقاقًا، وربُّه دونَهم تشريفًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1530\"> </span>(٥٧) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن تتولَّوا، وجوابُ الشرطِ ماضٍ صريحٌ، فلذلكَ جاءَ بالفاءِ و(قد).\n﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾؛ أي: فإن تُعرِضوا والحجةُ عليكُم لم أعاتَب، فإني ما فرَّطتُ في الإبلاغِ، وأداءِ ما أُرسِلت به إليكُم، وأنتم ما أردتُم إلا تكذيبَ الرسالةِ، ومكافأةَ الرسولِ بالعداوةِ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وملكيته\".\n(^٢) \"على\" من (ك).\n(^٣) \"به\" من (م).","vol":"5","page":174},{"text":"﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ بالوعيدِ لهم، أي: ويهلِكُكم ويأتي بقومٍ آخرينَ يخلفُكم في ديارِكم وأموالِكم.\n﴿تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ من الضررِ بتولِّيكم؛ لاستحالةِ ذلك عليهِ.\nوقرئ: (ويَسْتخلِفْ) بالجزم (^١)، وكذلكِ: (ولا تَضرُّوه) بحذف النون (^٢) عطفًا على محلِّ: ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾؛ أي: إنْ تتولوا يَعْذَرْني ويستخلفْ قومًا غيرَكم ولا تضرُّوا إلا أنفُسَكم.\n﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيبٌ مهيمنٌ يحفَظُ أعمالكُم ويؤاخِذُكم بها، أو: حافظ على الأشياء كلِّها، والكل محتاجٌ إلى حفظه من الضررِ، ومَن كان كذلكَ لا يمكنُ أن يضرَّهُ شيءٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1531\"> </span>(٥٨) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ في التعبيرِ بمجيء الأمرِ عن نزول عذابِ الاستئصال على عادٍ ما لا يخفى من الدلالة على العظمةِ والجلال في جانب الأمرِ، وسرعةِ الامتثالِ في جانبِ المأمور.\n﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ قيل: كانوا أربعةَ آلافٍ.\n﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: من شؤمِ معاصي العاصينَ، فإنه (^٣) لو لم تدرِكهم الرحمةُ من\n_________\n(^١) نسبت لحفص من رواية هبيرة، انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٨٢).\n(^٢) نسبت لابن مسعود، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).\n(^٣) \"فإنه\" سقط من (ك).","vol":"5","page":175},{"text":"الرحمنِ لَمَا نجَوا من العذابِ النازلِ، على ما دلَّ عليهِ قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].\n﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ الغلظُ كنايةٌ عن الشدةِ.\nوالتنكيرُ في ﴿عَذَابٍ﴾ و(رحمةٍ) للتعظيمِ، أخبرَ أولًا بأن الإيمان الذي وفِّقوا له صارَ سببَ إنجائهم، ثم أخبرَ بأن ذلك الإنجاءَ كان من عذابٍ أيِّ عذابٍ؛ دلالةً على كمال الامتنانِ، وتحريضًا على الإيمانِ.\nأو هما متغايران: فالأولُ إنجاء الدُّنيا، والثاني إنجاءُ الآخرةِ.\nوالأولُ أوفقُ لمقتضى المقامِ، وعلى الوجهِ الأول أيضًا لا تكريرَ، ومَن غفَلَ عن هذا قالَ: تكرير لبيانِ ما نجَّاهم عنهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1532\"> </span>(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.\n﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ الإشارةُ إلى مصارعِهم وآثارهم؛ حثًّا على الاعتبارِ بهم، وإحضارًا لهم كأنهم مشاهَدُون بما يعايَن من الآثارِ، وفي الإتيان باسم الإشارةِ وبما يدل على البعدِ تهويلٌ وتفخيمٌ لما نزلَ بهم، لا تعظيمٌ لشأنهم أو تحقيرٌ.\n﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ﴾ استئنافٌ لبيان الوصفِ الذي استوجَبوا به العذابَ، وإنما قال:\n﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ ولم يرسِل إليهم غيرَ هودٍ ﵇؛ لأن الأنبياءَ كلَّهم دعوا إلى التوحيدِ والإسلام متوافقين، وصدَّقَ بعضهم بعضًا، فإذا عصوا واحدًا منهم فقد عصَوا كلَّهم.","vol":"5","page":176},{"text":"﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾؛ أي: رؤسائهم وكبرائهم الطاغينَ، و﴿عَنِيدٍ﴾ من عَنَدَ عَندًا وعُنودًا: إذا طغى، واتِّباعُ أمرِهم: طاعتُهم؛ أي: عصَوا مَن دعاهم إلى الإيمانِ وما ينجِيهم، وأطاعوا مَن دعاهم إلى الكُفر وما يُرديهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1533\"> </span>(٦٠) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لما اتَّبعُوا الجبابرة الطغاةَ جُعِلت اللعنةُ تابعةً لهم في الدارينِ تَكبُّهم (^١) على وجوههم في عذاب اللهِ.\n﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: جحدوه، أو: كفروا نعمهُ، أو: كفروا به، وإنما عدِّي بالذات حملًا لهُ على نقيضِه (^٢).\n﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾: دعاءٌ عليهِم بالهلاك، والمراد به الدلالةُ على أنهم كانوا مستَوجِبين لِمَا نزلَ عليهِم بسبب ما حكَى عنهم، وتكريرُ حرف التنبيهِ مع اسمِهم في الموضعَين، وإيرادُ حرف التحقيقِ معَ وصفِهم الموجِب للهلاكِ والعذاب، تهويلٌ وتفظيع لأمرِهم، وحثٌّ على الحذر من مثلِ حالهِم، والاعتبارِ بهم، وإيماءٌ إلى أنهم في اليقينِ والاستحقاق لِمَا نزل بهم بسببِ كفرِهم كالعلَم حتى صاروا مَثلًا مشهورًا.\n﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطفُ بيانٍ لـ (عادٍ)، وفائدَتُه: التمييزُ بينهُم وبين عاب الثانيةِ، وإيماءٌ إلى أن استئصالهم بغايةِ البعد بالهلاكِ بسبب ما جرى بينَهم وبين هودٍ ﵇.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بكبهم\".\n(^٢) أي: عدي بنفسه دون حرف الجر حملًا على نقيضه الذي هو الشكر المتعدي بنفسه.","vol":"5","page":177},{"text":"<span id=\"aya-1534\"> </span>(٦١) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد مرَّ تفسيرُه.\n﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: لم ينشِئكم منها إلا هو، وذلك الإنشاءُ بخلق آدمَ ﵇، أو بخلقِ موادِّ النُّطَفِ التي خُلِقوا منها من التراب.\n﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: وعمَّركم فيها واستبقاكم من العمرِ، أو: أقدَركم على عِمارتها (^١) وأمركَم بها، وقيلَ: هو من العُمرى بمعنى: أعمرَكم فيها، ويرِثُها منكم بعد انصرامِ أعماركم.\nأو: جعلكُم معمِّرين دياركم تسكنُونها مدةَ عُمرِكم، ثم تتركُونها لغيركم.\n﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد مرَّ تفسيره، فالفاءُ فصيحةٌ عاطفةٌ على مقدَّرٍ معناه: وقابلتُم العصيان بالإحسان.\n﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾؛ أي: إلى الرحمةِ ﴿مُجِيبٌ﴾ لداعيهِ؛ استئنافٌ للترغيبِ في الامتثال بما أمرَ بهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1535\"> </span>(٦٢) - ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.\n﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا﴾: فيما بيننا ﴿مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾؛ أي: كنا نشاهِدُ منك مخائل الرشدِ، وأماراتِ الصلاحِ، فرجونا أن تكون فينا سيدًا ومُستشارًا،\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"العمارة\".","vol":"5","page":178},{"text":"ومُرشِدًا (^١) ومُسترشَدًا في التدابيرِ، أو مقدَّمًا في ديننا، فلما تكلَّمت بهذا القول انقطعَ رجاؤنا عنك.\n﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ حكايةُ حالٍ ماضية.\n﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيدِ والتبرُّؤ من الأوثانِ.\n﴿مُرِيبٍ﴾: اسم فاعلٍ من متعدٍّ، يقالُ: أرابَهُ: إذا أوقعَهُ في ريبةٍ وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ، أو من لازمٍ؛ يقالُ: أراب الرجلُ: إذا كان ذا ريبةٍ، والإسناد إلى الشكِّ مجازيٌّ على كلا الوجهَين (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1536\"> </span>(٦٣) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: أتى بحرف الشكِّ باعتبارِ المخاطَبين الجاحدين؛ أي: قدِّروا أني على برهانٍ ﴿مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾: نبوةً ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾: فمن يمنعُني من عذاب اللهِ، والعدولُ من الضميرِ إلى الاسم الظاهرِ للتفخيمِ.\n﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: في تبليغِ الرسالة والمنعِ من الإشراك بهِ على هذا التقديرِ.\n﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ إذًا باستتباعِكُم إيايَ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: غيرَ أن تخسِّروني (^٣)\n_________\n(^١) \"ومرشدًا\" سقط من (ك).\n(^٢) في هامش (ف): \"نص على ذلك الكشاف في تفسير سورة سبأ، والظاهر من كلام القاضي خلافه، منه\".\n(^٣) في النسخ: \"تخسرون\"، والصواب المثبت، ومعناه: تجعلوني خاسرًا. انظر: \"روح المعاني\" (١١/ ٥٢٧).","vol":"5","page":179},{"text":"بإبطالِ أعمالي، والتعرُّض لعذابِه، أو: فما تزيدُونني بما تقولون لي غيرَ أن أُخسِّركم فأَنسُبكم إلى الخُسرانِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1537\"> </span>(٦٤) - ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ الإضافة للتعظيم.\n﴿لَكُمْ آيَةً﴾ حالٌ، والعاملُ فيها ما في اسمِ الإشارة من معنى الفعلِ، ﴿لَكُمْ﴾ حالٌ من ﴿آيَةً﴾ لتقدُّمها عليها، ولو تأخَّرت عنها كانت صفةً لها.\n﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: تَرْعَ نباتها، وتشرَبْ ماءها، وإنما أضافَ الأرضَ إليه تعالى إظهارًا لوجهِ التفريعِ، يعني: أن الأرض أرضُ اللهِ والناقةَ ناقتُه، فذروها تأكُل في أرض صاحبِها.\n﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾: عاجلٌ لا يتراخى عن مسِّكم لها بالسوءِ إلا يسيرًا وهو ثلاثةُ أيامٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1538\"> </span>(٦٥) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.\n﴿فَعَقَرُوهَا﴾ العقرُ: قطع العضوِ الذي له تأثيرٌ في النفسِ.\n﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا﴾؛ أي: تلذَّذوا بما تريدونَ من أسباب العيشِ.\n﴿فِي دَارِكُمْ﴾: في بلدِكم، تقولُ العربُ الذين (^١) حوالي مكةَ: نحنُ من عربِ الدارِ؛ أي: من عربِ البلدِ، وقيل: في دُنياكم.\n_________\n(^١) في (م): \"الذين في\".","vol":"5","page":180},{"text":"﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ قيلَ: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت.\n﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾؛ أي: غيرُ مكذوبٍ فيهِ، واتُّسع في الظرف بحذفِ حرف الجرِّ وإجرائه مجرى المفعول بهِ؛ كقولِه: يومٌ مشهودٌ. أو: وعدٌ غيرُ كذبٍ، على أن المكذوبَ مصدرٌ كالمجلودِ والمعقولِ، و(^١) كالمصدوقِ بمعنى: الصدقِ.\nويجوزُ أن يكون من بابِ الإسناد المجازيِّ، كأنهُ قيلَ للوعدِ: يوفَى بك، فإذا أُوفي بهِ فقد صُدِقَ ولم يُكْذَب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1539\"> </span>(٦٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ قد مر تفسيره.\n﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ (مِن) متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: ونجيناهم من خزي، على وفق ما تقدَّمَ في قصةِ هودٍ ﵇، والمراد من الخزي: هلاكُهم بالذلِّ والفضيحةِ.\nوقرئ: (ومن خِزيٍ) بالتنوينِ، وبنصبِ (يومَئذٍ) على الظرفِ معمولًا بـ ﴿خِزْيِ﴾ (^٢).\nوقرئ بالإضافة وفتح الميم (^٣).\nوالتنوينُ في (إذٍ) عوضٌ من الجملةِ المحذوفة المتقدمةِ الذكرِ؛ أي: ومن فضيحةِ يومِ إذ جاءَ الأمرُ وحلَّ بهم.\n_________\n(^١) \"الواو\" زيادة من (ك).\n(^٢) قرأ بها طلحة وأبان بن تغلب، انظر: \"البحر المحيط\" (١٢/ ٣٠١).\n(^٣) هي قراءة نافع والكسائي، وباقي السبعة بالإضافة وكسر الميم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).","vol":"5","page":181},{"text":"﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾: القادرُ على كل شيءٍ، الغالبُ عليهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1540\"> </span>(٦٧) - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1541\"> </span>(٦٨) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.\n﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾؛ أي: كأنهم لم يوجَدوا، والمَغْنَى: المقام (^١) الذي يقيمُ به الحيُّ.\n﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قرئ: ﴿ثَمُودَا﴾ بفتح الدالِ من غير تنوينٍ، وقرئ بالتنوينِ وبخفضِ الدالِ في قوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ (^٢)؛ أي: نسبًا إلى الحيِّ، أو للأبِ الأكبر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1542\"> </span>(٦٩) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ﴾ اللامُ لتأكيد الخبرِ، و(قد) للتوقُّعِ؛ لأن السامعَ بقصص الأنبياء ﵈ يتوقَّعُ قصةً بعد قصةٍ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"القائم\".\n(^٢) ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَا﴾ مَنَعَ حمزةُ وحفصٌ صَرْفَه، وصرَفه الباقون، ﴿لِثَمُودَ﴾ صرَفه الكسائِيُّ ومنَعه باقي السَّبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).","vol":"5","page":182},{"text":"﴿رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: الملائكةُ ﴿بِالْبُشْرَى﴾؛ أي: بالبشارة بالولدِ.\nوقيلَ: بهلاك قوم لوطٍ. ويأباهُ ما في الذاريات من قولِه: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ثم بعدَه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الذاريات: ٣١].\n﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: سلَّمنا عليك سلامًا، ويجوزُ نصبُه بما في ﴿قَالُوا﴾ من معنى: ذَكروا.\n﴿قَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: عليكم سلامٌ، أو: سلامٌ عليكم، حيَّاهُم بأحسَن من تحيَّتِهم، والتنكيرُ لدلالَتهِ على التعظيم أبلغُ من التنوينِ.\nوقرئ: ﴿سِلْمٌ﴾ (^١) بمعنى السلامِ؛ كحِرْمٍ وحرامٍ، وقيلَ: المرادُ به الصلحُ.\n﴿فَمَا لَبِثَ﴾: فما مكثَ؛ إذ كان عندَهُ طعامٌ معدٌّ للأضيافِ كلَّ يومٍ، والفاءُ للتفريعِ على ما ظهرَ من المسالمةِ أنهم جاؤوا بالخيرِ دون الشرِّ.\n﴿أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ﴾: (ما) في محلِّ الجرِّ على تقديرِ: فما لبثَ في المجيء به، أو: فما تأخَّرَ عن المجيءِ به، أو النصبِ على حذف حرف الجرِّ، أو الرفعِ على الفاعليةِ؛ أي: فما لبث مجيئُه.\nوالعجلُ: ولدُ البقرة، سمِّي بهِ لتعجيل (^٢) أمرِه بقرب ميلادِه، ولا يخفى لطفُ موقعِه بعد ما فُهمَ من قولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ من معنى العجلةِ.\n﴿حَنِيذٍ﴾: والحنيذُ هو الذي يَقطُر دسمه، مِن حَنَذْتُ الفرسَ، إذا ألقيتُ عليه الجلَّ حتى يقطُرَ عَرَقًا، ويدل عليه قولُه تعالى في موضعٍ آخرَ: ﴿بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: ٢٦].\n_________\n(^١) قراءة حمزة والكسائي، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).\n(^٢) في (ك): \"لتعجل\".","vol":"5","page":183},{"text":"وقيلَ: المشويُّ بالرَّضْفِ (^١) في أخدودٍ.\nوفيهِ: أن اعتبارَ قيدٍ لا يهمُّ إظهاره في المقام مما يعَدُّ هُجنةً في الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1543\"> </span>(٧٠) - ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ روي أنهم كانوا يَنْكُتون بأعوادٍ (^٢) كانت في أيديهِم في اللحمِ ولا تصِلُ أيديهم إليهِ (^٣)، وعلى هذا يظهرُ وجهُ الإتيان بالفاء الفصيحةِ، والعدولِ عن: لا يمدون إليه (^٤) أيديهم.\nومن وَهَم أن المذكورَ كنايةٌ عن المتروكِ فقد وَهِمَ.\n﴿نَكِرَهُمْ﴾: هذا صريحٌ في أن إنكارَه ﵇ إياهُم كان بعدَما رأى أنهم لم يمدُّوا أيديَهم إلى الطعامِ، والظاهرُ من قولِه: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] أنهُ كان قبلَ ذلكَ في سورة الحجر (^٥).\n_________\n(^١) حجارة تحمى ويلقى عليها اللحم لتشوى. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١١٤).\n(^٢) في (ك): \"بعواج\". والذي في المصادر - وستأتي -: (بقداح).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ١٨٨)، و\"تفسير القرطبي\" (١١/ ١٦١)، و\"البحر\" (١٢/ ٣٠٥)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ٩). قال الآلوسي: وليس بشيء، وفي القلب من صحة هذه الرواية شيء، إذ هذا النَّكت أشبه شيء بالبعث، والملائكة ﵈ يجلون عن مثله.\n(^٤) \"إليه\" سقط من (ك).\n(^٥) الذي في الحجر: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الآية: ٥٢]. ووقع في (ك): \"صوره الحر\".","vol":"5","page":184},{"text":"والتوفيقُ: أنه نكرَهم بعينِه حينَ رآهُم، ونكرَهم بقلبِه بعدما رأى منهم أمارةَ الخلافِ، قالَ أبو العاليةِ: يُقالُ: نكرَهُ بقلبِه وأنكرَهُ بعينِه.\n﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الإيجاسُ: الإحساسُ، وذلك لأنهم كانوا إذا نزَلَ بهم ضيفٌ ولم يأكُل من طعامِهم ظنُّوا أنه لم يجِئ بخيرٍ.\nقيلَ: (أوجسَ) بمعنى: أضمَرَ (^١). ويردُّه قولُه تعالى في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢].\nوكذا يردُّ (^٢) ما قيلَ: وإنما قالوا: ﴿لَا تَخَفْ﴾ لأنهم رأوا أثرَ الخوفِ والتغييرِ في وجهه، أو عرَفوه بتعريفِ اللهِ، أو علِموا لأنَّ علمَه بأنهم ملائكةٌ موجبٌ للخوفِ؛ لأنهم كانوا لا ينزِلون إلا بعذابٍ، فإن مبنى هذا أيضًا الغفولُ عن أنه ﵇ أفصَحَ عن خوفِه بأوضحِ عبارةٍ.\n﴿قَالُوا﴾ له ﵇: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ يعني: بالعذابِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ بقولِه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].\nقيلَ: وإنما يُقالُ هذا لمَن عرفَهم، ولم يعرِفهم فيمَ أُرسِلُوا. مبناهُ أيضًا الغفولُ عن التفصيلِ الواقعِ في سورة الحجرِ، فإن هذا القولَ منهم بعدَ البشارةِ له ﵇ بالغلامِ، واستفسارِه بقولِه: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١)﴾ [الذاريات: ٣١].\nوكذا مبنى ما قيلَ هنا: إنَّا ملائكة مرسلةٌ إليهم بالعذابِ، وإنما لم نمدَّ إليه أيدينا لأنَّا لا نأكُلُ، مبناهُ الغفولُ عما ذكر.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"عبارة \"الكشاف\": ﴿فَأَوْجَسَ﴾: فأضمر، ولا يخفى ما فيها. منه\".\n(^٢) في النسخ جميعًا: \"يرده\"، والصواب المثبت، يعني ما في سورة الحجر: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ يرد ما سيأتي من القيل، كما هو واضح من السياق.","vol":"5","page":185},{"text":"<span id=\"aya-1544\"> </span>(٧١) - ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.\n﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾ يعني: في الخدمةِ، وكانت بمسمَعٍ منهم لا على رؤوسِهم كما قيلَ؛ لأنَّه مردودٌ بقولِه في موضع آخرَ: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩].\n﴿فَضَحِكَتْ﴾ سرورًا بالأمنِ وبهلاك أهلِ الفسادِ.\nوقيلَ: بإصابةِ رأيها؛ فإنها كانَتْ تقولُ لإبراهيمَ: اضمم إليك لوطًا؛ فإني أعلَمُ أن العذابَ نزلَ بهذا القومِ.\nويردُ عليه: أنه حينئذٍ - أي: على تقديرِ أن يكونَ المعنى: فضحِكَت من إصابة رأيها - يخرجُ الكلام مخرج الألغازِ.\nوأما ما قيلَ: إنَّ (ضحِكَت) بمعنى: حاضَت. رُدَّ بأن التعجُّبَ بعدَه يبعِدُه، إذ لا يعجَبُ من الولادةِ في زمن الحيضِ، وإدخالُه في سياقِ التعجُّبِ يأباه اللفظُ.\n﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾: هذِه البشارةُ أيضًا على لسانِ الملائكة، والفاءُ للتعقيبِ؛ أي: بشَّرناها بالولدِ وبولد الولدِ عقِيبَ ما أوجبَ سرورَها، والاسمان يحتَملُ وقوعُهما في البشارةِ كيحيى، ويحتَملُ وقوعُهما في الحكايةِ (^١).\n﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ رفعٌ بالابتداءِ خبرُه الظرفُ؛ أي: من وراءِ إسحاقَ يعقوبُ مولودٌ، قرئ بالنصبِ (^٢) بفعلٍ دلَّ عليهِ (بشرناها)؛ أي: ووهبنا له من وراءِ إسحاق يعقوبَ.\n_________\n(^١) يعني: اسم إسحاق ويعقوب يُحتمَل وقوعهما في البشارة كما في قوله تعالى: ﴿نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] وهو الأظهر، ويحتمل أنها بشرت بولد وولد ولد من غير تسمية ثم سُميا بعد الولادة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١١٦)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ٢١).\n(^٢) قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، والباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).","vol":"5","page":186},{"text":"<span id=\"aya-1545\"> </span>(٧٢ - ٧٣) - ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.\n﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾: يا عجبًا، وأصلُه في الشرِّ، ثم أطلِقَ في كلِّ أمرٍ فظيعٍ، والألفُ فيها مبدلَةٌ من ياء الإضافةِ، وقرئ بالياء على الأصلِ (^١).\n﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾؛ أي: مسنَّةٌ، قيلَ: كانَت في تسعٍ وتسعينَ، ولم تدخُلها الهاءُ لأنها وضِعت للأنثى خاصةً.\n﴿وَهَذَا بَعْلِي﴾ زوجي، وأصلُه: القائم بالأمرِ.\n﴿شَيْخًا﴾ حالٌ، والعاملُ فيهِ معنى الإشارةِ في ﴿وَهَذَا﴾، وقرئ: (شيخٌ) (^٢) على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هذا بعلي هو شيخٌ، أو خبرُ مبتدأ لـ (هذا)، و﴿بَعْلِي﴾ بدلٌ منهُ، أو خبر بعدَ خبرٍ.\n﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ يعني الولَدُ من هرِمَين، وهو استبعادٌ من حيث العادةُ، وإنما أنكرَتِ الملائكةُ تعجِيبَها بقولهم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ لأنها كانَت في بيتِ الآياتِ والمعجزاتِ، وخوارق العاداتِ، فكانَ حقَّها أنْ لا تنبو (^٣) بل تستقرَّ وتشكُرَ نعمةَ اللهِ تعالى وتحمدَهُ وتمجِّدَه، ولا تتعجَّب منه لاعتيادِها بأمثالها، ولهذا قالت الملائكةُ:\n\n<span id=\"aya-1546\"> </span>﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ كلامٌ مستأنَفٌ علِّلَ به إنكارُ التعجُّبِ، كأنَّه\n_________\n(^١) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).\n(^٢) نسبت للحسن والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).\n(^٣) \"تنبو\" غير واضحة في النسخ، وجاء عند أبي السعود والآلوسي: (فكان حقها أن تتوقر). انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٢٦)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ٢٣).","vol":"5","page":187},{"text":"قيلَ: ليسَ هذا بمكان التعجُّبِ، فإن الله خصَّكم من بين الناسِ بأمثال هذه الكراماتِ، وأكرمَكُم بها أهلَ بيت النبوةِ، ونصبُه على المدحِ أو على النداءِ لقصدِ التخصيصِ.\nوقيلَ: الرحمةُ: النبوةُ، والبركاتُ: الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأن الأنبياءَ كانوا فيه كثيرًا.\n﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: فاعلٌ ما يستوجِبُ به الحمدَ.\n﴿مَجِيدٌ﴾: كريمٌ يستحقُّ التمجُّدَ والثناءَ بكثرةِ الإحسان والإنعام على عبادِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1547\"> </span>(٧٤) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.\n﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: الإفزاعُ بما أوجسَ من الخيفةِ، واطمأنَّ قلبُه بعرفانهم وعرفانِ سبب مجيئهم، والفاءُ لترتيبِ بعض ما يتعلَّقُ بإبراهيمَ ﵇ من الكلامِ على بعضٍ، وقد تخلَّلَ بينهما ما يتعلَّقُ بامرأته، وله أيضًا مدخلٌ في ذهابِ روعِه ﵇.\n﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بدلَ الروعِ.\n﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: يجادِلُ رسلَنا في شأنهم، ومجادلتُه إيَّاهُم قولُه: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ وجوابُ: (لما) محذوفٌ، و﴿يُجَادِلُنَا﴾ كلامٌ مستأنَفٌ، وقيلَ: دالٌّ عليهِ تقديرُه: اجترأ على خطابنا، أو: فرغ لمجادلتنا، ونحو ذلكَ.\nوقيلَ: الجوابُ ﴿يُجَادِلُنَا﴾ على حكاية الحالِ الماضيةِ.\nوقيلَ: (لمَّا) يردُّ المضارعَ إلى معنى الماضي، كما يردُّ الماضي إلى المستقبلِ معنًى.\nوقيلَ: معناه: أخذَ يجادِلُنا، أو: أقبل يجادلنا، أو ما في معناهما.","vol":"5","page":188},{"text":"<span id=\"aya-1548\"> </span>(٧٥) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.\n﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾: متحمِّلٌ جهلَ السفهاءِ، غيرُ عجولٍ على الانتقامِ ممَّن أساء إليهِ.\n﴿أَوَّاهٌ﴾: كثيرُ التأوُّه من الذنوبِ، والتأسُّفِ على الناسِ.\n﴿مُنِيبٌ﴾: رجاعٌ إلى اللهِ تعالى بما يحِبُّ ويرضى.\nوالمقصود من ذلك: بيانُ الحاملِ لهُ على المجادلةِ، وهو الرأفةُ والرحمةُ والرقَّةُ على أبناء الجنسِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1549\"> </span>(٧٦) - ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.\n﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ على إرادةِ القول؛ أي: قالت الملائكةُ له: يا إبراهِيمُ ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدالِ، وإن كانتِ الرحمةُ دعتكَ إليهِم فربُّهم أعلَمُ بهم وبما يستوجِبونَه.\n﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاؤه وحُكمه ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ مصروفٍ بجدالٍ ولا دعاءٍ ولا غيرِ ذلكَ؛ لإبرامه عندَ اللهِ تعالى، فلا فائدةَ في جدالِكَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1550\"> </span>(٧٧) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: أسِفَ واغتمَّ لمجيئهم؛ لأنهم جاؤوا في صورةِ غلمانٍ حسانٍ فحسِبَهم إنسًا، فخافَ عليهم خُبثَ قومِه وعجزَه عن مدافعتهم (^١).\n_________\n(^١) في النسخ: \"موافقتهم\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤١٣).","vol":"5","page":189},{"text":"﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ كنايةٌ عن شدةِ الانقباضِ عن موافقةِ المكروه، كأنه ضاقَ بمكانهم صدرُه.\n﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ؛ من قولكَ: عصَبه: إذا شدَّهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1551\"> </span>(٧٨) - ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.\n﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾: يسرِعون ﴿إِلَيْهِ﴾ كأنهم يُدفَعون دفعًا لطلبِ الفاحشةِ من أضيافه.\n﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: ومن قبلِ ذلك الوقتِ ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: الفواحشَ فتمرَّنُوا عليها، ولم يَسْتَحْيوا منها؛ فلذلكَ جاؤوا يُهرَعون إليه مجاهِرين.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فتزوجُّوهنَّ، فدَى بهنَّ أضيافَهُ كرمًا وفتوَّةً وحمِيَّةً، وكان إذ ذاك تزويجُ المسلماتِ من الكفارِ جائزًا.\nومَن زاد على هذا قولَه: يطلبونهن قبَل ذلك ولا يجيبُهم إليهِنَّ لخبثِهم وعدمِ كفايَتِهم، فكأنَّهُ لم يتأمَّل في قولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ فإنه ظاهرٌ في عدمِ رغبَتِهم فيهنَّ.\nوقيلَ: المراد بالبناتِ نساؤهم، فإنَّ كل نبيٍّ أبو أمَّتِه من حيثُ الشفقةُ والتربيةُ، وفي مصحف ابنِ مسعودٍ ﵁: (وأزواجُه أمهاتُهم وهو أبٌ لهم) (^١). فيأباه قولُه: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٩).","vol":"5","page":190},{"text":"وأما ما قيلَ: قالَهُ ﵇ مبالغةً في تناهي خُبثِ ما يُريدونه حتى إن ذاك أهوَنُ منه، أو إظهارًا لشدَّةِ استقباحِه (^١)، فلا يلائمه قولُه:\n﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أراد المبالغةَ في الطهارةِ، لا تفضيلَهُنَّ فيها على مَن ما راموا بهِ، كقولِه ﵇: \"اللهُ أعلى وأجلُّ\" (^٢) في مقابلةِ قول أبي سفيانَ: اعلُ هبَل.\nوقرئ: (أطهَرَ) بالنصبِ (^٣) على تقديرِ: خذوا هؤلاء أطهرَ لكم، وقولُه: ﴿بَنَاتِي هُنَّ﴾ جملةٌ معترِضةٌ تعليلًا للأمرِ وكونهنَّ أولى قدِّمت للإسماعِ، كأنهُ قيلَ: خذوا هؤلاء العفائفَ أطهرَ لكم إن بناتي هن وأنتُم تعلمون طهارَتي وطهارَةِ بناتي.\nويجوزُ أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأً و﴿بَنَاتِي﴾ خبرًا، و﴿هُنَّ﴾ تأكيدٌ للمستكنِّ في ﴿بَنَاتِي﴾ لأنهُ وصفٌ مشتَقٌّ، و(أطهرَ) حالٌ.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ركوبِ الفاحشةِ.\n﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ من الخزيِ وهو الهوانُ، أو من الخزايَةِ وهو الخجالةُ.\n﴿فِي ضَيْفِي﴾: بسبَبِهم، فإن التعدِّيَ لضيفِ الرجلِ إخزاءٌ له، وترتَّبَ على المحذوفِ لا على المذكورِ، على ما أفصَحَ عنه في موضعٍ آخرَ، حيثُ قالَ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٨، ٦٩]، وقد عُلمَ منه أن المرادَ من الخزي معنًى آخرُ غيرُ الفضاحَةِ.\n_________\n(^١) في هامش (م): \"فإن عرض البنات على الوجه المذكور لا يليق بأهل الأرض فكيف بالنبي، منه\".\n(^٢) قطعة من حديث طويل رواه البخاري (٣٠٣٩)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٤٧٣٨)، عن البراء بن عازب ﵁ في خبر غزوة أحد.\n(^٣) نسبت للحسن وعيسى بن عمر، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).","vol":"5","page":191},{"text":"﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يهتدي إلى الحقِّ ويرعوي عن القبيحِ، فيرشِدُ أصحابَه إليه ويمنَعُهم عنه، والمراد هذا، ولذلك قالَ: ﴿مِنْكُمْ﴾ دونَ: فيكم؛ لعمومِه الأجنبيَّ، وكلامه لا يؤثِّرُ تأثيرَ كلامِ الذي منهُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1552\"> </span>(٧٩) - ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.\n﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: من حاجةٍ، بالغوا في المنفيِّ بتنكيرِ ﴿حَقٍّ﴾ وزيادةِ ﴿مِنْ﴾ كما بالغُوا في النفي بإثبات علمِه له على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه.\n﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ من إتيانِ الذُّكرانِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1553\"> </span>(٨٠ - ٨١) - ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.\n﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ لما كان فيه معنى الفعل عطف عليه قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: لو قويتُ عليكم بنفسي، أو آويتُ إلى قويٍّ أستنِدُ إليه وأتمنَّعِ به فيحمي (^١) منكُم.\nشبَّهَ القويَّ العزيزَ الذي يجيء مَن يأوي إليهِ ويحميه بالركنِ من الجبلِ في شدَّته ومنعتِه، وجوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوفٌ تقديرُه: لدفعتكم.\n_________\n(^١) في (ف): \"فيحمني\".","vol":"5","page":192},{"text":"وقرئ: (أو آوِيَ) بالنصب (^١) بإضمارِ (أنْ)، كأنهُ قالَ: لو أن لي بكم قوةً أو أُوِيًّا.\n\n<span id=\"aya-1554\"> </span>فلمَّا رأى (^٢) الملائكةُ ما يملأ لوطًا ﵇ من الكربِ ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ فلن يصلوا إلينا.\nولمَّا احتمَل أن يضرُّوه ﵇ لعدَمِ حصولِ بغيَتِهم دفعَه بقولِه: ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ فهو استئنافٌ في غاية الجزالة، ومن لم يتنبَّه له قالَ: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارِنا، ثم إنه لم يَدْرِ أن حق الكلامِ حينئذٍ الوصلُ بالفاء دون الفصلِ.\n﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بالقَطعِ من الإسراء، وقرئ بالوصلِ من السُّرَى (^٣)، ترتُّبُه على المحذوفِ المذكورِ في موضعٍ آخرَ بقوله: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤].\n﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بطائفةٍ منهُ.\n﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ ولا يتخلَّف، أو لا ينظُر إلى ورائهِ، والنهيُ عامٌّ له ﵇ ولأهلِه، والمخصوصُ به إنما هو تبليغُه إليهم.\nومَن وهَم أنه في اللفظِ لـ ﴿أَحَدٌ﴾ وفي المعنى للوطٍ ﵇ فقد وهِمَ.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصبِ، استثناءٌ من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ ويدلُّ عليه قراءة: (فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتَكَ) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٠).\n(^٢) في (ف) و(م): \"رأوا\".\n(^٣) قرأ بالوصل من السبعة نافع وابن كثير، وقرأ الباقون بقطعها، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).\n(^٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٥٢٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤١٦) و\"البحر\" (١٢/ ٣٢٥).","vol":"5","page":193},{"text":"قيل: وذلك إنما يصحُّ على تأويل الالتفاتِ بالتخلفِ لا بالنظرِ إلى الخلفِ؛ لئلا يناقضَ قراءة من قرأ بالرفع (^١) بدلًا من ﴿أَحَدٌ﴾ وإلا لزمَ على القراءَتين أن يكونَ امرأته مُسْرًى بها وغيرَ مُسْرًى بها.\nوفيه نظرٌ؛ لأن الاستثناءَ من الأهلِ يقتضِي أن لا يكون لوطٌ ﵇ مأمورًا بالإسراءِ، ولا يمنَع أنها سرَت بنفسِها، ويكفي لصحةِ الاستثناءِ من هذا المقدارِ، كيف ولم يُنهَ عن إخراجِها، ولكنه أُمرَ بإخراجِ غيرِها.\nوبهذا اندفع (^٢) أيضًا ما قيلَ: إنه إما أن أُسري بها، فالاستثناءُ من قولِه: ﴿أَحَدٌ﴾ متعينٌ، أو لا، فيتعيَّن من قولِه ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، والقصةُ واحدةٌ فأحدُ التأويلين باطلٌ قطعًا، والقراءتان الثابتتان قطعًا لا يجِبُ حملُهما على ما يوجِبُ بطلانَ مقتضى أحدِهما.\nوأما ما قيلَ: وفي إخراجها معَ أهلهِ روايتان: روي أنه أخرَجها معهُم وأمرَ أن لا يلتفِتَ منهم أحدٌ إلا هي، فلما سمعَت هدَّة (^٣) العذابَ التفتَت له وقالَت: يا قوماه! فأدرَكها حجرٌ فقتلَها، وروي أنه أُمِرَ بأن يخلِّفَها مع قومِها فإن هواها إليهم، فلم يَسْرِ بها (^٤). واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.\n_________\n(^١) قراءة أبي عمرو وابن كثير، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).\n(^٢) في (ك): \"يدفع\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"هذا\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" و\"القرطبي\" و\"تفسير أبي السعود\"، و\"روح المعاني\".\n(^٤) انظر المصادر السابق، وروى الأثرين الطبري في \"التفسير\" (١٢/ ٥١٨ - ٥١٩) عن قتادة والسدي.","vol":"5","page":194},{"text":"فاعترِضَ عليه: بأنه لا يجوزُ؛ لأن القواطِع [لا يجوز] (^١) حملُها على المعاني المتناقضةِ.\nوأُجيبَ بأن معناه: اختلافُ القراءتينِ (^٢) جالبٌ وسببٌ لاختلافِ الروايتَين، كما تقولُ: السلاحُ للغزوِ (^٣)؛ أي: أداةٌ وصالحٌ له. ولم يُرِدْ أن اختلافَ القراءتين لأجلِ اختلاف الروايتين قد حصَلَ.\nوَيرِدُ عليهِ: أنه حينئذٍ تنقلِبُ الروايةُ درايةً لاتِّخاذِها (^٤) من ظاهر القراءةِ، وأيضًا فيه التزامٌ باستلزامِ اختلافِ القراءتين أمرًا محذورًا وهو الجمعُ بين المتنافِيين.\nوالأولى جعلُ الاستثناءِ في القراءَتين من قولِه: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ﴾ كما في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٦٦] و: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٥)، ولا بُعدَ أن يكونَ أكثرُ القراء على غير الأفصحِ، فإن النصب أخفُّ، وإن كان البدلُ أفصَحَ.\n﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ استئنافٌ علِّلَ بهِ استثناؤها من أهلِه، ولا يلزَم من ذلك أمرُها بالالتفاتِ، بل عدَمُ نهيها عنه استصلاحًا، ولا يَحسُن جعل الاستثناءِ منقطعًا على قراءة الرفعِ.\n﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ كأنهُ علةُ الأمرِ بالإسراء.\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وانظر: \"روح المعاني\" (١٢/ ٤٥)، وفيه: (والقراءتان الثابتتان قطعا لا يجوز حملهما على ما يوجب بطلان أحدهما).\n(^٢) قوله: \"فاعترض عليه .. \" إلى هنا ساقط من (ف) و(ك).\n(^٣) في (ك): \"للعدو\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"ولاتخاذها\".\n(^٥) هي قراءة ابن عامر وقرأ باقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٦)، وقد تقدمت في سورة النساء.","vol":"5","page":195},{"text":"﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ جوابٌ لاستعجال لوطٍ ﵇ واستبطائه العذابَ، وإنما جعِلَ الصبحُ ميقاتًا لهلاكِهم؛ لأن النفوسَ فيهِ أودَعُ، والراحةَ فيه أجمَعُ، فيكون العذابُ فيه أفظعَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1555\"> </span>(٨٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: وقتُ أمرِنا، وأما الأمر نفسُه فقد وردَ قبلَ هذا، وأما المأمورُ به فنفسُ ما ذكِرَ في قولِه:\n﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ جوابُ (لمَّا)، وإنما عدلَ عن الظاهرِ وهو: جعلوا؛ أي: الملائكة المأمورون به (^١) وأَسندَ إلى نفسِه من حيثُ إنه المسبِّبُ تعظيمًا للأمرِ.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾: على المدنِ ﴿حِجَارَةً﴾، رويَ أن جبريلَ ﵇ أدخَلَ جناحه تحت مدائنهم ورفعَها إلى السماءِ، ثمَّ قلبَها عليهم، وأُتبِعوا الحجارة من فوقِهم (^٢).\nوالتنكيرُ في ﴿حِجَارَةً﴾ للتعظيمِ.\n﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طينٍ متحجِّرٍ؛ لقولِه: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] كلمةٌ معربةٌ من سَنْك كَلْ.\n_________\n(^١) \"به\" ليس (ك).\n(^٢) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٢/ ٥١٥ - ٥١٦) عن سعيد بن جبير، وبنحوه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ٢٠٦٦) عن حذيفة بن اليمان ﵁.","vol":"5","page":196},{"text":"وقيلَ: هو من أسجَله إذا أرسلَه؛ لأنها تُرسَلُ على الظالمين؛ لقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ [الذاريات: ٣٣].\nوقيلَ: مما كتبَ الله أن يعذِّب فيه من السِّجلِّ، وسجل لفلان.\n﴿مَنْضُودٍ﴾ في الإرسالِ يرسلُ بعضُها إثرَ بعضٍ كقطارِ الأمطارِ، أو نُضدَ بعضُه على بعضٍ وألصِق بهِ، أو نُضدَ معدًّا لعذابِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1556\"> </span>(٨٣) - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.\n﴿مُسَوَّمَةً﴾: معلَّمةً للعذابِ، أو بسِيْما تتميَّزُ به منْ حجارةِ الأرض، أو باسمِ مَن يُرمى به.\n﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في خزائنه التي لا يتصرَّفُ فيها إلا هوَ.\n﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ لاستحقاقِهم لذلكَ، وفيه وعيدٌ لأهلِ مكَّةَ، وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه سألَ جبريلَ ﵇ عن هذا، فقالَ: يعني مِن ظالمي أُمَّتك (^١).\nوقيل: الضميرُ للقرى؛ أي: هي قريبةٌ من ظالمي أُمتكَ يمرُّون بها في سيرِهم.\nقوله: ﴿بِبَعِيدٍ﴾: بشيءٍ بعيدٍ، أو: بمكان بعيدٍ، كذا قيلَ، ولا حاجة إلى التأويلِ؛ لأنَّه على زنةِ المصدرِ كالزفيرِ (^٢) والصهيلِ، والمصادرُ يستوي في الوصفِ بها المؤنَّثُ والمذكَّرُ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤١٦). وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ٨٧): (ذكره الثعلبي عن أنس دون إسناد). وقال العراقي كما في \"روح المعاني\" (١٢/ ٥٣): (لم أقف له على إسناد).\n(^٢) في (ك): \"كالزئير\".","vol":"5","page":197},{"text":"<span id=\"aya-1557\"> </span>(٨٤) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ قد مرَّ نظائره، ومديَنُ مدينةٌ بناها مدينُ بن إبراهيمَ ﵇ فسمِّيَت باسمِه، والمرادُ: أهلُها وأولاده.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قد سبقَ تفسيرُه.\n﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أمرَهم بالتوحيدِ أولًا لأنَّه ملاكُ الأمرِ، ثم نهاهُم عما اعتادُوه من البَخْسِ المنافي للعدلِ المخلِّ بحكمةِ التعاوُضِ.\n﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: بسعةٍ وثروةٍ تغنيكُم عن التطفيفِ، أو: بنعمةٍ حقُّها أن تُقابلَ (^١) بالشكرِ، لا بما تفعلون، أو: بخيرٍ فلا تزيلوه عنكم بما تفعلونَ، وهو على كلِّ الوجوهِ علَّةٌ للنهيِ.\n﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾: لا يشذُّ منه أحدٌ، أو: مهلك، من قولِه: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢].\nوالمرادُ: عذابُ يوم القيامةِ، أو عذابُ الاستئصالِ، وتوصيفُ اليوم بالإحاطةِ من باب الإسنادِ المجازيِّ، وهو أبلغ من وصفِ العذابِ بها؛ لأنَّه مشتمِلٌ على حوادثَ مع اشتمالِه على العذابِ، فإذا كان مهلِكًا فما اشتملَ عليه الحوادثُ كان مجتمعًا على المعذَّبِ في إهلاكِه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"تقابل\".","vol":"5","page":198},{"text":"<span id=\"aya-1558\"> </span>(٨٥) - ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أمرَ بالإيفاء بعد النهيِ عن ضدِّه قصدًا إلى تقبيحِ المنهيِّ وتعييبِه؛ لأن التصريحَ بالمنهيِّ عنهُ توبيخٌ للمنهيِّ وتعييرٌ لهُ يبتكر ويرجوا إلى القبولِ، فإذا وردَ الأمرُ بعدَه مصرَّحًا به كان أوقَع في نفسِه، وأسرعَ إلى القَبول والامتثالِ؛ لأنَّه ترغيبٌ وحثٌّ بعد ترهيبٍ وزجرٍ عن ضدِّه فكانَ أبلغَ.\n﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ والتسويةِ من غير زيادةٍ ونقصانٍ، وإنما قيَّدَهما به قصرًا على ما هو الواجبُ، وتنبِيهًا على أن المطلوبَ من الإيفاءِ القسطُ، ولهذا قد يكونُ الفضلُ محرَّمًا كما في الربوياتِ.\n﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ تعميمٌ بعد تخصيصٍ؛ لأنَّ نقصَ الحقوقِ مُطلقًا أعمُّ من النقصِ في الكيلِ والوزنِ.\nوكذا: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ لأنَّه التمادي في أنواعِ الفسادِ، ودرجهم في النهي مما غلبَ عليهم إلى سائرِ القبائحِ.\nويجوزُ أن يرادَ بالعثي: البخسُ؛ مبالغةً وتعريضًا بأنه شرُّ أنواع الفسادِ.\nوإنما قالَ: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ إخراجًا لمَا يقصَدُ به الإصلاحُ كما فعله الخضِرُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1559\"> </span>(٨٦) - ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.\n﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: ما يبقي عليكُم من الحلال بعدَ التنزُّه عما حرَّمَ عليكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما تجمعُونَ بالتطفيفِ ونقصِ الحقوقِ.","vol":"5","page":199},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: بشرطِ أن تؤمنوا، وإنما قيَّدَ به لظهورِ فائدتها معهُ، وإن كان معَ الكفرِ نجاةٌ عن تبِعَتها، وذلك لأن حصولَ الثواب بها مشروطٌ بالإيمانِ، ولا يظهَرُ على الكافر أثرُ النجاةِ من تبعة البخسِ لانغماسه (^١) في غمراتِ الكفرِ، وفي ذلك تعظيمٌ للإيمان وتنبيهٌ على جلالة قدرِه، وإيماءٌ إلى أنْ لا فائدةَ للحسنات بدونِه.\nأو: إن كنتم مصدِّقين لي في نصحي إيَّاكُم.\nوقيلَ: البقيةُ الطاعةُ؛ أي: ما يبقَى لكم عند اللهِ تعالى من الطاعاتِ خيرٌ مما يَفْنَى (^٢)؛ كقولِه: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافتُها إلى اللهِ تعالى تعظيمٌ لها وتشريفٌ بنسبتِها (^٣) إليهِ.\nوقرئ: (تَقيَّة) الله بالتاءِ (^٤)، وهي تَقْواه التي تَكُفُّ عن المعاصي والقبائحِ.\n﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ تقديمُ الظرفِ وإيلاؤه حرفَ النفي وعيدٌ بليغٌ؛ أي: اللهُ حفيظٌ عليكم ومجازيكم بها لا أنا، إنما أنا نذيرٌ مبلِّغٌ، وقد أنذرتُ وبلَّغت ونصحتُ وأعذرتُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1560\"> </span>(٨٧) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لانغماره\".\n(^٢) تحرفت في (ف) و(ك) إلى: \"بقي\".\n(^٣) في (م): \"نسبتها\"، وسقطت من (ك).\n(^٤) نسبت للحسن. انظر: \"البحر المحيط\" (١٢/ ٣٣٧).","vol":"5","page":200},{"text":"﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ، أجابوا بهِ بعد أمرِهم بعبادةِ الله تعالى وترك عبادة الأوثانِ، وبإيفاء الحقوقِ، على طريق السخريةِ والاستهزاءِ حيث أسندوا الأمرَ إلى الصلاةِ إشعارًا بأن المأمورَ مما لا يُؤمَرُ به العقلاءُ؛ لأنَّه أمر وسوسةٍ وجنونٍ، لا أمر فطنةٍ أو (^١) عقلٍ.\nوأما تخصيصُهم الصلاة بالإسنادِ إليها لأنَّه ﵇ كان يصلي، وكانوا يقولون لهُ: ما تستفيدُ بهذا؟ فيقولُ: إنها تأمرُ بالمحاسنِ وتنهى عن المساوئ، كما عرَّفه اللهُ تعالى عبادَه بقول (^٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فقالوا له على وجه التهكُّمِ به: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ …﴾ الخ ففيه استهزاءٌ من وجهٍ آخرَ.\nوأما جمعُها فلأنه ﵇ كان كثيرَ الصلاةِ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزُون ويضحَكُون استبعادًا منهم أن يفعَلَ مثلَ ذلك الأفعالِ؛ ففي إتيانها (^٣) على صيغةِ الجمع إشارةٌ إلى نوعٍ آخرَ من الاستهزاء له.\nثم إنهم جعلُوه ﵇ مأمورًا بفعل الغيرِ دلالةً على إفراطِه في ذلك كأنَّ نفسها مأمورٌ بهِ، وذلك أن في الأمرِ بنهي الغيرِ يكفي الإبلاغ مرةً أو مرتين، وهو ﵇ قد واظَبَ على ذلك فنزَّلُوه منزلة المأمورِ بإتيان التركِ الواجبِ على الغيرِ، وهذا أيضًا نوع من الاستهزاءِ منهم مبناه على اعتبارٍ دقيقٍ، ولهذا غفلَ عنه الناظرون في هذا المقامِ، حتى ذهبوا إلى تقديرِ المضافِ؛ أي: تأمرُكَ بتكليفِ أن نتركَ، فأذهَبوا حُسنَ الكلام، ولطف الاعتبارِ المناسب للمقام.\n_________\n(^١) في (ك): \"و\".\n(^٢) في (ف): \"كما عرف الله تعالى عباده\"، وكلمة \"بقول\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"إثباتها\".","vol":"5","page":201},{"text":"﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ عطفٌ على ﴿مَا﴾؛ أي: أو أن نترُكَ فعلنا ما نشاءُ في أموالنا، والعطفُ بـ ﴿أَوْ﴾ دون الواوِ للإشعار بأن الأمرَ بواحدٍ منهما على سبيل البدَلِ يكفي في التسفيهِ والنسبةِ إلى الضلالِ، فكيفَ إذا أمرَ بهما معًا؟ ولا يخفى ما فيه من الدلالةِ على أنهم كانوا آيةً في الجهالةِ، قد بلغوا غايةَ الضلالةِ.\nوقرى بالتاء في (تفعل) و(تشاء) (^١) على أنَّ العطفَ على ﴿أَنْ نَتْرُكَ﴾ (^٢).\n﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ تهكم به (^٣) وبفعلِه؛ لأنهم أرادوا وصفَه بغايةِ السفهِ والغَيِّ على ما يقتضيه السباقُ والسياقُ، فعكسُوا تهكُّمًا، كقولِ خزنَةِ جهنَّمَ: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].\nوأما ما قيلَ: علَّلوا إنكارَ ما سمعوا منه واستبعادَه بأنه موسومٌ بالحلمِ والرشدِ (^٤) المانعَين عن المبادرةِ إلى أمثال ذلكَ، فيأباه ما في سياقِ الكلام من الإقدامِ على السخريةِ والاستهزاءِ من وجوهٍ شتَّى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1561\"> </span>(٨٨) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n_________\n(^١) قراءة السلمي والضحاك بن قيس، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦١).\n(^٢) في هامش (ف): \"هذا على ما ذكرناه، وأما على ما ذكروا من تقدير المضاف فالعطف على ذلك المقدر فتدبر، منه\". قلت: والمراد بتقدير المضاف ما تقدم من أن المراد: (أصلاتك تأمرك بتكليف أن نترك)، وهذا التقدير للبيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ١٤٥).\n(^٣) في (ك): \"تهكم به بهم\".\n(^٤) في (ك): \"بالحلم بالرشد\".","vol":"5","page":202},{"text":"﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إشارةٌ إلى ما آتاهُ من العلمِ والنبوَّةِ.\n﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ إشارةٌ إلى ما آتاه من المالِ الحلالِ، والتقييدُ بـ ﴿حَسَنًا﴾ للاحترازِ عن الرزقِ القبيحِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أن الحرامَ رزقٌ.\nوجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه: فهل يسعُ لي مع هذا الإنعامِ الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجسمانية أن أخون في وحيِه، وأخالفَهُ عن أمرِه ونهيِه، وهو اعتذارٌ عما أنكروا عليهِ من الإقدامِ على تغيرِ المألوفِ، والنهيِ عن دين الآباءِ، ولا يخفى ما فيهِ من حُسن (^١) المراجعةِ، وحسن الاستنزالِ، ورفق الاستدعاءِ، ولذلك قالَ فيهِ ﵇: \"ذلكَ خطيبُ الأنبياءِ\" (^٢).\nوالضميرُ في ﴿مِنْهُ﴾ للهِ تعالى؛ أي: من عندِه وبإعانته بلا كدٍّ مني في تحصيلِه، فقد أدمجَ فيهِ الجوابَ عن قولهِم: (أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء) على القراءةِ بالتاء فيهما.\n﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: وما أُريدُ أن أقصِدَ إلى ما أنهاكم عنهُ من المعاصي والملاذِّ لأستبدَّ بها دونَكُم، فلو كان صوابًا لآثرتُه ولم أُعرِض عنهُ فضلًا عن أن أَنهى عنهُ، يُقالُ: خالفَني إلى كذا: إذا قصدَهُ وأنتَ مُولٍّ عنهُ، وخالفَني عنهُ: إذا ولَّى عنهُ وأنتَ قاصِدُه.\n﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: ما أريدُ إلا أن أصلِحَكم بموعظَتي ونصيحَتي ما أمكنَني، فلو وجدتُ الصلاحَ فيما أنتم عليهِ لمَا نهيتكم عنهُ.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"لطف\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تاريخه\" (١/ ١٩٨) من طريق ابن إسحاق عن يعقوب بن أبي سلمة، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٠٧١) عن محمد بن إسحاق، وكلاهما مرسل. وذكره ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (١/ ٤٢٩) من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده إسحاق بن بشر وهو متروك.","vol":"5","page":203},{"text":"ولهذه الأجوبةِ الثلاثةِ على هذا النسقِ شأنٌ، وهو التنبيهُ على أن العاقلَ يجبُ عليه أن يراعيَ فيما يباشِرُه أحدَ ثلاثةِ حقوقٍ: أوَّلُها وأعلاها حقُّ اللهِ تعالى، وثانيها حقُّ نفسِه، وثالثها حقُ الناسِ، وكلُّ ذلك يقتضي أن آمرَكُم بما أمرتُكم بهِ، وأنهاكم عما نهيتُكم عنهُ (^١).\nو﴿مَا﴾ مصدريةٌ واقعٌ موقعَ الظرفِ؛ أي: مدَّةَ استطاعتي، أو خبريةٌ بدلٌ من ﴿الْإِصْلَاحَ﴾؛ أي: إلا المقدار الذي استطعت منهُ، أو على تقديرِ حذف المضافِ؛ أي: إلا الإصلاحَ إصلاحَ ما استطعتُ.\nأو مفعولٌ؛ أي: إلا أن أُصلحَ ما استطعتُ إصلاحه من فاسدِكم. وفيه: أن إعمالَ المصدرِ المعرَّفِ قليلٌ.\n﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: وما توفيقي لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيما آتي وما أذرُ إلا بتأييدِ الله تعالى ومعونَتِه.\n﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا على غيرِه، فإنه القادرُ على ما يشاءُ دون غيرِهِ، فإنَّ مَن عدَاه عاجزٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبارِ في الوجود فضلًا عن القدرَةِ.\n﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ لا إلى غيرِه.\nوفي الآيةِ طلبُ التوفيقِ من الله تعالى لإصابة الحقِّ فيما هو بصددِه على أبلغ وجهٍ، وحسمٌ لإطماعِهم، وعدمُ المبالاة بهم، ومعاداتُهم بتوكُّلِه على الله تعالى، وتهديدُ الكفارِ بإتيانهم إليه تعالى للجزاءِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"يقتضي أن آمركم به وأنهاكم عنه\".","vol":"5","page":204},{"text":"<span id=\"aya-1562\"> </span>(٨٩) - ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكسبنَّكُم ﴿شِقَاقِي﴾ معاداتي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرقِ ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريحِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفَةِ.\nو﴿أَنْ﴾ بصلَتِها ثاني مفعولي (جرَم)، فإنه مثلُ كسبَ في معناه وتعدِيتهِ إلى مفعولٍ واحدٍ وإلى مفعولينِ.\nوقرئ: (لا يُجْرِمَنَّكمْ) بضم الياءِ (^١)، من أَجْرمتُه: إذا جعلتَه جارِمًا (^٢)، وهو منقولٌ من (جرم) المتعدي إلى مفعولٍ واحدٍ، كما نقل: أكسَبهُ المالَ، من: كسبَ [المال]، والأول أفصَحُ، فإن أجرمَ أقلُّ دورانًا على ألسنة الفصحاءِ.\nوقرئ: (مثلَ) بالفتحِ (^٣) لإضافته إلى المبنيِّ.\n﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ زمانًا أو مكانًا، فإنهم أقرَبُ الهالكين منهُم، أو: ليسوا ببعيدٍ منكُم في الكفر والمعاصي، وما يُستَحقُّ بهِ العقابُ، فحالكُم حالهُم، وإفراد البعيدِ قد مرَّ وجهُه (^٤)، فتذكَّر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1563\"> </span>(٩٠) - ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾.\n_________\n(^١) نسبت ليحيى بن وثاب، انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٢٧).\n(^٢) أي: من أجرمته ذنبًا، إذا جعلته جارمًا له، أي: كاسبًا. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٢١)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٣) نسبت لمجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦١).\n(^٤) في هامش (ف): \"في تفسير قوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ في هذه السورة. منه\".","vol":"5","page":205},{"text":"﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ قد سبقَ ما يتعلَّقُ بهِ أيضًا.\n﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾: عظيمُ الرحمةِ للتائبينَ ﴿وَدُودٌ﴾ بعبادِه يفعَلُ بهم من اللطفِ والإحسان ما يفعلُ البليغُ المودَّةِ بمن يودُّه، وهو (^١) وعد على التوبةِ بعدَ الوعيدِ على الإصرارِ؛ لشمولِ الدعوةِ وأخذِ الحبلِ بطرفَيهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1564\"> </span>(٩١) - ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.\n﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ الفقهُ (^٢): فهمُ الكلام على ما تضمَّنَ من المعنى، وفي نفيه دونَ نفي الفهم دلالةٌ على أنهم لم يريدوا قصورَه في أداء الكلامِ، كما سبق إلى بعضِ الأوهام حيث قال في (^٣) وجهِ ما ذكِرَ: إنه ﵇ كان ألثغَ.\nوإنما قالوا ذلكَ استهانةً بكلامِه حيث كنَوا بعدم فقهِهم ما قاله عن عدمِ دلالته على معنًى صحيحٍ، فنزَّلوه منزلة الهذيانِ والتخليطِ (^٤).\nوفي التقييدِ بقوله: ﴿كَثِيرًا﴾ إظهارُ التنزُّهِ عن المكابرةِ، وهذا أبلَغُ في المبالغةِ عن الكلام الخالي من ذلكَ القيدِ، ومن هذا القبيل قولُهم في وصف سيف الشجاعِ: يقطُر دمًا، دون: يسيلُ.\n_________\n(^١) \"وهو\" سقط من (ك).\n(^٢) \"الفقه\" من (ك).\n(^٣) \"في\" سقط من (ك).\n(^٤) في هامش (ف): \"لا استهانةً به ﵇ كما يقول الرجل لصاحبه إذا لم يعبأ بحديثه: ما أدري ما تقول - لأنَّه لا يناسبه التقييد بـ ﴿كَثِيرًا﴾ كما لا يخفى. منه\".","vol":"5","page":206},{"text":"قيلَ: كانوا يفهمُونه ولكنَّهم لم يقبلُوه فكأنهم لم يفقَهوهُ، فلا يذهَبْ عليك أن هذا التنزيلَ إنما يناسِبُ اعتباره أن لو كان في الحكايةِ دون المحكيِّ.\n﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوةَ لك ولا عزَّةَ فيما بيننا، وفي قولهِ: ﴿فِينَا﴾ نوعُ تقويةٍ لما أرادوه من إثباتِ العجزِ له عن المدافعةِ، كأنهم يقولونَ: إنك لستَ بخارجٍ عنا حتى لا تَصِلَ إليك أيدينا، ولا قوةَ في نفسكَ، فلا مانِعَ ولا دافِعَ لا من جهةِ شأنكَ، ولا من جهةِ مكانِكَ، ولذلك قلَّلوا قومَه حيثُ جعلوهم رهطًا، والرهط من الثلاثةِ إلى العشرةِ، وقيل: إلى السبعةِ.\nوإنما قالوا: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ احترامًا لهم لكونهم على ملَّتِهم، لا خوفًا منهم، ولدفع (^١) هذا الوهم عبروا عنه بالرهطِ دون العشيرةِ والقبيلَةِ ونحو ذلكَ.\nوالرجم: الرمي بالحجارةِ، والمرادُ قتلُهُ به، يعني: قتلناك شرَّ قتلةٍ بأصعبِ وجهٍ، وهذا ديدنُ السفيه المحجوجِ يقابلُ الحججَ والآياتِ بالسبِّ والتهديدِ.\n﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾؛ أي: لستَ علينا بممتنِعٍ فلا نقدِرَ على رجمِك، وهذا هو المناسبُ لسياق الكلامِ، وعلى هذا لا مفهومَ فيهِ، ومن فهِمَ منه المفهوم قائلًا: (كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيز بل رهطُكَ هم الأعزةُ علينا)، فقد حمَلَ العزة على الكرامةِ على ما صرَّحَ بهِ حيث قالَ: (أي: لا تعزُّ علينا ولا تكرَمُ حتى نكرِمَك عن الرجمِ)، فقد غفِلَ عن أن المناسِبَ حينئذٍ أن يقولوا: عندَنا، بدلَ: ﴿عَلَيْنَا﴾.\nومنطوقُ قولهم: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أغنى عن اعتبارِ المفهومِ المذكورِ، لِمَا عرفت أن معناها: ولولا حرمَةُ رهطِكَ وعزتُهم عندنا لرجمناكَ، فاعتبارُه بعد هذا كالاستضاءَةِ بالمصباح بعدَ طلوعِ الصباحِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"ولرفع\".","vol":"5","page":207},{"text":"وإيلاءُ الضمير حرفَ النفي لتقويةِ الحكم وتأكيدِه، كما في قولِه تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وتقديمُ: ﴿عَلَيْنَا﴾ لمحافظةِ الفاصلةِ، وزيادةُ الباء في ﴿بِعَزِيزٍ﴾ لتأكيد النفيِ، وتنكيرُه للتقليلِ أي: ليسَ لك علينا شيءٌ من جنس العزةِ (^١).\nوأما ما قيلَ: وقد دلَّ إيلاء الضميرِ حرفَ النفي على أن الكلامَ واقعٌ في الفاعلِ لا في الفعلِ، كأنهُ قيلَ: وما أنت علينا بعزيزٍ بل رهطُكَ هم الأعزَّةُ علينا، ولذلكَ قال في جوابهم: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، ولو قيلَ: وما عزَزتَ علينا لم يصحَّ هذا الجوابُ.\nفيرِدُ عليه أنه لا دلالةَ له في مفهومِ قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ على أنَّ رهطَهُ هم الأعزةُ، إنما دلالتُه على أنهم هم العزيزونَ؛ لأن المفهوم تابعٌ للمنطوقِ، والمنفيُّ عنه بطريقِ المنطوقِ إنما هو أصلُ العزةِ لا زيادَتُها.\nثم إن قولَهُ: (ولو قيلَ: وما عززت .. الخ) فقد مرَّ ما به يظهرُ أنه ليس بصوابٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1565\"> </span>(٩٢) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ لما كان نبيًّا مبعوثًا من عندِ الله تعالى كانتِ الاستهانة به استهانةً باللهِ؛ لقولِهِ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعَلَ كونَ رهطِه أعزَّ عليهم منه كونَهم أعزَّ من الله؛ لأنَّ أمرَهُ أمرُ اللهِ.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ومن وهم أنه للتعظيم فقد وهم لأنَّه لا يناسب المقام فإنهم في صدد الاستهانة به ﵇. منه\".","vol":"5","page":208},{"text":"ويحتمِلُ الإنكارَ التوبيخيَّ، على أن المعنى: أرهطي أعزُّ عليكم من اللهِ في نظرِكم واعتبارِكم؟\nوالإنكارَ للإبطال (^١)، على أن المعنى: أنهم أعزُّ عليكُم منه تعالى في الواقعِ.\nوعلى الأول يدخُلُ قولُه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أيضًا في حيِّزِ الاستشهادِ.\nوالاتخاذُ: أخذ الشيءِ لأمرٍ يستمرُ في المستأنَفِ؛ كاتخاذِ البيتِ، واتخاذ المركوبِ، فدلالتُه على المعنى المقصودِ أولى من دلالةِ الجعلِ عليهِ (^٢).\nوالظِّهريُّ منسوب إلى الظَّهرِ، كالإمسيِّ منسوبٌ إلى الأمسِ، والكسرةُ في مثل هذا من تغييراتِ النَّسبِ، والكنايةُ عن التركِ وعدم الاعتدادِ به قد (^٣) تمَّت بقولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ﴾ الإنذار (^٤)، وفيه بنسبتِه إلى الظهرِ إتمامٌ (^٥) لحقِّ المبالغةِ، وإفادةٌ لمعنى الإعراض عنه بالكليَّةِ.\n﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: قد أحاط بأعمالِكُم علمًا، فلا يخفى منها شيءٌ، فهو يجازِيكُم عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1566\"> </span>(٩٣) - ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الإبطال\".\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"ومن فسره به فقد نزل الكلام عن منزلته كما لا يخفى، منه\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"فقد\".\n(^٤) في (ف): \"الأنذارا\"، وفي (ك) و(م): \"إلا إنذارا\". ولعل المثبت هو الصواب.\n(^٥) في (م): \"إيماء ما\"، وتحرفت في (ك) إلى: \"إنما هما\".","vol":"5","page":209},{"text":"﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ سبقَ مثلُه في سورة الأنعامِ والفاءُ في ﴿فَسَوْفَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ثمةَ للتصريحِ بأن الإصرارَ والتمكُّن فيما هُم عليهِ سببٌ لذلكَ، وحذِفَ هاهنا للاستئنافِ؛ كأنه قيل: فماذا يكون إذا عمِلنا على مكانتنا وعملتَ أنتَ؟ فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو أبلَغُ من الوصل بالفاءِ.\n﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ قياسُ الكلامِ: ومَن هو صادقٌ، بدل قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ ليكونا قسمَين ينصرِفُ الأولُ إليهِم، والثاني إليهِ، لكنهم لما كانوا يدَّعُونه كاذبًا أجرى الكلامَ على مقتضى زعمِهم فقالَ: ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾؛ أي: على زعمِكُم ودعواكم، وأراد (^١): سوفَ تعلمونَ مَن المعذَّبُ ومَن الكاذِبُ مني ومنكم؛ لأنهم كذَّبوه وأوعَدُوه.\n﴿وَارْتَقِبُوا﴾: وانتظروا ما أقولُ ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: منتظرٌ، فعيلٌ بمعنى الفاعلِ كالصريحِ، أو المراقبِ كالعشيرِ، أو المرتقِب (^٢) كالرفيعِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1567\"> </span>(٩٤) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ إنما (^٣) ذَكرَ ساقَتي (^٤)\n_________\n(^١) في (م): \"أو أراد\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"المتراقب\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق للمصادر. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٢٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٤٧)، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٣٧).\n(^٣) في (ك): \"فيما\"، وفي (ف): \"فما\". والمثبت من (م) وهو الصواب.\n(^٤) في (ف) و(ك): \"ساق\"، وفي (م): \"ساقي\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٤٢٥)، والمراد: الخاتمتين.","vol":"5","page":210},{"text":"قصةِ عادٍ وقصة مدينَ بالواو، وساقَتي (^١) قصةِ ثمودَ ولوطٍ بالفاءِ؛ لأنَّه لم يسبِق فيهما وعدٌ يقتضي التسبيبَ فحقُّهما أن يُعطَفا بحرف الجمعِ عطفَ قصةٍ على قصةٍ، وأما في قصةِ ثمودَ ولوطٍ فقد سبقَ وعدٌ يقتضِي التسبيبَ وهو قولُه في الأولى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وفي الثانية: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ فجيءَ بهما، كما تقولُ: وعدتُه فلما جاء الميعادُ كان كيتَ وكيتَ.\n﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ صاحَ بهم جبريلُ ﵇ صيحةً.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فهلكُوا بحيث لم يبرَحْ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1568\"> </span>(٩٥) - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.\n﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأن لم يقيموا في ديارِهم متردِّدين في تصرفاتهم.\n﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ إنما شبَّهَهم بثمود في هلاكِهم لأنهم أيضًا أهلكوا بالصيحةِ، إلا أن صيحَتهم كانت من تحتِهم، وصيحة مدينَ كانت من فوقِهم.\nوقرئ: (بَعُدَتْ) بالضمِّ على الأصلِ (^٢)، فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيصِ معنى البعدِ بما يكونُ بسببِ الهلاكِ، والبُعْدُ مصدرٌ لهما (^٣)، والبَعَد مصدرُ المكسورِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وساق\".\n(^٢) نسبت للسلمي وأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦١)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٢٧)، و\"البحر\" (١٢/ ٣٤٩).\n(^٣) في (ك): \"مصدرهما\".","vol":"5","page":211},{"text":"<span id=\"aya-1569\"> </span>(٩٦ - ٩٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ له على صدقِ نبوَّتهِ.\nيجوزُ أن يكون المرادُ بالآياتِ: المعجزاتُ، و(سلطان مبين) هو العصا، وإفرادُها (^١) بالذكرِ لأنها أبهرُها.\nويجوزُ أن يُرادَ بهما واحدٌ؛ أي: ولقد أرسلناه بالجامعِ بين كونها آياتٍ، وكونها سلطانًا له على صحَّةِ دعواهُ.\nوالفرقُ بينهما: أنَّ الآياتِ تعمُّ الأماراتِ والدلائلَ القاطعةَ، والسلطانُ يختصُّ بالقاطع (^٢)، والمبينُ: ما فيه جلاءٌ.\n\n<span id=\"aya-1570\"> </span>ومَن وهَم أن المرادَ من الآيات التوراةُ فقد وَهِم، وما فَهِم أنَّ قولَه: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ يأباهُ؛ لأنَّ التوراة نزولُها إنما كان بعدَ هلاك فرعونَ وملئهِ.\n﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ بالكفرِ بموسى، أو: فما اتَّبعوا موسى الهادي إلى الحقِّ المؤيَّدِ بالمعجزات الباهرةِ، واتبعوا طريقةَ فرعونَ البيِّنِ الضلالِ والطغيانِ لفرطِ جهلِهم وغَباوتهم، فإنه ادَّعى ما لا يخفَى على مَن له أدنى تمييزٍ وفطنةٍ إحالتُه (^٣)، وهو الإلهيةُ مع كونه بشرًا حادثًا مثلَهم.\n﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: بمرشِدٍ، أو: بذي رَشَدٍ، إنما هو على صريح ضلالٍ لا رشدَ فيهِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"وأفردها\".\n(^٢) في (ف): \"القاطع\".\n(^٣) في (م): \"أصالته\".","vol":"5","page":212},{"text":"<span id=\"aya-1571\"> </span>(٩٨) - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.\n﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتقدَّمُهم إلى النارِ كما كان تقدَّمهم (^١) في الدنيا إلى الضلالِ؛ يقالُ: قَدَمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ، ومنهُ قادِمةُ الرحلِ، كما يُقالُ: قَدَّمهُ، بمعنى: تقدَّمهُ (^٢)، ومنهُ مقدِّمةُ الجيشِ.\nتفسيرٌ وبيانٌ لعدمِ كونِ أمر فرعونَ (^٣) بصوابٍ حميدِ العاقبةِ، وعُدلَ إلى الماضي فيما عُطفَ عليهِ فقيل: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ مبالغةًّ فَي تحقُّقِ وقوعِه، وشبِّه في جرِّهم إلى النارِ بالفارطِ الذي يتقدَّمُ الواردة، وأتباعُه بالواردةِ الحِراص على الماءِ.\nونزَّلَ (^٤) النارَ لهم منزلةَ الماء فسمَّى إتيانها موردًا، ثم قالَ: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾؛ أي: بئسَ المورودُ الذي وردُوه، فإنهُ يرادُ لتبريدِ الاكبادِ وتسكِين العطشِ والنارِ بالضدِّ (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1572\"> </span>(٩٩) - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.\n﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ﴾؛ أي: في هذه الدُّنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يُلعنونَ في الدنيا والآخرةِ.\n﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ المخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ؛ أي: رِفدُهم، والرفدُ\n_________\n(^١) في (ك): \"يقدمهم\".\n(^٢) \"بمعنى تقدمه\" زيادة من (ك).\n(^٣) بعها في (م): \"برشيد\".\n(^٤) في (م): \"ونزول\".\n(^٥) في (ك): \"بالعكس\".","vol":"5","page":213},{"text":"هو العطيةُ، وأصلُه: الذي يعينُ بهِ على المطلوبِ، قال قتادةُ: تزايدَتْ عليهم لعنتانِ من الله تعالى: لعنةٌ في الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (^١). وكلُّ شيء جعلتَه عونًا لشيءٍ فقد رفدتَه به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1573\"> </span>(١٠٠) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ خبرُه؛ أي: ذلك النبأُ بعض أنباءِ القرى المهلَكة.\n﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ؛ أي: مقصوصٌ عليك (^٢).\n﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ جملةٌ مستأنفةٌ لا محلَّ لها؛ أي: بعضُها باقٍ على أمكنَتِها كالزرعِ القائمِ على ساقٍ، وبعضها باقي الأثرِ كالزرعِ الحصيدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1574\"> </span>(١٠١) - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.\n﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكِنا إياهُم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكابِ الشركِ والمعاصي التي أُهلِكوا بها.\n﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: فما قدرَت أن تدفعَ عنهم بأسَ الله تعالى آلهتُهم ﴿الَّتِي يَدْعُونَ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ أي: التي كانوا يعبُدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: أصنامُهم التي اعتقدُوها آلهةً معبودةً.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ٥٦٦).\n(^٢) \"عليك\" سقط من (ك).","vol":"5","page":214},{"text":"﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: غناءً قليلًا.\n﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: حين جاءَ عذاُبه ونِقمتُه ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تخسيرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1575\"> </span>(١٠٢) - ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلكَ الأخذِ ﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾ وقرئ: (أخَذَ ربُّكَ) بالفعلِ (^١) ويكونُ محلُّ الكافِ النصبَ على المصدرِ.\n﴿إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾؛ أي: أهلَها، وقرئ: (إذ) (^٢) لأن المعنى على الماضي.\n﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ حالٌ من القُرى، وهي في الحقيقةِ لأهلِها، لكنها لما أقيمت مُقامها أُجريَت عليها، وفائدتها الإشعارُ بأنهم أُخِذوا بظلمِهم، وإنذارُ كلِّ ظالمٍ ظلمَ نفسَهُ أو غيرَه من وخامةِ العاقبةِ.\n﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ من بابِ الإسنادِ المجازيِّ؛ لأنَّ الأخذ مؤلمٌ؛ كقولِه: ضربٌ وجيعٌ، ومعناهُ: صعبٌ على المأخوذِ حتى كان الآخذ تألَّمَ (^٣) مِن صعوبَتِه، ولا يخفى ما فيهِ من المبالغةِ في التهديدِ والتحذيرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1576\"> </span>(١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.\n_________\n(^١) نسبت للجحدري وأبي رجاء العطاردي، انظر: \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٥٧٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٠٦).\n(^٢) نسبت للجحدري، انظر: \"تفسير الطبري\" (١٢/ ٥٧٢).\n(^٣) في (ك): \"أليم\".","vol":"5","page":215},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما نزلَ بالأممِ الهالكةِ، أو فيما قصَّهُ اللهُ تعالى ﴿لَآيَةً﴾ لعبرةً ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ لأنهُ ينظُرُ إلى ما نزَلَ بهم بسببِ ذنوبِهم فيعتَبرُ بهِ حالَ الآخرة، ويَعلم من شدَّتهِ شدةَ العذابِ الموعودِ وعظَمهِ فينزَجرُ، وأما الذي ينكِرُ الآخرةَ، أو لا يخطُرُ بباله أهوالها، فلا حظَّ لهُ من ذلك الاعتبارِ.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى يوم القيامةِ لدلالة عذابِ الآخرةِ عليهِ.\n﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ للحسابِ والجزاءِ، و﴿النَّاسُ﴾ فاعلٌ مجموعٌ؛ كأنهُ قيلَ: يومٌ يجمَعُ له الناسُ، والعدولُ من لفظ الفعلِ إلى لفظِ اسمِ (^١) المفعولِ للدلالة على ثباتِ معنى الجمعِ لليومِ، وأنهُ موصوفٌ به صفةً لازمةً لا محالةَ، وأنَّه أثبتُ لإسناد الجمعِ إلى الناسِ؛ لأنَّه يفيدُ أنهم لا ينفكُّون عن الموصوفِ الذي هو ظرفٌ لهم، فهو أبلَغُ من قولِه: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩].\n﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾؛ أي: مشهودٌ فيه، فاتُّسعَ في الظرفِ بإجرائه مجرى المفعولِ بهِ؛ أي: تَشهَدُ فيه الخلائقُ الموقفَ، لا يغيبُ عنه أحدٌ، والمرادُ بالمشهودِ: الذي كثُرَ شاهدوه، كما يقالُ: لفلانٍ مجلسٌ مشهودٌ، وطعامٌ محضورٌ، يريدون الكثرةَ.\nولو جعِلَ اليومُ مشهودًا في نفسِهِ لفاتَ الغرَضُ: وهو التعظيمُ لليومِ وتميُّزُه فإن سائرَ الأيام كذلكَ، والتهويلُ الحاصلُ من عدَمِ ذكر المشهودِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1577\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.\n_________\n(^١) \"اسم\" سقط من (ك).","vol":"5","page":216},{"text":"﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾؛ أي: اليومَ ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾: إلا لانتهاءِ مدةٍ معهودةٍ (^١) قليلةٍ، على حذفِ المضافِ، وإرادةِ مدَّة التأجيلِ كلِّها بالأجَلٍ، لا منتهاها فإنه غيرُ معدودٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1578\"> </span>(١٠٥) - ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.\n﴿يَوْمَ يَأْتي﴾ وقرئ بكسرِ التاءِ والاكتفاءِ بالكسرة عن الياءِ (^٢)، والفاعلُ هو الله تعالى؛ كقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويؤيده قراءةُ: (وما يؤخِّره) بالياءِ (^٣) وقولُهُ: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أو اليوم كقولِه: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ (^٤) [يوسف: ١٠٧]، والمرادُ من إتيانِ اليومِ: إتيانُ أهوالِه (^٥) وشدائدِه، فلا يلزَمُ أن يكونَ الزمانُ ظرفًا لنفسِه.\nوالعاملُ في الظرفِ: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ أو الانتهاء المحذوف؛ أي: ينتهي الأجلُ يومَ تأتي، فلا حاجةِ إلى تقديرِ: اذكُر.\n﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾: لا تتكلمُ بما ينفَعُ وينجي من جوابٍ أو شفاعةٍ.\n﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: إلا بإذنِ الله تعالى؛ كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وهذا في موقفٍ، وقولُه: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥، ٣٦] في\n_________\n(^١) في (ك): \"معدودة\".\n(^٢) قرأ عاصِم وابن عامر وحمزة: ﴿يَأتِ﴾ بِغَيْر ياء، وأثبتها في الحالين ابن كثير، وأثبتها في الوصل نافع وأبو عَمرو والكسائيّ. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٧).\n(^٣) نسبت للأعمش. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٠٦)، و\"البحر\" (١٢/ ٣٥٩).\n(^٤) في النسخ: \"إلا أن تأتيهم الساعة\"، وليس هناك آية بهذا اللفظ.\n(^٥) في (ك): \"هوله\".","vol":"5","page":217},{"text":"موقفٍ آخرَ، وقولُه: ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ (^١) في موقفٍ آخرَ، وقوله: ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٦٥] في موقفٍ آخرَ.\nولما كان القولُ بتعدُّدِ المواقفِ مما لا بدَّ منه توفيقًا بين الآيات المذكورةِ فلا حاجةَ إلى تخصيصِ الممنوعِ عنه بالأعذارِ الباطلةِ، والمأذونِ فيه بالجواباتِ الحقة، بل لا وجه لهُ؛ لأن الشفاعةَ أيضًا مأذونٌ فيها، وليسَت من جنس الجوابِ.\n﴿فَمِنْهُمْ﴾ الضميرُ للناسِ المذكورِ، أو لأهلِ الموقفِ المدلولِ بقولِه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾.\n﴿شَقِيٌّ﴾ وجبَت له النارُ بمقتضَى الوعيدِ؛ تفصيلٌ لما فهِمَ من قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ انقسامُهم إلى قسمين إجمالًا، وتقديمُ الشقيِّ على السعيدِ لأنَّه المفهومُ أولًا في مرتبة الإجمالِ.\n﴿وَسَعِيدٌ﴾: وجبَت له الجنةُ بمقتضَى الوعدِ، والأصلُ: ومنهم سعيدٌ، فحذِفَ (منهم) اختصارًا، والتنكيرُ فيها للنوعيةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1579\"> </span>(١٠٦) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ شروع في تفصيلِ أحوالِ الصنفَينِ المذكورَين بعدَ تفصيلِهما.\n﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ تقديم الظرفَين (^٢) للتخصيصِ ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ الزفيرُ: إخراج النفَسِ،\n_________\n(^١) في النسخ: \"يجادلون عن أنفسهم\"، وليس هناك آية بهذا اللفظ.\n(^٢) في (ك): \"الظرف\".","vol":"5","page":218},{"text":"والشهيقُ: ردُّهُ، واستعمالهما في أولِ الشهيقِ وآخرِه، وهما من أصواتِ المكروبين، ففيهِ تشبيهُ حالهم بحالِ مَن استولتِ الحرارةُ على قلبهِ، وانحصَر فيهِ روحُه؛ للدلالةِ على شدَّةِ كربهم وغمِّهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1580\"> </span>(١٠٧) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ انتصابُ ﴿خَالِدِينَ﴾ على أنها حالٌ مقدَّرةٌ، و﴿مَا﴾ مصدريَّةٌ ظرفيةٌ؛ أي: مدةَ دوام السماواتِ والأرضِ.\nوالمراد بهذا التوقيتِ التأبيدُ، على طريقةِ العربِ في قولهم: ما أقام ثبيرٌ، وما لاح كوكَبٌ، وغير ذلكَ مما يذكرُونَه في مقام المبالغةِ في نفي الانقطاعِ، ولا يسبِقُ إلى الفهمِ منها إلا التأبيدُ، لا تعليقُ مدَّتها بمدةِ بقائها.\nويجوزُ أن يرادَ التعليقُ، على أن المرادَ من السماوات والأرضِ: سماواتُ الآخرةِ وأرضُها، فإنه لا بدَّ لأهلِها من مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، ولا يلزَمُ في (^١) التعليق بهما علمُنا بكيفياتهِما، بل يكفي تعقُّلُ أبديَّتِهم بين مُقِلَّةٍ ومُظِلَّةٍ، وهو معلومٌ من النصوصِ، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقولِه تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وليسَ فيه تشبيهُ ما يُعرَفُ بما لا يعرفُ كما توهِّمَ.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناءٌ من الخلودِ في عذاب النارِ؛ لأن الكفارَ يُنقلونَ من حرِّ النار إلى بردِ الزمهريرِ، والردُّ بأن النارَ عبارةٌ عن دارِ العقابِ غيرُ واردٍ؛\n_________\n(^١) في (ك): \"من\".","vol":"5","page":219},{"text":"لأنَّا لا ننكِرُ استعمال النارِ فيها تغليبًا، أما دَعوى الغلبةِ حتى يُهجَر الأصلُ فكلَّا، ألا يُرى إلى قولِه تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وكم كم (^١)؟\nوأمَّا ما قيلَ: لأن بعضَهم وهو فسَّاقُ الموحِّدين يخرُجون منها، وذلك كافٍ لصحَّةِ الاستثناء؛ لأنَّ زوالَ الحكمِ عن الكلِّ يكفيهِ زوالُه عن البعضِ، وهم المرادُ بالاستثناءِ الثاني فإنهم مفارِقون عن الجنَّةِ أيامَ عذابِهم، فإن التأبيدَ من مبدأ معيَّنٍ ينتقِضُ باعتبارِ الابتداء كما ينتقِضُ باعتبارِ الانتهاء.\nففيه: أنَّ موجِبَ ذلك اندراجُ الفسَّاقِ في القسمَينِ فيفوتُ ما قُصِدَ بالتنكيرِ من التنويعِ والتميزِ بينهُما بحيث لا يندرِجُ أحدُهما في حكمِ الآخرِ، والتقابلُ المتعارَفُ بينهُما المفهومُ (^٢) من قولهِ ﵊: \"السعيدُ سعيدٌ في بطنِ أمِّهِ، والشقيُّ شقيٌّ في بطنِ أُمِّه\" (^٣) يأبى عن الجمعِ بينهُما بالاعتبارَينِ.\nثم إن الزفيرَ والشهيقَ من خواصِّ الكفارِ، وعلى ما ذكِرَ يلزَمُ تشريكُ الفساقِ معهم فيها (^٤).\nوأما ما ذكرَهُ ثانيًا ففيهِ: أنه لا دلالةَ في اللفظِ على المبدأ المعيَّنِ، ولو سلِّمَ فالاستثناءُ يقتضي إخراجًا عن حكمِ الخلودِ، وهو لا محالةَ بعد الدخولِ، ولا يجوزُ\n_________\n(^١) نقله الآلوسي في \"روح المعاني\" (١٢/ ١١٥ - ١١٦) بحرفه عن \"الكشف\" للقزويني.\n(^٢) \"المفهوم\" ليست في (ك).\n(^٣) رواه البزار في \"مسنده\" (٢١٥٠) من حديث أبي هريرة، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٩٣)، وطرفه الأول رواه مسلم (٢٦٤٥) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا، ورفعه ابن ماجه (٤٦) بإسناد ضعيف كما قال البوصيري في \"الزوائد\".\n(^٤) \"فيها\" سقط من (ك).","vol":"5","page":220},{"text":"أن يكون الاستثناءُ من قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ لأنَّ حق النظمِ حينئذٍ أن يقدَّمَ قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ على قولِهِ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ فلا يتَّجهُ الاعتراضُ عليهِ في تخصيصِه بعضَ أوقات الشقاءِ بأحدِ نوعَي العذابِ، وبعضَها بنوعِه الآخَرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1581\"> </span>(١٠٨) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وقرئ: ﴿سُعِدُواْ﴾ على البناء للمفعول (^١) من: سَعَده اللهُ، بمعنى: أسعدَهُ.\n﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال الزجَّاجُ: هذا من باب: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] و﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] (^٢).\nوقيل: أهل الجنةُ ينعَّمونَ بما هو أعلى من الجنةِ؛ كالاتِّصالِ بجناب القدسِ، والفوزِ برضوان اللهِ تعالى ولقائه. ورُدَّ بأن ما ذُكرَ يحصُلُ وهم في الجنةِ، فيأبى الاستثناء.\n﴿عَطَاءً﴾ نصبٌ على المصدرِ المؤكِّدِ؛ أي: أُعطوا عطاءً، أو الحالِ من الجنةِ.\n﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غير مقطوعٍ، وهو تصريحٌ بأن الثوابَ لا ينقطِعُ، وتنبيهٌ على أن المرادَ من الاستثناءِ هاهنا ليس الانقطاعَ، وقولُه في الأشقياءِ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا\n_________\n(^١) قراءة حفص وحمزة والكسائي، والباقون على البناء للمعلوم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٦).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٧٩)، و\"فتوح الغيب\" للطيبي (٨/ ٢٠٣)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ١١٨).","vol":"5","page":221},{"text":"يُرِيدُ﴾ في مقابلةِ هذا القولِ في السعداءِ يرجِّحُ نقل الأشقياءِ إلى ما هو أغلَظُ من عذاب النارِ من عقوباتٍ يقتَضِيها سخَطُ اللهِ تعالى، وما يعلمها إلا هو.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1582\"> </span>(١٠٩) - ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.\n﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ المريةُ: التردُّدُ الحاصِلُ مع الشكِّ، لما قصَّ ﵇ قصصَ عبدةِ الأوثانِ وما حلَّ بهم من أنواعِ العذابِ والنقَمِ أقبلَ عليه مسلِّيًا (^١) بقولِه هذا؛ أي: لا تكُن في تردُّدٍ بعدما أُنزِلَ إليكَ من (^٢) سوءِ عاقبة قومِكَ، ووبالِ عبادتهم الأوثانَ.\n﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾: من عبادةِ هؤلاء المشركينَ في أنها ضلالٌ مؤدٍّ إلى مثل ما حلَّ بمن قبلَهم ممن قصَصْتُ عليكَ سوءَ عاقبةِ عبادَتِهم، أو من حالِ ما يعبدون في أنه يضرُّ ولا ينفَعُ.\n﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ استئنافٌ لتعليل النهي من المريةِ؛ أي: إن حالهم في الشركِ مثلُ حالِ آبائهم من غيرِ تفاوتٍ، وقد بينَّا لك ما نزلَ بآبائهم بسببِه، فينزِل (^٣) عليهم مثلُه؛ لأن التماثُلَ في الأسبابِ يقتضي التماثلَ في المسبَّباتِ.\nومعنى ﴿كَمَا يَعْبُدُ﴾: كما كان يعبد، فحذِفَ لدلالةِ ﴿قَبْلُ﴾ عليهِ.\n_________\n(^١) في (ف): \"متلبسًا\"، وفي (م): \"متسليًا\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"في\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"فينزلن\".","vol":"5","page":222},{"text":"﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: حظَّهم من العذابِ كما وفَّينا آباءهم أنصباءَهم، أو من الرزق فيكونُ عذرًا لتأخيرِ العذابِ عنهم (^١) مع قيامِ مُوجِبِه.\n﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ نصب حالًا عن النصيبِ تقييدًا له؛ لدفعِ احتمالِ أن يكونَ منقوصًا في حدِّ نفسِه عما يستحقُّونَه، وتَوفِّيه لا يدفَعُ هذا الاحتمالَ، ومَن لم يتنبَّه لهذا قالَ: إنهُ لتقييدِ التوفيةِ؛ فإنك تقولُ: وفيتُه حقَّهُ، وتريدُ به وفاءَ بعضِه ولو مجازًا.\nوأمَّا مَن قالَ (^٢): يجوزُ أن يوفَّى وهو ناقصٌ، ويوفَّى وهو كاملُ، ألا تراكَ تقولُ: وفيتُه شطرَ حقِّهِ، وثلُثَ حقِّه، وحقَّهُ كاملًا وناقصًا= فلم يُصِب في التنويرِ؛ لأن أوَّلهُ بمعزِلٍ عما فيه الكلامُ، وآخرَه ليس بتمام؛ كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1583\"> </span>(١١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فآمَن به قومٌ، وكفر به قومٌ، كما اختلَف هؤلاء في القرآن.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: قضاءٌ سبقَ بتأخيرِهم إلى يوم القيامةِ.\n﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بينَ قوم موسى ﵇، أو: بينَ قومِكَ، وميّزَ بين المحقِّ والمبطِل.\n﴿وَإِنَّهُمْ﴾: وإن كفَّارَ قومِكَ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾: من القرآنِ ﴿مُرِيبٍ﴾: موقعٍ في الريبةِ والقلَقِ، وهذه الآيةُ من جملة التسليةِ له ﵇.\n_________\n(^١) \"عنهم\" سقط من (ك).\n(^٢) هو الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٢).","vol":"5","page":223},{"text":"<span id=\"aya-1584\"> </span>(١١١) - ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\n﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾: التنوينُ عوَضٌ عن المضاف إليهِ؛ أي: جميعُ المختلفينَ فيهِ المؤمنينَ والكافرينَ، وقرئ بالتخفيف (^١) على إعمالِ المخفَّفةِ اعتبارًا للأصلِ.\n﴿لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾: اللام الأُولى موطِّئةٌ للقسَمِ والثانية للتأكيدِ، أو بالعكس، و(ما) مزيدةٌ بينَهُما للفصلِ.\nوقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (^٢) على أن أصلَهُ: (لَمِن ما) فقلبَتِ النونُ ميمًا للإدغامِ، فاجتمعَتْ ثلاثُ ميماتٍ، فحذفَت أولاهن، والمعنى: لَمِن الذين يوفينَّهم ربُّكَ جزاءَ أعمالهم.\nوقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتنوين (^٣)؛ أي: جمعًا، وقرئ: (وإنْ كلٌّ لمَّا) على أنَّ (إنْ) نافية و(لمَّا) بمعنى: إلا (^٤)، وقد قُرئ به (^٥).\n﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يفوتُ شيءٌ منهُ وإن خَفِي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1585\"> </span>(١١٢) - ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ لمَّا بيَّنَ أمرَ المختلِفِين في التوحيدِ والنبوةِ، وبالغَ في الوعد والوعيدِ، أمر نبيَّهُ ﵇ بالاستقامةِ كما أُمرَ به في العقائدِ والأعمالِ من\n_________\n(^١) قراءة نافع وابن كثير وأبي بكر، والباقون: ﴿وَإِنَّ﴾ بالتشديد. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٦).\n(^٢) قراءة عاصم وحمزة وابن عامر، وخففها الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٦).\n(^٣) نسبت للزهري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦١).\n(^٤) نسبت لأبي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٢).\n(^٥) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٢).","vol":"5","page":224},{"text":"وظائفِ العباداتِ، والتبليغِ كما أُنزِلَ إليهِ، وبيانِ الشرائعِ جامعًا بين التنزيهِ والتشبيهِ في التوحيد (^١)، محترِزًا عن الإفراطِ والتفريط في الأعمالِ، محتاطًا في التبليغِ والتشريعِ، والفاءُ للسببيةِ؛ أي: إذا كان جزاءُ الكلِّ عليهِ لا عليكَ، فاستقِم أنت فيما أُمِرت بهِ، والكافُ في محلِّ النصبِ صفةٌ للمصدرِ؛ أي: استقامةً مثل الاستقامةِ التي أُمِرت بها.\n﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾: عطفٌ على المستترِ في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وحسُنَ من غيرِ تأكيدٍ للفصلِ؛ أي: فليستقِم مَن تاب معكَ من الكفرِ، وآمَن في اتِّباعه في العقائدِ والأعمالِ سالكًا سبيلَ الأمرَينِ دونَ ما هوَ مخصوصٌ بهِ ﵇.\nولِمَا في هذه الضَّميمَةِ من تبليغِ ذلكَ الأمرِ العسير إلى غايةِ العسرِ (^٢) قالَ النبيُّ ﵇: \"شيَّبتْني سورةُ هودٍ\" (^٣)؛ أي: خصَّ هذه السورةَ بالذكرِ، وإلا فالأمرُ بالاستقامة واردٌ في سورة الشعراءِ.\n﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: ولا تخرجُوا عما حدَّ لكم فتعتَدوا.\n﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فهو مجازِيكم به، وهو في معنى التعليلِ للأمرِ والنهيِ.\n_________\n(^١) \"في التوحيد\" من (م). ولعل المراد من العبارة: (جامعًا بين التنزيه والتأويل)، على مذهب الخلف، أما البيضاوي فعبارته: (كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصونًا من الطرفين) وقال الشهاب: (والتوسط بين التشبيه والتعطيل - أي: للصفات - هو مذهب أهل الحق). انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٤٢).\n(^٢) في (ك): \"العسر غاية العسر\"، وفي (ف): \"العسر\" وسقط الباقي.\n(^٣) رواه الترمذي (٣٢٩٧) وحسنه من حديث ابن عباس ﵄، ولفظه: \"شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت\".","vol":"5","page":225},{"text":"وفي الآيةِ دليل على وجوب اتباعِ النصوصِ من غيرِ تصرُّفٍ وانحرافٍ بمجرَّدِ الرأي، وأما التصرُّفُ بمقتضى الاجتهادِ فيما يُحتاج إليهِ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ، بل مأمورٌ به على ما وردَ به النصوصُ، والتصرُّفُ بالقياسِ والاستحسانِ من المجتهدينَ من هذا القبيلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1586\"> </span>(١١٣) - ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الركونُ: الميل اليسيرُ؛ أي: ولا تميلوا ميلًا مّا إلى مَن وجِدَ منه ظلمٌ، ولم يقل: إلى الظالمينَ للمبالغةِ في النهيِ، كأنه قيلَ: لا يوجد منكُم أدنى ميلةٍ إلى مَن صدرَ منهُ وقتًا مّا ظلم مّا فضلًا عن الميلِ الكثيرِ إلى الذين عادتُهم الظلمُ، فكيفَ بالظلمِ؟\nويتناوَلُ مصاحبَتهم، ومداهنتَهم في أعمالِهم، والانحطاطَ إلى هواهُم، والتزيِّيَ بزيِّهم، ومدَّ العين إلى زمرتِهم، وتعظيمَهم (^١)، وإنما قالَ: ﴿إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ دون: إلى الذي ظلَمَ؛ لأن كونَهم جماعةً مظِنَّةُ الرخصةِ في مداهَنتِهم، فالنهيُ عن ركونِهم أبلَغُ، والآيةُ أبلغُ ما يتصوَّرُ في النهي عن الظلم والتهديدِ عليهِ.\n﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بالركونِ إليهم، وخطابُ الرسولِ ﷺ للتثبيتِ على الاستقامةِ التي هي العدلُ، وإيعادُهم بالنار مع سلبِ الولاية والنصرة عنهُم عند أدنى انحرافٍ منهم عن جادَّةِ العدلِ إلى مَن وجِدَ منهُ ضدُّهُ، مع كونِه ﵇ أحبَّ الخلائق\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"وتعظمهم\".","vol":"5","page":226},{"text":"إليهِ، زيادةُ تأكيدٍ في المبالغةِ، فإن الميل إلى أحدُ طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ في نفسِه سواءٌ كان على نفسِ الظالم أو غيره.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: من أنصارٍ يمنعونَكُم مِن عذابهِ، حالٌ من قولِه: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وإنما أتى بصيغَةِ الجمعِ لمكان ﴿لَكُمْ﴾ وإلا فنفيُ المفرَدِ أبلغُ.\n﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ هو أيضًا إذا سبقَ حكمُهُ بتعذيبِكُم فلا يبقى عليكُم، ومعنى ﴿ثُمَّ﴾ استبعادُ نصرَتِه لهم بعدَ الحُكمِ باستيجابِهم العذابَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1587\"> </span>(١١٤) - ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: غدوةً وعشيةً، وانتصابُه على الظرفيةِ لإضافتِه إلى الوقتِ.\n﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: وساعاتٍ منه قريبةٍ من النهارِ، فإنه مِن أزلفَه إذا قرَّبهُ، وهو جمع زلفةٍ، عطفٌ على طرفي النهارِ، وإن فسر بـ: قُرَب (^١)، فالوجهُ أن يعطفَ على ﴿الصَّلَاةَ﴾ (^٢)؛ أي: وأقم صلواتٍ تتقرَّبُ بها إلى اللهِ تعالى في بعض الليلِ، وصلاةُ الغدوة: الفجرُ، وصلاة العشية: الظهرُ والعصرُ؛ لأن ما بعد الزوالِ عشيٌّ، وصلاة الزُّلَفِ: المغربُ والعشاءُ.\n_________\n(^١) في النسخ: \"بقربى\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٥)، وفيه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: وقُرَبًا من الليل …). وضبطها من نسخة خطية ضبطها جيد لـ \"الكشاف\".\n(^٢) أي: أقم الصلاة طرفي النهار وأقم زلفًا من الليل. انظر المصدر السابق.","vol":"5","page":227},{"text":"وقرئ: (زُلْفَى) بمعنى: زُلفَة (^١)؛ كقُربى وقُربةٍ.\n﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾: يكفِّرنها، وفي الحديثِ: \"إن الصلاةَ إلى الصلاةِ كفارةٌ لما بينهُما ما اجتنبتِ الكبائرُ\" (^٢)، أو ينفينَ السيِّئاتِ بمعنى: يُزِلن استعدادَ ارتكابِها كقولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى قولهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ وما بعدَه ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾: عظةٌ للمتَّقينَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1588\"> </span>(١١٥) - ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَاصْبِرْ﴾ كرَّرَ التذكيرَ بالصبرِ بعد ما جاءَ بما هو خاتمةٌ للتذكيرِ؛ للدلالةِ على فضيلة الصبرِ وزينتِه (^٣)، والتنبيهِ على علوِّ شأنِه ومكانتِه، كأنهُ قالَ: وعليكَ بما هو أهمُّ بما ذكِّرت بهِ، وأخَصُّ بالتوصيةِ في بابه، وهو الصبرُ على امتثالِ ما أُمِرتَ بهِ، والانتهاءِ عما نهيتَ عنهُ، فلا يتمُّ شيءٌ إلا به.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: تعميمٌ كالتعليلِ بالبرهانِ للأوامرِ والنواهي المذكورةِ من قولِهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾، وإنما عدلَ عن الضميرِ إيماءً إلى أن الصلاةَ والصبرَ إحسانٌ إلا أنه لا يُعتدُّ بهما دونَ الإخلاصِ به.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لمجاهد وابن محيصن. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢١٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) في (ك): \"ومرتبته\".","vol":"5","page":228},{"text":"<span id=\"aya-1589\"> </span>(١١٦) - ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿فَلَوْلَا كَانَ﴾ (لولا) هنا للتحضيضِ، ضمَّنَها معنى التوجُّعِ والتأسُّفِ الذي ينبغِي أن يقعَ من البشرِ على هذه الأممِ الذي لم تهتَدِ.\n﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: أولو فضلٍ وصبرٍ، وإنما سمِّي بقيةً لأن الرجل يستبقِي مما يخرجِهُ (^١) أجودَه وأفضلَهُ، فصارَ مثلًا في الجودة والفضلِ، ومنه قولهم: في الزوايا خبايا، وفي الرجالِ بقايا، وقوله ﵇ في العباس ﵁: \"هذا بقيَّةُ آبائي\" (^٢).\nويجوزُ أن يكونَ مصدرًا كالتقيَّة (^٣)؛ أي: ذوو إبقاءٍ على أنفُسِهم وصيانةٍ لها من العذابِ، ويؤيدهُ أن قرئ: (بَقْيَةٍ) (^٤)، وهي المرةُ مصدرُ بَقَاه يَبْقِيهِ: إذا راقبه.\n﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾؛ أي: ولكنَّ قليلًا ممن أنجينا من القرونِ نهوا عن الفساد وأكثرُهم تاركون للنهيِ، على أن (مِن) للبيانِ لا\n_________\n(^١) في (ف): \"مما يحترمه\".\n(^٢) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٢٢١٢) عن مجاهد مرفوعًا مرسلًا، والطبراني في \"الكبير\" (١١١٠٧) من حديث ابن عباس، وفي \"الأوسط\" (٤٢٠٩) من حديث الحسن بن علي، ﵃، وفي إسناديهما ضعف.\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥١). وعند غير البيضاوي فيه تفصيل، ولفظه: (ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوى كالتقية بمعنى التقوى). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٧)، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٤٦)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ١٥٥).\n(^٤) ذكرها الزمخشري دون نسبة، انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"5","page":229},{"text":"للتبعيضِ؛ لأن النجاةَ إنما هي للناهينَ وحدَهم؛ لقولِه: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥].\nولا يجوزُ أن يكون الاستثناءُ متَّصلًا على الظاهر؛ لفسادِ المعنى؛ لأنَّه يكونُ تحضيضًا لأولي البقية على النهيِ عن الفسادِ إلا للقليلَ من الناجينَ منهم (^١)، ولكن إن استثني من النفي اللازمِ للتحضيض جازَ كونُه متصلًا؛ كأنه قيلَ: ما كان من القرونِ أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ إلا قليلًا، وإن كان الأفصَحُ أن يُرفَعَ على البدلِ.\n﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: تركوا النهيَ عن المنكراتِ ﴿مَا أُتْرِفُوا﴾ ما أُنعِموا ﴿فِيهِ﴾ منَ الشهواتِ، واهتمُّوا بتحصيلِ أسبابها، وأعرَضُوا عما وراء ذلكَ.\n﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافرينَ، كأنه أرادَ أن يبينَ ما كان السببَ لاستئصالِ الأممِ السالفةِ، وهو فشوُّ الظلمِ فيهم (^٢)، واتِّباعُهم للهوى مع الكفرِ.\nو﴿وَاتَّبَعَ﴾ عطفٌ على مضمرٍ دلَّ عليه الكلامُ، إذ المعنى: فلم ينهوا عن الفسادِ واتبعَ الذين ظلَموا …\n﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ عطفٌ على ﴿أُتْرِفُوا﴾؛ أي: اتَّبعوا ما أترِفوا فيهِ وعادتُهم التمادي في الإجرامِ، أو على ﴿اتَّبِعْ﴾، أو اعتراضٌ (^٣).\n_________\n(^١) كما تقوله: (هلا قرأ قومك القرآن إلا الصلحاء منهم، تريد استثناء الصلحاء من المحضَّضين على قراءة القرآن). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٧).\n(^٢) في (م): \"منهم\".\n(^٣) في (م): \"واعتراض\"، وسقطت الجملة من (ف) و(ك)، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٣٨)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ١٥٩). قال الزمخشري: (ويجوز أن يكون اعتراضًا وحكمًا عليهم بأنهم قوم مجرمون). وقال الآلوسي: (وأن تكون الجملة اعتراضًا بناء على أنه قد يكون في آخر الكلام عند أهل المعاني).","vol":"5","page":230},{"text":"وقرئ: (وأُتبعَ) (^١)؛ أي: وأتبِعوا جزاءَ ما أُترِفوا، فيكونُ الواو للحالِ، ويجوز أن يفسَّرَ به المشهورةُ، ويعضدُه تقدُّمُ الإنجاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1590\"> </span>(١١٧) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ اللامُ لتأكيدِ النفي ﴿بِظُلْمٍ﴾ حالٌ من الفاعلِ، والتنكيُر للتعظيمِ، والإشارةِ إلى أن إهلاكَ المصلِحينَ ظلمٌ عظيمٌ، ولذلكَ أكدَ النفيَ باللامِ، وكذا إن فسِّرَ الظلمُ بالشركِ، والباء للسببيةِ؛ أي: لا يهلِكُكم بسببِ ظلمٍ أعظمَ منهُ.\n﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: حالَ كونِهم مصلِحين ما بينَهم بالعدالةِ؛ لكمالِ رأفَتِه ورحمَتِه بالعبادِ ومساهلَتِه في حقِّهِ، ومن ثمةَ قدَّمَ الفقهاءُ عند تزاحُمِ الحقوقِ حقوقَ العبادِ؛ أي: وما صحَّ أن يهلِكَ ربُّكَ القرى ظالمًا لها تنزيهًا لذاتِه من الظلمِ، أو بسببِ شركِ أهلِها ما لم يضمُّوا إلى الشركِ إفسادًا فيما بينهُم، ولذلك قيلَ: المُلك يبقَى مع الكفرِ، ولا يبقَى مع الظلمِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1591\"> </span>(١١٨) - ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملةِ الإسلام كُلِّهم، وهو دليل على أن الأمرَ لا يستلزِمُ الإرادةَ، وأنَّه تعالى قادرٌ على إيقاعِ ما أرادَهُ في الخصوصِ المذكورِ، وأمَّا أنَّ كلَّ ما أرادَهُ يجِبُ وقوعُه فلا دلالةَ فيما ذُكِر عليهِ.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦١)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٣١).","vol":"5","page":231},{"text":"﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: بعضُهم على الحقِّ، وبعضُهم على الباطلِ كما ترى (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1592\"> </span>(١١٩) - ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: إلا قومًا هداهم الله تعالى مِن فضله فاتَّفقوا على دين الحقِّ وملةِ التوحيدِ.\n﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ الضميرُ للقومِ، والإشارةُ إلى الاختلافِ، واللامُ للعاقبةِ؛ أي: ولِمَا هم عليه من الاختلافِ خلقَهم؛ ليتميَّز المحِقُّ من المبطِل، ويترتَّبَ الثوابُ والعقابُ على العقائدِ والأعمال.\n﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾: وعيدُه، أو قولُه للملائكةِ:\n﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؛ أي: مِن عصاتِهما ﴿أَجْمَعِينَ﴾: لا مِن أحدهما؛ ففيه دفعُ (^٢) احتمالِ أن يكونَ الإملاءُ من أحدِهما، ويضافَ إليهما؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] والمرادُ استيعابُ الصِّنفَين لا استيعابُ أفرادِهما.\n* * *\n\n(١٢٠) - ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"كما ترى\" ليست في (ك).\n(^٢) في (م): \"رفع\".","vol":"5","page":232},{"text":"﴿وَكُلًّا﴾ مفعولُ ﴿نَقُصُّ﴾ في: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ والتنوينُ بدلٌ من المضافِ إليهِ؛ أي: نبأ.\nوقولُهُ: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ بيانُ ﴿وَكُلًّا﴾ (^١)؛ أي: نخبرُك به ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بدل منهُ (^٢).\nأو ﴿وَكُلًّا﴾ مصدرٌ، أي: وكلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، على معنى: وكلَّ نوعٍ وأسلوبٍ من أنواع القَصصِ وأساليبِه نقصُّ عليكَ، و﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ﴾ مفعولُ ﴿نَقُصُّ﴾.\nومعنى تثبيت فؤادِه ﵇: طمأنينةُ قلبهِ، وزيادةُ يقينهِ، والتأسِّي بهم في الثباتِ والصبرِ على تبليغ الرسالةِ وتحمُّلِ الأذى؛ كقولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وذلكَ لأنَّ المشاركة في الأمورِ الصعبةِ تهوِّنُ ما يلقى الإنسان من الأذى، والإعلامُ بما جرى على المكذِّبين من العقوباتِ المستأصِلةِ بأنواعِ العذابِ مِن غرقٍ وريحٍ ورجفةٍ وخسفٍ (^٣) فيهِ طمأنينة النفسِ (^٤) وتثبيتٌ.\n﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ السورةِ، أو: الأنباءِ المقتصَّةِ عليكَ ﴿الْحَقُّ﴾: ما هو الحقُّ ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى﴾ إشارةٌ إلى سائرِ فوائده العامَّةِ، وإنما قالَ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذ لا ينتَفِعُ بها إلا المؤمن.\n* * *\n_________\n(^١) قوله: \"بيان كلا\"، منعه الآلوسي، وجعله بيان المحذوف المضاف إلى (كل)، فقال: وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ صفة لذلك المحذوف لا لـ ﴿وَكُلًّا﴾؛ لأنها لا توصف في الفصيح كما في \"إيضاح المفصل\". انظر: \"روح المعاني\" (١٢/ ١٦٨).\n(^٢) في النسخ: \"بدلًا منه\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (١٢/ ١٦٨).\n(^٣) \"وخسف\" سقط من (ك).\n(^٤) \"النفس\" سقط من (ك).","vol":"5","page":233},{"text":"<span id=\"aya-1593\"> </span>(١٢١) - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾.\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1594\"> </span>(١٢٢) - ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.\n﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا الدوائرِ ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أن ينزِلَ بكُم ما نزَلَ على أمثالِكُم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1595\"> </span>(١٢٣) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خاصةً دونَ غيرِه، ولا يخفى عليه خافيةٌ فيهِما فلا يخفى عليهِ أعمالُكم.\n﴿وَإِلَيْهِ﴾ خاصَّةً لا إلى غيرِه ﴿يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فلا بدَّ أن يرجِعَ إليه أمرُكَ وأمرُهم، فينتقِم لك منهم.\n﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فإنه كافيكَ، وتقديمُ العبادةِ على التوكلِ للتنبيه على أن التوكلَ إنما لا (^١) يصحُّ إلا بعد تخصيصِه بالعبادةِ، والانسلاخِ عن أفعال النفسِ إلى المأمورِ به.\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أنتَ وهم، فيجازيكَ بما تستحقُّ من الثوابِ، ويجازيهم بما يستحقُّون من العقابِ، والله أعلَمُ بالصوابِ.\n* * *\n_________\n(^١) \"لا\" سقطت من (م). والأولى في العبارة حذف \"إنما\" وإثبات \"لا\".","vol":"5","page":234},{"text":"<span data-type='title' id=toc-76>سُورَةُ يُوسُفَ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1597\"> </span>(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.\n﴿الر تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السورة ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: القرآن.\n﴿الْمُبِينِ﴾: الظاهرِ، مِن أبانَ بمعنى: بان، والمراد: ظهور إعجازه، وهو ها هنا بمنزلة قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].\nويجوز أن يكون من أبان بمعنى بيَّن؛ أي: المبينِ لِمَا سأله اليهود عن سبب انتقال آل يعقوب ﵈ من الشام إلى مصر، وعلى هذا تكون ﴿تِلْكَ﴾ إشارةً إلى آيات السورة، وهو المراد بالكتاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1598\"> </span>(٢) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أراد تعظيم الكتاب المذكور بإسناد إنزاله إلى نفسه.\n﴿قُرْآنًا﴾ أي: حالَ كونه مقروءًا، وليس فيه إطلاق اسم (^١) الكلِّ على الجزء؛ لأن مبناه على كون القرآن عَلَمًا بالغلَبة وذلك بعد النزول فلا وجه لاعتباره عنده.\n_________\n(^١) \"اسم\" من (م).","vol":"5","page":237},{"text":"﴿عَرَبِيًّا﴾؛ أي: كسوناه للقَرَأة (^١) كسوةَ العربية، وهو كالتعليل لكونه مبنيًّا على المعنى الأول.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: إرادةَ أن تفهموا حقائق معانيه ودقائقَ مبانيه، وما في عبارته من الأسرار والإشارات؛ إذ هي لغتكم كما أَنزل التوراةَ على أهلها بلغة العبريِّ، والإنجيل بلغة السُّريانيِّ لذلك.\nوفيه إشارة إلى أن حقيقة كلام الله تعالى منزَّهة في كلاميتها عن كسوة الحروف واللغات، ولكنَّ الخلق محتاجون في تعقُّل معانيها إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1599\"> </span>(٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾.\n﴿نَحْنُ﴾ زيادةُ تأكيد لـ (إنَّ).\n﴿نَقُصُّ﴾ دالٌّ على معنى الجمع.\n﴿عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾؛ أي: قَصَصًا أحسنَ القَصَص، وهو مصدر بمعنى الاقتصاص، ويجوز أن يراد به المفعول (^٢)، أو مفعول لـ ﴿نَقُصُّ﴾.\nوهو في الأصل: تتبُّع الشيء، ومنه: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]؛ أي: تتَبَّعي أثره، والقاصُّ يتتبَّع الآثار فيُخبر بها.\n_________\n(^١) في (م): \"القراءة\".\n(^٢) أي: مصدر بمعنى المفعول كالسَّلَب بمعنى المسلوب، والتقدير: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٤١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٤).","vol":"5","page":238},{"text":"والحُسن عائد إلى القصَص، يقال: فلان حَسَنُ الاقتصاص للحديث؛ أي: السِّيَاقة له، أو إلى القصة فإنها أتمُّ القِصص المذكورة في القرآن وأشملُها لأنواع العبر وأصنافِ الحِكَم.\nويجوز أن يكون المعنى: لعلكم تعقلون أنه منزلٌ من عند (^١) الله تعالى، وذلك أن الدليل عليه إعجازه؛ لغاية بلاغته ونهاية فصاحته، وبلوغُه إليها لكونه على لسان العرب لأنَّه أفصح الألسنة وأبلغها، وعلى هذا يكون تمهيدًا لِمَا ذكر بقوله:\n﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ أي: بإيحائنا ﴿إِلَيْكَ﴾ بواسطة جبريل ﵇، وإنما أسقط الواسطة تشريفًا للموحَى والموحَى إليه.\n﴿هَذَا﴾ يجوز أن يكون مفعولَ ﴿نَقُصُّ﴾ على أن ﴿أَحْسَنَ﴾ نصبٌ على المصدر، والإشارة المتضمِّنة للتقريب بذكر المقصود المذكور.\n﴿الْقُرْآنَ﴾ نعتٌ لـ ﴿هَذَا﴾، أو بدل منه أو عطفُ بيان، وأجاز الزجَّاج الرفع على إضمار مبتدأ، كأن سائلًا سأل عما أُوحي فقيل: هو هذا القرآن (^٢).\nوأجاز الفرَّاء الخفض على التكرير (^٣). وهو عند البصريين على البدل من (ما).\nوعلى هذين التقديرين يجوز أن تكون (ما) موصولةً والعائدُ محذوف والباء بمعنى (في)، وعلى هذا يجوز أن يكون نصبُ ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ على الاختصاص أو بيانًا للمحذوف، والمراد بالقرآن: السورة.\n_________\n(^١) \"عند\" من (ك).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٨٨). وأجاز الزجاج أيضًا الجر على البدل من قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، فيكون المعنى: نحن نقص عليك أحسن القصص بهذا القرآن.\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٢). ويعني بالتكرير البدل كما سيأتي، وهو القول الذي ذكرناه عن الزجاج من كونه بدلًا من قوله: ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.","vol":"5","page":239},{"text":"﴿وَإِنْ كُنْتَ﴾ (إنْ) هي المخفَّفة من الثقيلة، واللام هي الفارقة.\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الضمير راجع إلى (ما أوحينا)، والمعنى: وإن الشأن كنتَ من قبل (^١) إيحائنا إليك ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن هذه القصة، لم تخطر ببالك، وهو تعليل لكونه موحًى، كنى بالغفلة عن عدم العلم بالكلية إجلالًا لشأنه ﵇، فإن في التصريح بكونه من الجاهلين ما لا يخفى، ومن الغافلين عمَّا في هذا الكلام من الاحترام مَن قال في تفسيره: أي: من الجاهلين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1600\"> </span>(٤) - ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ بدلَ الاشتمال على أنه مفعول، أو نصبٌ بإضمار اذكر.\n﴿يُوسُفُ﴾ اسم عبراني؛ إذ لو كان عربيًّا لصُرف؛ لخلوِّه عن سببٍ آخر سوى التعريف.\nوقرئ بفتح السين وكسرها (^٢) على التلعُّب (^٣) به، لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعل من أَسِفَ؛ لأن القراءة المشهورة شهدت بعَجميته (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"قبيل\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٤١).\n(^٣) في (ف): \"التقلب\"، وفي (ك) و(م): \"التلقب\"، وكلاهما تصحيف. والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٤)، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٥١). قال الشهاب في \"الحاشية\" (٥/ ١٥٣): (التلعب: كثرة التغيير فيه، شبِّه بالكرة ونحوها مما يُلعب به فتتداوله الأيدي، ولذا قالوا: أعجمي فالعب به ما شئتا).\n(^٤) في (ك): \"بعجمته\".","vol":"5","page":240},{"text":"﴿لِأَبِيهِ﴾ يعقوبَ ﵇: ﴿يَاأَبَتِ﴾ أصله: يا أبي، عوِّض تاءُ التأنيث عن الياء لتَناسُبهما في الزيادة، ولذلك قُلبت في الوقف هاءً (^١)، وقرئ بالفتح (^٢) لأنها حركةُ أصلِها (^٣)، ولم تسكَّن كأصلها لأنها حرفٌ صحيح نزِّل منزلة الاسم فوجب تحريكها ككاف الخطاب، أو لأنَّه كان: يا أبتا، فحذفت الألف (^٤) واكتُفي بالفتحة. وإنما جاز: يا أبتا، ولم يجُز: يا أبتي؛ لأنَّه جمعٌ بين العِوَض والمعوَّض عنه.\nوقرئ بالضم (^٥) إجراءً لها مجرى الأسماء المؤنَّثة بالتاء من غير اعتبارِ التعويض، كقولك: يا ثُبة (^٦).\n﴿إِنِّي رَأَيْتُ﴾ من الرؤيا لا من الرؤية، لا لأنَّه لو كانت في اليقظة لكانت آيةً عظيمةً ليعقوب ﵇، ولَمَا (^٧) خَفِيَت عليه وعلى الناس؛ لأنَّه يجوز أن يكون إرهاصًا ليوسف، والكرامةُ لا يلزمها أن يطَّلع عليها صاحبها، وأما اطِّلاع الناس عليه فإنما يَلزم أنْ لو كان سجودهنَّ مجتمعينَ في الأرض، ولا دلالة عليه فيما ذُكر= بل لأن قوله: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ وقولَه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ صريحان فيه.\n_________\n(^١) قلبها في الوقف هاء ابن كثير وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٦٠ و١٢٧).\n(^٢) قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٧).\n(^٣) أي: لأنّ أصلها - وهو الياء - إذا حرّك حرك بالفتح، وإن اختلف في أصلها: هل هو البناء على السكون لأنَّه الأصل في كل مبني، أو الفتح لأنَّه أصل ما كان على حرف واحد. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٥٣).\n(^٤) \"فحذفت الألف\" من (م).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٤٢).\n(^٦) في (ك) و(م): \"يا أبة\"، والمثبت من (ف) وهو الصواب. قال الطيبي في \"فتوح الغيب\" (٨/ ٢٤٧): الثُّبَة: الجماعة، وأصلها: ثُبْيٌ، والجمع: ثُبَات وثبونَ وأثابي.\n(^٧) في (ف) و(ك): \"ربما\"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٤٤٣).","vol":"5","page":241},{"text":"﴿أَحَدَ عَشَرَ﴾ وقرئ بسكون الشين لاجتماع ستِّ فتحات (^١)، وروي بسكون العين (^٢) لطول الاسم وكثرة الحركات.\n﴿كَوْكَبًا﴾ نصبٌ على التمييز.\n﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ إنما أخرجهما عن الكواكب ليَعطفهما عليها؛ بيانًا لفضلهما واستبدادهما بالمزيَّة على سائر الطوالع.\n﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ استئنافٌ ببيان حالهم التي رآهم (^٣) عليها، وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم، ويجوز أن يكون الأول لبيان مشاهدتهم في المنام على وجه التفصيل والثاني لبيان مشاهدتهم جملةً مجتمعِينَ في السجود له، فالإعادةُ للإفادة، وتقديمُ الظرف للاهتمام والعنايةِ لما هو الأهمُّ وفي ضِمْنِه رعايةُ الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1601\"> </span>(٥) - ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ تصغيرُ ابن للشفقة، أو لصِغَر السن.\n﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ الرؤيا في المنام، والرؤيةُ في العين، والرأي في القلب، والرؤيا كالرؤية غيرَ أن إحداهما مختصةٌ بما يكون في النوم والأخرى بما يكون في اليقظة، وفرِّق بينهما بحرفي التأنيث كالقُرْبَى والقُرْبةِ.\n_________\n(^١) لم أجدها.\n(^٢) هي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٧٩).\n(^٣) في النسخ: \"رآها\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٥). وقوله: \"ببيان\" من (ك)، وفي (ف) و(م): \"بيان\"، وعند البيضاوي: \"لبيان\".","vol":"5","page":242},{"text":"﴿عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ منصوبٌ بإضمارِ (أنْ) جوابًا للنهي، والمعنى: إن قصَصْتَها عليهم كادُوكَ لأنهم يعلمون تأويلها فيحتالون في هلاكك، والكيد: الأخذ على خفاءٍ، وإنما أتى باللام، ولم يقل: فيكيدوك، كما قيل: ﴿فَكِيدُونِي﴾ [هود: ٥٥]؛ لأنَّه ضمن معنى فعل يتعدى باللام نحو احتال (^١)، ليفيد معنى الفعلين مبالغةً وتأكيدًا في التحذير، ولذلك أكده بالمصدر (^٢).\n﴿كَيْدًا﴾ منكورًا بعيدًا عن فهمك، وهو معنى تنكيرها وإبهامها، والمقصود زيادة مبالغة في التخويف، ولذلك استأنف قوله:\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ على تقدير سؤال، كأن يوسف استبعد وقوع الكيد في حقه من إخوته، فأزال استبعاده ببيان مَنشئه، يعني: إن الشيطان ظاهرُ العداوة للإنسان كما فعل بآدم وحواء، فهو يحمل على الكيد والمكر وكلِّ شرٍّ ليورِّط مَن يحمل، فلا يؤمَنُ أن يحملهم على مثله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1602\"> </span>(٦) - ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ محله النصب على المصدر؛ أي: ومِثْلَ ذلك الاجتباءِ الذي اجتباك للرؤيا ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: يصطفيك من سائر المخلوقات فضلًا عن أقربائك (^٣) لِمَا هو أعظم منها.\n_________\n(^١) في (ك): \"حتيال\".\n(^٢) وقع في النسخ هنا تقديم وتأخير وتداخل في الكلام اختل معه المعنى، والمثبت بالاستعانة بما في \"الكشاف\" (٢/ ٤٤٤).\n(^٣) في (ف): \"أقرنائك\".","vol":"5","page":243},{"text":"وأصل الاجتباء: الجمع على طريق الاصطفاء، ثم استأنف بقوله:\n﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ﴾ لئلا يكون داخلًا في حكم التشبيه؛ أي: وهو يعلمك ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾؛ أي: تعبير الرؤيا؛ لأنها أحاديث الملَك إن كانت صادقةً، وأحاديثُ النفس والشيطان إن كانت كاذبةً، وإنما سمَّى التعبير تأويلًا لأنَّه يُؤوِّل ما رآه (^١) إلى ما ذكره، وكان يوسف ﵇ أعبرَ الناس للرؤيا وأصحَّهم عبارةً لها.\nويجوز أن يراد بـ ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: تبيينُ معاني كتب الله تعالى وسُنَنِ الأنبياء ﵈، وما غمُض واشتَبَه على الناس من أغراضها ومقاصدها، وسميت أحاديثَ لأنها يحدَّث بها عن الله تعالى ورسله ﵈، وأحاديث (^٢) مبنيٌّ على واحده المستعمَل وهو الحديث، كأنهم جمعوا حديثًا على أَحْدِثةٍ، ثم جمعوا الجمعَ على أحاديثَ، كقطيعٍ وأقطعةٍ وأقاطيعَ.\nوالقول بأنه اسم جمع للحديث مردودٌ بأنه لم يأت اسمُ جمع على هذا الوزن، وأما أباطيل فجمعٌ لا واحد له كعباديدَ وشماطيطَ.\n﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوَّة أو بوصلِ نعمة الدنيا بنعمة الآخرة.\n﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: سائرِ بَنيه، قيل: استَدل على شرفهم ونبوَّتهم بضوء الكواكب. أو: نسلِه (^٣).\n﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ تذكيرٌ لكونه من حَفَدة الأنبياء الكرام\n_________\n(^١) في (ك): \"رأى\".\n(^٢) \"وأحاديث\" من (م).\n(^٣) في (ك): \"بنسله\".","vol":"5","page":244},{"text":"﵈، وتلويحٌ إلى معنى: الولدُ سرُّ أبيه؛ ليطمئن قلبه بما أخبر به، ومن ها هنا ظهر وجهُ رجحان إضافة الأبوين إليه دون يعقوب ﵉.\nوأيضًا: في إضافتهما إلى يعقوب ﵇ تغليب إسحاق على إبراهيم ﵉، بخلافِ ما إذا أضيفا إلى يوسف ﵇.\nوالمراد بالأبوين: الجدُّ وأبُ الجدِّ؛ لأنهما في الأصالة في حكم الأب، ومن ثَمةَ يقولون: ابن فلان، لمن بينه وبين فلان عدَّة آباءٍ.\nوإتمام النعمة في حقِّهما: بالنبوة ورفع الدرجات في الآخرة، وقيل: على إبراهيم ﵇ بالخلَّة والإنجاء من النار، وعلى إسحاق ﵇ بالإنجاء من الذبح والفداءِ بذبح عظيم (^١).\n﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾: يَعلم مَن يستحقُّ الاجتباء.\n﴿حَكِيمٌ﴾: يفعل الأشياء على ما ينبغي، فلا يُتمُّ نعمتَه إلا على مَن يستحقُّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1603\"> </span>(٧) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾.\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾؛ أي: في قصتهم ﴿آيَاتٌ﴾: دلائل على قدرة الله تعالى وحكمته ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: للطالبين لها.\nأو: دلائل على نبوته ﵇ للذين سألوا من اليهود عنهم فأخبرهم\n_________\n(^١) يعني: على رواية أنه الذبيح، والصحيح المقطوع به عند العلماء أن الذبيح هو إسماعيل ﵇.","vol":"5","page":245},{"text":"بالصحة من غير سماعٍ من أحد ولا قراءةِ كتاب، وإنما جمع لتعدُّد جهة الإعجاز لفظًا ومعنًى.\nوالمراد بأخوته: بنو عَلَّاته (^١) العشرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1604\"> </span>(٨) - ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ بنيامينُ، وتخصيصه بالإضافة بالأخوَّة من الطرفين، وأشاروا بهذه الإضافة إلى أن سبب فضيلته عند أبيهم اختصاصُه بيوسف ﵇، فذكرُهم زيادةَ محبة أبيه له ليس حسدًا منهم عليه بل حسدًا على يوسف ﵇؛ لأنَّه حينئذ يرجع إلى زيادة محبته (^٢) له، ولهذا خصُّوا التعرُّض (^٣) له.\nوفائدة لام الابتداء في (يوسف) تحقيقُ مضمون الجملة وتأكيدُه؛ أي (^٤): أن زيادة محبته لهما أمر محقَّق لا شبهة فيه.\n﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ إنما وحَّد ﴿أَحَبُّ﴾ مع كونهما اثنين؛ لأن (أفعلَ من كذا) لا يغيَّر عن صيغة الواحد المذكَّر؛ لأن تمامه بـ (مِن)، ولا يثنَّى الاسم ولا يُجمع ولا يؤنث قبل تمامه، ولا بد في المعرف باللام من المطابقة، وفي المضاف جاز الأمران.\n_________\n(^١) هم الإخوة لأب.\n(^٢) في (م): \"محبة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"ولهذا تعرض\".\n(^٤) في النسخ: \"إلى\"، والصواب المثبت.","vol":"5","page":246},{"text":"﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾؛ أي: يفضِّلهما في المحبة علينا والحالُ أنا جماعةٌ أَكفاءُ أقوياءُ نقوم بمصالحه ومنافعه وهما صغيران لا كفاية ولا منفعة، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، والعُصبة (^١): العشرة فصاعدًا، سُمُّوا بذلك لأنهم جماعةٌ تُعْصَب بهم الأمور وتُسْتَكْفَى النوائب.\n﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لفي ذهابٍ عن وجه الصواب في رأيه هذا بإيثارِ اثنين من الضعفاء على عشرةٍ من الأقوياء مع استوائهم في الأنساب (^٢)، بالَغوا في الإسناد بزيادة حرفي التأكيد، وفي المسندِ بوصف الضلال بالظهور، وجَعْلِه ظرفًا له ﵇، وذلك لزيادة تأثُّرهم عن التفضيل المذكور.\nروي أنه كان ﵇ أحبَّ إلى أبيه لِمَا يرى فيه من المحامد، وكان إخوته يحسدونه، فلما رأى الرؤيا تضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه، فتبالغ (^٣) حسدُهم حتى (^٤) حملهم على التعرُّض له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1605\"> </span>(٩) - ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.\n﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ من جملة المحكيِّ بعد قوله (^٥): ﴿إِذْ قَالُوا﴾، كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر، إلا مَن قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"والعصابة\"، والمعنى واحد. انظر: \"روح المعاني\" (١٢/ ٢١٨).\n(^٢) في (م): \"في الانتساب\".\n(^٣) في (م): \"فبالغ\".\n(^٤) في (ك): \"من\".\n(^٥) في النسخ: \"بعد القول\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٦).","vol":"5","page":247},{"text":"﴿اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ منكورةً مجهولةً بعيدةً عن العمران، وهو معنى تنكيرها، ولإبهامها (^١) نُصبتْ نَصْبَ الظروف المبهَمة، والمعتبَرُ فيها أن لا يكون محدودًا بالحدود ومحصورًا بالأقطار، ولا ينافيه التقييدُ بنوع من القيود.\n﴿يَخْلُ﴾ جزمٌ لأنَّه جواب الأمر، ومعناه: يَخْلُصْ وَيصْفو.\n﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبلْ عليكم بكلِّيَّته، لا يلتفتْ عنكم إلى غيركم، وذِكْرُ الوجه لتصوير إقباله عليهم؛ لأن مَن أقبل على الشيء يكون وجهه في جانبه.\nويجوز أن يكون المراد بالوجه: الذاتُ، كما في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]؛ لأنَّه إذا صفَتْ محبتُه لهم يكون لهم وحده غيرَ مشترَكٍ فيه.\n﴿وَتَكُونُوا﴾ جزمٌ عطفًا على ﴿يَخْلُ﴾، أو نصبٌ بإضمار (إنْ)، والواو بمعنى: مع.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ يوسف، أو: مِن بعدِ قتلهِ أو طرحهِ أو الفراغِ من أمره.\n﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: تائبين إلى الله تعالى عما جنَيتم عليه، أو: ذي صلاحٍ في أمر دنياكم؛ لانتظامه بخلوِّ وجه أبيكم لكم، أو بصلاحِ ما بينكم وبينَ أبيكم بعذرٍ تمهدونه له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1606\"> </span>(١٠) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.\n_________\n(^١) في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٦): (وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك)، والمعنى عند التأمل واحد.","vol":"5","page":248},{"text":"﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه سترًا على القائلين بقتله ﵇؛ حذرًا عن سوء الظنِّ من السامعين بخصوصهم، وهم أنبياء ﵈، ومَن لم يَنتبِه لهذا قال: يعني: يهوذا، كان هذا القائلُ أحسنهم رأيًا، حيث أنكر كلًّا من الأمرين اللذَين عزموا على أن يفعلوا واحدًا منهما، لمَّا رأى في أحدهما إفراطًا وفي الآخر تفريطًا نظرًا إلى غرضهم؛ لعدم قدرتهم في يوم واحد على تبعيد يوسف ﵇ عن ديارهم.\n﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فإن القتل عظيمٌ والغرضُ يحصل بدونه. ولم يصرِّح بالنهي عن المنكر الآخر إحالةً له على دلالةِ ما اختاره عليه، كأنه قال: مقدوركم الذي يتم به غرضكم هو هذا.\n﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ الغيابة: ما غاب عن عين الناظر وأظلم.\nالجب: البئر الذي لم يُطْوَ، إنما سمي جبًّا لأنَّه ليس فيه غيرُ جَبِّ الأرض؛ أي: قطعها، وغَيَابَتُه أسفلُه الذي يَغيب ما وقع فيه وقعرُه.\nوقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ على الجمع (^١)، كأنه لتلك الجبِّ غياباتٌ.\n﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ الالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يُحتسَبُ، لا الأخذُ مطلقًا، ولهذا حَسُنَ موقعه هاهنا وفي قولهِ تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨].\n﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: بعض المسافرين، فيذهبُ به إلى ناحية بعيدة فتستريحوا منه.\nوالسيارة: جمع سائرة، وهو كثيرُ السير في الأرض، وإنما اختار صيغةَ المبالغة لأنها المناسبُ لِمَا قصده من الإذهاب إلى ديارٍ بعيدة، وفيما ذُكر قرينةٌ على أنه أِشار بقوله: ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ أي: بئرٍ عرَفوها في ديارهم، ولذلك عرَّفها.\n_________\n(^١) قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٧).","vol":"5","page":249},{"text":"وقرئ: ﴿تلتقطه﴾ بالتاء الفوقانية (^١) على المعنى؛ لأن بعض السيارة سائرة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما يفرِّق بينه وبين أبيه فهذا هو الرأي؛ لأن هذا القَدْر يكفي فيه، ولمَّا كان أول كلام هذا القائل على نظر الشفقة أتى في آخره ما يناسبه حيث قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1607\"> </span>(١١) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾: لمَ تخافُنا عليه؟\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: ونحن له ناصحون (^٢)، ونحن نشفقُ عليه ونريد له الخير، وما وُجد منا في حقه إلا النصح والمحبةُ، أرادوا استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لمَّا أحسَّ بالحسد (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1608\"> </span>(١٢) - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\n﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ في الصحراء، وفي لفظة ﴿أَرْسِلْهُ﴾ دليل على أن يعقوب ﵇ كان يمسك يوسف ﵇ ويصحبُه دائمًا.\n﴿يَرْتَعْ﴾ الرَّتْع: الاتساع في الملاذِّ بالذهاب في جهاتٍ من اليمين والشمال.\nوقيل: أصل الرتع: التصرُّفُ في الشهوات، يقال: رتع فلان في ماله: إذا أنفقه في شهواته.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٢).\n(^٢) \"ونحن له ناصحون\" من (ك).\n(^٣) في (ك): \"الحسد\".","vol":"5","page":250},{"text":"﴿وَيَلْعَبْ﴾ المراد من اللعب ها هنا هو الاستباق والانتضال، ويتدربون (^١) بذلك لقتال العدو، وإنما سمَّوه لعبًا لأنَّه بصورة اللعب، ولم (^٢) يريدوا به اللهو بدليل قولهم: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ ولو كان مرادهم اللهو لمَا أقرهم عليه يعقوب ﵇.\nوقرئ: ﴿نَرْتَعِ﴾ بالنون وكسر (^٣) العين من ارتَعى يرتعي (^٤).\nوقرئ بالكسر، والياء فيه وفي ﴿يلعبْ﴾ (^٥).\nوقرئ: ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالياء والسكون (^٦) على إسناد الفعل إلى يوسف ﵇ لصغره، وما يعبَّر عنه باللعب يناسب إسنادُه إلى الصغير (^٧).\nخاف يعقوب على يوسف ﵉ الضيعةَ من جهة الجوع، فأمَّنوه عن ذلك بقولهم ﴿نرتع﴾ أي: نتسع في أكل الفواكه ونحوها، وخاف عليه أن يكلفوه أمرًا يَشُقُّ عليه ويشد، فأمَّنوه أيضًا عن ذلك بقولهم: ﴿وَيَلْعَبْ﴾؛ لأنَّه\n_________\n(^١) \"ويتدربون\" من (م)، ووقع مكانها في (ف) بياض.\n(^٢) في (م): \"ولم يكن\".\n(^٣) في النسخ: \"وسكون\"، وهو خطأ. انظر التعليق الآتي.\n(^٤) هي قراءة ابن كثير بالنون، وكسر البزي عنه العين من غير ياء، واختلف عن قنبل في إثبات الياء وحذفها. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالنون والجمع في الفعلين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨)، و\"النشر\" (٢/ ٢٩٣ و٢٩٧). وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٧)، والكلام منه.\n(^٥) هي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).\n(^٦) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء فيهما والجزم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).\n(^٧) \"إلى الصغير\" من (م).","vol":"5","page":251},{"text":"ليس في اللعب مشقة ولا شدة، وخاف عليه الضيعة بتركهم حفظه، فأمنوه عن ذلك أيضًا بقولهم:\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: أن يناله مكروه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1609\"> </span>(١٣) - ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾.\n﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: ذهابُكم به؛ لقلة صبري عليه (^١) وشدة مفارقته عليَّ.\n﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: وأخاف عليه عَدْوَةَ الذئب، وكانت الأرض مذأبةً.\nالحزن: ألمُ القلب لفوت المحبوب، والخوف: انزعاج النفس عند نزول المكروه، كأنه يقول: لا أصبر عن رؤيته، ولا طاقة لي بفُرقته (^٢)، هذا إذا كانت الحالُ حالَ (^٣) السلامة، فكيف ومع هذا المخاف أن يأكله الذئب؟\nوقيل: رأى في المنام أن الذئب قد شدَّ على يوسف ﵇، فكان يَحْذَره [عليه] (^٤)، فقال ذلك وقد لقَّنهم العلة (^٥).\n_________\n(^١) \"عليه\" من (م).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"ولا طاقة إلى مفارقته\".\n(^٣) في (ك): \"الحالة حالة\"، وفي (م): \"الحالة حال\".\n(^٤) من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٧)، وكلامه ينتهي هنا.\n(^٥) في (ف) و(ك): \"فقال ذلك وحّد العلة\"، ووقع قبل \"العلة\" في (ف) بياض بمقدار كلمة.","vol":"5","page":252},{"text":"وقرئ: ﴿الذِّئْبُ﴾ بالهمزة على الأصل (^١)، وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح: إذا هبت من كلِّ جهة؛ لأنَّه يحيط (^٢) به في مشيه ويضطرب.\nوقال الأصمعي: إن اشتقاق تذاءبت من الذئب؛ لأن الذئب يفعله في عَدْوه، وهذا أظهر لفظًا ومعنًى.\n﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ لاشتغالكم بالرتع واللعب وقلةِ اهتمامكم بحفظه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1610\"> </span>(١٤) - ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\n﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ اعتذر لهم يعقوب ﵇ بشيئين:\nأحدهما عاجل في الحال: وهو ما يلحقه من الحزن بمفارقته وكان لا يصبر عليه.\nوالثاني: خوفه ﵇ من الذئب أن يغفلوا عنه برَتْعهم ولَعِبهم.\nوعدَل إخوة يوسف عن الأول لقِصَر مدة الحزن وإيهامهم أنهم يرجعون به إليه من قريب، وأجابوا عن الثاني لأنَّه السبب القوي في منعه عن الذهاب بهم (^٣)، واللام موطِّئة للقسم، والقسمُ محذوف تقديره: والله لئن أكله الذئب.\nوالواو في: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ - أي: فرقةٌ مجتمعة (^٤) مقتدِرةٌ على الدفع - للحال.\n_________\n(^١) قرئ في السبع بالهمز، وبإبداله ياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).\n(^٢) في (ك): \"يخبط\".\n(^٣) لعل الصواب: (في منعهم عن الذهاب به).\n(^٤) في (م): \"مجتمعين\".","vol":"5","page":253},{"text":"﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ جوابٌ للقسم مجزئٌ عن جزاء الشرط: مغبونون (^١) ضعفاءُ لا غَناءَ بهم (^٢). أو: مستحِقُّون أن يُدْعَى عليهم بالخسار والدمار ويقالَ: خسَّرهم الله حين أَكل بعضَهم الذئبُ وهم حاضرون.\nوقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1611\"> </span>(١٥) - ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ متَّصل بمحذوف تقديرُه: فأذن له وأرسله معهم، فالفاء فصيحة.\n﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ أي: عزموا عليه، ولا يقال: أجمع، إلا إذا قَرُبتِ الدواعي إلى الفعل من غير صارفٍ، ومنه الإجماع، فكأنه مأخوذ من اجتماع الدواعي، ولمَّا لم يكن مرادهم من إلقائه في البئر إهلاكَه كان التعبير عنه بالجعل أفصحَ.\n﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قيل: هو بئر على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوب ﵇، ولا يخالفه القول بأنها أرضُ الأردنِّ؛ لأن كنعان ناحيةٌ من نواحي الأردنِّ، ومنزلُه ﵇ كان فيها، وكذا القول بأنها كانت (^٣) بين مصر ومدين؛ لأن مدين أيضًا كان من أرض الأردن في جوار كنعان.\n_________\n(^١) في (ك): \"مفيد يومًا\".\n(^٢) في (ف): \"أعنابهم\"، وفي (م): \"لأعنابهم\"، وكلاهما تصحيف.\n(^٣) \"كانت\" ليست في (ك).","vol":"5","page":254},{"text":"وأما القول بأنها بئر بيت المقدس فلا صحة له؛ لأنهم جاؤوا إلى منزلهم عشاءً ذلك اليوم، وبينه وبين بيت المقدس مراحلُ.\nوقرئ: ﴿غَيَابَتِ﴾ (^١)، وهي لا توجد في التي تُطوَى، ومنه ظهر وجهُ إيثارِ الجبِّ على البئر.\nوجوابُ (لمَّا) محذوف للمبالغة مع الإيجاز؛ أي: فعلوا به من الأذى والإهانة ما لا يمكن وصفه أو لا يُحتمل سماعه، وتفصيلُه مذكور في كتب التفاسير.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ يعني: في البئر، فهو معطوف على محذوفٍ تقديره: وأَلقَوه في غيابةِ الجبِّ، فالواو فصيحةٌ.\nقيل: أوحي إليه في الصغر كما أوحي إلى عيسى ويحيى ﵈.\nوقيل: كان إذ ذاك مُدرِكًا.\n﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ بالتوبيخ (^٢)، وذلك قوله ﵇ لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] وفيه تبشير بحُسن حاله في المآل، وبما يَؤُول إليه من علوِّ شأنٍ ورفعةِ مكانٍ؛ إيناسًا له وتطييبًا لتسلِّيه (^٣).\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنك يوسف؛ لطول العهد المغيِّر للهيئات والأشكال، وبُعْدِ الحال عن أوهامهم على ما دل عليه قوله: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾\n_________\n(^١) قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٧).\n(^٢) في (ف): \"بابيخ\".\n(^٣) كذا في النسخ، والذي في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٥٨): (لقلبه)، وهو الأنسب.","vol":"5","page":255},{"text":"[يوسف: ٥٨]، ومَن وَهَم أنه إشارة إلى هذا القول فقد وَهِمَ (^١)، وما فهم ما فيه من التوبيخ، فالقول ما قالته حَذَامِ، وهو المناسب للمقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، ويؤيده الإشارة إلى الأمر المذكور بـ ﴿هَذَا﴾ لتضمُّنها الدلالة على ما فيه من الدلالة الفاحشة.\nوقرئ (^٢) (لننبِّئهم) بالنون على أنه وعيد لهم (^٣)، تقول العرب لمن تتوعده (^٤) لمجازاة سوءِ فعله: لأنبِّئنك ولأعرِّفنَّك، يعني: لأجازِيَنَّك، وهذا شائع في سائر الألسنة أيضًا. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ على هذه القراءة متعلِّق بـ (أوحينا)؛ أي: آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1612\"> </span>(١٦) - ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾.\n﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ وقرئ: (عُشَيًّا) وهو تصغيرُ ﴿عِشَاءً﴾ (^٥).\nو: (عُشًى) بالضم والقصر: جمع أَعْشى (^٦)؛ أي: عَشُوا من البكاء، وفيه ضعف؛ لأن قَدْرَ ما يكون في ذلك اليوم لا يَعْشُو منه الإنسان.\n_________\n(^١) يريد البيضاوي حيث قال في \"تفسيره\" (٣/ ١٥٧): (وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وهو\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٥٠).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"لمن هو عدو\".\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٥٠).\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٢)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٣٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٥٠).","vol":"5","page":256},{"text":"والعِشاء: آخر النهار إلى نصف الليل، ومنه اشتُقَّ الأعشى لأنَّه يَستضيءُ ببصرٍ ضعيف؛ أي: جاؤوا ليلًا، وذلك ليكونوا أقدَر على الاعتذار في الظُّلمة، ولهذا قيل: لا تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين، ولا تَعتذر بالنهار من ذنبٍ فتتلَجْلجَ في الاعتذار.\n﴿يَبْكُونَ﴾ حال معناه: متباكينَ، دون: باكينَ؛ لأن البكاء جريانُ الدمع من العين عند حال الحزن، ولا حزن بهم، إلا أنهم أظهروا صورةَ البكاء ليُوهِموا أنهم صادقون.\nروي أنه ﵇ لمَّا سمع صوت تباكيهم فزع وقال: ما لكم يا بَنيَّ وأين يوسف؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-1613\"> </span>(١٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتسابق في العَدْوِ والرمي، والافتِعال والتفاعُل يشتركان كالانْتِضال والتناضُل، والارتماء والتَّرامِي (^١).\n﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾؛ أي: تركناه عند الرحل ليحفظَه.\n﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ الفاء للتعقيب بلا تراخٍ، ولا بد من اعتباره في الاعتذار عند عدم التدارُك.\n﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ قد مرَّ أن الإيمان إذا كان بمعنى التسليم يتعدَّى باللام،\n_________\n(^١) \"الارتماء والترامي\" من (م).","vol":"5","page":257},{"text":"وإذا كان بمعنى التصديق يتعدَّى بالذات أو الباء، وتقديمُ ﴿أَنْتَ﴾ وإيلاؤه حرف النفي لادِّعائهم أن غيرَك مصدِّق لنا لأنَّا مشتهِرون بالصدق موثوقٌ بقولنا عند الكلِّ، وأمَّا أنت فلسوء ظنك بنا وفَرْط محبَّتَك ليوسف فلا تسلِّم لنا، ولذلك أكَّدوه بزيادة الباء، والتقييدِ بقوله:\n﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾؛ أي: ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة، فكيف وأنت سيِّئُ الظن بنا، غيرُ واثقٍ بقولنا؟\nوإنما حُذف الظرف لأن ذكره مقدَّمًا يُفسِد المعنى؛ لإفادته الاختصاص الذي لا يناسب المقام، وذكرَه مؤخَّرًا يُفسِد اللفظ؛ لأنَّه حينئذ تفوتُ محافظةُ رؤوس الآي، وتضيع رعايةُ الفواصل، وهي من شرائط حُسْنِ نظام الكلام وفصل (^١) الفصل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1614\"> </span>(١٨) - ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.\n﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ﴾ ﴿عَلَى قَمِيصِهِ﴾ في محل النصب من (الدم)، ومُنع تقدُّمُها على صاحبها المجرور في غير الظرف (^٢).\nوجُوِّز نصبه بمعنى: فوق (^٣). وأُورِدَ عليه: بأن العامل فيه حينئذ (جاؤوا)، وليس (فوقَ القميص) ظرفًا لهم، بخلافِ (فوقَ الجِمال) في قولك: جاء على\n_________\n(^١) في (م): \"وفضل\".\n(^٢) وأجازه ابن مالك مطلقًا على ضعف فيه. انظر: \"التسهيل\" (ص: ١١٠).\n(^٣) هو قول الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٥١).","vol":"5","page":258},{"text":"جماله بأحمال، ومبناه على (^١) أن تكون الباءُ للمصاحَبة كما في: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وأما إذا كانت للتعدية كما في: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] فلا يلزم المحذورُ المذكور، ولا وجه للحمل على الأول لسَبْق الإخبار عن مجيئهم.\n﴿كَذِبٍ﴾ وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو مصدرٌ أريد به المفعولُ؛ أي: مكذوبٍ فيه، كالثقة يراد بها: الموثوقُ به (^٢)، وتقدير (ذي) في مثل هذا المقام يُنزل الكلامَ عن منزلة البلاغة.\nوقرئ بالنصب على الحال من الواو؛ أي: جاؤوا كاذبين (^٣).\nو: (كَدِبٍ) بالدال الغير المعجمة (^٤)؛ أي: كَدِرٍ، أو طريٍّ.\nروي أنه ﵇ لمَّا رأى قميصه غيرَ ممزَّق قال: ما رأيت ذئبًا أحلمَ من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه! ولذلك ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ﴾.\nكذا قالوا، والذي عندي: أن أمارة الكذب قلةُ الدم المفهومةُ من التنكير، ومن التعبير بكونه على القميص، ولو كانت الأمارة عدمَ تمزُّق القميص لكان هو بالتعرُّض أحقَّ، بل إضرابٌ عن مقدَّرٍ يقتضيه المقام، وَيدل عليه سياق الكلام، وبه (^٥) تمامُ الانتظام، فهو كالفاء الفصيحة.\n_________\n(^١) \"على\" ليست في (ك).\n(^٢) \"به\" سقط من (ك).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٥١).\n(^٤) نسبت لعائشة ﵂. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٢ - ٦٣)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٣٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٥١).\n(^٥) في (م): \"فيه\" بدل: \"وبه\".","vol":"5","page":259},{"text":"والتسويل: تحسين الشيء وتزيينُه، وتحبيبُه إلى الإنسان ليفعله أو يقوله.\n﴿أَمْرًا﴾؛ أي: أمرًا منكَرًا لا يحتمِل التعريفَ والتوصيف.\n﴿فَصَبْرٌ﴾؛ أي: فحقِّي صبرٌ؛ كقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ أي: فعليه.\n﴿جَمِيلٌ﴾ في الحديث المرفوع: \"الصبرُ الجميلُ: الذي لا شكوَى فيه\" (^١)، ولا حاجة إلى تخصيص الشكوى بالتي تكون إلى غير الله تعالى؛ إذ ليس في كلامه ﵇ وعدٌ بالصبر الجميل.\n﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: المطلوبُ منه العونُ على كشفِ ما الْتبَس من أمركم، هذا هو المناسب لقوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لا ما قيل: على احتمال ما تصفونه من هلاك يوسف ﵇، كما لا يخفى.\nوهذه الجريمة قبل استنبائهم إن صح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1615\"> </span>(١٩) - ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾: رفقةٌ يسيرون، وفي صيغة المبالغة دلالة على أنهم جاءوا من بعيد، والمراد مجيئُهم إلى قرب البئر (^٢) بدلالة السِّباق واللَّحاق، والظاهر من\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٤١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧/ ٢١١٢)، عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا.\n(^٢) في النسخ: \"بئر\"، والصواب المثبت.","vol":"5","page":260},{"text":"قولهم: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أنها كانت قريبةً من الطريق العام، قيل: كان ذلك بعد ثلاثٍ من إلقائه فيها.\n﴿فَأَرْسَلُوا﴾ أي: إلى البئر ﴿وَارِدَهُمْ﴾: هو الذي يسير إلى الماء ليستقي منه.\n﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ تقول: أدليت الدلو، إذا أرسلتَها لتملأ دلوها، فتدلى بها يوسف، فلما خرج فإذا هو غلامٌ أحسنُ ما يكون.\n﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ بشَّر أصحابه بأنه وجد عبدًا، ومعنى النداء: التنبيه؛ أي: انتبهوا لفرحي وسروري، قيل: نادى رجلًا اسمه بشرى، ويردُّه قراءة: ﴿بُشْراىَ﴾ (^١)؛ فإنه لو كان اسمًا لم يكن مضافًا إلى ضمير المتكلم.\n﴿وَأَسَرُّوهُ﴾؛ أي: الواردُ وأصحابه عن سائر الرفقة.\n﴿بِضَاعَةً﴾ نصب على الحال؛ أي: أخفَوْه متاعًا للتجارة، والبضاعةُ: ما بُضِع من المال؛ أي: قُطِعَ منه للتجارة.\nوعن ابن عباس ﵄: أن الضمير لأخوة يوسف ﵇، وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلامنا أَبَق منَّا، فاشترَوْه منهم، وسكت يوسف ﵇ مخافةَ أن يقتلوه.\nولا يخفى ما فيه من الاختلال لحُسن نظم المقال، والإشكالِ من جهة أن التعبير المذكورَ لا يناسب الحال.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ وعيدٌ لهم حيث استَغصَبوا ما ليس لهم.\n* * *\n_________\n(^١) قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وباقي السبعة: ﴿بُشْرَى﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).","vol":"5","page":261},{"text":"<span id=\"aya-1616\"> </span>(٢٠) - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.\n﴿وَشَرَوْهُ﴾: باعوه ﴿بِثَمَنٍ﴾ التنكير للتقليل ﴿بَخْسٍ﴾: زيفٍ ناقصِ العِيَار.\n﴿دَرَاهِمَ﴾ بدلٌ من (ثمن) ﴿مَعْدُودَةٍ﴾: قليلة، فإنهم كانوا يَزِنون ما بلغ الأوقية ويَعُدُّون ما دونها، وفيه تصريح بما قُصد بالتنكير، وتنبيه على أنه لم يُقصد به المبالغة.\n﴿وَكَانُوا فِيهِ﴾: في يوسف ﵇ ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ الزهد: خلافُ الرغبة، يقال: زَهِدَ في الشيء وعن الشيء، وذلك لأنهم كانوا التقَطوه، والملتقِطُ للشيء متهاوِنٌ به خائفٌ، عن انتزاعه من يده، مستعجِل في بيعه.\nو﴿فِيهِ﴾ متعلق بمحذوف يبيِّنه ﴿الزَّاهِدِينَ﴾؛ لأن متعلَّق الصلة لا يتقدَّم على الموصول، وأنَّ ما بعد الجارِّ لا يعمل فيما قبله (^١)، وكأنه قيل: وكانوا زهدوا فيه، فحذف لدلالة ﴿مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1617\"> </span>(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) وقال ابن الحاجب: في \"أماليه\": إنه متعلق بالصلة، والمعنى عليه بلا شبهة، وإنما فروا منه لِمَا فهموا من أنّ صلة الموصول لا تعمل فيما قبل الموصول مطلقا، وبين صلة (أل) وغيرها فرْق، فإنّ هذه على صورة الحرف المنزل منزلة جزء من الكلمة فلا يمتنع تقديم معمولها عليها. انظر: \"أمالي ابن الحاجب\" (١/ ٢٨٣)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٦٥)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ٢٥٤).","vol":"5","page":262},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ﴾ منهم، وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي (^١)، وقد آمن بيوسف ﵇ ومات في حياته.\nروي: أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبعة عشر سنةً، ولبث في منزله ثلاث عشرةَ سنةً، واستوزره الريان وهو ابن ثلاثين سنةً، وآتاه الله الحُكم والعِلم وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، ومبناه الغفلةُ عن لَبثه في السجن بضعَ سنين، وكونُ السجن في منزل العزيز يأباه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦].\nوإنما قال: ﴿مِنْ مِصْرَ﴾ وتنبيهًا على أنه غير المشتري الأول.\n﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ راعيل أو زليخا، واللام متعلقة بـ (قال) لا بـ ﴿اشْتَرَاهُ﴾.\n﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي: اجعلي مكان إقامته حسنًا يرضاه، والإكرام: الإحسان على جهة الإعظام، ويلزمه (^٢) الإرضاء، وإنما أضاف إلى ﴿مَثْوَاهُ﴾ دون نفسه مبالغةً في إحسان تعهُّده؛ لأن مَن أَكرم غيره لأجله كان أعظمَ منزلةً ممن يُكرَم في نفسه.\n﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ نفعَ مملوكٍ مُقبِلٍ لمالكه.\n﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فينتفعَ بنا، قد تفرَّسَ فيه الرشدَ فقال ذلك، ولا دلالة فيه على أنه كان عقيمًا لا يولد له.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك التمكين من قلبِ العزيز حين عطف عليه وأمر امرأته بإكرام مثواه ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾: مكنا له في أرض مصر؛ أي: جعلنا له منزلةً فيها، كناية عن حكومته فيها.\n_________\n(^١) في (م): \"العملقي\".\n(^٢) في (م): \"ولا يلزمه\"، ولم أجد نصًا يرجح أحد الوجهين، لكن قوله: \"يرضاه\" يرجح المثبت.","vol":"5","page":263},{"text":"﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ عطفٌ على علةٍ محذوفة؛ أي: مكنَّا له في الأرض ليتصرَّف فيها بالعدل والحكمةِ ولنعلِّمه بعضَ تأويل الأحاديث، وهو تأويل الرؤيا فيَعْبُرها، ويعرف الحوادث قبل وقوعها فيُنبئُ بتدبير الأمور عليها كما دبر الأمر لبني مصر.\nأو علةٌ معلَّلُها محذوف؛ أي: ولنعلِّمه فعلنا ذلك.\n﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ لا يمنعه مانعٌ، ولا ينازعُه مُنازع فيما يقضي ويريد، هذا على عمومه، ويدخل فيه أمر يوسف ﵇ دخولًا أوَّليًّا، فإن أخوته أرادوا ما أرادوا ولم يكن إلا ما أراده تعالى.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن الأمر كلَّه بيديه، أو: حُسن كلائه وعصمته، وخفايا لطفه وعنايته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1618\"> </span>(٢٢) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ الأشُدُّ: منتهى اشتدادِ الجسم والقوة وكمالِ البنية، وهو سنُّ الوقوف (^١) ما بين الثلاثين إلى الأربعين، يؤيِّده قوله تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ [القصص: ١٤] وبلغ أربعين سنة.\n﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل ﴿وَعِلْمًا﴾ بتأويل الأحاديث، أو: حُكمًا بين الناس وفقهًا.\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تنبيهٌ على أن الله تعالى آتاه الحكم والعلم لاستحقاقه إياه بإحسانه في العمل واتِّقائه في عنفوان الأمر.\n_________\n(^١) أي: الوقوف عن النمو، انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٦٦).","vol":"5","page":264},{"text":"<span id=\"aya-1619\"> </span>(٢٣) - ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ المراودةُ: المطالبة، من رادَ يَرُودُ: إذا ذهب وجاء لطلب الشيء، ومنه: الرائد.\nويجوز أن يكون من الرُّوَيد وهو التمحُّل والرفق، فالمراودة: هي المطالبة على الرفق والتمحُّل، وهي مفاعَلة من راده يَرُوده، نحو: راديتُ (^١) المريض، وتَعدِيَتُه بـ ﴿عَنْ﴾ لتضمين معنى المخادعة؛ أي: فعلتْ ما يفعلُ المخادِع بصاحبه من الاحتيال في إخراج ما في يده، وهو يحفظه ويكره إخراجه، فـ ﴿عَنْ﴾ للمجاوزة؛ أي: راودته أن يجاوز خداعَها نفْسُه، لا أن يقف عندها بأنْ لا يطاوعَها.\nوإنما قال: ﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ ولم يصرح باسمها ولا بامرأة العزيز سترًا على الحُرم، والعرب تضيف البيوت إلى النساء فتقول:\nربَّة البيت، قال: يا ربَّةَ البيت قُومي غيرَ صاغرةٍ (^٢)\nوفي ذكرها بالموصول توصُّلٌ إلى زيادة تقريرِ معنى الخبر ليفيد براءةَ يوسف ﵇، فإن كونها في بيته يقرِّر معنى المراودة.\n﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ قيل: كانت سبعةً، والتغليق: الإطباق بما يَعْسُر فتحه،\n_________\n(^١) في (ك): \"داريت\".\n(^٢) صدر بيت لمرة بن محكان السعدي، كما في \"معجم الشعراء\" للمرزباني (ص: ٢٩٥)، و\"المستقصى\" للزمخشري (١/ ٢٢)، و\"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (٤/ ١٥٦٢)، وعجزه:\nضمِّي إليك رحال القوم والقُرُبا","vol":"5","page":265},{"text":"والتشديد للتعدية؛ لأن: غَلَقْتُ البابَ غَلْقًا، لغةٌ رديَّةٌ متروكة، ذكره الجوهري (^١)، فمَن وَهَم أنه للتكثير أو للمبالغة في الاشتقاق فقد وَهِم.\n﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ اسم فعل معناه: بادِرْ وأَقْبِلْ، واللام للبيان؛ أي: لك أقول هذا.\nوقرئ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ (^٢) على لفظ الفعل بمعنى تهيَّأْتُ، وعلى هذا فاللام صلة.\n﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر؛ أي: أعوذ بالله معاذًا.\n﴿إِنَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: الشأن سيدي ومالكي ﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حين أمركِ بالإحسان إليَّ، فكيف أخونُه في أهله، نوعٌ من الإيجاز البليغ حيث اكتفَى بذكر المقتضي، والتقديرُ في مثل هذا أو الذهاب إلى نوعٍ من المجاز من ضيق العَطَن (^٣)، كما لا يخفى على أرباب الفِطَن.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ويدخل فيهم الذي يجازي الحسَنَ بالسَّيئ دخولًا أوليًّا. وإيثار صيغة الجمع لبيان أنَّ جمعهم لا يُغْني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1620\"> </span>(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾؛ أي: بمخالطته؛ لأن الهمَّ لا يتعلق بالأعيان ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾؛ أي: بمخالطتِها، ولو قيل: ولقد همَّا بالمخالطة لكان أخصَرَ وكان إنباؤه عن الجواب\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: غلق).\n(^٢) هي أحد وجهين عن هشام، والوجه الآخر عنه: (هِئتَ) بفتح التاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"نوع من حسن الفطن\".","vol":"5","page":266},{"text":"المقدَّر أظهرَ، إلا أنه فصَل بين (^١) الهمَّين بذكر كلٍّ على حِيَاله دلالةً على افتراقهما حكمًا ثم مدحًا وذمًّا، فالجمع بينهما إبطال لِمَا هو المقصود من الكلام، وهو التنبيه على أنهما وإنْ كانا مشترِكين في الميل المخصوص، إلا أن أحدهما ميلٌ عن شهوةٍ تبعها العقل فازدادت (^٢) تسلُّطًا وصارت عزيمةً قاهرة، والثاني ميل عن شهوة قاصرة ردَعها العقل فاضمحلَّت في الآخرة، وإذا كانا كذلك فاللفُّ بينهما عن طباقِ المقام بمراحل.\nولا خلاف في أنَّ همَّها كانت معصيةً لأنها كانت مُصرَّة، وأما همُّه فمن قَبيل ما يَخطر في النفس ولا يَثبت في الصدر، وهو الذي رفع الله تعالى فيه المؤاخَذة عن الخلق، إذ لا قدرة للمكلف على دفعه فلا زلَّةَ فيه، مع أن الزلةَ للأنبياء ﵈ حُكمًا زيادةُ الوَجَل، وشدةُ الحياء بالخجل، والتخلِّي عن عُجب العمل، والتلذُّذُ بنعمة العفو بعد الأمل، وكونُهم أئمةٌ في الرجاء لأهل الزَّلل.\n﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ﴿أَنْ رَأَى﴾ في موضع رفع، والجواب محذوف لعلم السامع به؛ أي لولا رؤيةُ برهان ربه لأمضَى ما همَّ به، ولا يجوز أن يجعل ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ جوابَ ﴿لَوْلَا﴾، فإنها في حكم أدوات الشرط، فلا يتقدم عليها جوابها.\nوظاهره يدل على أنه شاهد أمرًا صرفه عما قصده، حتى قيل: إنه رأى جبريل ﵇، وقيل: تمثَّل له يعقوب ﵇ عاضًّا على أنامله، وقيل نحوُ ذلك، وهذا الذي ذكروه غيرُ صحيح؛ لأن ذلك يقتضي الإلجاءَ وزوال التكليف، ولو كان ذلك لمَا استَحق يوسف ﵇ مدحًا وثوابًا\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"إلا أنه بيَّن\".\n(^٢) في (ك): \"فازدادته\".","vol":"5","page":267},{"text":"على امتناعه عما همَّ به، وقد مدحه بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فالوجه أن تكون الرؤيةُ بمعنى العلم، والبرهانُ: ما دلَّ الله ليوسف ﵇ على تحريم ما همَّ به.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك التثبيت ثبَّتناه، أو: الأمرُ مثلُ ذلك.\n﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾: خيانةَ السيد ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾: الزنا.\n﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وقرئ بالكسر (^١)؛ أي: الذين أخلَصوا دينهم لله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1621\"> </span>(٢٥) - ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾؛ أي: تسابَقَا إليه، هو للخروج والهرب منها وهي لمنعه منه، وأصل (استَبَق) أن يتعدَّى بـ (إلى)، فحُذف الجارُّ وأُوصل الفعل، ولقد حسُن موقعه حيث كان في التعبير عن (^٢) المراد أيضًا سابقةٌ إلى المقصود، وإنما وحَّد الباب ها هنا لأن بيان تعدُّده فَضلةٌ في هذا المقام بخلاف ما سبق، والاستباق إلى الباب ينتظِم الاستباقَ إلى الكلِّ.\nوقيل: تعديتُه بالذات باعتبار تضمين التسابُق معنى تبادُر الباب طالبَينِ السبقَ، فسبقها يوسف ﵇ على ما دل عليه قوله:\n_________\n(^١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"كان في تغيير\".","vol":"5","page":268},{"text":"﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ عطفٌ على محذوفٍ مقدَّر؛ أي (^١): فأدركته وقدَّت، والقدُّ: الشقُّ طويلًا، قيل: أدركته قبل أن يخرج، فقبضته في أعلى قميصه فتخرَّق القميص عند لحوقه ونزل التخريق إلى أسفل القميص، ففي قوله: (قدَّت) دون: خرقت، بيانُ أنها جذبته من أعلى القميصِ دون أسفله، ولولا ذلك لكان المتبادِر إلى الفهم خلافَ ما هو الواقع، وهو الجذب من الذيل، فالقيد المعتبَر (^٢) في القَدِّ أصاب المحز.\n﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ أي: صادفا بعلها، تقول المرأة لبعلها: سيدي.\n﴿لَدَى الْبَابِ﴾ (لدى) مخصوصٌ بالحضور، ولا يتضمن معنى الاستحفاظ، بخلافِ (عند) فإنه قد يتضمنه ويستعمل في الغَيبة، ولهذا ذكر (عند) في قوله: ﴿عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ [يوسف: ١٧] دون (لدى)، فكلٌّ منهما صادف محزَّه (^٣).\n﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿مَا﴾ نافية؛ أي: ليس جزاؤه إلا السَّجْنَ أو التعذيب، أو استفهاميةٌ؛ أي: أيُّ شيء جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ كقولك: مَن في الدار إلا زيدٌ.\nما عيَّنتْ يوسفَ ﵇ بل عمَّت حيث قالت: ﴿مَنْ أَرَادَ﴾؛ أي: كلُّ مَن أراد بأهلك سوءًا فما جزاؤه إلا السَّجنُ أو التعذيب؛ ليكون أبلغَ فيما هو مرادُها من تخويف يوسف ﵇، وإنما كان أبلغ لأنَّه كالدليل على استيجابه للعقاب.\n_________\n(^١) في (م): \"على محذوف تقديره\".\n(^٢) في (ك): \"المقيد\".\n(^٣) في هامش (م): \"قال ابن هشام في \"مغني اللبيب\": إنك تقول: عندي مال، وإن كان غائبًا، ولا تقول: لدي مال، إلا إذا كان حاضرًا. منه\".","vol":"5","page":269},{"text":"قالت لبعلها لمَّا رآها على تلك الهيئة المُريبة إيهامًا أنها فرَّت منه؛ تبرئةً لساحتها وإغراءً له بيوسف ﵇، وهي مغتاظة عليه إذ لم يوافقها (^١)، فأرادت تخويفه عسى أن يقضي (^٢) وطرها خوفًا من مكرها حين لم يقضِ حاجتها حبًّا لها، كقولها: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢]، فجمعت بين كيدين.\nوقيل: العذاب الأليم: الضربُ بالسياط، والترديدُ (^٣) بينه وبين السجن يدل على عظم موقع السجن من ذوي الإعزاز (^٤) حيث قرنته بالعذاب الأليم.\n\n<span id=\"aya-1622\"> </span>(٢٦) - ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\nولمَّا أغْرت بيوسف ﵇ وأظهرت تُهمته، احتاج إلى إزالة التهمة عن نفسه ولذلك: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: طالبتني بالمواتاة، أتى بضمير الغيبة إذ كان غلب عليه الحياء أن يشير إليها ويعيِّنَها بالإشارة؛ لأن في المواجهة بالقبيح ما ليس في الغيبة.\nولمَّا تعارَضَ قولاهما (^٥) عند العزيز، وكان رجلًا فيه أناةٌ ونَصَفةٌ، طلب الشاهد، فالواو في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ عاطفةٌ على مقدَّر.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يرابها\".\n(^٢) في (ك): \"تخويفه حتى تقضي\".\n(^٣) في (م): \"والتهديد\".\n(^٤) في (ك): \"الإعراض\"، وفي (م): \"الإقرار\".\n(^٥) في (ف): \"قولهما\".","vol":"5","page":270},{"text":"قيل: كان ابنَ عم أو خالٍ لها صبيًّا في المهد، وما قيل: إنه كان رجلًا حكيمًا، يردُّه ما روي عن النبيِّ ﷺ أنه: \"تكلَّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى\" رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط الشيخين (^١).\nوإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها ليكون ألزمَ للحجة عليها.\n﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ من قَبيل المسامحة في أحد شقَّي الكلام لتعيُّن الآخر عند القائل بتنزيلِ المحتمل منزلةَ الظاهر (^٢)، لأن الشَّقَّ بالجذب في هذا الشقِّ أيضًا محتمَل، ومَن غفل عن هذا قال: لأنَّه يدل على أنه قصَدها فدفعت عن نفسها فقدَّت قميصه، أو أنه أسرع خلفها فتعثَّر بذيله فانقدَّ من قدَّامه (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1623\"> </span>(٢٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنَّه يدل على أنها تبعته\n_________\n(^١) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤١٦١).\n(^٢) في هامش (م): \"وذلك أنه إذا لم يتعين الآخر عند القائل لم يتم الشهادة ولم تصح، فتأمل هداية الله. منه\".\n(^٣) القائل لهذا هو البيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٦١)، وقد نقل الآلوسي ﵀ في \"روح المعاني\" (١٢/ ٢٩١) كلام المؤلف فقال: (وإلى كون الشرطية الأولى غير مقصودة بالذات ذهب العلامة ابن الكمال معرضا بغفلة القاضي البيضاوي حيث قال …) فذكر كلامه بحرفه، ثم أتبعه ببيان له عن بعض مشايخه، وله فيه بحث حسن فليراجع ثمة.","vol":"5","page":271},{"text":"فاجتذبت قميصه فقدَّته، حُكيت الشرطية بعد فعل الشهادة لأنها نوعٌ من القول، فلا حاجة إلى إرادة القول من الخارج.\nقيل: استعارة الشهادة للشرطية المذكورة لأدائها مؤدَّى الشهادة في إثبات قول يوسف ﵇ وإبطالِ قولها.\nومبناه الغفولُ عن أن القول المذكور معطوفٌ على مقدَّر به ينتظِم الكلام، وهو أمر الشهادة على الحقيقة.\nوجواب الشرط: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ﴿فَكَذَبَتْ﴾، وهو على إضمار (قد).\nوالجمع بين الاستقبال والماضي المحقَّق في الشرط والجزاء على تأويل: إنْ يُعلم أنه كان قميصه قدَّ، كقولك لمن منَّ عليك بإحسانه: إنْ أحسنتَ إليَّ فقد أحسنت إليك من قبل؛ أي: إن تمنُن عليَّ بإحسانك أمنُنْ عليك بإحساني السابق.\nوقرئ: (من قُبُلُ) و(من دُبُرُ) (^١) لأنهما قُطعا عن الإضافة كقَبْلُ وبَعْدُ، وبالفتحة كأنهما جُعلا علَمين للجهتين فمُنعا الصرف (^٢)، وبسكون العين (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) نسبت ليحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق والجارود بن أبي سبرة وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٣)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٣٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٥١).\n(^٢) نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٦١)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٥١).\n(^٣) يعني: بسكون الباء فيهما مع البناء على الضم، نسبت ليحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق والجارود في رواية عنهم. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٦١)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٥١).","vol":"5","page":272},{"text":"<span id=\"aya-1624\"> </span>(٢٨) - ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ وعَلِم صدقَه وكذبَها ﴿قَالَ إِنَّهُ﴾؛ أي: إنَّ قولَكِ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] أو: إن هذا الأمر ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾: من حيلتكُنَّ أيتها (^١) النسوان، فالخطاب لها ولجواريها، أو لها ولسائر النساء فإنهن قد اشتهَرن بشدة الحيَل.\n﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لأن كيد النساء ألطف وأعلقُ بالقلب، وأشدُّ تأثيرًا في النفس، وعن بعض العلماء: إني أخاف من النساء أكثر مما أخاف من الشيطان، وهذا لأنهن يواجهن الرجال، والشيطانُ يوسوس به مسارَقةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1625\"> </span>(٢٩) - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾.\n﴿يُوسُفُ﴾ حذف حرف النداء لقربه وكمال فطنته، وسرعة فهمه للحديث لذكائه.\nوقيل: فيه تقريب له وتلطيف لمحلِّه.\nوفيه نظر؛ لأن الاسم الظاهر على ما بيِّن في كتب المعاني طريقُ الغيبة.\n﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾؛ أي: عن هذا الأمر، أراد بالإعراض عنه كتمَه وعدمَ التحدث به.\nثم أقبلَ عليها فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرِي﴾ أنت، ثم ذكر سبب الاستغفار بقوله:\n﴿لِذَنْبِكِ﴾ ثم أكَّد ذلك بقوله: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾: من جملة القوم\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أيها\".","vol":"5","page":273},{"text":"المتعمِّدين للذنب، يقال: خَطِئَ: إذا أذنب متعمِّدًا، والتذكير تغليبًا لتأكيد التعمُّد (^١) فإن النسيان في النسوان غالب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1626\"> </span>(٣٠) - ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ النسوة: اسمٌ مفردٌ لجمع المرأة، وتأنيثُه غيرُ حقيقي كتأنيث اللُّمَّة (^٢)، ولذلك لم يلحق فعلَه (^٣) تاءُ التأنيث، وضمُّ النون لغةٌ فيه.\n﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ ظرفٌ لـ (قال)؛ أي: أشَعْنَ الحكاية في مصر، ويفهم منه كونُهن فيها، بخلاف ما إذا كان صفةً لـ ﴿نِسْوَةٌ﴾ فإنه لا يفهم منه معنى الإشاعة فيها، والوجهُ كونُه ظرفًا دون صفة.\n﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ تطلبُ مواقعةَ غلامِها إياها، والعزيز بلسان العرب: الملك، والفتى: الغلام، وعُرفُه في المملوك، وفي الحديث: \"لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي، وليقل (^٤): فتاتي وفتاي\" (^٥)، وأصله: فَتَي؛ لقولهم: فَتَيَانِ، والفُتوَّة شاذَّةٌ.\n_________\n(^١) قوله: \"والتذكير تغليبًا … \" كذا وقعت العبارة في النسخ، ولعل في الكلام سقطًا، وعبارة الزمخشري هكذا: (وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ بلفظ التذكير تغليبًا للذكور على الإناث). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٦١).\n(^٢) قوله: \"كتأنيث اللمة\": هي اسم لجماعة النساء، وفي الحديث: أن فاطمة خرجت في لُمَّة من نسائها؛ أي: في جماعة. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٦١)، و\"فتوح الغيب\" (٨/ ٣١٢).\n(^٣) \"فعله\" من (م).\n(^٤) في (ك): \"لا تقل عبدي … ولتقل\".\n(^٥) رواه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"5","page":274},{"text":"بمعنى: أنهن أشَعْن هذا الأمرَ مِن حبِّ راعيل ليوسف ﵇، وصرَّحن بإضافتها إلى العزيز مبالغةً في التشنيع؛ لأن النفوس أميلُ لسماع أخبار ذوي الأخطار وما يجري لهم.\nواخترن صيغة المضارع لدلالتها على أنه صار ذلك سجيَّةً لها تخادعُه دائمًا عن نفسه.\nثم نبَّهوا على علة ديمومة المراودة - وهي كونها والهةً في حبه - بقولهن:\n﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾؛ أي: خرق حبُّه الشَّغَافَ - وهو حجاب القلب - حتَّى وصل الفؤاد، وانتصب ﴿حُبًّا﴾ على التَّمييز المنقول من الفاعل.\nوفيه مبالغةٌ بليغة (^١) في التعشُّق بذكر الشَّغاف والإبهامِ والتبيينِ، كأنه من استيلاء حبه على قلبها قد شقَّ شَغَاف قلبها وتمكَّن في حبَّة (^٢) قلبها وسُويدائه.\nوقرئ: (شَعَفَها) من شَعَف البعيرَ (^٣): إذا هنَأه فأحرقه بالقَطِران.\nثم نقَمْن ذلك عليها فقلن: ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ﴾ عن الرُّشد وبُعدٍ عن الصواب ﴿مُبِينٍ﴾: واضحٍ للناس.\n* * *\n_________\n(^١) \"بليغة\" من (م).\n(^٢) في (م): \"وتمكن حبه في\".\n(^٣) في (ف): \"شقفها من شقف البعير\"، وفي (ك) و(م): \"شفقها من شفق البعير\". وكلاهما تحريف. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٣٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٣٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٣)، وعنه نقل المؤلف، ونسبت لعلي ﵁ وجمع من التابعين والأئمة جمعهم أبو حيان في \"البحر\" (١٢/ ٤٦٠).","vol":"5","page":275},{"text":"<span id=\"aya-1627\"> </span>(٣١) - ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ باغتيابهن، وإنما سماه مكرًا لا لأنهن أخفينه كما يُخفي الماكر مكرَه؛ لِمَا عرفتَ أن سياق الكلام يُفصح عن الإشاعة (^١)، بل لأنهن قلن ذلك ليَرَيْن يوسف ﵇.\n﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهن ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾؛ أي: سوَّت وهيَّات لهن ما يتَّكئن عليه من النَّمارق والوسائد.\nوقيل: ﴿مُتَّكَأً﴾: مجلسَ طعام وشراب؛ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب كعادة المترفِّهين، ولذلك نُهي أن يأكل الرجل متَّكئًا.\nوالأول يناسب المقام؛ لِمَا فيه من مقابَلة المكر بالمكر، كأنها قصدت بقعودهن متَّكئات والسكاكينُ (^٢) في أيديهن أن تقع أيديهن على أيديهن فيقطِّعْنها إذا لَهِيْن وشُغِلْن عن أنفسهن من الدَّهَش والحيرة عند رؤيته؛ لأن المتَّكئ إذا دُهش مال عن متَّكأه فوقعت يده على يده.\nوقرئ: (مَتْكأً) مَفْعَلًا مِن تَكِئَ يَتْكأُ: إذا اتَّكا (^٣).\nو: (مُتْكًا) وهو الأترجُّ (^٤)، أو ما يُقطع، من مَتَكَ الشيءَ بمعنى بَتكه: إذا قطَعه.\n_________\n(^١) \"لما عرفت أن سياق الكلام يفصح عن الإشاعة\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"والسكين\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٣)، \"البحر\" (١٢/ ٤٦٢).\n(^٤) نسبت لابن عباس وابن عمر وجمع من التابعين. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٣٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٣)، \"البحر\" (١٢/ ٤٦٣).","vol":"5","page":276},{"text":"﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾؛ أي: وأعطت سكِّينًا يعالَجُ به (^١) ما يُحتاج إلى قطعه مما قدِّم من اللحوم والفواكه.\n﴿وَقَالَتِ﴾ ليوسف: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وذلك في حالِ ما كنَّ يعالجن بالسكِّين.\n﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ عطفٌ على محذوف تقديره: فخرج فلمَّا رَأَيْنهُ، وحذفُه هاهنا كحذفِ: فضرب، في قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وفيه دلالة على سرعة امتثاله لأمرها إذا كان بالمعروف.\n﴿أَكْبَرْنَهُ﴾: أعظَمْنه وأُعجبن من ذاك الجمال الباهر للعقول، المدهش للقلوب، وعن النَّبِيّ ﷺ: \"رأيت يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر\" (^٢).\nوقيل: كان يُرى تَلألؤُ وجهه على الجدران كما يُرى نور الشمس من الماء عليها.\nوقيل: معنى (أَكبرن): حِضْنَ، يقال: أَكبرَتِ المرأة: إذا حاضت، وأصله: دخلتْ في الكِبَر؛ لأنها بالحيض تخرج من حدِّ الصِّغَر إلى حدِّ الكِبَر، والهاءُ هاء السَّكْت، أو ضمير المصدر، أو ضمير يوسف ﵇ على حذف اللَّام وإيصالِ الفعل؛ أي: حِضْنَ له من شدة الشَّبَق، ومنه قول أبي الطيِّب:\nخَفِ اللّهَ واستُرْذا الجمالَ ببُرقُعٍ … فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخدور العواتق (^٣)\n_________\n(^١) في (ف): \"بصالح\"، وفي (ك): \"لصالح\". وكلاهما تحريف.\n(^٢) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤٠٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وفي إسناده أبو هارون العبدي عمارة بن جُوين، وهو متروك كما في \"التقريب\".\n(^٣) انظر: \"ديوان المتنبي\" (٣/ ٨٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٥).\nورواية الديوان: (ذابت) مكان: (حاضت).","vol":"5","page":277},{"text":"﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾؛ أي: جرَّحْنها بالسكاكين لفَرْطِ الدَّهَش، والتضعيفُ للتكثير؛ كأن الجرح وقع مرارًا في اليد الواحدة وصاحبتُها لا تشعر به، لمَّا ذهلت (^١) بما راعَها من جمال يوسف ﵇، فكأنها غابت عن حسها.\nأثَّرت رؤيته ﵇ فيهن ولم تؤثَّر في امرأة العزيز لطول الصحبة والاعتياد، والتغييرُ صفة أهل البداية.\n﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهًا له تعالى من صفات العجز، وتعجُّبًا من قدرته على خلقِ مثلِه.\nو﴿حَشَ﴾ أصله: حاشا، فخفِّفت بحذف الألف، وهي كلمة تفيد معنى التبرئةِ والتنزيه، ومَن زاد على هذا قولَه: في باب الاستثناء، فقد خَبط؛ لِمَا عرفتَ أنه يفيد المعنى المذكورَ في غير مقام الاستثناء، وأنَّه في ذلك الباب لا يفيد إلا معنى الاستثناء؛ إذ لا فرقٌ بين قولك: قام القوم إلا زيدًا، وقولِك: قام القوم حاشا زيدًا.\nثم إنه مثَّل بقوله: أساء القوم حاشا زيدٍ (^٢)، ولم يدرِ أن معنى التنزيهِ إنما استفيد لدلالة الكلام على براءة زيدٍ من الإساءة؛ لأن (حاشا) في مقام الاستثناء يقتضي ذلك قطعًا، ألا يرى أنه لو ذكر بدلٌ أساء فعلًا آخر لا يفيد المعنى المذكور؟\nواللام للبيان كما في قولك: سَقْيًا لك.\n_________\n(^١) في (ك): \"دهيت\".\n(^٢) \"ثم إنه مثل بقوله أساء القوم حاشا زيد\" من (م). والمراد الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٤٦٥)، وانظر رد أبي حيان عليه في \"البحر\" (١٢/ ٤٥٧)، وقد ذكرنا في تحقيقنا له مناقشة حسنة في المسألة فلتراجع.","vol":"5","page":278},{"text":"وقرئ: (حاشا اللّهِ) بغير لام بمعنى: براءةُ اللَّه، و: (حاشًا للّه) بالتنوين على تنزيله منزلةَ المصدر (^١).\nوقيل: (حاشا) فاعَلَ من الحَشَا الذي هو الناحية، وفاعلُه ضمير يوسف ﵇؛ أي: صار في ناحيةِ اللَّه مما يتوهَّم [فيه] (^٢).\n﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ لأن مثل هذا الجمال غير معهود للبشر، وإعمال (ما) بمعنى ليس لغةُ أهل الحجاز؛ لمشاركتها في نفي الحال.\nوقرئ: (بَشَرٌ) على لغةِ تميم (^٣).\nوأما قراءة: (بِشِرى) (^٤)؛ أي: بعبدٍ مشترًى (^٥) حاصلٍ بِشِرى، فلا يطابق قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (^٦) لأن هذه الشارة الرائقة (^٧) بالحسن والهيئة في\n_________\n(^١) القراءتان في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٥)، \"البحر\" (١٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦).\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٦٢)، وما بين معكوفتين منه.\nوالمراد: بعدُه عما اتهم به وتنزيهه عنه لما رؤي فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٧٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٦٦).\n(^٤) نسبت للحسن وأبي الحويرث الحنفي. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٤٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٤٠)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٦٨). ونسب ابن عطية لمن قرأ بهذه القراءة أنه قرأ أيضًا: (إن هذا إلا مَلِكٌ كريم) بكسر اللَّام واحد الملوك، وبهذا يجاب عن عدم المطابقة التي سيذكرها المؤلف.\n(^٥) في (م): \"بعبد بشري بمعنى مشتر مشترى\".\n(^٦) يعني أن المطابق للملَك - بفتح اللَّام - هو القراءة المشهورة: ﴿بَشَرًا﴾، ويجاب عنه بما ذكرنا من قراءة: (ملِك) بكسر اللَّام.\n(^٧) في (ف): \"الرائعة\".","vol":"5","page":279},{"text":"الجمال لا تكون إلا للمَلَك، وقد رُكز في الطباع أنْ لا أحسن من الملَك ولا أقبح من الشيطان، وشبِّه كلُّ متناهٍ (^١) في الحسن والقبح بهما، أو لأن الجمع بين الجمال الرائع والعصمة البالغة لا تكون إلا للملائكة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1628\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾.\n﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾؛ أي: به، واللوم: الوصف بالقبيح على وجه التَّوبيخ والتشنيع، و(ذا) اسم إشارة، واللام لبُعد المشار إليه، و(كُنَّ) خطاب لتلك النسوة، والمعنى: إنَّ هذا الذي صَدَر (^٢) منكنَّ الإكبارُ وتقطيعُ الأيدي فيه، ونفيُ البشرية عنه وإثباتُ الملَكية له، ذلك العبدُ الكنعانيُّ [الذي] (^٣) لمتنَّني بسبب الافتتان به قبل أن تتصوَّرْنه حقَّ تصوُّره، ولو تصوَّرْتُنَّه بما عايَنْتُنَّ لعَذَرْتُنَّني.\nأو: فهذا (^٤) الذي لمتنَّني به، وإنما قيل (ذلك) وهو حاضر تعظيمًا (^٥) له، ورفعًا لمنزلته في الحُسن، واستبعادًا لمحله، والغرض أن تُثبت له استحقاقَ أن يُحب ويُفتَنن به.\n_________\n(^١) في (ك): \"مشابه\"، وفي (م): \"شاء\"، وغير واضحة في (ف)، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٤٦٦).\n(^٢) في (ك): \"صدع\".\n(^٣) زيادة من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٦٢).\n(^٤) أي: وضع (ذلك) في الآية موضع (هذا) للعلة التي ستأتي. \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٦٢).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"تفظيعا\".","vol":"5","page":280},{"text":"﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الإخبارُ عن المراودة المذكورة مؤكَّدًا بـ (قد) واللام يدلُّ على أنه لم يُخبر عنها قبل هذا، فما قيل في تفسير ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾: إنما سماه مكرًا لأنها استكتَمَتْهنَّ سرَّها فأفشَيْنَه عليها، ليس بذاك.\n﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: فامتنع طالبًا للعصمة، أَقرَّت لهن حين عرفتْ أنهن عذَرْنها كي يعاوِنَّها على إلانةِ عريكته.\nالاستعصام؛ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحفُّظ الشديد، كأنه في عصمته وهو يجتهد في الاستزادة منها، ونحوُه: استَجْمَع الرأيُ واستَفْحَل (^١) الخطبَ.\nوهذا بيانٌ لِمَا كان من يوسف ﵇ لا مزيدَ عليه، وبرهانٌ لا شيء أنورُ منه، على غاية عصمته ونهايةِ طهارته.\nوفي الفاء التعقيبية دلالةٌ على أنه (^٢) ما صدر عن يوسفَ ﵇ بين المراودة والاستعصام فعلٌ يفصله عنها، فمِن هنا تَبيَّن أن الواقع من جانبه ﵇ مجردُ همٍّ غيرِ اختياريٍّ، فما زيدَ على ذلك وذكر في كتب التفاسير والقصص مردودٌ بنصِّ الكتاب، فافهم، واللّه الهادي إلى الصواب.\n﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾؛ أي: ما آمر به، فحُذف الجار (^٣) كما في قولك: أمرتكَ الخيرَ، أوة أمري إياه، ومعناه: موجَبُ أمري ومقتضاه، فيكون الضمير له ﵇.\n_________\n(^١) في (م): \"واستعجل\"، والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٤٦٧).\n(^٢) في (ك) و(م): \"أن\"، والمثبت من (ف) وهو الصواب.\n(^٣) \"فحذف الجار\" من (م).","vol":"5","page":281},{"text":"واللام في (لئن) موطِّئة لقسم محذوف وجوابه: ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ وجاءت النون المشدَّدة لأنها آكَدُ من المخفَّفة (^١)، ثم عُطف عليها (^٢):\n﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالنون المخففة؛ لأن الصَّغار أخف من السجن، وقرئ بالنون المشددة (^٣)، والأول أولى: معنًى لِمَا تقدم، ولفظًا لأن النون كُتبت في المصحف ألفًا على حكم الْوَقْف، وذلك لا يكون إلا في الخفيفة.\n﴿مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: من الأذلَّاء، من صَغِرَ - بكسر الغين - يَصغَر صَغارًا وصَغَرًا، وأما الصغير فمن صَغُر بالضم يَصْغُر صِغَرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1629\"> </span>(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ﴾ وقرئ بالفتح على المصدر (^٤).\n﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ من ركوب المعصية، وهي محبة الاختيار والإيثار لا محبة النفس، فإنها تهوى ما تدعون (^٥) إليه، دليله قولُه: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾.\nودلت الآية على أن النسوة راوَدْنه عن نفسه، ولذلك قال: ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] ويجوز أن يكون إسناد الدعوة والمراوَدة إليهن\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الخفيفة\".\n(^٢) في (ك): \"عليه\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٦٧).\n(^٤) هي قراءة يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٩٥).\n(^٥) في (ك): \"تدعوني\".","vol":"5","page":282},{"text":"لأنهن ينصحْنَ له، وزَّينَّ له مطاوَعتَها، وقلن له: إياك وإلقاءَ نفسك في السِّجن والصَّغار.\nوقيل: إنما ابتُلي يوسف ﵇ بالسجن لأنَّهُ تجلَّد على اللَّه تعالى وتصبَّر بقوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾، وكان حقَّه أن يَسأل العافية، ولذلك ردَّ رسول اللَّه ﷺ على مَن كان يسأل الصبر (^١).\n﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾: وإن لم تصرف عني ﴿كَيْدَهُنَّ﴾ في تحبيب ذلك إليَّ وتحسينه عندي بالتثبيت (^٢) على العصمة.\n﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾: أَمِلْ إلى إجابتهن، أو إلى أنفُسهن بطبعي ومقتضَى شهوتي والصبوة: الميل إلى الهوى، ومنها: الصَّبا؛ لأن النفوس تصبو إليها لطِيب نسيمِها ورَوْحها.\nوقرئ: (أَصَبُّ) من الصَّبابة (^٣).\n﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: من الذين لا يعملون بما يعلمون؛ لأن مَن لا جدوى لعلمِه فهو ومَن لا يعلم سواءٌ، أو: من السفهاء؛ لأن الحكيم لا يفعل القبيح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1630\"> </span>(٣٤) - ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ فأجاب اللَّه تعالى دعاءه الذي تضمَّنه قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ فإن فيه معنى طلبِ الصرف والدعاءِ باللطف.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٥٢٧) من حديث معاذ ﵁ وقال: حديث حسن.\n(^٢) في (ك) و(م): \"بالتثبت\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٧).","vol":"5","page":283},{"text":"﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ تثبيتًا (^١) على العصمة، تفسيرٌ (^٢) للاستجابة.\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعوات الملتجِئين إليه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وما يصلحُهم (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1631\"> </span>(٣٥) - ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾.\n﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾: ظهر للعزيز وأهله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ هي الشواهد على براءته؛ كشهادة الصبيِّ، وقدِّ القميص، وأما قطعُ النساء أيديَهن فليس منها كما لا يخفى.\nوفاعل ﴿بَدَا﴾ مضمَر لدلالة ما يفسِّره عليه، وهو: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾.\nوالمعنى: بدا لهم بداءٌ؛ أي: ظهر لهم رأي هو ليسجننَّه، وهو جواب قسمٍ محذوفٍ، والقسم وجوابه معمولٌ لقولٍ محذوف تقديرُه: قائلين.\nوما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفَتْلِها منه في الذِّروة والغارب (^٤)، وكان مِطْواعًا لها حتَّى أنساه ذلك بعدُ ما عاين من الآيات، وعمِل برأيها في سَجنه وإلحاق الصَّغار به كما أوعدته (^٥) به، وذلك لما أَيِست من طاعته لها، أو لطمعها في أن يُذلله (^٦) السِّجن ويسخِّرَه لها.\n_________\n(^١) في (م): \"بتثبيته\".\n(^٢) في (ك): \"تفسيرًا\".\n(^٣) \"وما يصلحهم\" من (م).\n(^٤) قوله: (وفتلها منه في الذروة والغارب)، مثلٌ في الخداع؛ لأن رائض الصعبة إذا أراد رياضتها مسح سنامها وذروتها. انظر: \"فتوح الغيب\" (٨/ ٣٣٠).\n(^٥) في (ك): \"أوعدت\".\n(^٦) في (م): \"يذله\".","vol":"5","page":284},{"text":"وقرئ: (لتَسْجُننَّه) بالتاء على الخطاب (^١)، خاطَب به بعضُهم العزيز ومَن يليه، أو العزيز وحده على وجه التعظيم.\n﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى زمانٍ، كأنها اقترحت أن يُسجَنَ زمانًا حتَّى تُبصرَ ما يكون منه (^٢)، أو يحسبَ الناس أنه المجرم فلبث في السجن بضع سنين (^٣). وقرئ: (عتى) بلغة هُذيل (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1632\"> </span>(٣٦) - ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾؛ أي: عبدان للملك، قال الزجَّاج: كانوا يسمُّون المملوك فتًى شيخًا كان أو شابًّا (^٥).\nوالواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَمْضَوا (^٦) رأيهم في سَجنه فسجنوه ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ﴾؛ أي: في صحبته (^٧) ﴿السِّجْنَ﴾ فإن (مع) حقيقةٌ فيها، فلا تُصرف عنها إلى المجاز إلا لصارف، كما في قوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤].\n_________\n(^١) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٨).\n(^٢) \"منه\" من (م).\n(^٣) في (م) زيادة: \"فلبث في السجن بضع سنين\".\n(^٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٣)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٤٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٦٨)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٧٤).\n(^٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجَّاج (٣/ ١٠٩).\n(^٦) في (ك): \"أصر\".\n(^٧) في (ف) و(ك): \"صحبة\".","vol":"5","page":285},{"text":"والمعنى: أنه ﵇ دخل السجن واتَّفق أن دخل حينئذ آخران من عبيد الملك: شَرَابيَّه وخبَّازه؛ للاتهام بأنهما قصَدا أن يَسُمَّاه.\n﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الشرابيُّ: ﴿إِنِّي أَرَانِي﴾؛ أي: أرى في المنام، وهي حكايةُ حالٍ ماضيةٍ استحضارًا للصورة عند السامع؛ إظهارًا للاهتمام بتأويلها.\n﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وفي قراءة ابن مسعود: (عنبًا) (^١)، وإطلاق الخمر على العنب مجازٌ من باب تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، ونكتة المجاز بيانُ أنَّ عصره كان (^٢) للتخمير لا لأمرٍ آخر على وجه الإيجاز.\n﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ﴾: تنهشُ ﴿مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ شبَّه الإخبار بما (^٣) سيقع من الأمور المغيَّبة بتفسير المشكل والإفصاح عن معناه لإبهامه، فسماه التأويلَ، والضمير لِمَا قصَّا عليه جاريًا مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك.\n﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسنون تأويلَ الرؤيا، قالا ذلك لأنهما رأياه يعبر رؤيا بعض أهل السجن، أو: من المحسنين إلى أهل السجن فأَحْسِنْ إلينا بتأويل ما رأينا إنْ كنت تعرفه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٤٣)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٧٦)، عن ابن مسعود وأبيٍّ. قال أبو حيان: وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير؛ لمخالفته لسواد المصحف، والثابت عنهما بالتواتر قراءتُهما: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾.\n(^٢) \"كان\" من (م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"شبه لما\".","vol":"5","page":286},{"text":"<span id=\"aya-1633\"> </span>(٣٧) - ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ لمَّا استعبراه أراد أن يجعل ذلك ذريعةً إلى دعوتهما إلى التوحيد، فقدَّم لذلك مقدِّمةً باعثةً إياهما على القبول، وهي الإخبار عن المغيَّبات، كما هو طريقةُ الأنبياء ﵈ في انتهاض الفرصة في الدعوة إلى الحق تعالى، فقال: لا يأتيكما من عند أهلكما أو أصدقائكما أو من غيرهم ما تحتاجان إليه من الطعام في السجن ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾؛ أي: بيان ماهيته وكيفيته ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾.\nفجعل ينبِّئهما كلَّ يوم بما يُحمل إليهما من الطعام قبل أن يأتيَهما، ويقول: اليوم يأتيكما كذا وكذا من الطعام من صفةِ كيتَ وكيتَ، فيكون كما أَخبر.\nويجوز أن يكون الضمير في ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ راجعًا إلى ما استَعْبَراه عنه؛ أي: سأنبئكما بتأويل ما قصَصْتُما عليَّ قبل أن يأتيكما وظيفةُ الطعام الذي تُرزقانه.\nفكأنهما قالا له ﵇: كيف تعلم ذلك فهو غيب؟ فقال: ﴿ذَلِكمُا﴾ إشارة إلى التأويل أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيَّبات ﴿مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالإلهام والوحي.\n﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ تعليلٌ لِمَا قبله، وتشويقٌ لهما إلى الإيمان؛ أي: لأني تركتُ ملة قوم أنتما على دينهم وهم أهلُ مصر وكانوا مشركين، وليس هو تركًا بعد الكون فيها بل هو الامتناعُ عنها أصلًا.\n﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا أراد أن يحبِّب إليهما الإيمان، وبكرِّهَ إليهما الكفر والفسق، فقال: هذه الكرامة لأني امتنعت عن ملة قومٍ ليسوا من الإيمان باللّه","vol":"5","page":287},{"text":"في شيء، ولا من الإيمان بالآخرة، وعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسمية، وكرَّر ﴿وَهُمْ﴾، وقدَّم الآخرة، للدلالة على أنهم قوم عادتهم الكفر، فهو لهم كالطبيعة لا أمرٌ عارضٌ، وأنهم خصوصًا كافرون بالآخرة، وأن غيرهم مؤمنون وهم الذين على ملة إبراهيم ﵇، ولتخصيص كفرهم بالآخرة والجزاء فإن علمي التوحيد والمعاد هما أساس الدِّين، وللتعريض بأن ما هم عليه من الظلم والكبائر لا يرتكبه إلا مَن هو كافر بدار الجزاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1634\"> </span>(٣٨) - ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي﴾ فيه إطلاق الأب على الجد، وقد مر وجهه.\n﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾؛ أي: اتبعت (^١) ملة آبائي الأنبياء ﵈.\nويجوز أن يكون - أعني قوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾ إلخ - ابتداءَ الكلام بتمهيدِ الدعوة، بعد إظهار المعجزة وإثباتِ أنه من بيت النبوة والشرف والكمال والكرامة؛ لتقوَى رغبتُهما في قبول كلامه واتِّباعِه ووثوقُهما به، ولهذا يجوز للعالم (^٢) الخامل أن يصف نفسَه ليُعرف فيُقتبَس منه ويُهتدَى بهداه.\n﴿مَا كَانَ﴾؛ أي: ما صح ﴿لَنَا﴾ معاشر الأنبياء ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أيِّ شيء كان.\n_________\n(^١) في (م): \"وأتبعت\".\n(^٢) في (م): \"للعامل\"، وفي هامش (م): \"لعله العالم\".","vol":"5","page":288},{"text":"وتعميم مفعول ﴿نُّشُرِكَ﴾، وتأكيدُ النفي بزيادة ﴿مِن﴾ ليكون كالبرهان على امتناع إشراك الأصنام به تعالى على أبلغ الوجوه، وأنَّه إذا لم يجز الإشراك بشيءٍ ما به ولو كان أشرفَ الأشياء، فكيف بأخسِّها وهي الجمادات.\n﴿ذَلِكَ﴾ التوحيد ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بالوحي والاختصاص بالنبوة.\n﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بإرسالنا إليهم لنهديَهم إليه ونعلمَهم ونزكيَهم.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المرسلِ إليهم ﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَ اللَّه تعالى عليهم، ولا يعرفون نعمةَ الهداية، فكيف يشكرونها؟\nأو: من فضل اللَّه تعالى علينا وعليهم بنصبِ الأدلة وإنزالِ الآيات، ولكن أكثرهم لا ينظرون في الأدلة اتِّباعًا لأهوائهم، ولا يستدلون بها ولا ينتبهون لذلك الفضل، فلا يشكرون تلك النعمة السَّنيَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1635\"></span><span id=\"aya-1636\"> </span>(٣٩ - ٤٠) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ ناداهما باسم الصحبة في مكان المشاقِّ الذي تُخْلَص فيه المودةُ وتُمحَضُ فيه النصيحةُ، والمعنى: يا صاحبيَّ فيه، فأضافهما إليه على الاتِّساع كما في قوله: يا سارق الليلةِ أهلَ الدار.\nثم أورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ﴾ متكاثرون في العدد ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ بتفريق الغير، المقهورون تحت قدرته.","vol":"5","page":289},{"text":"﴿خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾: الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومُه غيرُه، مَثَلٌ ضربه لعبادة الله تعالى وحده وعبادةِ الأصنام.\nوبما قدَّمناه تبيَّن (^١) وجهُ إصابة التوصيف بالقهَّار محزَّه، وكان الظاهر مقابلةَ اللَّه بالآلهة، وإنما عدل عنه (^٢) للتنبيه على أن التعدُّد ينافي الألوهية.\nثم استطرد بعد هذا الاستفهامِ إلى الإخبار عن حقيقة ما يعبدون فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: ما تعبدون شيئًا من دون (^٣) اللَّه تعالى، والخطاب لهما ولمن على دينهما.\n﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾: إلا أسماء بلا مسمَّياتٍ أحدثتُموها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾، أي: سميتم أشياء ليس فيها معنى الألوهية آلهةً، فعبدتُموها باعتبار تلك الأسماء، فكأنكم تعبدون تلك الأسماء الخالية عن (^٤) المسميات.\n﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾: بتسميتها ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من حجة (^٥) تدل على ما يحقِّق (^٦) مسمَّياتها.\n﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في أمر العبادة والدين ﴿إِلَّا لِلَّهِ﴾ لأنَّهُ المستحق للعبادة بالذات من حيث إنه الواجب لذاتِهِ الموجدُ للكل والمالك للأمر.\n_________\n(^١) في (ك): \"ظهر\".\n(^٢) \"عنه\" من (م).\n(^٣) \"شيئًا من دون\" سقطت من (ف)، و\"شيئًا\" سقطت من (ك).\n(^٤) في (ك): \"من\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"من صحة\".\n(^٦) في (م): \"على تحقق\".","vol":"5","page":290},{"text":"ثم بين ما حكم به فقال: ﴿أَمَرَ﴾؛ أي: على لسان أنبيائه (^١) ﵈.\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الذي دلت عليه الحجج.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: تخضيصُه تعالى بالعبادة هو ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: الثابت الذي دلت عليه البراهين عقلًا ونقلًا ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبطون في جهالتهم.\nتدرَّج في الدعوة، فبدأ بتقبيح ملتهم في أعينهم وإبطالها أولًا، ثم بتحسين ملةِ التوحيد وتزيينها (^٢) عليهم، وبيانِ أنه من فضل اللَّه تعالى تنفيرًا وترغيبًا، ثم بين رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة بالتمثيل على طريق الخطابة، ثم أبطل الشرك بأنه لا حجة عليه أصلًا لا عقلًا ولا نقلًا، وأنَّه عبادة العدم البحتِ، ثم صرَّح بأن الحق هو التوحيد، وذلك هو الدِّين الثابت بالبرهان العقلي والسلطان النقليِّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، ومَن لا يعرف ذلك فهو الجاهل مطلقًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1637\"> </span>(٤١) - ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾.\n﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ لمَّا ألقى إليهما ما كان أهمَّ وهو أمرُ الدين رجاءً في إيمانهما ناداهما ثانيًا لتجتمِع أنفُسهما لسماع الجواب.\n_________\n(^١) في (ف): \"أنبياء\"، وفي (م): \"أنبيائهم\".\n(^٢) في (ف): \"وتزينها\"، وفي (ك): \"وترتبها\".","vol":"5","page":291},{"text":"﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ يريد الشرابيَّ، إنما لم يعيِّنه صريحًا إبهامًا لأمر الآخَر مهما أَمْكَنَ، واحترازًا عن المخاطبة بالقبح، والتصديرُ بـ ﴿أَمَّا﴾ للشروع في تفصيل ما قصَده من الجواب عما استفتياه.\n﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾: سيدَه، وقرئ: (رِيَّه)؛ أي: يسقي ما يرويه به (^١).\n﴿خَمْرًا﴾ كما كان يسقي قبله؛ أي: يعود إلى ما كان عليه.\nقيل: سَقَى وأَسْقَى لغتان بمعنًى واحد.\nوالذي عليه أكثر أهل اللغة أن معنى سقاه (^٢): ناوله فشرب، أو صبَّ الماء في حلقه، ومعنى أسقاه: جعل له سُقْيَا، قال تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧].\n﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ يريد الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾؛ أي: تمَّ ما تستفتيان فيه مما يَؤُول إليه أمركما، وهو ما اتُّهما فيه وسُجنا لأجله وفُرغ (^٣) عنه، وهما ظنا أن ما رأياه في معنى ما نزل بهما، فاستفتياه فيه: ما عاقبته (^٤)؟.\nوقيل: جحَدا وقالا: كذَبنا ما رأينا شيئًا وتحالمنا لنجرِّبك، فقال: إن ذلك كائنٌ سواءٌ كان منكما حُلُمًا أو تحالُمًا.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٢١)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٨٢)، و\"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٧٩)، و\"روح المعاني\" (١٢/ ٣٤٣)، وقوله: (فيُسقى) في هذه القراءة مبني للمفعول كما قيدوه في المصادر المذكورة، ولفظهم: (وقرأ عكرمة: فيُسقى ريه؛ أي: يُسقى ما يُروى به على البناء للمفعول).\n(^٢) في (ك): \"سقى\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"وفرع\".\n(^٤) \"ما عاقبته\" من (م).","vol":"5","page":292},{"text":"والاستفتاء: طلبُ الفتيا، والفتيا: جوابٌ لحكم المعنى (^١)، وهو غير الجواب عليه، وزمانُ الاستفتاء لا ينقضي ما لم يقضِ المفتي (^٢) الوطرَ في الفتيا، ولهذا قال: ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ دون: استفتيتُما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1638\"> </span>(٤٢) - ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﵇ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ الظانُّ أيضًا هو ﵇ إن كان تأويله عن اجتهادٍ، والشرابيُّ إن كان عن وحي، إلا أن يكون الظن بمعنى اليقين كما في قوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠].\nوالنَّجاء: الخلاص من (^٣) الورطة بسلامة.\n﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾: اذكر حالي عند الملك عسى أن يخلِّصني.\n﴿فَأَنْسَاهُ﴾ الضمير للشرابي ﴿الشَّيْطَانُ﴾ الإنساءُ حقيقةً من اللَّه تعالى، وإنما نُسب إلى الشيطان لأنَّهُ (^٤) كان يوسوسه إليه من الأشغال المانعةِ عن التذكُّر، والفاء للسببيَّة فإن توصيته (^٥) ﵇ به المتضمنةَ للاستعانة من غير اللَّه تعالى كانت سببًا للإنساء الذي ترتَّب عليه مكثُه في السجن مدةً مديدة.\n_________\n(^١) في (ف): \"طلب الفتيا جوابًا لحكم المعنى\"، وفي (ك): \"طلب الفتيا جواب لحكم المعنى\"، والمثبت من (م)، ولعل الصواب: (لحكم المفتى).\n(^٢) في (ف): \"يقض المعنى\"، وفي (ك): \"يقص المعنى\".\n(^٣) في (ك): \"عن\".\n(^٤) قوله: \"لأنَّهُ\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (لِمَا).\n(^٥) في (ف): \"توصيه\".","vol":"5","page":293},{"text":"﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾؛ أي: ذِكْرَ يوسف ﵇ للملك، والإضافةُ لأدنى ملابسةٍ (^١)، ومَن جوَّز أن يكون المعنى: أنسى يوسفَ ﵇ ذكرَ اللَّه تعالى حتَّى استعان بغيره، لم يَدْرِ أن حق الفاء حينئذ أن تدخل على (قال)، ويذكر (^٢) جملته بعد أختها، ولا تأييدَ لما ذكره في قوله ﵇: \"رحم اللَّه أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك، لما لبث في السجن سبعًا بعد الخمس\" (^٣) إنما تأييدُه لِمَا ذكرناه.\n﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ البضع: ما بين الثلاث إلى التسع، من البَضْع وهو القَطْع، وأكثر الأقاويل على أنه ﵇ لبث فيه سبع سنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1639\"> </span>(٤٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى﴾ حكايةُ حال فلذلك جاء بلفظ المضارع.\n﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ لما دنا فَرَجُه ﵇ رأى ملكُ مصر في المنام سبع بقرات سِمان خرجن من نهرٍ يابس، وسبع بقرات مهازيلَ، فابتلعت المهازيل السِّمان.\n﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبها ﴿وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾: وسبعًا أُخَرَ يابسات\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) وهامش (م): \"مناسبة\"، والمثبت من متن (م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٤٧٢).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وتدخل\".\n(^٣) ذكره البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ١٦٥)، ولم أجده مسندًا.","vol":"5","page":294},{"text":"قد أَدركت، فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتَّى غلَبن عليها، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قَصَّ عن حال البقرات.\nوسمان: جمع سمينٍ وسمينةٍ ككرام صفة أجريت على المميِّز دون المميَّز للقصد إلى التَّمييز بنوعٍ من الجنس.\nوالعَجَف: غايةُ الهزال، والعِجَاف: جمع عَجفاءَ، وقياسه: عُجْفًا؛ لأن فَعلاءَ وأفعلَ جُمع على (^١): فُعْلٍ، لكنه حُمل على ﴿سِمَانٍ﴾، ومن عادة العرب حملُ النقيض على النقيض كحملِ النظير على النظير.\nوإنما أُجريت ﴿عِجَافٌ﴾ وعلى ﴿وَسَبْعَ﴾ للاستغناء عن التَّمييز بالمميِّز الأول (^٢) الذي هو الجنس، والتمييز إنما يكون بالجنس، فلو جُعل ﴿عِجَافٌ﴾ مميِّزًا بدون ذكر الجنس لم يجز، كما لا يجوز: ثلاثةُ غِلاظٍ، وأربعةُ ضِخَامٍ، لعدم دلالتها على الجنس، فإذا أجريت على السبع بالوصف بالنوع بعد تمييزه بالجنس تقديرًا فرجع إلى الأول (^٣).\n﴿وَأُخَرَ﴾ عطفٌ على ﴿سَبْعَ﴾، ﴿يَابِسَاتٍ﴾ منصوب المحل صفتُه، على قياس ﴿عِجَافٌ﴾ في الأول.\n﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ خطاب للأعيان والأشراف من العلماء والحكماء.\n﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ عبِّروها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا﴾ أراد الجنس، فلذلك عدَل عن الضمير، واللام للبيان، أو لتقوية العامل لأن الفعل إذا تأخر عن معموله ضعُف\n_________\n(^١) \"على\" سقطت من (ف) و(ك).\n(^٢) \"الأول\" من (م).\n(^٣) في (م): \"الأولى\".","vol":"5","page":295},{"text":"تأثيره فقُوِّي باللام كاسم الفاعل، ويجوز أن يكون ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ خبرَ (كان) كما تقول: فلان لهذا الأمر، إذا كان مستقلًّا به متمكِّنًا فيه.\nو﴿تَعْبُرُونَ﴾ حالٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ، وإن تضمَّن ﴿تَعْبُرُونَ﴾ معنى فعلٍ تعدَّى باللام، كأنه قيل: إن كنتم تنتدِبون لعبارة الرؤيا.\nوالعبارة: المجاوَزة، وعَبَرْتُ الرؤيا: جاوَزْتها؛ أي: جاوزتُ صورتَها المخيَّلة المرئيَّة إلى الصورة الكائنة في نفس الأمر التي انتقلت المتخيَّلة منها إلى المرئية، وكذا أوَّلْتُها؛ أي: ذكرتُ مآلها وما ترجع هي إليه من الصورة الواقعة في نفس الأمر.\nوعَبَرْتُ أثبتُ عند أهل اللغة، وعبَّرت بالتشديد للمبالغة كقطَعْتُ وقطَّعْتُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1640\"> </span>(٤٤) - ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: هذه أضغاثُ أحلام، أو: أمثالُ هذه أضغاث أحلام؛ أي: تخاليطها، جمعُ ضِغْثٍ وهو ما جُعل من أخلاط النبات وحُزم، شُبِّه بها ما تَجمعه المتخيّلة من أحاديث النفس ووساوس الشيطان، فاستُعير للرؤيا الكاذبة.\nوالأحلام: جمع حُلُم بالضم، وهو رؤيا كاذبةٌ لا حقيقةَ لها، وفي الخبر: \"الرؤيا من اللَّه والحلُمُ من الشيطان\" (^١) أخرجه عن جنس الرؤيا لعدم ترتُّب أثره عليه.\nوالإضافة بمعنى (مِن)؛ أي: أضغاثٌ من أحلام، وإنما جمع ولم يكن إلا حُلمًا واحدًا لتضمُّنه أشياءَ مختلفةً، وقيل: للمبالغة في الوصف بالبطلان؛ كقولهم: فلان\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٧٤٧)، ومسلم (٢٢٦١)، من حديث أبي قتادة ﵁.","vol":"5","page":296},{"text":"يركب الخيل ويلبس عمائم الخزِّ، لمن لا يركب إلا فرسًا واحدة وماله إلا عمامةٌ واحدة، تزيُّدًا (^١) في الوصف.\nوعلى تقدير: أمثال، يكون الجمع على ظاهره.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ بتأويل المنامات الباطلة ﴿بِعَالِمِينَ﴾ لمَّا أجابوا بقولهم: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ عن سؤال التعبير، وأسقطوا احتمال السؤال بطلب التأويل لأنَّهُ أوسع دائرة من التعبير، فتداركوه بإظهار العجز عن تأويل الأباطيل، وفيه دليل على أنهم نزَّلوا ما رآه لتضمُّنه الأشياء منزلةَ الأحلام، وإلا لكان حقَّهم أن يقولوا: وما نحن بتأويل الحلم بعالمين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1641\"></span><span id=\"aya-1642\"> </span>(٤٥ - ٤٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: من صاحبي السجن وهو الشرابي.\n﴿وَادَّكَرَ﴾ جملة حالية، و(ادكر) بالدال المهملة (^٢) وهو الفصيح، وعن الحسن: (واذَّكر) بالذال المعجمة (^٣)؛ أي: تذكَّر.\n﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: بعد جماعة من الزمان طويلةٍ، حين استفتَى الملك في رؤياه،\n_________\n(^١) في النسخ: \"تزيد\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٧٥)، و\"الدر المصون\" (٦/ ٥٠٧)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٨٢).\n(^٢) \"المهملة\" من (م).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٧٥).","vol":"5","page":297},{"text":"وأَعضَل (^١) على الملأ تأويلُها، وقرئ: (إمَّة) بكسر الهمزة (^٢) وهي النعمة؛ أي: بعدما أُنعم عليه بالنجاة من القتل.\nوقرئ: (بعد أَمَهٍ) بالهاء؛ أي: بعد نسيان (^٣).\n﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ عمن عنده علمه ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إليه لأسأله عنه، والمعنى: فأرسَلوه إلى ﴿يُوسُفُ﴾ ﵇، فأتاه فقال: ﴿يُوسُفُ﴾ فحُذف - إيجازا.\n﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ ناداه بالصِّديق - وهو المبالِغ في الصدق - لأنَّهُ عرَف صدقَه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، واختبر حاله في السجن.\n﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾؛ أي: في رؤيا ذلك.\n﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾: إلى الملك ومَن عنده، وإنما بني الكلام على الظن لأنَّهُ تأدَّب بصحبة يوسف ﵇ فلم يجزمْ في الرجوع إليهم، فربما اختُرم دونه، ولا في علمهم فربما لم يعلموا، وقيل: لم يكن السجن في المدينة.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فضلك ومنزلتك، فيخلِّصونك من محنتك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1643\"> </span>(٤٧) - ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وأغفل\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٤٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٧٥).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٧٦)، ورواها الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ١٨٤ - ١٨٦) عن ابن عباس وجمع.","vol":"5","page":298},{"text":"﴿قَالَ تَزْرَعُونَ﴾ خبرٌ في معنى الأمر؛ كقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ [التوبة: ٤٤] وفائدة إخراج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمور به، وللاعتناء (^١) بشأنه، فجُعل كأنه قد يوجد فيخبَر عنه، والدليل على أنه في معنى الأمر قوله: ﴿فَذَرُوُه﴾.\n﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ بسكون الهمزة وتحريكها، مصدر دَأَب في العمل: إذا واظَبَ؛ أي: على عادتكم المستمرةِ، وانتصابه على الحال بمعنى: دائبين، أو المصدر بإضمار فعله؛ أي: تَدْأبون دأَبًا، وتكون الجملة حالًا.\n﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يتسوَّسَ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ في تلك السنين، نصيحةٌ خارجةٌ عن التعبير، وإشارةٌ برأيٍ نافعٍ بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين إلا بحيلةِ إبقائها في السنبل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1644\"> </span>(٤٨) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾؛ أي: سبعُ سنين شدادٌ، فحذف المميَّز لدلالة قوله: ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ عليه.\n﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أسند الأكل إليهنَّ على سبيل المجاز من حيث إنه يؤكل فيها؛ كما قال: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: ٦٧] تطبيقًا بين المعبَّر والمعبَّر به.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحرِزون لبذور الزراعة.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"والاعتناء\".","vol":"5","page":299},{"text":"<span id=\"aya-1645\"> </span>(٤٩) - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾ لم يقل: سنةٌ؛ لغلبتها في عام القحط.\n﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: يمطرون فيه، من الغيث، أو: يغاثون من القحط، من الغوث، والغيث: المطر الذي يجيء في وقت الحاجة، وباعتبار هذا القيد فيه حَسُن موقعه في قولهم: الغيث لا يخلو عن الغيث (^١)، ففي الأول مبنيٌّ من ثلاثي وفي الثاني من رباعي، تقول: غاثنا الله، من الغيث، و: أغاثنا، من الغوث، والغوث: النفع (^٢) الذي يأتي على شدة حاجته بنفي (^٣) المضرة.\n﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ ما يُعصر كالعنب والقصب والزيتون والسمسم؛ لكثرة ما يعصرون من الفواكه وغيرها، وقيل: يحلبون الضروع.\nوقرئ: ﴿تعصرون﴾ بالتاء (^٤) على تغليب المستفتي.\nوقرئ على بناء المفعول (^٥)، من عَصَره: إذا أنجاه، ويحتمل أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضًا منه؛ أي: يغيثهم الله، أو يغيث بعضُهم بعضًا، أو من\n_________\n(^١) من قوله: \"والغيث: المطر الذي يجيء .. \" إلى هنا من (م).\n(^٢) \"النفع\" من (م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"على شدة خاصية تنفي\".\n(^٤) قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٩).\n(^٥) قرئ على بناء المفعول بالياء والتاء، فالياء تنسب لجعفر بن محمد والأعرج وعيسى البصرة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٤٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٧٧)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٩٣). والتاء نسبت لعيسى البصرة. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١١/ ٣٧٠)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٩٣).","vol":"5","page":300},{"text":"أَعْصَرت السحابة (^١) عليهم، فعدِّي بنزع الخافض، أو بتضمينه معنى المطر.\nوهذه بشارةٌ بشَّرهم بها بعد أن أَوَّلَ البقرات السِّمانَ والسنبلات الخضرَ بسنينَ مُخْصِبةٍ والعجافَ واليابساتِ بسنينَ مُجْدِبةٍ، وإتباعَ العجافِ السمانَ بأكلِ ما جُمع في السنين المخصِبة في السنين المجدبة، نصحهم وهداهم إلى التدبير فيها، ثم بشَّرهم بأن العام الثامن يجيءُ خصبًا، وذلك إمَّا بالوحي وإمَّا بالعلم بأن انتهاء الجَدْب إلى الخِصْب، وأن السنَّة الإلهية جاريةٌ بالتوسيع على العباد بعد التضييق عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1646\"> </span>(٥٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ بعد ما جاءه بالتعبير: ﴿ائْتُونِي﴾؛ أي: بالمعبِّر، ففي الكلام حذف.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ يوسفَ ﵇ ليخرجه من السجن ﴿قَالَ﴾ يوسف ﵇: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ إنما تأنَّى وتثبَّت (^٢) في إجابة الملك، وقدَّم سؤال النسوة لتَظهر براءة ساحته عما قُرف (^٣) به، وفيه دليل على أن السعي في دفع التُّهم واجب وجوبَ اتِّقاءِ الوقوف في مواقعها، وعن النَّبِيّ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"السماء\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٤٧٧)، و\"البحر\" (١٢/ ٤٩٣)، ولفظ البحر: (أعصرت السحابة ماءها عليهم).\n(^٢) في (ف): \"وثبت\"، وسقطت من (ك).\n(^٣) في (ك): \"قذف\".","vol":"5","page":301},{"text":"﵇: \"لو كنت مكانه أو لبثتُ في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة\" (^١).\nومن زاد على ما ذكر قوله: ويُعلَم أنه سُجن ظلمًا فلا يقدر الحاسد أن يتوسَّل إلى تقبيح أمره، لم يُصب؛ لأن التعجيل أعونُ على دفع الوهم المذكور، فإن في التأخير مخافةَ الآفَة، وحالُ السؤال لا يَختلف بكونه في داخل السجن وخارجَه، ولذلك قال ﵇: (لأسرعتُ الإجابة) وفي بعض الروايات: \"ما أُخبرهم\" يعني: عن تعبير الرؤيا \"حتَّى أشترطَ أن يخرجوني\" (^٢).\nوإنما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ولم يقل: فاسأله أن يفتِّش عن حالهن، تهييجًا له على البحث وتحقيق الحال؛ لأن الإنسان إذا سئل عن شيء جد (^٣) فيه واجتهد في تحقيقه، بخلاف ما إذا التُمس منه شيء.\nوإنما لم يتعرض لامرأة العزيز صريحًا وقصدًا مع ما صنعت به كرمًا ومراعاةً للأدب، وإنما قلنا: صريحًا وقصدًا؛ لأن التعرض للمقطِّعات أيديهنَّ يستلزم التعرُّض بها، والسؤال عن بالهن يؤدي إلى السؤال عن بالها.\n﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حين قلنَ لي: أطع مولاتك، تعظيم لكيدهن بأنه كيد\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٨٥٥٤) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"لو كنتُ أنا لأسرعتُ الإجابةَ، وما ابتغيْتُ العذرَ\". ورواه البخاري (٤٦٩٤)، ومسلم (١٥١) بلفظ: \"ولو لَبِثْتُ في السجنِ طُولَ ما لبثَ يوسفُ، لأجبتُ الدَّاعيَ\".\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ٣٢٣) عن عكرمة عن النَّبِيّ ﷺ مرسلًا، وروي متصلًا من حديث ابن عباس ﵄ بإسناد ضعيف جدًا كما قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية، رواه ابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (١٦٠)، والطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ١٧٣).\n(^٣) في (ك): \"أجد\".","vol":"5","page":302},{"text":"بعيد الغور لا يَعلم كُنْهَه إلا اللَّه تعالى، واستشهاد بعلم اللَّه عليه وعلى أنه بريء مما اتُّهم به، وإيعاد لهن بأن اللَّه عليم بكيدهنَّ فيجازيهنَّ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1647\"> </span>(٥١) - ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿قَالَ﴾؛ أي: الملك مخاطبًا لهن بعد إحضارهن، ففي الكلام حذف.\n﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾: ما شأنكن، والخطب: أمر يحقُّ أن يخاطب فيه صاحبه لعظمه.\n﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾: هل وجدتن منه ميلًا إلى ما دعوتُموهنَّ إليه.\n﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تعجُّبًا من عفته وذهابه بنفسه (^١) عن شيء من الريبة، ومن نزاهته عنها.\n﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ بالَغْنَ في نفي جنس المكروه عنه ﵇ بالتنكير وزيادةِ ﴿مِن﴾، وإنما قلن: ﴿عَلَيْهِ﴾ لأن مرادهن نفيُ ما يسوءُه لا ما يسوءُ الغير.\n﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ فصَله عما قبله ولم يقل: وقالت؛ لأن مبنى الوصل على دخولها في الخطاب بقوله: ﴿مَا خَطبُكُنَّ﴾ وليست بداخلةٍ فيه.\n﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾: ثبت واستقر، من حصحص البعير: إذا ألقى مباركه ليُناخ، أو: ظهر، من حصحص شعرَه: إذا استأصله بحيث ظهر بشرةُ رأسه.\nلما سمعت مقالتَهن في براءة يوسف أقرَّت بأعظمَ مما أَقررن به، إذ كانت هي أقوى سببًا فيما جرى من المراودة ومن سَجنه، ولا بيِّنةَ أجلى من\n_________\n(^١) \"وذهابه بنفسه\" من (م).","vol":"5","page":303},{"text":"اعترافهن على أنفُسهن، وشهادتهنَّ له بالبراءة والنزاهة وهن خصومُه، والفضل ما شهدت به الأعداء.\n﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾ عن نفسي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1648\"> </span>(٥٢) - ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.\n﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ من كلام يوسف ﵇ لما جاء الرسول وأخبره بكلامهن فحذف ما حذف لدلالة الكلام عليه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٩، ١١٠] ثم قال: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وهو من كلام فرعون يستشيرهم بذلك مخاطبًا إياهم.\nأي: ذلك التثبيت لِيَعْلَمَ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ بظهر الغيب في حرمه، وهو حال من الفاعل أو المفعول؛ أي: لم أخنه وأنا غائب عنه، أو هو غائب عني، أو ظرفٌ؛ أي: بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: وليَعلم أن اللَّه ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾؛ أي: لا يهدي الخائنين في كيدهم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ أي: لا تتبع المفسدين في سبيلهم، وقوله: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٣٠]؛ أي: يضاهون الذين كفروا في قولهم؛ وهذه طريقة دقيقة لا يسلكها إلا مَن له السليقة.\nوفيه تعريض بامرأة العزيز في خيانتها أمانةَ زوجها، وتوكيد لأمانته، ولذلك عقَّبه بقوله:\n\n<span id=\"aya-1649\"> </span>(٥٣) - ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.","vol":"5","page":304},{"text":"﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ لتزكيةَ نفسه، وهضمًا لها، واحترازًا عن إعجابها بأمانتها وعصمتها، وإقرارًا بأن ذلك بتوفيق اللَّه تعالى ورحمته وتسديده وعصمته لا منه، أي: وما أبرِّئُ نَفْسي من الزلل، ولا أزكِّيها، ولا أشهد لها بالبراءة، وهي (^١) - أعني: نفيَ التبرئة والتنزيه - إما مختصَّة بهذه الواقعة وإرادة الهمِّ المذكور الذي هو ميل النفس لا القصدُ الاختياري، وإما عامة في جميع الأحوال.\n﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تعليل وتأكيد بعد التلويح، والمراد بالنفس: الجنس؛ أي: هذا الجنس كلُّه دائم الأمر بالسوء، حاملٌ عليه بما فيه من الشهوات، باعث للقُوى والجوارح عليه.\n﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾: إلا ما عصمه اللَّه برحمته، نصب على الظرف من أعمِّ الأوقات؛ أي: إلا وقتَ رحمة ربي وعصمته، أو على الاستثناء المتصل؛ أي: إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعصمة، واللام في ﴿النَّفْسَ﴾ للاستغراق حتَّى يصح الاستثناء.\nويجوز أن يكون استثناء منقطعًا؛ أي: ولكن رحمةُ ربي هي التي تصرف السوء؛ كقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً﴾ [يس: ٤٣، ٤٤].\nوقيل: هو من كلام امرأة العزيز؛ أي: ذلك الذي قلتُ ليَعلم يوسف أني لم أخنه؛ أي: لم أكذب عليه في حال الغيبة، وجئت بالصدق فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإني قد خنته حين قذفتُه وقلتُ: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، فهو اعتذار منها عما سلف، إنَّ كل نفس لأمَّارة بالسوء إلا نفسًا رحمها اللَّه تعالى بالعصمة كنفس يوسف، وفيه تكلُّفُ صرف الخيانة عن معناها إلى معنى الكذب.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وهو\".","vol":"5","page":305},{"text":"﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر همَّ النفوس ويرحم ما (^١) يشاء بالعصمة، أو: يغفر للمستغفر لذنبه المعترِف على نفسه ويرحمه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1650\"> </span>(٥٤) - ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ لمَّا أَخبر النساءُ بما أَخبرن قال ملك مصر: جيئوني به ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أجعله خالصًا لنفسي، لِمَا ظهر عنده من علمه وصلاحه.\n﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ معطوفٌ على محذوفٍ تقديره: فأتوا به فاستنطقه؛ أي: الملك، فالفاعل لـ (كلَّم) ضمير يوسف ﵇؛ أي فلما كلم يوسف الملك ورأى حسن منطقه لما صدق به الخبر، قيل: كان الملك يعرف سبعين لسانًا، فكلَّمه بها فأجابه بجميعها فتعجَّب منه (^٢).\n﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾؛ أي: ذو مكان ومنزلة.\n﴿أَمِينٌ﴾: مؤتمن على كل شيء، قيل: توفي العزيز في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوَّج منه زوجته، فوجدها عذراء وولد له منها أفرايم وميشا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1651\"> </span>(٥٥) - ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"من\".\n(^٢) مبالغات اعتاد بعض المفسرين حشو كتبهم بها، ولا سند لها ولا صحة.","vol":"5","page":306},{"text":"﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مكنِّي (^١) أمرَها، والأرضُ أرض مصر، لمَّا وصفه الملك بالتمكن عنده والأمانة طلب من الأعمال ما يناسب هذين الوصفين.\n﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ لها أحفظ ما استُحْفِظْتُه ﴿عَلِيمٌ﴾ بوجوه التصرف.\nوصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين هما طلبةُ الملوك ممن يولُّونه، وإنما قال ذلك ليَتوصَّل به إلى إمضاء أحكام اللَّه، وإقامةِ الحق، وبسطِ العدل، والتمكُّنِ مما لأجله يُبعث الأنبياء ﵈، ولعلمه أن أحدًا لا يضيع بذلك ولا يقوم مقامه فيه، فطلب التولية ابتغاء وجه اللَّه تعالى لا لحب الملك والدنيا.\nوفيه دليل على جواز طلب التولية، وإظهارِ أنه مستعد لها، والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق إلا بالاستظهار به، وعن مجاهد أنه قد أسلم على يده ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1652\"> </span>(٥٦) - ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثلَ ذلك التمكين الظاهر ﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرضَ مصر.\n﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾: ينزل من بلادها حيث يهوى؛ لدخول جملتها تحت ملكه (^٢) وسلطانه.\n﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾: بعطائنا ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ في الدنيا والآخرة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"كلني\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"مملكته\".","vol":"5","page":307},{"text":"﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بل نوفِّي أجور إحسانهم عاجلًا وآجلًا، ولا نَنْقُص من أجورهم في الآخرة بسبب ما أعطيناهم من الملك والغنى شيئًا، ولهذا قال:\n\n<span id=\"aya-1653\"> </span>(٥٧) - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ لأنَّهُ الدائم الذي لا يَفْنَى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: داوموا على التقوى، من باب وضع الظاهر موضعَ الضمير؛ تنويهًا بذكر الإيمان والتقوى، وتبيينًا لماهية الإحسان وأصلِه بأنه هو الإيمانُ والتقوى؛ أي: العلم والعمل، وإيماءً إلى أن أجر الآخرة إنما يُستحق بهما وأن غيرَ المؤمن التقيِّ - أعني عن الشرك - لا نصيب له في الآخرة.\nقال سفيان بن عيينة ﵀ (^١): المؤمن يثاب على حسناته في الدنيا والآخرة، والفاجر يعجَّل له الخير في الدنيا ومالَه في الآخرة من خلاق، وتلا هذه الآيةَ.\nوفيها (^٢) شهادة من اللَّه تعالى ليوسف بالإحسان، وإشارةٌ إلى أن حاله في الآخرة خير من حالته العظيمة في الدنيا، وإيذانٌ بأن الإحسان هو الذي لا يُضيع الله تعالى أجره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1654\"> </span>(٥٨) - ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.\n﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾؛ أي: من كنعان من أرض الفلسطين من نواحي الشام إلى مصر ليمتاروا منها، فتوصَّلوا إلى يوسف للميرة، روي أنه أصاب بلاد الشام\n_________\n(^١) في (ف): \"رح\"، وفي (م): \"رحمة\"، وليست في (ك).\n(^٢) في (م): \"وفيه\".","vol":"5","page":308},{"text":"وأرض كنعان نحوَ ما أصاب أرض مصر، فأرسل يعقوب ﵇ بنيه ليمتاروا واحتَبس بنيامين عنده.\n﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ لأنَّهُ فارقهم وهم رجال ملتحُون، ورأى زَّيهم قريبًا مما كان من قبلُ.\n﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لأنهم فارقوه في سن الحداثة غيرَ ملتحٍ، ولحسبانهم أنه هلك، ولبُعد حاله التي بلغها من الملك والسلطان عن حاله التي فارقوه عليها، وتبدُّلِ زِّيه وأُبَّهته، إلى ما بهم ولِمَا نابهم من التهييب والاستعظام مما ينكَر له المعروف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1655\"> </span>(٥٩) - ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾: أصلحهم بعدتهم وأَوْقَر ركابهم (^١) بما جاؤوا له من الميرة.\nوقرئ: (بجِهازهم) بالكسر (^٢)، والجهاز بالفتح والكسر: عُدة المسافر من الزاد وما يحتاج إليه المسافرون، وقيل: هو فاخرُ المتاع الذي يحمله؛ أي: من (^٣) بلدٍ إلى بلدٍ أخرى، ومنه جهاز العروس.\n﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ لا بد من مقدمة تقتضي هذا الأمر، روي: أنهم لما\n_________\n(^١) في (ك): \"ركائبهم\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٨٤).\n(^٣) في (م): \"الذي يحمل من\".","vol":"5","page":309},{"text":"دخلوا عليه قال: مَن أنتم؟ وما أمركم؟ لعلكم عيون! قالوا: معاذ اللَّه نحن بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخ صِدِّيق نبيٌّ من أنبياء اللَّه تعالى اسمه يعقوب، قال: كم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك، قال: فكم أنتم هاهنا؛ قالوا: عشرة، قال: فأين الحادي عشر؟ قالوا: عند أبينا يَتسلَّى به من الهالك، قال: فمَن يشهد لكم؟ قالوا: لا يعرفنا هاهنا مَن يَشهد لنا، قال: فدعوا بعضَكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من أبيكم حتَّى أصدِّقكم، فاقترعوا فأصابت شمعون (^١).\nوقيل: كان يوسف ﵇ يعطي لكلِّ نفر حملًا، فسألوا حملًا زائدًا لأخٍ لهم من أبيهم، فأعطاهم وشَرَط عليهم أن يأتوه به ليَعلم صدقهم، ثم ذَكر ما يحرِّضهم على الإتيان بأخيهم:\n﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾: أُتِمُّه ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ للضيف؛ أي: المضيفين، يعني: في قطره وفي زمانهم (^٢)، وكان قد أحسن إنزالهم وضيافتَهم يؤنِسُهم بذلك ويستميلهم، ثم يُوْعدهم (^٣) إن لم يأتوا إليه به بحرمانهم من الميرة في المستقبل بقوله:\n\n<span id=\"aya-1656\"> </span>(٦٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ﴾: فلا طعام.\n﴿لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ يحتمل أن يكون نهيًا، وأن يكون نفيًا مستقبَلًا معناه النهيُ وحُذفت النون وهو مرفوعٌ كما حذفت في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]\n_________\n(^١) انظر \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٦٢ - ٢١٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٨٤).\n(^٢) في (ك): \"أزمانهم\".\n(^٣) قوله: \"يوعدهم\" كذا في النسخ، ولعل الأحسن: (توعَّدهم).","vol":"5","page":310},{"text":"وأن يكون نفيًا داخلًا في الجزاء (^١) معطوفًا على محل فلا كيل لكم عندي فيكون مجزومًا، تلطف في استحضار بنيامين بالترغيب والترهيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1657\"> </span>(٦١) - ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾: سنخادعه عنه ونحتال حتَّى ننزِعَه من يده، ثم أكَّدوا ذلك الوعد بقولهم: ﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ذلك لا محالة، لا نتوانى فيه ولا نقصِّر، أو: لقادرون على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1658\"> </span>(٦٢) - ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾: لغلمانه الكيالين، جمع فتًى، وقرئ: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ (^٢) على جمع الكثرة ليوافق قوله:\n﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ فإنه وكَّل بكلِّ رَحْلِ واحدًا (^٣) يعبِّئ فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام، وكانت نعالًا وأدمًا (^٤)، وإنما فعل ذلك توسيعًا وتفضُّلًا عليهم، وترفُّعًا من أن يأخذ ثمن الطعام منهم، وخوفًا من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به، والرحل: آلة السفر من وعاء ومركب.\n_________\n(^١) في (ف): \"الخبر\".\n(^٢) قراءة عاصم وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٩).\n(^٣) في (ك) و(م): \"واحد\".\n(^٤) بضم الهمزة وفتحها: جمع أَدَم، وهو الجلد المدبوغ. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٨٩).","vol":"5","page":311},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾: لعلهم يعرفون حقَّ ردِّها، أو: لكي يعرفوها (^١).\n﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ﴾ وفتحوا أوعيتهم.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1659\"> </span>(٦٣) - ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾: حُكِمَ بمنعه بعد هذا إنْ لم يذهب بنيامين ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ﴾ ما نحتاج إليه من الطعام؛ لوجود الشَّرط ورفع (^٢) المانع.\nوقرئ: ﴿يَكْتَلْ﴾ بالياء (^٣)؛ أي: يَكتلْ أخونا فينضمَّ اكتيالُه إلى اكتيالنا، ويجوز أن يكون المعنى: يكنْ سببًا للاكتيال، على الإسناد المجازي؛ لأن امتناعه بسبب (^٤) عدم ذهابهم به، فإذا أُرسل معهم كان هو سببًا لاكتيالهم، فكأنه هو المكتال (^٥).\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ عن أن يناله مكروه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"يعرفونها\".\n(^٢) في (ف): \"ودفع\".\n(^٣) قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٩).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"سبب\".\n(^٥) في (م): \"المكيال\".","vol":"5","page":312},{"text":"<span id=\"aya-1660\"> </span>(٦٤) - ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، وهذا تقريرٌ وتوقيفٌ وتألُّم من فراقه بنيامين، ولم يصرِّح بمنعه من إرساله (^١) لِمَا رأى في ذلك من المصلحة، وشبَّه هذا الائتمانَ في ابنه هذا بائتمانه إياهم في حقِّ يوسف ﵇، كأنه يقول: قد قلتم فيه: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ كما قلتم في هذا، فأخاف أن تَكيدوا له كما كِدْتم لذلك، لكنه لم يَخَفْ عليه كما خاف على يوسف ﵇ واستسلم للّه تعالى (^٢).\n﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ عليه وأعتمدُ على حفظه وكلاءته دونهم، ورضي بدفعه إليهم.\nوقرئ: ﴿حِفْظًا﴾ (^٣)، وانتصابه وكذا انتصابُ ﴿حَافِظًا﴾ على التَّمييز، وكون ﴿حَافِظًا﴾ حالًا ليس بجيدٍ؛ لأن فيه تقييدَ ﴿خَيْرٌ﴾ بهذه الحالة (^٤).\n﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليَّ مصيبتين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1661\"> </span>(٦٥) - ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ولم يمنعه من إرساله\". وفي \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٥٩): (ولم يصرح بمنعهم من حمله).\n(^٢) في (م) زيادة: \"فقال\".\n(^٣) قراءة ابن عامر وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٩).\n(^٤) في (ف): \"الحال\".","vol":"5","page":313},{"text":"﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: وُضعت في رحالهم، وقرئ: (رِدَّت) بكسر الراء (^١) على أن كسرة الدَّال المدغمةِ نُقلت إلى الراء، كما قيل: قيل وبيع.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ ﴿مَا﴾ هذه استفهاميةٌ منصوبةُ المحل؛ أي: أيَّ شيء نطلبُ وراء هذا، هل من مزيد على ذلك؟ أكرمَنا وأحسنَ مثوانا، وردَّ علينا متاعنا.\nأو نافية؛ أي: ما نبغي في القول وما نزيد فيما وصفنا لك (^٢) من إحسانِ الملِكِ.\nورُوي: (ما تبغي) بالتاء على الخطاب (^٣)؛ أي: أيَّ شيء تَطلبُ وراء هذا من الإحسانِ، أو الشاهد على صدقنا.\n﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ جملةٌ استئنافية وقعت بيانًا لقوله: ﴿مَا نَبْغِي﴾.\n﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ عطفٌ على محذوف؛ أي: هذه بضاعتنا ردت إلينا فنستظهِر بها ونمير أهلنا، إذا فُسر البغي بالطلب، وإذا فسر بالكذب والترديد (^٤) في القول، جاز أن يعطف ﴿نَمِيرُ﴾ على ﴿مَا نَبْغِي﴾، ويجوز أن يكون كلامًا مبتدَأً؛ أي: ونبغي أن نمير أهلنا، كقولك: سعيت في حاجة فلان ويجب عليَّ أن أسعى له.\n﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ عن المخاوف في الذهاب والإياب.\n_________\n(^١) نسبت للأعمش ويحيى بن وثاب وعلقمة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٤٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٦٠)، و\"البحر\" (١٢/ ٥٠٩).\n(^٢) \"لك\" من (ك).\n(^٣) نسبت لابن مسعود وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٨٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٢/ ٣٦٠)، و\"البحر\" (١٢/ ٥١٠).\n(^٤) في (ك): \"والتزيد\".","vol":"5","page":314},{"text":"﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾؛ أي (^١): وَسقَ بعيرٍ باستصحابِ أخينا، لزيادة وسعةٍ على أوساقِ أباعرنا، فما نبغي وراء هذه المساعي.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الذي جئنا به ﴿كَيْلٌ﴾: مكيلٌ ﴿يَسِيرٌ﴾ لا يكفينا، فلا بد أن نرجع إليه ونضاعفه، أو: ذلك الزائد لأخينا مكيلٌ قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظَمه، أو: ذلك الذي نمير ويكال لنا شيء يسير يزاد عليه ما يكال لأخينا.\nوقيل: هو من كلام يعقوب ﵇؛ أي: ذلك المزادُ - وهو حملُ بعيرٍ واحدٍ - شيءٌ يسير لا يخاطَر بمثله بالولد؛ كقوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ [يوسف: ٥٢].\nويأباه تأخير ﴿قَالَ﴾ عنه، فإن حقَّه حينئذ أن يقدَّم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1662\"> </span>(٦٦) - ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.\n﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ﴾ البتة بعدما رأيت منكم ما رأيت ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: ما أتوثَّق به من عند الله، يعني: الحَلِفَ باللّه.\nوإنما جعله مَوْثِقًا مِن اللّه تعالى؛ لأن الحَلِفَ باللّه مما يؤكَّد به العهود، وقد أذن اللَّه تعالى فيه فهو إذنٌ منه تعالى.\n﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جواب القسم؛ لأن معنى: ﴿حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا﴾ [يوسف: ٦٦]: حتَّى تحلِفوا لي.\n﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾: إلا أن تَهْلِكوا، أو: إلا أن تُغلبوا فلن تُطيقوا الإتيان به،\n_________\n(^١) \"أي\" من (م).","vol":"5","page":315},{"text":"مفعول له (^١)، وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ في تأويل النفي؛ أي: لا تتركوه لعلةٍ مّا إلا لعلةِ الإحاطة بكم؛ لأنَّهُ استثناءٌ مفرَّغ من أعمِّ العلل، فلا يكون إلا في النفي؛ كقولك: أقسمت باللّه إلا فعَلْتَ؛ أي: ما أطلب منك إلا فعلَك.\nأو ظرفٌ مستثنًى من أعمِّ الظروف؛ أي: لا تمتنعون من الإتيان به وقتًا مّا إلا وقتَ الإحاطة بكم.\n﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدَهم ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من طلب الموثق وإتيانه ﴿وَكِيلٌ﴾؛ أي: مطَّلع رقيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1663\"> </span>(٦٧) - ﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ﴾ حين أنفذَ أخاهم معهم: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ وصَّاهم بالحذر عن إصابة العين؛ لأنهم كانوا جماعة (^٢) ذوي أبَّهةٍ وشارةٍ حسنةٍ، مشتهِرين بين أهل مصر بالقُربة والكرامة عند الملك، فخاف عليهم أن يدخلوا (^٣) كوكبةً واحدة فيُعَانُوا لجلالتهم في الصدور (^٤) وقد عُرف كونُهم إخوةً، والعين تتسارع تأثيرًا إلى مثلهم، ولذلك لم يوصهم بذلك في الكَرَّة الأولى لأنهم كانوا حينئذٍ مجهولين مغمورين بين الناس.\n_________\n(^١) في (ك): \"مفعوله\".، وهو خطأ. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٨٧).\n(^٢) \"جماعة\" ليست في (ك).\n(^٣) \"أن يدخلوا\" من (م).\n(^٤) في (ف): \"صدور\"، وفي (ك): \"صدور الناس\".","vol":"5","page":316},{"text":"أو كان الداعي له إلى التوصية خوفَه على بنيامين.\nوتأثيرُ العين مما لا يُنكر، وقد ورد في الخبر عن خير البشر: \"العينُ حقٌّ\" (^١)، وفي خبر آخر: \"إن العين لتدخل (^٢) الرجل القبر والجمل القدر\" (^٣)، وأنَّه ﵇ كان يعوِّذ الحسنين ﵄ فقال: \"أعيذُكما بكلمات اللَّه التامَّة، من كلِّ هامَّة، ومن كلِّ عينٍ لامَّة\" (^٤).\nوشهدت به التجربةُ، ولا ينافي ذلك أنه (^٥) لا مؤثِّر إلا اللَّه تعالى؛ لأن حقيقة التأثير وأصلَه ليس إلا منه تعالى، وإنْ ظهر على مظاهر الأشياء بحسَب جَرْي العادة، وليس هذا بمحلِّ الامتحان والابتلاء لأنَّهُ ليس من خوارق العادات.\n﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مما قضَى عليكم مما أشرْتُ به إليكم؛ أي: لا أنفعُ ولا أرفعُ إن أراد اللَّه بكم شيئًا (^٦)، ولم يُرِدْ به اتِّقاء (^٧) الحذر عن إلقاء النفس إلى محلِّ الخطر، ببيانِ عدم التأثير للتدبير في تغيير ما في التَّقديرُ؛ لأنَّهُ لا يناسب شأن النَّبِيّ ﵇ أن يوصي بشيء على وجه الاهتمام ببنيه الكرام ثم يبطلَه\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٧٤٠)، ومسلم (٢١٨٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) في (ك): \"لدخل\".\n(^٣) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٩٠)، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١٠٥٧)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٤٤)، من حديث أبي جابر ﵁.\n(^٤) رواه البخاري (٣٣٧١)، وأبو داود (٤٧٣٧) واللفظ له، من حديث ابن عباس ﵄. وما بين معكوفتين منهما.\n(^٥) في (م): \"أن\".\n(^٦) في (ك): \"سيئًا\"، وفي (م) زيادة: \"شيئًا سببًا\".\n(^٧) في (م): \"إيماء\".","vol":"5","page":317},{"text":"ويُظهِرَ أنه من خطَرات الأوهام، بل أراد دفع ما يخطر بالبال عند سماع مثل هذا المقال من معارضة التَّقديرُ بالتدبير بحسَب الظاهر المتبادِر إلى الأفهام، بما مَرْجِعُه إلى أن الحذر لا يُغني من القدَر، ومع هذا لا بد للعاقل من الحذر عن (^١) مَظانِّ الضرر، ولذلك أُمرنا به في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] ونُهينا عن خلافه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\n﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ليس الفصل بين الأمور على ما تقتضيه الحكمة إلا للّه تعالى.\nولما كان في توصيتهم مَظِنَّةُ التوسُّل بالأسباب العاديَّة، تداركه بقوله:\n﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فوَّضْتُ أمري إلى اللَّه تعالى يدبِّره كيف يشاء، وتقديم الصلة لتخصيص التوكُّل به تعالى.\n﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ جمع بين حرفي العطف مع تقديم الصلة، وأراد بالواو العطفَ على فعله (^٢) من تخصيص التوكُّل باللّه تعالى في حفظهم، وبالفاء التسبيبَ؛ لأن (^٣) فعل الأنبياء ﵈ سببٌ لأنْ يُقتدى به؛ أي: وعليه خاصةً إذ خصَصْتُه بالتوكُّل عليه فليتوكَّل المتوكِّلون في جميع أمورهم، أو: وعليه إنْ توكَّل متوكِّل فليتوكَّل كما عليه توكلت.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".\n(^٢) أي: (أراد أن يفيد بالواو عطفَ فعل غيره من تخصيص التوكل بالله تعالى على فعل نفسه ..). انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٤/ ٢٩٢).\n(^٣) في (ف): \"أن\".","vol":"5","page":318},{"text":"<span id=\"aya-1664\"> </span>(٦٨) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾؛ أي: من الأبواب المتفرِّقة (^١) في البلد.\n﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما كان دخولهم في البلد متفرِّقين على رأي يعقوب ﵇ مغنيًا عنهم من قضاء اللَّه في حقِّهم شيئًا.\n﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾؛ أي: لكن كان اضطرابًا في قلبه ودغدغةً في خاطره أزال ذلك عن نفسه بوصيته (^٢).\nوأما ما قيل: فسُرِّقوا وأخذ بنيامين بوجدان الصُّواع في رحله، وتضاعفت المصيبة على يعقوب ﵇ (^٣) = فلا يناسب المقام؛ لأن مساق الكلام في عدم تأثير تدبيره فيما وصَّاهم به، وهو الاحتراز عن مَظِنَّة الضرر من جهةِ إصابة العين بهم لا من جهةٍ أخرى.\n﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن يعقوب ﵇ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ هو عظيم، وفي التنكير للتعظيم توطئةٌ لما في قوله: ﴿لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ من كمال التفخيم الحاصل من إضافة التعليم (^٤) إلى نفسه تعالى.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سرَّ إيجاب الحذر مع أنه لا يُغني شيئًا من القدَر.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"أبواب متفرقة\".\n(^٢) \"بوصيته\" من (م).\n(^٣) القائل هو البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ١٧٠). و\"سُرِّقوا\" مبني للمجهول مشدد الراء معناه: نسبوا إلى السرقة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٩٣).\n(^٤) في (م): \"التعظيم\".","vol":"5","page":319},{"text":"<span id=\"aya-1665\"> </span>(٦٩) - ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾: ضمَّ إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل.\nالإيواء: الضمُّ والتصيير إلى موضع الراحة، ومنه المأوى: وهو المنزل الذي يصير إليه صاحبه للراحة فيه.\nروي أنه أضافهم فأجلسهم مثنَى مثنَى، فبقي (^١) بنيامين وحيدًا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيًّا لجلس معي، فأجلسه معه على مائدته ثم قال: لينزلْ (^٢) كلُّ اثنين منكم بيتًا، وهذا لا ثاني له فيكون معي، فبات عنده وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالك؟ قال: مَن يجد أخًا مثلَك؟ ولكنْ لم يَلِدْك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف ﵇ وقام إليه فعانقه:\n﴿قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: فلا تحزن، افتعالٌ من البؤس.\n﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بما استمر به عادتُهم من الجفاء في حقِّنا، وذكرِك بغير الجميل عندك مغايظةً لك، وكأنه قصد الإشارة إلى ما هم بصددِ أن يعملوا في حقِّهم من إسناد السرقة بقولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، ولذلك أتى بصيغة المضارع، وكان ذلك معلومًا له بطريق الوحي.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"فبصر\".\n(^٢) في (ك): (ينزل).","vol":"5","page":320},{"text":"<span id=\"aya-1666\"> </span>(٧٠) - ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ الفاء فصيحةٌ عاطفة على محذوفٍ تقديره ظاهرٌ، وقد مر تفسير الجَهاز.\n﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾؛ المشرَبة ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ قد مر تفسير الرحل، قيل: كانت مشرَبةً جُعلت صاعًا يكال بها، وقيل: كانت يسقى بها الدوابُّ ويكالُ فيها، وكانت من فضة، وقيل: من ذهب.\nوقرئ: (وجَعَل) (^١) على حذف جواب (لمَّا) تقديره: أمهَلَهم حتَّى انطلقوا.\n﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾: نادى منادٍ. الأذان: الإعلام بقول يُسمع بالآذان، يقال: آذنه: أعلمه، وأذَّن: أكثرَ الإعلام، ومنه: المؤذِّن؛ لكثرة ذلك منه.\n﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ العير: القافلة، ومنه المثل: لا في العير ولا في النفير، وهو في الأصل: اسم ما امتير عليه من الإبل والحمير والبغال؛ لأنها تَعِيرُ؛ أي: تتردد (^٢)، والقول بتخصيصه بالإبل باطلٌ، نص عليه الأزهريُّ (^٣). ثم قيل لأصحابها؛ كالخيل في قوله ﵇: \"يا خيل اللَّه اركبي\" (^٤).\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩٠)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٦٣).\n(^٢) \"تعير أي تتردد\" سقط من (ف) و(ك)، وتحرف في (م) إلى: \"تعر إلى تردد\"، والتصويب من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٧١). وعبارة \"الكشاف\" (٢/ ٤٩٠): (لأنها تعير؛ أي: تذهب وتجيء).\n(^٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" (٣/ ١٠٧).\n(^٤) رواه الكلاباذي في \"بحر الفوائد\" (١/ ١٠١)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٠١٠٦)، وهناد في \"الزهد\" (٢٥)، من حديث أنس بن مالك ﵁. ورواه أيضًا ابن المبارك في \"الجهاد\" (١٦١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٣٨٦) من حديث أسير بن جابر.","vol":"5","page":321},{"text":"﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ من قَبيل نسبة الفعل إلى جماعةٍ كلمتُهم واحدةٌ لصدوره عن واحد منهم.\nوالسرقة: أخذ الشيء من حِرْزٍ في خُفيةٍ بغيرِ حقٍّ.\nقيل: لم يأمرهم يوسف ﵇ بذلك ولا علمه، وإنما كان أَمَر بعض خواصِّه بجعل السقاية في رحل أخيه على ما أَمَره اللَّه تعالى به، فلمَّا فقدها الموكَّلون بها اتَّهموهم بسرقتها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1667\"> </span>(٧١) - ﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: إخوة يوسف ﵇ ﴿وَأَقْبَلُوا﴾ جملة حالية؛ أي: وقد أقبلوا ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على طالبي السقاية، وفيه تنبيه على ما في قوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ من إيجاز الحذف.\nوالإقبال: مجيء الشيء إلى جهة المقابلة بوجهه، وضدُّه الإدبار.\n﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ يحتمل أن يكون ﴿مَاذَا﴾ استفهامًا في موضع نصبٍ بـ ﴿تَفْقِدُونَ﴾، ويحتمل أن تكون (ما) وحدها استفهاميةً مبتدأً، و(ذا) موصولة بمعنى: الذي، خبرٌ عن (ما) و﴿تَفْقِدُونَ﴾ صلةٌ لـ (ذا) والعائد محذوف؛ أي: تفقدونه.\nوفَقْدُ الشيء: طلبُه عند غَيبته عن الحسِّ بحيث لا يدري أين هو، قال الجوهري: فَقَدْتُ الشيءَ أَفْقِدُه فَقْدًا، وتَفَقَدْتُه؛ أي: طلبتُه عند غَيبته (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: فقد). ومن قوله: \"عن الحس .. \" إلى هنا من (م).","vol":"5","page":322},{"text":"ولمَا فيه من معنى الطلب قالوا: ﴿تَفْقِدُونَ﴾ ولو كان معناه الغيبةَ المجرَّدة عن الطلب لكان حقَّهم أن يقولوا: ماذا فقدْتُم؟\nوقرئ: (تُفْقِدون) (^١) من أَفقَدْتُه: إذا وجَدْتَه فقيدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1668\"> </span>(٧٢) - ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾.\n﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ المكيالُ، وهو السقاية المذكورةُ، سماه أوَّلًا بإحدى معنييه وأخرى بالثانية. وقرئ: (صاع) و(صُوْع) بالضم والفتح والعين والغين، (صُوَاغ) من الصياغة (^٢).\n﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾؛ أي: وَسْقُ بعيرٍ من طعام جُعلًا لمن حصَّله، وتمامُ الكلام في هذا المقام توعيدٌ للمسيء ووعدٌ للمُحسن من رئيس تلك الجماعة، إلا أنه اختُصر واكتُفي بجزئه الثاني مصدَّرًا بالواو الفصيحة الدالةِ على مخذوفٍ وهو جزؤه الأول، وحينئذ ينتظِم الإفراديُّ: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾؛ أي: كفيلٌ أؤديهِ إلى مَن ردَّه، مع الجميع (^٣) في قوله: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ﴾.\nقيل: فيه دليل على جواز الجَعالة وضمان الجُعل قبل تمام العمل.\n_________\n(^١) نسبت لأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٩٨)، و\" المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٦٤).\n(^٢) انظر هذه القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٤)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٦٤)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٩٠)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٦٤). وتلخص مما ذكره المؤلف ثماني قراءات يضاف إليها (صِواع) بكسر الصاد، لكن واحدة فقط في المتواتر وهي: ﴿صُوَاعَ﴾، وانظر بيان هذه القراءات ومن قرأ بكل منها مع تخريجنا لها مفصلة في \"البحر\" (١٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).\n(^٣) في (ف): \"الجمع \".","vol":"5","page":323},{"text":"ويَرِدُ عليه: أنه لا دلالة فيه على لزوم الضمان، وصحةُ الالتزام بدون اللزوم مما لا حاجة إلى الدليل عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1669\"> </span>(٧٣) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ﴾ قسمٌ فيه معنى التعجُّب مما أضيف إليهم، والتاء بدلٌ من الواو في قول أكثر النحويين، وقال السهيليُّ: إنها أصلٌ بنفسها، وقد حُكي عن العرب دخولها على الربِّ والرحمنِ وحياتِكَ، قالوا: ترَبِّ الكعبة، وتَالرَّحمنِ، وتحياتك (^١).\n﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في أرضكم، وإنما استَشهَدوا (^٢) بعلمهم لاشتهارهم بينهم بالأمانة والدِّيانة، واختبارِهم حالَهم في كرَّتيِ المجيء، ومداخلتهم [للملك] (^٣)، ولأنهم دخلوا مصر وأفواهُ رواحلهم معكومةٌ (^٤) لئلا يتناول زرعًا أو طعامًا لأحد، ولأنهم ردُّوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم.\n﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ مرادُهم نفي السرقة عن أنفسهم، فكان حقَّهم أن يقولوا: وما سرقنا، إلا أنهم أرادوا أن يضمِّنوا عبارتَهم الدلالةَ على أن الإقدام على مثل هذه السرقة إنما يتيسَّر ممن هو معتاد بها.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"شرح التسهيل\" لابن مالك (٣/ ١٢ - ١٣)، و\"ارتشاف الضرب\" (ص: ١٧١٧)، و\"البحر\" (١٢/ ٥٢٤) وعنه نقل المؤلف.\n(^٢) في (ك): \"استشهد\".\n(^٣) من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٧١).\n(^٤) أي: مشدودة بالعِكْم، وهو الحبل الذي يُعْكَم به.","vol":"5","page":324},{"text":"<span id=\"aya-1670\"> </span>(٧٤) - ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾.\n﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ الضمير للصُّواع؛ أي: فما جزاء سرقته على حذف المضاف.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في ادعاء البراءة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1671\"> </span>(٧٥) - ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾؛ أي: جزاءُ سرقته ﴿مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾؛ أي: أخذُه واسترقاقُه، هكذا كان شرعُ يعقوب ﵇.\n﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ جملةٌ أخرى لتقرير الحكم وإلزامه، أو خبر ﴿مَنْ﴾، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط، أو جوابٌ لها على أنها شرطيةٌ، والجملة كما هي (^١) خبر ﴿جَزَاؤُهُ﴾ على إقامة الظاهر مقام الضمير تفخيمًا لشأن الجزاء؛ كأنه قيل: جزاؤه مَن وجد في رحله فهو هو.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الجزاءِ وهوْ الاسترقاقُ ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ بالسرقة، وهذا كلامُ مَن لم يشكَّ أنهم برآءُ مما رُموا به، ولاعتقادهم البراءة علَّقوا الحكم على وجدان الصاع لا على سرقته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1672\"> </span>(٧٦) - ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"هو\"، وسقطت \"كما\"من (ف).","vol":"5","page":325},{"text":"﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾، أي: فبدأ مَن قال: ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وقد تقدم أنه مقدَّم المتفقِّدين بتفتيش أوعيتهم، وقيل: يوسف ﵇؛ لأنهم ردُّوا إلى مصر.\n﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامين نفيًا للتهمة.\n﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السقاية، وتذكير الضمير فيما سبق لأن الخدَمة عبَّروا عنها بالصُّواع، فما دام الكلام منقولًا عن لسانهم ذكّر الضمير عائدًا (^١) إليه.\n﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ وقرئ بضم الواو، وبقلبها همزة (^٢).\n﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مثلَ ذلك الكيد العظيم ﴿كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾، أي: علَّمناه إياه، وأوحيناه إليه.\n﴿مَا كَانَ﴾ ما صح ﴿لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ بالسرقة ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾: ملكِ مصر؛ لأن دينه الضربَ وتغريمَ ضعفِ ما أُخذ دون الاسترقاق، وهو تفسيرٌ للكيد وبيان له.\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ نصبٌ على الظرف أو المفعولِ له، أي: ما كان ليأخذه وقتًا من الأوقات إلا وقتَ مشيئة الله تعالى وإذنِه فيه، أو: لعلةٍ ما إلا بمشيئة الله تعالى، أو إلا بسبب مشيئة الله تعالى.\n﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ في العلم كما رفعنا درجته ﵇ فيه، وقرئ: ﴿يَرْفَعُ﴾ بالياء (^٣)، و: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ بالتنوين (^٤).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"عائد\".\n(^٢) قرأ الحسن: (وُعاء) بضم الواو، وسعيد بن جبير: (إعاء) بإبدال الواو المكسورة همزة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٥)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٤٨).\n(^٣) قراءة يعقوب، وكذا قرأ: ﴿نَشَاءُ﴾ بالياء. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٩٦).\n(^٤) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالإضافة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٤).","vol":"5","page":326},{"text":"﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ أرفعَ درجةً منه في العلم، أراد المبالغةَ في عدم انتهاء مراتب العلم في المخلوق ودرجاته لعدم انتهاء المعلومات، وعلمُ الله تعالى ليس بوصفٍ زائدٍ على ذاته، فلا يقال له تعالى: ذو علم، وبما قرَّرناه ظهر وجه العدول عن: العالِم، إلى: ﴿ذِي عِلْمٍ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1673\"> </span>(٧٧) - ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.\n﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ يعنُون بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنُون يوسفَ ﵇.\nقيل: ورثت عمتُه من أبيها مِنْطَقةَ (^١) إبراهيم ﵇، وكانت تحضُن يوسف ﵇ وتحبُّه، فلما شبَّ أراد يعقوب ﵇ انتزاعَه منها، فشدتِ المنطقةَ على وسطه ثم أظهرت ضياعَها، فتفحِّص عنها فوُجدت محزومةً عليه، فصارت أحقَّ به في حكمهم، وبقي عندها حتى ماتت (^٢).\n﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ الضميرُ لِمَا يُفهم من سياق الكلام؛ أي: أَكَنَّ كراهةَ ذلك القول في نفسه، والفاءُ للعطف على محذوفٍ تقديره: وسمع يوسفُ كلامهم فأسرَّها.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ تأكيدٌ للسابق، وبيانٌ للمراد من اللاحق، فإنه علم عنه أنه\n_________\n(^١) بكسر الميم: ما يشد به الوسط. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ١٩٧).\n(^٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٢٧٤)، و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢١٧٨)، عن مجاهد.","vol":"5","page":327},{"text":"﵇ ﴿قَالَ﴾ في نفسه: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾، أي: شرٌّ منزلةً في سرقتكم أخاكم من أبيكم.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: يعلم أن الأمر ليس كما تصفونه من نسبةِ السرقة إلينا، وصيغة أَفْعَلَ للمبالغة لا للتفضيل، على معنى: والله أعلم منكم بما تصفون؛ إذ لا علم لهم به، فإن ما قالوا ناشئٌ عن الحيلة (^١) غيرُ مطابق للواقع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1674\"> </span>(٧٨) - ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ ذكروا له حال أبيهم في كونه شيخًا كبيرَ القَدْر استعطافًا له عليه، وكانوا قد أخبروه بأنه كان له ولد قد (^٢) هلك وهذا شقيقه يستأنس به وهو أحبُّ إليه منهم.\n﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾: بدله على وجه الاستعباد والاسترقاق.\n﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا، وما الإنعام إلا بالتمام فأتمِم إحسانك، أو: من المتعوِّدين بالإحسان فلا تغيِّر عادتك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1675\"> </span>(٧٩) - ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾.\n﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدر يقوم مقام الفعل؛ أي: نعوذُ بالله معاذًا ﴿أَنْ نَأْخُذَ﴾: من أن نأخذ، فأضيف إلى المفعول به وحُذف (مِن).\n_________\n(^١) في هامش (م): \"الجهل\".\n(^٢) في (ف): \"وقد\".","vol":"5","page":328},{"text":"﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾؛ أي: أنْ نَظلِم، فإنَّ أخذَ السارق على فتواكم واجبٌ، فلئن أخذنا غيره ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ في مذهبكم ودينكم، فلمَ تطلبون منا ما هو ظلمٌ عندكم؟\nكلام ذو وجهين: ظاهره ما مر، وباطنه: إني مأمور من عند الله تعالى بأخذ بنيامين، فإن خالفتُه كنت ظالمًا مرتكبًا خلافَ الوحي عاصيًا.\nوإنما قال: ﴿إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ إجراءً للكلام على مُجرى ما قالوه عند بيان الجزاء، واحترازًا عن التصريح بإسناد السرقة إلى أخيه، وإلا فالأخصَرُ لفظًا والأظهرُ معنًى أن يقول: إلا مَن سرق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1676\"> </span>(٨٠) - ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾: يئسوا من يوسف ﵇؛ أي: من إجابته إياهم، وزيادةُ السين والتاء للمبالغة كما ذُكر (^١) في: استعصم.\n﴿خَلَصُوا﴾: انفردوا عن الناس خالصين لا يخالطُهم غيرهم.\n﴿نَجِيًّا﴾: ذوي نجوى، أو: فوجًا نَجِيًّا، حال أو مفعول له؛ أي: مناجيًا، أو ليناجيَ بعضهم بعضا، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم.\nوالنجي قد يجيء بمعنى المناجي كالعشير بمعنى المعاشر، ومنه قوله تعالى:\n_________\n(^١) \"ذكر\" من (م).","vol":"5","page":329},{"text":"﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]، وقد يكون بمعنى المصدر بمعنى التناجي كالنجوى، ومنه قيل: قوم نجوى، كما قيل: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] تنزيلًا للمصدر منزلة الوصف، ويقال: هم نَجِيٌّ، كما يقال: هم صَدِيق؛ لأنَّه على زِنة المصادر.\n﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السن وهو روبيل، أو رئيسهم وهو شمعون، أو كبيرهم في الرأي والعقل وهو يهوذا:\n﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾: عهدًا وثيقًا، وإنما جعل حَلِفهم بالله تعالى مَوْثقًا منه لأنَّه بإذنٍ منه وتأكيدٍ من جهته، وإنما قال: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لِمَا في أخْذه من التكليف والإيجاب.\n﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا (^١) ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ قصَّرتم في شأنه، ولم تحفظوا عهد أبيكم فيه، و﴿مَا﴾ مَزيدة أو مصدرية، ومحل المصدر النصبُ بالعطف على مفعول ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ كأنه قيل: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم موثقًا وتفريطَكم من قبلُ في يوسف، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف.\nوأما الرفعُ على الابتداء وخبرُه الظرف وهو ﴿من قبلُ﴾؛ أي: وقع من قبلُ تفريطُكم في يوسف، فمردودٌ بأنَّ (قبل) إذا كان خبرًا أو صلةً لا يُقطع عن الإضافة حتى لا ينقص.\nأو موصولة؛ أي: ومِن قبلِ هذا ما فرَّطْتُموه في حقِّ يوسف؛ أي: ما قدَّمْتُموه من الخيانة (^٢) العظيمة، ومحلُّه النصبُ أو الرفعُ على الوجهين.\n﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: فلن أفارق أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع\n_________\n(^١) \"أي من قبل هذا\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"الجناية\".","vol":"5","page":330},{"text":"إليه (^١) ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالتَّوفِّي، أو بالخروج منها، أو بتخليص أخي من يد مَن أخَذه بسببٍ من الأسباب ولو بالمقاتَلة معهم.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنَّه لا يحكم إلا بالحق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1677\"> </span>(٨١) - ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾.\n﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ على ما شهدنا (^٢) من ظاهر الأمر، وقرئ: (سُرِّق) (^٣)؛ أي نُسب إلى السرقة.\n﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ عليه ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ بأنْ رأَينا أنَّ الصُّواع استُخرج من وعائه.\n﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ﴾: لباطن الحال ﴿حَافِظِينَ﴾ اعتذار من مواعدتهم أباهم بحفظه؛ أي: ليس من شأننا حفظُه لأمرٍ غائب (^٤) عنا، فإنَّا كنَّا ضمِنَّا لك حفظَه مما يمْكننا الحفظُ عنه من الآفَات في الطريق، فأمَّا السرقة فممَّا لم يكن لنا إلى حفظه منها سبيلٌ، هذا هو الظاهر من الكلام، المتبادِرُ إلى الأفهام، المطابق لِمَا يقتضيه المقام، فلا حاجة إلى صرف الحفظ عن معناه إلى معنى العلم كما سبق إلى بعض الأوهام.\n_________\n(^١) \"إليه \" من (م).\n(^٢) في (م): \"ما شاهدنا\".\n(^٣) نسبت لابن عباس وغيره. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٣٤١)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٧٠).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"إلا الغائب\".","vol":"5","page":331},{"text":"<span id=\"aya-1678\"></span><span id=\"aya-1679\"> </span>(٨٢ - ٨٣) - ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ هي مصر؛ أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كُنْه القصة.\n﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ قد مر أن العير يُطلق على القافلة، وهم كانوا من كنعان جيرانِ يعقوب، وقيل: من صنعاء.\n﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيدٌ في محل القسم، وفي الكلام إضمارٌ معناه: فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال أخوهم ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾؛ أي: زيَّنت وسهَّلت ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أَردْتُموه، وإلا فما أدرَى الملك أن السارق يُؤخذ (^١) بسرقته لو لا فتواكم.\n﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قد مر تفسيره ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بيوسفَ وأخيه والكبير المتوقِّف هناك.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي وحالهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، ولا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1680\"> </span>(٨٤) - ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.\n﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: وأعرض عنهم كراهيةً لما أخبروه به.\n_________\n(^١) في (م): \"يؤاخذ\".","vol":"5","page":332},{"text":"﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾؛ أي: يا أسفًا تعالَ فهذا أوانُكَ، والأسف: أشدُّ الحزن على الغائب، وهو أشد الغضب أيضًا، ويجوز أن يكون اجتمع له المعنيان: الحزنُ على فَقْد يوسف، والغضبُ على إخوته أو على نفسه ببعثه معهم، ويناسبه ما في لحاق الكلام من التعرُّض لهما.\nوإنما تأسَّف على يوسفَ والحادثُ مصيبةُ أخويه؛ لأن الرُّزْء به (^١) أشدُّ المصائب وأنكاها، وهو الآخذ بمجامع قلبه لا ينساه، ولأنه كان واثقًا بحياتهما دون حياته، وفي الحديث: \"لم تعط أمة من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصيبة إلا أمة محمد\" (^٢)، ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال: ﴿يَاأَسَفَى﴾ منادى مضافٌ إلى ياءِ المتكلِّم أُبدلت الياء ألفًا.\n﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾: لكثرة بكائه (^٣) من الحزن، فإن العَبرة إذا كثرت محقَتْ سواد العين وغيَّرته إلى بياضٍ كدِرٍ، وعلَّل الابيضاض بالحزن وإنما هو من البكاء المتوالي؛ لأنَّه ثمرة الحزن فعلِّل بالأصل الذي نشأ منه البكاء.\nوالحزن: الهم الغليظ على النفس، من الأرض الحَزَن بفتح الحاء؛ أي: الغليظة.\nوالظاهر أنه ﵇ كان عَمِي (^٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"الرزية\".\n(^٢) رواه البيهقي في \"الشعب\" (٩٦٩١) من قول سعيد بن جبير، وقال: (رفعه بعض الضعفاء إلى ابن عباس ثم إلى النبي ﷺ). قلت: رواه الطبراني في \"الكبير\" (١٢٤١١) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا، وفيه محمد بن خالد الطحان، وهو ضعيف كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٣٣٠). وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩٧)، والكلام منه.\n(^٣) بعدها في (ك): \"لا\".\n(^٤) في (م): \"أعمى\".","vol":"5","page":333},{"text":"وقرئ: (من الحَزَن) (^١).\nوفيه دليل على جواز التأسُّف والبكاء عند التفجُّع، ومثلُ ذلك لا يدخل تحت التكليف، فإنه قلَّ مَن يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله ﵇ على ولده إبراهيم وقال: \"القلبُ يحزن، والعينُ تدمع، ولا نقول ما يُسخط الربَّ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون\" (^٢).\n﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ من الغيظ على أولاده، ممسِكٌ له (^٣) في قلبه ولا يظهره، فعيلٌ بمعنى مفعولٍ؛ كقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]، من كَظَم السِّقَاء: إذا شدَّه على هيئته، أو بمعنى فاعل؛ كقوله: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] من كَظَم الغيظ (^٤): إذا اجْتَرعه، وأصله من كَظَم البعيرُ جِرَّتَه: إذا ردَّها في جوفه، والكظَم بفتح الظاء: مجرى النفَس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1681\"> </span>(٨٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ﴾ جوابُ القسم: ﴿تَفْتَأُ﴾ حُذفت منه (لا)، وحذفُها جائز لأنها لا تَلتبِس بالإثبات، إذ لو كان إثباتًا بعد القسم لقيل: لتَفْتأنَّ؛ إذ لا بد في الإثبات\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٩٧).\n(^٢) رواه البخاري (٢٣٠٣)، ومسلم (٢٣١٥)، من حديث أنس ﵁. وفيهما: \" .. ولا نقولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنا .. \".\n(^٣) في (م): \"به\".\n(^٤) في (م): \"الغيظ\".","vol":"5","page":334},{"text":"من اللام والنون، فقرينةُ النفي خلوُّه عن علامة الإثبات، والمعنى: لا تزال، واسمها ضمير الخطاب، و﴿تَذْكُرُ﴾ خبرُ ﴿تَفْتَأُ﴾؛ أي: لا تزال تذكر تفجُّعًا عليه.\n﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾: مريضًا مشرِفًا على الهلاك، وقيل: الحرَض: الذي أذابه همٌّ أو مرضٌ، وهو في الأصل مصدرٌ، ولذلك يستوي (^١) فيه الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنث، والنعت بالكسر كدَنِفٍ ودَنِقٍ، وقد قرئ بضمتين كجنب (^٢).\n﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الهلاك: ذهاب الشيء بحيث لا يَدري (^٣) الطالب له أين هو؟ فالميت هالكٌ لهذا (^٤) المعنى، ويطلق على الواله (^٥) لشيء وهو المراد هاهنا، ولهذا أخِّر، فإنه لو أريد المعنى الأولُ لكان حقّه التقديم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1682\"> </span>(٨٦) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾ البث: أصعب الهم الذي لا يقدر صاحبه أن يكتمه فيبثُّه، أي: ينشره.\n﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾، أي: لا أشكو إلى أحد منكم ولا من غيركم، إنما أشكو إلى الله تعالى ملتجئًا إليه، فخلُّوني وشكايتي، وهو معنى تولِّيه عنهم إلى الله تعالى.\n_________\n(^١) في (ف): \"سوي\".\n(^٢) نسبت للحسن البصري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٤٩٩).\n(^٣) في (ف): \"يرى\".\n(^٤) في (ك): (بهذا).\n(^٥) تحرف في (ف) و(ك) إلى: \"الدالة\".","vol":"5","page":335},{"text":"﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: أعلم من لطفه ورحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، أو: أعلم من جهة الله تعالى بالوحي.\n﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف ﵇.\nقيل: إنه رأى ملك الموت في منامه، فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ فقال: لا والله، هو حيٌّ فاطلبه (^١).\nوقيل: علم من منامِ يوسف أنه لا يموتُ حتى يسجدَ له أبوه وإخوتُه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1683\"> </span>(٨٧) - ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾: فتعرَّفوا (^٣) منهما، وتفحَّصوا عن حالهما.\nوالتحسُّس: الاستقصاء، وهو الطلب بالحواسِّ، وقرئ بالجيم من الجَسِّ (^٤) وهو الطلب، ومنه: الجاسوس. أمَرهم بطلب يوسف بالبصَر لعلهم يَرَوْنه وبالأُذن لعلهم يسمعون ذكرَه.\n_________\n(^١) \"فاطلبه \"سقط من (ك).\n(^٢) وهذا هو الحق الذي لا شك فيه، ولا يحتاج إلى أخبار لا تعرف لإثباته، فإنه واضح من آية المنام وضوح الشمس.\n(^٣) تحرفت في (ف) و(م) إلى: \"فتفرقوا\". والمثبت من (ك)، وهو المو افق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٥٠٠).\n(^٤) نسبت للنخعي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٠٠).","vol":"5","page":336},{"text":"﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾: ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه، وقرئ: (من رُوح الله) (^١)؛ أي: من رحمته التي يُحيي بها العباد.\n﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ بالله تعالى وصفاته، فإن العارف لا يقنط من رحمة الله في شيء من الأحوال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1684\"> </span>(٨٨) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾، أي: على يوسف ﵇ بعد ما رجعوا إلى مصر رجعةً ثانية.\n﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾: الهزال من شدة الجوع.\n﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾: مدفوعةٍ، يدفعُها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقارًا لها، من أَزْجَيْتُه: إذا دفعْتَه وطردْتَه، والريح تُزْجي السحاب، قيل: كانت بضاعتهم دراهم زُيوفًا لا تُؤخذ إلا بوضيعةٍ، وقيل غيرُ ذلك.\n﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ التمَسوا منه إيفاءَ الكيل بعد ما قدَّموا باعث الشفقة ومُوجِبَ المرحمة، ولذلك صدَّره بأداة التفريع.\n﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة، أو: زدنا على حقنا، فسمَّوا ما هو فضلٌ وزيادةٌ لا تلزمه صدقةً تمسكُنًا (^٢) وتواضعًا له، فلا دلالة فيه على عدم اختصاص حرمة الصدقة لنبينا ﵇.\n_________\n(^١) نسبت للحسن وقتادة. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٤٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٠٠).\n(^٢) في النسخ: \"تمكنا\"، والمثبت من هامش (م) وعليه علامة التصحيح.","vol":"5","page":337},{"text":"نزَّلوا أنفسهم (^١) أَوضع منزلٍ، كأنهم قالوا: إن لم نَستوجِب معاملة البيع والشراء، فقد استَوجَبنا بذل العطاء، وعلى الله المكافأة والجزاء ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أحسن الجزاء.\nوالتصدُّق: التفضُّل مطلَقًا، ومنه قوله ﵇ في القصر: \"هذه صدقة تصدَّق الله عليكم فاقبَلوا صدقته\" (^٢)، لكنه اختصَّ عُرفًا بما يُبتغى به ثوابٌ من الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1685\"> </span>(٨٩) - ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾.\n﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ سؤالٌ عن الملزوم وإرادة اللازم، أي: هل تبتم عن ذلك ورجعتم إلى الله تعالى؟ فهو شفقةٌ عليهم وتنصُّحٌ لهم في الدِّين كما هو عادة الأنبياء ﵈، لا معاتبةٌ.\nوالتثريب: إيثار الحق لله تعالى على حق نفسه، ولذلك قال: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]، فلا يناسب تقديرَ القبح على أن يكون المعنى: هل علمتم قبحَ ما فعلتم؛ لأنَّه لا يخلو عن نوعِ توبيخ وتثريبٍ.\nوالمراد من فعلهم بأخيه: إفرادهم (^٣) إياه عنه، وإذلاله حتى كان لا يستطيع أن يكلِّمهم إلا بعجزٍ وذلة.\n﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ عاقبتَه، فلذلك أقدَمْتُم عليه، وإنما قال ذلك اعتذارًا\n_________\n(^١) \"أنفسهم \"من (ك).\n(^٢) رواه مسلم (٦٨٦) من حديث عمر ﵁.\n(^٣) في (ف) و(ك): \"إفرازهم\".","vol":"5","page":338},{"text":"من جانبهم، وإظهارًا للشفقة في حقِّهم، حتى يؤثر تنصيحُه لهم وتحريضُه إياهم على التوبة.\nوقيل: أعطَوه كتاب يعقوب ﵇ في تخليص بنيامين، وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فَقْد يوسفَ وأخيه، فقال لهم ذلك.\nوإنما جهَّلهم لا لأنهم حينئذ كانوا صبيانًا؛ لأنَّه لا يطابق الواقع وينافي ما تقدم من قولهم: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، بل لأنَّ فعلَهم فِعْلُ الجهَّال (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1686\"> </span>(٩٠) - ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ استفهامُ تقرير، ولذلك حقِّق بـ (إنَّ) واللام، ويدل عليه قراءة: ﴿إِنَّكَ﴾ (^٢) على الإيجاب، وهذا كلامُ متعجِّبٍ مستغرِبٍ لِمَا سمع فهو يكرر الاستثبات (^٣).\nقيل: عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم.\nوقيل: تبسم وعرفوه بثناياه.\nوقيل: رفع التاج عن رأسه فرأوا علامةً بقرنه شِبْهَ الشامة البيضاء، وكانت لسارة ويعقوب ﵇ مثلُها.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ولو فيل: لأنهم كانوا حينئذ في عنفوان الثباب، لم يكن بعيدًا عن الصواب؛ لأن الشباب مظنته الجهل والسفه. منه \".\n(^٢) قراءة ابن كثير، وباقي السبعة: ﴿أَإِنَّكَ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٠).\n(^٣) في (ف): \"الاستئناف\"، وفي (م): \"الاستعتاب\".","vol":"5","page":339},{"text":"﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ إنما قال: ﴿وَهَذَا أَخِي﴾ حين سألوه عن نفسه بيانًا لِمَا سألوه عنه؛ أي: هذا أخي من أبي وأمي، وتفخيمًا له، وإدخالًا في قوله:\n﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾؛ أي: بالسلامة والكرامة، والاجتماعِ بعد التفرقة، والأُنس بعد الوحشة.\nثم ذكر أن السبب من الله هو التقوى والصبرُ، فقال على طريقة الاستئناف التعليلي:\n﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ الله في أموره ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على بلاياه، أو على الطاعات وعن المعاصي.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وضع ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ موضع (هم) للتنبيه على أن المتَّقيَ الصابر هو المحسِنُ، والتسجيلِ عليهم بالإحسان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1687\"> </span>(٩١) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾: فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وسيرةِ أهل الإحسان.\n﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾: والحالُ أنَّ شأننا أنْ كنَّا متعمِّدين الإثم، فلذلك أعزَّك بالملك وأذلَّنا بالتَّمسْكُن بين يديك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1688\"> </span>(٩٢) - ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ تفعيلٌ من الثَّرْب: وهو الشحم (^١) الذي هو غاشيةُ\n_________\n(^١) في (ك): \"السح\"، وقريب من هذا الرسم في (ف)، والمثبت من (م).","vol":"5","page":340},{"text":"الكَرِش، ومعناه: إزالة الثَّرْب؛ كما أن التجليد إزالةُ الجِلد، فضُرب مثلًا للتقريع الذي يمزِّق العِرْض ويَذهب بماء الوجه.\nو﴿تَثْرِيبَ﴾ اسم ﴿لَا﴾، و﴿عَلَيْكُمُ﴾ الخبر، و﴿الْيَوْمَ﴾ منصوبٌ بالعامل في الخبر؛ أي: لا تثريبَ مستقرٌّ عليكم اليوم، ولا يجوز تعلُّقه بالتثريب؛ لأنَّه مصدر وقد فُصِل بينه وبين معموله، ولا يجوز ذلك لأن معمول المصدر من تمامه، والمعنى: لا أثرِّبُكم اليومَ الذي هو مَظِنَّتُه، فما ظنُّكم بسائر الأيام؟ ثم دعا لهم بالمغفرة بقوله: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nويجوز تعليق الظرف (^١) بـ ﴿يَغْفِرُ﴾، أي: أبشِّركم بغفران الله تعالى عاجلًا لِمَا تجدَّد اليوم من توبتكم وندمكم على خطيئتكم.\nولما دعا لهم بالمغفرة أخبر عن الله بالصفة التي هي سبب الغفران بقوله:\n﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ لأنَّه يغفر الصغائر والكبائر، ويتفضل على التائب فيُرجى منه قبول دعائه لهم بالمغفرة.\nويروى أن أخوته لمَّا عرفوه أرسلوا إليه وقالوا: إنك تدعوننا بالبكرة والعشيِّ إلى الطعام، ونحن نستحي منك لِمَا فرَط منا فيك، فقال: إن أهل مصر كانوا ينظرون إليَّ بالعين الأولى، ويقولون: سبحان الله مَن بلَّغ عبدًا بيع بعشرين درهمًا ما بلَغ، ولقد شَرفْتُ بكم وعظُمْتُ في عيونهم حيث علموا أنكم إخوتي، وأني (^٢) من حَفَدة إبراهيم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"ويجوز تعلقه\".\n(^٢) \"وأني\" من (م).","vol":"5","page":341},{"text":"<span id=\"aya-1689\"> </span>(٩٣) - ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ القميص الذي كان عليه.\nوقيل: هو القميص المتوارَث، أمره جبريل ﵇ أنْ أرسِلْه إليه فإنَّ فيه (^١) ريح الجنة لا يقع على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفي.\n﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾، أي: يَصِرْ بصيرًا، كقولك: جاء البناءُ محكَمًا؛ أي: صار محكَمًا، ودليله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾، أو: يأتي إليَّ وهو بصير، وينصره:\n﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: بأبي وآله جميعًا، ولا حاجة إلى التغليب على أن يكون المعنى: وأتوني أبي وأنتم؛ لأن أباهم لمَّا كان شيخًا كبيرًا عاجزًا عن الكسب كان داخلًا في أهلهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1690\"> </span>(٩٤) - ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.\n﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ يقال: فصَل من البلد يَفصِل فصولًا: إذا انفصل منه وجاوز حيطانه، وهو لازم، و: فصَل الشيءَ فصلًا: فَرَّقه، وهو متعدٍّ.\nوالمعنى: انفصلت ﴿الْعِيرُ﴾ من عريش مصر، ومن غفَل عن التفصيل المذكور قال: أصله: فصَل نفسَه عنه، ولمَّا كثر حذفُ مفعولِه صار كاللازم.\n﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حضره: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أوجده الله ما عَبِق بقميصه من ريح يوسف ﵇ حين أقبل به يهوذا من ثمانين فرسخًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"فإن فيح \".","vol":"5","page":342},{"text":"﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ التفنيد: النسبة إلى الفَنَد، وهو نقصان عقلٍ كامل يحدث من الهرم، يقال: شيخٌ مفنَّد؛ أي: قد فسَد رأيه، ولا يقال: عجوز مفنَّدةٌ؛ لأن المرأة لم يكن لها قط رأي أصيل فيدخلَه التفنيد.\nوجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ أي: لولا نسبتُكم إياي إلى الخرف لصدَّقتموني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1691\"> </span>(٩٥) - ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾: لفي ذهابك عن الصواب قُدُمًا بالإفراط في يوسف وإكثارِ ذكره والتوقُّعِ للقائه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1692\"> </span>(٩٦) - ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ وهو يهوذا، روي أنه قال: كما أحزَنْتُه بحمل قميصه الملطَّخ بالدم أُفرحه (^١) بحمل هذا إليه.\n﴿أَلْقَاهُ﴾: طرح البشير القميص ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: على وجه يعقوب ﵇، أو: طرح يعقوبٌ ﵇ نفسه.\n﴿فَارْتَدَّ بَصِيرًا﴾: عاد بصيرًا لِمَا انتعش فيه من القوة.\n﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياة يوسف ﵇ وإنزال الفرج.\n_________\n(^١) في (ك): \"أفرحته\".","vol":"5","page":343},{"text":"وقيل: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ﴾ كلام مبتدأ، والمقول: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أو: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1693\"> </span>(٩٧) - ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ ومن حق المعترِف بذنبه أن يُصفح عنه ويُسأل له المغفرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1694\"> </span>(٩٨) - ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أخَره إلى أن يستحلَّ لهم من يوسف ﵇، أو يعلمَ أنه عفا عنهم؛ لأن عفو المظلوم شرطُ المغفرة، ويؤيده ما روي: أنه استقبل القبلة قائمًا يدعو، وقام يوسف خلفه يؤمِّن، وقاموا خلفهما أذلةً خاشعين، حتى نزل جبريل ﵇ وقال: إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك، وعقد مواثيقهم بعد ذلك على النبوة.\nوهو إنْ صح فدليلٌ على نبوتهم، وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم.\nوأما ما قيل: أخره إلى السحر، أو إلى صلاة الليل، أو إلى ليلة الجمعة، تحريًا لوقت الإجابة، فيأباه: ﴿سَوْفَ﴾ لأنها أبلغُ في التنفيس من السين، وعلى ما ذكر حقُّ العِدَة أن يكون بالسين.\nولمَّا وعدهم بالاستغفار رجَّاهم (^١) بحصول الغفران بقوله: ﴿نَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يغفر المعاصيَ ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم العاصيَ إذا تاب واستغفر.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"جاءهم\".","vol":"5","page":344},{"text":"<span id=\"aya-1695\"> </span>(٩٩) - ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قيل: وجَّه يوسفُ إلى أبيه أموالًا ليتجهز إليه بمن معه، واستقبله يوسف ﵇ والملِك وأهلُ مصر بأجمعهم، وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلًا وامرأة (^١).\n﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما (^٢)، نزلها منزلة الأم كتنزيل العم منزلة الأب في قوله: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] أو لأن يعقوب ﵇ تزوجها بعد أمه، والرابَّة (^٣) تدعى أمًا.\nوقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه بالحياة (^٤). وعلى هذا لا حاجة إلى التأويل.\n﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ والدخول الأول كان في موضعٍ خارج البلد، كأنه ضُرب لهم مضربٌ أو بيت حين استقبلهم في الطريق فدخلوا فيه.\n﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ من القحط وأصناف المكاره، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيَّف بالأمن؛ لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٠٥).\n(^٢) \"واعتنقهما\" من (م).\n(^٣) الرابَّة: امرأة الأب، كما أن ولد زوجها يسمى بالنسبة إليها ربيبًا. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٠٧).\n(^٤) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٣٥٢)، و\"النكت والعيون\" (٣/ ٨٢)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٢٨٨).","vol":"5","page":345},{"text":"<span id=\"aya-1696\"> </span>(١٠٠) - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: رفعهما على السرير، وخصَّهما بذلك تكرمةً لهما دون إخوته.\n﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ تحيةً وتكرمةً له، فإن السجود كان عندهم يجري مجراها، والواو لأبويه ولأخوته، والرفع مؤخَّر عن الخرور وإن قدِّم لفظًا للاهتمام بتعظيمه لهما، والواو لا تفيد الترتيب.\nوقيل: معناه: خروا لأجله سجدًا لله. وقيل: الضمير لله. ويأباهما قوله:\n﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ رأيتُها أيام الصبا ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صدقًا؛ إذ لا مطابقة حينئذ بين الرؤيا والواقع.\n﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ حمَله على (لَطَف) حَمْلَ النظير على النظير فعدَّاه بالباء، وإلا فـ (أَحْسَنَ) أصله أن يتعدى بـ (إلى) أو باللام، وأما التضمين فلا يناسب المقام؛ لأن أحدهما يُغني عن الآخر فلا فائدة في الجمع بينهما.\n﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ لم يذكر الجبَّ اكتفاءً بدلالة النزغ الآتي ذكرُه عليه، لا صفحًا عن ذكرِ ما تعلَّق بفعل إخوته لئلا يكون تثريبًا عليهم؛ لأنَّه على تقدير أن يكون خطابه ﵇ لأبيه بمسمَعٍ منهم، ولا دلالة في الكلام عليه.\n﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾: من البادية؛ لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهلَ","vol":"5","page":346},{"text":"عَمَدٍ، عَدَّ نقلهم من البدو نعمةً أخرى، وفي الحديث عن رسول الله ﵇: \" مَن يُردِ الله به خيرًا ينقله من البادية إلى الحاضرة\" (^١)، أي: أصلح حالكم.\n﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾؛ أي: أفسد بيننا وأغوى.\nنزغ بمعنى: نَخَس، من نَخَس الرائض الدابَّة، وحمله على الجري. وإنما ذكر هذا القَدْر من أمر إخوته لأن النعمة إذا جاءت إثر بلاءٍ وشدةٍ كانت أحسنَ موقعًا.\nوليت شعري مَن قال: عدم ذكر الجب للاحتراز عن التثريب عليهم، ما يقول (^٢) في ذكر الفساد الواقع بينه وبينهم؟! والعجَبُ أنه قال في تفسير قوله: ﴿مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ قُبْحَ ما فعلتم به، والتثريب فيه أظهر منه في ذكر الجب.\n﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾؛ أي: لطيف التدبير لِمَا يشاء من الأمور، ما من صعب إلا وتَنْفُذ فيه مشيئتُه ويتسهَّل بلطف تدبيره.\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ بوجوه المصالح والتدابير ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يفعل كلَّ شيء على وجه تقتضيه الحكمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1697\"> </span>(١٠١) - ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\n﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ بعضَ الملك، وهو ملك مصر، ومَن قال: أو بعض\n_________\n(^١) انظر: \"البحر المحيط\" لأبي حيان (١٢/ ٥٦٩)، ولم أجده مسندًا.\n(^٢) في (ك): \"يفعل \".","vol":"5","page":347},{"text":"ملك مصر (^١)، فكأنه غفل عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦].\n﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ بعضَ تأويلها؛ لأنَّه ﵇ لم يؤتَ تأويل جميع الكتب والرؤيا.\n﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعَهما، وانتصابُه على الصفة أو على النداء.\n﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ ناصري، أو متولي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أو الذي تتولاني بالنعمة فيهما.\n﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ لمَّا عدَّد نعَم الله تعالى تشوَّق إلى لقاء ربه ولحاقِه بصالحي سلفه، ورأى أن الدنيا كلَّها (^٢) فانية فتمنى الموت.\nوقيل: لما رأى أمره إلى (^٣) الكمال، علم أنه على الزوال، فسأل سعادة الانتقال، وليس فيه سؤالُ التوفِّي للحال، بل سؤالُ الختم على الإسلام متى كان، فتوفاه الله طيبًا طاهرًا.\nولقد توارثت الفراعنة بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه ﵈ إلى أن بعث الله تعالى موسى ﵇.\n﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي، أو على العموم، وفيه إشكال وهو: أن الصلاح أول درجات المؤمنين، ويوسفُ ﵇ من أكابر الأنبياء، فكيف يليق به أن يطلب البداية؟\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٠٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) \"كلها\" ليست في (ك).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"على\".","vol":"5","page":348},{"text":"وحلُّه: أن النفوس المفارِقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية وكانت متناسبةً، انعكس النور من كل واحدة منها إلى الأخرى؛ كالمرايا الصقيلة إذا اجتمعت انعكست الصورة من كل واحدة إلى الأخرى، وحينئذ يقوى الضوء وتكمل السعادة، ومَن لم يتنبه لهذا قال: في الرتبة والكرامة (^١).\nقيل: المراد منها عند ذكرها على الإطلاق الأنبياءُ ﵈، لكمال حالهم واستجماع خصال كمال (^٢) الخير فيهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1698\"> </span>(١٠٢) - ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذكر من نبأ يوسف ﵇، والخطاب فيه للرسول ﷺ وهو مبتدأ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ خبران، وإن جعلتَ اسم الإشارة بمعنى الموصول فـ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ صلتُه، والخبر ﴿نُوحِيهِ﴾؛ أي: الذي من أنباء الغيب نوحيه إليك.\n﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ كالدليل عليهما، والمعنى: إن هذا النبأ غيبٌ لم تعرفه إلا بالوحي؛ لأنك لم تحضر إخوةَ يوسف حين عزموا على مأ همُّوا به من أن يجعلوه في غيابة الجب.\n﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ به، ويبغون به الغوائل، وبأبيه ليرسله معهم، جملة حالية.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) في (ف): \"واستجماع كمال\"، وفي (ك): \"واستكمال خلال\".","vol":"5","page":349},{"text":"وتفصيل ذلك: أن إخباره ﵇ عن هذه القصة لا يكون إلا عن مشاهدةٍ أو نقل أو وحي، ولم يَخْفَ على أحد من المكذِّبين أنه ﵇ لم يكن من حَمَلة هذا الخبر ولا أمثالِه عن قومه، فاستغني عن ذكره لظهوره، فكان الشك في انتفاء المشاهدة أوقعَ من الشك في أنه لم يسمعها من أحد، ولذكره في غير هذه القصة كقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ﴾ [هود: ٤٩] فإذا انتفت المشاهدة لم يبق إلا الوحي، ونحوه: ﴿) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1699\"> </span>(١٠٣) - ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس ﵄: يريد أهل مكة.\n﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ وتهالَكْتَ على إيمانهم، وبالغت في إظهار الآيات عليهم.\n﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لعنادهم وتصميمهم على الكفر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1700\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْه﴾؛ أي: على ما تحدِّثهم به ﴿مِنْ أَجْر﴾ من جُعلِ كما يفعله حملة الأخبار ونقلة الآثار.\n﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾: عِظَةٌ من الله تعالى ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عامة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1701\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.","vol":"5","page":350},{"text":"﴿وَكَأَيِّنْ﴾ أيّ عدد (^١) ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ دالةٍ على وجود الصانع وتوحيده، وكمال قدرته وحكمته.\n﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: على الآيات ويشاهدونها، والمراد: ما يرون من آثار الأمم الهالكة، وغير ذلك من العبر والدلائل.\n﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها ولا يعتبرون بها، فلا غَرْوَ أن يُعْرِضوا عن الآيات التي تأتيهم بها.\nوقرئ: (والأرضُ) بالرفع (^٢) على أنه مبتدأ خبره ﴿يَمُرُّونَ﴾، فيكون لها الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾.\nوبالنصب (^٣) على: ويطؤون الأرض.\nوقرئ: (والأرض يمشون عليها) (^٤)، أي: يتردَّدون فيرون مشاهد الهالكين وآثارها من المالكين أقطارها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1702\"> </span>(١٠٦) - ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُون﴾.\n﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ﴾ في إقرارهم بوجوده وخالقيَّته للكل ﴿إِلَّا وَهُمْ\n_________\n(^١) \"أي عدد\" من (م). وعبارة البيضاوي: (وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع …). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٣).\n(^٢) نسبت لعكرمة وعمرو بن فائد. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٤٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٠٨).\n(^٣) نسبت للسدي. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٤٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٠٨).\n(^٤) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٥٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٠٨).","vol":"5","page":351},{"text":"مُشْرِكُونَ﴾ بعبادة غيره من الأوثان، أو باتخاذ الأحبار أربابًا، أو القول (^١) باتخاذه للولد، أو القول بالنور والظلمة، وأمثالِ ذلك. جملة حالية؛ أي: إيمانهم ملتبِسٌ بالشرك.\nوعن ابن عباس ﵄: هم الذين يشبِّهون الله بخلقه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1703\"> </span>(١٠٧) - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿أَفَأَمِنُوا﴾ استفهامُ إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد، والفاء للترتيب على ما تقدم، وهو مقدَّمٌ في الاعتبار.\n﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: عقوبةٌ تَغْشاهم وتشمَلُهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: يومُ القيامة ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً من غير سابقةِ علامةٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانها، غيرَ مستعدِّين لها، تأكيد لقوله: ﴿بَغْتَةً﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1704\"> </span>(١٠٨) - ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾؛ أي: هذه السبيلُ التي هي الدعوةُ إلى الإيمان والتوحيدِ سبيلي.\n﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾؛ أي: أدعوا إلى دينه في حالة كوني على حُجةٍ\n_________\n(^١) في (ك): \"والقول\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٠٨).","vol":"5","page":352},{"text":"واضحة غيرِ عمياء، حالٌ من الياء في ﴿سَبِيلِي﴾ والعاملُ معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾، أو بيان وتفسير لسبيله.\nو﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ حالٌ من المستكنِّ في ﴿أَدْعُو﴾ و.\nو﴿أَنَا﴾ تأكيد له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ عطف عليه؛ أي: أدعوا إلى الله أنا ويدعو إليه مَن اتبعني، أو مرفوعٌ بما في الظرف من معنى الفعل على الفاعلية؛ أي: كائنًا أو ثابتًا على بصيرة أنا ومَن اتبعني، أو مبتدأ خبره ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ والجملة ابتداءُ إخبار بأنه ومَن تبعه على حجةٍ وبرهان لا على هوًى كغيرهم.\n﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: وأنزِّهه تنزيهًا من الشركاء ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فيه تعريف بأنهم هم المشركون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1705\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ردٌّ لقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾.\nوعن ابن عباس ﵄: معناه نفيُ استنباء النساء (^١).\n﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ مما أُوحي إليك، وتميَّزوا بذلك عن غيرهم، وقرئ: ﴿نُوحِي﴾ بالنون (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٠٩).\n(^٢) قراءة حفص. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٠).","vol":"5","page":353},{"text":"﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلمُ وأحلمُ من أهل البدو، فإن فيهم الجهلَ والجفاءَ والقسوةَ، ولا دلالة في قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ على أن يعقوب ﵇ من أهل البدو، وإنما دلالته على أنه ﵇ كان في البدو ساكنًا لمصلحة مواشيه.\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من المكذِّبين بالرسل والآيات، فيَحْذَروا تكذيبَك، أو: من المشغوفين بالدنيا المتهالِكِين عليها فينقلبوا عن حبها.\n﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: دارُ الساعة أو الحياة أو الحالة الآخرة ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشركَ والمعاصيَ، حضٌّ على العمل لدار الآخرة والاستعداد لها.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم ليعلموا أنها خير، وقرئ بالتاء (^١) حملًا على قوله: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾، أي: قل لهم: أفلا تعقلون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1706\"> </span>(١١٠) - ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ غايةٌ لمحذوفٍ دل عليه الكلام، أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا مثلَكَ يبلِّغون الرسالة ويوضِّحون الدلالة، فتراخى نصرُهم حتى إذا استيأسوا عن النصر وعن إيمان قومهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي: كذَبتهم أنفسُهم حين حدَّثتهم بأنهم ينصرون، أو كذَبهم قومهم بوعد الإيمان؛\n_________\n(^١) قراءة عاصم وابن عامر ونافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٠).","vol":"5","page":354},{"text":"أي: لا يغرَّنَّ قريشًا تمادي أيامهم، فإن الرسل قبلك قد تطاول عليهم مدةُ التكذيب وعداوةُ الكفار وانتظارُ النصر، حتى استشعروا القنوط، وتوهَّموا أن لا نصرة لهم في الدنيا.\nوعن ابن عباس ﵄: وظنوا حين ضعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم من النصر، وقال: كانوا بشرًا، وتلا قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد رواه البخاري في \"صحيحه\" (^١).\nفقيل في تصحيحه: أراد بالظن ما يَهْجس في القلب على سبيل الوسوسة وحديثِ النفس بحكم البشرية، لا الظنَّ بمعنى الاعتقاد الراجح فإنه غيرُ جائز على آحاد المسلمين فكيف بالرسل؟\nويجوز أن يراد به المبالغةُ في التراخي والإمهال على سبيل التمثيل.\nوقيل: فظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد كذِبوا؛ أي: أُخلفوا.\nوقيل: الضميران للمرسل إليهم؛ أي: ظنَّ المرسل إليهم أنهم قد كُذبوا من جهة الرسل؛ أي: كذَبهم الرسلُ (^٢) في أنهم يُنصرون عليهم.\nوقرئ بالتشديد (^٣)؛ أي: وظنَّ الرسل أنهم قد كذَّبهم قومهم فيما أَوعدوهم من العذاب والنصرة عليهم.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٥٢٤)، والطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٣٩٣). وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٠)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٢) \"أي كذبهم الرسل\" من (م).\n(^٣) قراءة عاصم وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٠).","vol":"5","page":355},{"text":"وقرئ: (كَذَبوا) بالتخفيف على البناء للفاعل (^١)؛ أي: وظن الرسل أنهم قد كذَبوا فيما أَوعدوا به قومهم من النصرة عليهم، إما على تأويل ابن عباس ﵄، وإما على أنهم كذَبوا عند قومهم؛ لأنهم إذا لم يروا لوعدهم أثرًا قالوا: إن الرسل قد كذَبوا، فيكونون كاذبين عند قومهم؛ أي: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذَبوا.\n﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ بغتةً ﴿فَنُجِّيَ﴾ على لفظ الماضي المبنيٍّ للمفعول، وقرئ: ﴿فنُجي﴾ بالتخفيف (^٢) والتشديد (^٣)، من أنجاه ونجَّاه، وقرئ: (فنجا) (^٤).\n﴿مَنْ نَشَاءُ﴾: الرسل والمؤمنين، وإنما أبهم تعظيمًا لهم، وتنبيهًا على أنهم هم الذين يستأهلون أن يشاء الله نجاتهم ولا يشاركهم فيه غيرهم، ثم بين ذلك بقوله:\n﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ إيذانًا بأن العذاب مخصوصٌ بالمجرمين لازمٌ لهم فيلزم نجاة أضدادهم من الرسل وأتباعهم.\nومفعول ﴿نَشَاءُ﴾ محذوف تقديره: نشاء تنجيتَه.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لابن عباس ﵄ وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٥)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٥٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١٠).\n(^٢) بالتخفيف قراءة الكسائي وحمزة وابن كثير وأبي عمرو ونافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٠).\n(^٣) (فنُنَجِّي) بالتشديد، نسبت للكسائي في غير المشهور عنه، وللحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"البحر\" (١٢/ ٥٨٤).\n(^٤) نسبت لجمع منهم مجاهد والحسن. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٣/ ٤٠٠)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٥)، و\"البحر\" (١٢/ ٥٨٤).","vol":"5","page":356},{"text":"<span id=\"aya-1707\"> </span>(١١١) - ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾: في قصص الأنبياء ﵈ وأممهم، أو في قصة يوسف وإخوته.\n﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لذوي العقول المبرَّأة عن شوائب (^١) الإلف والركونِ إلى الحس.\n﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الضميران للقرآن؛ لقوله:\n﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب الإلهية، وانتصب ﴿تَصْدِيقَ﴾ على أنه خبر (كان) المحذوفة، وإنما جعله نفسَ التصديق مبالغةً في كونه مصدِّقًا لِمَا بين يديه.\n﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عبارةُ ﴿كُلِّ﴾ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم؛ كما في قو له تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]، ومن لم يتنبه لهذا احتاج إلى تخصيص الشيء بالذي يتعلَّق بالدِّين، ثم تكلَّف في بيانه فقال: إذ ما من أمر دينى إلا وله سندٌ من القرآن بوسطٍ أو بغير وسطٍ، ولم يدر أن عبارة التفصيل لا تتحمَّل هذا التأويل.\n﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ يُنال بها خير الدارين.\n_________\n(^١) في (ف): \"تشويب\".","vol":"5","page":357},{"text":"وقرئ: (تصديقُ .. وتفصيلُ .. وهدًى ورحمةٌ) كلُّها بالرفع (^١)؛ أي: ولكنْ هو تصديقُ، ولكن على هذه القراءة مختلف فيها لعطف الجملة.\n﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقونه، خصهم بذلك لأنهم هم الذين ينتفعون به كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لعيسى الثقفي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٥٠)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٨٩)، وعزاها في \"البحر\" (١٢/ ٥٨٦) لجمع منهم المذكور.\n(^٢) جاء بعدها في (م): \"تم الجزء الأول من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا تغمده الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح جناته لمحمد وآله آمين\".\nوبعده في جانب الصحيفة: \"تحريرًا في أواخر محرم الحرام افتتاح سنة تسع وثلاثين وألف، تمت بالخبر\".\nوفي الجانب الآخر: \"علق ذلك بنفسه ليده العبد الضعيف عبد ربه الباري علي بن عبد الله بن سليم ابن عبد الخالق بن أحمد البشاري الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وغفر له ولوالديه ومشايخه والمسلمين آمين \".","vol":"5","page":358},{"text":"<span data-type='title' id=toc-77>سُورَةُ الرَّعْدِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1708\"> </span>(١) - ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿المر﴾ قد مر (^١) في تفسيرها أقاويل، وقيل: معناه: أنا الله أعلمُ وأَرى.\n﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى آيات السورة، وفيها تعظيمٌ لها.\n﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ اللام للماهية (^٢)، والمراد به السورة؛ أي: تلك الآياتُ العظام آياتُ السورة الكاملةِ العجيبة في بابها.\n﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ يعني: القرآنَ كلَّه، ومحلُّه الرفع على الابتداء، وخبره هو: ﴿الْحَقُّ﴾؛ أي: هو الحق الذي لا مزيدَ عليه، لا هذه السورة وحدها، وفي إيقاع الموصول مسندًا إليه تفخيم المنزل (^٣).\nوفي توسيط (هو) (^٤) وتعريفِ ﴿الْحَقُّ﴾ أنه هو الذي إذا تحقَّقْتَ الحقَّ وماهيتَه\n_________\n(^١) \"قد مر\"من (م).\n(^٢) في (م): \"للمهية\".\n(^٣) في هامش (ف) و(م): \"هذا هو الذي يقتضيه جزالة الكلام وحسن انطباقه على مقتضى المقام، وهو تعميم المنزل المستفاد من إيقاع الموصول مسندًا إليه، فلذلك لم يلتفت إلى احتمال أن يكون محله الجر بالعطف على الكتاب، والله أعلم بالصواب \".\n(^٤) قوله: \"وفي توسيط هو\" كذا قال، وهو وهم أو سبق قلم، فليس في الآية هنا ضمير الفصل: (هو).","vol":"5","page":361},{"text":"فهو هو لا غير، والمراد الإخبار عنه بكمال حقَيَّته (^١) حيث ثبت على مرِّ الدهور ولم يتطرَّق له (^٢) التحريف والتغيير، أو ثبت تلاوته وحكمُه بخلاف سائر الكتب الإلهية، فلا دلالة فيه على أن غير المنزل إليه ليس بحق أصلًا، فلا حاجة إلى تعميمه للمنزل ضمنًا، بل لا وجه له بعد التصريح بأن المراد منه القرآن كلُّه، على أنه لا يجدي نفعًا في دفع النقض بحقيَّة (^٣) ما نزل إلى سائر الأنبياء ﵈.\nوفي دَرْجِه في الذي أنزل إليه ﵇ ضمنًا باعتبار أنه نطق بحسن اتّباعه ما لا يخفى من التعسُّف (^٤)، وهو بعد اللُّتيَّا والتي يؤدي إلى أن يكون ترك قوله: ﴿إِلَيْكَ﴾ خيرًا من ذكره.\nوالجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى، وطريقتُها طريقة الأنمارية في الكَمَلة من بني العَبْسي (^٥): هم كالحَلْقة المفْرغةِ لا يُدرَى أين طرفاها؛ أي: كما أنها نفت التفاضُل آخِرًا بإثبات الكمال لكل واحد دلالةً على أن كمالَ كلِّ لا يحيط به الوصف وهو إجمال بعد التفصيل لهذا الغرض، كذلك لمَّا أثبت لهذه السورة\n_________\n(^١) في (ف): \"حقيقته\".\n(^٢) في (ك): \"إليه\".\n(^٣) في (ف): \"بحقيقة\".\n(^٤) فيه رد على قول البيضاوي: (وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقًا فهو أعم من المنزل صريحًا أو ضمنًا، كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨٠).\n(^٥) في (ف) و(م): \"في الكلمة من بني عيسى\". وفي (ك): \"في الكلمة من بني عبس \". والأنمارية هي فاطمة بنت الخرشب، ولدت لزياد العبسي: ربيعًا الكامل، وعمارة الوهاب، وقيسًا الحفاظ، وأنس الفوارس، قيل لها: أيهم أفضل؛ فقالت: عمارة، لا بل فلان، لا بل فلان، ثم قالت: ثكلْتُهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة. انظر: \"فتوح الغيب\" (٨/ ٤٥٥).","vol":"5","page":362},{"text":"خصوصًا (^١) الكمال، استدرك بأن كلَّ المنزَل كذلك، لا يختصُّ به سورةٌ دون أخرى للدلالة المذكورة.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدّقون بأنه منزل من الله تعالى؛ لإعراضهم وعن النظر فيه، أو إخلالهم بحق التأمُّل في وجوه إعجازه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1709\"> </span>(٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبره (^٢)، ويجوز أن يكون الموصول صفةً (^٣) والخبر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، والأول أولى؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ عطفٌ عليه على سبيل التقابُل بين العُلْويات والسُّفْليات، وفي المقابل تعيين الخبريَّة فكذلك فيه (^٤) ليتوافَقَا، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم، لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه (^٥) كما هو مقتضَى الوجه الآخر.\n﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾؛ أي: خلَقها مرفوعةً، لا أن تكون موضوعةً فرفعها.\n_________\n(^١) في (م): \"خصوص\".\n(^٢) في (م) و(ك). \"وخبر\".\n(^٣) في (م): \"صفة الموصول\"، وسقطت \"الموصول\" من (ف) و(ك)، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨٠).\n(^٤) قوله: \"وفي المقابل\" يعني به: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾، وقوله: \"تعيين الخبرية\"، يعني أن خبرية الموصول متعينة في هذا المقابل، وقوله: \"فكذلك فيه\" يعني أن خبرية ﴿الَّذِي﴾ هي الوجه في: ﴿اللَّهُ الَّذِي﴾.\n(^٥) \"وتعظيمه\" من (م).","vol":"5","page":363},{"text":"﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: جمع عماد، كإهابٍ وأَهَبٍ، أو محمود كأَديمٍ وأَدَمٍ، وقرئ: (عُمُدٍ) كرُسُلٍ (^١).\nوالعمود: السارية، وأصله: منع الميل، ومنه: الاعتماد، والأسطون غيرُ مرادف له (^٢).\n﴿تَرَوْنَهَا﴾ استئنافٌ للاستشهاد برؤيتهم السماوات كذلك.\nوقيل: هي صفةٌ لـ ﴿عَمَدٍ﴾. وفيه إيهامُ أن يكون لها عمدٌ غيرُ مرئية، ومقتضى المقام نفيُ العماد أصلًا، وذكره بصيغة الجمع للتعدُّد في السماء.\nوقرئ: (ترونه) (^٣)، أي: ترون رفعها بغير محمد.\nقيل: وهو دليل على وجود الصانع الحكيم، فإن ارتفاعها على سائر الأجسام المساوية لها في حقيقة الجرمية (^٤)، واختصاصَها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصِّصٍ ليس بجسم ولا جسمانيٍّ يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته، وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات.\nولا يخفى أن مبنى تلك الدلالة على ثبوت المساواة المذكورة، ولا دليل عليه لا من جهة العقل ولا من جهة النقل.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٢).\n(^٢) فيه رد على قول البيضاوي: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾: أساطين) وأساطين جمع أسطوانة، وهي معرب أستون. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨٠) و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢١٧). فقول المؤلف: \"أسطون\"، لعله بلفظه قبل التعريب.\n(^٣) نسبت لأبي ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٢).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"الجسمية\". والمثبت من (م) و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨٠)، والمعنى متقارب.","vol":"5","page":364},{"text":"﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بالحفظ والتدبير، ولفظة ﴿ثُمَّ﴾ مستعارةٌ للتراخي في الرتبة.\n﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾، أي: ذلَّلهما وجعلهما طائعَين له غيرَ ممتنعَينِ عليه، وقصَرهما على سَنَنٍ واحد لمنافع عباده ومصالح بلاده؛ لما يوجد بهما من الآثار في الحبوب والثمار.\n﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: كلٌّ منهما يجري لمدةٍ معيَّنة يتم فيها دورُه، فالقمرُ (^١) يقطَع الفُلْك في شهرٍ، والشمس في سنةٍ، لا يختلف جَرْيُ واحد منهما كما قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٨]، وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، أي: بحسابٍ (^٢) معلوم لا يختلف.\nوهذا أيضًا من جملة التدبيرات لمنافع العباد ومصالح البلاد، بخلاف ما قيل: يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيرُه، وهي: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ فلا يناسب الفصلَ به بين التسخير والتدبير، ثم إن غايتهما المذكورةَ متحدةٌ، والتعبير بـ ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ صريح في التعدُّد، وما للغاية (إلى) دون اللام.\n﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يدبر أمر ملكوته وربوبيَّته في الإيجاد والتصريف نحو المراد.\n﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: يأتي بالآيات الدالة على القدرة والتدبير فصلًا فصلًا للتمكُن من تدبُّر كل آيةٍ على حِدَةٍ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"كالقمر\".\n(^٢) في (ك): \"بحسبان \".","vol":"5","page":365},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ فإنَّ مَن تدبَّر هذه الآيات وتفكَّر فيها أيقن أنَّ مَن قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإعادة والجزاء، فلا بد من الرجوع إليه بمقتضَى وعده.\nوالجملتان إما حالان من الضمير في قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ من تتمته؛ لأنَّه تقريرٌ لمعنى الاستواء وتبيينٌ له، وإما مفسِّرتان له.\nوفي تعقيب الأوائل بهما (^١) للإيقان، والثواني بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢) من فضل السوابق لإفادتها اليقين (^٣)، واللواحقُ ذرائع إلى حصوله، لأن الفكر آلتُه، والإشارة إلى تقدم الثواني بالنسبة إلينا مع التأخر رتبةً، وكلُّ ذلك فائت على تقدير جعل الموصول وصفًا.\nلمَّا قرر الدلائل السماوية أردفها بتقرير الدلائل الأرضية فقال:\n\n<span id=\"aya-1710\"> </span>(٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: بسطها طولًا وعرضًا ليُثبِّت فيها الأقدام، ويتقلَّبَ عليها الحيوان، ولمَّا كان مَظِنّةَ أن يقال: لولا ما فيها من الجبال لكان الثبات فيها أيسرَ، ومواضعُ التقلُّب فيها (^٤) أكثر، دفعه ببيان الفائدة في خَلْقها بقوله:\n_________\n(^١) أي: بقوله: ﴿يُدَبِّرُ﴾ ﴿يُفَصِّلُ﴾. انظر: \"روح المعاني\" (١٣/ ١٨)، والكلام منقول من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي. وهو \"الكشف على الكشاف\" للقزويني.\n(^٢) في النسخ: \"إن في ذلك لآيات لمن يتفكر\"، والمثبت من المصدر السابق.\n(^٣) في (ك): \"التعين \"، وفي (ف) و(م): \"التعيين\"، والمثبت من المصدر السابق.\n(^٤) \"فيها\": ليست في (م).","vol":"5","page":366},{"text":"﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ من الرُّسُوِّ، وهو ثبات الجسم الثقيل وقرارُه، ومنه: أرسى السفينة، والمرسى.\nكانت الأرض مضطربةً فثقَّلها الله تعالى بالجبال في أحيازها فزال اضطرابها، كذا قيل.\nولمَّا غلب على الجبال وصفُها بالرواسي صارت الصفةُ تُغني عن الموصوف، فجُمع جَمعَ الاسم؛ كحائطٍ وحوائطَ، وكاهلٍ وكواهلَ.\nوالتحقيق: أنَّ (فاعل) يجمع على فواعِلَ إذا كان لغير الآدميين؛ نصَّ عليه الجوهري حيث قال: إنَّ فواعلَ جمع فاعلةٍ نحو: ضاربة وضوارب، أو جمع فاعل إذا كان صفةً للمؤنث مثلَ: حائض وحوائض، أو ما إذا كان لغير الآدميين مثل: جملٍ بازلٍ وجمالٍ بوازلَ، وحائطٍ وحوائطَ، فأما مذكَّر ما يعقل فلم يجمع عليه إلا فوارسُ وهوالكُ ونواكسُ (^١).\nوبهذا التفصيل تبيَّن فساد ما قيل: رواسي جمع راسية، والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبُلٍ أو للمبالغة (^٢).\n﴿وَأَنْهَارًا﴾ الأنهار: المجاري الواسعة، والمراد: ما يجري فيها من المياه، وفي ضمِّها إلى الجبال وتعليقِ الفعل الواحد بهما إيماءٌ إلى أن الجبال أسبابٌ لتولُّدها ولهذا كثُر قِرَان ذكرها بذكرها في القرآن.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: فرس).\n(^٢) من قوله: \"والتحقيق .. \" إلى هنا من (م)، ووقع في هامش (ف). وبعده في (م): \"إلى هاهنا\". وانظر تفصيل الكلام فيه في \"روح المعاني\" (١٣/ ٢٣).","vol":"5","page":367},{"text":"﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ في قوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾؛ الزوج (^١) قد يكون اسمًا للشفع، وقد يكون اسمًا (^٢) للفرد المقارب لشبهه، فأتبعه ﴿اثْنَيْنِ﴾ ليُعلم أنه لم يُرد به الشفع؛ أي: جعل من أنواع الثمرات فيها صنفين متقابلين؛ كا لأبيض والأسود، والحلو والحامض، والكبير والصغير.\nوأما ما قيل: خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدَّها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوَّعت، ففيه أنه دعوى بلا دليلٍ، مع أن الظاهر خلافُه، فإن النوع الناطق المحتاجَ إلى الزوجين خُلق ذَكَرُه أولًا، فكيف في الثمرات وتكوُّنُ واحدٍ من كلٍّ أولًا كافٍ في التولُّد؟\nوعبارة ﴿كُلِّ﴾ للتكثير، لا للإحاطة حتى يلزم أن يوجد في الأرض صنفين من أنواع الثمرات التي في حيِّز الإمكان.\n﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ استعارةٌ تَبَعية؛ فإنه شبَّه إخفاء نور الجو وسترَه بالظلمة التي بالتغشية (^٣)، أي: يغطِّي الليلُ النهارَ فيُذهب ضوءَه، ويغشَى النهارُ الليلَ فيُذهب ظلمتَه، فهو مختصر في الذكر مراد في المعنى بدلالة نظائره.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، فإن تكوينها وتخصيصَها بوجه دون وجهٍ (^٤) دليل على وجود قادر مختار.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"أي الزوجين\"، وفي (م): \"إذ الزوج\".\n(^٢) \"اسمًا\"من (م).\n(^٣) أي: استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ مبنيَّةٌ على تشبيه إزالةِ نورِ الجو بالظلمة بتغطية الأشياءِ الظاهرةِ بالأغطية. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٥/ ٤)، وعبارة النسخ فيها بعض الغموض، لعل سببه سقط أو تحريف.\n(^٤) \"دون وجه\" من (م).","vol":"5","page":368},{"text":"<span id=\"aya-1711\"> </span>(٤) - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ عدَل عن الضمير إلى الظاهر لأن المتبادِر منه الظرفيةُ كما في قوله: ﴿جَعَلَ فِيهَا﴾ والمراد أن يكون في نفسها كون الجزء في الكل.\n﴿قِطَعٌ﴾ ووفي بعض المصاحف: (قطعًا [متجاوراتٍ]) (^١) على (^٢): وجعل، وحينئذ يكون الاحتياج إلى وجه العدول أظهر.\n﴿مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: بقاع مختلفةٌ مع كونها متجاورةً متلاصقةً: طيبةً إلى سبخةٍ، وكريمةً إلى زهيدةٍ، ورخوةً إلى صلبةٍ، بعضها يصلح للزرع والضَّرع دون الشجر والثمار، وبعضها بالعكس، وذلك من الدلائل الناطقة بأنه القادر على ما يشاء من تخصيص كلِّ واحدة بخاصيَّةٍ تضادُّ ما للأخرى، مع اتحادها في الطبيعة الأرضية وما يلزمُها وَيعْرِض لها بتوسُّط ما يحدث من الأسباب السماوية من حيث إنها متضامَّة متشاركة في النسب (^٣) والأوضاع.\nوكذا الكرومُ والزروع والنخيل النابتة في قطعة واحدة من تلك القطاع مختلفةُ الأجناس والأنواع، متفاوتةُ الثمرات في ألوانها وأشكالها وطعومها وروائحها، متفاضلة فيها، وهي تسقى بماء واحدٍ (^٤) في أرضٍ واحدة.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٣) وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (م): \"عطفًا على\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٥١٣)، والمراد: (على تقدير).\n(^٣) في (ف): \"السبب\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨١).\n(^٤) \"واحد\" من (م).","vol":"5","page":369},{"text":"﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾: وبساتينُ فيها أنواع الأشجار والزروع، وتوحيد الزرع لأنَّه مصدر في أصله، والفصل به بين نوعِ جنس واحد وهو من جنسٍ آخر، لِمَا فيه من الفضل حيث كان به قِوام المعاش.\nوقرئ: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ بالرفع (^١) عطفًا على ﴿وَجَنَّاتٌ﴾.\nوقرئ: (جناتٍ) (^٢) بالنصب عطفًا على ﴿زَوْجَيْنِ﴾، أو بالجر (^٣) عطفًا على ﴿كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.\n﴿صِنْوَانٌ﴾: جمع صِنْوٍ، وهي نخلة ذات ساقين تفرَّعا من أصل واحد ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: ومتفرِّقاتٌ (^٤) مختلفةُ الأصول. وقرئ: بالضم (^٥)، كقنوانٍ في جمع قنو.\n﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وقرئ: ﴿يُسْقَى﴾ بالياء (^٦) على تأويل ما ذُكر إجراءً للضمير مجرى اسم الإشارة.\n﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قرئ بضم الكاف وسكونها، وقرئ:\n_________\n(^١) قراءة حفص وابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣١).\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١٣) والكلام منه.\n(^٣) في النسخ: \"وبالجر\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٥١٣) وهو الصواب؛ لأن المراد أن هذه القراءة تحتمل النصب والجر عطفا على ما ذكر في كل واحد من الاحتمالين، لا أنه قرئ بالنصب وبالجر.\n(^٤) في (م): \"وغير متفرقات \".\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١٣) والكلام منه.\n(^٦) قراءة عاصم وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣١).","vol":"5","page":370},{"text":"(نفضّل) بالنون والياء على بنائين (^١)، والبناءُ للفاعل ليطابق ﴿يُدَبِّرُ﴾ (^٢).\nوإنما خصَّ التفضيل (^٣) في الأُكل بالذكر مع وجود (^٤) التفاضُل في غيره لأنَّه غالبُ وجوه الانتفاع من الثمرات.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم للتفكُّر، وفيه إشعارٌ بأن العاقل إذا لم يستعمل عقله لِمَا خلق له فكأنه لا يعقل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1712\"> </span>(٥) - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمد -أو: يا أيها السامع الموحِّد- من قولهم (^٥) في إنكارهم للبعث ﴿فَعَجَبٌ﴾: فحقيقٌ بأنْ يُتعجَّب منه ﴿قَوْلُهُمْ﴾ وتقديم الخبر للتخصيص؛ أي: ما قولهم إلا عجب لا أعجبَ منه؛ لأن مَن قدر على إنشاء ما\n_________\n(^١) ذكر جميع هذه القراءات الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٥١٣)، و﴿الْأُكُلِ﴾ بضم الكاف قراءة العشرة، و﴿وَنُفَضِّلُ﴾ بالنون والبناء للفاعل، و﴿يُفضِّل﴾ بالياء والبناء للفاعل، قراءتان سبعيتان، قرأ بالياء حمزة والكسائي وبالنون الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣١)، و\"النشر\" (٢/ ٢٩٧).\n(^٢) في النسخ: \"يطابق ليدبر\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨١)، والمراد قراءة حمزة والكسائي ﴿ويفضل﴾ بالياء.\n(^٣) في (م) و(ك): \"التفضل \".\n(^٤) في (ف): \"وجود جودة\".\n(^٥) \"من قولهم\" من (م).","vol":"5","page":371},{"text":"عدِّد من الفِطَر العجيبة كان على الإعادة أقدَر؛ إذ الإعادةُ أهونُ من الإبداء (^١) وأيسر، فإنكارهم أعجوبةٌ من أعجب الأعاجيب.\n﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ في محل الرفع بدلًا من ﴿قَوْلُهُمْ﴾، أو في محل النصب بالقول، و(إذا) نصب بما دل عليه قوله: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: لفي صَدد ذلك بعد ما كنا ترابًا، وهذا أبلغ في الإنكار.\n﴿أُولَئِكَ﴾ المنكرون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾: المتمادون في الكفر بربِّهم؛ لأنهم كفروا بقدرته على البعث.\n﴿وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾؛ أي: المصرُّون الذين لا يمكنهم النظر والاستبصار ورفع الرُّؤوس إلى ما دُعوا إليه، وغلُّ الأعناق تمثيلٌ كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨]، ويجوز أن يكون وعيدًا كما بعده.\n﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في تكرير (أولئك) تعظيم لإنكارهم، وتأكيد في تقبيحه، وبيان لاستيجابهم العذابَ الأبديَّ لذلك؛ أي: إنهم إذا أنكروا ما ثبت بهذه الدلائل الدالة على قدرة المبدئ على الإعادة دلالتَها على الإبداء بل أقوى، فما أقبح إنكارَهم وأشد إصرارهم، وما أحقَّهم بالخلود في النار!\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا ينفكُّون عنها، وتوسيط الفصل لتخصيصِ الخلود بالكفار، فإن عبارته وإن كانت مخصوصةً بصنفٍ منهم، وهم المنكِرون للبعث لكنَّ دلالته تعمُّ سائر الأصناف.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"الابتداء\".","vol":"5","page":372},{"text":"<span id=\"aya-1713\"> </span>(٦) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾: بالعقوبة قبل العافية، وذلك أنهم استعجَلوا ما (^١) هدَّدهم به من عذابِ الدنيا استهزاءً وإنكارًا.\n﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: عقوباتُ أمثالهم من المكذِّبين، فما لهم لم يعتبِروا بها ولم يحترِزوا حلولَ مثلِها بهم، والمثُلة بوزن السَّمُرة: العقوبةُ؛ لأنها مثلُ المعاقَبِ عليه.\nوقرئ: (المَثَلات) على أنها جمع مُثلةٍ؛ كرُكْبةٍ ورَكَبات (^٢)، وهي العقوبةُ المستأصِلةُ؛ كقَطْع الأنف والأُذُن ونحوهما.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾ اللامُ للعهد، والمعهود هم المستعجِلون المذكورون، والمراد من المغفرة: السَّتر والإمهال.\n﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ في محل النصب على الحال، والعامل فيه المغفرة؛ أي: ظالمين أنفسَهم أيَّ ظالمين، فإن ﴿عَلَى﴾ أبلغ من: مع.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للظالمين، فلا يُهْمل وإن كان يمهِل، فلا دلالة في الآية على جواز العفو قبل التوبة؛ لأن مبناها على حمل المغفرة على التوبة، وهو غير مسلَّم عند المخالف.\n* * *\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"بما\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٤).","vol":"5","page":373},{"text":"<span id=\"aya-1714\"> </span>(٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ لعنادهم وعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة على رسول اللّه ﷺ، ومكابرتهم (^١) مقترحِين مثل آيات موسى وعيسى ﵈.\n﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾: مرسَل للإنذار والتخويف من سوء العاقبة كغيرك من الرسل، لا للإتيان بما اقتَرحوا عليك، وما عليك (^٢) إلا إتيانُ ما تصحُّ به نبوتك من الآيات، والآياتُ كلها سواءٌ في ذلك.\n﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: نبيٌّ مخصوص بمعجزاتٍ من جنس ما هو الغالبُ عليهم، يهديهم إلى الحق بوجهٍ من الهداية التي تخصُّهم، أو: قادرٌ على هدايتهم وهو الله تعالى؛ أي: ما عليك إلا الإنذار، فلا يهمَّنَّك (^٣) عنادُهم وإنكارهم للآيات المنزلة عليك، فليس إليك هدايتُهم، ولست بقادر عليها، إنما القادر على ذلك هو الله تعالى، لكنه لا يهدي إلا مَن يشاء من عباده بما يشاء من آياته.\nثم عقَّبه بما دل على كمال علمه وتقديره للأشياء على مقتضَى حكمته؛ تنبيهًا على أنه عالم بأحوال الأنبياء ﵈ والأممِ، قادر على إنزال مقترحاتهم، ولكنَّ الأمر مقدَّر عنده على ما يجب أن يكون عليه من حكمته من تخصيص كلِّ نبي بما خُص به من الآيات.\nوأما ما قيل: أو عالم بهم قادرٌ على هدايتهم لكنه لم يهدهم لسبق قضائه عليهم بالكفر، فمرجعُه إلى تصحيح مبنى مذهب الجبرية.\n_________\n(^١) في (م): \"ومكارتهم\".\n(^٢) \"وما عليك\" من (م).\n(^٣) في (م) و(ك): \"يهمك\".","vol":"5","page":374},{"text":"<span id=\"aya-1715\"> </span>(٨) - ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.\n﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إما استئنافٌ لبيان سبب الامتناع من إنزال ما اقترحوا، وإما جملتان: الأولى تفسير لـ ﴿هَادٍ﴾، أي: هو الله، والثانية ابتداءُ كلام لبيان كون الكل بعلمه وتقديره.\nويجوز أن يكون جملة قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ مقدَّرةً، ويكون من باب إقامة الظاهر مقام المضمَر؛ كأنه قيل: هو يعلم - أي: ذلك الهادي - ما تحمله كل أنثى أو حملها على أيِّ حال [هو] من الأحوال الحاضرة والمترقَّبة (^١).\n﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد.\nوقيل: المراد نقصانُ دم الحيض وازديادُه.\n(غاض) جاء متعديًا ولازمًا، وكذا (ازداد)؛ قال تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، فإن جُعلا لازمين تعيَّن (^٢) (ما) أن تكون مصدريةً، وإسنادهما إلى ﴿الْأَرْحَامُ﴾ على المجاز فإنهما لله تعالى أو لِمَا فيها.\n﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ بقَدَرٍ واحد من جهة الكمِّ والكيف والزمان، لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والمراد من العندية الحضورُ العلمي، أي: هو عالم بكمية كلِّ شيء وكيفيته ووقت حدوثه، فيهيِّئ له أسبابًا مَسوقةً إليه تقتضي ذلك، وهذه الجملة مقرِّرة لِمَا تقدَّم، وليس في الاتصال كالتي بعدها، ولذلك وصل هذه له وفصَل هي عما قبلها.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨٢)، وما بين معكوفتين منهما.\n(^٢) في (م): \"يتعين\".","vol":"5","page":375},{"text":"<span id=\"aya-1716\"> </span>(٩) - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾.\n﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾: الغائبِ عن الحس ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: الحاضرِ له ﴿الْكَبِير﴾: العظيم في شأنه وسلطانه ﴿الْمُتَعَالِ﴾: المستعلي على كلِّ شيء بقدرته، فلا يخرج شيءٌ عن حكمه كما لا يَعزب عن علمه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1717\"> </span>(١٠) - ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.\n﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾؛ أي: أخفاه في نفسه ﴿وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: أظهره لغيره.\n﴿وَمَنْ هُوَ﴾، أي: وسواءٌ مَن هو ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: طالبٌ للخفاء في مختبَئ من الليل ﴿وَسَارِبٌ﴾: بارزٌ ﴿بِالنَّهَار﴾ يراه كلُّ راءٍ، من سَرَب سُروبًا: إذا برز، عطفٌ على (مَن).\nأو على ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ و(مَن) في معنى الاثنين كما في قول الفرزدق:\nنكُنْ مِثْلَ مَن يا ذئبُ يصطحِبان (^١)\nكأنه قيل: سواءٌ منكم اثنان: مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار.\nوالنكتة في زيادة ﴿هُوَ﴾ في الأول: أنه الدالُّ على كمال العلم فناسَبَ زيادةَ تحقيق، وهو النكتةُ أيضًا في تقديم ﴿أَسَرّ﴾ وإعماله في صريح القول على ﴿جَهَرَ﴾ وإعماله في ضميره، وفي حذف الموصوف من (سارب) على الوجه الأول.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الديوان\" (٢/ ٣٢٩)، و\"الكتاب\" (٢/ ٤١٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١٦)، وصدره:\nتعشَ فإن عاهدتني لا تخونني","vol":"5","page":376},{"text":"<span id=\"aya-1718\"> </span>(١١) - ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.\n﴿لَهُ﴾: لمن أسرَّ أو جهر، واستخفى أو سَرَب ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾: ملائكةٌ تَعْتَقِبه في حفظه: جمعُ معقِّبةٍ، من عقَّبه مبالغةُ عَقَبه: إذا جاء على عَقِبه؛ لأن بعضهم يَعْقُب بعضًا على الدوام، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يفعل ويتكلم به فيكتبونه، والتاءُ للمبالغة، أو لأنها جماعات.\nومَن وَهَم أن أصله: معتقِباتٌ، أدغمت (^١) التاء في القاف كقوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠]؛ أي: المعتذرون (^٢)، فقد وَهِم؛ لِمَا نص عليه التصريفيون من أنَّ التاء لا تُدغم في القاف، ولا القاف في التاء، لا من كلمتين ولا من كلمة، ثم إن ﴿الْمُعَذِّرُونَ﴾ لا يَتعين أن يكون أصله: المعتذرون.\nوقرئ: (مَعَاقيبُ) جمعُ معقِّبٍ أو معقِّبةٍ، والياءُ عوضٌ من حذف إحدى القافين في التكسير (^٣).\n﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: من جوانبه.\n﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من الآفَات التي لا يمكن دفعُها بأسبابٍ عادية، والإنسان ليس في وسعه التحرُّزُ عنها، فالله تعالى بلطفه عيَّن له حفظةً يحفظونه من هذا النوع من الآفَات، قال النبي ﷺ: \"وكِّل بالمؤمن مئة وستُّون\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أدخلت\".\n(^٢) قائله الزمخشري وتابعه البيضاوي كما قال الشهاب، قال: وقد اتفقوا على رده. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٨٣)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٢٥).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٥٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١٧).","vol":"5","page":377},{"text":"ملَكًا يَذُبُّون عنه كما يُذَبُّ عن قصعة العسل الذبابُ، ولو وُكِل العبد إلى نفسه طرفةَ عين لاختطفته الشياطين\" (^١).\nوإنما خُصَّ هذا النوع من الآفَات بالإضافة إلى أمر الله، وإن كان كلُّها بأمره تعالى؛ لعدم ظهور أسبابها العادية.\nهذا ما عندي، والذي ذكره القوم: أنه صفةٌ لـ ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ كـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: له معقِّبات ثابتةٌ من أمر الله يحفظونه، أو متعلق بـ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾؛ أي: يحفظونه من أجْل أمر الله تعالى، يعني: من أجل أن الله تعالى أمرهم بحفظه، ولا يدل عليه قراءةُ: (بأمر الله) (^٢)؛ لجواز تعلُّقه بالسابق؛ أي: معقِّبات بأمر اللّه.\nأو: يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بالاستغفار، أو الاستمهال عسى أن يتوب.\nوقيل: المراد من المعقبات: الحرس والجَلَاوِزة حول السلطان يحفظونه في توهُّمه من قضاء الله أوعلى التهكُّم به.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة إلى البلاء والنقمة.\n﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من الصلاح والطاعة إلى الفساد والمعصية.\n﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾: فلا رادَّ له، والعامل في (إذا) ما دل عليه الجواب.\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾: ممن يلي أمرهم فيدفعُ عنهم السوءَ، أو يدفعه\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"الكبير\" (٧٧٠٤) من حديث أبي أمامة ﵁. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٠٩): (فيه عفير بن معدان وهو ضعيف).\n(^٢) نسبت لجمع منهم علي وابن عباس ﵃. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٥٥)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥١٧)، و\"البحر\" (١٣/ ٤٥).","vol":"5","page":378},{"text":"بالعنف أو باللطف؛ أي: لا رافع ولا دافع ولا شافع ولا نافع أصلًا.\nوأما الدلالة على أن خلاف مراد الله تعالى محالٌ فالآيةُ ساكتة عنها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1719\"> </span>(١٢) - ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من ضرره ﴿وَطَمَعًا﴾ في نفعه، إذا لمع البرق يُخاف الصواعق ويُطمع في الغيث، كما قال أبو الطبيب:\nفتًى كالسحاب الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجى … يُرَجَّى الحَيَا منها ويُخْشَى الصَّواعقُ (^١)\nأو: يَخاف عنده (^٢) المطرَ مَن له فيه ضرر، فإنَّ الغيث لا يخلو عن العيث، ويَطمع فيه من له نفع فيه.\nوانتصابهما على الحالية من المخاطَبين؛ أي: يريكم خائفين طامعين، أو من البرق كأنه في نفسه من شدة ما يُخاف ويُطمع فيه عينُ الخوف والطمع، أو ذا خوفٍ وذا طمعِ.\nأو مفعولٌ لهما على أن المخاطَبين رائين؛ لأن إراءهم متضمِّن لرؤيتهم، والخوف والطمع من أفعالهم حيث إنهم فاعلو الفعلِ المعلَّل الذي هو الرؤية، فيرجع المعنى إلى معنى: قعدتُ عن الحرب جُبنًا (^٣)، فيكونان مفعولًا لهما. أو على تقدير حذف المضاف؛ أي: إرادةَ خوفٍ وطمع، بمعنى: إخافةً وإطماعًا.\n_________\n(^١) انظر: \"ديوان المتنبي\" (٣/ ٨٦)، الجُون: جمع الجَون وهو الَأسوَد، والحيا: المطر.\n(^٢) في (ف): \"عند\".\n(^٣) في (ك): \"جبنًا\".","vol":"5","page":379},{"text":"﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾: الغيم المنسحِب في الهواء ﴿الثِّقَالَ﴾: جمع ثقيلة، وإنما وصفت به لأن اسم الجنس في معنى الجمع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1720\"> </span>(١٣) - ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.\n﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ عن ابن عباس ﵄: سئل النبيُّ ﷺ عن الرعد فقال: \"ملك موكَّلٌ بالسحاب معه مخاريقُ من نار يسوقُ بها السحاب\" (^١).\n﴿بِحَمْدِهِ﴾: مُلْتبسًا به.\nويجوز أن يكون إسناد التسبيح والحمد إلى الرعد مجازيًّا من باب الإسناد إلى فاعلية الفاعل؛ أي: يسبح سامعو (^٢) الرعد من العباد الراجين للمطر حامدين لله يصيحون: سبحان اللّه والحمد للّه، ولما كان الرعد باعثًا لتسبيحهم وتحميدهم، فكأنه سبَّح وحمد.\nوهذا الوجه أولى؛ لأن الرعد في المتعارف يقع على الصوت المخصوص، وهو الذي يُقرن بالذكر مع البرق والسحاب، والكلام في إراءة الآيات الدالة على القدرة الباهرة وإيجادِها (^٣)، وتسبيحُ ملَك الرعد لا يلائم ذلك، أمَّا حمل الصوت المخصوصِ للسامعين على التسبيح والحمد فشديد الملائمة، وإذا حمل على\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣١١٧) وقال: حسن غريب.\n(^٢) في (ف): \"سامع\".\n(^٣) في (م): \"الباهرة في إيجادها\"، والمثبت من باقي النسخ و\"روح المعاني\" (١٣/ ٧٩)، والكلام منقول من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي.","vol":"5","page":380},{"text":"الإسناد حقيقةً فالوجه أن يكون اعتراضًا؛ دلالةً على اعتراف الملَك الموكَّل بالسحاب وسائرِ الملائكة بكمال قدرته تعالى وجحود الإنسان ذلك.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: ويسبِّح الملائكة ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾؛ أي: من خوف الله تعالى وإجلاله.\nوقيل: الضمير للرعد.\n﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ إصابتَه فيهلكُه.\n﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: والذين كفروا وكذَّبوا رسول الله ﷺ يجادلون (^١) فيما وصفه به من كمال العلم والقدرة، والتفرُّدِ بالألوهية، والإعادة (^٢) والجزاء - بعد مشاهدتهم الآيات المذكورة - بقولهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، واتخاذِهم الأندادَ، ونسبتهم الولدَ إليه، فالواو لعطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليه قولُه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٧] المعطوفِ على ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [الرعد: ٦]، والعدول من الفعلية إلى الاسمية، وطرحُ رعاية التناسب؛ للدلالة على أنهم ما ازدادوا بعد الآيات إلا عنادًا، فزادتهم رجسًا إلى رجسهم.\nويجوز أن يعطف على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ على معنى: هو الذي يريكم هذه الآيات الكواملَ الدالةَ على القدرة والرحمة، وأنتم تجادلون فيه. وهذا أقرب مأخذًا، والأول إملأُ فائدةً.\n_________\n(^١) في (م): \"يجادلونه\".\n(^٢) \"والإعادة\" من (م).","vol":"5","page":381},{"text":"وقيل: للحال؛ أي: فيصيب بها مَن يشاء في حال جدالهم، وهو التشدُّد (^١) في الخصومة، من الجَدْل وهو الفتل، ووجهُ هذا: هو أن أربد أخا لبيدٍ العامريِّ وفد على رسول اللّه ﷺ مع عامر بن الطفيل قاصدَينِ لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبه له الرسول ﷺ وقال: اللهمَّ اكفنِيْهِما بما شئتَ، فأرسل الله تعالى على أربد بالصاعقة فقتله، ورُمي عامر بغدَّةٍ فمات في بيت سَلُوليَّةٍ وهو يقول: غُدَّةٌ كغُدَّة البعير وموتٌ في بيتِ سَلُوليَّة، فنزلت (^٢).\nاعلم (^٣) أن في الكلام التفاتًا؛ لأن قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وإن شئتَ فتأمل قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ثم التَفتَ من الخطاب إلى الغيبة، وحسن مواقعهما:\nأما الأول: فما فيه من تخصيص الوعيد المدمَج في ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ولهذا ذيَّله بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ وَالٍ﴾، وفيه من التهديد ما لا يخفى على ذي بصيرة، ومن الحث على طلب النجاة وزيادة التقريع في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾، ومجيءِ (^٤): ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ بعد قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾ هكذا من دون حرف النسق؛ لأن الأول مقرر لقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ﴾\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"التشدد\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٤٦٧ - ٤٧٠) عن ابن زيد مطولًا، و(١٣/ ٤٨١ - ٤٨٢) عن ابن جريج. وكلاهما مرسل. ورواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٥/ ٢٧٦) من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح (وتسمى سلسلة الكذب) عن ابن عباس.\n(^٣) الكلام من هنا منقول من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي \"روح المعاني\" (١٣/ ٨٥).\n(^٤) في المصدر السابق: (وفي مجيء).","vol":"5","page":382},{"text":"مع زيادة الإدماج المذكور تحقيقًا للعلم، والثاني مقرِّر لما ضمِّن من الدلالة على القدرة في قوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ مع رعاية نمط التعديد على أسلوب: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ مما يبهر الألباب، ويُظهر للمتأمل في وجه الإعجاز التنزيلي (^١) العجَب العُجاب.\nوأما الثاني: فما فيه من الدلالة على أنهم مع وضوح الآيات وتلاوتها عليهم، والتنبيهِ البالغ ترغيبًا وترهيبًا، لم ينالوا بها نالة (^٢)، فكأنه يشكو جنايتهم إلى مَن يستحق الخطاب، أو كمَن يدمدم في نفسه: إني (^٣) أصنع بهم وأفعل كيت وكيت جزاء ما ارتكبوه؛ ليُريَ (^٤) ما يريد أن يوقعه بهم.\n﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾: قويُّ المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يحتسبون.\nالمُحال: المماحَلة، وهي شدة المماكَرة والمكايَدة، ومنه تمحَّل لكذا: إذا تكلَّف له استعمالَ الحيلة واجتهد فيه.\nوقرئ بفتح الميم (^٥) على أنه مَفْعَلٌ (^٦) مِن حال يَحُول مَحالًا: إذا احتال، ومنه: أَحْوَلُ من ذئب؛ أي: أشد حيلة منه، وجاز أن يكون (شديد المَحال) على هذه القراءة\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"التنزيل\"، والمثبت من (ف) و\"روح المعاني\".\n(^٢) كذا في النسخ، والذي في \"روح المعاني\": (لم يبالوا بها بالة).\n(^٣) تحرفت في النسخ إلى: \"أي\"، والتصويب من \"روح المعاني\".\n(^٤) في (ف): \"سوى\"، وفي (ك): \"لسوى\"، وفي (م): \"يسوي\". والمثبت من \"روح المعاني\".\n(^٥) نسبت للأعرج. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٥٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٢٠).\n(^٦) تحرفت في النسخ إلى: \"مفعول\"، والتصويب من \"الكشاف\" (٢/ ٥٢٠)، و\"روح المعاني\" (١٣/ ٨٨).","vol":"5","page":383},{"text":"مثَلًا في القوة والقدرة؛ كما جاء: \"فساعِدُ اللهِ أشدُّ ومُوساهُ أَحَدُّ\" (^١)؛ لأن المَحال جمع المَحَالةٍ وهي الفَقَارة، فيكون معناه: شديد الفَقَار، والحيوان إذا اشتد فَقَاره كان منعوتًا بشدة القوة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1721\"> </span>(١٤) - ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.\n﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: الدعاءُ الحق؛ فإنه الذي يَحقُّ أن يُعبد ويُدْعى إلى عبادته دون غيره، أو: له الدعوة المجابة فإن مَن دعاه أجاب، ويؤيده ما بعده. والحق على الوجهين: ما يقابل الباطل، وإضافةُ الدعوة إليه للملابَسة بينهما، أو على تأويل: دعوة المدعوِّ الحق.\nوقيل: الحق هو الله تعالى، وكلُّ دعاء إليه دعوة الحق.\nوالجملتان على الوجه الأول وعيدٌ للكفرة على مجادلتهم الرسول ﷺ بحلول محاله بهم، وتهديدٌ لهم بإجابة دعوته ﵇، أو ببيان أن دعوته ﵇ إلى التوحيد حقٌّ.\nوعلى قصة أربد ونزولِ الآية فيها فمعناهما: أن إصابته بالصاعقة وإصابةَ صاحبه بالغدَّة مِحالٌ من الله تعالى ومكرٌ بهما من حيث لا يشعرا، وأن دعوة رسول اللّه ﷺ بقوله: \"اللهم اكفنيهما بما شئت\" دعوة الحق، أو أن دعوتهم لآلهتهم ضلالٌ باطل؛ لتخصيص دعوة الحق به.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٢٠). وهذه قطعة من حديث رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٧٢٢٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٠٩٠)، عن ابن مسعود ﵁.","vol":"5","page":384},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: والآلهة الذين يدعونهم من دون الله ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ من طلباتهم.\n﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ﴾ إلا استجابةً كاستجابة باسط كفيه ﴿إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ أي: كاستجابةِ مَن بسط كفيه إليه يطلب منه أن يُبلغه فاه ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ لأنَّه جماد لا يشعر بدعائه ولا بعطشه، ولا يقدر على إجابته، فكذلك آلهتهم لأنها جماداتٌ كالماء.\nوقيل: شبِّهوا في عدم جدوى دعائهم لآلهتهم بمن بسط كفَّيه ناشرًا أصابعه إلى الماء ليغرفه إلى فيه، فلم يمسك كفَّاه شيئًا منه، ولم يبلغ حاجته من شربه؛ لأن الماء يحصل بالقبض عليه لا بالبسط إليه.\nفهو على الأول من تشبيه المركَّب بالمركَّب التمثيلي في الأصل، أُبرز في معرض التهكُّم حيث أثبت أنهما استجابتان زيادة في التحيير والتحسير (^١).\nوعلى الثاني من تشبيه المفرد المقيد بمثله؛ كقولك لمن لا يحصل من سعيه على شيء: هو كالراقم على الماء، فإن المشبَّه هو الساعي مقيَّدًا بكون سعيه كذلك، والمشبَّه به هو الراقم مقيَّدًا بكونه على الماء، وكذلك فيما نحن فيه.\n﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾: إلا في ضياع لا فائدة له: أما ضياع دعائهم لآلهتهم فظاهر، وأما ضياع دعائهم لله تعالى فلأنه لا يجيبهم لكفرهم وبُعدهم عن حيِّز الإجابة.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"في النخير والتخسير\". وانظر: \"روح المعاني\" (١٣/ ٩٢) وفيه: (التخسير والتحسير).","vol":"5","page":385},{"text":"<span id=\"aya-1722\"> </span>(١٥) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الظاهر أن السجود على حقَيقته، ولهذا خص بالذكر ﴿مَنْ﴾ المخصوص بالعقلاء، ويشهد له قوله:\n﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الساجدون له طوعًا هم الملائكة والمؤمنون من الثَّقلين، والساجدون كرهًا مَن ضمَّه السيف إلى الإسلام (^١)، وانتصابهما على الحال.\n﴿وَظِلَالُهُمْ﴾؛ أي: ويسجد ظلالهم، والسجود هاهنا بمعنى الانقياد لأمره تعالى، ولهذا أخره عن قوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، وانقيادها لتصريفه تعالى من جانب آخر على ما أفصح عنه في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨].\nقال الفرَّاء (^٢): الظلُّ مصدر، يعني: في الأصل، ثم أطلق على الخيال الذي يظهر للجِرم عند مسامَتته للشمس.\n﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ظرف لـ ﴿يَسْجُدُ﴾ المقدر، أو حال من الظلال، وقد مر تفسيرهما في سورة الأعراف، والمراد بهما: تمام النهار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1723\"> </span>(١٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.\n_________\n(^١) يعني أسلم نفاقًا بعد أن وقعت عليه الغلبة، لا أنه أدخل إلى الإسلام بالسيف؛ لأنَّه لا إكراه في الدين.\n(^٢) كما في \"البحر\" (١٣/ ٦٠).","vol":"5","page":386},{"text":"﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: خالقُهما ومتولي أمرهما.\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ حكاية لاعترافهم وتأكيدٌ عليهم؛ أي: لم يكن لهم بد من أن يقولوا: اللّه، فهم والخصم في الجواب سواءٌ؛ لكونه من البيِّن الذين لا مِراء فيه؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦، ٨٧]، فهو كقول المُناظر لصاحبه: أهكذا قولُك؟ فإذا اعترف به حكاه تقريرًا له واستيثاقًا منه، ثم يقول له: فيلزمك كذا وكذا، فيبكِّته بالحجة.\nأو تلقين؛ أي: إن تلعثموا في الجواب لعلمهم (^١) بما يلزمهم من الحجة بناءً على إقرارهم، فلقِّنهم فإنهم يتلقونه ولا يقدرون أن ينكروه.\n﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ إلزام وتقرير وتوبيخ؛ أي: أبَعْدَ أن علِمْتُموه رب السماوات والأرض اتخذتم من دونه أولياء، فجعلتم ما هو سببُ التوحيد من علمكم وإقراركم سببَ الشرك، فالفاء عاطفة للتسبيب والتفريع، دخلت الهمزة عليه لأن المنكَر الاتخاذُ بعد العلم لا العلمُ.\n﴿يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾؛ أي: لا يقدرون أن يجلبوا إليها نفعًا أو يدفعوا عنها ضرًّا فكيف يستطيعون إنفاع الغير وإدفاع الضر عنه؟ وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاءَ أن يشفعوا لهم.\n﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ تمثيل للمشرك الجاهل الذي لا يهتدي والموحِّد العالم المهديِّ الهادي.\n﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ تمثيل للشرك والضلالة والتوحيد والهداية.\n_________\n(^١) في النسخ: \"بعلمهم\"، والصواب المثبت.","vol":"5","page":387},{"text":"﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: بل أجعلوا، والهمزة للإنكار، وقوله تعالى: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ صفةٌ لـ ﴿شُرَكَاءَ﴾ داخلة في حكم الإنكار، ومعنى الإضراب: أن تعكيسهم ذلك لمَّا لم يكن عن شُبهة فضلًا عن حجةٍ كان حكايةُ ذلك أدخلَ في ذمهم، وفيه طرفٌ من التهكُّم.\n﴿فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ خلقُ الله وخلقُهم؛ أي: إنهم ما اتخذوا لله تعالى شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا: هؤلاء خَلقوا كما خَلق الله تعالى فاستحقُّوا العبادة كما استحقها، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلًا عما يقدر عليه الخالق، نبَّه على مكان الشبهة نافيًا ناعيًا عليهم ومتهكِّمًا بهم، وليس من إرخاء العنان والتدريج في شيء.\n﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ولا خالق غيره فيشاركَه في العبادة، جعل الخلق مُوجِبَ العبادة ولازم (^١) استحقاقها، ثم نفاه عمَّن سواه ليدل على قوله: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ﴾: المتوحِّد بالألوهية والربوبية ﴿الْقَهَّار﴾ لكل شيء، فما سواه مغلوب مقهور له فكيف يستقيم أن يكون له شريك؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-1724\"> </span>(١٧) - ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.\n﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من جهتها ﴿مَاءً﴾ التنكير للتكثير، وباعتباره صحَّ التفريع في قوله: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾: جمع وادٍ، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرةٍ،\n_________\n(^١) في (ف): \"لازم\".","vol":"5","page":388},{"text":"فاتُّسع فيه واستعمل للماء الجاري، وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوُب بين البقاع فتسيل في بعض الأودية دون بعض، وكذا في الممثَّل له ليس كلُّ قلب قابلًا بل بعضٌ منها دون بعض.\n﴿بِقَدَرِهَا﴾: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار، أو: بمقدارها في الصِّغر والكبر.\n﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ (احتمل) بمعنى: حمل، جاء فيه افتَعَل (^١) بمعنى المجرَّد كاقتدر وقَدَر، وعرِّف السيل لأنَّه عُني به ما فُهم من الفعل (^٢)، والزَّبَد: كدَرُ الجوهر السيَّال وخبَثُه المميَّز منه بالحركة والخضخضة والغليان.\n﴿رَابِيًا﴾: منتفخًا (^٣) مرتفعًا على وجه الماء.\n﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ عبارةٌ جامعة لأنواع الفلزِّ على وجه التهاون به، حيث لم يذكر الأنواع بأسمائها بل أَجمل بذكر وصفها في أحسن الأحوال، وإهانتها بالإيقاد كما هو عادة الملوك إظهارًا لكبريائه.\n﴿زَبَدٌ﴾ مرفوع بالابتداء، وخبره: (ومما توقدون)، وقرئ: ﴿يُوقِدُونَ﴾ بالياء (^٤)؛ أي: الناس، وإضماره للعلم به، وانتَصب ﴿ابْتِغَاءَ﴾ على أنه مفعولٌ له.\nوالحلية: ما يُعمل للنساء مما يَتزيَّنَّ به من الذهب والفضة، والمتاع: ما يُتخذ من الحديد والنحاس وما أشبههما من الآلات التي هي قِوام العيش؛ كالأواني\n_________\n(^١) \"افتعل\" من (م).\n(^٢) \"من الفعل\" من (م).\n(^٣) \"منتفخًا\" من (م).\n(^٤) قراءة حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٣٣).","vol":"5","page":389},{"text":"والمساحي وآلات الحرث والحرب (^١) وغير ذلك، والمقصود منه بيان منافعها.\nو(مِن) لابتداء الغاية أو للتبعيض؛ أي: منه زبدٌ، أو بعضُه زبد.\n﴿مِثْلُهُ﴾: مثلُ زبد الماء، والمماثلة في كونهما يتولَّدان من الأكدار والأوساخ.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الضرب ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ (^٢) فذلكةٌ وتبيينٌ و﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ تأكيد له وتعميم.\n﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ من السيل والفلز المذاب ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: مجفوًّا؛ أي: مرميًّا به، يقال: جفأَت القِدْر بزبَدها، وجفأه السيل: رمى به، وأَجفأ السيل وأجفل، وقرئ: (جُفالًا) (^٣) والمعنى واحد، وانتصابه على الحال.\n﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماء وصلاحية الفلز ﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ مدةً طويلة يَنتفع بها أهلها.\n﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ لإيضاح المشتبِهات.\nقد مر ما في تكثير الأمثال في الكتب الإلهية وكلمات الحكماء من الفوائد.\nولمَّا ضرب الظلمات والأعمى مثلًا للباطل وأهله، والنورَ والبصير مثلًا (^٤) للحق وأهله، أكَّد التمثيل الأخير - وهو قوله: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ - بهذا المثل؛ لأن الغرض إثباتُ الحق وإبطال الباطل، فمثَّل الحقَّ من العلم النازل إلى الرسول ﷺ بالماء الذي ينزل من السماء، والقلوبَ الصافية والفهوم الصائبة\n_________\n(^١) \"والحرب\" من (م).\n(^٢) بعدها في (م): \"مثل الحق والباطل\".\n(^٣) نسبت لرؤبة بن العجاج. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٢٣).\n(^٤) \"مثلا\" ليس في (ك).","vol":"5","page":390},{"text":"بالأودية، وقبولَها له بقَدْر استعدادها بسيلانها بقَدْر سعتها (^١)، والباطلَ من الجهالات والشكوك والشُّبَه التي ينفيها العلم بالزَّبد الذي يرمي به السيل، وكذا شبَّه الحقَّ من العمل الصالح الصحيح بالفلزِّ الذي ينتفع به الناس باتخاذ الحليِّ والأواني والأمتعة منه، والعملَ الفاسد الباطل في اضمحلاله وسرعة زواله بزبده، وانتفاءَ الشكوك والشُّبه والأعمال الفاسدة وكونَها هباءً في الآخرة، وبقاءَ الحق من العلم والعمل وحصولِ سعادة الدارين بهما والثوابِ الأبديِّ والنعيمِ السرمدي، بانتفاء الزبدين في اضمحلالهما سريعًا، وبقاءَ ما ينفع الناس من الماء بالسقي والحرث والزرع وسريانه في عروق (^٢) الأرض إلى منابعه وتنوُّع العيون والقُنيِّ منه ومن الفلز، بصَيغ (^٣) الحلي واتخاذِ الأمتعة وآلات الحرث والحرب منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1725\"> </span>(١٨) - ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾ كلام مستأنف بعد ضرب الأمثال وتمام الكلام فيه، و﴿الْحُسْنَى﴾ مبتدأ خبره ﴿وَالَّذِينَ﴾؛ أي: للَّذين استجابوا المثوبةُ الحسنى.\n﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَوْ﴾ مع ما في حيِّزه؛ أي: الجملة الشرطية، والواو عاطفة الجملة على الجملة.\nوقيل: اللام في ﴿لِلَّذِينَ﴾ متعلقة بـ ﴿يَضْرِبُ﴾، و﴿الْحُسْنَى﴾ صفةٌ لمصدر\n_________\n(^١) في (ف): \"لسيلانها يعد سفها\"، وفي (ك): \"بسيلانها يعد سفها\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"عرق\".\n(^٣) في (م): \"بصيوغ\"، وفي (ك): \"يتخذ\".","vol":"5","page":391},{"text":"﴿اسْتَجَابُوا﴾ أي: الاستجابةَ الحسنى، و(الذين لم يستجيبوا) عطف على (الذين استجابوا).\nوقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾ كلام مبتدأ في ذكر ما أعدَّ لغير المستجيبين، والمعنى: كذلك يضرب الله الأمثال للمؤمنين والكافرين؛ أي: هما مثلا الفريقين، يعني: مثل (^١) سبيلهما ودينهما.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾: المناقشةِ فيه، وعن النخعي: أنْ يحاسَب المذنب بذنبه كلِّه لا يغفر منه شيء.\n﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾: مرجعهم بعد الحساب ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾: المستقَرُّ، والمخصوص بالذم محذوفٌ، وفي ﴿الْمِهَادُ﴾ تهكُّم بهم على ما تقدَّم بيانه في تفسير سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1726\"> </span>(١٩) - ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\n﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فيستجيبَ (^٢) ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ القلب لا يستبصِر فيستجيبَ.\nلمَّا ذكر تعالى مثلَ المؤمن والكافر، وذكر ما للمؤمن والكافر من الثواب والعقاب، ذكر استبعاد مَن يجعلهما سواءً، وأنكر ذلك متفرِّعًا على ما تقدم، فالفاء للعطف على وجه التفريع، وإنما قدِّمت همزة الاستفهام وهي مؤخَّرةٌ معنًى لأن له صدرَ الكلام.\n_________\n(^١) في (ك): \"مثلي\".\n(^٢) في (م): \"فيستجيب به\".","vol":"5","page":392},{"text":"﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: ذوو العقول المبرَّأة عن شوائب (^١) الإلْف ومعارضة الوهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1727\"> </span>(٢٠) - ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وحينئذٍ يكون: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ إلخ استئنافًا بصفاتِ مَن استُؤنف عنهم؛ أي: أولئك الموصوفون بتلك الصفات، دلالةً على أنَّ استيجابهم لعقبى الدارِ إنما كان بسبب (^٢) تلك الصفات.\nوالأول أوجهُ؛ لأن عطف الجملة الثانية وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ .. أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ يشهد بذلك.\nوعهدُ الله: ما عقَدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: ﴿بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وما عَهِد اللّه تعالى عليهم في كتبه.\n﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: ما وثَّقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وما بينهم وبين العباد، وهو تعميم بعد تخصيص.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1728\"> </span>(٢١) - ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقرابات، ومُوالاةِ قرابة\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"شائبة\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"سبب\".","vol":"5","page":393},{"text":"رسول اللّه ﷺ، ومواصلةِ المؤمنين كلّهم بالأخوَّة الإيمانية، ومراعاةِ حقوقهم بالإحسان والشفقة والنصيحة.\n﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فلا يعصُونه هيبةً وحياءً ورهبةً ولا يخالفونه في شيء عمومًا ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ خصوصًا، فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسَبوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1729\"> </span>(٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عما تحبه النفس بالهوى وعلى ما تكرهه.\n﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾: طلبًا لرضاه (^١) خاصةً، لا نظرًا إلى الخلق رياءً وسمعةً، أو إلى النفس زينةً وعُجبًا، جاء الصلةُ هنا بلفظ الماضي، وفي الموصولين قبله وما عُطف عليهما بلفظ المضارع؛ لأنَّه قُصد بهما الاستصحابُ والالتباس دائمًا، وهذه الصلة قصد بها تقدُّمها على تينك الصلتين وما عُطف عليهما؛ لأن حصولها (^٢) مترتِّب على حصول الصبر، وتقدُّمه عليها، ولكونه مما لا بد منه في حصول التكاليف لم يأت صلة في القرآن إلا بصيغة الماضي.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ بعضَه الذي وجب عليهم إنفاقُه ﴿سِرًّا﴾ لمن تمنعُه المروءة أن يأخذه ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ لمن لا تمنعه.\nقيل: ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ يتناول النوافلَ لأنها في السر أفضل،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"طلب الرضا\".\n(^٢) أي: (لأن حصول تلك الصلات)، كما هي عبارة \"البحر\" (١٣/ ٧٦)، والكلام منه.","vol":"5","page":394},{"text":"والفرائضَ لأنها بالجهر أفضل نفيًا للتهمة. ويأباه التخصيص المستفاد من تقديم الجارِّ والمجرور في الخبر.\n﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾: يدفعونها بها؛ أي: يجاوزون الإساءة بالإحسان، أو: يُتبعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآلُ أهلها، وما يَصلح (^١) أن يكون عاقبةً وهي الجنة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1730\"> </span>(٢٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾.\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ من ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، والعدْنُ في الأصل: الإقامة، ثم صار علَمًا لجنة من الجنان السبع على ما مر تفصيله في تفسير سورة البقرة.\n﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ عطفٌ على الضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ من غير تأكيدٍ للفصل بالضمير المنصوب، أو مفعول معه.\n﴿مِنْ آبَائِهِمْ﴾: جمع أبوَيْ (^٢) كلِّ واحد منهم، فيتناول آباءهم وأمهاتهم.\n﴿وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ إنما جُمعوا فيها مع قراباتهم ليتم لهم النعمة بزيادة الأُنس والجمعيَّة بهم، وقيِّدوا بالصلاح دلالةً على أن مجرَّد النسب والقرابة لا يكفي في الجمع بينهم، بل لا بد من شرط الصلاح، ولا دلالة فيه أنه يلحق بهم مَن صلح من\n_________\n(^١) في (ف): \"يصح\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"أبوين\".","vol":"5","page":395},{"text":"أهلهم وإنْ لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعًا لهم وتعظيمًا لشأنهم، حتى يُستدل به على أن الدرجة تعلو بالشفاعة خصوصًا إذا كان ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ مفعولًا معه.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبواب المنازل، أو: من أبواب الفتوح والتُّحف (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1731\"> </span>(٢٤) - ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\n﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ في محل الحال؛ أي: قائلين: سلام عليكم بشارةً بدوام السلامة.\n﴿بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ متعلِّق بمحذوفٍ، والباءُ للسببية أو البدلية؛ أي: هذا الثواب بسبب صبركم أو بدلَ ما احتملتم من الصبر ومتاعبه هذه الملاذُّ (^٢) المآلف والنعم، ويجوز أن يتعلق بالظرف؛ أي: سلام عليكم بسبب صبركم، ولا يجوز أن يتعلق بـ ﴿سَلَامٌ﴾ لأن الخبر فاصل.\n﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ المخصوصُ بالمدح محذوف؛ أي: فنعم عقبى الدارِ الجنةُ، وقرئ: ﴿فَنِعْمَ﴾ بفتح النون، والأصل: نَعِمَ، فمَن وكسر النون فينقلُ وكسرة العين إليها، ومَن فتحها فيسكِّن العين تخفيفًا بلا نقل (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) الفتوح: جمع فتح، وهو الرزق الذي يفتح الله به عليهم مما لم يكن على بال من الأرزاق، وليس التحف عطف تفسير له. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٣٦).\n(^٢) \"الملاذ\" من (م).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٢٧).","vol":"5","page":396},{"text":"<span id=\"aya-1732\"> </span>(٢٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ يعني: مقابل الأوَّلين ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: من بعدِ ما أَوثَقوه من الاعتراف والقبول.\n﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلم وتهييج الفتن.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾: الإبعاد من رحمة الله تعالى ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ عذابُ النار وسوءُ عاقبة الدنيا؛ لأنها في مقابلةِ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، وإنما لم يقل: سوءُ عاقبة الدار، تفاديًا أن يجعلها عاقبةً حيث جعل العاقبة المطلَقة هي الجنة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1733\"> </span>(٢٦) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.\n﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ لمَّا كان كثير من الأشقياء فُتحت عليهم أبوابُ نِعَم الدنيا ولذَّاتها، أخبر تعالى أنه هو الذي يوسِّع الرزق لمن يشاء ويضيِّقه، والكفرُ والإيمان لا تعلق لهما بالرزق، قد يَقْدِر على المؤمن ليَعْظُم أجره ويَبْسط للكافر إملاءً لازدياد (^١) آثامه.\n﴿وَفَرِحُوا﴾؛ أي: أهلُ مكة ﴿بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بما بُسط لهم، فرَحَ بطرٍ لا فرحَ سرور بفضل الله تعالى عليهم، واغتروا به، ولم يشكروا ما أنعم الله تعالى عليهم، ولم يَصرِفوه فيما يستوجبون به نعيمَ الآخرة.\n_________\n(^١) في (ف): \"لزيادة\".","vol":"5","page":397},{"text":"﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾: في جنبِ ما أُعدَّ لأهلها فيها ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾: إلا شيء نَزْر حقيرٌ يُتمتع به ولا يدوم، كعجالة الراكب وزاد الراعي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1734\"> </span>(٢٧) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مقتضَى الظاهر إظهارُ فاعل ﴿وَفَرِحُوا﴾ إذ لم يَجْرِ لكفار مكة ذكرٌ، وإضمارُ فاعل ﴿وَيَقُولُ﴾ يجري ذكره حينئذٍ، فأُخرج على خلاف الظاهر لإرادة التمكين (^١) في ذهن السامع بالإبهام والتوضيح، أو للظهور والتعيُّن (^٢) في الأول، والذمِّ والتسجيل بالكفر في الثاني.\n﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ عنادٌ وجحودٌ للآيات المنزَلة عليه ﵇؛ لعدم اعتدادهم بها واعتبارهم لها، ولهذا أمر في الجواب بقوله:\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾: قَبِل (^٣) الحقَّ ورجع عن العناد، وحقيقتُه: دخل في نوبة الخير، وهو كلام جارٍ مجرى التعجُّب من قولهم، كأنه قيل: قل لهم: ما أعظم عنادكم! حيث لم تقتدوا بهذه الآيات الباهرة التي لم يؤت نبيٌّ مثلَها، وكفى بالقرآن وحده آيةً أنَّ الله يُضل من يشاء ممن كان على صفتكم من الجحود والتصميم على الكفر، فلا سبيل إلى اهتدائه وإن أُتي بكل آية، ويهدي من يشاء ممن كان على خلاف صفتكم من التصميم\n_________\n(^١) في (ف): \"التمكن\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والتعيين\".\n(^٣) في (م): \"أقبل\".","vol":"5","page":398},{"text":"على الكفر (^١)، وفي تنزيله ﴿إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ منزلةَ ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تنبيهٌ على أن مشيئة الهداية مخصوصةٌ بغير المعاند.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1735\"> </span>(٢٨) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدلٌ من ﴿مَنْ﴾ ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أُنسًا به، أو بالقرآن، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته.\n﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: تسكن إليه، جملة اعتراضية تفيد: كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-1736\"> </span>(٢٩) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بدل من ﴿الْقُلُوبُ﴾ على تقدير المضافٍ؛ أي: قلوب الذين آمنوا، أو مبتدأ خبره.\n﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ وهو فُعْلَى من الطِّيب كبُشرى وزُلفى، قُلبت ياؤه واوًا لضمةِ ما قبلها كموقِنٍ وموسِرٍ، وقرئ: (طِيْبَى) بكسر الطاء (^٢).\nوهي من المصادر المنصوبة أو المعدولة إلى الرفع؛ أي: طيبًا لهم، وطيبٌ لهم، كقولك: سلامًا لك، وسلام لك، والقراءة في قوله: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ بالرفع والنصب (^٣) تدل على محليهما.\n_________\n(^١) \"على الكفر\" من (ك).\n(^٢) نسبت لمكوزة الأعرابي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٢٨).\n(^٣) نسبت لابن محيصن ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\"=","vol":"5","page":399},{"text":"واللام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، مثلَها في: سَقْيًا لك، وتكون الجملة الدُّعائية خبرًا على التأويل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1737\"> </span>(٣٠) - ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإرسال العظيمِ الشأن الذي له فضلٌ ومزيَّةٌ على سائر الإرسالات، أو: مثلَ إرسال الرسل قبلك.\n﴿أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا﴾: قد تقدَّمهم ﴿أُمَمٌ﴾ أرسلوا إليهم، فليس ببِدعٍ إرسالُك إليها.\n﴿لِتَتْلُوَ﴾: لتقرأ ﴿عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الكتاب العظيم.\n﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ﴾: وحال هؤلاء أنهم يكفرون ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾ الشامل الرحمةِ، الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، فكفروا نعمه خصوصًا ما أنعم به عليهم بإرسال مثلك إليهم، وإنزالِ هذا القرآن المعجز المصدِّق لسائر الكتب، الذي هو مناط المنافع الدينية والدنياوية.\nوقيل: نزلت في مشركي مكة حين قيل لهم: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾.\n﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾؛ أي: الرحمن خالقي ومتولِّي أمري.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا مستحِقَّ للعبادة سواه.\n﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في نصرتي عليكم ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾: مرجعي ومرجعكم فيحكم بيننا:\n_________\n= (ص: ٦٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣١٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٢٨).","vol":"5","page":400},{"text":"<span id=\"aya-1738\"> </span>(٣١) - ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.\nقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ دال على أن اسم الإشارة والموصولَ فيما تقدم لتعظيم القرآن وتفخيم شأنه.\n﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ جواب (لو) محذوفٌ، أي: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال عن مقارِّها وزُعزعت، أو قطِّعت به الأرض حتى تنصدع قطعًا قطعًا من خشية الله تعالى، أو كلِّم به الموتى فتسمعَ وتجيبَ، لكان هذا القرآنَ؛ لكونه غايةً في التذكير والإعجاز، ونهايةً في التخويف والإنذار؛ كقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١].\nوقيل: أراد به المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم؛ أي: ولو أن قرآنًا وقع به تسيير الجبال وتقطيع الأرض وتكليم الموتى لَمَا آمنوا به؛ كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ الآية [الأنعام: ١١١].\nقيل: إن قريشًا قالوا: يا محمد إن كان (^١) تريد أن نتَّبعك، فسيِّر بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتَّسع لنا فنتَّخذ فيها بساتينَ وقطائع، أو سخِّر لنا به الريح لنركبها ونتَّجر إلى الشام، أو ابعث من كنانةَ قصيَّ بن كلاب وغيرَه من آبائنا ليكلمونا فيك، فنزلت. وعلى هذا فتقطيع الجبال قطعها بالسير.\nوقيل: الجواب مقدَّم، وهو قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ وما بينهما اعتراض.\n_________\n(^١) \"كان\" من (ك).","vol":"5","page":401},{"text":"وتذكير ﴿كُلِّمَ﴾ خاصةً لاشتمال ﴿الْمَوْتَى﴾ على المذكَّر الحقيقي.\n﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ إضراب عما تضمَّنه (لو) من معنى النفي؛ أي: بل لله القدرة على كلِّ شيء، فله القدرة على الإتيان بما اقترحوا من الآيات، إلا أنه لم تتعلق إرادته بذلك؛ لعلمه أنهم لا يؤمنون ويزدادون العناد والجحود، ويؤيده قوله:\n﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: عن إيمانهم مع ما رأوا من مكابرتهم وإنكارهم (^١).\nوالأكثر على أن معنى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾: أفلم يعلم؛ لِمَا روي: أن عليًّا وابن عباس ﵃ وجماعةً من الصحابة والتابعين قرؤوا: (أفلم يتبين) (^٢) وهو تفسير ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾، فيكون بمعنى: أفلم يعلم، وإنما استُعمل اليأس بمعنى العلم لأنَّه مسبَّب عن العلم بأن المأيوس لا يكون، وقيل: هو لغة قوم من النخع.\nولذلك علقه بقوله: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ لأن معناه نفيُ هداية بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم، وتعلُّقه على الأول بـ ﴿آمَنُوا﴾ أي: ولم يقنط من إيمان هؤلاء الكفرةِ الذين آمنوا بأنْ لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا، أو بمحذوف تقديره: أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علمًا منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا.\n﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ من الكفر وسوء الأعمال ﴿قَارِعَةٌ﴾: داهية تَقرعهم وتُقلِقهم.\n_________\n(^١) \"وإنكارهم\" من (م).\n(^٢) نسبت لابن محيصن ويحيى بن يعمر وابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٧)، و، \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣١٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣٠).","vol":"5","page":402},{"text":"﴿أَوْ تَحُلُّ﴾؛ أي: القارعة ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ فيفزعون منها وَيضطربون ويتطايرُ إليهم شرارها ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾؛ أي: الموت أو القيامة.\nوقيل: ولا يزال كفار مكة تصيبهم بما صنعوا برسول الله ﷺ من العداوة والتكذيب قارعةٌ؛ لأن رسول الله ﷺ كان لا يزال يبعث السرايا فتُغير حول مكة وتصيب من مواشيهم، أو تحلُّ أنت يا محمد قريبًا من دارهم بجيشك كما حل بالحديبية، حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، وكان الله قد وعده ذلك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لا لعدم القدرة عليه؛ لأن ما تعلق به الوعد كان ممكنًا وبتعلقه لم ينقلب ممتنعًا لاستحالة الانقلاب، وكلُّ ممكنٍ داخلٌ تحت قدرته تعالى، بل لأن الخُلف لا يليق بشأنه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1739\"> </span>(٣٢) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ تسليةٌ لرسول الله ﷺ، ووعيدٌ للمستهزئين والمقترحين عليه (^١).\n﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإملاء: أن يُترك ملاوةً (^٢) من الزمان في دَعَةٍ وأمن.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾؛ أي: كان عقابي إياهم، استفهامُ معناه التعجُّب مما حل بهم والتقريرُ، وفي ضمنه وعيدُ مَن في عصره ﵇ من الكفار.\n_________\n(^١) \"عليه\" ليست في (ف).\n(^٢) ملاوة وملوة بتثليث الميم فيهما بمعنى حينٍ وبرهة من الزمن ومنه الملوان. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"5","page":403},{"text":"<span id=\"aya-1740\"> </span>(٣٣) - ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.\n﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أفالله الذي هو قائم رقيبٌ على كل نفس ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خير وشر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ولا يفوت عنده شيء من جزائهم، والخبر محذوف تقديره: كمن هو ليس كذلك، دخلت الهمزة على الفاء لإنكار أن يسوُّوا مَن هو مطَّلع على سرِّهم وعلنهم قادرٌ على مجازاتهم بمن هو على خلافه بعد علمهم بما حل بالمنكِرين من الأخذ المفاجئ والبطش الشديد.\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ استئناف، أو عطف على مقدَّر؛ أي: لم يوحِّدوه وجعلوا، وفيه إظهار في موضع الإضمار للتهويل والتوبيخ والتفضيح في معرض الاحتجاج والتبكيت، ويؤيده ما بعده، أسلوبٌ بديع ضمِّن فيه (^١) الترقي في الإنكار أولًا، يعني: لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها، إنما العجب كلُّ العجب جعلُهم القادرَ على إنزالها، المُجازي لهم على إعراضهم عن تدبُّر معانيها وأمثالها بقوارعَ تَتْرى واحدةً غبَّ (^٢) أخرى فيشاهدونها رأيَ عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها، كمَن لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن اتخذه ربًّا يرجو منه جلبًا أو دفعًا! مدمجٌ فيه التسلِّي ثانيًا.\n_________\n(^١) \"فيه\" ليست (ك).\n(^٢) تحرفت في النسخ إلى: \"تحت\"، والتصويب من \"روح المعاني\" (١٣/ ١٦٢)، والكلام من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي.","vol":"5","page":404},{"text":"وفي العدول عن صريح الاسم إلى قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ تفخيمًا (^١) بواسطة الإبهام المضمَّن في إيراده موصولًا، مع تحقيقِ أن القيام كائن وهم محقِّقون، ما يداهش (^٢) له الألباب، ويقضي من بديع إيراده العجبَ العجاب، وفي قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ بوضعه مقامَ المضمر الراجع إلى (مَن) دلالةٌ على أن (^٣) المتوحِّد ذاتًا واسمًا جعلوا له (^٤) شركاءَ لا شريكًا كذلك، ولا يَهْلِك على الله إلا هالك، وفي حذف الخبر تعظيمًا للقالة وتحقيرًا لمن هو (^٥) بتلك الحالة ما لا يخفى من الجزالة.\n﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ كان قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ كافيًا في هدم قاعدة الإشراك؛ للتفرع السابق، والتحقيقِ بالوصف اللاحق، وهو إبطالٌ من طرف الحق، فذيَّله بإبطاله من طرف النقيض على أبلغ وجه؛ أي: ألزمْهم بذلك، فإنهم إنْ سمَّوهم قالوا: حجر أو خشب أو نحاس أو نحو ذلك، فافتَضَحوا بإشراكهم بمن لا يستحق العبادة إلا هو وحده، رُوعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلًا عن المسمَّى على الكناية الإيمائية، ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها لظهور فساده (^٦)، وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم على نفي المعلوم، ثم منه على عدم الاستئهال.\n﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾: بل أتنبئونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾: بشركاء لا يعلمهم في\n_________\n(^١) في (ف): \"تفخيم\".\n(^٢) في (ك): \"يدهش\".\n(^٣) في (ك): \"أنه\".\n(^٤) في (ك): \"لله\".\n(^٥) في (ف) و(م): \"أن\".\n(^٦) \"فساده\" كذا في النسخ، وفي \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٤٣)، و\"روح المعاني\" (١٣/ ١٦٦): (فسادها)، والكلام من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي.","vol":"5","page":405},{"text":"الأرض، يعني: بما ليس بشيء؛ لأن ما لا يعلمه عالم الغيب والشهادة لا وجود له؛ كقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، والهمزة المضمَّنة فيها تدل على التوبيخ، وتقريرِ أنهم يريدون أن ينبِّئوا عالم السر والخفيَّات بما لا يَعلم، وهذا محالٌ على محالٍ، ثم أضرب عن ذلك، وقال: قد بين (^١) الشمس لذي عينين، وما تلك التسميةُ إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل، وما هو إلا مجردُ صوت فارغ.\n﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾، أي: بل أتسمُّونهم شركاء بمجرد ظاهر القول، وإطلاقِ لفظة الشركاء أو الآلهة من غير أن يكون لذلك معنًى وحقيقةٌ من الألوهية والمشارَكة؛ كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠].\nوهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها منادٍ على نفسه بلسانٍ طَلْقٍ ذَلِقٍ أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأَنصف من نفسه، ومَن زاد على هذا قولَه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] فقد أتى بكلمة حقٍّ أريد بها باطل يدندن بها مَن هو عن حلية (^٢) الإنصاف عاطل (^٣).\n_________\n(^١) في (ف): \"تبين\".\n(^٢) في (م): \"حيلة\".\n(^٣) يعرض بالزمخشري في قوله: وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التي ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك اللّه أحسن الخالقين. وتعقبه ابن المنير بقوله: هذه الخاتمة كلمة حق أراد بها باطلًا؛ لأنَّه يعرض فيها بخلق القرآن فتنبه لها، وما أسرع المطالع لهذا الفصل أن يمر على لسانه وقلبه ويستحسنه وهو غافل عما تحته، لولا هذا التنبيه والإيقاظ، والله أعلم. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٣٢).","vol":"5","page":406},{"text":"﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾: تمويهُهم، فتخيَّلوا أباطيل ثم قالوها، أو اختداعُهم للضعفة.\n﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾: سبيل الحق، وقرئ: ﴿وَصُدُّوا﴾ بالفتح (^١)؛ أي: وصَدُّوا الناس عن الإيمان، و: (صدٌّ) بالتنوين عطفًا على ﴿مَكْرُهُمْ﴾ (^٢).\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بالخذلان ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾: فما له من أحد يقدر على هداية (^٣) بوجهٍ من الوجوه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1741\"> </span>(٣٤) - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصيبات.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ لدوامه وشدةِ إيلامه.\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾: من عذاب اللّه تعالى في الدارين، قيل: أو من رحمته، ولا يساعده المساق، ولا يوافقه عبارة ﴿وَاقٍ﴾.\n﴿مِنْ وَاقٍ﴾: من ساترٍ (^٤) يحفظهم عن العذاب ويحميهم، فـ ﴿مِنْ﴾ الأولى صلة ﴿وَاقٍ﴾ قدِّمت عليه، والثانيةُ مزيدة للتأكيد.\nولمَّا ذَكر ما أعدَّ للكفار في دار القرار ذكر ما أعدَّ للمؤمنين فيها فقال:\n_________\n(^١) قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٣).\n(^٢) نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣٢).\n(^٣) في (م): \"هدايته\".\n(^٤) في (ف): \"ساتر ما\".","vol":"5","page":407},{"text":"<span id=\"aya-1742\"> </span>(٣٥) - ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾.\n﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾: صفتُها التي في غرابة المثل، تقول: مثلتُ الشيءَ: إذا وصفتَه وقرَّبته للفهم، وارتفع ﴿مَثَلُ﴾ على الابتداء في مذهب سيبويه والخبرُ محذوف؛ أي: فيما قصَصْنا عليهم مثلُ الجنة (^١).\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تفسير لذلك المثَل؛ أي: في غاية النزهة، وذلك أن العرب كانوا في عوز من الماء، فكانوا يَعدُّون هذا أعظم نزهةٍ، أو حالٌ من العائد المحذوف من الصلة.\nوقيل: هي (^٢) خبره على طريقة قولك: صفةُ زيدٍ أسمرُ. أو على حذف موصوف؛ أي: مَثَلُ الجنة جنةٌ تجري، فعلى هذا لفظُ المثَل على حقيقته قُصد به تمثيل الغائب في الشاهد لم يُسْتَعرْ (^٣) من القول السائر للصفة الغريبة.\n﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ لا ينقطع، والأُكُل: ما يؤكل فيها.\n﴿تِلْكَ﴾؛ أي: وظلُّها كذلك لا يُنسخ كما يُنسخ في الدنيا بالشمس.\n﴿تِلْكَ﴾؛ أي: الجنة الموصوفة ﴿عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عن الكفر: مآلهم ومنتهى أمرهم.\n﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ لا غير.\nوفي ترتيب النَّظمَين إطماع للمتقين وإقناط للكفار.\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (١/ ١٤٣).\n(^٢) في (م) و(ك): \"هو\".\n(^٣) في (م): \"الغائب بما في الشاهد ثم استعير\".","vol":"5","page":408},{"text":"<span id=\"aya-1743\"> </span>(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: مَن أسلم من اليهود كعبد اللّه بن سلام وأضرابه، ومن النصارى وهم ثمانون رجلًا: أربعون بنجران، وثمانيةٌ باليمن، واثنان وثلاثون بالحبشة.\n﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أو عامتُهم (^١) فإنهم كانوا يفرحون بما نزل موافقًا لمَا في كتبهم.\n﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾؛ أي: كفارهم الذين تحزَّبوا على رسول اللّه ﷺ بالعداوة؛ نحو كعب بن الأشرف، والعاقبِ والسيد أُسقفي نجران، وأشياعِهما.\n﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ وهو ما يخالف شرائعهم وما حرَّفوه منها، دون الأقاصيص وما يوافقها.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ شيئًا، جواب للمنكرين؛ أي: قل لهم: إنما أمرت فيما أُنزل إليَّ بأن أعبد اللّه ولا أشركَ به، وهو العمدة في الإسلام، ولا سبيل لكم إلى إنكاره لأنكم قائلون بوجوب عبادته وتوحيده، وأما ما يخالف بعض شرائعكم من جزئيات الأحكام، فليس الاختلاف ببدع في الكتب الإلهية.\nوقرئ: (ولا أشركُ) بالرفع على الاستئناف (^٢).\n_________\n(^١) تحرفت في (م) إلى: \"ادعاء منهم\". وقوله: (أو عامتهم) معطوف على (من أسلم)، أي: من أسلم من أهل الكتاب يفرحون بما أنزل إليك، أو عامة أهل الكتاب يفرحون بما يوافق كتبهم منه، فالمراد في الثاني بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: بعضه الذي يوافق كتبهم لا كله. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٤٥).\n(^٢) نسبت لنافع في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣٣).","vol":"5","page":409},{"text":"﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ لا إلى غيره ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾: مرجعي للجزاء لا إلى غيره، فلا معنى لإنكاركم؛ لأن هذا هو القَدْرُ المتفق عليه بين الأنبياء كلِّهم، فأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم، فلا معنى لإنكاركم المخالَفة فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1744\"> </span>(٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال المشتمِل على أصول الديانات المجمَع عليها ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أصل الكلام: أنزلناه هذا الإنزالَ الذي تشاهدونه مشتمِلًا على التوحيد والدعوة إليه، فأُوثر ذلك تفخيمًا، وجيء بالمثل زيادةً له، ولأمر ما أكثر في كتابه الكريم (^١) من إيراد هذا الأسلوب.\n﴿حُكْمًا﴾ يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة.\n﴿عَرَبِيًّا﴾ مترجَمًا بلسان العرب ليسهُل لهم فهمه وحفظه، وانتصابه على الحال.\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ التي يدعونك إليها من الأمور الموافِقة لدينهم وخصوصًا الصلاةُ إلى قِبلتهم بعد ما حوِّلْتَ عنها.\n﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بنسخ ذلك.\n﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ يَنصرك ويمنع العقاب عنك، وهو حسم لأطماعهم، وتهييجٌ للمؤمنين على الثبات في الدِّين، واللام في (لئن) موطِّئةٌ للقسَم، و﴿مَا لَكَ﴾ جوابُه (^٢) سدَّ مسدَّ جواب الشرط.\n_________\n(^١) \"الكريم\" من (م).\n(^٢) في (م) و(ك): \"جواب\".","vol":"5","page":410},{"text":"<span id=\"aya-1745\"> </span>(٣٨) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ﴾: بشرًا مثلَك، والتنكير للتكثير.\n﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ﴾ فيه تغليبٌ للأكثر على الأقل، وإلا فمنهم مَن لا زوج له ولا ذرية كعيسى ﵇.\n﴿أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾: نساءً وأولادًا كما هو (^١) لك، كانوا يَعيبونه ﵇ بالزواج والولاد، كما كانوا يقولون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وكانوا يقترحون عليه الآيات، وينكرون النسخ، فقيل: كان الرسل قبله كذلك ذوي أزواج وذريات.\n﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾: ما صحَّ، ولم يكن في وسعه ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مما اقتَرح عليه قومه، ولا مما اقتضاه رأيه ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإنه القادر على ذلك، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة.\n﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾؛ أي: ولكل (^٢) وقتٍ ومدةٍ حكمٌ يُكتب على العباد بحسَب ما يقتضيه استصلاحُهم (^٣)، فإن الشرائع مصالح الأحوال والعباد، والاستعدادات (^٤) تختلف في الأوقات والأزمان فتختلف الشرائع بحسب ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"هن\".\n(^٢) في (م): \"لكل\".\n(^٣) في (ك): \"إصلاحهم\".\n(^٤) في النسخ: \"والاستبدادات\"، والصواب المثبت.","vol":"5","page":411},{"text":"<span id=\"aya-1746\"> </span>(٣٩) - ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.\n﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: ينسخ ما يكون الصلاح في نسخه.\n﴿وَيُثْبِتُ﴾ بدَله ما هو صالحٌ أو أصلحُ في وقته (^١) لعباده، أو يتركه غيرَ منسوخ.\nوقيل: يمحو سيئات التائب ويثبت بدلَها الحسنات.\nوقيل: يمحو من كتاب الحفَظة ما لا يتعلق به الجزاء، ويترك ما يتعلق به مثبَتًا.\nوقيل: يمحو قَرْنًا ويثبت آخر (^٢).\nوقيل: يمحو الفاسدات ويثبت الكائنات.\n﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ أي: أصل كلِّ كتاب، وهو اللوح المحفوظ، إذ لا كائن إلا وهو مكتوب فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1747\"> </span>(٤٠) - ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.\n﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾؛ أي: وكيف ما دارت الأحوال: أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب النازل بهم أو توفَّيناك قبله ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾: فما عليك إلا تبليغ الوعيد بالعقوبة لا تعجيلُها.\n﴿وَعَلَيْنَا﴾ لا عليك ﴿الْحِسَابُ﴾: حسابهم؛ أي: مراعاةُ أجَلها المعلوم، والإيقاعُ بهم عند الوقت المحتوم.\nولمَّا نهاه ﵇ عن الاهتمام بغير التبليغ، والتضجُّرِ لتأخُّر النصر، عقَّبه بالتسلية، وطيَّب نفسَه ونفَّس عنها بذكر طلائع ما وَعد بقوله:\n_________\n(^١) في (م): \"وقت\".\n(^٢) في (م): \"آخرين\".","vol":"5","page":412},{"text":"<span id=\"aya-1748\"> </span>(٤١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: أرضَ الكفرة ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بما نفتحه على المسلمين منها [فننقُص من دار الحرب ونزيد في دار الإسلام.\n﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ اعتراضٌ لا محل لها، أو حالٌ كأنه قيل: نافذًا حكمُه؛ كما تقول: جاءني زيد لا عمامةَ على رأسه؛ أي: حاسرًا.\nوالمعقِّب: الذي يَكِرُّ على الشيء ويُبطله، وحقيقتُه: الذي يُعقِّبه بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب؛ لأنَّه يقفِّي غريمَه بالتقاضي والطلب.\nوالمعنى: لا رادَّ لحكمه ولا مُبطِلَ، وقد حكم للإسلام بالظهور والإقبال، وعلى الكفر بالتراجع والإدبار، وذلك كائن لا يمكن لأحد تغييرُه، وهذا من تباشيره.\n﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فعمَّا قليل يحاسبهم في الآخرة، ويجازيهم بأشد العذاب بعد عذاب الدنيا بالقتل والإجلاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1749\"> </span>(٤٢) - ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\n﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ بأنبيائهم والمؤمنين منهم.\n﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ جملةٌ تعليليَّة أُقيمت مقام المحذوف، وهو المعطوف على ما ذكر قبلها، تقديره: ولا عبرةَ بمكرهم فلله المكر جميعًا، وصفَهم بالمكر ثم جعل","vol":"5","page":413},{"text":"مكرَهم بالنسبة إلى مكره كَلَا مكرٍ عند مكره تعالى؛ لأنَّه (^١) القادر على إيقاع المراد من المكر بهم دونهم فلا مكر إلا مكرَه تعالى.\n﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ فيُعدُّ (^٢) جزاءه لاضمحلال كلِّ مكر عند مكره تعالى؛ لأنَّه إذا علم كلَّ ما كسبوا، وأعدَّ لهم جزاءه، فيأتيهم به بغتةً من حيث لا يعلمون، كأنَّ المكر كلَّ المكر له تعالى.\n﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: وحينئذ يُعلمهم ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: لمن حسنُ العاقبة من الفريقين، والسينُ لوجوب وقوع ذلك، وعلمِهم به حالَ وقوعه، واللام في ﴿لِمَنْ﴾ دلت على أن المراد بالعقبى المضافِ إلى الدار: العاقبةُ المحمودة.\nوقرئ: (سيَعْلَم الكفرُ) (^٣)؛ أي: أهلُه، و: (سيُعْلَم) من أَعْلَمَ: إذا أخبره (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1750\"> </span>(٤٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ قيل: المراد بهم رؤساء اليهود.\n﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ حيث أظهر من الدلائل الواضحة والحجج البيِّنة على رسالتي (^٥) ما يُغني عن شاهدٍ يَشهد عليها.\n_________\n(^١) في (ف): \"لأن\".\n(^٢) في (ك): (فيعد).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣٥).\n(^٤) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣٥).\n(^٥) في (م) و(ك): \"رسالته\".","vol":"5","page":414},{"text":"﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: والذي عنده علمُ القرآن - وما ألِّف عليه من النَّظم المعجِز الفائت لقوى البشر - والتوراةِ والإنجيل من علماء الكتاب الذين أسلموا كعبد اللّه بن سلام وأضرابه؛ لأنهم يشهدون بنعته ﵇ في كتبهم.\nوقيل: هو اللّه ﷿، والكتاب: اللوح المحفوظ، والمعنى: كفى بالذي يَستحق العبادة، وبالذي لا يَعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو، شهيدًا بيني وبينكم.\nويؤيِّده قراءةُ مَن قرأ: (ومن عندِه) بالكسر (^١)، و﴿عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ على الأول يرتفع (^٢) بالظرف لأنَّه معتمد على الموصول، أو مبتدأٌ خبره الظرف، وهو متعين على الثاني.\nوقرئ: (ومن عندِه عُلِمَ) على الحرف وبناءِ الفعل للمفعول ورفع (الكتابُ) (^٣)، واللّه أعلم بالصواب.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لعلي وابن عباس ﵃ وعكرمة والضحاك وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٧)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٥٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٣٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٢٠)، و\"البحر\" (١٣/ ١٢١).\n(^٢) في (ك): \"مرتفع\".\n(^٣) انظر المصادر السابقة.","vol":"5","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-78>سُورَةُ إبرَاهِيمَ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1751\"> </span>(١) - ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\n﴿الر كِتَابٌ﴾؛ أي: هو كتاب ﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ حجَّةً على رسالتك بإعجازه.\n﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ كافَّةً بدعائك إيَّاهم إلى الدِّين الحقِّ.\n﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: من أنواع الضَّلال ﴿إِلَى النُّورِ﴾: إلى الهدى.\n﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بتوفيقه وتسهيله، مستعارٌ من الإذن الذي هو تسهيل الحجاب (^١)، متعلِّق بـ (تُخرج)، أو حالٌ من فاعله أو مفعوله.\n﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِلَى النُّورِ﴾ بتكرير العامل، أو استئناف كأنَّه قيل: إلى أيِّ نور؟ قيل (^٢): ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nوأضاف الصراط إلى الله لأنَّه مَقْصِده (^٣)، أو المبيِّن له، وتخصيص الاسمين بالذِّكر يدلُّ على أنه يُعِزُّ سالكه، ويجعله حميدًا بكماله.\n* * *\n_________\n(^١) أي: رفع المانع. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٤٩).\n(^٢) في (م): \"فقيل\".\n(^٣) أي: محل قصده. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٥٠).","vol":"5","page":419},{"text":"<span id=\"aya-1752\"> </span>(٢) - ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.\n﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عطف بيان لـ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾؛ لأنَّه يجري مجرى أسماء الأعلام؛ لغلبته واختصاصه بالمعبود بالحقِّ.\nوقرئ بالرَّفع على: هو اللّه (^١).\n﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِين﴾ وعيدٌ لمن كفر بالويل، وهو نقيض النَّجاة، وأصله النَّصب لأنَّه مصدر، فعدل إلى الرَّفع لإفادة معنى الثَّبات، كما في: سلام عليك.\nواتصال قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ له بالمعنى المذكور ظاهر، فلا حاجة إلى صرفه للتَّلفُّظ بكلمة التَلهُّف من شدَّة العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1753\"> </span>(٣) - ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾؛ أي: على الحياة الآخرة.\nوالاستحبابُ: استفعال من المحبَّة؛ لأنَّ المختار للشيء على غيره كأنَّه يطلب من نفسه أن يكون أحبَّ إليها من الآخر، وتعديته بـ ﴿عَلَى﴾ لتضمُّنه معنى الإيثار والاختيار.\n﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بتعويق النَّاس عن الإيمان.\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٤).","vol":"5","page":420},{"text":"وقرئ: (ويُصِدُّون) من أصدَّه (^١)، وهو منقول من صَدَّ صُدودًا: إذا تنكَّب (^٢)، وليس بفصيح؛ كأَوْقفه؛ لأن في صدَّه ووَقَفه مندوحةً عن تكلُّف التَّعدية بالهمزة.\n﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أصله: يبغون لها، فحذف الجارُّ، وأُوصل الفعل؛ أي: يطلبون لها زيغًا (^٣) واعوجاجًا بأن يقولوا لمن يصدونه عنها: إنها سبيلٌ ناكبة عن الحقِّ غير مستقيمة.\nوالموصول بصلته يحتمِل النَّصب على الذَّمِّ والرَّفع عليه، ولا يحتمِل الجرَّ صفةً لـ (الكافرين)؛ لأنَّ فيه الفصلَ بين الصفة والموصوف بأجنبيٍّ منهما، وهو قوله: ﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ اتِّصاله بالويل، وعلى الرفع يجوز أن يكون مبتدأً خبره:\n﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن طريق الحقِّ؛ أي: ضلالٍ فيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الضَّالَّ قد يضِلُّ عن الطَّريق مكانًا قريبًا، وقد يضِلُّ مكانًا بعيدًا.\nوالأفصحُ أنَّ وصفَ الضَّلال بالبُعْدِ من باب الإسناد المجازيِّ؛ لأنَّ البعد في الحقيقة للضَّالِّ المتباعد عن الطَّريق، فوُصف به فعله، كقولهم: جَدَّ جَدُّه؛ للمبالغة.\nوتنكيره للتَّكثير، وفي جعله ظرفًا لهم دلالةٌ على تمكُّنهم فيه تمكُّنَ المظُّروف في الظَّرف، وتصويرٌ لاشتمال الضَّلال عليهم اشتمالَ المحيط على المُحَاط، فيكون كنايةً بالغة في إثبات الوصف المذكور لهم على الوجه الأبلغ.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).\n(^٢) في (م) و(ك): \"إذا انتكب\"، وفي (ف): \"تكسب\". والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٩٢).\n(^٣) في (ك): \"زيفا\".","vol":"5","page":421},{"text":"<span id=\"aya-1754\"> </span>(٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾: بلغةِ قومه الذين (^١) بُعِثَ فيهم كأنبياء بني إسرائيل، أو أُرسل إليهم كلوط ويونسَ ﵉.\nفمَن قال: الذين (^٢) هو منهم وبُعِث فيهم، لم يصب.\nوقرئ: (بلِسْنِ) (^٣)، وهو لغة فيه كريشٍ ورِياش، و: (لُسُن) بضمَّتين (^٤)، وضمةٍ وسكون على الجمع كعُمُدٍ وعُمْدٍ (^٥).\n﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما يدعوهم إليه، فيَفقهوه بسهولة، ثم ينقلوه ويُترجموه لغيرهم، فإنَّهم أحقُّ برعاية حالهم (^٦)، سواءٌ كان مبعوثًا فيهم أو مرسَلًا إليهم.\nومَن قال: أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجَّةٌ على اللّه (^٧)، ولا يقولوا: لم نفهم ما خوطبنا به. فكأنه غفل عن أنَّ المحذور المذكور يندفع بترجمته لهم.\n_________\n(^١) في (م): \"الذي\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"الذي\".\n(^٣) نسبت لأبي السمَّال والأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).\n(^٤) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).\n(^٥) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٩٣)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ١٢٩)، ومثل له أبو حيان بـ: رسل ورسل.\n(^٦) في (ف): \"حالتهم\".\n(^٧) \"أي ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجة على الله\" من (م).","vol":"5","page":422},{"text":"وأيضًا لغير العرب من الأمم (^١) أن يحتجَّ بما ذكره على نبيِّنا ﷺ، ولا جواب عنه إلا بما قلنا، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] على أنَّه (^٢) يكون لهم مجال الاحتجاج بالوجه المذكور على تقدير نزوله بلغة أخرى.\nوأما ما قيل: ولو نزل على مَن بعث إلى أمم مختلفة كتبٌ على ألسنتهم استقلَّ ذلك بنوع من الإعجاز، ولكن أدَّى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلُّم الألفاظ ومعانيها والعلوم المتشعِّبة منها، وما في إتعاب القرائح وكدِّ النَّفس مِنَ القُرَبِ المقتضية لجزيل الثَّواب= فمبناه الغفول عن أنَّ ما ذكر من الفوائد فوائتُ على تقدير التَّرجمة من رسول الله ﷺ، وقد عرفْتَ أنَّ مدار الكلام وتمام المرام عليها على تقدير عموم الرسالة وخصوص النُّزول.\n﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَّوفيق.\nوفيه دفع ما سبق إلى الوهم من البيان البالغ في تسهيل الفهم أن يكون ذلك كافيًا في تمام أمر (^٣) الهداية، فينسدُّ باب الضَّلالة والغواية (^٤).\nوفي التَّرتيب بأداة التَّسبيب إشارة إلى أن ما ذكر من الإرسال مع كونه على وجه الكمال كان في حقِّ قومٍ سببًا للضَّلال.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيز﴾ فلا يُغلَب على مشيئته ﴿الْحَكِيمُ﴾ فلا يَهدي ولا يُضلُّ إلا لحكمة.\n_________\n(^١) \"الأمم\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"أن\".\n(^٣) \"أمر\" ليست في (ف).\n(^٤) في (م) و(ك): \"والهداية\".","vol":"5","page":423},{"text":"<span id=\"aya-1755\"> </span>(٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾؛ يعني: اليدَ والعصا وسائرَ معجزاته.\n﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿أَنْ﴾ مفسِّرة معناها: أي؛ لأنَّ في الإرسال (^١) معنى القول؛ أي: أرسلناه وقلنا له: أَخْرِج. أو مصدرَّية؛ أي: أرسلناه بأنْ أخرج؛ لأن صيغ الأفعال في الدلالة على المصدر سواءٌ، فيصح وصلها بالأمر كوصلها بالخبر، وأن يُوصل بها (أنْ) النَّاصبة.\n﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾: بنعمائه وبلائه. ذكره ابن عباس ﵄ (^٢)، وهو الموافق لقو له تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ والقرآن بعضُه يفسِّر البعض.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ على بلاء الله ﴿شَكُورٍ﴾ على نعمائه، فإنَّه إذا سمع بما أنزل الله تعالى على الأمم من البلاء، وأفاض عليهم من النِّعم، اعتبر وتنبَّه على ما يجب عليه من الصَّبر والشُّكر.\nوقيل: لكل مؤمن؛ لأن الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.\nوإنَّما قدَّم الصَّبر على الشُّكر لأنّه أشقُّ منه، فهو بالاهتمام أحقُّ. والعدول عن الصَّبور مع مناسبته للشَّكور؛ لأنَّه في مقام الحثِّ والتَّحريض بأبلغ صيغتي المبالغة أليقُ.\n* * *\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"الرسالة\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ١٠٧).","vol":"5","page":424},{"text":"<span id=\"aya-1756\"> </span>(٦) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ﴾؛ أي: اذكروا نعمته وقت إنجائه إيَّاكم، ويجوز أن ينتصب بـ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ إنْ جُعلت مستقرة غيرَ صلة للنِّعمة، وذلك إذا أريد بها العطيَّة دون الإنعام، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿نِعْمَةَ﴾ بدل الاشتمال.\n﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أحوال من ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾، أو من ضمير المخاطبين، وعطفُ قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ (^١) على ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ (^٢) يفيد فائدةً زائدةً على جعله تفسيرًا له كما سبق (^٣) في سورة البقرة، وهو أنَّ العذاب جنس يتناول التَّذبيح (^٤) والاستحياء والاستعمالَ بالأعمال الشَّاقة، فجعل التَّذبيح كأنه جنس آخرُ برأسه أوفى على جنس العذاب، وزاد عليه بزيادةٍ ظاهرة.\n﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ﴾: ابتلاء ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وإنما كان فعل آل فرعون بلاءً من ربهم؛ لأن الله تعالى ابتلاهم بتمكينهم وإقرارهم عليهم وإمهالهم فيه.\nويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء؛ لأنَّ البلاء كما يكون بالنِّعمة يكون\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"ويذبحون\".\n(^٢) في النسخ: \"ويسومونكم\".\n(^٣) \"سبق\" من (م).\n(^٤) في (م) زيادة: \"والاستقياد\".","vol":"5","page":425},{"text":"بالنِّقمة، قال الله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وهذا أنسب لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وعلى الأول تكون عبارة الرَّبِّ للإشارة إلى أن بلاء المؤمن تربيةٌ (^١) له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1757\"> </span>(٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾.\n﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ من جملة ما قال موسى ﵇ لقومه، منصوبُ المحلِّ بالعطف على ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذَّن ربكم.\n﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ لا على إرادة القول على معنى: تأذَّن ربكم فقال؛ لعدم الحاجة إلى التقدير، بل على إجراء ﴿تَأَذَّنَ﴾ مجرى: قال؛ لأنّه ضرب من القول.\nوفي قراءة ابن مسعود ﵁: ﴿وإذ قال ربُّكم لئن شكرتم﴾ (^٢).\nو﴿تَأَذَّنَ﴾ بمعنى: آذَنَ، كتوعَّد وأَوْعَد، غير أنَّه أبلغ؛ لِمَا في التَّفعُّل من معنى التَّكلف والمبالغة.\n﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ما خوَّلتكم من نعمة الإنجاء وغيرها بالإيمان والعمل الصالح.\n﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ نعمةً إلى نعمةٍ.\n_________\n(^١) في (م): \"تربيته\".\n(^٢) رواها عنه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٦٠١)، وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٤١).","vol":"5","page":426},{"text":"﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ غَمطْتُم (^١) ما أنعمْتُ به عليكم. قد صرح الوعد على الشكر بقوله: ﴿لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وعرَّض بالوعيد على الكفران حيث قال:\n﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾؛ أي: عسى عذابي أن ينالكم بالكفران، ومِن عادة مَن هو أكرم الأكرمين التَّصريحُ بالوعد والتَّعريضُ بالوعيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1758\"> </span>(٨) - ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ عن شكركم وشكرِ كلِّ شاكر، وما ضررتم بكفرانكم إلا أنفسَكم حيثما حرَمتموها مزيد الإنعام، وعرَّضتُموها للعذاب الشديد.\n﴿حَمِيدٌ﴾: مستوجِبٌ للحمد في ذاته، محمودٌ يحمده مَنْ في السماوات من الملائكة، بل كلُّ ذرةٍ من ذرَّات المخلوقات النَّاطقة بنعمه (^٢) وحمده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1759\"> </span>(٩) - ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ من جملة كلام موسى ﵇، أو ابتداءُ كلام من الله تعالى، والهمزة في ﴿أَلَمْ﴾ (^٣) للتَّقرير والتَّوبيخ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"عظم\".\n(^٢) في (ف): \"بنعمته\".\n(^٣) \"والهمزة في ألم\" من (م).","vol":"5","page":427},{"text":"﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف على ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾، وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ اعتراض، أو مبتدأ خبره ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ﴾ والجملة اعتراض، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يُعلم عددهم (^١)، كأنه يقول: دع التَّفصيل فإنه لا مطمَع في الحصر.\nقيل: ولهذا كان ابن مسعود ﵁ إذا قرأها (^٢) قال: كذَب النَّسَّابون (^٣). أي: في دعوى علم الأنساب؛ لأن الله تعالى قد نفى علمها عن العباد.\nوفيه نظر؛ لعدم دلالةٍ فيه على نفي علم الأنساب مطلقًا (^٤)، إنما دلالتُه على نفي علم جميع الأنساب، ولم (^٥) يدَّعه أحدٌ من النَّسَّابين.\n﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعمكم (^٦)، أي: هذا جوابنا لا غير؛ إقناطًا لهم من التصديق.\nقيل: عضُّوها غيظًا وحنقًا (^٧) مما جاءت به الرُّسل؛ كقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩].\n_________\n(^١) في (ف): \"عدهم\".\n(^٢) في (ف): \"أقرأها\".\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ٦٠٤). وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٤٢).\n(^٤) \"مطلقًا\"من (م).\n(^٥) في (ف): \"ولم يعد\".\n(^٦) أي: أشاروا إلى جوابهم هذا، كأنهم قالوا: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، فضمير ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ و﴿أَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى الكفار، والأيدي على حقيقتها، والرد مجاز عن الإشارة. انظر: \"روح المعاني\" (١٣/ ٢٣٠).\n(^٧) في (م): \"وتجنبًا\"، وفي (ف): \"وضعًا\". وفي \"الكشاف\" (٢/ ٥٤٢): \"وضجرًا\".","vol":"5","page":428},{"text":"أو وضعوها على أفواههم ضحكًا واستهزاءً كمن غلب عليه الضَّحك فوضع يده على فيه، أو إسكاتًا للأنبياء ﵈ وإشارةً عليهم بالسُّكوت، أو ردُّوها في أفواه الأنبياء ﵈ لذلك (^١)، أو وضعوها على أفواههم أيسكتونهم، ولا يذرونهم يتكلَّمون.\nأو الأيدي جميع يد، بمعنى النِّعمة؛ أي: ردوا أياديهم من التَّوحيد والمعارف والشَّرائع والنَّصائح - التي هي أجَلُّ النِّعَم - في أفواههم؛ لأنهم إذا لم يَقبلوها وكذَّبوها فكأنَّهم ردُّوها إلى حيث جاءت منها على طريق التَّمثيل.\nولا يذهب عليك أن الأَوَّلَين (^٢) لا يطابقان المقام؛ فإنَّه (^٣) يَحكي أوَّل ما جاءهم بالبيِّنات إلى آخر ما ينتهي إليه حالهم، وذانك بعد التَكرار، وأيضًا الرَّدُّ ينبئ عن التَّكرار، وليس، وحاصل (^٤) الرَّابع والخامس ما ذكر ثالثًا، لكنَّ الرَّدَّ لا يلائم الثَّالث والخامس، والمعتاد في الإسكات ما في الثَّالث لا ما في الخامس، والسَّادس غير ظاهر الدِّلالة لما فيه من نوع تعقيدٍ، والأيدي بهذا المعنى قليلة الاستعمال، وذِكْرُ الرَّد والأفواه يلائم الجارحة.\n﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ التَّأكيد في ﴿إنَّا﴾ ﴿وَإِنَّا﴾ للإقناط، والمبالغة في الرَّدِّ والتَّكذيب، والمراد مما (^٥) أرسلتم به: الكتبُ والشَّرائع، ومما تدعوننا إليه: التَّوحيد، فتردُّدهم في الثاني لا ينافي قطعهم في الأول.\n_________\n(^١) أي: يشيرون لهم بالسكوت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٤٢)، والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (م): \"الأولان\".\n(^٣) أي: المقام.\n(^٤) في (ف): \"حاصل\".\n(^٥) في (م): \"بما\".","vol":"5","page":429},{"text":"﴿مُرِيبٍ﴾: مُوقِعٍ في الريبة، أو (^١): ذي ريبة، من أرابَ الرَّجل: إذا صار ذا ريبة، وهي قلقُ النَّفس، وأن لا يطمئِنَّ إلى شيء، وعلى الثاني يكون وصف الشكِّ به من باب الإسناد المجازي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1760\"> </span>(١٠) - ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ﴾: أفي وحدانيته ﴿شَكٌّ﴾ وفي حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامه تنبيهٌ على أنَّ الله تعالى لا يكون إلَّا واحدًا، فالشَّكُّ في وحدانيته شكٌّ في ذاته.\nو﴿شَكٌّ﴾ مرتفع بالظَّرف، وأُدخلت همزة الإنكار عليه مع تقديمه لأنَّ الكلامَ في المشكوك فيه لا في الشكِّ؛ أي: إنما ندعوكم إلى الإيمان بالله ووحدانيته، وهو لا يحتمل الشكَّ لظهور الأدلَّة، وشهادةِ وجود السماوات والأرض عليه.\nثمَّ نبَّههم على الوصف الذي يقتضي أن لا يقع فيه شكٌّ البتَّة بقوله:\n﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو صفة، ولا (^٢) يضرُّه الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ (^٣)، أو بدل.\n_________\n(^١) في (م): \"أي\".\n(^٢) في (ف): \"لا\".\n(^٣) \"بمثل هذا المبتدأ\"؛ أي: قوله: ﴿شَكٌّ﴾، وفي إعرابه وجهان: الرفع على الفاعلية بالظرف المعتمِد على الاستفهام، وهو الوجه الذي تقدم ورجحه الآلوسي، والآخر هو الرفع بالابتداء الذي ذكره هنا، وإليه ذهب أبو حيان. انظر: \"البحر\" (١٣/ ١٤٠)، و\"روح المعاني\" (١٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).","vol":"5","page":430},{"text":"﴿يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمان ببعثه إيَّانا ليغفر لكم، وفيه دلالة على أن الكافر مُؤَاخَذٌ بكفره قبل البعثة - وإن لم يكن مؤاخَذًا بغيره - لكفاية العقل الصحيح.\n﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ لمصلحتكم لا لمصلحة نفسه.\n﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾: بعض ذنوبكم، وهو الكفر؛ لِمَا عرفْتَ أنهم لا يؤخذون قبل البعثة، ففي قوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ توطئةٌ لهذا التَّبعيض على تقدير تقريرنا معناه، وعلى تقدير أن يكون المعنى: يدعوكم إلى المغفرة، على إقامة المفعول له مقام المفعول به، كما في قولك: دعوتك لتنصرني= تفوت هذه التَّوطئة وتلك الدلالة.\nوقيل في وجه التَّبعيض: إن المغفور قطعًا ما فعلوه حالة الكفر، وأما ما يفعلونه بعد الإسلام فهو بحاله.\nومأخذ هذين الوجهين يُظهِر السِّرَّ في زيادة (من) في خطاب الكفرة دون المؤمنين في مواضع من القرآن.\nوفي الأخير فائدة أخرى، وهو إبقاء البعض على الاحتمال؛ لئلا يتَّكلوا (^١) على الإيمان وحده، وهذا معنًى حسن.\nوأما ما قيل: إنه أريد به أنه (^٢) يغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى - لأنَّ الإسلام يجبُّه - دون المظالم، فلا يصلح وجهًا للتَّخصيص؛ لاشتراك الفريقين فيه.\nوالتَّوجيه بأنَّ المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتَّبة على الإيمان،\n_________\n(^١) في النسخ: \"يتكلموا\"، والصواب المثبت. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٢٥٦)، و\"روح المعاني\" (١٣/ ٢٣٨). والكلام من \"الكشف\" كما صرحا بذلك.\n(^٢) \"أريد به أنه\" من (م).","vol":"5","page":431},{"text":"وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطَّاعة والتَّجنب عن المعاصي ونحو ذلك، فتناوُلُ الخروج عن المظالم منظور فيه؛ لأنَّ تمام التقريب به على تقدير أن يكون معنى قوله: (مرتبة على الإيمان): مرتَّبةً عليه وحده، وحينئذ يتَّجه النَّقض بقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٢ - ٤].\nثمَّ إنَّ منشأَه ومنشأَ ما قدَّمه في دعوى الاطِّراد في زيادة (من) في خطاب الكفرة: الغفولُ (^١) عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].\nومَن قال في تفسير سورة الأنفال: إن الحربي إذا أسلم لم يبقَ عليه تَبعةٌ قطُّ، ثمَّ جوَّز هاهنا أن يكون (^٢) التَّبعيض لإخراج المظالم عن حيِّز الإرادة، فقد غفل عمَّا قدَّمه.\n﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قد سمَّاه الله تعالى وبيَّنَ مقداره، وقضى أن يبلِّغكم إليه إن آمنتم، وإلَّا عاجلكم بالإهلاك قبل ذلك الوقت.\n﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ لا فضلَ لكم علينا، فَلِمَ تُخَصُّون بالنُّبوَّة دوننا، ولو شاء الله تعالى أن يبعث إلى (^٣) البشر لبعثَ من جنسٍ أفضل.\n﴿تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ بهذه الدَّعوى.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"إتيانه هذا الفول بصيغة التمريض يدل على أنه لا يرتضيه، فليس ذلك للغفول\".\n(^٢) في (م): \"أن يكون هاهنا\".\n(^٣) \"إلى\" سقط من (ت).","vol":"5","page":432},{"text":"﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ يدلُّ على فضلكم واستحقاقكم لهذه (^١) المزيَّة، أو على صحَّة دعواكم، وقد جاءت رسلهم بالبيِّنات والحُجَج فلم يعتدُّوا بها مكابرةً وعنادًا، واقترحوا عليهم غيرها تعنُّتًا ولجاجًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1761\"> </span>(١١) - ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تسليمٌ للمماثلة في البشريَّة.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إثبات للمزيَّة بمحضِ الامتنان والعناية، لا لفضلٍ لهم يقتضي ذلك؛ تواضعًا منهم وهضمًا لأنفسهم، فلا دلالة فيه على عدم التفاوت بين أفراد البشر في الاستعداد والاستحقاق (^٢) للرِّسالة، وقد دلَّ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] على التَّفاوت فيه، ولا إيجاب بحسَبه حتى ينافيَ الاختيار.\n﴿وَمَا كَانَ﴾: وما (^٣) صحَّ ﴿لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إلَّا بتيسيره؛ أي: ليس إلينا الإتيان بما اقترحتُموه، إنما هو أمرٌ متعلِّقٌ بمشيئة الله تعالى، فيَخص كلَّ نبيٍّ بنوعٍ من الآيات.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تعميمٌ قصدوا به تخصيص أنفسهم على\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بهذه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أفراد البشر في الاستحقاق\".\n(^٣) في (م) و(ك): \"ما\".","vol":"5","page":433},{"text":"وجه الأوَّلويَّة والأوليَّة (^١)، وإشعارٌ بأنَّ قضية الإيمان وجوب التَّوكُّل على الله تعالى، فأمروا المؤمنين كلَّهم به، والمراد أمرهم أنفسهم.\nوفيه نزولٌ عن حقِّهم وتواضع وهضمٌ لأنفسهم، حيث نزلوا إلى مراتب آحاد المؤمنين، ومبالغةٌ في وجوبه عليهم، كأنّهم قالوا: ومنْ حقِّنا أن نتوكَّل على الله في الصَّبر على معاندتكم ومعاداتكم، فإنَّ ذلك حقُّ كلِّ مؤمن، فكيف بالأنبياء؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-1762\"> </span>(١٢) - ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\nألا ترى إلى قولهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: وأيُّ عذرٍ لنا في أنْ لا نتوكَّل عليه.\n﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ وقد فعل بنا ما يوجب توكُّلَنا عليه، وهو التَّوفيق لهداية كلٍّ منا سبيلَه الذي يجب عليه سلوكُه في الدِّين حتى عرَفه وعلم أنَّ الأمر كلَّه بيده.\n﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ جواب قسم محذوف أكَّدوا به توكُّلهم على الله تعالى فيما يجري عليهم من إيذاء الكفار، وعدمَ مبالاتهم على سبيل الاعتراض.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ تكرير الأمر بالتَّوكُل؛ للتَّأكيد، ووجوبِ الثَّبات عليه بعد استحداثه، والفاء للسَّببية (^٢) في الموضعَيْن لأنّه مسبَّب عن الإيمان.\n* * *\n_________\n(^١) \"والأولية\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف) و(م): \"السببية\".","vol":"5","page":434},{"text":"<span id=\"aya-1763\"> </span>(١٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.\nحلفوا ليكونَنَّ أحدُ الأمرين: إما إخراجكم من دياركم، وإما عودكم في ملتهم، وقد مرَّ في تفسير سورة الأعراف ما تعلَّق بـ (عاد) (^١).\n﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: إلى (^٢) الرُّسل ﵈.\n﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أُجري الإيحاءُ مُجرى القول لأنَّه ضربٌ منه، فلا حاجة إلى إضمار القول، وقرئ: ﴿لَيُهْلِكَنَّ الظالمين وليُسْكِننَّكم الأرض) بالياء (^٣) اعتبارًا لـ ﴿فَأَوْحَى﴾، كقوله: أَقْسم زيد ليَخْرجنَّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1764\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.\n﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَهم وديارَهم.\n﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعد إهلاكهم، كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وعن النَّبيِّ ﷺ: \"من آذى جارَه ورَّثَهُ اللهُ دارَه\" (^٤).\n_________\n(^١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾.\n(^٢) \"إلى\"سقط من (ف).\n(^٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٤٥)، وقال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ٩٢): لم أجده.","vol":"5","page":435},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الموحى به، وهو إهلاك الظَّالمين وإسكان المؤمنين ديارَهم؛ أي: ذلك الأمر حقٌّ ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾، أي: موقفي الذي يُوقَف فيه العباد للحساب يوم القيامة؛ لأنّه موقف الله تعالى، أو: قيامي عليه وحفظي لأعماله، أو على إقحام المقام (^١).\n﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابه الموعود للكفَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1765\"> </span>(١٥) - ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.\n﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾: وطلبوا الفتح، واستنصروا الله على أعدائهم، أو سألوا القضاء بينهم، من الفتاحة وهو الحكومة، كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وهو معطوف على (أوحى إليهم ربهم).\nوقرئ: (واسْتَفْتِحُوا) على لفظ الأمر (^٢)، عطفًا على ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ أي: أوحى إليهم ربهم وقال لهم: استفتِحوا، والضمير للأنبياء ﵈، وقيل: للكفرة، وقيل: للفريقَيْن؛ فإنَّ كلَّهم سألوه أن ينصر المحِقَّ ويُهلك المبطِل.\n﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ منهم، أي: من المستفتِحين، معطوف على محذوفٍ تقديره: ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كلُّ جبَّار عنيدٍ متكبِّر على الله تعالى معاندٍ للحقِّ فلم يفلح.\nوالخيبةُ: إخلافُ ما قدَّرْتَه من المنفعة، ومقابلُه النَّجاح: وهو إدراك الطَّلِبة.\n_________\n(^١) أي: لمن خافني. انظر: \"البحر المحيط\" (١٣/ ١٤٥).\n(^٢) نسبت لابن عباس ﵄ ومجاهد وابن محيصن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).","vol":"5","page":436},{"text":"والعنيد: هو المعاند، إلَّا أنَّ فيه مبالغة، والعناد: الامتناع من الحقِّ مع العلم.\nومعنى (^١) الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلتين كان أَوْقَعَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1766\"> </span>(١٦) - ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾.\n﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي: من بين يديه وهو واقف عليها؛ قال الزَّجَّاج: الوراء: ما توارى عنك (^٢). ولهذا قد يطلق على الخَلف كما في قولهم: قال الجدار للوَتَد: لِمَ تشقُّني؟! قال: سَلْ مَنْ يدقُّني، فإن ما ورائي مَن لا يتركني ورائي (^٣).\nوقد يطلق على القُدَّام كما في قوله:\nأَيَرْجُو بنو مَروانَ سَمْعِي وطَاعَتِي … وقوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ ورائِيا (^٤) (^٥)\nوليس من الأضداد.\n﴿وَيُسْقَى﴾ معطوف على محذوفٍ، تقديره: يدخلها ويُسقى.\n_________\n(^١) في (ف): \"ومنه معنى\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ١٥٦).\n(^٣) \"من لا يتركني ورائي\" سقط من (ف). وعبارة الزمخشري في \"الكشاف\" (٤/ ١٨٩) تفسير فصلت: (.. اسأل من يدقني فلم يتركني، وراءِ الحجر الذي ورائي)، أي: وانظر الحجر الذي يدقني من خلفي.\n(^٤) في مصادر التخريج: \"ورائيا\".\n(^٥) نسب البيت لسوار بن المضرَّب في \"الكامل\" للمبرد (٢/ ٢٦٨)، و\"الأضداد\" للأصمعي (ص: ٢٠)، ونسب لمساور بن حمئان من بني ربيعة في \"مجاز القرآن\" (٢/ ٢٨٠).","vol":"5","page":437},{"text":"﴿مِنْ مَاءٍ﴾ التَّنكير للتَّنويع، أي: نوع من الماء غير معهود سقيه. قال مجاهد وغيره: هو ما يسيل من أجساد أهل النَّار (^١).\n﴿صَدِيدٍ﴾: هو قيح؛ أي: دم مختلط بمِدَّةٍ (^٢) يسيل من الجرح، عطفُ بيان لـ ﴿مَاءٍ﴾، فأبهمه إبهامًا، ثم بيَّنه بـ ﴿صَدِيدٍ﴾، وخصَّه مِن بين أنواع العذاب بالذِّكر إيذانًا بأنَّه أشدُّ عذابها (^٣)، ولشدَّته قال:\n\n<span id=\"aya-1767\"> </span>(١٧) - ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.\n﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ للمبالغة، أي: يتكلَّف جرعه ولا يقارب أن يُسيغه، فكيف بالإساغة؟ بل يغصُّ به فيطول عذابه.\nوالسَّوغ: جواز الشَّراب على الحلق بسهولة وقَبولِ نَفْسٍ.\nوالتَّجرع: تناوله جرعةً جرعةً على الاستمرار، ويلزمه التَّكلُّف فيه، وما جاء في الحديث بأنه يشربه محمولٌ على ذلك (^٤).\nوقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ صفةُ الماء، أو حال من الضَّمير في ﴿وَيُسْقَى﴾.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ١١٩) عن مجاهد وقتادة والضحاك.\n(^٢) \"بمدة\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"عذابا\".\n(^٤) يريد ما رواه الترمذي (٢٥٨٣) عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: \"يقرب إلى فيه فيكرهه، فإذا أُدني منه شَوَى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطَع أمعاءه حتى تخرج من دُبره، يقول الله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] ويقول: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] \". قال: حديث غريب.","vol":"5","page":438},{"text":"﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾؛ أي: أسبابُه مع الشدائد.\n﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ فيحيط به جميع الجهات، ففيه إطلاق المكان على الجهة تنصيصًا على أنَّ المراد أسباب العذاب الجسماني لا أسباب (^١) العذاب الرُّوحاني، وذلك لأنَّ الجهة قد تُوُسِّعَ فيها توسعًا شائعًا بخلاف المكان.\nوقيل (^٢): من كلِّ مكانٍ من جسده، حتى من أصول شعره وإبهام رجله.\n﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾؛ أي: ليس ممَّنْ فقدَ (^٣) الحسَّ والشُّعور حتى لا يتألَّمُ، والتَّجوُّز عنه بالميت سائغ شائع في كلام الفصحاء، وقد حسُن هاهنا موقعه؛ لِمَا في ظاهره من الإبهام إلى أنَّ موجب ما ذكر من مجيء أسباب الموت من جميع الجهات هو أن يكون ميتًا.\nومَن حمل الميت على حقيقته فقد نزَّل الكلام عن منزلته، والمناسب لإرادة (^٤) الحقيقة إيراده بصيغة المضارع، كما ورد في قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ١٣].\n﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾: من بين يديه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ في كلِّ وقت يستقبله؛ أي: يتلقَّى عذابًا أغلظ ممَّا كان قبله، ففيه دفع ما يسبق (^٥) إلى الوهم من أن يخفَّف عذابهم بالاعتياد، كما هو المعهود من عذاب أهل الدُّنيا.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"أسماء\".\n(^٢) \"وقيل\" من (م).\n(^٣) في (م): \"فاته\" وفي (ك): \"ليس له\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"لإيراد\".\n(^٥) في (ف): \"سبق\".","vol":"5","page":439},{"text":"<span id=\"aya-1768\"> </span>(١٨) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مبتدأٌ خبره محذوف؛ أي: فيما يُتلَى عليكم، والمثَلُ مستعارٌ للصفَّة التي فيها غرابة.\n﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ جملة مستأنفة لبيان مَثَلهم.\nوقيل: ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ بدل من المثل، على تقدير: مَثَلُ أعمالهم، والخبر ﴿كَرَمَادٍ﴾، ويجوز أن يكون الخبر هذه الجملة، كما ذُكر في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك: صفةُ زيد عِرضُه مصون وماله مبذول؛ أي: هذا الكلام.\n﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: حملته وأسرعَتْ في الذَّهاب به (^١).\nالاشتدادُ: الإسراعُ بالحركة على عظم الحقوة (^٢)، ومنه اشتدَّ به الوجع لأنَّه (^٣) أسرع إليه على قوَّةِ ألمٍ.\n﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ العصفُ: شدَّةُ الرِّيح، وصف به زمانه للمبالغة، كقوله: نهارُه صائمٌ وليلُه قائم.\nشبَّه مكارمهم؛ من صلة الأرحام، وعتق الرِّقاب، وفداء الأسارى، وإكرام الضِّيفان، وإغاثة الملهوفين، والإجارة، وأمثالِها، في حبوطها وكونِها هباءً منثورًا -\n_________\n(^١) \"به\" من (م).\n(^٢) لم أجد من ذكره.\n(^٣) في (ف): \"أنه\".","vol":"5","page":440},{"text":"لعدم ابتنائها على اعتقادٍ صحيحٍ من المعرفة والتَّوحيد والإيمان بالله تعالى وبرسوله ﵇ وباليوم الآخر - برمادٍ يَسفيه (^١) الرِّيح العاصف.\n﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ بأعمالهم.\n﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ التَّنكير للتَّقليل، والتعبير بالشَّيء للتَّحقير؛ أي: لا يترتَّب عليه أثر من الثَّواب وتخفيف العذاب؛ لحبوطه، وهو فذلكةُ التَّمثيل.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ضلالهم، وهو ابتناءُ أعمالهم على الشَّرك والتَّفاخر والرِّياء.\n﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن طريق الحقِّ والصَّوابِ، أو عن الثَّواب والخلاص عن العقاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1769\"> </span>(١٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾ خطاب لكلِّ واحدٍ من الكفرة على التلوين لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾، أو لكلِّ مخاطب على العموم، وفيه تعجيب.\n﴿أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: بالحكمة، وما يجب ويحقُّ أن يكون الأمرُ عليه.\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: مَنْ هو قادر على خلق السَّماوات والأرض، فهو قادر على أن يُعْدمكم ويخلقَ مكانكم خلقًا آخر، ولم يتوقف إلَّا\n_________\n(^١) في (ف): \"يسفها\"، وفي (م): \"نسفها\".","vol":"5","page":441},{"text":"على مشيئته، فإنَّ (^١) القدرةَ على خلق الأصول وما يتوقَّف عليه خلقُهم، ثم تغيير (^٢) الطبائع وتكوينهم منها وتصويرهم، دليل قاطعٌ على أنَّ إعدامهم وإنشاءَ خلق آخر غيرُ ممتنعٍ عليه، ولذلك عقَّبه بقوله:\n\n<span id=\"aya-1770\"> </span>(٢٠) - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.\n﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: بمتعذِّر أو متعسِّر، بل هو هيِّن عليه يسير؛ لأنّه قادر لذاته، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومَن هذا شأنه كان حقيقًا بأن يُتَّقَى ويُخاف ويُرْجَى ولا يُعْبَد إلَّا هو وحدَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1771\"> </span>(٢١) - ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.\n﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: يَبرزون له تعالى يوم القيامة من قبورهم لحساب الله تعالى وحُكمه، أو: يظهرون لله تعالى بأعمالهم وما كسبوا على خلاف ما حَسِبوا؛ لأنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ظنًّا منهم أن ذلك خافٍ على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشف غطاؤهم، وعلموا أن لا يخفى على الله تعالى منهم شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يتوارى عنه متوارٍ حتى ذرَّات الهباء، فذلك بروزهم عند أنفسهم بعد ما اعتقدوا خلافه، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، لا أنهم كانوا خافِين عليه فبرزوا في ذلك اليوم؛ إذ لا يخفى عليه\n_________\n(^١) في (م): \"وأن\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"تفسير\".","vol":"5","page":442},{"text":"خافيةٌ وقتًا مّا، وإنما أُبرز يَبرزون في صيغة ﴿وَبَرَزُوا﴾، لتحقق وقوعه، كأَنّه قد وقع وأُخبر عنه.\n﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾: الأتباع (^١) والعوامُّ، جمع ضعيف.\nقيل: يريد به ضِعاف الرأي. ولا دلالة عليه في الكلام، ولا هو مما يقتضيه المقام.\nوإنما كتبت بالواو على لفظِ مَن يفخِّم الألف قبل الهمزة فيُميلها إلى الواو.\n﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: لرؤسائهم الذين استتبعُوهم (^٢) واستغَوْوهم.\n﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ في تكذيب الرُّسل، والإعراضِ عن نصائِحهم، وهو جمع تابعٍ، كخدم وخادم، أو مصدرٌ نُعت به للمبالغة، وإضمارُ المضاف في مثل هذا لا يناسب البلاغة.\nوالظاهر أن هذه المحاورة كمحاورة آل فرعون المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ إلخ [غافر: ٤٧]، في النار لا في المحشر، فترتُّب قوله: ﴿فَقَالَ﴾ على المحذوف، لا على المذكور.\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾ استفهام معناه توبيخهم إيَّاهم وتقريعُهم، وقد علموا أنهم لن يغنوا شيئًا.\n﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للبيان واقعة موقع الحال، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول به؛ أي: بعضَ شيء هو عذاب الله؛ أي: كائنًا عذاب الله (^٣).\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"والأتباع\".\n(^٢) تحرفت في (ف) إلى: \"استعتبوهم\".\n(^٣) \"أي كائنًا عذاب الله\" من (م).","vol":"5","page":443},{"text":"أو كلاهما للتَّبعيض؛ أي: بعضَ شيء هو بعض عذاب، وتقديره: بعضَ شيء كائنًا بعضَ عذاب الله، فيكون الإعراب بحاله.\nأو الأولى مفعول والثانية مصدر؛ أي: بعضَ العذاب بعضَ الإغناء (^١).\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: المستكبرون لمَّا بكَّتهم أتباعُهم بما ذكر، وعلموا أنَّهم لا يقدرون على شيء من الإغناء، أجابوهم معتذرين إليهم عمَّا كان منهم:\n﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ للإيمان، وفَّقنا له ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ ولكنْ ضللنا فأَضللنا؛ أي: اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، أو: لو هدانا الله طريق النَّجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم كما عرَّضناكم له، ولكن سُدَّ دوننا (^٢) سبيلُ الخلاص.\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ مستويان عندنا الجزَع والصَّبر، الهمزة و﴿أَمْ﴾ لتأكيد التَّسوية، كما في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦].\nولمَّا كان عتاب الأتباع جزعًا عمَّا هم فيه قالوا لهم: ما هذا (^٣) الجزع؟ إنَّا مشتركون في العذاب كما كنَّا مشتركين في الضَّلالة، ولا ينفعا الجزع كما لا ينفعنا الصبر (^٤).\nوالجزعُ: إزعاجُ النَّفس بورود ما يغمُّ، ونقيضه الصَّبر، قال الشاعر:\nفإنْ تَصْبرا فالصَّبرُ خيرُ مغبَّة (^٥) … وإنْ تَجْزعا فالأمرُ ما ترَيان (^٦)\n_________\n(^١) في (م): \"الغناء\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"سددونا\"، وفي (م): \" ددنا\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٩٧).\n(^٣) في (م): \"هذه\".\n(^٤) \"كما لا ينفعنا الصبر\" من (م).\n(^٥) في (ك): \"بغية\".\n(^٦). . . و\"محاضرات الأدباء\" (٢/ ٥٢٥). [تعليق الشاملة: سقط أول الهامش من المطبوع]","vol":"5","page":444},{"text":"﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾: مَنْجًى ومهربٍ من العذاب، من الحَيْص: وهو العدول على جهة الفِرار؛ إمَّا اسم مكان كالمبيت والمصِيف، أو مصدر كالمغيث والمشيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1772\"> </span>(٢٢) - ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ خطيبًا في الأشقياء من الثَّقلَيْن ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: قُطع وفرغ منه، وهو الحساب، ودخل أهلُ الجنَّةِ الجنّةَ وأهلُّ النَّارِ النَّارَ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ وعدًا حقًّا لا خُلف فيه، فوفَّى لكم وأنجزه، وهو البعث والجزاء.\n﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعدَ الباطل، وهو أنْ لا بدثَ ولا حسابَ، وإنْ كانا فالأصنام تشفع لكم.\n﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ جعل تبيُّنَ خلافَ ظاهر ما وعدهم إخلافًا، حُذف من الجملة الأولى ما أُثبت مقابِلُه في الجملة الثانية، ومن الثانية ما أُثبت مقابلُه (^١) في الأولى، وهذا من لطائف الإيجاز، التي بها يرتقي الكلام إلى ذروة الإعجاز.\n﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾: من تسلُّط وقسر فأُلجئكم إلى الكفر والمعاصي.\n_________\n(^١) قوله: \"في الجملة الثانية ومن الثانية ما أثبت مقابله\" ليس في (م)","vol":"5","page":445},{"text":"﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾: إلَّا دعائي إيَّاكم إلى الضَّلالة بوسوستي وتسويلي، وهذا الاستثناء على طريقة قوله:\nتحيَّةُ بينِهم ضربٌ وَجيعٌ (^١)\nلأنَّ الدُّعاء ليس من جنس السُّلطان، بل المرادُ نفي السُّلطان على آكَدِ الوجوه، كأنَّه قال: إنْ كانَ مجرَّد الدُّعاء سلطانًا كانَ لي عليكم سلطان.\n﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾: أسرعتُم إجابتي ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ بوسوستي وإضلالي.\nوقرئ: (فلا يلوموني) (^٢)، على طريقة الالتفات، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].\n﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيث اغتررتم بمجرَّد دعائي بلا حجَّة ودليل، فأطعتموني ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم على حُجَجٍ وبيِّنات.\nلم يُرِد أنَّه (^٣) لا يستحقُّ الملامَة، بل يقول: لومُكم أنفسكم أولى بكم؛ إذ أنتم أهلكتم أنفسكم بإجابتكم لي طوعًا.\nولا دلالة فيه على استقلال العبد في أفعاله؛ إذ يكفي في استحقاقه الملامةَ أن\n_________\n(^١) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب، كما في \"النوادر\" لأبي زيد (ص: ١٥٠). وهو كثير الدوران في التفاسير والحواشي التي تعنى بالمعاني كـ\"الكشاف\" و\"المحرر الوجيز\" و\"البحر\"، و\"فتوح الغيب\" و\"نواهد الأبكار\" و\"حاشية الشهاب\"، و\"روح المعاني\"، وصدره:\nوخيلٍ قد دلفتُ لها بخيل\n(^٢) نسبت لمبشر بن عبيد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).\n(^٣) في (ف): \"لأنَّه\".","vol":"5","page":446},{"text":"يكون لقدرته الكاسبة مدخلًا فيه (^١)، ومَن قال (^٢): وهذا دليل على أنَّ الإنسان هو الذي يختار الشَّقاوة والسَّعادة ويحصِّلهما لنفسه، وليس من الله إلَّا التَّمكين، ولا من الشَّيطان إلَّا التَّزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبِرة (^٣) لقال: فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإنَّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه= فقد خلَّط في كلامه، وخَبط في تمشية مرامه؛ فإنَّ ما ذكره أوَّلًا يساعده (^٤) فيه أهل الحقِّ، وما ذكره ثانيًا وهو مذهب الباطل لا يساعده الشَّيطان أيضًا، وقد نبَّهْت فيما سبق على أنَّه لا دلالة في كلامه عليه، وما ذكره أخيرًا إنَّما يتَّجه على الجبريَّة، لا على أهل الحقِّ القائلين: لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين ذلكَ.\n﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾: بمغيثِكم من العذاب ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾: بمغيثيَّ منه.\nوقرئ بكسر الياء (^٥)، وقد طعن ناسٌ فيه، ولا ينبغي أن يُلتَفَتْ إليه؛ لأنَّها قراءةٌ متواترة، نقلَها السَّلف واقتفى آثارَهم الخلف، وقد نصَّ قُطْربٌ (^٦) على أنَّه لغةُ بني يربوع.\n_________\n(^١) أي: في فعله. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٩٧)، وفيه: (واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله، وليس فيها ما يدل عليه، إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا).\n(^٢) هو الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٥٥٠).\n(^٣) يعني: أهل السنة الملقبين عند الزمخشري بالمجبرة، وهو مبني على عدم الفرق عنده بين مذهبهم وبين مسلك المجبرة في الحقيقة. انظر: \"روح المعاني\" (١٣/ ٢٦٤). وسيأتي التفريق بينهما قريبًا.\n(^٤) في (ف): \"ساعده\".\n(^٥) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (٢: ١٣٤).\n(^٦) انظر: \"مشكل إعراب القرآن\" لمكي بن أبي طالب (١/ ٤٠٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٢/ ١٣٠)، وحاشية الطيبي على \"الكشاف\" المسماة: \"فتوح الغيب\" (١٠/ ١٥١).","vol":"5","page":447},{"text":"﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ (ما) مصدرية، و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾؛ أي: كفرت اليوم بإشراككم إيَّايَ بالله من قبل هذا اليوم في الدُّنيا، بمعنى: بَرِئْتُ منه واستنكرته، كقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾.\nأو موصولة و﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿كَفَرْتُ﴾، و(ما) هذه كالتي في قوله: سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا؛ أي: كفرْتُ بالذي أشركتُمونيه - وهو الله تعالى - بطاعتكم فيما دعوتُكم إليه من عبادتكم الأصنام وغيرها من قبل إشراكِكم، حيث أبيتُ السُّجود لآدم.\nوأشركَ: منقولٌ مِنْ شركْتُ زيدًا؛ للتَّعدية إلى مفعول ثان.\n﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تتمَّة كلامه، أو ابتداء (^١) كلامٍ من الله تعالى، وفي حكاية قول إبليس في ذلك الوقت إيقاظ للسَّامعين، وتنبيه لهم على ما سيَؤول إليه أمرهم؛ ليحترِزوا اليومَ عن مكائده، ويتعوَّذوا الله تعالى من تسويلاته، ويُخلصوا فيتخلَّصوا (^٢) عن تسليطه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1773\"> </span>(٢٣) - ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.\n﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿وَأُدْخِلَ﴾؛ أي: أدخلتْهم الملائكة الجنّةَ بإذن الله تعالى\n_________\n(^١) في (م): \"أو مبتدأ\".\n(^٢) \"فيتخلصوا\" سقط من (ف).","vol":"5","page":448},{"text":"وأمره، أو بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، وهذا متعيِّن على قراءة: (وأُدْخِلُ) على المتكلِّم (^١)، وقد مَرَّ في سورة التوبة (^٢) ما يتعلَّق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾.\n﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾؛ أي: تحيَّة بعضهم بعضًا، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يعني: في الجنَّة ﴿سَلَامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]، وأمَّا تحيَّة الملائكة فلا يناسبها التَّقييد بقوله: ﴿فِيهَا﴾؛ لوقوعها من خَزَنة الجنَّة - وهم من الملائكة - قبل الدَّخول فيها، قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1774\"> </span>(٢٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ قد تقدَّم الكلام فيه في أوائل سورة البقرة.\n﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ بدلٌ من ﴿مَثَلًا﴾ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ صفةٌ لها أو خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي كشجرة، أو منصوبٌ (^٣) بفعل مقدَّر؛ أي: جعل كلمةً طيِّبة كشجرة طيِّبة، والجملة مفسِّرة لقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، أو أوَّلُ مفعولَيْ ﴿ضَرَبَ﴾، و﴿مَثَلًا﴾ ثانيهما، إجراء لـ ﴿ضَرَبَ﴾ مُجرى: جَعَل.\nوقرئ: (كلمةٌ) بالرَّفع على الابتداء (^٤).\n_________\n(^١) نسبت للحسن وعمرو بن عبيد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٦١).\n(^٢) \"في سورة التوبة\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"منصوبة\".\n(^٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٩٨)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ١٦٩).","vol":"5","page":449},{"text":"﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ في الأرضِ، ضاربٌ بعروقه فيها.\n﴿وَفَرْعُهَا﴾؛ أي: أعلاها ورأسُها، أو: فروعُها؛ أي: أفنانها، على الاكتفاء بالجنس لاكتسابه الاستغراقَ من الإضافة.\n﴿فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: صاعدٌ في جهة العلوِّ، حُذف من الجملة الأولى ما أُثبت مقابِلُه في الجملة الثانية، ومن الثانية ما أُثبت مقابله في الأولى (^١).\nوعبارة ﴿فِي﴾ أبلغ من (إلى) إذا أريد (^٢) المبالغة في الارتفاع.\nوقرئ: (ثابتٍ أصلُها) (^٣)، والأوَّل على أصله، ولذلك قيل: إنه أقوى؛ لأن المخبَر عنه بالأصالة هو الأصل لا الشجرة، وإذا أجربت الصفة على الشجرة كان القصد إلى ثبوت الشجرة بأصلها، فلم تقوَ قوتَها حين كانت جملةً واقعة صفتَها، ولكن على الثَّاني هو جارٍ على ما هو له، فهو أقوى في إثبات ما هو له، وهو ظاهر إذا كان المقصود إثباتَ الوصف على سبيل القوَّة كما نحن فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1775\"> </span>(٢٥) - ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾: تعطي ثمرتها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾: كلَّ وقتٍ.\n_________\n(^١) في هامش (م): \"كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ﴾ إلخ، وقد مرَّ بيانه في هذه السورة. منه\".\n(^٢) في (ف): \"أريد به\".\n(^٣) نسبت إلى أنس بن مالك ﵁. انظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٦٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٥٣).","vol":"5","page":450},{"text":"قد وردَ في الخبر عن خير البشرِ أنَّ المرادَ من الشجرة هي النَّخلة (^١)، أُكلُها الطَّلع والبُسْر والرُّطَب والتَّمر فهو دائم لا ينقطع، وكذا حال المؤمن لا يخلو وقتًا مِن الأوقات مِن خيرٍ.\nومَن لم يتنبَّه لهذا قال: كلَّ وقتٍ وقَّته (^٢) اللهُ لإثمارها.\n﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: بتيسير خالقها ومدبِّرها.\n﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ لأنَّ في ضربها زيادةَ إفهامٍ (^٣)، وتصويرًا (^٤) للمعاني في صُوَرٍ مشاهدةٍ، وإدناءً للمعقولِ مِنَ المحسوس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1776\"> </span>(٢٦) - ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾.\n﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ﴾: كمَثَل شجرة ﴿خَبِيثَةٍ﴾؛ أي: صفتُها كصفتها.\n﴿اجْتُثَّتْ﴾: استؤصلت. والاجتثاثُ: أخذُ الجثَّة بالكليَّة.\n﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ لأن عروقها قريبة منه.\n﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾: استقرارٌ وثبات.\nاختلفت كلماتهم في الكلمة؛ ففسِّرت الكلمة الطَّيبة بكلمة التَّوحيد ودعوةِ الإسلام والقرآن، والكلمةُ الخبيثة بالإشراك بالله تعالى والدُّعاء إلى الكفر وتكذيبِ الحق.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦١)، ومسلم (٢٨١١)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) في النسخ: \"وقتها\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٥٥٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٩٨).\n(^٣) في (ف): \"إفهامها\".\n(^٤) في (م): \"وتصوير\".","vol":"5","page":451},{"text":"والأَولى أن يُفسَّر كلٌّ منهما بما يَعمُّ الكلَّ، فيقالُ: الكلمة الطَّيبة: ما أَعرب عن حقٍّ أو دعا إلى صلاح، والكلمة الخبيثة: ما كان على خلاف ذلك.\nوقد مرَّ تفسير الشجرة الطَّيبة، وفُسِّرت الشجرة الخبيثة بالحنظلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1777\"> </span>(٢٧) - ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.\n﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الذي ثبَتَ (^١) بالحجَّة عندهم، وتمكَّن في قلوبهم واعتقدوا اعتقادًا يمتنع (^٢) زواله.\n﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وتثبيتُهم به في الدنيا: أنهم إذا افتُتنوا (^٣) في الدِّين لم يزلُّوا؛ كزكريا ويحيى وجرجيسَ وشمعونَ والذين فتَنهم أصحاب الأخدود.\n﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وتثبيتُهم فيها: أنهم إذا سئلوا عن معتقَدهم في الموقف لم يَتلعثموا ولم تدهشهم أهوال القيامة.\nوقيل: معناه: الثبات عند سؤال القبر، وروي (^٤) فيه الخبر المرفوع (^٥).\n﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالاقتصار على التَّقليد، فلا يهتدون إلى الحقِّ، ولا يَستثبتون (^٦) في مواقف الفتن.\n_________\n(^١) في (ف): \"تثبت\".\n(^٢) في (ك): \"يمنع\".\n(^٣) في (ك): \"فتنوا\"، وفي (م): \"أفتنوا\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"ورد\".\n(^٥) رواه البخاري (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١)، من حديث البراء ﵁.\n(^٦) في (م): \"يتثبتون\".","vol":"5","page":452},{"text":"﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنْ تثبيتِ بعضٍ بالهداية، وإذلالِ آخرين بالإضَّلال (^١)، من غير اعتراض عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1778\"> </span>(٢٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تنظر ﴿إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: شكرَ نعمةِ اللهِ ﴿كُفْرًا﴾ بأنْ وضعوه مكانه، أو: بدَّلوا نفسَ (^٢) نعمةَ الله كفرًا؛ فإنَّهم لَمَّا كفروها سُلِبَتْ (^٣) منهم، فصاروا تاركين لها، محصِّلين الكفر بدلها، كأهل مكَّة؛ خلقهم الله تعالى، وأسكنهم حرَمه، وجعلهم قوَّام بيته، ووسَّع عليهم أبواب رزقه، وشرَّفهم بمحمَّد ﷺ، فكفروا ذلك، فقُحِطوا سبع سنين، وأُسروا وقتلوا يوم بدر، وصاروا أذلَّاء مسلوبين النِّعمةَ موصوفين بالكفر.\n﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الذين تابعوهم في الكفر ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: دار الهلاك بحملهم على الكفر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1779\"> </span>(٢٩) - ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.\n﴿جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان لها ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ حال منها، أو من القوم؛ أي: داخلين فيها مُقاسين لحرِّها، أو مفسِّرةٌ لفعلٍ مقدَّر ناصبٍ لـ ﴿جَهَنَّمَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"بالضلال\".\n(^٢) \"نفس\" من (م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"وسلبت\".","vol":"5","page":453},{"text":"﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ المخصوصُ بالذَّم محذوف، تقديره: وبئس القرارُ (^١) هيَ: أي: جهنَّم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1780\"> </span>(٣٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذي هو التَّوحيد (^٢). وقرئ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بفتح الياء (^٣).\nجعل الضلال أو الإضلال غرضَهم من اتِّخاذ الأنداد على سبيل التَّشبيه والتَّقريب؛ لأنَّه لازِمُه ونتيجتُه، كالإكرام الذي هو نتيجةُ المجيء في قولك: جئْتُكَ لتكرمَني، فأُدخل عليه اللام وإن لم يكن غرضًا في الحقيقة.\n﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ بشهواتكم، أو: بعبادة الأوثان؛ فإنها من قبيل الشَّهوات التي يُتمتَع بها.\nوفيه تهديدٌ بليغٌ؛ جعلَ انهماكهم في الشَّهوات وتهالُكهم على الشِّرك واللَّذات كامتثال مأمورٍ مطيعٍ لأمرِ آمِرٍ (^٤) مُطاعٍ، لا يسعُه أن يخالفَه، ولا يملك لنفسه أمرًا دونه؛ لانغماسهم في التَّمتُع بها، وانجذابهم إليها، بحيث لا يعرفون غيره، ولا يريدون سواه، ولا يرفعون رأسًا إلى ما عدَاه، فقيل: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ على لفظ الأمر.\n_________\n(^١) \"المخصوص بالذم محذوف تقديره وبئس القرار\" سقط من (م).\n(^٢) \"التوحيد\": زيادة من (م).\n(^٣) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٤).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"لآمر آخر\".","vol":"5","page":454},{"text":"وفي قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ إيذانٌ بأنَّ المهدَّد به (^١) كالمطلوب لهم، حتى جُعل المتهدَّد عليه المستلزِمُ له كالمطلوب منهم لجِدِّهم فيه، كأنه (^٢) قيل: جِدُّوا ولا تقصِّروا فيه فإنَّكم إنْ داومتُم عليه فإنَّ مطلوبكم حاصلٌ، ولا يخفى ما فيه من التَّهكُّم مع شدَّة الوعيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1781\"> </span>(٣١) - ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾.\n﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تخصيصُهم بالإضافة إلى نفسه تنويهٌ لهم، وتنبيهٌ على أنهم هم القائمون بحقوق العبوديَّة، ولهذا رتَّب إقامتهم الصَّلاةَ وإنفاقَهم على الأمر جوابًا له، فقال:\n﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ إيذانًا بأن فعلهم لا ينفكُّ عن أمر الرَّسول؛ لفرط مطاوعتهم له، وتحقُّق عبوديتهم لله تعالى، وأنَّه كالسَّبب الموجِب لفعلهم.\nومفعولُ ﴿قُلْ﴾ محذوفٌ دلَّ عليه جوابه؛ أي: قل لعبادي أقيموا الصلاة وأنفقوا، وقيل: المقول ﴿يُقِيمُوا .. وَيُنْفِقُوا﴾، بمعنى: ليُقيموا وينفقوا، وإنما جاز حذف لام الأمر لدلالة الأمر عليه.\n﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ نصبًا على الحال؛ أي: ذوي سرٍّ وعلانية، بمعنى: مسرِّين ومعلِنين، أو على الظَّرف؛ أي: وقتي سرٍّ وعلانية، أو على المصدر؛ أي: إنفاقَ سرٍّ وعلانية.\n_________\n(^١) \"به\" سقط من (ف).\n(^٢) في (م): \"فكأنه\".","vol":"5","page":455},{"text":"والأحبُّ في الإنفاق إخفاءُ المتطوَّع به والإعلان بالواجب.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فيبتاعَ المقصِّر ما يتدارك [به] تقصيره، أو (^١) يفتدي به نفسَه.\n﴿وَلَا خِلَالٌ﴾: ولا (^٢) مخالَّة، فيشفعَ له خليل.\nأو: من قبل أن يأتي يوم لا انتفاعَ فيه بمبايعةٍ ومخالَّة، وإنما يُنتفع فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى (^٣).\nوقرئ بالفتح فيهما (^٤)، على النَّفي العام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1782\"> </span>(٣٢) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مبتدأ وخبر.\n_________\n(^١) في (ف): \"أي\"، والمثبت هو الموافق لما في \"تفسير البيضاوىِ\" (٣/ ١٩٩)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (ف): \"لا\".\n(^٣) في هامش (م): \"قال الفخر الرازي: ونظيره قوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فإن قيل: كيف نفَى المُخالَّةَ في هاتين الآيتين مع أنه تعالى أَثبتها في قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]؟ قلنا: الآية الدالَّةُ على نَفْي المُخَالَّةِ محمولة على نفي المُخَالَّة بسببِ ميلِ الطبيعةِ ورغبةِ النَّفْس، والآيةُ الدالَّةُ على ثبوتِ المخالَّةِ محمولةٌ على حصولِ المخالَّةِ الحاصلةِ بِسببِ عبوديَّةِ الله تعالى ومحبَّةِ اللهِ تعالى والله أعلم\".\n(^٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالفتح من غير تنوين، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٢).","vol":"5","page":456},{"text":"﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ﴾؛ أي: بالماء، والفاء لتسبُّب الإخراج بالإنزال (^١).\n﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تعيشون به، وهو يشمل المطعوم والملبوس، مفعول لـ (أخرج)، و﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ بيانٌ له، حال منه، أو بالعكس، ويجوز أن يكون ﴿رِزْقًا﴾ نصبًا على المصدر من (أخرج)؛ لأنَّه في معنى: رَزَق، أو على المفعول له.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾: بمشيئته إلى حيث توجَّهْتُم.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ بجعلها معدَّةً لانتفاعكم وتصرُّفكم.\nوقيل: تسخيرُ هذه الأشياء: تعليم كيفيِّة اتِّخاذها.\nوقوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلِّق بالمعطوفين؛ كـ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ١٥٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1783\"> </span>(٣٣) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾: يَدْأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاحِ ما يصلحانه من المكوِّنات.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان لسُباتكم ومعاشكم.\nذكر أنواع النِّعم، وأبرز كلًّا منهما في جملة مستقلَّة؛ تنويهًا لشأنها، وتنبيهًا على عظم مكانها.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"بإنزال\".","vol":"5","page":457},{"text":"<span id=\"aya-1784\"> </span>(٣٤) - ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.\n﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾: من كلِّ شيءٍ سألتُموه (^١) بلسان الحال والاحتياج؛ ليُصلح به معاشكم ومعادكم، على أن ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.\nويجوز أن يكون السؤال على ظاهره، على أنَّ عبارة ﴿كُلِّ﴾ للتَكثير والتَّفخيم لا للإحاطة والتَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤].\nوحملُ ﴿مِنْ﴾ على التَّبعيض يُفضي إلى إخلاء لفظ ﴿كُلِّ﴾ عن فائدةٍ زائدة؛ لأن ﴿مَا﴾ نصٌّ في العموم، بل يُوهم إيتاء البعض مِن كلِّ فردٍ يتعلَّق به السؤال، ولا وجهَ له (^٢).\nومَن قال في تفسيره حينئذ: يعني: من كلِّ شيءٍ سألتُموه شيئًا، فإن الموجود من كلِّ صنفٍ بعضَ ما قدَّره (^٣) الله تعالى، فقد أتى في تعليله بما (^٤) لا يناسب المعلَّل، لأن الكلام في أنَّ المحصولَ بعضُ المسؤول (^٥)، فكونه بعضَ المقدور لا يجدي نفعًا في بيانه.\nوقرئ: (مِنْ كُلٍّ) بالتنوين (^٦)، و﴿مَا﴾ في محل النَّصب بالمفعوليَّة، أو نافية،\n_________\n(^١) \"من كل شي سألتموه\" من (م).\n(^٢) ودفع اعتراض المؤلف بما ذكره الآلوسي في \"روح المعاني\" (١٣/ ٢٩٨) فليراجع ثمة.\n(^٣) في (ف): \"قدر\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"ما\".\n(^٥) في (ك): \"السؤال\".\n(^٦) نسبت لابن عباس والحسن وجعفر بن محمد وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨).","vol":"5","page":458},{"text":"ومحل ﴿مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ نصبٌ على الحاليَّة (^١)؛ أي: آتاكم من كلِّ شيء غيرَ سائليه.\n﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تَستوفوا عدَّها، كما قال: \"مَنْ أحصاها دخلَ الجنَّة\" (^٢)، يعني: أنها غير قابلة للإحصاء لعدم تناهيها\" فإنَّ نعمة النَّفع وإن كانت أفرادُها متناهيةً لدخولها تحت الوجود، وكذا نعمة الدَّفع؛ أي: دفع الضَّرر ماليًّا كان أو بدنيًّا، ولكن نعمة الدَّفع غير متناهية.\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ يظلم النِّعمةَ بإغفال شكرها، أو يظلم نفسَه بأن يعرِّضها للحرمان باستعمالها لا فيما ينبغي (^٣) ولا فيما يُبتغَى به وجه الله تعالى.\n﴿كَفَّارٌ﴾: شديد الكفران لها.\nوقيل: ﴿لَظَلُومٌ﴾ في الشدَّة (^٤) يشكو ويجزع، ﴿كَفَّارٌ﴾ في النِّعمة يَجمع ويمنع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1785\"> </span>(٣٥) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾: بلدَ مكَّة ﴿آمِنًا﴾: ذا أمنٍ لمن فيها.\nوالفرق بينه وبين قوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ [البقرة: ١٢٦]: أنه سأل ثمَّة أن يجعله من جملة البلاد الآمن أهلُها، وهاهنا أن يزيل الخوف عنه ويصيِّره ذا أمن، وذلك لأنَّ محطَّ الفائدة هو المفعول الثَّاني الكائن بمنزلة الخبر.\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"الحال\".\n(^٢) رواه البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) في (ف): \"فيما لا ينبغي\".\n(^٤) في (ف): \"ظلوم في شدة\".","vol":"5","page":459},{"text":"﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾: بعِّدني وإيَّاهم ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ واجعلنا منها في جانب.\nوقرئ: (وأَجْنِبْنِي) على لغة نجد (^١)، وأما أهل الحجاز فيقولون: جنَبني شرَّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1786\"> </span>(٣٦) - ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ فلذلك سألتُكَ أن تعصمني وبنيَّ. وإسناد الإضلال إلى الأصنام مجازيٌّ؛ لأنهنَّ السَّبب في ضلالهم، كقوله: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠].\nولما توجَّه أن يقال: أتخصِّص طلب العصمة عن الضَّلال؟ تدارك دفع هذا السُّؤال بقوله:\n﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ بالسُّلوك في الصِّراط المستقيم، والتَّمسُّك بالدِّين القويم.\n﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ أي: بمنزلةِ بعضي، فيشمل له طلبي للعصمة، فكأنه قال: ولا أخصِّص طلب العصمة بهم، فإنَّ مَنْ تبعني فهو في حكمهم بحكم أنَّ النَّبيَّ أبو أمَّته، فالفاء التَّعليلية للعطف على محذوف يقتضيه المقام، ويستدعي تقديرَه انتظامُ الكلام.\nفانظر إلى حسن نظم (^٢) هذا المقال، ولطفِ طلب الإمهال، لسائر الأشياع وعامَّة الآل، بقوله:\n_________\n(^١) نسبت لعيسى الثقفي وابن يعمر والجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٦٣)، و\"البحر\" (١٣/ ١٩٤).\n(^٢) \"نظم \"ليست في (ف).","vol":"5","page":460},{"text":"﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ فيه طباقٌ معنويٌّ؛ لأنَّ التَّبعيَّة طاعة.\n﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ﴾ تسترُ عليه ذنبَه ﴿رَحِيمٌ﴾ تمهله فلا تعاجِله بالعذاب، وهذا على وَفق ما أخبر به تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، فلا دلالةَ فيه على أنَّ الله تعالى يغفر الشِّرك كما زعمه مَن قال في تفسيره: يقدر أن يغفر له ويرحمه ابتداءً أو بعد التَّوفيق، وفيه دليل على أنَّ كلَّ ذنب فللَّه أن يغفره حتى الشِّرك، إلَّا أنَّ الوعد فرَّق بينَه وبينَ غيره (^١).\nثم إنَّه لم يدرِ أنَّه بالتَّرديد المذكور قد هدمَ مبنى تلك الدّلالة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1787\"> </span>(٣٧) - ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿رَبَّنَا﴾ كرَّر النِّداء رغبةً في الإجابة، وإظهارًا للتَّذلُّل (^٢)، وأتى بضمير الجماعة لأنَّه تقدَّم ذِكْرُه وذِكْرُ (^٣) بنيه.\n﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: بعضَ أولادي، وهم إسماعيل ﵇ وأولاده؛ فإنَّ إسكانه متضمِّن لإسكانهم.\n﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يعني: وادي مكَّة شرَّفها الله تعالى؛ لأنها حجريَّة لا (^٤) تُنبت.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٠).\n(^٢) في (ك) و(م): \"وإظهار التذلل\".\n(^٣) في (ف): \"تقدم ذكر بنيه\".\n(^٤) في (ف): \"ولا\".","vol":"5","page":461},{"text":"والوادي: سفحُ الجبل، ومن ذلك قيل للأنهار العِظام: أودية؛ لأن حافاتها كالجبال لها.\nوالزَّرع: كلُّ نبات يتفرَّش من غير ساقٍ.\n﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ هو الكعبة شرَّفها الله تعالى، والإضافة إليه تعالى للتَّشريف، وتوصيفه بالمحرَّم لأنّه تعالى حزَم التَّعرُّض له والتَّهاوُن به، وجعل ما حوله حرمًا لمكانه.\nقوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ إخبارٌ عن صرف (^١) توكُّله وصدق تفويضه، وقو له: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾ بيان أنه رأى الرِّفقَ في الجوار لا في المبارِّ.\n﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اللام بمعنى: (كي)، متعلِّقة بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾؛ أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع إلَّا ليقيموا الصَّلاة عند بيتك المحرم.\nوقيل: هي لام الأمر، والمراد هو الدُّعاء لهم بإقامة الصَّلاة، كأنه لَمَّا أسكنهم هناك طلبَ منهم إقامة الصَّلاة، وسأل الله تعالى أن يوفّقهم لها.\nوتكريرُ (^٢) النِّداء وتوسيطُه للإشعار بأنَّها المقصود بالذَّات من إسكانهم ثمَّة، والمقصود من الدُّعاء توفيقُهم لها.\n﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾: ذوي أفئدةٍ ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض، قيل: لو لم يقل: ﴿مِنَ﴾ لازدحموا عليها فارس والرُّوم والتُّرك والهند، أو لابتداء الغاية كقولك: القلب منِّي سقيم؛ أي: قلبي.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"من صدق\"، وفي (م): \"من صرف\"، والكلام من \"لطائف الإشارات\" (٢/ ٢٥٦)، وفيه: (عن صدق).\n(^٢) في (م): \"وتكرر\".","vol":"5","page":462},{"text":"وقرئ: (آفدة) (^١)، وهي مقلوبُ أفئدة، كآدُرٍ في أدوُر (^٢)، وإمَّا اسم فاعل من أَفِدت الرِّحلة: إذا عَجِلت؛ أي: جماعةً يَعْجلون نحوهم.\nوقرئ: (أَفِدةً) (^٣)؛ إمِّا تأنيث أَفِدٍ بوزن خَشِنٍ، وإمَّا تخفيف (أفئدة) بطرح الهمزة، وإن كان الوجه إخراجُها بينَ بينَ.\n﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقًا، وأصل الهُوِيِّ أن يكون من عُلوٍ، ويلزمه السُّرعة.\nوقرئ: (تُهْوَى) على البناء للمفعول (^٤)، من هَوَى إليه وأهواه غيرُه.\nو: (تَهوَى إليهم) (^٥) من هَوِيَ يَهْوَى: إذا أحبَّ، ضمِّن معنى تَنْزع فعُدِّي تعديته.\n﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ مع سُكناهم في وادٍ لا نبات فيه.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ تلك النِّعمة.\nفأجاب الله تعالى دعوته، فجعله حرمًا آمنًا يحيى إليه ثمرات كلِّ شيء، وتُجلب إليه من كلِّ ناحية، حتى يجتمعُ فيه البواكير والفواكه الربيعيَّة والصيفيَّة والخريفية (^٦) في يومٍ واحدٍ.\n* * *\n_________\n(^١) رويت عن ابن كثير في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٩).\n(^٢) أدور: جمع دار.\n(^٣) نسبت لعيسى بن عمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٩).\n(^٤) نسبت لمسلمة بن عبد الله. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٩). لكنَّه نصَّ أنَّها بالياء وفتح الواو. وانظر: \"المحتسب\" (١/ ٣٤٦).\n(^٥) نسبت لجعفر بن محمد ومجاهد اليماني. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٩).\n(^٦) في (ف): \"والفواكه الشتوية والصيفية\".","vol":"5","page":463},{"text":"<span id=\"aya-1788\"> </span>(٣٨) - ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.\n﴿رَبَّنَا﴾ كرَّره تضرعًا والتجاءً إلى الله تعالى، وإظهارًا للافتقار إليه، واستلذاذًا وذوقًا من مناجاته.\n﴿إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ قدَّم ﴿مَا نُخْفِي﴾ على ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ تفاديًا عن أسلوب التَّرقي؛ لأنَّ مبناه على التَّفاوت في علمهما، وهو منتفٍ في حقِّ الخالق؛ أي: تعلمُ السِّرَّ كما تعلم العلَنَ، لا تفاوت بينهما في علمك، فأنت أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منَّا، فلا حاجة بنا إلى السُّؤال، ولكنَّا ندعوك إظهارًا للعبوديَّة والتَّذلُّل والتَّخشُّع لك، وامتثالًا لأمرك، وافتقارًا إليك وإلى رحمتك، واستعجالًا لنيل ما عندك.\nوقيل: ﴿مَا نُخْفِي﴾ مِن وَجِد الفُرقة، و﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ من البكاء والدعاء.\n﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الظَّاهر أنَّه من كلام إبراهيم ﵇ على طريقة الالتفات؛ تأكيدًا لقوله، وتبيينًا له بالبرهان، وتعظيمًا لله تعالى بإظهار اسمه، وتقريرًا للحكم، كأنَّه قال: وكيف لا تعلم وأنت الله، والله هو العالم بالغيب كلِّه، لا يخفى عليه خافية؟ و﴿مِنْ﴾ للاستغراق.\nوإنْ جُعل من كلام الله تعالى كان تصديقًا منه لإبراهيم ﵇ على طريقة الاعتراض بين حكاية قوله، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤].\n﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ عبَّر عن العالَم بقُطريه.","vol":"5","page":464},{"text":"<span id=\"aya-1789\"> </span>(٣٩) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ في موضع الحال؛ أي: وهبَ لي وأنا كبير، يعني: كانت الهبة في حال الشَّيخوخة، وبعدَ استمراري عليها، فللدلالة على أنَّ هبة الولد له لم تكن في ابتداء دخوله في سنِّ الشَّيخوخة، بل كانت بعد ما استمرَّ برهة من الزَّمان عليها، أتى بلفظة: ﴿عَلَى﴾.\nروي عن سعيد بن جبير ﵁: أنَّه لم يُوْلَد لإبراهيم ﵇ إلَّا بعد مئة وسبع عشرة سنة، وتقييد الهبة بحال الكبر استعظام للنِّعمة، وإظهار للقدرة، وشكر لِمَا هو فيه من المنَّة، فإنَّ الظَّفر بالحاجة عند وقوع اليأس أعظم وأجلُّ (^١)، ولأنها في ذلك كانت آيةً بينة له ﵇.\n﴿إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ كان إسماعيل ﵇ أكبر من إسحاق ﵇، فلهذا قدمه عليه.\n﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: لمجيبُه، من قولك: سمع الملكُ كلامَ فلان: إذا اعتدَّ به وقَبِلَه، ومنه: \"سمعَ اللهُ لمن حمدَه\".\nكان ﵇ قد دعا ربَّه وسأله الولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] (^٢)، فهو من تتمَّة الشُّكر حمدًا لله تعالى على موهبة الولد، ورأى المنَّة عليه في قَبول دعائه السَّابق، فموقعُ قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وتذييلِه موقع الاعتراض؛ تأكيدًا لِمَا قدَّمَه مِنَ الطَّلب بتذكير (^٣) ما عهد من الإجابة يتوسَّل إليه تعالى سابق نعمته في شأنه.\n_________\n(^١) في (ك): \"وأحلى\".\n(^٢) في هامش (م): \"فكأنه غفل عن هذا التصريح من قال: فيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد. منه\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"يتذكر\".","vol":"5","page":465},{"text":"والسَّميعُ: مِنْ أبنية المبالغة، مضاف إلى مفعوله، مُعمَلًا عملَ فعله، كقولهم: هذا ضرَّابٌ أخاه، ويجوز أن يكون من إضافة الصِّفة إلى فاعلها على أن يُجعل دعاءُ الله سميعًا مجازًا عقليًّا، والمراد: سماع الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1790\"> </span>(٤٠) - ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾.\n﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ معدِّلًا لها، مواظبًا عليها.\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ عطف على المنصوب في ﴿اجْعَلْنِي﴾، أي: بعضَ ذرِّيتي، وإنَّما بعَّضَها لأنَّه ﵇ علم بإعلام الله تعالى إيَّاه أنَّ في ذرَّيته كفَّارًا، وذلك قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].\n﴿رَبَّنَا﴾ تكرير للمنادى، فلا يمنع عطف قوله: ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾: واستجب دعائي، أو: تقبَّل عبادتي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1791\"> </span>(٤١) - ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.\n﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾: ولأبويَّ، وقد تقدَّم عذر استغفاره لهما.\nوقرئ: (ولوَلَديَّ) (^١)، يعني: إسماعيلَ وإسحاق ﵉.\n﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ دعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين، وتدخل فيه هذه الأمَّة، فهو قد دعا لنا، ونحن ندعو له في الصَّلاة بأمر الله تعالى إجابةً لدعائه: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].\n_________\n(^١) نسبت للحسن بن علي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٦٢).","vol":"5","page":466},{"text":"﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾؛ أي: يَثْبت، مستعار من قام القائم على الرِّجل، كقولهم: قامَتِ الحرب على ساقٍ، أو مسندٌ إلى الحساب إسنادًا مجازِّيًا وهو لأهله، لا على حذف المضاف، فإنَّه حينئذ يكون الإسناد حقيقيًّا، والكلامُ نازلًا عن منزلته.\nفمَن قال: أو يقوم إليه أهله، فحُذف المضاف وأُسند إليه قيامهم مجازًا، فقد خلَّط بين الإسنادين وخبط.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1792\"> </span>(٤٢) - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ خطاب لرسول الله ﷺ، والمراد النَّهي عن لازم الحسبان المذكور بطريق الكناية؛ أي: لا تحزنْ بما عملوا، فإنَّه تعالى مطَّلع على أحوالهم وأعمالهم، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وإنَّ تأخير العذاب عنهم لتشديده عليهم في العُقْبى، فهو إمهال لا إهمال، ولكلِّ أحد ممَّن يستعجل عذاب الظَّالمين أو يتوهَّم إهمالهم بأنَّه يجب أن يعلمه تعالى رقيبًا عليهم، فيتسلَّى الأوَّل ولا يظلم الثَّاني، ولا يحزنُ (^١) إن ظُلم، فإنَّه المجازي والمنتقِم المنتصِر من الظَّالم للمظلوم، ولهذا قال ابن عيينة: إنه تسليةٌ للمظلوم وتهديدٌ للظالم (^٢).\n﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أضاف التَّأخير إليهم، والمؤخَّرُ عذابُهم، على سبيل المجاز،\n_________\n(^١) في (ف): \"ولا يتحزن\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٧٠٣) عن ميمون بن مهران.","vol":"5","page":467},{"text":"إيماءً على أنهم من شدَّة العذاب في ذلك اليوم يكونون بحيث يَظنُّ مَن رآهم أنهم (^١) عذاب مجسَّم.\n﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: تبقى مفتوحةً لا تنطبق؛ لعظم هولِ ذلك اليوم، ولا اختصاص لتلك الحال (^٢) بهم، ولهذا أطلق ﴿الْأَبْصَارُ﴾ ولم يُضفها إليهم كما أضاف إليهم في قرائنها، وهذا أبلغ في التَّهويل، فمَن وهَم أنَّ المعنى: تشخص أبصارهم، فقد وهِم، ثمَّ إنَّه لم يُصِبْ في تفسير الشُّخوص بعدم القَرار (^٣).\nقال الجوهري: شَخَصَ بصرُه فهو شاخِص: إذا فتحَ عينيه وجعل لا يَطْرُفُ (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1793\"> </span>(٤٣) - ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾.\n﴿مُهْطِعِينَ﴾ يقال: هَطَعَ الرَّجل: إذا أقبل ببصره على الشَّيء لا يُقلع عنه، وبه فسَّره ابن عباس ﵄، حيث قال: المهطِع: الدَّائم النَّظر لا يَطرف (^٥). وهو المناسب لسياق الكلام ولحاقه، بخلاف تفسيره بالمسرع كما لا يخفى.\n﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ إقناع الرأس: رفعُه؛ أي: رافعيها حتى لا يبصروا مواضع أقدامهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"أنهم\".\n(^٢) في (ك): \"الحالة\".\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٢)، ولفظه: أي: تشخص فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى.\n(^٤) انظر: \"الصحاح\" (مادة: شخص).\n(^٥) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٧٠٥).","vol":"5","page":468},{"text":"﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي: تبقى أعينهم ممدودة نحو الهول مفتوحةً لا تطرف؛ أي: لا تتحرك أجفانُهم، أو لا (^١) يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم، ولا يخفى أن هذا يغني عن إضافة الأبصار إليهم في وصفها بالشُّخوص، وإنما وحَّد الطَّرْف لأنَّه في الأصل مصدر.\n﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾: خلاء.\nوصف القلوب بالهواء مبالغةً في الخلوِّ عن الفهم والعقل؛ لفرط الحيرة والدَّهشة، كأنَّها نفسُ الخلاء، ومنه يقال للأحمق والجبان: قلبه هواءٌ؛ أي: لا رأيَ فيه ولا قوَّة، فالتَّجوُّز فيه عقليٌّ، كما في: رجلٌ عدلٌ، لا لغويٌّ كما زعمه مَن فسَّره بالخالية، فأخلاه عن تلك المبالغة، ونزَّل الكلام عن المنزلة العالية.\nوقيل: معناه: منحرفةٌ لا تعي (^٢) شيئًا للخوف والفزع الذي دخَلها، فهي كهواء الجوِّ في الانحراف وبطلان الإمساك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1794\"> </span>(٤٤) - ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾.\n﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ خطاب للرسول ﷺ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ولا\"، والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٥٦٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٢).\n(^٢) في النسخ: \"لا تبقي\"، والصواب المثبت. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ١٦٦٣)، و\"الهداية\" لمكي بن أبي طالب (٥/ ٣٨٣٦). وفي \"تفسير مجاهد\" (ص: ٤١٣) روايةً عن مرة بن شراحيل: (مُنحَرِفةٌ لا تَعِي أو تُغْنِي شيئًا).","vol":"5","page":469},{"text":"﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ يعني: يومَ القيامة، أو وقتَ الموت؛ فإنَّه أوَّل أوقات عذابهم، وهو مفعول ثانٍ لـ ﴿وَأَنْذِرِ﴾.\n﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالشِّرك والتَّكذيب: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: رُدَّنا إلى الدُّنيا وأمهِلنا إلى أمدٍ وحدٍّ من الزَّمان قريبٍ، أو أخِّر آجالنا مقدارَ ما نتدارك ما فرَّطْنا فيه من إجابة دعوتك واتِّباع رسلك، فقوله:\n﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ جواب للأمر، ونظيره: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠].\n﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ على إرادة القول، وجوابُ القسم:\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وإقسامُهم على انتفاء الزَّوال عن الدُّنيا، إمَّا لغاية الغفلة والانهماك في الجهل وغلبةِ البطَر والأشَر، وإمَّا بلسان الحال حيث بنوا شديدًا وأمَّلوا بعيدًا، كأنهم أقسموا على أنَّهم خالدين فيها.\nوإنَّما قيل: ﴿مَا لَكُمْ﴾ على المطابقة لـ ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، ولو حكي قول المقسِمين لقيل: ما لنا من زوال؛ أي: أقسمتم أنكم لا تُزالون عن الدُّنيا.\nوقيل: معناه: لا تنتقلون إلى دارٍ أخرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]؛ أي: أقسمتم على إنكار البعث.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1795\"> </span>(٤٥) - ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.\n﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالكفر والمعاصي كعادٍ وثمودَ،","vol":"5","page":470},{"text":"سائرين بسيرتهم (^١)، وأصل سَكَن أن يُعدَّى بـ (في)، كقَرَّ وغنيَ وأقامَ، وقد يُستعمل بمعنى التبوُّء (^٢) والتَّوطُّن فيجري مجراه، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].\nوالسُّكنى (^٣): سكون خاص، فتركه على الأصل، ويجوز أن يكون بمعنى السُّكون؛ أي: لبِثْتُم فيها وأَقَمْتم.\n﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ بمشاهدة آثار ما نزلَ بهم في مساكنهم، وتواتُرِ أخبارهم، فلم تعتبِروا، ولم ترتدِعوا، ولم تحدِّثوا أنفسكم بما لَقُوا من عذاب الله.\n﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: صفاتِ ما فَعلوا وفُعل بهم، التي صارت أمثالًا سائرةً بين النَّاس في غاية الغرابة مضروبةً لكلِّ ظالم، وبيَّنا أنَّكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1796\"> </span>(٤٦) - ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾.\n﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الذي استفرغوا فيه جهدهم لإبطال الحقِّ وتقرير الباطل، وهو المكر المخصوص بهم، ليس لأحدٍ مكر في قوَّته.\n﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ الذي يمكرهم به، وهو العذاب الذي يأتيهم بغتةً من حيث لا يشعرون، ولا يحتسبون؛ لاستحقاقهم ذلك بمكرهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"سيرتهم\".\n(^٢) في (ك): \"التبوئة\"، وفي (ف): \"النبوة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"والسكن\". والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٥٦٥).","vol":"5","page":471},{"text":"﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ زوال الجبال مَثَلٌ لتعاظم مكرهم وشدَّته؛ أي: وإن كان مكرُهم لشدَّته وعظمه مسوًّى معدًّا لزوال الجبال منه، كانوا إذا عظَّموا الشَّيء وصفوه بمثله، قال الشَّاعر:\nلَمَّا أتى خبرُ الزُّبيرِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ (^١)\nأي: وإن عظم مكرهم فعندَ اللهِ المكرُ الذي يبطله.\nوالمكرُ الأول مضاف إلى الفاعل، والثَّاني مضافٌ إلى المفعول، ويجوز أن يكون الثَّاني أيضًا مضافًا إلى الفاعل؛ أي: وعند الله مكرُهم الذي يمكرون الرُّسل به؛ يعني: مكتوب عندَه، فهو مُجازيهم عليه بمكرٍ هو أعظمُ منه، وإن كان مكرُهم ممَّا يُضرَبُ به المثل في العِظَم.\nقيل: (إنْ) في ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ نافية، واللام لتأكيد النَّفي كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقيل: مخففَّة من الثَّقيلة، والمعنى: أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الرَّاسية ثباتًا وتمكُّنا من آيات الله وشرائعه.\nوقرئ بالفتح والرفع على أنَّها الفارقة (^٢)، ومعناه تعظيم مكرهم.\nوقرئ بالفتح والنَّصب على لغة مَنْ يفتح لام (كي) (^٣).\nوقرئ: (وإن كاد مكرهم) (^٤).\n_________\n(^١) البيت لجرير كما في \"ديوانه\" (٢/ ٩١٣).\n(^٢) أي: ﴿لِتَزُولَ﴾ بفتح اللام ورفع الفعل، وهي قراءة الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٥).\n(^٣) انظر: \"البحر\" (١٣/ ٢١٢).\n(^٤) نسبت لعلي وابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٦٩).","vol":"5","page":472},{"text":"والجمهور على أنَّها (إنْ) الشَّرطيَّة، وجواب الشَّرطِ محذوفٌ دلَّ عليه: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1797\"> </span>(٤٧) - ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.\n﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ مثلُ قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٥١]، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١].\nوأصله: مخلفَ رسلِه وعدَه، فقدَّم المفعول (^١) الثانيَ إيذانًا بأنه لا يُخلف الوعد أصلًا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، وإذا لم يخلف وعده أحدًا فكيف (^٢) يُخلف رسله؟\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: غالبٌ لا يماكَر، قادرٌ لا يدافَع.\n﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لأوليائه من أعدائه.\nالخطاب لرسول الله ﷺ، والمرادُ بالنَّهي عن الحسبان المذكور: الأمر بضده على أبلغ وجه، وهو الجزم بنصر المؤمنين وقهر أعداء الدِّين؛ أي: فكن على ثقة ويقين بالإنجاز بما (^٣) وعدناك من الإعزاز للإسلام وأهله، والإذلال للكفر والانتقام من أهله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1798\"> </span>(٤٨) - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\n_________\n(^١) \"المفعول\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"كيف\".\n(^٣) في (ك): \"لما\".","vol":"5","page":473},{"text":"﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ بدلٌ من ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾، أو ظرفٌ للانتقام، ولا يجوز أن ينتصِب بـ ﴿مُخْلِفَ﴾؛ لأنَّ ما قبل (إنَّ) لا يعمل فيما بعده (^١).\n﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ عطف على ﴿الْأَرْضُ﴾، وتقديره: والسَّماواتُ غيرَ السَّماوات؛ أي: تبدَّل الأرض المعهودة أرضًا أخرى، والسَّماواتُ المشهورة سماواتٍ أخرى.\nوالتَّبديل: هو التَّغيير؛ إمَّا في الذَّات كقولك: بدلْتُ الدَّراهم بالدَّنانير، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، وإمَّا في الصِّفات، كقولك: بدَّلْتُ الحلْقةَ خاتمًا: إذا أذبْتَها وجعلْتَها خاتمًا بتغيير شكلِها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، والآيةُ تحتملها.\nفعن عليٍّ ﵁: تبدَّل أرضًا من فضَّة وسماواتٍ من ذهب (^٢).\nوعن ابن مسعود ﵁: يُحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحدٌ خطيئة (^٣).\nوعن ابن عباس ﵄: هي تلك الأرض، وإنَّما تُغيَّر صفاتها.\nوأنشد:\nوما الناس بالناس الذين عَهِدْتَهم … ولا الدَّارُ بالدَّار التي (^٤) كنْتَ تعلمُ (^٥)\n_________\n(^١) وأجازه الحوفي على اعتبار أن جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ اعتراضية، فلا يبالى بها فاصلًا. انظر: \"روح المعاني\" (١٣/ ٣٥٨).\n(^٢) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٧٣٣).\n(^٣) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٧٣٠).\n(^٤) في (م): \"الذي\".\n(^٥) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٤٧٦)، و\" الكشاف\" (٢/ ٥٦٧)، وانظر البيت أيضًا في: \"ديوان المعاني\" (ص: ٧٨)، و\"جمهرة الأمثال\" (١/ ٩٦).","vol":"5","page":474},{"text":"ويدلُّ عليه ما روى أبو هريرة ﵁ أنَّه ﵇ قال: \"تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرض (^١) فتبسَطُ وتمدُّ مَدَّ الأديم العكاظي، لا ترى فيها عِوجًا ولا أمتًا\" (^٢).\nواعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتَّبديل أرضًا وسماءً على الحقيقة، ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله تعالى الأرض جهنَّم والسَّماوات الجنَّة على ما أشعرَ به قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨].\n﴿وَبَرَزُوا﴾ من أجداثهم ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ لما كان البروز مسوقًا للوعيد كان الوصفان المذكوران ترشيحَيْن له ببيان شدَّة الأمر في ذلك اليوم، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]؛ لأنَّ الأمرَ والملكَ إذا كان لواحدٍ لا\n_________\n(^١) \"غير الأرض\" من (م).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٣/ ٧٣٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٩٣١). وذكره ابن كثير في \"تفسيره\" (٢/ ١٤٨ - ١٥٠) عن الطبراني في \"المطولات\"، ونقل عنه قوله: هذا الحديث مشهور وهو غريب جدًا ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.\nثم قال ابن كثير: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، وقد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث. فالله أعلم.","vol":"5","page":475},{"text":"يشارَك فيه، قهَّارٍ لا يُعازُّ (^١) ولا يُغالب، فلا مُستغاث لأحد ولا مُستجار، كان الأمر في غاية الصُّعوبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1799\"> </span>(٤٩) - ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.\n﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ بعضهم مع بعضٍ؛ لاشتراكهم في العقائد والأعمال، كقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، أو مع الشَّياطين الذين حملوهم على الإجرام، أو قُرنت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم بالأغلال، ويجوز أن يكون تمثيلًا لمؤاخَذتهم بما اقترفَتْه أيديهم وأرجلُهم، فكأن أيديهم غُلَّتْ إلى أرجلهم.\n﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ متعلق بـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، أو حال من ضميره.\nقال الرَّاغب: الصَّفَدُ والصِّفادُ: الغلُّ، وجمعه أصفادٌ (^٢).\nوفي \"الصحاح\": الصِّفاد: ما يُصْفَدُ به من قيدٍ وقِدٍّ وغُلٍّ (^٣)، أي: يُوثق. وقول الشاعر:\nوَزَيْدُ الخَيْلِ (^٤) قَدْ لاقَى صِفَادًا … يَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ (^٥)\nظاهر في أن صِفادًا واحدًا يجمعهما، فكأنه نوع من الغُل يُجمَع فيه الرِّجل واليد، ويشدَّان (^٦) على العنق.\n_________\n(^١) في (م): \"لا يعان\"، والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" للأصفهاني (مادة: صفد).\n(^٣) انظر: \"الصحاح\" (مادة: صفد).\n(^٤) \"وزيد الخيل\" سقط من (ف) و(م).\n(^٥) البيت لسلامة بن جندل. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٤٨)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٦٧).\n(^٦) في (ف) و(ك): \"ويشد\".","vol":"5","page":476},{"text":"<span id=\"aya-1800\"> </span>(٥٠) - ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾.\n﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾؛ أي: قميصهم (^١)، جمع سربال.\n﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ فيه ثلاث لغات: فتح القاف مع كسر الطَّاء وسكونها، وكسرُ القاف مع سكون الطَّاء.\nوهو ما يتحلَّبُ من شجرِ الإبْهِل، يُطبخ فيُهنأ به الإبل الجربى، فيُحرِق الجرب والجلد بحدَّته، وهو أسود منتنٌ، يشتعلُ فيه النَّار بسرعة، يُطلى (^٢) به جلود أهل النَّار حتى يكون طلاؤه (^٣) لهم كالقميص، فيجتمع عليهم لذغ القطران ووحشةُ لونه ونَتْنُ ريحه وسرعةُ اشتعال النَّار بهم، على أنَّ التَّفاوت بين القطرانَيْن كالتَّفاوت بين النَّارَيْن.\nويحتمل أن يكون تمثيلًا لما يحيط بأنفسهم من ظلمة الهيئات الرَّديَّة والملكات الفاسدة الموحشة، فتجلب إليها أنواعًا من الأذى والألم والعذاب.\nوقرئ: (من قَطِرٍ آنٍ) (^٤)، والقَطِرُ: النُّحاس، أو الصُّفر المُذَاب، والآن: المتناهي حرُّه.\nوالجملة حال ثانية، أو حال من الضَّمير في ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، وإنما جيء به (^٥)\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والأنسب: (قمصهم) أو (قمصانهم). انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٦٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٤).\n(^٢) في (ف): \"وبطلى\".\n(^٣) في (ك): \"طلاوة\".\n(^٤) رويت عن علي وابن عباس وأبي هريرة وعكرمة وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٠)، و\" المحتسب\" (١/ ٣٦٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٤٨)، و\"البحر\" (١٣/ ٢١٨).\n(^٥) \"به\": ليست في (م).","vol":"5","page":477},{"text":"جملةً اسمية لأن سرابيل القطران الجامعةَ بين الأنواع الأربعة المذكورةِ أفظع من الصَّفد، وأما (تغشى) فلتجريد الاستحضار المقصود في قوله: ﴿وَتَرَى﴾؛ لأنَّ الثَّاني أهول، والأوَّل في بيان حالهم في الموقف إلى أن يُكَبَّ بهم في النَّار، والأخيرَيْن (^١) لبيان حالهم بعد دخولها، وكانَّ الأوَّل حرَّك من السامع أن يقول: وإذا كان شأنهم وهم في الموقف، فكيف بهم وهم في جهنَّم خالدون؟ فأجيب بقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾.\nوأوثر الفعل المضارع في قوله:\n﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ لاستحضار الحال، وتجدُّد (^٢) الغشيان حالًا فحالًا، وإنَّما تغشاها لأنهم لم يتوجَّهوا بها إلى الحقِّ، ولم يستعملوا مشاعرهم التي خلقت فيها في تدبُّر الحقِّ، كما تطَّلع على أفئدتهم لأنها خالية عن المعرفة مملوءة بالجهالات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1801\"> </span>(٥١) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾ إمِّا أنْ يتعلَّق بمحذوفٍ تقديره: يُفعل ذلك بهم ليجزي كلَّ نفسٍ مجرمة ﴿مَا كَسَبَتْ﴾، أو بقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾، أي: ليجزي كلَّ نفسٍ مجرمةٍ أو مطيعةٍ ما كسبت.\nواكتُفي بذكر عقاب المجرمين ليُستدلَّ به على ثواب المطيعين.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنّه لا يشغله فيه تأمُّل وتتبُّع، ولا يمنعه حسابٌ\n_________\n(^١) في (ف): \"والآخرين\".\n(^٢) في (ف): \"وتجديد\".","vol":"5","page":478},{"text":"عن حسابٍ حتى يستريح بعضهم عند الاشتغال بمحاسبته الآخرين فيتأخَّرَ عنهم العذاب.\nوبهذا التَّفصيل تبيَّن وجه إصابة التَّذييل المذكور محزَّهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1802\"> </span>(٥٢) - ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\n﴿هَذَا﴾ إشارة إلى السُّورة، أو إلى ما وصفه من قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أي: هذا الكلام، أو هذا (^١) الكتاب.\n﴿بَلَاغٌ﴾ أي: كفاية ﴿لِلنَّاسِ﴾ في الموعظة والتَّذكير.\nوالإشارةُ إلى جميع ما في السُّورة من العِظَةِ والتَّذكير أولى؛ ليكون كالفذلكة، وخاتمةً على مِنوال الفاتحة.\n﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ عطفٌ على محذوفٍ؛ أي: ليُنصحوا ولينذروا به، فاللام متعلقة بالبلاغ، أو متعلقة بمعلَّلٍ محذوف؛ أي: ولينذروا به أنزل.\nوقرئ: (وليَنْذَروا به) بفتح الياء (^٢)، من نَذِرَ به: إذا عَلِمه واستَعدَّ له.\n﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بالنَّظر والتَّأمُّل فيما فيه من الآيات الدَّالة على التَّوحيد والمنبِّهة على ما يدلُّ عليه.\n﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فيَرتدِعوا عما يُرديهم ويتدرَّعوا بما يحظيهم (^٣).\n_________\n(^١) \"هذا\"من (م).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٠)، و\"المحتسب\" (١/ ٣٦٧).\n(^٣) في (م): \"يحيطهم\".","vol":"5","page":479},{"text":"قيل: إنَّ الفوائد الثَّلاث التي ذكرها لهذا البلاغ هي الغايةُ والحكمة في إنزال الكتب، وهي تكميل الرُّسل للنَّاس، واستكمالهم القوَّة النَّظرية التي غايتُها في إكمال (^١) التَّوحيد، واستصلاح القوَّة العمليَّة، الذي هو التدرُّع بلباس التَّقوى، جعلنا الله من الفائزين بها.\nتمَّ الكلام والحمد لله على التَّمام.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"الكمال\".","vol":"5","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-79>سُورَةُ الحِجْرِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1803\"> </span>(١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ الإشارة إلى آيات السُّورة، والكتابُ والقرآنُ: السُّورة. وهذا أبلغُ على ما قدَّمنا بيانه في تفسير (سورة يونس) (^١).\nواللَّام في ﴿الْكِتَابِ﴾ للماهية، والتَّنكيرُ في (القرآن) للتَّفخيم؛ أي: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ الكامل في كونه كتابًا ﴿وَقُرْآنٍ﴾ أي قرآنٍ ﴿مُبِينٍ﴾ (^٢) يُبينُ الرُّشدَ من الغَيِّ بيانًا عربيًّا، يعني: الجامعِ للكمال والغرابة في البيان والبلاغة.\nولَمَّا كان في التَّعريف نوعٌ من الفخامة، وفي التَّنكير نوعٌ آخرُ، وكانَ الغرضُ الجمعَ، عَرَّفَ الكتاب ونكَّر القرآن هاهنا، وعكس في (سورة النَّمل)، وقدَّم المعرَّف في الموضعَيْن لزيادة التَّنويه.\n* * *\n_________\n(^١) \"يونس\" من (ف)، ووقع مكانه في (م) و(ك) بياض، وفي البياض كتب في (ك): \"كذا\"، وجاء في هامش (م): \"بياض بأصله\". وانظر ما تقدم في أول يونس.\n(^٢) بعدها في (ك): \"أي\".","vol":"5","page":483},{"text":"<span id=\"aya-1804\"> </span>(٢) - ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\n﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: منقادين لحكم هذا الكتاب، وهذا التَّمني حين يُخرجُ الله تعالى عصاة المؤمنين من النَّار. وروي فيه حديث مرفوع (^١).\nوقيل: إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين عند البعث للحساب، أو عند (^٢) الموت إذا رأوا العذاب.\nوقيل: في كلِّ الأحوال التي تُخطر بالبال ظهور بطلان ما كانوا عليه من الضَّلال. وهذا أنسب لِمَا قصد بـ ﴿رُبَمَا﴾ من معنى التَّكثير على وجهٍ أبلغ.\nوقوله: ﴿لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حكايةُ ودادهم على لفظ الغيبة، كقولك: حلف بالله ليفعلَنَّ.\n_________\n(^١) روي من حديث جابر وأبي سعيد وأبي موسى:\nفحديث جابر رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٥١٤٦) وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٧٩): (رجاله رجال الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة). وصحح إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٢).\nوحديث أبي سعيد رواه ابن حبان في \"صحيحه\" (٧٤٣٢).\nوحديث أبي موسى رواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٤٤)، والطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٥٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٦٥) وصححه. ولفظ الحاكم: \"إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من أهل القبلة من شاء الله قالوا: ما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، قال: فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فيقول الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين فنخرجَ كما أخرجوا\"، قال: وقرأ رسول الله ﷺ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ١ - ٢] مثقلة\".\n(^٢) في (ت) و(ك): \"وعند\".","vol":"5","page":484},{"text":"وحقُّ ﴿رُبَمَا﴾ أن تدخل الماضيَ لإنشاء تحقُّق (^١) التَّقليل، لكن لَمَّا كان الغرضُ من الماضي تحقُّقَ وقوعه، والمترقَّبُ في إخبار الله تعالى بمنزلة (^٢) الماضي في تحقُّق وقوعه، أُجرِيَ مجراه، ومعنى التَّقليل فيه واردٌ على طريق العرب وقولِهم في موقع النُّصح وارتكاب المخاطَب ما لا يُشكُّ في استتباعه للتَّندُّم: لعلَّك ستندم (^٣)، وربَّما ندم الإنسان على ما فعل، وليس مرادهم الشكَّ والتَّقليل، بل المراد: أنَّ النَّدمَ لو كان مشكوكًا فيه أو قليلَ الوقوع عمَّا تفعل، لكان حقًّا عليك أن لا تفعل؛ لأنَّ قضية العقل التَّحرُّزُ من الغمِّ المظنون والقليل، فكيف واستتباعُ فعلِك للغمِّ والنَّدم الكثيرِ محقَّقٌ؟ أي: لو كانوا يَودُّون الإسلام مرَّةً واحدة فبالحَرِيِّ أن يُسَارعوا إليه، فكيف وهم يودُّونه في كلِّ ساعة؟\nوقرئ: ﴿رُبَمَا﴾ بالفتح والتَّخفيف (^٤)، وبتاء التَّأنيث ودونها (^٥).\nو(ما) كافَّةٌ تكفُّه عن العمل، فيجوز دخوله على الفعل، وقيل: نكرةٌ موصوفة، كقوله: ربما تكره النُّفوس من الأمر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1805\"> </span>(٣) - ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿ذَرْهُمْ﴾: اتركهم ﴿يَأْكُلُوا﴾ تخصيصُه بالذِّكْر مع اندراجه في قوله:\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"محقق\".\n(^٢) في النسخ: \"منزلة\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٥٦٩).\n(^٣) في (ك): \"تستندم\"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.\n(^٤) وهي قراءة عاصم ونافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٥).\n(^٥) قرأ طلحة بن مصرف وزيد بن علي: (رُبَّتَما). انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٤٩)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٢٢٩).","vol":"5","page":485},{"text":"﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ وتقديمُه عليه؛ للتَّنبيه على أنَّ حظَّهم من الحياة الدُّنيا حظُّ البهائم؛ يأكلون ويشربون.\nوالاقتصار على ﴿يَأْكُلُوا﴾ لأنَّ الأكلَ يستتبع الشُرب عادة، فذكرُه يغني عن ذِكره.\n﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بدنياهم، وينهمكوا في شهواتهم.\n﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: وَيشغلهم توقُّعهم لطول الأعمار، وجريانُ أمورهم وأحوالهم على وفق هواهم عن الاستعداد للمعاد.\n﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَخامَةَ (^١) عاقبتهم وسوءَ صنيعهم إذا عاينوا جزاءَهم.\nفيه تهديدٌ ووعيدٌ وتحذيرٌ عن إيثار التَّنعيم وطول الأمل، وإلزامُ الحجَّة؛ لأنَّ الأمر بالضِّدِّ لا يكون إلَّا عند تكرُّر (^٢) الإنذار وثبوت الجحود، وكذلك ما رُتِّبَ عليه، وإقناطٌ للرَّسول ﷺ عن إيمانهم، وإيذان بأنهم من أهل الخذلان لا يقبلون النُّصح ولا يجدي فيهم الإنذار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1806\"> </span>(٤) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾.\n﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ إهلاكُها كنايةٌ عن إخلائها عن أهلها بإفنائهم، وهو أبلغ من المجاز في القرية، وأما تقدير المضاف فلا حاجة إليه، بل لا وجهَ له عند أرباب البلاغة.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"خاتمة\".\n(^٢) في (م): \"تكرار\".","vol":"5","page":486},{"text":"﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أجلٌ مكتوبٌ في اللَّوح معلومٌ عند الله تعالى موقَّت، ولهذا (^١) قال:\n\n<span id=\"aya-1807\"> </span>(٥) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.\n﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾؛ أي: كتابها؛ أي: لا تتقدَّم أمَّةٌ، و﴿مِنْ﴾ مؤكِّدة.\n﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أي: عنه، فحذف للعلم به، ووحِّد ﴿تَسْبِقُ﴾ بالتَّاء لظاهر كلمة ﴿أُمَّةٍ﴾، وجُمع في قوله: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ بالواو والنُّون للمعنى.\nوالكلام (^٢) متصل بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: العذابُ نازل بهم في وقته الذي جعلناه أجلًا له، أخرناها إليه لمَّا كان في علمنا إيمانَ مَن يخرج من أصلابهم، فإذا بلغ الكتاب أجله وجب العذاب على الكافرين ولم يتأخَّر عنهم.\nوجملة المستثنى واقعةٌ حالًا من ﴿قَرْيَةٍ﴾ لأنها في معنى العموم قريبةٌ من المعرفة؛ إذ المراد: قرية من القرى.\nوهذه الواو هي التي تعطي أنَّ الحالة بعدها في اللفظ هو قبلها في المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، ومَن حملها على الصفة المذكورة (^٣) لكون القرية نكرةً، ثم قال: والقياس أن لا تتوسط الواو بين\n_________\n(^١) \"لهذا\"من (م).\n(^٢) \"والكلام\" من (م).\n(^٣) \"المذكورة\" ليست في (ف). والمراد: جعَل جملة: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، والقائل لذلك الزمخشري، حيث قال: ﴿وَلَهَا كِتَابٌ﴾ جملة واقعة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف …) إلى آخر ما قال مما سيأتي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٧٠) وما سيأتي بين معكوفتين منه.","vol":"5","page":487},{"text":"الصِّفة والموصوف، وإنما جيء بها لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف كما في الحال، تقول: جاءني زيد عليه ثوب، [و: جاءني] وعليه ثوب= فقد تعسَّف؛ لأنَّ الواو إنَّما جيء بها لئلَّا يشتبه الحال بالصفة، لتقدُّم الحال على النَّكرة، ألا ترى إلى قولهم: جاءني رجل وعليه درع، كيف التزموا فيه الإتيان بالواو دفعًا للاشتباه المذكور؟ فكذا هاهنا (^١).\nثمَّ إنَّ فيما اختاره فصلًا بين الصِّفة والموصوف بـ ﴿إِلَّا﴾، وهو غير جائزٍ، نصَّ عليه الأخفش وأبو عليٍّ الفارسي (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1808\"> </span>(٦) - ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ يعني: مشركي مكَّة على وجه الاستهزاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ نداءٌ للرَّسول ﷺ على سبيل التَّهكُّم، ألا ترى إلى ما نُودي، وهو قولهم:\n﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ والتعكيس في الكلام للاستهزاء، والتَّهكُّمُ طريق واسعٌ، ونظيره قول فرعون: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، يعنون: أن ادِّعاءه لنزول الذِّكر عليه قول المجانين، والمراد من الذِّكر: القرآن.\n* * *\n_________\n(^١) \"فكذا هاهنا\" من (م).\n(^٢) انظر كلاميهما وتفصيل المسألة في \"البحر\" (١٣/ ٢٣١).","vol":"5","page":488},{"text":"<span id=\"aya-1809\"> </span>(٧) - ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿لَوْمَا تَأْتِينَا﴾؛ أي: هلَّا تأتينا، رُكِّبَ (ل) مع (ما)، كما ركب مع (لا) لمعنيَيْن: امتناعِ الشَّيء لوجود غيره (^١)، والتَّحضيض.\nوالفرق بينهما: أن التحضيضية لا يليها إلَّا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والامتناعية لا يليها إلَّا الأسماء لفظًا أو تقديرًا عند البصريين.\n﴿بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ليصدِّقوك ويشهدوا لك ويَعضُدوك على الإنذار، كقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]، أو: ليعاقبونا على تكذيبنا إيَّاك كما أتى الأمَّةَ المكذِّبة مِنْ قَبلُ.\n﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن كنت صادقًا في دعواك، أو: إن كنت من جملة تلك الرُّسل الصَّادقين في دعواهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1810\"> </span>(٨) - ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾.\n﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ بالياء مسندًا إلى ضمير اسم الله تعالى (^٢).\nوقرئ بالنُّون (^٣)، وهو مناسب لما تقدَّم وما تأخَّر من ألفاظ التَّعظيم، وقرئ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"لوجوده\".\n(^٢) كذا تابع المؤلف البيضاوي في قوله: \"بالياء مسندًا … \"، وأورد عليه: أنَّ قراءة الياء لم يقرأ بها أحد من العشرة، ولم توجد في الشواذ أيضًا، بينما بنى البيضاوي تفسيره عليها، وحكى قراءة السبعة بصيغة التمريض. قال الآلوسي: وهو خلاف ما سلكه في تفسيره، ولعله ﵀ قد سها. انظر: \"حاشية الشهاب على البيضاوي\" (٥/ ٢٨٤)، و\"حاشية القونوي على البيضاوي\" (١١/ ١٢٢)، و\"روح المعاني\" (١٣/ ٤٠٣).\n(^٣) قرأ بها حفص وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٥).","vol":"5","page":489},{"text":"بالتَّاء والبناء للمفعول ورفع ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ (^١)، وقرئ: ﴿نُنَزِّلُ﴾ (^٢) بمعنى: تتنزَّل.\n﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلق بالفعل قبله (^٣)، أو بمحذوفٍ على أنَّه حال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: ملْتبسين بالحقِّ، أو نعت لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إلَّا تنزيلًا ملتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالحكمة والصَّواب (^٤)، ولا حكمة في أن يأتيكم بصور تشاهدونها وتشهدون بصدقه؛ فإنه لا يزيدكم إلا لبسًا، كقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، ولا في معاجلتكم (^٥) بالعقاب؛ فإنَّ منكم ومن ذراريكم مَن سبق له حكمنا بالإيمان.\nوقيل: الحقُّ: الوحيُ، وقيل: العذاب.\n﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ جوابٌ لهم وجزاءُ شرطٍ (^٦) مقدَّر؛ أي: لو (^٧) أنزلنا الملائكة ما كانوا مُنْظَرين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1811\"> </span>(٩) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ رَدٌّ لإنكارهم واستهزائهم، ولهذا أكَّده بـ (إنَّ) والضَّميرِ وبناءِ الفعل عليه، وقرَّره بقوله:\n_________\n(^١) قرأ بها أبو بكر علام عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٥).\n(^٢) قرأ بها باقي السبعة. انظر المصدر السابق.\n(^٣) في النسخ: \"بفعل قبله\"، والصواب المثبت، والمراد: ﴿نُنَزِّلْ﴾. انظر: \"روح المعاني\" (١٣/ ٤٠٤).\n(^٤) في (ف) و(م): \"والثواب\".\n(^٥) في (م): \"معالجتكم\".\n(^٦) في (ك): \"لشرط\".\n(^٧) في (ك): \"ولو\".","vol":"5","page":490},{"text":"﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ أي: من الطَّعن والتَّحريف والزِّيادة والنُّقصان، بأنْ جعلناه مباينًا لكلام البشر، لا يخفى على أهل البلاغة إعجازُه وتغييرُ نظمه لو غُيِّرَ، بخلاف الكتب المتقدِّمة؛ فإنَّه تعالى لم يتولَّ حفظَها، واستحفظها الرَّبانيُّون والأحبار، ولم يجعلْ لفظها ونظمها معجزًا لا يمكن تغييرها (^١)، فاختلفوا فيما بينهم وحرَّفوا وغيَّروا.\nوقيل: الضَّمير لرسول الله ﷺ، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1812\"> </span>(١٠) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: أرسلنا رسلًا. و﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلَّق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وأن يتعلق بالمحذوف على أنَّه نعتٌ له.\nوالشِّيع: جمع شيبة، وهي الفرقة المتَّفقة على طريقٍ ومذهبٍ، مِن شاعه: إذا تبعه، وأصله الشِّياعُ، وهو الحطب الصِّغار تُوقَدُ بها الحطب (^٢) الكبار.\nوالمعنى: نبَّأنا رجالًا فيهم وجعلناهم رُسلًا فيما بينهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1813\"> </span>(١١) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كما يفعل هؤلاء، وهو تسليةٌ للنَّبيِّ ﷺ.\n_________\n(^١) في (ك): \"تغييرهما\".\n(^٢) في (م): \"حطب\".","vol":"5","page":491},{"text":"قيل: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ (ما) لا يدخل على مضارع إلَّا هو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلَّا هو قريب من الحال.\nورُدَّ عليه: بأنَّ (ما) يكثر دخوله على المضارع مر ادًا به الحال، ويدخل عليه مرادًا به الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، وأُنشِدَ شاهدًا له قول أبي ذؤيب:\nأَوْدَى بَنيَّ وأَوْدَعونيْ حَسْرةً … عندَ الرُّقادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعُ (^١)\nوقول الأعشى في مدح رسول الله ﷺ:\nله ناحلاتٌ مانعاتٌ نَوالها … وليس عطاءُ اليومِ مانِعَهُ غَدا (^٢)\nوقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا﴾ يجوز أن يكون حالًا من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾، ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿رَسُولٍ﴾، ففيه وجهان؛ الجرُّ باعتبار اللَّفظ، والرَّفعُ باعتبار المحلِّ، وإذا كانت حالًا فهي حالٌ مقدَّرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1814\"> </span>(١٢) - ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك السَّلْك ﴿نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ والسَّلْك: إدخال\n_________\n(^١) انظر: \"شرح التسهيل\" (١/ ٣١)، وروايته في \"ديوان الهذليين\" (ص: ٢):\nأودى بنيَّ وأعقبوني غُصَّة … بعد الرُّقاد وعبرة لا تقلع\n(^٢) انظر: \"البحر\" (١٣/)، وصدره فيه:\nله نافلات ما يُغِبُّ نَوَالُها\nوفي \"شرح التسهيل\" (١/ ٣١): (له نائلات ..)؛ وصدره في \"ديوان الأعشى\" (ص: ١٨٧):\nله صدقات ما تغبُّ ونائلُ","vol":"5","page":492},{"text":"الشيء في الشيء كالخيط في المِخْيَط، والرُّمحِ في المطعون، والضمير لـ ﴿الذِّكْرَ﴾، أي: ندخله في قلوبهم مكذَّبًا مستهزأً به غير مقبول (^١)، كالضَّمير الأخير في قوله:\n\n<span id=\"aya-1815\"> </span>(١٣) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وهو حالٌ من هذا الضَّمير، أو بيانٌ للجملة (^٢) المتضمِّنة له، أو حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أو منهما، ولا ينافي كونَها (^٣) مفسِّرة للمعنى الأول، بل يقوِّيه، وتعاقُبُ الضمائر وإن لم يستلزم توافقها في المرجوع إليه لكنَّه مستحسَن لا يُعدل عنه عند سداد المعنى به.\n﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ استئناف، أي: قد مضت طريقتُهم التي سنَّها الله تعالى في إهلاكهم حين كذَّبوا الرُّسل وكذَّبوا الذِّكر المنزَل إليهم، وهو وعيدٌ لأهل مكَّة على تكذيبهم، فمَوقع هذا الكلام مَوقعُ الغاية في (سورة الشعراء)؛ أعني قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1816\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾: على هؤلاء المقترحين المعاندين.\n﴿بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾؛ أي: يسَّرنا لهم معراجًا يصعدون فيه إليها طول النَّهار ويعاينون ما هنالك، وذكر الظُّلول ليكون عروجهم بالنَّهار مستوضِحين لِمَا يعاينون طوله.\n_________\n(^١) في (ف): \"باستهزاء به غير معقول\".\n(^٢) في (ف): \"الجملة\". والمراد بها: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾.\n(^٣) في النسخ: \"كونه\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٨).","vol":"5","page":493},{"text":"<span id=\"aya-1817\"> </span>(١٥) - ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾.\n﴿لَقَالُوا﴾ من غلوِّهم في العناد وتشكيكًا في الحقِّ:\n﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾: حُيِّرَتْ (^١) من السُّكْر، ويدل عليه قراءة: (سَكِرَتْ) (^٢)؛ أي: حارت كما يَحار السكران، أو: حُبست، من السِّكْر (^٣)، ويدل عليه قراءته بالتَّخفيف (^٤)؛ أي: حُبست ومنعت من الإبصار كما يُحبَس النَّهر من الجري.\n﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قد سَحَرَنا محمَّدٌ ﷺ بذلك، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات؛ أي: هذا أمرٌ تخييليٌّ لا حقيقةَ له قد سكر أبصارَنا، بل سحرنا به (^٥).\nومعنى ﴿إِنَّمَا﴾: أنهم يبتُّون القول بأنَّ ذلك ليس إلا تسكير الأبصار، وهذا (^٦) معنى الإضراب في ﴿بَلْ﴾، وإيرادِ الجملة الاسمية؛ أي: قد سُحرنا سحرًا ثابتًا لا إفاقة معه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1818\"> </span>(١٦) - ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ هي الاثنا عشر المعروفةُ مختلفةُ الهيئات والخواصِّ على ما دلَّ عليه الرَّصد والتَّجربة، ومن زاد على هذا قوله: مع بساطتها، فقد ادَّعى ما دون إثباته خَرْطُ القَتادِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"صيرت\"، وفي (ف): \"خيرت\".\n(^٢) نسبت للزهري.\nانظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٥٣)، و\"البحر\" (١٣/ ٢٣٨).\n(^٣) بكسر السين، وهو السد والحبس. انظر: \"البحر\" (١٣/ ٢٣٨).\n(^٤) هي قراءة ابن كثير بتخفيف الكاف، وشددها الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٦).\n(^٥) \"بل سحرنا به\" من (م).\n(^٦) في (ف): \"وكذا\".","vol":"5","page":494},{"text":"﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالأشكال والهيئات البهيَّة ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: المعتبرين المستدِلِّين بها على قدرة مبدِعها وتوحيد صانعها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1819\"> </span>(١٧) - ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾.\n﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾ الضَّمير للسَّماء، وكذا في ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾؛ إذ لا وجه لتخصيص الزِّينة بالبروج.\n﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوسَ أهلها، ويتصرَّفَ في أمرها، ويطَّلع على أحوالها.\n﴿رَجِيمٍ﴾: مرجوم بالنُّجوم؛ أي: مَرْميٍّ بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1820\"> </span>(١٨) - ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ في محلِّ النَّصب على الاستثناء المتَّصل.\nواستراق السَّمع: اختلاسُه سرًّا، شُبِّهَتِ الخطفة اليسيرة التي للشَّياطين من سكان السماوات لبعض الغيب بما بينهم من المناسبة في الجواهر - أو بالاستدلال من أوضاعها وحركاتها - بالسَّرقة في المسموعات.\nوعن ابن عباس ﵄: كان الشياطين غيرَ محجوبين عن السماوات، فلمَّا بُعِثَ عيسى ﵇ مُنِعوا من ثلاث سماوات، فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ مُنِعوا منها جميعًا بالشُّهب (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٤٨١)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٣٨٩).","vol":"5","page":495},{"text":"ولا يقدح فيه تكوُّنها قبل المولد؛ لجواز أن يكون لها أسبابٌ أخر.\nويجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ في محل الرَّفع بالابتداء، وخبره:\n﴿فَأَتْبَعَهُ﴾؛ أي: طلب لحوقه، وإنما دخلت الفاء لأن ﴿مِنْ﴾ إمَّا شرطيَّة، وإمَّا موصولة مشبَّهة (^١) بالشرطية، والاستثناء منقطع.\nوقيل: إنه بدل من ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾، فيكون محلُّه الجرَّ.\nوفيه: أنَّ الكلام موجَب فيحتاج إلى تأويله بالنَّفي، ولا ضرورة هاهنا، بخلاف قوله: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]؛ فإنَّ فيه ضرورةً على قراءة الرفع، ومَن قال: أي: فتبعه ولحقه، فكأنَّه لم يفرِّق بين (تَبِعَه) و(أَتْبَعه)، والفرق قائم، يقال: أَتْبَعه إتباعًا: إذا طلب الثَّاني اللُّحوق بالأوَّل، وتَبِعه تبعًا: إذا مرَّ به فمضى معه، وكذلك اتَّبعه اتِّباعًا بالتَّشديد.\nثمَّ إنَّ ما روي عن ابن عباس ﵄ بعد قوله: منعوا منها جميعًا، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلَّا رُمِيَ بشهابٍ قبسٍ، فإنْ أصابَه أحرَقَه، وإنْ أخطأه خبَله، فصار غولًا يضلُّ النَّاسَ في البوادي (^٢) = صريح في عدم اعتبار اللُّحوق في الإتباع.\n﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: ظاهر للمبصِرين.\nوالشِّهابُ: شعلةُ نارٍ ساطعةٌ، وإطلاقه على الكوكب والسِّنان بطريق الاستعارة؛ لِمَا فيها من البريق (^٣).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"شبهت\".\n(^٢) انظر: \"التفسير البسيط\" للواحدي (١٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧)، و\"تفسير الرازي\" (١٩/ ١٣٠).\n(^٣) في (ف): \"البرق\".","vol":"5","page":496},{"text":"<span id=\"aya-1821\"> </span>(١٩) - ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾.\n﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾: بسَطناها؛ ليحصل بها الانتفاع لمن حلَّها.\nوقيل: المدُّ هو البسط؛ أي: ما لا يُدرك منتهاه (^١).\nولما كانت هذه الجملة تقدمها جملة فعلية كان النصب على الاشتغال أرجحَ من الرَّفع على الابتداء، فلذلك نصب ﴿وَالْأَرْضَ﴾.\n﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: طرَحنا، وإنما قال: ﴿فِيهَا﴾ دون (عليها)؛ لدفع ما يتبادر إلى الفهم من [أنَّ] (^٢) إلقاء الجبال إلقاؤها على الأرض من الخارج، وبيانِ أنَّ المراد تكوُّنها فيها على وجه يتظاهر كأنَّها ملقاةٌ عليها.\n﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا ثوابت، وقد مرَّ ما يتعلق به في تفسير (سورة الرعد).\n﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض.\nوالإنبات في الجبال يندرج في الإنبات في الأرض بدون العكس، فلا حاجة إلى الجمع، ولا وجه لعود الضمير إلى الجبال خاصَّة (^٣).\n﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لفظة ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، وقد مَرَّ نظائرها.\n﴿مَوْزُونٍ﴾ بميزان الحكمة مقدَّرٍ بقَدْر تقتضيه، أو: مستحسَنٍ مناسب،\n_________\n(^١) في (ف): \"ما لا يدرى أنى منتهاه\".\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) في (ف) و(ك): \"والإنبات في الجبال يندرج، ولا وجه لإرجاع الضمير إلى الجبال خاصة، فلا حاجة إلى الجمع في الإنبات في الأرض بدون العكس\"، والمثبت من (م).","vol":"5","page":497},{"text":"كقولهم: كلام موزون، أو: ذي (^١) قَدْر ووَقعٍ في باب النِّعمة والمنفعة (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1822\"> </span>(٢٠) - ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ قد مرَّ تفسيره في (سورة الأعراف).\n﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ نصب عطفًا على ﴿لَكُمْ﴾، لا على الضمير المجرور، وإلَّا لوجب إعادة الجارّ؛ أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومَن لستم له برازقين من العيال والخدم والمماليك والأنعام والدَّوابِّ ممن تظنُّون أنَّكم رازقوهم ظنًّا كاذبًا، والله يرزقكم وإيَّاهم.\nأو على ﴿مَعَايِشَ﴾؛ أي: وجعلنا فيها مَن لستم له برازقين ممَّا ذُكِرَ؛ فإنَّها من معايشكم.\nوفذلكة الآية: الاستدلال بجعل الأرض ممدودةً بمقدارٍ وشكلٍ معيَّن، مختلفةَ الأجزاء في الوضع، محدثةً فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خِلقةً وطبيعة، مع جواز أن لا يكون كذلك، على (^٣) كمال قدرته تعالى، وتناهي حكمته، والتَّفرُّدِ في الألوهيَّة، والامتنانِ على العباد بما أنعم الله عليهم في ذلك ليوحِّدوه ويعبدوه، ثم بالغَ في ذلك فقال:\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"أي ذو\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٨١)، وفيه بعد (كلام موزون): (أو ما يوزن ويقدر أو له وزن في أبواب النعمة والمنفعة).\n(^٣) \"على\" متعلق بقوله: \"الاستدلال\".","vol":"5","page":498},{"text":"<span id=\"aya-1823\"> </span>(٢١) - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.\n﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ الرَّفع مبتدأ، خبره (^١) ﴿عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ و﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد العموم.\nالخزائن: جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن - أي: يحفظ - فيه نفائس الأموال.\nشبَّه معلوماته تعالى الممكنةِ التي إذا تعلقت الإرادة بها وُجِدَتْ بقدرته بالأشياء المخزونة في الخزائن، فهي استعارة.\nوقيل: ضرب ذلك مثلًا لاقتداره في كلِّ مقدور وإيجاده وتكوينه بحسَب الإرادة؛ أي: ما من شيء من الأشياء الممكِنة إلَّا ونحن قادرون على إيجاد أضعاف ما وجد منه.\n﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: نكوِّنه ونُوجده في العالم السُّفلي.\n﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إلا بمقدار معيَّن، وقد عيَّنته الحكمة، واقتضته المشيئة، فإنَّ تخصيص (^٢) كلٍّ منها بصفةٍ دون أخرى، وشكلٍ ومقدارٍ ووقتٍ معيَّنٍ دون ما يخالفها، لا بُدَّ له من مخصِّصٍ حكيمٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1824\"> </span>(٢٢) - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾.\n﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ فيه إشارة إلى أنَّ مقتضى طبع الرِّيح الهُبوب، وإنَّما يركُد بالقسر الإلهي لِمَا في هبوبه الزَّائد عن قَدْر الحاجة مفسَدةٌ عظيمةٌ.\n_________\n(^١) في (ف): \"خبره\".\n(^٢) في (ف): \"تخصص\".","vol":"5","page":499},{"text":"﴿لَوَاقِحَ﴾: حواملَ، أو: ملقِحاتٍ للشَّجر والسَّحاب، ونظيره: الطَّوائح بمعنى المَطاوح، جمع مُطيحة، كقوله:\nومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيْحُ الطَّوائِحُ (^١)\nأي: المطيحات، شبَّه الرِّيحَ التي جاءت بخير كإنشاء سحابٍ ماطرٍ (^٢) وإنبات زرعٍ وعشب بالحامل، كما شَبَّه ما لا يكون كذلك بالعقيم.\nوقرئ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ على تأويل الجنس (^٣).\n﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قد مرَّ تفصيله في تفسير (سورة البقرة).\n﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ (^٤): فجعلناه لكم سُقْيا.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ نفيٌ لما أثبته لنفسه في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ عنهم، كأنَّه قال: نحن الخازنون للماء لا أنتم؛ أي: نحن القادرون على خزنه في السَّحاب وإنزاله، وما أنتم عليه بقادرين، دلالةً باهرة على عظيم قدرته، وإظهارًا لعجزهم.\nوقيل: معنى ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ في الغدران والعيون والآبار.\n* * *\n_________\n(^١) اختلف في نسبته. فنسب في \"الكتاب\" لسيبويه (١/ ٢٨٨) للحارث بن نهيك، وفي \"مجاز القرآن\" (١/ ٣٤٩) لنهشل بن حري، وبلا نسبة في \"المقتضب\" (٣/ ٢٨٢)، و\"الخصائص\" (٢/ ٣٥٣). وصدره:\nليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ\n(^٢) في (ك) و(م): \"السحاب الماطر\".\n(^٣) هي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٨).\n(^٤) \"فجعلناه لكم سقيًا\" زيادة من (ك) و(م).","vol":"5","page":500},{"text":"<span id=\"aya-1825\"> </span>(٢٣) - ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ تقديم الضَّمير للاختصاص، وتكريره وتأكيده بـ ﴿إِنَّ﴾ للحصر والتَّقوية؛ أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة (^١) إلَّا لنا.\nويجوز أنْ يُرادَ بالحياةِ ما يعمُّ الحيوان والنَّبات، وبالموت ما يقابله.\n﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾: الباقون بعد فناء الخلق كلِّه، استُعير الوارث للباقي، من وارث الميت؛ لأنَّه يبقى بعد فنائه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1826\"> </span>(٢٤) - ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: مَن استَقْدَم ولادةً وموتًا، ومَنْ تأخَّرَ مِنَ الأوَّلين والآخِرين فيهما.\nأو: مَنْ خرج مِنْ أصلاب الرِّجال ومَنْ لم يخرج بعدُز.\nأو: مَنْ تقدَّم في الإسلام والجهاد وسبقَ إلى الطَّاعة ومَن تأخَّر، لا يخفي علينا من أحوالكم شيءٌ، فهو بيانٌ لكمال علمه تعالى بعد الاحتجاج على كمال قدرته، وقد دلَّ على علمه أيضًا ما دلَّ على قدرته.\nوقيل: رَغَّبَ رسولُ الله ﷺ في الصَّف الأوَّل في الصَّلاة، فازدحموا عليه، فنزلت (^٢).\n_________\n(^١) \"والإماتة\" من (م).\n(^٢) روي عن الربيع بن أنس كما في \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٣٣٨)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٢٧٦).","vol":"5","page":501},{"text":"وقيل: إنَّ امرأة حسناء كانت في المصلِّيات خلفَ رسول الله ﷺ، فاستقدم بعضُ القوم لئلَّا يقعَ بصره عليها، واستأخر بعضُهم ليبصرها، فنزلت (^١).\nوما تقدَّم من الوجوه والذي يتلوه هو المطابق للسَّابق واللَّاحق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1827\"> </span>(٢٥) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الحشر: جمع الحيوان من جهات شتَّى إلى مكان؛ أي: هو (^٢) وحده يقدر على حشرهم وحصرهم مع تباعد أطراف عددهم.\nوتصدير الجملة بـ (إنَّ) لتحقيق الوعد، والتَّنبيهِ على أنَّ ما سبق من الدَّليل على كمال قدرته تعالى وعلمه يدلُّ على صحَّة هذا الحكم، كما صرَّح به في قوله:\n﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾: باهر (^٣) الحكمة، متفنِّنٌ (^٤) في أفعالِه.\n﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: واسع العلم، يحيط بكلّ شيءٍ علمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1828\"> </span>(٢٦) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣١٢٢)، والنسائي (٨٧٠)، وابن ماجه (١٠٤٦) عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄. ورواه الترمذي عن أبي الجوزاء دون ذكر ابن عباس ﵄، وقال: وهذا أشبه أن يكون أصح. وقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: غريب جدا وفيه نكارة شديدة.\n(^٢) \"هو\" من (م).\n(^٣) في (م): \"أي باهر\".\n(^٤) في (ك): \"متقن\".","vol":"5","page":502},{"text":"﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ لَمَّا نبَّه تعالى على منتهى الخلق - وهو الحشر يوم القيامة؛ أي: ما يستقرُّون فيه - نبَّههم (^١) على مبدأ أصلِهم.\nوالصَّلصالُ: الطين اليابس الذي يُصلصِل لشدَّة يبسه، وهو غير مطبوخ، وإذا طبخ فهو فخَّار، وقيل: إذا سمع في صوته مَدٌّ عند النَّقر فهو صليل، وإذا سمع ترجيع فهو صلصلة، وقيل: هو تضعيف (صَلَّ): إذا أنتن.\n﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ صفة ﴿صَلْصَالٍ﴾؛ أي: كائنٍ من حمأ، ويجوز أن يكون بدلًا من ﴿صَلْصَالٍ﴾ بإعادة الجارّ.\nوالحمأُ: طينٌ تغيَّر واسودَّ من طولِ مجاورةِ الماءِ.\n﴿مَسْنُونٍ﴾: مصبوبٍ مفرَّغٍ، من سَنَّ الماء: إذا صبَّه؛ أي: أُفرغ صورةَ إنسان كما تُفرغ الصورة والتَّماثيل من الجواهر المذابة، كأنه أَفرغ الحمأ فصوَّر منها تمثال إنسان أجوفَ، فيبس حتى إذا نُقر صلصل، ثم غيَّر ذلك طورًا بعد طورٍ حتى سوَّاه ونفخ فيه من روحه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1829\"> </span>(٢٧) - ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.\n﴿وَالْجَانَّ﴾: أبو الجنِّ إبليس (^٢)، كما أنَّ اَدم ﵇ أبو الإنس، ويجوز أن يُرادَ به الجنس، كما هو الظَّاهر من ﴿الْإِنْسَانَ﴾، فإنَّ تشعُّب الجنس لما كان من شخصٍ واحدٍ خُلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقًا منها.\nوانتصابه بفعل يفسِّره: ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ خلق الإنسان.\n_________\n(^١) في (م): \"نبأهم\".\n(^٢) \"إبليس\" سقط من (م) و(ك).","vol":"5","page":503},{"text":"﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: من نار الحرِّ الشَّديد النافذ في المسام، وهذا باعتبار الغالب، كقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠]، ولا يمتنِع خلقُ الحياة في الأجرام البسيطة، كما لا يمتنِع خلقها في الجواهر المجرَّدة، فضلًا عن الأجساد المؤلفة التي الغالبُ فيها الجزء النَّاري، فإنها أقبلُ لها من الغالب فيها الجزءُ الأرضي.\nومساق الآية كما هو للدّلالة على كمال قدرة الله تعالى، وبيانِ بدء خلق الثَّقلَين، فهو للتَّنبيه على المقدِّمة الثَّانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر، وهو قَبول الموادِّ للجمع والإحياء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1830\"> </span>(٢٨) - ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ اذكُرْ وقتَ قولِه: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ إنما قال هاهنا ﴿بَشَرًا﴾؛ لأنَّ المراد الجسد الخالي عن الرُّوح، والمراد فيما سبق جنس الإنس، ولم يقصد خلوَّه عن الرُّوح، فلذلك عبَّر عنه ثمَّة بـ ﴿الْإِنْسَانَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1831\"> </span>(٢٩) - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.\n﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾: عدَّلْتُ خِلقته وهيأتُه لنفخ الرُّوح فيه.\n﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾؛ أي: أحييته، وهو تمثيل لتحصيل ما تحيى به جثَّته فيه، وما ثمَّةَ نفخٌ ولا منفوخ، لكن لَمَّا كان ظهور الرُّوح الإنساني المخصوص بالله تعالى فيه إنما هو بفيضان القوَّة الحيوانيَّة على البخار اللَّطيف المتولِّد في القلب الساري","vol":"5","page":504},{"text":"منه في الشَّرايين إلى سائر أعضاء البدن عبَّرَ عن إحيائه بنفخ الرُّوح، فإنَّ النَّفخ إنما هو إجراء الرِّيح (^١) في تجويف جسم آخرٍ.\nوإضافة الرُّوح إلى نفسه لأنّه مصدَر نه بلا واسطةٍ.\n﴿فَقَعُوا لَهُ﴾: فاسقطوا له ﴿سَاجِدِينَ﴾: أمرٌ من وقَعَ يَقَعُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1832\"> </span>(٣٠) - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.\n﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ تعلُّقه لأمرٍ منجَزٍ مذكورٍ في مواضع أُخر، وقد قرَّرناه في تفسير (سورة الأعراف)، لا لأمرٍ معلَّقٍ مذكورٍ هاهنا، فالفاء فصيحة (^٢) للعطف على محذوفٍ، تقديره ظاهرٌ لمن وقف على الأمر التَّنجيزي.\n﴿أَجْمَعُونَ﴾ أكَّدَ بتأكيدَيْن للمبالغة في التَّعميم ومنع التَّخصيص، هذا على قول سيبويه (^٣).\nوعن المبرِّد: أكَّد بالكُلِّ للإحاطة، وبـ (أجمعين) للدَّلالة على أنَّهم سجدوا دفعة واحدة.\nوردَّه الزَّجَّاج بأنَّ (أجمعين) معرفة، فلا يكون حالًا (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"إجزاء الروح\".\n(^٢) في (م): \"الفصيحة\".\n(^٣) انظر: \"الكتاب\" (٢/ ٣٨٧).\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ١٧٩). وجاء في هامش (م): \"قيل: فيه إشارة إلى الرَّد على البيضاوي حيث قال بعد ما نقل عن المبرد: فيه نظر؛ إذ لو كان الأمر كذلك كان الثَّاني حالًا لا تأكيدًا. انتهى. أقول: مراد القاضي البيضاوي كان الثاني حالًا، إذ فيه تأسيس، والحال أنه لا يكون حالًا لأنَّه معرفة؛ يعني مراد الفاضل القاضي أنَّ اللَّازم نظر، والملزوم مثله. منه. =","vol":"5","page":505},{"text":"<span id=\"aya-1833\"> </span>﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.\n﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متَّصل، وقد سبق وجهه في سورة البقرة والأعراف.\n﴿أَبَى﴾ استئناف، كأن سائلًا قال: هلَّا سجد، فقيل: أبى.\n﴿أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ في عبارة ﴿مَعَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ إبليس كان في حيِّز التَّابعين في أمر السُّجود، ومع ذلك استكبر، ولا يخفى لطف موقع هذه الإشارة حيث كان الكلام في تقبيح حاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1834\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.\n﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ﴾: أيُّ غرضٍ لك في أن لا تكون ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1835\"> </span>(٣٣) - ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.\n﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ اللَّام لتأكيد النَّفي؛ أي: لا يصحُّ منِّي، وينافي حالي أن أسجد ﴿لِبَشَرٍ﴾ جسمانيٍّ كثيفٍ، وأنا روحانيٌ لطيفٌ.\n_________\n= ويمكن الجواب من جانب المبرِّد أنّ وضعَ لفظ (كل) و(أجمعين) للتَّأكيد، وكل واحد منهما تأكيد للملائكة من جهة مستقلَّة، وذلك أن الإحاطة تفهم من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ فيكون قوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾ تأكيدًا من حيث الإحاطة كما في قولهم: جاءني القوم كلهم، وأيضًا يفهم من قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ سجدتهم مجتمعين دفعة، فيكون قوله تعالى: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدًا من حيث الدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة كما في قولهم: جاءني القوم أجمعون، فعلى هذا ليس فيه تأسيس حتى لا يكون تأكيدًا بل حالًا. هداية الله عمر من خطه\".","vol":"5","page":506},{"text":"﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: خلقتَه من أخسِّ الأجرامِ، وأنا مخلوق من أشرفها، استنقَص آدمَ ﵇ باعتبار النَّوع والأصل، وقد سبق الجواب عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1836\"> </span>(٣٤) - ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾.\n﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾: من السَّماء أو من (^١) الجنَّة.\n﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: مطرودٌ من رحمة الله تعالى، أي: ملعونٌ لأن الطَّرد من الرَّحمة هو اللَّعن، والرَّجم في الأصل هو الرَّمي بالحجارة (^٢)، وجُعل الرَّجم طردًا لأنَّ مَنْ يُطرَد يُرْجَم بالحجارة.\nوقيل: مِن الشَّياطين المرجومين بالشُّهب، وهذا ليس جوابًا عن الشُّبهة على سبيل التَّصريح، بل هو جوابٌ على سبيل التَّنبيه، وذلك أنَّ الذي قاله (^٣) تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النَّص بالقياس كان رجيمًا ملعونًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1837\"> </span>(٣٥) - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾.\n﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾ هو الإبعاد والطرد.\n﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ جعلَه منتهَى أمد (^٤) اللَّعن، لا بمعنى أنَّه ينقطع عنده، بل\n_________\n(^١) \"من \"من (م).\n(^٢) \"بالحجارة\" من (م).\n(^٣) في (ك): \"قاسه\".\n(^٤) في (ك): \"أمر\".","vol":"5","page":507},{"text":"بمعنى أن الإغواء الموجِب للَّعن على لسان المكلَّفين ينقضي بانقضاء التَكليف وقتَ الجزاء، فينقطع ذلك اللَّعن، ثمَّ يُجازَى بما يَنسى معه اللَّعن، ويستحقُّه (^١) من أنواع العذاب، وإلَّا فاللَّعن في القيامة منصوصٌ عليه في مواضعَ من كلام الله تعالى، كقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].\nوقيل (^٢): حُدَّ اللَّعنُ به لأنّه أبعدُ غايةٍ يضربها النَّاس في التَّأبيد، كقوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1838\"> </span>(٣٦) - ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾: فأخِّرني، والفاء متعلِّقة بمحذوفٍ دلَّ عليه سياق الكلام تقديره: فإذا جعلْتَني رجيمًا إلى يوم القيامة فأنظرني ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إنَّما سأل الإنظارَ (^٣) طلبًا للإمهال في العقوبة.\nقيل: أراد أن يجد فُسْحةً في الإغواء، أو نجاةً عن الموت؛ إذ لا موت بعد وقت البعث، فأجابه إلى الأوَّل دون الثَّاني. وما ذكرنا أهمُّ، وهو مستلزِم لما ذكره أوَّلًا، وأمَّا ما ذكره ثانيًا فمبناه ضعيف على ما ستقف عليه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ويستحق\".\n(^٢) في (ف): \"قيل\".\n(^٣) \"إنما سأل الإنظار\" زيادة من (م).","vol":"5","page":508},{"text":"<span id=\"aya-1839\"> </span>(٣٧) - ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.\n﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ الفاء للعطف على محذوفٍ تقديرُه: لا حاجة إلى السُّؤال؛ فإنَّك من الذين اقتضى حكمة التَّكليف إنظارَهم، فكان فيها تنبيه (^١) على أنَّه لا إجابة له ولا كرامة من جهة الإسعاف لبعض سؤاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1840\"> </span>(٣٨) - ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾.\n﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ هذا و(يوم الدِّين) و(يوم يبعثون) واحد، إلا أنَّه خولف بين العبارات قضاءً لحقِّ البلاغة في الكلام، فعبَّر عنه أوَّلًا بيوم الجزاء لِمَا عرفْتَ، وثانيًا بيوم البعث لأنَّه المناسب لغرض اللَّعين، وثالثًا بيومِ الوقت المعلوم لوقوعه في الكلامَيْن.\nوزيادة الوقت للتَّنبيه على أنَّ التَّأخير إلى ذلك اليوم لا يقتضي نجاته؛ لأنَّه زمانٌ ممتدٌّ، والبعث في بعض أوقاته، فيجوز أن يموت في أوَّله ثم يُبعَث مع سائر الخلائق في وقت البعث.\nوهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطةٍ لم تدلَّ على كرامته عند الله تعالى؛ لأنَّه على سبيل الإهانة والإذلال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1841\"> </span>(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للسبب، و(ما) مصدريَّة؛ أي: بعد أن أمهلْتَني لأجتهدنَّ في إغوائهم بأيِّ طريقٍ يمكنني بسبب إغوائك إيايَّ بواسطتهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"تنبيهًا\".","vol":"5","page":509},{"text":"وقيل: الباء للقسم، ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، والقصَّةُ واحدةٌ، وهو صريحٌ في أنَّ القسم بصفة الذَّات، فمَن قال: والمعنى: أقسم بإغوائك إيَّايَّ، ثم قال: وفي انعقاد القسم بأفعال الله تعالى خلافٌ = فقد أخطأ في الأوَّل، ولم يصب في الثَّاني؛ لأنَّ الخلاف للفقهاء ونزاعَهم في أنَّه يمين يترتَّب عليها أحكامها من الكفَّارة وغير ذلك، لا في اليمين المتعارف، فإنَّه لا خلاف في أنَّ (^١) اسم الحَلِف في عُرف العرب يقع عليه، وهو متعارف عندهم، ولهذا وردَ النَّهيُ عن الحلف بالآباء، وعدَّه الأصحاب مكروهًا، فالكلام المذكور لا مساسَ له لهذا المقام.\n﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لأزِّيننَّ لهم المعاصيَ في الدُّنيا التي هي دار الغرور، كقوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].\nوقيل: ومعنى تقييد التَّزيين بقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: قدرتُ على تزيين الأكل من الشَّجرة لآدم ﵇ في السَّماء (^٢) فلَأَنْ أقدر على تزيين المعاصي لذرِّيته في الأرض أولى.\n﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ولأحملنَّهم على الغواية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1842\"> </span>(٤٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾؛ أي: الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته، وطهَّرهم عن الشَّوائب.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أنه\".\n(^٢) \"في السماء\" من (م).","vol":"5","page":510},{"text":"وقرئ بكسر اللام (^١)؛ أي: الذين أخلصوا نفوسهم ودينَهم لله تعالى.\nوكان يكفيه أن يقوله: (إلا المخلصين منهم) فزاد قوله: ﴿عِبَادَكَ﴾؛ إشارةً إلى وجه خلاصهم عن إغوائه، وهو اختصاصهم بالله تعالى من جهة العبودية، وتوطئةً لتوصيفهم بالوصف المذكور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1843\"> </span>(٤١) - ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى ما تضمَّنه الاستثناء، وهو تخلُّص المخلَصين من إغوائه، أو إلى الإخلاص.\n﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ﴾؛ أي: تخلُّصهم من إغوائك وانتفاءُ سلطانك عليهم حقٌّ عليَّ أن أراعيَه، أو الإخلاص طريق عليَّ، بمعنى: يؤدِّي إلى الوصول إليَّ والدُّخول عليَّ.\nوإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة، والشَهادةِ باستعلاءِ مَن ثبت عليه، فهو أدلُّ على التَّمكين من الوصول، فهو تمثيل؛ إذ لا استعلاء لشيءٍ عليه، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا.\n﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ من غير اعوجاجٍ، أو هذا الصِّراطُ حقٌّ عليَّ أنْ أراعيَه، وهو أن لا يكون لك سلطانٌ على عبادي، فقوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-1844\"></span><span id=\"aya-1845\"> </span>(٤٢ - ٤٣) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ تفسير للصِّراط المشار إليه بهذا على طريق الاستئناف.\n_________\n(^١) قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ الباقون بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).","vol":"5","page":511},{"text":"وقرئ: ﴿عَلِيٌّ﴾ مِن عُلُوِّ الشَّرفِ والمكانةِ (^١).\nوفي القول المذكور ردٌّ لما أَوهمَ اللَّعين مِن أنَّه إنَّما استثنى المخلَصين رعايةً لشرف تقرُّبهم من الله تعالى.\nوالإضافة في ﴿عِبَادِي﴾ للتَّشريف؛ يعني: إنَّ المخلصين بعبادتي المشرَّفين بالانتساب إليَّ لا قدرةَ لكَ على إغوائهم، فالاستثناء في قوله:\n﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ منقطعٌ؛ أي: لكن مَن اتَّبعك من الغاوين فلكَ عليهم سُلطان، والواو في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾؛ أي: لموعدُ المتَّبِعين، للعطفِ على المحذوف المذكور (^٢).\nوأمَّا ما قيل: إنه تكذيبٌ له فيما أَوهم أنَّ له سلطانًا (^٣) على مَن ليس بمخلِصٍ (^٤) من عباده، فإنَّ منتهى أمره التَّحريض والتَّدليس، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلا يخفى بعدُه؛ لأنّه إنْ أُريْدَ بالسُّلطان: القدرة على الإغواء والضَّلال، فلا وجه للتَّكذيب له، وإنْ أُريْدَ به: ما أراده في القول المنقول عنه من القدرة القاهرة، فكلامه خلوٌ عن إيهامه، ثمَّ إنَّ مبناه على انقطاع الاستثناء مع صحَّة التَّناول في المستثنى منه للمستثنى، ولا يخفى ما فيه؛ فإنَّ حقَّ الاستثناء على تقدير العموم في المستثنى منه (^٥) الاتِّصال، كما ذهب إليه مَنْ قال: إنَّه\n_________\n(^١) قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٠١).\n(^٢) \"المذكور\" من (م).\n(^٣) في النسخ: \"أوهم أنه سلطان\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢١٢).\n(^٤) في (ف): \"بمخلصين\".\n(^٥) \"منه\": سقط من (م) و(ك).","vol":"5","page":512},{"text":"تصديقٌ لإبليس فيما استثناه (^١)، ولا يذهبْ عليك أنَّ خطابه بالتَّصديق فيما قاله لا يخلو عن نوعِ إجلالٍ له، فلا يناسب مقام الإهانة والإذلال.\n﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضَّمير، أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدرًا على تقدير مضاف، ومعنى الإضافة إن جعلته اسمَ مكان فإنَّه لا يعمل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1846\"> </span>(٤٤) - ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾.\n﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ بحسب طبقاتها، استئناف، أو خبر ثانٍ، ومَن قال: يدخلون فيها لكثرتهم، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم لم يصب في واحدٍ منهما، أما في الثَّاني فظاهر؛ لأنَّ الأبواب مداخل تلك الطَّبقات لأنفسها، وأمَّا في الأوَّل فلأنَّ مبناه على أن يكون التَّعدد في المداخل (^٢) فقط، وليس كذلك، قال عليٌّ ﵁: إن الله تعالى وضع الجِنَان على العرض، ووضع دَرَكَات النِّيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنَّم، وفوقها اللَّظى، وفوقها الحُطَمة، وفوقها سَقر، وفوقها الجحيم، وفوقها السَّعير، وفوقها الهاوية (^٣).\nومَنْ وهَم عكس التَّرتيب فقد وهِم.\n﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾: من الأتباع ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أُفرز له، فأعلاها للموحِّدين، والثَّانيةُ لليهود، والثالثة للنصارى - وروي أنَّ الثَّانية للنَّصارى والثالثةَ لليهود - والرَّابعة للصَّابئين، والخامسة للمجوس، والسَّادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، قال الله\n_________\n(^١) في (م): \"استثنا\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"المدخل\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٣٤٢).","vol":"5","page":513},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] (^١). وهذا صريحٌ في أنَّها دَرَكَاتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ.\nوبما قرَّرناه ظهرَ أنَّ تخصيصَ العدد لأنَّ أهلها سبعُ فرقٍ، لانحصار مجامع المهلكات في الرُّكون إلى المحسوسات، ومتابعةِ القوَّة الشهوانيَّة والغضبيَّة.\nوقرئ: ﴿جُزْءٌ﴾ بالتَّثقيل (^٢)، وقرئ: ﴿جُزٌّ﴾ على حذف الهمزة وإلقاء حركته على الزَّاي ثم الوقف عليه بالتَّشديد، ثم إجراء الوصل مجرى الوقف (^٣).\nو﴿مِنْهُمْ﴾ حالٌ منه، أو من المستكنِّ في الظَّرف، لا في ﴿مَقْسُومٌ﴾ (^٤)؛ لأنَّ الصِّفة لا تعمل فيما تقدَّم على موصوفها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1847\"> </span>(٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ من اتِّباعه، مَن قال: في الكفر (^٥) والفواحش فإنَّ غيرها مكفَّرة. فكأنَّه غفل عن اشتراط كفارة الصَّغائر بالاجتناب عن الكبائر.\n﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ قد سبق في تفسير (^٦) سورة البقرة: أنَّ الجِنَان أيضًا سبعٌ، وفي كلِّ واحدة منها مراقب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.\n_________\n(^١) ذكره الثعلبي عن الضحاك. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٣٤٢).\n(^٢) يعني: بضم الزاي، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٢).\n(^٣) قرأ بها أبو جعفر المدني من العشرة. انظر: \"النشر\" (١/ ٤٣٢).\n(^٤) في (ف) و(م): \"المقسوم\".\n(^٥) أي: (من اتِّباعه في الكفر …)، والقائل البيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢١٢).\n(^٦) في (ك) و(م): \"سبق تفسيره في\".","vol":"5","page":514},{"text":"﴿وَعُيُونٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وأن تكون منابع مغايرة (^١) لتلك الأنهار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1848\"> </span>(٤٦) - ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.\n﴿ادْخُلُوهَا﴾ على إرادة القول، وقرئ بقطع الهمزة وكسر الخاء (^٢)، على أنه ماضي الإدخال.\n﴿بِسَلَامٍ﴾: سالمين، أو: مسلَّمًا عليكم، أي: يسلِّم عليكم الملائكة.\n﴿آمِنِينَ﴾ من الآفات والعاهات، وأمَّا الزَّوال فالأمن عنه إنَّما يُعلَم من قوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، فلا وجه لدَرْجه في الأمن المراد هاهنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1849\"> </span>(٤٧) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\n﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ كان لبعضهم في الدُّنيا على آخر، نزعَ الله تعالى ذلك من قلوبهم بعد دخولهم الجنَّة، وطيَّب نفوسَهم.\nروى أبو أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"إنَّ أهلَ الجنَّةِ يدخلونَ\n_________\n(^١) \"مغايرة\" سقط من (ك).\n(^٢) أي: (أُدْخِلُوها). ونسبت للحسن وليعقوب في رواية رويس، والمشهور عن يعقوب: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ كقراءة الجمهور. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٣/ ٤٩٠)، و\"النشر\" (٢/ ٣٠١).","vol":"5","page":515},{"text":"الجنّةَ بما في صدورِهم مِنَ الشَّحناءِ والغِلِّ، فإذا ترافقوا وتقابلوا نزعَ اللهُ تعالى ذلك مِن صدورِهم، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ الآية\" (^١).\nفمن وهَم أن ذلك النَّزعَ في الدنيا فقد وهِم.\nوعن علي ﵁: أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزُّبير منهم (^٢).\nوالغِلُّ: الحقد الكامن في القلب، مِن انغلَّ في جوفه وتغلغل، فلا وجه لما قيل: من التَّحاسد على درجات الجنَّة ومراتب القُرْب.\n﴿إِخْوَانًا﴾ حال من الضمير المجرور في ﴿صُدُورِهِمْ﴾، وجاز ذلك لأنَّ المضاف جزء المضاف إليه، أو من فاعل ﴿ادْخُلُوهَا﴾، أو من الضمير في ﴿آمِنِينَ﴾ أو من الضمير في ﴿جَنَّاتٍ﴾، وكذا قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ويجوز أن يكونا صفتين لـ ﴿إِخْوَانًا﴾، أو حالين من ضميرهم لأنَّه بمعنى متصافِين، أو يكون ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا من المستتر في ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1850\"> </span>(٤٨) - ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾.\n﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ استئناف، أو حال بعد حال، أو حالٌ من الضمير في ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾.\nوالنَّصَبُ: الوهن الذي يَلحَق من التَّعب في العمل.\n_________\n(^١) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٧٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٢٤٠٠) موقوفًا على أبي أمامة ﵁ من طريق القاسم بن عبد الرحمن. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.\n(^٢) رواه الصنعاني في \"تفسيره\" (٢/ ٢٢٩)، والإمام أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٠٥٧).","vol":"5","page":516},{"text":"﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ نصٌّ في الخلود، وبه تتمُّ النِّعمة، ولَمَّا أتمَّ ذِكْرَ الوعد والوعيد رتَّبه بقوله:\n\n<span id=\"aya-1851\"></span><span id=\"aya-1852\"> </span>(٤٩ - ٥٠) - ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾.\n﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ تقريرًا لِمَا ذكر، وتمكينًا له في النُّفوس، وهو فذلكةٌ لذلك.\nوفي ذكر المغفرة إيماءٌ إلى أنَّه لم يُرد بـ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: الذين اجتنبوا الذُّنوب بأسرها كبيرها وصغيرها.\nوعن ابن عباس ﵄: غفور لمن تاب، وعذابه لمن لم يتب (^١).\nوفي توصيف ذاته بالغفران والرَّحمة دون التَّعذيب، والتَّأكيدِ بالضَّمير، وتعريفِ الاسمين، ترجيحٌ لجانب الوعد.\n\n<span id=\"aya-1853\"> </span>(٥١) - ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾.\nوفي عطف: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ تحقيق لها بما يعتبرون به مما نزلَ بقوم لوطٍ ﵇ من العذابِ، وإنجاء لوطٍ وآله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1854\"> </span>(٥٢) - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾.\n﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾؛ أي: نسلِّم عليك، أو: سلَّمنا سلامًا، أو سَلِمْتَ سلامًا.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٣٤٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٨٠).","vol":"5","page":517},{"text":"﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ الوَجَلُ: اضطراب النَّفس لتوقُّع مكروه (^١)، وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت، وقيل: لامتناعهم من الأكل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1855\"> </span>(٥٣) - ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾.\n﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ وقرئ: (لا تُوْجَلْ) بضم التَّاء (^٢)، من أَوجلَه: إذا أخافه.\nوقرئ: (لا تَاجَلْ) و(لا تُواجَلْ) (^٣) من واجَله، بمعنى: أوجله.\n﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ استئناف في معنى التَّعليل للنَّهي عن الوَجَل؛ أي: إنك في محل الأمن والبِشارة، فإن المبشِّر (^٤) لا يُخاف منه.\nوقرئ: ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ بفتح النَّون والتَّخفيف (^٥)، من البِشر.\n﴿بِغُلَامٍ﴾ هو إسحاق ﵇، لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [هود: ٧١].\n﴿عَلِيمٍ﴾ بالدِّين، فأُدمج فيه الإشارةُ إلى نبوَّته كما ضمِّن قوله: ﴿بِغُلَامٍ﴾ البشارةَ بكون الولد ذكرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1856\"> </span>(٥٤) - ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"مكروه كان\".\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧١).\n(^٣) نسبت الأولى لأبي معاذ، والثانية لأصحاب عبد الله. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٧١).\n(^٤) في (ف): \"البشر\".\n(^٥) وهي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨٧ - ٨٨).","vol":"5","page":518},{"text":"﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ مسُّ الكبر: كناية عن تغييره إيَّاه عن الحال التي يطمع في الولد إلى حال اليأس عنه، ومعنى الهمزة: التَّعجب والاستنكار؛ أي: البشارة بالولد مع كبر السنن أمرٌ (^١) عجيبٌ مستنكَر في العادة، ولذلك أكده بقوله:\n﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؛ أي: فبأيِّ أعجوبة تبشرونني (^٢)؟! فإنَّ البِشارة بما لا يُتَصوَّر وقوعه في العادة كَلَا بشارةٍ، أو بشارة بغير شيء.\nوقرئ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ بكسر النُّون والتَّشديد على إدغام نون الجمع في نون الوقاية، وبكسرها والتَّخفيف على حذف نون الجمع (^٣)، والأصل: تبشرونني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1857\"> </span>(٥٥) - ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾.\n﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما هو محقَّق الوقوع، أو: باليقين الذي لا لَبْسَ فيه.\nويجوز أن يكون قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ سؤالًا عن وجه البشارة وطريقته؛ أي: بأي طريقة تبشرونني بالولد، ولا طريق إلى هذه البِشارة في العادة؟ وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾: بطريقة هي الحقُّ، وهو قول الله تعالى ووعده.\n_________\n(^١) في (م): \"مع سنن الكبير أمر\".\n(^٢) في (م): \"تبشروني\".\n(^٣) قرأ نافع: بكسر النون مخففة، وابن كثير بكسرها مشددة، والباقون بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٦).","vol":"5","page":519},{"text":"﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: من الآيسين من (^١) ذلك، فإنَّه القادر على إيجاد بشرٍ من غير أبوَيْن، فكيف من شيخ هرم وعجوز عاقر، وكان استعجاب إبراهيم ﵇ باعتبار العادة دون القدرة ولذلك:\n\n<span id=\"aya-1858\"> </span>(٥٦) - ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾.\n﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾؛ أي: المخطئون طريقَ المعرفة، فلا يعر فون كمال قدرته وسعة رحمته، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]؛ أي: لم أستبعدْ ذلك قنوطًا من رحمته تعالى واستبعادًا من قدرته، بل استبعدته استعجابًا باعتبار العادة.\nوقرئ (^٢) ﴿يَقْنَطُ﴾ بالحركات الثَّلاث (^٣)، وقرئ: (من القَنِطين) مِنْ قنطَ يقنَط (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1859\"> </span>(٥٧) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.\n﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: فما الأمرُ الجليل الذي بُعثتم له؟\nتفريعٌ على ما عُلِمَ ممَّا تقدَّم مِنْ أنَّ كلَّ القصد من إرسالهم ليس البشارةَ لأنهم كانوا ذوي عدد، ولو لم يكن المقصود إلا البشارة لاكتُفي بالواحد كما اكتُفي به في\n_________\n(^١) في (ك): \"عن\".\n(^٢) في (م): \"قرئ\".\n(^٣) قرأ النحويان والأعمش بكسر النون، وقرأ باقي السبعة بفتحها، وزيد بن علي والأشهب بضمها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٦)، و\" المحتسب\" (٢/ ٥).\n(^٤) نسبت إلى ابن وثاب وطلحة والأعمش. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٦٦)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٢٦٨).","vol":"5","page":520},{"text":"بشارة زكريا ومريم، ولأنهم بشروه في أثناء إزالة الوجل، ولو كان المقصود هي وحدها لابتدؤوا بها، ولأنَّ نزول الملائكة يكون غالبًا للعذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1860\"> </span>(٥٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أريدَ بهم معيَّنون، يدل عديه قولهم في سورة هود: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠]، وإنَّما نكَّرها (^١) هاهنا على سبيل الاستهانة بهم، كأنهم أُبهِموا أوَّلًا، ثم بُيِّنوا، فنُقل كلٌّ منهما في موضع اكتفاء بقَدْر الحاجة.\nوفي الإشارة في توصيفهم بالمجرمين إلى أنَّ إرسالهم بالعذاب غنيٌّ عن العبارة عنه بقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] الواقع في موضعٍ آخر، فكأنهم قالوا: إنا أرسلنا بالعذاب إلى قوم مجرمين.\nوالمجرم: المنقطِع عن الحقِّ إلى الباطل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1861\"> </span>(٥٩) - ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ استثناء مُتَّصل من الضَّمير في ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أي: قومٍ أجرموا كلُّهم إلَّا آلَ لوطٍ، أو من ﴿قَوْمٍ﴾ على أن توصيفهم بالإجرام باعتبار الغالب، وعلى كِلَا التَّقديرَيْن: القوم والإرسال شاملان للمجرمين وآلِ لوط المؤمنين به ﵇، والمعنى: إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط وآله ليهلكوا قومه وينجو وأهلَه (^٢) إلا امرأته.\n_________\n(^١) في (ك): \"نكر\".\n(^٢) في (ك): \"أهله\".","vol":"5","page":521},{"text":"﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾؛ أي: ممَّا يعذَّب به القوم.\n﴿أَجْمَعِينَ﴾ استئناف للجواب عن سؤال إبراهيم ﵇، وهو مذكور في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، وهذا القدْر من الاختلاف في أسلوب الكلام لا يضرُّ إذا كان المراد نقل خلاصة المعنى وحاصل المرام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1862\"> </span>(٦٠) - ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضَّمير المجرور في ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾، أو من ﴿آلَ لُوطٍ﴾ على أن يُجعل ﴿لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ اعتراضًا.\n﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ﴿إِنَّهَا﴾ كسرت لأجل اللَّام في خبرها، ولولاها لفتحَتْ، وهي معلِّقة لِمَا قبلها؛ لأنَّ فعل التَّقدير يعلَّق إجراءً له مجرى القَول؛ لأنَّ التَّقديرَ بمعنى القضاء قول، أو مجرى العلم إمِّا لكونه بمعناه، أو لكونه مترتِّبًا عليه، وأمَّا تضمينه معنى العلم فلا يجدي نفعًا؛ لبقاء معنى الفعلَيْن.\nوأصل التَّقدير: جعلُ الشيء على مقدار غيره.\nوالغابر: الباقي، والمراد: البقاء في العقوبة.\nوهذه الجملة من كلام الله تعالى ذكرَتْ تقريرًا للاستثناء الواقع في كلام الملائكة؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ صريحٌ فيه، والقصَّة واحدة، فلا مساغَ لأنْ يكون من كلام الملائكة، فالذين سَعوا في توجيه إسنادهم التقدير إلى أنفسهم بما لا يخلو عن نوعِ تعسُّفٍ لم يكن سعيهم مشكورًا.\n* * *","vol":"5","page":522},{"text":"<span id=\"aya-1863\"> </span>(٦١) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ الفاء الفصيحة للعطف على محذوفٍ تقديرُه ظاهر بقرينة المقام وباقي الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1864\"> </span>(٦٢) - ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تُنْكِرُكُمْ نفسي، وأخاف أن تَطرقوني بِشَرٍّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1865\"> </span>(٦٣) - ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.\n﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله وتخافه، بل جئناك بما يَسرُّك ويشفيك من أعدائك، وهو العذاب الذي تتوعَّدهم بنزوله، فيجادلونك فيه تكذيبًا لك، وقوله في سورة هود ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٠ - ٨١] لا يمكن توفيقه لهذه المقاولة إلا بحمل قوله ﵇ هاهنا على تصوير الحال والتَّعبير عنها، وحمل ما نُقِلَ عنهم على نَقل مآل المعنى وحاصل الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1866\"> </span>(٦٤) - ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\n﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: باليقين من عذابهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به.\n* * *","vol":"5","page":523},{"text":"<span id=\"aya-1867\"> </span>(٦٥) - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾.\n﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ فاذهبْ بهم في اللَّيل.\nقرئ: ﴿فَأَسْرِ﴾ بقطع الهمزة ووصلها من أسرى وسرى (^١)، وقرئ: (فسِرْ) من السَّير (^٢).\n﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بطائفة منه، وقيل: من آخره، قال:\nافتحي البابَ وانظري في النُّجومِ … كم علينا من قِطعِ ليلٍ بهيمِ (^٣)\n﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: وكنْ على إثرهم تذودهم؛ لئلا يتخلَّف منهم (^٤) أحد فيصيبَه العذاب؛ ولتكون مطَّلعًا عليهم وعلى أحوالهم، فلا يَشتغل قلبك بمن خلفك، ولا يصدر من أحدهم (^٥) هفوةٌ في تلك الحالة المهولة احتشامًا منك.\n﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ فيرى ما بهم من العذاب وَيرِقَّ لهم، أو يرى ما لا يطيقه من الهول فيبقى على مكانه دهشًا فيَهلِكَ، أو ينصرفَ فيصيبه العذاب.\nوقيل: نهوا عن الالتفات إلى الأوطان والمألوفات تحسرًا عليها ليواطنوا نفوسهم على المهاجرة.\n_________\n(^١) قرأ نافع وابن كثير بوصل الألف، والباقون بقطعها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: قطع)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٨٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢١٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٨٣).\n(^٤) في (م): \"عنهم\".\n(^٥) \"من أحدهم\" من (م).","vol":"5","page":524},{"text":"ويجوز أن يكون النهي عن الالتفات كنايةً عن الأمر بتواتر السَّير واتِّصاله، وتركِ التَّواني والتَّوقف، فإنَّ الملتفِت لا بُدَّ له من أدنى وقفة وتوانٍ.\n﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: حيث أمركم الله تعالى بالمضيِّ، وهو الشَّام أو مصر.\nعدِّى ﴿وَامْضُوا﴾ إلى ﴿حَيْثُ﴾ بنفسه؛ لأنَّه ظرف مبهَم في الأمكنة، وكذا ﴿تُؤْمَرُونَ﴾ إلى ضميره المحذوف على الاتِّساع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1868\"> </span>(٦٦) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾.\n﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ ضمِّنَ ﴿وَقَضَيْنَا﴾ معنى أوصينا فعُدِّي بـ (إلى)، كأنَّه قيل: وأوصينا إليه مقضيًّا مبتوتًا (^١).\n﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ مبهَم يفسِّره: ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ ومحلُّه النَّصب على البدل منه؛ أي: يُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد، وفي إبهامه والإشارةِ إليه (^٢) بـ ﴿ذَلِكَ﴾ ثم تفسيرِه تفخيمٌ للأمر وتعظيمٌ له.\nوقرئ: (إنَّ) بالكسر (^٣) على الاستئناف، كأنَّ قائلًا قال: ما ذلك الأمر؟ فقال: إن دابر … إلخ.\n﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصُّبح، حال من ﴿هَؤُلَاءِ﴾، أو من الضمير\n_________\n(^١) في (م): \"مثبوتًا\".\n(^٢) \"إليه\" من (م).\n(^٣) نسبت للأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧١).","vol":"5","page":525},{"text":"في ﴿مَقْطُوعٌ﴾، وإنَّما جُمع حملًا على المعنى، فإنَّ ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾ في معنى: مُدْبري هؤلاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1869\"> </span>(٦٧) - ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\n﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾: سَدُوم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾: بأضياف لوط ﵇؛ طمعًا فيهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1870\"> </span>(٦٨) - ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ الضَّيفُ في الأصل مصدر: ضاف يَضيف ضيفًا (^١): إذا أتى إنسانًا لطلبِ القِرى، وهو اسم يقع على الواحد والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، وإطلاق الضَّيف على الملائكة لكونه في صورته.\n﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ بفضيحة ضيفي؛ فإن مَن أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيء إليه، يقال: فضحه يفضحه فضحًا وفضيحةً: إذا ظهر من أمره ما يلزمه العار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1871\"> </span>(٦٩) - ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ركوب الفاحشة.\n﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: ولا تذلّونِ بسببهم، مِنَ الخِزْي وهو الهوان، أو (^٢): لا تُخجلونِ فيهم، من الخَزَاية، وهي الخجالة.\n_________\n(^١) \"ضيفًا\" من (ك). ووقع في النسخ: \"مصدر أضاف يضيف\"، والصواب المثبت.\n(^٢) في (ف) و(م): \"و\".","vol":"5","page":526},{"text":"وهذا القول منه ﵇ صريحٌ في أنَّ مجيء أهل المدينة والمقاوَلةَ معهم في شأن الأضياف قبل العلم بأنَّهم ملائكة أُرْسِلوا للنَّصر، فجاء في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ إخبار عن مجيئهم عقيب نزول الملائكة في بيت لوط ﵇ قبل محاورته معهم وعلمه (^١) بأنَّهم ملائكة، وما في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ إخبارٌ عن محاورته ﵇ مع الملائكة بعد تمام مقاولته مع أهل المدينة، ولا دلالة في الواو على التَّرتيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1872\"> </span>(٧٠) - ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ الهمزة (^٢) للاستفهام الإنكاري، والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: ألم نقل لك: لا تُجِرْ أحدًا بالإنزال في بيتك ولم ننهك عن العالمين؟! أي: عن المنع بيننا وبينهم، فإنهم كانوا يتعرَّضون لكلِّ واحدٍ، وكان لوط ﵇ يمنعهم عنه بقدر وسعه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1873\"> </span>(٧١) - ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.\n﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ فيه وجوهٌ قد مرَّ بيانها في تفسير سورة هود ﵇.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ شكّ في قَبولهم لقوله؛ كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم، وما أظنكُم تفعلون.\nوقيل: إن كنتم تريدون قضاء الشَّهوة ففيما أحلَّ الله تعالى دون ما حرَّم.\n_________\n(^١) في النسخ: \"وعلمهم\"، والصواب المثبت.\n(^٢) \"الهمزة\" ليست في (م) و(ك).","vol":"5","page":527},{"text":"<span id=\"aya-1874\"> </span>(٧٢) - ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسمٌ بحياة المخاطَب، وهو نبيُّنا ﷺ، وقيل: لوط ﵇، قالت الملائكة له ذلك.\nواللام لام الابتداء، و(عَمْرُكَ) مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ، تقديره: لَعَمْرُكَ قَسَمِي.\nوالعَمْر بالفتح لغةٌ في العُمْر، يختصُّ به القسم إيثارًا للأخفِّ فيه؛ لأنَّه كثير الدَّور على ألسنتهم، ومتى (^١) اقترن بلام الابتداء يلزمه حذف الخبر؛ لسدِّ جواب القسم مسدَّه.\n﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أي: غوايتهم، أو شدَّة غُلْمَتهم (^٢) التي أذهبت تمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصَّواب الذي يشار به إليهم.\n﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيَّرون، فكيف يقبلون النُّصح؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-1875\"> </span>(٧٣) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ اللَّام للجنس، والمراد به: الفرد الكامل في معناه (^٣)، وهو صيحة جبريل ﵇؛ فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسمَّاه مطلقًا يستعمل لِمَا يَستجمع المعانيَ المقصودة منه، ولذلك (^٤) يُسلب عن غيره، فيقال: زيد ليس بإنسان.\n_________\n(^١) في (م): \"وهو متى\".\n(^٢) الغُلْمَة: شدة الشهوة. انظر: \"المصباح المنير\" (مادة: غلم).\n(^٣) في (ف): \"المعنى\". وفي (ك): \"معنى\".\n(^٤) في (ف): \"وكذلك\".","vol":"5","page":528},{"text":"والصَّيحةُ: صوت يخرج من الفم بشدَّة.\nوأَخْذُهم الصيحة: قهرُها إيَّاهم وتمكُّنها منهم، ومنه: الأَخيذ، بمعنى: الأسير.\n﴿مُشْرِقِينَ﴾: داخلين في الشُّروق، وهو بزوغ الشَّمس، يقال: شَرَقت الشَّمس شروقًا: إذا طلعَتْ، وأشرقَ الرَّجل: إذا دخل في شروق الشَّمس.\nكان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا، فلا منافاة بينه وبين قوله: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1876\"> </span>(٧٤) - ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.\n﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾: عاليَ المدينة، أو عاليَ قراهم ﴿سَافِلَهَا﴾: منقلبةً عليهم.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: من طينٍ متحجِّر عليه كتاب من السِّجيل (^١)، لقوله ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]؛ أي: معلَّمة بكتاب.\nقيل: قذفوا بالحجارة أوَّلًا ثم قُلبوا، وقيل (^٢): التقليب كان للحاضرين، والأمطار لمن شذَّ منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1877\"> </span>(٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.\n_________\n(^١) قوله: \"من طين متحجر … \" كذا في النسخ، وعبارة البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ٢١٥): (من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل). قال الشهاب في \"الحاشية\" (٥/ ٣٠٥): (وكونه من السجل - وهو الكتاب أو الصك - لأنها كتب عليها أسماؤهم، أو لأنها مما كَتب الله تعذيبهم بها).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"قيل\".","vol":"5","page":529},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: للمتفرِّسين، أي: النَّاظرين المتثبِّتين في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشَّيء بسِمَته، يقال: توسَّمْتُ في فلان كذا: إذا عرفْتُ وَسمةً فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1878\"> </span>(٧٦) - ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾.\n﴿وَإِنَّهَا﴾: وإن المدينة أو القرى ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: ثابت يسلكه النَّاس ويرون آثارهم لم تندرس بعدُ، وهو تنبيهٌ لقريشٍ المارِّين به، وتهديدٌ لهم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1879\"> </span>(٧٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ (^١) لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ورسوله، ولام الاختصاص لأنَّ الانتفاع بها مخصوص بهم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1880\"> </span>(٧٨) - ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانَ﴾ (إنْ) هي المخففَّة، واللَّام فارقة.\n﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قومٌ ممَّا بُعِثَ إليهم شعيب ﵇، كانوا يسكنون الغيضة.\nو﴿الْأَيْكَةِ﴾: الشجرةُ الملتفَّة، واحدةُ الأيك.\n_________\n(^١) في النسخ: \"لآيات\".\n(^٢) \"بهم\" من (م).","vol":"5","page":530},{"text":"﴿لَظَالِمِينَ﴾؛ لأنهم كذَّبوه ﵇، فأُهلكوا بالظُّلَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1881\"> </span>(٧٩) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ في عبارة الانتقام دلالةٌ على أنَّهم أهلكوا (^١) بعذابٍ شديدٍ.\n﴿وَإِنَّهُمَا﴾؛ أي: مدينةَ لوط ﵇ أو قراها - والأيكةَ (^٢).\nوقيل: الأيكة ومدين؛ فإنَّه ﵇ كان مبعوثًا إليهما، فدلَّ ذكر ﴿الْأَيْكَةِ﴾ على مدين فأتى بضميرهما.\n﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ لبطريقٍ واضحٍ.\nوالإمامُ: اسم لما يُؤتَمُّ به، فسمِّي به الطَّريق واللَّوح ومِطْمَر (^٣) البنَّاء؛ لأنها مما يؤتمُّ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1882\"> </span>(٨٠) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ يعني: ثمود كذَّبوا صالحًا ﵇، ومَن كذَّبَ واحدًا من الرُّسلِ فقد كذَّب الجميع؛ لأنَّ سائره (^٤) يصدِّقونه، فلا حاجة\n_________\n(^١) في (ف): \"هلكوا\".\n(^٢) \"والأيكة\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"ومنظم\"، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٥٨٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢١٦)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ٨٧)، وغيرها. والمطمر: الزِّيج الذي يكون مع البنَائين. انظر: \"فتوح الغيب\" (٩/ ٥٦). والزيج: خيط البنَّاء، معرب. انظر: \"معجم متن اللغة\" (مادة: زيج).\n(^٤) الأحسن: \"سائرهم\".","vol":"5","page":531},{"text":"إلى التَأويل بحمل ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ على صالح ﵇ ومَن معه من المؤمنين.\nوالحِجْرُ: وادٍ بينَ المدينة والشَّام كانوا يسكنونها (^١).\n\n<span id=\"aya-1883\"> </span>(٨١) - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\n﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ يعني: آياتِ الكتاب المنزَل على نبيهم، أو معجزاته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1884\"> </span>(٨٢) - ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾.\n﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ من الانهدام ونقب اللُّصوص وتخريب الأعداء؛ لوَثاقتها، أو من عذاب الله تعالى لفرط غفلتهم وحسبانهم أنَّ الجبال تحميهم منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1885\"> </span>(٨٣) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: أتاهم صيحةٌ من السَّماء فأخذتهم زلزلتُها، وهو المذكور في سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1886\"> </span>(٨٤) - ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من بناء البيوت المحكمة والأموال والعدد.\n_________\n(^١) \"كانوا يسكنونها\" من (م).","vol":"5","page":532},{"text":"<span id=\"aya-1887\"> </span>(٨٥) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلَّا خَلقًا ملْتبسًا بالحقِّ؛ أي: بالعدل والحكمة، لا ملتبسًا بالباطل والعبَث، فيهمَلون على فسادهم وظلمهم، ولا يؤاخَذون بالعذاب؛ فإنه ينافي الحكمة والعدل.\n﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيُنتقَم لك فيها ممَّن كذَّبك.\n﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي: فاصفح عنهم ولا تعجَل بالانتقام منهم، وعامِلهم بالخُلُقِ معاملةَ الصَّفوح الحليم، وقيل: هي منسوخة بآية السَّيف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1888\"> </span>(٨٦) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ الذي خلقَكَ وخلقهم، وبيده أمرك وأمرهم.\n﴿الْعَلِيمُ﴾ بحالك وبحالهم، فلا يخفى عليه ما يجري بينك وبينهم، فهو يحكم بينكم ويجازيكم على أعمالكم، أو هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم، فأمرَ اليوم بالصَّفح لعلمِه بأنَّه الأصلح إلى أن يكون السَّيف أصلحَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1889\"> </span>(٨٧) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾: سبعَ آياتٍ، وهي الفاتحة، على ما نصَّ عليه النَّبيُّ ﷺ، وقد بيَّناه في تفسيرها.","vol":"5","page":533},{"text":"وقيل: سبعَ سور، وهي الطَّوال، وسابعُها الأنفال والتَّوبة، فإنَّهما في حكمِ سورة واحدة، ولذلك لم يُفصل بينهما بالتَّسمية.\nورُدَّ بأنَّ هذه السُّورة قد نزلَتْ وما نزل من السَّبع الطِّوال شيء، والصَّرف عن الظَّاهر يأباه مقام الامتنان.\n﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ بيانٌ للسَّبع، من التَّثنية، وهي التَّكرير، أو من الثَّناء؛ لاشتمالها على ما هو ثناء على الله تعالى، الواحدة مَثْناةٌ؛ أي: موضع التَّثنية أو الثَّناء (^١).\nتنكير ﴿سَبْعًا﴾ للتَّعظيم، والإبهام الذي فيه والتَّوضيح بقوله: ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ للتَّمكين في نفوس السَّامعين.\nوقوله: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ من باب عطف الكلِّ على البعض؛ للتَّعميم وتكثير الامتنان، وتفخيم شأن البعض المعطوف عليه، كأنه المقصود بالذِّكر، والأصلُ لسائر الأبعاض، والمراد من الكلِّ: مجموع ما نزلَ وقتَ نزول هذه الآية، لا مجموع القرآن حتى يلزمَ المحذور المذكور آنفًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1890\"> </span>(٨٨) - ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: لا تطمحنَّ ببصرك طموحَ راغبٍ.\nالنَّاظر إنَّما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النَّظر إليه، وإدامة النَّظر إلى الشَّيء تدل على استحسانه والرَّغبة فيه.\n_________\n(^١) في (ف): \"والثناء\".","vol":"5","page":534},{"text":"﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: أصنافًا من الكفَّار، فإنَّ ما أوتيتَه من القرآن العظيم أعظمُ منها؛ لأنَّه كمال مطلوب بالذَّات، موصِل إلى دوام جوامع اللَّذات، أو ما أوتوا فهو مستحقَر بالنِّسبة إليه أقلُّ مِن لا شيء.\n﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم لم يؤمنوا فيتقوَّى بهم الإسلام، أو أنَّهم المتمتِّعون به دون المؤمنين.\n﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: لِمَنْ معكَ مِنْ فقراءِ المؤمنين وضعفائهم.\nخفضُ الجناح مجازٌ مرسَل عن التَّعطف والرِّفق، مرتَّبٌ على الكناية، وأصله: أنَّ الطَّائر إذا ضمَّ الفرخَ إليه بسط جناحَه له ثمَّ قبضه على فرخِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1891\"> </span>(٨٩) - ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ أنذركم ببيان وبرهان أنَّ عذابَ اللهِ نازلٌ بكم إن لم تؤمنوا.\nوإنَّما وصفه بـ ﴿الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّ إنذاره ﵇ أبينُ من إنذار سائر الأنبياء ﵈؛ لأنَّه ﵇ مِن أَمارات السَّاعة، فهو منذرٌ بلسان الحال كما أنَّه منذرٌ بلسان المقال، وقد نبَّه ﵇ على هذا المعنى حيث قال: \"أنا النذير العريان\" (^١).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣)، من حديث أبي موسى ﵁. (النذير العريان): أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيدًا منهم ليخبرهم بما دهمهم وأكثر ما يفعل هذا ربيئة قومه وهو طليعتهم ورقيبهم. انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٥/ ٤٨).","vol":"5","page":535},{"text":"<span id=\"aya-1892\"> </span>(٩٠) - ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾.\n﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ في محل النَّصب صفةُ مصدرٍ لـ ﴿آتَيْنَاكَ﴾ لأنَّه في معنى: أنزلنا عليك، كأنَّه قال: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب المقتسمين: الذين اقتسموا القرآن إلى حقٍّ وباطل، حيث قالوا عنادًا: بعضه حقّ موافق للتَّوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالفٌ لهما، أو اقتسموه إلى شعرٍ وسحرٍ وكهانةٍ وأساطير الأوَّلين.\nفيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ، وقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ﴾ إلخ اعتراضًا ممدًّا له.\nأو صفةُ مفعولٍ لـ ﴿النَّذِيرُ﴾، أُقيمَ مقامه؛ أي: أنذر قريشًا عذابًا مثل ما أنزلنا مِنَ العذاب على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكَّة؛ للتَّنفير عن الرَّسول، والصَّدِّ عن الدِّين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1893\"> </span>(٩١) - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾.\n﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: أجزاءً، جمع عِضَةٍ بمعنى: جزء، وأصلها: عِضْوةٌ، فِعْلةٌ مِن عَضَّى الشَّاة: إذا جعلها أعضاءً، وقيل: هي فِعْلة من عَضهْتُه: إذا بهتَّه.\nوعن عكرمة: العَضْهُ (^١) بلسان قريش: السِّحر، يقولون للساحرة: العاضهة (^٢).\n_________\n(^١) في النسخ: \"العضهة\"، والمثبت من المصادر وستأتي.\n(^٢) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٢٦٠)، والطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ١٣٧)، والماوردي في \"النكت والعيون\" (٣/ ١٧٣).","vol":"5","page":536},{"text":"ولعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة (^١).\nونقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاءٌ، وإنَّما جُمِعَ جَمعَ السَّلامة جبرًا لما حذف منه (^٢)، كقولهم: قلون وثبون.\nوالموصول بصلته صفة لـ ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾، أو مبتدأ خبره:\n* * *\n\n<span id=\"aya-1894\"></span><span id=\"aya-1895\"> </span>(٩٢ - ٩٣) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من التَّقسيم، أو النِّسبة إلى السحر، فنجازيهم عليه، وقيل: عامٌّ، أي: عن كلِّ ما عملوا من المعاصي، فيتناولهما، وهو وعيد لهم، وقيل: يسألهم سؤالَ تقريع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1896\"> </span>(٩٤) - ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾: فاجْهَر به وأظهره. وقيل: افرُقْ بينَ الحقِّ والباطل به.\nوالصَّدع في الأصل: شقٌّ في الأجسام الصُّلبة كالزُّجاج والحديد، ويلزمه الإبانة والتَّمييز.\n_________\n(^١) رواه الحربي في \"غريب الحديث\" (٣/ ٩٢٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٣٣٩) من حديث ابن عباس ﵄. وفيه سلمة بن وهرام، قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برواياته. وقال ابن طاهر في \"ذخيرة الحفاظ\" (٢/ ٨٦٩): رواه سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس. وسلمة قال أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون حديثه ضعيفًا. والبخاري قال: فيه نظر.\nوجاء في هامش (ف) و(م): \"من هنا ظهر ما في كلام القاضي من الخلل، حيث أوهم أن يكون ما في الحديث بمعنى البهتان. منه\".\n(^٢) \"منه\" زيادة من (ك).","vol":"5","page":537},{"text":"و﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: بالذي تؤمر به من الشَّرائع، فحذفَ الجارَّ، كقوله:\nأَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ (^١)\nأو مصدرية؛ أي: بأمرك، كقول أبي طالب:\nفاصدعَ بأمرِكَ ما عَليْكَ غَضاضة (^٢)\nوهو مصدر من الفعل المبني للمفعول، قيل: فيه خلاف، والصَّحيح أنه لا يجوز، ورُدَّ بأنَّ الخلاف هو في المصدر المصرَّح به، وأمَّا الحرف المصدري فليس محلَّ النِّزاع.\n﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لا تلتفت إلى ما يقولون، فالإعراض كناية عن عدم الالتفات (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1897\"> </span>(٩٥) - ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.\n﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾؛ أي: نكفيك. وذكره على صيغة الماضي للدّلالة على قربه.\n﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بإهلاكهم وتدميرهم، وهم كانوا خمسة نَفَرٍ من أشراف قريش، وقصتهم مذكورة في كتب التفاسير والسِّيرِ.\n* * *\n_________\n(^١) البيت في \"الكتاب\" (١/ ٣٧)، و\"خزانة الأدب\" (١/ ٣٣١)، واختلف في نسبته، قال البغدادي: نسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مر داس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة. وعجزه:\nفقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ\n(^٢) من شواهد \"خزانة الأدب\" للبغدادي (٣/ ٢٧٨)، وعجزه:\nوأبشر بذاك وقر منه عيونا\n(^٣) في هامش (م): \"من لم يتنبه للكناية المذكورة قال: فلا تلتفت\".","vol":"5","page":538},{"text":"<span id=\"aya-1898\"> </span>(٩٦) - ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ صفة ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.\n﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما ينزلُ بهم عاجلًا وآجلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1899\"> </span>(٩٧) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ ضيقُ الصَّدرِ كناية عن انقباض النَّفس، كما أنَّ انشراحَهُ كنايةٌ عن انبساطه.\n﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾ من أقاويل الطَّاعنين فيك وفيما أُنزِلَ عليك، والمستهزئين فيك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1900\"> </span>(٩٨) - ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.\n﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فنزِّه ربَّك عن العجز والانتقام منهم.\nوتفريعُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّه كناية عن الوعد بإزالة ما هو السَّبب لضيق صدره ﵇، ومَن لم يقف على هذا فسَّره بقوله: فنزهه عمَّا يقولون حامدًا له على أنْ هداك للحقِّ.\nوأمَّا ما قيل: فافزع إلى الله فيما نابك يكفيك ويكشفِ الغمَّ عنك، فلم يُصبْ محزَّه.\nوالفزعُ إلى الله تعالى: هو الذِّكرُ الدَّائم، وكثرةُ السُّجود؛ لأنَّ التَّوسُّل بما ذكر إنَّما هو معنى قوله:","vol":"5","page":539},{"text":"﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلِّين. وعنه ﵇: أنَّه كان إذا حزبه أمرٌ فزعَ إلى الصَّلاة (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1901\"> </span>(٩٩) - ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.\n﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: ودُمْ على عبادة مَنْ خلقَكَ وربَّاك.\n﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾؛ أي: الموت؛ فإنَّه متيقَّن اللُّحوق لكلِّ (^٢) جسم ذي حياة؛ أي: ولا تُخلَّ بالعبادة ما دمْتَ حيًّا.\nوفيه إشارة وبشارة: أمَّا الإشارة (^٣) فإلى أنَّه ﵇ يموت كما يموت سائر الأنبياء والمرسلين، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، مَّا البِشارة فبأمنه ﵇ عن العاهات المانعة للتَّكليف (^٤) بالعبادة إلى أن قضى نحبه.\nتمَّ الكلام في هذا المقام، والحمد لله على التَّمام.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٣١٩) من حديث حذيفة ﵁، ولفظه: \"كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى\".\n(^٢) في (ك) زيادة \"ذي\".\n(^٣) في (ف): \"أما الأول\".\n(^٤) في (ف): \"للتكلُّف\".","vol":"5","page":540},{"text":"<span data-type='title' id=toc-80>سُورَةُ النَّحلِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-1902\"> </span>(١) - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: دنا وقَرب، يقال لمن طلب الإغاثة وقُربَ حصولها: جاءك الغوث.\nوالمراد من ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: ما أَوْعدهم من قيام السَّاعة، أو إهلاكِ الله تعالى إيَّاهم، وعلى هذا وجه إصابة الفاء في قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ محزَّها ظاهر، بخلاف ما إذا كان المعنى: أنَّ الأمرَ الموعود بمنزلة الآتي المحقَّق من حيث إنه واجب الوقوع.\nوالاستعجالُ: طلبُ الشَّيء قبلَ حينه، كانوا يستعجلون ما أوعدهم اللهُ؛ استهزاءً وتكذيبًا، فنزلت.\nولما كان المستعجِل المستهزئ معجِّزًا له تعالى عن القدرة على ما أَوْعده (^١)، وفيه تشبيه بالمخلوق، قال:\n﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: تنزَّه أنْ يحومَ العجز حولَ سرادق\n_________\n(^١) قوله: \"معجِّزًا له\"؛ أي: ناسبًا إليه العجز سبحانه، ومعنى الكلام: لما كان استعجالهم ذلك من نتائج إشراكهم المستتبع لنسبة الله تعالى إلى ما لا يليق به سبحانه من العجز والاحتياج إلى الغير واعتقادهم أن أحدًا يحجزه عن إمضاء وعيده أو إنجاز وعده. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٥/ ٩٥)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ١٠).","vol":"6","page":7},{"text":"كبريائه، وجلَّ (^١) أن يكون له شريك في المعبوديَّة، فيدفعَ ما أراد بهم.\nكانوا يقولون: إنْ صَحَّ يا محمَّد (^٢) فالأصنام تخلِّصنا منه، فنزلت.\nوقرئ: ﴿تُشْركون﴾ بالتَّاء (^٣)، على وفق: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وبالياء على تلوين الخطاب، وأمَّا ما قيل: الخطاب للمؤمنين، أو لهم ولغيرهم؛ لِمَا روي أنَّه (^٤) لَمَّا نزلَتْ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ وثبَ (^٥) النبي ﷺ ورفع الناسُ رؤوسَهم، فنزلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (^٦) = فيأباه التَّصدير بالفاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1903\"> </span>(٢) - ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.\n﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ استعار الرُّوح للوحي أو للقرآن؛ لأنَّه تحيَى به القلوب الميتة بالجهل حياةَ الجسد بالرُّوح.\nوذكرُه عقيب ما وعدَ به إشارةٌ إلى طريق العلم به، وإزاحة لاستبعادهم اختصاصَه ﵇ بالعلم به.\n_________\n(^١) في (ك) و(م) زيادة: \"عن\".\n(^٢) أي: (إن صح مجيء العذاب ..). انظر المصدرين السابقين.\n(^٣) قرأ بها حمزة والكسائي، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢١).\n(^٤) في (ف): \"أنها\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"فوثب\".\n(^٦) ذكر عن ابن عباس ﵁. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٦/ ٦)، و\"زاد المسير\" (٤/ ٤٢١).","vol":"6","page":8},{"text":"وقرئ: ﴿يُنْزِلُ من أَنزل (^١)، و: (تَنَزَّلُ) بمعنى: تتنزل (^٢)، و: (تُنَزَّلُ) على المضارع المبني للمفعول (^٣)، من التَّنزيل.\n﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: بأمره، أو: من أجْل أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أنْ يتَّخذه رسولًا ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾: بأنْ أنذروا.\nوالإنذارُ: الإعلام، ويختصُّ بما فيه تخويفٌ، ولتلك الخصوصية مناسبةٌ للمقام من حيث إن المشرك دائرٌ أمرُه بين الإسلام والسَّيف، فإبلاغ أمرِ التَّوحيد إعلامٌ يتضمَّن التَّخويف بالقتل.\nويجوز ﴿أَن﴾ تكون أنْ مفسِّرة؛ لأنَّ في الوحي معنى القول، أو مصدريةً في موضع الجرِّ بدلًا من ﴿بِالرُّوحِ﴾، أو مخفَّفةً من الثَّقيلة.\n﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾، أي: الشأنَ لا إله إلا أنا، أو: خوِّفوا أهل الشِّرك بأنَّه لا إله إلا أنا.\n﴿فَاتَّقُونِ﴾ رجوعٌ إلى مخاطبتهم بما هو المقصود.\nوالآيةُ تدلُّ على أنَّ الوحيَ بواسطة الملَك، وأنَّ حاصله التَّنبيه على التَّوحيد الذي هو مُبْتَغى كمالِ القوَّة العلميَّة، والأمرِ بالتَّقوى الذي هو أقصى كمالات القوَّة العمليَّة، وأنَّ النُّبوَّة عطائيَّة، والتي بعدها دليلُ وحدانيته، من حيث إنَّها تدلُّ على أنَّه تعالى هو الموجِد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة، ولو كان له شريكٌ لقدر (^٤) على ذلك، فيلزم التَّمانع.\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٥).\n(^٢) نسبت للحسن وسلام. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٣٧٨)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ١٠٠).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"لدل\".","vol":"6","page":9},{"text":"<span id=\"aya-1904\"> </span>(٣) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: أوجدهما على مقدارٍ وشكلٍ وأوضاعٍ وصفاتٍ مختلفةٍ قدَّرها وخصَّصها بحكمته.\n﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ لأنَّه موجِدٌ للعالَم كلِّه، وكلُّ ما سواه مفتقرٌ إليه، فهو المتعالي عن رتبة الكلِّ.\nوالتَّحقيق: أنَّ قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ تنبيهٌ وإيقاظٌ؛ ليكون ما يَرِدُ بعدَه مُمَكَّنًا في نفسٍ حاضرةٍ ملقيةٍ إليه، وهو تمهيدٌ لِمَا يَرِد (^١) مِن دلائل التَّوحيد، وقولَه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ تفصيلٌ لِمَا أجملَه في قوله: ﴿﷾﴾، أيقظَ أوَّلًا ثمَّ نعَى عليهم ما هم فيه من الشِّرك، ثم أردفه بدلائل السَّمع والعقل، وقدَّمَ السَّمعيَّ لأنَّ صاحبه هو القائم بتحرير العقل وتهذيبه أيضًا، فليس النَّظر إلى دليل السَّمع، بل إلى مَن قام به من الملائكة والرُّسل ﵈.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1905\"> </span>(٤) - ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، لا حسَّ لها ولا حراك، سيَّالةٍ لا تحفظ الوضع والشَّكل.\n﴿فَإِذَا هُوَ﴾ عطفُه على ما تقدَّم باعتبار أنَّ المراد من خَلْق الإنسان: إيجادُه وتربيتُه إلى أن يبلغ حَدَّ النُّطق والإدراك، فأداتا التَّعقيب والمفاجأة أصابتا المحزَّ.\n﴿خَصِيمٌ﴾: مِنطيقٌ مجادلٌ عن نفسِه في الخِصام.\n_________\n(^١) في النسخ: \"يريد\"، والمثبت من \"روح المعاني\" (١٤/ ١١)، والكلام منقول من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي.","vol":"6","page":10},{"text":"﴿مُبِينٌ﴾ للحُجَّة على خصمه، مميِّزٌ للحقِّ عن الباطل، فهو صفة مدح؛ أي: نقله من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشَّريفة، وهي حالة النُّطق والإبانة، ويؤيِّده التَّعقيب بذكر ما امتنَّ به عليه في قِوَام معيشته.\nوقيل: معناه: مكافحٌ لخالقه، قائلٌ: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فهو صفةُ ذمٍّ.\nويأباه التَّوصيف بالإبانة، ولا يساعده سباق الكلام ولحاقه ومَساقه؛ فإنه للدلالة على كمال القدرة والإرادة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1906\"> </span>(٥) - ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.\n﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ ذكر أوَّلًا ما هو أكثر منفعةً وألزمُ لمن أُنزل القرآن بلغتهم، وقد شرح الأنعام في سورة الأنعام.\nوانتصابُها بمضمَر يفسِّره قولُه: ﴿خَلَقَهَا﴾، و﴿لَكُمْ﴾ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ خبر مقدم لـ ﴿دِفْءٌ﴾، و﴿فِيهَا﴾ حالٌ منه، والجملةُ بيان لِمَا خُلِقَ له.\nأو بالعطف (^١) على ﴿الْإِنْسَانَ﴾، و﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ بيانُ ما خُلِقَ لأجله، ﴿دِفْءٌ﴾ مبتدأ خبره ﴿فِيهَا﴾، والجملة مع ما بعدها تفصيلٌ لما خلق له (^٢).\nوالدِّفءُ: ما يدفَّأُ به؛ أي: يسخَّن فيقي (^٣) البرد.\n_________\n(^١) قوله: \"بالعطف\" عطف على \"بمضمر\"؛ أي: أو انتصابها بالعطف.\n(^٢) وفي الإعراب لهذه الجملة وجوه أخر ينظر شرحها ومناقشاتها في \"البحر\" (١٣/ ٣٠٥)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٢٣).\n(^٣) في (ك): \"فينفي\".","vol":"6","page":11},{"text":"﴿وَمَنَافِعُ﴾: نسلُها ودَرُّها وظهورها، وإنَّما عَبَّرَ عنها بالمنافع ليتناول غرضها.\n﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾؛ أي: تأكلون ما يُؤْكَل منها، مِنَ اللُّحوم والشُّحوم والألبان.\nوتقديم الظَّرف للاختصاص؛ إشارةً إلى أن الأصل المعتدَّ به في أكل اللَّحم إنَّما هو منها، وأمَّا الأكل من غيرها فكغير المعتدِّ به، وكالجاري مجرى التَّفكُّه، فجَعْلُه لمجرَّد محافظة الفاصلة تنزيلٌ للمنزَّل عن منزلته الفاضلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1907\"> </span>(٦) - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾.\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾: زينة ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾: تردُّونها من مراعيها إلى مراوحها بالعشيِّ ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: تخرجونها بالغداة إلى المرعَى، فإنَّ الأفنية تَزَّيَّنُ بها، ويتجاوَبُ [فيها] الرُّغاءُ والثُّغاءُ (^١)، فيأنس أهلها ويفرح أربابها، ويُجلُّهم في أعين النَّاظرين إليها (^٢)، ويكسبهم الجاه والحرمة.\nوتقديم الإراحة على السَّرح لأنَّ الجَمال فيها أظهرُ إذا أقبلَتْ ملأى البطون حافلةَ الضروع، ثم أوَتْ إلى الحظائر، حاضرةً لأهلها، يأنسون بها مبتهجين.\n_________\n(^١) الثغاء: صوت الغنم. والرغاء: صوت الإبل. وما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (٢/ ٥٩٤)، ووقع في النسخ: \"ويجاوب\" والمثبت هو الأنسب بسياق الكلام.\n(^٢) زاد في (ف): \"ولا يخفى لطفُ موقعِ هذا التَّنبيه والتَمهيد السَّابق بقوله: (من)، حيث تضمن الإشعار بأنهم يبتدؤون أكله من البحر مبالغة في تهيئته للأكل في مقام الامتنان، وفي تخصيص أكله طريًا بالذِّكر إشارة إلى أنه في معرض أن يسرع إليه الفساد لكمال لطافته فيسارع إلى أكله، فكأنه قيل: لتأكلوا منه لحمًا في غاية اللطافية\". وليس هنا موضع هذا الكلام، وسيأتي في موضعه الصحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾.","vol":"6","page":12},{"text":"وقرئ: (حينًا) (^١)، على أن ﴿تُرِيحُونَ﴾ و﴿تَسْرَحُونَ﴾ كلاهما وصف لـ ﴿حِينَ﴾؛ أي: تريحون فيه وتسرحون فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1908\"> </span>(٧) - ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾: أحمالكم ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾؛ أي: ليس من شأنكم بلوغه بأنفسكم على أقدامكم.\n﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾: إلَّا بجهد ومشقَّةٍ لو لم تكن الإبل، فضلًا عن أن تحملوا على ظهوركم أثقالَكم (^٢)، فكيف إذا فضلت أثقالكم من أن تحملوها، أو لم تكونوا بالغيه بها إلَّا بِشَقِّ الأنفس.\nقرئ: ﴿بشقِّ الأنفس﴾ بكسر الشِّين وفتحها (^٣)، وهما لغتان في المعنى المذكور، وقيل: بينهما فرقٌ، وهو أنَّ المفتوح مصدر شقَّ الأمر عليه شَقًّا، وحقيقته راجعة إلى الشَّقِّ الذي هو الصَّدع (^٤)، وأمِّا الشِّق بالكسر فهو للنِّصف، كأنَّه يذهب نصفُ قوته لما يناله من الجهد.\n﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يرأف (^٥) بكم بتيسير مصالحكم ومعايشكم، ويزحمكم بخلق هذه المنافع والحوامل.\n_________\n(^١) نسبت لعكرمة والضحاك. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢).\n(^٢) من قوله: \"لو لم يكن .. \" إلى هنا ليست في (م).\n(^٣) بفتح الشين قرأ أبو جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٠٢).\n(^٤) \"الذي هو الصدع\" من (م).\n(^٥) في (ك): \"رؤوف\".","vol":"6","page":13},{"text":"<span id=\"aya-1909\"> </span>(٨) - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ عطف على ﴿الْأَنْعَامَ﴾، وواحد الخيل: خائل، كضائنٍ واحدِ ضأن، وقيل: لا واحد له.\n﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ ذكر هنا منفعةَ الرُّكوب عبارةً، وأحالَ تبيين (^١) منفعة الحمل على الدلالة، وعكس فيما تقدَّم؛ اعتبارًا في كلٍّ منهما للأصالة.\n﴿وَزِينَةً﴾ انتصب بالعطف على محلِّ ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ على أنَّها مفعولٌ له، وخولف بينهما لا (^٢) لأنَّ الركوب فعل المخاطبين ففُقِدَ شرطُ نَصْبِه، وأمَّا الزينة ففعل الخالق لأنَّه لا يأبى (^٣) عن نظم الثاني في سلك الأول، بل لأنَّ الأوَّل مقصودٌ بالذَّات والثَّاني بالعرض.\nوقرئ: (زينةً) بغير واو (^٤)، فجاز أن يكون حالًا عن أحد الضَّميرين، وأن يكون علَّة لـ (تركبوها).\nواستُدلَّ به على حرمة لحومهن (^٥)، ووجه الاستدلال: أنَّ المقام مقامُ الامتنان بعدِّ المنافع، والكلام مشتمِل لنوعَي المقصود استئنافًا لها، فلو كان أكلُها حلالًا لكان أحقَّ بالتَّعرُّض من الزِّينة، وأمَّا أكل لحم الحمار وإن كان حلالًا وقتَئذٍ إلَّا أنَّه في معرض التَّحريم، فالامتنان به لا يليق بالحكمة (^٦).\n_________\n(^١) في النسخ: \"بين\"، ولعل الصواب المثبت.\n(^٢) \"لا\" سقط من (ف).\n(^٣) في (ف): \"لا يأتي\".\n(^٤) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٨).\n(^٥) في (م): \"لحومهما\"، وفي (ف): \"لحرمهن\"، والمثبت من (ك).\n(^٦) في (م): \"بالجملة\"، وفي (ف): \"بالحكم\".","vol":"6","page":14},{"text":"﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ لما فصَّل الحيوانات المحتاج إليها غالبًا احتياجًا ضروريًّا أو غير ضروريٍّ أجملَ غيرها مما لا يُعلم كُنْهُهُ وتفاصيله؛ أي: فيكم ولكم على سبيل الامتنان، أو ما لم تحصوه ولم يكن لكم به علمٌ لكثرتها، دلالة على مزيد قدرته وحكمته، ويدخل فيه ما خلق في الجنَّة والنَّار مما لا يبلغه وَهْمُ أحدٍ ولا خطر على قلبه.\nوغيَر النَّظمَ إلى المضارع استحضارًا لإيجاد ما لم يحطْ به علمًا من الأشياء النَّافعة له، والدلالة على قدرته تذكيرًا للنِّعمة، وتعجيبًا، وتقريرًا لدلائل القدرة، وتعجيزًا لما يشركون به من الآلهة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1910\"> </span>(٩) - ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، أي: عليه تعالى رحمةً وفضلًا هدايةُ الطَّريق المستقيم الموصل إلى الحقِّ، أو: عليه الطَّريق المستقيم؛ أي: يصل إليه مَن يسلكه لا محالة، كما تقول: هذا الطَّريق على موضع كذا إذا انجرت (^١) إليه، والقَصْدُ مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: سبيلٌ قَصْدٌ وقاصدٌ، أي: مستقيم، كأنَّه يقصد الوجه الذي يؤمُّه السَّالك، والمراد بـ ﴿السَّبِيلِ﴾: الجنس؛ لإضافة (القَصْد) إليها، ولقوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ لا يوصِل إلى الحق لسوء استعداد صاحبه.\nوقرئ: (ومنكم جائر) (^٢)؛ أي: عن القصد.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعله: انحزت.\n(^٢) نسبت لعلي وابن مسعود ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٩٦)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٣١٣).","vol":"6","page":15},{"text":"وتغيير الأسلوب لأنَّه (^١) ليس [بحقٍّ] على الله تعالى الهداية إلى الطَّريق الجائر عن القصد والاستقامة، أو لا (^٢) يوصَل إلى الله سالكها، أو لأنَّ المقصود بيان سبيله، وذكرُ قسيمه إنما جاء بالعَرَض.\n﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لو شاء الله هدايتكم أجمعين إلى قصد السَّبيل لهداكم إليه هدايةً مستلزِمة للاهتداء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1911\"> </span>(١٠) - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾: من السَّحاب، أو: من جانب السَّماء.\nلَمَّا استدلَّ على وجود الصَّانع الحكيم (^٣) بأحوال الحيوان أتْبَعه بذكر الاستدلال عليه بعجائب أحوال النبات.\n﴿مَاءً﴾ تنكيره لأنَّه خلاف الماء المعهود، حيث لا يسيل بل ينزل قطراتٍ غير متداركة.\n﴿لَكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أو خبر ﴿شَرَابٌ﴾ (^٤) في قوله: ﴿مِنْهُ شَرَابٌ﴾؛ أي: مشروبٌ، و﴿مِنْهُ﴾ على الأوَّل خبرٌ لـ ﴿شَرَابٌ﴾، وعلى الثَّاني تبعيضيَّة.\nوفي حصر المشروب المستفاد من تقديم ﴿مِنْهُ﴾ دلالة على أنَّ مياه الأرض منه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"على أنه\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٢١)، وما سيأتي بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (ف): \"ولا\".\n(^٣) \"الحكيم\" زيادة من (م) و(ك).\n(^٤) في (م): \"لشراب\".","vol":"6","page":16},{"text":"﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾: ومنه تكوُّنه، والمراد بالشَّجر: ما يرعاه المواشي، وقيل: كلُّ ما ينبت على الأرض يُطلَق عليه الشَّجر، قال الشَّاعر:\nنعلِفُها اللَّحم إذا عَزَّ الشَّجر (^١)\n﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾: ترعَون، مِنْ سامَتِ الماشية: إذا رعَتْ، فهي سائمة، وأسامها صاحبُها، وأصلها من السَّومة، وهي (^٢) العلامة؛ لأنها تؤثِّر بالرَّعي علاماتٍ في الأرض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1912\"> </span>(١١) - ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ وقرئ بالنُّون (^٣) على التَّفخيم.\n﴿وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ تقديم ﴿الزَّرْعَ﴾ لأنَّه الأصل في الغِذاء (^٤)، وتخصيص الأجناس الثَّلاثة من الثَّمرات وتقديمها لإظهار فضلها وإنافتها (^٥) على سائرها، ولعلَّ تقديم ما يُسامُ فيه على الكلِّ (^٦) لصيرورته غذاء\n_________\n(^١) الرجز للنمر بن تولب كما في \"الحيوان\" (٧/ ١٤٥)، و\"الشعر والشعراء\" (١/ ٣٠٩)، و\"الأغاني\" (٢٢/ ٢٧٨). ونسبه الزمخشري في \"أساس البلاغة\" (مادة: لحم) للطرمَّاح.\n(^٢) في (ك) و(م): \"التي هو\".\n(^٣) قرأ بها أبو بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٧).\n(^٤) في النسخ: \"الغداء\"، والصواب المثبت لأن (الغداء) بالدال: طعام الغداة كما أن العشاء طعام العشي، و(الغذاء) بالذال: ما به نماء الجسم وقوامه، وهو المقصود هنا.\n(^٥) أي: ارتفاعها وشرفها.\n(^٦) كذا في النسخ: \"على الكل\"، وفي \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٢١)، (على ما يؤكل منه).","vol":"6","page":17},{"text":"حيوانيًّا، هو أشرف الأغذية، أسرع ما يكون إلى اللَّبن واللَّحم.\n﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: وبعض كلِّها؛ لأنَّ كلَّ ما يمكن من الثَّمرات لا يكون في الأرض.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾: لدلالةً واضحة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ينظرون فيستدلون بها على وجود الصَّانع وحكمته وقدرته.\nولَمَّا كان الاستدلال بإنبات الماء وهو واحد وإن كثرت أنواع النَّبات قال هنا: ﴿لَآيَةً﴾ على صيغة الإفراد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1913\"> </span>(١٢) - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ﴾ بأنَّ هيَّأها لمنافعكم.\n﴿مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ نصب على الحال؛ أي: نفعكم بها حالَ كونها مسخَّرات بأمره التَكويني، أو على المصدر، وجمع للتَّنويع، جمع مُسَخَّر بمعنى تسخير، أي: سخَّرها أنواعًا من التَّسخير، كأنَّه قيل: سخَّرها تسخيرات.\nوقرئ برفع ﴿الشَّمسُ والقمرُ والنُّجومُ﴾ على الابتداء، والخبر ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ بالرَّفع (^١)، وبرفع ﴿النُّجُومُ﴾ وحدَه ونصبِ ما قبله، و﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ خبره (^٢)، يعني أنها مسخراتٌ حقيقةً لله تعالى.\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٧).\n(^٢) وهي قراءة حفص، وقرأ باقي السبعة بنصب الكل. انظر: \"السبعة\" (ص: ٣٧٠).","vol":"6","page":18},{"text":"وإنَّما قيل: إنَّها سُخِّرَتْ لكم باعتبار أنَّ فائدة تسخيرها عائدة إليكم، ومَن وهَم أن المعنى: مسخَّرات لِمَا خُلِقْنَ له، فقد وهِم؛ إذ حينئذٍ يكون إعادةً بلا فائدة.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ أتى هنا بصيغة الجمع لأنَّ وجه الدّلالات في السَّماوات متعدِّد.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ذكَرَ العقلَ لأنَّ الاحتياجَ إلى تجريد العقل الصَّرْف في الاستدلال بها أشدُّ؛ فإنَّ القوَّة الفكرية كافية في الاستدلال بما يشاهد من أحوال النَّبات وتغييراته واختلاف أشكاله وألوانه، وأما أحوال العلويَّات فلا بُدَّ فيها من مزيد عقلٍ ومعرفةٍ بالعلم الطَّبيعي والهيئة والهندسة، ومَنْ زعم (^١) أنَّ وجه الدّلالة هنا مع تعددُّه أظهرُ من وجهها ثمَّة مع وحدته فقد كابرَ مقتضى العقل الصَّريح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1914\"> </span>(١٣) - ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.\n﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: من أنواع الحيوان والنَّبات والمعادن، في موضع نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ، أي: وخلقَ وأنبتَ، كذا قال أبو البقاء، استبعدَ تسلُّط ﴿وَسَخَّرَ﴾ على ذلك؛ إذ حينئذ يلغو قوله: ﴿لَكُمُ﴾، فقدَّر فعلًا لائقًا (^٢)، ومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: أي: سخَّر لكم ما خلق لكم فيها (^٣).\n﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾: أصنافُه، فإنَّها تتخالف باللَّون غالبًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"وهم\".\n(^٢) انظر: \"الإملاء\" للعكبري (٢/ ٧٩١).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٢٢)، متابعًا في ذلك \"الكشاف\" (٢/ ٥٩٨).","vol":"6","page":19},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: يعتبرون، فإن اختلافها في الطِّباع والهيئات والمناظر ليس إلَّا بصنع قادرٍ حكيمٍ.\nوأفرد (الآية) لأنَّه عبَّر عنه بمفرد، ووصفه بمفرد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1915\"> </span>(١٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ بأنْ مكَّنكم من الانتفاع به بالرُّكوب والاصطياد والغَوص وغير ذلك.\n﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو الحوت، وإنَّما عبَّر عنه باللَّحم - وهو ما يُؤكَل من الحيوان - تنبيهًا على جهة فضله وامتيازه عن سائر الحيوانات المأكولة، فإنَّها لا تكون لحمًا إلَّا بعد الذَّبح والسَّلخ، ولا يخفى لطف موقع هذا التَّنبيه، والتَّمهيد السَّابق بقوله: (مِن) حيث تضمَّن الإشعار بأنَّهم يبتدؤون أكلَه من البحر؛ مبالغةً في تهيئته للأكل في مقام الامتنان.\nوفي تخصيص أكله ﴿طَرِيًّا﴾ بالذِّكر إشارةٌ إلى أنَّه في مَعْرِض أن يسرع إليه الفساد، لكمال لطافته، فيسارع إلى أكله، فكأنَّه قيل: لتأكلوا منه لحمًا في غاية اللَّطافة، وهذا من ألطف الكنايات التي قلَّما يُتنبَّه لها، ولا بدَّ مِنَ الحمل عليها؛ إذ على تقدير إبقائه على ظاهره يكون بيانًا للواقع، خاليًا عن فائدة الخبر ولازمها.\nروي أنَّ أبا حنيفة لَمَّا قال: لو حلفَ لا يأكل لحمًا فأكلَ لحمَ السَّمكِ لا يحنث؛ لأنَّ لحم السمك ليس بلحمٍ، سمعَ سفيان الثَّوري قوله، فأنكر عليه محتجًّا بهذه","vol":"6","page":20},{"text":"الآية، فبعثَ إليه أبو حنيفة ﵁ رجلًا سأله عمَّن حلف لا يصلي على البساط فصلَّى على الأرض، هل يحنث أم لا؟ فقال سفيان: لا يحنث، فقال الرَّجل (^١) أليسَ إنَّ الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، فعرفَ سفيانُ أنَّ ذلك تلقينَ أبي حنيفة (^٢).\nوقيل في وجه قوله (^٣): إنَّ مبنى الإيمان على العادة، وعادةُ النَّاس إذا ذُكِرَ اللَّحم على الإطلاق أن لا يُفهَم منه السَّمك، وإذا قال الرَّجل لغلامه: اشترِ بهذه الدَّراهم لحمًا، فجاء بالسَّمك كان حقيقًا بالإنكار.\nوهذا معارَضٌ بأنَّه إذا قال لغلامه: اشترِ بهذه الدَّراهم (^٤) لحمًا، فجاء بلحم العصفور، استحقَّ الإنكار أيضًا مع أنَّه يحنث بأكل لحم العصفور مَنْ حلَفَ لا يأكلُ اللَّحم.\nلَمَّا أخرج من البحرِ الملحِ الزُّعاقِ الحيوانَ الذي لحمه في غاية العذوبة ونهاية اللَّطافة عُلِمَ أنَّه إنَّما حدث لا بحسب الطَّبع، بل بقدرة الله تعالى وحكمته، حين أظهر الضِّد من الضِّد.\n﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ كاللُّؤلؤ والمرجان، فإنَّ الحليةَ اسم لِمَا يُتَحلَّى به، وزيادة حرف التَّنفيس (^٥) هنا للدّلالة على أنَّ إخراجها بمشقَّة تقتضي المهلة.\n_________\n(^١) \"الرجل\" من (م).\n(^٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢٠/ ٦).\n(^٣) أي: في تعليل قول أبي حنيفة بعدم الحنث، وصاحب هذا القيل هو الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" (٦/ ٢).\n(^٤) في (م): \"بهذا الدرهم\".\n(^٥) حرف التنفيس: أي: السين، وحرفا التنفيس هما السين وسوف، وإنما سميتا به لأنَّ التَّنفيسَ التَّأخيرُ، =","vol":"6","page":21},{"text":"﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: تلبسها النِّساء، فهو من قبيل (^١) إسناد فعل البعض إلى الجملة بقرينة (^٢) السابق.\n﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾: جواريَ فيه، تشقُّه بحيزومها مع صوتٍ، مِنَ المَخْرِ، وهو شقُّ الماءِ بصوتٍ.\n﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ عطف على محذوفٍ تقديرُه: لتركبوا فيها ولتبتغوا.\n﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: من سعة رزقه بركوبها للتِّجارة.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: وتشكروا (^٣) الله تعالى على هذه النِّعمة الجليلة؛ حيث يقطع بها المسافة البعيدة في المدَّة القليلة، مع ما فيها من الأحمال والأثقال، بلا مُؤْنَةِ الرَّفع والوَضْع في أثناء السَّفر كما هو المعتاد في مسافرة البر، هذا هو الوجه بتخصيص هذه النِّعمة بتعقيب الشُّكر، وأمَّا جعل المهالك سببًا للانتفاع وتحصيل المعاش فلا يناسب مقام الامتنان بالإحسان، إنما يناسب مقام إظهار القدرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1916\"> </span>(١٥) - ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُهُ: والأرض مددناها\n_________\n= وهما أيضا للاستقبال والتَّأخير. انظر: \"دستور العلماء\" (٢/ ٢٢).\n(^١) في (ف) و(ك): \"قريب\".\n(^٢) في (م) و(ك): \"كقرينه\".\n(^٣) في (ف): \"وتشكرون\".","vol":"6","page":22},{"text":"وألقينا فيها رواسيَ، ولَمَّا حُذف المعطوف عليه (^١) عُدِلَ مِنَ الضَّمير إلى الظَّاهر، وقد مرَّ تفسيره في سورة الحجر.\n﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾: كراهةَ أنْ تميدَ بكم؛ أي: تتحرَّك وتميل.\nوالمَيْدُ: الاضطراب، وذلك أنَّ الأرضَ لو بقيَتْ على بساطتها كانت كريَّةً مجيبة للتَّحرك بأدنى سبب، أو متحركةً كالفُلك، فلَمَّا خُلِقَتِ الجبال راسخة فيها (^٢) تفاوتت جوانبُها، وتوجَّهت الجبال نحو المركز بثقلها، فصارَتْ كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة والميل من جانبٍ إلى جانبٍ.\n﴿وَأَنْهَارًا﴾؛ أي: وجعل فيها أنهارًا؛ لأنَّ ﴿وَأَلْقَى﴾ فيه معناه.\n﴿وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لتهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم.\nوإنَّما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأنَّه لا بُدَّ من الاستدلال في بعض المواضع للاهتداء إلى المقاصد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1917\"> </span>(١٦) - ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: ومعالم (^٣) يَستدلُّ بها السَّابلة (^٤) في النَّهار، من الجبال والأنهار ونحو ذلك.\n_________\n(^١) \"عليه\" من (م).\n(^٢) في هامش (ف): \"من قال: فلما خلقت الجبال على وجهها، فقد غفل عن وجه العدول عن (ألقى على الأرض) إلى ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ﴾، وقد مرَّ في تفسير سورة الحجر. منه\".\n(^٣) \"ومعالم\" من (م).\n(^٤) السابلة: أبناء السبيل المختلفة في الطرقات.","vol":"6","page":23},{"text":"﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ المراد به الجنس، أو الثُّريَّا والفرقدان وبناتُ النَّعْش والجَدْي، ويساعده (^١) قراءته بضمَّتين، وضمٍّ وسكون، على الجمع (^٢).\n﴿هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ باللَّيل في البراري والبحار.\nوتقديم النَّجم، وتوسيطُ الضَّمير إقحامًا، وإخراجُ الكلام عن سَنَن الخطاب إلى الغيبة، للدِّلالة على أنَّ هؤلاء المنكرين من قريش بالنَّجم خاصَّةً هم خصوصًا يهتدون؛ لأنَّهم كانوا كثيري الأسفار للتِّجارة، مشتهِرين بأنهم أعلمُ النَّاس بالاهتداء بالنُّجوم في مسائرهم، فكان الاعتبار بذلك ألزمَ لهم، والشكر لله به أوجبَ عليهم، فلذلك خُصِّصوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1918\"> </span>(١٧) - ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الهمزة للإنكار دخلت على فاء التَّعقيب؛ أي: بعد هذه الدَّلائل المتكاثرة الواضحة الدِّلالة على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وانفراده بخلق ما عدَّد من مبدَعاته يقولون (^٣) بمساواة الخالق المطلَق لِمَا لا يخلق شيئًا.\nوأورد (مَن) للجمادات التي هي الأصنام؛ إمَّا للمشاكلة، وإمَّا بناءً على اعتقادهم، وتسميتِهم آلهةً، وعبادتِهم لها، وفيه ضربٌ من التَّهكُّم، وإمَّا لأنَّ المرادَ: كمَن لا يخلق مِن أولي العلم، فكيف بالجماد؟! للمبالغة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ويساعدهما\". والمثبت من (ف)، والمعنى: ويساعد الوجه الثاني ما سيأتي من القراءتين اللتين تفيدان الجمع.\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢)، ونسب قراءة الضم والسكون إلى الحسن ومجاهد.\n(^٣) \"يقولون\" سقط من (ف) و(ك).","vol":"6","page":24},{"text":"وكان حقُّ الكلام أن يُقال (^١): أفمَن لا يخلق كمَن يخلق؛ لأنَّه إلزامٌ لعبدة الأوثان، لكنَّه عكس تفظيعًا لشأنهم، بأنَّهم لَمَّا سمَّوها باسمه، وعبدوها كعبادته، وسوَّوا بينه وبينها، فقد جعلوا الله تعالى من جنس هذه المخلوقات وشبيهًا بها، فأنكر ذلك عليهم.\nوحذف مفعول ﴿يَخْلُقُ﴾ لأنَّ المراد نفسُ صدور الفعل منه؛ أي: أيكون الخالق شبيهًا بغير الخالق، أو للتَّعميم؛ أي: أفمَن يخلق كلَّ شيء كمَن لا يخلق شيئًا، أو لأنَّ ما عُدِّدَ من المخلوقات دلَّ عليه؛ أي: أفمَن يخلقُ ما عُدِّدَ من الأشياء العظيمة العجيبة كمَن لا يخلق شيئًا منها، أفلا تذكَّرون بعد هذه التَّنبيهات فتعرفوا فسادَ ذلك؛ فإنَّه لجلائه ووضوحه كالبديهيِّ المغفول عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1919\"> </span>(١٨) - ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تبلغ طاقتكم ضبطَ عددها، فضلًا عن أن تطيقوا القيام بشكرها، أَتْبع ذلك تعداد النِّعم، وإلزام الحجَّة على انفرادها باستحقاق العبادة؛ تنبيهًا على أنَّ وراءَها مِنَ النِّعم ما لا ينحصر، وأنَّ القيامَ بحقِّ عبادته وشكره غير مقدورٍ لأحدٍ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث يغفر تقصيرَكم في أداءِ شكرها ويتجاوز عنه.\n﴿رَحِيمٌ﴾ يقطعُها عنكم لتفريطكم، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها، وفيه إشعار بأنَّه تعالى ما كلَّفكم حقَّ الشُّكر؛ لعدم الإمكان، وتجاوَز عن الممكن إلى السَّهل الميسور.\n_________\n(^١) \"أن يقال\" ليست في (ف).","vol":"6","page":25},{"text":"<span id=\"aya-1920\"> </span>(١٩) - ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.\nوفي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ما يُشْعِرُ بأنهم قصَّروا في هذا الميسور أيضًا، فاستحقُّوا العقاب؛ أي: يعلم ما تسرُّون من عقائدكم وعزائمكم وما (^١) تعلنون من أعمالكم وأقوالكم، وهو وعيدٌ على شركهم باعتبار العلم والعمل، وتقصيرِهم في الشُّكر والعبادة، وتقديم ﴿مَا تُسِرُّونَ﴾ لأنَّ الوعيد من جهة العقائد والعزائم أهمُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1921\"> </span>(٢٠) - ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: والآلهةُ الذين يدعونهم الكفَّارُ من دونه تعالى، أو يعبدونهم.\n﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لَمَّا نفى المساواة والمشابهة بينَ مَنْ يخلقُ وبينَ مَنْ لا يخلقُ بيَّنَ أنَّهم لا يخلقون شيئًا؛ ليَنتج أنَّهم لا يساوونه ولا يماثلونه (^٢).\nثمَّ أثبَتَ لهم صفات تنافي الألوهيَّة تأكيدًا لذلك فقال:\n﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: وهم ممكِناتٌ مفتقِرةٌ إلى التَّخليق، فكيف تكون آلهة والإلهُ يجب أن يكون واجبَ الوجود غنيًّا عن الكلِّ؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-1922\"> </span>(٢١) - ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.\n﴿أَمْوَاتٌ﴾: هم أموات. ولَمَّا احتمل أن يكون المعنى: أموات فيما بعدُ، على طريقة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] دفَعه بقولِه:\n_________\n(^١) في (ف): \"مما\".\n(^٢) في (ف): \"يماثلون\".","vol":"6","page":26},{"text":"﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ ويجوز أن يكون المعنى (^١): جمادات لا يَعرِض لها حياة كما يَعرِض لبعض الأموات، كالنُّطَف التي يحييها الله تعالى ويجعلها حيوانات، وكأجساد الموتى التي يبعثها الله تعالى، وذلك أغرقُ في كونها أمواتًا.\nويجوز أن يكون المعنى: أمواتًا (^٢) حالًا أو مآلًا، غيرَ أحياء بالذَّات؛ ليتناول كلَّ معبود، والإلهُ يحب أن يكون حيًّا بالذَّات لا يعتريه الممات.\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يشعرون متى تُبعث عبَدتهم، فكيف يجازونهم، فإنَّ المعبود يجب أن يعلم عبادة العابد وقتَ بعثه وجزائه حتى يقدر على مجازاته بعد موته؛ فإنَ البعث والجزاء من لوازم التَكليف والعبادة، وفيه تهكُّمٌ بهم وبآلهتهم؟ فإنَّها جمادات لا شعورَ لها بشيءٍ، فكيف ممَّا لا يشعرُ به حيٌّ غير الله تعالى؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-1923\"> </span>(٢٢) - ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾.\n﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ تلخيصٌ للنَّتيجة، وتكريرٌ للمطلوب، بعد إقامة الحجة عليه على أبلغ الوجوه.\n﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ تعكيسٌ للمقصود من النَّتيجة، وبيانٌ لموجِب إنكارهم؛ أي: إنَّه قد ثبت وتحقَّق بالبراهين المذكورة أنَّ الألوهيَّة تمتنع أن تكون إلَّا لله وحدَه، وأنَّه لا شريكَ له فيها، فأنتجَ لهم ذلك إصرارَهم واستمرارهم\n_________\n(^١) \"المعنى\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٢) \"أمواتا\" من (م).","vol":"6","page":27},{"text":"على شركهم، وإنكار قلوبهم للوحدانيَّة، وذلك لعدم إيمانهم بالآخرة، فإنَّ الذي لا يؤمن بها لا ينظر في الدَّلائل ولا يتأمَّلها، بخلاف المؤمن بها.\n﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: وهم قومٌ عادتهم الاستكبارُ عن التَّوحيد وعن الإقرار به؛ لِمَا رسخَ في قلوبهم من تقليد آبائهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1924\"> </span>(٢٣) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبقَ تفسيره في تفسير (^١) سورة هود.\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازيهم على ذلك، وعيدٌ على ما ذُكِرَ على أبلغ وجهٍ، وهو في موضع الرَّفع على الفاعليَّة؛ لأنَّ (جرم) فعلٌ أو مصدرٌ (^٢).\n﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ تعليلٌ للوعيد؛ أي: لا يحبُّ كلَّ مستكبرٍ، فكيف\n_________\n(^١) \"تفسير\" سقط من (ف).\n(^٢) كذا أجمل هذا الإعراب، وهو محتاج إلى تفصيل، فقوله: (لا جرم) إما مؤول بالفعل، أو مؤول بالمصدر، أو (جرم) وحده فعل، أو هو اسم (لا)، ولكل ذهب قوم: فذهب الخليل وسيبويه والجمهور إلى أنها اسم مركب مع (لا) تركيب (خمسة عشر)، وبعد التركيب صار معناها معنى فعلٍ وهو: حَقَّ، فهي مؤولة بفعل. وأبو البقاء يؤولها بمصدر قائم مقامه وهو: حقًّا. وقيل: (جَرَم) نفسها فعل ماض بمعنى: ثبت ووجب، و(لا) نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة كقوله سبحانه: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] على وجه. و﴿أَنَّ﴾ وما بعدها على هذه الوجوه في تأويل مصدرٍ مرفوع. وذهب الزجاج إلى أن (جرم) فعل أيضا لكن بمعنى: كسب، وفاعلها مستتر يعود إلى ما فهم من السياق، و(لا) كما في القول السابق، و﴿أَنَّ اللَّهَ ..﴾ منصوب على المفعولية لـ (جرم)، وقيل: إنه خبر (لا) حذف منه حرف الجر و(جرم) اسمها، والمعنى: لا صدَّ أو لا منع في أن الله يعلم .. إلخ. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٧٤).","vol":"6","page":28},{"text":"بالذي استكبرَ عن توحيده أو اتِّباع رسوله. وفي إطلاق ﴿الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ تعميم برهانيٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1925\"> </span>(٢٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ القائلُ بعضُهم على التَّهكُّم، أو الوافدون عليهم، أو المسلمون ﴿قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿مَاذَا﴾ منصوب بـ ﴿أَنْزَلَ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ أنزلَ ربُّكم؟ وتقدير الجواب: ما يدَّعون نزوله أساطيرُ الأولين، أو مرفوع بالابتداء؛ أي: أيُّ شيءٍ أنزله ربكم؟ وتقدير الجواب: هو أساطيرُ الأولين، أو: المنزَل أساطير الأولين، على السُّخرية والتَّهكُم.\nوالمجيبون: المقتسِمون مداخلَ مكَّة ينفِّرون عن رسول الله ﷺ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1926\"> </span>(٢٥) - ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\n﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَالُوا﴾ على التَّعليل في نفس الأمر لا الفرضِ، واللامُ لامُ العاقبة؛ أي: قالوا ذلك إضلالًا للنَّاس فحملوا أوزار إضلالهم (^١) كاملة، فإنَّ إضلالهم نتيجةُ رسوخهم في الضَّلال.\n﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾: وبعضَ أوزار ضلال مَنْ ضَلَّ، وهو وزرُ\n_________\n(^١) في (ف): \"ضلالهم\".","vol":"6","page":29},{"text":"الإضلال؛ فإنَّ ضلاله إنَّما حصل بأمرَيْن: إضلالِ هذا، أو مطاوعةِ هذا، فيتحاملان الوزر.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من المفعول؛ أي: يضلونهم على جهلهم.\nوفائدة التَّقييد به: الدِّلالة على أن جهلهم ليس بعذرٍ؛ إذ كان عليهم أن يبحثوا وينظروا (^١)، فيعرفوا مَن يقلدونهم، ويميِّزوا بينَ المحِقِّ والمُبْطِل.\n﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾: بئسَ شيئًا يزرونه فعلُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1927\"> </span>(٢٦) - ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: سوَّوا منصوبات (^٢) ليمكروا بها رُسل الله.\n﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: فأتاها أمرُه من جهة العُمُد التي بنوا عليها بأنْ ضَعُفَتْ ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ قال ابن الأعرابي: العرب تقول: خرَّ (^٣) علينا سقف، ووقع علينا حائط، إذا كان يملكه (^٤) وإن لم يكن أوقع، عليه، فجاء بقوله:\n_________\n(^١) في (م): \"أو ينظروا\".\n(^٢) أي: صنعوا حيلًا، والمنصوبة: الحيلة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٢٥).\n(^٣) في (م): \"تخر\".\n(^٤) تحرف في النسخ إلى: \"يهلكه\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٢/ ٣١٤)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٣٣٤)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٨١)، وما سيأتي بين معكوفتين من هذه المصادر. والمعنى كما قال الألوسي: أن المراد إذا انهدم وهو في ملك القائل، وإن لم يقع عليه حقيقة.","vol":"6","page":30},{"text":"﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ليخرج به هذا عن الذي من كلام العرب؛ أي: عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا.\n﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾: لا يحتسبون ولا يتوقَّعون.\nتمثيلٌ؛ أي: قد دبَّروا حِيَلًا ليمكروا بها رُسُلَ اللهِ، فجعل الله هلاكهم في تلك المماكر والحِيَل واستئصالَهم بها؛ كحالِ قومٍ بنوا بنيانًا وأحكموا قواعده فأتى الله بنيانهم من جهة الأساس، فسقط عليهم السَّقف وهلكوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1928\"> </span>(٢٧) - ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾: يذلُّهم.\nقيل: يعذِّبهم بالنَّار؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢].\nويأباه قوله (^١): ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ لأنَّه قبلَ دخولهم في النَّار أضاف إلى نفسه الشُّركاء حكايةً لإضافتهم؛ توبيخًا لهم بها وتهكُّمًا بهم.\n﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾: تعادُون المؤمنين في شأنهم.\nوقرئ بكسر النُّون (^٢)، بمعنى: تشاقُّونني، فإنَّ مشاقَّة المؤمنين كمشاقَّة الله.\n﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: الأنبياء والعلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التَّوحيد فيشاقُّونهم ويتكبَّرون عليهم:\n_________\n(^١) \"ويأباه قوله\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٢) وقي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٧).","vol":"6","page":31},{"text":"﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ متعلِّق بطرفيه (^١) ﴿وَالسُّوءَ﴾: الذِّلَّةَ والعذاب.\n﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ تقريرًا لِمَا كانوا يَعِظونهم به، وتحقيقًا لِمَا أَوعدوهم، أو إظهارًا للشَّماتة بهم، وحكى الله تعالى قولهم ليكون لطفًا لمن سمعه.\nوقيل: المراد من القائل: الملائكة، ويأباه قوله:\n\n<span id=\"aya-1929\"> </span>(٢٨) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يحتمل الجرَّ صفةً للكافرين، فيكون داخلًا تحت القول، والنَّصب والرَّفع على الذَّمِّ.\n﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن عرَّضوها على العذاب المخلَّد. نصت على الحال.\n﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: فسالَموا وأُخبتوا وتولَّوا عمَّا كانوا عليه في الدُّنيا مِنَ الشِّقاق والتَكبُّر والتَّعظُّم.\nقيل: حين عاينوا الموت، ويأباه السباق واللحاق.\n﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾: مِن كفر وعدوان؛ أي: قائلين ذلك، ويجوز أن يكون تفسيرًا للسلم، على أنَّ المراد به: القول الدَّال على الاستسلام.\nلَمَّا جحدوا ما كانوا عليه من الكفر والعدوان رَدَّ عليهم أولو العلم بقولهم:\n﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو مُجازيكم عليه، وهذا أيضًا من باب الشَّماتة، وكذلك:\n\n<span id=\"aya-1930\"> </span>(٢٩) - ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.\n_________\n(^١) أي: متعلق بالخزي والسوء كلاهما لتوسيطه بينهما، وقد مر التنبيه على نظائر له.","vol":"6","page":32},{"text":"﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: كلُّ صنفٍ بابَه المُعَدَّ له. وقيل: أبوابُها: أصناف عذابها.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ هي؛ أي: جهنَّمُ.\nوالوصف بالتَّكبُّر للإيذان باستحقاق صاحبه النَّار، ومَنْ لم يجوِّز الكذب يومئذ أَوَّلَ قولَهم ذلك: بأنَّا لم نكن في زعمنا عاملين سوءًا، ولا يناسبه الرَّدُّ المذكور كما لا يخفى.\n\n<span id=\"aya-1931\"> </span>(٣٠) - ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين، عطف على ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ في (^١) قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾.\n﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: أَنزل خيرًا، وإنما رفع الأوَّل ونصب الثَّاني فرقًا بين جواب الجاحد وجواب المقرِّ؛ أي: إنَّ المتَّقين لم يتلعثموا وأطبقوا الجواب على السُّؤال بيِّنًا مكشوفًا، والمشركون عدلوا بالجواب عن السُّؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شيء.\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كلامٌ مدحَ اللهُ تعالى به القائلين خيرًا، وجعل قولهم ذلك من جملة إحسانهم، وحَمِدهم عليه، ووعدهم به.\nفهو كلامٌ مبتدأ لا محلَّ له من الإعراب، ويجوز أن يكون بما بعده بدلًا من\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".","vol":"6","page":33},{"text":"﴿خَيْرًا﴾ على أنَّه من كلام المتَّقين؛ أي: قالوا خيرًا، ثم فسَّروا الخير بهذه الجملة، بمعنى: أنزل هذا الكلام بعدما أبهموه وسمَّوه خيرًا.\n﴿حَسَنَةٌ﴾ مكافأة بإحسانهم في الدُّنيا، وهي العصمة والتَّوفيق والنَّجاة من العذاب المعجَّل.\n﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: ولثوابهم في الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ مما لهم في الدُّنيا.\n﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ اللَّام للقسم، و(نعم) كلمةُ مدحٍ؛ إذ لا خوف فيها ولا حَزَن، ونعيمها مقيمٌ، وملكُها دائمٌ، وصاحبها فيها خالد.\nوحذف المخصوص بالمدح، وهو: دارُ الآخرة؛ لتقدُّم ذكرها.\n\n<span id=\"aya-1932\"> </span>(٣١) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، ويجوز أن يكون المخصوصَ بالمدخ.\n﴿يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ تقديم ﴿لَهُمْ﴾ للتَّخصيص؛ أي: لهم خاصَّةً دون غيرهم.\nوعموم ﴿مَا﴾ مع تقديم ﴿فِيهَا﴾ يفيد أنَّ الإنسان لا يجد جميعَ ما يشاء من المشتهَيات إلَّا في الجنَّة.\n﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ فذلكةٌ للتَّأكيد مع تعظيم الجزاء، وفيه تقوية للوجه الأوَّل.","vol":"6","page":34},{"text":"<span id=\"aya-1933\"> </span>(٣٢) - ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾: طاهرين مِنْ ظُلْمِ أنفسهم بالكفر والمعاصي؛ لأنَّه في مقابلةِ ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، أو: فرحين ببشارة الملائكة إيَّاهم بالجنَّة، أو: طيبين بقبض أرواحهم، لقوَّة إيمانهم وتوجُّه نفوسهم بالكُلِّيَّة إلى عالم القدس.\n﴿يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾: لا يَحيقكم بعدُ مكروهٌ.\n﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بسبب ثباتكم على الأعمال الصَّالحة، وإنَّما قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾؛ لأنَّ القبر روضةٌ من رياض الجنَّة في حقِّهم، ومَن غفل عن هذا ذهب إلى ما ذهب، وارتكبَ لِمَا يخلُّ حُسنَ الانتظام في الكلام.\n\n<span id=\"aya-1934\"> </span>(٣٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: الكفَّارُ المَارُّ ذكرُهم ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ بقبض (^١) أرواحِهم ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: العذابُ المستأصِل الواقع فجأة، وقد سبقَ وجهُ التَّعبير عن مثله بأمر الله تعالى.\nوتفسير الأمر بالقيامة يأباه كلمة ﴿أَوْ﴾؛ لأنَّ انتظارهما يجامع انتظار الملائكة.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الفعل الشَّنيع القبيح مِنَ الشِّرك والتَّكذيب.\n_________\n(^١) في (م): \"لقبض\".","vol":"6","page":35},{"text":"مَن قال هنا: فأصابهم ما أصابهم (^١)، فكأنَّه غفل عن أنَّ (^٢) الإخبار عنه بعد هذا صريحًا في نظم القرآن يأبى عن اعتباره هنا تقديرًا.\n﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتدميرهم أو تعذيبهم.\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما استوجَبوا به ذلك.\n\n<span id=\"aya-1935\"> </span>(٣٤) - ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾: جزاءُ سيئاتِ أعمالهم، لا على حذف المضاف، بل على تسمية الجزاء باسمها.\n﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: وأحاط بهم جزاؤه، والحيقُ لا يُستَعمَلُ إلَّا في الشَّرِّ.\n\n<span id=\"aya-1936\"> </span>(٣٥) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ مِنَ البَحائر والسَّوائب وغيرهما ممَّا أحلَّ اللهُ تعالى، وإنَّما قالوا ذلك عنادًا وتعنُّتا وإلزامًا للموحِّدين؛ بناء على زعمهم وقولهم: ما شاء الله يجب\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٢٦)، وفيه: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فأصابهم ما أصابهم.\n(^٢) \"أن\" من (ك).","vol":"6","page":36},{"text":"وما لم يشأ يمتنع. ومنعًا للبعثة، وإنكارًا للتَّكليف؛ لعدم الفائدة فيهما (^١) حينئذٍ، وإنكارًا (^٢) لقبيح ما أنكِر عليهم من الشِّرك والتَّحريم ونحوهما، متمسِّكين بأنَّها لو كانت مستقبَحة لَمَا شاءَ اللهُ صدورَها عنهم، ولشاء خلافه ملجِئًا إليه، لا اعتذارًا؛ إذ لم يعتقدوا قبحَ أعمالهم.\n﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الفعلِ الشَّنيع من الاستهزاء بالرُّسل، وإنكارِ البِعْثة والتَّكليف، والجدال بالباطل فعلَ أسلافُهم ولَمَّا فُهِمَ منه أنْ إنذار الرُّسل وإرشادهم لم يُجْدِ نفعًا في حقِّ الضَّالين المعاندين اتَّجه السُّؤال بأنْ يُقالَ: فما بالُ المرسلين حيثُ لم يتمُّوا مصلحةَ الإرشاد؛ أجابَ عنه بما حُذِفَ وأُقِيمَ تعليلُه مقامَه - لاستلزام (^٣) العلَّةَ للمعلولِ - قوله (^٤):\n﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: لا بأس فيه فهل عليهم إلَّا الإبلاغ الموضِّح للحقِّ؛ أي: ليس لهم عليهم الهداية، ولكنَّ اللهَ سبَّبَ الأسباب بحكمته، وجعلَ تبليغَ الرُّسل من أسباب الهداية لمن شاء هدايته، فليس عليهم (^٥) إلَّا ما كلَّفهم من التَّبليغ والإبانة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].\nثمَّ بيَّن أنَّ بعثةَ الرُّسل والدَّعوةَ إلى الحقِّ والتَّكليف أمرٌ جرَتْ به السُّنَّة الإلهيَّة\n_________\n(^١) في (ف): \"فيها\".\n(^٢) في (م): \"أو إنكار\".\n(^٣) في (م): \"لاستلزامه\".\n(^٤) \"قوله\" من (م).\n(^٥) في (ك): \"عليهم له\"، وفي (م): \"عليهم له ﵇\".","vol":"6","page":37},{"text":"في الأمم كلِّها سببًا (^١) لهدي مَن أراد اهتداءه، وازدياد (^٢) ضلال مَنْ أراد ضلاله، كالغذاء الصَّالح الذي ينفع مَن اعتدل مزاجُه، ويضرُّ مَن انحرفَ مزاجه، بقوله:\n\n<span id=\"aya-1937\"> </span>(٣٦) - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ التَّنكير للتعظيم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ و﴿أَنِ﴾ يجوز أنْ تكون تفسيريَّة؛ لأنَّ البعث يتضمَّنْ معنى القول، وأنْ تكون مصدريَّة؛ أي: بعثناه بأنِ اعبدوا الله.\n﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾: وفَّقهم للإيمان بإرشادهم.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ تغيُّر الأسلوب بالعدول عن قوله: ومنهم مَن (^٣) أضلَّه؛ للتَّنبيه على أنَّ الثَّانيَ لسوء استعدادهم، على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩].\nومَنْ لم يتنبَّه لذلك قال: إذ لم يوفِّقهم ولم يُرِدْ هُداهم.\n﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ترتيبُه على موجَب ما تقدَّم من نزول العذاب عليهم، فكأنَّه أخبر عنه، وأحالهم في معرفة ذلك على السَّير في الأرض. ولا اختصاص للأمر المذكور بقريش.\n_________\n(^١) \"سببًا\"من (م).\n(^٢) في (م): \"أو ازدياد\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"لمن\".","vol":"6","page":38},{"text":"﴿فَانْظُرُوا﴾ العطف بالفاء للدِّلالة على أنَّ الغرض من الأمر بالسَّير هو النَّظر المذكور؛ أي: سيروا في الأرض لهذا الأمر، واجعلوه غايةَ سيركم، فالفاء (^١) ترتِّبُ أحدَ الأمرين على الآخر، يكون الأوَّل وسيلةً للثَّاني (^٢)، لا لتعقيب السَّير بالنَّظر، فتدبَّر.\n﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ من عاد وثمود وغيرهم؛ لعلَّكم تعتبرون.\n\n<span id=\"aya-1938\"> </span>(٣٧) - ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ الخطاب للرَّسول ﷺ.\n﴿عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ مَن حقُّه أن يُضل.\nتعليلٌ للجزاء أُقِيمَ مقامَه لاستلزام العلَّة للمعلول، أي: فهوِّنْ على نفسك ولا تتعبها وتسلَّ عنهم؛ فإنَّ هداهم ممتنع.\nوقرئ: ﴿لَا يَهْدِي﴾ على البناء للمفعول (^٣)، وهو أبلغ.\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ينصرونهم إذ خذلهم الله تعالى، أو يدفعون العذاب عنهم إذ عذَّبهم، وإنَّما نفى الجمع؛ لأنَّ الاجتماع مظنَّة زيادة القوَّة والقدرة على النُّصرة.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"بيان\".\n(^٢) \"للثاني\" من (م).\n(^٣) قرأ بها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٧).","vol":"6","page":39},{"text":"<span id=\"aya-1939\"> </span>(٣٨) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مستعارٌ مِنْ جَهَدَ نفسَه: إذا بلغ طاقتها وأقصى وسعها؛ للمبالغة في اليمين، وبلوغ غاية غلظتها، وأقصى وكادتها، وهو في حكم الحال؛ لأنَّ أصله: وأقسموا بالله يجهدون أيمانهم، فحذف الفعل ووضع المصدر مكانه مضافًا إلى المفعول.\n﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ أرادوا به نفيَ قدرته تعالى على بعث الموتى، والجملة عطف على: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ تصريحًا بأنَّهم كما أنكروا التَّوحيد أنكر والبعث مقسِمين عليه؛ زيادةً في البَتِّ على فساده؛ للإيذان بأنَّهما كفرتان عظيمتان حقيقتان بأن تحكيا وتدوَّنا؛ ليُتعجَّب منهما ويُعتبر بهما.\nوقد رَدَّ اللهُ عليهم أبلغَ رَدٍّ فقال: ﴿بَلَى﴾ يبعثهم الله.\n﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكِّد لما دلَّ عليه ﴿بَلَى﴾؛ لأنَّ ﴿يَبْعَثُ﴾ موعِد مِن اللهِ تعالى.\n﴿عَلَيْهِ﴾ صفة لـ ﴿وَعْدًا﴾ ﴿حَقًّا﴾ صفة أخرى له؛ أي: وعدًا ثابتًا عليه الوفاء به حقًّا لامتناع الخلف في وعده، ولكون البعث مقتضى حكمته.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم يبعثون، أو: أنَّ وعده حقٌّ عليه إنجازُه بمقتضى حكمته، وعدمُ العلم به لا يستلزم العلم بالعدم، فضلًا عن العلم بالامتناع، فما قيل في التَّعليل: لقصور نظرهم بالمألوف يتوهَّمون امتناعه، من قصور النَّظر.\n\n<span id=\"aya-1940\"> </span>(٣٩) - ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾.","vol":"6","page":40},{"text":"﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ تعليل لِمَا دَلَّ عليه ﴿بَلَى﴾، أي: يبعثهم ليبيِّنَ لهم، والضَّمير في ﴿مَنْ يَمُوتُ﴾ عامّ للنَّاس كلِّها (^١).\n﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو الحقُّ.\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في قولهم: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، وهو إشارة إلى السَّبب الدَّاعي إلى البعث، المقتضي له من حيث الحكمة، وهو المميِّز بينَ الحقِّ والباطل، والمحقِّ والمبطل بالثواب والعقاب.\n\n<span id=\"aya-1941\"> </span>(٤٠) - ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nثم قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿قَوْلُنَا﴾ مبتدأ، ﴿أَنْ نَقُولَ﴾ خبره، و﴿إِذَا﴾ لمجرَّد الظَّرفيَّة؛ أي: وقتَ إرادتنا له، أو شرطيَّةٌ محذوفة الجواب لدلالة الجملة الاسمية عليه؛ أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلَّا أنْ نقولَ له: احدُثْ، فحدث عَقيبَ ذلك بلا توقُّف، تمثيل لبيان إمكان البعث وسهولته على الله، وهو أنَّ كلَّ ما تعلَّق به إرادته من الأشياء لا يمتنع عليه ولا يتوقَّف، بل يكون كمأمورٍ مطيعٍ أمَره أَمر مُطاع، فلم يلبث أن يمتثل، والمبعوث أحدُ الأشياء الممكنة (^٢)، فكيف يمتنع عليه؛ ولا قولَ (^٣).\nوقرئ: ﴿فيكونَ﴾ بالنَّصب (^٤)، عطفًا على ﴿نَّقُولَ﴾ أو جوابًا للأمر.\n_________\n(^١) في (ف): \"كلها\".\n(^٢) \"الممكنة\" زيادة من (م).\n(^٣) أي: إنما هو تمثيل، وليس هناك قول ولا مقول له، وهذا أحد الأقوال في الآية. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ١١٥ - ١١٦).\n(^٤) قرأ بها ابن عامر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ع: ١٣٧).","vol":"6","page":41},{"text":"<span id=\"aya-1942\"> </span>(٤١) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ هم رسولُ الله ﷺ وأصحابه المهاجرون ﵃.\nودلَّ قولُه: ﴿فِي اللَّهِ﴾ على أنَّ الهجرة إذا لم تكن لله تعالى لم يكن لها موقع، وكانت بمنزلة الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ.\nوقولُه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ على أنهم كانوا مظلومين في أيدي الكفار، والمحبوسون المعذَّبون بمكَّة بعد هجرة رسول الله ﷺ.\n﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ مباءَةً حسنةً، أو: تبوئةً حسنةً.\n﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ ممَّا يعجَّل لهم في الدُّنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضمير للمهاجرين؛ أي: لو كانوا يعملون لزادوا في اجتهادهم وصبرهم، أو للكفَّار؛ أي: لو كانوا يعلمون أنَّ اللهَ تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين بخير الدَّارين لرغبوا في دينِهم.\n\n<span id=\"aya-1943\"> </span>(٤٢) - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذى الكفَّار ومفارقة الوطن، ومحلُّه النَّصب أو الرَّفع على المدح.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: منقطعين إلى الله، ومفوِّضين إليه الأمر كلَّه.\n\n<span id=\"aya-1944\"> </span>(٤٣) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ رَدٌّ لقولِ قريش: الله أعظم (^١) من أن\n_________\n(^١) في (ف): \"أعلى\".","vol":"6","page":42},{"text":"يكون رسوله بشرًا؛ أي: جَرَت السُّنَّة الإلهيَّة بأن لا يبعث للدَّعوة إلَّا بشرًا يوحي إليه، والموحَى لا يلزم أن يكون بواسطة الملك، فضلًا عن أن يكون على لسانه، والحكمة في ذلك قد ذُكِرَتْ في سورة الأنعام.\n﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهل الكتاب، أو علماء الأخبار ليعلموكم (^١).\n﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ جوابه محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل ملكًا ولا امرأة ولا صبيًّا للدَّعوة العامة، ولا ينافيه نبوَّة عيسى وهو في المهد؛ لأنَّها أخصُّ من الرِّسالة (^٢). وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يُعْلَم.\n\n<span id=\"aya-1945\"> </span>(٤٤) - ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾: بالمعجزات والكتب، متعلِّق بـ ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ على أنَّ الشَّرط للتبكيت والإلزام من حيث الاعتراف بعدم العلم، وسبيلُ الجاهل سؤال مَنْ يَعلم، لا الإنكار.\nويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ داخلًا تحت حكم (^٣) الاستثناء؛ أي: وما أرسلنا إلَّا رجالًا بالبيِّنات، وأن يكون صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾؛ أي: رجالًا ملتبسين بالبيِّنات، أو بـ ﴿نُوحِي﴾ على المفعوليَّة، أو الحال عن الفاعل من القائم مقامَ فاعله،\n_________\n(^١) \"ليعلموكم\" من (م).\n(^٢) في (م) زيادة: \"النبوة\".\n(^٣) \"حكم\" من (م).","vol":"6","page":43},{"text":"على أن قولَه: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ اعتراضٌ، ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ مضمرًا، كأنَّه قيل: بِمَ أرسلوا؟ فقيل: بالبينات والزُّبر، فهو على هذا كلامٌ آخر مستأنَفٌ.\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن، وإنَّما سُمِّيَ ذِكْرًا لأنَّه تذكيرٌ وتنبيهٌ للغافلين.\n﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في الذِّكْرِ بتوسُّط نزوله عليك من الأحكام والمواعيد.\nوالتَّبيينُ أعمُّ مِنْ أنْ ينصَّ بالمقصود، أو يرشدَ إلى ما يدلُّ عليه كالقياس ودليل العقل.\n﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: وإرادةَ أن يتأمَّلوا فيه فيتنبَّهوا للحقائق. والواو للعطف على محذوفٍ تقديرُه: إرادةَ أن يُصغوا إليه.\n\n<span id=\"aya-1946\"> </span>(٤٥) - ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾؛ أي: المكرات السَّيِّئات، وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ﵈، أو: الذين مكروا رسولَ الله ﷺ وراموا صدَّ أصحابه عن الإيمان، ودخولُ الهمزة على فاء التَّعقيب إنكارٌ لأمنهم بعد اطِّلاعهم على عاقبة المكذِّبين والبيِّناتِ التي أُنْزِلَتْ على الرَّسول ﷺ.\n﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسَفَ بقارون.\n﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: في حالِ غَفلتهم نائمين، ولا","vol":"6","page":44},{"text":"يلزم أن يكون من جانب السَّماء، ولا أن يكون بغتةً، ولهذا جمع بينهما في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر: ٥٥].\n\n<span id=\"aya-1947\"> </span>(٤٦) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.\n﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾ الأخذُ هنا كناية عن الإهلاك، كما في قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠].\n﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: في تصرُّفاتهم في أمورهم، وهذا أيضًا زمانَ غفلتهم عن تطرُّق الآفَات؛ لتوغُّلهم في تحصيل (^١) المهمات، إلَّا أنَّ لهم فيه شعورًا، وهذا تفصيل ما أجمله الضَّحَّاك بقوله: باللَّيل والنَّهار (^٢).\n﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: بفائتين، والفاء للدَّلالة على شدَّة الأخذ بحيث لا ينفلت المأخوذ ولو آنًا، وبه تتم الكناية المذكورة آنفًا.\n\n<span id=\"aya-1948\"> </span>(٤٧) - ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: على مخافةٍ بأنْ يُهلك قومًا قبلَهم فيتخوَّفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوِّفون، وهو خلاف الإتيان والأخذ المذكورَيْن سابقًا؛ لأنَّه أخذٌ على توقُّعٍ، فيكون الغرضُ التَّعميمَ.\n_________\n(^١) في (م): \"تحصيلهم\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٢٣٤) عن ابن جريج.\nوروى ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٨٤) عن الضحاك: \" ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ يعني على أي حال\".","vol":"6","page":45},{"text":"وقيل: هو مِنْ تخوَّفتُه: إذا تنقَّصتَه؛ أي: يأخذهم على تنقُّصهم شيئًا بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا.\n﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لا يعاجلكم بالعقوبة مع استحقاقكم لها (^١).\nوهذا كالتَّعليل للأخذ على التَّخوُّف؛ لأنَّه فيه مهلةٌ وامتدادُ وقت، فيمكن فيها التلافي.\n\n<span id=\"aya-1949\"> </span>(٤٨) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ استفهامُ إنكارٍ؛ أي: قد رأوا أمثال هذه الصَّنائع فما بالُهم لم يتفكَّروا فيها؛ ليظهر لهم كمال قدرته وقهره، فيخافوا منه؟\nوإنما قال: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنَّ المخلوقات على نوعين: ما خلق من شيء كعالَم الأجسام، وما خلق من غير شيء كعالم الأمر، وهو عالم الأرواح، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وإنَّما سمي عالمُ الأرواح: الأمر (^٢)؛ لأَنَّه خُلق بأمرِ: كُن، من غير شيءٍ.\nوالظِّلُّ من خواصِّ ما في عالَم الخلق، وبهذا اندفع ما قيل: إن بيان ﴿مَا خَلَقَ﴾ بـ ﴿شَيْءٍ﴾ وبيانُ المبهَم بما هو أبهمُ، فافهم.\n﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ التَّفيُّؤ: تَفعُّل من فاء يفيء؛ أي: رجع.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بها\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والأمر\".","vol":"6","page":46},{"text":"واختلف في الفيء، فقيل: هو مطلَق الظِّلِّ، سواءٌ كان قبل الزَّوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية، وقيل: الفيءُ: الذي هو بعد (^١) الزَّوال.\n﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾؛ أي: عن الجوانب كلِّها، استعير اليمين والشِّمال من جنبي الإنسان لجانبي الشَّيء، ثم أراد بـ ﴿وَالشَّمَائِلِ﴾: الشِّمال والخلف والقُدَّام على طريق التَّغليب؛ لأنَّ الظِّلَّ يفيء من الجهات كلِّها.\n﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حالان من الضَّمير في ﴿ظِلَالُهُ﴾ باعتبار المعنى؛ لأنَّه يرجع إلى ﴿مَا﴾، ووُحِّدَ باعتبار اللَّفظ.\nوجُمع ﴿دَاخِرُونَ﴾ بالواو لتغليب العقلاء على سائر ما خلق الله تعالى، ولأنَّ السُّجود والدُّخور من أوصاف العقلاء، ويجوز أن يكونا حالَيْن من الظِّلال، أو الأوَّلُ منها، والثَّاني من الضَّمير، وهذا أولى، لما فيه من وصف الظِّلال بالسُّجود، ووصفِ أصحابها بالدُّخور الذي هو أبلغ؛ لأنَّه انقيادٌ قهريٌّ مع صفة المنقاد، فيكمل حسنُ المعنى بتصعُّد سجود الظِّلِّ وذي الظِّلِّ وتقارُبهما في الوجود.\nويظهر وجه تغير الأسلوب في الحال الثاني، واسْتُعيرَ السُّجودُ والدُّخور للانقياد والاستسلام والتَّسخير لِمَا يريد من المخلوقات أو من ظلالها، سواءٌ كان بالاضطرار أو بالاختيار، يقال: سجدت النَّخلة: إذا مالت لكثرة الحمل، وسجد البعير: إذا طأطأ رأسه ليُرْكَبَ.\nوالمعنى والله أعلم: ترجع الظِّلال بارتفاع الشَّمس وانحدارها، أو باختلاف (^٢) مشارقها ومغاربها بتقدير الله، من جانب إلى جانب مُنْقادَةً لِمَا قُدِّرَ لها من التَّفيُّؤ، أو\n_________\n(^١) في (ف): \"الفيء هو الذي بعد\".\n(^٢) في (م): \"وباختلاف\".","vol":"6","page":47},{"text":"واقعةً على الأرض ملصَقةً بها على هيئة السَّاجد، والأجرام في نفسها داخرةٌ؛ أي: صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى فيها.\n\n<span id=\"aya-1950\"> </span>(٤٩) - ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصَّة ﴿يَسْجُدُ﴾: يَنقاد لإرادته وقدرته انقيادًا يعمُّ الاختياريَّ والاضطراري، ومَنْ ذَكَرَ بدل الأوَّل ما يكون طوعًا وبدل الثَّاني ما يكون طبعًا، لم يُصبْ في واحدٍ منهما.\n﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لِمَا في الأرض؛ لأنَّ الدَّابة ما يدبُّ في (^١) الأرض، ولا يلزم أن يكون على وجهها.\nوالسُّكوت عن بيان ما في السَّماوات، للإشعار بكثرة ما فيها أجناسًا وأنواعًا، ومَن رامَ تعميم البيان زاعمًا أنَّ الدَّبيب هي الحركة الجسمانيَّة، سواءٌ كانت في جسمٍ سماويٍّ أو أرضيٍّ، فقد غفلَ عمَّا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥] من الدِّلالة على اختصاص الدَّابة بما في الأرض؛ لأنَّ ما في السماء لا يُخْلَق بطريق التَّوالد.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصَّب بالذِّكْرِ معطوفةَ على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ للتَّعظيم، عطفَ جبريلَ على الملائكة (^٢)؛ أي: والملائكة خصوصًا مِنَ السَّاجدين؛ لأنَّهم أطوع خلقٍ وأعبدُهم.\n_________\n(^١) في (ف): \"على\".\n(^٢) أي: كما عطف جبريل على الملائكة في سورة البقرة، عطف هنا الملائكة على ما في السماوات.","vol":"6","page":48},{"text":"﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن عبادته، جملةٌ استئنافيَّة، وتقديم ﴿وَهُمْ﴾ للتَّخصيص.\n\n<span id=\"aya-1951\"> </span>(٥٠) - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.\n﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾ خوفَ إجلالٍ وهيبةٍ وتعظيمٍ، حال من ضمير ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، أو بيانٌ لنفي الاستكبار وتأكيدٌ له؛ لأنَّ مَنْ خافَ الله تعالى لم يستكبرْ عن عبادته.\n﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ حالٌ من ﴿رَبَّهُمْ﴾، مجاز بمعنى القهر والعلو؛ أي: عاليًا (^١) لهم قاهرًا.\n﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ خوفًا له، وعلمًا بعظمته ونفاذ سلطانه وقدرته، ولا دلالة فيه على أنَّ الملائكة مكلَّفون (^٢) بالتَّكليف الشَّرعي الذي يترتَّب عليه الثَّواب والعقاب.\n\n<span id=\"aya-1952\"> </span>(٥١) - ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾.\n﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أكَّد ﴿إِلَهَيْنِ﴾ بالوصف بـ ﴿اثْنَيْنِ﴾، وإنْ دلَّتْ التَّثنية عليه، للدِّلالة على أنَّ مَساق النَّهي هو العدد لا الإلهيَّة، وأنَّ الاثنينيَّة تنافي الإلهيَّة، كما وصف الإله بواحد في قوله:\n﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ دلالةً على أنَّ المقصود إثبات الوحدانيَّة دون الإلهيَّة، وأنها لازمة للإلهيَّة.\n_________\n(^١) في (ف): \"غالبًا\".\n(^٢) في (ك): \"متكلفون\".","vol":"6","page":49},{"text":"﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ التفات من الغيبة إلى التكَلم، إيقاعًا للرَّهبة في القلوب، وتمكينًا لها في النُّفوس، ومبالغةً في التَّرهيب، وتصريحًا بالمقصود، ولذلك قدَّم المفعول مع فاء السَّببية، وكرَّر الفعل، أي: إن كنتم رهبتم شيئًا فإيَّايَ فارهبون دون غيري، فأنا ذلك الإله الواحد القاهر لكلِّ شيء.\n\n<span id=\"aya-1953\"> </span>(٥٢) - ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ التفاتٌ آخر للتَّعظيم، وتقريرِ وجوب تخصيص الرَّهبة به ووجوبِ الانقياد له في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾؛ أي: له ما فيهما خلقًا وملكًا، فكيف لا ينقادون له ولا يخصُّونه بالرَّهبة.\nوتقديم الظرف تأكيدٌ وتقويةٌ لمعنى الاختصاص الذي في اللَّام، وكذا قوله:\n﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾، أي: الطَّاعة والانقياد ﴿وَاصِبًا﴾؛ أي: واجبًا ثابتًا، أي: وله الجزاء دائمًا سرمدًا لا يزول، وهو تأكيدٌ وتقرير آخر، وتعليلٌ لوجوب الانقياد والرَّهبة؛ أعني: على الوجه الثَّاني، وكذا:\n﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تأكيدٌ آخر بتقديم المفعول مع أن الهمزة الإنكارَّية داخلة على الفاء التعقيبيَّة؛ أي: أبعد العلم بالتَّوحيد، وتخصيصِ الكلِّ به خلقًا وملكًا، تخصُّون غيرَه بالاتِّقاء؟! وفيه توبيخٌ بليغٌ.\n\n<span id=\"aya-1954\"> </span>(٥٣) - ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.\n﴿وَمَا بِكُمْ﴾: وأيُّ شيءٍ اتَّصل واستقرَّ بكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أو: الذي","vol":"6","page":50},{"text":"اتَّصل بكم فهو مِنَ الله، و﴿مَا﴾ شرطيَّة، أو موصولة متضمِّنةٌ لمعنى الشَّرط باعتبار الإخبار أو العلم؛ لأنَّ استقرارَ النِّعمة بهم سببٌ للإخبار أو العلم بأنَّه مِنَ الله لا بحصوله منه.\n﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ الجؤارُ: رَفعُ الصَّوت بالدُّعاء والاستغاثة؛ أي: فما يتضرَّعون (^١) في كشفه إلَّا إليه.\nوفرَّق بين حصول النِّعمة ووقوع الضُّرِّ بعموم ﴿مَا﴾، وإيراد الباء الإلصاقيَّة في الجملة الاسميَّة، أي: وكلُّ ما استقرَّ بكم مِنَ النِّعمِ المستمرَّة فهو مِنَ اللهِ، يجب عليكم شكره؛ لأنَّ الإنسان لا يخلو في حالٍ ما مِن نِعَمٍ كثيرةٍ.\nوبإيراد ﴿وثُمَّ﴾ المفيدة (^٢) معنى التَّراخي، والمسِّ الذي هو أدنى إصابة، وجنسِ الضُّرِّ الذي يكفي في إطلاقه أقلُّ ما يطلق عليه الاسم في الجملة الفعليَّة؛ أي: ثمَّ إذا تجدَّد إصابةُ أدنى شيءٍ من جنس الضُّرِّ بعد زمانٍ طويلٍ لا تجأرون إلَّا إليه، وإنما جاء بـ ﴿إِذَا﴾ دون (إنْ) لأنَّ وقوع هذا القَدْر من الضُّرِّ في بعض الأحايين مُحقَّق.\n\n<span id=\"aya-1955\"> </span>(٥٤) - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ مُستَعارٌ لاستبعاد الشُّكر (^٣) بعدَ كَشْفِ الضُّرِّ عند تخصيصه تعالى بالتَّضرُّع إليه في طلب كشفه، والعلمِ بحصولِ جميعِ النِّعم منه.\n_________\n(^١) في (م): \"تضرعون\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"المفيد\".\n(^٣) في (م): \"الشرك\".","vol":"6","page":51},{"text":"﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائيَّة، والخطاب عامٌّ، والفريق: هم (^١) الكفرة، أو خاصٌّ بالمشركين، و﴿مِنْكُمْ﴾ للبيان لا للتَّبعيض؛ أي: إذا فريق وهم أنتم بربهم يشركون، أو للتبعيض (^٢) على أنَّ منهم مَنِ اعتبرَ وازدجرَ، كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان: ٣٢].\n\n<span id=\"aya-1956\"> </span>(٥٥) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من نعمةِ الكشف عنهم، بيانٌ لرسوخ الكفران فيهم وغلبته على طباعهم، حتى كأنَّهم جعلوا غرضَهم من الشِّرك كفران النِّعمة.\n﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ وقرئ: (فَيُمَتَّعوا) بالياء مبنيًا للمفعول (^٣)، عطفًا على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، على أنَّ اللَّام للتَّعليل، ويجوز أن تكون لامَ الأمر الوارد للتَّهديد، والفاء للجواب.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تخليةٌ لهم (^٤)، ووعيد بليغ، ويكون ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ أيضًا واردًا على سبيل الخذلان والتَّخلية.\n\n<span id=\"aya-1957\"> </span>(٥٦) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"هو\".\n(^٢) من قوله: \"أي إذا فريق وهم أنتم .. \" إلى هنا ساقط من (ف) و(ك)، وعبارة: (أو للتبعيض)، مستفادة من كلام الآلوسي في \"روح المعاني\" (١٤/ ١٦٠) نقلًا عن \"الكشف\"، ووقع مكانها في (م) كلمتان لم تُجوَّدا.\n(^٣) نسبت لأبي العالية. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢).\n(^٤) أي: تخلية لهم وما هم فيه لخذلانهم. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ١٦٢).","vol":"6","page":52},{"text":"﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لآلهتهم التي لا يعلمون حقيقتها، فيعتقدون أنَّها تضرُّ وتنفع وتشفع لهم عند الله تعالى، وهي جمادات لا تضرُّ ولا تنفع، على أنَّ العائد إلى (ما) محذوفٌ، أو لجهلهم على أنَّ (ما) مصدرية، والمجعول له محذوف للعلم به، أو لأَلهتهم التي لا علم لها لأنَّها جمادات، فيكون الضَّمير لـ ﴿مَا﴾.\n﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من أنعامهم وزروعهم تقرُّبًا به إليها.\n﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مِنْ أنَّها آلهة حقيقةٌ بالتَّقرُّب إليها، وهو وعيدٌ لهم عليه.\n\n<span id=\"aya-1958\"> </span>(٥٧) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾.\n﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ كانت خزاعةُ وكنانة يقولون: الملائكة بنات الله تعالى.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له عن قولهم، وتعجيب منه.\n﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ نصب عطفًا على ﴿الْبَنَاتِ﴾؛ أي: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين؛ أي: يختارون، أو رفع على الابتداء، و﴿وَلَهُم﴾ خبره، و﴿سُبْحَانَهُ﴾ اعتراض.\n\n<span id=\"aya-1959\"> </span>(٥٨) - ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾: أُخْبِرَ بولادتها ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾: صارَ أو دام (^١) النَّهارَ\n_________\n(^١) في (م): \"صار ودام\".","vol":"6","page":53},{"text":"كلَّه ﴿مُسْوَدًّا﴾ من الكآبة، واسودادُ الوجه كنايةٌ عن (^١) الاغتمام والتَّشوير (^٢).\n﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مملوءٌ غيظًا؛ أي (^٣): على المرأة.\n\n<span id=\"aya-1960\"> </span>(٥٩) - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\n﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾: يَستخفي منهم ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: من أجلِ سوء المُبَشَّر به.\n﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ محدِّثًا نفسه متفكِّرًا في أن يتركه ﴿عَلَى هُونٍ﴾: ذُلِّ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾؛ أي (^٤): يخفيه ﴿فِي التُّرَابِ﴾؛ أي: يئدُه. وتذكير الضَّمير للَفظ ﴿مَا﴾، وقرئ بالتَّأنيث فيهما (^٥).\n﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ حيث يجعلون لِمَنْ تَنزَّه عن الولد (^٦) ما هذا محلُّه عندَهم، ولأنفسهم مَن هو على ضِدِّ هذا الوصف.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"مجاز من\".\n(^٢) في (م): \"والتشويش\"، وفي (ف): \"والتشويه\". والتَّشوير: الخجل. يقال: شورت الرجل فتشور؛ أي: أخجلته فخجل. انظر: \"الصحاح\" (مادة: شور).\n(^٣) \"أي\" من (م).\n(^٤) في (م): \"أم\".\n(^٥) نسبت للجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢).\n(^٦) \"عن الولد\" من (م).","vol":"6","page":54},{"text":"<span id=\"aya-1961\"> </span>(٦٠) - ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾: صفةُ السَّوء، من الحاجة إلى الولد ليقوم مقامهم، وإرادةِ الذُّكور استظهارًا بهم، وكراهةِ الإناث ووأدِهنَّ خشيةَ الإملاقِ الشَّاهد على أنفسهم بالشُّحِّ البالغ.\n﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ من الغِنَى المطلق بالوجوب الذَّاتي والوجود الكامل، والنَّزاهة عن صفات المخلوقين.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنفرد بكمال القدرة والقوَّة على بطشهم وأخذهم بذنوبهم.\n﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يؤخِّرهم إلى أجلٍ مُسمًّى تقتضيه الحكمة.\n\n<span id=\"aya-1962\"> </span>(٦١) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾: بسبب كفرهم ومعاصيهم.\n﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾: على الأرض، وجاز إضمارها من غير ذِكْرٍ لدلالة (الدَّابة) عليها؛ لِمَا عرفْتَ أنَّها ما يدبُّ فيها (^١).\n﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ لأنَّ غيرَ الإنسان من الدَّواب إنَّما خُلِقَتْ لأجله؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\nولو أُخِذَ الظَّالم بظلمه لانقطع نسل الإنسان؛ إذ ما مِنْ شخصٍ إلَّا في (^٢) آبائه\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"قط\".\n(^٢) في (م): \"وفي\".","vol":"6","page":55},{"text":"ظالم، فلا دلالة في الآية على أنْ يكون النَّاس كلُّهم ظالمين؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ المراد من الظُّلم المضاف إليهم: ما صدر عن بعضهم.\n﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سمَّاه لأعمارهم، أو لعذابهم، كي يتوالَدوا.\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف.\n\n<span id=\"aya-1963\"> </span>(٦٢) - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.\n﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾؛ أي: ما يكرهون لأنفسهم من البنات، والشركاءِ في الرِّياسة، والاستخفافِ بالرُّسل (^١)، وأراذلِ (^٢) الأموال.\n﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾ مع ذلك ﴿الْكَذِبَ﴾ وهو: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: عندَ الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾، أو على إسقاط الحرف؛ أي: بأنَّ لهم.\nوقرئ: (الكُذُب) بضمَّتين (^٣)، جمع كذوب، صفة للألسنة.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبق تفسيره في سورة هود (^٤).\n_________\n(^١) فإنهم يغضبون لو استخف برسول لهم أرسلوه في أمر لغيرهم ويستخفون برسل الله تعالى ﵈. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ١٧٤).\n(^٢) في (ف) و(م): \"وأرذال\".\n(^٣) نسبت لمسلمة بن محارب. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢).\n(^٤) عند تفسير الآية (٢٢) منها، وانظر ما سلف عند تفسير الآية (٢٣) من هذه السورة.","vol":"6","page":56},{"text":"﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ردٌّ لكلامهم، وإثباتٌ لضده.\n﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بالفتح مخفَّفًا ومشدَّدًا، بمعنى: مُقدَّمون إلى النَّار؛ أي: مُعجَّلون. من أفرطْتُ فلانًا وفرَّطْتُه في طلب الماء: إذا قدَّمته.\nوقيل: مَنسيُّون متروكون، من أفرطْتُ فلانًا خلفي: إذا خلَّفته ونسيته.\nوقرئ بالكسر مخفَّفًا (^١)، من الإفراط في المعاصي، ومشدَّدًا (^٢) من التَّفريط في الطَّاعات وما يجب عليهم (^٣).\n\n<span id=\"aya-1964\"> </span>(٦٣) - ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ تسليةٌ للرَّسول ﷺ فيما كان يناله من الغمِّ بسبب جهالات القوم، ووعيدٌ لأهل مكَّة.\n﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ حكاية الحال الماضية التي كانت يُزَيِّن لهم الشَّيطان أعمالَهم فيها. و﴿الْيَوْمَ﴾: عبارة عن ذلك الوقت، أراد استحضارَ صورة التَّزيين في وقته للسَّامعين؛ عسى أن يعتبروا بها فيحترِزوا عن مثلها، ويخرجوا عن ولاية اللَّعين. والوليُّ: بمعنى القرين (^٤)، والذي يتولَّونه.\nأو حكاية الحال الآتية، وهي حالُ كونهم معذَّبين في النَّار، والفائدة للاستحضار\n_________\n(^١) قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٨).\n(^٢) أي: ﴿مُفْرَطُونَ﴾، وهي قراءة أبي جعفر المدني. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥٤).\n(^٣) \"وما يجب عليهم\" من (م).\n(^٤) في النسخ: \"القرب\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٣١).","vol":"6","page":57},{"text":"المذكور في أذهان المخاطَبين. والوليُّ بالمعنى المذكور، أو بمعنى النَّاصر؛ أي: فهو ناصرهم اليوم، لا ناصر لهم غيره، فيكون نفيًا للناصر لهم على أبلغ الوجوه.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في النَّار.\n\n<span id=\"aya-1965\"> </span>(٦٤) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾: للنَّاس ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من التَّوحيد والقَدَر، وأحوالِ المعاد من البعث والجزاء، وأحكامِ الأفعال من التَّحليل والتَّحريم ونحوهما.\n﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ عطفًا على محلِّ ﴿لِتُبَيِّنَ﴾، نصبًا على التعليل؛ لكونهما فعلي فاعل الإنزال المعلَّل بهما، بخلاف التَّبيين، فجيء فيه باللام لفقدان شرط نصبه.\n\n<span id=\"aya-1966\"> </span>(٦٥) - ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ قد سبق وجه (^١) تنكير الماء.\n﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾: أنبَتَ فيها أنواع النبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها، والتَّعقيب الذي دلَّ عليه الفاء لا ينافي المهلة الواقعة بين المعطوفين؛ لأنَّ ذلك إنما يكون على حسب ما يَعُدُّه الناس متعقَّبًا، والإحياء بعد الإنزال يعدُّ متعقَّبًا\n_________\n(^١) \"وجه\" من (م).","vol":"6","page":58},{"text":"لا متراخيًا، ألا ترى إلى صحَّة قولك: تزوج زيد فوُلد له، إذا (^١) لم يكن إلا مهلةُ الحمل.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أراد بالسَّمع: القَبول، كما في (سمع الله لمن حمده)؛ أي: لقومٍ يتأمَّلون فيها (^٢)، ويعقلون وجهَ دلالتها، ويَقبلون مدلولها. وإنَّما خَصَّ كونها آية لهم؛ لأنَّ غيرهم لا ينتفعون بها.\nويحتمل أن يكون المعنى: لقوم يسمعون من الغير، فكيف الذين (^٣) يبصرونه؛ أي: ذلك آية للأعمى، فكيف البصير؟!\nوهذا التَّخصيص كالتَّخصيص في قوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣].\nوبما قرَّرناه تبيَّن وجهُ العدول عن: يبصرون، إلى: ﴿يَسْمَعُونَ﴾.\n\n<span id=\"aya-1967\"> </span>(٦٦) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾: دلالةً على قدرة الله تعالى وحكمته، والتَّنكير للتَّفخيم.\n﴿نُسْقِيكُمْ﴾ استئناف لبيان العبرة ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ ذكَّر الضمير ووحَّده هنا للَّفظ، وأنَّثه في (سورة المؤمنين) للمعنى؛ فإنَّ ﴿الْأَنْعَامِ﴾ اسم جمع، ولذلك عدَّه سيبويه\n_________\n(^١) في (ك): \"إذ\".\n(^٢) \"فيها\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"الذي\".","vol":"6","page":59},{"text":"في المفردات المبنيَّة على أفعال (^١)، ومَن قال: إنه جمع نَعَمٍ، جعل الضَّمير للبعض؛ فإنَّ اللَّبن لبعضها دون جميعها، أو لواحده، أو له على المعنى؛ فإنَّ المرادَ به الجنسُ.\n﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا﴾ الفَرْثُ: فضالة ما يبقى من العلف في الكَرِش، وكثيف ما يبقى من الأكل في الأمعاء.\n﴿مِنْ﴾ الأولى تبعيضيَّة؛ لأنَّ اللَّبن بعضُ ما في بطونها، والثانية ابتدائيَّة؛ لأنَّ الإسقاء يبتدئ من مادةٍ مبدؤها الدَّم، ومنتهاها الفضلة التي لا حاجة إليها، بل يجب أن تُدفع كالفَرْث دفعًا للضَّرر عن البدن، أو (^٢) من مادة بين الفرث الذي من الفضول المحضةِ والدَّم الذي من الأصول المحضة، فهو بالنِّسبة إلى الفرث أصلٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ منه في بقاء النَّسل، وبالنِّسبة إلى الدَّم فضل؛ لأنَّه لا حاجة إليه في بقاء الشَّخص.\nوعلى هذا يجوز أن تكون ﴿مِنْ﴾ الثانية أيضًا تبعيضيَّة؛ لأن تلك المادة غير منحصرة في اللَّبن؛ فإنَّ الدَّم الذي يصير غذاءَ الجنين منها، وكذا مادة المنيِّ، وحينئذ يكون المقول المذكور حالًا؛ أي: كائنًا مِنْ بين فرث ودم.\nوإنَّما قُدِّم على ﴿لَبَنًا﴾ وهو صفة له في المعنى لأنَّه موضع العبرة، فهو معنًى به جدير بالتَّقديم؛ لكونه حاصلًا من نجس (^٣)، وهو في مَعْرِض أن ينقلب إليه؛ لأنَّه إن لم يسبق يخرج من مخرج فضلات الهضم الرابع (^٤)، وذلك أنَّ العلف ينهضم فتنجذب صفاوته إلى الكبد ويتولَّد منه الدَّم، ويبقى الفرث في\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (٣/ ٢٣٠).\n(^٢) في (م) زيادة: \"صح\".\n(^٣) في (م): \"جنس\".\n(^٤) فإنَّ الغِذاء يَحصُلُ له في المَعِدَةِ هضمٌ أوَّل، وفي الكَبِد هضمٌ ثانٍ، وفي العروقِ هضمٌ ثالثٌ، وعند وصوله إلى جواهر الأعضاء هضمٌ رابعٌ. انظر: \"تفسير الرازي\" (١٩/ ١٧٣).","vol":"6","page":60},{"text":"الكرش ويتسفَّل، ويتوزَّع الدَّم على الأعضاء ليغذوَها، وَيفْضُل من غذائه قسطٌ صالح يرتقي إلى الضَّرع الذي هو لحمٌ غدديٌّ رخوٌ أبيض، فينقلب الدَّم عند انصبابه إليه (^١) إلى اللَّبن، هذا هو القول الصَّحيح في تولُّد اللَّبن، فمِن وَهَمَ أنَّ محلَّه بين الفرث والدَّم فقد وَهِم.\n﴿خَالِصًا﴾: مصفًّى عمَّا يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضيق مخرجه، ولهذا صار ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾: سهلَ المرور في حلقهم.\nوأمَّا ما قيل: صافيًا لا يستصحِب لون الدَّم ولا رائحة الفرث، فمبناه الوهم الفاسد المذكور آنفًا، وإلَّا فأين موضع تولُّد اللَّبن من محلِّ الفرث.\n\n<span id=\"aya-1968\"> </span>(٦٧) - ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ متعلِّق بما في الإسقاء من معنى الإطعام، أي: نطعمكم منها، فينتظِمُ المأكولَ منها والمشروبَ المُتَّخَذَ من عصيرها، ولا حاجة إلى تقدير محذوفٍ، وتعلُّقه بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ يؤدِّي إلى إخراج التَّمر والزَّبيب من الرِّزق الحسن، ولا وجهَ له.\n﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ استئناف لبيان الإطعام، وتذكير الضمير باعتبار جنس التَّمر.\nولَمَّا كان اللَّبن لا يحتاج إلى معالجةٍ منَّا أخبرَ عن نفسه تعالى بقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ولَمَّا كان السَّكَر والرِّزق الحسن يحتاج إلى معالجة منَّا قال: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"إليه\" من (م).","vol":"6","page":61},{"text":"وإنَّما قال: ﴿مِنْهُ﴾ لأنَّ منه ما لا يُؤكَل لا محالة.\nوالسَّكَرُ: مصدر سمِّي به الخمر، وقيل: السَّكَرُ النَّبيذُ.\n﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ كالتَّمر والزَّبيب والدِّبس والخلِّ (^١) ونحوها، وفي عطفه على ﴿سَكَرًا﴾ تعريضٌ بكراهة الخمر، وأنَّه ليس بحسَنٍ (^٢)، ورمزًا إلى أن السكر وإن كان مباحًا فهو مما يَحسُن اجتنابه، وهذا على ما قالوا: إن الآية نازلة قبل تحريم الخمر.\nقيل: لمَّا ميّز السكر من الرزق الحسن قال أكثر الصحابة ﵃: لو كان فيها خيرًا لم تميز عن الرزق الحسن، فامتنعوا عن شربها، ونزولُ الآية قبل تحريمها لا ينافي كونَها جامعةً بين العتاب والمنَّة، فإن المنافيَ لإباحتها هو العتاب في الآخرة لا العتاب (^٣) في الدُّنيا الذي مرجعُه النَّهي الإرشادي.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولهم بالنَّظر والتَّأمُّل في الآيات.\nولَمَّا قال في بدء الكلام: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ناسبَ ختمه بـ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ لأنَّه لا يَعتَبِرُ إلَّا ذوو العقول.\n\n<span id=\"aya-1969\"> </span>(٦٨) - ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.\n﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الإيحاء إلى النَّحل: إلهامُها وإيداعها، دلَّ عليه حذاقتُها في صنعتها، وتدبيرِ أمرها، وترتيبِ مراتب عَمَلتها.\n_________\n(^١) في (م): \"والنخل\".\n(^٢) في (ف): \"يحسن\".\n(^٣) \"والمنة فإن المنافي لإباحتها هو العتاب في الآخرة لا العتاب\" سقط في (م).","vol":"6","page":62},{"text":"﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾: بأنِ اتَّخذي، ويجوز أن تكون ﴿أنْ﴾ مفسِّرة؛ لأن في الإيحاء معنى القول، وتأنيث الضَّمير لأنَّ النَّحل جمعُ نحلةٍ.\n﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: ما يعرشُ النَّاس ويرفعونه من سقوف البيت، وإنَّما ذُكِرَ بحرف التَّبعيض؛ لأنها لا تتَّخذ في كلِّ جبلٍ وكلِّ شجرٍ وكلِّ ما يعرشون، ولا في كلِّ مكانٍ منها.\nوليس المراد من بيتها: ما تبنيه لتُعسِّلَ فيه - كما توهَّمه مَنْ قال: وإنَّما سُمِّيَ ما تبنيه لتُعسِّل فيه (^١) بيتًا تشبيهًا بالذي بناه الإنسان؛ لما فيه من حُسْنِ الصَّنعةِ وصحَّة القسمة، التي لا يَقوَى عليها حُذَّاق المهندسين إلَّا بآلات رفيعة وأنظار دقيقة، ولعلَّ (^٢) ذكره للتَّنبيه على ذلك - بل ما تتَّخذه (^٣) في الجبال وكُواها وفي متجوّف الأشجار وفيما يَعْرِش ابن آدم من السُّقوف.\n\n<span id=\"aya-1970\"> </span>(٦٩) - ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ كُلِي﴾ فيه إرشادٌ إلى العمل، فإنَّها تسوِّي البيوت أوَّلًا، ثم تأخذ في الجَرْس للعسل.\n_________\n(^١) \"فيه\" من (م). وقوله: \"لتعسِّل فيه\"؛ أي: لتضع العسل فيه، وهو تفعيل من العسل. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٤٨).\n(^٢) في (ك) و(م): \"ولعله\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٣٣).\n(^٣) في (ف): \"تتخذ\".","vol":"6","page":63},{"text":"﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير (^١)، كما في قوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] و﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية.\n﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ التي ألهمك، راجعةً إلى بيوتك لا تضلِّين فيها، فإنَّها ربَّما أَبعدَتْ في طلب نجعتها إلى مواضعَ بينها وبين بيوتها فراسخ.\n﴿ذُلُلًا﴾ جمع ذَلول، وهو حال من السُّبُل؛ أي: مذلَّلة، ذلَّلها الله تعالى وسهَّلها لك.\n﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ التفات من خطاب النَّحل إلى الغيبة؛ تصريفًا للخطاب إلى النَّاس؛ لأن الغرض الامتنانُ بالنِّعمة الجسيمة بين الغذائيَّة والدَّوائيَّة (^٢) واللَّذة والشِّفاء عليهم، والاعتبارُ بحاله العجيبة، ولطفِ صنعتها التي تبهر العقول، والاستدلالُ بها على قدرة الصَّانع وكمالِ علمه وحكمته.\n﴿شَرَابٌ﴾ يعني: العسل؛ لأنَّه ممَّا يُشْرَب.\nوفيه دلالة على ما هو (^٣) المختار عند المحققِّين، مِنْ أنَّ النَّحل يأكل الأزهار والأوراق العطرة، فيستحيل في باطنها، ثم يقيء ادِّخارًا للشِّتاء.\nومَنْ زعم أنَّ العسل نباتيٌّ محضٌّ، وقال: إنها تلتقط بأفواهها أجزاءً طَلِّيةً (^٤) حلوةً صغيرة متفرِّقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادِّخارًا= لزمه أن يجعل البطون مستعارة لأفواه النَّحل، ويكون الأكل ترشيحًا لها.\n_________\n(^١) \"كل للتكثير\" من (م).\n(^٢) في (م): \"الغداية والدوايبة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"ما فيه\".\n(^٤) نسبة للطل. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٤٩).","vol":"6","page":64},{"text":"﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ أبيض وأحمر وأصفر وأزرق، بحسب لون النَّور أو سنِّ النَّحل.\n﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لأنَّه من الأغذية الدَّوائيَّة، وقلَّ معجون لم يقع فيه.\nوإنَّما نكَّر ﴿شِفَاءٌ﴾ لأنَّ فيه شفاءً مّا لبعض الأمراض لا لكلِّها (^١)، أو لتعظيم الشِّفاء الذي فيه.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإنَّ مَن تَدبَّر اختصاص النَّحل بتلك العلوم الدَّقيقة والأفعال العجيبة حقَّ التَّدبُّر علم قطعًا أنَّه لا بُدَّ من قادرٍ حكيمٍ يلهمها ذلك ويحملها عليه.\n\n<span id=\"aya-1971\"> </span>(٧٠) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ بآجالٍ مختلفةٍ.\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾: يعادُ، عطف على محذوفٍ تقديره: فمنكم مَنْ يعجَّل وفاتُه ومنكم مَنْ يُرَدُّ، فالواو فصيحة.\n﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: أخسِّه، يعني: الهرمَ الذي يشابه الطفوليَّة في نقصان العقل والقوَّة.\n﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ ليصير إلى حالةٍ شبيهة بحالة الطفوليَّة في النِّسيان وسوء الفهم.\n_________\n(^١) في (م): \"كلها\".","vol":"6","page":65},{"text":"(كي): مصدريَّة ناصبة بنفسها الفعلَ بعدها، وهي ومنصوبها في تأويل المصدر مجرور باللَّام التَّعليليَّة المتعلقة بـ ﴿يُرَدُّ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ بمقادير أعمارهم ﴿قَدِيرٌ﴾ يميت الشَّابَ القويَّ، ويُبقي الشَّيخ الضَّعيف، وفيه دليل على أنَّ تفاوت أَجالِ النَّاس بتقدير قادرٍ حكيمٍ، وأمَّا أنَّه لا دخل فيه للاستعداد واقتضاء الطَّبع وسوء التَّدبير فلا دلالة عليه.\n\n<span id=\"aya-1972\"> </span>(٧١) - ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\n﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ تقديم اسم الله تعالى للتَّخصيص؛ أي: الله تعالى فضَّل دون غيره بأن جعلكم متفاوتين في الرِّزق.\n﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾؛ أي: جُعل رزقهم أفضل من رزق غيرهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾: بمعطي رزقهم ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: على مماليكهم فيسووهم بأنفسهم في المأكل والملبس.\n﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾؛ أي: هم إخوانهم وأمثالهم، فحقُّهم أن يساووهم في ذلك، فالجملة لازمة للجملة المنفيَّة (^١) ومقرِّرة لها، ويجوز أن تكون واقعة (^٢) موقع الجواب، كأنَّه قيل: فما الذين فُضِّلوا برادِّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرِّزق، على أنَّه رَدٌّ وإنكارٌ على المشركين، فإنَّهم يشركون بالله تعالى بعض مخلوقاته في الألوهيَّة، ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم، فيساوونهم فيه.\n_________\n(^١) \"المنفية\" من (م).\n(^٢) في (م): \"واقعة لها\".","vol":"6","page":66},{"text":"﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: تلك التَّسويةُ شكرُ نعمة الله تعالى، فإذا لم تسوُّوهم بأنفسكم في ذلك فذلك هو كُفْران نعمة الله.\nأو: فما المُفضَّلون في الرِّزق برادِّي رزقهم على مماليكهم، فإنَّ رزقهم ما يأكلونه، بل نحن نرزق المماليك كما نرزق الموالي، فهم - أي: الموالي والمماليك - سواءٌ في رزق الله، فلا يحسبَنَّ (^١) الموالي أنَّهم يرزقونهم، فإنَّه رزقي أجريتُه إليهم، ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ حيث ينسبون رزقَ مماليكهم إلى أنفسهم لا إلى الله، ويجحدون أنَّه مِن عندِ الله، والباء في (بنعمة الله) تحمل الجحود على الكفر حملَ النَّظير على النَّظير.\nوعلى الوجه الأوَّل: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾ جملة توبيخيَّة، والهمزة الدَّاخلة على الفاء التَّعقيبيَّة وتقديم ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ تقريرٌ للتَّوبيخ، وإنكار لفعلهم؛ أي: أبعدَ علمهم بأنَّ الله هو الرَّزاق، ووضوحِ دلائل ذلك بنعمة الله خاصَّةً يكفرون جاحدين لها، وعلى الوجه الثَّاني فالتَّوبيخ والإنكار إنَّما يكون في الجملة الأخيرة بالأصالة لا فيما قبلها.\n\n<span id=\"aya-1973\"> </span>(٧٢) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: من جنسكم؛ لتأنسوا بها، وليكون أولادكم منهنَّ أمثالكم.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لم يقل: (منها)؛ لاحتمال العود إلى الأنفس.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"تحسبن\".","vol":"6","page":67},{"text":"﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: جمع حافدة، وهو الذي يسرع في الخدمة والطَّاعة، قيل: المراد منهم البنون أنفسهم، والعطف لتغاير الوَصْفَين، وقيل: هم البنات، وفيه - أي: في التعبير عنهن بالحفدة دون البنات - تنصيصٌ على وجه الامتنان بالبنات، وهو أنهنَّ تخدمن في البيوت أتمَّ خدمة.\nوقيل: هم الأختان على البنات، وحينئذ يكون إشارة إلى أنَّ البنات من حيث أنهنَّ وصلةٌ بالأجانب نعمةٌ جليلةٌ.\nوقيل: هم الرَّبائب، وحينئذ يظهر وجه الاحتياج إلى قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾.\nوأمَّا الحمل على أولاد (^١) الأولاد فيأباه تخصيص البنين بالذكر، فإنَّه حينئذ حقُّه التَّعميم أوَّلًا أيضًا.\n﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: بعضَها؛ لأن كلَّها إنما يكون في الجنة، والمراد: الأطعمة الشهية.\n﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهو أن الأصنام تنفعهم، أو أن من الطيبات ما يحرم عليهم كالبحائر والسوائب.\n﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ حيث أضافوها إلى غيره تعالى، وحرَّموا ما أحلَّ اللهُ لهم.\nوإقحام ﴿هُمْ﴾ بينَ قوله: ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ و﴿يَكْفُرُونَ﴾ للتَّقوية المعاضِدة للتَّوبيخ والإنكارِ بالهمزة الواردة على فاء التَّعقيب؛ أي: أبعدَ وضوح دلائل بطلان ما يعتقدونه يؤمنون بذلك الباطل؟!\n_________\n(^١) \"أولاد\" سقط (م).","vol":"6","page":68},{"text":"ويجوز أن يكون لإبهام التَّخصيص مبالغةً، وكذا تقديم (بالباطل) و(بنعمة الله) على ما تعلَّقتا به (^١).\n\n<span id=\"aya-1974\"> </span>(٧٣) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ من مطر ونبات، وهو مفعول ﴿رِزْقًا﴾ إن كان بمعنى المصدر، وبدلٌ منه إن كان بمعنى المرزوق، ويجوز أن يكون مصدرًا لـ ﴿يَمْلِكُ﴾ للتَّأكيد (^٢)؛ أي: ما لا يملك رزقًا مّا شيئًا من الملك.\n﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صلة للرِّزق إن كان مصدرًا، وصفةٌ له إن كان اسمًا.\nوالتَّنوين في ﴿رِزْقًا﴾ و﴿شَيْئًا﴾ للتَّحقير والتَّقليل، وفي إبدال ﴿شَيْئًا﴾ من ﴿رِزْقًا﴾ تقليلٌ آخر، وفي إيراد ﴿مَا﴾ دون (مِن) تحقيرٌ آخر.\nوفي التَّقييد بقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبالغةٌ في نفي ملك الرزق عنها؛ أي: ما لا يملك (^٣) رزقًا مّا في جهةٍ من جهات العالم، ولا في مكانٍ وقطر منه.\n﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الضَّمير لـ ﴿مَا﴾؛ لأنَّه في معنى الإلهيَّة، وهو من الأفعال التي لا يُقدَّر لها مفعول وتُجعَل مطلقة كالفعل اللَّازم، والمراد: نفي الاستطاعة المطلقة؛ أي: لا يملكون أن يَرزقوا، ولا استطاعةَ لهم أصلًا؛ لأنَّهم أموات، وإنْ\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وأما محافظة الفواصل فإنما يصار إليها عند عدم باعث معنوي. منه\".\n(^٢) \"للتأكيد\" سقط من (م).\n(^٣) في (م) زيادة: \"لهم\".","vol":"6","page":69},{"text":"قُدِّرَ المفعول لدلالة القرينة - وهي مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾ - عليه، فالمرادُ بالجمع بين نفي الاستطاعة والملك جميعًا التَّوكيدُ أو نفي الوقوع وإمكانهِ؛ أي: لا يملكون الرِّزق ولا يمكنهم أن يملكوه.\nويجوز أنْ يكون الضَّمير للكفَّار؛ أي: ولا يستطيع هؤلاء الكفرة مع أنَّهم أحياء متصرِّفون عقلًا شيئًا من الرِّزق، فكيف بالجماد الذي لا حراك به ولا حِسَّ؟\n\n<span id=\"aya-1975\"> </span>(٧٤) - ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ نهيٌ عن الإشراك بالله في التَّشبيه على طريقة التَّمثيل؛ لأنَّ مَن يضربِ المَثَلَ شبَّهَ حالًا بحال وقصَّةً بقصَّة (^١)، فجعل ضرب المثل مثلًا للإشراك والتَّشبيه، فكأنَّه قيل: ولا تشركوا بالله، وعدل إلى المُنزَل دلالة على التَّعميم في النَّهي عن التَّشبيه وصفًا وذاتًا.\nوفي لفظ ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لمن لا مثال له أصلًا نعيٌ عظيمٌ على سوء فعلهم، وفيه إدماجُ أنَّ الأسماء توقيفيَّة، وهذا هو الظَّاهر؛ لدلالة الفاء، وعدم ذكر ضرب المثل منهم سابقًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ تعليلٌ للنَّهي عن الشِّرك ووعيا عليه؛ أي: إنَّ الله يعلم قبح ما تفعلون وكُنْهَه وعظمه، فهو معاقبُكم عليه بما يوازيه في العظم.\n﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ كُنْهَ ذلك وكُنْهَ عقابه، فلذلك اجترأتم عليه.\nويجوز أن يراد بقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا﴾ إلخ ظاهرُه، وهو النَّهي عن ضرب الأمثال لله\n_________\n(^١) في النسخ: \"حالًا بحال قصة بقصة\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٦٢٢)، ولفظه: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾: تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به؛ لأنَّ مَن يضرب الأمثال مشبِّه حالًا بحال وقصةً بقصة).","vol":"6","page":70},{"text":"تعالى، ويكون معنى التَّعليل: إنَّ اللهَ وحدَه يعلم كيف يضرب المثل له وأنتم لا تعلمون ذلك، وكأنه أريد المبالغةُ في أن لا يُلحِدوا في أسمائه تعالى وصفاته، فإنه إذا لم يجز ضرب المثل، والاستعارات يكفي فيها شَبَهٌ مّا، والإطلاق لتلك العلاقة كافٍ (^١)، فعدمُ جواز إطلاق الأسماء من غير سبقِ تعليم منه تعالى وإثبات الصِّفات أولى وأولى، ثمَّ علَّمهم كيف يُضرب، فضرب مثلًا لنفسه ولمن عُبد دونه فقال:\n\n<span id=\"aya-1976\"> </span>(٧٥) - ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ﴿عَبْدًا﴾ بدل من ﴿مَثَلًا﴾.\n﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ (مَن) موصوفةٌ عُطفت على ﴿عَبْدًا﴾، أو موصولة.\n﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ مثَّل ما أُشرك به بالمملوك العاجز عن التَّصرف مطلقًا، ومثَّل ذاته تعالى بالحرِّ الذي رزَقه الله مالًا كثيرًا، فهو يتصرَّف فيه وينفق منه كيف يشاء.\nوقيَّد العبد بالمملوك ليمتاز عن الحرِّ؛ فإنَّ العبد قد يطلق على الحرِّ باعتبار أنَّه عبد الله تعالى، وبقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ليخرج عنه المكاتَب والمأذون، فإنَّهما يقدران على شيء (^٢).\n_________\n(^١) في النسخ: \"والاستعارة يكفي فيه شبهٌ ما، والإطلاق بتلك العلامة كافٍ\"، والمثبت من \"روح المعاني\" (١٤/ ٢٢١)، والكلام منقول من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي.\n(^٢) في (م) زيادة: \"فكأنه قيل ولا تشركوا بالله شيئًا\".","vol":"6","page":71},{"text":"ولا دلالة فيه على أنَّ المملوك لا يملك؛ لأنَّه لم يُجعل قسيمًا للمالك إلَّا بعد التَّقييد بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، والأصل في القيود الاحتراز، بل للمخالف - كمالك على ما قيل - أن يتمسَّكَ به بناء على هذا الأصل.\n﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؛ أي: هل يستوي الأحرار والعبيد، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد ومشتركَين في الإنسانيَّة، فكيف تشركون بالله تعالى وتسوُّون به مَنْ هو مخلوقٌ له مقهورٌ بقدرته؟!\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾﴾: كلُّ الحمد له، لا يستحقُّه غيرُه، فضلًا عن العبادة؛ لأنَّه مولى النِّعم كلِّها.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيضيفون (^١) نعمَه إلى غيره ويعبدونه لأجلها، وكلمة ﴿بَلْ﴾ رَدٌّ لِمَا زعموه من استحقاق الأصنام للعبادة والشكر.\n\n<span id=\"aya-1977\"> </span>(٧٦) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾؛ أي: لا نفعَ فيه من جهة القول، وقد سبق بيان (^٢) معنى البَكَم، والفرقِ بينه وبين الخَرَس.\n﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ فلا يقع فيه من جهة الفعل أيضًا.\n_________\n(^١) وقع بعدها سقط لوحة رقم (٣٨٦) من (ك)، وسوف ننبه على نهايته في مكانه.\n(^٢) \"بيان\" من (م).","vol":"6","page":72},{"text":"﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ مع ذلك هو ثقل وعيال على مَن يلي أمره ويتولَّاه (^١).\n﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾: حيث ما يرسله مولاه في أمرٍ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ بنجحٍ ونفعٍ، والتَّنكير للتَّقليل.\n﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾: ومَن (^٢) هو مِنطيقٌ فَهِمٌ ذو كفايةٍ ورشد، يأمر النَّاس بالعدل لكونه جامعَ الفضائلِ كلِّها.\n﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾: وهو في نفسه على طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ودين قويمٍ؛ أي: كامل مكمَّل.\nكرَّر التَّمثيل لزيادة الكشف والإيضاح، وتصويرِ امتناع الاشتراك والتَّشبيه في صورتين محسوسَتَيْن؛ ليتمكَّن في نفس السَّامعين، واحتجَّ في كلِّ واحدٍ من المَثَلَيْن بامتناع الاشتراك والتَّسوية بين ممكنين متماثلين، مع اشتراكهما في الجنسيَّة والمخلوقيَّة على امتناع الاشتراك والتَّسوية بين الأصنام التي هي أخسُّ المخلوقات وأعجزُها وبينَ اللهِ تعالى الواجبِ بذاته الخالقِ القادرِ على الإطلاق.\n\n<span id=\"aya-1978\"> </span>(٧٧) - ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: يختصُّ به تعالى علمُ ما غاب فيهما عن العباد.\nوقيل: يوم القيامة؛ فإنَّ علمه غائب عن أهل السَّماوات والأرض.\n_________\n(^١) في (م): \"وبقوله\".\n(^٢) في (م): \"من\".","vol":"6","page":73},{"text":"وعلى هذا يكون العدول عن الضمير في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾؛ أي: أمرُ قيامها في سرعة وقوعه، إلى الاسم الظَّاهر لِمَا فيه من التَّقوية للخبر.\n﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: إلَّا كرَجْع (^١) الطَّرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، تمثيلٌ لأمرٍ آنيِّ الوقوع غير زمانيٍّ بأقلِّ ما يمكن (^٢) أن يدرَك من الزَّمان، ولهذا قال:\n﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: أسرع وأقصر زمانًا بأنْ يكون في مقدار نصف تلك الحركة؛ أو (^٣) في آنِ ابتداء تلك الحركة؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُحيي الخلائقَ دفعةً واحدةً، وما هو دفعيُّ الوجود يكون حدوثه في آنٍ، و﴿أَوْ﴾ بمعنى: بل.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقدر على أن يُقيم السَّاعة ويبعث الخلق في أسرع وقتٍ، كما قدر على إحيائهم متدرِّجًا.\n\n<span id=\"aya-1979\"> </span>(٧٨) - ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nثمَّ دلَّ على قدرته فقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بيانٌ لعجزنا في الابتداء، يعني: لم تكونوا قادرين بأنفسكم على الخروج فأنا أخرجتكم، كما أنَّ قوله:\n﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ بيان لجهلنا فيه في موضع الحال؛ أي: غيرَ عالمين.\nوفيه دلالة على أنَّ الحركةَ للجنين غيرُ إراديَّةٍ.\n_________\n(^١) في (م): \"كرجوع\".\n(^٢) \"يمكن\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"أي\".","vol":"6","page":74},{"text":"﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ خصَّهما بالذِّكْرِ - والمراد جميع الحواس - لأنَّهما أشرفها، والاعتبار والاستدلال بمدركاتها أكثرُ، كما خصَّ الصَّلاة والزَّكاة في مواضعَ من القرآن بالذِّكْرِ والمراد جميع العبادات؛ لأنَّهما أصلها.\nوتقديم ﴿السَّمْعَ﴾ لأنَّه أعمُّ نفعًا وأتمُّ، حيث يحصَّل به العلوم النَّقليَّة التي لا يتطرَّق فيها الغلط.\n﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾؛ أي: أنعم عليكم بهذه الآلات والقِوَى لتدركوا بالحواسِّ والمشاعر (^١) الجزئيات، وتتنبَّهوا بالأفئدة لكلِّياتها، فتحصل لكم العلوم البديهيَّة، وتقدروا على اكتساب النَّظريَّات بها.\nوالأفئدة من جموع القلَّة التي جرَتْ مجرى جموع الكثرة؛ إذ لم يَرِدْ في السَّماع غيرها.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: إرادةَ أنْ تشكروا نِعمَه الظَّاهرة والباطنة بالعمل بتلك العلوم، فترثوا العلوم الكشفيَّة، كما قال ﵇: \"مَنْ عَمِلَ بما علم ورَّثه اللهُ تعالى علمَ ما لم يعلم\" (^٢)، فتكمُلوا وتَسْعَدوا.\nوإنَّما ذكر (^٣) آلة العلم في مقام الامتنان والحثَ على الشكر دون آلة القدرة\n_________\n(^١) \"والمشاعر\" من (م).\n(^٢) رواه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١٠/ ١٥)، وقال: ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى بن مريم ﵇، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي ﷺ، فوضع هذا الإسناد عليه لسهولته وقربه، وهذا الحديث لا يُحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل. ورواه الطبراني في \"الأوسط\" كما ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٣٦) وقال: وفيه ياسين الزيات وهو منكر الحديث.\n(^٣) في (م): \"ذكرت\".","vol":"6","page":75},{"text":"تعظيمًا للعلم، وتنبيهًا على أنَّ المقصود من خلق ابن آدم - بل من إيجاد العالم - هو العلمُ، على ما عُلم من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: ليَعْرِفون، ومن قوله ﵇: \"كنت كنزًا مخفيًّا فأحببْتُ أنْ أُعْرَفَ … \" الحديث (^١).\n\n<span id=\"aya-1980\"> </span>(٧٩) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾: جمع طائر ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: مُذلَّلاتٍ للطَّيران بما خُلِقَ لها من الأجنحة وهُيِّئ لها من الأسباب الموافقة لذلك.\n﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: في الهواء المرتفع من الأرض. وفي إضافته إلى ﴿السَّمَاءِ﴾ إظهارٌ لجهةِ لطافته تقويةً لمعنى التَّسخير.\n﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ فيه ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ فإنَّ ثقِلَ أجسادها يقتضي السُّقوط، ولا علاقة فوقها، ولا دعامة تحتها تمسكها، فلا مُمْسِكَ إلَّا الله تعالى بقدرته.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ تسخير الطَّير للطيران بأنْ خلقها خلقةً يمكِن معها الطَّيران، وخلق الجوَّ بحيث يمكِن الطَّيران فيها، وإمساكها مع ما فيها من الثِّقَل في الهواء مع غاية لطافته على خلاف طبعها.\n﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصَّهم بتلك الآيات لأنَّهم هم المنتفِعون بها.\n_________\n(^١) قال الزركشي في \"اللآلئ المنثورة\" (ص: ١٣٦): قال بعض الحفاظ: ليس هذا من كلام النبي ﷺ ولا يعرف له إسناد صحيح ولا ضعيف.","vol":"6","page":76},{"text":"<span id=\"aya-1981\"> </span>(٨٠) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ التي تبنونها من الحجر والمدر ﴿سَكَنًا﴾ فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، وهو ما يُسْكَن فيه أو إليه مِنْ مَسْكن أو مَأْلف.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ إنَّما أعاده لأنَّ الامتنان هنا بنوع آخر من النِّعمة.\n﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ التَّنكير للتَّنويع؛ أي: نوعًا غريبًا منها، وهي (^١) القِباب المُتَّخذة من الأُدُم، ولا حاجة إلى أن يُتكلَّف في تعميمها المُتَّخذة من الوبر والصَّوف والشَّعر؛ لاندراجها فيما يأتي بُعَيد هذا.\n﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾: تجدونها خفيفةً، يخفُّ عليكم حملُها ونقلها.\n﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ الظَّعن بفتح العين وتسكينها: الارتحال.\n﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: وقتَ نزولكم وإقامتكم في مسائركم، لم يثقل عليكم ضربها ونقضها، أو يوم قراركم في منازلكم، والأوَّل أولى؛ إذ ظهور المِنَّة في خفَّتها في السَّفر أتمُّ وأظهر.\n﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الصَّوف للضَّأن، والوبر للإبل، والشَّعر للمعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، والفصل بما للإبل بينَ ما للضأن وما للمعز لأنَّه أكثر استعمالًا في السَّفر والحضر.\n﴿أَثَاثًا﴾؛ أي: أمتعةً وثيابًا تصلح للسَّفر والحضر، منها ما يُلبَس، ومنها ما يُفْرَش، ومنها ما ينصب كأخبية الشَّعر واللبد.\n_________\n(^١) في (ف): \"وهو\".","vol":"6","page":77},{"text":"﴿وَمَتَاعًا﴾ المتاع: ما يُنتفع به ويُتَّجر.\n﴿إِلَى حِينٍ﴾: إلى أن تَبلى وتَفنى، أو: إلى أن تقضوا منها أوطاركم. والتَّنوين للتَّعظيم، والإشارةِ إلى أنها تبقى مُدَّةً مديدة، أو للإبهام لأنَّه غير معيَّن؛ أي: مدَّة مّا من الزَّمان غير معلومة.\n\n<span id=\"aya-1982\"> </span>(٨١) - ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ شرَع في الامتنان بنعمةٍ خالصة عن شَوْب الكسب، ولهذا أعاد الإسناد إلى ظاهر اسم الله تعالى.\n﴿مِمَّا خَلَقَ﴾ في السَّماء كالسَّحاب المظلم على ما ذُكِرَ (^١) في قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] (^٢)، أو في الأرض كالجبل والشجر.\n﴿ظِلَالًا﴾: ما يُستظلُّ، لَمَّا كانت بلاد العرب عليها الحرُّ المفرِط امتنَّ عليهم بما يتَّقون به من حرِّ الشَّمس، وفيه نوعُ تمهيدٍ لتخصيص الحرِّ بالذِّكر فيما سيأتي (^٣).\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: مواضعَ تستكنُّون بها، من الكهوف والغيران.\nالإنسان إمَّا مقيم أو مسافر، والمسافر إمَّا غنيٌّ يستصحِب معه ما يستظلُّ به\n_________\n(^١) هنا انتهى السقط من (ك).\n(^٢) في (ف): \"وظللنا عليكم الغمام\"، وهي الآية (٥٧) من سورة البقرة.\n(^٣) في (م): \"يأتي\".","vol":"6","page":78},{"text":"ويكنُّ به (^١)، أو فقير لا يقدر عليه، فامتنَّ على الأوَّل بقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، وعلى الثَّاني بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾، وعلى الثَّالث بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ من القطن والكَتَّان والصُّوف، جمع سربال.\nقال الزَّجَّاج: كلُّ ما لبستَه فهو سربال (^٢).\n﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ اقتصر عليه لكون البرد في بلادهم يسيرًا محتمَلًا، أو اكتفى بأحد الضِّدَّين عن الآخر، وتخصيص الحرِّ بالذِّكر لما أشارَ إليه من كون وقاية الحرِّ أهمُّ عندهم.\n﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ يعني: الدُّروع والجواشن.\n﴿كَذَلِكَ﴾ كإتمام هذه النِّعم التي تقدَّمَتْ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: تنظرون في نعمه الفائضة عليكم، فتؤمنون به، وتنقادون له.\nوقرئ: (تَسْلَمُون) بفتح التَّاء (^٣) من السَّلامة؛ أي: تشكرون نعمه فتَسْلَمون مِن نِقَمه، أو تَسْلَم قلوبُكم من الشِّرك، أو تَسْلَمون مِنَ الجِراح بلبس الدُّروع.\n\n<span id=\"aya-1983\"> </span>(٨٢) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يحتمل أنْ يكون ماضيًا على الالتفات؛ أي: فإن أعرضوا عن\n_________\n(^١) في (م): \"فيه\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٢١٥).\n(^٣) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٢).","vol":"6","page":79},{"text":"الإسلام، ويحتمل أن يكون مضارعًا؛ أي: فإنْ تتولَّوا، وحُذفَتِ التَّاء، ويكونُ جاريًا على الخطاب السَّابق.\n﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: فلا يضرُّك فإنَّما عليك البلاغ، وقد بلَّغْتَ، فهو من باب إقامة السَّبب مقام المسبَّب، فإنَّ البلاغ سببُ العذر، وكونه معذورًا كنايةٌ عن عدم التَّضرُّر من جهة الرِّسالة.\n\n<span id=\"aya-1984\"> </span>(٨٣) - ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ يعرف المشركون نعمةَ الله مِن التي عدَدْناها وغيرِها حيث يعترفون بها وأنَّها مِنَ الله.\n﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بعبادة غير المُنْعِم بها، وبقولهم: هي من الله لكنْ بشفاعة آلهتنا، أو بنسبتها إلى مَن أجراها الله تعالى على يده.\nوقيل: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: نبوَّة محمَّد ﷺ، عرفوها بالمعجزات، ثم أنكروها عنادًا، و﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لاستبعاد الإنكار بعد المعرفة (^١).\n﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: الجاحدون عنادًا، وإنَّما قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾ لأنَّ فيهم مَن لم يكن معاندًا، بل جاهلًا لم يعرف الحق، لنقصان عقله، أو تفريطه في النَّظر، أو لأنَّ فيهم مَن لم تقم عليه الحُجَّة، لأنَّه لم يبلغ حدَّ التَكليف، وعلى هذا يكون الكافر على إطلاقه، وعلى كلَا التَّقديرَيْن لا مساغ لحمل الأكثر على معنى الكلِّ.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"من نظم هذا الوجه مع سياقه في سلك واحد لم يصب. منه\".","vol":"6","page":80},{"text":"<span id=\"aya-1985\"> </span>(٨٤) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر، وهو نبيُّهم.\n﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في الاعتذار؛ أي: لا عُذْرَ لهم، فَدَلَّ بانتفاء الإذن على انتفاءِ العذر.\nو﴿ثُمَّ﴾ (^١) مستعارٌ لغاية البُعْدِ بينَ تهنئتهم بشهادة الرُّسل ﵈ وبين بليَّتهم بانتفاء الإذن في الكلام؛ لما فيها من الإقناط الكلِّي عن العفو والغفران بالمنع من الاعتذار والإدلاء بحجَّةٍ أو شبهة.\n﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الاستعتاب: طلبُ الرِّضا وإزالة الغضب، من العُتْبَى (^٢)، وهو الرِّضا؛ أي: لا يُطلب منهم إرضاء الرَّبِّ؛ لأنَّ الآخرة دار الجزاء لا دار العمل.\nو(يومَ) منصوب بمحذوف؛ أي: ويوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه، أو: كان ما لا يدخل تحت الوصف، أو واذكر يوم نبعث.\n\n<span id=\"aya-1986\"> </span>(٨٥) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\nوكذا: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾؛ أي: حاقَ بهم ما حاقَ، أو: شَقَّ عليهم، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ثم\".\n(^٢) في النسخ: \"العتب\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\"، وهو الصواب. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٦١).","vol":"6","page":81},{"text":"﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي (^١): يمهَلون.\n\n<span id=\"aya-1987\"> </span>(٨٦) - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: أوثانَهم التي دعَوها شركاء، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه.\n﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾: نعبدهم، أو نطيعهم، وهو اعتراف بكونهم مخطئين في ذلك، أو التماس لأنْ يُشطر عذابهم.\n﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾، أي: أجابوهم بقولهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في أنَّنا شركاء الله، أو في دعوى عبادتنا، ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام (^٢) حينئذٍ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إيَّاه، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].\n\n<span id=\"aya-1988\"> </span>(٨٧) - ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿وَأَلْقَوْا﴾؛ أي: وألقى الذين ظلموا ﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾: الاستسلامَ لحكمه بعد الاستكبار في الدُّنيا.\n﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: ضاع عنهم وبطل ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أنَّهم شركاءُ الله، وأنهم يشفعون لهم وينصرونهم حين كذَّبوهم وتبرَّؤوا منهم.\n_________\n(^١) \"أي\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"للأصنام\".","vol":"6","page":82},{"text":"<span id=\"aya-1989\"> </span>(٨٨) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مَنعوا عن الإسلام وحَملوا على الكفر.\n﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ المُسْتَحَقِّ بكفرهم.\n﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾: بكونهم مفسدين بصدِّهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1990\"> </span>(٨٩) - ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: نبيَّهم.\n﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: من جنسهم، ومَنْ وَهَمَ أنَّ نبيَّ كلِّ أمَّة كان منهم فقد وهِم، وهذا القيد لم يُذْكَر فيما سبق؛ لدلالة ﴿مِنْ﴾ عليه.\n﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾: يا محمَّدُ ﴿شَهِيدًا﴾: يشهد ﴿عَلَى﴾ صدق ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الشُّهداء، لعلمك بعقائدهم، واستجماع شرعك مجامعَ قواعدهم، وأمَّا كونه ﵇ شهيدًا على أمَّته فقد عُلِمَ ممَّا تقدَّم.\n﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ استئنافٌ، أو حالٌ بإضمار (قد).\n﴿تِبْيَانًا﴾: بيانًا بليغًا ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ عبارة (كلّ) للتَّكثير والتَّفخيم، لا للإحاطة والتَّعميم، كما في قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥].\nوما قيل: من أمور الدِّين على التَّفصيل، أو الإجمال بالإحالة إلى السُّنَّة","vol":"6","page":83},{"text":"والقياس، فيأباه ما في التِّبيان من المبالغة في البيان، ثمَّ إنَّ قوله: (من أمور الدِّين) تخصيصٌ، لا يساعده الكلام، ولا يقتضيه المقام.\n﴿شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾: بشارةً (^١) ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ متعلِّق بـ ﴿وَبُشْرَى﴾، ومن حيث المعنى متعلِّق بـ ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-1991\"> </span>(٩٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بمراعاة الوسط بين الأطراف، وسلوكِ طريق الوسط بين طرفي الإفراط والتَّفريط، فهو جماع الفضائل كلِّها، الشاملُ للحكمة المتوسطة بين البلاهة والدَّهاء، والشجاعةِ المتوسطة بين الجبن والتَّهوُّر، والعفَّة المتوسطة بين التَّنزُّه وخور الشَّهوة (^٢).\nفمن الحكمة:\nاعتقادًا؛ كالتَّوحيد المتوسط بين التَّعطيل والتَّشريك، والقول (^٣) بالكسب المتوسِّط بين محضِ الجبر والقدر.\n_________\n(^١) في (م): \"وبشارة\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الشره وجمود الشهوة\"، وفي \"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٣٦): (من العِفة المتوسّطة بين الخلاعة والخمود)، ومثله في \"روح المعاني\" (١٤/ ٢٦٨) لكن بلفظ: (والجمود).\n(^٣) في (ق) و(ك): \"والقوى\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٣٨)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٣٦)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٢٦٨)","vol":"6","page":84},{"text":"وعملًا؛ كالتَّعبُّد بأداء الواجبات المتوسِّط (^١) بين البطالة والتَّرهب، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر المتوسط بين المداهنة والعنف في الأمور الدِّينيَّة.\nوخُلُقًا؛ كالتَّواضع المتوسِّط بين الضّعة والتَّكبر، والجود المتوسِّط بين البخل والتَّبذير، والقناعة المتوسِّطة بين الحرص والقعود عن طلب الضَّروري من المعاش.\nولَمَّا كانت مراعاة العدل (^٢) في غاية الصُّعوبة شفَعه بالإحسان بقوله: ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ ليتدارك به ما فات من العدالة احتياطًا؛ فإنَّ العدلَ هو القيام بالواجب في كلِّ شيءٍ، والإحسانَ هو النَّدب، والانحرافُ عن سمة العدالة الذي هو الطَّريق المستقيم لأحد الجانِبَين قد يكون إلى جانب التَّفريط أحسن وإلى جانب (^٣) الإفراط، فالإحسان هو الإتيان بالحسن، والمحافظةُ على جانبه (^٤)؛ كالميل إلى التَّنزيه في الاعتقاد، والتَّطوعِ بالنَّوافل في الأعمال باعتبار الكميَّة، والزِّيادةِ في الإخلاص بالإخفاء باعتبار الكيفيَّة، والميلِ إلى الصَّلابة التي (^٥) هي الحميَّة الدِّينيَّة في الشَّجاعة، وإلى الضَّعة والصَّفح دون الانتقام فيما يتعلَّق بحقِّ نفسه فيها، وإلى الإفراط في الجود، وإلى التفريط في كلِّ ما سواه من خصال العفَّة، ولهذا نهى عن الإفراط في متابعة الشَّهوة وهي الفحشاء.\n﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾: وإعطاءِ الأقارب ما يحتاجون إليه، وهو تخصيصٌ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"المتوسطة\"، والمثبت من (ك)، والمصادر السابقة.\n(^٢) في (ك) و(م): \"العدالة\".\n(^٣) \"التفريط أحسن وإلى جانب\" من (م)، ولعل الصواب: (أو إلى) بدل: (وإلى).\n(^٤) في (م): \"جانب\".\n(^٥) \"التي \"من (م).","vol":"6","page":85},{"text":"بعدَ التَّعميم للاهتمام به؛ تنبيهًا على فضل هذه الخصلة من بين خصال العدل والإحسان، وكذا الرَّذائل الثَّلاث المذكورة (^١) بعدها، فإنَّ المنهيَّ (^٢) منها داخل في الأمر بالعدل، وخُصَّتْ (^٣) بالذِّكْرِ والنَّهي عنها بالانفراد؛ تنبيهًا على قُبْحها، وكونها في غاية الرَّذالة، ألا ترى أنَّ البغي هو الظُّلم المنافي لصريح العدل، فلا (^٤) يفيد ذكره إلَّا التَّأكيدَ والمبالغة في التَّحذير.\n﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ عن الإفراط في متابعة القوَّة الشَّهوانيَّة كالزِّنا والحرص.\n﴿وَالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: ما يُنْكَر شرعًا أو عقلًا من إفراط القوَّة الغضبيَّة.\n﴿وَالْبَغْيِ﴾؛ أي: الاستعلاءِ والتَّجبُّر على النَّاس والاستيلاءِ، وهو من تسلُّط القوَّة الوهميَّة على العاقلة التي يتولَّد منها (^٥) الشَّيطنة؛ فتارةً يغلب الغضب ويحدث الاستكبار، وتارة يميل إلى الإفراط في باب الحكمة فتحدث الجربزة (^٦) والمكر والتَّفرعُن (^٧)، وتارة تغلب الشَّهوة فتورِث النَّهب وسلب الأموال وغصب حقوق النَّاس، وكلها تنافي العدالة.\nولا يوجد من الإنسان شرٌّ إلَّا وهو داخل في هذه الأقسام الثلاثة (^٨) بتوسُّط\n_________\n(^١) \"المذكورة\" من (م).\n(^٢) في (ك) و(م): \"النهي\".\n(^٣) في (ك): \"وخصصت\".\n(^٤) في (ف): \"ولا\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"منه\".\n(^٦) الجُرْبُزُ: الخَمث الخبيث، والمصدر: الجَزْبَرَة. انظر: \"القاموس المحيط\" (مادة: جربز).\n(^٧) في (ف): \"والتنفر عن\"، وفي (م): \"التغير عن \" وكتب على الهامش: \"لعلها: التفرعن\".\n(^٨) \"الثلاثة\" سقط من (ك).","vol":"6","page":86},{"text":"إحدى هذه القوى الثَّلاث، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: هي أجمع آية في القرآن للخير والشَّرِّ (^١).\nوصارت سببَ إسلام عثمان بن مظعون ﵁ (^٢).\nولو لم يكن في القرآن إلَّا هذه الآيةُ لكفى به تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدً ى ورحمةً وبشرى للمسلمين.\nولأمرٍ ما عقَّب قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ بها.\n﴿يَعِظُكُمْ﴾ بالأمر والنَّهي، والميْزِ بين الخير والشَّرِّ، حال من فاعل ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، أو من مفعوله، أو منهما جميعًا، أو خبر ثانٍ؛ لـ ﴿إِنَّ﴾.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: تتَّعظون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1992\"> </span>(٩١) - ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: هي البيعة لرسول الله ﷺ على الإسلام في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].\n﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: اثبُتوا على ما عاهدتم الله عليه، وبايعتُم به رسول الله ﷺ بالأيمان التي تحلفون بها.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٤/ ٣٣٧).\n(^٢) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٩١٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨٣٢٢)، والضياء المقدسي في \"الأحاديث المختارة\" (١١/ ٣١)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":87},{"text":"﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ أي: لا تنكثوها بالحِنث بعد إحكام عقدها على أنفسكم بذكر الله تعالى.\n﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾: شاهدًا ورقيبًا؛ لأنَّ الكفيلَ شاهدٌ بحال المكفول به رقيبٌ عليه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ في نقض الأيمان والعهود، وعيدٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1993\"> </span>(٩٢) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: ما غزلتْه، مصدرٌ بمعنى مفعول.\n﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ تعلِّق بـ ﴿نَقَضَتْ﴾؛ أي: نقضَتْ غزلها بعدما أبرمته وأحكمته.\n﴿أَنْكَاثًا﴾: طاقاتٍ، نكثت فَتْلها، جمع نَكْثٍ، وهو ما نُقِضَ فتلُه.\nوانتصابه على الحال من ﴿غَزْلَهَا﴾، أو المفعولِ الثَّاني لـ ﴿نَقَضَتْ﴾ لتضمُّنه معنى: صيَّرتْ، ولا يجوز انتصابه على المصدريَّة؛ لأنَّ النكث اسمٌ لا مصدرٌ، والمراد: تشبيه النَّاقض بمن هذا شأنه، وهي ريطةُ بنت سعد بن تيمٍ (^١) القُرشيَّة، فإنَّها كانت خرقاءَ تفعل ذلك (^٢).\n﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: حال من الضَّمير في ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾.\n_________\n(^١) \"تيم \"من (م).\n(^٢) انظر: \"تفسير مقاتل\" (٢/ ٤٨٤)، و\"تفسير الثعلبي\" (٦/ ٣٨).","vol":"6","page":88},{"text":"﴿دَخَلًا﴾ ثاني مفعولٌ تتخذ، أي: متَّخذيها دخَلًا، أي: مَفْسدةً ودخلًا، وأصله: ما يدخل الشَّيءَ ولم يكن منه.\n﴿أَنْ تَكُونَ﴾ بسبب أن تكون ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعة قريش ﴿هِيَ أَرْبَى﴾: أزيدُ عددًا وأوفرُ مالًا ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾؛ أي: جماعة المؤمنين.\n﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ الضَّمير لقوله: ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ (^١)؛ لأنَّه في معنى المصدر؛ أي: إنما يختبركم بكونكم أربى؛ لينظرَ أتُوْفون بعهد الله وما عقدتم على أنفسكم من أيمان البيعة لرسول الله ﷺ كون به، أم تغترُّون بكثرة قريش وثروتهم وتخافون من قلَّة المؤمنين وفقرهم فتنقضون.\nكانت قريش إذا رأت شوكةً وقوَّة في أعادي حلفائهم غدروا وحالفوا أعداءهم، فنُهي المؤمنون عن عادتهم في الغدر (^٢).\n﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ إذا جازاكم على أعمالكم بالثَّواب والعقاب. إنذار وتحذيرٌ من مخالفة ملَّة الإسلام (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-1994\"> </span>(٩٣) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً﴾: متَّفقةً على الإسلام.\n﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلان ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتَوفيق.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"أمة \".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٣٨).\n(^٣) من قوله: \"إذا جازاكم .. \" إلى هنا من (م).","vol":"6","page":89},{"text":"﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سؤالَ تبكيتٍ ومجازاة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1995\"> </span>(٩٤) - ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ تصريحٌ بالنَّهي، وتكريرٌ له، تأكيدًا عليهم، وإظهارًا لعِظَم المنهيِّ عنه، ومبالغةً في قبحه، ولهذا وحَّد ﴿قَدَمٌ﴾ ونكَّر في قوله:\n﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ والمراد: فتزلَّ أقدامكم عن محجة الإسلام ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ عليها، تنبيهًا على أنَّ زللَ قدمٍ واحدٍ عظيمةٌ من العظائم (^١)، فكيف بأقدام كثيرة؟!\n﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: العذابَ في الدَّنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: بسبب صدودكم عن الوفاء، أو صدِّكم غيرَكم عنه، فإنَّ مَنْ نقضَ البيعة وارتدَّ جعلَ ذلك سُنَّة لغيره.\n﴿وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1996\"> </span>(٩٥) - ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في (سورة البقرة)، والمراد هنا من الثَّمن القليل: ما يَعِدُه قريش لضعفاء المسلمين ويشرطون لهم على ارتدادهم.\n﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِن نصرِكم وتغنيمكم في الدُّنيا، والتوابِ الجزيل في الآخرة.\n﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما يَعِدونكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم من أهل العلم والتَّمييز.\n_________\n(^١) في (ف): \"عظائم\".","vol":"6","page":90},{"text":"<span id=\"aya-1997\"> </span>(٩٦) - ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ من أعراض الدُّنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ وينقضي (^١).\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثَّواب الموعود المدَّخر في خزائنه (^٢) لكم ﴿بَاقٍ﴾: لا يزولُ، وهو تعليلٌ للحكم السَّابق، ودليل على أنَّ نعيمَ الجنَّة باقٍ.\n﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ﴾ على أذى الكفَّار ومشاقِّ التَّكاليف ومرارة الفاقة.\n﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما ترجَّح فعلُه على تركه كالواجبات والمندوبات، وما ترجَّح تركه على فعله ممَّا تركوا (^٣) كالمحرَّمات والمكروهات.\nوالتَّعبير بالعمل عن الكلِّ للتَّنبيه على أنَّ التَّركَ إنَّما يُثابُ عليه إذا قارنه عمل القلب، وهو النِّيَّة والقصدُ إلى الامتثال بالانتهاء عمَّا نهي عنه، وفي عبارة الصبر نوع إشارة إليه.\nوفي الآية دلالةٌ (^٤) على أنَّ المباح حسن، وأنَّه لا يثاب عليه.\nوعبارة (كان) للدِّلالة على أنَّ المباح لا يَستحق الأجر وإنْ وُجِدَ الاستمرار عليه، فكيف إذا وُجِدَ نادرًا؟!\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"وينقض\"، وفي (ك): \"وينقص\".\n(^٢) في (ف): \"المؤخر في خزانته\"، وفي (ك): \"المؤخر في خزائنه\"، والمثبت من (م).\n(^٣) في (م) زيادة: \"مما فعلوا\".\n(^٤) في (ف): \"دليل\".","vol":"6","page":91},{"text":"<span id=\"aya-1998\"> </span>(٩٧) - ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيَّن ﴿مَنْ﴾ لإبهامه، وكونهِ ظاهرًا في الذكور لو لم يبيَّن، ففسِّر بهما ليعمَّ الموعدُ (^١).\nوإنما قال: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة (^٢)، لا في استحقاق الثَّواب ولا في تخفيف العقاب؛ لأنَّه يُجعل هباءً منثورًا، بدلالة نصِّ الكتاب، هذا ما عندي، والله أعلم بالصواب (^٣).\nثم العمل الصالح لا يكون إلَّا للمؤمن، فزيادةُ القيد المذكور لبيان أنَّ المعنى: مَن عمل صالحًا في الحال، وَهُوَ مُؤْمِنٌ في المآل؛ لأنَّ اعتبارَ (^٤) صفاء الحال بوفاء المآل، والأمورُ بخواتيمها.\n﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ في الدُّنيا يعيش عيشًا طيِّبًا؛ لأن المؤمن الصالح إن كان موسرًا فظاهر، وإن كان معسرًا يطيب عيشه (^٥) بالقناعة، والرِّضا بالقسمة، وتوقُّعِ الأجر العظيم في الآخرة، والفاجر بالعكس؛ فإنَّه إن كان معسرًا فظاهر، وإن كان موسرًا فلا يدعه الحرص وخوف العواقب أن يتهنَّأ بعيشه.\nوإنَّما قلنا: إنه في الدُّنيا؛ لدلالة قوله:\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"ويحتمل وجهًا آخر ذكر في تفسير سورة النساء، وهو أن تكون (من) للابتداء. منه \".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الكفر\".\n(^٣) \"بالصواب\" من (م).\n(^٤) \"اعتبار\" من (م).\n(^٥) \"عيشه \"من (م).","vol":"6","page":92},{"text":"﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ يعني: في الآخرة عليه، وليس بتكرارٍ؛ لأنَّ الأوَّل في حقِّ الذين عاهدوا رسول الله ﷺ فحفظوا، وهذا في كلِّ مَنْ آمن وعمل صالحًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-1999\"> </span>(٩٨) - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.\n﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: إذا أردْتَ قراءته، وإطلاق الفعل على إرادته مِن قَبِيْلِ إطلاق المسبَّب على السَّبب مجازًا؛ لملابسته له ولزومه إيَّاه غالبًا، ودليل المجاز السُّنَّة المستفيضة، وأما الفاء فلا دلالة فيها عليه (^١)، وإنَّما دلالتها على تأخير المراد بمدخولها (^٢) عن (^٣) المعنى المراد بـ ﴿قَرَأْتَ﴾ (^٤)، وإجماعُهم على صحَّة هذا المجاز قد دلَّ على أنَّ وجود القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة ليس بشرط فيه (^٥).\n﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾: فاسأل اللهَ أن يعيذك من وساوسه؛ لئلا يوسوسك في القراءة.\nوالجمهور على أنَّه للاستحباب، ولا دلالة فيه على أن المصلِّي يستعيذ في كلِّ\n_________\n(^١) في هامش (م): \"فيه رد على صاحب المفتاح \". ولفظ السكاكي في الاستدلال على المجاز الحاصل من كون ﴿قَرَأْتَ﴾ استعملت مكان: أردت القراءة: (بقرينهَ الفاء في ﴿فَاسْتَعِذْ﴾، والسنة المستفيضة بتقديم الاستعاذة). انظر: \"مفتاح العلوم\" (ص: ٣٦٦).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بدخولها\".\n(^٣) في (ف): \"على\".\n(^٤) في هامش (م): \"مذكور في الهداية\".\n(^٥) في النسخ: \"فيها\"، والمثبت من \"روح المعاني\" (١٤/ ٢٩٥)، وقد تعقب الآلوسي هذا الكلام بقوله: (ليس بشيء).","vol":"6","page":93},{"text":"ركعة بناء على أن الحكم المترتب على الشَّرط يتكرَّر بتكرُّره؛ لأنَّ ما يقع في خلال الصَّلاة من القراءات في حكم قراءة واحدة، ولهذا لا تُستَحبُّ الحمدلة والبسملة عند الشروع لكلِّ فعلٍ من أفعال الصلاة.\nقيل: تعقيبه لذكر العمل الصالح والوعدِ عليه إيذانٌ بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القَبيل.\nولا يذهبْ عليك أن الأمر الاستحبابي أغنى عن هذا الإيذان.\nوالأولى أن يقوله: (أستعيذُ بالله) ليوافق القرآن، ويقرُبُ منه: (أعوذ بالله) كذا قالوا، ويردُّه ما رُوِيَ عن ابن مسعود أنه قال: قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال: \"قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل ﵇، عن القلم، عن اللَّوح المحفوظ\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2000\"> </span>(٩٩) - ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\n﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾: تسلُّطٌ وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنَّهم لا يطيعون أوامره، ولا يقبلون وَساوِسَه إلَّا فيما يحتقِرون على ندور (^٢) وغفلة، ولذلك أمروا بالاستعاذة.\n_________\n(^١) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٦/ ٤١) مسلسلًا، وعنه تلميذه الواحدي في \"الوسيط \" (٣/ ٨٣ - ٨٤). وقد ورد جواز الاستعاذة بلفظ: (أعوذ باللّه السميع العليم) في حديثي أبي سعيد وعائشة عند أبي داود (٧٧٥) و(٧٨٥). وحديث معقل بن يسار عند الترمذي (٢٩٢٢).\n(^٢) في \"على ندور\" سقط من (ف) و(ك).","vol":"6","page":94},{"text":"ولما ذكرها عقَّبها بسلب (^١) سلطانه، لئلا يُتوهَّم أنَّ له سلطةً (^٢) عليهم:\n\n<span id=\"aya-2001\"> </span>(١٠٠) - ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: على مَن يتولَّاه ويطيعه دون غيره.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾: بالله تعالى، أو بسبب الشَّيطان ﴿مُشْرِكُونَ﴾ لأنَّه هو الذي حملهم على الإشراك بالله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2002\"> </span>(١٠١) - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾: نسخنا آيةً بآيةٍ، فجعلنا النَّاسخة مكان المنسوخة لفظًا أو حكمًا.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ في باب المصالح، فإنَّ الشَّرع صلاح حال العباد بحسب المعاش والمعاد، وما يكون مصلحةً في وقت يصير مفسدةً في وقت آخر وبالعكس، والله أعلم بمصالح الجمهور منهم، فينزِّل في كلِّ وقت ما هو صلاح ذلك الوقت، وينسخُ به ما كان صلاحَ الوقت الماضي، وقد تغيَّر في الوقت الآتي إلى مفسدةٍ، فوجدوا مدخلًا للطَّعن لجهلهم بحكمة النَّسخ.\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: الكفرة: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ متقوِّلٌ على الله، تأمر بشيء، ثم يبدو لك فتنهى عنه، نسبوا إليه ﵇ الافتراء بأنواع من المبالغة والتَّغليظ، وهي الحصر والخطاب، واسمِ الفاعل الدَّالِّ على الثُّبوت والاستقرار.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"بسبب\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"سلطنة\".","vol":"6","page":95},{"text":"وهو جواب ﴿وَإِذَا﴾، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ اعتراضٌ لتوبيخ الكفَّار على قولهم، والتَّنبيهِ على فساد سندهم (^١)، ويجوز أن يكون حالًا.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿بَلْ﴾ إضراب عن الافتراء الذي نسبوه إليه، وما بعده تأكيدٌ للاعتراض (^٢) والتَّوبيخ بأنَّهم جاهلون بحكمةِ الأحكام، لا يميِّزون بينَ الخطأ والصَّواب.\nوإنما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ لأنَّ منهم مَن يعلمها لكن ينكرها عنادًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2003\"> </span>(١٥٢) - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.\n﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾؛ يعني: جبريل؛ أي: الرُّوح المطهَّر من ألواثِ البشريَّة، وإضافةُ الرُّوح إلى القدُس - وهو الطُّهر - كإضافة حاتم إلى الجود في قولهم: حاتم الجود (^٣)؛ للمبالغة في ذلك الوصف، كأنَّه طبع منه.\nوفي ﴿يُنَزِّلُ﴾ و﴿نَزَّلَهُ﴾ من معنى التدريج في الإنزال على حسب المصالح ما يُشعر بأن التَّبديل إنَّما هو لرعاية المصالح التي فأتت لو أُنْزِلَتْ دفعةً.\n﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ ملتبِسًا بالحكمة.\n﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ باعتقادِ أنَّه الحقُّ من ربهم، فإنَّهم إذا لم يتشوَّش\n_________\n(^١) في (م): \"مسندهم\".\n(^٢) في (ف): \"للإعراض\".\n(^٣) \"في قولهم حاتم الجود\" من (م).","vol":"6","page":96},{"text":"اعتقادهم بالنَّسخ وتيقَّنوا أنَّه مقتضَى حكمته، وعلموا أنَّ النَّاسخ هو الذي فيه صلاح الحال دون المنسوخ، ثبتَتْ أقدامهم ورسخَتْ عقائدهم واطمأنَّتْ قلوبُهم.\n﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه، وهما مفعولٌ لهما معطوفان على محلِّ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾؛ أي: تثبيتًا لهم وإرشادًا وبشارةً.\nوفيه تعريضٌ بحصول أضداد هذه الخِصَال لمن سواهم من الكفَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2004\"> </span>(١٠٣) - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ أرادوا جبرًا (^١) الرُّوميَّ، وقيل: جبرًا وسمارًا (^٢).\n﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ﴾ لغةُ الرَّجل الذي يُميْلون قولهم عن الاستقامة إليه، يقال: لَحَد وأَلحد: إذا مال عن القصد، ومنه: اللَّحد (^٣).\n﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ غيرُ بَيِّنٍ ﴿وَهَذَا﴾؛ أي: هذا القرآن ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: ذو بيانٍ وفصاحةٍ.\nوالجملتان مستأنفتان، رَدٌّ لقولهم، وإبطال لطعنهم، وتقريرُه: أنَّ القرآنَ معجِزٌ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"جبر\".\n(^٢) عبدان نصرانيان كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرأ أن الإنجيل. روى القصة بذلك الطبري في \"التفسير\" (١٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٣٨)، عن عبد الله بن مسلم الحضرمي.\n(^٣) في هامش (م): \"رد البيضاوي، فيه رد لمن قال: إنه مأخوذ من لحد القبر. منه \".","vol":"6","page":97},{"text":"بلفظه كما هو معجِزٌ بمعناه، فإنْ زعمتم أنَّ بشرًا يعلِّمه معناه، فكيف يعلِّمه (^١) هذا الكلامَ الذي بذَّ كلَّ كلامٍ عربيٍّ في البيان والفصاحة، وهو أعجمي؟!\nوطعنُهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الرَّكيكة دليل على غاية عجزهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2005\"> </span>(١٥٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: الذين يعلمُ اللهُ منهم أنَّهم لا يؤمنون بها؛ أي: لا يصدِّقون أنَّها مِن عند الله تعالى.\n﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ إلى الحقِّ، أو إلى (^٢) طريق النَّجاة في الدُّنيا.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.\nهدَّدهم على كفرهم بالقرآن بعدما أماطَ شبهتهم ورَدَّ طعنهم فيه، ثمَّ قلب الأمر عليهم فقال:\n\n<span id=\"aya-2006\"> </span>(١٠٥) - ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لأنَّهم لا يخافون عقابًا يردعهم عنه.\n﴿وَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى الذين كفروا، أو إلى قريش.\n﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ بالحقيقة، الكاملون في التكَذيب؛ لأنَّ التَّكذيب بآيات الله\n_________\n(^١) في (ف): \"يعلم \".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وإلى\".","vol":"6","page":98},{"text":"هو أعظم الكذب، أو: الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كلِّ شيء؛ إذ لا تردعهم (^١) عنه مروءة ولا دين، أو: الكاذبون في قولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ إلخ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2007\"> </span>(١٠٦) - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ بدلٌ من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وما بينهما اعتراض، أو من ﴿وَأُولَئِكَ﴾، أو من ﴿الْكَاذِبُونَ﴾، أو مبتدأ خبره محذوف دلَّ عليه قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾، أو منتصبٌ بالذَّم، أو مرتفعٌ على خبرِ مبتدأ مضمَرٍ على الذَّم، أو ﴿مِنَ﴾ شرطيَّة محذوفةُ الجواب، دلَّ عليه:\n﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ على الافتراء، أو كلمةِ الكفر، استثناءٌ متَّصل؛ لأنَّ الكفر لغةً يعمُّ القول والعقد، كالإيمان.\n﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لم تتغيَّر عقيدتُه، جملةٌ حاليَّة، ولا دلالة فيه على انحصار الإيمان في التَّصديق القلبي.\n﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: وسَّعه لقبول (^٢) الكفر، مجازٌ عن الرِّضا وطيب الخاطر.\n﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ والتَّنكير للتَّعظيم، وقوله:\n﴿مِنَ اللَّهِ﴾ (^٣) لأن الغضب من العظيم عظيمٌ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يدعهم\".\n(^٢) في (م): \"بقول\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"لرتبته\".","vol":"6","page":99},{"text":"﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إذْ لا أعظمَ مِنْ جُرْمِه.\nروي أنَّ قريشًا أكرهوا عمارًا ﵁، فأعطاهم بلسانه ما أرادوا مكرهًا، ولما أتى رسولَ الله ﷺ وهو يبكي قال: \"ما لَكَ؛ إنْ عادوا لك فعُدْ لهم\" (^١).\nوهو دليلٌ على جواز التَّكلُّم بالكفر عند الإكراه، وإن كان الأفضلُ التَّجنُّبَ عنه، إعزازًا للدِّين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2008\"> </span>(١٠٧) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الكفر بعد الإيمان أو الوعيد ﴿بِأَنَّهُمُ﴾: بسبب أنَّهم ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾: آثروها عليها.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: وبأنَ الله لا يهدي إلى الإيمان مَن حَقَّتْ عليه الضَّلالة، وعَلِمَ منهم الكُفْرَ؛ فإنَّ هذا هو السَّبب الحقيقيُّ، والأوَّل هو السبَّبُ العادي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2009\"> </span>(١٠٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة.\n_________\n(^١) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧٥)، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٣/ ٢٤٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٣٦٢)، وصححه.","vol":"6","page":100},{"text":"﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: الكاملون في الغَفلة، الذين لا أحدَ أغفلُ منهم؛ لأن غاية الغفلة ومنتهاها: الغفلةُ عن تدبُّر العواقب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2010\"> </span>(١٠٩) - ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ قد سبق تفسيره (^١).\n﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: البالغون في الخسران؛ إذ ضيَّعوا أعمارهم وصرَفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلّد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2011\"> </span>(١١٠) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ بالولاية والنَّصر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾؛ أي: عُذِّبوا، كعمار ﵁. ﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لتباعُد حال هؤلاء عن حال أولئك.\n﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الجهاد وما أصابهم على المشاقِّ.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعد الهجرة والجهاد والصَّبر ﴿لَغَفُورٌ﴾ لما فعلوا قبلُ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُنعم عليهم، مجازاةً على ما صنعوا بعدُ.\n* * *\n_________\n(^١) عند تفسير الآية (٢٢) من سورة هود، وعند تفسير الآية (٢٣) من هذه السورة.","vol":"6","page":101},{"text":"<span id=\"aya-2012\"> </span>(١١١) - ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ منصوب بـ ﴿رَحِيمٌ﴾، أو بـ (اذكر).\n﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾: عن ذاتها؛ أي: كلُّ شخصٍ يسعى (^١) في خلاص نفسه لا يهمُّه شأنُ غيرِه، كلٌّ يقولُ: نفسي نفسي.\nوالمراد بالمجادلة: الاعتذارُ عنها بمثل قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\n﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾: جزاءَ ما عملَتْ.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: لا يُعاقَبون بغير ذنبٍ، وأمَّا نقص الأجر فلا احتمالَ له بعد التَّوفية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2013\"> </span>(١١٢) - ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾.\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ جعل اللهُ قريةً هذه صفتُها مثلًا لكلِّ قومٍ أنعمَ الله عليهم فأبطرتْهم النّعمة فكفروا فأبدلهم الله بالنِّعمة نقمةً، أو لمكَّةَ خاصَّة.\n﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾: لا يزعجُ أهلَها خوفٌ.\n﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾: أقواتُها ﴿رَغَدًا﴾: واسعًا.\n_________\n(^١) \"يسعى\" من (م).","vol":"6","page":102},{"text":"﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها، ولفظة: ﴿كُلِّ﴾ للتَّكثير.\n﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: بنِعَمه، جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتَّاء، كدِرْعٍ وأَدْرُعٍ، أو جمع نُعْم، كبُؤْسٍ وأَبْؤُسٍ.\nواختيار جمع القلَّة للتَّنبيه بالأدنى على الأعلى؛ يعني أنَّ كفران النِّعَم القليلة لَمَّا أوجبَ العذاب فكفرانُ النِّعَم الكثيرة أولى به (^١).\n﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ لَمَّا تقدَّم ذِكْرُ الأمنِ وإيتاءِ (^٢) الرِّزق قابلَهما بالجوع النَّاشئ عن انقطاع الرِّزق، وبالخوف، وقدَّم الجوع لِيَلِي المتأخِّرَ - وهو إتيانُ الرِّزق - كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].\nوالإذاقة استُعيرت (^٣) للإصابة، وإنَّما أوثرت عليها للدِّلالة على شدَّة التَّأثير التي تَفوت لو استعملَتِ الإصابة، والعلاقة: المشابهة بين المدرَك من أثر الضَّرر، والمدرَك من طعم المرِّ والبَشِع (^٤).\nواللِّباس استُعير لِمَا غَشِيَ الإنسان من أثر الجوع والخوف، وهو ضررهُما، فالغاشي هو الضَّرر لا الجوع والخوف، وإلَّا لكان ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ تشبيهًا على حَدِّ:\n_________\n(^١) \"به \": ليست في (م).\n(^٢) \"إيتاء\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ف): \"وحصر الإذاقة استعير\"، وفي (ك): \"وحصر الإذاقة استعيرت \".\n(^٤) في (ك): \"والشبع \"، وهو تحريف، والمثبت من (ف) و(م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٦٣٩). وفي غيره: (المر البشع) بلا عاطف. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٤٥)، و\"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٧٣)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٣٢٢).","vol":"6","page":103},{"text":"لُجين الماء (^١)، وحينئذ يتبيَّن وجه إيقاع الإذاقة على اللَّباس، إذ المعنى: فأذاقهم ما غشيَهم من ضرر الجوع والخوف.\nوبهذا التَّقرير ظهر وجه إيثار التَّجريد على التَّرشيح؛ لأنَّ الإذاقة تفيد ما لا تفيد الكسوة من زيادة التَّأثير الموجبة لقوَّة الإدراك، وأمَّا إيثار اللِّباس على الطَّعم فللدِّلالة على الشُّمول، وهذا أولى مِن حمل اللِّباسِ على انتقاع اللَّون ورثاثة الهيئة اللَّازمين للجوع والخوف؛ إذ حينئذٍ تكون الإصابةُ أبلغَ موقعًا (^٢).\nقرئ: (والخوفَ) بالنَّصب (^٣)؛ عطفًا على ﴿لِبَاسَ﴾، أو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: ولباس الخوف.\n﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: بصنيعهم الذي استمرُّوا عليه، جرى هاهنا على ما هو المراد من القرية، وفيما تقدَّم على ظاهره (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2014\"> </span>(١١٣) - ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) أي: أذاقها الله الجوعَ الذي هو في الإحاطة كاللباس، ومثله ما قيل في: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾؛ أي: فصب عليهم ربك عذابًا كالسوط، على معنى: أنواعًا من العذاب مخلوطًا بعضُها ببعض اختلاط طافات السوط بعضها ببعض. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٣٢٣).\n(^٢) أي: إذا حمل اللباس على رثاثة الهيئة، وتغير اللون اللازمين للجوع والخوف - كما ذهب إليه السكاكي في \"مفتاح العلوم\" (ص: ٣٧٨) - لا يحسن حينئذ موقع الإذاقة، وتكون الإصابة أبلغ موقعًا، يعني أنه حينئذ استعارة محسوس لمحسوس مثله فتفوت المبالغة التي اختير لأجلها الإذاقة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٥/ ٣٧٤)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٣٢٣).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٢٧)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٤٧٨).\n(^٤) في (م): \"على ظاهر المجاز\".","vol":"6","page":104},{"text":"﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ يعني: محمَّدًا ﵇، والضَّمير لأهل مكَةَ، عادَ إلى ذكرهم بعدما ذكرَ مَثلَهم.\n﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: ما أصاب مِنَ الجَدْب الشَّديد، أو ضرب الحديد في حرب بدر.\n﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: في حال التباسهم بالظُّلم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2015\"> </span>(١١٤) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.\n﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أمرهم بأكل ما أَحلَّ لهم، وشُكر ما أَنعم عليهم، بعدما زجرهم عن الكفر، وهدَّد عليه (^١) بما ذكر مِنَ التَّمثيل والعذاب الذي حلَّ بهم، صدًّا لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبهم الفاسدة.\nومعنى الفاء في ﴿فَكُلُوا﴾: التَّسبيب، أي: إذا نُبِّهْتُم على سوءِ صنيعِ أهلِ القريةِ ووَخامةِ عاقبتِهم، وذُكِّرْتُم بالتَّمثيلِ، فاعتبِروا بحالِهم، وخذوا بضدِّ ما أنتم عليه من طريق الجاهلية، كيلا يحلَّ بكم مثلَ ما حلَّ بهم.\nوجُعل هذا الوصل ذريعةً إلى ما رُتِّبَ عليه مِن تعداد نوعٍ آخرَ من قبائحهم.\nوقد سبق في تفسير سورة البقرة ما يتعلَّق بهذا الكلام من وجوه الإعراب، وما في قوله: ﴿طَيِّبًا﴾ من الفائدة الزَّائدة.\n﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ إضافة النِّعمة إليه تعالى للتَّشريف، فإنَّ عبادته لا\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"عليهم \".","vol":"6","page":105},{"text":"تَتمُّ إلَّا بالشُّكر على نعمه، فلا وجهَ لِمَا قيل: إنْ صَحَّ زعمُكم أنَّكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادتَه؛ لأنَّ مبناه على اعتبار التَّخصيص في الشَّرط المذكور.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وتقديم المفعول لمحافظة الفاصلة؛ إذ لا دخل لمعنى التَّخصيص في التَّعليق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2016\"> </span>(١١٥) - ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد سبق تفسيره في سورة البقرة وسورة الأنعام.\nلَمَّا أمرهم بتناول ما أحلَّ لهم عدَّد عليهم حرماته (^١)؛ ليعلموا أنَّ ما عدَاها حِلٌّ لهم، ثمَّ أكَّد ذلك بالنَّهي عن التَّحريم والتَّحليل بأهوائهم فقال:\n\n<span id=\"aya-2017\"> </span>(١١٦) - ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ كما قالوا: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٣٩].\nومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بـ ﴿إنَّمَا﴾ حصرُ المحرَّمات في الأجناس الأربعة وقتَ نزول تلك الآية (^٢).\n_________\n(^١) في (ف): \"حرمانه \".\n(^٢) في هامش (ف): \"وأما الاستثناء الذي ذكره القاضي بقوله: إلا ما ضم إليها، فلا دخول له في=","vol":"6","page":106},{"text":"وانتصاب ﴿الْكَذِبَ﴾ بـ ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدلٌ منه، أو متعلِّق بـ ﴿تَصِفُ﴾ على إرادة القول؛ أي: ولا تقولوا الكذبَ لِمَا تصف ألسنتكم فتقول هذا حرام وهذا حلال، أو مفعول ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾، و﴿الْكَذِبَ﴾ منتصِب بـ ﴿تَصِفُ﴾، و﴿مَا﴾ مصدرَّية، أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب؛ أي: لا تحرِّموا ولا تحلُّوا بمجرَّد قولٍ تنطق به ألسنتكم من غير دليلٍ.\nوفي نصب ﴿الْكَذِبَ﴾ بوصف الألسنة نوعٌ من المبالغة بديعٌ، ووجهٌ من الفصاحة جميل، ومبالغةٌ في وصف كلامهم بالكذب عظيمةٌ، وهو أنَّه جُعل كأنَّه نفسُ الكذب وحقيقتُه، وكانت مجهولةً فعرَّفته (^١) ألسنتهم بوصفها وحِلْيتها، وبيَّنه بكلامهم هذا، كقولهم: وجهُها يصفُ الجمالَ، وعينُها تصف السِّحر.\nورُدَّ هذا الوجه الأخير بأنَّ النُّحاة نصُّوا على أنَّ المصدر المنسبك مِنْ (أنْ) والفعل لا يُنعت، لا يقال: لا يعجبني أن تخرج السريعُ (^٢)، ولا فرقَ بين هذا وباقي الحروف المصدريَّة.\nوقرئ: (الكَذِبِ) بالجرِّ بدلًا من ﴿مَا﴾، و: (الكُذُبَ) جمع كذوب أو كِذَاب،\n_________\n= المقتضى المذكور، كما لا يخفى. منه\".\n(^١) كذا في النسخ: \"فعرفته\"، ولعل الصواب: (فعرفتها).\n(^٢) أي: خروجك السريع، وكانت العبارة في النسخ: \"لا تعجبين أن يخرج السريع \"، والمثبت مستفاد من كلام أبي حيان الذي يظهر أن المؤلف نفل منه، ولفظه: ولا يُوجَدُ مِن كلامهم: يُعجبُني أنْ قُمْتَ السَّريعَ، يريد قيامُكَ السَّريعُ، ولا: عَجِبْتُ مِن أنْ تَخرجَ السَّريعَ؛ أي: من خروجكَ السَّريعِ. انظر \"البحر المحيط\" (١٣/ ٤٨٠).","vol":"6","page":107},{"text":"بالرفع (^١) صفة للألسنة، وبالنَّصب على الذَّم، أو بمعنى: الكَلِم [الكواذب] أو هو جمع] الكِذَاب (^٢).\n﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ تعليلٌ لا يتضمَّن الغرض.\nلَمَّا كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوبٍ نفى عنهم الفوز بقوله:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا يُجدي عليهم افتراؤهم شيئًا. ثمَّ بيَّنه بقوله:\n\n<span id=\"aya-2018\"> </span>(١١٧) - ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أي: منفعتُهم، فمَا (^٣) هم فيه من الأفعال الجاهليَّة والتَّحريم والتَّحليل منفعةٌ قليلةٌ تنقطع عن قريبٍ.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2019\"> </span>(١١٨) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾؛ أي: في سورة الأنعام، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الخ [الأنعام: ١٤٦].\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلِّق بـ ﴿قَصَصْنَا﴾، أو بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾.\n_________\n(^١) في النسخ: \"وبالرفع\" بالواو، وهو خطأ، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٦٤١).\n(^٢) انظر القراءات السابقة في \"الكشاف\" (٢/ ٦٤١) والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه، \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٢٩)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٤٨٠).\n(^٣) في (م): \"فيما\"، وفي هامشها: \"فما\".","vol":"6","page":108},{"text":"﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتَّحريم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فحرَّمنا عليهم ببغيهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾ [النساء: ١٦٠].\nوفيه تنبيهٌ على الفرق بينهم وبين غيرهم في التَّحريم، وأنَّه كما يكون للمضرَّة يكون للعقوبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2020\"> </span>(١١٩) - ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ يعمُّ الافتراء على الله تعالى وغيرَه.\n﴿بِجَهَالَةٍ﴾: بسببها، أو ملْتبِسين بها، وتنكيرُها للإبهام، فتشمل عدم العلم بالله تعالى وصفاته، وعقابه وثوابه، وعدمَ التَّدبُّر للعواقب بسبب الغفلة اللَّازمة للانهماك في الشَّهوات، ومتابعةِ الهوى في طلب اللَّذات.\n﴿ثُمَّ تَابُوا﴾ قد دلَّ ﴿ثُمَّ﴾ بالتَّراخي، إلَّا أنَّها قد تُستعار للتَّراخي في الرُّتبة، ولهذا زاد قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ السُّوء.\n﴿وَأَصْلَحُوا﴾؛ أي: تابَ عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود (^١) إليه (^٢)، وأصلح العمل في المستأنف.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: مِن بعد التَّوبة، وأمَّا الإصلاح فهو تكميل للتَّوبة لا أنَّها شيء آخر، ولهذا لم يذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٧].\n_________\n(^١) في النسخ: \"يعودها\"، والصَّواب المثبت.\n(^٢) \"إليه\" زيادة من (م).","vol":"6","page":109},{"text":"وإنَّما أعيد ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ على سبيل التَّأكيد؛ لطول الكلام ووقوع الفصل.\n﴿لَغَفُورٌ﴾ لذلك السُّوء ﴿رَحِيمٌ﴾: يثيب على الإنابة المستتبِعة للعمل الصالح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2021\"> </span>(١٢٠) - ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾؛ أي: كان وحده أمَّة؛ لحصول الكمالات والفضائل التي لا تكون إلَّا متفرعة في أمَّة كثيرة مجموعةٍ فيه:\nليسَ من اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في وَاحِدِ (^١)\nوهو رئيس الموحِّدين، وقدوة المحقِّقين، جادل فِرَقَ المشركين، وأبطل مذاهبهم الزَّائغة بالحُجَج الدَّامغة، ولذلك عقّب ذكره بتزييف مذاهب المشركين مِنَ الشِّرك والطَّعن في النُّبوَّة، وتحريم ما أحلَّه الله تعالى، أو لأنَّه ﵇ كان وحده مؤمنًا وسائر النَّاس كفارًا.\nوقيل: هي فُعلة بمعنى مفعول، كالرُّحلة والنُّخبة (^٢)، مِن أَمَّهَ: إذا قصده أو اقتدى به، فإنَّ النَّاس كانوا يؤمُّونه للاستفادة ويقتدون بسيرته، كقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤].\n﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾: مطيعًا له، قائمًا بأمره.\n﴿حَنِيفًا﴾: مائلًا عن كلِّ ذي باطلٍ، مائلًا إلى دين الإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].\n_________\n(^١) البيت لأبي نواس. انظر \"ديوانه\" (ص: ٢١٨)، و\"البحر المحيط\" (١٣/ ٤٨٥)، وفيهما: (وليس لله …).\n(^٢) الرُّحلة: المرحول إليه، والنُّخبة: المنتخَب. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٣٣٥).","vol":"6","page":110},{"text":"﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: لم يكُ مِنْ عِدادهم، وهذا في سياق النَّفي أبلغ من: لم يشرك، والمراد: استمرار النَّفي، لا نفيُ الاستمرار، فمفهوم (كان) مُقدَّم على مفهوم (لم) في الاعتبار.\nوإنما نفى عنه ﵇ الشِّرك على أبلغ وجه تكذيبًا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملَّة أبيهم (^١) إبراهيم ﵇، وترغيبًا لهم إلى التَّوحيد ودين الإسلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2022\"> </span>(١٢١) - ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿شَاكِرًا﴾ يجوز أن يكون خبرًا ثالثًا، أو حالًا من أحد الضَّميرين في ﴿قَانِتًا﴾ و﴿حَنِيفًا﴾.\n﴿لِأَنْعُمِهِ﴾ إنما جاء بلفظ القِلَّة للتَّنبيه على أنَّه ﵇ كان لا يُخِلُّ بشكر النِّعَمِ القليلة فكيف بالكثيرة؟!\nهذا ما بحسَب جليل النَّظر، والذي هو بحسب دقيقه: أنَّه للتَّنبيه على صعوبة مقام الشُّكر لكلِّها (^٢) بالإشارة إلى عجز البشر، وذلك أنَّه عيه السلام - مع جلالة قدْره - لَمَّا كان قاصرًا (^٣) عن شكر النِّعَم الكثيرة (^٤)، فغيرُه أولى بالقصور عنه.\nوإنَّما قلنا: (إنه لَمَّا كان قاصرًا) لأنَّ المقام مقام مدحه بما كان فيه من\n_________\n(^١) \"أبيهم \"من (م).\n(^٢) \"لكلها\"من (م).\n(^٣) \"وذلك أنه عيه السلام مع جلالة قدره لما كان قاصرًا\" من (م).\n(^٤) في (ف): \"عن الشكر للنعم الكثير\"، وفي (ك): \"عن شكر النعم للكثير\".","vol":"6","page":111},{"text":"الأوصاف الكاملةْ، فلولا القصور عنه لكان المذكور على صيغة جمع (^١) الكثرة.\n﴿اجْتَبَاهُ﴾: اختاره واختصَّه لنفسه، والاجتباء هو أن يأخذ الشَّيءَ بالكليَّة، وأصله: جمع الماء في الحوض، وهو الجابية (^٢)، حال أو خبر آخَر لـ ﴿كَانَ﴾.\n﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: أرشده إلى طريقِ الحقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2023\"> </span>(١٢٢) - ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هي (^٣) اسمٌ جامعٌ لكلِّ حالٍ (^٤) جميلةٍ، فيتناول كلَّ خصائصه المذكورة في النُّصوص؛ من الرِّسالة والخُلَّة واللِّسان الصِّدق (^٥) وغير ذلك.\nوالعدولُ من الغيبة إلى التُّكلُّم للالتفات؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لما أعطاه.\n﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: المستحقِّين لكلِّ منزلةٍ رفيعةٍ ودرجةٍ عالية في الجنَّة، لم يقل: (وجعلناه في الآخرة من الصَّالحين) تنبيهًا على أنَّه آثر ذلك الإيتاء إلى أمرٍ آخر، فتدبَّر.\n* * *\n_________\n(^١) \"جمع \"سقط من (ف).\n(^٢) في (ف): \"الخابية\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"من\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"حالة\".\n(^٥) في (ف): \"والصدق\".","vol":"6","page":112},{"text":"<span id=\"aya-2024\"> </span>(١٢٣) - ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الخطاب لنبيِّنا ﷺ، وفيه إشارة إلى أنَّ مِن أَجَلِّ ما أوتي خليلُ الله صلوات الله عليه، وأَشْرَفِ ما أُولي مِنَ النِّعمة والكرامةِ: اتِّباعُ رسولِ اللهِ ﷺ مِلَّتَه؛ لأنَّه (^١) من جهة أنَّ ﴿ثُمَّ﴾ دلَّت على تباعُد هذا النَّعت في المرتبة عن سائر النُّعوت الَّتي أثنى الله بها عليه، وفيها من تعظيم منزلة رسول الله ﷺ وإجلال محلّه ما لا يخفى على الفَطِن.\nوفي لفظ: ﴿أَوْحَيْنَا﴾، ثم الأمرِ باتَباع الملَّة لا اتِّباعِ (^٢) إبراهيم ﵇ ما يدلُّ على أنَّه ﵇ ليس بتابعٍ له، بل هو مستقلّ بالأخذ عمَّن أخذ إبراهيمُ ﵇ عنه.\nوبهذا البيان اندفع ما عسى أنْ يتبادر إلى الوهم مِنْ أنَّه ﵇ كان دون إبراهيم ﵇، ولذلك أُمِرَ باتِّباعه.\nواتَّضح إيثار ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ على: فبِهِم، في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].\nوالمراد من الاتِّباع: الاتِّباع في أصول الدِّين لا في فروعه؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].\nوالملَّةُ: ما شرَعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ﵈، مِن أمللْتُ الكتابَ: إذا أملَيْتَه (^٣).\n_________\n(^١) \"لأنَّه\" سقط من (ك).\n(^٢) في النسخ: \"لاتباع\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٣٣٩)، والكلام منقول من \"الكشف\" كما صرح الآلوسي.\n(^٣) في هامش (م): \"ذكره القاضي في سورة البقرة، ثم زعم هاهنا أنها بمعنى الطريقة حيث قال:=","vol":"6","page":113},{"text":"﴿حَنِيفًا﴾ ولَمَّا كانَ التَّوصيف بالحنيف في مقام التَّعليل للأمر بالاتِّباع كانَ في معنى: فإنَّه مالَ عن الأديان الباطلة، فعطف عليه قوله:\n﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان قدوةَ الموحِّدين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2025\"> </span>(١٢٤) - ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾: فُرِضَ عليهم تعظيمُه والتَّخلِّي فيه للعبادة وتركِ الصَّيد.\n﴿السَّبْتُ﴾: مصدر سبَتَتِ (^١) اليهود: إذا عظَّمَتْ سَبْتَها.\n﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: على نبيِّهم، وذلك أنَّ موسى ﵇ أمرهم أن يتفرَّغوا للعبادة يوم الجمعة، فأبوا وقالوا: نريد يوم السَّبت الذي فرغَ الله تعالى فيه من خلق السَّماوات والأرض، إلَّا شرذمةً منهم قد رضوا بالجمعة، فذلك اختلافهم في السَّبت، فألزمهم الله تعالى السَّبت، وشدَّد الأمر عليهم، وذكَرهم هاهنا لتهديد المشركين، كذكر القرية التي كفرَتْ بأنعم الله تعالى.\n﴿رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أي: يحكم للمحِقَين بالثَّواب، وللمبطِلين بالعقاب؛ تمييزًا بينهم، وفصلًا لخصومتهم في محلِّ الاختلاف، وهذا ظاهر في أنَّ الاختلاف إنَّما كان بين العاصين والمطيعين، ويشهد لذلك ما في\n_________\n= [﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾]، في التوحيد والدعوة إليه بالرفق، منه \". وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٤٤)، وما بين معكوفتين منه للتوضيح.\n(^١) في النسخ: \"سبت\". والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ١٧١).","vol":"6","page":114},{"text":"(سورة الأعراف) من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٤].\nفلا وجه لما قيل: معناه: إنَّما جعل وَبالُ السَّبت، وهو المسخ على الذين اختلفوا فأحلُّوا الصَّيد تارة وحرَّموه أخرى واحتالوا الحيل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2026\"> </span>(١٢٥) - ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\n﴿ادْعُ﴾ حذف المفعول للتَّعميم، وفيه الإشارة إلى البعثة (^١) العامَّة، والتَّنبيهُ على فضله ﵇ على مَن تقدَّمه مِنَ الرُّسل، وفيه تأييدٌ للتَّدارك السَّالف ذكرُه.\n﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: إلى الإسلام.\n﴿بِالْحِكْمَةِ﴾: بالمقابَلة المحكمَة، وهو الدَّليل القاطع الموضِّح للحقَ، المزيل للشبهة.\n﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾: بالخطابيَّات (^٢) الإقناعيَّة، والعِبَر النَّافعة، على وجهٍ لا يخفى عليهم أنَّكَ تُناصحهم وتقصد ما ينفعهم.\nوالأُوْلَى لدعوة خواصِّ الأمَّة الطَّالبين للحقائق، والثَّانية لدعوة عوامِّهم.\n﴿وَجَادِلْهُمْ﴾: وجادل معانديهم ﴿بِالَّتِي هِيَ﴾: بالطَّريقة التي هي ﴿أَحْسَنُ إ﴾ طرقِ المجادلة؛ من الرِّفق واللِّين، واختيارِ الوجه الأيسر والطَّريق الأشهر، فإنَّ ذلك أشدُّ تسكينًا لشغبهم (^٣)، وتليينًا لعريكتهم.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"بعثته\".\n(^٢) في (ك): \"بالخطابات\".\n(^٣) في (ف): \"أشد تسكينًا لسعيهم \"، وفي (ك) \"أشد لشغبهم \"، وفي (م): \"أشد لسعيهم\". والصواب المثبت.","vol":"6","page":115},{"text":"﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: ما عليك إلَّا الدَّعوةُ بهذه الطُّرق، وأمَّا الهدايةُ والمجازاة فليسا إليك؛ فإنَّ الله أعلم بهم، فمَن هديتُه كفاه القدْرُ اليسير من الحكمة إن كان مستعدًّا لها، والموعظة إن كان قائلًا غير منكِرٍ، والجدل الحسن الرَّقيق (^١) إن (^٢) كان منكرًا منصفًا (^٣)، فلا حيلة في هدايته إن (^٤) كان معاندًا، فكِلْ أمرَه إلى مَن هو أعلم به فإنَّه يجازيه.\nوإنَّما قدَّم الضَّالَّ؛ لأنَّ الكلامَ واردٌ فيهم، والخطابَ دائرٌ معهم، وذكرَ مقابله بصيغة الفاعل؛ لأنَّ الدَّوام والثَّبات يناسب حاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2027\"> </span>(١٢٦) - ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لَمَّا أمره ﵇ بالدَّعوة، وبَيَّن له طرقها، أشار إليه وإلى مَن تابعه بمراعاة الحقِّ مع الخلق، وملازمةِ طريق العدالة مع مَن يناصبهم؛ لأنَّ الدَّعوة لا تخلو عن المناداة (^٥) والمناصبة، من حيث إنها ترفع العادات وتبعث على رفض (^٦) المألوفات، وتقدح (^٧) في الأديان والمعتقدات، وتحكم على أهلها بالكفر والضَّلال.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الدقيق\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وإن\".\n(^٣) \"منصفًا\" من (م).\n(^٤) في (ف) و(م): \"وإن\".\n(^٥) في (ف): \"المنادات\"، ولعل الصواب: \"المعاداة\".\n(^٦) في (م): \"رفع\" وسقطت من باقي النسخ، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٤٥).\n(^٧) كلمة غير واضحة في (ك) و(م)، والمثبت من (ف) وهو الصواب. انظر المصدر السابق.","vol":"6","page":116},{"text":"روي أنَّ المشركين مثَّلوا بالمسلمين يوم أُحُد، ووقف رسول الله ﷺ على حمزة ﵁ وقد مُثِّل به، فقال: \"أمَا والذي أحلف به، لئن أظفرني الله بهم لأمثلنَّ بسبعين مكانك\"، فنزلَتْ، فكفَّر عن يمينه (^١).\nوفيه أمر رخصةٍ في المُثْلَة بواحد، ثم نُسِخَتْ المثلة.\nوفيه حثّ على العفو؛ تعريضًا بقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾، وتصريحًا على الوجه الآكد بقوله:\n﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ﴾، أي: الصبر ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ من الانتقام للمنتقمين.\nويجوز أن يرجع الضَّمير إلى صبرهم (^٢)، ويرادَ بالصَّابرين: المخاطبون؛ أي: ولئن صبرتم لَصَبرُكم خيرٌ لكم، فوُضِعَ الصَّابرون موضعَ الضَّمير؛ ثناءً من الله تعالى عليهم بأنهم صابرون في الشَّدائد، وفيه إرشاد إلى أنَّه إنْ صبرتم فهو شيمتُكم (^٣) المعروفة.\nوفيه ترغيب في الصَّبر بالغٌ (^٤)، ثمَّ صرَّح الأمرَ به لرسوله ﵇؛ لأنَّه أولى النَّاس به لزيادة علمه تعالى ووثوقه عليه، فقال:\n_________\n(^١) روى نحوه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ١٨٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٠٥١)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١١٦)، من حديث ابن عباس ﵄. وفيه كلام. وروى نحوه أيضًا الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٩٣٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٨٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الذهبي: فيه صالح المري واهٍ. وانظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ٩٧)، و\"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (١/ ٤٧٧).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"صبرتم\".\n(^٣) في (ف): \"سمتكم\"، وفي (ك): \"شكيمتكم \".\n(^٤) في (م): \"بأبلغ \".","vol":"6","page":117},{"text":"<span id=\"aya-2028\"> </span>(١٢٧) - ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.\n﴿وَاصْبِرْ﴾ ولَمَّا كان الصَّبر في هذا المقام شديدًا شاقًّا ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال:\n﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾: إلا بتو فيقه ومعونته.\nولَمَّا ذكر هذا السَّبب الكلِّي الأصلَ (^١) في حصول جميع الطَّاعات، ذكر بعده ما هو السَّبب الجزئي القريب فقال:\n﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وذلك لأنَّ الإقدام على الانتقام لا يكون إلَّا عند هيجان الغضب، وهو إمَّا لفوات نفعٍ كان حاصلًا في الماضي، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: على قتلى أحد؛ أي: ولا تحزن بفوات أولئك الأصدقاء، أو على إعراض الكافرين عنك، وإمَّا لتوقُّع ضررٍ في المستقبل، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: في ضيق صَدْرٍ مِنْ مَكرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2029\"> </span>(١٢٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ للمعاصي، ويدخل فيها دخولًا أوَّليًّا استيفاءُ الزِّيادة ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في أعمالهم، بالولاية والفضل.\n_________\n(^١) في (ف): \"الأصلي\". وفي (ك): (الأصيل).","vol":"6","page":118},{"text":"ويدخل فيها دخولًا أوَّليًّا ترك الانتقام، فكأنَّه قال: إن أردْتَ أن أكون معك بالفضل والرَّحمة والتَّربية فكنْ من المتَّقين المحسنين.\nوقيل: الأوَّل (^١) إشارة إلى التَّعظيم لأمر الله، والثَّاني إلى الشَّفقة على خلق الله.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"الأولى\".","vol":"6","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>سُورَةُ الإِسْرَاءِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2030\"> </span>(١) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\n﴿سُبْحَانَ﴾ علَمٌ للتَّسبيح بمعنى التَّنزيه البليغ، وذلك من جهة الاشتقاق من السَّبح، وهو الإبعاد في الأرض، والنَّقلِ إلى التَّفعيل، والعدولِ عن المصدر إلى الاسم الموضوع له خاصَّةً، والعاملُ فيه الفعل الذي من معناه لا من لفظه؛ إذ لم يجئ من لفظه الفعل، فالتَّقدير: أُنَزِّهُ اللهَ تنزيهًا، فوقع ﴿سُبْحَانَ﴾ مكانَ: تنزيهًا.\nولَمَّا كان حديث الإسراء مَظِنَّةَ أنْ يذهبَ الوهمُ إلى أنَّه تعالى زمانيٌّ أو مكانيٌّ صدَّره بما هو عَلَمٌ في تبعيده تعالى عمَّا لا يليق بشأنه.\nويجوز أن تكون كلمة ﴿سُبْحَانَ﴾ للتَّعجُّب بها، أشير إلى أعجبِ أمرٍ جرى بينَه وبينَ أفضل خلقه.\n﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ الإسراء: سيرُ الليل خاصَّة، فقوله:\n﴿لَيْلًا﴾ لقَطْع مجاز السير خُفيةً، كما أنَّ قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ بعدَ قوله: ﴿وَلَا طَائِرٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] لقطع مجاز السَّير (^١) السَّريع.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"سير\".","vol":"6","page":123},{"text":"والتَّنكير لتقليل مدَّة الإسراء، فإنَّه كما يدلُّ على البعضية في الأفراد كذلك يدلُّ على البعضية في الأجزاء، دلَّ على ذلك قول الشَّيخ عبد القاهر في \"دلائل الإعجاز\": إن التَّنكير في ﴿حَيَاةٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] للدِّلالة على أنَّ تلك الحياة بعض حياة المهموم بقتله (^١).\nوالثَّاني (^٢) هو المراد، يشهد لذلك قراءة: (مِنَ اللَّيلِ) (^٣)، أي: بعضه.\nوهذا الإسراء كان جسمانيًّا، ولذلك كذَّبَتْ قريش به، وفي عبارة العبد إشارةٌ إلى ذلك.\n﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعينه، أو من الحَرَم؛ فإنَّه مسجدٌ كلُّه.\n﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾: بيتِ المقدس، سُمِّي أقصى لأنَّه لم يكن وقتئذ مسجد وراءَه.\n﴿الَّذِي بَارَكْنَا﴾ البركةُ: دُرور الخير وثبوتُه، وهي دينيَّة ودنيويَّة (^٤)، وكلاهما مُرادٌ هاهنا؛ لأنَّه مَهبط الوحي ومعبدُ الأنبياء ﵈ (^٥)، ومحفوف بالأنهار والأشجار.\nوالالتفات من الغيبة إلى التَّكلُّم لتعظيم تلك البركات والآيات.\n_________\n(^١) انظر: \"دلائل الإعجاز\" (ص: ٢٨٩).\n(^٢) أي: دلالة التنكير على البعضية في الأجزاء.\n(^٣) تنسب لعبد الله بن مسعود وحذيفة ﵄. رواها عن حذيفةَ الطبريُّ في \"تفسيره\" (١٤/ ٤١٣)، وقال: وكذا قرأ عبد الله.\n(^٤) في (م): \"ودنياوية\".\n(^٥) في هامش (ف) و(م): \"قال القاضي: من لدن موسى ﵇. وفيه نظر. منه \".","vol":"6","page":124},{"text":"﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ كقطعه مسيرةَ شهرٍ، ومشاهدتهِ بيتَ المقدس في برهةٍ من الزَّمان، وتمثُّلِ الأنبياء ﵈، والوقوفِ على مقاماتهم.\nوأمَّا البُراق وسرعة سيره فليسا منها؛ لأنَّه ﵇ رأى الأوَّل قبل السَّير، والثاني قبل الوصول إلى المسجد الأقصى، فلا ترتُّب لرؤيتهما على السَّير إليه (^١).\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ بلا أُذُنٍ ﴿الْبَصِيرُ﴾ بلا بَصَرٍ. دلَّ على ذلك صورةُ الحصر، فلا تحتاج إلى قرب المسموع وحضور المبصَر (^٢)، فلا يختصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، فلم يكن الإسراء لأجله، بل أَجْلِ عبدِه.\nبدأَ بعبارة التَّنزيه، وختم بإشارته، فتجاوبَ طَرَفا الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2031\"> </span>(٢) - ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.\n﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التَّوراة.\n﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا ﴿تَتَّخِذُوا﴾ (^٣) قرئ بالياء على: لئلَّا يتَّخذوا، وبالتَّاء (^٤) على: أنْ لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا (^٥).\n﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾: ربًّا (^٦) تَكِلون إليه أموركم.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"فيه إصلاح لما في كلام القاضي من الخلل، فتأمل. منه \".\n(^٢) في (م): \"البصر\".\n(^٣) زيادة من (م).\n(^٤) قرأ بالياء أبو عمرو وباقي السبعة بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩).\n(^٥) في هامش (ف): \"كتب أن فعل كذا\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٦٤٨)، والكلام منه، وفيه: (وبالياء على: أي لا تتخذوا).\n(^٦) في (ف) و(ك): \"ما\".","vol":"6","page":125},{"text":"<span id=\"aya-2032\"> </span>(٣) - ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.\n﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ نصب على الاختصاص، أو النّداء إن قرئ بالتَّاء الفوقانيَّة على النَّهي، أو على أنَّه أحد مفعولَي (لا تتخذوا)، و﴿مِنْ دُونِي﴾ حال من ﴿وَكِيلًا﴾.\nوقرئ بالرَّفع (^١) على أنه خبر مبتدأ (^٢) محذوف، أو بدلٌ من واو ﴿تَتَّخِذُوا﴾.\nوفيه تذكيرٌ بإنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق، وإيماءٌ إلى أنَّ ذلك لكونهم أتباعَ نوح ﵇.\nثم قال في تعليل تلك الفضيلةِ الجليلةِ الثَّابتةِ له ﵇:\n﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ وفيه حَثٌّ للذُّرية على الاقتداء به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2033\"> </span>(٤) - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَقَضَيْنَا﴾ أصل القضاءِ: الإحكام والإتمام، وإنَّما قال:\n﴿إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لتضمين معنى الإنزال؛ أي: أعلمنا إعلامًا محكَمًا متمَّمًا منزلًا إليهم في التَّوراة. وتفسير القضاء بالوحي يأباه.\n﴿فِي الْكِتَابِ﴾ كما لا يخفى على ذوي الألباب.\n_________\n(^١) نسبت لمجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٥). وانظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٣٧)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ١٥).\n(^٢) \"مبتدأ\" سقط من (م) و(ك).","vol":"6","page":126},{"text":"﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف، ويجوز أن يجري القضاء المبتوت مجرى القسم كأنه قال: وأقسمنا لتفسدن.\n﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أولاهما: مخالفة أحكام التَّوراة وقتلُ شعيا (^١) ﵇، وثانيهما قتل يحيى وزكريا ﵉.\nولا حاجة (^٢) إلى ما (^٣) قيل: إن المقتول في الأولى زكريَّا ﵇، وفي الثَّانية يحيى ﵇؛ لأنَّ الكرَّة الآتي ذكرها (^٤) لم تتخلَّل بينهما.\n﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ هو غلبة المفسدين منهم على المصلِحين إفراطًا مجاوزًا عن القَدْر. والعُلُوُّ لغةً: هو الغلبة، بحقٍّ كانَ أو باطلٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2034\"> </span>(٥) - ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.\n﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾؛ أي: وقتُه، والوعد بمعنى الموعود، وهو العقاب، فلا حاجة إلى تقديره (^٥).\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"شعيب \"، وهو تحريف. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٤/ ٤٦٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٢ - ٢١).\n(^٢) في هامش (م): \"ولا وجه \".\n(^٣) في (ك): \"لما\" بدل \"إلى ما\".\n(^٤) في هامش (م): \"بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ منه \".\n(^٥) أي: العقاب، ويشير إلى تقدير البيضاوي حيث قال: (وعد عقاب أولاهما). وجاء في هامش (ف) و(م): \"نعم ألا، حاجة إلى تقدير الوقت؛ لأن المعنى على مجيئه لا على مجيء نفس الموعود. منه\".","vol":"6","page":127},{"text":"﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ هذا البعث من قبيل تولية بعض الظالمين على بعض، وكان على مقتضى الحكمة ولذلك أسنده تعالى إلى نفسه دون الجَوْس الآتي ذكره، فلا حاجة لصرفه (^١) عن معناه إلى معنى التَّخلية.\n﴿عِبَادًا لَنَا﴾ سنحاريب (^٢) وجنوده، وقيل: بُخْتَ نصَّر، وقيل: جالوت.\nقطع إضافتهم عن نفسه (^٣) لعدم استحقاقهم للتَّشريف المستفاد منها، وأيضًا ما في التَّنكير من التَّهويل يناسب المقام.\n﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: ذي قوَّة وبطش في الحرب.\n﴿شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ وقرئ: (خَلَلَ) (^٤)، وهو واحد الخِلال، كجَبَلٍ وجِبالٍ، ويجوز أن يكون الخِلال أيضًا واحدًا، أي: تردَّدوا وتخلَّلوا بين الدُّور في طلبكم للقتل (^٥) والسَّبي.\nوقرئ بالحاء (^٦)، وهما أخوان.\n﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾؛ أي: لا بُدَّ أنْ يُفعَل.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"إلى صرفه \".\n(^٢) في (ك): \"سنجاريب \".\n(^٣) في هامش (م): \"يعني لم يقل: (عبادي)، كما في قوله: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. منه \".\n(^٤) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٥)، و\"البحر\" (١٤/ ٢٠).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"في القتل\".\n(^٦) أي: (فحاسوا)، ونسبت لأبي السمال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٥)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٠)، إلا أنه وقع في \"الشواذ\": بالحاء والشين.","vol":"6","page":128},{"text":"<span id=\"aya-2035\"> </span>(٦) - ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.\n﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾؛ أي: الدَّولة والغَلَبة ﴿عَلَيْهِم﴾؛ أي: على الذين بُعِثوا عليكم.\n﴿عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ ممَّا (^١) كنتم.\nوالنَّفيرُ: مَن ينفرُ معَ الرَّجلِ، ولا يلزم أن يكون من قومه، وقيل: جمعُ نَفَرٍ، وهم المجتمعون لأمرٍ، ولا يلزم أن يكون للذَّهاب إلى العدوِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2036\"> </span>(٧) - ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾.\n﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأنَّ جزاءَه لها.\n﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، أي: فالإساءة لها، واللام للاستحقاق كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرعد: ٣٤].\nولا وجهَ للحمل على الاختصاص؛ لأنَّ نفعَ الإحسان وضررَ الإساءة قد يتعدَّيان إلى الغير، على ما دلَّ عليه الأخبار وشهد له الآثار، وأمَّا الازدواج فإنَّما يصارُ إليه عند تعذُّر المعنى الحقيقيِّ.\n﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾: وقتُ موعودِ المرَّة الآخرة، وجوابُ (إذا) محذوفٌ دلَّ عليه جواب الأولى، أي: بعثناهم، وإنَّما عطف بالفاء مع أنَّه مِنْ تفصيل المجمل\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"كما\".","vol":"6","page":129},{"text":"- والظَّاهر فيه العطف بالواو - للدِّلالة على أنَّ مجيءَ وعدِ الآخرة لم يتراخَ عن كثرتهم وثروتهم، وذلك أنَّهم كلَّما ازدادوا عددًا وعُدَّة ازدادوا عدوانًا وطغيانًا، إلى أن تكاملَتْ أسبابُ العزَّة، ففاجأهم الله تعالى على العزَّة.\n﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بياء الغائبة على الجمع (^١)؛ أي: ليسوءَ هؤلاء وجوهكم، وإنَّما عدَّى المساءَة إلى الوجوه وإن كانت عليهم لأنَّ آثار الأعراض النَّفسانية ظهورها (^٢) في الوجه.\nوقرئ بياء الغائبة على الواحد (^٣)، والضَّمير للقائهم للقراءة السابق (^٤) ذكرها، أو لله تعالى للقراءة بالنُّون وفتح الواو (^٥).\n﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾: بيت المقدس، ويخرِّبوه ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وخرَّبوه.\n﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أي: ليدمِّروا (^٦) ﴿مَا عَلَوْا﴾: ما غلبوه واستولَوا عليه، أو: مُدَّةَ علوِّهم.\n﴿تَتْبِيرًا﴾: تفتيتًا. ومنه: التِّبرُ، لفُتاتِ الذَّهبِ.\n* * *\n_________\n(^١) بعدها في (ف) زيادة: \"وإنما\"، ولا وجه يظهر لها.\n(^٢) في (ف): \"ظهورًا \".\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر وحمزة وأبي بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩).\n(^٤) في (م): \"السابقة\".\n(^٥) وهي قراءة الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩).\n(^٦) في (ف) و(م): \"ليدبروا\". والمثبت من (م) وهو الصواب. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٢).","vol":"6","page":130},{"text":"<span id=\"aya-2037\"> </span>(٨) - ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾.\n﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ وعدٌ مِنَ الله تعالى أن يكشف (^١) عنهم بعد المرَّة الآخرة.\n﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ نوبةً أخرى ﴿عُدْنَا﴾ مهو مرَّة ثالثةً إلى عقوبتكم. وقد عادوا فبعثَ اللهُ تعالى عليهم نبينا ﵇.\nهذا مآلهم في الدُّنيا، ثمَّ ذكرَ مآلهم في الآخرة بقوله:\n﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾: محبسًا ضيِّقًا. قال القشيري: يُقال للذي يُفرَش: حصير؛ لحَصْر بعضه على بعض بالنَّسج (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2038\"> </span>(٩) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾: للطَّريقة (^٣) التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ الطُّرق.\n﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الفسقُ لا ينافي الإيمان ولا العمل الصَّالح، فلا خروجَ للفسَقَة بأحد القيدَيْن المذكورين، فلا حاجة إلى المكابرة بأن يُقال: كان النَّاس حينئذ إمَّا مؤمن تقي وإمَّا مشرك، وإنَّما حدث الفاسق بعد ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"ينكشف\".\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٣).\n(^٣) في (ف): \"للطريق \".","vol":"6","page":131},{"text":"<span id=\"aya-2039\"> </span>(١٠) - ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ عطفٌ على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا﴾.\nوالمعنى أنَّه يبشِّر المؤمنين ببشارَتَيْن: ثوابهم (^١)، وعقابِ أعدائهم.\n﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في زيادة ﴿أَعْتَدْنَا﴾ هاهنا إنباءٌ عن شدَّة الغضب في حقِّهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2040\"> </span>(١١) - ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.\n﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ حذفت الواو من (يدعو) لفظًا لاستقبال اللَّام السَّاكنة، كما في قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، وحذفت في الخطِّ أيضًا (^٢)، لكنَّها غير محذوفة معنًى.\n﴿بِالشَّرِّ﴾ هو دعاؤه على نفسِه وأهله (^٣) ومالِه عندَ الضَّجر بما لا يحبُّ (^٤) أن يُستجاب له.\n﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾: مثلَ دعاءِه بالخير.\nيعني أنَّ القرآن يهديهم إلى ما فيه السَّلامة، وهم يأبون إلَّا أنْ يأتوا بما فيه النَّدامة.\nثمَّ ذكرَ أنَّ ذلك مِنْ عدمِ تثبُّته وقلَّة صبره فقال:\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ثواب\".\n(^٢) \"أيضًا\" من (م).\n(^٣) \"وأهله\" من (م).\n(^٤) في (ف) و(م): \"لا يجب\".","vol":"6","page":132},{"text":"﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ العَجلَةُ: طلبُ الشَّيء قبلَ وقته الذي ينبغي أن يقعَ فيه، والسُّرعةُ: عملُ الشَّيء في أوَّلِ وقته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2041\"> </span>(١٢) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ تدلَّان على القادر الحكيم (^١) بتعاقُبهما على نسقٍ يترتَّب عليه آثارٌ غريبة وأحكامٌ (^٢) عجيبةٌ.\n﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ الفاء فصيحة؛ كأنَّه قيل: وخالفنا بين الآيتين: فَجعلنا الآيةَ التي هي اللَّيل لِمَحْوِهِ؛ أي عديمَ النُّور، والآيةَ التي هي النَّهار مبصرةً؛ أي: مضيئةً أهلَه مبصرةً للنَّاس، مِن أبصره فبصُر، فإنَّ الإضاءة لازم الإبصار، على أنَّ الإضافة في الآيتين للتَّبيين.\nوقيل: آيةُ اللَّيل القَمَرُ، ومحوه: إخلاؤه عن (^٣) النُّور؛ فإنَّ ما يُرَى فيه نورُ الشَّمس، وآيةُ النَّهار الشَّمسُ، وإبصارُها: نورُها الذي يقع به الإبصارُ.\n﴿لِتَبْتَغُوا﴾ تعليل لجعلِ آيةِ النَّهار مبصرةً.\n﴿فَضْلًا﴾: رزقًا ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ والابتغاءُ: الطَّلبُ، والمعنى: لتقدروا في بياض النَّهار على تحصيل أسباب المعاشِ.\n_________\n(^١) \"الحكيم\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"وآثار\".\n(^٣) في (ك): \"من\".","vol":"6","page":133},{"text":"وفي عبارة الفضل إشارة إلى أنَّه لا يجبُ على اللّه تعالى أن يرزقَ عبادَه، وإنَّما ذلك تفضُّلًا، ففيه رَدٌّ على المعتزلة.\n﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ تعليل لمحو آية اللَّيل؛ أي: تعلموا باختلاف الجديدين عددَ السِّنين وجنسَ الحساب، وما تحتاجون إليه منه، أو: الحسابَ المتعلِّق بالأوقات، على أنَّ (^١) التَّعريف للعهد، بقرينة ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾، أو بنقص نور القمر شيئًا فشيئًا؛ لأنَّ معرفة السَّنة القمريَّة المعتبَرة عند العرب بذلك.\n﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ كلمة ﴿وَكُلَّ﴾ للتَّكثير والتَّفخيم، لا للتَّعميم والإحاطة، كما سبق إلى وَهمِ مَن قال: مما تفتقرون إليه في دينكم ودنياكم (^٢).\n﴿شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بيَّنَّاه بيانًا كافيًا. والمقامُ مقامُ الامتنان بإتمام الإحسان، لا مقام الإلزام والإفحام (^٣)، كما سبق إلى بعض الأفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2042\"> </span>(١٣) - ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾.\n﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ أرادَ بالطَّائر: حظَّه من الخير والشَّر، كأنَّه طير إليه من عشِّ الغيب ووكر (^٤) القدر.\nلما كانوا يتيمَّنون ويتشاءمون بسُنوح الطَّائر وبُروحه، استُعِيْرَ لِمَا هو (^٥) سببُ الفرحِ والتَّرح مِنْ قدَرِ اللهِ تعالى.\n_________\n(^١) \"أن\" سقط من (ك).\n(^٢) المراد البيضاوي القائل: وَكُلَّ شَيْءٍ تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا.\n(^٣) في (ف) و(م): \"والإقحام\".\n(^٤) تحرفت في النسخ إلى: \"وذكر\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\".\n(^٥) في (ف): \"هي\".","vol":"6","page":134},{"text":"﴿فِي عُنُقِهِ﴾ خصَّ العُنُقَ بالإضافة إليه مِن بين سائر الأعضاء؛ لأنَّ فيه يكون الزائن من القلائد والأطواق، والشَّائن من الأغلال والأوهان، فاستُعِيْرَ لمحلِّ إلزام الخير والشَّرِّ.\n﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ اللَّام للاختصاص ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: وقتَ الموت، فإنَّه القيامة الصُّغرى. قال ﵇: \"مَن مات فقد قامَتْ قيامتُه\" (١).\n﴿كِتَابًا﴾: هيكلًا مصوَّرًا يصوِّر (٢) أعمالَه.\n﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ لظهور تلك الهيئات فيه بالفعل مفصَّلةً، لا منطويةً كما كانت قبلَ ذلك عندَ كونها فيه بالقوَّة، وهما صفتان للكتاب، أو الأوَّل صفة والثاني حال من مفعوله.\nوقرئ: (يُلقَّاهُ) على البناء للمفعول (٣)، مِنْ لُقِّيتُه كذا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2043\"> </span>(١٤) - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾.\n﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ على إرادة القول، فيقرأُ قارئًا كان أو غيرَ قارئ؛ لأنَّ الأعمال\n_________\n(١) أخرجه الديلمي في \"مسند الفردوس\" (١١١٧) من حديث أنس ﵁. قال العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٣٦٨٠) (٢/ ١٠١٣): (رواه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الموت\" بإسناد ضعيف). ورواه الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٤٦٨) موقوفًا من حديث المغيرة بن شعبة ﵁. وهذا القول نقله المؤلف عن الرازي في \"تفسيره\" (٢٠/ ٣١١)، وهو خلاف الظاهر.\n(٢) في (م): \"مصدرًا مصور\"، وفي (ك): \"مصدرًا بصور\".\n(٣) قرأ بها ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩).","vol":"6","page":135},{"text":"هناك متمثلةٌ (^١) بصورها وهيئاتها، يعرفها كلُّ أحد، لا على سبيل الكتابة بالحروف فلا يعرفَها إلا مَن يقرأ، وهذا وجهُ ما روي عن قتادة: يقرأ ذلك اليومَ مَن لم يكن في الدنيا قارئًا.\n﴿كَفَى بِنَفْسِكَ﴾ الباء مزيدة للإشارة إلى لصوق ذلك الوصف ولزومه لها.\n﴿الْيَوْمَ﴾ قدِّم الظرف لتخصيص الحكم المذكور بذلك الوقت.\n﴿عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ حاسبًا أو كافيًا، نصبٌ على التمييز، وتعديتُه بـ (على) لتضمُّنه معنى الشهادة، وتذكيرُه على أن الحساب والشهادة مما يتولَّاه الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلًا حسيبًا، وتقديم الصلة للإشارة إلى أنَّ لكلِّ امرئٍ يومئذ شأنٌ يغنيه عن الْتفاتٍ إلى غيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2044\"> </span>(١٥) - ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.\n﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾: فجزاءُ اهتدائِهِ له.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فوبالُ ضلالِه عليها.\nوأمَّا أنَّ الغير لا ينتفع ولا يتضرَّر بضلاله فلا دلالة فيما ذكر عليه، ولا صحَّة له أيضًا؛ لِمَا قدَّمناه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ لِمَا مرَّ من تفسيره في سورة الأنعام.\n_________\n(^١) في (م): \"متمثلًا\".","vol":"6","page":136},{"text":"﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الجمهور على أنَّ هذا في حكم الآخرة خاصَّة، وقالت فرقة: إنه في حكم الدُّنيا والآخرة. ذكره القرطبي (^١).\nوعلى كلَا التَّقديرَيْنِ لا دلالة فيه على أنَّه لا وجوب قبل الشَّرع: أمَّا على الأوَّل فظاهر، وأمَّا على الثَّاني فلأنَّه لا يلزم من تعليقِ مجموع الحكمَيْن على البعثة تعليقُ كلٍّ منهما عليها.\nوإنَّما نفى الكينونة دون البعث لأنَّ المراد الإخبار عن عادته تعالى لا الوعدُ، فعدمُ العذاب مقطوع به إلى وقت البِعْثَة.\nوكلمة ﴿حَتَّى﴾ لبيان غاية الأمن عن العذاب، لا لبيان (^٢) غاية عدم العذاب حتى يتعيَّنَ العذاب عند البعثة.\nولَمَّا ذكر تعالى أنَّه لا يعذِّب أحدًا حتى يبعثَ إليه رسولًا بَيَّنَ بعدَ ذلك علَّة (^٣) إهلاكهم بعد البعث - وهي مخالَفة أمر المبعوث إليهم - فقال:\n\n<span id=\"aya-2045\"> </span>(١٦) - ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾.\n﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ أي: إذا تعلَّقَ إرادتُنا في الأزل لإهلاك قريةٍ بما فيها في وقتٍ مخصوصٍ.\n﴿أَمَرْنَا﴾ أي: وُجِدَ منَّا الأمر قبلَ مجيء (^٤) ذلك الوقت.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٤٣).\n(^٢) \"غاية الأمن عن العذاب، لا لبيان\" سقط من (م).\n(^٣) \"علة\" من (ك).\n(^٤) \"مجيء\" من (م).","vol":"6","page":137},{"text":"﴿مُتْرَفِيهَا﴾: منعَّميها (^١)، خصَّهم بالذِّكْرِ - مع عموم الأمر (^٢) للفريقَيْن بدلالةِ أنَّ الكلام في بيان سبب استحقاق أهل القرية لعذاب الاستئصال - لأنهم الرؤساء المتبوعون، ولأنهم مأمورون بنوعي العبادة البدني والمالي.\n﴿فَفَسَقُوا﴾ فَوُجِدَ (^٣) الفِسْقُ - وهو الخروج عن الطَّاعة - منهم؛ أي: من أهل القرية كلِّهم؛ لِمَا نبَّهْتُ على أنَّ غير المتوفين أيضًا مأمورون، لكنه استغنى بذكر المتوفين عن غيرهم كما اكتفى بذكر الملائكة عن ذكر الجنِّ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [الإسراء: ٦١] على ما مرَّ تحقيقه في تفسير سورة البقرة.\nوقرئ: (أَمِرْنا) (^٤)، بمعنى: كثَّرنا، لقول العرب: أَمِرَ القومُ - بكسر الميم -؛ أي: كثروا، وأمَرهم اللّه - بالفتح -، أي: كثَّرهم، فصارَتِ الحركة مما يصير به الفعل متعدِّيًا، كما في شَتِرَتْ عينُ الرَّجل بكسر التَّاء، وشَتَرها الله بفتحها (^٥).\n_________\n(^١) في (ف): \"متنعمها\".\n(^٢) في النسخ: \"مع عدم الأمر\"، والصواب المثبت. وانظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٤٤٤)، ولفظه: (مع توجه الأمر إلى الكل ..).\n(^٣) في (ف) و(م): \"فوجدوا\".\n(^٤) نسبت ليحيى بن يعمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦).\n(^٥) وفي كلام المؤلف هنا قصور؛ فإن هذه القراءة تنقض ما ذكره من أمر التعدية واللزوم في الفعل المذكور؛ لأن الرواية فيها بكسر الميم ومع ذلك فهي متعدية، وبها رد البعض ما ذكر من الكلام في قصر التعدية على الفتح واللزوم على الكسر، فذكروا أن وكسر الميم لغةٌ كفتحها، ومعناها: كثرنا، حكى أبو حاتم عن أبي زيد: أمَر الله مالَه وأمِره - بفتح الميم وكسرها -؛ أي: كثره. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ١١٩)، و\"معاني القرآن\" للنحاس (٤/ ١٣٣)، و\"البحر\" (١٤/ ٤١) وفيه تفصيل المسألة.","vol":"6","page":138},{"text":"ويؤيِّده قراءة: (آمَرْنا) بالمد (^١)، و: (أمَّرْنا) بالتَّشديد (^٢).\n﴿فِيهَا﴾ فيه دلالة (^٣) على أنَّ هلاك نفس القرية أيضًا داخل (^٤) تحت المراد، فلا مجاز في لفظ القرية (^٥)، كما لا مجاز في الإرادة والأمر.\n﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا﴾ أي: على القرية بما فيها.\n﴿الْقَوْلُ﴾: هو وعيد الله تعالى الذي قاله رسولهم ﵇.\n﴿فَدَمَّرْنَاهَا﴾ التَّدمير: الإهلاك مع طمس (^٦) الأثر وهدم البناء مع إهلاك أهلها.\n﴿تَدْمِيرًا﴾ ذكر المصدر للمبالغة في العذاب الواقع بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2046\"> </span>(١٧) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) في موضع نصب بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ بيان لـ (كم) وتمييز له؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا.\n﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ خصَّه بالذِّكْرِ لأنَّه أوَّلُ مَنْ حَلَّتْ بقومه عقوبة الاستئصال.\n﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يدرِك بواطنها وظواهرها، فيعاقب عليها.\n_________\n(^١) نسبت لخارجة عن نافع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦).\n(^٢) نسبت لأبي عثمان النهدي، ورويت عن أبي عمرو وعاصم في غير المشهور عنهما. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦).\n(^٣) \"دلالة\" سقط من (ف)، و\"فيه\" سقط من (ك).\n(^٤) في (ك) و(م): \"داخلة\".\n(^٥) \"في لفظ القرية\" من (م).\n(^٦) في (ف) و(م): \"طمث\".","vol":"6","page":139},{"text":"وتقديم الخبير لتقدُّم متعلَّقه (^١) من المعتقدات والنِّيِّات، فإنَّها أقدم على الأعمال الظَّاهرة التي هي متعلَّقات البصر، والعقاب عليها أشدُّ، والعفو عنها أقلُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2047\"> </span>(١٨) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: مَنِ استمرَّ على إرادة الدَّار العاجلة ولم ينقطع عنها، دلَّ على ذلك زيادة ﴿كَانَ﴾ (^٢) هنا دون قَسِيمه، وأما اعتبارُ قصر الإرادة عليها بمعونة (^٣) المقابلة فيردُّه عدم صحَّة اعتباره في المقابل، ولا وجه لتخصيصه (^٤) مع الاشتراك في العلَّة.\n﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ قيَّد المعجَّل والمعجَّل (^٥) له بالمشيئة والإرادة على اختلاف العبارة؛ لأنَّه لا يجدُ كلُّ مريدٍ ما أراده، ولا كلُّ واحدٍ جميعَ مراده.\nومدلولُ الكلام: أنَّ حصول المرام موقوفٌ على مشيئة الله تعالى، وأمَّا أنَّه لا دخل فيه للهمِّ وللإرادة فلا دلالة عليه فيه؛ فإنَّه يجوز أن يكون ذلك (^٦) من الأسباب العادية، ومشيئة اللّه تعالى إنَّما تتعلَّق بشيءٍ بعد تمام الأسباب العادية إلَّا في خوارق العادات.\n_________\n(^١) في النسخ: \"وتقديم الخبر تقديم متعلقه\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٤٤٩).\n(^٢) \"كان\" سقط من (ف).\n(^٣) في (ك): \"لمعونة\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"للتخصيص\".\n(^٥) \"والمعجل\" من (م).\n(^٦) \"ذلك\" من (م).","vol":"6","page":140},{"text":"و﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدل من ﴿لَهُ﴾ بدلَ البعض من الكل.\nوقرئ: (يشاء) (^١)، والضمير فيه لله تعالى، ليطابق المشهورة (^٢).\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾: صيَّرنا ﴿لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ حال من الضمير في (^٣) ﴿لَهُ﴾، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾.\n﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾: مطرودًا من رحمة الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2048\"> </span>(١٩) - ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.\n﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾: حقَّها من السَّعي، وهو الإتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي بالجدِّ.\nقال الرَّاغبُ: السَّعيُ: المشيُ السَّريع، وهو دونَ العَدو، ويُستعمَل للجدِّ في الأمر خيرًا كان أو شرًّا (^٤).\nوفائدة اللَّام اعتبار النِّيِّة والإخلاص\n﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هو الشَّرط الأعظم، فلا ينبغي السَّعيُ إلَّا به.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٤٦)، و\"البحر\" (١٤/ ٤٤).\n(^٢) في (ف): \"المشهور\".\n(^٣) \"الضمير في \"من (م).\n(^٤) انظر: \"المفردات في غريب القرآن\" (مادة: سعى).","vol":"6","page":141},{"text":"﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى مَنِ اتَّصف بهذه الأوصاف ﴿كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ من اللّه تعالى؛ أي: مقبولًا عنده مثابًا عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2049\"> </span>(٢٠) - ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾.\n﴿كُلًّا﴾ كِلَا (^١) الفريقَيْن، والتَّنوين بدلٌ مِنَ المضاف إليه ﴿نُمِدُّ﴾ الإمدادُ: المواصلةُ بالشَّيء ﴿هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ بدل (^٢) من ﴿كُلًّا﴾ بدل تفصيل (^٣).\n﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ متعلِّق بـ ﴿نُمِدُّ﴾، والعطاء بمعنى المعطَى.\n﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾: ممنوعًا عن عباده؛ مؤمنًا كان أو كافرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2050\"> </span>(٢١) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في العطاء، وانتصاب ﴿كَيْفَ﴾ بـ ﴿فَضَّلْنَا﴾ على الحال.\n﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ من درجات الدُّنيا، و﴿دَرَجَاتٍ﴾ نصوب على التَّمييز.\n﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾؛ أي: التَّفاوت فيها أكبر (^٤)؛ لأنَّه بالجنَّة ودرجاتها وبالنَّار ودركاتها.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"كل من\".\n(^٢) في (م): \"بدلان\"، وفي (ك): \"بدلا\".\n(^٣) في (ف) \"من تفصيل\"، والمثبت من (ك) و(م)، والمعنى: بدل من ﴿كُلًّا﴾ بدلَ كلِّ على جهة التفصيل، أي: نمد هؤلاء المعجل لهم وهؤلاء المشكور سعيهم. انظر: \"روح المعاني\" (١٤/ ٤٥٥).\n(^٤) \"أكبر\" من (م).","vol":"6","page":142},{"text":"<span id=\"aya-2051\"> </span>(٢٢) - ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾.\n﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الخطاب للإنسان، أو للنَّبيِّ ﵇ والمراد أمَّته.\nوالجَعْلُ بمعنى التَّصيير بالعقد (^١).\n﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا؛ فإن القعود ممَّا يُكنى به عن العجز.\n﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾: جامعًا على نفسك الذَّمَّ من الملائكة والمؤمنين، والخذلانَ من اللّه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2052\"> </span>(٢٣) - ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.\n﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أمرَ أمرًا مقطوعًا به ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾: بأن لا تعبدوا ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ويجوز أن تكون (أنْ) مفسِّرة، و(لا) ناهية.\nقال القرطبي: في مصحف عبد الله: (ووصَّى ربك)، وذكر أبو حاتم عن ابن عباس ﵄ أنه (^٢): (ووصَّى ربك) فالتصقت إحدى الواوين بالصَّاد، فقُرِئتْ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾، إذ لو كان على القضاء ما عصى اللهَ أحدٌ. وقالَ الضَّحَّاك مثلَ ذلك.\n_________\n(^١) \"بالعقد\" من (م). والتصيير يكون بالفعل نحو: صيرت الحديد سيفًا والسبيكة سوارًا، وقد يكون بالقول كالتسمية في ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ وقد يكون بالعقد. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٢/ ١٦).\n(^٢) \"أنه\" من (ف).","vol":"6","page":143},{"text":"ثم أبى أبو حاتم أن يكون ابن عبَّاسٍ قال ذلك، وقال: لو قلنا هذا لطعن الزَّنادقة في مصحفنا، وأمَّا التَّعليل الذي نسبوه إليه فهو منافٍ لِمَا نُقِلَ عنه مِن أنَّه ليسَ قضاءَ حكمٍ بل هو قضاءُ أمرٍ (^١).\n﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾: وبأن تحسنوا بالوالدين ﴿إِحْسَانًا﴾ ويجوز أن تتعلَّق الباء بالإحسان، وقد مرَّ في تفسير سورة (^٢) الأنعام تحقيقُ وجهِ جواز تقدُّم صلة المصدر.\n﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ ﴿إِمَّا﴾ هي (إنْ) الشَّرطيَّة زيدت عليها (ما) تأكيدًا لها، ولذلك صحَّ دخول النُّون المؤكِّدة في الفعل، و﴿أَحَدُهُمَا﴾ فاعل ﴿يَبْلُغَنَّ﴾، وبدلٌ من الألف الراجع إلى الوالدين على قراءة: (يَبْلُغَانِّ) (^٣)، و﴿كِلَاهُمَا﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُمَا﴾ على الاحتمالَين، ولا احتمال لأن يكون تأكيدًا لضمير (يبلغان)، لا لكونه معطوفًا على البدل؛ لأنَّه لا يقتضي أن يكون بدلًا فإن عطف التأكيد على البدل شائع، بل لأنَّ فيه دلالة على أنَّ التَّأكيد غير مراد في المقام؛ لأنَّ فائدة تأكيد التَّثنية الشُّمول والإحاطة، ولو قصدت تلك الفائدة لَمَا قيل: ﴿أَحَدُهُمَا﴾، فالمانع ذكره لا عطفه على البدل.\nوإنَّما قيَّد بقوله: ﴿عِنْدَكَ﴾ لأنَّ مراعاة الأدب مع طول المصاحبة أشقُّ، فكانت مظنَّة التَّقصير، فتدُورك به.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٥٠)، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ١٢٠)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦). و\"تفسير ابن أبي حاتم\" (٧/ ٢٣٢٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٤٧). وجاء في هامش (ف): \"وحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأها: (ووصى ربك)، قال: إنهم ألصقوه بالصاد، فصار قافًا. من تفسير البغوي. منه\".\n(^٢) في (ك): \"مر تفسيره في سورة\".\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩).","vol":"6","page":144},{"text":"وإنَّما خَصَّ حالةَ الكبر لأنَّ مَنْ بلغَها يسوءُ خُلُقُه، فكان فيه تقويةٌ لِمَا ذُكِرَ آنفًا من المظنَّة، وأيضًا هي حالة يحتاجان فيها إلى برِّه؛ لتغيُّر الحال عليهما بالضَّعف.\n﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا﴾ أراد تعميم النَّهي لكلٍّ منهما، لا تقييدَه بحالة اجتماعهما؛ لعدم تحمُّله أحدَ التَّقديرَيْن.\n﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ يدلُ على التَّضجُّر، وقيل: اسم الفعل الذي هو أتضجَّر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين.\nوتنوينه في قراءة نافع وحفص للتَّنكير، وقرئ بالفتح على التَّخفيف (^١)، وقرئ منونًا وبالضَّم للإتباع (^٢).\nوالنَّهي عن هذه اللَّفظة الدَّالة على التَّضجر والبَرَم (^٣) يُفصح عن النَّهي عن سائر أنواع الإيذاء بطريق الدِّلالة.\nوقال الأصمعيُّ: الأفُّ: وسخ الأذن، والتُّفُّ وسخ الأظفار، فكثر استعماله حتى ذكر في كلِّ ما يُتأذَّى به (^٤). وعلى هذا يكون النَّهي عن الكلِّ بطريق العبارة.\n﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ النَّهْرُ: الزَّجْرُ والغِلْظَة.\n﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وهو السَّالمُ عن كلِّ عيب.\n_________\n(^١) قرأ نافع وحفص بالتنوين وكسر الفاء، وابن كثير وابن عامر بفتح الفاء من غير تنوين، وبافي السبعة بكسرها من غير تنوين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٥٧)، وفيه: (وقرئ: أفّ، بالحركات الثلاث، منونًا وغير منون: الكسر على أصل البناء، والفتح تخفيف للضمة والتشديد كثم، والضم إتباع كمنذ). وانظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٨).\n(^٣) (البرم): السآمة والضجر. انظر: \"القاموس\" (مادة: برم).\n(^٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (١٤/ ١٨١).","vol":"6","page":145},{"text":"<span id=\"aya-2053\"> </span>(٢٤) - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.\n﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾؛ أي: قل لهما قولًا كريمًا بدلَ القول اللَّئيم، وهو أفٍّ، وافعل لهما الفعل اللَّطيف بدل الفعل العنيف، وهو النَّهْرُ. نهى (^١) عن قولٍ وفعلٍ، وأمر بقولٍ وفعلٍ بدلًا عنهما.\nوفي تقرير الثَّاني وجهان:\nأحدهما: الطَّائر إذا أراد الطَّيران والارتفاع نشرَ جناحه (^٢)، وإذا أراد ترك ذلك خفض جناحه، فصار خفض الجناح مجازًا مرسلًا مرتَّبًا على الكناية عن فعل التَّواضع.\nوالثَّاني: أنَّ الطَّيرَ (^٣) إذا ضمَّ فرخه إليه للتَّربية خفضَ له جناحَه، فخفضُ الجناح في الأصل كناية عن حسن التَّدبير، فكأنَّه قيل للولد: اكفل والديك بضمِّهما إلى نفسك كما فُعِلَ ذلك بك حال صغرك، يرشدك إلى هذا قوله: ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، ويقوِّي الأوَّل إضافة الجناح إلى الذُّل بطريق الاستعارة التَّخييلية.\nوقرئ: (الذِّلِّ) بالكسر (^٤)، وهو الانقياد.\n﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: من فَرْط رحمتك إليهما، حيث افتقرا إلى مَن كان (^٥) أفقر خلق الله إليهما.\n_________\n(^١) في (ف): \"نهر\".\n(^٢) في (ك): \"جناحيه\".\n(^٣) \"أن الطير\" من (م).\n(^٤) نسبت لأبي بكر الصديق ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٦).\n(^٥) في (ف) و(م): \"حيث افتقر إلى من هو\"، وسقطت \"هو\" من (ك). والمثبت من المصادر. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٣٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٥٢)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٦٧).","vol":"6","page":146},{"text":"﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾: وادعُ اللهَ تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، ولا تكتفِ برحمتك الفانية، والكفر لا يمنع عن ذلك ما داما حيَّيْن؛ لأنَّ الهداية إلى الإيمان من جملة الرَّحمة بل من معظمها. وصحَّة التَّثنية في قوله:\n﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ باعتبار أن التربية لا تكون إلا عن رحمة، فذكرُ تلك التربيةِ ذكرٌ للرحمة اقتضاءً، فكأنه قال: كما رحماني وربَّياني صغيرًا، وبالعبارة المذكورة نبّه على العلة الموجِبة للإحسان إليهما واسترحامَ الله تعالى لهما، وهي تربيتُهما له صغيرًا، وتلك الحالة مما يزيد إشفاقًا لهما ورحمةً؛ إذ هي تذكير بحالة إحسانهما له وقتَ أنْ لا يقدر على الإحسان لنفسه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2054\"> </span>(٢٥) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾.\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من قَصْدِ البرِّ إليهما، واعتقادِ ما يجب لهما من التَّوفير. وكأنَّه تهديدٌ على أنْ يُضْمِرَ لهما كراهةً واستثقالًا (^١).\n﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾: قاصدين الصلاح ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ الأوَّابُ: الرَّجَّاعُ عن ذنبه بالتَّوبة.\n﴿غَفُورًا﴾ ما فرط منهم عند حرج الصَّدر من أذيَّة أو تقصير، وفيه تشديدٌ عظيمٌ.\nويجوز أن يكون عامًّا لكل تائبٍ، ويندرج فيه الجاني على أبويه التَّائبُ من جنايته اندراجًا أوَّليًّا؛ لوروده على أثره.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"واستقلالًا\".","vol":"6","page":147},{"text":"<span id=\"aya-2055\"> </span>(٢٦) - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.\n﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ لَمَّا أمرَ ببرِّ الوالدين أمرَ بصلة القرابة.\nوالحقُّ هنا: ما يتعيَّن له من صلة الرَّحم، وسدِّ الخلَّة، والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكلِّ وجهٍ.\n﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ قد مرَّ تفسيرهما.\n﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ أصل التَّبذير: التَّفريق، من إلقاء البِذر في الأرض، وهو تفريق حبَّاته.\nوالفرق بينه وبين الإسراف: أنَّ الإسراف تجاوز في الكميَّة، وهو جهل بمقادير الحقوق، والتَّبذيرُ تجاوزٌ عن موضع الحقِّ، فهو جهلٌ بمواقعها، وكلاهما مذمومان، والثَّاني أدخلُ في الذَّمِّ، ويُفصح عن التَّفاوت بينهما قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقوله:\n\n<span id=\"aya-2056\"> </span>(٢٧) - ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.\n﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾: أتباعَهم الملازِمين لهم، فإنَّ العرب تسمِّي الملازم للشيء أخًا له، فتقول: أخو المكارم: إذا كان مواظبًا عليها.\n﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾: كثيرَ الكفران لِنِعَمه، جَحودًا لحقوقه. ودخول (كان) فيه إخبارٌ لعادته ومذهبه (^١).\n* * *\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"في القديم\".","vol":"6","page":148},{"text":"<span id=\"aya-2057\"> </span>(٢٨) - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.\n﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾؛ أي: إن عرضَتْ لك حاجةٌ أحوَجَتْك إلى الإعراض عن هؤلاء المحتاجين لضيقِ يدٍ انتظارَ الرِّزق ترجوه من اللّه تعالى.\n﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ فلا تدعْ تعهُّدَهم بالقول الجميل، والميسورُ مَن يُسِرَ الأمرُ، مثل: سُعِد ونُحِس.\nكان النَّبيُّ ﵇ إذا سُئِلَ ولم يكن عنده ما يعطيه سكتَ انتظارًا لرزقٍ يأتي من اللّه تعالى؛ كراهةَ الرَّدِّ، فنزلَتْ هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سُئِلَ ولم يكن عنده ما يعطي قال: \"رزقنا اللّه وإيَّاكم من فضله\" (^١).\nوذلك قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾؛ أي: لا تسكت فيكونَ إيحاشًا لهم، ولا تؤيسهم (^٢) فيكونَ إيلامًا لهم.\nولا يجوز أن يتعلق ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ﴾ الجواب؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها في غير باب (أمَّا) وما يلحق بها في المذهب المنصور، إلَّا إذا أريد التَّعلُّقُ المعنويُّ، فيُضمَرُ ما يَنصبه (^٣)، ويُجعل المذكور جاريًا مجرى التفسير.\n* * *\n_________\n(^١) ذكرته كتب التفسير دون. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٢٣٦)، و\"التفسير الوسيط\" للواحدي (٣/ ١٠٥)، و\"المحرر الوجير\" (٣/ ٤٥٠).\n(^٢) في (ك): \"توئسهم\"، وفي (ف): \"تومسهم\").\n(^٣) في النسخ: \"فيضمن ما تضمنه\". والتصويب من \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٧)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٤٨٨).","vol":"6","page":149},{"text":"<span id=\"aya-2058\"> </span>(٢٩) - ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.\n﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ تمثيلان لمنع الشَّحيح وإتلاف المبذر، نهى عنهما أمرًا بالاقتصاد الذي هو بين التَّبذير والإمساك، وأمَّا الكرم فلا اختصاصَ له ببذل النَّوال، بل يعمُّ سائر الأحوال.\n﴿فَتَقْعُدَ﴾: فتبنى عاجزًا.\n﴿مَلُومًا﴾: يلومُك النَّاسُ على الشُّحِّ، وهذا أثر المنهيِّ أولًا (^١).\n﴿مَحْسُورًا﴾: منقطعًا عن النَّفقة والتَّصرُّف بسبب التَّبذير، وهذا أثر المنهي ثانيًا.\nوالأوجه أن يكون كلاهما مرتَّبًا على الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فقد اكتُفي فيه (^٢) بما فُهم من تمثيله على أقبح وجهٍ في التَّصوير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2059\"> </span>(٣٠) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.\n﴿رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾: يوسعه ويضيِّقه لمن يشاءُ، لا لعجزٍ ولا لبخلٍ.\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ عالمًا بخفيَّات أمورهم.\n﴿بَصِيرًا﴾ بمصالحهم، فيوسع لقومٍ ويضيِّق لآخرين على مقتضى علمه وحكمته.\nويجوز أن يكون المعنى: أنَّ البسط والقبض يليق له تعالى العالِمِ بالسَّرائر\n_________\n(^١) في النسخ: \"ولا\"، والصواب المثبت.\n(^٢) في (ك) و(م): \"اكتفى به\".","vol":"6","page":150},{"text":"والظَّواهر، وأمَّا العباد فحقُّهم أن يقتصدوا، أو أنَّه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى، فاستنُّوا بسنَّته ولا تُفْرِطوا (^١) ولا تُفرِّطوا، وعلى كِلا التَّقديرَيْن يكون جاريًا مجرى الاستئناف للتَّعليل.\nويجوز أن يكون تمهيدًا لقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2060\"> </span>(٣١) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: مخافة فقرٍ، وكان هذا نهيًا عن وأدِ البنات، وكانوا يفعلونه.\n﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ لا أنتم، فلا وجهَ لقتلهم بسبب الرِّزق، وزيادة قوله:\n﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ لبيان أنَّ رزق الآباء أيضًا على الله تعالى، فكيف يتولَّى رَزْقَ الغير مَن يعجزُ عن رَزْق نفسه.\n﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ لِمَا فيه من قطع التَّناسل وانقطاع النَّوع.\nقرأ الجمهور: ﴿خِطْئًا﴾ بكسر الخاء وسكون الطاء والهمزة والقصر، وقرأ ابن عامر: (خَطَأً) بفتح الخاء والطَّاء والهمزة والقصر (^٢)، وقرأ ابن كثير: (خِطَاءً) بكسر الخاء وفتح الطَّاء والهمزة (^٣) والمدِّ (^٤).\n_________\n(^١) \"ولا تفرطوا\" من (م).\n(^٢) هي رواية ابن ذكون عنه. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠).\n(^٣) \"والهمزة\" من (م).\n(^٤) انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٩ - ١٤٠).","vol":"6","page":151},{"text":"وقال النَّحاسُ: لا أعرف لهذه القراءة وجهًا (^١)، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطًا.\nوقال أبو علي: هي مصدر خاطأ يُخاطئ، وإنْ كنَّا لا نجد: خاطأ، ولكن وجدنا: تخاطأ، وهو مطاوع خاطأ فدلَّنا عليه (^٢).\nوالخِطْءُ والخَطَأ مصدر خَطِئ يَخْطأُ كالحِذْر والحَذَر.\nويقال: خَطِئَ: إذا أثم، وأخطأ: ضدُّ تعمَّد.\nوالخِطْءُ - بالكسر - لا يكون إلَّا تعمُّدًا، والخَطَأ - بالفتح - قد يكون عمدًا، وقد يكون خطأً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2061\"> </span>(٣٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ بمباشرةِ مقدِّماته، وهذا نهيٌ عنه بأبلغ وجهٍ.\n﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾: فعلةً ظاهرةً في القبح متناهيةً فيه.\n﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾: وبئس طريقًا طريقُه، لا لأَنَّه غصب على الإبضاع؛ لأَنَّه غير لازم له، بل لأَنَّه يؤدِّي إلى النَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2062\"> </span>(٣٣) - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٤/ ١٤٧).\n(^٢) انظر: \"الحجة\" لأبي علي الفارسي (٥/ ٩٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٥٢)، و\"البحر\" (١٤/ ٦٧ - ٦٨)، وعنه نقل المؤلف.","vol":"6","page":152},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلَها بأنْ عصَمها وحقن دمها بالإسلام، أو بالعهد.\n﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلَّا بحقٍّ يوجب قتلَها كالرَّجم، أو يبيحه كالقِصاص.\nقيل: إلَّا بإحدى ثلاثٍ: كفرٍ بعد إيمانٍ، وزنًا بعد إحصانٍ، وقتلِ مؤمن معصوم عمدًا. وفيه نظرٌ ذكرناه في تفسير (^١) سورة الأنعام (^٢).\n﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ غير موجَب لقتله، ولا مبيحٍ له، سواءٌ كان محمدًا أو خطأ، فإن الظُّلم غير مشروط بالعمد، شهد (^٣) بذلك أنهم شرطوا الأوَّل في الشَّهيد دون الثَّاني.\n﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾: هو مَن له حقُّ الطَّلب بدمه شرعًا.\n﴿سُلْطَانًا﴾ تسلُّطًا بالمؤاخذة بمقتضى القتل على مَن عليه.\n﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ نهيٌ عمَّا كانت الجاهلية تفعلُه مِن قتلِ الجماعة بالواحد.\nقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتاء المخاطبة جزمًا، والخطاب للوليِّ، وقرأ الباقون بياء الغائبة جزمًا، والضمير يرجع إلى الوليِّ (^٤).\nورجوعه إلى القاتل وتوجيهُ الخطاب إليه، تأباه عبارة الإسراف؛ فإنَّ حقَّه النَّهيُ عن القتل مطلقًا.\n_________\n(^١) \"تفسير\" من (ك).\n(^٢) لم يرد أي نظر على ما ذكر من هذه الثلاثة عند تفسير شبيهتها في سورة الأنعام.\n(^٣) في (ف): \"شهيد\".\n(^٤) انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠). ونسبها لحمزة والكسائي فقط. وقال في \"البحر المحيط\" (١٤/ ٧٢): في نسخة من \"تفسير ابن عطية\": \"وابن عامر. وهو وهم\".","vol":"6","page":153},{"text":"﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ تعليلٌ للنَّهي على الاستئناف، والضَّمير للوليِّ لتناسق الضَّمائر.\nونصرُه بتسليط الله تعالى إيَّاه على القاتل، وأمرِ (^١) الولاة بمعاونته.\nووجه التَّعليل: أنَّ الوليَّ إن (^٢) أسرف في القتل وتجاوز عن حدِّ الشَّرع ينقلب عليه الأمر ويدخل تحت القاتلِ ظلمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2063\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ قد مرَّ الكلام في نظيره (^٣).\nوالنَّفسُ ميَّالة إلى المال والمباشرةِ دون القتل، ولهذا خُصَّ النَّهيُ عن القربان بالأوَّلَين.\n﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾: إلَّا بالطَّريقة الَّتي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ الطَّرائق.\n﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قد مَرَّ في (سورة الأنعام).\n﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ عامٌّ لِمَا عقده الإنسان بينه وبين ربِّه، وما عقده بينه وبين آدميِّ في غير معصية.\n﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾؛ أي: مسئولًا عنه، فحذف الجارُّ وأوصل ﴿مَسْئُولًا﴾ إلى الضَّمير، كما في قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] أي: به.\n_________\n(^١) في (ف): \"وأمره\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"إذا\".\n(^٣) \"في نظيره\" من (م)، والمراد ما جاء في شبيهة هذه الآية من سورة الأنعام.","vol":"6","page":154},{"text":"وقيل: إنَّ العهد يُسألُ تبكيتًا لناقضه، فيُقال: لم نقضْتَ؟ كما تسألُ الرَّحم عن وصلِها وقطعها.\nقيل: ويجوز أنْ يُراد: صاحبُ العهد كان مسؤولًا، وعلى هذا لا يظهر وجهٌ للعدول (^١) عن الضَّمير إلى الاسم الظاهر.\nوقيل: أي: مطلوبًا يُطلَب من العاهد أن لا يضيِّعه ويفيَ به.\nوفيه تعسُّف لفظًا ومعنًى؛ أمَّا الأوَّل فظاهر إذ حينئذٍ يكون المسؤول عدمَ تضييعه لا نفسَه، وأمَّا الثَّاني فأظهر؛ لأنَّه حينئذ لا يزيد على معنى: أوفوا بالعهد، وقد ذُكِرَ في مقام التَّعليل له على الاستئناف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2064\"> </span>(٣٥) - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.\n﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾؛ أي: لا تبخَسوا فيه، وفائدةُ قوله: ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ - أي: وقتَ كيلِكم - تضمُّنُ النَّهي عن الكيل بنقصانٍ ما ثم تكميلِه (^٢) بعد زمان.\n﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ القسطاسُ: الميزانُ صغيرًا كان أو كبيرًا، وقيل: هو القبَّان، لفظٌ روميٌّ عُرِّبَ، والإجراء على قانون لغة العرب ليس بشرط في التَّعريب على ما حقَّقناه في رسالتنا المعمولة فيه.\nو﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾: السَّويُّ.\n﴿ذَلِكَ خَيْر﴾ في الدُّنيا؛ لأنَّه أمانةٌ توجب المحمَدة والرَّغبة في معاملته.\n_________\n(^١) في (ك): \"العدول\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"تم تكميله\"، وفي (ك): \"تم كيله\". والصواب المثبت. والمراد: أنْ لا يَتأخَّرَ الإيفاءُ عن وقتِ الكيلِ، بأنْ يكيلَ به بنقصانٍ ما ثُم يوفِّيه بَعْدُ.","vol":"6","page":155},{"text":"﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾: عاقبةً، إذ لا يبقى عليه تَبعة في الآخرة، تفعيل من آل: إذا رجع. ففيه نفع الدَّارين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2065\"> </span>(٣٦) - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾.\n﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا تَتبع (^١) ما لا علم لك به من قولٍ أو فعلٍ، نهى أنْ يقولَ ما لا يعلمُ وأنْ يعملَ بما لا يعلم، ويدخل فيه التَّقليد على العمياء، يقال: قَفَوْتُه وقَفَيْتُه: إذا تَبِعْتَ أثره، ومنه القافَة (^٢) لتتبُّعهم الآثار، وقافيةُ كلِّ شيء (^٣) آخرُه.\n﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ﴾: إشارة إلى الثلاثة المذكورة، ولا اختصاص له بالعقلاء.\nقال الزَّجَّاج ووافقه الطَّبري: إنَّ العرب تعبِّر عمَّا يعقل وعمَّا لا يعقل بـ (أولئك)، وأنشد قول الشاعر:\nوالعيشَ بعدَ أولئكَ الأيَّامُ (^٤)\n_________\n(^١) بتشديد التاء وتخفيفها. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣١).\n(^٢) في (ف) و(م): \"القافية\".\n(^٣) في (ف): \"كلٍّ\"، وفي (ك): \"كلِّ بيت\".\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٢٣٩)، و\"تفسير الطبري\" (١٤/ ٥٩٦)، و\"البحر\" (١٤/ ٧٧). وفي قوله: \"ووافقه الطبري\" نظر؛ لأنَّه يوهم المتابعة، في حين أنهما متعاصران، ولفظ أبي حيان أكثر دقة حيث قال: (وحَكَى الزَّجَّاج أن العرب تُعبِّرُ عمَّن يَعْقِلُ وعمَّا لا يَعقلُ بأولئك، وأَنشدَ هو والطَّبريُّ …). والبيت لجرير. انظر: \"ديوانه\" (٢/ ٩٩٠)، وفيه: (أولئك الأقوام)، وصدره:\nذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللِّوى","vol":"6","page":156},{"text":"وإنْ نُظر إلى (^١) غلبة استعماله في العقلاء فنقول: لَمَّا كانت تلك الأعضاء مسؤولةً عن أحوالها شاهدةً على صاحبها أُجْرِيَتْ مجرى العقلاء.\n﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ ﴿عَنْهُ﴾ في موضع نصب، والضَّمير عائد على معنى ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أي: عن كلِّ واحدٍ ممَّا تقدَّم، و﴿مَسْئُولًا﴾ فيه ضمير يعود على ﴿كُلُّ﴾ (^٢) من حيث اللَّفظ، وهذا الضَّمير هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله.\nويجوز أن يكون ﴿مَسْئُولًا﴾ مسندًا إلى ﴿عَنْهُ﴾ كقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، والمجرور بالحرف لا يلتبس بالمبتدأ، ومنع تقديم الفاعل وما يقوم مقامه كان لذلك.\nولا دلالة في الآية على أنَّ العبدَ مؤاخذٌ بالعزيمة؛ إذ يجوز أن يكون ما سُئِلَ عنه الفؤاد الظُّنونَ والعقائد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2066\"> </span>(٣٧) - ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.\n﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ المشي إنَّما يكون في الأرض، فالتَّقييد به لقطع المجاز شائعٌ فيه كما في الذَّهاب.\n﴿مَرَحًا﴾ نصب على الحال؛ أي: ذا مرح (^٣)، ولا بُدَّ مِنَ التَّقدير؛ لأنَّ المبالغة المستفادةَ من التَّوصيف بالمصدر لا تناسب المقام؛ لأنَّ المرادَ النَّهيُ عن أصل المرح، لا عن المبالغة.\n_________\n(^١) \"إلى\" من (م).\n(^٢) \"كل\" زيادة من (م).\n(^٣) في النسخ: \"ذات مرح\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٦٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٥٥)، و\"البحر\" (١٤/ ٧٩).","vol":"6","page":157},{"text":"وقرئ: (مَرِحًا) بالكسر (^١).\nوالمرحُ: هو الخيلاء والكبر، وقد دلَّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨] على أنَّ المرح هو مشي المختال.\n﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ بشدَّة وَطأتك ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ بتطاوُلك، وهو تهكُّم بالمختال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2067\"> </span>(٣٨) - ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾.\n﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ﴾ قرئ بالرَّفع والإضافة إلى السَّيِّئ منه؛ لأنَّه سبق ذكر المأمور به والمنهيِّ عنه، فكان القبيح بعضَه.\nوقرئ منوَّنًا غيرَ مضافٍ (^٢)، على أنَّها خبرُ ﴿كَانَ﴾، والاسم ضمير ﴿كُلُّ﴾، والإشارة إلى المنهيات من الخصال المذكورة.\n﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ بدل من ﴿سَيِّئُهُ﴾ أو صفةٌ لها، ولا حاجة إلى الحمل على المعنى؛ لأنَّها في حكم الصِّفات، ولا اعتبار بتأنيثه، ويجوز أن يكون حالًا من المستكِنِّ في ﴿كَانَ﴾، أو [في] الظرف (^٣) على أنه صفةٌ لـ ﴿سَيِّئُهُ﴾.\nوالمراد به: المبغوض المقابل للمرضيِّ، لا ما يقابل المراد (^٤).\n_________\n(^١) نسبت ليحيى بن يعمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٧).\n(^٢) القراءة الأولى بالرفع والإضافة قراءة الكوفيين وابن عامر، والقراءة الثانية بالنصب والتنوين؛ أي: \"سيئةً\" قرأ بها الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠).\n(^٣) في النسخ: \"ظرف\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٥٥)، و\"البحر\" (١٤/ ٨١)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٥١٥).\n(^٤) في (ف): \"لا مقابل المراد\"، وفي (ك): \"لا تقابل المراد\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في=","vol":"6","page":158},{"text":"<span id=\"aya-2068\"> </span>(٣٩) - ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الأحكام المتقدِّمة ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾؛ أي (^١): من الأشياء الموضوعة في مَواضعَها، متعلق بـ ﴿أَوْحَى﴾، أو بدلٌ من ﴿مِمَّا﴾ (^٢)، أو حال من الضَّمير المنصوب المحذوف العائد على ﴿مَا﴾.\n﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ للتَّنبيه على أنَّ التَّوحيد مبدأ الأمر (^٣) ومنتهاه، ورتَّب عليه أوَّلًا ما هو عائدُه في الدُّنيا، وثانيًا ما هو نتيجته (^٤) في العُقْبى، فقال:\n﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك ﴿مَدْحُورًا﴾: مطرودًا مبعَدًا، على سبيل الإهانة والاستخفاف به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2069\"> </span>(٤٠) - ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾.\n﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ خطاب للذين قالوا: الملائكة بنات الله تعالى. والهمزة للإنكار؛ [أي] (^٥): أفخصَّكم ربُّكم على وجه الخلوص والصَّفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه.\n_________\n= \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٥٦)، وفيه: (لا ما يقابل المراد لقيام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى).\n(^١) \"أي\" من (م).\n(^٢) في (ك) و(م): \"أو بدل من ما\"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب.\n(^٣) في (ف): \"للأمر\".\n(^٤) في (ف): \"نتيجة\".\n(^٥) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"6","page":159},{"text":"﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾: بناتًا لنفسه، هذا خلاف المعقول، والتَّعبير عن البنات بالإناث لإظهار جهةِ خساستهن.\n﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بإضافة الأولاد إليه، وهي خاصَّةُ بعض الأجسام لسرعة زوالها، ثمَّ بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون، ثم بجعل الملائكة الذين هم من أشرف (^١) الخلائق أدونَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2070\"> </span>(٤١) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾: كرَّرنا هذا المعنى بوجوهٍ مِنَ التَّقرير، فتركُ الضَّمير لأنَّه معلوم.\n﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾: في مواضعَ منه، ويجوز أنْ يُرادَ بـ ﴿هَذَا الْقُرْآنِ﴾: إبطالُ إضافة (^٢) البنات إليه تعالى؛ لأنَّه ممَّا صرَّفه وكرَّر ذكره، بتقدير: ولقد صرَّفنا القولَ في هذا المعنى، أو أوقعنا التَّصريف (^٣) فيه.\nوقرئ: (صَرَفْنا) بالتَّخفيف (^٤)، وكذلك:\n﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرئ مشددًا ومخففًا (^٥)؛ أي: كرَّرناه ليتَّعظوا ويعتبروا ويطمئنُّوا إلى ما يحتجُّ به عليهم.\n_________\n(^١) في (م): \"أشراف\".\n(^٢) \"إضافة\" زيادة من (م).\n(^٣) في (ف) و(م): \"التعريف\"، وفي هامش (م): \"التصريف\".\n(^٤) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٧).\n(^٥) قرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف مخففًا، والباقي بفتحها مشددًا. انظر: \"التيسير\" (ص:١٤٠).","vol":"6","page":160},{"text":"﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التَّصريف المذكور ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ، والنُّفورُ مقابلُ الطَّمأنينة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2071\"> </span>(٤٢) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾.\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ أيَّها المشركون، والكاف في موضع نصب؛ أي: مثلَما، وقرئ بالياء (^١)، على أنَّ الكلام مع الرَّسول ﵇.\n﴿إِذًا لَابْتَغَوْا﴾؛ أي: طلبوا متواصلين ﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ﴾؛ أي: مغالَبته وإفساد ملكه، أشير إلى ذلك بالتَّعبير عنه تعالى بـ ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾.\n﴿سَبِيلًا﴾ لأنهم شركاؤه على الغرض المذكور، كما يفعل الملوك بعضُهم بعضًا، وهذا على وفق قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2072\"> </span>(٤٣) - ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزَّه تنزيهًا ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا﴾: تعاليًا ﴿كَبِيرًا﴾: متباعدًا غايةَ البُعْد عمَّا يقولون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2073\"> </span>(٤٤) - ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\n﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وينزِّه عما هو\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وحفص بالياء، والباقون بالتَّاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠).","vol":"6","page":161},{"text":"من عوارض الإمكان ولواحق الحدوث بدلالته على الصَّانع القديم الواجب لذاته قطعًا لسلسلة الحاجة.\n﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ إيُّها القاصرون عن النَّظر الصَّحيح ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ في (^١) عبارة قوله: ﴿تَفْقَهُونَ﴾ دلالة على أنَّ تسبيحهم من جنس ما يُفْهَم بدقَّة النَّظر؛ لا (^٢) من جنس ما يدرك بآلة السَّمع، فتعيَّن حمله على معنى الدِّلالة، ولم يبنَ وجهٌ للحمل على المشترك بينها وبين اللَّفظ.\n﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على الغفلة والشِّرك ﴿غَفُورًا﴾ لمن تاب منكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2074\"> </span>(٤٥) - ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾.\n﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ هو يسترك عنهم.\nعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: لما نزلت سورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]، أقبلت العوراء أمُّ جميل بنت حرب وفي يدها فِهْرٌ والنَّبيُّ ﷺ قاعد في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فلمَّا رآها أبو بكر قال: يا رسول اللّه، لقد أقبلَتْ وأخاف أن تراك، قال رسول اللّه ﷺ: \"إنها لن تراني\"، وقرأ قرآنًا، فوقفَتْ على أبي بكرٍ ولم ترَ رسولَ اللّهِ ﷺ (^٣).\n_________\n(^١) في (ف): \"وفي\".\n(^٢) في (ف): \"لأنَّه\".\n(^٣) روى نحوه البزار في \"مسنده\" (١٥)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٦٥١١) من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":162},{"text":"ومَن وهَم أنَّه حجاب الفَهْم، كأنَّه ما فَهِم أنَّه بينهم وبين القرآن، لا بينهم وبين النبي ﷺ.\n﴿مَسْتُورًا﴾ عن أعين النَّاس؛ أي: ليس من جنس الحجُب الظَّاهرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2075\"> </span>(٤٦) - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أغطيةً، جمع كنان، وإنَّما لم يقل: (وجعلنا قلوبهم في أكنَّة) مع أنَّه أبلغ في تصوير المعنى المقصود؛ للإشعار بأنَّه أمرٌ عارضٌ كسبيٌّ، لا ذاتيٌّ خَلْفيٌّ، فإنَّ كلَّ مولودٍ يُولَد على الفطرة السَّليمة.\n﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: كراهةَ أن يفقهوه (^١)، والضَّمير لما يُدْعَون إليه، ويجوز أن يكون مفعولًا لِمَا دلَّ عليه قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: منعناهم أن يفقهوه.\n﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ لم يقل: (أن يسمعوه)؛ اكتفاءً بما فُهِمَ بقرينة قرينه (^٢).\nوهذه حكايةٌ لِمَا كانوا يقولونه، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٤، ٥].\nقوله (^٣): ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (^٤) صريحٌ في أنَّ عدمَ سماعهم بسبب إعراضهم\n_________\n(^١) \"كراهة أن يفقهوه\" من (م).\n(^٢) \"قرينه\" من (ك).\n(^٣) في (ف): \"قولهم\".\n(^٤) من قوله: \" ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا﴾ …﴾ … \" إلى هنا سقط من (ك).","vol":"6","page":163},{"text":"لا لمانعٍ في آذانهم، فقولهم: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ إظهارُ كراهة منهم، لا إخبارٌ عن عارضتهم، ومَن غفل عن هذا قال: ولَمَّا كان القرآن معجزًا من حيث اللَّفظُ والمعنى أثبَتَ لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللَّفظ.\nولم يدرِ أنَّ الأوَّل موقوف على الثَّاني، فالجعل الثَّاني على تقدير كونه حقيقةً كان (^١) في الأمرين.\nوأيضًا مبنَى ما ذكره على أنْ يكون الضَّمير في ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ للقرآن، ويأباه قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ﴾ إذْ لا وجهَ للعدول عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر.\nوأيضًا ما في الآية الأخرى قوله: ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ بدلَ: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ظاهر في خلافه.\n﴿وَحْدَهُ﴾: واحدًا غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم.\nقال سيبويه: (وحدَه): اسمٌ موضوع موضعَ المصدر وهو: إيحاد، الموضوعُ موضع الحال وهو: مُوْحِد (^٢).\n﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: نافرين من استماع التَّوحيد، على أنَّ النُّفور جمعُ نافر، كشهود في جمع شاهد، ويجوز أن يكون مصدرًا على غير الصَّدر (^٣)، أو كان قوله: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ بمعنى: نفروا، وهذا دليل على أنهم قادرون على الاستماع، لا وقر في آذانهم حقيقةً.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"كما\".\n(^٢) انظر: \"الكتاب\" (١/ ٣٧٦ - ٣٧٨)، و\"البحر\" (١٤/ ٩١).\n(^٣) في النسخ: \"المصدر\"، والصواب المثبت. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٩٦)، و\"البحر\" (١٤/ ٩١).","vol":"6","page":164},{"text":"<span id=\"aya-2076\"> </span>(٤٧) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾: بسببه الدَّاعي إلى الاستماع؛ مِن الهزء بك وبالقرآن، ومن اللَّغو.\n﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ظرف لـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وكذا: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾: يتناجَوْنَ بالطَّعْنِ في القرآن؛ أي: نحن أعلم بغرضهم من الاستماع في حالَتي الإصغاء والإعراض بالتَّناجي.\nو﴿نَجْوَى﴾: مصدر، ويحتمل أن يكون جمع نَجِيٍّ.\n﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ بدلٌ من ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ على وضع (الظالمين) موضعَ الضَّمير للدِّلالة على أن تناجيَهم بقولهم هذا.\nوالمسحورُ: مَنْ سُحِرَ فاختلَّ به عقلُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2077\"> </span>(٤٨) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ في أمر الحشر والبعث، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨].\nوإنَّما قال هنا: ﴿الْأَمْثَالَ﴾ لأنَّهم ضربوه بعبارات شتَّى وصورٍ متعدِّدة.\nوقيل: مثَّلوك بالشَّاعر والسَّاحر والكاهن والمجنون.\nويردُّه أنَّهم ما مثَّلوه ﵇ بما ذُكِرَ (^١)، بل قالوا تارةً: إنه ساحر، وأخرى:\n_________\n(^١) \"بما ذكر\" من (م).","vol":"6","page":165},{"text":"إنه شاعر ..، إلى غير ذلك، وأيضًا لو كان المعنى ما ذكر لقيل: فيك، لا ﴿لَكَ﴾؛ لأنَّه ﵇ حينئذ يكون (^١) مَن ضُرِبَ فيه الأمثال.\n﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحقِّ ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2078\"> </span>(٤٩) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.\n﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا﴾ بيانٌ لِمَا ضربوه، ولولا الفَصْلُ بينه وبين المبيَّن بالجمل التَّفريعيَّة لكان حقُّه التَّصديرَ بالفاء التَّفصيليَّة.\nوالعامل في (إذا) ما دلَّ عليه ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾، تقديره: أنُبعث إذا كنَّا عظامًا، والاستفهام للإنكار.\n﴿وَرُفَاتًا﴾ صدِّر بالواو العاطفة إخراجًا له مخرجَ الاستقلال في كونه منشأً للاستبعاد.\nوالرُّفاتُ: الأجزاء المفتَّتة (^٢) مِنْ كلِّ شيء مكسَّر، ولمَا فيه من زيادة معنى التَّفتُّت أُوثرَ على الحُطَام، ولم يُلْتَفَتْ إلى ما فيه من صنعة الجناس.\n﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ على الإنكار والاستبعاد لِمَا بَيْن غضاضة الحيِّ ويبوسة الرَّميم من المباعدة والمنافاة. و﴿خَلْقًا﴾: مصدر أو حال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2079\"> </span>(٥٠) - ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾.\n﴿قُلْ﴾ جوابًا لهم: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ردَّ قوله: ﴿كُونُوا﴾ على قولهم:\n_________\n(^١) \"يكون \"من (م).\n(^٢) في (ك): \"المتفتتة\".","vol":"6","page":166},{"text":"﴿كُنَّا﴾، كأنَّه قيل: كونوا حجارة أو حديدًا ولا تكونوا عظامًا، فإنَّه يقدر على إحيائكم، أوثر في الحجارة صيغةُ الجمع رعاية للمناسبة لـ ﴿كُونُوا﴾، والعدول في الحديد إلى صيغة الإفراد لِمَا في مفرده من صنعة (^١) الجناس مع الجديد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2080\"> </span>(٥١) - ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.\n﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ أي: ممَّا يكبر عندكم عن قَبول الحياة؛ لكونه أبعد شيء منها، فإنَّ قدرته تعالى لا تقصُر عن إحيائكم؛ لاشتراك الأجسام في قَبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظامًا ورفاتًا وقد كانت غضَّة موصوفة بالحياة قبلُ (^٢)؟! والشَّيء أصلٌ لِمَا عهد فيه مما لم يُعهد.\nوإنَّما قال: ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ لأنَّ أثر الاستعظام البليغ يظهر فيها، فإنَّ القلب يضطرب عند ذلك لِمَا يعتريه من الخشية.\n﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكنتم ترابًا، وما هو أبعدُ منه من الحياة.\n﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ يقال: أنغضَ رأسَه؛ أي: حرَّكه كالمتعجِّب من الشَّيء، وكلُّ حركة في ارتجاف نَغْضٌ.\nوالعدول من التَّعدية إلى (إلى) لتضمُّنه التَّوجُّه والالتفات.\n_________\n(^١) في (ف): \"صنعة\"، وسقطت \"من\" من (ك) و(م).\n(^٢) في (ف): \"قيل\".","vol":"6","page":167},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ انتصابه على الخبر أو الظَّرف، و﴿أَنْ يَكُونَ﴾ اسم ﴿عَسَى﴾، أو خبره والاسم مضمر.\nأجابهم بقرب وقوعه، لا لأنَّ كلَّ آتٍ قريبٌ، بل لأنَّه مضى أكثر الزَّمان وبقي أقلُّه.\nولم يجبهم (^١) بتعيين وقته لأنَّ ذلك مما استأثره اللّه تعالى بعلمه.\nولم يوردوا تلك الأسئلة استرشادًا بل عنادًا واستهزاءً، وقد أُخْرِجَتْ أجوبتهم بطريق الجِدِّ (^٢) والتَّحقيق وعدم المبالاة باستهزائهم، وفيه نوعُ تمهيد للأمر بحسن المجادلة الآتي ذكرُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2081\"> </span>(٥٢) - ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ بدلٌ من ﴿قَرِيبًا﴾.\nوالدُّعاءُ: النِّداء إلى المحشر بكلامٍ يسمعه الخلائق؛ قال ﵇: \"إنَّكم تُدْعَونَ يوم القيامة بأسمائكم وأسماءِ آبائكم، فأحسِنوا أسماءَكم\" (^٣).\n﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ الاستجابة: موافقة الدَّاعي فيما دعَا إليه بالفعل لأجْل دعائه.\n_________\n(^١) في (ك): \"يجئهم\".\n(^٢) في (ك): \"الحد\".\n(^٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١٦٩٣)، وأبو داود (٤٩٤٨)، من طريق عبد اللّه بن أبي زكريا الخزاعي عن أبي الدرداء ﵁، ولم يسمع عبد اللّه من أبي الدرداء ﵁. انظر: \"المراسيل\" (ص: ٩٧).","vol":"6","page":168},{"text":"﴿بِحَمْدِهِ﴾ حال منهم؛ أي: حامدين لله (^١) تعالى على الإحياء، أو على كمال قدرته؛ عن سعيد بن جبير ﵁: ينفضون التُّراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك (^٢).\n﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (تظنون) معلَّقة عن العمل، فالجملة بعده في موضع نصب، وقلَّما ذكر النَّحويُّون في أدوات (^٣) التَّعليق (إنْ) النَّافية.\nوانتصاب ﴿قَلِيلًا﴾ على أنَّه نعتٌ لزمانٍ محذوفٍ؛ أي: إلَّا زمانًا قليلًا؛ كقوله: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣]، ويجوز أن يكون نعتًا لمصدرٍ محذوفِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2082\"> </span>(٥٣) - ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.\n﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين ﴿يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الكلمةَ التي هي أحسن، ولا يخاشِنوا المشركين.\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾: يلقي بينهم الفساد بالوسوسة، ويغري بعضهم على بعض لتقعَ بينهم المشارَّة (^٤) والمشاقَّة، وقد مَرَّ في آخر (الأعراف) تحقيق معنى النَّزغ.\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: ظاهرَ العداوة.\n_________\n(^١) في (ف): \"الله\".\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٧/ ٢٣٣٤).\n(^٣) في (ك): \"أداة\"، وفي (م): \"أدات\".\n(^٤) المشارَّة: المخاصمة. انظر: \"مختار الصحاح\" (مادة: شرر).","vol":"6","page":169},{"text":"أُمِروا بحسن المجادلة، ونُبِّهوا على أنَّه قد يكون من الشيطان إجراء (^١) وإغواء، وذُكِّروا بعداوته القديمة لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2083\"> </span>(٥٤) - ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ بالتَّوفيق للإسلام ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ بالإماتة على الكفر.\nوكلمة ﴿أَو﴾ للدلالة على الانفصال الحقيقي بين الشَّيئين.\nوالجملة تفسير لـ ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وما بينهما اعتراض؛ أي: قولوا لهم هذه الكلمة ونحوَها، ولا تصرِّحوا بأنَّهم مِن أهل النَّار؛ فإنه يَهيجهم على الشَّرِّ.\nقيل: مع أنَّ ختام أمرهم غيبٌ لا يعلمه إلَّا الله.\nوفيه: أنَّ الظَّاهر عموم النَّهي للتَّصريح بما ذُكِرَ، ولو كان مؤوَّلًا بمعنى: أنَّ عملَهم عملُ أهل النَّار، وهذه الضَّميمة لا تصلح علَّة له.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: موكولًا إليك أمرهم تقسرهم على ما أُمروا به.\nوإنما قال: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ دون: إليهم؛ إفادةً لمعنى القسر والإلجاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2084\"> </span>(٥٥) - ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"إعزاء\".","vol":"6","page":170},{"text":"﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيختارُ منهم لنبوَّته وولايته مَن يليقُ بهما (^١)، وهو رَدٌّ لاستبعاد قريش أن يكون يتيمُ أبي طالب نبيًّا، وأن يكون العراةُ الجُوَّعُ أصحابَه.\n﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ بالرِّسالة، وبكونه صاحب شريعة، وبكونه من أولي العزم، وبكونه خاتم الأنبياء.\n﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ يعني: أنَّ (^٢) داود ﵇ وإن لم يكن من أولي العزم، ولا صاحبَ شريعة، لكنَّه من جملة المفضلين بالرِّسالة، حيث أوتي كتابًا، وقد مَرَّ ما يتعلق بالزَّبور من الكلام في آخر سورة النِّساء (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2085\"> </span>(٥٦) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.\n﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّها آلهة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، كالملائكة وعُزَيرٍ والمسيح ﵈.\n﴿فَلَا يَمْلِكُونَ﴾: فلا يستطيعون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ كالمرض والفقر (^٤) والقحط ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾: ولا تحويلَ ذلك منكم إلى غيركم.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"بها\".\n(^٢) \"أن\" من (م).\n(^٣) لم يرد هناك سوى قوله: (وقرئ: ﴿زَبُورًا﴾ بالضم، وهو جمع زِبْرٍ بمعنى مَزبورٍ).\n(^٤) في (ف): \"والقهر\".","vol":"6","page":171},{"text":"<span id=\"aya-2086\"> </span>(٥٧) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي: يدعونهم آلهةً (^١) ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: القُرْبَة بالطَّاعة.\n﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ بدل من واوِ ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: ينبغي مَن هو أقربُ منهم إلى الله الوسيلة، فكيف بغيرِ الأقرب؟!\n﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ كسائر العباد، فكيف يزعمون أنهم آلهة؟!\n﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾: حقيقًا بأنْ يَحذره كلُّ أحدٍ حتى الملائكة والرُّسل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2087\"> </span>(٥٨) - ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.\n﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾: مخرِّبوها ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ عن مقاتل: وجدت في كتب الضَّحَّاك في تفسير هذه الآية: أمَّا مكَّة فيخربها الحبشة، وتهلك (^٢) المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالتُّرك، والحبال بالصَّواعق والرَّواجف، ثمَّ ذكرها بلدًا بلدًا (^٣).\n_________\n(^١) في النسخ: \"يدعون آلهة\"، والصواب المثبت، يعني: أولئك الذين يدعونهم ويسمونهم آلهة. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ١٠٦)، و\"البحر\" (١٤/ ١١٠)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ٥٦٠).\n(^٢) \"تهلك\" سقط من (ك).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٧٤).","vol":"6","page":172},{"text":"﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا﴾، أي: معذِّبو أهلِها، على أنَّ المجاز في الإسناد دون المسنَد، وإلَّا لقيل: أو معذِّبوهم.\n﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل وأنواع البليَّة.\n﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾: في اللَّوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾: مكتوبًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2088\"> </span>(٥٩) - ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.\n﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ المقترَحة، استُعير المنع للتَّرك؛ للمبالغة، ولا يجوز استعارته للصرف؛ لأنَّه أيضًا ممتنعٌ في حقِّه تعالى.\nوالباء للتَّعدية، فإنَّ أرسل يتعدى بنفسه وبالباء، قال كُثَيرٌ:\nلقدْ كذبَ الواشونَ ما بُحْتُ عندَهم … بِسِرٍّ ولا (^١) أرسلْتُهم برسولِ (^٢)\n﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾: إلَّا لتكذيب أمثالهم في الطَّبع من الأمم السَّالفة كعاد وثمود؛ يعني أنَّها لو أُرْسِلَتْ لكذَّبوا بها تكذيبَ أولئك الأمم، واستوجبوا الاستئصال على مقتضى مستثناه، وهو خلاف مقتضى الحكمة، لا لأنَّ فيهم مَن يؤمنُ؛ لأنَّه غير مانع مِن (^٣) استئصال المعاندين خاصَّة كما وقع في قوم نوح ﵇، بل لأنَّ فيهم مَنْ يلد مَن يؤمن.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"وما\".\n(^٢) انظر: \"ديوانه\" (ص: ٢٧٨) وفيه: (بليلى) بدل \"بسر\"، و(برسيل) بدل \"برسول\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"عن\".","vol":"6","page":173},{"text":"ثمَّ ذكرَ بعضَ مَنْ كذَّبَ بالآيات المقترحة فاستؤصِلَ بقوله:\n﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ باقتراحهم ﴿مُبْصِرَةً﴾ نصب على الحال، وهي قراءة الجمهور، وقرئ بالرَّفع (^١) على إضمار مبتدأ؛ أي: هي مبصرةٌ، أضيف الإبصار إليها مجازًا لَمَّا كانت يبصرها النَّاسُ.\nوقرئ: (مَبْصَرَةً) بفتح الصَّاد، اسم مفعول (^٢).\n﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: جحدوا بها.\n﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ المقترَحة ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ من نزول العذاب المستأصِل، وإن لم يخافوا نزل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2089\"> </span>(٦٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾: واذكر إذ أوحينا إليك ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ فهُم في قبضة قدرته، وأحاط بقريش؛ أي: أهلكهم؛ يعني في وقعة بدر، والتَّعبير بالماضي لتحقُّق وقوعه.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ ليلةَ المعراجِ، وكانت رؤيةَ عينٍ إلا أنَّها لَمَّا كانت باللَّيل سُمِّيَت (^٣) رؤيا، كما يُقال: بات يفعل كذا: إذا فعل ليلًا، فيسمَّى ما يفعله:\n_________\n(^١) نسبت لزيد بن علي. انظر: \"البحر المحيط\" (١٤/ ١١٤).\n(^٢) نسبت لقتادة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٦٧).\n(^٣) \"سميت\" سقط من (ف) و(م).","vol":"6","page":174},{"text":"بيوتةً (^١) وإنْ لم يكن نومًا، فلا متمسَّك فيه (^٢) لمن زعم أنَّها كانت في المنام، بل نقول: إنْ تمسَّكَ به يكون حجَّةً عليه لا له؛ لأنَّ رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحدٌ ينكرها، وقد كانت تلك الرؤية فتنة على ما نطقَ به قوله:\n﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ وهي ارتدادُ قومٍ من المسلمين حين أخبرهم النَّبيُّ ﵇ أنَّه أُسْرِيَ به.\n﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ عطف على ﴿الرُّؤْيَا﴾، وهي شجرة الزَّقُّوم، واللَّعنُ لطاعمها، وإنَّما وصفت هي به مجازًا للمبالغة، أو قيل ذلك لأنَّها في أَبْوَرِ مكانٍ من الرَّحمة، وهي أصل الحميم، أو لأنَّها مكروهة، ويأباهما قوله:\n﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ قال أبو جهل ومَنْ معه: هذا محمَّد يتوعَّدكم بنار تحرق الحجارة، ثمَّ يزعم أنها تنبت الشَّجرة، والنَّار تحرق الشَّجرة؟! وما نعرف الزَّقُّوم إلَّا التَّمر بالزُّبد. ثمَّ أمرَ أبو جهل جاريةً له فأحضر تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه: تزقَّموا، فافتتن بهذه المقالة (^٣) بعضُ الضعُّفاء (^٤).\nولم (^٥) يعلموا أنَّ مَنْ قدرَ أن يحمي وَبَر السَّمندل (^٦) من أن تأكله النَّار،\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"سيّوتة\".\n(^٢) \"فيه\" من (م).\n(^٣) في (م): \"المقابلة\".\n(^٤) روى نحو هذه القصة الإمام أحمد في \"المسند\" (٣٥٤٦)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٧٢٠)، وانظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٦٨).\n(^٥) في (ف) و(م): \"وما\".\n(^٦) في (ف) و(م): \"من وبور السمندر\". والسمندل: طائر بالهند لا يحترق بالنار، وسماه بعض أهل اللغة: سندل بغير ميم، ومنهم من سماه: سمند بغير لام، وقيل: إنه حيوان كالفأر، ولك أن تقول: إنه فارسيّ بالراء - كما وقع في أشعارهم - وعرب باللام. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤٥).","vol":"6","page":175},{"text":"وأحشاءَ النَّعامة من أذى الجمر، قدرَ أن يخلق في النَّار شجرةً لا تحرقها.\nوقرئ بالرَّفع على الابتداء (^١)، والخبر محذوف؛ أي: والشَّجرةُ الملعونةُ في القرآنِ كذلك.\n﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بأنواع التَّخويف ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ التَّخويف ﴿إِلَّا طُغْيَانًا﴾: عتوًّا ﴿كَبِيرًا﴾: متجاوزًا عن الحدِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2090\"> </span>(٦١) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه. ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: لمن خلقتَه من طينٍ، فنصب على نزع الخافض، ويجوز أن يكون حالًا من الرَّاجع إلى الموصول؛ أي: خلقتَه وهو طين، إنكارٌ وتعليل على ما صرَّح به في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، أو من الموصول؛ أي: أسجد له وأصله (^٢) طين؟! وَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يضيع قوله: (خلقته).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2091\"> </span>(٦٢) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٧٦)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ١٢١).\n(^٢) في (ف): \"وهو\"، والمثبت من باقي النسخ، وعبارة \"الكشاف\" (٢/ ٦٧٦) جمعت بينهما، حيث قال: (حال من الموصول والعامل فيه (أسجد)، على: أأسجد له وهو طين، أي: أصله طين).","vol":"6","page":176},{"text":"﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ الكاف للخطاب لا محل له من الإعراب على ما مرَّ تحقيقه في سورة الأنعام، و﴿هَذَا﴾ مفعول أوَّل، و﴿الَّذِي﴾ صفتُه، والمفعول الثَّاني محذوف لدلالة صلته عليه.\nوالمعنى: أخبرني عن هذا الذي كرَّمته عليَّ بأمري بالسُّجود له لِمَ كرمته عليَّ؟! والإكرامُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحمَدُ عليه، وتعديته بـ (على) لتضمُّنه معنى التَّفضيل.\n﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ كلام مبتدأ، واللَّام موطِّئة للقسم، وجوابه:\n﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾: لَأقود منهم حيث شئتُ، من قولهم: حنكْتُ الفرسَ: إذا جعلْتَ في فيه الرَّسَن، وكذلك: احتَنكْتُه.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا أقدر على أن أقاوم شكيمتَهم، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥].\nقال الحسنُ: ظنَّ ذلك لأنَّه وسوسَ [إلى] آدمَ ﵇ فلم يجد له عزمًا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2092\"> </span>(٦٣) - ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.\n﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ لشأنك الذي اخترتَه. أمره أمرَ إهانةٍ، وعقَّبه بذكر ما جزاه بسوء فعله من جزائه وجزاء أتباعه فقال:\n﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾: جزاؤك وجزاؤهم، فغلَّب المخاطب على الغائب.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ١١٧)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"6","page":177},{"text":"﴿جَزَاءً﴾ نصبٌ على المصدر بإضمار فعله، أو بما في ﴿جَزَاؤُكُمْ﴾ من معنى: تُجازَون، أو حالٌ موطِّئة لقوله:\n﴿مَوْفُورًا﴾: مكمَّلًا لا نقصان فيه عن قَدْرِ الاستحقاق، مِنْ وَفَرْتُه وَفْرًا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2093\"> </span>(٦٤) - ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.\n﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾: واستَخِفَّ، أصله القطع بشدَّةٍ، يقال: فزَّزَ الثَّوبَ: إذا قطَّعه بشدَّةِ تخريق، والمعنى (^٢): استَزِلَّه بقطعك إيَّاه عن الحقِّ.\n﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ أن تستفزَّ ﴿بِصَوْتِكَ﴾: بدعائك إلى الفساد.\n﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ الإجلاب: السَّوق بجلَبَةٍ من السَّائق، وهو الصِّياح.\n﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾: بأعوانك من راكب وراجلٍ، والرَّجْل: اسم جمعٍ لراجل، كرَكْبٍ وصَحْبٍ، اسم جمعِ راكبٍ وصاحبٍ.\nوقرئ بكسر الجيم (^٣)، [وبالضم] وهي لغة فيه كنَدِسٍ ونَدُسٍ (^٤).\n﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ بحملهم على جمعها من غير وجهها (^٥) وإنفاقها في غير حقِّها.\n_________\n(^١) \"وفرًا\" ز من (م).\n(^٢) في (ف): \"المعنى\".\n(^٣) قرأ حفص بكسر الجيم، والباقون بإسكانها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠).\n(^٤) في (ك) و(م) \"كفرس ونوس\"، وفي (ف): \"كفرس وندس\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٦٧٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦١)، وما بين معكوفتين منهما.\n(^٥) \"من غير وجهها\" من (م).","vol":"6","page":178},{"text":"﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ بالحثِّ على تحصيلهم بالوجه المحرَّم، والاشتراك فيهم بتسميتهم بعبد العُزَّى ونحوه، والتَّضليل بالحمل على الأديان الزَّائغة.\n﴿وَعِدْهُمْ﴾ المواعيدَ الباطلة، كشفاعة الآلهة والاتِّكال على كرامة الآباء، وتأخير التَّوبة بطُول الأمل.\n﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ اعتراضٌ لبيان مواعيده. والغرورُ: ما اغتُرَّ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2094\"> </span>(٦٥) - ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.\n﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المخلصين، والإضافة للتَّشريف.\n﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾: على إغوائهم ﴿سُلْطَانٌ﴾: قدرة (^١).\n﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (^٢) يتوكَّلون به في الاستعاذة منك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2095\"> </span>(٦٦) - ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.\n﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾؛ أي: هو الذي يزجي، والإزجاءُ: السَّوق.\n﴿لَكُمُ﴾: لمنافعكم ﴿الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: من رزقه.\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث سهَّلَ لكم ما تعسَّر من أسبابه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"وقدرة\".\n(^٢) \"لهم\" من (م).","vol":"6","page":179},{"text":"<span id=\"aya-2096\"> </span>(٦٧) - ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.\n﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾: خوفُ (^١) الغرق ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ﴾: ذهب عن أوهامكم (^٢) مَن تدعونه في حوادثكم.\n﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وحدَه؛ فإنَّه حينئذ لا يخطر ببالكم سواه، ولا تدعون لكشفه إلَّا إيَّاه.\nوقيل: ضَلَّ كلُّ مَنْ تعبدونه من إعانتكم إلَّا إيَّاه.\nوفيه: أنَّ هذا المعنى لا اختصاص له بوقتِ الخوف.\n﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾: خلَّصكم عن هول البحر وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإخلاص في العبادة.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ كالتَّعليل للإعراض، ولم يخاطبهم بذلك، بل أسنده إلى الجنس لطفًا بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2097\"> </span>(٦٨) - ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾.\n﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاء للعطف على محذوفٍ تقديره: أنجوْتُم فأمِنْتم فحملكم ذلك على الإعراض.\n﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ الخسفُ: أنْ تُهارَ الأرضُ بالشَّيء، وتعديتُه بنفسه، و﴿بِكُمْ﴾ حالٌ؛ أي: مصحوبًا بكم.\n_________\n(^١) في (ك): \"فرق\".\n(^٢) \"عن أوهامكم\" من (م).","vol":"6","page":180},{"text":"قال الجوهري: خَسَفَ به الأرضَ؛ أي: غاب به فيها (^١).\n﴿جَانِبَ الْبَرّ﴾: ناحيةُ الأرض، وسمَّاه جانبًا؛ لأنَّه يصير بعد الخسف جانبًا.\n﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾: ريحًا تَحصِبُ؛ أي: ترمي بالحصباء رميًا متتابعًا.\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ يحفظكم من ذلك. وفي (^٢) عبارة ﴿ثُمَّ﴾ إشارةٌ إلى أنَّه تعالى يحفظهم مرَّة، ولا يعود إليه بعد الكفران والعودِ إلى الشِّرك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2098\"> </span>(٦٩) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.\n﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ (^٣): في البحر، لم يقل: (إليه)؛ إذ لا يلزم من العود إلى الشَّيء التَّلبّس (^٤) به.\n﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ بخَلْق الدَّاعي إلى ذلك.\n﴿فَيُرْسِلَ (^٥) عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾: لا تمرُّ بشيءٍ إلا قصَفته؛ أي: وكسرته بشدَّة.\n﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ قرئ بالتَّاء (^٦)، على إسناده إلى ضمير الرِّيح.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: خسف).\n(^٢) في (ف): \"في\".\n(^٣) في (م): \"نعيدكم\" بالنون، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، قرأا: (أن نخسف) (أو نرسل) (أن نعيدكم) (فنرسل) (وفنغرقكم) بالنُّون في الخمسة، وقرأ باقي السبعة بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠).\n(^٤) في (ف): \"التلبيس\".\n(^٥) في (م): \"فنرسل\"، وهي قراءة سبعية كما تقدم.\n(^٦) قرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٠٨).","vol":"6","page":181},{"text":"﴿بِمَا كَفَرْتُمْ﴾: بسبب كفرانكم نعمة الإنجاء.\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ﴾: بسبب ما فعلنا ﴿تَبِيعًا﴾: مُطالبًا به (^١) يَتْبعنا بانتصار. قال الفرَّاء: التَّبيعُ: طالبُ الثَّأرِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2099\"> </span>(٧٠) - ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ تكريمًا مشتركًا فيما بينهم، بحيث لا يختصُّ ببعض دون آخر (^٣)، ولهذا أتى بصيغة الجمع، والمراد: الكرامة البدنيَّة، ولهذا عبَّرَ عنهم بوصف البنوَّة.\nوعبارته وإن كانت لم تتناول آدم ﵇، لكن دلالته متناولة له ﵇، وذلك أنَّ ترتيب التَّكريم على وصف البنوَّة المضافة إليه لا تخلو عن دلالة على أنَّه ﵇ منشأُ التَّكريم ومبدؤه، فلا حاجة إلى تأويل بني آدم بنوع الإنسان، بل لا وجه له؛ إذ حينئذ تفوت الدِّلالة على التَّكريم المشترك (^٤).\nولما أَبهم في جهة التَّكريم للتَّعظيم، وأَتى بالتَّعميم في جانب المكرَّم حيث ذكره بصيغة الجمع النَّصِّ في التَّكثير، دون اسم الجنس المحتمِل للقليل والكثير (^٥)،\n_________\n(^١) \"به\" سقط من (ك).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ١٢٧).\n(^٣) في (ف): \"دون بعض آخر\".\n(^٤) \"المشترك\" من (م).\n(^٥) في (م): \"للقليل والتكثير\"، وفي (ف): \"التقليل والكثير\". والمثبت من (ك)، ويصح أيضًا: \"للتقليل والتكثير\".","vol":"6","page":182},{"text":"تضمَّنَ أوَّل الكلام وآخره المبالغة، فكان أحرى أن يصدَّر طرف الكلام بحرف التَّأكيد مرَّة بعد أخرى.\nقيل: ومن جملة كرامته أنَّ كلَّ حيوان يتناول طعامه بفمه إلَّا الإنسان، فإنَّه يرفعه إليه بيده.\nوفيه نظر؛ لأنَّ القردة مع أنَّها من الحيوانات الخسيسة تشاركه فيما ذكر، فلا يصلح كرامةً، ولا أنْ يُعَدَّ خاصيَّة له.\n﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾؛ أي: حفظناهم فيهما، فإنَّ الحمل يتضمَّن الحفظ عادة، حتى لم تُخسف بهم الأرض، ولم يُغرقهم الماء، أو: حملناهم على الدَّوابِّ والسُّفنِ، من حملْتُه: إذا جعلْت له ما يركبه.\n﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ مِنْ ضُروب الملاذِّ وفنون النِّعَم ما لم يجعله لشيءٍ من سائر (^١) الحيوانات.\nلَمَّا فرغَ عن تفصيل بعض (^٢) وجوه تكريمهم (^٣) البدنيِّ شرعَ في الإخبار عن تكريمهم النَّفسانيِّ، وأجملَ فيه إشعارًا بقصور العبارة عن تفصيله.\n﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ تفضيلًا مشتركًا كذلك ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ بالشَّرف والكرامة.\nأتى بالتَّأكيد هاهنا اهتمامًا لكونه معنويًّا، بخلاف تلك الأحوال الثَّلاثة، ولأنَّ\n_________\n(^١) في (م): \"شيء لسائر\".\n(^٢) \"بعض\" من (م).\n(^٣) بعدها في (م) زيادة: \"لواحد\"، ولا يظهر لذكرها معنى.","vol":"6","page":183},{"text":"الأحكام المذكورة من شواهد هذا (^١) الحكم، فكأنَّ شهاداتها تأكَّدَتْ بعضُها ببعض، فظهر أثر تلك الشَّهادات في الدَّعوى.\nولَمَّا كان سياق الكلام في النِّعم المشتركة بين أفراد الإنسان شريفِها وخسيسِها - على ما نبَّهت عليه آنفًا - ظهرَ وجه تخصيص الحكم المذكور بالكثير؛ فإنَّ كلَّ فردٍ من أفراد الإنسان غيرُ مفضَّل على جميع ما عداها، وذلك ظاهر فيه (^٢)، ولا دلالة فيه (^٣) على عدم تفضيل جنسه على جنس الملائكة؛ لأنَّ في تفضيل جنسٍ على جنسٍ آخر لا حاجة إلى تفضيل جميع أفراد الثَّاني، بل يكفي تفضيل فردٍ من الأوَّل على جميع أفراد الثَّاني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2100\"> </span>(٧١) - ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\n﴿يَوْمَ نَدْعُو﴾ نصب بإضمار (اذكر)، أو ظرفٌ لِمَا دلَّ عليه ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾.\nوقيل: هو على الإغراء؛ أي: احذروا يوم ندعو.\n[وقرئ: (يُدْعَو)] على قلب الألف واوًا في لغةِ مَن يقول: أَفْعَو، [في: أَفْعَى]، ويجوز أن يقال: إنها علامة الجمع، كما في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، أو ضميرُه، و﴿كُلَّ﴾ بدل منه، والنونُ محذوفة لقلَّة المبالاة بها؛ فإنَّها ليست إلا علامة الرَّفع، وهو قد يقدَّر كما في: يدعى (^٤).\n_________\n(^١) \"هذا\" من (م).\n(^٢) \"فيه\" سقط من (ك).\n(^٣) \"فيه\" من (م).\n(^٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦٢)، والكلام وما بين معكوفتين منه. وانظر القراءة المذكورة أيضًا =","vol":"6","page":184},{"text":"﴿كُلَّ أُنَاسٍ﴾: كلَّ جماعةٍ من الإنس. والأناس (^١): أصل النَّاس، وهو اسم جمعٍ، وقد مرَّ بيانه في أوائل سورة البقرة.\n﴿بِإِمَامِهِمْ﴾: بمن ائتموا به من نبيٍّ أو مقدَّمٍ في الدِّين أو كتابٍ أو دِين.\nوقيل: بكتاب أعمالهم؛ فإنه يرجع إليه في تعرّف الأعمال.\nويردّه: أنَّ المدعوَّ إلى كتاب الأعمال كلُّ واحد من الإنس، لا كلُّ جماعة منه؛ لعدم الاشتراك بين الاثنين في كتابٍ واحدٍ.\nوقيل: بأمَّهاتهم، جمع أمٍ، كخِفافٍ في جمع خُفٍّ، والحكمة في ذلك: إجلال عيسى ﵇، وإظهار شرف الحسنينِ، وأن لا يفتضح [أولاد] الزنا (^٢).\nويردُّه أيضًا ما أشرنا إليه من كلِّ أمٍّ ليست مما يشترك فيه (^٣) جماعة من الإنس.\nثم إنَّ ثالث ما ذكر من وجوه الحكمة مردودٌ بما ذكر في الصَّحيحَيْن من الحديث الدَّال على أنَّ النَّاس يُدعَوْن في الآخرة بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم (^٤).\n_________\n= في \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٧٣)، و\"البحر\" (١٤/ ١٣٧)، ونسباها للحسن.\n(^١) في (ف): \"وأناس\"، وسقطت من (ك).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٨٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦٢)، وما بين معكوفتين منهما.\n(^٣) في (ك): \"فيها\"، وفي (م): \"فيهما\".\n(^٤) يشير إلى ما رواه البخاري (٦١٧٧)، ومسلم (١٧٣٥)، من حديث ابن عمر ﵁، ولفظ مسلم: \"إذا جَمَعَ اللّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ يومَ القيامة يُرْفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ فيقالُ: هذه غَدْرةُ فلانِ بنِ فلانٍ\"، قال القرطبي: (فقولُه: \"هذه غدرة فلان ابن فلان\" دليلٌ على أن الناس يُدْعَون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يَرُدُّ على مَن قال: إنما يُدْعَوْن بأسماء أُمَّهاتهم لأن في ذلك سَترًا على آبائهم). انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ١٣١). قلت: وأوضح منه ما رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١٦٩٣)، وأبو داود (٤٩٤٨)، من حديث أبي الدرداء ﵁، لكن إسناده ضعيف لانقطاعه، وقد تقدم في تفسير هذه السورة عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾.","vol":"6","page":185},{"text":"﴿فَمَنْ أُوتِيَ﴾ من المدعوِّين ﴿كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾؛ أي: كتابَ عمله.\n﴿فَأُولَئِكَ﴾ أورده جمعًا على معنى (مَن)، وقد حُمل على اللفظ أوَّلًا فأُفرد في قوله: ﴿كِتَابَهُمْ﴾، وفي قوله: ﴿بِيَمِينِهِ﴾.\n﴿يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ لكمال صحوهم، ووفور عقلهم، والذين يؤتَون كتابهم بشمالهم فهم لتحيُّرهم وتردُّدهم لا يقرؤون كتابهم، وأشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] حيث لم يذكر (^١) القراءة فيه.\nوفي قوله: ﴿يَالَيْتَنِي﴾ دلالة ظاهرة على أنَّه لا يحبس ألسنتهم عن التَّكلُّم، وتعليق القراءة على إتيان الكتاب باليمين لا يخلو عن الدِّلالة على ما أشير (^٢) إليه بعدم ذكر القراءة في مقابله.\n﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: لا يُنقصون عمَّا يَستحِقُّون من الجزاء أدنى شيءٍ، وقد مرَّ شرح الفتيل في سورة النِّساء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2101\"> </span>(٧٢) - ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\n﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾؛ أي: مَن كان في هذه الدَّار أعمى عن النَّظر في آيات اللّه تعالى وغيره فهو في الآخرة أعمى.\nولما نزل هذه الآية جاء عبد اللّه بن أمِّ مكتوم إلى رسول الله ﷺ وقال:\n_________\n(^١) في (ك): \"يذكروا\".\n(^٢) في (ف): \"يشير\".","vol":"6","page":186},{"text":"يا رسول اللّه، أنا في الدُّنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فأنزل اللّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (^١).\nفلا دلالةَ فيما ذكر على أنَّ مَنْ أوتي كتابَه بشماله لا يقدر على القراءة لعدم بصرِه، وقد مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ ما يقلع عِرْق الشُّبهة.\nوقد جُوِّزَ أن يكون الثَّاني بمعنى التَّفضيل، ويعضد ذلك ظاهر ما عطف عليه من قوله: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، ومنْ ثمَّة قرأ أبو عمرو الأوَّل ممالًا والثَّاني مفخَّمًا (^٢)، لا لأنَّ أفعل التَّفضيل تمامه بـ (مِن)، فكانت ألفُه في حكم الواقعة في وسط الكلام، وأمَّا الأوَّل فلم يتعلَّق به شيء، فكانت ألفه واقعةً في الطَّرف متعرِّضة (^٣) للإمالة (^٤)؛ لأَنَّه منقوض بالإمالة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ [البقرة: ٦١]، بل لأنَّه أراد أبو عمرو أنْ يفرِّق بينهما لَمَّا اختلف معناهما، واجتمعا في آيةٍ واحدةٍ، وإنَّما أمال الأوَّل دون الثَّاني لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّه يصلح للإحجاز (^٥) وإن لم يصلح للغلبة.\n﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ منه؛ لبطلان الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة.\n* * *\n_________\n(^١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٧/ ٢٧)، وأورده البيضاوي في تفسير سورة الحج مقدما له بـ (قيل)، وهي صيغة التمريض عنده، وقال الشهاب: لعل تمريضه لعدم ثبوته عنده لأنّ ابن أم مكتوم ﵁ لا يخفى عليه مثله. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣٠٣).\n(^٢) انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٠).\n(^٣) في (ف) و(م): \"معترضة\"، وفي \"الكشاف\": \"معرضة\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٨٣)، وهنا آخر كلامه، وما بعده تعقب من المؤلف عليه.\n(^٥) \"للإحجاز\" كذا في النسخ، وجاء في هامش (م): \"لعله: للإحجاج\".","vol":"6","page":187},{"text":"<span id=\"aya-2102\"> </span>(٧٣) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾.\n﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (إن) هي المخفَّفة، واللَّام هي الفارقة، والمعنى: إنَّ الشَّأن قاربوا بمبالغتهم أن يخدعوك فاتنين بالاستنزال.\n﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من الأحكام.\n﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾: غيرَ ما أوحينا إليك.\nنزلت في ثَقيفٍ، قالوا: لا ندخل في (^١) أمرك حتى تعطيَنا خصالًا نفتخرُ بها على العرب، لا نُعْشَر ولا نُحْشَر ولا نُجبِّي في صلاتنا، وكلُّ ربًا لنا فهو لنا، وكلُّ ربًا علينا فهو موضوع عنَّا، وأنْ تمتِّعنا باللَّات سنةً، وأنْ تحرِّم واديَنا كما حرَّمتَ مكَة، وإن قالت العربُ: لم فعلْتَ ذلك؟ فقل: إنَّ اللّه أمرني به (^٢).\nوقيل: في قريش، قالوا: لا نمكِّنكَ من استلام الحجر حتى تُلِمَّ بآلهتنا وتمسكها بيدك (^٣).\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".\n(^٢) ليس له رواية يحتج بها، فقد ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٦/ ١١٨) عن ابن عباس، وأورده ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٥/ ٦٧) في نزول هذه الآية وقال: رواه عطاء عن ابن عباس. ثم ذكر نحوه عن عطية عن ابن عباس. وذكره أيضًا (٢/ ١٩٦) في نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال: هذا قول ابن عباس في رواية الضحاك. وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ١٠٠): ذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند. وقال العراقي كما في \"روح المعاني\" (١٥/ ٣٢): لم نجده في كتب الحديث. قلت: رواه ابن شبة في \"أخبار المدينة\" (٨٨٤) عن الكلبي.\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٦/ ١١٧)، و\"زاد المسير\" (٥/ ٦٧)، قال ابن الجوزي: قاله سعيد بن جبير وهذا باطل.","vol":"6","page":188},{"text":"• أي: لو اتَّبعْتَ مرادهم ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ وخليلُهم بريءٌ من خلَّة اللّهِ تعالى.\n\n<span id=\"aya-2103\"> </span>(٧٤) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾.\n﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ ولولا تثبيتُنا إيَّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ﴾: ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ جواب ﴿وَلَوْلَا﴾ يقتضي إذا كان مثبتًا امتناعَه لوجود ما قبله، فمقاربةُ الشَّيء القليل من الرُّكون - وهو الميل اليسير - لم يقع منه ﵇، فضلًا عن وقوع ذلك الشَّيء القليل من الميل اليسير، وهذا غايةُ المبالغة في تنزيهه ﵇ عن الميل إلى أهوائهم (^١)، والكون في صدد نفيه دلالة ظاهرة على أن قوله تعالى: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ بيانُ قصدهم، لا فعلُه ﵇، أي: لو (^٢) قاربْتَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2104\"> </span>(٧٥) - ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾.\n﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الضِّعفُ بمعنى (^٣): المضاعف، وكان أصل الكلام: لأذقناك عذابًا ضِعفًا في الحياة الدُّنيا وعذابًا ضِعفًا في الممات، ثم حذف الموصوف، وأُقيْمَتِ الصِّفة مقامَه، وهو الضِّعف، ثم أضيف الصِّفة إضافة الموصوف، فقيل: ﴿ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، والمعنى: لضاعفنا لك العذاب المعجَّل للعصاة في الحياة الدُّنيا، وما نؤخِّره لهم لِمَا بعد الموت.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"هواهم\".\n(^٢) \"لو\" سقط من (ف).\n(^٣) \"بمعنى\" سقط من (ك).","vol":"6","page":189},{"text":"وفي ذكر الكيدودة وتقليلِ الميل مرَّة بعد أخرى مع إتْباعها الوعيدَ الشَّديد بالعذاب المضاعف في الدَّارين دليل بيِّن على أنَّ مَن كانت درجته أرفعَ وَنِعَمُ اللّه تعالى عليه أسبغَ كانَ وعدُ اللّه تعالى في حقِّه أبلغَ.\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ يدفع عنك عذابَنا بالغلَبة علينا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2105\"> </span>(٧٦) - ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ الضَّمير لأهل مكَّة ﴿لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ قد مرَّ معنى الاستفزاز.\n﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: من أرض مكَّة ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ متعلِّق بـ ﴿كَادُوا﴾.\n﴿وَإِذًا﴾؛ أي: لو أخرجوك منها ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾: بعدَكَ، وقرئ: ﴿خِلَافَكَ﴾ وهو لغة فيه (^١)؛ أي: لم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: قَدْرَ ما ينزل بهم العذابُ.\nوما أخرجوه ﵇ منها، بل خرجَ بنفسه امتثالًا لأمر الهجرة، نعم أزعجوه ﵇، لكن التَّعليق على الإخراج لا على الإزعاج.\nوقيل: الضَّمير ليهود المدينة، و﴿الْأَرْضِ﴾ أرضُها، وذلك أنَّهم أرادوا المكرَ برسول الله ﷺ، [فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما أرض الأنبياء بالشام] (^٢) ولكنَّك تخاف الرُّوم، فإنْ كنْتَ نبيًّا فأخرج إليها، فإنَّ اللّه سيحميك كما\n_________\n(^١) قرأ ابن عامر وحفص والكسائي: ﴿خِلَافَكَ﴾، بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها، والباقون بفتح الخاء وإسكان اللام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤١).\n(^٢) ما بين معكوفتين من \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٧٦).","vol":"6","page":190},{"text":"حمى سائر الأنبياء ﵈، فوقع ذلك في قلبه لِمَا يحبُّ (^١) من إسلامهم، فرحل من المدينة مرحلةً، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية (^٢).\nوعلى هذا أيضًا لم يوجد إخراجه ﵇، كما هو الظَّاهر من قوله: ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nوقرئ: (لا يلبثوا) (^٣)، منصوبًا بـ ﴿وَإِذًا﴾ (^٤) على أنَّه معطوف على قوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾، لا على خبر (كاد)، فإنَّ ﴿وَإِذًا﴾ لا يعمل إلَّا إذا كان معتمِدًا ما بعدها على ما قبلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2106\"> </span>(٧٧) - ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾.\n﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ نصب على المصدر؛ أي: سَنَّ اللّهُ ذلك سُنّةً، وهو أن يُهلك كلَّ أمَّة أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم، فالسنَّة للمرسِل، والإضافة إلى المرسَل (^٥) لأدنى ملابَسةٍ، دلَّ على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ هو: تغييرًا.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يجب\".\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٧٦). ورواه بنحوه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٢٥٤) عن عبد الرحمن بن غَنْم.\n(^٣) انظر: \"المختصر في القراءات الشاذة\" (ص: ٧٧).\n(^٤) في (ك): \"بإذن\".\n(^٥) في (ك): \"للمرسل\".","vol":"6","page":191},{"text":"<span id=\"aya-2107\"> </span>(٧٨) - ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.\n﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لزوالها، وقيل: لغروبها، وأصله: الميل، وهو ينتظِم المعنيين؛ قال ابن عطيَّة: الدُّلوكُ: هو الميل في اللُّغة (^١) فأوَّلُ الدُّلوك هو الزَّوال، وآخرُه هو الغروب (^٢).\nوقال الماوردي: مَن جعل الدلوك اسمًا لغروبها فلأنَّ الإنسان يدلُكُ عينيه براحته ليتبيَّنها حالةَ المغيب، ومَن جعله اسمًا لزوالها فلأنَّه يدلك عينيه لشدَّة شعاعها عند ذلك (^٣).\nواللَّام للسَّبب؛ لأنَّها إنَّما تجب بزوال الشَّمس.\n﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾: هو اجتماع اللَّيل وظلمته، وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة.\nوقيل: المراد بالصَّلاة: صلاة المغرب، وقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ بيانٌ لمبدأ الوقت ومنتهاه، على أنَّ الدُّلوك هو الغروب، واستُدلَّ به على امتداد الوقت إلى غروب الشَّفق.\n﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: وصلاةَ الصُّبح، سُمِّيَتْ قرآنًا لأنَّه ركنُها (^٤) كما سُمِّيَتْ ركوعًا وسجودًا لذلك، ولكنْ لا دلالة فيه على ذلك (^٥)، كما لا دلالة في تسميتها\n_________\n(^١) \"في اللغة\" سقط من (ك)، و\"اللغة\" سقط من (ف)، والمثبت من (م) وهو الموافق لـ \"المحرر الوجيز\".\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٧٧).\n(^٣) انظر: \"النكت والعيون\" (٣/ ٢٦٣).\n(^٤) في النسخ: \"ركنه\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦٤)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٨٩).\n(^٥) أي: على الركنية.","vol":"6","page":192},{"text":"قنوتًا على أنَّ القنوت ركنها، وكذا لا دلالة فيه على وجوب القراءة فيها، لجواز أن يكون التجوُّز بها لكونها (^١) مندوبة في الصَّلاة، نعم لو كان المجاز في ﴿الْفَجْرِ﴾ بأن يكون المراد منه الصلاةَ في ذلك الوقت لدلَّ الأمر بإقامتها على الوجوب فيها (^٢) عبارةً، وفي غيرها دلالة.\nوانتصب ﴿قُرْآنَ﴾ عطفًا على ﴿الصَّلَاةَ﴾ قاله الفرَّاء (^٣). أو على الإغراء، أي: فعليك بقراءة الفجر، قاله الزَّجَّاجُ وعزاه إلى البصريِّين (^٤).\n﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ \"تشهده ملائكة اللَّيل وملائكة النَّهار\"، رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ، وقال: هذا حديث حسن صحيح (^٥).\nوالآية جامعةٌ للصَّلوات الخمس إنْ فُسِّرَ الدُّلوكُ بالزَّوال، ولصلاة اللَّيل فقط إن فُسِّرَ بالغروب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2108\"> </span>(٧٩) - ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\n﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ (مِن) للتَّبعيض، والفاءُ ناسقةٌ على مضمَرٍ؛ أي: قُم فتهجَّد به، أي: بالقرآن.\n_________\n(^١) أي: القراءة.\n(^٢) \"فيها\" من (م).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ١٢٩)، وفيه: \"أي: وأقم قرآن الفجر\".\n(^٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ١٤٢). وعنه نقل المؤلف القولين، ولم نجد قول الزجاج عند غيره.\n(^٥) رواه الترمذي (٣١٣٥). وانظر حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٤٨)، ومسلم (٦٤٩).","vol":"6","page":193},{"text":"والتَّهجُّد: التَّيقُّظ من النَّوم، لا تركُ النَّوم (^١) مطلقًا.\nقال الحجَّاج بنُ عمرٍو صاحبُ النَّبيِّ ﵇: أيحسب أحدكم إذا قام في اللَّيل كلِّه أنَّه قد تهجَّد؟! إنَّ التهجُّدَ الصلاةُ بعد رقدة، ثمَّ الصَّلاة بعد رقدة، ثم الصَّلاة بعد رقدة، كذلك كانت صلاة رسول اللّه ﷺ (^٢).\nوهو من الهجود، يقال: تهجَّد: إذا ألقى الهجود - وهو النَّوم - عن نفسه، وهذا الفعل جارٍ مجرى تَحوَّبَ وتَحرَّجَ وتأثَّمَ وتحنَّثَ: إذا ألقى ذلك عن نفسِه.\n﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: زائدةً على (^٣) تلك الفرائض المذكورة في الآية السَّابقة، والزَّائد حقُّه أن يكون من جنس المزيد عليه، فالتَّهجدُ من الفرائض، وإنَّما قال ﴿لَكَ﴾: لأنَّه ليس بفرض في حقِّ أمَّته، وقد روي عنه ﵇: \"ثلاثة عليَّ فريضة ولأمَّتي تطوُّع: قيام اللَّيل، والوتر، والسِّواك\" (^٤).\nومَن زعمَ أنَّه تطوُّع في حقِّه أيضًا فسَّر النَّافلةَ بالزِّيادةِ؛ أي: زيادةً لك في الدَّرجات، وذلك لأنَّه ﵇ مغفورٌ له، فهو إذا تطوَّع بما ليس بواجب عليه كان ذلك زيادةً في درجاته، وغيرُه من الأمَّة تطوُّعهم كفَّارات لذنوبهم، وتدارُكٌ لخللٍ يقعُ في الفرائض.\n_________\n(^١) \"لا ترك النوم\" من (م).\n(^٢) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٢٢٥) بإسناد فيه ابن لهيعة، وابن أبي خيثمة بإسناد فيه عبد الله ابن صالح كاتب الليث. وحسن إسناده ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٦) لاعتضاد الروايتين، وقال الآلوسي: أغرب الحجاج بن عمرو. انظر: \"روح المعاني\" (١٥/ ٥٤). قلت: والحجاج بن عمرو مختلف في صحبته، وقال أبو نعيم: شهد صفين مع علي. انظر: \"الإصابة\" (٢/ ٣٥).\n(^٣) في (م): \"عن\".\n(^٤) رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٢٩٠)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٦٤): فيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو كذاب.","vol":"6","page":194},{"text":"﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ﴿مَقَامًا﴾ نصب على الظَّرف على تقدير العامل أو تضمينه، إذ لا يصلحُ (^١) للعمل في مثل هذا الظَّرف إلَّا فعل فيه معنى الاستقرار، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: ذا (^٢) مقامٍ محمود.\nوروى التِّرمذي عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: \"المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه لأمَّتي\"، وقال: هذا حديث حسن (^٣).\nفالمقام: الموضع الذي يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة، ومعنى كونه محمودًا: أنه تعالى يقيمه ﵇ فيه فيشفع، فيَحمده الخلقُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2109\"> </span>(٨٠) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ المدخل والمخرج بضم الميم بمعنى: الإدخال والإخراج.\nوالصِّدق: بمعنى المرضيِّ، يقال: رجلُ صِدْقٍ؛ أي: مرضيُّ الخُلُق.\nوقرئ: (مَدْخَلَ) و(مَخْرَجَ) بفتح الميم (^٤)، بمعنى الدُّخول والخروج، على معنى: أدخلْني فأدخلَ دخولًا وأخرجْني فأخرج خروجًا.\nوقيل: المراد إدخاله مكَّة ظاهرًا عليها، وإخراجه منها آمنًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"يصح\".\n(^٢) في النسخ: \"ذات\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٦٨٧).\n(^٣) روى نحوه الترمذي (٣١٣٧).\n(^٤) نسبت لعلي بن أبي طالب وأُبي ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٧).","vol":"6","page":195},{"text":"وقيل: إدخاله الغار وإخراجه منه سالمًا.\nوقيل: إدخاله المدينة وإخراجه من مكَّة.\nوفيه: أنَّ المناسب حينئذٍ تقديم (^١) الإخراج على الإدخال.\nوقيل: ﴿أَدْخِلْنِي﴾ فيما أمرتَني به، ﴿وَأَخْرِجْنِي﴾ عمَّا نهيتَني عنه.\nوالظَّاهرُ أنَّه عامّ في جميع موارده ﵇ ومصادره، دنياويَّةً وأخراويَّةً.\nوقيل: المراد: الإدخال في القبر والإخراجُ منه، ليتَّصل بقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\n﴿وَاجْعَل لِى مِنْ لَّدُنكَ﴾ مَرَّ تفسير (لدن) في آل عمران.\n﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: حجَّة تنصرني على المخالف، أو: مُلْكًا ينصر الإسلام على الكفر، فاستجاب له بقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].\nوالنَّصرُ: التَّمكينُ من الانتصار من العدوِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2110\"> </span>(٨١) - ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.\n﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلامُ ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾، أي: ذهب الكفر، يقال: زهق (^٢) روحُه: إذا خرج.\n﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ أي: لم يزل مضمحِلًّا.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"تقدم\".\n(^٢) في (ف): \"رهوق\".","vol":"6","page":196},{"text":"<span id=\"aya-2111\"> </span>(٨٢) - ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.\n﴿وَنُنَزِّلُ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (^١).\n﴿مِنَ الْقُرْآنِ﴾ ﴿مِنَ﴾ للتَّبيين، كقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] قدِّم المبهَم اهتمامًا؛ أي: كلُّ شيءٍ نزلَ من القرآن فهو شفاء للمؤمنين، يستصلِحون به دينهم، ويتَّعظون به في دنياهم، فموقعُه منهم (^٢) موقعُ الشِّفاء من المرضى.\nوعن النَّبيِّ ﵇: \"مَنْ لم يستشفِ بالقرآنِ فلا شفاهُ اللّهُ\" (^٣).\nأو للتَّبعيض، وليس معناه أَنَّه منقسمٌ إلى ما هو شفاء، وإلى ما ليس بشفاء، بل المعنى أنَّه نزلَ شيئًا فشيئًا، فالنَّازل في كلِّ وقتٍ بعضٌ.\n﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ كلُّه ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بتفريج الكروب، وتطهير العيوب، وتكفير الذُّنوب، مع ما تفضَّل به تعالى من الثَّواب في تلاوته.\n﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾؛ أي: نقصانًا؛ لتكذيبهم وكفرهم، قال قتادةُ: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ إلَّا قامَ بزيادةٍ أو نقصانٍ (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو بالتخفيف وباقي السبعة بالتشديد. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٥).\n(^٢) \"منهم\" من (م).\n(^٣) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٦/ ١٢٩) من حديث رجاء الغنوي، وفي إسناده أحمد بن الحارث الغساني وهو متروك. انظر: \"الكافي الشاف\" (ص: ١٠٢). ورجاء الغنوي لا يصح حديثه ولا تصح له صحبة، كما في \"التمهيد\" (٢/ ٤٩٥).\n(^٤) رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص: ٥٦).","vol":"6","page":197},{"text":"<span id=\"aya-2112\"> </span>(٨٣) - ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾\n﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بالصِّحة والسَّعة ﴿أَعْرَضَ﴾ عن ذكر اللّه كأَنَّه مستغنٍ عنه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تأكيدٌ للإعراض؛ لأن الإعراضَ عن الشَّيء: أن يولِّيه عرضَ وجهِه. والنَّأي بالجانب: أن يلوِيَ عنه عطفه ويولِّيه ظهره.\nويجوز أن يكون كنايةً عن الاستكبار؛ لأنَّه من عادة المتكبِّرين.\nوقرئ: ﴿نَاءَ﴾ على القلب (^١) \"أو على أنه بمعنى: نهض.\n﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؛ أي: مرض أو فقر ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾: شديدَ اليأس من رَوح اللّه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2113\"> </span>(٨٤) - ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾.\n﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضَّلالة، يقال: طريق ذو شواكِلَ؛ وهي الطُّرق (^٢) التي تتشعَّب منه، ويشهدُ لذلك قوله:\n﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾: أسدُّ مذهبًا وأبيَنُ طريقةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2114\"> </span>(٨٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الذي يحيَى به بدن الإنسان ويدبِّره (^٣).\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن ذكوان. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤١). وفي (ف): \"بالقلب\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الطريقة\".\n(^٣) أي: عن حقيقة الروح الذي هو مدبّرُ البدنِ الإنساني ومبدأُ حياتِه. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٩٢).","vol":"6","page":198},{"text":"﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من الإبداعات الكائنة بأمر (كنْ) من غير مادَّةٍ ومدَّةٍ وتولُّدٍ من أصلٍ كأعضاء جسده.\nوفيه إشارة إلى أن الرُّوح ممَّا لا يمكن معرفة ذاته إلَّا بعوارضَ تميِّزه (^١) عمَّن يلتبس به، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى ﵇ في جواب: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣﴾ بذكر بعض صفاته، وهذا القدْر من البيان لا ينافي الإبهام المذكور فيما روي أنَّ اليهود قالوا لقريش: اسألوه عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح؛ فإنْ أجابَ عنها أو سكتَ فليس بنبيِّ، وإنْ أجابَ عن بعضٍ وسكتَ عن بعضٍ فهو نبيٌّ، فبيَّنَ لهم القصَّتين وأبهم أمر الرُّوح (^٢)؛ لأنَّ السُّؤال كان عن حقيقته، وهي باقية على إبهامها.\nوقيل: ﴿الرُّوحِ﴾ جبريلُ ﵇.\nوقيل: خلق أعظم (^٣) من الملَك.\n﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ تستفيدونه بتوسُّط حواسِّكم؛ فإنَ اكتساب العلوم النَّظرية من الضَّروريَّات المستفادة من المحسوسات غالبًا، ولذلك قيل: مَن فقدَ حسًّا فقد (^٤) فقدَ علمًا، وأكثر الأشياء لا يدركه الحسُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2115\"> </span>(٨٦) - ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾.\n_________\n(^١) \"تميزه\" من (م).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٦٩) عن قتادة.\n(^٣) في (ف): \"عظيم\".\n(^٤) \"فقد\" من (ك).","vol":"6","page":199},{"text":"﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿لَنَذْهَبَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوف مع نيابته عن جزاء الشَّرط، واللَّام الدَّاخلة على (إنْ) موطِّئةٌ للقسم، والمعنى: إنْ شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصُّدور والمصاحف.\n﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي: لا تجد بعد الذَّهاب مَن يتوكَّل علينا باسترداده (^١) وإعادته محفوظًا مسطورًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2116\"> </span>(٨٧) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾.\n﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لكن لا نشاء ذلك رحمةً من ربِّك.\nوقيل ة إلَّا أن يرحمك ربُّك فيردَّه عليك، كأن رحمته تتوكل (^٢) عليه بالردِّ، وهذا امتنانٌ من اللّه تعالى ببقاء القرآن محفوظًا بعد المنَّة العظيمة في تنزيله.\n﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ إذ جعلَك سيِّد ولدِ آدم، وأعطاكَ المقامَ المحمود، وأنزل عليك هذا الكتاب، وأبقاه محفوظًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2117\"> </span>(٨٨) - ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.\n﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ لم يذكر الملَكَ معهما، لا لأَنَّه قادر على الإتيان بمثله؛ لأنَّه مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾\n_________\n(^١) في (م): \"باسترداد به\"، وفي (ك): \"باستردادته\".\n(^٢) في (ك): \"متوكل\".","vol":"6","page":200},{"text":"[النساء: ٨٢]، بل لأنَّ الفعل المذكور ممَّا لا يليق لشأنه، ولا يجوز أن يُنْسَبَ إليه؛ لأنهم معصومون لا يفعلون إلا ما يُؤْمَرون.\n﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ في كمال بلاغته وحسنِ نظمه وجَودةِ تأليفه.\n﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ جواب قسم محذوف دلَّ عليه اللَّام الموطِّئة، ولولا هي لكان جوابَ الشرط بلا جزمٍ؛ لكون الشَّرط ماضيًا.\nوالعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لتفخيم شأن ما عَجزَ عنه الثَّقلان.\nولما كان الاجتماع على أمرٍ قد يُوجَد بدون المظاهرة فيما بينهم كاجتماع المجتهدين على حكمٍ شرعيٍّ قال:\n﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾: ولو تظاهروا على ما اتَّفقوا عليه من المعارضة بإتيان مثله، ولا يصلح هذا أن يكون تقريرًا لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾؛ لأنَّ المقدِرة (^١) على الإتيان بمثله أصعب من القدرة على استرداد عينه، ونفيُ الشَّيء إنَّما يقرِّر نفيَ (^٢) ما دونه، لا ما فوقَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2118\"> </span>(٨٩) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ تفسيرُه في هذه السُّورة.\n﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنًى هو كالمثل في غرابته وحُسن موقعه.\n﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ (أبى) مُتأوَّل بالنَّفي؛ أي: فلم يرضوا ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: إلَّا جحودًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"القدرة\".\n(^٢) \"نفي\" سقط من (ك).","vol":"6","page":201},{"text":"<span id=\"aya-2119\"> </span>(٩٠) - ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ تعنُّتًا واقتراحًا بعدما لزمتْهم الحجَّة ببيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَشديد (^١).\n﴿لَنَا مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرضِ مكَّة.\n﴿يَنْبُوعًا﴾: هو عينٌ ينبع ماؤه؛ أي: يفور، يَفْعولٌ من نبعَ الماءُ، كيَعْبوبٍ من عبَّ الماء (^٢): إذا زَخَر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2120\"> </span>(٩١) - ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.\n﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ هذا بالتَّشديد بالإجماع (^٣) لمكان ﴿الْأَنْهَارَ﴾.\n﴿خِلَالَهَا﴾ وسطها ﴿تَفْجِيرًا﴾؛ أي: يكون لك بستانٌ يشتمِل على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2121\"> </span>(٩٢) - ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.\n﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ يعنون قولَ الله تعالى: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩] وهو القطَع (^٤) لفظًا ومعنًى.\n_________\n(^١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم الجيم مخففّا، والباقون بضم التَّاء وكسر الجيم مشددًّا. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤١).\n(^٢) في النسخ: \"عبة الأرض\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٦٩٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦٦)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ١٩٤)، و\"روح المعاني\" (١٤/ ١١٦).\n(^٣) \"بالإجماع\" من (م).\n(^٤) في (م): \"كقطع\".","vol":"6","page":202},{"text":"وقرئ: ﴿كِسْفًا﴾ بالسُّكون (^١)، وهو فِعْلٌ بمعنى مفعولٍ، كالطِّحْن، أو مخفَّف من المفتوح كسِدَرٍ وسِدْرٍ.\n﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾؛ أي: عيانًا، والقَبيل بهذا المعنى المناسب للمقام الخالي عن التعسُّف مذكورٌ في \"الصِّحاح\" (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2122\"> </span>(٩٣) - ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾.\n﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾: من ذهبٍ، وقد قرئ به (^٣)، وأصله الزِّينة.\n﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ في معارجها، يقال: رقَى في السلَّم: إذا صعد إليها.\n﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾: ولن نصدِّق لرقيِّك، فاللَّام للصِّلة، يقال: آمن له: إذا أذعن له، على ما مرَّ في سورة يوسف ﵇.\n﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا﴾ من السَّماء فيه تصديقك.\n﴿نَقْرَؤُهُ﴾ فلا يحتاج إلى نقلك إيَّاه. وهذا القيد لعدم اعتمادهم النَّبيَّ ﵇ في تبليغ القرآن.\n﴿قُلْ﴾ وقرئ: ﴿قَالَ﴾ (^٤)؛ أي: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) قرأ نافع وعاصم وابن عامر بفتح السين والباقون بإسكانها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤١).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: قبل).\n(^٣) رويت عن عبد اللّه، وهي من قبيل التفسير لا القراءة. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ٨٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٤٨٥)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ١٧٨).\n(^٤) وهي قراءة ابن كثير وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤١).","vol":"6","page":203},{"text":"﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تعجُّبًا (^١) من اقتراحاتهم عليه، أو تنزيهًا للّه تعالى من أن يأتي، أو يُتحكَّم عليه.\n﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ كسائر الرُّسل بشرًا مثلهم، وكان الرُّسل لا يأتون قومهم إلَّا بما (^٢) يُظهِرُ اللّهُ تعالى عليهم من الآيات، فليس أمرُ الآيات إليَّ، إنَّما هو إلى اللّه تعالى، فما بالُهم يتجبَّرون (^٣) عليَّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2123\"> </span>(٩٤) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.\n﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قد مرَّ تفسير المنع في هذه السُّورة.\n﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: وما منعهم عن الإيمان بعد نزول الوحي ومجيء القرآن.\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾: إلَّا قولُهم هذا، وكان المانع اعتقادَهم بموجَب ما قالوا مِن أنَّ اللّهَ تعالى أجَلُّ مِنْ أن يكون رسولُه من جنس البشر، إلَّا أنَّه عبر عنه بالقول تنزيلًا له وإخراجًا عن حيِّز الاعتقاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2124\"> </span>(٩٥) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"تعجيبًا\".\n(^٢) \"بما\" من (م).\n(^٣) في (م): \"يتحيرون\".","vol":"6","page":204},{"text":"﴿قُلْ﴾ في جوابهم: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ يتصرَّفون فيها بمشي قاطنين (^١) فيها، وليس لهم قدرة الصُّعود إلى السماء، فيسمعون من أهلها ويعلمون ما يجب علمُه.\n﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ليكون من جنسهم فيفهمون كلامه ويسكنون إليه، فأمَّا أنتم فبشرٌ (^٢)، فبعثني اللّه إليكم بشرًا مثلكم؛ لتكون قلوبكم أسكن إليه، وأنتم لكلامه أفهم؛ فإنَّ مقتضى الحكمة أن يكون الرَّسول من جنس المرسَل إليه.\n﴿مَلَكًا﴾ حال من ﴿رَسُولًا﴾، ويحتمِل أن يكون موصوفًا به، وكذا الحال في ﴿بَشَرًا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2125\"> </span>(٩٦) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.\n﴿قُلْ﴾ جوابًا لهم - حين قالوا: مَنْ يشهدُ لك (^٣) بأنَّك رسولُ اللّه؟ -:\n﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ نصبَ ﴿شَهِيدًا﴾ على التَّمييز؛ أي: حسبي اللّه تعالى من الشهداء، أو على الحال؛ أي: كفى باللّه تعالى في حال شهادتنا.\nوالعدول من (بينَنا) إلى ما فيه (^٤) التَّكريرُ للتَّأكيد.\n_________\n(^١) في (ف): \"بالخير\"، وفي (ك) لعلها: \"فالحين\".\n(^٢) \"فبشر\" سقط من (ك).\n(^٣) \"لك\" من (م).\n(^٤) بعدها في (ك): \"من\".","vol":"6","page":205},{"text":"﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ بخفيَّات أسرارهم ﴿بَصِيرًا﴾: مطَّلعًا على ما يظهر من أفعالهم وأقوالهم فيجازيهم عليه.\nوفيه تسلية لرسول الله ﷺ ﷺ، وتهديدٌ للكفَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2126\"> </span>(٩٧) - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ﴾ أتى هاهنا بضمير الجمع؛ تنبيهًا على أنَّ نسبة الضَّالين إلى المهتدين نسبةُ الجماعة إلى الواحد، ولذلك قال: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مع أن نفي الولي الواحد أبلغ.\n﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يهدونهم.\n﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ مسحوبين عليها، أو: ماشين عليها.\nروي في \"الصحيحين\" أنه قيل لرسول ﷺ اللّه ﷺ: كيف يمشون على وجوههم؟ قال: \"إنَّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على (^١) أن يمشيَهم على وجوههم\" (^٢).\n﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ إنهم يحشرون على هذه الصِّفة، ثم يخلق لهم ذلك قبل دخولهم في النَّار:\nفأبصَروا؛ لقوله تعالى ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].\nوتكلموا؛ لقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].\n_________\n(^١) \"على\"من (م).\n(^٢) روى نحوه البخاري (٤٧٦٠)، ومسلم (٢٨٠٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"6","page":206},{"text":"وسمعوا، لقوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢].\nوقيل: لا يبصرون ما يُقرُّ أعينَهم، ولا يسمعون ما يلذُّ مسامعهم، ولا ينطقون ما يُقبل منهم.\nويردُّه: أنَّ (^١) قولَه تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] صريح في نفي القدرة على مطلَق التكلُّم عنهم، وأن قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ دلَّ على أن ذلك في الموقف قبل الانصراف عنه إلى النَّار، وبهذا اندفع احتمالُ أن يكون ذلك بعد الدُّخول فيها أو عند المشارفة عليها.\n﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾: سكن لهبها.\nالخَبْوُ: سكون النَّار عن الالتهاب، وما قيل: بأنْ أكلَتْ جلودهم ولحومهم (^٢)، يردُّه قولُه تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (^٣) [النساء: ٥٦]؛ لأنَّه صريح في النَّار لا يُتجاوز في تعذيبهم عن حدِّ الإنضاج إلى حدِّ الإغراق والإفناء (^٤).\n﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾: توقُّدًا، وإنَّما قال: ﴿زِدْنَاهُمْ﴾ دون: زدناها، بناءً على أنَّهم\n_________\n(^١) \"أن \"سقط من (م).\n(^٢) القائل هو البيضاوي في \"التفسير\" (٣/ ٢٦٨)، وهذا المذكور أعلاه لفظه، متابعًا الزمخشري القائل: كلما أكلت جلودهم ولحومهم وأفنتها فسكن لهبها، بدِّلوا غيرها، فرجعت ملهبة مستعرة، كأنهم لما كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جعل اللّه جزاءهم أن سلط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم يعيدها، لا يزالون على الإفناء والإعادة، ليزيد ذلك في تحسرهم على تكذيبهم البعث، ولأنه أدخل في الانتقام من الجاحد. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٩٥).\n(^٣) \"غيرها\" سقط من (ك) و(م).\n(^٤) ذكر على هذا الكلام ردودٌ ومناقشة تنظر في \"روح المعاني\" (١٥/ ١٣٣).","vol":"6","page":207},{"text":"وَقودُها، على ما نطق به قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^١) [البقرة: ٢٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2127\"> </span>(٩٨) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.\n﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في هذه السُّورة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2128\"> </span>(٩٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي (^٢) أو لم يعلموا ذلك علمًا يقوم مقام العيان في حقِّ الإيقان.\n﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وإذا قدر على خلق مثلهم قدرَ على إعادتهم خلقًا جديدًا.\n﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو (^٣) الموت، أو القيامة.\n﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾: جحودًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2129\"> </span>(١٠٠) - ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾.\n_________\n(^١) \"والحجارة\" من (م).\n(^٢) \"أي\" من (م).\n(^٣) في (ف): \"وهو\".","vol":"6","page":208},{"text":"﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ فاعلٌ لفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعده، تقديره: لو تملكون، فحذف (لملك) وأبدل من الضَّمير المتَّصل الذي هو الواو ضميرٌ منفصل وهو ﴿أَنْتُمْ﴾ لسقوط ما يتَّصل به من اللَّفظ، كقوله:\nوإنْ هو لم يحمل على النَّفسِ ضيمها (^١)\nوفيه دلالة على اختصاص المخاطبين في الإمساك مع الإيجاز.\n﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، أي: خزائنَ نِعَمه.\n﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾، أي: لأمسكتموها.\n﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾: لأجْل خوف الفقر.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾: مضيِّقًا للنَّفقة.\nوزيادة ﴿وَكَانَ﴾ لبيان أنَّ الإنسان مجبول على الشُّحِّ والضِّنة، ومَن يوقَ شحَّ نفسه إنَّما يوقَ بعِصْمة اللّه تعالى إيَّاه، وما ذكر جوابٌ قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، حتى نتوسَّع في المعيشة؛ أي: لو توسَّعتُم لبخلتُم أيضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2130\"> </span>(١٠١) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قد مَرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف، وليس\n_________\n(^١) للسموءل، انظر: \"ديوانه\" (ص: ٩٣)، وعجز البيت:\nفليس إلى حسن الثناء سبيلُ","vol":"6","page":209},{"text":"انفجار الماء من الحجر وانفلاقُ البحر ونَتْقُ الطُّور منها، بدلالة أنَّ الخطاب في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] لفرعون، وهذه الآيات بعضها بعد هلاكه وبعضها عنده.\n﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: فاسأل علماء بني إسرائيل ﴿جَاءَهُمْ﴾؛ أي: جاء أسلافهم.\nوالعامل في ﴿إِذْ﴾ محذوفٌ، تقديره: فاسأل عن حديث أو قصَّة بني إسرائيل إِذْ جَاءَهُمْ.\n﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾؛ أي: ساحرًا، قاله الفرَّاء وأبو عبيدة (^١)، فوضع المفعول موضع الفاعل، كما تقول: هذا مشؤوم وميمون؛ أي: شائم ويامن، ويشهد لذلك قوله:\n\n<span id=\"aya-2131\"> </span>(١٠٢) - ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾.\n﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ فإنَّه ظاهر في ردِّ أن تكون تلك الآيات سحرًا.\nقرأ الكسائي: ﴿عَلِمْتَ﴾ هو بالضم (^٢)؛ أي: قال موسى: علمْتُ أنا، وقرأ البا قون: بالفتح؛ أي: علمْتَ أنت يا فرعون؛ لأنَّه عاند مع علمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤].\nيقول: إنَّك لصحَّة عقلك وسلامة حسِّك تعلم أنَّ ما جئْتُ به من الآيات\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المسير\" (٣/ ٥٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ١٨٣).\n(^٢) انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤١).","vol":"6","page":210},{"text":"ليس بسحرٍ، بل هي حجَّة اللّه تعالى، التي مَن تأمَّلها استبصر فيها؛ أي: تيقَّنَ أنَّها مِن عنده تعالى.\nوانتصب ﴿بَصَائِرَ﴾ على الحال، والعامل فيه محذوف، تقديره: أنزلها بصائر.\n﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾: هالكًا وخاسرًا، وقيل: مصروفًا عن الخير.\nوكان موسى ﵇ عالمًا بذلك بيقين، وإنما قال: (أظن) إظهارًا للتَّفريط في تقرير ما ادَّعاه، وفائدته: دفع وهم المبالغة فيه، وصونُه عن مظنَّة الإفراط (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2132\"> </span>(١٠٣) - ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾.\n﴿فَأَرَادَ﴾ فرعون ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾: أن يُخرج موسى ﵇ وقومَه بالنَّفي أو القتل، وقد مرَّ في هذه السُّورة ما يتعلق بمعنى الاستفزاز.\n﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾: أرضِ مصر، أو الأرضِ مطلقًا.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾: فحاق به مكرُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2133\"> </span>١٠٤ - ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.\n_________\n(^١) كذا علل الظن في كلام موسى ﵇، وكلام الزمخشري في ذلك أوضح وألصق بالسياق حيث قال: (قارع ظنه بطنه، كأنه قال: إن ظننتني مسحورًا فأنا أظنك مَثْبُورًا هالكًا، وظني أصح من ظنك؛ لأن له أمارةً ظاهرة وهي إنكارك ما عرفتَ صحته، ومكابرتك لآيات اللّه بعد وضوحها، وأما ظنك فكذب بحت؛ لأن قولك مع علمك بصحة أمري: (إني لأظنك مسحورًا) قول كذاب. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٩٨).","vol":"6","page":211},{"text":"﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد فرعون وإغراقه ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ التي أراد أن يستفزَّكم منها.\nهذا على تقدير دخول موسى ﵇ ومَن معه من بني إسرائيل (^١) مصرَ بعد هلاك فرعون ظاهرٌ (^٢)، وأما على تقدير عدم ذلك - على ما ذهب إليه بعضهم - فلا بُدَّ من تعيين التَّعريف في ﴿الْأَرْضَ﴾ للجنس، أو القولِ بأنَّ الأمر المذكور (^٣) لأولادِ مَن معه ﵇ لا لهم (^٤).\n﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ يعني: قيام القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾: مختلطِين.\nاللَّفيف: ما اجتمع من النَّاس من قبائل شتَّى، قال الأصمعي: اللَّفيف جمعٌ، وليس له واحد، وهو مثلُ الجميع (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2134\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.\n﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: ما أنزلنا القرآن إلى سماء الدُّنيا إلَّا محفوظًا عن اعتراء البطلان، وما نزل على الرَّسول إلَّا كذلك.\nوتكرير (الحق) باسمه الظَّاهر للتَّفخيم.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ بالثَّواب للمطيعين ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالعقاب للعاصين، وليس لك شيء وراء ذلك.\n_________\n(^١) \"من بني إسرائيل\" من (م).\n(^٢) في (م): \"ظاهرًا\".\n(^٣) \"المذكور\" من (م).\n(^٤) في (ك) و(م): \"لأبيهم\" بدل \"لا لهم\".\n(^٥) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٤/ ٢٠٤).","vol":"6","page":212},{"text":"<span id=\"aya-2135\"> </span>(١٠٦) - ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.\n﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: نزَّلناه مفرَّقًا منجَّمًا، وقرئ بالتَّشديد (^١)؛ لكثرة نجومه.\n﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾: تثبُّتٍ وترسُّلٍ (^٢)، فإنَّه أيسر للحفظ، وقرئ بالفتح (^٣)، وهو لغةٌ فيه.\n﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ على حسب الأسباب ومقتضى الحكمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2136\"> </span>(١٠٧) - ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾.\n﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ يتضمَّن الإعراض عنهم، والاحتقار لهم، وعدمَ الاكتراث بهم، فإنَّ إيمانهم بالقرآن لا يزيده (^٤) فضلًا، وامتناعَهم عنه لا يورثه نقصًا.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم مؤمنو أهل الكتاب مثلَ عبد اللّه بن سلام وأضرابِه - تعليل له؛ أي: إن لم تؤمنوا به فقد آمن به مَن هو خيرٌ منكم.\n﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ نزولِ القرآنِ.\n﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن (^٥) ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾: تعظيمًا لأمر اللّه تعالى، وشكرًا لإنجاز وعده في الكتب السابقة ببعثة محمَّد ﵇.\n_________\n(^١) نسبت لأبي وابن عباس ومجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٨).\n(^٢) في (ك): \"ترتل\"، وفي (م) زيادة: \"وترسل عنهم\".\n(^٣) نسبت لقتادة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٨).\n(^٤) في (ك) و(م): \"يزيدهم\"، وهو تحريف.\n(^٥) \"القرآن\" من (م).","vol":"6","page":213},{"text":"والخُرورُ: السُّقوط بسرعة، وإنما ذكر الأذقان مبالغةً في التَّحامل على الجبهة والأنف، حتى كانه يلصقُ الذقن (^١) بالأرض، واللَّام بمعنى: على، وقيل: للاختصاص. وفيه ما فيه.\nوانتصابُ ﴿سُجَّدًا﴾ على الحال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2137\"> </span>(١٠٨) - ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾. عن خُلف الوعد ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: إنه (^٢) كانَ وعدُه كائنًا لا محالة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2138\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.\n﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ كرَّره لاختلاف الحال أو السَّبب، فإنَّ الأول للشكر عند إنجاز الوعد، والثَّاني لِمَا أثر فيهم من مواعظ القرآن (^٣).\n﴿يَبْكُونَ﴾ أتى هاهنا بالفعل إشعارًا للتَّجدد، فإنَّ منشأ البكاء - وهو (^٤) التَّفكُّر والتَّذكُّر - ممَّا يتجدَّد، بخلاف منشأ السُّجود.\n﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ سماعُ القرآن ﴿خُشُوعًا﴾ كما (^٥) يزيدهم علمًا ويقينًا باللّه، وقد مرَّ تفسير الخشوع في سورة البقرة (^٦).\n_________\n(^١) \"الذقن\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"إن\".\n(^٣) \"القرآن\" زيادة من (م).\n(^٤) في (ك): \"هو\"، وسقط من (م).\n(^٥) في (ك): \"لما\"، وسقط من (ف).\n(^٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. ووقع في (ف): \"آل عمران\".","vol":"6","page":214},{"text":"<span id=\"aya-2139\"> </span>(١١٠) - ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.\n﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ نزلت حين سمع المشركون رسول الله ﷺ يقول: \"يا اللّه، يا رحمن\"، فقالوا: إنه ينهانا أن نعبدَ إلهًا آخر، وهو يدعوه (^١)!\nوالمراد: التَّسوية بين اللَّفظين بأنهما يطلَقان على ذاتٍ واحدة وإن اختلفا في اعتبار الإطلاق:\nعباراتُنا شتَّى وحُسْنُكَ واحدٌ … وكلٌّ إلى ذاك الجمالِ يشيرُ (^٢) والدُّعاء بمعنى التَّسمية، وهو يتعدَّى إلى مفعولَيْن، حذف أولهما استغناءً عنه. و﴿أَوِ﴾ للتخيير.\nوقيل: نزلت حين قالت اليهود: إنَّك لَتُقِلُّ ذكرَ الرَّحمن وقد أكثرَه الله - تعالى - في التَّوراة (^٣).\nوالمعنى: أنهما سيَّان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، ويعضده قوله:\n﴿أَيًّا مَاتَدْعُوا﴾. أصله: إلَّا ما تدعوه فهو حسنٌ، فوُضِعَ موضعَه.\n﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ للمبالغة والدَّلالة على ما هو الدَّليل عليه. وكونها حُسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ١٢٣).\n(^٢) انظر: \"البرهان في علوم القرآن\" (٢/ ١٦٠).\n(^٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٤/ ٨٨)، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٥/ ٩٩) عن الضحاك.","vol":"6","page":215},{"text":"والتَّنوين في ﴿أَيًّا﴾ عوض عن المضاف إليه، و﴿مَّا﴾ صلة لتأكيد ما في (أيّ) من الإبهام، والضَّمير في (له) للمسمَّى؛ لأنَّ التَّسمية له لا للاسم.\n﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: بقراءةِ صلاتك، على حذف المضاف؛ حتى لا يَسمع المشركون؛ فإن ذلك يحملهم على السَّبِّ واللَّغو فيها.\n﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ كلَّ المخافتة حتى لا تُسمع مَن خلفَك من المؤمنين.\nوالمخافتةُ: خفضُ الصَّوت.\n﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ الجهر والمخافتة ﴿سَبِيلًا﴾: وسطًا؛ فإنَّ خير الأمور أوسطُها.\nوقيل: معناه: لا تجهر بصلاتك كلِّها، ولا تخافت بها بأسرها، وابتغ بين ذلك سبيلًا؛ بالإخفات نهارًا والجهرِ ليلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2140\"> </span>(١١١) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.\n﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه ردٌّ لمن قال: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولمن قال: الملائكة بنات اللّه.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: في الألوهيَّة، وفيه رَدٌّ للثَّنويَّة القائلين بتعدُّد الآلهة.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ من اليهود؛ لأنَّهم أذلُّ النَّاس، ففيه رد لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].","vol":"6","page":216},{"text":"وقال الحسين بن الفضل: يعني: لم يذلَّ فيحتاجَ إلى وليٍّ وناصرٍ، فيجيرَه من الذُّلِّ بعزَّته وكبريائه (^١).\nوهذا قول حسن يعضده قوله:\n﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ التكبير أبلغ لفظةٍ للقرب في معنى التَّعظيم والإجلال، وإنَّما أكِّدَ بالمصدر تحقيقًا له، وإبلاغًا في معناه.\nولَمَّا كان اتِّخاذ الوليِّ قد يكون للانتصار والاعتزاز به والاحتماءِ من الذُّلِّ، وقد يكون بالتَّفضُّل والرَّحمة لمن والى (^٢) من عباده الصَّالحين، كانَ النَّفيُ لمن ينتصر به من أجل المذلَّة، أو كان مورد الولاية يحتمل هذين الوجهَيْن، فنفى الجهةَ التي لأجْل النقص (^٣)، بخلافِ الولد والشَّريك فإنهما نُفيا على الإطلاق لعدم احتمالهما الوجهَين في شأنه تعالى.\nوإنَّما رتَّب الحمد على وصفه بنفي الولد والشَّريك (^٤) والذُّل؛ لأنَّ مَن هذا وصفه هو الذي يقدر على إيلاء كلِّ نعمة، فهو الذي يستحق كلَّ الحمد.\nوهذه السُّورة الكريمة ابتدأت بتنزيه اللّه تعالى واختُتمت به.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ١٩٤).\n(^٢) في (ف): \"ولي\".\n(^٣) في (م): \"النقض\".\n(^٤) من قوله: \"بخلاف الولد … \" إلى هنا من (م).","vol":"6","page":217},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>سُوْرَةُ الكَهْفِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2141\"> </span>(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ في ترتيب استحقاق الحمد على إنزال القرآن تنبيهٌ على عظمِ شأنه مِن بينِ النِّعم الجِسام، وذلك بهدايته إلى ما فيه كمالُ العباد، ودعوتهِ إلى ما به انتظامُ صلاح المعاش والفلاح في المعاد.\n﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ مِنْ تتمَّة الصِّلة على أنَّه عطف بيان، إذ المعنى: أنزل على عبده الكتاب الكامل في بابه.\nقال ابن السِّكيت؛ كلُّ ما ينتصبُ كالحائط والعُود يقال فيه: عَوَج بالفتح، والعِوَج بالكسر: ما كان في أرضٍ أو دِينٍ أو معاشٍ (^١).\nوما قيل: إنه بالكسر في المعاني، مردود (^٢) بقوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٧].\nوتنكيره لتعميم النَّفي أنواعَ الانحراف عن سَنَن الاستقامة، من جهة الاختلال في التَّركيب، والاختلاف في النظم، والتنافي في المعنى.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت (ص: ١٢٥).\n(^٢) في هامش (م): \"رد لصاحب الكشاف والقاضي\".","vol":"6","page":221},{"text":"<span id=\"aya-2142\"> </span>(٢) ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾.\n﴿قَيِّمًا﴾ على الكتب السَّابقة بالتَّغيير (^١) والتَّقرير، أو بمصالح العباد، فيكون وصفًا له بالتَّكميل بعد وصفه بالكمال.\nوقيل: المراد إثبات الاستقامة والاعتدال. فاتَّجه عليه السُّؤال عن فائدة الجمع بينه وبين العوج؛ فإن المفهوم من أحدهما عَيْنُ ما فُهم من الآخر.\nوأجيب: بأنَّ فائدته التَّأكيد، فربَّ مستقيمٍ مشهودٍ له بالاستقامة لا يخلو عن أدنى عوج عند السَّبر والتفحُّص (^٢).\nويَرِدُ عليه (^٣) - بعد الإغماض عن أنَّ ما ذكر فيما شهد له العباد -: أنَّ ذلك إنما يصحِّح ذكرَ النَّفي عقيب الإثبات دون العكس، وبعدَ اللُّتَيَّا والتي أنَّ التَّأسيس خيرٌ من التَّأكيد، والإفادة أولى من الإعادة.\nوانتصابه على الحال من ﴿الْكِتَابَ﴾، لا من الضمير في ﴿لَهُ﴾ (^٤)؛ لِمَا فيه من الرَّكاكة التي يجب تنزيه كلام (^٥) اللّه تعالى عنها.\n_________\n(^١) في (م): \"في التغيير\".\n(^٢) في (م): \"السبر والتفصح\"، وفي (ف): \"السير والفحص\"، وفي \"الكشاف\" (٢/ ٧٠٢): (السبر والتصفح).\n(^٣) في هامش (م): \"رد لصاحب الكشاف\".\n(^٤) في هامش (م): \"رد العلامة البيضاوي\".\n(^٥) \"كلام\" من (م).","vol":"6","page":222},{"text":"ولا حاجة إلى تقدير مضمر (^١)؛ لأنَّ مبناه أن يتعيَّن عطف ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ على ﴿أَنْزَلَ﴾، وقد عرفتَ فساد ذلك المعنى (^٢).\n﴿لِيُنْذِرَ﴾ أطلقه لعموم الجنس وعدم اختصاصه بأحد الفريقين، على ما أفصح عنه قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ٢] وفي إطلاقه هنا (^٣) دفعُ وهم الاختصاص السابق إلى الفهم من قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [الكهف: ٤].\n﴿لِيُنْذِرَ﴾ عذابًا ﴿بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾. تقدَّم الكلام عليه في سورة هود ﵇.\n﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾: بأنَّ لهم، وإنْ ضمَّن ﴿وَيُبَشِّرَ﴾ معنى يبيِّن لم يحتجْ إلى الباء.\n﴿أَجْرًا حَسَنًا﴾: ثوابًا جميلًا في الجنَّة، وأمَّا نفس الجنَّة ففي التَّبشير بها يكفي الإيمان، ولا حاجة إلى العمل الصَّالح عند أهل الحقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2143\"> </span>(٣) - ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.\n﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾: في الأجر، أو (^٤) في محلِّه ﴿أَبَدًا﴾ لا إلى غاية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2144\"> </span>(٤) - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.\n﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾. خصَّهم بالإنذار بعدَ ما عمَّ الجميعَ؛\n_________\n(^١) في هامش (م): \"رد لصاحب الكشاف\".\n(^٢) في (م): \"المبنى\".\n(^٣) في (ك): \"هذا\".\n(^٤) \"أو\" من (ك).","vol":"6","page":223},{"text":"لغاية فحش صنيعهم، ورتَّبه على القول إشعارًا بأنهم استحقُّوا الإنذار به مع قطع النَّظر عن الاعتقاد، وأبهم المنذَر به ليذهب الوهم كلَّ مذهب، وفيه ما لا يخفى من التَّهويل به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2145\"> </span>(٥) - ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.\n﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾؛ أي: بما قالوا ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾: شيءٌ من العلم؛ لاستحالة المعلوم. والجملة في موضع الحال؛ أي: قالوا جاهلين به.\n﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾؛ أي: قلَّدوا (^١) فيه آباءهم وهم مثلُهم في الجهل.\n﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ (^٢)؛ عظُمَتْ مقالتُهم هذه في الافتراء على اللّه تعالى.\nقراءة الجمهور بالنَّصب على التَّمييز، وقرئ بالرَّفع على الفاعليَّة (^٣)، والأوَّل أولى وأبلغ؛ لما فيه من الإبهام والتَّبيين.\nوفيه معنى التَّعجُّب، ومرجعُه إلى تعظيم الأمر في قلوب السَّامعين، كأنَّه قيل: ما أكبرَ كلمةً!\n﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ صفة للكلمة، ووصفها بذلك مع أنَّ العلم الضَّروري حاصلٌ بأنَّ شأن جنسها ذلك، فلا بُدَّ له من فائدة، وهي الإشعار بأنَّه لا ينبغي أن\n_________\n(^١) في النسخ: \"قدروا\"، ولعل الصواب المثبت.\n(^٢) في النسخ: \"كبرت كلمة تخرج\"، والصواب المثبت.\n(^٣) نسبت للحسن وعيسى. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٨).","vol":"6","page":224},{"text":"تتَّصف هذه الكلمة بقصد قلبي (^١) لوضوح بطلانها، فكأنَّه قيل: تخرج بنفسها بلا إخراج منهم، ففيه تأييد لقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾.\n﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾: إلَّا قولًا كذبًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2146\"> </span>(٦) - ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.\n﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ (لعلَّ) للتَّرجي في المحبوب والإشفاق في المحذور.\nوالبخع والبخوع: الإهلاك من شدَّة الوَجد.\n﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ عبَر عن إدبارهم وتباعُدهم عن التَّصديق بالقرآن على وجهٍ فصيحٍ، شبَّهه وإياهم حين تولَّوا عنه ولم يؤمنوا به، وما تداخله من الوَجْد والأسف على تولِّيهم، بمَن فارقَه أحبَّتُه، فهو يتساقط حسراتٍ على آثارهم، وَيبخَع على نفسه وجدًا عليهم، فالاستعارة تمثيليَّة.\nوقرئ على الإضافة (^٢)، وهو للاستقبال إن قرئ: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالكسر، وللمضي إن قرئ بالفتح (^٣)، بمعنى: لأنْ لا يؤمنوا، فلا يجوز إعمال ﴿بَاخِعٌ﴾ إلَّا إذا جعل حكاية حال (^٤) ماضية لتصوير تلك الحالة في ذهن السَّامع واستحضارها.\n_________\n(^١) في (ف): \"يغضد قلبي\"، وفي (م): \"بقصد قلب\".\n(^٢) أي: (باخعُ نفسِك)، ذكرها ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٥/ ١٠٤) عن سعيد بن جبير وأبي الجوزاء وقتادة. وهي في \"الكشاف\" (٢/ ٧٠٤) دون نسبة، والكلام منه.\n(^٣) ذكرها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٨)، والكسر قراءة الجمهور.\n(^٤) في (ف): \"جعل حالًا\"، وفي (ك) و(م): \"جعل حالها\"، والمثبت من هامش (م).","vol":"6","page":225},{"text":"﴿بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾: القرآن.\n﴿أَسَفًا﴾ مفعول له؛ أي: لفَرْط الحزن، ويجوز أن يكون حالًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2147\"> </span>(٧) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الزَّخارف، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤].\n﴿زِينَةً لَهَا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ مهو بمعنى: صبَّرنا، ويحتمل الحالَ على أنَّه بمعنى: أوجدنا.\n﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في تعاطيه، وحسنِ عمل (^١) الزُّهد فيها، وترك الاغترار بها، ثمَّ زهَّد في الميل بقوله:\n\n<span id=\"aya-2148\"> </span>(٨) - ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾.\n﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾: ترابًا لا نبات فيه. والجُرُز: الأرض (^٢) التي قطع نباتها، من الجَرْزِ بمعنى القَطْع.\nفيه (^٣) تسلية لرسول اللّه ﷺ وفقراء المؤمنين عمَّا احتوته أيدي المترَفين من زينتها.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"العمل\".\n(^٢) \"الأرض\" من (م).\n(^٣) \"فيه\" من (م).","vol":"6","page":226},{"text":"<span id=\"aya-2149\"> </span>(٩) - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.\n﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾: بل أحَسِبْتَ ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ الكهف: الثُّقْب المتَّسع في الجبل، وما لا يتَّسع منه فهو غار. ذكره القرطبيُّ (^١).\nوالرَّقيم: اسمُ الجبل، أو الوادي، أو القرية (^٢)، أو الكلب، أو لوحٌ رُقِمَتْ فيه أسماؤهم وجُعِلَتْ على باب الكهف.\nوقيل: الرَّقيم: أصحاب الغار الذي انطبق عليهم فذكرَ كلُّ واحدٍ منهم (^٣) أصلحَ عمله، وفي هذا خبر معروف أُخْرِج في \"الصحيحين\" (^٤).\nوقال قومٌ: أخبر الله عن أصحاب الكهف، ولم يخبر عن أصحاب الرَّقيم بشيء.\n﴿كَانُوا﴾ في بقائهم أحياءً مدَّةً مديدة بلا غذاء.\n﴿مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾؛ أي: أحسبْتَ أنَّ أصحاب الكهف والرَّقيم كانوا مِنْ بينِ (^٥) آياتنا عجبًا؟ فليس كذلك، بل كلُّ آياتنا عجبٌ، وفي آياتنا ما هو أعجب منهم.\nوقال القشيريُّ: أزال موضع الأعجوبة من أوصافهم حيث أضافه إلى نفسه بقوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾، فقلبُ (^٦) العادة من اللّه ليس بمستبدَعٍ (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢١١)، وفيه: (النقب المتسع …).\n(^٢) \"أو القرية\" زيادة من (م).\n(^٣) \"منهم\" سقط من (ك).\n(^٤) رواه البخاري (٢٢٧٢)، ومسلم (٢٧٤٣)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٥) \"بين\" زيادة من (ك).\n(^٦) في (ك): \"وتعليب\"، وفي (م): \"ونقليب\"، وفي (ف): \"وتغليب\". والمثبت من \"لطائف الإرشادات\".\n(^٧) انظر: \"لطائف الإشارات\" (٢/ ٣٧٨).","vol":"6","page":227},{"text":"<span id=\"aya-2150\"> </span>(١٠) - ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾.\n﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ حين الالتجاء إليه، وروي أنَّهم كانوا شبَّانًا من أبناء الأشراف أرادهم دقيانوس الملك على الشِّرك، فأبوا وهربوا إلى الكهف (^١).\n﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾: من خزائن رحمتك الموجبة للمغفرة والرِّزق والأمن.\n﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار.\n﴿رَشَدًا﴾ نصير بسببه مهتدين، أو اجعل (^٢) أمرنا كلُّه هدًى.\nوالرَّشَد: إصابة الطَّريق المؤدِّي إلى البغية، وكذا الرُّشْد والرَّشاد.\nوأصل التَّهيئة: إحداث هيئة الشَّيء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2151\"> </span>(١١) - ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾.\n﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾؛ أي: منعناهم أن يسمعوا.\nقال قطرب: هذا كقول العرب: ضرب الأمير على يد الرَّعية؛ أي: منعهم عن الفساد، وضرب السَّيِّد على يد عبده المأذون [له في التجارة]: إذا منعه من التَّصرف (^٣).\n_________\n(^١) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٦/ ١٤٧) عن محمد بن إسحاق.\n(^٢) في (ك): \"إذا جعل\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٤).\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٦/ ١٥٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٢٠). وما بين معكوفتين منهما.","vol":"6","page":228},{"text":"وتخصيص الآذان بالذِّكر لأنَّ النَّوم قلَّما ينقطع إلَّا من جهتِهِنَّ، ولا يستحكِم إلَّا مع تعطُّلها، أشير إلى ذلك في قوله ﵇: \"ذاك رجلٌ بالَ الشَّيطان في أذنه\" (^١).\nوالذَّاهبون إلى أنَّ المعنى: ضربنا عليها حجابًا من أنْ تَسمعَ، ذاهلون عن أنَّ الحجاب لا يناسب آلةَ السمع، ولذلك أُدخل السَّمعُ في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] تحت الختم دون التَّغشية، على ما اعترفوا به وذكروه في تفسيره.\n﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظرفان لـ ﴿فَضَرَبْنَا﴾.\n﴿عَدَدًا﴾ قال الزَّجَّاج: أي: تُعَدُّ عدًّا (^٢) لكثرتها؛ لأنَّ القليل يُعرَف مقداره من غيرِ عَدٍّ (^٣)، فإذا كثر عُدَّ (^٤).\nوأمَّا قوله: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فهو على القلَّة؛ لأنَّهم كانوا يَعدُّون القليل ويزنون الكثير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2152\"> </span>(١٢) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾؛ أي: من نومهم، يقال لمن أُحيى أو أقيم من نومه: مبعوث؛ لأنَّه كان ممنوعًا من الانبعاث والتَّصرف.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤)، من حديث عبد اللّه بن مسعود ﵁.\n(^٢) في (ك): \"عددًا\".\n(^٣) في (ف): \"عدد\".\n(^٤) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٢٧١).","vol":"6","page":229},{"text":"﴿لِنَعْلَمَ﴾ عبارة عن خروج ذلك الشَّيء إلى الوجود ومشاهدتهِ، وهذا على نحو كلام العرب، وإلَّا فقد كان الله عَلِمَ. ذكره القرطبي (^١)، فلا حاجة إلى إثبات التَّعليقَين لعلمه تعالى حاليٍّ أو استقباليّ (^٢).\n﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ المختلفَيْن؛ منهم أو من غيرهم.\n﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ضَبَط أمدًا لزمانِ لبثهم.\nوالأمدُ: الغايةُ، وما في ﴿أَيُّ﴾ من معنى الاستفهام علِّق عنه ﴿لِنَعْلَمَ﴾، فهو مبتدأٌ و﴿أَحْصَى﴾ خبره، وهو فعل ماضٍ، و﴿أَمَدًا﴾ مفعوله (^٣)، و﴿لِمَا لَبِثُوا﴾ حالٌ منه (^٤)، أو مفعول له (^٥).\nوقيل: إنه المفعول، واللَّام مزيدةٌ، و(ما) موصول (^٦)، و﴿أَمَدًا﴾ تمييز.\nوقيل: ﴿أَحْصَى﴾: اسم تفضيل من الإحصاء بحذف الزَّوائد، كقولهم: هو أحصى للمال، وأفلسُ من ابن المُذَلَّق (^٧).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٢١).\n(^٢) رد على البيضاوي في قوله: (﴿لِنَعْلَمَ﴾: ليتعلق علمنا تعلقًا حاليًا مطابقًا لتعلقه أو، تعلقًا استقباليًا). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٤).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"مفعول له\".\n(^٤) أي: من ﴿أَمَدًا﴾ النكرة وجاز لتقدمه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٧٩).\n(^٥) قوله: \"أو مفعول له\" فاللام للتعليل لازمةٌ لكونه غيرَ مصدر صريح وغيرَ مقارنٍ أيضًا، و(ما) مصدرية غير وقتية. انظر المصدر السابق.\n(^٦) قوله: \"وقيل .. \" الخ، مرَّضه لأنَّ اللام لا تزاد في مثله، و(ما) موصولة بمعنى الوقت، والعائد محذوف؛ أي: فيه، وجوِّز فيها على هذا المصدرية وهو بعيد. انظر المصدر السابق. والممرض هو البيضاوي، وعنه نقل المؤلف.\n(^٧) رجل من عبد شمس بن سعد بن زيد مناة، وكان لا يجد في أكثر أوقاته في بيته قوت ليلة =","vol":"6","page":230},{"text":"ورُدَّ عليه بأن بناء اسم التَّفضيل من غير الثَّلاثي المجرد شاذٌّ فلا يُقاس عليه، ولأنَّ ﴿أَمَدًا﴾ لا ينصب بأفعل؛ لأنَّه لا يعمل، ولا بـ ﴿لَبِثُوا﴾؛ لعدم سداد المعنى عليه، فإنْ زعمْتَ نصبه بإضمار فعل يدلُّ عليه ﴿أَحْصَى﴾ كما في قوله:\nوأضربَ منَّا بالسُّيوفِ القوانسا (^١)\n[على: نضرب القوانسا] فقد أبعدْتَ المتناوَل وهو قريب، حيث أبيْتَ أنْ يكون فعلًا، ثمَّ رجعْتَ مضطرًا إلى تقديره (^٢).\nلكنَّه مردودٌ:\nأمَّا أوَّلًا: فلأنَّ دعواه الشُّذوذَ مذهب أبي عليٍّ، وعند سيبويه هو قياس، وبه أخذ الزَّجَّاج، وعلى اختيار ابن عصفور: أنَّ الهمزة إذا كان لغير النَّقل كـ: أشكلَ الأمرُ، وأظلمَ اللَّيل، يجوز أن يقال: ما أشكلَ هذه المسألة! و: ما أظلم هذا اللَّيل! والهمزة في ﴿أَحْصَى﴾ ليست للنَّقل (^٣).\nوأما ثانيًّا: فلأنَّ قولَه: إن أفعل لا يعمل؛ ليس بصحيح؛ لأنَّه يعمل في التَّمييز، ومَن زعم أن ﴿أَحْصَى﴾ اسم تفضيل لم يجعله مفعولًا به، بل جعله تمييزًا، ومثله ما (^٤) يقال: زيد أقطع النَّاس سيفًا.\n_________\n= واحدة. انظر: \"جمهرة الأمثال\" (٢/ ١٠٧).\n(^١) عجز بيت للعباس بن مرداس، وصدره:\nأكرَّ وأحمى للحقيقة منهم\nانظر: \"الأصمعيات\" (ص: ٢٠٥)، و\"الحماسة\" بشرح المرزوقي (١/ ٤٤١)، و\"الخزانة\" (٨/ ٣١٩). والقوانس: جمع قونس، وهو أعلى بيضة الفارس.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٠٦) وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) انظر: \"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٣٢).\n(^٤) في (ك) و(م): \"بما\".","vol":"6","page":231},{"text":"وأمَّا ثالثًا: فلأنه يجوز أن يكون (^١) نصب ﴿أَمَدًا﴾ على نزع الخافض، تقديره: لما لبثوا من أمدٍ، على أنَّ الأمد بمعنى المدَّة. ولعل هذا مراد الطَّبري حيث ذهب إلى (^٢) نصب ﴿أَمَدًا﴾ بـ ﴿لَبِثُوا﴾ (^٣).\nوأمَّا رابعًا: فلأن اسم التفضيل ينصب المفعول به في مذهب الكوفيين، فلا اضطرار إلى تقدير فعل، إنما ذلك على تقدير ثبوت نزول القرآن على مذهب البصريين، وأنَّى ذلك (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2153\"> </span>(١٣) - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.\n﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة يوسف ﵇.\n﴿عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ النَّبأُ: خبرٌ ذو شأن ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالصِّدق.\n﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾: جمع فتًى، كصبيٍّ وصِبْيَة ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ الرَّبُّ: السَّيِّد النَّاظر في مصلحة عبيده، وللإشعار بذلك عدل عن: آمنوا بنا.\n﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ بالتَّثبيت.\n* * *\n_________\n(^١) \"أن يكون\" من (م).\n(^٢) في (ك): \"إلى أن\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الطبري\" (١٥/ ١٧٨).\n(^٤) انظر: \"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٣٢)، وهذه الردود على الزمخشري منقولة منه مع شيء من الاختصار والتصرف.","vol":"6","page":232},{"text":"<span id=\"aya-2154\"> </span>(١٤) - ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.\n﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ من المجاز: ربط الله على قلبه: صبَّره، ومنه: رابط الجأش، لمَّا كانَ الخوف والقلق يزعج القلوب عن مقارِّها - ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]- قيل في مقابِله: ربط قلبه، إذا تمكَّن وثبت، وهو تمثيل.\nوالعدول من التَّعدية إلى (على) من باب: (يجرحْ في عراقيبها) (^١)؛ للمبالغة.\n﴿إِذْ قَامُوا﴾ على قدم الصِّدق، مجازٌ؛ يُقال: قام إلى أمر كذا: إذا عزم عليه بغاية الجِدِّ.\n﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ لم يقل: (ربًا) لأنَّ جهة توحُّده تعالى ألوهيَّةً لا ربوبيَّة.\n﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ والله لقد قلنا إذًا قولًا (^٢) شططًا.\nوالشَّططُ: الخروج عن الحدِّ بالغوا فيه، يقال: شَطَّ منزلُ فلان: إذا جاوز القَدْر في البعد، مصدر وُصِفَ به للمبالغة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2155\"> </span>(١٥) - ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.\n_________\n(^١) قطعة من بيت لذي الرمة يمدح نفسه، وهو في ديوانه (١/ ١٥٦)، وتمامه:\nوإن تعتذر بالمحل عن ذي ضروعها … إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي\n(^٢) \"قولًا\" من (ك).","vol":"6","page":233},{"text":"﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ ﴿قَوْمُنَا﴾ عطف بيان ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ خبره. وهو إخبار في معنى إنكار.\n﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾ ﴿لَوْلَا﴾ حرف تخضيضٍ بمعنى: هلَّا، صحبه الإنكار.\n﴿عَلَيْهِمْ﴾ على ألوهيَّتهم ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾: بحجَّة بالغة ظاهرة.\nفيه دليل على فساد التَّقليد في أصول الدِّين.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبة الشَّريك إليه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2156\"> </span>(١٦) - ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.\n﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ خطاب مِن بعضِهم لبعضٍ، والاعتزال يشمل الجسمانيَّ والقلبي من مفارقة قومهم ومعتقداتهم.\n﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ عطف على الضَّمير المنصوب، سواءٌ كان (ما) موصولة (^١) أو مصدرَّية، والاستثناء متَّصل إن كانوا يعبدون الله تعالى مع آلهتهم، ومنقطِع إن لم يعرفوه (^٢) تعالى.\nويجوز أن تكون ﴿وَمَا﴾ نافيةً على أنَّه إخبار من الله تعالى عن الفتية (^٣) بالتَّوحيد، معترِض بين (إذ) وجوابه تحقيقًا لمضمون الجملة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"موصولًا\".\n(^٢) في (م): \"يعرفونه\".\n(^٣) في النسخ: \"الغيبة\"، والتصويب من البيضاوي وأبي السعود والآلوسي.","vol":"6","page":234},{"text":"﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾: يبسطِ الرِّزق لكم ويوسِّع عليكم ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ في الدَّارين.\n﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾: ما ترتفقون به؛ أي: تنتفعون. قالوا ذلك ثقةً بفضل الله وقوَّةً في رجائهم.\nوقرئ: ﴿مَرْفِقًا﴾ بفتح الميم وكسر الفاء (^١).\nقال الجوهري: مَنْ قرأ: ﴿مِرْفَقًا﴾، جعله مثل مِقْطَعٍ، ومن قرأ: ﴿مِرْفَقًا﴾ جعله اسمًا مثل مَسْجِدٍ، ويجوز: مَرْفَقًا؛ أي: رفقًا، مثل: مَطْلَعٍ، ولم يُقرأ [به] (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2157\"> </span>(١٧) - ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.\n﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ الخطاب للنَّبيِّ ﵇، أو لكلِّ أحد (^٣)، والمعنى: إنَّك لو رأيتهم لرأيتهم كذا، لا أنَّ المخاطب رآهم على التَّحقيق.\n﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾: تنحَّى وتميل، فلا يقع شعاعها عليهم فيؤذيَهم، وأصله: تتزاور، فأُدغمت التَّاء في الزَّاي.\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٢).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" للجوهري (مادة: رفق)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) في (ف): \"واحد\".","vol":"6","page":235},{"text":"وقرئ بحذفها (^١)، وقرئ: ﴿تَزَاوَرُ﴾ كتَحْمَرُّ (^٢)، و(تَزْوارُّ) كتَحْمَارُّ (^٣)، وكلُّها من الزَّور بمعنى الميل.\n﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾: جهة اليمين (^٤)، وحقيقتُها: الجهة المسمَّاة باليمين.\n﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ قال الخليل في \"كتاب العين\": إذا عدلْتَ عن شيء في مسيرك قلت: قرضْتُ يمنةً أو يسرةً (^٥).\nفي تعدية القرض إيَّاهم دون الكهف - على خلاف تعدية ﴿تَزَاوَرُ﴾ - دلالةٌ على أنَّ الشَّمس كانت تدخل الكهف إذا غربت إلَّا أنَّه لا يقع شعاعها عليهم كيلا ينتبهوا؛ فإنَّ لشعاع الشَّمس وحرها تأثيرًا في الانتباه، وهذا من تتمَّة ما قصد بالضَّرب على آذانهم.\n﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ يعني: يمين الكهف وشماله؛ لقوله:\n﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: هم في متَّسع داخلَ الكهف، بحيث لا يراهم مَن كان ببابه، وينالهم رَوح الهواء، ولا يؤذيهم كربُ الكهف، وهذا أيضًا مِنْ تتمَّة ما ذُكِرَ.\nقيل: وذلك لأنَّ باب الكهف في مقابَلة بنات النَّعش (^٦)، وأقربُ المشارق\n_________\n(^١) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٢).\n(^٢) قرأ بها ابن عامر، والمصدَّر بها قراءة الحِرْميين وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٢).\n(^٣) نسبت للجحدري وأيوب السختياني وابن أبي عبلة وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩)، و\"المحتسب\" (٢/ ٢٥).\n(^٤) \"جهة اليمين\" زيادة: في (م).\n(^٥) انظر: \"العين\" (٥/ ٥٠).\n(^٦) بنات نعش: سبع كواكب تشاهد جهة القطب الشمالي، شبهت بحملة النعش. انظر: \"المعجم =","vol":"6","page":236},{"text":"والمغارب إلى محاذاته مشرقُ (^١) رأس السرطان ومغربُه، والشمسُ إذا كان مدارها مدارَه تطلع مائلةً عنه مقابِلةً لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي (^٢) المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر، فيقع شعاعها على جانبيه (^٣)، ويحلِّل عفونته، ويعدِّل هواءه، ولا يقع عليهم فيؤذيَ أجسامهم ويُبليَ ثيابهم.\nومَبناه الغُفول عمَّا في تعرُّضهم من الدِّلالة على دخول الشَّمس في الكهف عند غروبها، ثمَّ إنَّ ما ذكره (^٤) من حكم مقابلة بنات النعش يختلف باختلاف الأقاليم طولًا وعرضًا.\nثمَّ إنَّ قوله: (ولا يقع عليهم فيؤذي أجسامهم ويبلي ثيابهم) إخراجٌ لِمَا وقع في شأنهم من خوارق العادات عن حدِّها ببيان أسبابها العاديَّة، على أن ما ذكره لا يصلح سببًا كافيًا.\n﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قالوا: ﴿ذَلِكَ﴾ ليسَ إشارة إلى الإيواء، ولا إلى التَّزاور والتَّعرض، بل إلى حفظ الله تعالى إيَّاهم في ذلك الكهف تلك المدَّة الطَّويلة.\nمَن تبرَّأ عن اختياره في احتياله، وصدق رجوعه إلى الله تعالى في أحواله، ولم\n_________\n= الوسيط\" (مادة: نعش).\n(^١) في (ك) و(م): \"ومشرق\"، والمثبت من (ف) وهو الموافق لما في البيضاوي وأبي السعود والآلوسي.\n(^٢) في النسخ: \"وهي التي تلي\"، والتصويب من البيضاوي وأبي السعود والآلوسي.\n(^٣) في النسخ: \"جانبها\"، والمثبت من البيضاوي، وعند أبي السعود: (جنبيه)، وعند الآلوسي: (جنبه).\n(^٤) في (ك): \"ذكر\".","vol":"6","page":237},{"text":"يستعن (^١) بغير الله مِن أشكاله؛ آواه إلى كهف أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيَّأ له محلًّا يتفيَّأ فيه من برد ظلاله بكمال إقباله (^٢).\n﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ بالتَّوفيق ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ الذي أصاب الفلاح.\nثناءٌ عليهم بأنهم جاهدوا في الله تعالى، وأسلموا له وجوههم، فلطَف بهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ الإضلال من الله تعالى بخلقِ دواعي الإضلال، وعند المعتزلة مؤوَّل بالخذلان.\n﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾: مَن يليه ويرشده، والخطاب للنَّبيِّ ﷺ، أو لكلِّ أحدٍ كما في السَّابق واللَّاحق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2158\"> </span>(١٨) - ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾.\n﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا﴾ لانفتاح عيونهم وتنفُّسهم، وأمَّا تقلُّبُهم فإنَّما يقع أحيانًا، فلا يصلح سببًا لحسبان كلِّ (^٣) لكلِّ مَن يراهم.\nوأيقاظ: جمع يَقظ، بضم القاف وكسرها، وهو من (^٤) اليقظان.\n﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾: نيام.\n_________\n(^١) في (م): \"يستغن\".\n(^٢) انظر: \"لطائف الإشارات\" (٢/ ٣٨٢).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"سببا لكل\".\n(^٤) \"من\" زيادة من (م).","vol":"6","page":238},{"text":"﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أضاف التَّقليب (^١) إلى نفسه لأنَّه بتخليقه، خاليًا عن الأسباب العادية وشرائطها.\n﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قال ابن عباس ﵄: ولو لم يُقلَّبوا لأكلتهم الأرض (^٢).\nو﴿ذَاتَ﴾ منصوب على الظَّرف؛ لِمَا مَرَّ أنَّ حقيقتها الجهة.\nوقرئ: (ويقلبهم) بالياء، والضَّمير لله، و: (تقلُّبَهم) على المصدر منصوبًا بالفعل (^٣)، يدلُّ عليه ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾؛ أي: وترى تقلُّبهم.\n﴿وَكَلْبُهُمْ﴾ أكثر المفسرين على أنَّه كلبٌ حقيقةً، وكان لصيد أحدهم أو زرعه أو غنمه. ذكره القرطبي (^٤).\nفلا تأييد في قراءة: (وكالبُهم) (^٥) - أي: صاحبُ كلبهم - لِمَا قيل: إنَّه كلب راعٍ مرُّوا به، فتبعهم وتبعه الكلب، بل التَّأييدُ بخلافه؛ إذ الظَّاهر منها أن يكون الكالب من الفتية.\nوقالت فرقة: لم يكن كلبًا حقيقةً، وإنَّما كان أحدَهم وقد كان قعد عند باب الكهف طليعةً لهم؛ كما سمِّي النَّجم التَّابع للجوزاء كلبًا.\n_________\n(^١) في (م): \"التقلب\".\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ١٨٦ و١٩١).\n(^٣) انظر: \"المحتسب\" لابن جني (٢/ ٢٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٠٩) والكلام منه، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٠٣)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٤١).\n(^٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٠).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٠٩)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٤٢).","vol":"6","page":239},{"text":"وقد حكى أبو عُمر المُطَرِّز أنَّه قرئ: ﴿وكالئهم﴾ (^١)، وحُمل على هذا الرَّجلِ؛ إذ (^٢) بَسْطُ الذِّراعين واللُّصوقُ بالأرض مع رفع الوجه للتطلُّع (^٣) هيئةُ الرَّبيئةِ المستخفي بنفسه.\nويحتمل أن يراد بالكالب: الكلب.\n﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أُعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضيِّ؛ لأنَّها حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، ولم يُقصد الإخبار عن فعل الكلب.\nوعند الكسائي وهشامٍ، وأبي جعفرٍ من البصريين (^٤): كونُه بمعنى المضيِّ غيرُ مانعٍ من العمل.\nوالذِّراع: من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى.\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٠٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٧)، و\"البحر\" (١٤/ ٢٤٢). ووقع في النسخ تحريف في الاسم وفي القراءة، فالقراءة وقعت فيها: \"وكالبهم\"، أما الاسم فوقع فيها: \"أبو عمرو المطرزي\"، والصواب المثبت، وأبو عمر هو محمد بن عبد الواحد البغدادي الزاهد المعروف بالمطرز، لازم ثعلبًا فأكثر عنه حتى سمي بغلام ثعلب، توفي سنة (٣٤٥ هـ). انظر: \"وفيات الأعيان\" (٤/ ٣٢٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٥٠٨).\n(^٢) في النسخ: \"إذا\"، والصواب المثبت.\n(^٣) في (ف) و(م): \"للتطليع\".\n(^٤) \"من البصريين\" كذا ذكر المؤلف، والذي في \"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٤٢) والكلام منه: (ذهب الكسائي وهشام ومن أصحابنا أبو جعفر بن مضاء)، فلعل المؤلف استبدل (من أصحابنا) بـ (من البصريين)، والصواب والله أعلم أن مراد أبي حيان بأصحابه هو: الأندلسيون، فأبو جعفر المذكور هو أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء اللخمي، وهو قرطبي جياني الأصل توفي بإشبيلية سنة (٥٩٢ هـ)، وكان محدثًا مقرئًا مجتهدًا في العربية. انظر: \"الديباج المذهب\" (١/ ٢١٠).","vol":"6","page":240},{"text":"﴿بِالْوَصِيدِ﴾: بالباب، ولم يكن للكهف بابٌ، فالمراد منه موضع الباب، ولذلك قال أبو روق: فم الشِّعب.\n﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: لو شاهدتَهم، أصله: الإشراف على الشَّيء ناظرًا إليه، ويكنى به (^١) عن المشاهدة الكاملة، والخطاب لمن في: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾.\nوقرأ ابن كثير بالتَّشديد للمبالغة (^٢)، وقرئ بضم الواو (^٣).\n﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾: لأعرضْتَ بوجهك عنهم، وانتصب ﴿فِرَارًا﴾ على المصدر إمَّا لـ (فررْتَ) محذوفةً، وأما لـ (ولَّيت)؛ لأنَّه بمعنى: لفررْتَ، أو على العلَّة، أو على الحال.\n﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾: خوفًا يملأ صدرَك بما ألبسهم الله تعالى من الهيبة.\nوقيل: لطول أظفارهم وشعورهم وأجرامهم.\nوقيل: لوحشة مكانهم. ويأباه قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾.\nوالصَّحيح في أمرهم على ما قال ابن عطية: أنَّ الله تعالى حفظ لهم الحالة التي ناموا عليها ليكون لهم ولغيرهم فيهم آيةٌ، ولم يُنكر النَّاهض إلى المدينة\n_________\n(^١) بعدها في (م): \"أي\".\n(^٢) قوله: \"وقرأ ابن كثير … \"، كذا قال، ولعله سهو أو سبق قلم، فليس هنا خلاف في القراءة، ويدل على سهو المؤلف عبارة البيضاوي (٣/ ٢٧٦): (وقرأ الحجازيان: ﴿لَمُلِّئْتَ﴾ بالتشديد للمبالغة) وستأتي.\n(^٣) نسبت لابن وثاب والأعمش. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٥١)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٨)، و\"المحتسب\" (١/ ٥٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٠٤)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٤٣).","vol":"6","page":241},{"text":"إلَّا معالم الأرض والبناء، ولو كانت في نفسه حالة ينكرها لكانت عليه أهمَّ (^١) وأيضًا لَمَا قال بعضهم لبعض (^٢): ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.\nوقيل: لانفتاح (^٣) عيونهم.\nوقيل: لوحشة مكانهم (^٤).\nوبالجملة: كان النَّاس محجوبين عنهم (^٥) بالرُّعب، لئلَّا يصلوا إليهم.\nوقرئ: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ بالتَّشديد (^٦) للمبالغة.\nو﴿رُعْبًا﴾ مفعول ثانٍ، أو تمييز، وقرئ ﴿رُعْبًا﴾ بضمِّ العين (^٧).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2159\"> </span>(١٩) - ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ البعثُ: التَّحريك عن سكون، أي: أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليه من هيآتهم لم يتغيَّر شيء من أبدانهم وثيابهم.\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٠٥).\n(^٢) \"لبعض\" زيادة من (ك).\n(^٣) في (ف): \"لانتفاخ\".\n(^٤) هذا القيل تكرار لا داعي له.\n(^٥) \"عنهم\" من (م).\n(^٦) قرأ بها ابن كثير ونافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).\n(^٧) قرأ بها ابن عامر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).","vol":"6","page":242},{"text":"﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾: ليسأل بعضُهم بعضًا، ويتعرَّفوا ما لهم وما صنع الله تعالى بهم، فيَعتبروا ويستدلُّوا على عظم قدرة الله تعالى، ويزدادوا يقينًا، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم، ويستبصِروا به أمر البعث.\n﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ دخلوا الكهف في أوَّل النَّهار فنظروا حين استيقظوا فإذا هو آخرُه (^١)، فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾، ثمَّ رأوا من الشمس بقيَّة فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وكان عندهم كذلك، فلم يوصَفوا فيه بالكذب، ولم (^٢) يؤاخَذوا به.\n﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ إنكارًا عليهم من بعضهم.\nاستدلَّ ابنُ عبَّاس ﵄ بهذه الآية على أنَّ الصَّحيح من الأقوال في عددهم أنهم سبعة؛ بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع ثلاثة (^٣).\nقيل: إنهم دخلوا الكهف غدوةً، وكان انتباههم بعد الزَّوال، فظنُّوا أنَّهم في يومهم، فلمَّا نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك. وفيه نظر قد مرَّ وجهه.\nولَمَّا أخذهم ما يأخذ مَن نام طويلًا من الحاجة إلى الطَّعام قالوا:\n﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ كأنَّهم قالوا: خذوا فيما يهمُّكم، ودعوا أمر ذلك إلى الله تعالى.\n﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ قرئ بكسر الرَّاء وسكونها، والتَّثقيل وإدغام القاف في الكاف،\n_________\n(^١) في (ف): \"آخر\"، وفي (م): \"آخر النهار\".\n(^٢) في (ف) زيادة \"يقل\".\n(^٣) يعني: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هذا واحد، ثم: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا .. قَالُوا رَبُّكُمْ﴾ فالجمع في كل من ﴿قَالُوا﴾ الأول والثاني إذا كان أقله ثلاثة أصبحوا ستة، فيكون المجموع سبعة.","vol":"6","page":243},{"text":"وبالتَّخفيف مكسور الواو مدغمًا وغير مدغم، ورُدَّ الإدغام لالتقاء السَّاكنين على غير حدِّه (^١).\nوالوَرِقُ: الفضَّةُ المضروبة. نصَّ عليه في \"الصحاح\" و\"القاموس\" (^٢).\nكانوا قد استصحبوا حين خرجوا دراهمَ لنفقتهم، وكانت حاضرةً عندهم، فلهذا أشاروا إليها بقولهم: ﴿هَذِهِ﴾.\n﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ هي طَرَسوس.\n﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ الضَّمير للمدينة والمراد أهلها بطريق الاستخدام، والمصير في أمثال هذا إلى الحذف مِن ضِيق العَطَن (^٣).\n﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾: أكثر بركة، قال ابنُ عبَّاس وعليٌّ ﵄: إنَّه الأرزُّ (^٤)؛ فإنَّه يزاد بالطَّبخ، وهو من تدبير قليل البضاعة.\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة بإسكان الراء وباقي السبعة بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣). وقرأ أبو رجاء بكسر الواو والراء والإدغام، وقرأ ابن محيصن بكسر الواو وإسكان الراء والإدغام. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧١٠)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٠٥)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٤٥). ونقل المؤلف كل ما ذكر من \"تفسير البيضاوي\"، وقال الشهاب شارحا ومعلقا: والتخفيف تسكين الراء والتثقيل كسرها مع فتح الواو فيهما، وقوله (أي: البيضاوي): وغير مدغم، لم يذكره جار الله، وأمّا التثقيل وكسر الواو فلم يقرأ به. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٨٥).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: ورق)، و\"القاموس المحيط\" (مادة: ورق).\n(^٣) (من ضيق العطن)؛ أي: من ضيق مجاله في المعاني والبيان، والأصل في (العطن): مبرك الِإبل عند الماء. وقوله: \"والمصير في أمثال هذا … \" إلى هنا من (م).\n(^٤) لم أقف عليه، وذكره القرطبي دون عزو كما سيأتي.","vol":"6","page":244},{"text":"وفي \"تفسير القرطبي\": قيل: إنهم أمروه أن يشتري ما يُظنُّ أنَّه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يُطَّلَع عليهم، ثم إذا طبخ كفى جماعة، ولهذا قيل: ذلك الطعام الأرز (^١).\n﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾؛ أي: ويتكلَّفْ في استعمال (^٢) دقائق التَّدبير في دخول المدينة وشرائه الطَّعام، فلا يُعلم به في ذهابه وإيابه.\n﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾: ولا يفعلنَّ ما يؤدي إلى الشُّعور بكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2160\"> </span>(٢٠) - ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\nوالضمير في: ﴿إِنَّهُمْ﴾ عائدٌ على ما دلَّ عليه المعنى من أهل تلك المدينة.\n﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: إنْ يطَّلعوا عليكم، أو إن يظفروا بكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾: يقتلوكم برمي الحجارة ﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾: يصيِّروكم فيها.\nوقيل: العود على معناه الشَّائع؛ لأنهم كانوا أوَّلًا على دينهم ثم آمنوا، وإنما لم يقل: (إليها) لأنَّه لا يلزم من العود إلى الشيء التلبُّسُ به.\n﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾: ولن تفوزوا بخير أبدًا إن ارتدَّيتُّم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٣٧).\n(^٢) في (ف): \"استعماله\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"أردتم\".","vol":"6","page":245},{"text":"<span id=\"aya-2161\"> </span>(٢١) - ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ المفعول محذوف، تقديره (^١): أعثرناهم عليهم؛ أي: كما أنمناهم وبعثناهم لتزداد (^٢) بصيرتهم أطلعناهم عليهم، وأصله: أنَّ مَنْ عثر برجله على شيء وهو غافل نظر إليه حتى يعلمه، فاستُعير العثور للظهور.\n﴿لِيَعْلَمُوا﴾؛ أي: ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث، أو الموعود الذي هو البعث ﴿حَقٌّ﴾ لأنَّ حالهم في نومتهم (^٣) وانتباههم بعد المُدَد المتطاولة كحالِ مَن يموت ثم يُبعَث.\n﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾: وأنَّ القيامة لا ريب في إمكانها؛ فإنَّ مَنْ توفَّى أنفسهم وأمسكها ثلاث مئةٍ سنينَ حافظًا أبدانَهم عن التَّحلُّل والتَّفتُّت، ثمَّ أرسلها إليهم قَدَرَ أن يتوفَّى نفوس جميع النَّاس ممسكًا إيَّاها إلى أن يَحشر أبدانها فيردَّها عليهم.\n﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ ظرف لـ ﴿أَعْثَرْنَا﴾.\n﴿بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أمْرَ الفتية حين أماتهم الله تعالى ثانيًا، فقال بعضهم (^٤): ماتوا، وقال آخرون: ناموا نومَهم أوَّل مرَّة.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"التقدير\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"ليزدادوا\".\n(^٣) في (ك): \"نومهم\".\n(^٤) في (ك): \"قوم\"، وسقطت من (ف).","vol":"6","page":246},{"text":"﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾، أي: على باب كهفهم ﴿بُنْيَانًا﴾ لئلَّا يتطرَّق إليهم النَّاس والدَّواب، ولا يتعرضَ لهم السِّباع.\n﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ بأحوالهم أنَّهم ماتوا أو ناموا.\n﴿قَالَ﴾ ولم يقل: (وقال) لأنَّه لم يُذْكَر في معرض المنازعة.\n﴿الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾؛ أي: قال عظماؤهم بعد الاتِّفاق على البناء عليهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ يُصلَّى فيه ويُتبرَّك بمكانهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2162\"> </span>(٢٢) - ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.\n﴿سَيَقُولُونَ﴾ الضمير لمن خاض في قصَّتهم في زمن رسول الله ﷺ من أهل الكتاب والمؤمنين:\n﴿ثَلَاثَةٌ﴾ هم ثلاثة رجال ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، أي: جعَلهم أربعةً بانضمامه إليهم، قيل: هو قول اليهود.\n﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قاله النَّصارى، وإنما لم يذكره بالسِّين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه.\n﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾: يرمون رميًا بالخبر الخفيِّ الذي لا مطَّلع لهم عليه.\n﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قاله المسلمون بإخبار الرَّسول عليه","vol":"6","page":247},{"text":"السلام عن جبريل (^١) على ما أنبأ عنه إخراج هذا القول (^٢) عن حيِّز الرَّجم بالغيب.\nوأمَّا إتباعُه قولَه: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فلا دخل له في الإنباء المذكور.\nولا دلالة في قوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أنَّ ذلك القليل من جنس الإنس حتى يتمشَّى أن يُقال: أثبت العلم بهم لطائفةٍ بعد ما حصر أقوال الطَّوائف في الثَّلاثة المذكورة؛ فإنَّ عدم إيراد الرَّابع في نحو هذا المحل دليل العدم، مع أنَّ الأصل ينفيه، ثم ردَّ الأوَّلَيْنِ بالإتباع المذكور ليتعيَّن الثَّالث (^٣).\nوأمَّا التَّمسُّك بالواو بأنْ يقال: إنَّها (^٤) دخلت على الجملة الواقعة صفةً للنَّكرة، تشبيهًا لها بالواقعة حالًا عن المعرفة؛ لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف، والدِّلالة على أنَّ اتِّصافه بها أمر ثابت (^٥) = فضعيفٌ؛ لأنها من المحكيِّ لا من الحكاية، فدلالتُها على الثُّبوت عند القائل، لا عند الله تعالى.\nنعم لو قيل: إنَّها تدلُّ على تصديق القائلين بأنَّهم سبعة؛ لأنَّها عاطفة على كلام (^٦) مصدَّق، تقديره: نعم وثامنهم كلبهم؛ كما إذا قال قائل: زيدٌ شاعرٌ، وقيل: وفقيهٌ أيضًا؛ أي: نعم، وفقيه أيضًا.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وحي\"، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٧).\n(^٢) في (ف): \"إخراج\"، وفي (ك): \"إخراجه\".\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٧). وقوله: ثم رد بصيغة الماضي معطوف على حصر، وقيل إنه مصدر مجرور معطوف على ما حصر وما مصدرية. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٨٨).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"بالواو بأنها\".\n(^٥) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٧) ..\n(^٦) في (ف) و(ك): \"الكلام\".","vol":"6","page":248},{"text":"وفي الخبر: سئل النبي ﷺ أنتوضأ بما أَفضلت الحمر؟ قال: \"وبما أفضلت السِّباع\" (^١). قال السُّهيْلي: يريد: نعم وبما أفضلت السِّباع (^٢).\nوقال جماعة ومنهم الإمام أبو منصور الماتُريدي: لم يبيِّن اللهُ تعالى ذلك لأهل الكتاب ولا لنبيِّه ﵇، ولو كان أعلمه لم يقل: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ لأن علمه به يغنيه عن السُّؤال عنهم (^٣).\n﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾: فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلَّا جدالًا ظاهرًا غير متعمّق فيه، وهو أن تقصَّ عليهم (^٤) ما أوحى الله تعالى إليك فحسب، من غير تجهيلٍ لهم ولا تعنيفٍ لهم في الرَّدِّ عليهم.\n﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾: ولا تستفتِهم من جهتهم. قاله (^٥) ابن عبَّاس ومجاهد وقتادة (^٦).\nروي أنه ﵇ سأل نصارى نجران عنهم فنهي عن السُّؤال. ذكره القرطبي (^٧).\n_________\n(^١) رواه الدارقطني في \"سننه\" (١٧٥) و(١٧٦) من حديث جابر ﵁ وضعفه. وضعف الحديث النووي في \"المجموع\" (١/ ٢٣٢).\n(^٢) انظر: \"أمالي ابن سمعون\" (١/ ٣٨٤)، و\"حاشية ابن القيم على سنن أبي داود\" (١٤/ ٧٦).\n(^٣) انظر: \"تأويلات أهل السنة\" (٧/ ١٥٦).\n(^٤) \"عليهم\" من (ف).\n(^٥) في النسخ: \"قال\"، والصواب المثبت.\n(^٦) رواه عنهم الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٢٢٢ - ٢٢٥).\n(^٧) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٤٩). وانظر أيضًا: \"معاني القرآن\" (٢/ ١٣٨)، و\"الوسيط\" للواحدي (٣/ ١٤٣).","vol":"6","page":249},{"text":"<span id=\"aya-2163\"> </span>(٢٣) - ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾.\n﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾: لأجل شيء تعزم عليه ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ﴾ الشَّيء.\nإنَّما قال: ﴿فَاعِلٌ﴾ بالتَّنوين دون الإضافة لمكان قوله:\n﴿غَدًا﴾ ومبنَى ذلك على قاعدةٍ ذكرناها في تفسير: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2164\"> </span>(٢٤) - ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.\n﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: إلَّا بأنْ يشاء الله؛ أي: إلا ملْتبسًا بمشيئة الله (^١) قائلًا: إن شاء الله.\nوهذا نهيُ تأديبٍ مِن اللهِ تعالى لنبيِّه ﵇ حين قالت اليهود لقريش: سلوه عن الرُّوح، وعن أصحاب الكهف، وذي القرنين. فسألوه فقال: \"ائتوني غدًا أخبركم\" ولم يَستثنِ، فأبطَّأ (^٢) عليه الوحي حتَّى شقَّ عليه، وكذَّبته قريشٌ (^٣).\nفقوله: ﴿غَدًا﴾ بمعناه الحقيقيِّ، لا بمعنى ما يُستقبل من الزَّمان، وعدمُ اختصاص الحكم به من جهة دلالة النَّص لا من جهة عبارته.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أي ملتبسًا أي بمشيئته\".\n(^٢) في (ف): \"فبطأ\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٦٦٨). ورواه ابن إسحاق في \"السير والمغازي\" (ص: ٢٠١): حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، فذكره مطولًا.","vol":"6","page":250},{"text":"﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾؛ أي: مشيئةَ ربِّك، وقل: إن شاء الله، كما رُوي أنَّه لما أنزل قال ﵇: \"إن شاء الله\" (^١).\n﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ إذا فرَط منك نسيانٌ لذلك ثمَّ تذكَّرتَه.\nوعن ابن عباس ﵄: ولو بعد سنةٍ ما لم يحنث (^٢).\nقال القرطبي: هذا في تداركه التبرُّك (^٣) بالاستثناء للتَّخلُّص (^٤) عن الإثم، وأما الاستثناء المغيِّر حكمًا فلا يصحُّ إلَّا متَّصلًا (^٥).\nويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربَّك بالتَّسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء؛ مبالغةً في الحثِّ عليه.\n﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾: يدلَّني ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾: لأقرب رشدًا وأظهرَ دلالةً على أنِّي نبيٌّ مِن نبيٌّ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك، من حيث آتاه من قصص الأنبياء والإخبار بالغيوب ما هو أعظم من ذلك وأدلُّ (^٦).\nوالظَّاهر أن يكون المعنى: إذا نسيْتَ شيئًا فاذكر ربَّك عند نسيانه (^٧)، وذِكْرُ ربِّك عند نسيانه أن تقول: عسى ربِّي أن يهديني لشيء آخر بدلَ هذا المنسيِّ أقرب منه\n_________\n(^١) في \"الفتح السماوي\" للمناوي (٢/ ٧٩٤): أخرجه ابن مردويه.\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٢٢٥)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٠٦٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٨٣٣) وصححه.\n(^٣) \"التبرك\" سقط من (ف) و(ك)، وفي (م): \"الترك\"، والمثبت من \"تفسير القرطبي\".\n(^٤) في النسخ: \"والتخلص\" والمثبت من \"تفسير القرطبي\".\n(^٥) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٥١).\n(^٦) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٨).\n(^٧) \"عند نسيانه\" من (م).","vol":"6","page":251},{"text":"رشدًا، أو (^١) أدنى خيرًا ومنفعةً منه، ولعلَّ النِّسيان كان خيرًا، لقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2165\"> </span>(٢٥) - ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.\n﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ يريد لبثهم فيه أحياءً مضروبًا على آذانهم.\n﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإضافة (^٢)، على وضع الجمع موضع الواحد في التَّمييز، كقوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣].\nومَن قال: على وضع الجمع موضع الواحد، ويحسِّنه هاهنا أنَّ علامة الجمع فيه جبر لِمَا حذف من الواحد، وأنَّ الأصل في العدد إضافته إلى الجمع (^٣) = فقد تدافع طرفا كلامه؛ لأنَّ مبنى قوله: (على وضع الجمع موضع الواحد) هو أن يكون الأصل الإضافةَ إلى الواحد (^٤).\nوقرأ الجمهور بتنوين ﴿مِائَةٍ﴾ ونصبِ ﴿سِنِينَ﴾ على أنَّه عطفُ بيان، وحملُه على البدليَّة ضعيفٌ؛ لأنَّه يلزم أن لا يكون العدد مقصودًا (^٥).\n﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قيل: إنهم لبثوا ثلاثَ مئةِ سنةٍ شمسيَّةٍ بحساب الأمم، ولما\n_________\n(^١) في (ك): \"و\".\n(^٢) انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٨).\n(^٤) في هامش (م): \"قال القرطبي نقلًا عن أبي علي: هذه الأعداد التي تضاف في المشهور إلى الآحاد قد تضاف إلى الجموع. منه\".\n(^٥) في (ف) زيادة: \"وأن\".","vol":"6","page":252},{"text":"كان الإخبار هنا للعرب ذُكرت التِّسع؛ إذ المفهوم عندهم من السِّنين القمريَّة، فهذه الزِّيادة هي ما بين الحسابَيْن، فهو بيان لما أجمله تعالى قبلُ.\nوقيل: إنَّه حكاية كلام أهل الكتاب؛ فإنَّهم اختلفوا في مدَّة لبثهم، كما اختلفوا في عددهم؛ فقال بعضهم: ثلاث مئةٍ، وقال بعضهم: ثلاثَ مئة وتسعَ سنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2166\"> </span>(٢٦) - ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾.\nويعضده قراءةُ ابن مسعود ﵁: (وقالوا لبثوا) (^١)، وقولُه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾.\n﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلهما (^٢)، وأنَّه هو وحده العالمُ به.\n﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أمران معناهما: إنشاءُ التَّعجب.\nوالهاء في ﴿بِهِ﴾ لله، محلُّه الرَّفع على الفاعليَّة عند سيبويه؛ لأنَّ أصله عنده: صار ذا بصر، كأَغَدَّ البعيرُ: صار ذا غدة، ثمَّ نُقِلَ إلى التَّعجُّب، وغُيِّرَ إلى صيغة الأمر؛ لأَنَّه إنشاءٌ، والتَّعجُّب إنشاءٌ، فبرزَ الضَّمير لأنَّ ضمير الغائب لا يستتر في أمر المخاطب، وزيدَ الباء. فيه لتأكيد التَّعجُّب، ولخلوه عن الضم لم تختلف صيغته بحسب اختلاف المخاطب إفرادًا وتثنية وجمعًا (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٤/ ٢٢٦)، و\"تفسير الثعلبي\" (٦/ ١٦٥).\n(^٢) في (ك): \"أحوالها\".\n(^٣) من قوله: \"ولخلوه عن الضم .. \" إلى هنا من (م).","vol":"6","page":253},{"text":"وعند الأخفش: منصوبٌ على المفعوليَّة، والفاعل ضمير المخاطب، وهو كلُّ أحدٍ، والهمزة للتعدية، والباء مزيدة.\nوعند بعضهم: الهمزة للصيرورة والباء للتعدية (^١).\nوالإتيان بصيغة التَّعجب للدِّلالة على أنَّ أمره تعالى في الإدراك خارج عمَّا عليه إدراك السَّامعين والمبصِرين؛ إذ لا يحجبه شيء، ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفيٌّ وجليٌّ.\n﴿مَا لَهُمْ﴾: لأهل السَّماوات والأرض ﴿مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾: من متولٍّ لأمورهم.\n﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ﴾: في قضائه ﴿أَحَدًا﴾ منهم، ولا يجعل له فيه مدخلًا (^٢).\nوقرئ بالتاء والجزم على النَّهي (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2167\"> </span>(٢٧) - ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.\n﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾: من القرآن، ولا تَسمع لما يَهذون به من طلب التَّبديل.\n﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: لا يقدر أحدٌ غيره على تبديلها.\n_________\n(^١) \"والباء للتعدية\" من (م)، وهو الموافق لما في \"روح المعاني\" (١٥/ ٢٩٧)، وهذا القول عزاه الآلوسي للزجاج.\n(^٢) في (م): \"مدخلًا فيه\".\n(^٣) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).","vol":"6","page":254},{"text":"﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾: ملتجأً تعدِل إليه إن هممْتَ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2168\"> </span>(٢٨) - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.\n﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾: واحبسها وثبِّتها ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة الأنعام.\n﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾؛ أي: لا تَصرف عيناك النَّظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوْتُه عن الأمر: صرفتُه عنه، وما تصرفُه العين ليس إلا النَّظر، فحُذِفَ لظهوره.\nقيل: ولا تجاوزهم نظرَك إلى غيرهم، وتعديتُه بـ (عن) لتضمينه معنى نبا (^١). وفيه: أنَّ عدا بمعنى جاوز يتعدَّى بنفسه وبـ (عن).\nقال الجوهري: عدَاه: جاوزه، وما لي عن فلان مَعْدًى؛ أي: تجاوُزٌ إلى غيره (^٢) ثمَّ إنَّ معنى الصَّرف أمسُّ للمقام من معنى التَّجاوز.\nوقرئ: (ولا تُعْدِ) [و: (لا تُعَدِّ)] من أعداه وعدَّاه (^٣).\n_________\n(^١) أي: لما ضمِّن معنى (نبا) عدِّي تعديته، يقال: نبا الشيء عنه ينبو؛ أي: تجافى وتباعد، ونبا بصري عن الشيء: إذا اقتحمه ولم يعلق به. انظر: \"حاشية شيخ زاده على البيضاوي\" (٥/ ٤٧٢).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: عدا).\n(^٣) قرأ الحسن: (ولا تُعْدِ) بضم التاء وكسر الدال، وقرأ الحسن وعيسى: (ولا تُعَدِّ). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧١٧)، والكلام وما بين معكوفتين منه.","vol":"6","page":255},{"text":"﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حال من الكاف على المشهورة (^١)، ومن الضَّمير المستتر في الفعل على غيرها، والعامل على الأوَّل أيضًا الفعل السَّابق؛ كما (^٢) سبق في قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (^٣).\nويجوز أن يكون حالًا من الفاعل، وتوحيد الضَّمير لأنهما عضوٌ واحد في الحقيقة، أو لاتحاد الإحساس، أو للاكتفاء بأحدهما عن الآخر، واستبشاعُ (^٤) إسناد الإرادة إلى العين مندفعٌ بأنَّها كناية عن إرادة صاحبها، كما يقال: تستلذُّه العين أو السَّمع، وإنَّما المستلِذُّ الشَّخصُ.\n﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾: مَن جعلنا قلبه غافلًا ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ وقرئ: (أغفَلَنَا قَلْبُهُ) (^٥) بإسناد الفعل إلى القلب، على معنى: حَسِبَنا قلبُه غافلين (^٦) عن ذكرنا إيَّاه بالمؤاخذة.\n﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قيل: نزلَتْ في أميَّة بن خلف، وذلك أنَّه دعا النَّبيَّ ﵇ إلى تبعيد الفقراء عنه وتقريب صناديد قريش (^٧).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"المشهور\"، والمثبت من (م)، والمراد: القراءة المشهورةُ في السبعة المتواترة. انظر. \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٩٦).\n(^٢) في (ك) و(م): \"لما\".\n(^٣) في (م): \"فاتبع ملة .. \". وفي \"روح المعاني\" (١٥/ ٣١٣) نقلا عن \"الكشف\": \"بل ملة … \".\n(^٤) في (ك): \"واستتباع\"، وفي (ف): \"والاستتباع\". والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٥) نسبت لعمرو بن فائد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩).\n(^٦) في (ف): \"غافلًا\".\n(^٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٦/ ١٦٦)، و\"زاد المسير\" (٥/ ١٣٣).","vol":"6","page":256},{"text":"﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾؛ أي: مجاوزًا فيه الحدَّ. ذكره الجوهري (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2169\"> </span>(٢٩) - ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾.\n﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿الْحَقُّ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، و﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ حال مؤكِّدة، أو خبرٌ بعد خبر؛ أي: جاء الحقُّ وزاحت (^٢) العلل، فلم يبقَ إلَّا اختيارُكم لأنفسكم ما شئتم.\n﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ليس هذا بترخيص وتخييرٍ بين الإيمان والكفر، وإنَّما هو وعيدٌ وتهديدٌ، وجيء بلفظ الأمر والتَّخيير لأنَّه لمَّا مكِّن مِن اختيار أيِّهما شاء، فكأنَّه مخيَّر (^٣) مأمورٌ بأنْ يتخيَّر ما شاء من النجدَيْن.\nقيل: هو لا يقتضي استقلالَ العبدِ بفعله؛ فإنَّه وإن كان بمشيئته، فمشيئتُه ليست بمشيئة (^٤).\nوكأنَّه زعم أنَّ الأمر بالإيمان والكفر يكون أمرًا بجعلهما وإيجادهما حتى قال ما قال، والحقُّ كون (^٥) العبد مأمورًا بالكسب فقط، وماذا بعد الحقِّ إلَّا الضَّلال.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: فرط).\n(^٢) في (ك): \"وراحت\".\n(^٣) \"مخير\" من (ك) و(ك)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٧١٩)، والكلام منه.\n(^٤) هذا كلام البيضاوي في \"تفسيره\" (٣/ ٢٧٩).\n(^٥) في (ف) لعلها: \"حرر\".","vol":"6","page":257},{"text":"﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾: هيَّأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ هو ما يُمَدُّ فوقَ صحن الدَّار. ذكره الجوهري (^١).\nفارسيٌّ معرَّب، أصله: سَراطاق، لا سَرَايَرْدَه، كما تُوهَّم.\nوما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على ما خرَّجه الترمذي - وقال فيه: حسن صحيح - من قوله ﵇: \"لِسُرادق النَّار أربعُ جُدُرٍ … \" (^٢) يعضدُ ما ذكرنا، ويردُّ ما قيل: إنَّه الحجرة (^٣) التي تكون حول الفسطاط، وما قيل: إنَّه الحائط.\n﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من العطش.\n﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ أي: يؤتوا بماء كالمهل (^٤)، وإنَّما قال: يُغاثوا على طريقة:\nتحيَّة بينهم ضربٌ وجيعُ (^٥)\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: سردق).\n(^٢) رواه الترمذي (٢٥٨٤)، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. والمؤلف في نقل التصحيح عن الترمذي تابع في ذلك القرطبي في \"تفسيره\" (١٣/ ٢٦٢).\n(^٣) كذا في النسخ: \"الحجرة\"، ومثله في مطبوع \"الكشاف\" (٢/ ٧١٩)، وجاء في \"تفسير البيضاوي\" بهامش \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٩٨)، و\"فتوح الغيب\" للطيبي (٩/ ٤٦٤)، و\"روح المعاني\" (١٥/ ٣٢١): (الحجزة) بالزاي، قال الشهاب: قوله (أي: البيضاوي): (الحجزة) بالزاي المعجمة، أي: ما يحجز ويمنع من الوصول إليه من خندق ونحوه، أو بالمهملة؛ أي: الحظيرة التي تجعل حوله.\n(^٤) \"أي: يؤتوا بماء كالمهل\" زيادة من (م).\n(^٥) عجز بيت لعمرو بن معدي كرب. انظر: \"الكتاب\" (٣/ ٥٠)، و\"النوادر\" لأبي زيد (ص: ١٥٠)، و\"الخزانة\" (٩/ ٢٦٥)، وقال البغدادي: ولم أره في شعره. وصدره:\nوخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ","vol":"6","page":258},{"text":"تهكُّمًا.\nوالمُهْلُ: هو ماءٌ غليظٌ كدُرْديِّ الزَّيت (^١). ذكره ابن عباس ﵄ (^٢)، ويوافقه ما في حديث التِّرمذي عن النَّبيِّ ﵇ أنَّه قال: \"كعَكَرِ الزَّيْتِ\" (^٣).\n﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾: من فَرْط حرارته إذا قُدِّمَ ليُشرَب، وهو صفة ثانية لـ (ماءٍ)، أو حال منه؛ لأنَّه قد وُصِفَ فحَسُن مجيء الحال منه، أو من (المهل)، أو الضميرِ في الكاف.\n﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المخصوصُ بالذَّمِّ محذوف تقديره: بِئْسَ الشَّرَابُ هو؛ أي: الماء الذي يغاثون به.\n﴿وَسَاءَتْ﴾ النَّارُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾: متَّكأً، وأصله: الاتِّكاء على المرفق، وهذا لمشاكلة قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وإلَّا فلا ارتفاق لأهل النَّار ولا اتِّكاء، إلَّا أن يكون كنايةً عن عدم النُّوم، كما في قوله:\nنام الخليُّ وبِتُّ اللَّيل مرتفِقًا (^٤)\n_________\n(^١) دردي الزيت: عكره وما يستقر منه في قعر الإناء. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٩٨).\n(^٢) رواه هناد بن السري في \"الزهد\" (٢٨٣)، والطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٢٤٩).\n(^٣) رواه الترمذي (٢٥٨١) و(٢٥٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، ورشدين قد تكلِّم فيه. وقد تقدمت قطعة منه قريبًا.\n(^٤) صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في \"ديوان الهذليين\" (١/ ١٠٤)، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (١/ ٤٠٠)، و\"تفسير الطبري\" (١٥/ ٢٥٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٦١٩)، ورواية الديوان: \"مشتجرًا\". وعجزه:\nكأنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحٌ\nالخلي: الذي لا هم له، والصاب: شجرة مرة لها لبن يحرق العين إذا أصابها، والمذبوح: المشقوق.","vol":"6","page":259},{"text":"<span id=\"aya-2170\"> </span>(٣٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ التَّنكير للتَّقليل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2171\"> </span>(٣١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: إقامةٍ؛ إذ هو وسَط (^١) الجنان.\nوإنما جيء بلفظ الجمع لسعتها، بحيث كان كلُّ بقعة منها صالحةً لأنْ تكون جنَّة.\nويجوز أن يراد بالجنَّات: سائر الجنان، وإضافتها إلى ﴿عَدْنٍ﴾ لأنَّه معظمُها.\nوالجملة خبر ﴿إِنَّ﴾، وما بينهما اعتراض؛ أو (^٢) هو أيضًا خبرٌ على قيام ﴿مَنْ أَحْسَنَ﴾ مقامَ الضمير؛ لأنَّ ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾: ﴿الَّذِينَ (^٣) آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ويأباه التَّقليل (^٤) المستفاد من التَّنكير في ﴿عَمَلًا﴾، أو على أن الضمير (^٥) مستغنًى عنه بعموم ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، كما هو مستغنًى عنه في قولك: نِعْمَ الرَّجلُ زيدٌ.\nوأمَّا حذفه على أنَّ المعنى: مَن أحسن عملًا منهم. ففيه أنَّه يؤذِنُ تنوُّع ﴿الَّذِينَ\n_________\n(^١) في (ف): \"متوسط\".\n(^٢) في (م): \"إذ\" وهو تحريف.\n(^٣) في (ف) و(م): \"والذين\".\n(^٤) في النسخ: \"فيأباه التعليل\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (١٥/ ٣٢٦).\n(^٥) \"على أن الضمير\" معطوف على \"على قيام من أحسن .. \".","vol":"6","page":260},{"text":"آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى مَن أحسن عملًا، وإلى مَن لم يحسنه، ولا صحَّة له (^١).\nأو الخبر هو، و﴿أُولَئِكَ﴾ كلام مستأنَف لبيان الأجر المبهَم.\nويجوز أن يكون الثَّاني بدلًا عن الأوَّل، فلا يحتاج الأوَّل إلى خبر، كما في قول الشَّاعر:\nإنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ سربلَهُ … سِرْبالَ مُلْكٍ به تُرْجَى الخواتيمُ (^٢)\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ قد مرَّ تفسيره في سورة البقرة.\n﴿يُحَلَّوْنَ﴾: يُجعل لهم حليًّا، بنى التَّحلية للمفعول إشعارًا بأنَّهم يكرَّمون بذلك ولا يتعاطونه بأنفسهم.\n﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للابتداء، والثَّانية للتَّبيين صفةٌ لـ ﴿أَسَاوِرَ﴾، وتنكيرها لإبهام أمرها في الحسن، وهي جمع أسورة، والأسورة: جمع سِوار بالكسر: زينةٌ تُلْبَسُ في الزِّند من اليد.\nوقال أبو عمرو: واحد الأساور: الأُسْوار بالضَّم (^٣)، وهو بمعنى السِّوار، لا جمعُه.\n﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ أسند فعل اللُّبس إليهم لأنَّ الإنسان يتعاطى ذلك بنفسه، خصوصًا إذا كان باديَ العورة (^٤).\n_________\n(^١) هذا على تقدير كون (مِن) تبعيضية، وليس بمتعين لجواز كونها بيانية، ولو سلم فلا بأس به، فإن الإحسان زيادة الإخلاص الوارد في حديث الإحسان: \"أن تعبد الله كأنك تراه\". انظر: \"روح المعاني\" (١٥/ ٣٢٦).\n(^٢) البيت لجرير. كما في \"ديوانه\" (بشرح محمد بن حبيب) (٢/ ٦٧٢).\n(^٣) في \"الصحاح\" (مادة: سور) عن أبي عمرو بن العلاء: (إسوار).\n(^٤) في (ك): \"مأوى الصورة\"، وفي (ف) و(م): \"بادي الصورة\"، والمثبت من \"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٧٢).","vol":"6","page":261},{"text":"﴿ثِيَابًا خُضْرًا﴾ لأنَّها أحسن الألوان وأكثرها طراوة، وقد روي فيها في ذلك أثر أنها تزيد في ضوء البصر (^١).\n﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾: ما رقَّ من الدِّيباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: ما غلظ منه، معرَّب فارسيُّه: اصطبرك.\nجمع بين النَّوعَيْن للدِّلالة على أنَّ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذُّ الأعين.\n﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة (^٢)، وهي السَّرير في الحجال، خصَّ الإتِّكاء لأنَّه هيئة المتنعِّمين.\n﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ الجنَّة ونعيمها ﴿وَحَسُنَتْ﴾ الأرائك ﴿مُرْتَفَقًا﴾: متَّكأً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2172\"> </span>(٣٢) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾.\n_________\n(^١) رواه القضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢٨٩) عن جابر بن عبد الله ﵄ يرفعه: \"النظر إلى الخضرة يزيد في البصر والنظر إلى المرأة الحسناء يزيد في البصر\". وهو خبر باطل كما في \"الميزان\" ترجمة أبي الفضل محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث.\nونحوه رواه الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٢٨٦) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وفي إسناده أبو البختري القاضي رمي بالوضع. انظر: \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٢٧٥).\nوقد ذكر هذا الحديث ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ١١٢)، وكذا ابن القيم في \"المنار المنيف\" (ص: ٦٢) وغيرهما.\nورواه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٤٤)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١٠/ ٢٨٢) موقوفًا على ابن عبَّاس ﵄، ولفظه: (ثلاث تجلو البصر: النظر إلى الخضرة …).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أريك\".","vol":"6","page":262},{"text":"﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ للكافرين والمؤمنين ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ حالَ رجلَيْن مفروضَيْن أو موجودَيْن.\n﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ وهو الكافر ﴿جَنَّتَيْنِ﴾: بُستانَيْن ﴿مِنْ أَعْنَابٍ﴾: من كروم.\nوالجملة بتمامها بيان التَّمثيل، فلا محلَّ لها من الإعراب (^١)، أو صفة الرَّجلَيْن، [فموضعها النصب].\n﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾؛ أي: جعلناه مُطيفًا (^٢) بهما، وهذا مما يُؤْثِره الدَّهاقين؛ أي: يجعلوها مؤزرةً (^٣) بالأشجار المثمرة.\n﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾: جعلها أرضًا جامعة للأقوات والفواكه.\nوصف العمارة بأنها متواصلةٌ متشابكة لم يتوسطها ما يقطعُها ويفصل بينهما، مع الشَّكل الحسن والتَّرتيب الأنيق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2173\"> </span>(٣٣) - ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾.\n﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾: ثمرها، وإفراد الضَّمير لإفراد ﴿كِلْتَا﴾، ولو قيل: (أتتا) على المعنى لجاز، والمختار هو الأوَّل.\n﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ﴾؛ أي: لم تنقص مِنْ أُكُلِها ﴿شَيْئًا﴾ يُعهَد في سائر البساتين.\n_________\n(^١) قوله: \"فلا محل لها من الإعراب\"، وقع بعد قوله: \"أو صفة الرجلين\"، والصواب المثبت. انظر: \"البحر\" (١٤/ ٢٧٥)، و\"روح المعاني\" (١٥/ ٣٣٦)، وما سيأتي بين معكوفتين منهما. ووقع في النسخ: \"لا محل له .. \" والصواب المثبت.\n(^٢) في (ك): \"جعله مطيفًا\"، وفي (م): \"جعلته مطبقًا\"، وفي (ف): \"جعلناه مطيقًا\"، والصواب المثبت.\n(^٣) في (ف) و(ك): \"مؤيدة\".","vol":"6","page":263},{"text":"﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ ليدومَ شربها، فإنَّه الأصل، ويزيد بهاؤها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2174\"> </span>(٣٤) - ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.\n﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾؛ أي: أنواع المال؛ مِن ثمَّر ماله: إذا كثَّره.\n﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ الظَّاهر منه أنَّهما ليسا بأخوَين.\n﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾؛ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه، من حارَ: إذا رجع.\n﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: أولادًا، دلَّ على ذلك قول صاحبه: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾، والمراد الذُّكور؛ لأنهم ينفرون معه دون الإناث.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2175\"> </span>(٣٥) - ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.\n﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ بصاحبه ليريَه ما فيها، ويعجِّبَه منها، ويفاخرَه بما ملَكَ من المال دونه.\nوإفراد الجنَّة تجريد الكلام (^١) لما سبق من الغرض، وصونًا له عمَّا يخيِّل أمرًا آخر، والغرض هاهنا: بيان ما قاله عند دخول (^٢) جنَّته، والتَّعرُّض لتعدُّدها فضلةٌ في ذلك، وهذا كما تقول إذا رأيت لباسًا طويلًا على امرأة قصيرة: اللباس طويل واللَّابس قصير، ولو قلت: اللابسة قصيرة، جئْتَ بما هو لُكْنةٌ (^٣)\n_________\n(^١) قوله: \"وإفراد الجنة تجريد الكلام\"، كذا في النسخ، ولعله ضرب على ألف (إفراد) في (م)، ولعل صواب العبارة: (وأفرد الجنة تجريدًا للكلام) بدلالة ما عطف عليه من قوله: \"وصونًا\".\n(^٢) في (ك): \"دخوله\".\n(^٣) في (ف): \"لكنت\"، وفي (م): \"لنكتة\".","vol":"6","page":264},{"text":"وفضولُ قول؛ لأنَّ الكلام لم يقع في ذكورة اللَّابس وأنوثته، وإنما وقع في غرضٍ وراءهما.\n﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بتعريضها لسَخَطِ الله تعالى، بعُجبه وكفره، وهو أفحش الظُّلم.\n﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾؛ أي (^١): تَهلِكَ ﴿هَذِهِ﴾: الجنَّة ﴿أَبَدًا﴾ وهذا لاغتراره بانتظام أحواله واطِّراح النَّظر في عواقب أمثاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2176\"> </span>(٣٦) - ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾.\n﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾: كائنةً.\n﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ إقسامٌ منه لاعتقاده (^٢) أنَّه تعالى إنَّما أولاه ما أولى لاستئهاله واستحقاقه إيَّاه لذاته، وهو معه أينما يلقاه، على أنَّه إنْ رُدَّ إلى ربِّه على سبيل الفَرْض.\n﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا﴾: من جنَّته. وقرئ: ﴿منهما﴾ (^٣)؛ أي: من الجنتين.\n﴿مُنْقَلَبًا﴾: مرجعًا وعاقبة؛ لأنها فانية، وتلك باقية، وانتصابه على التَّمييز.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2177\"> </span>(٣٧) - ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"أن\".\n(^٢) \"لاعتقاده\" من (م).\n(^٣) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).","vol":"6","page":265},{"text":"﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ أراد: خلْقَ أصله آدم ﵇، أو أصل مادَّته، وذلك أن ماء الرَّجل يتولَّد من أغذية حاصلة من تراب، فنبَّهه أوَّلًا على ما تولَّد منه بالواسطة، ثم على ما تولَّد منه بالذَّات فقال:\n﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ فإنَّها مادَّته القريبة.\n﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾: جعلَكَ إنسانًا ذكرًا بالغًا مبلغَ الرِّجال سويًّا.\nقيل: عدَلَكَ. ويردُّه قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧].\nجعل كفره بالبعث كفرًا بالله تعالى؛ لأنَّ منشأ الشَّكِّ في قدرته تعالى (^١)، ولذلك رتَّبَ الإنكار على خلقه إيَّاه من تراب، كأنَّه يقول: مَن اعترف بخلقه تعالى إيَّاه من التَّراب لا ينكر إعادته منها؛ لأنَّها أهون منه، فالإنكار بالثَّاني لا يجامع الاعتراف بالأوَّلى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2178\"> </span>(٣٨) - ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.\n﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ استدراك من قوله: ﴿أَكَفَرْتَ﴾؛ لأَنَّه استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ، فهو في الحقيقة إخبار عن كفره.\nوأصل ﴿لَكِنَّا﴾: لكنْ أنا، فحذفت الهمزة، فتلاقَتِ النُّونان، فكان الإدغام.\nوقرئ بالألف في الوصل (^٢)؛ لتعويضها من الهمزة، أو لإجراء الوصل مجرى الوقف.\n_________\n(^١) في (م): \"في قدرة الله تعالى\".\n(^٢) وهي قراءة ابن عامر، وفي الوقف جميع السبعة يقرؤونها بإثبات الألف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).","vol":"6","page":266},{"text":"وقرئ: (لكنْ أنا) على الأصل (^١)، و﴿هُوَ﴾ ضمير الشَّأن، وهو بالجملة الواقعة خبرًا له خبرُ (أنا) (^٢)، أو ضمير ﴿اللَّهُ﴾ و﴿اللَّهُ﴾ بدلٌ، و﴿رَبِّي﴾ خبرُه، والجملةُ خبر (أنا).\nوقرئ: (لكنْ هو الله ربي) (^٣)، و: (لكن أنا لا إله إلا الله ربي) (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2179\"> </span>(٣٩) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾.\n﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾: وهلَّا قلْتَ عند دخولها:\n﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ موصولةٌ مرفوعةُ المحل على أنَّه خبر مبتدأ محذوف تقديرُه: الأمرُ ما شاء الله، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: ما شاء الله كائن، أو شرطيَّةٌ منصوبة الموضع والجزاء محذوف، بمعنى: أيَّ شيءٍ شاء الله كان؛ إقرارًا بأنَّها وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها، وإن شاء أبادها (^٥).\n_________\n(^١) نسبت لأبيٍّ والحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٢٣).\n(^٢) في (م): \"خبر إن\" وسقطت من باقي النسخ، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨١)، والكلام منه.\n(^٣) نسبت لعيسى الثقفي. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٣)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٨٤).\n(^٤) نسبت لابن مسعود. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٣) وفيه: (لكن أنا لا إله إلا هو ربي)، وفي \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩) عن ابن مسعود: (لكن هو الله ربي لا إله إلا هو).\n(^٥) في النسخ: \"أباها\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨١)، والكلام منه. قال الشهاب في \"الحاشية\": أبادها بمعنى: أفناها وأهلكها.","vol":"6","page":267},{"text":"﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وقلتَ: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ اعترافًا بالعجز على نفسك، والقدرةِ لله تعالى، وأن ما تيسَّر (^١) لك من تعميرها وتدبير أمرها فبمعونته وإقداره.\n﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ مَن رفع ﴿أَقَلَّ﴾ (^٢) جعله خبرًا، وجعل ﴿أَنَا﴾ مبتدأً، والجملةَ مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تَرَنِ﴾، ومَن نصبه جعل ﴿أَنَا﴾ فصلًا أو تأكيدًا للمفعول الأوَّل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2180\"> </span>(٤٠) - ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾.\n﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدُّنيا أو في الآخرة لإيماني، وهو جواب الشَّرط.\n﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ على جنَّتك بكفرك ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: مراميَ، واحده: حُسبانةٌ، قاله الأخفش وأبو عبيدة. وقال ابن الأعرابي: الصَّواعق (^٣).\n﴿فَتُصْبِحَ﴾ دلَّ على إتيان الحسبان باللَّيل.\n﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾: أرضًا اصطلم جميعُ ما عليها من النَّبات، كالرَّأس إذا حُلِقَ لا يبقى عليه شعر، مصدر بمعنى المفعول، مِن زَلَق رأسه زَلْقًا: إذا حلَقه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"يتيسر\".\n(^٢) هو عيسى بن عمر. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٥٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥١٨)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٢٨٧).\n(^٣) انظر: \"تهذيب اللغة\" للأزهري (٤/ ١٩٣).","vol":"6","page":268},{"text":"<span id=\"aya-2181\"> </span>(٤١) - ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾.\n﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ عطف على ﴿وَيُرْسِلَ﴾، على تنويع ما ترجَّى إلى آفَةٍ سماويَّة وآفَةٍ أرضيَّة.\n﴿مَاؤُهَا غَوْرًا﴾؛ أي: غائرًا، مصدر بمعنى الفاعل، يقال: غار الماء غورًا: إذا سفلَ في الأرض.\n﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ﴾؛ أي (^١): للماء الغائر ﴿طَلَبًا﴾: لن تقدر على طلبه؛ لعدم بقاء الأثر منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2182\"> </span>(٤٢) - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.\n﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الواو فصيحة عاطفة على مقدَّر هو تحقّق ظنّه، وثمرُه: أمواله، وإحاطتُه عبارةٌ عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من أحاط به العدو، فإنَّ قومًا قد أحاط بهم العدوُّ قلَّما ينجو منهم (^٢) شخصٌ، ثم استعمل في كلِّ إهلاك (^٣).\n﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ كنايةٌ عن التَّحسُّر والنَّدم، فإنَّ النَّادم يقلِّب كفَّيه ظهرًا لبطنٍ، فكأنَّه قيل: يندم.\n﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾: في عمارتها، فهو متعلِّق بـ ﴿يُقَلِّبُ﴾، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: متحسِّرًا على ما أَنفَقَ فيها.\n_________\n(^١) \"أي\" من (م).\n(^٢) \"منهم\" من (ك).\n(^٣) في (ك) و(م): \"هلاك\".","vol":"6","page":269},{"text":"﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: ساقطةٌ ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ بأن سقط عروشُها على الأرض، وسقط الكروم فوقها.\n﴿وَيَقُولُ﴾ عطف على ﴿يُقَلِّبُ﴾، أو حال من ضميره.\n﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكَّر موعظة أخيه، فعلم أنَّه أُتِيَ من جهة شركه وطغيانه، فتمنَّى لو لم يكن مشركًا حتى لا (^١) يُهلك الله أمواله، ويحتمل أن تكون توبةً (^٢) عن الشِّرك وندمًا على ما سبق منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2183\"> </span>(٤٣) - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾.\n﴿وَلَمْ تَكُنْ﴾ بالتَّاء والياء (^٣) ﴿لَهُ فِئَةٌ﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق باشتقاق (فئة) في آل عمران.\nولَمَّا افتخر بعزَّة نفَره أخبر تعالى أنَّه لم يكن له جماعة يُجْدونه نفعًا (^٤).\nوحُمل: ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ على المعنى دون اللَّفظ؛ أي: يقدرون على نصره بدفع الإهلاك، أو ردِّ المهلَك (^٥)، وأما الإتيان بمثله فليس من النَّصر؛ لأنَّه (^٦) المعونة بالقهر والغَلَبة، لا مطلق المعونة.\n_________\n(^١) \"لا\" من (م).\n(^٢) في النسخ: \"توبته\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٢)، والكلام منه.\n(^٣) قرأ حمزة والكسائي بالياء، والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).\n(^٤) في (م): \"تبعًا\".\n(^٥) (رد المهلك) بفتح اللام؛ أي: ردّه بعينه إن قيل بجواز إعادة المعدوم بعينه، أو بمثله إن لم نقل به. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ١٠٤).\n(^٦) في (ف): \"لأن\".","vol":"6","page":270},{"text":"﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: هو القادر وحده على ذلك.\n﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾: قادرًا على الانتصار بنفسه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2184\"> </span>(٤٤) - ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.\n﴿هُنَالِكَ﴾: في ذلك المقام وتلك الحال ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾: النُّصرة له وحدَه، لا يقدر عليها غيره، تقرير لقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nوقرئ بالكسر (^١)، ومعناه: السُّلطان والملك؛ أي: هنالك السُّلطان والملك لله تعالى، لا يُغلب ولا يُمتنع عنه.\nأو (^٢) في مثل تلك الحالة الشَّديدة يتولَّى (^٣) اللهَ تعالى ويؤمنُ به كلُّ مضطر، فيكون تنبيهًا على أن قوله: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ كان عن اضطرار وجزع ممَّا دهاه من شؤم (^٤) كفره، ولولا ذلك لم يقلها.\nويجوز أن يكون المعنى: هنالك الولاية لله ينصر فيها (^٥) أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، ويشفي صدورهم من أعدائهم، يعني: أنَّه نَصَر فيما فَعَل بالكافر صاحبَه المؤمن، وصدَّق قولَه: ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ الآية.\nوقيل: ﴿هُنَالِكَ﴾ إشارة إلى الآخرة؛ أي: في تلك الدَّار الولاية لله تعالى؛\n_________\n(^١) أي: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بكسر الواو، قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).\n(^٢) في النسخ: \"و\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٤).\n(^٣) في النسخ: \"يقوى\"، والمثبت من \"الكشاف\".\n(^٤) في (ك): \"شدة\"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.\n(^٥) في (ك) و(م): \"بها\"، والمثبت موافق لما في المصدر السابق.","vol":"6","page":271},{"text":"كقوله (^١): ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.\nوقرئ: ﴿الْحَقِّ﴾ بالرَّفع والجرِّ (^٢)، صفةً لـ ﴿الْوَلَايَةُ﴾ و﴿لِلَّهِ﴾.\nوقرئ بالنَّصب (^٣) على المصدر المؤكِّد (^٤).\nوقرئ: ﴿عُقْبًا﴾ بالسُّكون وبالضَّم (^٥)، وقرئ: (عُقْبَى) (^٦) على فُعْلَى، وكلُّها بمعنى العاقبة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2185\"> </span>(٤٥) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾.\n﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: ومثِّل لهم، من قولهم: هذه الأشياء على ضَرْبٍ واحد؛ أي: مثالٍ واحد.\n﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: صفتَها الغريبةَ (^٧) في سرعة تَقضِّيها (^٨) وذهابِ نعيمها بعد إقبالها واغترار النَّاس بها.\n_________\n(^١) في النسخ: \"لقوله\"، والمثبت من المصدر السابق.\n(^٢) قرأ أبو عمرو والكسائي بالرفع، وباقي السبعة بالجر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).\n(^٣) نسبت لعمرو بن عبيد وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٢٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥١٩).\n(^٤) أي: المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، والناصب له عامل مقدر كما تقول: هذا عبد الله حقًا، أي: الحق لا الباطل. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٠٥).\n(^٥) قرأ عاصم وحمزة بإسكان القاف، وباقي السبعة بضمها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٣).\n(^٦) نسبت لعاصم في غير المشهور عنه. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥١٩).\n(^٧) في (ك): \"القريبة\".\n(^٨) في (ك): \"نقضها\".","vol":"6","page":272},{"text":"﴿كَمَاءٍ﴾ هو كماءٍ ﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾، أي: بالماء، والباء للسببيَّة؛ أي: فالتفَّ بسببه وخالط بعضُه بعضًا من كثرته وتكاثفه، ويجوز أن تكون للتَّعدية؛ أي: نجع في النبات حتى رَويَ ورفَّ (^١).\nوحقُّ هذه الباء أن تدخل في أقل المخلوطَيْن، وسلك هنا مسلك القلب؛ للمبالغة في كثرة الماء.\n﴿فَأَصْبَحَ﴾؛ أي: أتى أمر الله، على ما أفصح عنه في سورة يونس ﵇، فالفاء فصيحة، نكتتها الإشعار بسرعة الزَّوال.\n﴿هَشِيمًا﴾: متكسِّرًا (^٢) من اليبس متفتِّتًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تفرِّقه، وقرئ: (تُذْريه) (^٣)، والتَّشبيه تمثيليٌّ، شبَّه الهيئة (^٤) المنتزعة من أحوال الدنيا بالهيئة المنتزعة من أحوال النَّبات (^٥)، إلَّا أن إيلاء أداة التَّشبيه بالماء لا يخلو عن نوع إشعارِ شَبَهِ الدُّنيا بالماء في أنَّ قليله يَروي وكثيرَه يُردي، كما ورد في الخبر قال ﵇: \"ذرِ الدُّنيا وخذ منها كالماء؛ فإنَّ القليل منها يكفي، والكثيرَ منها يُطغي\" (^٦).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الإنشاء والإفناء ﴿مُقْتَدِرًا﴾: قادرًا.\n_________\n(^١) (نجع): دخل، من النجعة وهي الارتحال والحركة - وليس هنا بمعنى: نفع، من قولهم: نجع فيه الدواء إذا نفعه - وإذا دخل فيه فقد خالط أجزاءه حقيقة، و(روي) كرضي؛ أي: تمّ شربه، و(رفَّ) بمعنى: تحرك بلطف لرطوبته ونضرته. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٠٥).\n(^٢) في (ف) و(م): \"منكسرًا\".\n(^٣) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩).\n(^٤) في (م): \"والتشبيه تمثيل الهيئة\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"النباتات\".\n(^٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٨٩).","vol":"6","page":273},{"text":"<span id=\"aya-2186\"> </span>(٤٦) - ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.\n﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لأنَّ في المال جَمالًا ونفعًا، وفي البنين قُرَّة ورفعًا.\n﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الأعمال الخيِّرات التي تبقى ثمرتها للإنسان أبدَ الآباد، من أيِّ نوعٍ كان من أنواع القول والعمل.\nوقيل: هي النيَّات والهَمَّات؛ لأن بها (^١) يُقبَل العمل ويُرْفَع.\n﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من المال والبنين ﴿ثَوَابًا﴾: عائدة.\n﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ إذ ينال بها صاحبها في الآخرة ما كان يؤمِّل بها في الدُّنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2187\"> </span>(٤٧) - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.\n﴿وَيَوْمَ﴾؛ أي: اذكُرْ يومَ ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ من سُيِّرتْ، وقرئ: ﴿نُسَيِّرُ﴾ (^٢) من سيَّرنا، و: (تَسِيْرُ) مِنْ سارَتْ (^٣)؛ أي: تَسير في الجو كما يسير السَّحاب، كما قال في آية أخرى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وهذا بعدَ كونها كالعِهن المنفوش.\nومَن ذهب إلى أنها تسير سيرَ السَّحاب ذهب إلى أن يكون المعنى: يُذهَب بها بأنْ تُجعَل هباءً منبثًّا، فذهب عن صوب الصَّواب.\n_________\n(^١) \"بها\"سقط من (ك)، و(ف).\n(^٢) قرأ الكوفيون ونافع ﴿نُسَيِّرُ﴾ بالنون وكسر الياء، وباقي السبعة بالتاء وفتح الياء، و﴿الْجِبَالَ﴾ بالنصب على الأولى والرفع على الثانية. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٣) نسبت لابن محيصن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩).","vol":"6","page":274},{"text":"﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: ظاهرةً ليس عليها ما يسترها من جبلٍ ولا شجر (^١) ولا بنيان.\nوقرئ: (وتُرَى) على بناء المفعول (^٢).\n﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ الحشرُ: السَّوق من جهاتٍ مختلفة إلى مكانٍ واحدٍ، ومجيئه ماضيّا بعد ﴿نُسَيِّرُ﴾ و﴿وَتَرَى﴾ لتحقيق الحشر.\nوقيل: للدِّلالة على أن حشرهم قبل التَّسيير ورؤيتِها بارزة؛ ليعاينوا ويشاهدوا ما وعدلهم، كأنَّه قيل: وحشرناهم قبل ذلك، فلا حاجة إلى جعل الواو للحال بإضمار (قد)، بل لا وجه له، ويردُّه ما دلَّ على أنَّ ذلك قبل الحشر من الآيات، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٣، ١٤].\n﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ بالنُّون والياء (^٣)، يُقال: غادره: إذا تركه، ومنه الغدر (^٤)؛ لأنَّه ترك الوفاء، والغدير: ما غادره السَّيل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2188\"> </span>(٤٨) - ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾.\n﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ شُبِّهَتْ حالهم بحال الجند المعروضين على السُّلطان، ولا\n_________\n(^١) في (ك): \"ولا من شجر\".\n(^٢) نسبت لعيسى. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩).\n(^٣) قرأ بالنون الجمهور، وبالياء عاصم في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٨٠).\n(^٤) في (ف): \"الغدرة\".","vol":"6","page":275},{"text":"حاجة إلى ما قيل: لا ليعرفهم، بل ليأمرَ فيهم (^١)، إنَّما الحاجة إليه إذا شُبِّهَتْ حاله تعالى بحال السُّلطان المعروض عليه جندُه.\n﴿صَفًّا﴾ مفردٌ ينزَّل منزلة الجمع؛ أي: صفوفًا؛ لِمَا ورد في الحديث الصحيح: \"يَجمع الله الأوَّليْنَ والآخرِيْنَ في صَعِيْدٍ واحدٍ صُفوفًا\" (^٢). ومَن غفل عن هذا قال: مصطفِّين ولا يحجب أحدٌ أحدًا.\n﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ معمولٌ لقولٍ محذوفٍ تقديرُه: وقلنا، وهو حالٌ، ولا يجوز أن يكون عاملًا في ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ لِمَا عرفْتَ أنَّه قبل الحشر، وهذا القول بعدَه.\n﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: مجيئًا مثلَ مجيء خلقكم.\n﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: \"حفاةً عراةً غُرْلًا\"؛ كما ورد في الحديث (^٣).\nوقيل: عراةً لا شيء معكم من المال والولد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].\n﴿بَلْ﴾ للإضراب بمعنى: الانتقال من كلام إلى كلام ليس بمعنى الإبطال.\n﴿زَعَمْتُمْ أَلَّنْ﴾ (أنْ) مخففَّة من الثَّقيلة، وفُصل بينها وبين الفحل بحرف النفي كما فُصل في قوله: ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣].\n_________\n(^١) قوله: (ليعرفهم) مضارع عرف منصوب، أو مصدر من التعرُّف مجرور، بيان لأن العرض قد يكون لتعرّف السلطان جنده، وقد يكون لتنفيذ أمره، والمقصود التشبيه بالاعتبار الثاني. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٠٧).\n(^٢) رواه البخاري (٣٣٦١)، ومسلم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) رواه البخاري (٣٣٤٩)، ومسلم (٢٨٦٠)، من حديث ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":276},{"text":"﴿نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾: مكانَ وعدٍ أو (^١) زمان وعد لإنجاز (^٢) ما وُعدتم على ألسنة الأنبياء ﵈ من البعث والنشور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2189\"> </span>(٤٩) - ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\n﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾: صحائفُ الأعمال في الميزان، أو في أيدي العباد، واحدٌ أريد به الجمع؛ لأَنَّه جنسٌ.\n﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ الإشفاق: الخوف من وقوع المكروه مع تجويز أن لا يقع.\n﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من السَّيئات.\n﴿وَيَقُولُونَ﴾ الواو للحال: ﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾ هذه لفظةُ مَن وَقعَ في شدَّةٍ.\nوالويل: الهُلْك، والنِّداءُ لمن يحضر لهم، كأنَّهم قالوا: يا مَن بحضرتنا انظروا هلكتَنا.\n﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ (ما) استفهاميَّة مبتدأ، و(لِ هذا) في موضع الخبر، تقديره: أيُّ شيء لهذا الكتاب؟ تعجيبٌ لشأنه.\n_________\n(^١) في (م): \"و\".\n(^٢) قوله \"لإنجاز\" تحرف في النسخ إلى: \"لا يجاوز\"، والتصويب من \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٣).","vol":"6","page":277},{"text":"﴿لَا يُغَادِرُ﴾ جملةٌ حاليَّة ﴿صَغِيرَةً﴾: سيِّئةً صغيرةً، قدَّمها لأنها أَدخَلُ في التَّعجيب ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ يعني: لا يترك شيئًا من المعاصي.\n﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ الإحصاء هنا كنايةٌ عن الضَّبط والحفظ، وإسناده إلى حفظ الكتاب مجازٌ.\n﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ من خيرٍ وشرٍّ ﴿حَاضِرًا﴾: موجودًا (^١) في الخارج، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦]، لا بوجوده (^٢) في الكتابة؛ لأنَّه إعادةٌ (^٣) للمعنى السابق.\n﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ بإحضارِ ما لم يعملوا، ولا بعدمِ إحضار (^٤) بعضِ ما عملوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2190\"> </span>(٥٠) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ لَمَّا بَيَّنَ حالَ المغرور بالدُّنيا، وكانَ السَّببُ تسويلَ الشَّيطان، زهَّدهم أوَّلًا في زخارفها، ثمَّ نفَّرهم عن الشَّيطان بتذكير (^٥) ما بينهم من العداوة القديمة.\n_________\n(^١) في (م): \"موجودة\"، وفي (ف): \"بوجود\".\n(^٢) في (ك): \"موجود\".\n(^٣) في (م): \"أعاد\".\n(^٤) في (ك): \"ولا بإحضار\".\n(^٥) في (ف): \"بتذكر\".","vol":"6","page":278},{"text":"﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ استئنافٌ للتعليل، كأنَّه قيل: ما له لم يسجد؟ فقيل: كان من الجنِّ.\n﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾: فخرج عن أمره تعالى بترك السُّجود، والفاءُ للتَّسبيب.\nومَن قال: هذا الكلامُ المعترِضُ تعمُّد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم (^١). فقد سها حيث أساءَ في عبارة التَّعمُّد.\n﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ الهمزة للإنكار والتَّعجُّب (^٢)، والفاء للعطف على مقدَّرٍ تقديره: أتعلمون (^٣) أنه عدوُّ الله تعالى وعدوُّ أبيكم فتتخذونه ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾: تستبدلونهم بي.\nقال الشَّعبيُّ: سألني رجل فقال: هل لإبليس زوجة؟ فقلْتُ: إنَّ ذلك عرسٌ لم أشهده، ثمَّ ذكرْتُ قولَه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ﴾، فعلمْتُ أنَّه لا يكون ذريَّةٌ إلَّا من زوجة، فقلْتُ: نعم (^٤).\n﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: أعداءٌ، في مقابَلة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ إنباءً عن اتِّحادهم في أمر العداوة، وشدَّة اتفاقهم على ذلك.\n﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ من الله تعالى إبليسُ وذريَّتُه.\n* * *\n_________\n(^١) القائل هو الزمخشري في \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٧). ووقع في النسخ: \"بصيانة الملائكة\".\n(^٢) لو قال: \"للتعجيب\" لكان أولى. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٧)، و\"روح المعاني\" (١٥/ ٣٨١).\n(^٣) \"أتعلمون\" زيادة: في (م).\n(^٤) روى نحوه ابن الجوزي في \"أخبار الظراف\" (٥٤).","vol":"6","page":279},{"text":"<span id=\"aya-2191\"> </span>(٥١) - ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾.\n﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ وقرئ: (ما أشهدناهم) (^١).\n﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: [و] لا أشهدْتُ (^٢) بعضهم خلقَ بعضٍ، كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ففي إحضار إبليس وذريَّتِه خلقَ السَّماوات والأرض وإحضارِ بعضهم خلقَ بعضٍ توطئةٌ لنفي الاعتضاد، والذي (^٣) ذكره بقوله:\n﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾؛ يعني: ما كنْتُ متَّخذُهم ﴿عَضُدًا﴾؛ أي: أعوانًا.\nفوُضع ﴿الْمُضِلِّينَ﴾ موضعَ الضَّمير ذمًّا لهم بالإضلال واستبعادًا للاعتضاد (^٤) بهم، فإذا لم يكونوا عضدًا لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاءَ لي في العبادة؟!\nوقيل: الضَّمير للمشركين، والمعنى: ما أشهدتُهم خلقَ ذلك؛ أي: لم أستعنْ بهم وبرأيهم، وما أوقفتُهم على أسرار ملكي، فلا فضيلة (^٥) لهم دون غيرهم، حتى لو آمنوا تبعهم النَّاس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعًا في نصرتهم للدِّين؛ فإنَّه لا ينبغي لي أن اعتضد بالمضلِّين لديني.\n_________\n(^١) نسبت ليزيد بن القعقاع وعون العقيلي والسجستاني. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٧٩).\n(^٢) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٨)، وكلمة \"لا\" من (ك) و(م).\n(^٣) في (ك): \"الذي\".\n(^٤) في النسخ: \"الاعتضاد\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٧٤).\n(^٥) \"فلا فضيلة\" من (م).","vol":"6","page":280},{"text":"ويعضده قراءة: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ (^١) على خطاب الرَّسول ﵇.\nويجوز أن يقال: فيه ردٌّ لأرباب التَّنجيم وأصحاب الهيئة والمتبحِّرين في علم الطِّب (^٢).\nوقرئ: ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ على الأصل، و: (عَضدًا) بالتَّخفيف، و: (عُضُدًا) بالإتْباع، و: (عَضَدًا) كخَدَمٍ (^٣): جمع عاضد، مِن عضده: إذا قوَّاه، والأصل فيه: عَضُدُ اليد، ثم وُضع موضع العون والتَّقوية؛ لأنَّ اليد قوامُها العَضُدُ، وإنَّما أُوقع الواحد موقعَ الجمع؛ لأنَّه في سياق النَّفي أبلغ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2192\"> </span>(٥٢) - ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾.\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: للكفَّار؛ وقرئ بالنَّون (^٤)، وإنَّما لم يقل: (شركاءنا) على هذه القراءة (^٥) لأنَّ المقامَ مقامُ إظهار التَّوحيد.\n﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ في عبادتكم ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شفعاؤكم، ليمنعوكم من عذابي.\n_________\n(^١) قرأ بها أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣١١).\n(^٢) بياض في (ف)، وسقط من (ك)، والمثبت من (م).\n(^٣) انظر هذه القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٢٨)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٤)، وعنه نقل المؤلف.\n(^٤) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٥) \"على هذه القراءة\" زيادة من (م).","vol":"6","page":281},{"text":"﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فنادوهم للإعانة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾: فلم يغيثوهم (^١).\n﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ بين الدَّاعين والمدعوِّين ﴿مَوْبِقًا﴾: حاجزًا؛ لقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨].\nقال ابن الأعرابيِّ: كلُّ شيء حاجزٍ بين شيئين فهو مَوْبِقٌ.\nأو: جعلنا تواصلهم في الدُّنيا مهْلِكًا في الآخرة. قاله الفراء (^٢).\nيقال: وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا، ووَبِقَ يَوْبَقُ وَبَقًا (^٣): إذا هلك، والموبِقُ: اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2193\"> </span>(٥٣) - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.\n﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾: رأوها مِن مكانٍ بعيدٍ فظنُّوا أنَّها تأخذهم في الحال، وفي الخبر: \"إنَّ الكافرَ يرى جهنَّم ويَظنُّ أنَّها مواقِعَتُه مِنْ مسيرةِ أربعينَ سنةً\" (^٤).\nوالمواقعةُ: ملابسةُ الشَّيءِ بشدَّة، ومنه: وقائع الحروب (^٥).\n_________\n(^١) وفي: (ك): \"فلم يعينوهم\". وفي (ف): \"فلم يستغيثوهم\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ١٤٧).\n(^٣) في النسخ: \"وبوقًا\"، والمثبت من \"الصحاح\" (مادة: وبق).\n(^٤) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١١٧١٤)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٣٨٤)، ونحوه عند الحاكم في \"المستدرك\" (٨٧٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وصححه الحاكم، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٣٦): وإسناده حسن على ما فيه من ضعف.\nويشهد له ما رواه ابن حبان في \"صحيحه\" (٧٣٥٢) من حديث أبي هريرة ﵁ لإسناد حسن.\n(^٥) في (ف): \"الحرب\".","vol":"6","page":282},{"text":"﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾: انصرافًا، أو: مكانًا ينصرفون إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2194\"> </span>(٥٤) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: من كلِّ نوعٍ من أنواع المعاني الغريبة. وتصريفُه: تنقيله في وجوه البيان على تمكين الأفهام.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾: أكثرَ الأشياء التي يتأتَّى منها الجدال.\nوالجَدْلُ (^١): شدَّة الفَتْل من المذهب (^٢) بطريقِ الحِجاجِ، ولا يلزم أن يكون بالباطل، ولذلك احتيجَ إلى التَّقييد به في قوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦].\nوانتصابه على التَّمييز.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2195\"> </span>(٥٥) - ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾.\n﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: من الإيمان (^٣) ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: الرَّسولُ أو القرآن ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: ومن الاستغفار عن الذُّنوب.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"والجدال \"، والصواب المثبت. انظر: \"تهذيب اللغة\" (١٠/ ٣٤٢)، و\" المحرر الوجيز\" (٣/ ١٦٦).\n(^٢) \"من المذهب\" من (م).\n(^٣) أي: وما منع الناس من أن يؤمنوا، فـ ﴿أَنْ﴾ مصدرية مقدر قبلها حرف الجر: من.","vol":"6","page":283},{"text":"﴿إِلَّا﴾ تقديرُ أو طلبُ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: وهو الاستئصال، فحذف المضاف وأُقِيْمَ المضافُ إليه مقامَه.\n﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾: عذاب الآخرة.\n﴿قُبُلًا﴾ بكسر القاف وفتح الباء: عيانًا، وقرئ بضمهما (^١)، وهو لغة فيه، أو جمع قبيل بمعنى: ضُروب، وقرئ بفتحتين، وهو أيضًا لغة (^٢)، وانتصابه على الحال من أحد المفعولين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2196\"> </span>(٥٦) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.\n﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ بالثَّواب والعقاب، للمطيعين والعاصين.\n﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾: باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، وإنكارِ كون البشر رسلًا (^٣) من الله تعالى.\n﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ﴾: ليزيلوا بالجدل ﴿الْحَقَّ﴾ عن مقرِّه ويُبطلوه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها (^٤).\n﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾؛ يعني: القرآنَ ﴿وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾: والذي أُنذروه من العقاب، أو: إنذارهم.\n_________\n(^١) قرأ الكوفيون بضمتين، وباقي السبعة بكسر القاف وفتح الباء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٢) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة (ص: ٢٦٩)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٢٩).\n(^٣) في (ف) و(م): \"رسولًا\".\n(^٤) في (م): \"الندم وهو إزلاقها \"، وفي (ف): \"العدم وهو إذلاقها\"، وفي (ك): \"القدم وهو انزلاقها\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٢٩)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٥).","vol":"6","page":284},{"text":"﴿هُزُوًا﴾: استهزاء، وقرئ بالسُّكون (^١)، وهو ما يُستهزء به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2197\"> </span>(٥٧) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾: بالقرآن.\n﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾: فلم يتذكر حين ذُكِّرَ ولم يتدبَّر.\n﴿وَنَسِيَ﴾ عاقبةَ ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾؛ أي: لم يتذكَّر ما يترتَّب على فعله من العذاب.\nوالتَّعبير عن عدم التَّذكُّر (^٢) بالنِّسيان للمبالغة، وإنما حَسُن التجوُّز عن الجملة باليدين لأنَّ المسْنَد (^٣) ممَّا يُكسب، وهما أقوى آلته.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ مرتبط بقوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على أنَّه تعليل لإصرارهم على ما كانوا عليه، وما بينهما من قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ إلخ جملةٌ معترضةٌ في تقبيح حالهم.\n﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ قد مزَ تفسيرُه في سورة بني إسرائيل.\n﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ فلا يكون منهم اهتداء البتَّة لشدَّة تصميمهم.\n﴿إِذًا أَبَدًا﴾ مدَّة التَّكليفِ كلِّها، و﴿إِذًا﴾ جزاءٌ وجوابٌ للرَّسول ﵇،\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة عند الوقف، وكذا في الوصل لكن مع إبدال الواو همزًا. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٤).\n(^٢) في النسخ: \"التذكير\"، والصواب المثبت. وسقطت \"عدم \" من (ف) و(ك).\n(^٣) في (ف): \"المسند\".","vol":"6","page":285},{"text":"على تقدير قوله: مالي لا أدعوهم (^١)؟ فإنَّ حرصه ﵇ على إسلامهم يدلُّ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2198\"> </span>(٥٨) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾.\n﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾: البليغ المغفرة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ هو: الموصوف بالرَّحمة.\nثم استشهد على ذلك بإمهال أهل مكَّة مع إفراطهم في عداوة الرسول ﵇، فقال:\n﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ في الدُّنيا.\n﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ وهو يوم القيامة، أو يوم بدر.\n﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾: منجًا ولا ملجأً، يقال: وألَ: إذا نجا، [و] وألَ إليه: إذا التجأ إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2199\"> </span>(٥٩) - ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾.\n﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ يريد: قرى الأوَّلين من ثمودَ وعادٍ وقوم لوط وأضرابهم، إشعارٌ لهم إليها ليعتبروا.\nو﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، و﴿الْقُرَى﴾ صفةٌ أو عطفُ بيان، والخبر:\n_________\n(^١) في النسخ: \"ما لي أدعوكم\" والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٣٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٥)، و\"البحر\" (١٤/ ٣١٢)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ٢٣٠)، و\"روح المعاني\" (١٥/ ٣٩٩).","vol":"6","page":286},{"text":"﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ ويجوز أن تكون ﴿الْقُرَى﴾ الخبر، و﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ جملةٌ حاليَّة، كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]، وأن تكون ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ نصبًا بإضمار: (أهلكنا) على شريطة التَّفسير.\nو﴿الْقُرَى﴾ مجازٌ عن أهلها، وذلك خير من تقدير المضاف، ولا بدَّ من أحدهما؛ ليكون مرجع الضمائر.\n﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ هو مثلَ ظلم أهلِ مكَّة (^١)، وفيه إشعارٌ بعلَّةِ الإهلاك تحذيرًا منها، وبهذا استدلَّ ابنُ عصفور على حرفيَّة المَّا)، وأنها ليست بمعنى (حين)؛ لأنَّ الظَّرف لا دلالة فيه على العلَّة (^٢).\nوإنَّما تُرك مفعول ﴿ظَلَمُوا﴾ تنزيلًا له منزلة اللَّازم؛ ليذهبَ الوهمُ كلَّ مذهبٍ.\n﴿وَجَعَلْنَا﴾: وضربْنا ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ المُهْلَك بضم الميم وفتح اللَّام: الإهلاك.\n﴿مَوْعِدًا﴾: وقتًا معلومًا لا يتأخَّرون عنه، كما ضربنا لأهل مكَّة يوم بدر. وقرئ بفتح الميم واللَّامُ مفتوحة أو مكسورة (^٣)؛ أي: لهلاكهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2200\"> </span>(٦٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"مثل ظلم مكة\".\n(^٢) انظر: \"البحر المحيط\" (١٤/ ٣١٣)، و\"الجنى الداني في حروف المعاني\" لبدر الدين المرادي (ص: ٥٩٥).\n(^٣) قرأ أبو بكر بفتح الميم واللام، وحفص بفتح الميم وكسر اللام، وباقي السبعة بضم الميم وفتح اللام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).","vol":"6","page":287},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ: اذكُر (^١).\n﴿لِفَتَاهُ﴾ هو (^٢) يوشع بن نون، ابنُ أخت موسى ﵇، وإنَّما قيل: (فتاه)؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، وقيل: كان يأخذ منه العلم، والعرب تسمِّي التِّلميذ فتًى وإن كان شيخًا.\n﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا أزال أسير، فحذف الخبر لدلالة حالهِ - وهو السَّفر - وقولهِ: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ من حيث إنها غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له.\nويجوز أن يكون الخبر ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾ على أن يكون أصل الكلام: لا يَبرح مسيري (^٣)، فينقلب الضَّمير والفعل بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.\nوأن يكون (^٤) المعنى: لا أبرح ما أنا عليه؛ يعني: ألزمُ المسيرَ والطَّلبَ ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغَ، كما تقول: لا أبرح المكانَ، فلا يستدعي الخبرَ.\nو﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: ملتقاهما، وهما: الكُرُّ والرَّسُّ بأرمينية. قاله السُّديُّ (^٥).\nوقيل: بحرا فارس والرُّوم. ويَرِدُ عليه: أنهما لا يلتقيان، ولا يقرب أحدهما من الآخر.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"مقدر بالذكر\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"وهو\".\n(^٣) في (ف): \"مسير\"، وفي (م): \" فسيرى\"، وفي هامشها: \"لعلها: مسيري\".\n(^٤) أي: (ويجوز أن يكون) كما هي عبارة الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٣١).\n(^٥) رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٤٢٣)، وذكره أبو العباس القرطبي في \"المفهم\" (٦/ ١٩٥)، وتلميذه القرطبي المفسر في \"تفسيره\" (١٣/ ٣١٦)، وتحرفت (الرس) في النسخ إلى: \"الراس\"، والمثبت من المصادر. وانظر: \"معجم البلدان\" (٣/ ٤٤).","vol":"6","page":288},{"text":"وفي \"التَّيسير\" (^١): كان البحرُ الذي (^٢) يعملون فيه أصحابُ السَّفينة ما بين بحر فارس إلى بحر الروم.\nوإذ لا اتِّصال بينهما فلا صحَّة لهذا الكلام أيضًا.\nولعل (فارس) (^٣) محرَّف من: فاس، وهي بالمغرب (^٤) حاضرةُ البحر، من أجلِّ المدن القديمة، ويعضده ما قاله محمَّد بن كعب: إنَّ مجمعَ البحرين عند طنجة (^٥)، وما قاله أبيُّ بن كعب: إنَّه بإفريقية (^٦).\nوقول الخضر لموسى ﵉ حين سلَّم عليه: \"وأنَّى بأرضك السَّلام \" (^٧) يدلُّ على أنَّ ملاقاتهما لم تكن بين بحر فارس والزُوم؛ لأنَّ تلك الأرض أرضُ بني إسرائيل وما يقرب منها، وهي منشأ السَّلام (^٨) ومعدن الإسلام.\nوقرئ: (مَجْمِعَ) بكسر الميم (^٩).\nقال الجوهري: الموضع مَجْمَعٌ ومَجْمِعٌ؛ كمَطْلَعٍ ومَطْلِعٍ (^١٠).\n_________\n(^١) \"التيسير في التفسير\" لنجم الدين، أبي حفص: عمر بن محمد النسفي الحنفي، المتوفى بسمرقند سنة (٥٣٧). انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٥١٩).\n(^٢) في (ف): \"كان الذين\".\n(^٣) في (ك): \"بحر فارس\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"بالغرب\".\n(^٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٣٠٩).\n(^٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣١٦).\n(^٧) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.\n(^٨) في (م): \"الإسلام\".\n(^٩) نسبت لعبد الله بن عبيد بن مسلم بن يسار. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٠).\n(^١٠) انظر: \"الصحاح\" (مادة: جمع).","vol":"6","page":289},{"text":"﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ الحُقُبُ: الدَّهر، وقيل: ثمانون سنة، وقيل: تسعون؛ أي: أسير زمانًا طويلًا، والمعنى: حتى بلوغ المجمع ومُضيِّ الحُقب.\nروي في \"الصحيحين\": أنَّ موسى ﵇ قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيُّ النَّاس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب اللهُ عليه إذ لم يردَّ العلم إليه، فأوحى إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يا ربِّ، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مِكْتَلٍ، فحيثما فقَدْتَ الحوت فهو ثَمَّ، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشَعُ بنُ نونٍ، حتى إذا أتيا الصَّخرة وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه، فسقط في البحر (^١).\nقيل: اضطراب الحوتِ كان بعد ما استيقظَ يوشع ﵇، وتوضَّأ من عين الحياة، فانتضح الماء عليه، فعاش ووثب في الماء (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2201\"> </span>(٦١) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.\n﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾؛ أي: مجمع البحرين، و(بين): ظرف أضيف إليه على الإتباع.\n﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [أي: نسيا] تفقُّدَ أمره وما يكون منه [مما جعل] أمارةً على الظَّفر بالمطلوب (^٣).\n_________\n(^١) رواه بنحوه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.\n(^٢) ورد نحو هذا ضمن رواية البخاري (٤٧٢٧)، وهي زيادة أنكرها الداودي كما في \"فتح الباري\" (٨/ ٤١٥)، وانظر كلامه ثمة.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٣٢)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"6","page":290},{"text":"ولا وجهَ لما قيل: نسيَ موسى ﵇ أن يطلبه ويتعرَّفَ حالَه، ويوشعُ ﵇ أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر؛ لأنَّ هذا النِّسيان منه قبل ذلك، على ما دلَّ عليه قوله:\n﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ الفاء فصيحة تُفصح عن مقدَّرٍ يدلُّ على حياة الحوت وسقوطه في البحر، على ما نقل فيما سبق.\n﴿سَرَبًا﴾؛ أي: جَعَل سبيله في البحر كالسَّرب، وهو الثُّقب الذي يُدخل فيه فيُسلك منه إلى موضع، وفي الحديث المارِّ ذكره: \"وأمسكَ اللهُ عن الحوت جِرْيَةَ الماءِ، فصار عليه مثل الطاق\" (^١).\nوأمَّا السَّارب في قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فبمعزَلٍ عن هذا؛ لأنَّه بمعنى الظَّاهر، صرَّح به الجوهري (^٢)، ودلَّ عليه بقوله: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] مقابَلته.\nونصبُه على المفعول الثَّاني، و﴿فِي الْبَحْرِ﴾ حالٌ منه، أو من السَّبيل، ويجوز تعلقه بـ (اتخذ).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2202\"> </span>(٦٢) - ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين، وفي الحديث المذكور: \"فانطلقا بقيَّة يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد\".\n﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ ما نتغدَّى به.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (١/ ١٤٦) (مادة: سرب).","vol":"6","page":291},{"text":"﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا﴾ قيل: لم ينصَبْ موسى ﵇ في سفرٍ غيره، ويؤيِّده التَّقييد بقوله:\n﴿هَذَا﴾ وقيل في الحديث المذكور: إنه ﵇ لم ينصَبْ حتى جاوز الموعد.\n﴿نَصَبًا﴾: تعبًا وعناءً.\nقيل: عنى هنا (^١): الجوع، ولا يخفى أنَّ الفعل وتعديتَه إنَّما يناسبان الأوَّل.\nوجه الارتباط بين الكلامَيْن: أنَّ القعود للتغدِّي يتضمَّن الاستراحة، فكأنَّه قال: آتنا غداءنا حتى نتغدى ونستريح زمانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2203\"> </span>(٦٣) - ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.\nقال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ﴾: أعلمْتَ ما دهاني (^٢) ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾؛ أي: أقَمنا عندها.\n﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾؛ يعني: أَمْرَ ذكرِهِ في مَعْرِضِ الاعتذار لِمَا جرى في الحوت من المعاهدة، وذلك (^٣) على ما ذكر في \"صحيح البخاري \": أنَّ موسى ﵇ قال له: لا أكلِّفُكَ إلَّا أنْ تخبرني بحيث يفارقك الحوت. فقال: ما كَلَّفْتَ كثيرًا (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"عناؤه\".\n(^٢) في (م): \"دعاني\".\n(^٣) في (ف): \"وذكر\".\n(^٤) رواه البخاري (٤٧٢٦) من حديث أبي بن كعب ﵁.","vol":"6","page":292},{"text":"﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الضَّمير؛ أي: ما أنساني ذكرَه إلَّا الشَّيطان.\nوفي مصحف عبد الله: (وما أنسا نيه أنْ أذكِّرَكَهُ (^١) إلَّا الشَّيطان) (^٢)؛ أي: وسوسني وشغلني بغيره حتى نسيْتُ، والحال وإن (^٣) كانت لغرابتها أجلَّ من ذلك، إلَّا أنَّه لَمَّا اعتاد مشاهدة (^٤) أمثالها عند موسى ﵇ وألفها قلَّ اهتمامه بها، فهو اعتذار عن نسيانه.\n﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾؛ أي: اتِّخاذًا عجبًا، والمفعول الثَّاني الظَّرف.\nوإنَّما كان عجبًا لخروجه من المكتل، وحياته بعد كونه مشويًّا أو مأكولًا بعضٌ منه، وإمساك جريةِ (^٥) الماء عليه.\nوقيل: سبيلًا عجبًا.\nوفيه: أنَّ أكثر العجائب ليس بحال السَّبيل، وأيضًا لو كان المعنى ذلك لقيل: واتخذ في البحر سبيلًا عجبًا (^٦).\nوهو من كلام يوشع ﵇.\nوقيل: قال موسى ﵇ في جوابه: ﴿عَجَبًا﴾؛ أي: تعجُّبًا.\n_________\n(^١) في النسخ: \"أذكر له\"، والمثبت من مصادر التخريج الآتية.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٣٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٢٩)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٢٦).\n(^٣) في (م): \"والحال إن\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"بمشاهدة\".\n(^٥) في (ك): \"جري \"، والمثبت هو الموافق لما تقدم قريبًا في الحديث.\n(^٦) وفيه مناقشة ذكرها الشهاب في \"الحاشية\" (٦/ ١١٨).","vol":"6","page":293},{"text":"وقيل: الفعل لموسى ﵇؛ أي: اتخذ موسى ﵇ سبيل الحوت في البحر.\nوبردُّهما تأخير ﴿قَالَ﴾ عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2204\"> </span>(٦٤) - ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾.\n﴿قَالَ ذَلِكَ﴾ الإشارة إلى فَقْدِ الحوت؛ لما مرَّ في الحديث أنَّه قيل: \"فحيثما فقدْتَ (^١) الحوت فهو ثمَّة\".\n﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ تقديره: نبغيه؛ أي: نطلبُه؛ لأنَّه أمارة المطلوب.\n﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾؛ أي: على طريقهما الذي جاءا منه.\n﴿قَصَصًا﴾: اتِّباعًا لذلك الأمر، فانتصَب على المصدرَّية بإضمار (يقصَّان)، على ما أفصح عنه النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ المارِّ ذكرُه حيث قال في تفسيره: \"فرجعا يقصَّان آثارَهما حتى انتهيا إلى الصَّخرة، فإذا رجل مسجًّى ثوبًا، فسلَّم عليه موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلام؛ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتُكَ لتعلِّمني ممَّا عُلِّمْتَ (^٢) رُشْدًا\" (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2205\"> </span>(٦٥) - ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.\n﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه إضافة تشريفٍ واختصاصٍ، وهو الخَضِرُ، اسمه\n_________\n(^١) في (ك): \"فقد\".\n(^٢) في (ف): \"علمته \".\n(^٣) رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.","vol":"6","page":294},{"text":"إيليا، شهد بذلك الحديث المذكور (^١)، واتَّفق عليه الجمهور، وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّما سمِّيَ الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّه جلسَ على فروةٍ بيضاءَ فاهتزَّتْ تحتَه خضراء\" (^٢)، والفروة هنا: وجه الأرض. قاله الخطَّابيُّ (^٣).\n﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الرَّحمة هنا: النُّبوَّة (^٤)، كما في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢].\n﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ ممَّا يَختصَّ بنا، ولا يُعلَم إلَّا بتوفيقنا، وقد مرَّ ما يتعلَّق بـ (لدن) في (آل عمران).\n﴿عِلْمًا﴾: هو علم الغيوب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2206\"> </span>(٦٦) - ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.\n﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ على هذه المصلحة.\nبدأ بالاستفهام والاستئذان، ووصف نفسه بالاتِّباع، ومدحَه بالعلم، وأظهر الرَّغبة فيما عنده من العلم، وهذا غاية التَّواضع من موسى ﵇، وتعليمٌ لِمَن طلبَ العلم من غيره، ولا يناسِبُهُ تقدير الشَّرط على أن يكون المعنى: على شرط أن تعلِّمَني.\n_________\n(^١) يعني بأن اسمه الخضر، رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، من حديث أبي بن كعب ﵁.\n(^٢) رواه الترمذي (٣١٥١)، وهو عند البخاري (٣٤٠٢).\n(^٣) انظر: \"أعلام الحديث\" للخطابي (٣/ ١٥٥٣).\n(^٤) في (ف) و(م): \"الرحمة هنا الرحمة والنبوة\".","vol":"6","page":295},{"text":"﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾: علمًا ذا رشد، وهو إصابة (^١) الخير. وقرئ بفتحتين (^٢)، وهما لغتان كالبُخْل والبَخَل.\nوهو مفعول ﴿تُعَلِّمَنِ﴾، أو مصدر في موضع الحال، وذو الحال الضَّمير في ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، ومفعول ﴿عُلِّمْتَ﴾ العائد المحذوف، وكلاهما منقولان من (عَلِم) الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون علَّةً لـ ﴿أَتَّبِعُكَ﴾.\nوكون موسى ﵇ صاحبَ شريعة لا ينافي أن يتعلَّم من غيره ما لا حاجةَ إليه في شريعته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2207\"> </span>(٦٧) - ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.\n﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ أراد نفي الصَّبر معه، إلَّا أنَّه بالغَ فيه حيث نفى استطاعته على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه كأنَّه لا يصحُّ ولا يستقيم، دلَّ على ذلك قوله:\n\n<span id=\"aya-2208\"> </span>(٦٨) - ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾.\n﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ والصَّبرُ: تجرُّع مرارة حبس النَّفس ومنعِها (^٣) عمَّا تُنازعُ إليه.\n﴿عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾؛ أي: إنَّ صبرك على ما لا خبرة لك به مستَبْعَدٌ، وهذا كالتَّعليل للنَّفي السَّابق، ومجيئُه بالواو شائع.\nوفيه تدارُكٌ لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّه نَسب إليه ﵇ عدمَ التثبُّت.\n_________\n(^١) في (م): \"وإصابة\".\n(^٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٣) في النسخ: \"ومنعه\"، ولعل الصواب المثبت.","vol":"6","page":296},{"text":"قيل: فيه إبداء [عُذرٍ] له (^١)، حيث لا يمكنه الصَّبر لِمَا يرى من المناكير؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ لا يجوز لهم السُّكوت عند ذلك.\nوفيه: أن ثالثها ليس بمنكَرٍ شرعًا ولا عقلًا، وأيضًا قد عرفْتَ أنَّ المنفيَّ نفسُ الصَّبر معه، لا استطاعتُه.\nو﴿خُبْرًا﴾ تمييزٌ، أو مصدر على غير الصدر (^٢)؛ لأنَّ ﴿لَمْ تُحِطْ﴾ بمعنى: لم تَخْبَره، والخبير بالأمور هو العالم بخفاياها وما يُختَبرُ منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2209\"> </span>(٦٩) - ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.\n﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ معكَ، غيرَ منكِرٍ عليك.\nوتعليق الوعد بالمشيئة للاستثناء، ولا بُدَّ منه صونًا للوعد عن الخُلف؛ فإنَّه لا يجوز خصوصًا في حقِّ الأنبياء ﵈.\n﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ عطف على ﴿صَابِرًا﴾؛ أي: صابرًا وغيرَ عاصٍ، كقوله تعالى: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]؛ أي: وقابضاتٍ.\nأو على ﴿سَتَجِدُنِي﴾، فلا محل لها من الإعراب.\nوفيه: أنَّه حينئذ لا يكون مقيَّدًا بالمشيئة، ولا بُدَّ منه (^٣) كيلا يلزمَ الخلف المذموم، حيث وعد أنْ لا يعصيَ له في أمرٍ، وقد أمره بترك السُّؤال، ولم يُطعه (^٤) فيه.\n_________\n(^١) في النسخ: \"فيه إبداله \"، وما بين معكوفتين زيادة من \"البحر المحيط \" (١٤/ ٣٣٠).\n(^٢) في النسخ: \"المصدر\"، والصواب المثبت. انظر: \"البحر\" (١٤/ ٣٣١).\n(^٣) أي: ولا بد من التقييد بالمشيئة.\n(^٤) في (ف) و(م): \"تعطه \"، وقال في هامش (م): \"لعله يطعه \"، وفي (ك): \"يعظه \".","vol":"6","page":297},{"text":"وإنَّما قلنا: فلا محل له من الإعراب مع أنَّه مَقول القول على هذا الوجه؛ لأنَّه لا تأثير للعامل في المعنى، وإنَّما أثره حينئذ مجرَّد اللَّفظ، والجملة هناك ليست واقعة موقع المفرد ليكتَسيَ حكمه محلًّا.\nوهذا تواضع آخر من موسى ﵇ بعد تمنُّعٍ كان من الخَضِر ﵇، ثم يحكم عليه بوجهٍ آخر على ما أفصح عنه قولُه:\n\n<span id=\"aya-2210\"> </span>(٧٠) - ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\n﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ وقرئ بالنُّون الثَّقيلة (^١).\n﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ أنكرتَهُ منِّي ولم تعلم وجهَ صحَّته.\n﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ حتى أنبَئّكً ببيانه.\nوهذا من الخضر ﵇ تأديبٌ وإرشادٌ، ولو صبرَ ودأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثرَ من الاعتراض، فتعيَّن الفراق والإعراض (^٢).\n* * *.\n\n<span id=\"aya-2211\"> </span>(٧١) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.\n﴿فَانْطَلَقَا﴾؛ أي: انطلق موسى والخضر ﵉، وأمَّا يوشع ﵇ فقد صرفه موسى ﵇ وردَّه إلى بني إسرائيل، وفي الحديث السابق ذكرُه: \"فانطلقا يمشيان على ساحل البحر\"، وفي الحديث المذكور:\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٢) في (ف): \"والاعتراض\".","vol":"6","page":298},{"text":"\"فمرَّتْ سفينة فكلَّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما (^١) بغير نول \".\n﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ (ركبَ) متعدٍّ، وإنَّما (^٢) قيل: ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ إظهارًا لِمَا في ركوبها خاصَّة من بين المراكب من معنى الدُّخول.\n﴿خَرَقَهَا﴾ قال ﵇ في الحديث المذكور: \"فلما ركبا في السَّفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلعَ لوحًا من السفينة بالقَدُومِ\".\nقال أبو العالية: لم يرَ الخضرَ حين خرق السَّفينة غيرُ موسى ﵇، وكان عبدًا لا يَراهُ إلَّا مَن أرادَ الله أن يريه (^٣)، ولو رآه القومُ حينئذٍ لمنعوه مِنْ خَرْقِ السَّفينة (^٤).\n﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾؛ أي: فعلْتَ ذلك وغرضُكَ إغراقُ أهلها.\nوقرئ بالتَّشديد للتَّكثير (^٥)، وقرئ بالياء ورفع ﴿أَهْلَهَا﴾ (^٦)، أي: فعلتَه لشيءٍ (^٧) يُغرق أهلها، وقيل: إنها لام العاقبة، والأُولى أَولى في مقام الإنكار.\n﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: منكرًا، مأخوذ من الأَمِر؛ لأنَّه الفاسد الذي يحتاج إلى\n_________\n(^١) في (ف): \"فحملوهم\"، وهو الموافق لرواية البخاري (٤٧٢٥).\nوالمثبت من باقي النسخ وهو لموافق لما رواه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠/ ١٧٠).\n(^٢) في (ف): \"وأما\".\n(^٣) في (ك): \"يراه\".\n(^٤) رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٥/ ٤٢٥)، وهو في \"تفسير لقرطبي\" (٣٢٨/ ١٣).\n(^٥) نسبت للحسن وأبي رجاء. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٠).\n(^٦) أي: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾، وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٧) في (ك): \"أي فعلته شيء\". وفي (م): \"ما فعلته شيء\".","vol":"6","page":299},{"text":"أن يؤمَر بتركه، ومنه أَمِرَ القوم: إذا كثروا، أي: احتاجوا إلى مَن يأمرهم وينها هم، ومنه الأمر من الأمور، أي: الشَّيء الذي من شأنه أن يؤمَر فيه، ولهذا لم يكن كلُّ شيء أمرًا، ومن هنا (^١) ظهر وجه إيثار ﴿شَيْئًا﴾ على (أمرًا) مع ما فيه من صنعة الجناس.\nولو كان الأمر هنا بمعنى العظيم - كما قيل - لروعي حسنُ التناسب (^٢) لفظًا، وقيل: أمرًا إمرًا؛ لعدم المانع من جهة المعنى حينئذ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2212\"> </span>(٧٢) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.\n﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ظاهره تذكير للقول السابق، وباطنه تقرير لصعوبة الصَّبر معه، وإشارة إلى منكَر ارتكبه موسى ﵇، وهو عدم محافظته الوعد، فكأنَّه قصد المعارضة، ولهذا ضمَّنَ كلامه الاعتذار عن ذلك، على ما أفصح عنه قوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-2213\"> </span>(٧٣) - ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾.\n﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ من أمري؛ أي: بسبب نسياني.\nوالمؤاخذة على ترك التَّحفُّظ لا على النِّسيان؛ لأنَّه غير مقدور، ولذلك لم يقل: على ما نسيْتُ، فكأنَّه قال: ما صدر عنِّي ما صدرَ إلَّا بسبب أمرٍ غير مقدور، وصيغة النَّهي كقرينها قد تجيء للالتماس، وهو المناسب للمقام.\n﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ الإرهاقُ: إدراك الشَّيء ممَّا يغشاه، ومنه: غلام مراهق: إذا قارب أن يغشاه حالُ البلوغ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"هاهنا\".\n(^٢) في (ف): \"التأديب\".","vol":"6","page":300},{"text":"﴿مِنْ أَمْرِي﴾: هو اتِّباعُه إيَّاه.\n﴿عُسْرًا﴾، أي: ولا تُغشني عُسْرًا من أمري، يعني: ولا تعسِّر عليَّ متابعتَكَ بالمؤاخذة على ما صدرَ بسبب النِّسيان، ويسِّرها على الإغضاء.\nو﴿عُسْرًا﴾ مفعولٌ ثانٍ لـ (ترهق)، وقرئ بضمَّتين (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2214\"> </span>(٧٤) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾.\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ وفي الحديث السَّابق ذكره: \"ثم خرجا به من السَّفينة، فبينما هما يمشيان على السَّاحل إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده \".\n﴿فَقَتَلَهُ﴾ فما (^٢) قيل: كان قتله بفتل عنقه، أو بضرب رأسه بالحائط، مردودٌ بنصِّ الحديث الصَّحيح، وكذا ما قيل: أضجعه فذبحه.\nوالفاء هنا للدلالة على عدم تراخي القتل عن لقاء الغلام، بخلاف خرق السفينة، فإنَّه لم يتعقَّب الرُّكوب كذلك فلم يذكر الفاء ثمَّة.\nولَمَّا كان القتلُ قتلَ معصوم - حقيقةً أو ظاهرًا، على اختلافٍ في صغره - لم يتمالك (^٣) أن يعترضَ، ولا دخلَ في ذلك لدلالة الفاء على عدم التَّروِّي والاستكشاف.\n_________\n(^١) قراءة أبي جعفر المدني. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢١٦)، و\"إتحاف الفضلاء\" (ص: ١٨٥).\n(^٢) في (ك) و(م): \"مما\".\n(^٣) في (ك): \"يتماسك\". وفي (م): \"يتملك \".","vol":"6","page":301},{"text":"﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ وقرئ: ﴿زَكِيَّةً﴾ (^١).\nقال الكسائي: هما لغتان، مثل ﴿قَاسِيَةً﴾ و﴿قسيَّة﴾ (^٢) ﴿المائدة: ١٣].\nوقال أبو عمرو: الزَّاكية التي لم تذنب قطّ، والزَّكيَّة: التي أذنبت وتابت. ولذلك اختار الأولى (^٣).\nوهذا على ما قاله الجمهور: أنه كان صغيرًا غيرَ بالغ.\nوقال الحسن والكلبي: كان بالغًا يقطع الطَّريق، ويعضده:\n﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: من غير أن قتلَتْ نفسًا، يفهم منه أنه لو كان مِن (^٤) قَتْلِ نفسٍ لم يكن به بأس، والظَّاهر منه كبر الغلام لأنَّ الصَّغير لا يُقاد، ولا تنبيه فيه على أنَّ القتل لا يُباح إلَّا حدًّا أو قصاصًا، كيف ولا صحَّة للحصر على ما نبَّهْتُ عليه في تفسير سورة الأنعام.\n﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾: منكرًا، وقرئ بضمَّتين (^٥).\nاختلفوا أيَّما أبلغ ﴿إِمْرًا﴾ أو ﴿نُكْرًا﴾، فقيل: هنا القتل واقع وهناك مترقَّب فـ ﴿نُكْرًا﴾ أبلغ.\nوقيل: هذا [قتلُ واحدٍ وهناك، إهلاكُ جماعة فـ ﴿إِمْرًا﴾ أبلغ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"زاكية، وقرئ: زكية\". وقرأ الكوفيون وابن عامر بتشديد الياء من غير ألف، وباقي السبعة بالألف وتخفيف الياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).\n(^٢) قرأ حمزة والكسائي بتشديد الياء من غير ألف، وباقي السبعة بالألف وتخفيف الياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٩).\n(^٣) انظر: \"حجة القراءات\" لأبي زرعة (ص: ٤٢٤).\n(^٤) في \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٣٢) والكلام منه: (عن).\n(^٥) قرأ بها نافع وأبو بكر وابن ذكوان. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).","vol":"6","page":302},{"text":"قال ابن عطيَّة: وعندي أنَّ ﴿إِمْرًا﴾ أفظع وأهول من حيث هو متوقَّعٌ عظيمٌ، و﴿نُكْرًا﴾ أبينُ (^١) في الفساد؛ لأن مكروهه قد وقع (^٢).\nومَن غفل عن هذا قال: ولعلَّ تغيير النَّظم بأنْ جُعل خرقُها واعتراضُ موسى ﵇ مستأنفًا، وفي الثَّانية جُعل قتله من جملة الشَّرط واعتراضُه جزاءٌ؛ لأنَّ القتل أقبح، والاعتراضَ عليه أَدْخَلُ، فكان جديرًا بأنْ يُجعل عمدة الكلام (^٣). فالوجه في التَّغيير ما قد عرفتَه من أن تعقيب القتل للِّقاء دون الخرق للركوب اقتضى ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2215\"> </span>(٧٥) - ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.\n﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ في زيادة ﴿لَكَ﴾ مشافهةٌ بالعتاب زجرًا وإغلاظٌ ليس في الأوَّل؛ لأنَّ مُواقعةَ التَّساؤل في ثانيهِ بعد التَّقدُّم إلى ترك السُّؤال واعتذارٍ بالنِّسيان أقطع وأفظع في مخالفة ما كان أَخذ على نفسه من الصَّبر وعدم العصيان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2216\"> </span>(٧٦) - ﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾.\n﴿سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾: بعد هذه المرَّة، أو هذه المسألة.\n_________\n(^١) في (ف): \"بين \".\n(^٢) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٣٢)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٨٩).","vol":"6","page":303},{"text":"﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ وإن طلبت صحبتك، وقرئ: (فلا تُصْحِبْنِي) (^١)، قال الكسائي: فلا تتركني أصحبك (^٢).\n﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: بلغْتَ مِن قِبَلي مبلغًا تُعذَر به في ترك مصاحبتي.\nوعن رسول الله ﷺ: \"رحم الله أخي موسى استحيى فقال ذلك، ولو لبث (^٣) مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب \" (^٤).\nوقرئ: ﴿لَدُنِّي﴾ بتخفيف النون وضم الدال، وبالتخفيف والسكون وفتح اللَّام، وبضمِّ اللَّام وسكون الدَّال (^٥).\n_________\n(^١) نسبت للجحدري والنخعي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨١).\n(^٢) انظر: \"النكت والعيون\" (٣/ ٣٣٠)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٣٣).\n(^٣) في (م): \"ثبت\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧)، ورواه أبو داود (٣٩٨٤)، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٢٤٨)، من حديث أبي بن كعب ﵁، وورد نحوه من حديث أبيٍّ المتقدم عند البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠)، ولفظ مسلم: \"رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجَّل لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: ٧٦]، ولو صبر لرأى العجب \".\n(^٥) قرأ نافع بضم الدال وتخفيف النون، وأبو بكر بإسكان الدال وإشمامها الضم وتخفيف النون، والباقون بضم الدال وتشديد النون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥). وقال أبو بكر بن مجاهد: (وروى أبو عبيد عن الكسائي عن أبي بكر عن عاصِم في كتاب القراءات: (لُدْني) بضم اللَّام وتسكين الدَّال وهو غلط). فقال أبو علي الفارسي: (يشبه أن يكون التغليط من أبي بكر أحمد في وجه الرواية، فأما من جهة اللغة ومقاييسها فهو صحيح). وذكرها الأزهري وقال: (هي لغة لبعض العرب، كان الضمة في الدال، فنقلت إلى اللام). انظر: \"السبعة\" لابن مجاهد (ص: ٣٩٦)، و\"معاني القراءات\" للأزهري (٢/ ١١٧)، و\"الحجة\" للفارسي (٥/ ١٦٢).","vol":"6","page":304},{"text":"وقرئ: (عُذُرًا) بضمَّتين (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2217\"> </span>(٧٧) - ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾: قرية (^٢) بجزيرة الأندلس، روي ذلك عن أبي هريرة (^٣). وقيل: بالجزيرة الخضراء، وقيل: إنها برقة، وأما ما قيل: إنها أنطاكية، وما قيل: إنها أُبُلَّة (^٤)، وبصرة، فمبناه على أن يكون أحد البحرين بحرَ فارسَ، وقد عرفتَ ما فيه.\nوقيل: إنها باجروان أرمينية، وذلك على (^٥) ما قيل: إنَّ البحرين بنهر الكرِّ والرسِّ (^٦).\n﴿اسْتَطْعَمَا﴾ الاستطعام: سؤال الطَّعام (^٧)، والمراد به هنا بقرينة آخر الكلام: سؤالُ الضِّيافة والقِرى.\n﴿أَهْلَهَا﴾ كرَّر ذكر الأهل تعظيمًا لهم، ولأنَّ المراد من الأهل في الأوَّل:\n_________\n(^١) نسبت لعيسى. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٣٣)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٣٧).\n(^٢) \"قرية\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) انظر: \" المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٣٣)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٣٤).\n(^٤) في (ك): \"ايليا\". وقد اختلفت المصادر فيها بين: (أَيْلة) و(الُابُلة). انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٣٤).\n(^٥) \"على\" زيادة من (ك).\n(^٦) في (ك): \"والراس\"، وقد تقدم أنه تحريف.\n(^٧) في (ك): \"للطعام\".","vol":"6","page":305},{"text":"البعض، كما هو المتبادِر المعتاد، والمراد به في الثَّاني: الكل، فكان المناسبُ إعادتَه باسمه الظَّاهر؛ لأنَّ الظَّاهر من الضَّمير عوده على ما ذكر أوَّلًا بعينه، وعن النبي ﷺ: \"لئامًا (^١)، فطافا في المجالس فاستَطعما\" (^٢).\n﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ وقرئ: (أن يُضِيْفُوهما) (^٣). يقال: ضافَه: إذا كان له ضيفًا، وأضافه وضيَّفه: أنزله وجعله ضيفَه، هذا حقيقة الكلام، ثم شاع الضِّيافة كنايةً عن القِرى والإطعام، وبهذا انطبق مقتضى المقام.\n﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الانقضاض: السُّقوط بسرعة، وانقضَّ: انفعل، مطاوع قضَضْتُه، وقيل: افعلَّ من النَّقض، كاحمرِّ من الحمرة.\nوقرئ: (أن يُنْقَضَ) (^٤)، و(أن ينقاصَ) بالصَّاد المهملة (^٥)، من انقاصَت السن: إذا انشقت طولًا، والإرادةُ مستعارة للمشارَفة كالهم والعزم.\n﴿فَأَقَامَهُ﴾ ذكر في الحديث المارِّ ذكرُه \"أنَّه قال بيده \"؛ أي: أشار إليه بها، وهو الأشبه بسائر أفعاله.\n_________\n(^١) في (ك): \"لئام \"، والمثبت موافق لرواية مسلم.\n(^٢) هو إحدى روايات حديث أبي بن كعب السابق الذي ساق المصنف أطرافًا منه، رواها مسلم (٢٣٨٠).\n(^٣) نسبت لابن الزبير وأبي رزين وأبي رجاء وسعيد بن جبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٨١).\n(^٤) بلا نسبة في \"المحتسب\" (٢/ ٣١)، ونسبت لأبي بن كعب في \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٣٤)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٣٩).\n(^٥) نسبت لابن مسعود ﵁، وكذا: (ينقاض) بالضاد المعجمة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨١).","vol":"6","page":306},{"text":"﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ﴾ افْتَعَل من تَخِذَ، كاتَّبع من تَبِع، وليس من الأخذ عند البصريين، وقرئ: ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ (^١)؛ أي: لأخذْتَ، واختلفوا في إظهار الذَّال وإدغامها (^٢).\n﴿عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ كانت الحالُ حالَ اضطرار وافتقار إلى المَطعم، وقد أَلزمتهما (^٣) الحاجة إلى آخر كسب المرء، وهو المسألة، فلم يجدا مواسيًا، فلمَّا أقام الجدار لم يتمالك موسى ﵇ لِمَا رأى مِنَ الحِرْمان ومساس الحاجة أن قال ذلك، وبما قرَّرناه تبيَّن وجه تقديم استطعامهما عن أهل القرية وإبائهم (^٤) التضييف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2218\"> </span>(٧٨) - ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.\n﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: هذا الاعتراضُ الأخير سببُ فراقنا بحكم ما شرطْتَ على نفسك.\nوإضافة الفراق إلى البَيْن إضافةُ المصدر إلى الظَّرف على الاتِّساع، وقرئ على الأصل (^٥).\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥).\n(^٢) أظهرها ابن كثير وحفص، وأدغمها باقي السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٤٤).\n(^٣) في (ف): \"لزمتهما\"، وفي (ك) و(م): \"لزمتها\". والصواب المثبت.\n(^٤) زاد في (ك): \"عن\".\n(^٥) أي: (فراقٌ بيني وبينَك)، ونسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٠)، و\"زاد المسير\" (٥/ ١٧٨)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٤٢).","vol":"6","page":307},{"text":"تكريرُه بالإضافة إلى أحدهما مرَّة، وإلى الآخر أخرى مع كفاية: بيننا؛ لمعنى التَّأكيد. قاله سيبويه (^١).\nوقال ابن عباس ﵄: كان قول موسى ﵇ في السَّفينة والغلامِ لله تعالى، فلم يكن سببًا للفراق، وكان قوله في الجدار لنفسه في طلب شيءٍ من الدُّنيا فكان سببًا له (^٢).\n﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾: سأخبرك بما في باطن ما لم تقدر أن تصبرَ عليه لكونه منكرًا، أو غير مناسِبٍ للحال بحسب الظَّاهر. والسِّين للتَّأكيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2219\"> </span>(٧٩) - ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.\n﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ لقومٍ ضعفاء لعارضتهم البدنيَّة كالزَّمانة والعمى والخرس، أو لعجزهم عن دفع الظلم، وهذا كما تقول لرجلٍ غنيٍّ وقع في وهلةٍ أو خَطْبٍ: مسكين؛ مرحمةً لحاله وشفقةً عليه، فلا دلالة فيه على أن المساكين تُطلق على مَن يملك مالًا إذا لم يكفه.\n﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ قد مرَّ ما يتعلَّق بتعيين البحر.\n﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلَها ذاتَ عيب، تفريع على كون السَّفينة للمساكين.\nوقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾ كالتَّعليل للتَّفريع، ومجيئه بالواو كثير في القرآن؛ منها قوله\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (٢/ ٤٠٢).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٣٢١).","vol":"6","page":308},{"text":"تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، فعلى هذا نظمُ الكلام في غاية الحُسن، ومَن لم يتنبَّه له تكلَّف في توجيهه (^١).\n﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ﴾: أمامَهم، وقد قرئ به (^٢)، أو خلفَهم وكان رجوعهم إليه.\n﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صحيحةٍ سالمةٍ، وقد قرئ بكلٍّ منهما (^٣).\n﴿غَصْبًا﴾ من صاحبها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2220\"> </span>(٨٠) - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾.\n﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ﴾ فيه تغليبٌ.\n﴿مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾: يُغْشيهما ﴿طُغْيَانًا﴾ عليهما ﴿وَكُفْرًا﴾ لنعمتهما بعقوقه (^٤)، ويُلحق بهما شرًّا، ويقرنَ بإيمانهما طغيانَه وكفره (^٥)، فيجتمعَ في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٍ.\nأو يُعديَهما بدائه (^٦)، ويضلَّهما بضلاله، فيرتدَّا بسببه، ويَطغَيَا ويكفرا بعد الإيمان.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"يتكلف في توجيهه \".\n(^٢) قرأ بها ابن عباس ﵄ كما رواه عنه البخاري (٣٤٠١)، ومسلم (٢٣٨٠).\n(^٣) قرأ ابن عباس: (صالحةٍ) كما في رواية الصحيحين السابقة، أما قراءة: (سالمة) فلم أقف عليها.\n(^٤) تحرفت في النسخ إلى: \"بعقوبة\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٧٤١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٩٠).\n(^٥) في (م): \"وكفرانه\".\n(^٦) في النسخ: \"بذاته\"، والمثبت من \"الكشاف\"، وفي \"تفسير البيضاوي\": (بعلته).","vol":"6","page":309},{"text":"أو بممالأته إيَّاهما (^١) على طغيانه وكفره حبًّا.\nوإنَّما خشيَ ذلك لأن الله تعالى أعلمه.\nوقرئ: (فخافَ ربُّك) (^٢)؛ أي: كَرِه كراهةَ مَن خاف سوءَ عاقبته (^٣).\nقيل: ويجوز أن يكون قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ حكايةَ قوله تعالى، ولا يلائمه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2221\"> </span>(٨١) - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.\n﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾: أن يرزقَهما بدله ولدًا.\n﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾: طهارةً من الذُّنوب والأخلاق الرديَّة.\n﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ والرَّحمةُ مصدران كالكُثْرِ والكَثْرةِ؛ أي: رحمة وعطفًا لديه، وقرئ: (رَحِمًا) بالتَّخفيف (^٤).\nنتصابه على التَّمييز، و(أفعل) هنا ليس للتَّفضيل؛ لأنَّ ذلك الغلام الكافرَ فيه، والمناسب للمقام أن لا يكون فيه رُحْمًا أيضًا، على أنَّ التَّفضيل بين\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والصواب: (بممالأتهما إياه)، وفي \"تفسير البيضاوي\": (بممالأته) وإسقاط (إياه)، وهو صواب أيضًا.\n(^٢) هي قراءة ابن مسعود ﵁. رواها عنه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٣٥٧). ونسبت لأبي بن كعب ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ١٥٧)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٤١).\n(^٣) في (ف): \"عاقبته \". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٦/ ١٩٩)، وقال الشهاب: قوله: كراهة من خاف سوء عاقبة؛ أي: ككراهته، إشارة إلى أنه استعارة إذ الخوف لا يليق بجنابه تعالى، وقيل: إن الخوف مجاز مرسل عن لازمه وهو الكراهة.\n(^٤) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٠).","vol":"6","page":310},{"text":"التَّمييزين (^١) بحمل أحدهما على التَّفضيل دون الآخر، لا يخلو عن نوعِ خللٍ في حسن النَّظم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2222\"> </span>(٨٢) - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾.\n﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي القرية المذكورة قبلها.\n﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾: هو كلُّ مالٍ مدخور (^٢) من ذهب وفضة، وروي مرفوعًا أنه كان ذهبًا وفضة (^٣).\nوعن قتادة: أُحِلَّ الكنز لمن قبلنا وحُرِّمَتِ الغنيمة (^٤).\nولا دلالة فيه على أنَّه كان للأب الصَّالح حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأنَّ الكنز المذموم ما لا تُؤدَّى زكاته.\n﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ اعتداد بصلاح أبيهما، وحفظ (^٥) لحقِّه فيهما.\nقيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء.\n﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾: قوَّتهما. قال الجوهري: هو ما بين ثماني\n_________\n(^١) في (م): \"التمييز\".\n(^٢) في (ك): \" مذخور\".\n(^٣) رواه الترمذي (٣١٥٢) من حديث أبي الدرداء ﵁. وقال: غريب.\n(^٤) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠٧)، وروى الطبري شطره الأول في \"تفسيره\" (١٥/ ٣٦٥).\n(^٥) في (م): \"وحفظه\".","vol":"6","page":311},{"text":"عشرة إلى ثلاثين (^١). والمراد: الإدراك إلى قوَّة الرَّأي لا إلى الحُلُم.\n﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ يعني: أراد الله تعالى بقاءَ ذلك المال مدفونًا محفوظًا عن أيدي التغلُّب إلى زمان بلوغهما مبلغَ الرِّجال الكاملينَ في الرَّأي، القادرين على استخراج الكنز سالمًا عن تعدِّي الغير، فإنَّ الصِّبيان والرِّجال العاجزين عن التَّدبير لا يقدرون على ذلك.\nأسند الإرادة أوَّلًا إلى نفسه وإلى الله تعالى؛ لأنَّ التبديل بمباشرته إهلاكَ الغلام، وخلقِ اللهِ تعالى البدل، وثالثًا إلى الله تعالى وحده لأنَّه لاْ مدخل له أصلًا في بلوغ الغلامين أشدَّهما، ولأنَّ الأوَّل شرٌّ، والثَّالث خيرٌ، والثَّاني ممتزجٌ.\nولك أن تقول: في إضافة الفعل إلى نفسه على صيغة الانفراد نوعُ قصور في مراعاة أدب الكلام، فلا يُلتزم (^٢) إلا لعلَّة، وهي موجودة في الأوَّل ومفقودةٌ في الثَّاني، ولا مجال للإضافة إلى نفسه في الثَّالث، وتلك العلَّة صونُ جناب العزَّة أن يُعزَى إليه ما هو شرٌّ ظاهر.\n﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾: نعمةً منه، وهي المالُ الحاصل بالسُّهولة، الواصلُ إلى صاحبه بلا كُلْفةِ الكسب.\nوانتصابه على الحال، وقيل: مفعولٌ على أنَّ الرَّحمة بمعناها الشائع، أو مصدرٌ منصوب بـ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ لأنَّه بمعنى: رحمهما، وأما تعلُّقه بمحذوف تقديره: فعلتُ ما فعلتُ رحمةً من ربِّك، فلا يلائمه قوله:\n﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾، أي: ما فعلْتُ ما رأيتَه ﴿عَنْ أَمْرِي﴾: عن رأي، إنَّما فعلتُه بأمر الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: شدد).\n(^٢) في (ك): \"يلزم \".","vol":"6","page":312},{"text":"﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أصله: تَستطع، فحذف التَّاء تخفيفًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2223\"> </span>(٨٣) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ اليهود امتحانًا، أو مشركو مكَّة.\n﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ هو إسكندر الملك اليوناني المقدوني، وتلقيبُه بذي القرنين لِمَا روي مرفوعًا أنَّه مَلَكَ قَرْنَي الدُّنيا شرقَها وغربها (^١)، قال الشَّاعر وهو التُّبَّعُ اليماني:\nقد كان ذو القرنين جدِّي مسلمًا … ملكًا تدينُ له الملوكُ وتسجدُ\nبلغَ المشارقَ والمغاربَ يبتغي … أسبابَ أمرٍ من حكيمٍ مرشدِ (^٢)\nوما قيل: إنه إسكندر الرُّومي ملك فارس والرُّوم، مردودٌ بأنَّه تلميذ أرسطو، ومذهبه مذهب الفلاسفة، وذو القرنين هذا لا شبهة في إسلامه وولايته، إنَّما (^٣) الخلاف في نبوَّته.\nقال القرطبي: والظَّاهر من علم الأخبار (^٤) أنَّ إسكندر اثنان:\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٣). وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ١٠٤): (لم أجده مرفوعًا، وإنما رواه الدارقطني في \"المؤتلف\" من رواية عبد العزيز بن عمران، عن سليمان بن أسيد، عن الزهري قال: إنما سمي ذا القرنين لأنَّه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها).\n(^٢) انظر: \"فتوح مصر\" (١/ ١٠٣)، و\"تاريخ دمشق\" (١٧/ ٣٣٢)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٧٠). مع اختلاف في بعض ألفاظه.\n(^٣) في (ف): \"وإنما\".\n(^٤) في (ف): \"العلماء الأخبار\"، وفي (ك) و(م): \"الأخبار\"، والمثبت من \"تفسير القرطبي\".","vol":"6","page":313},{"text":"أحدهما: كان على عهد إبراهيم ﵇، وهو الذي قضى له حين تحاكموا في بئر السبع بالشام.\nوالآخر: كان قريبًا من عهد عيسى ﵇ (^١).\n﴿قُلْ﴾ في جوابهم: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ﴾ من ذي القرنين ﴿ذِكْرًا﴾: خَبَرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2224\"> </span>(٨٤) - ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾.\n﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أعطيناه التَّمكين فيها، وزيادةُ اللام للاختصاص.\n﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مهمَّات الملك ﴿سَبَبًا﴾ أصل السَّبب: الحبل (^٢)، ثمَّ تُوسِّع فيه حتى صار يُطلَق على ما يُتوصَّل به إلى الغرض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2225\"> </span>(٨٥) - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾.\n﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ الفاء فصيحة، تقدير الكلام: أراد بلوغ المغرب فاتَّبع طريقًا يوصله إليه حتى بلغ. وقرئ بقطع الألف مخفَّفة التَّاء (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٦٦). ووقع في النسخ: \"موسى ﵇ \"، والمثبت من المصدر.\n(^٢) في (ف): \"الجعل\".\n(^٣) قرأ الكوفيون وابن عامر: ﴿فَأَتْبَعَ﴾ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾ في الثلاثة بقطع الألف مخففة التَّاء، والباقون بوصل الألف مشددة التاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥).","vol":"6","page":314},{"text":"<span id=\"aya-2226\"> </span>(٨٦) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾؛ أي: كثيرةِ الحَمْأة، وهي الطِّينة السَّوداء، من حَمِئَتِ البئر حَمَأً بالتَّحريك: إذا كثرَتْ حمأتُها (^١).\nوقرئ: ﴿حامِيَةٍ﴾ (^٢)؛ أي: حارَة.\nوقيل: لا تَنافيَ بينهما؛ لجواز أن تكون العين جامعةً للوَصْفَين، أو تكون ﴿حَمِئَةٍ﴾ من الحمأة، فخفِّفَتِ الهمزة وقُلِبَتْ ياء لانكسار ما قبلها، ويأبى عن ذلك ما جرى بين ابن عباس ومعاوية ﵄.\nوتفصيلُه على ما ذكره القرطبي: أنَّ ابن عباس ﵄ قال: أقرأنيها أبيٌّ كما أقرأه رسول الله ﷺ: ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، وقال معاوية ﵁: هي ﴿حامِيَةٍ﴾، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃: وأنا مع أمير المؤمنين، فجعلوا كعبًا بينهم حكمًا، وقالوا: يا كعب، كيف تجدها في التَّوراة؟ فقال: أجدها: تغرب في عينٍ سوداء، فوافقَ ابنَ عبَّاس ﵄ (^٣).\nفإنه على تقدير التَّوفيق بين القراءتَيْن على أحد الوجهَيْن المذكورَيْن لَمَا تمشَّى الخلاف المزبور، ففيه تجهيل لهؤلاء الأعلام.\n_________\n(^١) في القرطبي: (حَمَأْتُ البئرَ حَمْأً - بالتسكينِ -: إذا نَزَعْتَ حَمْاتها، وحَمِئتِ البئرُ حَمَأً - بالتحريك -: كَثُرَت حَمْأَتُها).\n(^٢) قرأ بها ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥).\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٦٩). والخبر رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٤١١)، والطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٣٧٥)، والواحدي في \"الوسيط\" (٣/ ١٦٤ - ١٦٥).","vol":"6","page":315},{"text":"وما ذكره القفَّالُ: ليس المراد أنَّه انتهى إلى الشَّمس غربًا وشرقًا حتى وصل جِرمها؛ لأنَّها تدور مع السَّماء حولَ الأرض من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عينٍ من عيونها، بل هي أكبر منها أضعافًا مضاعفة (^١) = مبناه على أصولٍ فلسفيَّةٍ لا تعويل عليها (^٢).\nومنهم مَن تعمَّق وقال: لعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك، إذ لم يكن في مطمحِ بصره غير الماء، ولذلك قال: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾، ولم يقل: كانت تغرب.\nويرِدُ عليه أن الوجدان يدل على الوجود، ولو كان المعنى على ما ذكر لقيل: رآها تغرب، ثم إن في إطلاق العين على البحر المحيط ما لا يخفى على ذي بصيرة.\n﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ عند تلك العين ﴿قَوْمًا﴾ كانوا كفَّارًا، فخيَّره فيهم بين الأمرين.\n﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ مَن قال: إنَّه كان نبيًّا تمسَّك بهذا الخطاب، ومَن أنكره قال: كان الخطاب على لسانِ نبيٍّ في عهده، واحتمالُ الإلهام لا يجدي؛ لأنَّ الدَّعوة إلى الحقِّ لا تكون إلَّا من نبيٍّ أو نائبه.\n﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ بالقتل على الكفر ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ﴾ لم يقل: لهم، دلالةً على الثُّبوت والاستقرار.\n﴿حُسْنًا﴾، أي: ذا الحسنَى فيهم، دعوتهم إلى الله تعالى وتوحيده.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٧٠).\n(^٢) بل ما قاله القفال ﵀ هو الأقرب إلى الصواب عدا ما ذكره من كون الشمس تدور حول الأرض، وتتمة كلامه كما في المصدر السابق: (بل المرادُ أنَّه انتهَى إلى آخِرِ العِمَارةِ مِن جهة المغربِ ومن جهةِ المشرِقِ، فوجدها في رأْيِ العين تَغْرُبُ في عينٍ حَمِئَةٍ، كما أنَّا نشاهدُها في الأرضِ الملساءِ كأَنَّها تدخلُ في الأرضِ …).","vol":"6","page":316},{"text":"وما قيل: خيَّر الله تعالى بين القتل والأسر، وسمَّاه: إحسانًا في مقابلةِ القتل - يأباه قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾؛ لأنَّه دلَّ على أنَّه آثر الدَّعوة، وقد كان في التخيير (^١) بلفظ: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (^٢)، وإضمارِ متعلَّق التَّعذيب مع إظهار متعلَّق الحسنى، إيماءٌ إلى ترجيح الشِّقِّ الثَّاني، فنبَّه له (^٣) وآثر ما يحقُّ الإيثار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2227\"> </span>(٨٧) - ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾.\n﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾: أمَّا مَن دعوتُه فظلمَ نفسه بعدم قَبول الدَّعوة والاستمرار على الكفر.\n﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أتى بحرف التسويف إشعارًا بما يتخلل بين اختيارهم عدم قَبول الدَّعوة وتعذيبِهم بالقتل من الإمهال بتكرار الدَّعوة إظهارًا لإصرارهم على الكفر.\nوبنون العظمة في ﴿نُعَذِّبُهُ﴾ على عادة الملوك في قولهم: نحن فعلنا.\n﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ كان خطابه لأتباعه، فإنَّه تعالى لَمَّا خَيَّرَه بينَ الأمرَيْنِ المذكورَيْنِ أعلم بذلك أتباعه.\n[وقيل: فيه إشعار بأنَ التَّخْييرَ لذي القرنين ليس مِن اللهِ تعالى، إذ لو كان كذلك لكانَ التَّركيبُ] ثم يُرَدُّ إليك [فتعذبه] (^٤).\n﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾: عذابًا منكرًا لم يُعهد مثلُه.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"التنجيز\".\n(^٢) في النسخ: \"إما أن تتخذ فيهم حسنى\".\n(^٣) في (ف): \"فسر له \"، وفي (ك): \"فسهله\".\n(^٤) ما بين معكوفتين مستفاد من \"البحر\" (١٤/ ٣٥٩)، ولا يستقيم السياق إلا بمثله.","vol":"6","page":317},{"text":"<span id=\"aya-2228\"> </span>(٨٨) - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾.\n﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مما يقتضيه الإيمان ﴿فَلَهُ﴾ في الدَّارين.\n﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾: جزاءُ الفعْلةِ الحُسنى.\nوقرئ منوَّنًا منصوبًا على الحال (^١)؛ أي: فله المثوبةُ الحسنى مجزيًّا بها، أو على المصدر لفعله المقدَّر حالًا؛ أي: يُجزى بها جزاءً، أو على التَّمييز.\nوقرئ منصوبًا غيرَ منوَّن (^٢)، على أنَّ تنوينه حُذِفَ لالتقاء السَّاكنين، ومنونًا مرفوعًا (^٣)، على أنه المبتدأ والخبر [الجارُّ والمجرور، و﴿الْحُسْنَى﴾ بدله] (^٤).\n﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾: ممَّا نأمرُ به ﴿يُسْرًا﴾: قولًا ذا يسر. وقرئ بضمَّتين (^٥).\nقيل: ويجوز أن تكون ﴿أَمَّا ﴿وَأَمَّا﴾ للتَّقسيم دون التَّخيير؛ أي: ليكن شأنك معهم إمَّا التَّعذيب وإمَّا الإحسان؛ فالأوَّل لمن أصرَّ على الكفر، والثَّاني لمن تاب.\nويأباه تصدير الجواب بـ ﴿إِمَّا﴾ التَّفصيليَّة؛ لأنَّه يستدعي لسبق (^٦) الإجمال، وعلى ما ذكر إجمال في الكلام السابق.\n_________\n(^١) وهي قراءة حفص وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥).\n(^٢) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٠)، و\"البحر المحيط \" (١٤/ ٣٦١).\n(^٣) نسبت لعبد الله بن أبي إسحاق. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٤٧١)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٠)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٦١).\n(^٤) ما بين معكوفتين مستفاد من المصادر. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٩٢)، و\"البحر\" (١٤/ ٣٦١)، و\"روح المعاني\" (١٥/ ٥٥٨).\n(^٥) أي: (يُسُرأ)، قرأ بها أبو جعفر حيث وقعت. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢١٦).\n(^٦) في (ف): \"سبق\".","vol":"6","page":318},{"text":"<span id=\"aya-2229\"> </span>(٨٩) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.\n﴿(٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: ثم اتَّبع طريقًا، وهو الذي يوصله إلى المشرق، [وقرئ] (^١) بقطع الألف مخففة التاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2230\"> </span>(٩٠) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ يعني: الموضعَ الذي تطلع الشَّمس عليه (^٢) أوَّلًا من معمورة الأرض. وقرئ بفتح اللَّام (^٣).\nقال الجوهري: والمطلع أيضًا (^٤): موضعُ طلوعها (^٥). فلا حاجة إلى إضمار مضاف.\n﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾؛ أي: حجابًا يستترون به عند طلوعها، قيل (^٦): لا جبلَ فيها ولا شجر ولا مأوى، ولا لهم ثوب يسترهم، فإذا طلعت عليهم الشمس دخلوا في الأسراب - وقيل: في النَّهر - فإذا ارتفعت عنهم خرجوا إلى معايشهم.\n* * *\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق، وقد تقدم تخريج القراءتين في الموضع الأول.\n(^٢) في (ف): \"تطلع فيه الشمس\".\n(^٣) نسبت للحسن وعيسى وابن محيصن. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٠)، و\"زاد المسير\" (٥/ ١٨٧)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٦١).\n(^٤) في (ك): \"والمطلع هنا\"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.\n(^٥) انظر: \"الصحاح\" (٣/ ١٢٥٣) (مادة: طلع).\n(^٦) في (ف): \"وقيل\".","vol":"6","page":319},{"text":"<span id=\"aya-2231\"> </span>(٩١) - ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: أمرُ ذي القرنين كذلك؛ أي: كما وصفناه في رِفعة المكان وبَسطة الملك.\nو[قيل] (^١): لم نجعل لهم من دونها سترًا مثلَ ذلك السِّتر الذي جعلنا لكم من الجبال والحصون والأبنية والأكنان من كلِّ جنس، والثِّياب من كلِّ صنف.\n﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ من العَدد والعُدد.\n﴿خُبْرًا﴾ تكثيرًا كذلك؛ يعني: أن كثرة ذلك بلغت مبلغًا لا يحيط به إلَّا علم اللَّطيف الخبير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2229\"> </span>(٩٢) - ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾.\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثم اتَّبع طريقًا آخر، وهو المعترض بين المشرق والمغرب، آخذًا (^٢) من الجنوب إلى الشَّمال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2233\"> </span>(٩٣) - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ هما على ما ذكره وهبٌ: جبلان متَّسعان في السَّماء أملسان، يزلق عليهما كلُّ شيءٍ (^٣).\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٥).\n(^٢) في (ف): \"أخذ\".\n(^٣) انظر: \"زاد المسير\" (٥/ ١٨٩). وفيه: \"هما جبلان منيفان في السماء\" دون \"أملسان يزلق عليهما كل شيء\". وروى نحوه مرفوعًا أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ١٤٦٨). والمنيفان:=","vol":"6","page":320},{"text":"وإنَّما سُمِّيا سدَّين لسدِّهما فجاج الأرض، وكانت بينهما فجوة يلج (^١) فيها يأجوج ومأجوج، وهذا المكان في منقطع أرض التُّرك.\nوما قيل: هما جبلا أرمينية وأذربيجان؛ وهمٌ.\nوقرئ: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بالضَّم (^٢).\nقال الكسائي: هما لغتان، كالمَكْث والمُكْث.\nوقال أبو عمرو: السَّدُّ بالفتح: الحاجز بينك وبين الشَّيء، وبالضَّمِّ: الغشاوة في العين (^٣).\nولهذا قال مَن قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو بالفتح، وما كان من صنعة الله تعالى فهو بالضَّم.\nوانتصب ﴿بَيْنَ﴾ على أنه مفعولٌ به؛ لأنَّه من الظروف المتصرفة.\n﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا﴾ اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصحَّ في ذلك شيء.\n﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾: لا يفقهونه من إشارة ونحوها إلَّا بجهد ومشقَّة، فإنَّ زيادة (يكاد) قد تكون لإفادة هذا المعنى، كما في ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، وذلك لقلَّة فطنتهم، وأما غرابة اللغة فلا يصح علةً لهذا.\n_________\n= المرتفعان كما قال الشهاب في \"الحاشية\" (٦/ ١٣٤).\n(^١) في (م) و(ف): \"تلج \".\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بفتح السين وباقي السبعة بضمها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥).\n(^٣) انظر القولين في \"إعراب القرآن\" للنحاس (٢/ ٣٠٦).","vol":"6","page":321},{"text":"وقرئ: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ (^١)؛ أي: لا يُفْهِمون السَّامعَ كلامَهم، أو لا يبينونه (^٢) إلَّا بمشقة لغرابة لغتهم أو لَثْغتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2234\"> </span>(٩٤) - ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾.\n﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ دلَّ هذا الخطاب على أنَّه لقبُ تعظيم، وهو في المعنى الذي ذكرناه فيما سبق دون غيره من المعاني المذكورة في التَّفاسير، وقدرةُ ذي القرنين على فهم قولهم وتفهُّمهم من جملة الأسباب التي آتاه الله تعالى.\n﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ اسمان لقبيلتين من ولد يافث، ممنوعا الصَّرف، ولا دلالة فيه على عجميَّتهما لوجود علَّتين أخريين: التَّأنيث والعلميَّة. وقرئا مهموزين (^٣).\nقال الأخفش: مَن همز جعل الألف من الأصل، كأنه من أجيج النَّار، ومَن لم يهمز جعل الألف زائدة وقال: يأجوج من يَجَجْت [ومأجوج من مَجَجْت] (^٤).\nوقال أبو عليٍّ: إن همز يأجوج فهو من أجَّت النَّار، وإن لم يهمز فيمكن أن\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٥).\n(^٢) في (ف): \"يثبتونه\".\n(^٣) قرأ عاصم بهمزهما، وباقي السبعة بغير همز. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٤) انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٣/ ٥٧)، و\"الصحاح\" (مادة: أجج)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٧٧). وما بين معكوفتين من المصادر.","vol":"6","page":322},{"text":"يكون خفَّفَ الهمزة فقلبت ألفًا مثل: راس، وأما مأجوج فهو مفعول من أجَّ، وإن لم يُهْمَز فيجوز أن يكون على التَّخفيف وأن يكون فاعولًا من مَجَّ (^١).\n﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل والتَّخريب والإتلاف، قيل: كانوا يخرجون أيَّام الرَّبيع فلا يتركون أخضرَ إلَّا أكلوه، ولا يابسًا إلَّا احتملوه، وقيل: كانوا يأكلون النَّاس.\n﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ استفهام على جهة حُسن الأدب.\n﴿خَرْجًا﴾: جعلًا، نخرجه من أموالنا (^٢).\nوقرئ: ﴿خَراجًا﴾ (^٣)، قال أهل اللغة: الخَرْجُ: ما يُخرج من المال، والخَراجُ: ما يُخرج من الأرض، وقيل: كلاهما واحد كالنَّوْل والنَّوال.\n﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يمنعُهم من (^٤) الخروج علينا.\nوقرئ: ﴿سَدًّا﴾ بالفتح والضم (^٥).\nقال القرطبي: قال الخليل وسيبويه: الضمُّ هو الاسم والفتح المصدر، وقال عكرمة وأبو عمرو وأبو عبيدة: ما كان بخلق الله تعالى ولم يشاركه فيه أحد فهو بالضَّم، وما كان من صنع البشر فهو بالفتح، ويلزم أهلَ هذه المقالة أن يقرؤوا هنا\n_________\n(^١) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي (٥/ ١٧٢)، وانظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٧٨).\n(^٢) في (ف) زيادة \"امها\"، وفي (م) زيادة \"إنهابًا\". والمثبت من (ك) و\" الكشاف\" و\"تفسير البيضاوي\".\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٤) في (ف): \"عن \".\n(^٥) قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بالضم، وباقي السبعة بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).","vol":"6","page":323},{"text":"بالفتح، وفيما (^١) سبق [﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾] بالضَّم، وهي قراءة حمزة والكسائي (^٢).\nوالعجب أنَّ الكسائي ينكر الفرق بينهما معنى، فحقُّه أن لا يخصِّص أحدهما بموضع والآخر بموضع آخر، وأبو عمرو يعترف بالفرق وموجَبُه التَّخصيص المذكور، فكلٌّ منهما أخذَ ما هو حقُّ صاحبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2235\"> </span>(٩٥) - ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾.\n﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾: ما جعلني فيه مكينًا من كثرة المال والملك ﴿خَيْر﴾ مما يبذلون لي من الخَرَاج، فلا حاجة.\nوقرئ: ﴿مَكَّنَنِي﴾ على الأصل (^٣).\n﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أراد معاونتهم بعمل اليد وبقوَّة البدن (^٤)، والتَّخصيصُ بقوَّة العمل من ضعف الفِطْنة، فكأنه قال: رفعتُ عنكم مؤنةَ المعونة بالمال، فأعينوني بخدمةٍ بلا أجر، وهذا من تأييد الله تعالى، حيث آثر ما هو أيسرُ في حقِّهم، وأنفعُ في حقِّه، وأسرع في قضاء الحاجة.\n﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ الرَّدمُ: السَّدُّ المتراكِبُ، من قولهم: ثوب مُردَّم: إذا كان رقاعًا فوق رقاع.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"فيما\".\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٣٨٤)، وما بين معكوفتين منه، وتقدمت القراءة في مكانها.\n(^٣) وهي قراءة ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٤) في (ك): \"بقوة البدن \"، وفي (ف): \"بقوة اليدين\".","vol":"6","page":324},{"text":"<span id=\"aya-2236\"> </span>(٩٦) - ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.\n﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ الزُّبر - بفتح الباء وضمها -: جمع زُبرة، وهي القطعة العظيمة، ولا يلزم أن يكون من الحديد، دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣]، ولذلك قيَّده بالإضافة إلى الحديد، وإعطاؤها من قبيل تحصيل (^١) الآلة بالخدمة؛ لأنها ممَّا تحصل بمجرد العمل، فلا حاجة إلى صرف الإيتاء عن معناه إلى معنى المناولة، ولا دلالة على ذلك في قراءة: ﴿آتُونِي﴾ بكسر النَّون موصولة الهمزة (^٢)، على معنى: جيئوني (^٣).\nوالباء محذوفة حذْفَها في (أمرتك الخير)؛ لأنَّه هنا (^٤) في معنى الإعطاء غاية لا بعينه (^٥).\n﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ في الكلام محذوفٌ تقديرُه: فأتوه بما طلب حتَّى إذا ساوى، يعني: البناء بَيْن الصَّدَفينِ، والصَّدفُ: الجبل المرتفع. ذكره الجوهري (^٦).\n_________\n(^١) في (ف): \"تخصيص \".\n(^٢) قرأ أبو بكر: (ردمًا ائتوني) بكسر التنوين وهمزة ساكنة بعده من باب المجيء، وإذا ابتدأ كسر همزة الوصل وأبدل الهمزة الساكنة بعدها ياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٣) في النسخ: \"جئتموني \"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٩٣).\n(^٤) في (ك) و(م): \"لأنَّه لا هنا\".\n(^٥) في (ف): \"غايته لا بعينه\"، وفي (م): \"غايته لا يعاينه\".\n(^٦) انظر: \"الصحاح\" (مادة: صدف)، وفيه: \"والصَدَفُ والصُدَفُ: منقطَعُ الجبلِ المرتفع، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ \".","vol":"6","page":325},{"text":"وقرئ بضمَّتين، وبالضَّمِّ والسُّكون (^١)، وبالفتح والسُّكون (^٢)، وبفتح الأوَّل وضمِّ الثَّاني (^٣)، والكلُّ بمعنًى واحد.\n﴿قَالَ انْفُخُوا﴾؛ أي: على زبر الحديد بالأكيار.\n﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾؛ أي: جعل النَّفخُ ما نُفِخَ فيه كالنَّار بالإحماء.\n﴿قَالَ آتُونِي﴾ فيه القراءتان اللَّتان في ﴿آتُونِي﴾ المتقدمة.\n﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾: نحاسًا مُذابًا من القِطر؛ لأنَّه إذا أذيب قَطَرَ كما يقطر الماء، منصوب بـ ﴿أُفْرِغْ﴾، وتقديره: آتوني قطرًا أفرغ عليه قطرًا، فحُذف الأوَّل لدلالة الثَّاني عليه؛ إذ لو أُعمل الأوَّل لقيل: أفرغه؛ إذ لا يُضمر في الثَّاني على الفصيح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2237\"> </span>(٩٧) - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.\n﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ حذف التاء تخفيفًا لقربها من الطَّاء، وقرئ بالإدغام (^٤)، وهو على غير حدِّه؛ إذ لا يصحُّ إلَّا أن يكون قبل الإدغام متحرِّك أو حرف مدٍّ ولين، ولذلك قال أبو علي: هي غير جائزة (^٥).\nوقرئ بقلب السِّين صادًا (^٦).\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بضمتين، وأبو بكر بضم الصَّاد وإسكان الدَّال، والباقون بفتحتين. انظر: \" التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٢) نسبت لقتادة. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٣)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٧٠).\n(^٣) نسبت للماجشون. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٣٤)، و\" المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٣).\n(^٤) أي: بإدغام التاء في الطاء، وهي قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٥) انظر: \"الحجة للقراء السبعة\" لأبي علي الفارسي (٥/ ١٧٨).\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٨)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٧١).","vol":"6","page":326},{"text":"﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: أن يَعْلوه بالصُّعود لارتفاعه وانملاسه.\n﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لصلابته وثخانته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2238\"> </span>(٩٨) - ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.\n﴿قَالَ هَذَا﴾ إشارة إلى السَّدِّ ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ على عباده.\n﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، أي: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي، تفريع على ما ذُكِرَ؛ يعني لَمَّا كان وجوده رحمة ينعدم عند انتهاء زمان الرَّحمة بانقضاء المستحقِّين لها.\n﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: مدكوكًا مبسوطًا مسوًّى بالأرض، وكلُّ ما انبسط بعد ارتفاعه فقد اندكَّ، ومنه الجملُ الأدكُّ: المنبسط السَّنام.\nوقرئ: ﴿دَكَّاءَ﴾ بالمدِّ (^١)، أي: أرضًا مستوية.\n﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ كائنًا لا محالة، وهو آخر القصَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2239\"> </span>(٩٩) - ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.\n﴿وَتَرَكْنَا﴾: جعلنا ﴿بَعْضَهُمْ﴾ بعض الخلق (^٢) ﴿يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ﴾ يضطرب ﴿فِي بَعْضٍ﴾ فيختلطون إنسُهم وجنُّهم (^٣) حيارَى.\n_________\n(^١) قرأ الكوفيون بالمد والهمز من غير ثنوين والباقون بالتنوين من غير همز. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٢) في النسخ: \"الحق \"، والمثبت من \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٨).\n(^٣) في النسخ: \"السهم وجهنم\". والمثبت من المصدر السابق.","vol":"6","page":327},{"text":"﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ هذه النَّفخة نفخة الإنشاء، لا نفخةُ الإفناء، دلَّ على ذلك الفاء التَّعقيبيَّة في قوله:\n﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ للحساب والجزاء، وما هو لقيام السَّاعة إنَّما هو نفخة الإفناء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2240\"> </span>(١٠٠) - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾.\n﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ﴾: وأبرزنا لهم.\n﴿عَرْضًا﴾ أشار بتنكيره إلى خروجه عن حدِّ التَّعريف والبيان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2241\"> </span>(١٠١) - ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.\n﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾: عن آياتي التي يُنظر إليها، فأُذكَرُ بالتَّوحيد والتَّعظيم.\n﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾: استماعًا (^١) لذكري وكلامي لفرط صممهم عن الحقِّ، وهذا أبلغ من إثبات الصَّمم لهم؛ لأنَّ الاسم قد يستطيع السَّمع إذا صيح به (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2242\"> </span>(١٠٢) - ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.\n_________\n(^١) في النسخ: \"إسماعا\"، والتصويب من \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٩٤).\n(^٢) \"به\" من (ك).","vol":"6","page":328},{"text":"﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: (أفظنَّ الذين كفروا)، وقد قرأ كذلك ابن مسعود ﵁ (^١)، معطوف على قوله: ﴿كَانَتْ﴾ ﴿وَكَانُوا﴾ دلالةً على أن الحسبان ناشئ من التَّعامي والتَّصامِّ، وأُدخل عليه همزةُ الإنكار ذمًّا على ذمٍّ، وقطعًا له عن المعطوف عليهما لفظًا لا معنًى؛ للإيذان بالاستقلال المؤكِّد (^٢) للذَّم في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، من وضع الظاهر مقام المضمَر زيادة للذَّم.\n﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾: هم (^٣) مَنْ عُبِدَ من الملائكة والمسيح وعزيرٍ ﵈.\n﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنَّهم لا يكونون أولياء كما حكي عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١].\n[وقرئ] (^٤): (أَفَحَسْبُ الذين كفروا) (^٥)؛ أي: أفكافيهم (^٦) ومُحْسِبُهم أن يتخذوهم أولياء، على الابتداء والخبر، أو على الفعل والفاعل؛ لأن النَّعت إذا اعتمد الهمزة ساوى الفعلَ في العمل.\n﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ استئناف لبيان خطأ حسبانهم، وفي جعل جهنَّم نزلًا\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٥)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٧٣).\n(^٢) في النسخ: \"بالاستقلال المذكور\"، والمثبت من \"روح المعاني\" (١٥/ ٥٨٦)، والكلام من \"الكشف\" على ما صرح به الآلوسي.\n(^٣) \"هم \"من (ك).\n(^٤) ما بين معكوفتين زيادة لتوضيح الكلام. وانظر: \"الكشاف\" (٢/ ٧٤٩).\n(^٥) نسبت لعلي بن أبي طالب وابن عباس ﵃. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٠)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٤٩).\n(^٦) في (ف) و(م): \"أمكافيهم\".","vol":"6","page":329},{"text":"لهم - وهو ما يقام للنَّزيل (^١)؛ أي: الضيف - تهكُّمٌ بهم، وتنبيهٌ على أنَّ لهم وراءها من العذاب ما تُستعذب وتُستلذُّ جهنَّم بالنِّسبة إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2243\"> </span>(١٠٣) - ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.\n﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ نصب على التَّمييز، وجُمع لتنوُّع أعمالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2244\"> </span>(١٠٤) - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.\n﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ضاع وبطل لكفرهم وإنكارهم الحشر.\nقيل: هم الخوارج أهلُ حَرُوراءَ.\nوقيل: هم الرُّهبان أصحاب الصَّوامع.\nويردُّهما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذ ليس منهما مَن يكفر بلقاء الله تعالى والبعث والنَّشر.\nومحله الرَّفع على الخبر المحذوف، فإنَّه جواب السُّؤال، أو الجرُّ على الوصف، أو على البدل، أو النصب (^٢) على الذَّم.\n﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ لعُجبهم واعتقادهم أنَّهم على الحقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2245\"> </span>(١٠٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ بدلائله المنصوبةِ على التَّوحيد والنُّبوَّة، أو: بالقرآن.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"للتنزيل \".\n(^٢) في (ف): \"البدلية أو انتصب\".","vol":"6","page":330},{"text":"﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث على ما هو عليه، أو: لقاءِ عذابه.\n﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بكفرهم فلا ينتفعون بها، لا بنيل الثَّواب ولا بتخفيف العذاب.\n﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾: فلا نضع لهم ميزانًا لوزن (^١) أعمالهم؛ لانحباطها.\nوقيل: فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا.\nوَيرِدُ عليه: أنَّ حقَه حينئذ أن يعطف بالواو عطفَ أحدِ الفرعين على الآخر، لأنَّ منشأ الإزدراء بهم كفرُهم بآيات الله تعالى ولقائه، لا حبوطُ أعمالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2246\"> </span>(١٠٦) - ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر ذلك، وقو له: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملةٌ مبيِّنة له.\nويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأً، والجملة خبره، والعائد محذوف؛ أي: جزاؤهم به، أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ بدلُه، و﴿جَهَنَّمُ﴾ خبره، أو ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ خبره، و﴿جَهَنَّمُ﴾ عطف بيان للخبر.\n﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أي: بسبب ذلك، وقد تقدَّم تفسيره الهزو (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2247\"> </span>(١٠٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ﴾ فيما سبق مِن حكم الله ووعده.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) تحتمل: \"بوزن\" أو \"يوزن \"، وفي (م): \"يوزن\". والصواب المثبت.\n(^٢) في (ك) و(م): \"تفسير الهزء\". وتقدم تفسير كليهما عن قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾.","vol":"6","page":331},{"text":"﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ قد مرَّ معنى النزل وما فيه من التَّنبيه. و﴿الْفِرْدَوْسِ﴾: البستان الذي يجمع محاسن كلِّ بستان. قاله الزَّجَّاج (^١).\nوروي مرفوعًا أنَّه أوسط الجنَّة وأعلاها (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2248\"> </span>(١٠٨) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ نصبٌ (^٣) على الحال، ولَمَّا كان ما ذكر في سابق تقديره تعالى لم يحتج هاهنا إلى تقدير.\n﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾؛ أي: لا يطلبون عنها التَّحوُّل؛ إذ لا مزيد عليها حتى تنازعَهم إليه أنفسُهم، بل فيها جميع ما تشتهي أنفسهم، وهذه غاية الوصف.\nوالتَّحوُّلُ: التَّنقُّل من موضعٍ إلى موضعٍ، والاسم: الحِوَل. ذكره الجوهري (^٤).\nوفيه تأكيد الخلود؛ لأنَّهم إذا لم يريدوا الانتقال عنهما لا يُنْقَلون (^٥)؛ لعدم الإكراه فيها.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج (٣/ ٣١٥).\n(^٢) روى البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: \"إن في الجنة مئة درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدَّرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنَّة وأعلى الجنَّة - أراه - فوقه عرش الرَّحمن، ومنه تفجر أنهار الجنَّة\".\n(^٣) في (ك): \"نصبه\".\n(^٤) انظر: \"الصحاح\" (٤/ ١٦٨٠) (مادة: حول).\n(^٥) في (ك): \"لا ينتقلون \"، وفي (م): \"لم ينتقلون\".","vol":"6","page":332},{"text":"<span id=\"aya-2249\"> </span>(١٠٩) - ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ هو في الأصل: الحاوي شيئًا بعدَ شيءٍ على اتِّصال، وصار اسمًا لكلِّ ما يُمَدُّ به الشَّيء على العموم، والمراد هنا: الحِبر، وهو اسم خاصٌّ لِمَا في المِحبرة.\n﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾: لكلماتِ علمه وحكمته.\n﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾: لنفد جنسُ البحر؛ أي: لم يبقَ منه شيء؛ لتناهيه.\n﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ قرئ بالتَّاء والياء (^١).\n﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ لعدم تناهيها، وفي نفاده قبل نفادها لا يلزم تحقُّق نفادها بعد نفاده، ولذلك يقع الطَّلاق الواحد إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالقٌ واحدةً بعد واحدةٍ.\n﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾: بمثلِ البحر الموجود مَددًا لنفد أيضًا، والكلمات أيضًا غيز نافدة؛ ضرورةَ أنَّ كلَّ ما يدخل تحتْ الوجود متناهي (^٢) المقدار، فلا بُدَّ مِنْ نفاده، بخلافِ ما لا نهاية له فإنَّه يستحيل نفادُه.\nو﴿مَدَدًا﴾: تمييز، وهو مثلُ المداد، وقرئ: (مِددًا) بكسر الميم (^٣)، جمع مِدَّة، وهي (^٤) ما يَستمدُّه الكاتب فيَكتبُ به.\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي بالياء، والباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).\n(^٢) في النسخ: \"متناه\"، والصواب المثبت.\n(^٣) نسبت للأعرج. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٠).\n(^٤) في (ف): \"وهو\".","vol":"6","page":333},{"text":"وقرئ: (بمثله مدادًا) (^١).\nوسبب نزوله: أنَّ اليهود قالوا: في كتابكم: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وتقرؤون: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فنزلَتْ. يعني أن ذلك خيرٌ كثيرٌ، ولكنَّه قطرةٌ من بحر كلمات الله تعالى (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2250\"> </span>(١١٠) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في العجز عن الإحاطة عن كلماته (^٣)، إلَّا أنِّي أفارقكم بنزول الوحي عليَّ، وبعضِ الإحاطة بسببه.\n﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ نبَّه على الوحدانيَّة؛ لأنَّهم كانوا كفارًا بقولهم: عزيرٌ ابن الله، ثمَّ حضَّ على ما فيه النجاة بقوله:\n﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الرَّجاء: توقُّع الخير في المستقبل، وهو الطَّمع أيضًا، لكنَّه يُستعمل في الأمور المحمودة.\nوفرِّق بين الرَّجاء والاغترار: بأنَّ الرَّجاء يكون لمن مهَّد أسباب المرجوِّ، والاغترار لمن أخلَّ بها.\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:٨٠).\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ١٦٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٥٤٦)، و\"الكشاف\" (٢/ ٧٥٠).\n(^٣) \"عن كلماته\" كذا في النسخ، ولعل الصواب: (بكلماته).","vol":"6","page":334},{"text":"والمراد من لقاء الله تعالى: كرامتُه، وتقدير المضاف على أن يكون الكلام: (حُسْنَ لقاء ربِّه) لا يغني عن هذا التَّجوُّز، وهذا يغني عنه.\n﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ لائقًا لذلك الرَّجاء.\n﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ قال ابن جبير: لا يرائي في عمله، ولا يبتغي إلَّا وجهَ ربِّه خالصًا لا يخلط به غيره (^١).\nروي: أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ: إنِّي أعمل العمل لله تعالى، فإذا اطَّلع عليه أحدٌ سرَّني؟ فقال: \"إن الله لا يقبل ما شُوْرِكَ فيه\" فنزلَتْ تصديقًا له ﵇ (^٢).\nوعنه ﵇: \"اتقوا الشِّركَ الأصغرَ\" قالوا: وما الشِّركُ الأصغرُ؟ قال: \"الرياء\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"النكت والعيون\" (٣/ ٣٥٠)، و\"زاد المسير\" (٥/ ٢٠٣).\n(^٢) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٢/ ٣١٣): (غريب، وذكره الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس ﵄. قلت: هو في \"أسباب النزول\" (ص: ٢٩٢).\nورواه بنحوه أبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (١٥٩١)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١١/ ٣٠٤)، من طريق محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومحمد بن مروان كذاب، والكلبي متروك، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس، والإسناد كما ترى.\n(^٣) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٣٦٣٠) و(٢٣٦٣٦) من حديث محمود بن لبيد ﵁. ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٤٣٠١) من حديث محمود بن لبيد عن رافع بن خديج ﵄.\nورى نحوه البزار في \"مسنده\" (٣٤٨١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧١٦٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٧٩٣٧)، وصححه.","vol":"6","page":335},{"text":"والآية جامعة لخاصَّتي العلم والعمل، وهما التَّوحيد والإخلاص في الطَّاعة.\nوقرئ: (تشرك) بالتَّاء (^١)، التفاتًا من الغيبة إلى الخطاب، ثم عاد إلى الالتفات من (^٢) الخطاب إلى الغيبة في ﴿رَبِّهِ﴾ (^٣). والله أعلم بالصواب.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٨٣).\n(^٢) \"الالتفات من\": ليست في (م).\n(^٣) \"والله أعلم بالصواب\" ليست في (ف).","vol":"6","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-83>سُورَةُ مَرْيَمَ ﵍</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2251\"> </span>(١) - ﴿كهيعص﴾.\n﴿كهيعص﴾ قد سبق القول فيه (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2252\"> </span>(٢) - ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾.\n﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبرُ محذوفٍ؛ أي (^٢): هذا ذِكْر، أو خبرُه محذوفٌ؛ أي: فيما يُتْلَى عليك ذكرُ.\nوقرئ: (ذَكَّرَ) مشدَّدًا على الماضي من التذكير، ونصبِ (رحمةَ) (^٣)؛ أي: هذا المتلوُّ ذكَّرَ رحمةَ ربِّك.\n_________\n(^١) في هامش (س): \"تقدم الكلام في أول البقرة على الحروف المنقطعة التي في فواتح السور بما يتوقف عليه هناك، كذا في تفسير الشيخ الإمام أثير الدين أبو [كذا] حيان ﵀\".\n(^٢) في (م): \"تقديره\".\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦) ونسبها ليحيى بن يعمر، و\"المحتسب\" (٢/ ٣٧) ونسبها للحسن.","vol":"6","page":339},{"text":"و: (ذَكِّر) على الأمر (^١)، وهذا صريحٌ في عدم اتصاله بما قبله، فالوجه أن يُعرب الباقون موافقًا لهذا؛ لأن الأصل في القراءات التوافق.\n﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول الرحمة، أو الذكر، على أن الرحمة فاعلُه على الاتِّساع، كقولك: ذَكَرني جودُ زيد.\n﴿زَكَرِيَّا﴾ بدل منه، أو عطف بيان له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2253\"> </span>(٣) - ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.\n﴿إِذْ﴾ ظرف للرحمة، دلالةً على أن وقت ندائه هو وقت رحمة ربِّه لم يتخلَّف عنه.\n﴿نَادَى رَبَّهُ﴾ النداء قد يُستعمل في مطلَق الخطاب، كما في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم: ٢٤] فلا تَنافيَ في قوله: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بين الصفة والموصوف.\nأي: دعا دعاءً سرًّا (^٢)؛ لأن (^٣) الإسرار والجهر (^٤) عند الله سِيَّان، وعندنا الإسرارُ أبعدُ من الرياء وأقرب إلى الصفاء، وأخفاهُ لئلا يُلام على طلب الولد في أوانِ الكِبَر، فإنه كان حينئذٍ متجاوزًا إلى الهَرَم، على ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦) ونسبها ليحيى بن يعمر.\n(^٢) في (م): \"مسرًّا\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"لا أن \".\n(^٤) في هامش (س) و(ف): \"من قال: لأن الإخفاء والجهر، كأنه غافل من أن مقابل الإخفاء الإعلان دون الجهر فإنه مقابل الإسرار. منه\". وفيه رد على البيضاوي في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان).","vol":"6","page":340},{"text":"<span id=\"aya-2254\"> </span>(٤) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي﴾ استئناف لتفسير النداء ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ الوَهن: الضعْف، وقُرئ بالحركات الثلاث (^١)، وتخصيص العَظْم؛ لأنَّه دعامة البَدَن وأصلُ بنائه؛ فتطرُّق الضعف إليه موجبٌ لتطرُّقه إلى كل البدن، ولأنه أصلبُ ما فيه، فإذا وهنَ كان ما وراءَه أوهنَ، وتوحيدُه لأن المراد الجنس، ولو جمع لكان قصدًا إلى معنًى آخر، وهو أنه لم يَهِن منه (^٢) بعضُ عظامه ولكن كلُّها، وذلك ليس مقصودًا بحسب المساق، وما زاد على المقصود يُعدُّ لُكْنةً (^٣) وفضولًا.\nولما اقتضى المقامُ تعريف الحقيقة في العَظْم دون الرأس احتيج إلى زيادة قوله: ﴿مِنِّي﴾ هنا دون قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ أي: استولى الضعفُ على الظاهر والباطن، وذكر هذا يزيد الدعاء توكيدًا؛ لِمَا فيه من الاتِّكال على حول الله تعالى (^٤) وقوَّته، والتبرِّي عن الأسباب الظاهرة، شَبَّه الشيبَ بشُواظ النار، لا في بياضه وإنارته فقط، بل فيهما وفي أن النار كما تشتعل في الجسم وتسري فيه حتى تُحيله إلى غير حاله المقدَّم، كذلك الشيب يأخذ في الرأس ويسري شيئًا فشيئًا حتى يُحيله إلى غيرِ لونِه الأول، وشبَّه انتشاره في الشعر وفشوَّه فيه وأَخْذَه منه كلَّ مأخذٍ باشتعال النار في سرعة التهابه وتعذُّر تلافيه.\n_________\n(^١) قرأ الجمهور بفتح الهاء، والأعمش بكسرها، وفرئ بالضم، انظر: \" البحر المحيط\" (١٤/ ٣٩١).\n(^٢) في (ك): \"فيه \".\n(^٣) في (ك) و(ف): \"نكتة\"، بدل قوله: \"يعدّ لكنة\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"حوله تعالى\".","vol":"6","page":341},{"text":"ولا بدَّ في التشبيه الثاني من اعتبار معنى السرعة في وجه الشَّبَه، إذ به يُعلم كون الشيب في وقته، فتتمُّ الكناية عن المعنى المراد وهو الدخول (^١) في سنِّ الشيخوخة، فإن الشيب قد يأخذ من الرأس كلَّ مأخذٍ قبل ذلك إلا أنه يكون على تدريجٍ ومهلٍ.\nثم أخرج الأول مخرج الاستعارة المَكْنيَّة، والثاني مخرج الاستعارة التصريحيَّة، وأصل الكلام: اشتعل الشيبُ في الرأس، لا: اشتعل مشيبُ الشعر في الرأس؛ لأن الشيب: مخالطة الشعر الأبيض بالأسود، فترك تلك المرتبة إلى ما هو أبلغ منها من جهات:\nأولها: إسناد الاشتعال إلى الرأس؛ لإفادة شمول الاشتعال.\nوثانيها: الإجمال والتفصيل في طريق التمييز.\nوثالثها: تنكير ﴿شَيْبًا﴾ لإفادة التعظيم.\nواكتفى باللام عن الإضافة لا اعتمادًا على علم المخاطب، وإلَّا لما ذكر ﴿مِنِّي﴾ فيما سبق، بل اعتمادًا على أن المتبادِر من العطف على المقيَّد اعتبارُ القيد فيه.\n﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: كنتُ مستجابَ الدعوة قبل اليوم سعيدًا غيرَ شقيٍّ فيه، يقال: سَعِدَ فلانٌ لحاجته، إذا ظفر بها، و: شَقِيَ، إذا خاب ولم ينلها، يعني: أنه تعالى عوَّده بالإجابة وأطمعه فيها، ومن حقِّ الكريم أن لا يخيب مَن أَطْمَعه (^٢).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \" الوصول\"، والمثبت من (س).\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"عبارة التنبيه الواقع في كلام القاضي لم تصب محزها. منه \". وعبارة=","vol":"6","page":342},{"text":"وفيما ذكر تذكُّر لعادات تفضُّله تعالى في إجابة أدعيته، وتوسُّلٌ به، وذلك نِعْمَ الوسيلة، وتحسينُ الظَّنِّ بالإجابة، فإن له تأثيرًا فيها: \"قال الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2255\"> </span>(٥) - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾.\n﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾: ابنُ العمِّ والعَصَبةُ، وجمعه: الموالي.\n﴿مِنْ وَرَائِي﴾ قال أبو عبيدة: أي: من جهة الموت الذي هو قدَّامي، قال الشاعر:\nأيرجو بنو مروانَ سمعي وطاعتي … وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائيا (^٢)\nكأنه لم يَرَ فيهم من الخِلال ما يَصلحون به للقيام مقامه في الدِّين.\nوقرئ: (خَفَّت) (^٣)، وتعلُّقُ الظرف به ظاهرٌ، يعني: أنهم خَفُّوا قُدَّامه ودرَجوا ولم يبقَ منهم مَن به تقوٍّ واعتِضادٌ.\n_________\n= البيضاوي: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ بل كلما دعوتك استجبت لي، وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتادًا فإجابته معتادة، وأنَّه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه).\n(^١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ضي الله عنه.\n(^٢) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (٢/ ٢)، ونسب البيت فيه لمساور بن حمئان من بني ربيعة، ونسب لسوار بن المضرَّب في \"الكامل\" للمبرد (٢/ ٢٦٨)، و\" الأضداد\" للأصمعي (ص: ٢٠).\n(^٣) نسبت لعثمان بن عفان ومحمد بن علي وعلي بن الحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦).","vol":"6","page":343},{"text":"﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ العاقر: التي لا تلد لكِبَر سِنِّها، وفي عبارة (كانت) دلالةٌ على أنها استمرَّت مدَّة على تلك الحالة.\nوالظاهرُ من تقديم هذا القول أنه أراد الولد منها، وقد مَرَّ وجهه في سورة آل عمران، ويناسب هذا أن يكون المراد من ﴿يَعْقُوبَ﴾ أبا امرأته.\n﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ اختراعًا منك بلا سبب؛ لأني وامرأتي لا نَصلح للولادة ﴿وَلِيًّا﴾ ابنًا يلي أمرك بعدي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2256\"> </span>(٦) - ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾.\n﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: برفعهما، صفة لـ (ولي)، أي: هب لي ولدًا وارثًا منِّي العلمَ ومن آلِ يعقوب النبوَّةَ، ومعنى وراثةِ (^١) النبوَّة: أنه يصلح لأَن يُوحى إليه، ولم يُرد أنَّ نفس النبوَّة تُورَث.\nوبجزمها (^٢) على أنه جوابٌ للدُّعاء.\nورَدَّ أبو عبيدة قراءةَ الجزم، وقال: لأن معناه: إن وهبتَ وَرث، وكيف يُخبر الله تعالى بهذا وهو أعلم به [منه] (^٣)؟!.\n﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعقوبُ (^٤) بن ماثانَ أخو عمرانَ أبو مريمَ.\n_________\n(^١) في (ف): \"وراثته\".\n(^٢) هي قراءة أبي عمرو والكسائي، وقرأ باقي السبعة بالرفع، انظر: \"التيسير\" (ص ١٤٨).\n(^٣) انظر: \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (٢/ ٢)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٤١٥)، والكلام وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) \"يعقوب\": ليست في (ك) و(م).","vol":"6","page":344},{"text":"وقرئ: (يرثُني وارثَ آل يعقوب)، على الحال من أحد الضميرين (^١).\nو: (أُويرِثٌ) بالتصغير (^٢)، لا لصغره؛ لأنَّه (^٣) لا يناسب المقام، بل للمدح، كقول حباب (^٤) بن المنذر: أنا جُذَيْلُها المُحكَّك وعُذَيقُها المرجَّب (^٥).\n_________\n(^١) نسبها الزمخشري لابن عباس والجحدري. انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥٠٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٦)، وعنه نقل المؤلف. وكونه على الحال قاله الزمخشري، وكونه من أحد الضميرين زاده البيضاوي، وكونه على زنة اسم الفاعل قاله الشهاب. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٤٥)، وقال الطيبي في \"فتوح الغيب\" (٩/ ٥٧١): بنصب (وارث)، ثم قال: (قيل: هو: حالٌ؛ أي: يرث علمي ويرث علم آل يعقوب). ولا أرى هذا التقدير موافقًا لما أراده البيضاوي، كما لم أجد مَن قدره من شراح البيضاوي، والمراد - والله أعلم - على تقدير كونه حالًا من فاعل ﴿يَرِثُنِي﴾: يرثني حالة كوني وارثَ آلِ يعقوب؛ أي: وقد كنت وارثًا لهم، وعلى تقدير كونه حالًا من مفعوله: يرثني حالة كونه وارث آل يعقوب، أي: فيكون بوراثتي وارثًا لآل يعقوب. وجاء في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٣) عن ابن عباس والجحدري: (يرثني وارثًا) بالفتح والتنوين. كذا قال ابن خالويه، وهو يؤيد ما ذكرناه من التقدير، ولم يذكر الزمخشري التنوين.\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٣)، و\"الكشاف\" (٢/ ٥٠٣)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٣٩٥).\n(^٣) في هامش (ف): \"رد لمن قال وعد بإجابة دعائه. منه \".\n(^٤) في (م): \"حيان\".\n(^٥) قاله الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند بيعة أبي بكر ﵁، يريد أنه قد جربته الأمور وله رأي وعلم يُشتفى بهما كما تشفى الإبل الجربى باحتكاكها بالجذل. والخبر رواه البخاري (٦٨٣٠) مطولًا من حديث ابن عباس ﵄. الجذيل: تصغير الجذل وهو أصل الشجرة. والمحكك: الذي تتحكك به الإبل الجربى، وهو عود ينصب في مبارك الإبل لذلك. والعذيق: تصغير العذق وهو النخلة. والمرجب: الذي جعل له رجبة وهي دعامة تبنى حولها من الحجارة.","vol":"6","page":345},{"text":"و: (وارثٌ من آلِ يعقوب) (^١) على أنه فاعل (يرثني)، وهذا يسمَّى التجريد؛ لأنَّه جرِّد عن المذكور أولًا مع أنه المراد.\n﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ ومرضيًّا في أخلاقه وأفعاله، أو: راضيًا عنك (^٢) وبحكمك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2257\"> </span>(٧) - ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾.\n﴿يَازَكَرِيَّا﴾، أي: فاستجبنا دعاءه وقلنا: يا زكريا، دلَّ على ذلك قوله في سورة الأنبياء: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: ٩٠].\n﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ كانت البشارة بواسطة المَلَك على ما نصَّ عليه في سورة آل عمران.\n﴿بِغُلَامٍ﴾ وفيه بشارةٌ بثلاثة أمور: الولدِ، وكونهِ ذكرًا، وبلوغهِ الحُلُم، واختلفوا في بقائه بعد أبيه، والظاهر من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أنه بقي بعده.\n﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ تولَّى اللهُ تعالى تسميته؛ تشريفًا له.\n﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ لم يُسمَّ أحدٌ بيحيى قبله، وفيه دلالة على أن في التخصيص باسمٍ مستحسنٍ نوعَ تشريفٍ للمسمَّى، وقد سبق معنى ﴿يَحْيَى﴾ وبيان اشتقاقه (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٣٨)، ونسبها لعلي بن أبي طالب وابن يعمر وجماعة.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"منك\".\n(^٣) في هامش (ف): \"لا بالأسامي العربية مطلقًا كما توهم\".","vol":"6","page":346},{"text":"<span id=\"aya-2258\"> </span>(٨) - ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.\n﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ استفهامٌ تعجُّبي يدلُّ على التصديق بوقوع المخبَر به والاعترافِ بكمال قدرته عليه؛ لأن التعجُّب إنما ينشأ من استغرابٍ مقارنٍ للتصديق به؛ لتضمُّن الاستخبار أنه يُولَد له على هذه الحالة أو بعد الإحالة.\nفاندفع ما قيل: لِمَ استَبعد واستَعجب؟ وأجيب: بأنه ليجاب (^١) بما أجيبَ به، فيزدادَ المؤمنون إيقانًا ويرتدع المبطلون.\nوليتَ شِعري مَن المراد من الموقنين والمبطلين وقد كان دعاؤه مخفيًّا عن الغير؟!\nثم إنه ﵇ فَهِمَ من البشارة المذكورة أنَّه يرى بلوغ يحيى ﵇ أوانَ الحلم، فازداد به التعجُّب، ولهذا قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ دون: أنى يكون لي ولد، وأنَّه يُولد من امرأته التي طلب الولد منها، ولهذا قال:\n﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (^٢) هو اليُبسُ والجَساوةُ في المفاصل والعظام - كالعود اليابس - من أجل الكِبَر والطَّعْن في السِّنِّ العالية.\n* * *\n_________\n(^١) \"ليجاب\" من (س) وحدها، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٢/ ٦)، وهو السائل والمجيب.\n(^٢) في (م): \"أنى يكون لي غلام وقد بلغت من الكبر عتيًا\".","vol":"6","page":347},{"text":"<span id=\"aya-2259\"> </span>(٩) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.\n﴿قَالَ﴾ المَلَك المبلِّغ للبشارة تصديقًا له: ﴿كَذَلِكَ﴾: الأمر كذلك ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: بأن أردَّ عليك قوَّة الجِماع وأفتقَ رَحِمَ امرأتك للعُلوق (^١).\nوقرئ: (وهو عليَّ هَيِّنٌ) (^٢) على العطف على محذوف، أي: أجعله (^٣) وهو عليَّ هيِّن.\n﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أراد خَلْق مادَّته لا خلق صورته؛ لأنَّه عن شيء، فلا يناسب السباق واللحاق (^٤)، ولهذا قال:\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِن قبل خَلْقك بشرًا ﴿وَلَمْ تَكُ﴾ حينئذٍ ﴿شَيْئًا﴾ بل كنتَ لا شيئًا محضًا، وليس فيه تعرُّضٌ للخلافية المشهورة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2260\"> </span>(١٠) - ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾: عَلَامةً أعلم بها أنه علقَ؛ لأزيد في الشكر وفي دعاء (^٥) السلامة.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف) و(م): \"وما قيل: لا احتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، لا يناسب المقام؛ لأن الأسباب العادية غير مرفوضة في خلق يحيى ﵇. منه \".\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٣).\n(^٣) في (ك): \"أفعله\".\n(^٤) في (س): \"السياق واللحاق \"، وفي (م): \"السابق واللاحق\".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"وفي علة\"، وفي (س): \"ودعاء\" وسقطت منها (في).","vol":"6","page":348},{"text":"﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾: علامتُك أن تمتنِعَ من كلام الناس دونَ ذكرِ اللهِ تعالى.\n﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ دلَّ ذكر الليالي هنا والأيامِ في سورة آل عمران على أنَّ المنع من كلام الناس استمرَّ ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ للتجرُّد للذِّكر والشكر.\n﴿سَوِيًّا﴾ حالَ كونك سويَّ الخلق، سليم الجوارح، ما بِكَ خرسٌ ولا بَكَمٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2261\"> </span>(١١) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.\n﴿فَخَرَجَ﴾ مُشرِفًا ﴿عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾؛ أي: المسجد، وكانوا ينتظرون فتحه ليصلُّوا فيه بأمره على العادة.\n﴿فَأَوْحَى﴾: أشار ﴿إِلَيْهِمْ﴾ لقوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾: صلُّوا، و﴿أَنْ﴾ هي المفسِّرة ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طَرَفَي النهار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2262\"> </span>(١٢) - ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.\n﴿يَايَحْيَى﴾ على تقدير القول ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾: التوراة ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ، أَخذُه: قَبولُه، وكون أخذِه بقوَّةٍ العملُ به كما هو حقُّه.\n﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ يعني: الحكمةَ وفَهْم التوراة ﴿صَبِيًّا﴾ قيل: دعاهُ الصبيانُ إلى اللعب، فقال: ما للَّعب خُلِقنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2263\"> </span>(١٣) - ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾.","vol":"6","page":349},{"text":"﴿وَحَنَانًا﴾ شفقةً ورحمةً للناس، وإنما قال (^١): ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ مع أنَّ الكُلَّ من عند الله تعالى، للدلالة على أنَّ شفقته ﵇ كانت زائدة على ما في جِبِلَّة (^٢) الناس، خارجةً عن المعتاد.\n﴿وَزَكَاةً﴾ وطهارةً من الذنوب، فلم يُعْهَد بذنب.\n﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مستمرًّا على الإطاعة والتجنُّب عن المعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2264\"> </span>(١٤) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾.\n﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾، أي: محسِنًا إليهما في الغاية.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ الجبَّار: الذي يُعاقِب على غضب نفسِه لا على استحقاقِ الجاني، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠].\nوالعَصِيُّ: المبالِغ في العصيان، وهو مخالفةُ الأمر، فإن الظاهرَ المبالغةُ في النفي دون المنفي، والعدول عنه للإشعار بأن شأن النفوس القويَّة البلوغُ إلى الغاية في كلِّ صفة بها، ممدوحةً كانت أو مذمومةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2265\"> </span>(١٥) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.\n﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ تحيَّةٌ من الله تعالى ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ أتى هنا بصيغة الماضي، وفي قوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ بصيغة المضارع؛ لأن مساق الكلام بعد ولادته وقبل موته.\n_________\n(^١) في (ف): \"قلنا\"، وفي (ك): \"قيل\".\n(^٢) في (ف): \"حيلة\".","vol":"6","page":350},{"text":"﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مطلق البعث يعمُّ ما في القبر، إلا أنه حينئذٍ لا يُطلَق عليه الحيّ، فقوله: ﴿حَيًّا﴾ لتعيين بعث الآخرة (^١).\nقال ابن عيينة (^٢): أوحشُ ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يُبعث (^٣). فهذه فجاءات ثلاث، لا فجاءةَ أعظمُ منها، ويحيى ﵇ يُحيَّى بالسلام (^٤) في هذه المواطن العظام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2266\"> </span>(١٦) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ يعني: قصَّتها.\n﴿إِذِ﴾ ظرف لمضاف مقدَّر، وقيل: (إذ) بمعنى (أَنْ) المصدرية، وتقديره: واذكر مريم انتباذَها، على أن (انتباذَها) بدلٌ من ﴿مَرْيَمَ﴾.\nوأما ما قيل: إنه بدل من قصَّةِ مريم بدلَ الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدلَ الكُلِّ لأن المراد من الظرف الأمر الواقع فيه= فلا يَرِدُ عليه أنَّ الزمان إذا لم يكن خبرًا عن الجثَّة ولا حالًا منها ولا وصفًا لها لا يكون بدلًا منها.\n﴿انْتَبَذَتْ﴾؛ أي: انفردت وقعدت نبذةً، أي: ناحيةً؛ وهذا إذا جلس قريبًا منك حتى لو نبذتَ إليه شيئًا وصل إليه، ولذلك احتاجت إلى ضرب الستر بينها وبينهم (^٥)، ويُرشِد إلى هذا قولُ: ﴿مِنْ دُونِهِم﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"لتعيين البعث \".\n(^٢) قوله: \"قال ابن عيينة\" من (م)، وهو الموافق لما في \"تفسير القرطبي\".\n(^٣) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٢٧ و٤٢٧)، والخبر رواه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٥٩٨).\n(^٤) في (ف): \"ويحيى عليه بالسلام \".\n(^٥) في هامش (ف) و(م): \"فيه ردٌّ لما في التيسير من أنه للاستتار من الشمس. منه \".","vol":"6","page":351},{"text":"﴿مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا﴾ انتصابه على تضمين الانتباذ معنى الإتيان، أو على الاتِّساع.\n﴿شَرْقِيًّا﴾ شرقيَّ بيت المقدس، أو شرقيَّ دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرقَ قبلةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2267\"> </span>(١٧) - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.\n﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾: سترًا تستَّرت به عن أهلها؛ بدلالة قوله: ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾.\nقيل: قعدت في مَشْرقة (^١) للاغتسال من الحيض، فاحتجبت بشيء يسترها.\n﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾؛ أي: جبرائيل ﵇، والإضافة للتشريف.\n﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾؛ أي: تصوَّر لمريم ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدل الخَلْق، حَسَن الصورة (^٢)، وإنما مثّل كذلك لا للاستئناس بكلامه وتهييج شهوتها فتنحدرَ نطفتها إلى رَحِمها، إذ حينئذٍ لا يكون مَثَلُه كمَثَل آدم ﵇ في الخَلْق بلا واسطةِ نطفة، بل لئلَّا تنفرَ عنه، فتسمع كلامه وتُبتلى به فتظهر عفَّتها.\nولمَّا رأت رجلًا قد دخل عليها فجأةً في الخلوة، ظنَّت أنه يريدها بسوء، وعلمت أنها لا تقدر على دفع ذلك، فاستعاذت بالله:\n\n<span id=\"aya-2268\"> </span>(١٨) - ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾.\n_________\n(^١) مثلثة الراء: محل شروق الشمس والقعود فيه شتاء. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٤٩).\n(^٢) في هوامش (س) و(ف) و(م): \"السوي يقال فيما يصان عن الإفراط والتفريط من حيث القدر والكيفية، ذكره الراغب. منه\".","vol":"6","page":352},{"text":"﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ﴾ استئناف على تقدير سؤال، وفي ذكر الرحمن تذكيرٌ ليوم الجزاء، فإنه تعالى رحيم الدنيا ورحمن الآخرة.\n﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تتَّقي الله وتخشاهُ فلا تَقْرَبني، فحذف الجزاء لدلالة الحال عليه، وهذا كقول القائل: إن كنت مؤمنًا فلا تَظلمني، أي: ينبغي أن يكون إيمانُك مانعًا لك من الظلم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2269\"> </span>(١٩) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.\n﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ في عبارة الرسول إشارة إلى أن توسُّطه في الخبر دون الأَثَر، وأتى بالرَّبِّ مضافًا إليها؛ لنوعٍ من الدلالة في أول الكلام على أن الرسالة لإيصالِ النعمة والإحسان الخاصِّ بها من بين العباد، ولما كان في مفهوم الخبر باعتبار هذا المعنى مظنَّةُ الاستبعاد أكَّده بـ: ﴿إِنَّمَا﴾.\n﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ حكاية لقول الله تعالى، دلَّ على ذلك قراءة: ﴿ليهب﴾ بالياء (^٢)، ويناسبه وصف الرسالة، وفي عبارة الهبة إشارة إلى أن ما أعطيَ لها يصل إليها بسهولة.\n﴿غُلَامًا﴾ قد مرَّ ما فيه من وجوه البشارة.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف) و(م): \"المقام مقام الحثِّ على الانزجار، فالوجه ما ذكرنا، لا ما قيل: إن كنت تقيًا فإني أعوذ منك، فكيف إذا لم تكن كذلك. منه \".\n(^٢) قراءة أبي عمرو، وورش عن نافع، والحلواني عن قالون عن نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٨)، و\"النشر\" (٢/ ٣١٧).","vol":"6","page":353},{"text":"﴿زَكِيًّا﴾: طاهرًا من الأدناس، أو ناميًا على الخير والبركة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2270\"> </span>(٢٠) - ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.\n﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾: ولدٌ (^١).\n﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جعل المسَّ هاهنا بقرينة المقابَلة عبارةً عن النكاح الحلال.\n﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة (^٢) تبغي الرجال؛ أي: تطلب الشهوة من أيِّ رجلٍ كان.\nولا يكون الولد عادةً إلا من أحد هذين (^٣).\nو(البغي) فعول، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وكسرت الغين إتباعًا، ولذا لم يُلحق تاءَ التأنيث.\nأو: فعيل، ولم يلحقها التاء لأنها بمعنى مفعولة وإن كانت بمعنى فاعلة، فإنه قد يشبَّه به، نحو: مِلحفةٌ جديدٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2271\"> </span>(٢١) - ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فيه إشارة إلى أن حقها أن يكون ولد إلا أنها روت كلامه بعبارته. منه\".\n(^٢) ليست في (ك)، ويوجد بياض مكانها في (ف).\n(^٣) في هامش (س) و(ف): \"إنما قال هاهنا لأنَّه جعل في آل عمران كناية عن مطلق النكاح حلالًا كان أو حرامًا. منه \".","vol":"6","page":354},{"text":"﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾: الأمرُ كذلك من خلق غلامٍ منكِ بغير أبٍ ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: إعطاء الولد بلا أبٍ عليَّ سهلٌ.\n﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ تعليلٌ معلَّلُه محذوف، أي: وفعلنا ذلك لنجعله ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾: علامةً لهم وبرهانًا على كمال قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ على العباد يهتدون بإرشاده.\n﴿وَكَانَ﴾ خلقه ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ تَعلَّق به قضاءُ الله تعالى في الأزل.\nفلما اطمأنَّت إلى قوله، دنا منها فنفخ في جَيْبِ درعها، فوصلت النفخة إلى بطنها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2272\"> </span>(٢٢) - ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾.\n﴿فَحَمَلَتْهُ﴾؛ أي: الموهوبَ (^١) ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾؛ أي: فاعتزلت وهو في بطنها، والجارُّ والمجرور في موضع الحال ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ بعيدًا من أهلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2273\"> </span>(٢٣) - ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.\n﴿فَأَجَاءَهَا﴾ جاء بها، ذكره الجوهريُّ (^٢).\nوقيل: ألجأها، وهو منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغيَّر بعد النقل إلى معنى الإلجاء، ونظيره: آتى، حيث لم يستعمل إلا في معنى الإعطاء.\n_________\n(^١) في (م): \"فحملته كالموهوب\".\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: جيأ)، وفيه: وأجأته؛ أي: جئت به.","vol":"6","page":355},{"text":"وفيه نظرٌ، قال الجوهريُّ: وآتاه، أي: أتى به، ومنه قوله تعالى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أي: ائتنا به (^١).\n﴿الْمَخَاضُ﴾ وقُرئ بالكسر (^٢)، وكلاهما مصدرُ مَخَضَت المرأةُ: إذا تحرَّك الولد في بطنها للخروج.\n﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ كأنها طلبت شيئًا تستند إليه وتتعلق به كما تتعلَّق الحامل لشدَّة وجع الطَّلْق. والجِذْع: ساقُ النخلة اليابسة الذي لا سَعَفَ عليه ولا غصن (^٣).\nولعلَّه تعالى ألهمها ذلك ليريَها من آياته ما يسكِّن روعها، ويُطعمَها الرُّطَب الذي هو طعام النُّفساء، والتعريف للجنس، ولا مساغ للعهد؛ لأن شرطه أن يكون معروفًا عند المخاطب، وهو مفقود هاهنا.\n﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ ليس تمنِّي الموت لِمَا عَرَضتْها من شدَّة وَجَع الطَّلْق (^٤)، إذ لا حاجة حينئذٍ إلى قوله: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ بل لأنها خافت أن يقع بسببها قومُها في البهتان والنسبة إلى الزنى، وتمنِّي الموت من جهة الدِّين جائز.\nوقرئ: ﴿نَسْيًا﴾ بالفتح (^٥)، وهما لغتان كالوِتْر والوَتْر، وهو الشيء المتروك لا يُذكر كأنه منسيٌّ، وقيل: ما شأنه أن يُنسى ولا يُطلب، كالذِّبح لِمَا يُذبح.\n_________\n(^١) انظر: \"الصحاح\" (مادة: أتي).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، ونسبها لابن كثير في رواية.\n(^٣) في هامش (س) و(ف) و(م): \"قال القاضي: لا رأس لها ولا خضرة، صوابه: ولا غصن، لا احتمال للخضرة في النخلة اليابسة. منه \".\n(^٤) في هامش (س): \"رد للكواشي\".\n(^٥) قرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحفص بالفتح، انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٨)، و\"النشر\" (٢/ ٣١٨).","vol":"6","page":356},{"text":"وقيل: هو بالفتح مصدر، وبالكسر اسمٌ للمنسيِّ المتروك، كالقَشر والقِشر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2274\"> </span>(٢٤) - ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.\n﴿فَنَادَاهَا﴾ كانت المناداة مخاطبةً لها، يعضده قراءةُ: (فخاطبها) (^١).\n﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ وهو جبريلُ ﵇؛ لأنَّه كان في مكان أخفضَ عنها، أو كان هاهنا بمنزلة القابلة، أو: عيسى ﵇؛ لأنَّه خاطبها مِن تحت ذيلها.\nوقُرئ: ﴿مِنْ﴾ بالكسر (^٢)، والفاعل مضمَر وهو عيسى أو جبريل ﵉، على أن الهاء في ﴿تَحْتِهَا﴾ للنخلة.\n﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾: أي لا تحزني، أو: بأن لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جَدولًا، هكذا روي مرفوعًا (^٣).\nقال ابن عباس ﵄: كان ذلك نهرًا قد انقطع ماؤه، فأجراه الله تعالى لمريم (^٤).\nوالنهر يُسمَّى سريًّا؛ لأن الماء يَسري فيه.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، ونسبها لزرٍّ وعلقمة.\n(^٢) قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بكسر الميم وخفض التاء، وباقي السبعة بفتح الميم ونصب التاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٨).\n(^٣) رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٦ - ٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٤١٣) وصححه، من قول البراء، وذكره البخاري في \"الصحيح\" قبل الحديث (٣٤٣٦) من قول البراء أيضًا، ورواه الطبراني في \"الصغير\" (٦٨٥) من حديث البراء مرفوعًا، وإسناده ضعيف.\n(^٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٤٣٤)، ورواه الطبري في \"التفسير\" (١٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧) بنحوه.","vol":"6","page":357},{"text":"فإن قلتَ: ما تقول في قول الحسن: ﴿سَرِيًّا﴾: سيدًا (^١)، من السَّرو، يعني عيسى ﵇؟\nقلتُ: ليس بقولٍ حسنٍ؛ لأنَّه مخالفٌ للتفسير المرفوع.\nوفي المثل: إذا جاء نهرُ اللهِ بَطَلَ نهرُ مَعْقِل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2275\"> </span>(٢٥) - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.\n﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الهَزُّ: تحريكٌ مخصوصٌ تتبعه الحركتان المتدافعتان إلى الجانبَين المتقابلَين، وتعديته بـ (إلى) لتضمُّنه معنى الجذب، وفائدته: التوطئة لما قصد بقوله: ﴿عَلَيْكِ﴾، فإن الهَزَّ إذا لم يكن بالمدِّ لا يكون سقوط الثمر على الهازِّ (^٢).\nوالباء في قوله: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ متعلِّق بالبطش الثابت اقتضاء.\n﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ في ﴿تُسَاقِطْ﴾ تسع قراءات (^٣): ﴿تُسَاقِطْ﴾ بإدغام التاء، و: (تَتَساقَط) بالفكِّ، و: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بطرح الثانية، و: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بالياء وإدغام التاء، و:\n_________\n(^١) سقطت: \"سيدا\" من (م)، وسقطت \"سريا\" من النسخ عدا (م)، وسقط ما بعدها من (ف) و(ك).\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"ولا يلزم أن تكون إحداهما إلى قدّام الهازّ والأخرى إلى مقابله، بل قد تكون إحداهما إلى يمينه والأخرى إلى شماله، فلا تلزم أن يكون بالجذب والدفع، كما توهَّمه القاضي. منه\".\n(^٣) قرأ الجمهور بالقراءة الأولى، وحمزة بالثالثة، ويعقوب وشعبة - بخلف عنه - بالرابعة، وحفص بالخامسة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٨)، و\"النشر\" (٢/ ٣١٨)، وتنظر باقي القراءات في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٣)، وعنه نقل المؤلف كل ما ذكر من القراءات.","vol":"6","page":358},{"text":"﴿تُسَاقِطْ﴾، و: (تُسْقِط) و: (يُسْقِط) بالتاء والياء من أسقط، و: (تَسْقُط) و: (يَسْقُط) بالتاء والياء من سقط؛ بالتاء للنخلة، والياء للجِذع أو للرُّطَب (^١).\n﴿رُطَبًا﴾ تمييز أو مفعول ﴿جَنِيًّا﴾؛ أي: مجنيًّا، وهو الطريُّ بغباره، البالغُ نهايةَ النُّضج.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2276\"> </span>(٢٦) - ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.\n﴿فَكُلِي﴾ من المجنيِّ ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السَّريِّ ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ بالولد الرضيِّ، و﴿عَيْنًا﴾ تمييز؛ أي: طِيبي نفسًا بعيسى ﵇، وارفضي عنكِ ما أحزنك.\nوقرئ: (وقِرِّي) بالكسر (^٢)، وهو لغة نجدٍ، واشتقاقُه من القَرِّ، فإنَّ دمعة السرور باردةٌ، ودمعة الحزن حارَّة، ولذلك يقال: قرَّة العين وسُخْنتُها للمحبوب والمكروه.\nأو: من القرار، فإن العين إذا رأت ما يَسُرّ النفس، سَكَنَت إليه من النظر إلى غيره.\n﴿فَإِمَّا﴾ أصله: إنْ ما، ضمَّت (إنْ) الشرطيَّة إلى (ما) وأدغمت فيها ﴿تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾؛ أي: فإنْ رأيتِ آدميًّا يسألك عن حالك.\n﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: إمساكًا عن الكلام؛ أي: صمتًا، وقد قرئ به (^٣)، وكانوا يصومون عن الكلام كما يصومون عن الطعام.\n_________\n(^١) في (س): \"أو للهز\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٢٣).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٢٤).","vol":"6","page":359},{"text":"وقيل: صيامًا حقيقة، وكان صومهم فيهْ الصمت، وإنما أُمرت به لأن عيسى ﵇ يكفيها الكلام بما يُبرئ به ساحتها، ولئلَّا تجادل السفهاء، وإنما أخبرتهم بأنها نذرت الصوم بالإشارة، وقد تُسمّى الإشارة كلامًا وقولًا، ويجوز أن يكون إخبارها به وقولها:\n﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قبيل دخول (^١) اليوم؛ أي (^٢): لا أكلِّم آدميًّا وإنما أُكلِّم الملائكة، وذلك أن العدول من (أحدًا) إلى ﴿إِنْسِيًّا﴾ يفيد بدلالة المفهوم هذه الدقيقة، ويدمج فيه معنى (^٣) كرامة أخرى وهي رفعة منزلتها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2277\"> </span>(٢٧) - ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾.\n﴿فَأَتَتْ بِهِ﴾ بعيسى ﵇، الباء للتعدية كما في: ذهب به، لا بمعنى (مع).\n﴿قَوْمَهَا﴾ بعد ما طهرت من نفاسها ﴿تَحْمِلُهُ﴾ حالٌ منها، فلمَّا رأوه معها ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ بديعًا منكرًا، والفَرْي: القَطْع، كأنه يقطع العادة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2278\"> </span>(٢٨) - ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.\n﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ كان أخاها من أبيها ومن أفضل بني إسرائيل مي مَا كاَنَ ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾ زانيًا.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (س): \"وصول\"، والمثبت من (س).\n(^٢) في (م): \"لأني\"، وسقطت من (ف) و(ك).\n(^٣) \"معنى\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"6","page":360},{"text":"﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنَّةُ ﴿بَغِيًّا﴾ زانيةً؛ تقريرٌ لأن ما جاءت به (^١) فريٌّ، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2279\"> </span>(٢٩) - ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.\n﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى ﵇؛ أي: كلِّموه ليجيبكم.\n﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾ المعهود ﴿صَبِيًّا﴾ حال، معناه: أنه كان من أهل المهد وإن لم يكن في تلك الحالة في المهد، كما يقال: صبيّ يرتضع، وإن كان لا يرتضع حالةَ الإخبار عنه، ولهذا زيدت لفظة ﴿كَانَ﴾ للتأكيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2280\"> </span>(٣٠) - ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.\n﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ لما أُسكِت بأمر الله لسانُها الناطق، أَنطقَ الله لها اللسانَ الساكتَ.\n﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الإنجيل ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ عن الحسن: أنه كان في المهد نبيًّا، وكلا مه معجزته (^٢).\nوقيل: معناه: أن ذلك سَبَق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه وُجد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2281\"> </span>(٣١) - ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.\n_________\n(^١) \"به\" من (ف) وليست في باقي النسخ.\n(^٢) انظر: \"النكت والعيون\" (٣/ ٣٧٠)، و\"تفسير النسفي\" (٣/ ٣٦).","vol":"6","page":361},{"text":"﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾: نفَّاعًا حيث كنت، أو: معلِّمًا للخير.\n﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ لمَّا كان الأمر بهما مؤجَّلًا عبَّر عنه بالتوصية (^١)، فإن الوصية التقدُّم في الأمر الذي يكون بعدما وقِّت له ﴿مَا دُمْتُ﴾ أي: مدَّةَ حياتي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2282\"> </span>(٣٢) - ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.\n﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: بارًّا بوالدتي، وقرئ بالكسر (^٢) على أنه مصدر وصف به، منصوب بفعلٍ دلَّ عليه (أوصاني)؛ أي: وكلَّفني بِرًّا، ويؤيِّده القراءة بالكسر والجرّ (^٣) عطفًا على (الصلاة).\n﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ وقد سبق تفسيره ﴿شَقِيًّا﴾: عاصيًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2283\"> </span>(٣٣) - ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.\n﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ التعريف للجنس، وفيه تعريض بضدِّه على أعدائه، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] فإنه تعريض بأن العذاب على مَن كذَّب وتولَّى.\n﴿وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ قد سبق بيانه.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف): \"من فرق بينهما لم يصب. منه \".\n(^٢) نسبت لأبي نهيك وأبي مجلز. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٤)، و\"المحتسب\" لابن جني (٢/ ٤٢).\n(^٣) أي: بكسر الباء وجر الراء. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٠) والكلام منه، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٢٩).","vol":"6","page":362},{"text":"<span id=\"aya-2284\"> </span>(٣٤) - ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.\n﴿ذَلِكَ عِيسَى﴾: الذي تقدَّم نعتُه هو عيسى، لا ما يصفه النصارى أو اليهود، وهو تكذيب للفريقين فيما يصفانه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني، حيث جعله موصوفًا بأضداد ما يصفانه به، ثم عكَس الحكم.\n﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نعت أو خبر ثانٍ، أي: لا (^١) نسبةَ فيه من جهة الأب، ففيه ردّ لليهود في زعمهم (^٢) أنه ابنُ يوسفَ النجَّارِ.\n﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ صفةُ ﴿عِيسَى﴾ أو بدلُه، أو خبرٌ آخر، ومعناه: كلمةُ (^٣) الله، لا نفسُه ولا ابنُه ولا ثالثُه، ففيه ردٌّ لفِرَق النصارى، وقد سبق وجه كونه كلمة الله في سورة آل عمران.\nوقيل: خبرٌ محذوف المبتدأ، أي: هو قولُ الحقِّ الذي لا ريبَ فيه، والإضافة للبيان، والضمير للكلام السابق.\nوقرئ بالنصب على المدح (^٤)، أو على المصدر، أي: أقولُ قولَ الحقِّ.\nوقرئ: (قالُ الحقّ) (^٥)، وهو بمعنى القول.\n﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: في أمره يختلفون، من المراء، فقالت اليهود: ساحر كذَّاب، وقالت النصارى ما سيأتي تفصيله. وقرئ بالتاء على الخطاب (^٦).\n_________\n(^١) \"لا\" من (س)، وسقطت من باقي النسخ.\n(^٢) \"زعمهم\" ليست في (ف).\n(^٣) في (ف): \"حكمة\".\n(^٤) قراءة عاصم وابن عامر، والرفع قراءة باقي السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٩).\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٤)، ونسبها لابن مسعود.\n(^٦) انظر: \"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٢٩)، ونسبها لعلي والسلمي.","vol":"6","page":363},{"text":"<span id=\"aya-2285\"> </span>(٣٥) - ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾؛ أي: ليس من شأنه ﴿أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ جيء بـ (من) لتأكيد النفي ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزَّه ذاته عن اتخاذ الولد.\n﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تبكيت للنصارى بعد تكذيبهم، بأنَّ مَن إذا أراد شيئًا أوجده بـ ﴿كُنْ﴾ كان منزَهًا عن شَبَهِ الخَلْق والحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإناث.\nوقرئ: ﴿فَيَكُونُ﴾ بالنصب على الجواب (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2286\"> </span>(٣٦) - ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ سبق تفسيره في سورة آل عمران.\nوقرئ بالفتح (^٢) على: ولأَنَّ، أو على العطف على الصلاة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2287\"> </span>(٣٧) - ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ الحزب: الفرقة المنفردة برأيها، وهم أربع فرق: نسطوريَّة، ويعقوبيَّة، وإسرائيليَّة، وملكائيَّة (^٣).\n_________\n(^١) هي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٦).\n(^٢) أي: بفتح همزة (أنَّ)، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٩).\n(^٣) في (ك): \"وملكانية\". والمثبت من باقي النسخ، وهو القياس، قال الشهاب: وملكاء - بالمد - علم غير عربي، والنسبة إليه: ملكائية، بهمزة بعد الألف الممدودة، والجاري على الألسنة وفي نسخ القاضي: ملكانية، نسبة إلى ملكاء على غير القياس، كصنعاني نسبة إلى صنعاء، وكل هذا محتاج=","vol":"6","page":364},{"text":"﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: من بين أصحاب عيسى ﵇، أو: من بين قومه، أو: من بين الناس، وذلك أن النصارى اختلفوا في عيسى ﵇ حين رُفعَ، ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى قول أربعة كانوا عندهم أعلمَ أهل زمانهم، وهم: يعقوب، ونسطور، وإسرائيل، وملكاء (^١):\nفقال يعقوب: هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء.\nوقال نسطور: كان ابنَ الله، أظهره ما شاء ثم رفعه إليه.\nوقال إسرائيل: الله إله، وهو إله، وأمُّه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى.\nوقال الرابع: كذبوا، كان عبدًا مخلوقًا نبيًّا.\nفتبع كلَّ واحد منهم قومٌ.\n﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الأحزاب، إذ الواحد منهم على الحقِّ.\n﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أي: في شهودهم هول القيامة، على أن المراد من اليوم الواقعة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2288\"> </span>(٣٨) - ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ الجمهور على أن لفظَه أمرٌ، ومعناه التعجُّب، والله تعالى لا يوصَف به، ولكن المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يُتعجَّب منها بعدما كانوا صُمًّا عميًا في الدنيا، و﴿بِهِمْ﴾ مرفوع المحلِّ على الفاعلية، كـ: أكرم بزيد، معناه: كَرُم زيد جِدًّا.\n_________\n= إلى تصحيح النقل فيه فانظره. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٥٧).\n(^١) في (م): \"وملكان\".","vol":"6","page":365},{"text":"﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾؛ أي: يوم القيامة.\n﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ﴾ أُقيم الظاهر مقام الضمير؛ إشعارًا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث تركوا الاستماع والبصر حين يجدي عليهم.\n﴿الْيَوْمَ﴾ في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تسجيلٌ على تركهم ذلك بأنه ضلالٌ بيِّن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2289\"> </span>(٣٩) - ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ يوم القيامة؛ لأنَّه يَتحسَّر فيه الناس، المسيء على إساءته، والمحسن على قلَّة إحسانه.\n﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أو ظرف للحسرة وهو مصدر.\n﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: فُرغ من الحساب، وتصادَرَ (^١) الفريقان إلى الجنة والنار.\n﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ هنا عن الاهتمام لذلك المقام.\n﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا يصدِّقون به، متعلِّق بقوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وما بينهما اعتراض، أو بـ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: أنذرهم غافلين غيرَ مؤمنين، فيكون حالًا متضمِّنة للتعليل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2290\"> </span>(٤٠) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نتفرَّد بالملك والبقاء عند تعميم الهُلك\n_________\n(^١) أي: صدر كلٌّ من موقف الحساب إلى مقرِّه، فإما إلى الجنة وإما إلى النار. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٥٩).","vol":"6","page":366},{"text":"والفناء، وذكرُ (مَن) لتغليب العقلاء، وهذا يدلُّ على فناء الأرض أيضًا (^١).\nقوله: ﴿نَحْنُ نَرِثُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ الرفع خبرُ (إنَّ)، ولا يجوز أن يكون (نحن) فَصْلًا؛ لأنَّ (نرث) نكرةٌ، والفَصْل لا يقع إلا بين معرفتين، أو قريبين من المعرفة.\n﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: يردُّون فيجازَون جزاءً وفاقًا، في محلِّ الرفع بالعطف على (نرث) أو على الجملة الاسميَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2291\"> </span>(٤١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ ملازمًا للصدق كثيرَ التصديق؛ لكثرة ما صدَّق به من غيوب الله تعالى وآياته، ويجوز أن تكون المبالغة من جهة الكيف.\n﴿نَبِيًّا﴾ استنبأه اللهُ تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2292\"> </span>(٤٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾.\n﴿إِذْ قَالَ﴾ بدل من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ وما بينهما اعتراض (^٢)، أو متعلق بـ ﴿كَانَ﴾ أو بـ ﴿صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾، والمراد بذكر الرسول إياه وقصَّته في الكتاب: أن يتلوَ ذلك على الناس ويبلِّغه إياهم، كقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] وإلَّا فاللهُ ﷿ ذاكره، ومورده في تنزيله.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فالمراد من البدل في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ تبدُّل الذات. منه \".\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"قد مرَّ في أول السورة ما يتعلق بمثل هذا البدل. منه \".","vol":"6","page":367},{"text":"﴿لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ﴾ التاء عوض من ياء الإضافة، ولذلك لا يقال: يا أبتي، ويقال: يا أبتا، وإنما يذكر للاستعطاف، ولذلك كرَّرها.\n﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ المفعول فيهما منسيٌّ غيرُ منويٍّ.\n﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يحتمل أن يكون (شيئًا) في موضع المصدر؛ أي: شيئًا من الإغناء، وأن يكون مفعولًا به، من قولك: أَغْنِ عنِّي وجهَك، أي: بَعِّد.\nدعاهُ إلى الهدى وبيَّن ضلاله، واحتجَّ عليه أبلغَ احتجاج وأرشقَه (^١) برفقٍ وحسنِ أدب، حيث لم يصرِّح بضلاله، بل طلب العلَّة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخفُّ به العقلُ الصريح، ويأبى الركون إليه فضلًا عن عبادته التي هي غاية التعظيم، ولا تحقُّ إلَّا لمن له الاستغناءُ التامُّ والإنعام العام.\nونبَّه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعله لغرضٍ صحيح، والشيء لو كان حيًّا مميِّزًا سميعًا بصيرًا مقتدرًا على النفع والضرر، ولكن ممكِنٌ (^٢)، لاستنكف العقلُ القويم عن عبادته وإن كان أشرف الخلق؛ لِمَا يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جمادًا لا يسمع ولا يبصر؟!\nثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحقَّ القويم والصراط المستقيم لمَّا لم يكن محظوظًا (^٣) من العلم الإلهي، مستقلًّا بالنظر السويِّ، فقال:\n\n<span id=\"aya-2293\"> </span>(٤٣) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.\n﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ ولم يُسمِّ أباه\n_________\n(^١) وأرشقه بالشين المعجمة والقاف بمعنى: ألطفه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٦٠).\n(^٢) أي: ولكن كان هذا الشيء ممكنًا. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١١).\n(^٣) في (م): \"محفوظا\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٢).","vol":"6","page":368},{"text":"بالجهل المفرط، ولا نفسَه بالعلم الفائق، بل جعل نفسَه كرفيقٍ له في مسيرٍ (^١) يكون أعرفَ بالطريق، ثم ثبطه (^٢) عمَّا كان عليه بأنه مع خلوِّه عن النفع مستلزم للضُّرِّ؛ لأنَّه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به، فقال:\n\n<span id=\"aya-2294\"> </span>(٤٤) - ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾.\n﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ استهجن ذلك، وبيَّن وجه الضُّرِّ فيه بأن الشيطان مستعصٍ على ربِّك المولي للنِّعم كلِّها بقوله:\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاصٍ، وكلّ عاصٍ حقيق بأن تُستردَّ منه النِّعم ويُنتقم منه، ولذلك عقَّبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجرُّه إليه فقال:\n\n<span id=\"aya-2295\"> </span>(٤٥) - ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾.\n﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قرينًا في جهنم؛ لأن الوليَّين لا يكادان يفترقان في محبوبٍ أو مكروهٍ، فجعله وليًّا في هذه الحالة لما قلنا (^٣)، وإن كانا متباغضين يومئذٍ، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].\nوإنما قال: ﴿يَمَسَّكَ﴾ دون: يصيبك، ليعلم أن العذاب جسمانيٌّ، والتنكير فيه للتعظيم، وقصدُ التقليل من عبارة المسِّ لا يناسب المقام (^٤)، فلا يساعده الكلام:\n_________\n(^١) في النسخ عدا (س): \"مسير\"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٢) في النسخ عدا (س): \"ثم تبصرا\"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصدر السابق.\n(^٣) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فيه ردٌّ للقاضي في قوله: أو ثابتًا في موالاته. منه \".\n(^٤) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فيه ردٌّ، كأنه نسي ما قدَّمه في تفسير قوله تعالى: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ الآية من سورة البقرة\".","vol":"6","page":369},{"text":"أما الأول: فلأنَّ المقام مقام التخويف فلا يناسبه التخفيف.\nوأما الثاني: فلأنَّ المسَّ ممَّا يقصد به المبالغة في الإصابة، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ [الحجر: ٥٤] وذلك لأن المسَّ اتصال الشيء بالبشرة بحيث يباشر (^١) الحاسَّة.\nوإنما قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ لأن العذاب من مظنَّة الرحمة أفظعُ وأشنع، وإنما قال: ﴿أَخَافُ﴾ رعايةً لمقتضى شفقة النبوَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2296\"> </span>(٤٦) - ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾.\n﴿قَالَ أَرَاغِبٌ﴾ الرغبة: اجتلابُ الشيء لما فيه من المنفعة، وتعديتُه بـ (في)، وإذا تعدَّى بـ (عن) يفيد ضدَّه.\n﴿أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ قابَل استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظة وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل: ﴿يَاأَبَتِ﴾ بـ: (يا بنيَّ) (^٢)، ولا تأثير فيه لتأخيره، بل لو قدِّم لكان أشنع وأوقع؛ لأن المقام مقام العنف دون اللطف.\nوقدَّم الخبر على المبتدأ لأنَّه كان أهمَّ عنده، وصدَّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضربٍ من التعجُّب، كأنها ممَّا لا يَرغب عنها عاقل.\nثم هدَّده فقال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن مقالتك فيها ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾: لأقتلنَّك بالرُّجام (^٣)، أو: لأضربنَّك بها حتى تتباعد، أو: لأشتمنَّك.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يتأثر\"، وفي (ك): \"تناثر\".\n(^٢) في (ك): \"بني\".\n(^٣) في هامش (م): \"أي: حجارة عظام\".","vol":"6","page":370},{"text":"﴿وَاهْجُرْنِي﴾ عطف على محذوف يدلُّ عليه ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ تقديره: فاحذرني واهجرني.\n﴿مَلِيًّا﴾: زمانًا طويلًا، من المُلَاوة، أو: ﴿مَلِيًّا﴾ بالذهاب عنِّي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2297\"> </span>(٤٧) - ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾.\n﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ سلام توديع ومتاركة، ومقابلةٍ للسيئة بالحسنة؛ أي: لا أصيبك بمكروه ولا أقول لك بعضَ ما يؤذيك، ولكن:\n﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وَعَده بطلب المغفرة له من الله تعالى.\nقيل: لعلَّه يوفِّقك للتوبة (^١) والإيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر: استدعاءُ التوفيق لما يوجب الغفران وهو الإيمان.\nوَيرِدُ عليه: أنه لو كان كذلك لما كان وعدُه هذا مستثنًى عن القدوة الحسنة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤].\n﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ بليغًا في البِرِّ واللُّطف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2298\"> </span>(٤٨) - ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾.\n﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أراد بالاعتزال: المهاجرة ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: وما تعبدون من أصنامكم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بالتوبة\".","vol":"6","page":371},{"text":"﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾: وأعبدُه وحده، ثم قال تواضعًا وهضمًا للنفس وتنبيهًا على أن الإجابة والإثابة تفضُّل غير واجب، وأن مِلاك الأمر خاتمتُه وهو (^١) غيب، وتعريضًا لشقاوتهم بدعاء آلهتهم:\n﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾: خائبًا ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2299\"> </span>(٤٩ ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.\n﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بالهجرة إلى الشام ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ ولدًا ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافلةً.\nأول ما وُهب له إسماعيل ﵇، على ما مرَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وإنما خُصَّ إسحاق بالذِّكر؛ لأنَّه شجرة الأنبياء ﵈، أو لأنَّه أراد أن يَذكر إسماعيلَ بفضله على الانفراد.\n﴿وَكُلًّا﴾ \" أي: كلَّ واحد منهما ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾؛ أي: لمَّا ترك الكفارَ الفجَّار لوجهه عوَّضه أولادًا أبرارًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2300\"> </span>(٥٠) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ النبوَّةَ والأولاد والأموال.\n_________\n(^١) في (م): \"هو\".","vol":"6","page":372},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ ثناءً حسنًا، وهو الصلوات على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في الصلوات إلى قيام الساعة؛ استجابةً لدعوته: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤] عبَّر باللسان عمَّا يوجد به، كما عبَّر باليد عمَّا يُعطى بها، وهو العطية، ووصفه بالصدق؛ لأنَّه ثناءٌ حسنٌ لا كذب فيه.\n﴿عَلِيًّا﴾: رفيعًا مشهورًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2301\"> </span>(٥١) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرئ بالفتح؛ أي: أخلصه الله واصطفاه، وبالكسر، أي: أَخلَص العبادةَ لله (^١)، فهو مُخلَص بما له من السعادة بأصل الفطرة، ومُخلِص فيما عليه من العبادة بصدق الهمَّة.\n﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ أرسله اللهُ إلى الخَلْق فأَنبأَهم عنه، ولذلك قدَّم ﴿رَسُولًا﴾ مع أنه أخصُّ وأعلى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2302\"> </span>(٥٢) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.\n﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ وهو جبلٌ بين مصرَ ومَدْيَن.\n﴿الْأَيْمَنِ﴾: من ناحيته اليمنى، من اليمين، والمعنى: أنه حين أقبل من مَديَنَ يريد مصرَ، نُودي من الشجرة وكانت في جانب الجبل على يمين موسى ﵇، بأنْ تَمثّل له الكلام من تلك الجهة.\n_________\n(^١) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالفتح، وباقي السبعة بالكسر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٧).","vol":"6","page":373},{"text":"أو: مِن جانبه الميمونِ، من اليُمن.\n﴿وَقَرَّبْنَاهُ﴾ تقريبَ منزلةٍ ومكانة دون منزلٍ ومكان.\n﴿نَجِيًّا﴾: مناجيًا، كنديم بمعنى منادمٍ، حالٌ من أحد الضميرين.\nوقيل: مرتفعًا، من النَّجْو وهو الارتفاعُ؛ لِمَا روي أنه رفع فوق السماوات حتى سمع صرير القلم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2303\"> </span>(٥٣) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾: من أجلِ رحمتنا ﴿أَخَاهُ﴾ مفعولٌ ﴿هَارُونَ﴾ وعطفُ بيانٍ أو بدلٌ ﴿نَبِيًّا﴾ حالٌ منه هي المقصودة بالهبة؛ أي: وهبنا له نبوَّةَ أخيه، وإلَّا فهارونُ كان أكبرَ سنًّا منه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2304\"> </span>(٥٤) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ ذكَره بذلك لشهرته به واتِّصافه بأشياءَ من هذا الباب لم تُعهَد مِن غيره.\n﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ بُعثَ بشرعِ أبيه إلى قومٍ دون قومِ أبيه، وهم: جُرْهُم، فكان صاحبَ شريعة بالنظر إليهم لاختصاص شرع أبيه بحسب (^٣) دعوته لقومه.\n* * *\n_________\n(^١) روي عن سعيد بن جبير أنَّ جبرائيل ﵇ أردفه حتى سمع صريرَ القلم والتوراة تكتب له. رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٨٦)، وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥١٥).\n(^٢) في هامش (س) و(ف): \"فلا حاجة إلى التكلف بأن الأنبياء آباء الأمم. منه \".\n(^٣) في (س) بدلًا منها كلمة غير واضحة.","vol":"6","page":374},{"text":"<span id=\"aya-2305\"> </span>(٥٥) - ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.\n﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ اشتغالًا بالأهمِّ، وهو: أن يُقبِل الرجلُ على نفسه ومَن هو أقرب الناس إليه بالتكميل.\nوقيل: أهل أمته (^١)، فإن الأهل يُطلَق على القوم، كما في قوله: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦].\n﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ إنَّما خُصَّا لأَّنهما أُمَّا العباداتِ الدينية والمالية.\n﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ لاستقامة أقواله وأفعاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2306\"> </span>(٥٦ - ٥٧) - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ هو أخنوخ أوَّل مرسل بعد آدمَ ﵇، وأوَّل مَن خطَّ بالقَلَم، وخاطَ اللباس، ونَظَر في علم النجوم والحساب، واتَّخذ الموازين والمكاييل والأسلحة، وقاتَلَ بني قابيل (^٢).\nواشتقاقه من الدَّرْس يردُّه منعُ صرفه، نعم لا يَبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريبًا من ذلك، فلقِّب لكثرة دَرْسه، إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثينَ صحيفةً (^٣).\n﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ وهو شرف النبوَّة والزُّلفى عند الله تعالى.\n_________\n(^١) في (ك): \"ملته\".\n(^٢) انظر: \"النكت والعيون\" (٣/ ٣٧٨)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٥٤).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٣)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٥٤).","vol":"6","page":375},{"text":"<span id=\"aya-2307\"> </span>وقيل: معناه: رَفَعتْه الملائكة إلى السماء الرابعة أو السادسة، وعن الحسن: إلى الجنة (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2308\"> </span>(٥٨) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.\n﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس.\n﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بأنواع النِّعَم الدينية والدنياوية.\n﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن المذكورين ليسوا مُطلَقَ المنعَم عليهم، بل الذين وقعوا خبرًا عن ﴿أُولَئِكَ﴾، وهم بعض الأنبياء.\n﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بدلٌ منه بإعادة الجارِّ.\n﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: ومن ذرِّيَّة مَن حملنا مع نوح خصوصًا، وهم مَن عدا إدريس ﵇، فإن إبراهيم كان من ذرِّيَّة مَن حملنا مع نوح ﵇ لا من ذريته، وإلَّا لقيل: ومن نوح (^٢).\n﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الباقون ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: ومن ذرية إسرائيل، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ﵈ على أنَّ أولاد البنات من الذرِّيَّة.\n_________\n(^١) انظر: المصدرين السابقين.\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فاتضح فساد ما قيل: فإن إبراهيم ﵇ كان من ذرية سام بن نوح ﵇. منه \".","vol":"6","page":376},{"text":"﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾: ومن جملة مَن هدينا إلى الحقِّ ﴿وَاجْتَبَيْنَا﴾ من الأنام للنبوَّة والكرامة.\n﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: إذا تُليت عليهم كتبُ الله المنزلةُ، وهو كلام مستأنف إن جعلْتَ ﴿الَّذِينَ﴾ خبرًا لـ ﴿أُولَئِكَ﴾ لبيان خشيتهم من الله تعالى وإخباتهم له مع ما لهم من علوِّ الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزُّلفى من الله تعالى، وإن جعلْتَه صفة له كان خبرًا.\nوقرئ: (يتلى) بالياء (^١) لوجود الفاصل، مع أنَّ التأنيث غيرُ حقيقي.\n﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين رغبةً.\n﴿وَبُكِيًّا﴾ باكين رهبةً، جمع: باكٍ، كـ: سجود وقعود، في جمع: ساجد وقاعد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2309\"> </span>(٥٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ فعَقَبهم وجاء بعدَهُم عَقِبُ سوءٍ، يقال: خَلَفُ صدقٍ، بفتح اللام، وخَلْفُ سوءٍ بالسكون، لسكونها (^٢).\n﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ بتركها، وقيل: بتأخيرها عن وقتها، ولا يناسبه ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾؛ لأنَّه صريح في أنه في حقِّ الكفار.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٥) ونسبها لشبل بن عباد المكي.\n(^٢) قوله: \"لسكونها\"، كذا في النسخ، ولا يظهر لها وجه، ولم يذكرها البيضاوي، مع أن العبارة منقولة منه.","vol":"6","page":377},{"text":"﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾: ملاذَّ النفوس، وعن عليِّ ﵁: من بَنَى الشديدَ، وركب المنظورَ، ولَبِس المشهورَ (^١).\n﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾: شرًّا، كلُّ شرٍّ عند العرب غَيٌّ، وكلُّ خيرٍ رشادٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2310\"> </span>(٦٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ رجع عن الكفر ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بعد إيمانه ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وقرئ على البناء للمفعول (^٢)، من أدخلَ.\nدخول الجنة غير مشروط بالعمل الصالح، وإنما ذكر ذلك لقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: ولا يُنقصون ﴿شَيْئًا﴾ من جزاء أعمالهم ولا يُمنعونه، بل يُضاعَف لهم، ويجوز أن ينتصب ﴿شَيْئًا﴾ على المصدر، وفيه بيان أن كفرهم السابق لا يضرُّهم ولا يُنقص أجورهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2311\"> </span>(٦١) - ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾.\n﴿جَنَّاتِ﴾ بدل من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل البعض؛ لاشتمالها عليها، أو منصوب على المدح.\nوقرئ بالرفع (^٣) على أنه خبر مبتدأ محذوف.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٥١٤)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٥٧).\n(^٢) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩٧).\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٥).","vol":"6","page":378},{"text":"﴿عَدْنٍ﴾ عرفة؛ لأنَّه عَلَمٌ بمعنى العَدْن وهو الإقامة، أو هو عَلَمٌ لأرض الجنة لكونها مكانَ إقامة، ولذلك صحَّ وصف ما أضيف إليه بقوله:\n﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾؛ أي: عباده التائبين المؤمنين الذين يعملون الصالحاتِ لِمَا سبق ذكرهم؛ لأنَّه أضافهم إليه وهو للاختصاص، وهؤلاء أهلُ (^١) الاختصاص.\n﴿بِالْغَيْبِ﴾: بالوحي إلى نبيِّه؛ أي: وَعَدها وهي غائبة عنهم، أو: هم غائبون عنها.\n﴿إِنَّهُ﴾ ضمير الشأن أو ضمير الرحمن ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾؛ أي: موعودُه وهو الجنَّة ﴿مَأْتِيًّا﴾، أي: هم يأتونها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2312\"> </span>(٦٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.\n﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ اللَّغو: الشيء الساقط الذي لا يعتدُّ به من الكلام وغيره، ولذلك قيل لما لا يعتدُّ به في الدِّيَة من أولاد الإبل: لَغْوٌ، وللساقط الذي لا يعتدُّ به في الأَيمان: اليمين اللَّغْو (^٢).\n﴿إِلَّا سَلَامًا﴾؛ أي: لكنْ يسمعون سلامًا من الملائكة، أو من بعضهم على بعض. أو: لا يسمعون فيها إلا قولًا يَسلمون فيه من العَيْب والنَّقيصة (^٣). فهو استثناء منقطِع عند الجمهور.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (س): \"لأهل \"، والمثبت من (س).\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"ذكره صاحب الكشاف في سورة البقرة. منه \".\n(^٣) في هامش (س) و(ف) و(م): \"في تقرير القاضي خلل فليتأمَّل. منه \".","vol":"6","page":379},{"text":"وقيل: متصل على تنزيل غير المحتمل منزلةَ المحتمل مبالغةً في نفي اللغو، يعني: مظنَّة سماع اللغو في حقِّهم، على تقدير أن يكون السلام لغوًا، وذلك محالٌ، والمعلَّق على المحال محالٌ، كقوله:\nولا عَيْبَ فيهم غير أنَّ سيوفَهم … بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكتائبِ (^١)\n﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ لمَّا كان أعدلُ أحوال المطاعم وأبعدُها من الضرر هو الغَداءَ والعَشاءَ، عرَّفهم ﷻ اعتدالَ أحوال أهل الجنة في مآكلهم، وضَرَبَ لهم البُكرة والعشيَّ مثلًا لذلك، وإلَّا فلا بُكرة ولا عشيَّ (^٢) ثمَّة.\nويجوز أن يُراد معنى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: لهم ذلك غيرُ منقطع، وهذا كما يقول الرجل: أنا أُصبح وأُمسي في ذِكْرك، وبِرُّ فلانٍ يغدو إليَّ ويروح، أي: لا ينقطع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2313\"> </span>(٦٣) - ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.\n﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾؛ أي: نجعلها ميراثَ أعمالهم، يعني: ثمراتها وعاقبتها، أو نُبقي الجنة على المتَّقي كما يبقى مال المورِّث (^٣) على الوارث، على استعارة الإيراث في الإبقاء، فإن الوراثة أقوى سبب للتمليك والاستحقاق، فإنها من حيث إنها لا تُعقَب بفسخٍ ولا استرجاعٍ ولا تبطل بردِّ وإسقاط.\n_________\n(^١) البيت للنابغة الذبياني. انظر: ديوانه (ص: ١١)، ويستشهد به البلاغيون على تأكيد المدح بما يشبه الذم، انظر: \"خزانة الأدب\" (٣/ ٣٢٧)، و\"روح المعاني\" \"١٦/ ١٢٨\". وقد تقدم في مواضع من هذا الكتاب.\n(^٢) في (م): \"عشية\".\n(^٣) في (س): \"الموروث\".","vol":"6","page":380},{"text":"وقيل: يرثون زيادة في كرامتهم المساكنَ التي كانت لأهل النار لو آمنوا؛ لأن الكفر موتٌ حكمًا.\n﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ عن الكفر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2314\"> </span>(٦٤) - ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.\n﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ حكايةُ قول جبريل حين قال رسول الله ﷺ لمَّا تأخَّر الوحي أيامًا، فقال المشركون: لعلَّ ربَّك نسيكَ -: يا جبريلُ، ما مَنَعك أن تزورنا أكثر ممَّا تزورنا؟! فنزل (^١).\nوالتنزيل على معنيين: معنى النزول على مهلٍ، ومعنى النزول على الإطلاق، والأول أليقُ هنا، يعني: أن نزولها في الأحايين وقتًا غبَّ وقت ليس إلا بأمر الله.\nوقرئ: (وما يتنزل) بالياء (^٢)، والضمير للوحي.\n﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وما نحن فيه من الأماكن أو الأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، أو لا ننزل في زمان دون زمان إلا بإذنه.\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، أي: ناسيًا لك، وإنما كان (^٣) ذلك لحِكَم رآها فيه، وقد مرَّ وجه إيثار صيغة المبالغة في تفسير قوله: ﴿عَصِيًّا﴾.\n_________\n(^١) رويت فيه أخبار مرسلة عن مجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم عند الثعلبي والواحدي والقشيري وغيرهم. انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٠١)، و\"تفسير القرطبي\" (١٣/ ٤٨١).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٥).\n(^٣) \"كان \": ليست في (ك) و(م).","vol":"6","page":381},{"text":"<span id=\"aya-2315\"> </span>(٦٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.\n﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بيانٌ لامتناع النسيان عليه، وهو خبرُ محذوفٍ، أو بدلٌ من ﴿رَبُّكَ﴾.\n﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ خطابٌ للرسول ﵇ مرتَّبٌ على ما تقدَّم؛ أي: لما عرفتَ ربَّك بأنه لا ينبغي له أن ينساك، فأثبت لأجل عبادته واصبر على مشاقِّها، ولا تضطرب بإبطاء الوحي وهُزء الكفرة.\nوإنَّما عدِّي باللام؛ لتضمُّنه معنى الثبات للعبادة فيما يورَد عليه من الشدائد والمشاقَ، كقولك للمحارب: اصطَبِرْ لقرنك (^١)، فالعبادة ما اصطَبَرَ لها لا ما اصطَبَرَ عليها.\n﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: أحدًا يسمَّى الله، والاستفهام على سبيل الإنكار، وذلك كناية عن نفي استحقاق الغير بالعبادة، وهو تقريرٌ للأمر؛ أي: إذا صحَّ أنْ لا أحدَ غيرُه يستحقُّ العبادة، لم يكن بدّ من التسليم لأمره، والاشتغال بعبادته، والاصطبار على مشاقِّها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2316\"> </span>(٦٦) - ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (س): \"اصطبر لقوتك \"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصادر. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٥)، و\"تفسير أبي السعود\" (٥/ ٢٧٤)، و\"روح المعاني\" (١٥/ ١٣٥).","vol":"6","page":382},{"text":"﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني: أُبَيَّ بنَ خَلَف، فإنه فتَّت (^١) عظمًا وقال: أَنُبعَث بعد أن صرنا كذا؟! فنزل (^٢).\nولا وجه لإرادة الجنس بأسره، إذ لا يَحسُن إسناد قولٍ أو فعلٍ صَدَرَ عن بعضٍ إلى الكلِّ إلَّا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو برضًى منهم، كما في قول الفرزدق:\nفسيفُ بني عبسٍ وقد ضربوا … نَبَا بيدَيْ ورقاءَ عن رأسِ خالدِ (^٣)\n﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ من الأرض، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرفَ الإنكار من قِبَل أنَّ ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة، ومنه جاء إنكارهم، وانتصابه بفعل دلَّ عليه ﴿أُخْرَجُ﴾ لا به؛ لأن ما بعدَ لام الابتداء لا يَعمل فيما قبلها، وهذه اللام إذا دخلت على المضارع تعطي معنى الحال، وتؤكِّد مضمون الجملة، فلمَّا جامعت حرفَ الاستقبال خلصت للتوكيد واضمحلَّ معنى الحال، و(ما) في ﴿أَإِذَا مَا﴾ للتوكيد أيضًا، فكأنه قال: أحقًّا أنَّا سنُخرَج من القبور أحياءً حين يتمكَّن فينا الموت والهلاك؟! على وجه الاستنكار والاستبعاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2317\"> </span>(٦٧) - ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.\n﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ هو عطف على محذوف، تقديره: أَيُنكِر قدرتنا على الإعادة\n_________\n(^١) في (س): \"فت\".\n(^٢) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٠١) عن الكلبي.\n(^٣) انظر: \"ديوان الفرزدق\" (١/ ١٥٧)، و\"الكشاف\" (٣/ ٣١)، والشاهد فيه اشار إليه الزمخشري بقوله: فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله: (نبا بيدي ورقاء) وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي.","vol":"6","page":383},{"text":"ولا يَذكُر، وإنما أظهر الفاعل إشعارًا بالمنشأ لعدم تذكُّره، فإن النسيان كاللازم للإنسان، قيل: أولُ الناس أول الناسي.\nأو على (يقول)، وتوسيط الهمزة مع أن الأصل أن يتقدَّمها للإنكار (^١)؛ أي: أيجمع (^٢) بين هذين الأمرين الغريبين (^٣)، وللإشعار بأن المنكر بالذات هو المعطوف، وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه (^٤)، فإنه لو تذكَّر وتأمَّل ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ أراد خلق مادَّته، ولذلك قال: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: خلقنا مادَّته قبل خَلْق صورته ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ بل كان عدمًا صِرْفًا = لم يقل ذلك، فإنه أعجب من جمع الموادِّ بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض.\nوقرئ: ﴿يَذْكُرُ﴾ من الذِّكْر الذي يراد به التفكُّر (^٥).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٥). ولفظ \"الكشاف\": (الواو عطفت (لا يَذْكُرُ) على (يَقُولُ) ووسِّطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف العطف، يعني: أيقول ذاك ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر الأخرى فإن تلك أعجب وأغرب وأدل على قدرة الخالق). ولفظ البيضاوي: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ عطف على (يَقُولُ)، وتوسيط همزة الإِنكار بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن تتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه ..).\n(^٢) في النسخ عدا (م): \"الجمع\"، وفي (م): \"أنجمع\"، والمثبت هو الأنسب بالسياق.\n(^٣) في النسخ عدا (ك): \"القريبين\"، والمثبت من (ك).\n(^٤) في هامش (س) و(ف) و(م): \"إن الهمزة إذا توسَّطت بين المعطوفين؛ تكون لإنكار الجمع بينهما، إلا أنه قد يكون الإنكار للتنافي بينهما، وقد يكون لقوَّة القرابة عند اجتماعهما، وما نحن فيه من قبيل الثاني. منه\".\n(^٥) قراءة نافع وابن عامر وعاصم، وقرأ الباقون: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٩).","vol":"6","page":384},{"text":"وقرئ: (يَتَذكَّر) على الأصل (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2318\"> </span>(٦٨) - ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.\n﴿فَوَرَبِّكَ﴾ أقسم باسمه (^٢) تعالى مضافًا إلى نبيِّه ﵇؛ تحقيقًا للأمر وتفخيمًا لشأن الرسول ﵇.\n﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: المنكِرين للبعث، لا بدَّ من هذا التخصيص؛ لأن لحاق الكلام لا يتحمَّل التعميم (^٣).\n﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ مفعول معه؛ لِمَا روي على وفق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] أنهم يُحشَرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغوَوْهم، كلُّ كافرٍ مع شيطانه في سلسلة.\n﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾: جمع الجاثِي، وهو الذي يَبرُك على ركبتَيْه، يعني: أنَّهم يُساقون جثاةً من الموقف إلى شاطئ جهنَّم، فقوله: ﴿جِثِيًّا﴾ حالٌ مما (^٤) ضمِّنه لنحضرنَّ (^٥) من السوق.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦).\n(^٢) في (م): \"أقسم بالله\".\n(^٣) في هامش (س) و(ف): \"بل سباقه [زاد في (س): وسياقه] لا يتحمله كما لا يخفى عن من تأمله منه.\n(^٤) في (م): \"ممن\".\n(^٥) في (ك): \"لنحضرنهم\"، وفي (م): \"نحضرن\".","vol":"6","page":385},{"text":"<span id=\"aya-2319\"> </span>(٦٩) - ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.\n﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ النَّزْع: إخراجُ الشيء ممَّا كان متصلًا به، أو ملابسًا له.\n﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الشِّيعة: الجماعة المتعاونون على أمرٍ من الأمور.\n﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ تمييز، وأصله المصدر: جراءةً، أو: تمرُّدًا، أي: نَبتدئُ بالأكبر جِرمًا فالأكبر.\nو﴿أَيُّهُمْ﴾ مبنيٌّ على الضَّمِّ عند سيبويه (^١)؛ لأن حقَّه أن يُبنى كسائر الموصولات، لكنه أُعرب حملًا على (كلّ) و(بعض) للُزوم الإضافة، وإذا حذف صدرُ صلته زاد نقصُه، فعاد إلى حقِّه منصوبَ المحلِّ بـ (ننزعنَّ) ولذلك قرئ منصوبًا (^٢)، و﴿أَشَدُّ﴾ خبر مبتدأٍ محذوف.\nومرفوعٌ عند غيره؛ إمَّا بالابتداء على أنه استفهام وخبره ﴿أَشَدُّ﴾، والجملة محكيَّة، وتقدير الكلام: لننزعنَّ من كلِّ شيعةٍ الذين يُقال فيهم: إيُّهم أشدُّ، أو معلَّق عنها ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾؛ لتضمُّنه معنى التمييز اللازم للعلم، أو مستأنفة والفعل واقع على ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ على زيادة ﴿مِنْ﴾ أو على معنى: لننزعنَّ بعضَ كلِّ شيعة، وإما بـ ﴿شِيعَةٍ﴾؛ لأنها بمعنى يشيع، و(على) للبيان أو متعلِّق بأفعل، وكذا الباء في قوله:\n\n<span id=\"aya-2320\"> </span>(٧٠) - ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾.\n﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ﴾ كُنيَ بالعلم عن إيقاع المعلوم، أي: نحن نبدأ بتعذيب\n_________\n(^١) انظر: \"الكتاب\" (٢/ ٣٩٨).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٧)، والكلام منه.","vol":"6","page":386},{"text":"الأحقِّ فالأحقِّ، وضمّن هذه الكناية الدلالة (^١) على أنه تعالى في ذلك النزع لا يضع شيئًا في (^٢) غير موضعه.\n﴿هُمْ أَوْلَى بِهَا﴾: أحقُّ بالنار ﴿صِلِيًّا﴾ تمييز؛ أي: دخولًا، والباء تتعلَّق بـ ﴿أَوْلَى﴾؛ أي: الذين هم أولى بالصُّليِّ، أو صليُّهم أَولى بالنار، ويجوز أن يراد بهم وبـ ﴿أشدّهم عتيًا﴾ (^٣) رؤساء الشِّيَع، فإن عذابهم مضاعَف؛ لضلالهم وإضلالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2321\"> </span>(٧١) - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.\n﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾: وما منكم، تلوينٌ للكلام من الغَيبة إلى الخطاب؛ للانتقال من أحوال الخاصة إلى أحوال العامة ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾؛ أي: وإن منكم أحد (^٤) إلَّا داخلَها.\nالورود في اللغة: الوصول، إلا أن المراد هنا الدخول بطريق الكناية، كما في قوله: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩] لقوله ﵊: \"الورود: الدخول، لا يبقى بَرٌّ ولا فاجرٌ إلَّا دَخَلها، فتكون على المؤمنين بَرْدًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم\" (^٥)، وتقول النار للمؤمن: \"جُزْ يا مؤمن؛ فإنَّ نورَك أَطفأ لهبي\" (^٦)، وهو الظاهر من قوله: ﴿وَنَذَرُ\n_________\n(^١) في (م): \"الدالة\".\n(^٢) \"في\" من (م).\n(^٣) في (ك) و(م): \"عتيا\".\n(^٤) \"أحد\": ليست في (م).\n(^٥) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (١٤٥٢٠) من حديث جابر ﵁، وإسناده ضعيف؛ لجهالة أحد رجال الإسناد.\n(^٦) رواه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٢٥٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٣٩٤)، وابن الجوزي في \"العلل\" (١٥٣٢)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٦٠): فيه سليم بن منصور بن عمار، وهو ضعيف.","vol":"6","page":387},{"text":"الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ حيث قال: ﴿وَنَذَرُ﴾، ولم يقل: ونُدخِل، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] لأن معناه: أنَّهم مُبعَدون عن النار لا عن موضعها، وهم كذلك، فإنَّهم يمرُّون والنار خامدةٌ على ما ورد في الخبر (^١)، ولذلك لا يسمعون حسيسها، وفائدة إدخالهم النار تشديدُ الحسرة على الكفار.\n﴿كَانَ﴾ ورودهم ﴿عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ الحَتْم: القَطْع بالأمر، وذلك حكمٌ من الله قاطع، والمقضيُّ: الذي قضى بأنه يكون، ولمَّا كان المتبادِر إلى الوهم من قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا﴾ الوجوب على الله، زِيْدَ قوله: ﴿مَقْضِيًّا﴾؛ دفعًا لذلك الوهم، بما فيه من الدلالة على أن ما ذُكر أَثَرُ قضائه تعالى، فيكون الكلام المذكور مستعارًا لمعنى اللزوم الناشئ عن القضاء المُبرَم، فلا وجوب ولا إيجاب لا من ذاته تعالى ولا من غيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2322\"> </span>(٧٢) - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.\n﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الكفرَ، فيُساقون إلى الجنة.\n﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾: ونَدَعُ الكافرين ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ جاثِين على الرُّكب للتخاصم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] وقال: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ [غافر: ٤٧] فلا دلالة فيه على أن المرادَ الوردُ والجثوُّ حواليها.\n* * *\n_________\n(^١) روى ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٥٤٢٩) عن خالد بن معدان أنه قال: إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ قالوا: ربنا أَلَم تعدنا أن نرد النار؟! قال: بلى، ولكنكم مررتم عليها وهي خامدة.","vol":"6","page":388},{"text":"<span id=\"aya-2323\"> </span>(٧٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾: مرتَّلات الألفاظ مبيَّنات المعاني في نفسها، أو ببيان الرسول، أو واضحات الإعجاز.\n﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: لأجْلهم، أو: معهم ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ نحن وأنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ بالفتح: موضعُ القيام، والمراد: المكان والمسكن، وبالضَّمِّ وهو موضعُ الإقامة والمنزل (^١).\n﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾: مجلسًا يجتمع القوم فيه للمشاورة، ومعنى الآية: أن الله تعالى يقول: إذا أنزلنا آيةً فيها دلائلُ وبراهينُ أَعرضوا عن التدبُّر فيها إلى الافتخار بالثروة والمال، وحُسْنِ المنزل والحال، غافلين عن وَخامة المآل، فقال تعالى منبِّهًا على ذلك:\n\n<span id=\"aya-2324\"> </span>(٧٤) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (كم) مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مِنْ﴾ تبيين لإبهامها؛ أي: كثيرًا من القرون أهلكنا، وكلُّ أهل عصرٍ قَرْنٌ لمَن بعدهم.\n﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿قَرْنٍ﴾، وجمع اعتبارًا لمعناه.\nوقيل: في محلِّ النصب صفةً لـ (كم)، أَلا ترى أنَّك لو تركت ﴿هُمْ﴾ كان ﴿أَحْسَنُ﴾ نصبًا على الوصفية.\nوَيرِدُ عليه: أنهم نصُّوا على أن (كم) الخبرية والاستفهامية لا تُوصَف ولا يُوصَف بها.\n_________\n(^١) قرأ بالضم ابن كثير، وباقي السبعة بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٩).","vol":"6","page":389},{"text":"﴿أَثَاثًا﴾ تمييز للنسبة، وهو متاعُ البيت، وقيل: هو ما جَدَّ من الفرش، والخُرْثيُّ مارثَّ.\n﴿وَرِئْيًا﴾ منظر أو هيئة، فِعْل بمعنى مفعول، من رئت (^١)، كالطِّحْنِ.\nوقرئ: ﴿ورِيًّا﴾ بغير همزٍ مشدَّدًا (^٢)، على قلب الهمزة وإدغامها، أو على أنه مِن الرِّيِّ الذي هو النعمة.\nوقرئ: (رِيئًا) على القلب (^٣).\nو(رِيًا) بحذف الهمز (^٤).\nو(زِيًّا) من الزِّيِّ (^٥)، قال المطرِّزي: والزِّيُّ: الهيئةُ، (فِعْلٌ) من زَوَى إذا جَمَع؛ لأنَّه لا يقال: لفلانٍ زىٌّ حَسَنٌ، إلَّا أن يَجمع ما يُستحسن من لبسةٍ حسنة وهيئةٍ مستحسَنة.\nلمَّا كان كلامهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ كلامَ المفحَم المغلوب المنقطِع الذي لا يَجد ما يصلح للجواب، فينتقل إلى أمرٍ آخرَ يدَّعي به الفضل والغَلَبة = رَدَّهم ونَقَضَ كلامهم مهدِّدًا (^٦) بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إلخ، ثم بيَّن أنَّ سعيَهم في الدنيا استدراجٌ ليس بدليل على الفَضل والرفعة، وإنما الفَضْل هو السعادة في الآخرة بقوله:\n_________\n(^١) في (س): \"أريت\".\n(^٢) هي قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر، وقالون عن نافع. انظر: \"التيسير\" (ص ١٤٩).\n(^٣) نسبت لرواية عن الأعمش، عن شعبة، عن عاصم، ونسبت أيضًا لحميد. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٩)، و\"البحر المحيط\" (١٤/ ٤٧٩).\n(^٤) نسبت لطلحة عن ابن عباس. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦)، و\"المحتسب\" (٢/ ٤٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٣/ ٢٩).\n(^٥) انظر المراجع السابقة.\n(^٦) في (م): \"تهددا\".","vol":"6","page":390},{"text":"<span id=\"aya-2325\"> </span>(٧٥) - ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾.\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ﴾ وهو تسجيلٌ على القائلين ذلك القولَ بالضلالة، وتتميم وبيان أنَّ ما دعاهم إلى ذلك القول هو غاية في التعمُّق في الضلالة والحيرة والاستقرار فيها.\n﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ جواب ﴿مَنْ﴾ لأنَّها شرطيَّة، وهذا الأمر بمعنى الخبر؛ أي: مَن كفر يمدُّ له الرحمنُ، يعني: يُمهله ويُملي له في العُمُر؛ ليزداد طغيانًا وضلالًا، كقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وإنما أُخرج على لفظ الأمر، إيذانًا بأن إمهاله ممَّا ينبغي أن يُفعل كالمأمور به؛ استدراجًا وقَطْعًا لمعاذيره.\n﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ هي متصلةٌ بقوله: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وما بينهما اعتراض؛ أي: لا يزالون يقولون هذا القول إلى أن يشاهدوا الموعود رأيَ عين.\n﴿إِمَّا الْعَذَابَ﴾ في الدنيا وهو تعذيب المسلمين إياهم بالقتل والأَسْر ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾، أي: القيامة، والمراد: ما ينالهم من الخزي والنكال فيها، فهما بدلان من ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾.\n﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ من الفريقين ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾: أعوانًا وأنصارًا؛ أي: فحينئذٍ يعلمون قَطْعًا أنَّ الأمر على عكس ما قرَّروه، وأنَّهم شرٌّ منزلًا وأضعف جندًا، لا خير مقامًا وأحسنُ نديًّا، وأنَّ المؤمنين على خلاف صفتهم.\nوهو جواب الشرط، والجملة محكيَّة بعد (حتى)، وجاز أن تتصل بما يليها، والمعنى: إن الذين في الضلالة ممدودٌ لهم في ضلالتهم لا ينفكُّون عنها إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا هول الساعة.","vol":"6","page":391},{"text":"<span id=\"aya-2326\"> </span>(٧٦) - ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾.\n﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ عطفٌ على ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لأنَّه في معنى الخبر، كأنه قيل: مَن كان في الضلالة يَزيد الله في ضلاله، وَيزيد المهتدين - أي: المؤمنين - ثباتًا على الاهتداء.\nأو على الشرطية المحكيَّة بعد القول، كأنه لمَّا بيَّن أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبيِّن أن قصور حظِّ المؤمن فيها ليس لنقصه، بل لأنَّه تعالى أراد به ما هو خيرٌ وعوَّضه منه.\n﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ أي: الطاعات التي تبقى عائدتها أبد الآباد، وكلُّ الصيدِ في جوفِ الفَرا (^١).\n﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾: عائدةً من النِّعم الفانية التي يفتخرون بها، كيف ومآلها النعيمُ المقيم، ومآلُ هذه الحسرةِ هو العذابُ الدائم؟ كما أشار إليه بقوله:\n﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾: مرجعًا وعاقبة، وفي التفضيل (^٢) تهكُّمٌ بالكفار؛ لأنهم قالوا للمؤمنين: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.\n* * *\n_________\n(^١) (لفَرَأ) بالهمز: حمار الوحش، وهو في المثل دون همز لأن الأمثال موضوعة على الوقف، وأصل المثل: أن قومًا خرجوا للصيد، فصاد أحدهم ظبيًا، والآخر أرنبًا، وصاد الثالث حمار وحش، فقال لأصحابه: \"كل الصيد … \"؛ أي: كله دونه. انظر: \"جمهرة الأمثال\" (٢/ ١٦٢)، و\"المستقصى\" (٢/ ٢٢٤)، و\"مجمع الأمثال\" (٢/ ١٣٦)، و\"القاموس\" (مادة: فرأ).\n(^٢) في (س): \"التفصيل\".","vol":"6","page":392},{"text":"<span id=\"aya-2327\"> </span>(٧٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾.\n﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ لما كانت رؤية الأشياء طريقًا إلى العلم بها وصحَّة الخبر عنها، استعملوا (أرأيت) في معنى: أَخْبِرْ، والفاء للتعقيب، والمعنى: أَخْبِرْ بقصة هذا الكافر عقيبَ حديث أولئك.\nوقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ﴾ جواب قَسَم مُضمَر ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقرئ: ﴿وُلْدًا﴾ (^١)، وهو جمع وَلَد كأَسَد في أُسْد، أو بمعنى الوَلَد كالعُرْب في العَرَب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2328\"> </span>(٧٨) - ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.\n﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ من قولهم: اطَّلع الجبلَ: إذا ارتقى إلى أعلاه، الهمزة للاستفهام، وهمزة الوصل محذوفة؛ أي: نَظَر في اللوح المحفوظ فرأى فيه مُنْيَتَه.\n﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: موثقًا أن يؤتيَه ذلك، روي أن خبَّاب بن الأرتِّ صَاغَ للعاصِ بنِ وائل حَلْيًا، فاقتضاهُ الأجرَ، فقال: إنَّكم تزعمون أنَّكم تُبعَثون وأنَّ في الجنة ذهبًا وفضَّة فأنا أَقضيكَ ثَمَّ، فإني أُوتى (^٢) مالًا وولدًا حينئذٍ (^٣).\nوفيه أن قوله: وولدًا، لا يناسب المقامَ ومساقَ الكلام حينئذ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2329\"> </span>(٧٩) - ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾.\n﴿كَلَّا﴾ ردعٌ وتنبيهٌ على الخطأ؛ أي: هو مُخطئٌ فيما تصوَّره لنفسه فليرتدِعْ عنه.\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"السبعة\" (ص: ١٤٩ - ١٥٠).\n(^٢) في (ك): \"أوفى\".\n(^٣) رواه البخاري (٢٠٩١)، ومسلم (٢٧٩٥)، والترمذي (٣١٦٢)، من حديث خباب ﵁.","vol":"6","page":393},{"text":"﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: سنُظهر له أنَّا كتبنا قوله، على طريقة قوله:\nإذا ما انتَسَبْنا لمْ تَلِدْني لئيمةٌ (^١)\nأي: تبيَّن أني لم تَلِدني لئيمةٌ؛ لأن نفس الكَتْبة لا تتأخَّر عن القول؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].\nوقيل: هذا على طريقة قول المتوعِّد للجاني: سوفَ أنتقمُ منك، يعني: أنه لا يُخلُّ بالانتصار وإن تطاول به الزمان، إلا أن حرف التنفيس جرِّد هنا للوعيد.\n﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ﴾: نزيده (^٢) من العذاب كما يزيد في الافتراء والاجتراء، من المدد، يقال: مدَّه وأمدَّه بمعنًى.\n﴿مَدًّا﴾ أكِّد بالمصدر؛ لفَرْط غضبه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2330\"> </span>(٨٠) -) ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.\n﴿وَنَرِثُهُ﴾ بموته ﴿مَا يَقُولُ﴾ يعني: المالَ والولدَ بدل اشتمال من الهاء في (نرثه).\n﴿وَيَأْتِينَا﴾ يوم القيامة ﴿فَرْدًا﴾ لا يَصحبه مالٌ ولا ولدٌ كان له في الدنيا، فضلًا أن يُؤتى له زائدًا.\n* * *\n_________\n(^١) أورده الفراء في \"معاني القرآن\" (١/ ٦١)، والطبري في \"التفسير\" (٢/ ٥٧)، ولم ينسباه، وأورده البغدادي في \"شرح أبيات المغني\" (١/ ١٢٥)، ونسبه لزائد بن صعصعة الفقعسي، وعجزه:\nولم تَجِدي من أن تُقِرِّي به بدَّا\n(^٢) في (م): \"زيدت\".","vol":"6","page":394},{"text":"<span id=\"aya-2331\"> </span>(٨١) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾.\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾: ليتعزَّزوا بهم بأن يكونوا لهم شفعاء عند الله، ووحَّد ﴿عِزًّا﴾ بمعنى المصدر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2332\"> </span>(٨٢) - ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.\n﴿كَلَّا﴾؛ أي: ليس الأمر كما ظنُّوا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ الضمير للآلهة؛ أي: سيجحدون عبادتهم، ويقولون: واللهِ ما عبدونا؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦].\nأو للمشركين؛ أي: يُنكِرون أن يكونوا قد عبدوها، كقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].\n﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾: خصمًا؛ لأن الله تعالى يُنطقهم فيقولون: يا ربِّ، عذِّب هؤلاء الذين عبدونا مِن دونك، والضِّدُّ يقع على الواحد والجمع في مقابلةِ ﴿لَهُمْ عِزًّا﴾، والمراد ضدُّ العزِّ، وهو الذُّلُّ والهوان، يكونون عليهم ضدًّا لِمَا قصدوه من العزِّ، على معنى: أنها تكون معونةً في عذابهم؛ بأن تُوقَد بها نيرانهم.\nأو جُعل الواو للكفرة؛ أي: ويكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها، وتوحيده لوحدة المعنى الذي به مضادَّتهم، فإنَّهم بذلك كالشيء الواحد، ونظيره قوله ﵇: \"وهم يدٌ واحدةٌ على مَن سواهم\" (^١).\n_________\n(^١) رواه الإمام أحمد في \"المسند\" (٩٥٩)، والنسائي (٤٧٣٤)، وأبو داود (٤٥٣٠)، من حديث علي بن أبي طالب. ورواه الخطابي في \"غريب الحديث\" (١/ ٥٥٣)، وأبو داود (٢٧٥١)، وابن ماجه (٢٦٨٥) والإمام أحمد في \"المسند\" (٦٧٩٧)، من حديث عبد الله بن عمرو بن =","vol":"6","page":395},{"text":"وقرئ: (كَلًّا) بالتنوين على قلب الألف نونًا في الوقف، أو على معنى: كَلَّ هذا الرأيُ كَلًّا، و: (كُلًّا) على إضمار فعلٍ يُفسِّره ما بعده؛ أي: سيجحدون كُلًّا، سيكفرون بعبادتهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2333\"> </span>(٨٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الإرسال: التخلية، وتعديته بـ (على) لتضمين معنى التسليط، أي: خلَّيناهم (^٢) مسلَّطين عليهم بالإغراء (^٣)، وذلك حين قال لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤].\n﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾: إغراءٌ بإزعاج، وأصل الأزِّ: الحركة مع صوتٍ متَّصلٍ من أزيزِ القِدْر وغليانها، والمعنى: تزعجهم الشياطين وتسوقهم إلى المعاصي بسرعة، ومساقُ الكلام ظاهرٌ في الإمهال استدراجًا، ولذلك أتى بأداة التفريع في قوله:\n\n<span id=\"aya-2334\"> </span>(٨٤) - ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾.\n﴿فَلَا تَعْجَلْ﴾، أي: تطلب العذاب قبل حينه، ولذلك قال (^٤): ﴿عَلَيْهِمْ﴾.\nولمَّا كان قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أي: أنفاسهم ليستوفوا آجالهم - في مقام التعليل لِمَا ذكر، كان المناسب أن يكون المراد: إنَّما نمهلهم لا نُهملهم.\n_________\n= العاص. وهو حديث صحيح. وليس فيه كلمة: (واحدة).\n(^١) نسبت القراءتان لأبي نهيك. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦)، و\"المحتسب\" (٢/ ٤٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤١).\n(^٢) في (ك): \"طلبنا منهم\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"بالإعزاء\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"قيل\".","vol":"6","page":396},{"text":"وما قيل: أي: لا تعجل بهلاكهم؛ فإنه لم يبقَ لهم إلَّا أيام محصورة وأنفاس معدودة = بعيدٌ عن مساق الكلام وسياق المقام (^١).\n﴿عَدًّا﴾ فلا يزدادون عليها ولا يَنقصون منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2335\"> </span>(٨٥) - ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.\n﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ الحَشْر: الجمع من جهات متعدِّدة، ونصب ﴿يَوْمَ﴾ بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو بمضمر؛ أي: يوم نَحشُر ونَسوق نَفعل (^٢) بالفريقين ما لا يوصف.\n﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ لاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأنٌ، ولعلَّه لأن مساق الكلام فيها لتعداد نِعَمه الجِسام وشَرْح حال الشاكرين لها والكافرين بها.\n﴿وَفْدًا﴾ الوفدُ: جمع وافد، كرَكْب: جمع راكب (^٣)، حالٌ من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2336\"> </span>(٨٦) - ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.\n﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين سَوق الأنعام؛ لأنهم كانوا أضلَّ منها.\n﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ عطاشًا؛ لأن مَن يَرِد الماءَ لا يَرِدُه إلا لعطشٍ، وحقيقة الوِرْد: المسير إلى الماء، فسمِّي به الواردون.\nذُكر المتقون بأنهم يُجمَعون إلى ربِّهم الذي غمرهم برحمته كما يَفِدُ الوفود على\n_________\n(^١) في (س) و(ك): \"مساق الكلام وسباق المقام\"، وفي (م): \"سياق الكلام وسياق المقام\".\n(^٢) في (م): \"يفعل\".\n(^٣) في (م): \"كركب وراكب\".","vol":"6","page":397},{"text":"الملوك تبجيلًا لهم، والكافرون بأنهم مساقون إلى النار كأنهم نَعَمٌ عِطاش يُساقون إلى الماء استخفافًا بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2337\"> </span>(٨٧) - ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.\n﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ الضمير فيه للعباد المدلول عليهم بذكر المجرمين والمتقين؛ لانحصارهم فيهما.\n﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: إذنًا فيها، لقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩] من قولهم: عَهِدَ الأميرُ إلى فلانٍ بكذا، إذا أمره به، ومحلُّه الرفع على البدل من ضمير ﴿يَمْلِكُونَ﴾، أو النصب على تقدير المضاف؛ أي: إلَّا شفاعةَ مَن اتخذ، أو على الاستثناء.\nوقيل: الضمير لـ ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: لا يملكون أن يشفع لهم إلَّا مَن اتخذ عند الله عهدًا بالإسلام ليستعدَّ به أن يشفع له.\n* * *\n(٨٨) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾.\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾؛ أي: النصارى واليهود، ومَن زعم أن الملائكة بناتُ الله، ولا وجه لإسناد هذا القول إلى الكُلِّ مع الإنكار من (^١) بعضهم ووقوعِ المشاجرة فيه فيما بينهم؛ لكونه مقولًا فيما بينهم، على أن في هذا الإسناد نوعَ شَيْنٍ للمسلمين، وهم بُرآء عنه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"عن\"، والمثبت من (س).","vol":"6","page":398},{"text":"<span id=\"aya-2339\"> </span>(٨٩) - ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾.\n﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ على الالتفات للمبالغة في الذَّمِّ، والتسجيلِ عليهم بالجرأة على الله، والتعرُّضِ لسخطه، والتنبيه على عِظَمِ ما قالوا.\nوالأدُّ بالفتح والكسر (^١): العَجَب، وقيل: العظيم المنكَر، من الإدَّة وهي الشِّدَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2340\"> </span>(٩٠) - ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾.\n﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾: تَقْرُب (^٢) ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ وبالنون (^٣)، الانفطار من فَطَره: إذا شقَّه، والتفطُّر من فطَّره: إذا شقَّقه مرةً بعد أخرى، فهذا أبلغُ منه من عِظَم هذا القول.\n﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ﴾ وتسقط ﴿هَدًّا﴾؛ أي: مهدودة، أو: تهدُّ هدًّا، أو: مفعول له؛ أي (^٤): لأنها تهدُّ، والهدُّ: الهدم بشدَّةِ صوتٍ، وهو تقرير لكونه (^٥) إدًّا؛ أي: بلغت هذه الكلمةُ من فظاعتها ومن (^٦) عِظَمها وهدمها لأركان الدِّين وقواعده مبلغًا لو تصوِّر تأثيرها بصورة محسوسة، لم يَحتمل مثلَه هذه الأجرام العظيمة التي هي قِوام العالَم، وتفتَّت من شدَّتها، أو كادت هذه الأجرام تضمحلُّ وتُخرب العالَم؛ لشدَّة\n_________\n(^١) قرأ الجمهور بالكسر، وقرأ علي والسلمي بالفتح، انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٦)، و\"المحتسب\" (٢/ ٤٥).\n(^٢) في (ك): \"تقرير\".\n(^٣) أي: ﴿ينفطرن﴾ وهي قراءة شعبة وحمزة وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص ١٥٠).\n(^٤) \"أي\": ليست في (م).\n(^٥) في (ك): \"لقوله\".\n(^٦) \"من\": ليست في (م).","vol":"6","page":399},{"text":"غضب الله تعالى على مَن كان تفوَّه بها؛ قهرًا له وهدمًا لأركان العالَم عليه، استعظامًا لها وتهويلًا من فظاعتها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2341\"> </span>(٩١) - ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.\n﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ إمَّا منصوب بتقدير حذف اللام وإفضاء (^١) الفعلِ إليه لتعليل الكيدودة أو الهدِّ؛ أي: هدًّا لأنْ دعوا، علَّل الخرور بالهدِّ، والهدَّ بدعاء الولد للرحمن، أو مجرور بدل من الضمير في ﴿مِنْهُ﴾، أي: من أنْ دعوا، أو على إضمار لام التعليل، أو مرفوع على أنه فاعل ﴿هَدًّا﴾؛ أي: هدَّها دعاءُ الولد، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: سببُ ذلك أن دعوا، وهو مِن دَعَا بمعنى سَمَّى المتعدِّي إلى مفعولين، أو مِن دَعا بمعنى نَسبَ الذي مطاوعُه: ادَّعى، بمعنى: انتَسَب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2342\"> </span>(٩٢) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.\n﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾: ما يتأتَّى ﴿لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ قيل: لا يليق به اتِّخاذ الولد، ولا يتطلب له لو طُلب مثلًا؛ لأنَّه مستحيل (^٢).\n_________\n(^١) في (س): \"أو فضاء\"، وفي (ف) و(ك): \"أو إفضاء\"، والمثبت من (م)، وهو الصواب. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٠).\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوى\" (٤/ ٢٠). قوله: \"لا ينطلب له\" انفعال من الطلب؛ أي: لا يحصل، \"لو طلب\"، أي: لو طلب له - على البناء للمجهول -؛ أي: لا يمكن حصول الولد لو طلب له الطالب غيره تعالى، وهم الكفرة حيث طلبوا له الولد؛ أي: حكموا به فلم يمكن حصوله. انظر: \"حاشية القونوي\" (١٢/ ٣٠١).","vol":"6","page":400},{"text":"وَيرِدُ عليه: أن المحالَ قد يستلزم المحالَ، فيجوز أن ينطلب على تقدير تحقُّق الطلب المحال، فبالتعليل المذكور لا يتمُّ التقريب.\nوفائدة تخصيص الرحمن بالذِّكر وتكريره مرَّة بعد أخرى: أنه اسم مختصٌّ بالواجب بالذات باعتبار إفاضته الوجود وأصول النَّعَم على الكُلِّ، كما قيل: فلينكشف عن بصرك غطاؤه، فأنت وجميع ما عندك عطاؤنا، فكلُّ ما عداه نعمة أو مُنعَم عليه، فلا يُجانس مَن هو مُبدئ النِّعَم، والولد يجب أن يجانس الوالد، فلا يمكن له ولد، فمَن نَسب إليه الولد فقد شبهه بخلقه وأخرجه عن استحقاق اسمِ الرحمن، ولهذا اقتصر على المفعول الثاني على تفسير ﴿دَعَوْا﴾ بمعنى: سَمَّوا، للدلالة على العموم والإحاطة بكلِّ ما جعل ولدًا؛ لاستحالة مناسبة شيء مّا من خلقه له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2343\"> </span>(٩٣) - ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.\n﴿إِنْ كُلُّ مَنْ﴾ ﴿مَنْ﴾ نكرة موصوفة، صفتُها ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.\nوخبر ﴿كُلُّ﴾: ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ووحَّد ﴿آتِي﴾، ﴿آتِيهِ﴾ حملًا على لفظ (كلّ) وهو اسم فاعل من أتى، وهو مستقبَلٌ أي (^١): يأتيه ويلتجئ إليه.\nو﴿عَبْدًا﴾ حال؛ أي: خاضعًا ذليلًا منقادًا.\nوالمعنى: ما كلُّ مَن في العالم من الثَّقَلين والمَلَك إلَّا وهو يأتي الله تعالى يوم القيامة مُقرًّا بالعبودية، وهي والبنوَّة متنافيان، حتى لو مَلَكَ الأبُ ابنَه يَعتِق عليه، وهذا تصريحٌ (^٢) لِمَا عُلم ممَّا تقدَّم التزامًا.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"مستقبل أتى\".\n(^٢) في (م): \"التصريح\".","vol":"6","page":401},{"text":"<span id=\"aya-2344\"> </span>(٩٤) - ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾.\n﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ﴾ الإحصاء: الحَصْر والضبطُ، أي: أحاط بهم علمُه.\n﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: علم تفاصيلهم وأعدادهم، فكأنه عدَّهم بأشخاصهم فرادى فرادى، والله منزَّهٌ عن الحاجة إلى العدِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2345\"> </span>(٩٥) - ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\n﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾: منفردًا، سواءٌ العابد والمعبود، ليس مع المعبود (^١) ممَّن يعبده أحدٌ يخدمه وينفعه، ولا مع العابد أحدٌ يَشفع له ويقرِّبه وينفعه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2346\"> </span>(٩٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ سيُحدِث لهم في قلوب الناس مودَّةً من غير أن يتعرَّضوا للأسباب التي يُكتسب بها مودَّة، بل اصطناعًا من الله تعالى لعباده الخاصَّة، قال (^٢) قتادة: ما أقبل العبدُ إلى الله إلَّا أقبل اللهُ بقلوب العباد إليه.\nوللَفظ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ هاهنا خصوصيةٌ تظهر بالتأمُّل في قوله ﵊: \"إن قلوبَ بني آدم بين إصبعين من أصابعِ الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء\" (^٣).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"معبودهم\".\n(^٢) في (م): \"فقال\".\n(^٣) رواه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.","vol":"6","page":402},{"text":"والسين إمَّا لأن السورة مكيَّة، وكانوا ممقوتِين (^١) حينئذٍ بين الكفرة، فوعدهم اللهُ تعالى ذلك إذا دجا الإسلامُ (^٢)، أو لأن الموعود في القيامة حين تُعرَض حسناتهم على رؤوس الأشهاد، فينزع ما في صدورهم من الغلِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2347\"> </span>(٩٧) - ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.\n﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾: سهَّلناه مُنزَّلًا ﴿بِلِسَانِكَ﴾؛ أي: بلُغتك، وهو اللسان العربيُّ المبين، والفاء للسببية؛ لأن ما قبلها دلَّت على أن مقت (^٣) الكفرة إيَّاهم لا يضرُّهم، وسيَحدث بدله الحبُّ، فقال له: لا تخف وبلِّغ ما أُنزل إليك مبشِّرًا ونذيرًا.\n﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾: الصائرين إلى التقوى.\n﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾: اللُّدُّ جمع: أَلَدَّ، وهو الشديد (^٤) الخصومة في الباطل، الآخذُ في كلِّ لَديدٍ (^٥)؛ أي: شِقٍّ وجانب؛ لفَرْط اللّجاج والمِراء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2348\"> </span>(٩٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ تخويفٌ لهم وإنذارٌ، وتجسير للرسول ﵊ على إنذارهم.\n_________\n(^١) في (م): \"ممنوعين\".\n(^٢) أي: قوي وشاع.\n(^٣) في (م): \"منعت\".\n(^٤) في (م): \"شديد\".\n(^٥) في (م): \"لدية\".","vol":"6","page":403},{"text":"﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ مِن حسَّه: إذا شعر به، ومنه الحِسُّ والمحسوس ﴿مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: هل ترى منهم أحدًا.\n﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ الركز: الصوت الخفيُّ، وأصل التركيب: الخفاء، ومنه: ركَز الرُّمحَ، إذا غيَّب طرفه في الأرض، والرِّكاز: المال المدفون.\nأي: قد ذهبوا وبادوا، فلا عينَ لهم ولا أَثَر، فكذا هؤلاء إن (^١) أعرضوا عن تدبُّر ما أُنزل إليك فعاقبتُهم الهلاك، فليَهُن عليك أمرُهم، والله تعالى أعلم بالصواب (^٢)\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"إذ\".\n(^٢) \"والله تعالى أعلم الصواب\": ليست في (م).","vol":"6","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-84>سُورَةُ طه</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2349\"> </span>(١) ﴿طه﴾.\n﴿طه﴾ رُوي عن مجاهدٍ والحسنِ والضَّحاكِ وعطاءٍ وغيرهم أنَّ معناه: يا رجلُ (^١)؟ فإنْ صحَّ فظاهرٌ، وإلَّا فالحقُّ ما هو المذكور في سورة البقرة (^٢).\nوقرئ: (طَهْ) (^٣)، على أنَّه أمرٌ للرَّسول بأنْ يطأ الأرضَ بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجُّده على إحدى رجليه (^٤)، وأنَّ أصله: (طَأْ) فقلبت همزته هاء.\nوعلى هذا يحتمل أن يكون أصل ﴿طه﴾: طاها، والألف مبدلة عن\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٦ - ٧) عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والحسن. ورجحه.\n(^٢) انظر ما تقدم في تفسير ﴿الم﴾ في مطلع سورة البقرة.\n(^٣) رويت عن نافع في غير المشهور عنه، ونسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، و\"معاني القراءات\" للأزهري (٢/ ١٤١)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤٩).\n(^٤) رواه عبد بن حميد كما في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٠٨) عن الربيع بن أنس مرسلًا، ورواه البزار في \"مسنده\" (٩٢٦) من حديث على ﵁، وفي إسناده ضعف. انظر: \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٥٦)، وفيه: رواه البزار وفيه يزيد بن بلال، قال البخاري: فيه نظر. وكيسان أبو عمر، وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"6","page":407},{"text":"الهمزة، والهاء كنايةُ عن الأرض، ويَمنع هذا الوجهُ والتَّفسير بيا هذا (^١) كتبتَهما (^٢) على صورة الحروف، إلَّا أن يقال: إنه اكتُفي بشطرَي الكلمتين، وعبِّرَ عنهما بالاسمين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2350\"> </span>(٢) - ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.\n﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ إن جعلْتَ ﴿طه﴾ تعديدًا لأسماء الحروف (^٣)، فهو ابتداءُ كلام (^٤).\nوإن جعلتها اسمًا للسُّورة أو القرآن احتمل أن يكون خبرًا عنها وهي في موضع المبتدأ، ﴿الْقُرْآنَ﴾ ظاهرٌ أُوقع (^٥) موقع المضمَر تفخيمًا (^٦)، وأن يكون جوابًا لها وهي قسم، وإنْ جعلتَها نداءً، فهو منادى، وإن جعلتها جملةً فعليَّة أو اسميَّة بإضمار مبتدأ، أو طائفةً من الحروف محكيَّةً، فهو استئنافٌ.\n﴿لِتَشْقَى﴾: لتَتعب بفرط تأسُّفك على كُفْرِ قومِكَ وتحسُّرك على أن يؤمنوا، وما عليك أنْ لا يؤمنوا إذا لم تفرِّط في أداء الرِّسالة. أو: بكثرة تهجُّدك وطول قيامك،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بيان هذا\"، وسقطت من (م)، والمثبت من (س) وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٩)، وفيه: إن (طاها) في لغة عكٍّ في معنى: يا رجل، ولعل عكًّا تصرفوا في (يا هذا) كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يا): (طا)، واختصروا (هذا) فاقتصروا على (ها).\n(^٢) في (م): \"كتبهما\".\n(^٣) في (م): \"تعديد الأسماء بالحروف\".\n(^٤) في (ف): \"لكلام\".\n(^٥) في (س): \"ظاهرًا وقع\". وفي باقي النسخ محتملة.\n(^٦) \"تفخيمًا\" زيادة من (م).","vol":"6","page":408},{"text":"أي: ما بُعِثْتَ لِتُنْهِكَ نفسَكَ وتذيقها المشقَّةَ الفادحة (^١)، فإنَّ لها حقًّا عليك، وإنَّما بُعِثْتَ بالحنيفيَّة السَّمحة السَّهلة.\nوالشَّقاءُ شائع في معنى التَّعب، ومنه أشقى من رائض المُهر (^٢)، وسيِّد القوم أشقاهم (^٣).\nوفيه إشعارٌ بأنَّ القرآن إنَّما أنزل إليك لتسعدَ (^٤)، وهو الوسيلة إلى نيل كلِّ فوزٍ وسعادةٍ، فلا تجعلها مُوجِبَ الشَّقاوة.\nوقيل: ردٌّ وتكذيب للكفرة؛ فإنَّهم لَمَّا رأوا كثرة عبادته قالوا: إنَّك لَتَشْقَى لترك ديننا، وإن القرآن أُنْزِلَ عليك لتشقى به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2351\"> </span>(٣) - ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.\n﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ نصب على الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن ليكون تذكرةً، أو على الحال؛ أي: إلَّا مذكِّرين، أو على المفعول له؛ أي: إلَّا لتَذكر. وإنما جيء باللَّام في ﴿لِتَشْقَى﴾ لأنَّه ليس لفاعل الفعل المعلَّل، فانتفى شرط انتصابه، وانتصب هذه لوجود الشَّرط، لا على البدل من محلِّ ﴿لِتَشْقَى﴾؛ لاختلاف الجنسين؛ إلَّا أن يُجعل التَّذكير نوعًا من الشَّقاء؛ أي: ما أنزلناه لتُفْرِط في\n_________\n(^١) في (م) و(ف): \"القادحة\".\n(^٢) انظر: \"جمهرة الأمثال\" (١/ ٢٨١)، و\"مجمع الأمثال\" (١/ ١٤٨)، و\"المستقصى\" (١/ ٣٥)، وفيها: \"أتعب\" بدل \"أشقى\".\n(^٣) انظر: \"جمهرة الأمثال\" (١/ ٥٢١)، و\"مجمع الأمثال\" (١/ ٣٥٦).\n(^٤) في (ك): \"أنزل إليك كسور\"، وفي (م): \"أنزل عليك لتسعد\".","vol":"6","page":409},{"text":"الرِّياضة والتَّهجد، أو تتعب بالتَّأسُّف والتَّحسُّر على إيمانهم، إنَّما أنزلناه لتحتمِلَ (^١) مشاقَّ التَّبليغ، ومتاعبَ التَّذكير، ومقاولةَ العُتاة الجاحدين، ومقاتلةَ أعداء الدِّين، وسائرَ تكاليف النُّبوَّة.\n﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾: لمن يصير إلى الخشية، ويلينُ قلبُه ويرقُّ، ويعلمُ اللهُ أنَّه ينتفع به (^٢).\n\n<span id=\"aya-2352\"> </span>(٤) - ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾.\n﴿تَنْزِيلًا﴾ بدلٌ من ﴿تَذْكِرَةً﴾ إذا جُعِلَتْ حالًا، لا مفعولًا له لفظًا أو معنًى؛ إذ الشَّيء لا يُعلَّل بنفسه ولا بنوعه، أو نصبٌ (^٣) على المصدر بإضمار (نُزِّل)، أو بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ (^٤)؛ لأنَّ معنى: ما أنزلناه إلَّا تذكرة: أنزلناه تذكرةً، أو على المدح والاختصاص، أو على أنَّه مفعول به لـ ﴿يَخْشَى﴾؛ أي: تذكرةً لمن يخشى تنزيلًا من الله.\nوقرئ بالرَّفع؛ أي: هو تنزيلٌ (^٥).\n﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ صلة لـ ﴿تَنْزِيلًا﴾، أو صفة له، أي: تنزيلًا كائنًا من الله.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"لتحمل\".\n(^٢) \"به\": ليست في (م).\n(^٣) في (م): \"بنوعه ونصب\"، وفي (ف): \"أنه نصب\"، والمثبت من (ك) و(س).\n(^٤) في (ف) و(ك) و(س): \"بأنزلناه\"، والمثبت من (م).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥١)، و\"تفسير القرطبي\" (١٤/ ١٤)، وعزاها القرطبي لأبي حيوة الشامي.","vol":"6","page":410},{"text":"﴿الْعُلَى﴾: جمع العُلْيا، تأنيث الأعلى.\nفخَّم شأنَ المُنْزَل: أوَّلًا بإسناد الإنزال إلى الواحد المتعالي، ثمَّ بتنكير ﴿تَنْزِيلًا﴾ للتَّعظيم والإبهام والتَّوضيح، حيث لم يوصَفْ (^١)، ثمَّ بالالتفات من التكَلُّم إلى الغيبة لاتِّعاظ السَّامع والتَّنبيهِ على عظم شأنه بتفنُّن الكلام، ثمَّ بإجراء الصِّفات العظام العجيبة على منزِّله، وإيراد الموصول ذريعة إلى ذلك، ثم بوصف السَّماوات بالعُلَى للدِّلالة على علوِّ قَدْر خالقها، ثمَّ بإجراء صفات العَظَمة والتَّمجيد، فأكَّد الفخامة بوجوهٍ كثيرةٍ وطرقٍ مختلفةٍ، ورتَّب صفاته ترتيبًا أنيقًا، فبدأ أوَّلًا بإيجاده لأصول العالم، وقَدَّم الأرض لأنها أقربُ إلى الحسِّ، وأظهرُ نفعًا واحتياجًا إليها.\nثمَّ أشار إلى وجهِ إحداث الكائنات وتدبير أمرها، بذكر استوائه على العرش، وإجراء الأحكام وإنزال الأسباب منه، على التَّرتيب الذي اقتضتْهُ حكمتُه، وتعلَّقَتْ به مشيئتُه، فقال:\n\n<span id=\"aya-2353\"> </span>(٥) - ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.\n﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع على المدح؛ أي: هو الرَّحمن، أو بدل من فاعل ﴿خَلَقَ﴾.\n﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، وعلى الأوَّل يجوز أن يكون خبرًا بعدَ خبر.\n﴿اسْتَوَى﴾ كنايةٌ عن الملك؛ لأنَّ العرشَ سريرُ الملِك، ومكانُ التَّمكُّن من ملكه، فأجريَتْ هذه العبارة مُجرى مَلَك، واستعمل (^٢) في موضعه، واشتَهَر\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(س): \"يصف\".\n(^٢) في (م): \"واستعملته\".","vol":"6","page":411},{"text":"كالمترادفَيْن المتساوَييْن في إفادة المعنى المراد، مع تصوير العَظَمِة (^١) الأبَّهة والسَّلطنة والتَّمكُّن في ملكه، وإنْ لم يقعدْ قطُّ على السَّرير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2354\"> </span>(٦) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾: ما تحتَ السَّبع الأرضين (^٢)، فإنَّ الثَّرى: الطَّبقةُ التُّرابيَّةُ من الأرض، وهي (^٣) آخر طبقاتها.\nوهذه الجملة تجري مَجرى البيان من الأولى؛ لأنَّ مؤدَّى الأولى كونُه ملكًا مُطاعًا قادرًا، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ إلخ تفصيلٌ لذلك وتقريرٌ له.\nولَمَّا (^٤) ذَكَر ما دلَّ على ملكه وكمال قدرته وإرادته عقَّبه بما دل على كمال علمه وإحاطته بخفايا الأمور وجلاياها على السَّواء؛ لتلازم تلك الصِّفات فيه، وابتناء الجميع على العلم، فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2355\"> </span>(٧) - ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.\n﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾: ترفعْ صوتك به سواءٌ كان ذِكرًا أو دعاءً أو غيرهما، وحُذف جواب الشَّرط؛ أي: فاعلم أنَّه تعالى غنيٌّ عن جهرك، وأقيمَ تعليله مقامه وهو:\n_________\n(^١) في (م): \"إفادة المعنى مع تصور العظمة\".\n(^٢) في (ك): \"أرضين\".\n(^٣) \"هي\" سقط من (م).\n(^٤) في (م) زيادة: \"كان\".","vol":"6","page":412},{"text":"﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾؛ أي: ما أسرَرْتَه إلى غيرك، وما هو أخفى منه؛ أي: ما أَخْطَرْتَه ببالك وأضمرتَه في نفسك.\nأو السِّر: ما أضمرته في نفسك، وما هو أخفى منه: ما لم يخطر ببالك من الغيب المستأثَر.\nهذا ما قالوا، والذي (^١) عندي: أنَّ علمَه (^٢) السَرَّ وأخفى كناية عن استغنائه عن الجهر بالقول، فلا (^٣) حذف ولا إقامة، فهو تعليمٌ للعباد أنَّ الجهر لهضم النَّفس بالتَّضرُّع والجؤار، واستبعادِها عن مظانِّ القُرْبِ باستحقارها، لا لإعلام الله بذلك وإسماعه؛ أو نهيُ (^٤) تنزيهٍ عمَّا يُؤذِنُ بالرِّياء.\nثمَّ لَمَّا عدَّد الصِّفات الكمالية، ووصفَه بما لا يمكن أنْ يُوصَفَ به غيره من صفات الألوهيَّة والرُّبوبيَّة، أفصحَ عن التَّوحيد، وصرَّح بأنَّه المنفرد بها المتوحِّد بمقتضياتها فقال:\n\n<span id=\"aya-2356\"> </span>(٨) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾؛ أي: هو واحد بذاته وإنْ افترقَتْ عبارات صفاته، ردًّا لقولهم: إنك تدعو آلهة، حين سمعوا أسماءه تعالى.\nو﴿الْحُسْنَى﴾: تأنيث الأحسن، وفضلها على سائر الأسماء في الحُسن لدلالتها على معانٍ هي أشرف المعاني وأفضلها.\n* * *\n_________\n(^١) \"الذي\" زيادة من (ك).\n(^٢) في (م): \"علم\".\n(^٣) في (م): \"ولا\".\n(^٤) في (ف): \"أي نهي\"، وفي (م): \"ونهي\".","vol":"6","page":413},{"text":"<span id=\"aya-2357\"> </span>(٩) - ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.\n﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهامُ تقرير يحثُّ على الإصغاء لِمَا يُلْقَى إليه.\n﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ قفَّى خطابه بقصَّة موسى ﵇؛ ليقتديَ به في تحمُّل أعباء النُّبوَّة، والصَّبرِ على مقاساة الشَّدائد في تبليغ الرِّسالة؛ فإنَّ هذه السُّورة من أوائل (^١) ما نزل، وهذه التَّقفية مرجِّحة لكون التَّذكرة نصبًا على الاستثناء المتَّصل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2358\"> </span>(١٠) - ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾.\n﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرفٌ للحديث أو لـ: اذكر، أو لمضمرٍ دلَّ عليه ﴿فَقَالَ﴾؛ أي (^٢): حين رأى نارًا كان كيْتَ وكيْتَ.\n﴿لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ (^٣): الْبَثوا مكانكم.\n﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾: أبصرْتُ إبصارًا بيِّنًا لا شبهة فيه، ومنه الأُنْس لظهوره، وقيل: هو وجدان ما يؤنَسُ (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"أول\".\n(^٢) \"فقال أي\" سقطت من (ف)، و\"فقال\" سقطت من (ك). وعبارة \"الكشاف\" (٣/ ٥٣): (أو لمضمر؛ أي: حين رَأى نارًا كان كيت وكيت).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"فقال لأهله امكثوا\".\n(^٤) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فإذا تعلَّق بالمبصر يفيد معنى الإبصار، وإذا تعلق بالمسموع يفيد معنى السمع، وعلى هذا يدور كلام الجوهري: آنسته: أبصرته، وآنست الصَّوت: سمعته. منه\".","vol":"6","page":414},{"text":"ولَمَّا كانَ الإيناسُ محقَّقًا أتى بكلمة ﴿إِنِّي﴾ (^١)، وحقَّقه لهم ليوطِّنوا أنفسهم عليه، بخلاف الإتيان بقبس ووجدانِ الهدى على النَّار؛ فإنَّ كلًّا منهما مترقَّب متوقَّع، فمَبْنَى الأمر فيهما على الرَّجاء والطَّمع، وجاء بـ (لعل) ولم يقطع لئلَّا يَعِدَ ما لا يَستيقِنُ الوفاءَ به.\n﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القَبَسُ: النَّارُ المقتبَسَةُ في رأس عودٍ أو فتيلة أو نحوهما (^٢).\nوقيل: جمرة. ويردُّه قوله تعالى في موضع آخر: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧].\n﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّار﴾ معنى الاستعلاء على النَّار: أنَّ أهلها مشرفون عليها عند الاصطلاء بها قيامًا وقعودًا، أو مستَعْلون (^٣) المكان القريب منها.\n﴿هُدًى﴾، أي: هدًى مّا؛ لأنَّه إذا وجد الهاديَ فقد وجد هدًى مّا إلى الطَّريق (^٤)، وإنما جاء بـ ﴿أَوْ﴾ لأنَّه بنَى الرَّجاء على أنَّه إن لم يظفر بحاجتيه جميعًا لم يَعدم واحدة منهما (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2359\"> </span>(١١) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى﴾.\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾: أتى النَّار، وجد نارًا بيضاء تتَّقد في شجرة خضراء.\n_________\n(^١) في (م): \"أن\".\n(^٢) في (م) و(س): \"ونحوهما\".\n(^٣) في (ف) و(س) و(ك): \"مستعملون\"، والمثبت من (م).\n(^٤) في (م): \"الهدى أي الطريق\" بدل \"هدًى ما إلى الطَّريق\".\n(^٥) في (ك): \"يظفر بحاجته … منها\".","vol":"6","page":415},{"text":"﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾: هو تكليم الله تعالى إيَّاه، و﴿نُودِيَ﴾ بني للمحذوف، وحذف الفاعل للتَّعظيم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2360\"> </span>(١٢) - ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.\n﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قرئ باْلفتح (^١)؛ أي: نودي بأنِّي، ومَن كسر (^٢) أجرى النِّداء مجرى القول؛ لأنَّه ضَرْبٌ منه.\nوتكرير الضَّمير لتوكيدِ الدِّلالة، وتحقيقِ المعرفة، وإماطةِ الشبُّهة.\nقيل: لَمَّا نُودِيَ: ﴿يَامُوسَى﴾، قال: مَن المتكلِّم؟ فقال اللهُ تعالى جلَّتْ عظمتُه: ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾، فوسوس إليه الشَّيطان: لعلَّك تسمع كلام الشَّيطان، فقال: أنا عرفْتُ أنَّه كلام الله تعالى بأني (^٣) أسمعه من جميع الجهات، وأسمعه بجميع أعضائي (^٤).\nقوله: (أسمعه من جميع الجهات) يردُّه قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾؛ فإنَّه صريح في سماعه النِّداء من جهةٍ وحدةٍ، لا مِن جميع الجهات.\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٠).\n(^٢) في (م): \"كسره\".\n(^٣) في (ك): \"بأن\".\n(^٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٤)، وقال الآلوسي في \"روح المعاني\" (١٦/ ٢٥٤): (في صحة الخبر خفاء، ولم أر له سندا يعول عليه).","vol":"6","page":416},{"text":"﴿فَاخْلَعْ﴾ الخَلْعُ: نزعُ الملبوس، يُقالُ: خلعَ ثوبَه عن بدنه، ونعلَه عن رجله، وقد يُنزع المسمار عن (^١) موضعه ولا يكون خلعًا؛ لأنَّه غيرُ ملبوسٍ.\n﴿نَعْلَيْكَ﴾ أُمر بخلعهما تعظيمًا لحضرة القُدْسِ؛ فإنَّ في (^٢) الحفوة تواضعًا لله تعالى وتأدُّبًا، ولهذا كان السَّلف يطوفون بالبيت حافين.\nوالتَّعليل بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ دالّ على أنَّ ذلك احترام للبقعة، وتعظيم لقدسها.\nوتفريع الأمر بخلع النَّعلين على النداء المذكور وإن كان باعتبار أنَّ ما في الخلع من التَّواضع لله تعالى والتَّأدُّب مقتضى النِّداء؛ لكنَّه (^٣) لا يخلو عن الإشعار بأنَّ في بركة تلك البقعة مدخلًا لورود ذلك النِّداء العظيم الشَّأن فيها.\nوقيل: لنجاستهما؛ فإنهما كانا من جلد حمارٍ ميِّت غير مدبوغ.\nوقيل: لينال بركة الوادي المقدَّس وتمسَّ قدماه تربته (^٤).\nوالوادي: سَفحُ الجبل، ويقال للمَجرى العظيم من مجاري الماء: وادٍ.\n﴿الْمُقَدَّسِ﴾: المطهَّر.\n﴿طُوًى﴾: علَم للوادي، فيكون بدلًا أو عطفَ بيان.\nوقرئ منوَّنًا لوحظ فيه معنى المكان، وغيرَ منوَّنٍ لوحظ فيه معنى البقعة (^٥).\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".\n(^٢) في (م): \"من\".\n(^٣) في (م): \"لكونه\".\n(^٤) في (ف): \"تربه\".\n(^٥) قرأ الكوفيون وابن عامر بالتَّنوين، وباقي السبعة بغير تنوين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٠).","vol":"6","page":417},{"text":"وقيل: هو من الطَّي، نحو: ثِنًى (^١)، وهو بمعنى مرَّتين؛ أي: قُدِّسَ مرَّتين (^٢) مرَّة بعد مرَّة، أو نودي ندائَيْن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2361\"> </span>(١٣) - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.\n﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾: اصطفيْتُكَ للنُّبوَّة.\nوقرئ: ﴿إنَّا اخترناك﴾ (^٣): (إنَّا): إنَّ واسمها، و(اخترناك): جملة في موضع الخبر.\n﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ اللَّام متعلِّقة بـ ﴿فَاسْتَمِعْ﴾، أو بـ ﴿اخْتَرْتُكَ﴾، و(ما) موصولة؛ أي: للذي يُوحَى إليك، أو مصدريَّة؛ أي: للوحي.\n\n<span id=\"aya-2362\"> </span>(١٤) - ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.\n﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ بدل من (مَّا يُوحَى).\nعظَّم أمرَ التوحيد (^٤) وفخَّم شأنه، بالإبهام في قوله: ﴿لِمَا يُوحَى﴾، والتَّوضيح بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾، وبالإبدال الدَّالِّ على أنَّ الوحيَ مقصورٌ على تقرير التَّوحيد، الذي هو نهاية العلم المستلزمِ لتخصيص العبادة بالله، الذي هو\n_________\n(^١) قوله: \"نحو ثنى\"؛ أي: لفظًا ومعنى، فهو بكسر الطاء والتنوين مصدر كثِنًى. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ١٩٤)، و\"روح المعاني\" (١٦/ ٢٥٨).\n(^٢) \"مرتين\": ليست في (م).\n(^٣) قرأ بها حمزة من السبعة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥١).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"الوحي\".","vol":"6","page":418},{"text":"كمال العمل (^١). وبالتَّأكيد (^٢) بـ (إنَّ)، وتوسيطِ الضَّمير، وتكرير معناه بالتَّهليل، والإتيان بفاء السَّببية.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ عَطْفُ الأمر بإقامة الصلاة على الأمر بالعبادة، وتخصيصُها بالذِّكْرِ مِن بينِ سائر العبادات، تنبيهٌ على فضلِها وشرفها وإنافتها على الجميع، كعطف جبريل وميكال (^٣) على الملائكة، ولذلك علَّل إفرادها بالذِّكر بقوله:\n﴿لِذِكْرِي﴾ فإنَّها توجب شغل القلب واللِّسان بذكر الله تعالى، فمعنى ﴿لِذِكْرِي﴾: لتذكرني (^٤).\nوقيل: لأني ذكرْتُها في الكتب، وأمرْتُ بها.\nأو: لأذكرك بالمدح والثَّناء، وأجعلَ لك لسانَ صدقٍ.\nأو: لذكري خاصَّة، غير مَشُوبٍ بذكرِ غيري، أو رياءٍ، أو عِوَضٍ (^٥)، أو غَرَضٍ آخر. وهو الإخلاص.\nأو: لتكون لي ذاكرًا غيرَ ناسٍ.\nأو: لأوقات ذكري، وهو مواقيت الصَّلاة.\nأو: لذكر صلاتي؛ لِمَا روي أنه ﵇ قال: \"مَن نام عن صلاةٍ أو نسيها\n_________\n(^١) في (ف): \"العلم\".\n(^٢) في (ف): \"وبالتوكيد\".\n(^٣) وفي (ك) و(س): \"وميكائيل\" وسقطت من (م).\n(^٤) في (ك): \"كي تذكرني\"، وفي (س): \"لتذكري\"، وفي (ف): \"كتذكرني\".\n(^٥) \"أو عوض\" سقط من (ف).","vol":"6","page":419},{"text":"فليقضِها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ \" (^١)، على حذف المضاف (^٢)، أو على أنَّ ذكرَ الصَّلاة ذكرُ الله تعالى (^٣)، أو لأنَّ الذِّكْرَ والنِّسيانَ مِنَ الله تعالى في الحقيقة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2363\"> </span>(١٥) - ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾.\n﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ يعني: إنَّ القيامة كائنة (^٤) لا محالة.\n﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قُرْبُه تعالى من إخفائها مجازٌ عمَّا اقتضته الحكمة من الإخبار بوقوعها للإنذار وقطعِ الأعذار، مع كتمان وقتها ليكونوا على وَجَلٍ في (^٥) كلِّ وقتٍ، فإنَّه إظهار فيه نوع من الإخفاء.\nويجوز أن يكون من أخفاه: إذا أزال خَفَاه؛ أي: أكاد أُظهرها، وقُرْبُه تعالى من إظهارها مجاز عن إظهار بعض أشراطها، كبعثة خاتم الأنبياء ﵈، وانشقاقِ القمر، ويؤيده قراءة أبي الدَّرداء ﵁: (أَخفيها) بالفتح (^٦)، مِن خفاه: إذا أظهره.\n_________\n(^١) روى نحوه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، من حديث أنس ﵁.\n(^٢) في (م): \"مضاف\".\n(^٣) في هامش (ف): \"فيه رد لصاحب الكشاف حيث غفل عن تمام الحديث فلم يدر ما وجه أخذ التفسير المذكور فتمحل فيه. منه\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"آتية\".\n(^٥) في (ف): \"من\".\n(^٦) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٦).","vol":"6","page":420},{"text":"قيل: إنَّه من الأضداد، والحقُّ ما روي عن أبي عليٍّ: أنَّه من باب السَّلب (^١).\n﴿لِتُجْزَى﴾ متعلقة بـ ﴿آتِيَةٌ﴾، وما بينهما اعتراض، أو بـ ﴿أُخْفِيهَا﴾ على المعنى الأخير.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ يعني: من النُّفوس السَّاعية، بقرينةِ قوله:\n﴿بِمَا تَسْعَى﴾ السَّعيُ كنايةٌ عن الكسب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2364\"> </span>(١٦) - ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾.\n﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ الصَّدُّ: الصَّرفُ عن الخير خاصَّة.\n﴿عَنْهَا﴾ عن التَّصديق بالسَّاعةِ، أو عن الصَّلاةِ.\n﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ والمرادُ من نهي الكافر عن صدِّ موسى ﵇: نهيُه عن الانصداد عنها بصدِّه، وهذا كقولك: لا أَرَينَّك هنا، في النَّهي عن السَّبب للنَّهي عن المسبَّب مبالغةً (^٢).\nوفيه تنبيهٌ على أنَّه ﵇ لو خُلِّيَ وفطرتَه السَّليمةَ لكان مصدِّقًا بها غيرَ مُعرضٍ عنها.\n_________\n(^١) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٤٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٣٧)، وفيه عن أبي علي: (هذا مِن بابِ السَّلْب وليس مِن باب الأضدادِ، ومعنى أخفيها: أُزيل عنها خَفاءَها، وهو سترها كخِفاء الأخفية - وهي الأكسية - والواحد: خِفاء - بكسر الخاء -: ما تلف به القِربةُ، وإذا زال عنها سترُها ظَهرَتْ). وجاء هنا في هامش (س): \"رد للكواشي\".\n(^٢) في هامش (ف) و(س): \"خلط القاضي بين الوجهين. منه\".","vol":"6","page":421},{"text":"وبعثُه (^١) ﵇ على الصَّلابة في الدِّين وشدَّة الشَّكيمة فيه، وتهييجُه عليها، فإنَّ صدَّ الكافر إيَّاه مسبَّب عن ضعف عقيدته ولين شكيمته، فنَهى عن المسبَّب للنَّهي عن السَّبب؛ أي: ينبغي لك أن تكون صلبًا في الدِّين، راسخًا في الاعتقاد.\nونبَّه بقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ على أنَّ سلوكَ طريق العقل واتِّباع الحجَّة يوجب التَّصديق بالبعث والساعة، فإنكارها والتكذيبُ بها إنَّما يكون لغلبة الهوى واتِّباعه.\nوالهوى: ميلُ النَّفس إلى الشَّيء بأريحيَّة (^٢) تلحق فيه، وهواءُ الجوِّ ممدود، وهوى النَّفس مقصور.\n﴿فَتَرْدَى﴾: جواب النَّهي، و(أنْ) مقدَّرةٌ بعد فاء الجواب، و(تَرْدى) علامةُ النَصب فيه فتحة مقدَّرة في الألف، معناه: فتهلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2365\"> </span>(١٧) - ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾.\n﴿وَمَا تِلْكَ﴾ استفهامٌ ضُمِّنَ معنى الاستيقاظ لِمَا يُريهِ فيها من الآيات العجيبة الدَّالة على القدرة الباهرة.\nقيل: الحكمة في هذا السُّؤال بسطُه، فقد كانت الهيبة قبضتْهُ، ولو تُرِكَ على ما كان عليه لعله كان لا يبقى بل يتلاشى.\n_________\n(^١) في (س) (ك) و(م): \"أو بعثه\".\n(^٢) بياض في (ف)، وسقط من (ك)، وفي (م): \"بأن يحية\"، والمثبت من (س).","vol":"6","page":422},{"text":"ولَمَّا باسط الحقَّ بسماع (^١) كلامه، أخذته أريحيَّة سماع الخطاب، فأجاب عمَّا سُئِلَ، وسلك مسلكَ الإطناب.\n﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال من ﴿تِلْكَ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، كما في قوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وجاز أن يكون ﴿تِلْكَ﴾ اسمًا موصولًا صلتُه ﴿بِيَمِينِكَ﴾.\nقيل: إنما لم يقل: (بيدك) لأنَّه كان في يساره خاتم، فلو أجمل بقي في الجواب الاشتباه (^٢).\n﴿يَامُوسَى﴾ تكرير لزيادة التَّنبيه والاستئناس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2366\"> </span>(١٨) - ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾.\n﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ قرئ: (عَصَيَّ) (^٣)، على لغة هذيل.\n﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾: أعتمد عليها إذا أَعييتُ (^٤) أو وقفت على رأس القطيع.\nوالتَّوكُّؤ على الشَّيء: التَّحامل عليه في المشي والعكوف، ومنه: الاتِّكاء، توكَّأت واتَّكأت بمعنًى واحد.\n_________\n(^١) في (س): \"سماع\".\n(^٢) في (س): \"بيمين في الجواب للاشتباه\"، وفي (م): \"تعنَّى في الجواب للاشتباه\". وانظر: \"غرائب التفسير\" للكرماني (٢/ ٧١٤)، وفيه: (لم يقل: بيدك، لاحتمال أن يكون في يساره خاتم أو شيء آخر، فكان يلتبس عليه الجواب). فقول المؤلف: \"لأنَّه كان في يمينه خاتم\" على الجزم بلا دليل من نقل، فيه نظر، فإن الاحتمال - كما في كلام الكرماني - هو الأنسب هنا.\n(^٣) نسبت لابن أبي إسحاق. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"إذا عييت\".","vol":"6","page":423},{"text":"﴿وَأَهُشُّ بِهَا﴾: أَخبط الورق، وقرئ: (أُهِشُّ) (^١)، وكلاهما مِن هشَّ الخبزُ يَهِشُّ: إذا كان ينكسر لهشاشته.\n﴿عَلَى غَنَمِي﴾ ليأكلَه.\nوعن عكرمة: (أَهُسُّ) بالسِّين (^٢) من الهسِّ، وهو زجر الغنم؛ أي: أنحي عليها زاجرًا لها.\nقدَّم في الجواب مصلحة نفسه، ثمَّ ثنَّى بمصلحة ماشيته.\n﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآربُ: الحاجاتُ، عاملَها وإنْ كانت جمعًا معاملةَ الواحدة المؤنَّثة، فأتبعها صفتها في قوله:\n﴿أُخْرَى﴾ ولم يقل: (أُخَرُ)؛ رعيًا للفواصل، وهو جائز في غيرها، فكان فيها أجوزَ (^٣) وأحسنَ.\nقيل: فَهِم موسى ﵇ مِن سؤالِ ربِّ العزَّة أنَّه سيُحْدِثُ في العصا أمرًا عظيمًا، فذكرَ ماهيتها، وفصَّلَ بعضَ منافعها وخواصِّها، فلمَّا استطال الكلام استشعر سوء (^٤) الأدب فأَجْمَلَ.\nوقيل: إنَّما أجمل ليسأله عن تلك المآرب، فيكونَ زيادةً في إكرامه.\n_________\n(^١) أي: بضم الهمزة وكسر الهاء. نسبت للنخعي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٧)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٥).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٧).\n(^٣) في (م): \"أوجز\".\n(^٤) في (ك) و(ف): \"لسوء\".","vol":"6","page":424},{"text":"والغرضُ مِنْ ذِكْرِ ماهيتها ومنافعها: أنَّها ليسَتْ إلَّا عصًى تنفع (^١)، منافعها كسائر العيدان؛ ليكون جوابه مطابقًا لِمَا فهمه من فحوى كلام ربِّه، حتى إذا وجدها على خلاف حقيقتها وخواصِّها ممَّا ذُكِرَ من الأمور الخارقة للعادة، ظهرَ أنَّها معجزات باهرة، وآيات ظاهرة، خصَّه الله تعالى بها وأكرمه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2367\"> </span>(١٩) - ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾.\n﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ إنَّما أمره بإلقائها لأنَّه أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿عَصَايَ﴾، فأراد أن يقطعها عنه، ويريَه الخارق بعد إخراجه من سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنَّه بمَحْضِ صنعِ اللهِ، لا دَخْلَ فيه لفعلِ العبدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2368\"> </span>(٢٠) - ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.\n﴿فَأَلْقَاهَا﴾ أي: طرحها (^٢) على الأرض، وقد مَرَّ في سورة الأعراف بيان أصل الإلقاء.\n﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: صارت في الحال.\n﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ الحيَّةُ: اسم جنس (^٣) يقع على الصَّغير والكبير والذَّكر والأنثى.\nوالسَّعيُ: المشيُ بسرعةٍ وخفَّةِ حركةٍ.\n_________\n(^١) في (ك): \"منتفع\"، وفي (ف): \"ينتفع\". وفي \"الكشاف\" (٣/ ٥٧): لا تنفع إلا منافع بنات جنسها وكما تنفع العيدان.\n(^٢) في (س): \"اطرحها\".\n(^٣) في (ك) و(م) و(س): \"الجنس\".","vol":"6","page":425},{"text":"قيل: لَمَّا ألقاها انقلبَتْ حيَّة صفراء بغلظ العصا، ثمَّ تورَّمت وعظمَتْ، فلذلك سمَّاها جانًّا تارةً نظرًا (^١) إلى المبدأ، وثعبانًا مرَّة باعتبار المنتهى، وحيَّة أخرى بالاسم الذي يعمُّ الحالَيْن.\nوكأنَّ هذا القائل غافل عن عبارة ﴿كَأَنَّهَا﴾ في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأنها صريحة في التَّشبيه وعدم كونها جانًّا حقيقة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2369\"> </span>(٢١) - ﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾.\n﴿قَالَ خُذْهَا﴾: تناوَلْها بيدك ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ الخوفُ: انزعاج النَّفس بتوقُّع الضَّرر.\nلَمَّا رأى موسى ﵇ ذلك الأمرَ العجيب (^٢) الهائل مَلَكه من الفزع والنّفار ما يملك البشر عند الأهوال والمخاوف، فهرب منها كما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]، فأمره الله تعالى بالإقدام على أخذها، ونهاه عن أن يخاف منها.\nوقيل (^٣): لَمَّا قال له ربُّه: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ بلغ من الأمن وطمأنينة النَّفس إلى (^٤) أن أدخل يده في فمها وأخذ بلَحْيها (^٥)، كأنَّه ضمَّن صيغةَ التَكليف صيغةَ (^٦) التَّكوين،\n_________\n(^١) في (ف): \"نظر\".\n(^٢) في (ف): \"العجب\".\n(^٣) \"قيل\": ليست في (م).\n(^٤) \"إلى\" سقطت من (ك) و(م) و(س).\n(^٥) في (ك): \"بلحييها\".\n(^٦) في (س): \"صنع\".","vol":"6","page":426},{"text":"وقد حقَّقناه في تفسير (^١) سورة البقرة أنَّ النَّهي كالأمر يتنوَّع إلى التَكليفي والتَّكويني.\nوحكمة انقلابها وقتَ مناجاته تأنيسه بهذا المعجز الهائل حتى يلقيها لفرعون فلا يلحقَه ذعر منها في ذلك الوقت.\n﴿سَنُعِيدُهَا﴾ الإعادة: ردُّ الشَّيء ثانيًا إلى ما كان (^٢) أوَّل مرَّة.\n﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾: هَيْأتها وحالَتها المتقدِّمة.\nوالسِّيرة: فِعْلَةٌ من السَّيْرِ، كالرِّكْبَةِ من الرُّكوب، يقال: سارَ فلانٌ سِيرةً حسنةً، ثمَّ اتُّسِعَ فيها، فنقلَتْ إلى معنى المذهب والطَّريقة، وقيل: سِيَرُ الأوَّلين.\nفيجوزُ أنْ ينتصبَ على الظَّرف؛ أي: في طريقتها الأولى حال ما كانت عصا، أو على نزع الخافض، أو على المفعول به إن جعل أعاد منقولًا (^٣) من عاده بمعنى: عاد إليه، فيتعدَّى إلى مفعولَيْن، أو بتضمين فعلها، أي: سنعيدها سائرةً سيرتَها الأولى (^٤) عصًا يُنتفع بها كما كانت أوَّلًا، أو على أنَّه بدل اشتمال من الضَّمير المنصوب في ﴿سَنُعِيدُهَا﴾، أي: سنعيد سيرتها الأولى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2370\"> </span>(٢٢) - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾.\n_________\n(^١) \"تفسير\": ليست في (م).\n(^٢) في (م): \"ثانيا إلى مكانه\".\n(^٣) في هامش (ف) و(س): \"فيه رد لمن توهم أن هاهنا تقديرًا. منه\".\nفي (م): \"مشغولا\".\n(^٤) أي: تسير سيرتها الأولى، فالنصب على أنها مفعول مطلق. انظر: \"روح المعاني\" (١٦/ ٢٧٨).","vol":"6","page":427},{"text":"﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ يعني: بعد إدخالها في الجيب، على ما أفصح عنه في موضعٍ آخر (^١).\nيُقال لكلِّ ناحيتين: جناحان، كجناحَي العسكر لمُجَنِّبتَيه (^٢)، وجناحا الإنسان: جنباه (^٣)، استعيرا (^٤) من جناحَي الطَّائر.\nوسُمِّيا جناحَيْن لأنَّه يُجنحهما عند الطَّيران؛ أي: يُميلهما. والجَنْبُ فيه جنوحُ الأضلاع.\nقيل: والمراد: إلى (^٥) جنبك تحت العَضُد، دل على ذلك قوله: ﴿تَخْرُجْ﴾.\nويردُّه قوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢] لأنَّه صريح في أنَّ المراد الدُّخول في الجيب والخروج منه.\n﴿بَيْضَاءَ﴾: مشرقةً مشعَّةً.\nقيل: كان موسى آدَمَ، فأخرجَ يده بيضاء لها شعاعٌ كشعاع الشَّمس يُغْشِي (^٦) البصر.\n﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: متعلِّق بـ ﴿بَيْضَاءَ﴾، كأنَّه قال: ابيضَّتْ مِن غيرِ سوء، والسُّوءُ: الرِّداءةُ والقُبح في كلِّ شيءٍ؛ أيْ من غير أن يُستَقبح.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"حيث قال: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾. منه\".\n(^٢) في (م): \"لجنبتيه\"، وفي (ف) و(ك) و(س): \"لجنبيه\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٣/ ٥٩).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"جانباه\".\n(^٤) في (م) و(ك): \"استعير\".\n(^٥) في (م): \"أي\".\n(^٦) في (ك) و(س): \"يعشي\"، وفي (م): \"تغشي\".","vol":"6","page":428},{"text":"لَمَّا كان خروج الشَّيء عن خِلْقَته وشأن جوهره ممَّا يستقبح ويُستقذر أَخبرَ أنَّه لم يكن كذلك، وأمَّا الكناية به عن البرص فيأباها المقام؛ لأنَّه غير محتمَلٍ في مقام الإعجاز والكرامة، فلا وجهَ للاحتراز عنه.\n﴿آيَةً أُخْرَى﴾: معجزةً ثانيةً.\nوقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ و﴿آيَةً﴾ حالان معًا من ضمير ﴿تَخْرُجْ﴾، ويجوز أن يكون الثَّاني حالًا من ضمير الأوَّل، فيكونان من الأحوال المتداخلة، أو مفعولًا نصب بمضمَرٍ نحو: (خُذْ) حُذِفَ لِدَلالةِ الكلام عليه (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2371\"> </span>(٢٣) - ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.\n﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾. متعلِّق بالمحذوف المذكور، أو بما دلَّ عليه الآية أو القصَّة؟ أي: دلَلْنا بها - أو: فعلنا ذلك - لنريك.\nو﴿الْكُبْرَى﴾: صفة لـ ﴿آيَاتِنَا﴾، أو مفعول ثانٍ لـ (نريك)، و﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ حال؛ أي: لنريك الكبرى من آياتنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2372\"> </span>(٢٤) - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.\n﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: أمرٌ بالذَّهاب بهاتَيْن الآيتَيْن إلى فرعون ودعوته.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"وأما دون فلا يسوغ لأنَّه اسم فعل من باب الإغراء، ولا يجوز حذفه؛ لأنَّه حذف منه في الأصل العامل فيه، وناب منابه، فلا يجوز أن يحذف النائب والمنوب عنه. منه\". قلت: وفيه رد على الزمخشري القائل: (بإضمار نحو: خذ، ودونك، وما أشبه ذلك، حذف لدلالة الكلام). انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٩).","vol":"6","page":429},{"text":"﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ جاوزَ حَدَّ العبودية إلى دعوة الربوبيَّة، تعليلٌ لوجوب الذَّهاب إليه، وتحذيرٌ له من بطشه، وتنبيهٌ على صعوبة ما ابتُلِيَ به، ليتلقاه بجميل الصَّبر وحسن الثَّبات، ولهذا التجأ إليه في طلب التَّيسير والتَّأييد وتفسيح الصَّدر والتَّشجيع:\n\n<span id=\"aya-2373\"></span><span id=\"aya-2374\"> </span>(٢٥ - ٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ على الإبهام بإيراد ﴿لِي﴾ بعد الفعْلَيْنِ، والتَّوضيح بذكر الصَّدر والأمر، للتَّأكيد والمبالغة في طلب الشَّرح والتَّيسير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2375\"> </span>(٢٧) - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾.\n﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ كان في لسانه رُتَّةٌ (^١)؛ لِمَا رويَ: أنَّ فرعونَ حمله يومًا، فأخذ بلحيته - وكانت مرصَّعة بالجواهر - ونتفها جاذبًا ببعض (^٢) ما فيها من اليواقيت، فغضبَ وأمر بقتله، فقالت آسية ﵂: إنَّه صبي لا يفرِّق بين الجمر والياقوت، فأُحْضِرا بين يديه، فأخذ الجمرة ووضعها في فيه، فاحترق لسانه، فصار لكنته منها (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) رجل أرَتُ: في لسانه رُتَةٌ، وهي عجلة في الكلام، وعن المبرِّد: هي كالرَّتْجِ تمنع الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل، وهي غريزة تكثر في الأشراف. انظر: \"المغرب في ترتيب المعرب\" (باب الراء مع التاء الفوقانية) (ص: ١٨٢).\n(^٢) في (ف): \"لبعض\".\n(^٣) بنحوه رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٥٤) عن السدي.\nورواه بمعناه النَّسَائِيّ في \"السنن الكبرى\" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٦١٨) عن ابن عباس ﵄.\n(^٤) في هامش (ف): \"وهذا أولى مما ذكره القاضي من كون تبييض يده لذلك. منه\".","vol":"6","page":430},{"text":"ولعلَّ لذلك امتاز موسى ﵇ باللِّحية من بين أهل الجنَّة، على ما ورد في حديث جابر ﵁، وهو أنَّه ﵇ قال: \"أهل الجنة مُرْدٌ إلَّا موسى بن عمران، فإنَّ له لحيةً إلى سرَّته\" (^١).\nولَمَّا كانت تلك العقدة عارضةً لآفَة حادثةٍ كان المناسب لحالها التَّنكيرَ حيث لم تكن من جنس ما هو المعهود، وكأن قطع إضافتها عن (اللِّسان) المنبئةِ عن الاتِّصال الخَلْقي أيضًا كان لذلك.\nوقيل: إنَّما نُكِّرَتْ لأنَّه لم يطلب الفصاحة الكاملة، وإنَّما طلب حلَّ بعضها إرادةَ أنْ يُفهَمَ عنه فهمًا جيِّدًا؛ لأنَّ أمرَ التَّبليغ لا يتيَّسر إلَّا بذلك، ولهذا علَّل بقوله:\n\n<span id=\"aya-2376\"> </span>(٢٨) - ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾.\n﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ فإنَّ (^٢) التَّبليغ إنَّما يَحسن من البليغ (^٣).\nو﴿مِنْ لِسَانِي﴾ صفة للعقدة، كأنَّه قيل: عقدةً من عُقد لساني، أو صلةٌ لـ (احلل).\nواختلف في زوال العقدة بكمالها؛ فقيل: بقي بعضها؛ لقوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤]، وقيل: زالت؛ لقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦].\nوفي كلٍّ من الاحتجاجَيْنِ نظر:\nأمَّا في الأوَّل: فلأنَّ شهادة قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ عليه لا له؛ لأنَّ فيه دلالة على أن موسى ﵇ كان فصيحًا، غايته أن فصاحة أخيه كانت (^٤) أكثر،\n_________\n(^١) رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٧٢١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ٤٨)، وضعفاه.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"فإن أمر\".\n(^٣) في (م): \"التبليغ\".\n(^٤) \"كانت\" من (م) و(س).","vol":"6","page":431},{"text":"وبقيَّة اللُّكنة تنافي الفصاحة اللُّغويَّة المرادة هاهنا، بدلالة قوله: ﴿لِسَانًا﴾.\nوأمَّا في الثَّاني: فلِمَا مَرَّ أنَّه لم يطلب حلَّ عقدة لسانه مطلقًا، بل طلب حلَّ عقدةٍ تمنع الإفهام، فلا دلالة فيه (^١) في حصول مَسْؤولِه على زوال العقدة بكمالها، نعم قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] يدلُّ على الأوَّل، فتأمَّل (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2377\"> </span>(٢٩ - ٣٠) - ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾.\n﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾: ظهيرًا أعتمد عليه، مِن الوِزْرِ وهو (^٣): الثِّقل؛ لأنَّه يتحمَّل عن الملِك أوزاره ومؤنه، أو من الوَزَرِ: الملجأ؛ لأنَّ الملك يعتصِم برأيه ويلجأ إليه أموره.\nأو: مُعينًا، من المؤازرة وهي المعاونة.\nفـ ﴿وَزِيرًا﴾ مفعولٌ أوَّل لـ (اجعل)، والثَّاني: ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ (^٤)، أو ﴿لِي وَزِيرًا﴾ مفعولاه، وقوله: ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿وَزِيرًا﴾، لا عطفُ بيان؛ لأنَّه لا يخالف متبوعه في التَّعريف والتَّنكير (^٥).\n_________\n(^١) \"فيه\" من (م).\n(^٢) \"فتأمل\" من (م) و(س).\n(^٣) \"وهو\" من (م).\n(^٤) واعترض بأن شرط المفعولين في باب النواسخ صحة انعقاد الجملة الاسمية منهما، ولو ابتدأت بـ ﴿وَزِيرًا﴾ وأخبرت عنه بـ ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ لم يصح؛ إذ لا مسوغ للابتداء به. وأجيب عن هذا الاعتراض بما استبعده الآلوسي، فانظره في \"روح المعاني\" (١٦/ ٢٩٠).\n(^٥) في هامش (س) و(ف) و(م): \"نصَّ عليه في مغني اللبيب، وقال: وأما قول الزمخشري: إن ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف على ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فسهو. منه\".","vol":"6","page":432},{"text":"<span id=\"aya-2378\"> </span>وقوله: ﴿أَخِي﴾ عطف بيان، لا بدل (^١)؛ لأنَّ إبدال الشَّيء من (^٢) أقلَّ منه فاسد لا يُتصوَّر، نصَّ عليه الشَّيخ في \"دلائل الإعجاز\" (^٣).\nأو ﴿وَزِيرًا﴾ و﴿هَارُونَ﴾ مفعولاه، وقدِّم ثانيهما على أولهما عنايةً بأمر الوزارة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2379\"> </span>(٣١) - ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾.\n﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾: قوِّ به ظهري.\nوالشَّدُّ: جمع يَستَمْسِك (^٤) به المجموع، ومثله: الرَّبط والعَقْد.\nوالأَزْرُ: الظَّهر، يُقال: آزرني فلان على أمري؛ أي: كان لي ظهرًا، ومنه: المِئْزَرُ؛ لأنَّه يُشَدُّ على الظَّهر، وكذا الإزارُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2380\"> </span>(٣٢) - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.\n﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ الإشراك: الجمع بين الشَّيئين أو أكثر في معنًى على أنَّه لهم بجَعْلِ جاعلٍ. وقد أشرك الله تعالى بين موسى وهارون ﵉ في النُّبوَّة، وقوَّى به أزره كما دعا.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"كما ذكره\". والذي ذكره هو الزمخشري والبيضاوي، لكن الزمخشري أتبعه بقوله: وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن.\n(^٢) في (م): \"في\".\n(^٣) انظر: \"دلائل الإعجاز\" للجرجاني (ص: ١٤٧).\n(^٤) في (م): \"يتمسك\".","vol":"6","page":433},{"text":"وقُرِئا على لفظ الخبر جوابًا للأمر (^١)، ولمن قرأ بهما على لفظ الأمر للدعاء أن يقف على ﴿هَارُونَ﴾، ويجعل ﴿أَخِي﴾ مرفوعًا على الابتداء والجملة خبر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2381\"></span><span id=\"aya-2382\"> </span>(٣٣ - ٣٤) - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.\n﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ فإنَّ التَّعاون يهيِّج الرَّغبات، ويؤدِّي إلى تكاثر الخير وتزايده، قدَّم التَّسبيح وهو تنزيه الله تعالى عمَّا لا يجوز وصفه به، على الذِّكْرِ وهو ثناؤه تعالى بما يليق به؛ لأنَّ التَّخلية قبل التَّحلية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2383\"> </span>(٣٥) - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾.\n﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾: عالمًا بأحوالنا؛ وأنَّ (^٢) التَّعاون ممَّا يصلحنا، وأنَّ هارون نِعْمَ العونُ لي فيما أمرتني به، والشَّادُّ لعضدي بأنَّه أكبر منِّي سنًّا وأفصح لسانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2384\"> </span>(٣٦) - ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.\n﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ السُّؤلُ: المطلوبُ، فُعْلٌ بمعنى المفعول، كالخُبْزِ والأكْلِ؛ أي: أُعْطِيْتَ ما سألتَه، وذلك من المِنَّةِ عليه.\nثمَّ ذكَّرَهَ بتقديم مِنَنِهِ (^٣) عليه؛ ليعظُم اجتهاده وتَقْوَى بصيرته، بقوله:\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥١).\n(^٢) في (ف): \"بأحوالنا لأنَّ\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"ثمَّ ذكر تقديم منِّه\"، وفي (س): \"ثم ذكره تقديم منِّه\".","vol":"6","page":434},{"text":"<span id=\"aya-2385\"> </span>(٣٧) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾.\n﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ المِنَّة: نعمة تُقْطَعُ لصاحبها عن غيره باختصاصها به، يقال: منَّ عليه: إذا أنعم عليه (^١) نعمةً يُقْطعه إيَّاها، وأصله: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨].\nوالمرَّةُ: الكَرَّة الواحدة، من المَرِّ.\nو﴿أُخْرَى﴾: تأنيثُ آخر، بمعنى غير؛ أي: مِنَّةً غيرَ هذه المِنَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2386\"> </span>(٣٨) - ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾.\n﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال الجمهور: هو وحيُ إلهامٍ، وقيل: وحي إعلامٍ؛ إمَّا ببعثِ مَلَكٍ إليها لا على وجه النُّبوَّة، كما بحث إلى مريم، أو بإراءة ذلك في المنام، أو على لسان نبيٍّ في وقتها، كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١].\n﴿مَا يُوحَى﴾: ما لا سبيل إلى العلم به إلَّا بالوحي، أو: ما ينبغي أن يُوْحَى لا محالة ولا يُخَلَّ به؛ لعظم شأنه وفرط الاعتناء به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2387\"> </span>(٣٩) - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.\n﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾: بأنِ اقذفيه، أو: أيِ اقذفيه؛ لأنَّ الوحي بمعنى القول.\n_________\n(^١) \"عليه\" زيادة من (م).","vol":"6","page":435},{"text":"والقَذْفُ: هو الرمي البعيد المستلزِم لصلابة المَرْميِّ، واستُعير هنا لمعنى الإلقاء.\n﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ اليمُّ: اسمٌ للبحر العَذْب، والمرادُ منه هاهنا (^١): النِّيلُ.\n﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ساحلُ البحرِ: شاطئه، سُمِّيَ بذلك لأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ؛ أي: يَقشره، فهو فاعل بمعنى: ذو كذا، ولَمَّا وجب وقوع ما تعلَّقَتْ به إرادته تعالى، وهو إلقاء البحر إيَّاه بالسَّاحل، ذكر بلفظ الأمر تشبيهًا للبحر بالمأمور المميِّز المطيع الممتثِل لِمَا وردَ عليه من أمرِ (^٢) آمرٍ مُطاعٍ، على طريق (^٣) الاستعارة بالكناية.\nوأخرج (^٤) الجواب بقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ مخرجَ جوابُ الأمر مجزومًا.\nوكرّر ﴿وَعَدُوٌّ﴾ للمبالغة، أو لأنَّ الأوَّل باعتبار الواقع، والثَّاني باعتبار المتوقَّع، والأحسن نظمًا أن ترجع الضمائر كلُّها إلى موسى ﵇ (^٥)، لا لِمَا قيل: إنَّ في رجوع البعض إلى التَّابوت تنافرُ النَّظم الذي ينافي الإعجاز؛ لأنَّه ممنوع، كيف ولو كان فيه ما يخلُّ بحسن النَّظم لَمَا وقع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]؟! ثمَّ إنَّ موجَبَ ذلك عدمُ الحُسْنِ - بل عدمُ الصِّحةِ -\n_________\n(^١) في (م) و(س): \"هنا\".\n(^٢) \"أمر\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٣) في (م): \"طريقة\".\n(^٤) في (ف): \"وإخراج\".\n(^٥) في هامش (ف) و(س): \"فإن الأول والثاني والرابع من الضمائر المذكورة راجع إلى الإيصاء الواقع، والثالث منهما راجع إلى التبديل أو إلى الإيصاء المبدل باعتبار وضعه. منه\".","vol":"6","page":436},{"text":"لا عدمُ الأحسنيَّة (^١) = بل لأنَّ المُحَدَّث عنه موسى ﵇، لا التَّابوت، وإنَّما ذُكِرَ التَّابوتُ على سبيل الوعاء (^٢) والفضلة، فالمُلْقَى والمَأْخُوذ هو موسى ﵇ في التَّابوت، فلا حاجة إلى نشر الضَّمائر.\nوالظَّاهر: أنَّ البحر ألقاه بالسَّاحل فالتقطه منه آل فرعون، روي أنَّه فُتِحَ التَّابوت فإذا صبيٌّ أصبحُ النَّاس وجهًا، فأحبَّه عدوُّ الله حبًّا شديدًا، كما قال:\n﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ ﴿مِنِّي﴾ صفة لـ ﴿مَحَبَّةً﴾؛ أي: محبَّةً كائنةً منِّي قد زرعتُها في القلوب، فلذلك (^٣) أحبَّك فرعون. أو متعلق بـ ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾ أي: أحببتُكَ ومَن أحبَّه اللّهُ أحبَّته القلوب، وعلى هذا يراد المعنى المذكور أوَّلًا بطريق الكناية، أو بطريق الإشارة.\nوتنكير ﴿مَحَبَّةً﴾ للتَّعظيم أو الإبهام والتعيين.\n﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ عطف على علَّةٍ مقدَّرة، مثل: ليُتعطَّفَ عليك، ونحوِه، أو علَّةٌ لمحذوف معطوفٍ على الجملة السابقة، أي: ولتُصنع فعلْتُ ذلك.\nقال الخليل: يُقال: صنعْتُ الفرسَ، وهو فرسٌ صَنِيْعٌ، وهو الذي أَحسن أهلُه القيام عليه (^٤)، وسيفٌ صَنِيْعٌ: الذي قد أُحْسِنَ صَقْلُهُ.\n﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منِّي؛ أي: لِتُرَبَّى كما أريد، ومجازُه: أنَّ مَن صنعَ للإنسان شيئًا وهو ينظر إليه (^٥) صَنَعَهُ له كما يحبُّه، ولا يتهيَّأ له خلافه.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف): \"كما توهمه القاضي ﵀. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الدعاء\".\n(^٣) في (ف): \"فذلك\"، وفي (م): \"ولذلك\".\n(^٤) انظر: \"العين\" (باب العين والصاد والنون) (١/ ٣٠٥).\n(^٥) \"إليه\" سقط من (ك)، وفي (ف): \"إلى\".","vol":"6","page":437},{"text":"وقيل: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾؛ أي: على حفظي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2388\"> </span>(٤٠) - ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾.\n﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظرفٌ لـ (أَلقيتُ)، أو (تُصنع)، أو بدل من ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا﴾ على أنَّ ﴿إِذْ﴾ عبارةٌ عن الوقت المتَّسع.\n﴿فَتَقُولُ﴾ للَّذين يطلبون مرضعةً يَقبلُ ثديها، وكان لا يَقبل ثديَ امرأة على ما ذُكِرَ في سورة القصص، فالفاء فصيحة؛ لترتيب المذكور على المقدَّر.\n﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾: على مَن يضمُّه إلى نفسه فيربِّيه، وأرادت بذلك: المرضعةَ، وإنَّما ذُكِّرَ للَفظ ﴿مَنْ﴾.\n﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾: فرددناك ﴿إِلَى أُمِّكَ﴾ وفاءً بقولنا: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧]، ويأتي التفصيل في سورة القصص، وهذه الفاء أيضًا فصيحة.\n﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ برؤيتك، وقد مرَّ تفسير (تقر) في سورة مريم.\n﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ على فراقك (^١).\nقيل: أو أنت على فراقها. ولا يتحمَّله مساق الكلام في سورة القصص (^٢)، ويأباه قوله: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣].\n_________\n(^١) في (م): \"فرقتك\".\n(^٢) في هامش (ف) و(س): \"لأن الخطاب ثمة معها لا معه. منه\".","vol":"6","page":438},{"text":"﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾: هي نفس القِبْطيِّ الذي استغاثه عليه السِّبْطيُّ.\n﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ الذي نالَكَ بسبب قتْلِه خوفًا من عقاب الله تعالى واقتصاصِ فرعون، بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مَدْيَن.\n﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ مصدر على فُعول في المتعدِّي، كالثُّبور والشُّكور والكُفور، أو جمع فَتْنٍ أو فِتْنَةٍ على ترك الاعتداد بتاء التَّأنيث، كحُجُوز (^١) وبُدُور في جمع حُجْزَة وبَدْرَة (^٢).\nوالفتنةُ: المحنةُ، وكلُّ ما يَبتلي اللهُ به عباده من نعمة أو من (^٣) نقمة فهو فتنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]، وأكثر استعمالها في العُرف فيما يَشُقُّ على الإنسان؛ أي: اختبرناك بضروب من الاختبار.\nسأل سعيدُ بن جبيرٍ ابنَ عبَّاس ﵄، فقال: خلَّصناكَ مِن محنةٍ بعدَ محنةٍ، وُلدَ في عامٍ كان يُقتَلُ فيه الولدان، فهذه فتنةٌ يا ابن جبير، وألقته أمُّه في البحر، وهمَّ فرعون بقتله، وقتل قِبطيًّا، وأجَّر نفسَه عشرَ سنين، وضلَّ الطَّريق، وتفرَّقَتْ غنمُه في ليلةٍ مظلمة، وكان يقول عند كلِّ واحدة: فهذه فتنة يا ابن جبير (^٤).\n_________\n(^١) في (ك) و(ف): \"حجور\".\n(^٢) حجزة الإزار: مَعْقِدُه. والبَدْرَة: كيسٌ فيه ألفٌ أو عشرة آلاف درهم. انظر: \"تاج العروس\" (مادة: حجز)، و(مادة: بدر).\n(^٣) \"من\": ليست في (م).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٦٤)، ورواه بمعناه مطوَّلًا النَّسَائِيّ في \"السنن الكبرى\" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٦١٨) عن ابن عباس ﵄.","vol":"6","page":439},{"text":"والمعنى: إنَّا عاملناك معاملة المختبِر حتى خلصت للاصطفاء (^١) بالرِّسالة، فكلُّ هذا من أكبر نعمه.\n﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهي مدينة شعيب ﵇.\nوعن وهب: أنَّه لبثَ عندَه ثمانيًا وعشرين سنة، عشرٌ منها مهرُ ابنته، وأقام عنده ثماني عشرة سنةً بعدها حتى ولد له أولاد (^٢).\nوالفاء لتفصيل بعض (^٣) ما أُجمل من أنواع الفتنة.\n﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ قدَّرتُه وعيَّنته (^٤)، وهو ما سبق في قضائي أن أكلِّمَكَ وأستنبئك في وقتٍ قد وقَّتُّه لذلك، فما جئْتَ إلَّا على ذلك القَدَر، غيرَ متقدِّم ولا متأخِّر (^٥).\nوقيل: هو الوقت الذي يوحَى فيه إلى الأنبياء ﵈، وهو رأس أربعين سنة، قال الشَّاعر:\nنالَ الخلافةَ إذْ كانَتْ لَهُ قَدَرا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ (^٦)\n﴿يَامُوسَى﴾ (^٧) عقيب ما هو غاية الحكاية؛ للتَّنبيه على أنه المقصود.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"خلصته لاصطفاء\".\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٦١).\n(^٣) \"بعض\" من (م) و(س).\n(^٤) في (ف): \"قدره وعينه\".\n(^٥) في (م) و(س): \"مستقدم ولا مستأخر\"، وفي (ف): \"مقدم ولا متأخر\".\n(^٦) البيت لجرير. انظر: \"ديوانه\" (١/ ٤١٦).\n(^٧) في (ف) و(ك): \"تقرير\".","vol":"6","page":440},{"text":"<span id=\"aya-2389\"> </span>(٤١) - ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾.\n﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اصطفيتك لمحبَّتي وخَصَصْتُكَ بي، مثَّل حاله فيما خوَّله من الكرامة بمَن قرَّبه الملك واستخلَصه لنفسه لمحاسنَ فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2390\"> </span>(٤٢) - ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾.\n﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ أمرَ أوَّلًا موسى ﵇ وحده بالذَّهاب، فلمَّا (^١) سأل أن يُشرك هارونُ ﵇ في أمره أمَرهما معًا، إجابةً لدعوته على حسَب وَعْده.\nوضمَّن كلامه التَّنبيه على أصالته حيث غلَّبه (^٢) على هارون في الخطاب، ولم يقل: (اذهبا).\nو(أخوك) معطوف (^٣) على الضَّمير المستكنِّ (^٤) في ﴿اذْهَبْ﴾، المؤكَّد بـ ﴿أَنْتَ﴾.\nقيل: أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقاه، وقيل: سمع بمُقْبَله (^٥) فاستقبله.\n﴿بِآيَاتِي﴾: بمعجزاتي.\n﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: ولا تفتُرا، ولا (^٦) تقصِّرا. والوَنْيُ: الفتور.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"ذهب\" ولا يحتملها السياق.\n(^٢) في (ك) و(م): \"غلب\".\n(^٣) في (ف): \"معطوفًا\".\n(^٤) في (م): \"ضمير مستكن\".\n(^٥) بضم الميم وفتح الباء مصدر ميمي بمعنى الإقبال، أو اسم مكان.\n(^٦) \"لا\": ليست في (م).","vol":"6","page":441},{"text":"﴿فِي ذِكْرِي﴾ أي: لا تنسياني حيث ما تقلَّبْتُما (^١)، أو في تبليغ الرِّسالة؛ فإنَّ الذِّكْرَ يطلق على كلِّ عبادة، والتَّبليغُ من أجَل العبادات، أو: في تبليغ ذِكْري والدَّعوة إليَّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2391\"> </span>(٤٣) - ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.\n﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ بالتكرير (^٢)؛ إظهارًا للاعتناء بدعوة اللَّعين إليه، وفيه إبهام وتوضيح، ونبَّه على سبب الذَّهاب إليه بالرِّسالة من عنده بقوله:\n﴿إِنَّهُ طَغَى﴾، أي: تجاوز الحدَّ في الفساد، ودعواه الرُّبوبيَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2392\"> </span>(٤٤) - ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾.\n﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ نحو قوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨ - ١٩]؛ لأنَّه دعوةٌ في صورة العَرْض والمشورة والاستفهام، حذَرًا أن يحمله التَّجبُّر على أن يسطوَ عليكما، أو احترامًا له لحقِّ التَّربية.\nوقيل: ﴿لَيِّنًا﴾ (^٣) كنِّياه، أو لقِّباه، لا بدَّ من هذه الزِّيادة كيلا يردَّه قوله: ﴿وَقَالَ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"انقلبتما\".\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"من قال: أمر به أوَّلًا موسى ﵇ وحده، وهنا إياه وأخاه، فلا تكرير، فكأنه غفل عن قوله: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾، أو أخطأ موضع قوله هذا، فإنَّ حقَّه أن يذكر عند قوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾. منه\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"لينا\".","vol":"6","page":442},{"text":"مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤]، فإنَّه لو كان مأمورًا بالتَكنية خاصَّةً لَمَا خالفه (^١) بالتَّلقيب.\n﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ متعلِّق بـ ﴿اذْهَبَا﴾، أو ﴿قَوْلًا﴾؛ أي: على أرجى (^٢) الوجوه للاتِّعاظ والخشية.\nوقوله: (لعل) ليس لخفاء حاله عليه تعالى، لكن أمر لهما بالدُّعاءِ على الرَّجاء، فإنَّه إذا كان الدَّاعي راجيًا فهو أحرص على الدُّعاء، وذلك أبلغ في إلزام الحجَّة.\nوقيل (^٣): يتذكر المتحقِّق (^٤) ويخشى المتوهِّم؛ أي: يتذكَّر إن تحقَّق صدقَكما فيذعن للحقَّ، وإنْ لم يتحقَّق توهَّم أنْ يكون الأمر كما تصفانه.\nوالأحسنُ أنْ يُقال: يتذكَّر المبدأ أو يخشى المعاد؛ أي: يتذكر حالة نشأته صغيرًا عاجزًا عن تدبير نفسه، وأنَّه حدث بعد أن لم يكن موجودًا، فيرجع عن دعوى القدرة والرُّبوبيَّة، أو يخشى عقابَ اللهِ تعالى في دعواه ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2393\"> </span>(٤٥) - ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾.\n﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ فرط: سبق وتقدَّم، ومنه الفارِطُ الذي يتقدَّم الوارِدَ، وفرسٌ فُرُطٌ: تسبقُ الخيل.\n_________\n(^١) في (م): \"خالف\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أوجه\".\n(^٣) في (م): \"قيل\".\n(^٤) في (ك): \"المحقق\".","vol":"6","page":443},{"text":"وقرئ: (يُفْرَطَ)، من أفْرَطه: إذا حمله على العَجَلَةِ، و(يُفْرِطَ) من الإفراط (^١)؛ أي: نخاف أن يعجل علينا بما يحول بيننا وبين إتمام الدَّعوة وإظهار المعجزة، أو أن يحمله حامل من استكباره وجبروته أو خوفه على الملك، أو شيطان جنَي أو إنسيٌّ من قومه القِبط المتمرِّدين، على المعاجلة بما ذكر، أو أن يفرط فيه.\nوإنَّما قلنا: (بما يحول)، ولم نقل: (بالعقوبة) كما قيل؛ لأنَّه مردود بقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ [القصص: ٣٥]، فإنَّه مذكور قبل قولهما (^٢) هذا، بدلالة قوله: ﴿سَنَشُدُّ﴾، وقد دلَّ على أنهما محفوظان من عقوبته.\n﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ أي: يتجاوزَ الحدَّ بالتَّخطِّي إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي؛ لعتوِّه وجراءته عليك وقساوة قلبه، وفي إطلاق الطُّغيان مع تقييد قسيمه بقوله: ﴿عَلَيْنَا﴾ بطريق الرَّمز من حُسن الأدب والتَّحاشي عن التَّفوُّه بالعظيمة ما لا يخفى، وإنَّما أخَّره لأنَّ مَن أُمرَ بشيء فحاول دفعَه لأعذار فلا بُدَّ وأن يختم كلامه بما هو الأقوى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2394\"> </span>(٤٦) - ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾.\n﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ المعيَّة هنا (^٣) بالنُّصرة والمعونة.\n_________\n(^١) انظر القراءتين في: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، ونسب الأولى ليحيى وأبو نوفل وابن مسعود، والثانية لابن محيصن.\n(^٢) في (م): \"قوله\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"هاهنا\".","vol":"6","page":444},{"text":"﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ما يجري بينكما وبينه من قولٍ أو فعلٍ، فأجازيه وأكفيكما شرَّه.\nوالأفصح أنْ لا يُقدَّر مفعولا قوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فيكون مبالغةً في الحفظ (^١)، أي: إنَّني حافظٌ ناصرٌ سميعٌ بصيرٌ، وإذا كان الحافظ قادرًا سميعًا بصيرًا تمَّ الحفظ، وحقَّتِ النُّصرة، وثبَتَ الدَّفْعُ عن المحفوظ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2395\"> </span>(٤٧) - ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾.\n﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ خاطَبا (^٢) بقولهما: ﴿رَبِّكَ﴾؛ إعلامًا له أنَّه مربوبٌ مملوكٌ إذ كان (^٣) يدَّعي الرُّبوبية والمالكية.\n﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم عن الاستعباد، كما يقال: أرسلْتُ (^٤) الصَّيد، ولا تمنعهم عن اتِّباعنا.\n﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بتكليف المشاقِّ.\nكانت بنو إسرائيل تحت مِلْكة (^٥) فرعون، والقِبْطُ يعذِّبونهم بتكليف الأعمال الصَّعبة، وتعقيبُ دعوى الرِّسالة بإطلاق بني إسرائيل لِمَا فيه من إزالة المانع عن\n_________\n(^١) \"مفعولا قوله: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فيكون مبالغة في الحفظ\" سقط من (س).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(س): \"خاطبا\".\n(^٣) في (ك) و(م) زيادة: \"هو\".\n(^٤) في (ف): \"أرسل\".\n(^٥) في (ك): \"ملك\".","vol":"6","page":445},{"text":"دعوتهم واتِّباعهم، وهي أعمُّ (^١) من دعوة القبط، فلا دلالة فيه على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان، على أنَّ الظَّاهر ممَّا تقدَّم في سورة يونس ﵇ أنَّه ما آمن بموسى (^٢) ﵇ في مبدأ أمره إلَّا أولادٌ من قومه.\n﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ جملة مبيِّنة (^٣) لقوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؛ لأنَّ الرِّسالة لا تثبت إلَّا بالمجيء بالمعجزة.\nوإنَّما وحَّد الآية ومعه آيتان لأنَّ المراد إثبات الدَّعوى بالبيِّنة، لا بيان تعدُّد الحجَّة ووحدتها، فكأنَّه قال: قد جئناك بحجَّة وبرهان على ما ادَّعينا من الرِّسالة، كقوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٥].\n﴿وَالسَّلَامُ﴾ أي: سلامُ الملائكة الذين هم خزنة الجنَّة، والأفصح أن يكون السلام بمعنى الجنس؛ أي: جنس السَّلام وما يَستأهل أنْ يُسمَّى سلامًا، أو: السَّلامة من العذاب (^٤).\n﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: على المهتدين، والذي يقابله هو (^٥) توبيخ خزنة النَّار، أو: والخزي (^٦) والعذاب على الضَّالين المكذِّبين.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أهم\".\n(^٢) في (م): \"لموسى\".\n(^٣) في (ك): \"مبنية\".\n(^٤) في (م): \"والسلامة من العذاب\"، وفي (ك): \"أو السلامة\"، وفي (ف): \"والسلامة\"، والمثبت من (س).\n(^٥) في (س) و(ك) و(م): \"وهو\".\n(^٦) في (س) و(ك) و(م): \"الخزي\".","vol":"6","page":446},{"text":"<span id=\"aya-2396\"> </span>(٤٨) - ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.\n﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ و﴿أُوحِيَ﴾ مبنيٌّ للمفعول، والمفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله مصدرٌ ينسبك من (أنَّ) وما بعدها، تقديره: أوحي إلينا كينونةُ العذاب على مَن كذَّب وتولَّى.\nوتغيير النَّظم باستئناف الكلام، والتَّوكيدِ، والتَّصريحِ بالوعيد؛ لأنَّ التَّهديد في مبدأ الدَّعوة أهمُّ وأنجع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2397\"> </span>(٤٩) - ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾.\n﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ في الكلام حذفٌ وإيجازٌ يُشْعِر بأنَّهما من فَرْط طاعتهما ومُسارَعتِهما إلى الامتثال لا ينفكُّ فعلهما عن الأمر، كاللَّازم البيِّن، فلا حاجة إلى ذكره، وهو: فأتَياه وقالا ما أُمِرا به.\nثمَّ إنَّ الفاء فصيحةٌ تفصِح عن محذوفٍ بعد ﴿قَالَ﴾، تقديره: سمعْتُ قولَكما فمَن ربُّكما؟\n﴿يَامُوسَى﴾ إنَّما خاطب الاثنين وخصَّ موسى ﵇ بالنِّداء لأنَّه الأصل في الرِّسالة والدَّعوة، وهارونُ وزيرُه وتابعُه، أو لِمَا عُرِفَ مِنْ رُتَّةِ موسى ﵇ وفصاحة هارون ﵇، فأرادَ أنْ يفحِمَه، فاستدعى كلامَه دونَ كلامِ هارون لمكرِه ودهائِه، ويُشعر بذلك قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، فأجابَ بأشفى جوابٍ وأبلغِه، وأَخْصَرِه (^١) لفظًا، وأَجْمَعِه معنًى، حيث (^٢):\n_________\n(^١) في (س): \"أحصره\"، وفي (ف) و(م): \"أحضره\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"قال\".","vol":"6","page":447},{"text":"<span id=\"aya-2398\"> </span>(٥٠) - ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.\n﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: أعطى كلَّ شيءٍ من الأنواع والأعضاء صورتَه وشكله الذي يوافق ما وُجِّهَ إليه من المنفعة، كشكل الإنسان والفرَس والعين والأُذن، أو: أعطى خلقه (^١) كلَّ شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، فقدَّم ثاني المفعولَيْن لأنَّه (^٢) المقصودُ بيانُه.\nوقيل: أعطى كلَّ حيوان (^٣) نظيرَه في الخَلْق والصُّورة زوجًا.\nوفيه نظر؛ لأن من الحيوان ما يكون بالتولُّد، فلا يكون له زوج نظيره في الخلق والصُّورة (^٤).\nوقرئ: (خَلَقَهُ) على الفعل الماضي (^٥)، صفة للمضاف إليه، أو المضافِ على شذوذٍ، والمفعول الثَّاني محذوف؛ أي: أعطى كلَّ شيء ما يصلحه، لم يُخْلِه من عطائه ممَّا يليق به.\n﴿ثُمَّ هَدَى﴾: ثم عرَّفه كيف يرتفق بما أُعطيَ، وكيف يتوصَّل به إلى كماله الصُّوري والمعنوي طبعًا واختيارًا.\nنعتَه بما معناه (^٦): الموجِدُ لكلِّ شيءٍ على وفق حكمته (^٧)، المفيضُ على الكلِّ\n_________\n(^١) في (م) و(س): \"خليقته\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"لأن\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"كل شيء\"، والمثبت من (س) و(م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٦٧).\n(^٤) من قوله: \"زوج نظيرُه في الخلق والصُّورة\" سقط من (م).\n(^٥) نسبت لأبي نهيك ونصير عن الكسائي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧).\n(^٦) في (م) زيادة: \"أنه\".\n(^٧) في (م): \"الحكمة\".","vol":"6","page":448},{"text":"كلَّ ما ينبغي له ويليق به من الأسباب والآلات، الهادي له إلى مصالحه واستعمالِ آلاته في تحصيل كمالاته، فهو الخالق القادر الحكيم المنعِم على الإطلاق، الغنيُّ بالذَّات، وجميع ما عداه مخلوق مربوب منعَمٌ عليه مفتقرٌ، فلذلك بُهِتَ الذي كفر وأُفْحِمَ عن (^١) الاعتراض عليه، فصرف الكلام عنه وشرَع في سؤال آخر على سبيل الرَّوَغانِ عن الاعتراف بما قاله (^٢) موسى ﵇ وما أجابه به والحيرةِ والمغالطة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2399\"> </span>(٥١) - ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾.\n﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾: ما تقدَّم وخلا.\nوالفاء تدلُّ على أنَّ السُّؤالَ مبنيٌّ على قول موسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]، و﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ [طه: ٤٧].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2400\"> </span>(٥٢) - ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.\n﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ لَمَّا (^٣) سأله عن حال (^٤) الأمم الخالية والرِّمم البالية من الفريقَيْن بعد الموت أجابَ موسى ﵇ بأنَّه غيبٌ لا يعلمه إلَّا اللهُ، دلَّ على الحصر معنى الحفظ المستفاد من عبارة ﴿عِنْدَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"من\".\n(^٢) في (ك): \"قال\".\n(^٣) \"لما\": ليست في (م).\n(^٤) \"حال\" سقط من (ف).","vol":"6","page":449},{"text":"﴿فِي كِتَابٍ﴾ مثبَتٌ في اللَّوح المحفوظ، ولَمَّا كان الإثبات في اللَّوح مظنّةَ الحاجة إلى الحفظ في الكِتْبةِ دفَعه بقوله:\n﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ ولقد نبَّه على هذا مَن قال: لا ينسى ما عَلِمَ فيذكِّرَه الكتَابُ، ولكن ليعْلَمَ الملائكةُ أنَّ معمولَ (^١) الخلْقِ موافق (^٢) معلومه.\nومَنْ لم يتنبَّه لهذا قال: ويجوز أن يكون تمثيلًا لاستحكام علمه وتمكُّنِه بما استحفظه العالم وقيَّده بالكتابة، ويؤيِّده: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.\n﴿لَا يَضِلُّ﴾ مِنْ ضَلِلْتَ الشَّيءَ: إذا أخطأتَه في مكانه فلم تهتدِ له.\nوقرئ: (يُضِلُّ) (^٣) من أضلَّه: إذا ضيَّعه، والعرب تقول لكلِّ ما ذهب على الإنسان ممَّا (^٤) ليس بحيوان: ضلَّه، بغير ألف، فأمَّا إذا كان منه فتقول: أضلَّه بالألف، والأصل في الأوَّل: ضَلَّ عنه.\n﴿وَلَا يَنْسَى﴾ مِنْ نسيتَه: إذا ذهبتَ عنه بحيث لا يخطرُ ببالك، وهمَّا مُحالان على العالم بالذَّات.\nقيل: ويجوز أن يكونَ سؤالُه دخلًا على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلِّها، وتخصيصِه أبعاضها (^٥) ............................................................\n_________\n(^١) في (ك): \"معلوم\".\n(^٢) في (م): \"يوافق\".\n(^٣) نسبت للحسن وجمع. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٣/ ٤١)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٧)، و\"زاد المسير\" (٥/ ٢٩٢).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"ما\".\n(^٥) في النسخ: \"وتخصيصه كلها\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\"، والكلام منه، وقوله: \"وتخصيصه\" معطوف على: \"الأشياء\". انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٠٧).","vol":"6","page":450},{"text":"بالصُّور والخواصِّ المختلفة، بأنَّ (^١) ذلك يستدعي علمه بتفاصيلها وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرة عددِهم وتمادي مددِهم وتباعُد أطرافِهم، كيف أحاط علمُه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! فيكون معنى (^٢) الجواب: أنَّ علمَه تعالى محيطٌ بذلك كلِّه، وأنَّه مثبَتٌ عندَه لا يضلُّ ولا ينسى.\nوَيرِدُ عليه: أنَّه يأباه تخصيصُ القرون الأولى مِن بينِ الكائنات، فإنَّه لو أخذها بجملتها لكان أظهرَ وأقوى في تمشية (^٣) ما أراده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2401\"> </span>(٥٣) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾.\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ مرفوعٌ صفةٌ لـ ﴿رَبِّي﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو منصوبٌ على المدح، وهو أفصح.\n﴿مَهْدًا﴾؛ أي: كالمهد، وهو ما يُمهَد للصَّبي، مصدر سُمِّيَ به؛ أي: مَهَدها لكم، أو: مهدًا تتمهدونها.\nوقرئ: ﴿مِهَادًا﴾ (^٤)، وهو اسم ما يُمْهَد، كالفراش لِمَا يُفْرَش، أو جمع مَهْدٍ.\n﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ (سلكَ): من السَّلكِ بمعنى الإدخال؛ أي: جعل (^٥) لكم\n_________\n(^١) متعلق ب \"دخلًا\". انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٠٧).\n(^٢) في (م) ت \"مع\".\n(^٣) في (م): \"مشيئة\".\n(^٤) قرأ الكوفيون: ﴿مَهْدًا﴾، وباقي السبعة: ﴿مِهَادًا﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥١).\n(^٥) في (ك) و(س): \"حصل\".","vol":"6","page":451},{"text":"سُبُلًا بينَ الجبال والأودية والبراري تسلكونها لحوائجكم وتقلُّبكم في البلاد لتبلغوا منافعها.\nوإنَّما أعيد ﴿لَكُمْ﴾ لأنَّ معناه فيما تقدَّم: لانتفاعكم، وهنا: لأَجْلكم؛ فإن غير الإنسان لا يشاركه في الانتفاع بالطُّرق بخلاف الانتفاع بتمهيد (^١) الأرض، إلَّا أنَّ المقصود الأصلي (^٢) انتفاع الإنسان، فلذلك خُصَّ بالذِّكر.\n﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: مطرًا ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ إنزاله تعالى وإخراجه عبارتان (^٣) عن إرادته (^٤) النُّزول والخروج؛ لاستحالة مزاولة العمل في شأنه، فالفاء للتَّعقيب (^٥)؛ فإنَّ ثانية الإرادتين لا تتراخى عن الأولى، وإنْ تراخى ثاني المرادَيْن عن الأوَّل (^٦)، فتأمَّل.\nوالعدول عن لفظ الغيبة إلى صيغة التَكلُّم على الحكاية لكلام الله تعالى؛ للتَّنبيه على أنَّه مُطَاعٌ تنقادُ الأشياءُ لأمره وتذعِنُ لمشيئته وحُكْمِه، لا يمتنع عليه شيء، ومبنى التَكلُّم على الحكاية على ظهور اختصاص القدرة على ذلك بالله تعالى.\n_________\n(^١) في (س) و(ف) و(ك): \"بتمهد\".\n(^٢) في (م): \"الأصل\".\n(^٣) في (م): \"عبارة\".\n(^٤) في (م): \"إرادة\".\n(^٥) في هامش (س) و(م): \"إنما قلنا: إنها للتعقيب؛ لأن معنى سببية الإنزال للإخراج قد علم من الباء في قوله: ﴿بِهِ﴾، وقد سبق وجه آخر لهذا التعقيب في سورة النحل. منه\".\n(^٦) في هامش (ف): \"أمر بالتأمل في وجه صحة تخلف المراد عن الإرادة مع عدم لزوم العجز، فإنَّه لا يخلو عن نوع خفاء. منه\".","vol":"6","page":452},{"text":"﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا، سُمِّيَتْ بذلك لازدواجها واقتران بعضِها ببعضٍ.\n﴿مِنْ نَبَاتٍ﴾ بيانٌ وصفةٌ لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، وكذلك:\n﴿شَتَّى﴾ صفةٌ للأزواج (^١)، ويجوز أن يكون صفةً للنَّبات؛ لأنَّه في الأصل مصدر، فاستوى فيه الواحد والجمع، يقال: شَتَّ الأمر شتًّا وشَتاتًا، وهو شَتِيْتٌ وشَتٌّ، وهم أشتاتٌ وشَتَّى، فأشتاتٌ جمع شَتٍّ، وشَتَّى جمع شَتِيْتٍ، ذكره المرزوقي (^٢)؛ أي: متفرِّقات في الصُّوَرِ والأعراض بالاختلاف في الطَّعم والشَّكل واللَّون والنَّفع، يصلح بعضها للنَّاس، وبعضها للبهائم، ولذلك قال:\n\n<span id=\"aya-2402\"> </span>(٥٤) - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.\n﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ ومن حكمته ونعمته على العباد أنَّ ما يَفضُل عن (^٣) أرزاقهم ولا يصلح لهم يكون علفًا لأنعامهم.\nوصيغة الأمر للإباحة، وهو حال من ضمير ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ على إرادة القول؛ أي: أخرجنا أصناف النَّبات قائلين: كلوا وارعوا، والمعنى: آذِنِين (^٤) في الانتفاع بها، بأنْ (^٥) يأكلوا بعضها ويعلفوا أنعامهم بعضها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في الذي (^٦) ذُكِرَ.\n_________\n(^١) في (م): \"لأزواج\".\n(^٢) انظر: \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (٣/ ١١١٦).\n(^٣) في (ك) و(م): \"من\".\n(^٤) في هامش (ف) و(س): \"عبارة القاضي: معديها … إلخ، ولا يخفى ما فيها من الركاكة. منه\".\n(^٥) في (ف) و(ك) زيادة: \"يكون\".\n(^٦) في (م): \"في الذكرى\".","vol":"6","page":453},{"text":"﴿لَآيَاتٍ﴾: لَدَلالاتٍ (^١) ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العقول، واحدها: نُهْيَةٌ، وهو العقل؛ لأنَّه ينهى عن المحظور، أو يُنتهى إليه في الأمور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2403\"> </span>(٥٥) - ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.\n﴿مِنْهَا﴾: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ فإنَّها أصل خلقة أوَّل آبائكم، أو: من الأغذية المتولِّدة من الأرض خلقناكم.\n﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ بالموت وتفتيت الأجزاء.\n﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ بالبعث وجمع الأجزاء على الصُّورة السَّابقة ﴿تَارَةً﴾: مرَّة ﴿أُخْرَى﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2404\"> </span>(٥٦) - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾: بصَّرناه ﴿آيَاتِنَا﴾، أو: عرفناه صحتها ﴿كُلَّهَا﴾ تأكيد لشمول الأفراد المعهودة المعلومة (^٢) من بعض الآيات النَّازلة سابقًا، والتَّعريف بالإضافة يجري مجرى التَّعريف بلام العهد.\nقيل: هي تسعُ الآيات (^٣) المختصَّةُ بموسى ﵇: العصا، واليد،\n_________\n(^١) في (م) و(س): \"دلالات\".\n(^٢) في (م): \"والمعلومة\".\n(^٣) في (م): \"تسع آيات\"، وفي (ف) و(ك): \"التسع الآيات\"، والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٦٩).","vol":"6","page":454},{"text":"وفلق البحر، والحجر، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل (^١).\nوَيرِدُ عليه: أن الحجر ونتق الجبل من الآيات التي جاء بها موسى ﵇ لبني إسرائيل بعد هلاك فرعون، ثم إنَّ فَلْقَ البحر ليس ممَّا كذَّبَ فرعونُ بعدَه.\n﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾: كذَّبها جميعها (^٢) لفَرْط عناده، وأبى الإيمان والطَّاعة لعتوّه، أو: أبى أن يقبل شيئًا منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2405\"> </span>(٥٧) - ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾.\n﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾: مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ تعلَّل من فَرْطِ الدَّهَشِ والحيرة بالسِّحر، وإلَّا فكيفَ يخفى عليه أنَّ ساحرًا لا يقدر على إخراج ذي سلطان مثلِه من أرضه؟\nوذَكر علَّة المجيء وهي إخراجهم، وألقاها في مسامع قومه؛ ليصيروا متعصِّبين له إذ الإخراج من الوطن مما يَشُقّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2406\"> </span>(٥٨) - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾.\n﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ جوابٌ لقسمٍ محذوف.\n﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾: مثلِ سحرِكَ، أورد ذلك على سبيل الشُّبهة الطَّاعنة في النُبوة؛\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"لم يقل: ورد الأرواح؛ لأنها ليست مما يخرج من الأرض. منه\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"جميعا\".","vol":"6","page":455},{"text":"فإنَّ المعجِزَ إنَّما يتميَّز عن السِّحر بكونه ممَّا تتعذَّر معارضته دون السِّحر، فادَّعى القدرة على إتيان مثله ووعد به.\n﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ هو مصدرٌ بمعنى الوعد؛ لأنَّ الإخلاف لا يلائم الزَّمان ولا (^١) المكان، ويؤيِّده قراءة الحسن بنصب (يومَ الزِّينة) (^٢)؛ أي: إنجازُ وعدكم يومَ الزِّينة.\n﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ بالرَّفع على الوصف للموعد، وبالجزم على جواب الأمر (^٣).\n﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ معطوف على الضَّمير المستكنِّ في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ المؤكَّد بـ ﴿نَحْنُ﴾.\nويجوز أن يكون الموعد اسمَ مكان، ويرجع الضَّمير في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ إلى ما تضمَّنه من معنى الوعد، وعلى التَّقديرَين إنَّما يطابق الجوابُ السَّؤالَ معنًى لا لفظًا؛ لأنَّه أخبر عن الموعد بيوم الزِّينة، فلا يطابق المكان والمصدر، لكن يوم الزِّينة لا بُدَّ فيه من مكان معيَّن مشهور بين النَّاس، يجتمعون فيه للتَّعييد (^٤)، وهو زمان مستلزمٌ للمكان المعلوم بذِكْرِه، والمعنى: وعدُكم وعدُ يوم الزِّينة.\n﴿مَكَانًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ دلَّ عليه ﴿مَوْعِدًا﴾ لا به، لا لأنَّه مصدرٌ موصوفٌ؛ لأنَّ في الظَّرف الاتِّساع، فيكفي في العمل فيه رائحة الفعل وإن كانت ضعيفةً (^٥)، بل\n_________\n(^١) \"لا\": ليست في (م).\n(^٢) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٥٣).\n(^٣) قرأ بالجزم أبو جعفر، وباقي السبعة بالرفع. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٢٠).\n(^٤) في (ك) و(س): \"للتعيد\"، وفي (ت): \"للتعبد\".\n(^٥) في هامش (ف) و(س): \"فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته ذكره ابن جني في الأمالي. منه \".","vol":"6","page":456},{"text":"لأنَّه يلزم حينئذ الفصل بينه وبين معموله بالوصف، وهو غير سائغٍ؛ لأنَّ المنصوب بالمصدر مِنْ تتمَّته، ولا يوصَفُ الشَّيءُ إلَّا بعدَ تمامه، هذا على قراءة الرَّفع، وأمَّا على قراءة الجزم فلا مانع عن النَّصب بـ (موعد).\nأو يجوز أن يكون بدلًا من ﴿مَوْعِدًا﴾ على تقدير مضاف إليه؛ أي: مكانَ موعدٍ مكانًا، وعلى هذا التقدير أيضًا تكون المطابقة معنًى.\n﴿سُوًى﴾: مَنْصفًا يستوي فيه المسافةُ إلينا وإليك، وهو في النَّعت كقولهم: قومٌ عِدًى، في الشُّذوذ، وقرئ بالضَّم (^١).\n\n<span id=\"aya-2407\"> </span>(٥٩) - ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾.\n﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ كان لهم في كلِّ عامٍ يومٌ كانوا يتزيَّنون فيه ويتَّخذون فيه سوقًا، وإنَّما وعدهم ذلك اليومَ ليكونَ ظهور الحقِّ وزهوقُ الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيعَ ذلك في الأقطار، فتتوفَّرَ الرَّغبات في دين الحقِّ، ويَكلَّ حدُّ الباطل.\n﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾؛ أي: يُجْمَع، قرئ على بناء الفاعل بالتَّاء على خطاب فرعون، والياء والضَّمير لليوم أو لفرعون (^٢)، والغيبة للعادة التي يخاطب بها الملوك، أو خاطب القومَ في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾، وجعل ﴿يُحْشَرَ﴾ لفرعون، ومحلُّه الرَّفعُ عطفًا على ﴿يَوْمُ﴾، أو الجرُّ عطفًا على ﴿الزِّينَةِ﴾.\n_________\n(^١) قرأ عاصم وابن عامر وحمزة: ﴿سُوًى﴾ بضم السين، وباقي السبعة بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص:١٥١).\n(^٢) أي قرئ: (تَحْشُرَ)، و(يَحْشُرَ)، نسبت القراءتان لأبي عمران النحوي وأبي نهيك والجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٨)، و\"الكشاف\" (٣/ ٧١).","vol":"6","page":457},{"text":"﴿ضُحًى﴾ أخَّر إلى ذلك الوقت ليكون أبعدَ عن الرِّيبة وأبينَ لكشف الحقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2408\"> </span>(٦٠) - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾.\n﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾: فأعرضَ عن موسى ﵇ على هذا الوعد.\n﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾: ما يُكاد به؛ يعني: السَّحرة وآلاتهم.\n﴿ثُمَّ أَتَى﴾ الموعدَ، أخبر عن إتيانه مصدَّرًا بأداة التَّراخي، وتركَ الإخبار عن إتيان موسى ﵇ إشعارًا بأنَّه لا حاجة في إتيانه ﵇ إلى الإخبار؛ لأَنَّه على قوَّةٍ وغَلَبة، إنَّما مظنَّة المساهلة والتَّراخي في جانب فرعون؛ لأنَّه على ضعفِ قلبٍ وفتورِ عزمٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2409\"> </span>(٦١) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾.\n﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ﴾: كلمةٌ تُقال لِمَنْ يستحقُّ الهَلَكَة.\n﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن تدَّعوا آياته سحرًا.\n﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ منصوب بإضمار (أنْ)، وهو جواب للنَّهي، قرئ بكسر الحاء وضمِّ الياء، وبفتحهما (^١).\n_________\n(^١) قرأ حفص وحمزة والكسائي بضم الياء وكسر الحاء، والباقون بفتحهما. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥١).","vol":"6","page":458},{"text":"والسَّحتُ لغة أهل الحجاز، والإسحاتُ لغة أهل نجد وبني تميم، يقال (^١): سَحَتهُ اللهُ وأسحته: إذا استأصله وأهلكه.\nوفيه دلالة على عظم الافتراء، وأنَّه يترتَّب عليه عذاب الاستئصال.\n﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ الخيبةُ: انقطاعُ الرَّجاءِ بالامتناع على الطَّالب ممَّا أمَّل، والافتراءُ اقتطاعُ الخبر الباطل بإدخاله في جملة الحقِّ، وأصله القَطْع، مِن فَرَاه يَفريه فَرْيًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2410\"> </span>(٦٢) - ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾.\n﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التَّنازعُ: محاولةُ كلِّ واحدٍ مِنَ المختلفَيْن نزعَ المعنى عن صاحبه (^٢).\n﴿أَمْرَهُمْ﴾ مفعول (تنازعوا) فتَعدَّى بمفعول واحد، ولو حُذفت التَّاء لتَعَدَّى إلى اثنين، تقولُ: نازعْتُ زيدًا الحديث؛ أي: اختلفوا فيما بينهم؛ أي: السَّحرة.\nوقيل: فرعون وقومه في أمر موسى ﵇ حين سمعوا كلامَه، فقال بعضُهم: ليس هذا من كلام السَّحرة.\n﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أي: تشاوروا في السِّرِّ خُفْيَةً من فرعون أن يتبيَّن فيهم ضعفًا، وقالوا: إنْ كان ساحرًا فسنغلبه، وإن كان من السَّماء فله أمرٌ.\n_________\n(^١) في (م): \"ويقال\".\n(^٢) في (م): \"نزع الشيء عن صاحبه\". ولعل الأحسن أن يقال: (نزع صاحبه عما هو عليه)، كما هي عبارة الواحدي والرازي. انظر: \"التفسير البسيط\" للواحدي (١٠/ ١٧٦)، و\"تفسير الرازي\" (١٥/ ٤٨٨).","vol":"6","page":459},{"text":"و﴿النَّجْوَى﴾ يكون مصدرً واسمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2411\"> </span>(٦٣) - ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾.\nثمَّ لفَّقوا هذا القول؛ أعني: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉، كأنَّهم تشاوروا في تلفيقه حذرًا من أن يَغْلِبا فيتَّبِعَهما النَّاسُ.\nو﴿هَذَانِ﴾ اسم ﴿إنَّ﴾، هذا (^١) لغة بلحارث بن كعب، فإنَّهم جعلوا الألف للتَّثنية، وأعربوا المثنَّى تقديرًا.\nوقيل: اسمها ضمير الشَّأن المحذوف، و﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خبرها.\nوقيل (^٢): ﴿إنَّ﴾ بمعنى: نعم، وما بعدها مبتدأ وخبر.\nويردُّهما أنَّ اللَّام لا تدخل خبر المبتدأ.\nوقيل: أصله: إنَّه (^٣) هذان لهما ساحران، فحذف الضَّمير. ويَرِدُ عليه أنَّ المؤكَّد باللَّام لا يليق به الحذف.\nوقرئ: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ (^٤) وهو ظاهر، ولكنَّه مخالف للإمام (^٥).\n_________\n(^١) في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٣١): \"على\" بدل \"هذا\".\n(^٢) في (ف): \"وقيل إن\".\n(^٣) في (م): \"إن\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٩٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٣١)، و\"تفسير أبي السعود\" (٦/ ٢٥).\n(^٤) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥١).\n(^٥) وفي هذه المخالفة نظر وبحث فهي قراءة متواترة، انظر بيان ذلك في \"البحر\" (١٥/ ٨٥)، و\"روح المعاني\" (١٦/ ٣٧٤).","vol":"6","page":460},{"text":"وقرئ: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ (^١) على أنَّها هي المخفَّفة واللَّام هي الفارقة، أو النَّافية واللَّام بمعنى إلَّا.\n﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بالاستيلاء عليها.\n﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ نسبوه إلى هارون أيضًا؛ لشركته في أمر الدَّعوة.\n﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه، وإعلاء دينه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦].\nوقيل: أرادوا: أهل طريقتكم المثلى، وهم بنو إسرائيل؛ فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم، فهو إشارة إلى ما قال موسى ﵇: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧].\nوقيل: الطَّريقةُ: اسمٌ لوجوه القوم الذين هم قدوة لغيرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2412\"> </span>(٦٤) - ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.\n﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة، من أَجْمَعَ.\n﴿كَيْدَكُمْ﴾ (^٢) فأَزْمِعوه (^٣) واجعلوه مُجْمَعًا عليه، لا يتخلَّف (^٤) عنه واحدٌ منكم، كالمسألة المجمَع عليها.\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير وحفص. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥١).\n(^٢) في (م): \"فأجمعوا كيدكم بقطع الهمزة من أجمع\".\n(^٣) في (م): \"فاعزموه\". والمعنى واحد، أزْمَعَ المسير: عزم عليه، ورجل زَميع: ماضي العزيمة. انظر: \"المغرب في ترتيب المعرب\" (مادة: زمع) (ص: ٢٠٩).\n(^٤) في (م): \"يختلف\".","vol":"6","page":461},{"text":"وقرئ: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بهمزة الوصل (^١)، من جمع، ويعضده قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾.\n﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: مصطفِّين؛ لأنَّه أَهْيَبُ في صدور الرَّائين، قيل: كانوا سبعين ألفًا مع كلٍّ (^٢) منهم حبلٌ وعصًا، وأقبلوا عليه إقبالةً واحدةً.\n﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ أي: ظفرَ وفازَ ببُغيته مَن طلَبَ العُلوَّ في أمره، وسعى سعيَه (^٣)، اعتراض للتَّحريض والتَّرغيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2413\"> </span>(٦٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾.\n﴿قَالُوا﴾ بعدما أتوا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قد سبق في سورة الأعراف تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2414\"> </span>(٦٦) - ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.\n﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ مقابلةُ أدبٍ بأدبٍ مع زيادةٍ، وهي الإسعافُ إلى ما مالوا إليه بالتَّعريض، وتغييرُ النَّظم إلى صيغة الأمر الموجِب غالبًا مع كلمة الإضراب ليستنفِدوا (^٤) وسعهم وطوقهم (^٥) ..................................................\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢).\n(^٢) في (م) زيادة: \"واحد\".\n(^٣) في هامش (ف) و(س): \"من قال: نال المطلوب من غلب، أخل بمعنى السين وقصر في حق التحريض. منه\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"ليستعدوا\".\n(^٥) \"وطوقهم\" سقط من (س).","vol":"6","page":462},{"text":"في إبراز مكائد السِّحر ووقائعه (^١)، فيُظهر الله تعالى قدرته وسلطانه، ويقذف بالحقِّ على الباطل فيدمغه، ويسلِّط المعجزة على السِّحر فيمحقه، فكانت آيةً بيِّنة للنَّاظرين، وعبرة مقنِعة للمعتبِرين.\n﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ (إذا) للمفاجأة، وهي لمجرَّد الظَّرفيَّة، ناصبُها فعل المفاجأة، ولا يقع بعدها إلَّا الجملة الاسميَّة، والمفاجأة تمثيل لسرعة التَّخييل، أي: ففاجأ موسى ﵇ وقتُ تخييل حبالهم وعصيهم السَّعيَ، أو تخييلُهم سعيَ حبالهم وعصيِّهم (^٢)، أو تخييلُ الله تعالى إيَّاه، أو تخييلُ السَّعي إليه، على اختلاف القراءات.\n﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ وقرئ: ﴿تُخَيَّلُ﴾ بالتَّاء (^٣)، على إسناده إلى ضمير الحبال والعصيِّ، وإبدال ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ منه بدل الاشتمال.\nوقرئ بها والبناء للفاعل (^٤)، وإيقاعه على ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ بمعنى: أنها مخيِّلة سعيَها.\nوبالياء على أن الفاعل هو الله تعالى للابتلاء والمحنة (^٥).\nو: (تَخيَّلُ) بفتح التَّاء (^٦)، بمعنى: تتخيل، وطريقُه طريقُ (تُخيَّلُ) (^٧).\n_________\n(^١) في (ف): \"ودقائقه\".\n(^٢) \"السَّعي أو تخييلهم سعي حبالهم وعصيهم\": ليست في (م).\n(^٣) وهي قراءة ابن ذكوان. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢).\n(^٤) نسبت للحسن وعيسى الثقفي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٨)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٥١)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٩١).\n(^٥) انظر: \"تفسير البيضاوى\" (٤/ ٣٢).\n(^٦) نسبت لأبي السمال. انظر: \"البحر المحيط\" (ص: ٩١)، و\"الكشاف\" (٣/ ٧٣).\n(^٧) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٧٣).","vol":"6","page":463},{"text":"﴿مِنْ سِحْرِهِمْ﴾: مِن أجلِ سحرِهم.\n﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ إنَّما قال: ﴿تَخَيَّلُ﴾ لأنَّها لم تكن تسعى حقيقة، وإنَّما تحركت (^١) لِمَا قيل: إنَّهم لطَّخوا الحبال بالزَّيبق وجعلوه في داخل العصيِّ، فلمَّا حميَتِ بالشَّمس طلب الزَّيبق الصُّعود فتحرَّكَتِ العصيُّ والحبال، فظنَّ أنَّها تسعى (^٢).\n\n* * *\n\n<span id=\"aya-2415\"> </span>(٦٧) - ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾.\n﴿فَأَوْجَسَ﴾ الإيجاسُ: من الهاجس الذي يخطرُ بالبال.\n﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ فعرَض له خوفٌ عظيمٌ من مفاجأة ما فاجأ (^٣) على مقتضى الجِبِلَّة البشريَّة، إلَّا أنَّه أضمره، أي: لم يُظْهِرْ أثره (^٤)، لا من أن يخالج النَّاس شكٌّ فلا يتَّبعوه؛ لأن الخوف منه ليس ممَّا يحتاط في كتمانه، فلا يظهر وجه الإطناب بزيادة الإضمار.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"تحرك\".\n(^٢) كذا ذكر الزمخشري والبيضاوي وغيرهما هذا التأويل، ولعل الصواب أنه كان سحرًا حقيقة لا خداعًا بالزئبق؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، كما أن موسى ﵇ وهو النبي الفطن لا يتصور خداعه بالزئبق وأمثاله، وقد ذكر لي أحدهم أنه حضر مجلسًا فيه ساحر طلب إليه الحاضرون أن يطعمهم بطيخا، وكان ذلك في الشام في أيام الشتاء وليس في تلك الأيام بطيخة واحدة في البلد كله، فبدأ يتمتم ثم ناول كل واحد منهم قطعة من أجود أنواع البطيخ، أو هكذا خيِّل لهم، ثم أمرهم بأن يبدؤوا بالأكل، فإذا كل واحد منهم ممسك بحذائه وهو يحاول قضمه ظنا منه أنه بطيخ، فلا يستبعد أن يكون ما وقع من السحرة من هذا الباب، والله أعلم بالصواب.\n(^٣) \"ما فاجأ\" ليست في (ف) و(ك)، ولم ترد عند البيضاوي أيضًا، ولفظه: (من مفاجأته).\n(^٤) في (ف): \"يظهره\".","vol":"6","page":464},{"text":"<span id=\"aya-2416\"> </span>(٦٨) - ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.\n﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ ممَّا توهَّمْتَ، صيغة النَّهي للتَّشجيع وتقوية القلب، لا للنَّهي عن الخوف المذكور؛ لأنَّه ليس أمرًا اختياريًّا.\n﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ تعليلٌ لِمَا قُصِدَ بصيغة النَّهي، وتقريرٌ لغلبته، مؤكَّدًا بالاستئناف، وحرفِ التَّحقيق، وتكريرِ الضَّمير، ولفظِ العلوِّ الدَّال على الغلبة الظَّاهرة، وصيغةِ التَّفضيل، ولامِ التَّعريف.\nو﴿الْأَعْلَى﴾ لمجرَّد الزِّيادة؛ لأنَّه لم يكن للسَّحرة علوٌّ حتى يكون هو أعلى منهم (^١)، لا بمعنى العالي، كقول الشاعر:\nتمنَّى أناسٌ أنْ أموتَ وإنْ (^٢) أَمُتْ … فتلكَ طريقٌ لسْتُ فيها بأوحد (^٣)\nأي: بوحيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2417\"> </span>(٦٩) - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\n﴿وَأَلْقِ﴾ عطف على محذوفٍ دلَّ عليه سياقُ الكلام، تقريره: أثبت (^٤) في مقام الإقدام وألقِ، فالواو فصيحةٌ.\n﴿مَا﴾ أبهم هنا، وعيَّن في سورة الأعراف حيث قال: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾، ومَن\n_________\n(^١) من قوله: \"لأنَّه لم يكن .. \" إلى هنا وقع في (م) بعد قوله: \"أي بوحيد\".\n(^٢) من قوله: \"هو أعلى منهم، … \" إلى هنا سقط من (س).\n(^٣) نسب لطرفة في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (٢/ ٣٠١)، و\"تفسير الطبري\" (٢٤/ ٤٧٨)، ونسبه ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٣٥) للشافعي، و(٥/ ٤٩٢) لطرفة.\n(^٤) في (س) و(ك) و(م): \"ثبت\".","vol":"6","page":465},{"text":"غفل عنه زعم (^١) أن الإبهام للتَّحقير أو للتَّعظيم، وإنما قال:\n﴿فِي يَمِينِكَ﴾ ولم يقل: في يدك؛ لما في لفظ اليمين من معنى اليُمن والبركة.\n﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾؛ أي: تأخذْ ما زوَّروه بفيها ابتلاعًا، وأصله: تتلقَّف، فحذفت إحدى التَّاءين، وتاء المضارعة تحتمل التَّأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبِّب.\nوقرئ بالرَّفع (^٢) على الحال أو الاستئناف، وبالجزم والتَّخفيف (^٣) على أنَّه مِن لقفتُه بمعنى تلقَّفته، وبتشديد التاء (^٤).\n﴿إِنَّمَا صَنَعُوا﴾؛ أي: الذي زوَّروا وافتعلوا.\n﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالرَّفع على أنَّ (ما) موصولة، والنَّصب على أنَّها كافَّة، وهو مفعول ﴿صَنَعُوا﴾.\nوقرئ: ﴿سَاحِرٍ﴾ (^٥) بمعنى: ذي سحر (^٦)، أو بإطلاق السِّحر على السَّاحر مبالغةً، أو بإضافة الكيد إلى السِّحر للبيان، كقولهم: علم (^٧) فقه.\n_________\n(^١) في (م): \"ظن\".\n(^٢) وهي قراءة ابن ذكوان. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢).\n(^٣) أي: ﴿تَلْقَفْ﴾ بإسكان اللام مخففًا، وهي قراءة حفص، وباقي السبعة - عدا ابن عامر في رواية ابن ذكوان السابقة، - بفتح اللام وتشديد القاف والجزم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٢).\n(^٤) وهي رواية البزي عن ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢)، و\"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢١٦). وقوله: \"التاء\" تحرف في النسخ إلى: \"القاف\".\n(^٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢).\n(^٦) في هامش (ف) و(م) و(س): \"لم يقل: ذوي سحر؛ لأن بيان التَعدد في السَّاحر لغوٌ في المقام، فلا حاجة لاعتباره في تصحيح الكلام. منه\".\n(^٧) في (ف) و(م): \"على\".","vol":"6","page":466},{"text":"وإنَّما (^١) وحَّد السَّاحر لأنَّ المراد به الجنس، والتَّنكيرُ للتَّحقير، لا لتنكير المضاف؛ لأنَّ المقصود من تنكيره حاصل بالإضافة.\n﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ أي: لا فلاح لهذا الجنس، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس: ٧٧]؛ أي: لا يغني جمعُهم، ولا تجدي كثرتهم، وله أيضًا وجه.\n﴿حَيْثُ أَتَى﴾ بسحره (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2418\"> </span>(٧٠) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.\n﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ اقتَصر هنا (^٣) على حاشيتي القصَّة؛ اكتفاءً بما هو المقصود، وقد أتى بنوع تفصيل في (سورة الأعراف)، فالفاء فصيحة.\n﴿سُجَّدًا﴾ للهِ توبةً عمَّا صنعوا وتعظيمًا لِمَا رأوا.\nقال الأخفش: مِن سرعة ما سجدوا كأنَّهم أُلقوا (^٤).\nفما أعجبَ أمرُهم، قد ألقوا حبالهم وعصيَّهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشُّكر والسُّجود، فما أعظم الفرقَ بينَ الإلقائَيْن!\nروي أنَّهم رأوا الجنَّة ومنازلهم فيها في السُّجود فرفعوا رؤوسهم ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدِّم موسى ﵇ في الأعراف لأصالته في الرِّسالة والدَّعوة، وأخِّر هاهنا لا لكبر سنِّ هارون ﵇؛ لأنَّه لا (^٥) يعارض وجهَ تقديم موسى\n_________\n(^١) في (م): \"وإنما\".\n(^٢) في (م): \"بسحر\".\n(^٣) في (م): \"هاهنا\".\n(^٤) انظر: \"تفسير السمرقندي\" (٢/ ٤٠٥)، و\"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٢٧٠).\n(^٥) \"لا\" سقط من (ف) و(ك).","vol":"6","page":467},{"text":"﵇ المناسبِ للمقام رعايتُه (^١)، ولا لأنَّ فرعون ربَّى موسى ﵇ في صغره، فلو قُدّمَ لتُوُهِّم أنَّ المراد فرعون، وذكر هارون على سبيل (^٢) الاستتباع لأنَّ المقام لا يتحمَّله، كيف وقد سجدوا تعظيمًا لِمَا رأوا من موسى؟ وأيضًا تقديمه في موضع آخر صريح في أنَّه ليس في التَّرتيب نكتة معنويَّة = بل لمحافظة الفاصلة، والواو لا توجب التَّرتيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2419\"> </span>(٧١) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾.\n﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي: بالله لأجله ودعوته، وقرئ على الاستفهام للإنكار (^٣).\n﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ في الإيمان له.\n﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ لعظيمكم في فنِّكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلْتُم.\n﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف.\n﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ شبِّه تمكُّن المصلوب في الجذع بتمكُّن المظروف في الظَّرف، فاستعير ﴿فِي﴾ لتصوير (^٤) الاستقرار، وخصَّ النَّخل لطول جذوعها، والمراد تشهيرُ العقوبةِ.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"من قال: ولأن الواو لا توجب الترتيب، لم يصب في تصديره بأداة التعليل كما لا يخفى، فإن تقديم ما حقه التأخير لا يكون لسلامة الأمر. منه\".\n(^٢) \"سبيل\" ليست في (م) و(س).\n(^٣) قرأ حفص وقنبل على الخبر، وباقي السبعة على الاستفهام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢).\n(^٤) في (ف): \"في لتقرير\"، وفي (م): \"في تصوير\".","vol":"6","page":468},{"text":"﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ أنا على إيمانكم بربِّ موسى، أو هو (^١) على ترك الإيمان به؟\nوقيل: يريد نفسه وموسى ﵇، لقوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾، نفاجة منه (^٢) وفخر باقتداره وقهره، وتوضيع واستضعاف لموسى ﵇ واستهزاء به؛ لأنَّه لم يكن من التَّعذيب في شيءٍ قطُّ.\nقيل: اللَّام مع الإيمان في كتاب الله تعالى لغير الله (^٣)، والحقُّ أنَّها للتَّعليل ليس بصلة للإيمان، ولا دلالة في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على ذلك؛ إذ معناه: ويصدر عنه الإيمان لأجل المؤمنين وموافقتهم ودعوتهم، وإلَّا لقيل: يؤمن بالله وللمؤمنين.\n﴿وَأَبْقَى﴾: أدومُ عذابًا وعقابًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2420\"> </span>(٧٢) - ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.\n﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ موسى ﵇ به ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات الواضحات.\n﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عطف على ﴿مَا جَاءَنَا﴾، أو قسم.\n_________\n(^١) \"هو\": ليست في (م).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"تفاخر منه\"، وفي (م): \"تعاجيز - أو: نفاجيز - لمنه\". والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٧٦)، ولفظه: (.. وفيه نفاجة باقتداره وقهره، وما ألفه وضَرِي به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، وتوضيع لموسى ..). والنفاجة: الفخر والتكبر.\n(^٣) في (ف): \"الحق\".","vol":"6","page":469},{"text":"﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾: ما أنت قاضيهِ؛ أي: صانعُه أو حاكمه.\n﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ نصب على الظَّرف، وقرئ: (تُقْضَى) على البناء للمفعول ورفع (الحياةُ) (^١)، كقولهم: صِيْمَ يومُ الجمعة، بالإسناد إلى الظَّرف، كالتَّعليل لِمَا قبلَه، والتَّمهيد لِمَا بعدَه من الاستئناف، أي: تصنع ما تهواه، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدُّنيا السَّريعة الزَّوال، ونحن نطلب بالإيمان الغفرانَ والثَّواب السَّرمديَّ، فهو علينا هين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2421\"> </span>(٧٣) - ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.\n﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ من الكفر والمعاصي.\n﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾: مِن تعلُّمه، روي أن رؤوس السَّحرة كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، والباقون من السِّبط، وكان فرعون أكرههم على تعلُّم السِّحر.\nوقيل: من العمل به في معارضة المعجزة، لِمَا روي أنَّهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا، ففعلَ، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر؛ لأنَّ السَّاحر إذا نام بطل سحرُه، فأبى إلَّا (^٢) أن يعارضوه (^٣).\nويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]، فإنَّه ظاهر في\n_________\n(^١) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٨).\n(^٢) \"إلا\" سقط من (ف) و(م)، وفي (ك): \"فأبوا أن\".\n(^٣) في هامش (س) و(ف): \"كأن هذا القائل غافل عما قدمه من بيان كيفية سحرهم فإنه قد ظهر منه أنه لا يبطل بنوم الساحر. منه\".","vol":"6","page":470},{"text":"الرِّضا، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]، فإنَّ الظَّاهر منه (^١) عدمُ علمهم بشأن موسى ﵇.\n﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ جزاءً، أو ﴿خَيْرٌ﴾ ثوابًا ﴿وَأَبْقَى﴾ عذابًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2422\"> </span>(٧٤) - ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾.\n﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ (^٢) الأمر ﴿مُجْرِمًا﴾ بالموت على الكفر والعصيان.\n﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريحَ بالموت ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياةً ينتفع بها، وهو كالمثل فيما هو من شدَّة الحال التي يتمنَّى فيها الموت.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2423\"> </span>(٧٥) - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾.\n﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ بأن مات على إيمانه ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدُّنيا بعد الإيمان.\n﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾: جمع العُلْيا؛ أي: المنازلُ الرَّفيعة.\nوأمَّا إيثار الجمع هنا والإفراد في مقابِله فللإشارة إلى ما ذُكِرَ في موضعه مِن أنَّ كلًّا من الكفرة يُعذَّبُ منفردًا عن الآخر زيادةَ في عذابهم بألم الوحشة، وأنَّ المؤمنين يتنعَّمون على سررٍ متقابلين، زيادةً في لذَّاتهم بسرورِ (^٣) الأُنْسِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"منهم\".\n(^٢) في (ف): \"أي\".\n(^٣) في (م): \"بسرر\".","vol":"6","page":471},{"text":"<span id=\"aya-2424\"> </span>(٧٦) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾.\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من ﴿الدَّرَجَاتُ﴾.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال، والعامل فيها معنى الإشارة أو الاستقرار.\n﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ تطهَّر من الكفر وأدناس الذُّنوب.\nوالآياتُ الثلاث الأخيرة تحتمِل أن تكون من كلام السَّحرة، وأن تكون ابتداءَ كلامٍ من الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2425\"> </span>(٧٧) - ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ لَمَّا أرادَ الله تعالى إهلاك فرعون وقومه أمرَ موسى ﵇ أن يخرج بهم من مصر ليلًا ويأخذَ (^١) بهم طريق البحر، فمعنى:\n﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ﴾: فاجعل لهم، من قولهم: ضرب له سهمًا في ماله (^٢)، أو: فاتَّخِذ، مِن ضَرَبَ اللَّبِنَ: إذا عمله.\nوالإضافة في ﴿بِعِبَادِي﴾ للتَّشريف.\n﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾: يابسًا، مصدر وصف به، يُقال: يبس يَبَسًا ويُبْسًا، كالعَدَم والعُدْم، ولذلك وُصِفَ به المؤنَّث، فقيل: شاةٌ يَبَسٌ وناقةٌ يَبَسٌ: إذا جفَّ لبنُها.\n_________\n(^١) في (ك): \"لبلاد يخرج\"، وفي (س): \"ليلًا يأخذ\".\n(^٢) في (م): \"ضرب له في ماله سهما\".","vol":"6","page":472},{"text":"وقرئ: (يابسًا) (^١). و: (يَبْسًا) بالسكون (^٢)، وهو إمَّا تخفيفُ يَبَسٍ، أو وصفٌ على فَعْلٍ، كصَعْب وجَلْد، أو جمع يابس - كصاحب وصَحْب - وصف به الواحد مبالغةً، أو لتعدُّده معنًى، فإنَّه جَعَلَ لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقًا.\n﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ حال من الضَّمير في ﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: آمنًا مِن أنْ يدرككم العدو، أو صفة ثانية للطَّريق، والعائد محذوف؛ أي: لا تخاف فيه. والدَّرَكُ والدَّرْكُ اسمان من الإدراك.\nوقرئ: ﴿لَا تَخَفْ﴾ (^٣) على جواب الأمر.\n﴿وَلَا تَخْشَى﴾ استئناف؛ أي: فأنت لا تخشى، بمعنى: ومن شأنك أنَّك لا تخشى، أو عطف عليه والألف فيه للإطلاق (^٤)، كقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: ١٠]، أو حال بالواو، والمعنى: لا تخشى الغرق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2426\"> </span>(٧٨) - ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.\n﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ بمعنى: فاتَّبعهم، يرشدك إليه القراءةُ به (^٥)؛ أي: فأدركهم مع جنوده؛ أي: كاد أن يلحقهم (^٦).\n_________\n(^١) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٨).\n(^٢) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٨).\n(^٣) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).\n(^٤) قوله: \"استئناف\"؛ أي: على قراءة حمزة، وأما على قراءة غيره فهو معطوف، وقوله: \"أو عطف عليه\"؛ أي: على ﴿لَا تَخَفْ﴾ بقراءة حمزة أيضا، وقوله: \"والألف فيه للإطلاق\" يعني: أنه مجزوم بحذف آخره، وهذه ألف زائدة لوقوعه فاصلة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢١٨).\n(^٥) هي رواية عن أبي عمرو، والرواية المشهورة عنه مثل رواية الجماعة. انظر: \"السبعة\" (ص: ٤٢٢).\n(^٦) في هامش (س) و(ف): \"قد مر التفصيل في تفسير سورة يونس. منه\".","vol":"6","page":473},{"text":"قال ابن السِّكِّيت: يقال: أتبعْتُ القوم: إذا كانوا قد سبقوك فلحقتَهم (^١)، فهو من المتعدِّي إلى مفعولٍ واحدٍ، لا إلى مفعولَيْن كما توهَّم مَن قال: فأتبعهم فرعونُ نفسَه ومعه جنوده (^٢).\nوأمَّا ما قيل: الباء مزيدة، والمعنى: فأتبعهم فرعون جنودَه. فمبناه الغفول عن قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾، ثمَّ إنَّ فيه إيهام عدم اتِّباع فرعون بنفسه.\n﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ الضَّمير له ولجنوده معًا.\n﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ الإبهام للتَّعظيم والمبالغةِ في التَّهويل مع الإيجاز؛ أي: ما (^٣) لا يمكن وصفه ولا يَعلم كُنْهَهُ إلَّا الله تعالى.\nوقرئ: (فَغَشَّاهم) من التَّغشية، وهي التَّغطية، والفاعل: (ما غَشَّاهم) (^٤) (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2427\"> </span>(٧٩) - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾.\n﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾: عدلَ بهم عن سبيل الرَّشاد.\n_________\n(^١) انظر: \"إصلاح المنطق\" (ص: ١٨٥).\n(^٢) في هامش (س) و(ف) و(م): \"وقد اعترف هذا القائل في سورة يونس ﵇ أن معنى أتبعهم: أدركهم. منه\". وفيه أيضا: \"وأيضًا معنى الأصل لاتَّبع لا يناسب المقام، قال ابن السكيت: واتَّبعتهم إذا مروا بك فمضيت معهم، وتبعتهم تبعا. منه\".\n(^٣) \"ما\": ليست في (م).\n(^٤) في هامش (س) و(ف) و(م): \"وقد اعترف هذا القائل في سورة يونس ﵇ أن معنى أتبعهم: أدركهم. منه\". وفيه أيضا: \"وأيضًا معنى الأصل لاتَّبع لا يناسب المقام، قال ابن السكيت: واتَّبعتهم إذا مروا بك فمضيت معهم، وتبعتهم تبعا. منه\".\n(^٥) في (ف) و(م) و(س): \"غشيهم\".","vol":"6","page":474},{"text":"﴿وَمَا هَدَى﴾؛ أي: ما هداهم إلى الحقِّ، وكان ردًّا لقوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]، وليس هذا من باب التَّهكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2428\"> </span>(٨٠) - ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابٌ لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون وقومه، على إضمار: (قلنا)، أو للذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ امتنانًا عليهم بما فُعِلَ بآبائهم.\n﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ بإيتاء الكتاب ﴿جَانِبَ الطُّورِ﴾ وذلك أنَّه تعالى وعد موسى ﵇ أن يأتي هذا المكان ويختار سبعينَ رجلًا يحضرون معه لنزول التَّوراة، وإنما نَسب إليهم المواعدة لأنها كانت لنبيِّهم ونقبائهم، وإليهم رجعَتْ منافعُها التي قام بها شرعُهم ودينُهم.\n﴿الْأَيْمَنَ﴾ نصب لأنَّه صفة ﴿جَانِبَ﴾، وقرئ بالجرِّ (^١)، لا على الجوار؛ لأنَّه شاذٌّ، بل على أنَّه نعت للطُّور؛ لِمَا فيه من اليُمن.\n﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ فيه، وقلنا لكم:\n\n<span id=\"aya-2429\"> </span>(٨١) - ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾.\n﴿كُلُوا﴾ إذن لمطلَقِ التَّصرُّف، وتخصيص الأكل بالذِّكْرِ لشدَّة الحاجة إليه.\n﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ حلالات أو لذائذ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٧٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٥٦).","vol":"6","page":475},{"text":"﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾؛ أي: في أكله بالتَّعدي إلى ما لا يحلُّ أكلُه، والإخلالِ بشكره، أو بالتَّلهي والإسراف والبَطَر والمنع عن (^١) المستحِقِّ.\n﴿فَيَحِلَّ﴾ بالكسر بمعنى الوجوب، مِنْ حَلَّ الدَّين: إذا وجب أداؤه، وبالضَّم (^٢) بمعنى النُّزول.\n﴿عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾: عذابي وعقوبتي ولذلك وصف بالنزول صريحًا أو كناية.\n﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾: سقطَ سقوطًا لا نهوضَ بعدَه؛ أي: هلك، وأصله: أن يسقط من جبل أو نحوه فيَهْلِكَ (^٣).\nوقيل: وقع في الهاوية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2430\"> </span>(٨٢) - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.\n﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ عن الكفر ﴿وَآمَنَ﴾ بما يجب التَّصديق به.\n﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ ﴿ثُمَّ﴾ مستعار للتَّراخي الرُّتْبي؛ لأنَّ المراد بالاهتداء: الاستقامة والثَّبات على الهدى المذكور من التَّوبة والإيمان والعمل الصالح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2431\"> </span>(٨٣) - ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾.\n﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ العَجَلةُ: طلبُ الشَّيء وتحرِّيه قبلَ أوانه، وهي من مقتضى\n_________\n(^١) في (م): \"من\".\n(^٢) أي: (فيَحُلَّ) بضم الحاء، قرأ بها الكسائي، وباقي السبعة بالكسر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٢).\n(^٣) في هامش (س) و(ف) و(م): \"فيه إشارة إلى أن وجوب الغضب كناية عن نزول أثره. منه\".","vol":"6","page":476},{"text":"الشَّهوات، فلذلكَ صارَتْ مذمومةُ في عامَّة القرآن، حتى قيل: إنَّ (^١) العجلة من الشيطان (^٢).\n﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ عجَّلك (^٣) عنهم.\nوذلك أنَّ موسى ﵇ قد مضى مع النُّقباء إلى الطُّور على الموعد المضروب، فلمَّا دنا منه تقدَّمهم شوقًا إلى مكالمة ربِّه وتنجيز موعده، بناءً على اجتهاده، وظنِّه أنَّه أقرب إلى رضاء الله تعالى، فالقوم الذين (^٤) عجَّل عنهم هم النُّقباء، والمفتونون هم الذين خلَّفهم مع هارون ﵇.\nوهو سؤالٌ عن سبب العَجَلة عن قومه على سبيل الإنكار؛ لأنها رذيلة في نفسها مقتضيةٌ لإهمال القوم، وإيهامِ التَّعظُّم عليهم، فلذلك أجاب عن الأمرَيْن، وقدَّم جواب الأمر الثَّاني الذي هو إغفال القوم بما فيه بسطُ العذر وتمهيدُ العلَّة؛ لأنَّه أهمُّ.\nهذا ما قالوا، وعندي: أن تعدية (أعجل) بـ (عن) لتضمين معنى الانقطاع والانفصال، كأنَّه قيل: ما الحامل على انفصالك عن (^٥) قومك مستعجلًا؟\nفكان أصل السُّؤال في المعنى عن الانفصال عن قومه، وإن كان في اللَّفظ عن العجلة، فقدَّم جوابه اعتبارًا للمعنى، كما هو الأصل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2432\"> </span>(٨٤) - ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾.\n_________\n(^١) \"إن\" سقط من (س).\n(^٢) في (م): \"حتى قيل العجلة من عمل الشيطان\".\n(^٣) في (ف): \"أعجلك\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"الذي\".\n(^٥) في (م): \"من\".","vol":"6","page":477},{"text":"﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾، أي: على خلفي، ما تقدَّمتُهم إلَّا بخطًى يسيرة لا يُعتدُّ بها عادةً. وقرئ بالكسر وبالضَّم (^١)، والأُثْر بالضَّم بمعنى الأثر غريب، وبمعنى فِرِند السيف مرويٌّ، وجاز أن يكون مجازًا عنه (^٢).\n﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فإنَّ المسارعة إلى امتثال الأمر تستوجب الرِّضا، يعني: إنَّ العجلة وإن كانت مذمومةً، فالذي دعاني إليها - وهو طلب الرِّضا منك - محمودٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2433\"> </span>(٨٥) - ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.\n﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا﴾: ابتلينا ﴿قَوْمَكَ﴾؛ يعني: بعبادة العجل.\n﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: من بعد خروجك من بينهم، ففي زيادته (^٣) تعيينُ أنَّ المراد من هذا القومِ غيرُ المراد مِنَ الأوَّل، فالفاء (^٤) لترتيب مدخوله على مدلول ما تقدَّم من بيان زيادة حرصه ﵇ على المناجاة، وكمالِ شوقه للمكالمة مع ربِّه، وما يلزمها من الغفلة عن حال قومه، فكأنَّه قال: لا تتوغَّل فيما كنْتَ فيه، ولا تغفل عمَّا وراءك، فإنَّا قد فتنَّاهم.\n﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ بدعائه إيَّاهم (^٥) إلى عبادة العجل بعد ذهاب موسى ﵇ إلى الميقات، وقد مرَّ التَّفصيل في سورة الأعراف.\nوهو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لهم: السَّامرة، وقيل غيرُ ذلك.\n_________\n(^١) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٨).\n(^٢) في (م): \"منه\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"زيادة\".\n(^٤) في (ف): \"والفاء\".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"بدعائهم\".","vol":"6","page":478},{"text":"وقرئ: (أضلُّهم) (^١)؛ أي: أشدُّهم ضلالًا؛ لأنَّه كان ضالًّا مضلًّا.\n\n<span id=\"aya-2434\"> </span>(٨٦) - ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾.\n﴿فَرَجَعَ مُوسَى﴾ بعدما استوفى الأربعين، وأخذ التَّوراة ﴿إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾ عليهم ﴿أَسِفًا﴾: حزينًا بما فعلوا.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾: وعدهم الله تعالى أن يعطيَهم التَّوراة التي فيها هدًى ونور، ولا وعدَ أحسنُ من ذلك.\n﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾؛ أي: تأخَّر الموعود فطال عليكم الزَّمان؛ يعني: زمانَ مفارقته لهم.\n﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾: يجبَ عليكم ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أردتُم أن تفعلوا فعلًا يستوجب الغضب.\n﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ وَعَدوه أن يقيموا على أمرِه وما تركهم عليه من الثَّبات على الإيمان، فأخلفوا موعدَه باتِّخاذ العجل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2435\"> </span>(٨٧) - ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾.\n﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾: بأنْ مَلَكْنا أمرَنا؛ أي: لو مَلَكْنا (^٢) أمرنا وخُلِّينا وراءنا لَمَا أَخْلَفناه، ولكن غُلِبنا من جهة السَّامري وكيده.\nوقرئ: ﴿مَلكنا﴾ بالفتح وبالضَّم (^٣)، والكلُّ في الأصل لغاتٌ مِنْ مَلَكْت الشَّيء.\n_________\n(^١) حكاه أبو معاذ. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٩).\n(^٢) زاد في (ف) و(ك): \"على\". والمثبت من (س) و(م)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٨٢).\n(^٣) قرأ نافع وعاصم بفتح الميم، وحمزة والكسائي بضمِّها، والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).","vol":"6","page":479},{"text":"﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أثقالًا من حُليِّ القبط، أو (^١) أراد بالأوزار أنَّها آثام وتَبِعات؛ لأنَّهم قد استعاروها ليلةَ الخروج من مصر لعلَّة (^٢) أنَّ لنا عيدًا غدًا، فقال السَّامريُّ: إنَّما حُبِسَ ﵇ لشؤم حرمتها؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، على أنَّ الغنائم لم تكن تحلُّ حينئذ، فأحرقوها، فخبَّأ السَّامريُّ في صفرة النَّار قالَبَ عجلٍ، فانصاغت عجلًا.\n﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ في نار السَّامريِّ الذي أوقدها في الحفرة وأمرهم أن يطرحوا فيها الحليَّ.\n﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾؛ أي: ما معه من الحليِّ في النَّار، أو ما معه من التُّراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبريل ﵇، ويعضد هذا العدول عن القذف المعتَبرِ في مفهومه (^٣) صلابةُ المرميِّ والبعدُ، والكاف تتعلَّق بـ ﴿أَلْقَى﴾؛ أي: مثلَ ما قذفناها ألقى السَّامريُّ، فهو صفة مصدرٍ محذوفٍ، تقديره: ألقى إلقاءً مثلَ إلقائنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2436\"> </span>(٨٨) - ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.\n﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ السَّامريُّ من الحفرة ﴿عِجْلًا﴾ خلقَه اللهُ تعالى من الحليِّ التي سَبكَتْها النَّار ابتلاءً.\nلا يُقال: لِمَ خلقَ اللهُ تعالى العجلَ من الحليِّ حتَّى صارَ فتنةً لبني إسرائيل\n_________\n(^١) في (ك): \"و\".\n(^٢) في (ف): \"بعلة\".\n(^٣) في (ف): \"مفهوم\".","vol":"6","page":480},{"text":"وضلالًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى تعبَّدنا بالبحث عن علل أحكامه، لا عن علل أفعاله، وحتَّمَ (^١) ذلك بقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣].\n﴿جَسَدًا﴾ بدل من ﴿عِجْلًا﴾ للتَّنبيه (^٢) على أنَّه لم يكن ذا روح، ولذلك وصفه بقوله:\n﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: صوت العجل، فإنَّه لو كان ذا روح لكان الخوار من شأنه، فلا يُجدي توصيفه به، كما لا يجدي توصيفُ الإنسان بالضَّاحك.\n﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: السَّامريُّ ومَن تابعه وافتُتن به أوَّلَ مرَّة.\n﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، أي: فنسيَه موسى هنا، وذهب يطلبه عند الطُّور، أو فنسي السَّامريُّ، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان الظَّاهر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2437\"> </span>(٨٩) - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.\n﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾: أفلا يعلمون ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾، أي: أنه لا يرجع ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ فـ ﴿أَن﴾ مخفَّفة من الثَّقيلة، وقرئ بالنَّصب (^٣) على أنَّها النَّاصبة للفعل، وفعل الرُّؤية حينئذ من رؤية البصر على المبالغة في ظهور ما ذكر بتنزيله منزلةَ البصر.\n﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾؛ أي: لا يقدر على إضرارهم ولا على إنفاعهم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م) و(ف): \"وضم\"، والمثبت من (س)، وانظر: \"حاشية الطيبي على الكشاف\" (١٠/ ٢٢٧).\n(^٢) \"للتنبيه\" من (م) و(س).\n(^٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٩).","vol":"6","page":481},{"text":"<span id=\"aya-2438\"> </span>(٩٠) - ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.\n﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ رجوعِ موسى ﵇. وقيل: مِن قبلِ قولِ السَّامريِّ؛ كأنَّهم أوَّلَ ما وقعَتْ عليه أبصارهم حين طلع من الحفرة افتُتنوا به، فبادرهم هارون بالتَّحذير قبلَ أنْ ينطقَ السَّامريُّ، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ بالعجل ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا غير ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ في الثَّبات على الدِّين الحقَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2439\"> </span>(٩١) - ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.\nويأباه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾: على العجل وعبادته ﴿عَاكِفِينَ﴾: مقيمين ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾، فإنَّ الظَّاهر من هذا الجواب أن يكون المراد: من قبل رجوعه ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2440\"> </span>(٩٢) - ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾.\n﴿قَالَ يَاهَارُونُ﴾؛ أي: قال له موسى ﵇ لَمَّا رجَعَ.\n﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2441\"> </span>(٩٣) - ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.\n﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾: أن تتبعني (^١) في الغضب لله، وشدَّة الزَّجر عن الكفر والمعاصي،\n_________\n(^١) في (م): \"أي: تتبعن\"، وفي (ك): \"أي: تتبعني\". والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٨٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٣٧)، والمراد أن (لا) مزيدة كما صرح الزمخشري، وسيأتي.","vol":"6","page":482},{"text":"والمقاتلة (^١) مع مَن كفرَ بمَن آمنَ، أو أن (^٢) تلحقَ بي مع مَن أطاعَك.\nو(لا) مزيدة، كما في قوله: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢].\nويجوز أن يكون المعنى (^٣): ما صرفك إلى أن لا تتبعن؟ أي: دعاك إليه.\n﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بالصَّلابة في الدِّين والمحاماة عليه (^٤).\nثم أخذ بشعر (^٥) رأسه بيمينه ولحيته بشماله؛ غضبًا وإنكارًا عليه؛ لأنَّ الغَيرة في الله تعالى ملكَتْه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2442\"> </span>(٩٤) - ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾.\n﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ كان أخاه لأبيه وأمِّه عند الجمهور، ولكنه ذكرَ الأمَّ استعظامًا وترقيقًا.\n﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾؛ أي: بشَعرهما.\nثمَّ ذَكَرَ عُذْرَه، ولَمَّا كان النَّهي المذكور متضمِّنًا لدعوى عدم العصيان والاستحقاق بموجبه، أوردَ العذر في صورة التَّعليل فقال:\n_________\n(^١) في (فس) و(ف) و(م): \"والمقابلة\". والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في المصدرين السابقين.\n(^٢) في (ك) و(م): \"وأن\". وفي \"الكشاف\": (وما لك لم تلحقني؟).\n(^٣) \"المعنى\" زيادة من (س).\n(^٤) في (م) زيادة: \"عامة\".\n(^٥) في (م): \"شعر\".","vol":"6","page":483},{"text":"﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ لو قاتلْتُ أو فارقْتُ (^١) بعضَهم ببعض.\n﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾: ولم تحفظ ﴿قَوْلِي﴾: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ لأنَّ الإصلاح كان في حفظ الدَّهماء والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم فتَدارَكَ (^٢) الأمرَ برأيك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2443\"> </span>(٩٥) - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾.\nثم أقبل على السَّامريِّ و﴿قَالَ﴾ له منكرًا عليه: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ (^٣): سؤالَ القصَّة، فلذلك أجابَ ببيانها، ولو كان السُّؤال عن مطلوبه (^٤) لَمَا انتظم الجواب.\nوالفاء لترتيب مدخوله على مدلول ما تقدَّم من ظهور أنَّ غرض هارون ﵇ ممَّا فعله كان إصلاحًا، فكأنَّه قال: عُلِمَ خَطْبُ هذا، فمَا خَطْبُكَ؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-2444\"> </span>(٩٦) - ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"فرقت\"، والمثبت من باقي النسخ و\"البيضاوي\".\n(^٢) في (م): \"فتدرك\"، وفي (س) و(ف): \"فتدورك\"، والمثبت من (ك) والبيضاوي، وهو مضارع منصوب حذفت إحدى تاءيه، وأصله: (فتتدارك). انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٢٢).\n(^٣) \"يا سامري\": في (م) جاءت قبل قوله: \"قال بصرت بما لم\".\n(^٤) أي: مطلوب السامري، أي: ما طلبُك له؟ كما قدره الزمخشري، وكذا البيضاوي وزاد: وما الذي حَمَلك عليه؟ وكلام المؤلف رد عليهما. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٨٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٣٧)، والمراد أن (لا) مزيدة كما صرح الزمخشري، وسيأتي.","vol":"6","page":484},{"text":"﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ قرئ بالتَّاء على الخطاب (^١)؛ أي: علمتُ ما لم يعلموه، وهو أنَّ الرَّسول الذي جاءك روحاني محضٌ، لا يَمَسُّ أثرُه شيئًا إلَّا أحياه.\nأو: رأيْتُ ما لم يروه، وهو أنَّ جبريل ﵇ جاءَكَ على فرسِ الحياة.\nقيل: إنَّما عرفَه لأنَّ أمَّه ألقته حين ولدته خوفًا من فرعون، وكان جبريل ﵇ يَغْذوه حتى يستقلَّ، وكان يرى منه ذلك.\n﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾: من تربة موطئه، وقرأ ابن مسعود ﵁: (من أثرِ فرسِ الرَّسولِ) (^٢)، ولعله سمَّاه الرَّسولَ (^٣) لأنَّه لم يعرف أنَّه جبريل، أو أرادَ أنْ ينبِّه على الوقت، وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطُّور.\nوالقَبضةُ: المرَّة من القبض، وأُطْلِقَ على المقبوض، وقرئ: (قُبضةً) بالضَّم (^٤)، وهي اسم المقبوض. وقرئ: (قبصة) بالصاد المهملة (^٥).\nوالأول: الأخذ بجميع الكف، والثاني: الأخذ بأطراف الأصابع.\n﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ في الحليِّ المذابة، أو في جوف العجل، فظهر فيه أثر الحياة.\nوالنَّبْذُ: طرحُ الشَّيء عن اليد خاصَّة.\n_________\n(^١) أي: ﴿تَبْصُروا﴾. قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٩).\n(^٣) \"ولعله سماه الرسول\" زيادة من (م) و(س).\n(^٤) نسبت للحسن. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٨٤).\n(^٥) (قُبصة) بالضم، نسبت للحسن وقتادة ونصر بن عاصم، و(قَبصة) نسبت للحسن أيضًا وجماعة. ومن قرأها بالصاد قرأ ما قبلها كذلك؛ أي: (فقبصت). انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٩)، و\"الكشاف\" (٣/ ٨٤).","vol":"6","page":485},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ﴾: زيَّنَتْ ﴿لِي نَفْسِي﴾ أن أفعله ففعلتُه اتِّباعًا لهوايَ، وهو اعتراف منه بالخطأ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2445\"> </span>(٩٧) - ﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.\n﴿قَالَ﴾ له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ من بيننا طريدًا ﴿فَإِنَّ لَكَ﴾ عقوبةً على فعلك ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ ما عشت ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ لمن أراد مخالطتك جاهلًا بحالك: ﴿لَا مِسَاسَ﴾؛ أي: لا يمسُّني أحدٌ ولا أمسُّه.\nوذلك أنَّه مُنِعَ من مخالطة النَّاس منعًا كليًّا، وحُرِّمَ عليهم ملاقاته ومكالمته وكلُّ ما يعاوِن به النَّاسُ بعضَهم بعضًا، وإذا ماسَّ أحدًا حُمَّ الماسُّ والممسوسُ، فتحامَى النَّاسَ وتحامَوه، وكان يصيح: لا مِساس، وعاد في النَّاس أوحشَ من الوحش النَّافر.\nوقرئ: (لا مَسَاسِ) كفَجار (^١)، وهو علمٌ للْمَسَّةِ.\n﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ في الآخرة ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾: لن يخلِف الله موعده، ينجزه لك في الآخرة بعدَما عاقبك بذلك في الدُّنيا.\nوقرئ: ﴿ولن تُخْلِفَه﴾ بكسر اللَّام (^٢)، من أخلفْتُ الموعدَ: إذا وجدْتَه خُلْفًا.\nوقرئ بالنُّون (^٣) على حكاية قول الله تعالى.\n﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ﴾ أصله: ظَلِلْتَ، فحذفت اللَّام الأولى تخفيفًا.\n_________\n(^١) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٥٦)، و\"الكشاف\" (٣/ ٨٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٦١).\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بكسر اللام، والباقون بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٥٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٦٢).","vol":"6","page":486},{"text":"﴿عَلَيْهِ﴾، أي: على عبادته ﴿عَاكِفًا﴾: مقيمًا.\n﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنَّار، دل عليه قراءة: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ من الإحراق (^١)، وقرئ بالتَّخفيف (^٢)؛ أي: لنَبْرُدنَّه بالمِبرد، وهو طريق حريقه بالنَّار، فإنَّها لا تعمل في الذَّهب بالتَّفريق إلَّا بهذا الطَّريق.\n﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾: لنُذرِّيَنَّه رمادًا، من نسفَ الطَّعام: إذا ذرَّاه (^٣) لتطير منه قشوره.\n﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ فلا يُصادَفُ منه شيءٌ. والمقصودُ: إظهار غباوة (^٤) المفتونين به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2446\"> </span>(٩٨) - ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.\n﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾ المستحِقُّ لعبادتكم.\n﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا أحدَ يماثله أو يدانيه في خواصِّ الألوهيِّة.\n﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وسعَ علمُه كلَّ ما من شأنه أن يُعلَم.\nوقرئ بالتَّشديد (^٥)، فصار ﴿عِلْمًا﴾ أحدَ مفعوليه، وذلك أن ﴿وَسِعَ﴾ يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، و﴿عِلْمًا﴾ نصب على التَّمييز، فهو في المعنى فاعل، فلمَّا ثُقِّلَ نقل إلى التَّعدية إليه، فصار ما كان فاعلًا مفعولًا.\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٢٢).\n(^٢) أي: (لنَحْرُقَنَّه) بفتح النون وضم الراء. وهي رواية عن أبي جعفر. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٦/ ١٥٥)، و\"النشر\" (٢/ ٣٢٢).\n(^٣) في (م): \"أذراه\".\n(^٤) في (م): \"عبادة\".\n(^٥) أي: (وسَّع) بفتح السين مشددة، نسبت لمجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٩).","vol":"6","page":487},{"text":"<span id=\"aya-2447\"> </span>(٩٩) - ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الاقتصاصِ العجيب؛ أي: اقتصاصِ قصَّة موسى وفرعونَ والسَّامريِّ، والكافُ في محل النَّصب على المصدر.\n﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾: من الأمم السَّالفة وأحوالهم.\nوالنَّبأُ: الخبر العجيب الشَّأن، تكثيرًا للمعجزات، وتذكيرًا للمستبصِرين.\n﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾: كتابًا مشتملًا على هذه القصص والأخبار، حقيقًا بالتَّفكُّر والاعتبار، والتَّنكير فيه للتَّعظيم، وتقديم ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ للتَّخصيص؛ أي: ذكرًا لا يمكن أنْ يُؤتَى إلَّا من عندنا، وهو مقوٍّ (^١) للتَّعظيم.\nوقيل: ذكرًا جميلًا وصِيتًا جليلًا من بين النَّاس، ولا يساعدُه قولُه:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2448\"> </span>(١٠٠) - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾.\n﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن هذا الذِّكْرِ، الذي هو القرآن الجامع لوجوه السَّعادة.\n﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾: عقوبة ثقيلة، شبَّه العقوبة الثَّقيلة على المعاقَب بالحمل الفادح (^٢) للحامل؛ لصعوبة احتمالها، وكونها تَنقُض ظهره، أو سمِّيَ جزاءُ الوزر - وهو الإثم - وزرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2449\"> </span>(١٠١) - ﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾.\n_________\n(^١) في (س): \"معد\".\n(^٢) في (ف) و(م) و(س): \"القادح\".","vol":"6","page":488},{"text":"﴿خَالِدِينَ﴾ حال من الضَّمير في ﴿يَحْمِلُ﴾، وإنَّما جُمِعَ حَملًا على المعنى، ووُحِّد في ﴿فَإِنَّهُ﴾ حَملًا على لفظ ﴿مَنْ﴾.\n﴿فِيهِ﴾ في الوزر، أو في حمله.\n﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ ﴿سَاءَ﴾ في حكم (بئس)، وفيه ضمير مُبْهَم يفسِّره ﴿حِمْلًا﴾، وهو تمييز، واللَّام في ﴿لَهُمْ﴾ للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ لدلالة الوزر السَّابق عليه، تقديره: وساء حملًا وزرُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2450\"> </span>(١٠٢) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾.\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ قرئ بالنُّون (^١) على إسناد النفخ إلى الآمر تعظيمًا له، أو للنَّافخ، وقرئ بالياء المفتوحة (^٢) على أنَّ فيه ضميرَ الله تعالى، أو ضميرَ إسرافيل ﵇ وإنْ لم يجرِ ذكرُه؛ لأنَّه المشهور بذلك.\n﴿فِي الصُّورِ﴾ وقرئ: (في الصُّوَر) (^٣)، وقد سبقَ بيانُ ذلك (^٤).\n﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾؛ أي: عُميًا، كما قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهذا لأن حدقة مَن يذهب نورُ بصره تزرَقُّ.\nوقيل: ازرقَّتْ عيونهم من شدَّة العطش.\n_________\n(^١) أي: ﴿نَنْفخ﴾ وهي قراءة أبي عمرو، وباقي السبعة بالياء المضمومة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٨٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٦٣)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ١٣٧).\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٥٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٦٣)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ١٣٧).\n(^٤) لم أجده فيما تقدم.","vol":"6","page":489},{"text":"وقيل: أي: تُشوَّه خلقتهم (^١) فتسودُّ وجوهُهم وتزرقُّ عيونُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2451\"> </span>(١٠٣) - ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾.\n﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يخفضون أصواتهم لِمَا يملأ صدورهم من الرُّعب والهول، والخفْتُ: خفضُ الصَّوت وإخفاؤه.\n﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: في الدُّنيا ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ لا حاجةَ إلى التَّأويل في ﴿عَشْرًا﴾؛ لما نُقِلَ عن أئمَّة النَّحو أنَّه إذا كان المعدود مذكَّرًا وحذفْتَه فلك فيه وجهان.\nيستقصرون مدَّة لبثهم فيها: إمَّا لتقضِّيها؛ لأنَّ المتقضِّيَ (^٢) وإنْ طالَ قَصُرَ بالانتهاء، وإمَّا لاستطالتهم مدَّة الآخرة، فإنَّ الأبد السَّرمد تُستقصَر مدَّة الدُّنيا ويُستحقر لبث أهلها فيها بالنسبة إليه، ولهذا استَرجَحَ [الله] قول مَن هو أشدُّ تقالًّا (^٣) واستحقارًا منهم (^٤).\nوقيل: في القبر؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2452\"> </span>(١٠٤) - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ وهو مُدَّة لبثهم.\n﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ﴾: أفضلهم ﴿طَرِيقَةً﴾: سيرة، أو: أسدهم رأيًا.\n﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ وجهُ رجحانه: أنَّه أبلغ في الطَّريقة المذكورة آنفًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"خلقهم\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"المقتضى\"، وفي (س): \"المنقضي\".\n(^٣) في (م): \"تقاولًا\"، وكذا تصحفت في مطبوع \"الكشاف\" (٣/ ٨٧).\n(^٤) في (س): \"منهم\".","vol":"6","page":490},{"text":"<span id=\"aya-2453\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾؛ أي: عن مآل أمرِها، وقد سأل عنه رجلٌ من ثقيف بعد النُّزول (^١).\n﴿فَقُلْ﴾ ذكر هنا الفاء في الجواب، ولم يذكر في سائر السُّؤالات: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و﴿عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، و﴿عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧]، و﴿عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ [الإسراء: ٨٥]، و﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو﴾ [الكهف: ٨٣]؛ لأنَّ الجواب فيها عن السُّؤالات الواقعة قبل النُّزول، وهنا عن سؤالٍ علمَ اللهُ تعالى وقوعَه وأخبر عنه ولم يقع بعدُ، ولذلك أجاب بالفاء الفصيحة، فكان المعنى: إذا سألوك فقل.\n﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الخليل: يقلعها (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2454\"> </span>(١٠٦) - ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾.\n﴿فَيَذَرُهَا﴾: فيتركها، والضَّمير للأرض للعِلْم بها، كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ [فاطر: ٤٥]، ولو كان المعنى كما قالوا: يجعلها كالرَّمل ثم يرسل الرِّياح عليها فتفرِّقها وتذريها كما تذري الحبَّ؛ لكانَ حقُّ ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أن يصدَّر بالواو الفصيحة.\n_________\n(^١) كذا ذكر، والمروي في هذا أن السؤال مان سببا للنزول لا بعد النزول. انظر: \"التفسير الوسيط\" للواحدي (٣٤/ ٢٢١)، و\"تفسير البغوي\" (٥/ ٢٩٤).\n(^٢) انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٣٨٣)، وكذا فسرها الفراء في \"معاني القرآن\" (٢/ ١٩١)، وغلام ثعلب في \"ياقوتة الصراط\" (ص: ٣٥٠) وغيرهم.","vol":"6","page":491},{"text":"﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ القَاعُ: الأرضُ المستوية (^١)، والصَّفصفُ: الأرضُ الملساء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2455\"> </span>(١٠٧) - ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.\nفقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ مؤكِّد للأوَّل، وقوله: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ مؤكِّد للثَّاني؛ فإنَّ الأَمْتَ: النُّتوءُ اليسير.\nولا اختصاص للعِوج - بالكَسْر - بالمعاني؛ قال ابن السِّكِّيت (^٢): وكل ما ينتصب كالحائط والعود قيل: عَوَج بالفتح، والعِوَج بالكسر: ما كان في أرضٍ أو دِيْنٍ أو مَعاش (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2456\"> </span>(١٠٨) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾.\n﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف لـ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ مضاف إلى وقت النَّسْفِ؛ أي: يوم إذ نُسِفَتْ، أو بدل ثانٍ من يوم القيامة.\n﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾: داعي الله تعالى إلى المحشر.\nوقيل: هو إسرافيل ﵇ يدعو النَّاس قائمًا على صخرةِ بيت المقدس، فيُقْبِلُون مِن كُلِّ أَوْبٍ إلى صوته.\n﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ في مَدعوِّه؛ أي: لا يَعوجُّ له مدعوٌّ ولا يَعدل عنه، بل يستوون إليه من غير انحرافٍ عن سَمْتِ صوته.\n_________\n(^١) في النسخ: \"المستوي\" والصواب المثبت. وجاء في هامش (س): \"من زعم أن القاع هنا بمعنى الخالي لم يصب، منه\".\n(^٢) في هامش (ف): \"في اصطلاح المنطق وبه أخذ الجوهري. منه\".\n(^٣) انظر: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت (ص: ١٢٥).","vol":"6","page":492},{"text":"﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ هيبةً وإجلالًا، والخشوع كالخضوع من صفات النَّفس، إلَّا أنَّ مُظْهِرَ الأوَّل منهما الصَّوت، ومُظْهِرَ الثَّاني العُنُق، فيُسنَد كلٌّ منهما إلى مُظْهِره (^١).\n﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾: صوتا خفيًّا، وقيل: هو مِن هَمْسِ الإبل، وهو صوت أخفافها إذا مشت؛ أي: لا تسمع إلَّا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2457\"> </span>(١٠٩) - ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾.\n﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿مَنْ﴾ مرفوع المحلِّ بدل من ﴿الشَّفَاعَةُ﴾، على تقدير حذف المضاف؛ أي: لا تنفع الشَّفاعة إلَّا شفاعةُ مَن أذِنَ له الرَّحمن. و﴿تَنْفَعُ﴾ على هذا من جملة الأفعال التي جُعِلَ مفاعيلها نسيًا منسيًّا، وأجريت مجرى الفعل اللَّازم للمبالغة في التَّعميم، كقولهم: فلان يعطي ويمنع.\nأو منصوب المحلِّ على المفعوليَّة، والاستثناء مفرَّغ ومعنى ﴿أَذِنَ لَهُ﴾ على هذا: أذِنَ لأجله؛ أي: أذن للشَّافع (^٢)، و﴿أَذِنَ﴾ يحتمل أن يكون من الإِذْنِ، ومن الأَذَنِ بفتح الهمزة (^٣).\n﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾؛ أي: ورضي لمكانه عند الله في الشَّفاعة، أو رضي لأجله قولَ الشَّافع في شأنه، أو قوله لأجله وفي شأنه (^٤).\n_________\n(^١) في هامش (س): \"يأتي وجه ذلك الإسناد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] \".\n(^٢) في (ك): \"للشافعين\".\n(^٣) وفتح الدال بمعنى الاستماع، والمراد به القبول كما في: سمع الله لمن حمده، واللام تعليلية؛ أي: إلا من استمع الرحمن لأجله كلام الشافعين. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٢٧).\n(^٤) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٣٩). وجاء في هامش (ف) و(س): \"هذا ما ذكره الكواشي بقوله: =","vol":"6","page":493},{"text":"<span id=\"aya-2458\"> </span>(١١٠) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما تقدَّمهم من الأحوال ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: وما يستقبلونه، أو على العكس.\n﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الضَّمير لأَحَدِ الموصولَيْن، أو لمجموعهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2459\"> </span>(١١١) - ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.\n﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾: ذلَّتْ وخضعَتْ. وخصَّ الوجوه لأنَّ آثار الذُّلِّ إنَّما تظهر أوَّلًا فيها.\nوظاهرها يقتضي العموم، ويجوز أن يكون التَّعريف باللَّام بدلًا عن التَّعريف بالإضافة، على أنَّ المُرَادَ: وجوه المجرمين، ويؤيِّدُه: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يحتمل الحال، والاستئناف لبيان ما لأجله عَنَتْ وجوهُهم، والاعتراضَ ولا يأباه كونه في مقابَلة قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ لأنَّ التَّقابل المعنوي كافٍ، فإن الاعتراضَ كالاستئناف لا يتقاعد عن الحال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2460\"> </span>(١١٢) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: بعضَ الطَّاعات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إذِ الإيمانُ شرطُ قَبولها.\n﴿فَلَا يَخَافُ﴾، وقرئ: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ على النَّهي (^١).\n_________\n= ﴿وَرَضِيَ لَهُ﴾؛ أي: للمشفوع فيه ﴿قَوْلًا﴾ بأن قال: لا إله إلا الله. منه\".\n(^١) قرأ به ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).","vol":"6","page":494},{"text":"﴿ظُلْمًا﴾: مَنع ثوابٍ يُستَحَقُّ بالوعد، والظلم أن يؤخَذ من صاحبه فوقَ حدِّه.\n﴿وَلَا هَضْمًا﴾: ولا كسرًا منه بنقصانٍ.\nأو: جزاءَ ظلم. وهَضْمٍ؛ لأنَّه لم يظلم غيرَه ولم يَهضم حقَّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2461\"> </span>(١١٣) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا﴾ عطف على ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الإنزال من أنباء الأوَّلين، أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمِّنة للوعيد إنزالًا عظيمًا أنزلنا القرآن كلَّه.\n﴿عَرَبِيًّا﴾: بلسان العرب.\n﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾: كرَّرنا القولَ فيه من أنواع الوعيد صارفينَ له من نوعٍ إلى آخر.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لكي يتَّقوا المعاصي، فتصيرَ التَّقوى لهم مَلَكَةً.\n﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ عِظَةً واعتبارًا، أسندَ التَّقوى إليهم، وإحداثَ التَّذكُّر والاتِّعاظ إلى القرآن مع كلمة التَّرجي بعد ذكر تصريف الوعيد في القرآن؛ لأنَّ التِّكرار يفيد مَلَكة التَّقوى لهم غالبًا، فيكونون في صورة المرجوِّ المترجِّح فيه عادة التَّقوى، وإلَّا فلا أقلَّ من إحداث العِظة فيهم حينَ سماعه فيتثبَّطون عنها (^١).\n* * *\n_________\n(^١) أي: عن المعاصي. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٢٩).","vol":"6","page":495},{"text":"<span id=\"aya-2462\"> </span>(١١٤) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.\n﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: ارتفعَ عن فنون الظُّنون وأوهام الأفهام، وتنزَّه عن مضاهاة الأنام ومشابهة الأجسام، فلا يُماثلُ كلامُه كلامَهم، كما لا تماثلُ ذاتُه ذواتِهم؛ استعظامٌ له تعالى ولمَا نزَّل وصرَّف على عباده من الوعيد (^١).\n﴿الْمَلِكُ﴾: النَّافذ أمرُه ونهيُه، الحقيقُ بأن يُترجَّى وعدُه ويُخشى وعيدُه.\n﴿الْحَقُّ﴾: العدلُ في حكمِه وملكوته، أو المستحِقُّ للملك بذاته، أو الثَّابت (^٢) في ذاته وصفاته.\nولَمَّا ذَكَرَ القرآنَ وإنزالَه قال استطرادًا:\n﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ نهيٌ عن الاستعجال في تلقِّي الوحي؛ أي: تأنَّ فيه ريثما يُسمعُكَ جبريلُ ﵇ ويُفْهِمُكَ، ثم ابدأ بالتَّحفُّظ؛ لقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].\nوقيل: لا تبلِّغ ما كان مجمَلًا حتى يأتيك بيانُه.\n﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾: واسأل الله تعالى زيادةَ العلم بدلَ الاستعجال، فإنَّ ما أُوْحِيَ إليك تنالُه لا محالةَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2463\"> </span>(١١٥) - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ يقال: عزمَ عليه وعهدَ إليه: إذا أمرَه وأوحى إليه، عطفَ\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٩٠).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والمستحق … والثابت\".","vol":"6","page":496},{"text":"قصَّة آدم ﵇ على قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾؛ للدِّلالة على أنَّ أساس أمر بني آدم على العصيان، وعِرْقُهم راسخٌ في (^١) النِّسيانِ، فلهم مزيدُ حاجة إلى تكرار الوعيد وصرفه، واللَّام جوابُ قسمٍ محذوفٍ.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبلِ هذا الزَّمان.\n﴿فَنَسِيَ﴾ العهدَ، ولم يفِ به، حتى غفل عنه واغترَّ بقول الشَّيطان، أو: تركَ ما وصَّى به إليه من الاحتراز عن الشَّجرة.\nوقرئ: (فَنُسِّيَ) مشددًا مبنيًا للمفعول (^٢)؛ أي: نسَّاه الشَّيطان.\n﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾: تصميمَ (^٣) رأيٍ وثباتًا على ما عُهِدَ إليه؛ إذ لو كان ذا عزيمةٍ وجِدٍّ لم يقبل وسوسةَ الشَّيطان ولم يغترَّ بقوله، والوجود إن كان بمعنى العلم فمفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا﴾، وإن كان بمعنى المصادفة (فعزمًا) مفعوله، و﴿لَهُ﴾ متعلِّق به، أو حال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2464\"> </span>(١١٦) - ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾؛ أي: اذكر وقتَ قولنا ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وإباءَ إبليس، وتحذيرَنا إيَّاه من كيده، حتى يتبيَّنَ لك أنَّه نسيَ ولم يكن ذا عزيمةٍ وثباتٍ، ومن هنا تبيَّنَ أنَّ ما قيل: إنَّ المعنى: ولم نجد له عزمًا على الذَّنب لأنَّه أخطأ ولم يتعمَّد؛ لا يناسب مساقَ الكلام.\n_________\n(^١) \"في\" سقط من (ف).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٨٩).\n(^٣) في (ف) و(م): \"تعميم\".","vol":"6","page":497},{"text":"﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ قد سبقَ القولُ فيه.\n﴿أَبَى﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤالِ سائلٍ، كأنَّه قيل: لِمَ لَمْ يسجدْ؟ فقيل: أبى؛ أي: أظهر الإباءَ وتثبَّط، ويرشدك إلى هذا ما في سورة (ص) من قوله: ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾ [ص: ٧٤] بدل ﴿أَبَى﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2465\"> </span>(١١٧) - ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾.\n﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ أعادَ الجارَّ للدِّلالة على أنَّ عداوته لها أيضًا أصالةً، لا تبعًا لزوجها.\n﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ﴾ نهيٌ عن كونهما بحيث يؤثِّر فيهما وسوسة الشَّيطان ويتسبَّب لإخراجهما، فهو مبالغة في النَّهي عن قَبولها، مع الإشعار بعلَّة النَّهي.\n﴿فَتَشْقَى﴾ أفرده بإسناد الشَّقاء إليه بعد إشراكهما (^١) في الخروج اكتفاءً لاستلزام شقائه شقاءَها؛ لأنَّه القيِّم عليها، والمحافظ لها، مع الإيجاز والمراعاة مع الفاصلة.\nويجوز أن يكون المراد بالشَّقاء: التَّعبُ في طلب المعاش، وذلك وظيفةُ الرَّجل وحدَه، ويعضده قوله:\n\n<span id=\"aya-2466\"></span><span id=\"aya-2467\"> </span>(١١٨ - ١١٩) - ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾.\n﴿إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى وَإنَّكَ لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ فإنَّه بيانٌ وتذكيرٌ لِمَا له في الجنَّة من أسباب الكفاية وأقطاب الكَفَاف التي هي الشِّبَع والرَّي والكِسْوة والكِنُّ، مستغنيًا عن اكتسابها والسَّعي في تحصيل\n_________\n(^١) في (س) و(ف) و(ك): \"اشتراكهما\".","vol":"6","page":498},{"text":"أعواضِ ما عسى ينقطع ويزول بِذِكْرِ (^١) نقائِضِها، ليطرُقَ سمعَه بأصناف الشِّقوَة المحذَّرِ منها (^٢).\nوإنَّما عدلَ عن الأصل المألوف في الذِّكرِ - أي: المنزَّل - تنبيهًا على أنَّ الأوَّلَيْن أصلان، وأنَّ الأخيرَيْن متمِّمان على التَّرتيب (^٣)، فالامتنان على هذا الوجه أظهر، ولهذا فرَّقَ بين القرينَيْن (^٤)، فقيل أوَّلًا: ﴿إِنَّ لَكَ﴾، وثانيًا: ﴿إِنَّكَ﴾.\nوقرئ ﴿وَأَنَّكَ﴾ بالفتح (^٥)، عطفًا على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ وإنْ لم يجز دخول (إنَّ) على (أنَّ)؛ لأنَّ الواو ليس حكمها حكم (إنَّ)؛ لأنها نائبة عن كلِّ عامل، لا عن (^٦) خصوص (إنَّ) لتعلَّل بامتناع توارد حرفين يعملان عملًا واحدًا، وكذلك لم توضع للتَّحقيق خاصَّة لتعلَّل بامتناع اجتماع حرفَيْن لمعنًى (^٧) واحدٍ، على أنَّها وإنْ كانت نائبة إلَّا أنَّها ليست في قوَّة المنوب عنه، فلذلك عُومِل معها ما لا يعامَل معه، كقولك: ليس زيدٌ قائمًا ولا قاعدًا، ولا يجوز أن تقول: ليس لا قاعدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2468\"> </span>(١٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.\n_________\n(^١) \"بذكر\" متعلق بـ \"بيان وتذكير\" على التنازع. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٣١).\n(^٢) في (ف) و(م): \"المحذر عنها\"، وفي (ك): \"المحذور عنها\"، والمثبت من (س).\n(^٣) في هامش (س): \"يعني: أن الريَّ متمم للشبع، والكنّ متمم للكسوة\".\n(^٤) في (ف): \"القرينتين\".\n(^٥) قرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة والباقون بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٣).\n(^٦) في (م): \"لأن\".\n(^٧) في (ف): \"لمعين\".","vol":"6","page":499},{"text":"﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: فوسوسَ مُنْهيًا إليه وسوسته (^١).\n﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ وهو الخلود، موهمًا أنَّ كلَّ مَن أكلَ منها خُلِّدَ، فهو سببُ الخلود بزعمه.\n﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾: لا يَخلَقُ ولا يضعفُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2469\"> </span>(١٢١) - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾.\n﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قد سبقَ القولُ فيه.\n﴿وَعَصَى﴾ العصيانُ: وقوعُ الفعل أو التَّركِ على خلاف الأمر أو النَّهي، وقد يكون عمدًا فيكون ذنبًا، وقد يكون خطأً فيكون زلَّةً.\n﴿آدَمُ رَبَّهُ﴾ بعدم الانتهاء بالنَّهي.\n﴿فَغَوَى﴾ عن الرُّشْد، حيث اغترَّ بقولِ العدوِّ، أو عن المطلوب وهو الخلد والملكُ الباقي، وفي النَّعي عليه بالغيِّ مع صِغَرِ زلَّته تعظيمٌ لها، وتشديدٌ عليه في العِتاب وتغليظٌ؛ لعلوِّ مرتبته وعدم مناسبة الزَّلَّة لمقامه، وزجرٌ بليغٌ، وموعظةٌ كافَّة لأولاده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2470\"> </span>(١٢٢) - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾.\n﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾: اصطفاه بالتَّوفيق للتَّوبة والقَبولِ بعدَها والتَّقريب، من جُبِيَ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"وسوسة\".","vol":"6","page":500},{"text":"إليَّ كذا فاجتبيْتُه، ونحوه: جُلِيَتْ عليَّ العروسُ فاجتليتُها (^١)، فأصلُ الكلمةِ الجمعُ.\n﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فقبِلَ توبتَه لَمَّا تابَ ﴿وَهَدَى﴾ إلى الثَّباتِ على التَّوبةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2471\"> </span>(١٢٣) - ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.\n﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الخطاب لآدم وحوَّاء، لا له ولإبليس لأنَّه قد خرج منها قبلَ هذا؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤].\n﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قد سبقَ القولُ فيه.\n﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾: من الكتاب والرَّسول.\n﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2472\"> </span>(١٢٤) - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ &gt;\n﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن الهدى الذَّاكر لي.\n﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾: ضيقًا، مصدر وُصِفَ به، ولذلك يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث.\nوقرئ: (ضَنْكَى) كسَكْرَى (^٢).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"جبيت عليَّ العروس فاجتبيتها\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٩٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٤١)، و\"تفسير أبي السعود\" (٦/ ٤٧).\n(^٢) بألف التأنيث وبلا تنوين وبالإمالة. نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٠)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ١٥٩).","vol":"6","page":501},{"text":"وذلك أنَّ المُعْرِضَ عن ذِكْرِهِ حريصٌ على الدُّنيا متهالكٌ عليها، لا يزال همُّه مصروفًا إلى الازدياد منها يجمع ويمنع، وعلى (^١) ما في أيدي النَّاس فيطمع، ويغلب عليه الشُّحُّ فيضيق عيشه، بخلاف الذَّاكر المتوجِّه إليه، التَّابع للهدى، المتوكِّل عليه في أمره، فإنَّه يعلم أنَّ رزقَه على الله، فيسمح بما في يده وينفق، فيعيش عيشًا رافعًا (^٢)، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، على أنه تعالى قد يضيِّق بشؤم الكفر ويوسِّع ببركة الإيمان، كما قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].\n﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ وقرئ بالجزم (^٣) عطفًا على محلِّ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾؛ فإنَّه جوابٌ للشَّرط.\n﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ عن ابن عباس ﵄: أعمى البصر (^٤)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وهو الوجه المناسب للسُّؤال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2473\"> </span>(١٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ في الدُّنيا.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"ويطمع على\" والمثبت من (س).\n(^٢) في (ك): \"رافغًا\".\n(^٣) نسبت لأبان بن تغلب. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٠).\n(^٤) انظر: \"زاد المسير\" (٢٢/ ٣٣٢)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٣٨٨). والطبري روى تفسير العمى بعمى البصر عن مجاهد في \"تفسيره\" (١٦/ ٢٠١).","vol":"6","page":502},{"text":"<span id=\"aya-2474\"> </span>(١٢٦) - ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.\n﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾؛ أي: ذلك فعلْتَ أنت، والكاف مقحم إقحامًا كاللَّازم لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم (^١)، ثمَّ فسَّره فقال:\n﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ واضحةً نيِّرةً ﴿فَنَسِيتَهَا﴾: فعميْتَ عنها وتركتَها غيرَ منظورة.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ تركِكَ إيَّاها ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾: تُتْرَك في العمى والعذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2475\"> </span>(١٢٧) - ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ بالانهماك في الشَّهوات والإعراض عن الآيات.\n﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بل كذَّبها وخالفها.\n﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾؛ أي: وللحَشر على العمى الذي لا يزول أبدًا أشدُّ من ضيق العيش المنقضي، أو: ولَتَرْكنا إيَّاه في العمى أبدًا أشدُّ وأبقى من تركه لآياتنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2476\"> </span>(١٢٨) - ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.\n﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ﴾ مسنَدٌ إلى اللهِ، أو الرَّسول، أو ما دلَّ عليه: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: إهلاكُنا إيَّاهم، أو الجملةِ بمضمونها (^٢).\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"مر تحقيقه في سورة البقرة وتفصيله في شرح سعد الدين للكشاف. منه\". قلت: لم يتقدم في البقرة سوى إشارة لإقحام الكاف دون توسع في التحقيق، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.\n(^٢) قوله: \"أو الجملة بمضمونها\" بالجرّ معطوف على \"اللهِ\"؛ أي: الفاعلُ هو هذا اللفظ باعتبار دلالته =","vol":"6","page":503},{"text":"والفعلُ على الأوَّلينِ معلَّق يجري مجرى (أعلم)، ويدلُّ عليه القراءة بالنُّون (^١).\n﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ كنايةٌ عن مشاهدتهم آثارَ هلاكهم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾: لذوي العُقول النَّاهية عن التَّغافل والتَّعامي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2477\"> </span>(١٢٩) - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾.\n﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمة السَّابقة بتأخير عذاب (^٢) هذه الأمَّة إلى الآخرة.\n﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾: لكان مثلُ ما نزل بعاد وثمود من عذابنا (^٣) لازمًا لهؤلاء الكفرة.\nواللِّزامُ إمَّا مصدر وُصِفَ به، وإمَّا فِعال بمعنى مِفْعَل اسم آلة اللَّازم (^٤)، سمِّي به اللَّازم لفرطِ لزومه.\n﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ عطف على ﴿كَلِمَةٌ﴾، أو على المستكِنِّ في (كان)، وهو ضمير ذلك المُشَار به إلى الإهلاك؛ أي: ولولا قضاءٌ سابقٌ ووعدٌ بتأخير عذاب هذه الأمَّة إلى يوم القيامة، أو يوم بدر، وأجلٌ مسمىًّ لأعمارهم لكان … إلخ، والفصل للدِّلالة على استقلال كلٍّ منهما بنفي لزوم العذاب.\n_________\n= على معناه لا بقطع النظر عنه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٣٣). وجاء في هامش (ف) و(م) و(س): \"أي: أفلم يهد لهم هذا القول، والمراد هدايتهم بمضمونها. منه\".\n(^١) أي: (نهدِ). انظر: \"زاد المسير\" (٥/ ٣٣٣)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ١٦٣).\n(^٢) \"عذاب\" من (م) و(س).\n(^٣) في (م): \"عذاب الدنيا\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"اللزوم\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٤٢).","vol":"6","page":504},{"text":"أو: ولولا هذه العِدَةُ لكان الأخذ العاجل وأجلٌ مسمًّى لازمَيْن لهم، كما كانا لازِمَيْن لعادٍ وثمودَ، ولم ينفرد الأجل المسمَّى عن الأخذ العاجل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2478\"> </span>(١٣٠) - ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾.\n﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ الفاء للسَّببية، جزاءٌ لشرط مقدَّر؛ أي: إذا لم تعذِّبهم ولم تهلكهم لِمَا ذُكِرَ فاصبر.\n﴿وَسَبِّحْ﴾ تقييد التَّسبيح بالأوقات المخصوصة قرينةٌ لكونه مجازًا بمعنى الصَّلاة، وإلَّا فلا وجهَ للتَّخصيص بها، وقوله:\n﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حالٌ؛ أي: وصلِّ وأنتَ حامدٌ (^١) لربِّك على هدايتِه وتوفيقِه.\n﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾؛ أي: الفجر.\n﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾؛ أي: الظُّهر والعصر؛ لأنَّهما في النِّصف الأخير من النَّهار.\n﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: ومن ساعاته، جمع إِنِّى بالكسر والقصر، وأناءٍ بالفتح والمد.\n﴿فَسَبِّحْ﴾؛ أي: المغربَ والعشاءَ وصلاةَ التَّهجد، وإنَّما قدَّمَ الزَّمان فيه لاختصاصه بمزيد الفضل (^٢)؛ لأنَّ الميل فيه إلى الاستراحة أقوى، فكانت العبادة فيه على النَّفسِ أشدُّ وأشقُّ، فكانَ الثَّواب أكثر، ولأنَّ القلب فيه أجمع، والفراغَ إلى الله\n_________\n(^١) في (م) و(س): \"وصل أنت حامدًا\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للمصدر السابق.\n(^٢) قوله: \"وإنما قدّم الزمان فيه .. \" يعني تقديمَ قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ على قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ الذي تعلق به. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٣٤).","vol":"6","page":505},{"text":"تعالى والخلوة (^١) به أيسر وأكثر، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].\n﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: تكريرٌ لصلاتَي الصُّبح والمغرب لمزيَّتهما؛ لكونهما مختلف الملائكة ومجتمعهم.\nمعناه: تعمَّد آناءَ اللَّيل وأطراف النَّهار مختصًّا لها بصلاتك، وفي جمع الأطراف مجاوبة الآناء مع الأمن من الإلباس.\n﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾؛ أي: سبِّح في هذه الأوقات طمعًا ورجاءً أن تنالَ عندَ اللهِ ما تَرْضَى به نفسُك. وقرئ بالبناء للمفعول (^٢)؛ أي: يُرْضِيْكَ ربُّك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2479\"> </span>(١٣١) - ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾.\n﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾؛ أي: نظرَ عينَيْكَ ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ مدُّ النَّظر: تطويلُه مستمرًّا بحيث لا يكاد يُرَدُّ؛ استحسانًا للمنظور وتمنِّيًا أنْ يكونَ للنَّاظر.\n﴿أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا ﴿مِنْهُمْ﴾ مِنَ الكَفَرَةِ، ويجوز أن يكون حالًا من الضَّمير في ﴿بِهِ﴾، والمفعول ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: إلى الذي متَّعنا به - وهو أصنافٌ - بعضَهم وناسًا منهم (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"والخلو\".\n(^٢) وهي قراءة الكسائي وشعبة. انظر: \"التيسير\" (١٥٣).\n(^٣) أي: أنّ (من) تبعيضية وهي مفعول ﴿مَتَّعْنَا﴾، فقوله: \"وهو أصناف\" تفسير للحال، و\"بعضَهم\" بالنصب هو المفعول، و\"ناسًا منهم\" تفسير له. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٣٥).","vol":"6","page":506},{"text":"﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الزَّهرةُ: الزِّينةُ والبهجة.\nوقرئ بفتح الهاء (^١)، وهي لغة فيها، كالجَهَرة في الجَهْرة، أو جمع زاهر، كالجَهَرَة في جمع جاهر.\nنصبٌ على الذَّمِّ، أو على الاختصاص؛ أي: أعني أو أخصُّ، أو على المفعول الثَّاني لِمَا دلَّ عليه ﴿مَتَّعْنَا﴾، أو على تضمينه معنى أعطينا.\nوأمَّا نصبه على البدل من محلِّ الجار والمجرور؛ أي: ﴿بِهِ﴾، أو من ﴿أَزْوَاجًا﴾، على تقدير مضاف؛ أي: ذوي زهرة، فضعيفٌ؛ لأنَّه لا يُقال: مررت بزيد أخاك؛ ولأنَّ الإبدال من الضَّمير العائد إلى الموصول ونحوه ممَّا اختُلِفَ في جوازه.\nوعلى قراءة الفتح نعتٌ على أنه جمع زاهر، وجاز أن يكون حالًا، والإضافة لفظيَّة؛ لأنَّ الأصل: زاهرين الحياة الدُّنيا، وصفٌ لهم بأنهم زاهروا الدُّنيا لتنعُّمهم وبَهاءِ زِيِّهم، بخلاف ما عليه المؤمنون الزُّهَّاد.\n﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾: لنبلوَهم ونختبرَهم ﴿فِيهِ﴾ أو: لنعذِّبهم في الآخرة بسببه.\n﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾: ما ادَّخر لك في الآخرة، أو ما (^٢) رزقَكَ من الهدى.\n﴿خَيْرٌ﴾ ممَّا متَّعناهم به في الدُّنيا ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنَّه لا ينقطع أبدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2480\"> </span>(١٣٢) - ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾.\n﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أمرَه بأن يأمر أهلَ بيته أو التابعين له من أمَّته بالصَّلاة بعدَما أمره بها وبالصَّبر؛ ليتوافقوا في الاستعانة على خصاصتهم بها، لقوله تعالى:\n_________\n(^١) قرأ بها يعقوب من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٢٢).\n(^٢) \"ما\" سقط من (ف).","vol":"6","page":507},{"text":"﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولا تهتمُّوا بأمر الرِّزق والمعاش، ولا تلتفتوا لفتَ أربابِ الثَّروة والرِّياش.\n﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾: وداوم عليها.\n﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾؛ أي: لا نكلِّفكَ أنْ ترزقَ نفسَكَ.\n﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ ففرِّغ بالَك لأمرِ الآخرة؛ لأنَّ مَن كان في عمل الله كان الله في عمله.\nوالحكم في الموضعَيْن عامٌّ في صورة الخطاب الخاصِّ (^١).\n﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾ مخصوصةٌ لها، ويلزم هذا أن تكونَ حُسْنُ العاقبة لأهلها خاصَّة، فلا حاجة إلى التَّقدير (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2481\"> </span>(١٣٣) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلَّا يأتينا محمَّد بآيةٍ دالَّةٍ على صحَّة نبوَّته بناءً على عادتهم في اقتراح الآيات وإنكار ما جاء به منها، وعدم الاعتداد بها تعنُّتًا وعنادًا.\nوتنكير (آيةٍ) يأبى عن حملها على آيةٍ معهودةٍ اقترحوها، فألزمهم بالقرآن الذي هو آخر المعجزات وأعظمها، حيث قال:\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"فلا حاجة في الأول إلى أن يقال: ولا أهلك، وفي الثاني: وإياهم، بل لا وجه له كما لا يخفى. منه\".\n(^٢) في هامش (ف) و(س): \"فيه ردٌّ لمن قال في تفسيره: التقوى لذوي التقوى، ولمن زعم أنَّ المعنى: إنَّ أحسن العاقبة لأهل التَّقوى، بحذف المضاف. صاحب المدارك\".","vol":"6","page":508},{"text":"﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ وذلك أنَّه برهانُ ما في جميع الكتب المنزَلة من حيث إنَّه مُعْجِزٌ بلفظه دونها، فهو بالنِّسبة إليها حجَّةٌ على صحَّتها؛ لاشتماله على ما فيها، وتصديقه إيَّاها مع إعجازه.\nولَمَّا كان برهانًا على ما فيها كان برهانًا على صحَّة نبوَّته؛ للدِّلالة على أنَّها مختصة بنوعٍ من العلم أعلى قدرًا وأشرف من جميع العلوم، وهو خلاصة ما في الكتب الإلهيَّة من العقائد والأحكام، مع كونه أميًّا لم يتعلَّم شيئًا، وبنوع من تركيب الكلام لم يكن أحدٌ يعارضه في الفصاحة والبلاغة عندَ التَّحدي به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2482\"> </span>(١٣٤) - ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبلِ محمَّدٍ ﵇، أو: من قبلِ (^١) البيِّنة، وتذكير الضَّمير لأنَّها في معنى البرهان والدَّليل، أو: مِن قَبل إتيانها، أو إتيانه بها.\n﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالقتل والسَّبي والجزية في الدُّنيا ﴿وَنَخْزَى﴾: بالعذاب ودخول النَّار في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2483\"> </span>(١٣٥) - ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾.\n﴿قُلْ كُلٌّ﴾: كلُّ (^٢) واحدٍ منَّا ومنكم.\n_________\n(^١) في (ف): \"أو قبل\".\n(^٢) \"كل\": ليست في (م).","vol":"6","page":509},{"text":"﴿مُتَرَبِّصٌ﴾: منتظِرٌ لِمَا يَؤول إليه أمرُنا وأمرُكم في العاقبة.\n﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: فانتظروا، وقرئ: (فتمتَّعوا) (^١).\n﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾: المستقيم، وقرئ: (السَّواء) (^٢)؛ أي الوسط، و(السُّوَّى) (^٣)، و(السَّوْءِ) (^٤)؛ أي: الشَّر، و(السُّوَيِّ) (^٥)، وهو تصغيره.\n﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى النَّعيم المقيم.\nو﴿مَنِ﴾ في الموضِعَيْن للاستفهام، ومحلُّ الأولى الرَّفعُ بالابتداء، والثَّانية عطفٌ عليها عطفَ الجملة على الجملة، ويجوزُ أن تكون الثَّانية موصولة بخلاف الأولى - لعدم العائد - فتكون معطوفةً على محلِّ الجملة الاستفهاميَّة المعلَّق عنها الفعل، على أنَّ العلم بمعنى المعرفة، أو على ﴿أَصْحَابُ﴾، أو على ﴿الصِّرَاطِ﴾، على أنَّ المرادَ به النَّبيُّ ﵊.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٠٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٤٤).\n(^٢) بفتح السين والمد. انظر: \"الكشاف\" (٨/ ٥٩٤)، و\"الدر المصون\" (٨/ ١٢٦).\n(^٣) بالضم والقصر وتشديد الواو. انظر: \"الكشاف\" (٨/ ٥٩٤)، و\"روح المعاني\" (١٦/ ٥١٣).\n(^٤) بفتح وسكون وهمز آخره. انظر المصدرين السابقين.\n(^٥) بضم السين وفتح الواو وتشديد الياء. انظر المصدرين السابقين.","vol":"6","page":510},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>سُورَةُ الأَنبيَاءِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2484\"> </span>(١) - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾؛ أي: دنا وقتُ إظهار ما للعبد وما عليه ليُجازَى بهما.\nوالحسابُ: إخراجُ الكميَّة من مبلغ العِدَّةِ.\nوالاقترابُ بالنِّسبة إلى ما مضى، لا عند الله تعالى؛ إذ لا نسبة للكائنات بالقرب والبعد إليه تعالى، أو لأنَّ مبدأه الموت، أو هو كنايةٌ عن ظهور بعض أماراته، ويناسبه:\n﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ تنكيرُها للتعظيم؛ أي: وهم مستقرُّون في غفلة عظيمة لا يُعرف كُنْهُها، وهذا من قَبيل نسبة فعل الأكثر إلى الكلِّ، فلا ينافي كونَ تعريف (النَّاس) للجنس، كما في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية [مريم: ٦٦].\nواللَّام صلة لـ ﴿اقْتَرَبَ﴾، أو تأكيدٌ لإضافة (الحساب) إليهم، كما في قولهم: لا أبا لك، والأصل: اقترب حساب النَّاس، ثمَّ: اقترب للنَّاس الحساب، ثمَّ: اقترب للنَّاس حسابهم، ونحوُه في التَّأكيد تكرير الظَّرف، كقولهم: فيك زيد راغب فيك.","vol":"7","page":7},{"text":"﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن أسباب التَّنبيه؛ كلَّما كُرِّرَ عليهم التَّنبيه (^١)، وجُدِّدَ لهم التَّذكير، وقُرِعَتْ لهم العصا (^٢)، وأُحْدِثَ لهم ذِكْرٌ من الآيات التي تُتلى وقتًا بعد وقتٍ = ما تنبَّهوا بواحدٍ من تلك الأذكار، وما استيقظوا مرَّة من تلك المِرَار، إلَّا استمعوه مستسخرين لاهين يلعبون، فقوله:\n\n<span id=\"aya-2485\"> </span>(٢) - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.\n﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ تقرير لتماديهم في الإعراض والغفلة بأنَّ الله تعالى يجدِّد لهم الذِّكر ويكرِّر على أسماعهم الوعظ ليتَّعظوا، فما يزيدهم استماعُ ذلك إلَّا لعبًا واستخسارًا وتلهِّيًا راسخًا في قلوبهم، وجدًّا وعزيمةً في اللَّهو؛ يعني أنَّهم وإنْ فطِنوا فهُم في قلَّة جدوى فطنتهم، وتمادي ذُهولهم وغفلتهم عن التَّأمُّل والتَّبصُّر، كأنَّ الذُّهولَ مركوزٌ في قلوبِهم، لا فطنةَ لهم أصلًا.\nقوله: ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ خبران، أو الظَّرف حال من المستكِنِّ في ﴿مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ صفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾، أو صلة لـ ﴿يَأْتِيهِمْ﴾.\n﴿مُحْدَثٍ﴾ لم يُرَدْ به حدوثُ نفسه بمعنى مسبوقيَّته بالعدم وإنْ كان صحيحًا؛ لأنَّ الكلام اللَّفظي حادث عند الجمهور، ولا حدوثُ تنزيله كما زعمته الحنابلة المنكِرون حدوثه؛ لأنَّ كلًّا منهما لا يناسب المقام، ولا يلائم\n_________\n(^١) \"كلما تكرر عليهم التَّنبيه\" سقط من (ف)، وفي (م): \"كرر\" بدل: \"تكرر\".\n(^٢) (قرع العصا) أصله من قولهم: إن العصا فرعت لذي الحلم، يضرب لمن إذا نبَّه انتبه، وانظر قصة المثل في \"مجمع الأمثال\" للميداني (١/ ٣٨)، و\"فتوح الغيب\" للطيبي (٢/ ٢٩) و(١٠/ ٢٨٥).","vol":"7","page":8},{"text":"مساقَ الكلام، بل المراد تجدُّد الذكر وقتًا بعد وقت؛ لِمَا عرفْتَ أنَّه أشدُّ تأثيرًا في التَّذكير.\nوقرئ بالرَّفع حملًا على المحلِّ (^١).\n﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حال عن الواو، وكذلك:\n\n<span id=\"aya-2486\"> </span>(٣) - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.\n﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتَّلهِّي، فهما حالان مترادفان.\nوهي من لَهِيْتُ عن الشيء لُهِيًّا ولُهْيانًا: إذا سَلَوْتُ عنه وتركْتُ ذِكْرَه وأضربْتُ عنه، ويعدَّى بـ (عن) و(من) عند الأصمعي (^٢)، وهو في الحديث من باب عَلِمَ؛ أي: مِن لَهِيَ عنِّي يَلْهَى: إذا ذَهَل وغَفَل.\nويجوز أن يكون حالًا من واو ﴿يَلْعَبُونَ﴾، فالحالان متداخلان، وقرئت بالرَّفع (^٣) على أنَّه خبر آخر، فالحال واحدة.\nوفي قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ مبالغةٌ؛ لأنَّ النَّجوى لا تكون إلَّا خفيَّة؛ أي: بالَغوا في إخفائها (^٤).\n_________\n(^١) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٠١)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ١٧٩).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: لها).\n(^٣) نسبت لعيسى. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).\n(^٤) في هامش (ف): \"وينتظم هذا جعلَهم بحيث خفي تناجيهم بها، فمن أخذه مقابلًا له لم يصب، كما لا يخفى. منه\".","vol":"7","page":9},{"text":"﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من واو ﴿وَأَسَرُّوا﴾، وفائدةُ الإبدالِ: الإشعارُ بأنَّهم الموسومون بالظُّلم الفاحش فيما أسرُّوا به، أو منصوب على الذَّمِّ، أو مرفوع بالابتداء، خبره ﴿وأسروا النَّجوى﴾، قُدِّمَ عليه.\nوفائدةُ التَّقديمِ: الاهتمامُ ببيان إسرارهم النَّجوى بالتَّسجيل عليهم بأنَّه ظلمٌ؛ لأنَّ الأصل: وهم أسرُّوا النَّجوى، فوُضع المظهَرُ موضع المضمَر، وقدِّم الإسرار؛ لِيُفهَم منه أنَّ الإسرارَ هو الظُّلمُ.\nثم بيَّنَ أنَّ النَّجوى ما هو؟ بقوله: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ليتمكَّنَ في أنفس السَّامعين بالإبهام (^١) والتَّبيين، ويتحقَّق عندهم أنَّ ذلك هو الظُّلم الفاحش بالدَّليل الواضح؛ لتسميتهم المعجِزَ سحرًا مُبينًا، وادِّعائهم أنَّ كونه سحرًا مشاهدًا بيِّنٌ، واعتقادِهم أنَّ رسولَ اللهِ لا يكون إلَّا مَلَكًا، وأنَّ مَن ادَّعى الرِّسالة من البشر فهو ساحرٌ، وإنكارِهم أن يَحضروا السِّحر الذي لا شكَّ فيه.\nوإنَّما أسرُّوا تشاورًا في استنباط ما يهدم أمرَه، ويُظهر للنَّاس فسادَه؛ تثبيطًا عنه، وعادةُ المتشاورِين الكتمانُ.\nوما ذكر كلُّه في محلِّ النَّصب بدلًا من ﴿النَّجْوَى﴾، أو مفعولًا لـ (قالوا) مضمرًا.\n\n<span id=\"aya-2487\"> </span>(٤) - ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿قُلْ﴾ وقرئ: ﴿قَالَ﴾ (^٢)؛ إخبارًا عن الرَّسول وحكاية لقوله:\n﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ هو آكد من قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: ٧]؛ لأنَّه\n_________\n(^١) في (س) و(م): \"بالإيهام\".\n(^٢) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالألف، وباقي السبعة بغير ألف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٤).","vol":"7","page":10},{"text":"عامٌّ يشملُ السِّرَّ والجهرَ، كأنَّه قال: يعلمُ السِّرَّ كلَّه وغيره، كما أنَّ قولَه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ آكَد من قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨]؛ لعمومه، فعمَّم ولم يقل في مقابلة: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: (يعلم السِّرَّ)؛ ليؤكِّدَ بالطَّريق البرهانيِّ.\nثم قرَّر ذلك وبيَّن بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: مطلقًا دون غيره، فكيف يخفى عليه ما يسرُّون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2488\"> </span>(٥) - ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾.\n﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ ﴿بَلِ﴾ الأولى: إضرابٌ عن تجاوزهم في شأن الرَّسول ﵇ وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاوُلهم في أمر القرآن.\nوالثَّانية: لإضرابهم عن كونه أباطيل خُيِّلَتْ إليه وخُلِّطَتْ عليه إلى كونه مفتريات اختلقَها من تلقاء نفسه.\nوالثَّالثة: لإضرابهم منه إلى أنَّه كلامٌ شعريٌّ يُخيِّلُ إلى السَّامع معاني لا حقيقة لها، ويرغِّبه فيها.\nثمَّ إنَّهم تفنَّنوا في مدارج الإضراب، واعتبروا في كلِّ نحوٍ منه نوعًا من الاعتبار اللَّطيف.\nقيل: أضربوا عن قولهم: ﴿هو سحر﴾ إلى قوله (^١): ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الأحسن: (قولهم).","vol":"7","page":11},{"text":"أي: تخاليط رؤيا، ثمَّ إلى أنَّه كلام افتراء، ثمَّ إلى أنَّه قولُ شاعرٍ، على عادة كلِّ مبطِلٍ في اللَّجلَجةِ والتَّزلزل في التحيُّر واللعثمة (^١)، وذلك يدلُّ على فساد قولهم وبطلانه.\nولا يذهبْ عليك أنَّ حقَّ النَّظم حينئذ: (قالوا بل)، لا: ﴿بَلْ قَالُوا﴾.\nوأمَّا ما قيل: يجوز أن يكون الكلُّ من اللهِ تعالى تنزيلًا لأقوالهم في دَرْج الفساد؛ لأنَّ كونه شعرًا أبعدَ من كونه مفترًى؛ لأَنَّه مشحون بالحقائق، والحكم ليس فيه ما يناسب قول الشُّعراء، وهو من كونه أحلامًا (^٢)؛ لأنَّه مشتملٌ على مغيَّبات طابقَتِ الواقع، والمفترَى لا يكون كذلك، بخلاف الأحلام، وهو [أبعد] من كونه سحرًا لأنَّه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق (^٣) = فمبناه على أن يكون بين الشِّعر والحكمة بونًا بعيدًا، وعلى أن يكون السِّحر كالمعجزة من خوارق العادات، ولا صحَّة لواحدٍ منها:\nأمَّا الأوَّل: فظاهرٌ، وكأنَّ هذا القائل غافل عن قوله ﵇: \"إنَّ مِنَ الشِّعرِ لحكمةٌ\" (^٤).\nوأمَّا الثَّاني: فلأنَّ الحقَّ أنَّ السِّحر إمَّا تمويهٌ لا حقيقةَ له، أو ترتيبٌ لأسبابٍ خفيَّة، وعلى كِلَا التَّقديرين ليس فيه شيءٌ مِن خَرْقِ العادة.\n_________\n(^١) في (ف): \"التحيز والقلسمة\"، وفي (ك): \"التحير والعثلمة\"، وفي (م): \"التحير والعلثمة\"، وفي (س): \"التحيز\" والثانية غير واضحة. ولعل الصواب هو المثبت.\n(^٢) قوله: \"وهو\" الضمير فيه راجع لـ\"كونه مفترى\"، وقوله: \"من كونه\" متعلق بـ (أبعد) مقدرًا. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٤٢). فالمعنى: وكونه مفترى أبعد من كونه أحلامًا.\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٤٦)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) رواه البخاري (٦١٤٥) من حديث أبي بن كعب ﵁.","vol":"7","page":12},{"text":"﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾: بمعجزةٍ عظيمةٍ، وصحة التشبيه في قوله:\n﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ من حيث إنَّه في معنى: كما أتى الأوَّلون بالآيات العظيمة كاليدِ والعصا وإحياء الموتى وإبراء الأكمَهِ؛ لأنَّ إرسالَ الرُّسلِ متضمِّنٌ للإتيان بها. هذا إذا كان (ما) مصدرَّيةً، وأمَّا إذا كانت موصولة، والمعنى: كالتي أرسل بها الأوَّلون، فالتَّشبيه على ظاهره (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2489\"> </span>(٦) - ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أراد بالقرية: أهلَها، فالإيجاز من جهة المجاز لا من جهة الحذف، ولذلك قال في التَّوصيف:\n﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ دون (أهلكناهم)، يريد (^٢): إهلاكهم عند إنكارهم ما اقترحوا من الآيات لَمَّا جاءتهم.\n﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ عند إتيانها، وفي إيلاء الهمزة فاءَ التَّعقيب إنكارُ إيمانهم بعدما لم يؤمن أولئك؛ لأنَّ هؤلاء أعتى منهم وأشدَّ عنادًا وتعنُّتًا، فلو أتوا بما يقترحون لكانوا أعصى منهم وأشدَّ كفرًا، وتنبيهٌ على أنَّ عدم الإتيان (^٣) بما اقترحوا إبقاءٌ عليهم؛ إذ لو أتوا به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمَنْ قبلَهم.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فيه رد للقاضي، حيث فسَّر الكلام على الثَّاني، وأوَّل التَّشبيه على الأوَّل، فتأمَّل. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"يريدون\"، والمثبت من (س).\n(^٣) في (ك): \"الإيمان\".","vol":"7","page":13},{"text":"<span id=\"aya-2490\"> </span>(٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ جوابٌ لقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.\nفإنْ شككتم فيه:\n﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنَّما أمَرَهم بذلك ليخبروهم أنَّ الرُّسلَ كانوا بشرًا ولم يكونوا ملائكةً.\nوالمراد من ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾: أهلُ الكتاب، وإنما أحالهم إليهم للإلزام؛ فإنَّهم كانوا يشاورونهم في أمرِ الرَّسولِ والرَّدِ عليه، ويثقون بقولهم. وبهذا التَّقرير تبيَّن ما في تحرير القاضي من التَّقصير والخلَل، فتأمَّل.\nأو: علماءُ الأخبار، والإحالةُ إليهم لأنَّ إخبارَ الجمِّ الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفَّارًا، وتمام الكلام في هذا المقام قد سبق تفسيره في (سورة النحل).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2491\"> </span>(٨) - ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾.\n﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: ما جعلنا كلَّ واحدٍ منهم، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥].\n﴿جَسَدًا﴾ الجسدُ: جسم الحيوان، مخصوصٌ به كالبدن، بخلاف الجسم والجِرم، وهو عبارة عن روح وجسد، والرُّوح ما لطف، والجسد ما غلظ، وأصله لجمع الشَّيء واشتداده؛ أي: ما جعلناهم جسدًا محضًا ليس فيه (^١) روحٌ متصرف حتى يتحلَّل فيحتاجَ إلى البدل، فقوله:\n_________\n(^١) \"فيه\" من (ك) و(م).","vol":"7","page":14},{"text":"﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ تقريرٌ وتأكيدٌ لذلك المعنى، وجوابٌ لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]، ولما كان التَّغدي به من لوازم التَّحليل المؤدِّي إلى الفَناء كان قوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ تقريرًا وتأكيدًا له، ونفيٌ عن الرُّسل لِمَا اعتقدوا اختصاصه بالملَك؛ تحقيقًا لكونهم من جنس البشر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2492\"> </span>(٩) - ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾؛ أي: في الوعيد، فنصب بانتزاع الخافض.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ ممَّا حَلَّ بقومِهم ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾، يعني: المؤمنين، ومَن في إنجائه (^١) حكمة كَمَن سيؤمن هو أو بعض ذرِّيته، ولذلك حُميت العرب عن عذاب الاستئصال.\n﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: المجاوزين الحدَّ بالكفر، ويفهم منه دخول بعض الكافرين تحتَ ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2493\"> </span>(١٠) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾: صِيْتُكم وشرفُكم (^٢)، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، أو: موعظتُكم، أو: ما تطلبون به حُسنَ الذِّكر من مكارم الأخلاق.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"إلجائه\"، والمثبت من (س).\n(^٢) في (م): \"وما شرفكم\".","vol":"7","page":15},{"text":"والكتابُ: القرآنُ، والخطابُ لقريشٍ أو لعامَّة العرب.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنوا به، والفاء كالتي في: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، وكذا الاستفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2494\"> </span>(١١) - ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.\n﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ واردةٌ عن غضبٍ (^١) شديدٍ؛ لأنَّ القَصْمَ أفظعُ الكسر؛ لأنَّه كسرٌ يَبيْنُ تلاؤمَ الأجزاء، بخلاف الفصم - بالفاء -، ولإيردها في صورة التَّكثير.\n﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ لَمَّا أُقيْمَتِ القريةُ مقامَ أهلِها، أو تجوُّزَ بها عن (هم) (^٢)، وُصِفَتْ بصفتهم، فقيل:\n﴿كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا﴾: بعد إهلاكها.\n﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مكانهم، وللدلالة على تعدِّي الغضب في شأنهم - أي: إهلاك قريتهم أيضًا بإخراجها عن صلاحية الانتفاع بها - قال: ﴿بَعْدَهَا﴾، ولم يقل: (بعدهم)؛ إظهارًا للتَّوسُّع السَّابق، واعتبارًا لما يقتضيه اللَّاحق، فإنَّ الضَّمير في قوله:\n\n<span id=\"aya-2495\"> </span>(١٢) - ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾.\n_________\n(^١) أي: دالةٌ عليه؛ للتعبير فيها بالقصم وهو كسر يفرِّق الأجزاء ويُذهب التئامها، ولذا أتى فيه بالقاف الشديدة، بخلاف الفصم بالفاء الرخوة فإنه لمَا لا إبانة فيه فأتى بتركيب اللفظ على وفق المعنى. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٤٤).\n(^٢) في (ف): \"عنهم\".","vol":"7","page":16},{"text":"﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾ لأهل القرية ﴿بَأْسَنَا﴾؛ أي (^١): أدركوا بالحسِّ عيانًا ومشاهدةً شدَّة عذابنا، على الاستعارة في الإحساس، ويجوز أن يكون من قَبيل الاستعارة في البأس.\n﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾: من القرية، و﴿إِذَا﴾ للمفاجأة.\n﴿يَرْكُضُونَ﴾ الرَّكضُ: ضربُ الدَّابة بالرِّجْلِ؛ أي: يهربون مسرعين، على الكناية.\nويحتمِلُ التَّمثيلَ على تشبيههم في الإسراع وشدَّة العَدْوِ بمَنْ (^٢) يرَكِضُ الدَّابةَ، وأن يكون:\n\n<span id=\"aya-2496\"> </span>(١٣) - ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾.\n﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ قولًا بلسان الحال يشير إلى أنَّهم خُلقاء بأنْ يُقال لهم ذلك وإن لم يُقَلْ، أو يُقالُ (^٣) استهزاءً، والقائل (^٤) مَلَكٌ أو مَن ثمَّةَ مِنَ المؤمنين. أو حديثًا تُحدِّثُ به أنفسُهم تحسُّرًا.\n﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ من العيش الرافهِ (^٥) والتَّنعُّم.\nوالإترافُ: إبطار النِّعمة، والاسم: التَّرفه.\nأو: ارجعوا إلى وبالِ ما أُترفتم فيه.\n﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ في النَّار، أو: التي كانت لكم.\n_________\n(^١) \"أي\" من (م).\n(^٢) \"بمن\" سقط من (م).\n(^٣) في (س) و(ف) و(ك): \"أو المقال\".\n(^٤) في (س) و(ك) و(م): \"أو القائل\".\n(^٥) في (ك): \"والترفه\".","vol":"7","page":17},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ غدًا عن أعمالكم، أو كنايةٌ عن العذاب؛ فإنَّ السُّؤال مُقدِّمتُه، أو تهكُّمٌ وتوبيخٌ؛ أي: ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى يَسألَكم مَن ينفذ فيه أمرُكم ونهيُكم، أو يسألكم النَّاس في أنديتكم المعاونة (^١) في نوازل الخطوب أو يسألكم الوافدون عليكم ويستمطِرون (^٢) سحابَ ما في أيديكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2497\"> </span>(١٤) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\nولَمَّا أخذهم العذاب ولم يروا وجهَ النَّجاة: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ اعترفوا بالاقتراف حين لا ينفع الاعتراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2498\"> </span>(١٥) - ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾.\n﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ الإشارة إلى ﴿يَاوَيْلَنَا﴾ لأَنَّها دعوى؛ أي: فما زالَتْ تلك الدَّعوى دعواهم.\nوالدَّعوى: الدَّعوة؛ لأن المُوَلْوِلُ يدعو الويلَ، ويقول: يا ويلُ تعال (^٣) فهذا أَوانُكَ.\nوالويلُ: الوقوعُ في الهلكة.\n_________\n(^١) في (ف): \"المقاولة\"، وفي \"الكشاف\" (٣/ ١٠٦): (المعاون)، وهي جمعُ المعونة.\n(^٢) في (م): \"وافدون عليكم ويستخطرون\".\n(^٣) في (م): \"يقال\".","vol":"7","page":18},{"text":"﴿تِلْكَ﴾ اسم ﴿فَمَا زَالَتْ﴾، و﴿دَعْوَاهُمْ﴾ خبرُه، أو بالعكس، وتعيُّنُ الأوَّل إنَّما هو في نحو: ضرب موسى عيسى، مما يَختلف أصل المعنى باختلاف الإعراب.\n﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ﴾ الضَّمير المنصوب هو الذي كان مبتدأً، و: ﴿حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ كانا خبرين، فنصبَهما (جَعَل) جميعًا على المفعوليَّة، لا على أنها تقتضي ثلاثة مفاعيل، بل على أن الأخيرين (^١) في حكم الواحد؛ أي: جعلناهم جامعِينَ لمماثلة (^٢) الحصيد والخمود، كقولهم: هذا حلوٌ حامضٌ؛ أي: جامعٌ للطَّعْمَين.\nشُبِّهوا في استئصالهم وسقوطهم بالزَّرع المحصود، وفي دمارهم وسكونهم بالنَّار الخامدة.\nوإفراد ﴿حَصِيدًا﴾ دلَّ على أنَّ المِثْلَ مرادٌ، فخرج الكلام عن حدِّ الاستعارة إلى حدِّ التَّشبيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2499\"> </span>(١٦) - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ﴾: ما في جهة العلوِّ والسُّفلِ.\n﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من العجائب والبدائع ولطائف الصَّنائع.\n﴿لَاعِبِينَ﴾ كما يصنع أبناء الدُّنيا، إنَّما خلقناهما تسبيبًا لِمَا تنتظِم به أمورُ\n_________\n(^١) في (ف): \"الآخرين\".\n(^٢) في (م): \"بمماثلة\".","vol":"7","page":19},{"text":"العباد في المعاش والمعاد، وتبصرةً لأولي الألباب والأبصار، وتذكرةً لذوي الاعتبار من النُّظَّار، فليَعتبرْ بها طلَّابُ الكمال، ولا يغترُّوا بزخارفها، فإنَّها سريعةُ الزَّوال، ثمَّ بيَّنَ بقولِه:\n\n<span id=\"aya-2500\"> </span>(١٧) - ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.\n﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ أنَّ السبَّبَ في تركِ اتِّخاذ اللَّهوِ هو الحكمةُ البالغةُ، وإلَّا فالقدرة الباهرة (^١) لا تنحسر عن ذلك إن أراد فعله، فإنَّه على كلِّ ما يشاء قدير، والحكمةُ وإنْ لم تكن منافيةً لاتخاذ (^٢) اللَّهوِ - وهو ما يُتلهَّى به، ويندرج فيه اللَّعب - لكنَّها منافيةٌ لأنْ يَفعلَ فعلًا يكون به لاهيًا.\n﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: مِن عالَم الغيب، لا من عالَم الشَّهادة؛ لأنَّه أشنعُ وأبعدُ من شأن الحكيم.\n﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ذلك، ويدل على جوابه الجوابُ المتقدِّمُ.\nوقيل: ﴿إِنْ﴾ نافية، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار؛ لأنَّه لا يناسب المقام، والجملة كالنَّتيجة للشَّرطيَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2501\"> </span>(١٨) - ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾.\n﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ إضراب عن اتِّخاذ اللَّهو، وتنزيهٌ لذاته من\n_________\n(^١) من هنا وقع سقط في (م) بمقدار صحيفتين وينتهي عند قوله: \"من جملتها\"، وسننبه على انتهائه في مكانه.\n(^٢) في النسخ: \"لإيجاد\"، والمثبت من \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٤٦)، و\"روح المعاني\" (١٧/ ٣٩).","vol":"7","page":20},{"text":"اللَّعب؛ أي: بل من شأننا أن نغلِّبَ الحقَّ الذي من جملته الجدُّ على الباطل الذي من عداده (^١) اللَّهو.\n﴿فَيَدْمَغُهُ﴾: فيَمحقُه ويُفنيه، من دُمِغ الرَّجلُ: إذا شُجَّ شجَّةً تبلغُ أمَّ الدِّماغ، فلا يحيى صاحبُها بعدَها أبدًا (^٢).\nاستعار القذف - الذي هو الرَّميُ البعيدُ المستلزِمُ لصلابة المرميِّ - لإبطال الباطل بالحقِّ؛ تصويرًا لإبطاله به ومحقِه في صورة جِرمٍ صلبٍ - كالصَّخرة مثلًا - قُذِفَ به على جِرْمٍ رخوٍ أجوفَ فدمغه؛ قضاءً لحقِّ البلاغة.\nوقرئ: (فيدمَغَه) بالنَّصب (^٣)، ووجهُه - مع بُعْدِه - الحملُ على المعنى، والعطف على ﴿بِالْحَقِّ﴾.\n﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾: هالكٌ، الزُّهوق: ذهابُ الرُّوح، وذكرُه لترشيح المجاز.\n﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾: ممَّا تصفونه ممَّا ينافي حكمته ويستحيل عليه، وهو في موضع الحال، و(ما) مصدرَّية، أو موصولة، أو موصوفة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2502\"> </span>(١٩) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.\n﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"عداد\".\n(^٢) \"أبدًا\" من (ف).\n(^٣) نسبت لعيسى بن عمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١)، و\"البحر\" (١٥/ ١٩٣).","vol":"7","page":21},{"text":"﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ منزلةً ومكانةً، لا منزلًا ومكانًا؛ يعني: الملائكة. شُبِّهوا في كرامتهم عندَ الله وقربهم بالمقرَّبين عند الملوك من زمرة خواصِّهم؛ بيانًا لشرفهم.\nويوقف على ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ (مَن) مبتدأٌ خبرُه: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: لا يتعظَّمون عنها.\nويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، والمعنى: له مَن في عالَم الشَّهادة ومَن في عالَم الغيب.\n﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾: ولا يَعيَون منها، وإنَّما نُفي الاستحسارُ - وهو مبالغةٌ في الحسور - للإيماء إلى أن ما هم فيه من دوام العبادة والدور بلا فترةٍ يوجب غاية الحسور (^١)، وهم لا يحسرون، وإلَّا لكان نفي أدنى حسورٍ أبلغ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2503\"> </span>(٢٠) - ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾.\n﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزِّهونه ويعظِّمونه دائمًا.\n﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ حال من الواو في ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، وهو استئنافٌ، أو حالٌ مِن الضمير قبلَه (^٣).\n_________\n(^١) من قوله: \"للإيماء … \" إلى هنا ساقط من (ف) و(ك).\n(^٢) مراد المؤلف والله أعلم: أن صيغة الاستفعال المنبئةِ عن المبالغة في الحُسور ليست لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصلِه في الجملة، بل للتنبيه على أن عباداتِهم بثقلها ودوامها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها ومع ذلك لا يستحسرون. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٦/ ٦٠)، و\"روح المعاني\" (١٧/ ٤٥).\n(^٣) في النسخ: \"من ضمير قبله\"، والصواب المثبت، والمراد: ضمير الواو في ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾.","vol":"7","page":22},{"text":"<span id=\"aya-2504\"> </span>(٢١) - ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ ﴿أَمِ﴾ هي المنقطعة بمعنى: (بل) والهمزة؛ للإضراب عمَّا قبلها، والإنكارِ لِمَا بعدَها، وهو اتِّخاذُ آلهةٍ أرضيَّة، وفي قوله:\n﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ سواءٌ كانَ صفة للآلهة، أو متعلِّقًا بالفعل على معنى الابتداء، تجهيلٌ لهم واستركاك لقولهم، وقوله:\n﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ تهكُّم بهم، ولومٌ لهم؛ فإنَّهم وإن كانوا لا يصرِّحون بذلك لكنَّه يلزمهم بادِّعاء الإلهيَّة لها، فإنَّ الإلهَ هو الذي يقدر على كلِّ ممكن، والإنشار من جملتها (^١)، وهم يُنكِرون نسبةَ البعث وإنشار الموتى إلى الله تعالى القادرِ على كلِّ شيء، ويثبتون الإلهيَّة لأصنام نحتوها فلزمهم حصر الإنشار فيهم، فلذلك (^٢) أورد ﴿هُمْ﴾ المفيدَ للحصر؛ مبالغةً في التَّجهيل والتَّوبيخ والتَّهكُّم بآلهتهم، وهو توبيخٌ في توبيخ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2505\"> </span>(٢٢) - ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾: صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾، بمعنى: غيرُ الله؛ لتعذُّر الاستثناء (^٣)، فإنَّ ﴿آلِهَةٌ﴾ جمعٌ منكورٌ غيرُ محصور، لا يشمل الله حتى يُستثنى منه، ولدلالته على أنَّ الفساد إنَّما يلزم من وجود آلهة فيهما دونه، والمرادُ لزومُ الفسادِ من وجودِها مطلقًا سواءٌ (^٤) كانت معه أولا.\n_________\n(^١) هنا نهاية السقط في (م).\n(^٢) في (م): \"ولذلك\".\n(^٣) في هامش (ف): \"لَمَّا تعذَّر الاستثناء تعذَّر الرَّفع على البدل؛ لأنَّه مفرَّع عليه. منه\".\n(^٤) \"سواء\" من (م).","vol":"7","page":23},{"text":"ثمَّ إنَّ الفسادَ الآتيَ ذكرُه لزومُه - على ما ستقف عليه - على تقدير مطلق التَّعدُّد في الإله، وإنَّما فَرَض الآلهةَ غيرَ الله تعالى على وَفق معتقَدِهم؛ لزيادة تجهيلهم في هذا الأمر الجليل الشَّأن، فكأنَّه ضمَّنَ إثباتَ مطلقِ (^١) التَّوحيد إبطالَ معتقدهم على أفحشِ وجهٍ وأشنعِه (^٢).\n﴿لَفَسَدَتَا﴾: لبطلتا؛ لِمَا يكون بينهما من التَّمانُع؛ إذ لا مجال للتَّوافق في المراد، وإلَّا يلزم أن تتطارد عليه القُدَر.\n﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ﴾ المحيطِ بجميعِ الأجرام، الذي هو محلُّ التَّدابير، ومنشأ التَّقادير.\n﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عمَّا يصفونه به ممَّا لا يليق بشأنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2506\"> </span>(٢٣) - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.\n﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لعلوِّ سلطنته، وكمالِ علمِه وعظمتِه، وتفرُّدِه بالألوهيَّة، ولَمَّا كان الملوك والجبابرة عادتهم أن لا يُسألوا عن أفعالهم وتدابيرهم في ملكهم تهيُّبًا وإجلالًا مع جواز الخطأ عليهم، فلَأَنْ لا يُسأل ربُّ الأرباب ومَلك الملوك خالقُ الكلِّ أولى، مع استحالة ذلك عليه.\n﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنَّهم مملوكون مستعبَدون، والضَّمير للآلهة أو للعباد.\n* * *\n_________\n(^١) في (س) و(ف) و(ك): \"مطلب\".\n(^٢) في هامش (ف): \"لا يخفى ما في تقرير القاضي من الخلل فتأمل. منه\".","vol":"7","page":24},{"text":"<span id=\"aya-2507\"> </span>(٢٤) - أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله ﴿آلِهَةً﴾: كرَّره استعظامًا لكفرهم، واستفظاعًا لأمرهم، وتبكيتًا وإظهارًا لغاية جهلهم، وضمًّا لإنكار أن يكون لهم دليل من العقل إلى إنكار أن يكون لهم دليل من النَّقل، ولهذا رتَّب على الأوَّل دليلَ العقل، وعلى الثَّاني دليلَ النَّقل (^١)؛ يعني: أوجدوا آلهة يُنشرون الموتى فاتَّخذوهم آلهة لِمَا وجدوا فيهم من خواصِّ الألوهية، أم وجدوا في الكتب الإلهيَّة المنزَّلة الأمرَ بإشراكهم (^٢) فامتثلوا الأمر؟!\n﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ من العقل والنَّقل؛ فإنَّه لا يصحُّ القولُ بما لا دليل عليه، كيف وقد تطابقت الحُجَج على بطلانه عقلًا ونقلًا؟\n﴿هَذَا ذِكْرُ﴾؛ أي: هذا الوحي الوارد على الأنبياء ﵈ كلِّهم (^٣) عِظَةُ ﴿مَنْ مَعِيَ﴾ يعني: أمَّته ﵇ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: أممَ الأنبياء الماضين ﵈، فانظروا هل تجدون فيها إلَّا الأمرَ بالتَّوحيد، والنَّهيَ عن الشِّرك؟\nوقرئ: (ذكرٌ مَن معي وذكرٌ مَنْ قبلي) بالتَّنوين (^٤)، على أنَّ (مَن) منصوب المحلَّ مفعولٌ للذِّكْرِ، وهو الأصل، والإضافة عارضة.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"وبالجملة: الإعادة لزيادة الإفادة، فإنَّ الأوَّل للإنكار من حيث العقل، والثاني من حيث النقل. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"باشتراكهم\".\n(^٣) في (م): \"كله\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١١١)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٠١).","vol":"7","page":25},{"text":"وقرئ: (مِن معي ومِن قبلي) (^١) على (مِن) الجارَّة، وإدخالُها على (مع) غريب، والوجه أنَّه ظرفٌ نحو: قبلُ وبعدُ وعندَ (^٢) ولَدُنْ وما أشبه ذلك، فدخلت عليه (مِن) كما دخلت على أخواته.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ بل عندهم (^٣) ما هو أصل الشَّرِّ والفساد وأسُّ الغيِّ والضَّلال، وهو الجهل وعدم التَّمييز بين الحقِّ والباطل، فلذلك كانت عادتهم الإعراض عن الحقِّ من التَّوحيد واتِّباعَ الباطل.\nوقرئ: (الحقُّ) بالرَّفع (^٤)، على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وهي جملةٌ مؤكِّدة وسّطت بينَ السَّبب والمسبَّب؛ أي: كون الجهل المحض سببًا للإعراض هو الحقُّ، وقُدِّمَتْ على المسبَّب لشدَّة الاهتمام والاعتناء بأنَّ سبب الإعراض ليس إلَّا الجهل، ويجوز حمل المنصوب على هذا المعنى، كقولك: هذا عبدُ الله الحقَّ لا الباطلَ، و﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فعلٌ منسيُّ المفعول، جارٍ مجرى اللَّازم؛ لسلب (^٥) مطلق العلم عنهم رأسًا، وهذا الوجه أفصح وأعرب.\n* * *\n_________\n(^١) أي: بـ (مِن) الجارة مع تنوين (ذكر) كالتي قبلها، نسبت ليحيى بن يعمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١)، و\"المحتسب\" (٢/ ٦١)، و\"الكشاف\" (٣/ ١١١)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٠١).\n(^٢) \"قبل\" ضبطت في نسخة نفيسة من \"الكشاف\" بالضم فوق اللام والتنوين تحتها، وكذا \"بعد\" بالضم والتنوين، و\"عند\" بالفتح والتنوين، إشارة إلى جواز الوجهين في كل منها.\n(^٣) \"بل عندهم\" من (س).\n(^٤) نسبت لابن محيصن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"لسبب\"، وهو تحريف.","vol":"7","page":26},{"text":"<span id=\"aya-2508\"> </span>(٢٥) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ؛ لأنَّ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ هو خبرٌ للمُشارِ إليه بـ ﴿هَذَا﴾، فلا يتناول إلَّا ذكر الموجودين بينَ أظهُرهم، وهو الكتب الثَّلاثة، والآية مقرِّرة لِمَا سبقها من آي التَّوحيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2509\"> </span>(٢٦) - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ نزلَتْ في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بناتُ اللهِ (^٦).\n﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ له تعالى عن ذلك.\n﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ أضربَ عنه ثمَّ أثبت أنهم عباد، والعبوديَّة (^٧) تنافي الولادةَ، لكنهم مكرَمون مقرَّبون، فمِن ذلك أخطؤوا وزلَّتْ أقدامُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2510\"> </span>(٢٧) - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾: لا يقولون شيئًا حتى يقولَه، كما هو دَيْدَنُ العبيد المؤدَّبين، وأصله: لا يَسبق قولُهم قولَه، فنسبَ السَّبق إليه وإليهم، وجعلَ القولَ أداتَه ومحلَّه؛ تنبيهًا على استهجان السَّبق المعرَّض به للقائلين على الله تعالى ما لم يقله.\n_________\n(^٦) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٢٣٦).\n(^٧) في (م): \"والمعبودية\".","vol":"7","page":27},{"text":"وأُنيب اللَّام مناب الإضافة اختصارًا وتحاميًا (^١) عن تكرير الضَّمير.\nوقرئ: (لا يَسبُقونه) بالضَّمِّ (^٢)، من سابقتُه فسبقتُه أسْبُقُهُ.\n﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: كما لا يسبقونه بالقول لا يسبقونه بالعمل، فلا يعملون إلَّا ما أمرهم به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2511\"> </span>(٢٨) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ كالعلَّة لِمَا قبلَه، والتَّمهيدِ لِمَا بعده؛ أي: إنهم بعين الله تعالى يعلَم ما قدَّموا وما أخَّروا من أعمالهم؛ أي: لا يخفى عليه خافية، فلإحاطتهم بذلك يَضبطون أنفسهم ويتحفَّظون ممَّا (^٣) لم يؤمروا به قولًا وفعلًا.\n﴿وَلَا يَشْفَعُونَ﴾ مهابةً منه ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾: لمن ارتضاه وأهَّله للشَّفاعة.\n﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾؛ أي: إنَّهم مع ذلك كلِّه قاضون حقَّ الهيبة والعظمة على حذرٍ ورِقْبَةٍ (^٤).\nوالخشيةُ: خوفٌ مع تعظيمٍ، ولذلك خُصَّ بها العلماء.\n_________\n(^١) في (ف): \"وتجافيًا\".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).\n(^٣) في (م): \"عما\".\n(^٤) في (م): \"ورقية\".","vol":"7","page":28},{"text":"والإشفاقُ: خوفُ مع الاعتناء؛ فإنْ عُدِّي بـ (مِن) فمعنى الخوف فيه أظهرُ، وإنْ عُدِّيَ بـ (على) فبالعكس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2512\"> </span>(٢٩) - ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾: مِنَ الملائكة، أو مِنَ الخلائق:\n﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ بعدَ أنْ وصفَهم بالكرامة والقُرْب والأوصاف الجميلة والأفعال المرضيَّة هدَّدَ مَن أشركَ منهم على سبيل الفَرْض والتَّقدير، وأنذره بالوعيد الشَّديد، مع إحاطة علمه بأنَّه لا يكون؛ تفظيعًا لشأن المشركين، وتهديدًا لهم بتهديد مدَّعي الرُّبوبيَّة، ومبالغةً في نفي الولد؛ إذ لو أمكنَ لكان ربًّا من جنسه.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: مَن ظلمَ بالإشراك وادِّعاء الرُّبوبيَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2513\"> </span>(٣٠) - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أولم (^١) يعلموا، تقريرٌ، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أنكروا قدرتنا على البعث ولم يعلموا، والكفرةُ وإن لم يعلموا لكنَّهم متمكِّنون من العلم به بالاستفسار من الأخبار (^٢) ومطالعة الكتب، فكأنَّهم علموا.\n_________\n(^١) في (م): \"أو\".\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: \"من الأحبار\"، ففي \"روح المعاني\" (١٧/ ٧٥): \"أو استفسارا من=","vol":"7","page":29},{"text":"وقيل: بالنَّظر؟، فإنَّ الفتقَ به عارضٌ مفتَقِرٌ إلى مؤثِّرٍ موجِبٍ بالذَّات ابتداءً أو بوسط (^١).\nوفيه أنَّ أصالة الرَّتق وعروضَ الفَتق ممَّا لا يستقلُّ في معرفته (^٢) العقلُ.\n﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ إنَّما قال: ﴿كَانَتَا﴾ دون: كنَّ؛ لأنَّ المراد جماعة السَّماوات وجماعة الأرَضين.\n﴿رَتْقًا﴾: ذاتَ رتقٍ، وهو الالتحام، أو: مرتوقتين؛ أي: كانتا شيئًا واحدًا، وحقيقةً متَّحدةً.\nوقرئ: (رَتَقًا) بفتح التَّاء (^٣)، على تقدير: شيئًا رَتَقًا، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، كالنّقَضِ (^٤) والرَّفَض.\n﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ بالتَّنويع والتَّمييز بالصُّوَر المختلفة.\n﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾: وخلقنا من الماء كلَّ حيوانٍ؛ لأنَّه أعظم موادِّه، أو لفرط احتياجه إليه وامتناع وجوده وبقائه بدونه، أو صيَّرنا كلَّ شيء حيِّ بسببٍ من الماء.\n_________\n= علماء أهل الكتاب الذين كانوا يخالطونهم ويقبلون أقوالهم .. أو بمطالعة الكتب السماوية\"، ونحوه في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٥٠).\n(^١) في (ف): \"بوسيط\"، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٥٠).\n(^٢) في (ك): \"معرفة\".\n(^٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).\n(^٤) في (م): \"كالنفض\"، وهو تمثيل صحيح أيضًا، وهو بمعنى المرفوض، ومعناه: ما سقط من الورق والثمر.","vol":"7","page":30},{"text":"وقرئ: (حيًّا) (^١) على أنَّه صفة ﴿كُلَّ﴾ أو مفعول ثانٍ والظَّرفُ لغوٌ.\n﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مع ظهور الآيات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2514\"> </span>(٣١) - ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: ثابتات، مِن رَسى: إذا ثبتَ.\n﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ مفعول له؛ أي: كراهةَ أنْ تميدَ بهم، وقيل: لئلَّا تميدَ بهم، فحذف (لا) لأَمْن اللَّبس (^٢).\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾: في الأرض أو الرَّواسي (^٣).\n﴿فِجَاجًا﴾: جمع فجٍّ، وهو الطَّريق الواسع، وإنَّما قُدِّمَ على: ﴿سُبُلًا﴾ - وهو صفةٌ له - ليصير حالًا مقدَّرةً، فيدلَّ على أنَّه حين خلقَها خلقَها مستعدَّة لذلك، أو ليُبدل منها ﴿سُبُلًا﴾ فيدلَّ ضمنًا على أنَّه خلقَها ووسَّعها للسَّابلة، مع ما يكون فيه من التَوكيد، وأُخَر في قوله: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠] للبيان والتَّوضيح بعد الإبهام.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: ليهتدوا بها إلى مقاصدهم.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لحميد ومعاذ القارئ وابن أبي عبلة. انظر: \"زاد المسير\" (٥/ ٣٤٨)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٢١٠).\n(^٢) في (ف): \"فحذف لأمن الإلباس\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"أو في الرواسي\".","vol":"7","page":31},{"text":"<span id=\"aya-2515\"> </span>(٣٢) - ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ بقدرتنا من أنْ تقع على الأرض بغير عَمَدٍ (^١).\n﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾: أحوالِها الدَّالةِ على وجود الصَّانع وكمال قدرته وحكمته، وهو ما يُحَسُّ منها من الكواكب وحركاتها وأوضاعها، وما يُعلَمُ مِنْ عِلْمَي الهيئة والطَّبيعة.\n﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: هم قوم عادتهم الإعراض (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2516\"> </span>(٣٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ بيانٌ لبعضِ تلك الآيات، والمراد بـ ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ جنسَ الطَّوالع؛ اكتفاءً بأَبْيَنهما.\n﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ التَّنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: كلُّهم.\n﴿يَسْبَحُونَ﴾ حالٌ من ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]، أو استئناف، أو خبر ﴿كُلٌّ﴾.\nوالمراد بالفُلْكِ: الجنسُ، كقولهم: كساهم الأميرُ الحُلَّة.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف) و(م): \"قيل: أو استراق السمع بالشُّهب، ويأباه قوله: ﴿سَقْفًا﴾ فإنَّه حينئذ يضيع، ولا يحمله شأن البلاغة و[…] الإعجاز. منه\". وما بين معكوفتين كلمة لم تجود، ورسمها مثل: \"أتيّ\".\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"مبنى هذا على أنَّه لا يقال: مُعرِض، إلَّا لمن صدر عنه الإعراض مرارًا. منه\".","vol":"7","page":32},{"text":"قالوا: إنَّ تحتَ السَّماء فُلكًا هو موجٌ مكفوفٌ فيه الكواكب كلُّها، ولذلك قال: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ كما يسبح الإنسان في الماء.\nوقيل: شُبِّهَتْ حركتُهما في الإسراع بسباحة السَّابح.\nويردُّه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى من المشبَّه في وجه الشَّبه، وعكسه اللَّازم على ما ذُكِرَ مردودٌ في الكلام البليغ، فكيف في المعجِزِ؟!\nوإنَّما جُمِعَ جمعَ العقلاء لأَنَّهم وُصِفُوا بوصفِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2517\"> </span>(٣٤) - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ كانوا يقولون: نتربَّص به ريب المنون، فنزلَتْ (^١).\nوالفاء في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ لتعليق الشرطيَّة بما قبلَها من التَّمهيد، والهمزةُ لإنكارها بعدما تقرَّر ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2518\"> </span>(٣٥) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: كلُّ نفسِ حيوانٍ تذوقُ مرارة مفارقتها جسدها، وهو تقريرٌ لِمَا مهَّده، وبرهانٌ على ما أنكره.\n﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾: ونعاملكم معاملةَ المختبِر ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾: بما يجبُ فيه الصَّبر من البلاء، وما يجب فيه الشُّكر من النِّعم، وإنَّما قدَّم الشَّرَّ لأنَّه أنسبُ بالابتلاء.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٦/ ٢٧٥).","vol":"7","page":33},{"text":"﴿فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، مصدر من غير لفظه.\n﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم على حسَب ما يوجد منكم من الصَّبر والشُّكر، والجزَع والكفر.\nوفيه إيماءٌ إلى أنَّ المقصودَ من هذه الحياة الدُّنيا الابتلاءُ، والتَّعريضُ للثَّواب والعقاب؛ تقريرًا لما سبق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2519\"> </span>(٣٦) - ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلا مهزوًّا به، ويقولون:\n﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾؛ أي: بسوءٍ، وإنَّما أطلقَه لدلالة الإنكار والتَّعجُّب المفهومَيْن مِن قولهم: ﴿أَهَذَا﴾.\n﴿وَهُمْ﴾ خاصَّةً ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: بذكرك للرَّحمن بالخير، وما يجب أن يُذْكَر به كالتَّوحيد والثَّناء عليه بما هو أهله من التَّسبيح والتَّمجيد.\n﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾ فهم أحقُّ أنْ يُتَّخذوا هزوًا؛ لأَنَّك محقٌّ وهم مبطلون، فتقديم ذكر الرَّحمن على الكفر دلالةٌ على تخصيصهم الكفرَ بذكر الرَّحمن دون آلهتهم، فإنَّهم عاكفون على ثنائهم وتعظيمهم.\nوالجملة في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: يتخذونك هزوًا وحالُهم أنَّهم على شيءٍ هو أصل الهزءِ والسُّخرية.\n* * *","vol":"7","page":34},{"text":"<span id=\"aya-2520\"> </span>(٣٧) - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.\n﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ جعلَ ما طُبِعَ عليه بمنزلةِ ما طُبِعَ هو منه مبالغةً في فرط استعجاله وقلَّة تأنِّيه، وهو تمهيد لنهيهم عن الاستعجال، ومِن عَجَلَتِه استعجالُ الوعد.\n﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾: نقماتي في الدُّنيا كوقعة بدر، وفي الآخرة عذاب النَّار.\n﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالإتيان بها.\nوالمفهومُ ممَّا تقدَّم أنَّ الإنسان إذا خُلِّيَ وطبعَه يكون على العجلة، وهذا لا ينافي النَّهي عنها بل يستوجبه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2521\"> </span>(٣٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: وقتُ وعدِ العذاب، أو القيامةِ.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنون النَّبيَّ ﵇ وأصحابَه ﵃.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2522\"> </span>(٣٩) - ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ ذكر الوجوه لأنَّها أشرف ما (^١) في ظاهر الإنسان، ومحلُّ حواسِّه، وهو أحرص على الدِّفاع عنه من غيره من أعضائه.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بما\"، وفي (ك): \"مما\"، والمثبت من (س)، وهو الصواب.","vol":"7","page":35},{"text":"﴿وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، و﴿حِينَ﴾ مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أي: لو يعلمون الوقت الذي يستسخرون عنه بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، وهو وقتٌ صعبٌ تحيط بهم النَّار فيه من قدَّامٍ وخلف، فلا يقدرون على دفعها من (^١) أنفسهم، ولا يجدون ناصرًا ينصرهم = لَمَا كانوا بتلك الصِّفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكنَّ جهلهم به هو الذي هوَّنه عليهم، أو: لَمَا استعجلوا مستهزئين.\nأو منصوب بمضمَر، و﴿يَعْلَمُ﴾ مطلَق بلا مفعول، مُجرًى إجراء اللَّازم؛ أي: لو كان لهم علم لَمَا كانوا مستعجلين، حين (^٢) لا يكفُّون عن وجوههم النَّار ولا عن ظهورهم يعلمون أنَّهم كانوا على الباطل، وينتفي عنهم هذا الجهل العظيم.\nوإنَّما وُضعَ الظَّاهر فيه موضِعَ المضمَر (^٣) للدِّلالة على ما أوجب لهم ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2523\"> </span>(٤٠) - ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\n﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾: فجأة، مصدر أو حال، أضرب عن كفِّ النَّار عن وجوههم وظهورهم؛ أي: لا يكفُّونها، بل تفجأهم.\n﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾: فتغلبُهم، يقال للمغلوب في المحاجَّة: مبهوت.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، ولعل الأنسب بالسياق: (عن).\n(^٢) \"حين\" منصوب بما سيأتي من قوله: \"يعلمون\"، وهذا الفعل هو المضمر الذي أشار إليه بقوله: \"أو منصوب بمضمر\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"الضمير\".","vol":"7","page":36},{"text":"وقرئ الفعلان على التَّذكير (^١)، والضَّمير للوعد أو للحين، وعلى التَّأنيث يجوز أن يرجع إلى العِدَةِ أو الموعدة أو الحين، على تأويل السَّاعة أو النَّار أو البغتة.\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾: فلا يقدرون على دفعها.\n﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يمهلون، وفيه تذكيرٌ لهم بإمهالهم في الدُّنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2524\"> </span>(٤١) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: تسلية لرسول الله ﷺ.\n﴿فَحَاقَ﴾: فحلَّ ونزلَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ جزاء ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وعدٌ له ﵇ بأنَّه يحيق بهم ما يفعلونه به (^٢)، كما حاقَ بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2525\"> </span>(٤٢) - ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أمرَ رسولَه ﵇ بسؤال المستهزئين عمَّن يحفظهم دائمًا، وإنَّما قدَّم اللَّيل لأنَّ الحاجة إلى الحفظ أكثر وأظهر.\n﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: مِن بأسِه إن أراد بكم.\n_________\n(^١) نسبت للأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).\n(^٢) في (ف): \"يفعلون به\".","vol":"7","page":37},{"text":"قيل: في ذكر اسم ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيهٌ على أنْ لا كالئ غيرُ رحمته العامة، وأنَّ اندفاع البأس عن النَّاس لا يكون إلَّا بها.\nوعندي أنَّ التَّنبيه فيه على أنَّ رحمته العامةَ لا تمنعه عن الغضب، فلا تغترُّوا بها، ولا يخفى أنَّ هذا هو الأنسب للمقام.\n﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ إضرابٌ عن مقدَّر؛ أي: إنهم غير معرضين عن ربهم، وليسوا بغافلين عنه، حتى لا يجدي السُّؤال عنه، كيف وهم يتَّخذون الآلهة ويعبدونها في كلِّ وقت للشَّفاعة عنده تعالى، بل معرضون عن ذكره، فالتذكير يناسب حالهم (^١).\nوهذا المعنى مع ظهوره من مَساق الكلام، ووضوح انطباقه لمقتضى المقام، قد خفي على النَّاظرين فيه حتى قالوا (^٢): لا يُخْطرونه ببالهم، فضلًا أن يخافوا بأسه، حتى إذا كُلِئوا منه عرفوا مَنِ الكالئ، وصلحوا للسؤال عنه.\nولم يتنبَّهوا أنَّه حينئذ لا يبقى وجه للأمر بالسُّؤال، وأيضًا حينئذٍ تضيع عبارة الذِّكر، بل تخلُّ بالمقصود؛ لإيهامها الشُّعور في الجملة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2526\"> </span>(٤٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾.\n﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ تحفظهم مانعين العذاب ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ أضربَ عمَّا تقدَّم، منكرًا لكلاءة آلهتهم ومنعهم من العذاب متجاوزًا منه تعالى، أو من عذاب\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف): \"فإن الإعراض عن الشيء يكون كناية عن الغفلة والنسيان بخلاف الإعراض عن ذكره فإنه ينبئ عن حضوره في الذهن وشعوره. منه\".\n(^٢) القائل هو الزمخشري وتابعه البيضاوي.","vol":"7","page":38},{"text":"يكون من عنده، بما في ﴿أَمْ﴾ من معنى (بل) والهمزةِ، وهذا الإضراب ليس للإبطال ولا للتَّرقي بل للانتقال من كلام إلى آخر.\nقيل: والإضرابان عن الأمر بالسُّؤال على التَّرتيب، فإنَّه عن المعرِض الغافل عن الشَّيء بعيد، وعن المعتقِد لنقيضه أبعد.\nوقد عرفْتَ فساد مبناه، ثمَّ إنَّه لا ينتظِم مع ذلك الاعتبارِ ما في الإضراب الثاني من زيادة الإنكار، وبعد اللُّتيا والَّتي قوله (^١): المعتقِد لنقيضه، فريةٌ ما فيها مريةٌ؛ لِمَا نبَّهت عليه آنفًا.\n﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: يجارون، يُقال: صَحِبَكَ الله؛ أي: حفظك وأجارَك، استئناف بإبطال ما ذُكِرَ؛ فإنَّ مَن لا يقدر على نصر نفسه ولا يحفظه الله كيف ينصرُ غيرَه ويحفظه؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-2527\"> </span>(٤٤) - ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.\n﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ ثمَّ أضرب عن المتوهَّم المتبادِر من ظاهر حالهم بعدما أنكره ببيان أنَّ ما هم عليه من الحفظ والكلاءة إنَّما هو منَّا لا من مانعٍ يمنعهم من إهلاكنا، وإنَّما حفظناهم للاستدراج، وهو تمتيعه تعالى إيَّاهم وآباءهم بما قُدِّرَ لهم من الأعمار، حتى حسبوا بسبب طول (^٢) مدَّة الإمهال أنَّهم لا يزالون كذلك، وأنَّه بسبب (^٣) ما هم عليه.\n_________\n(^١) في (ك): \"قول\".\n(^٢) في (ك): \"بطول\" بدل \"بسبب طول\".\n(^٣) في (س) و(ك): \"سبب\".","vol":"7","page":39},{"text":"ثمَّ عقَّبه بما يدلُّ على أنَّه أملٌ (^١) كاذب وغرورٌ باطل، وهو قوله تعالى:\n﴿يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾: أرض الكفر ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير ما كان الله تعالى يجريه على أيدي المسلمين، وفي إضافة إتيانهم بأمره إلى نفسه تعظيمٌ لشأنه.\n﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ إنكارٌ لغلبتهم على الرَّسول ﵇ والمؤمنين بعدَ هذه المغلوبيَّة المتجدِّدة دائمًا.\nوفي التَّعريف تعريضٌ بأنَّ أعداءهم هم (^٢) المعروفون المتعيِّنون بالغلبة دونهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2528\"> </span>(٤٥) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾: بما أوحيَ إليَّ من الله تعالى، لا مِن قِبَلِ نفسي.\n﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ وقرئ: ﴿وَلَا يَسْمَعُ﴾ من الإسماع - على خطاب الرَّسولِ - ونصبِ ﴿الصُّمُّ﴾ (^٣)، وبالياء على إضماره (^٤)، و: ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ مبنيًا للمفعول (^٥)، من أُسْمِعَ.\n_________\n(^١) في (ف): \"أصل\".\n(^٢) \"هم\" من (س) و(ك).\n(^٣) قرأ بها ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).\n(^٤) أي: (يُسْمِعُ) على إضمار الفاعل الذي هو الرسول ﷺ، هكذا ذكرها الزمخشري في \"الكشاف\" (٣/ ١١٩) ولم ينسبها. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عن أبي عمرو: (ولا يُسمِعُ الصُّمَّ الدعاءُ) على إسناد الفعل إلى الدعاء اتساعًا، والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل: ولا يُسمِعُ النداءُ الصمَّ شيئًا. انظر: \"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٢٦).\n(^٥) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).","vol":"7","page":40},{"text":"وفي قراءة: ﴿يَسْمَعُ﴾ المبني للفاعل التفاتٌ وتنويهٌ بذكر الرسول وتعظيمٌ له.\nوإنَّما سمَّاهم الضُمَّ ووضعه موضع ضميرهم للدِّلالة على فرط تصامِّهم، وعدمِ انتفاعهم بالأسماع (^١)، وإنْ جعلنا اللَّام للجنس كان أبلغَ؛ لِمَا فيه من معنى البرهان بالتَّعميم، ونوع من الكناية، وهو أبلغ مِن التَّصريح.\n﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ منصوب بـ ﴿يَسْمَعُ﴾ لا بـ ﴿الدُّعَاءَ﴾ لأنَّه مصدر، فلا يعمل إلَّا منوَّنًا.\nوالتَّقييد به لكون الكلام في الإنذار، وللمبالغة في أنَّهم لا يتأثرون به وقت الإنذار، فضلًا عن أن يسمعوه ثم يَذهلوا عنه، ولكونه كالقرينة في الكناية، كأنَّه أمره بقوله: ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾، ثمَّ قال: ولا يؤثر فيكم، فأنتم صمٌّ، ولا يسمَعُ هذا الجنسُ الدُّعاءَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2529\"> </span>(٤٦) - ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ أصل النَّفْحِ: هبوب رائحة الشَّيء، ويستعمل في كلِّ قلَّة، يُقال: نفحَتْهُ (^٢) الدَّابةُ: إذا رمحتْه رَمحًا يسيرًا، ونفحه بعطيَّة: إذا رضخه (^٣)، ففيه مبالغة من جهة مادَّته الدَّالة على معنى النَّزارة، ومن جهة صيغته؛ أي: بناءِ المَرَّة، فإنَّها لأقلِّ ما ينطلق عليه الاسم، ومن جهة تنكيره الدَّال على التَّقليل.\n_________\n(^١) في (ف): \"بأسماعهم\".\n(^٢) في (ف): \"نفحت\".\n(^٣) رضخَ له: أعطاه قليلًا. انظر: \"مختار الصحاح\" (مادة: رضخ).","vol":"7","page":41},{"text":"وأمَّا المس فهو أقوى من الإصابة؛ لِمَا في مفهومه من قيدٍ زائد عليها (^١)، وهو أنْ تتأثر منه حاسَّة الممسوس (^٢)، فإيثاره هنا على الإصابة للدِّلالة على أن عذاب الله تعالى وإنْ كان في غاية (^٣) يتأثر منه مَن يصيبُه.\n﴿مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ولئن مسَّهم أدنى شيءٍ من العذاب الذي يُنذَرون به لأذعنوا واعترفوا بظلمهم في تصامِّهم وإعراضهم، داعين على أنفسهم بالويل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2530\"> </span>(٤٧) - ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.\n﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾: صفة ﴿الْمَوَازِينَ﴾، ولم يُجمَع لأنَّه مصدر وصفت به للمبالغة كلِّها في أنفسها، عدل، وجاز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: ذواتِ القسط، وقد سبق ما يتعلَّق بوضع الموازين في سورة الأعراف، وما يدل على أنَّه حقيقةٌ لا تمثيل.\nواللام في: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ للوقت؛ أي: في يوم القيامة.\nوقيل: معناه: لجزاء يوم القيامة، أو لأهلهم؛ أي: لأجْلهم، على الحذف.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف): \"والقاضي مع اعترافه بهذا على ما صرح به في سورة البقرة كيف قال هنا: (وفيه مبالغاتٌ: ذكرُ المس ..). منه\".\n(^٢) في النسخ: \"المحسوس\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (١٧/ ١١٢). ولم يرتض الآلوسي هذا الكلام.\n(^٣) لعل المراد: \"في غاية القلة\".","vol":"7","page":42},{"text":"﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ بنقصٍ من ثوابه الموعود، أو زيادةٍ في عذابه المعهود، ويجوز أن يكون معناه: شيئًا من الظُّلم.\n﴿وَإِنْ كَانَ﴾ أي: ما يُفعَل به مِنَ النَّقص والزِّيادة أو الظُّلم ﴿مِثْقَالَ﴾ مقدارَ ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ وقرئ: ﴿مِثْقَالَ﴾ بالرَّفع (^١) على (كان) التَّامة.\nوتأنيثُ ضمير المثقال في: ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ لإضافته إلى الحبَّة، كقولهم: ذهبتْ بعضُ أصابعه.\nأي: أحضرناها، وقرئ: (آتينا) (^٢)، بمعنى: جازينا بها، من الإيتاء، فإنَّه بمعنى الإعطاء (^٣)، أو من المؤاتاة، فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء.\n﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2531\"></span><span id=\"aya-2532\"> </span>(٤٨ - ٤٩) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ هذه الثَّلاثة هي التَّوراة؛ فهي فرقانٌ بينَ الحقِّ والباطل، وضياءٌ يُستضاءُ به ويُتوصَّل به إلى سبيل النَّجاة في ظلمات الحيرة والجهالة، وذِكْرٌ؛ أي: شرفٌ، أو وَعْظٌ وتنبيهٌ، أو ذِكْرُ ما يحتاج إليه النَّاس في مصالح دارهم.\n_________\n(^١) قرأ بها نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).\n(^٢) نسبت لابن عباس ومجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١).\n(^٣) في هامش (ف): \"لا قريب منه كما توهم. منه\".","vol":"7","page":43},{"text":"ودخلت الواو على الصِّفات كما في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩] ٣٩]، وقرئ: (ضياءً) ثم بغير واو (^١)، على أنَّه حال من ﴿الْفُرْقَانَ﴾.\nولَمَّا انتفعَ بذلك المتَّقون خصَّهم الله تعالى بقوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، ومحلُّ: ﴿الَّذِينَ﴾ جرّ على الوصفيَّة، أو نصبٌّ على المدح، أو رفع عليه.\n﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل أو المفعول.\n﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾: القيامة وأهوالها.\n﴿مُشْفِقُونَ﴾ الإشفاقُ: خوفٌ مع اعتناء.\nوفي تصدير الضَّمير وبناء الحكم عليه مبالغةٌ وتعريضٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2533\"> </span>(٥٠) - ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.\n﴿وَهَذَا﴾ القرآن ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾: كثيرٌ خيرُه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمَّدٍ ﵇.\n﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ استفهامُ توبيخ بعد وضوح إعجازه ووفور بركته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2534\"> </span>(٥١) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾: الاهتداءَ لوجوه (^٢) الصَّلاح، وإضافتُه ليدلَّ على أنَّه رُشْدُ مِثْله (^٣)، وأنَّ له شأنًا.\n_________\n(^١) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٢١).\n(^٢) في (ف) و(م): \"الاهتداء بوجوه\"، وفي (ك): \"للاهتداء بوجوه\". والمثبت من (س)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ١٢١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٥٣).\n(^٣) بإضافة \"رشد\" إلى \"مثله\"؛ أي: لتدل إضافة الرشد إلى إبراهيم على أن ما آتاه الله إياه من =","vol":"7","page":44},{"text":"وقرئ (رَشَدَه)، وهو لغة (^١).\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ موسى وهارون ﵉، أو: مِن قبلِ محمَّد ﵇.\n﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ علمنا أنَّه أهلٌ لما آتيناه، أو جامعٌ لمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2535\"> </span>(٥٢) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿آتَيْنَا﴾، أوبـ ﴿رُشْدَهُ﴾، أو بمحذوفٍ؛ أي: اذكر من أوقات رشده وقتَ قوله:\n﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ تجاهلٌ منه وتَغَالبٍ لتحقيرِ شأنها وتوبيخهم على إجلالها؛ فإنَّ التِّمثالَ جمادٌ لا يضرٌّ ولا ينفعُ، أصله: الصُّورة المصنوعة مشبَّهةً (^٢) بمخلوقٍ من مخلوقات الله تعالى، ومنه تمثَّلْتُ الشَّيءَ بالشَّيءِ: إذا شبَّهْتهُ به.\nواللام للتَّعليل؛ أي: لتعظيمها، و﴿عَاكِفُونَ﴾ مجرًى إجراءَ اللَّازم، غيرُ منويَّ\n_________\n= الرشد هو رشد رسول مثله، وهو رشد خاص كائن مما أوتي مثله من أولي العزم من الرسل. انظر: \"حاشية القونوي\" و\"حاشية ابن التمجيد\" (١٢/ ٥٣٥)، وما ذكرناه ملخص كلامهما، فمن أراد التمام فليراجعهما.\n(^١) نسبت لعيسى الثقفي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٣٥).\n(^٢) في (ف): \"لشبهه\"، وفي (ك) و(م): \"شبهه\".","vol":"7","page":45},{"text":"المفعول؛ أي: فاعلون العكوفَ لأجلها، وهو اللُّزوم لأمرٍ من الأمورِ، أو لتضمُّنِ العكوف معنى العبادة؛ لزيادة التَّوبيخِ، ويعضده ما في جوابهم (^١) من قولهم: ﴿لَهَا عَابِدِينَ﴾\n* * *\n\n<span id=\"aya-2536\"> </span>(٥٣) - ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾.\n﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ جوابٌ عن التَّوبيخ بأنَّه طريقة أسلافنا، ما أحدثناها.\nولَمَّا ضمَّنوا جوابهم دعوى سواءِ (^٢) طريقهم بالإسناد إلى الآباء والأجداد، ردَّ عليهم حيث:\n\n<span id=\"aya-2537\"> </span>(٥٤) - ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ﴾ تأكيدٌ للمتَّصل في ﴿كُنْتُمْ﴾ ليصحَّ العطفُ عليه.\n﴿وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ مستقرُّون في ضلالٍ ظاهر.\nوالتَّأكيد بالقسم ووصفُ الضَّلال بالمبين؛ لإفادة وضوح استقرار المقلِّدين في ضلالٍ لا يخفى على مَن له أدنى عقلٍ؛ لعدم تمسُّك الفريقَيْن بدليلٍ، والتَّقليد في الأصول غير جائزٍ أصلًا، وفي الفروع إنَّما يجوز لمن علم في الجملة كونَ المقلَّدِ على الحقِّ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"جوابه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"لرد\"، والمثبت من (م)، ورسمها في (س) قريب من (م).","vol":"7","page":46},{"text":"<span id=\"aya-2538\"> </span>(٥٥) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ لاستبعادهم تضليلَه إيَّاهم وآباءَهم، حسبوا أنَّه إنَّما قال ما قال (^١) على وجه المزاح والملاعبة، فقالوا: أبجدٍّ تقولُ أم أنت لاعبٌ؟\nوإنَّما غيَّروا النَّظم بإدخال الهمزة على الجملة الفعلية وقرينتها الجملة الاسميَّة لتوطينهم (^٢) أنفسَهم على أنَّه من اللَّاعبين، ورسوخِ ذلك الاعتقاد عندهم، وأمَّا القِسْمُ الأول فلم يثبت عندهم فأظهروا أنَّه إنْ ثبتَ فشيء اختلجَ في ظنِّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2539\"> </span>(٥٦) - ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\n﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ إضراب عن كونه لاعبًا بإقامة البرهان على ما ادَّعاه.\nوالضَّمير في ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ لـ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: أنشأهنَّ من غير شيءٍ، أو لـ ﴿التَّمَاثِيلُ﴾، وهو أَدخَلُ في تضليلهم وإلزام الحجَّة عليهم، فكأنه قيل: إنَّه تعالى خالقٌ وهنَّ مخلوقُه، فأنَّى يُعبَد المخلوق ويُجحَدُ الخالق! ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ المذكور من التَّوحيد.\n_________\n(^١) \"ما قال\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ف): \"لتوطنهم\".","vol":"7","page":47},{"text":"﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: من المحققِّين له؛ لأنَّ الشَّاهد هو الذي تحقَّق لشَّيءَ وحققَّه، كأنَّه قال: وأنا أحقِّق ذلك وأُثْبته بالبرهان، لستُ مثلكم فأقولَ ما لا أقدر على إثباته (^١) بالحجَّة، وأتمسَّكَ بالتَّقليد كما تمسَّكتم به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2540\"> </span>(٥٧) - ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾.\n﴿وَتَاللَّهِ﴾ قرئ بالباء على الأصل (^٢)، والتَّاء بدل من الواو المبدلة منها.\nوالتَّاء في القَسَم تفيد معنى التَّعجب من المقسَم عليه، كأنَّه تعجَّب من تسهُّل ذلك الأمر الصَّعب على يده، ولهذا عبَّر عنه بالكيد المشتمِل على نوعٍ من الحيل.\n﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ الكيدُ: الاحتيال في وصول الضَّرر إلى المَكيد.\n﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾: بعد (^٣) ذهابكم عنها.\nوعن قتادة: أنَّه قال ذلك سرًّا (^٤).\nوقيل: سمعه رجلٌ واحدٌ (^٥).\nفلمَّا ذهبوا بقي إبراهيم ﵇ فكسر الأصنام، فالفاء في قوله:\n_________\n(^١) في (ف): \"ثباته\".\n(^٢) نسبت لمعاذ بن جبل. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٢٢)، وزاد في \"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٣٩): الإمام أحمد.\n(^٣) في (م): \"يعني\".\n(^٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٢٩٣).\n(^٥) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٢٩٣) عن مجاهد.","vol":"7","page":48},{"text":"<span id=\"aya-2541\"> </span>(٥٨) - ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ فصيحةٌ، والجُذَاذُ: فُعالٌ بمعنى مَفعولٍ - كالحُطام - من الجذِّ وهو القَطْع، أو جمع جُذَاذة كزُجاجة وزُجاج.\nوقرئ بالكسر (^١)، وهو لغةٌ فيه، أو جمع جَذيذٍ، كخِفافٍ وخَفيفٍ.\nوقرئ بالفتح (^٢)، و: (جُذُذًا) جمع جَذيذ، و: (جُذَذًا) جمع جُذَّةٍ (^٣). ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾: للأصنام، أو للكفَّار. وروي أنه ﵇ كسرها كلَّها بالفأس إلَّا كبيرَها فعلَّق الفأس في عنقه (^٤):\n﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾: إلى الكبير ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه عن كاسرها، فيتبيَّن (^٥) لهم عجزُه.\nوقيل: إلى إبراهيم ﵇، فيحاجُّهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ فيَحُجُّهم.\nأو: إلى الله؛ أي: يرجعون إلى توحيده عند تحقُّقهم عجز آلهتهم، ويرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون قوله: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أجنبيًّا في البَيْن.\n* * *\n_________\n(^١) قرأ بها الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).\n(^٢) نسبت لأبي نهيك وأبي السمال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢).\n(^٣) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٢٣) والكلام منه، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٤٢).\n(^٤) روي نحوه عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وابن إسحاق. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٢٩٦)، و\"الدر المنثور\" للسيوطي (٥/ ٦٣٧).\n(^٥) في (ف): \"فيبين\".","vol":"7","page":49},{"text":"<span id=\"aya-2542\"> </span>(٥٩) - ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ حين رأوا ذلك بعدَ ما رجعوا:\n﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: لشديدُ الظُّلم؛ لجراءته على الآلهة الحقيقَةِ بالإعظام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2543\"> </span>(٦٠) - ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.\n﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ بسوءٍ، صفةٌ لـ ﴿فَتًى﴾ مصحِّحةٌ لتعلُّق السَّمع به، وهو أبلغ في نسبة الذِّكْرِ إليه، وقيل: مفعولٌ ثانٍ لسمع، وليس يَثبت.\n﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ صفةٌ أخرى، و﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ فاعلٌ، يُقال: لأنَّ المراد به الاسمُ لا المسمَّى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2544\"> </span>(٦١) ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾.\n﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ في محلِّ النَّصب على الحال؛ أي: بمرأًى منهم ومَنظرٍ، بمعنى: معايَنًا مشاهَدًا متمكِّنًا صورتُه (^١) في أعينهم تمكُّنَ الرَّاكب على المركوب.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بما فعله، أو بما يُسمع منه، أو يحضرون عقوبتنا له.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"صورة\"، وسقطت من (ف).","vol":"7","page":50},{"text":"<span id=\"aya-2545\"></span><span id=\"aya-2546\"> </span>(٦٣ - ٦٢) - ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ بعدما أحضروه: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ﴾ إبراهيمُ ﵇:\n﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أَسند الفعل إلى السَّبب مجازًا؛ إذ الحاملُ على كسرهم هو؛ لأنَّه لَمَّا غاظه زيادةُ تعظيمهم له تسبَّب لمباشرته إيَّاه.\nوالأحسنُ الأفصح أنَّه من مَعاريض (^١) الكلام، وذلك أنَّه لم يُرِدْ أن ينسبَ الفعل إلى الصَّنم، بل أراد تقريرَه لنفسه على أسلوبِ تعريضٍ مع الاستهزاء بهم بالغًا به غرضَه (^٢) من إلزامهم (^٣) الحجَّة وتبكيتهم، لا نفيَه (^٤) عنْ نفسه وإثباتَه للصَّنم؛ لأنَّ إثباته للعاجز - والأمر دائرٌ بينهما - استهزاءٌ به وإثباتٌ للقادر، وما روي أنه ﵇ قال: \"كذَب إبراهيمُ ثلاثَ كذبات\" (^٥)، تسميةٌ للمَعاريض (^٦) بالكذب لَمَّا شابهت صورتُها صورتَه.\nويجوز أن يكون حكايةً لِمَا يؤدي إليه مذهبهم من جوازه، كأنَّه قال: ليس بمنكَرٍ أن يفعل هذا وأشدَّ منه مَن يُدْعى إلهًا.\n_________\n(^١) في (ك): \"معارض\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"غرضهم\"، والمثبت من (س) وهو الصواب.\n(^٣) في (ك): \"إلزام\".\n(^٤) عطف على \"تقريره\".\n(^٥) رواه البخاري (٣٣٥٨)، ومسلم (٢٣٧١)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٦) في (ك): \"للمعارض\".","vol":"7","page":51},{"text":"وقرئ: (فَعَلَّهُ كبيرُهم) (^١) بمعنى: فلعلَّه كبيرهم (^٢)؛ أي: فلعلَّ الفاعل كبيرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2547\"> </span>(٦٤) - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ ورجعوا إلى عقولهم ﴿فَقَالُوا﴾: فقال بعضهم لبعض: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بعبادةِ مَن لا ينطقُ ولا يمكنه دفعُ الضرر عن نفسه، لا مَن ظلمتُموه بقولكم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2548\"> </span>(٦٥) - ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ النَكسُ: جعلُ الشَّيء أسفلَه أعلاه، ومنه نُكِس المريضُ: إذا رجعَ أوَل حاله.\nوهو عبارةٌ عن إطراقهم رؤوسَهم خجلًا، وللمبالغة في هذا المعنى ضمَّنه معنى السُّقوط؛ أي: نُكِسُوا ساقطين ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، وقولهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ رميٌ عن حيرةٍ، ولهذا (^٣) أتَوا بما هو حجَّةٌ عليهم.\nوقيل: انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، شبَّه عَودهم إلى الباطل بصيرورة أسفلِ الشَّيءِ أعلاه.\nوَيرِدُ عليه أنَّه حينئذٍ يضيع قوله: ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾.\n_________\n(^١) نسبت لمحمد بن السميفع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢).\n(^٢) \"كبيرهم\": من (ف).\n(^٣) في (ف): \"ولقد\".","vol":"7","page":52},{"text":"وقرئ: (نكِّسوا) بالتَّشديد (^١)، و: (نَكَسوا) على البناء للفاعل (^٢)؛ أي: نَكَسوا أنفسَهم على رؤوسهم.\n﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تأمرنا بسؤالها؟ وهو على إرادة القول، كان أمرُه ﵇ بالسُّؤال للتَّوبيخ والتَّبكيت، وحملوه على الحقيقة تجاهلًا، ثم نزَّلوا المخاطب منزلةَ الجاهل بمضمون الخبر، فلذلك أكَّدوه بـ (قد) ولامِ القسم، فكأنَّهم قابلوا توبيخه بنوعٍ من التَّشنيع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2549\"> </span>(٦٦) - ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾.\n﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ﴾ إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنَّها جمادات لا تنفع ولا تضرُّ.\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ﴾ إنْ عبدتموه ﴿شَيْئًا﴾ في موضع المصدر؛ أي: نفعًا مّا ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ إن لم تعبدوه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2550\"> </span>(٦٧) - ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿أُفٍّ﴾: صوتٌ إذا صُوِّتَ به عُلِمَ أنَّ صاحبه متضجِّرٌ، أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم، وإصرارهم على الباطل بعد وضوح الحقِّ، فتأفًف بهم.\n_________\n(^١) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٢٥).\n(^٢) نسبت لرضوان بن عبد المعبود. انظر المصدرين السابقين.","vol":"7","page":53},{"text":"واللام في: ﴿لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لبيان المتأفَّف به؛ أي: لكم ولآلهتكم هذا التَّأفُفُ.\nوقيل: معناه: قبحًا ونَتْنًا.\nثمَّ وبَّخهم (^١) على تمادي جهلهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: أَبَعْدَ وضوحِ الحقِّ وزهوق الباطل لا تدركون قُبْحَ صنيعكم؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-2551\"> </span>(٦٨) ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ أخذًا (^٢) في المضارَّة عند العجز عن المحاجَّة: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ بالنَّار؛ فإنَّها أهون ما يُعاقب به وأفظع.\n﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام منه ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فعلًا، وفيه تنزيلٌ لسائر أنواع العذاب منزلةَ العدم في هذا الباب، ولا يخفى لطف هذا التَّعبير البليغ على ذوي الألباب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2552\"> </span>(٦٩) - ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.\n﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ شُبِّهَتِ النَّار لمطاوعتها إرادة الله تعالى وأمرَه بمأمورٍ مطيعٍ لا يتوقَّف في الامتثال عند أمرِ الآمر المُطَاع، وبُولغ في ذلك بإقامة:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وطنهم\".\n(^٢) في (ف): \"أخذ\".","vol":"7","page":54},{"text":"كوني ذاتَ بردٍ، مقامَ: ابرُدي (^١)، ثمَّ حذف المضافَ وأقيم (^٢) المضافُ إليه مقامه.\n﴿وَسَلَامًا﴾؛ أي: ابرُدي بردًا غيرَ ضارٍّ، وقيل: نصبُه (^٣) بفعله؛ أي: وسلَّمنا سلامًا عليه.\nروي: أنَّهم وضعوه في المنجنيق مغلولًا فرموه في نارٍ عظيمة (^٤)، ولم يحترق منه إلَّا وثاقه، وعلى هذا تكون النَّار على حالها. ولا يناسبه المبالغةُ المذكورة في أمر تبريدها؛ فإنَّها ظاهرة في تحوُّلها (^٥) من الحرارة إلى البرودة.\nولا إشعار في قوله: ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ بعدم التَّحوُّل؛ لأَنَّه متعلِّق بقوله: ﴿وَسَلَامًا﴾، لا بقوله: ﴿بَرْدًا﴾، فالمفهوم منه اختصاصُ عدم إضرار البرد به ﵇ (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2553\"> </span>(٧٠) - ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾.\n﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ احتيالًا في إضراره.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ بتصييرِ سعيهم برهانًا قاطعًا على أنَّه على الحقَ وأنَّهم على الباطل، وموجبًا لارتفاع درجته واستحقاقهم أشدَّ العذاب.\n* * *\n_________\n(^١) بضم الراء من باب نصر وكرم. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٦٣).\n(^٢) في النسخ: \"وإقامة\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٥٥).\n(^٣) في (ف): \"نصب\".\n(^٤) في (ف): \"عظيم\".\n(^٥) في (ف): \"تحويلها\".\n(^٦) في هامش (س) و(ف) و(م): \"لا اختصاص برودتها به ﵇\".","vol":"7","page":55},{"text":"<span id=\"aya-2554\"> </span>(٧١) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: من العراق إلى الشَّام.\nوبركاتُه الدِّينيَّة العامَّة: بعثُ أكثر الأنبياء ﵈، وانتشار شرائعهم التي هي مَبادي الخيرات في جميع أهل العالم.\nوبركاته الدُّنيويَّة: كثرةُ النِّعم والخصب بكثرة الرَّوْضِ (^١) والماءِ والشَّجر، والرُّخصِ فيه، فهي الأرض التي بورك فيها مطلقًا.\nو﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أبلغ من: باركناها؛ لدلالته على الظَّرفية والاستقرار، فكأنَّ تلك الأرض محيطة لأنواع البركات إحاطةَ الظَّرف للمظروف، وهي مستقرَّة فيها لا تزول عنها.\nوروي: أن إبراهيم ﵇ نزل بفلسطين، ولوطًا (^٢) ﵇ بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2555\"> </span>(٧٢) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ النَّافلةُ: ولد الولد، وهي في الأصل: الزِّيادة والفضل.\nقيل: ﴿نَافِلَةً﴾ زيادةً على ما سألَ؛ لأنَّه ﵇ سأل إسحاق فأُعْطِيَه، وأُعْطِيَ يعقوب زيادة على ما سأل وفضلًا، حال مختَّصة، ولا بأس به للقرينة.\n_________\n(^١) الرَّوض والرياض: جمع روضة.\n(^٢) في (ك) و(م): \"ولوط\".\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٣١٣) عن ابن إسحاق.","vol":"7","page":56},{"text":"﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: من (^١) الأربعة المذكورين ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ لأنَّ الأنبياء هم المصلحون، وشرطُ الإصلاح هو الصَّلاح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2556\"> </span>(٧٣) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ يقتدون بهم ﴿يَهْدُونَ﴾ النَّاسَ إلى الحقِّ ﴿بِأَمْرِنَا﴾ لهم بذلك.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ للاهتداء أوَّلًا، ثمَّ القيام بالهداية حتى يشملَهم وأممَهم (^٢) فعلُها، ويتمَّ كمالهم بانضمام العمل إلى العلم.\nوأصلُه: أن تُفعل الخير ات، ثم: فِعلًا الخيراتِ، ثم: ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ بالإضافة، وكذلك قوله:\n﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ وهو عطف الخاصِّ على العامِّ للتَّفصيل.\nوحذف تاء الإقامة المعوَّضة من أحد (^٣) الألفين لقيام المضاف إليه مقامه.\n﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ مخصِّصين بنا العبادة (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"من\" من (ف).\n(^٢) في (م): \"وأمم\".\n(^٣) في (ف): \"إحدى\".\n(^٤) في (ف): \"العبودية\".","vol":"7","page":57},{"text":"<span id=\"aya-2557\"> </span>(٧٤) - ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾.\n﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمةً، وهو فعلُ ما ينبغي فعلُه وجوبًا أو ندبًا.\nوقيل: نبوَّة، أو فصلًا بين الخصوم.\n﴿وَعِلْمًا﴾ بما ينبغي علمُه للأنبياء ﵇.\n﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم.\n﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ من اللِّواطة وسائر المنكرات التي كانوا يأتونها في ناديهم، وصَفها بصفة أهلها، وأسندَها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه، على ما دلَّ عليه التعليل بقوله:\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ ونكتةُ ذلك الإشعارُ بعلامة السَّببية، فإنَّ للتُّربة تأثيرًا في تغيير طبيعة أهلها من السَّداد إلى الفسادِ، ولذلك قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: أخلصناه من تلكَ التُّربة الخبيثة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2558\"> </span>(٧٥) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: في أهل رحمتنا، أو: في الجنَّة.\n﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين سبقَتْ لهم منَّا الحسنى، وهو كالتَّعليل لِمَا تقدَّمَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2559\"> </span>(٧٦) - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.","vol":"7","page":58},{"text":"﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾؛ أي: دعا ربَّه على قومِه بالهلاك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ المذكورين ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءَه.\n﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ هو الطُّوفان، أو أذى قو مه، والكربُ: الغمُّ المفرِط.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2560\"> </span>(٧٧) - ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ فانتصر (^١) ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فتعديتُه بـ ﴿مِنَ﴾ بمدلوله إشارةً، لا بما في مفهومه من معنى المنع، ولا بتأويل (^٢): جعلناه منتصرًا (^٣).\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ تعليلٌ لِمَا تقدَّم، وتمهيدٌ لِمَا تأخَّرَ.\n﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ لذلك ﴿أَجْمَعِينَ﴾ عذاب الاستئصال لشدَّة الغضب، وهي لكمال استحقاقهم له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2561\"> </span>(٧٨) - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"فانتصرنا\"، وسقطت من (ف).\n(^٢) في (ف): \"بتأويله\".\n(^٣) في هامش (ف): \"فإن الانتصار لازِمُ نصره تعالى لا يتخلف عنه، ففي التَّعدية بذلك الاعتبار تنبيهٌ على أنَّ نصرته تعالى ليس من جنس نصر العباد، فافهم، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد. منه\".","vol":"7","page":59},{"text":"﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ نصب باذْكُرْ، ﴿إِذْ﴾ بدلٌ منهما ﴿يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ هو محلُّ الزَّرع.\n﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال ابن السِّكِّيْتُ: والنَّفْشُ: مصدر نفشْتُ القطنَ وغيره، والنَّفْشُ: أن تَنْفُشَ الإبلُ باللَّيل فترعى (^١).\n﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ جمع الضَّمير لأنَّه أرادهما والمتحاكمَينِ إليهما، وقرئ: (لِحُكْمِهِما) (^٢).\n﴿شَاهِدِينَ﴾: عالِمِين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2562\"> </span>(٧٩) - ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾.\n﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الضَّمير للحكومة، أو الفتوى.\nروي (^٣) أن داود ﵇ حكم الغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان ﵇ وهو ابن إحدى عشر سنة -: غير هذا أرفق بالفريقَيْن، فعزم عليه ليحكمَنَّ، فقال: أرى أن تدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأصوافها، والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئة يوم أُفْسِدَ،\n_________\n(^١) انظر: \"إصلاح المنطق\" لابن السكيت (١/ ٣٨).\n(^٢) دون نسبة في \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٠٨)، ولابن عباس وابن مسعود وابن أبي عبلة في \"زاد المسير\" (٥/ ٣٧١).\n(^٣) في (ف): \"يروى\".","vol":"7","page":60},{"text":"ثم يترادَّان، فقال: القضاءُ ما قضيْتَ، وأمضى الحكم بذلك (^١).\nوكان ذلك باجتهاد منهما، وهذا كان في شريعتهم، وعدمُ انتقاض حكم الاجتهاد باجتهادٍ آخر في شريعتنا، فلا دلالة فيه على أنَّهما حَكَمَا بالوحي، أو كان حكم سليمان ﵇ وحدَه بالوحي.\nولَمَّا كان المتبادِر إلى الوهم من تخصيص سليمان ﵇ بتفهيم الحكومة أنْ لا يكون ما قضاه داود ﵇ حكمًا شرعيًّا دفعَه بقوله:\n﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فالقول السَّابق دلَّ على أنَّ الأصوبَ كان حكمَ سليمان ﵇، وهذا القولُ دلَّ على أنَّهما جميعًا على الصَّواب، ففيه دليل على أنَّ كلُّ مجتهِدٍ مصيبٌ.\n﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ حال بمعنى: مسبِّحاتٍ، أو استئنافٌ على تقدير سؤال سائل قال: كيف سخرهنَّ (^٢)؟ فقال: يسبِّحنَ؛ أي: يقدِّسْنَ اللهَ تعالى. و﴿مَعَ﴾ متعلِّقة به، أوبـ ﴿وَسَخَّرْنَا﴾، وتتمَّة الكلام تأتي في (سورة سبأ) بإذن الله تعالى.\n﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على ﴿الْجِبَالَ﴾، أو مفعول معه، وإنَّما قدَّم الجبال على الطَّير، وجعلَتْ أصلًا في التَّسبيح؛ لأنَّ تسخيرها وتسبيحها أدلُّ على القدرة، وأدخَلُ في الإعجاز، وأخرقُ للعادة؛ لأنَّها جماد. وقرئ بالرَّفع على الابتداء (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٢٨). رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٣٢٢ - ٣٢٨) عن ابن مسعود وابن عباس ﵃ وغيرهما.\n(^٢) في (ك): \"تسخرهن\".\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٥٧)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٦١).","vol":"7","page":61},{"text":"﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: قادرين على أمثاله، ليس ببِدْعٍ منَّا وإنْ كان عجيبًا عندكم، أو: فاعلين للأنبياء أمثالَ ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2563\"> </span>(٨٠) - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾.\n﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ اللَّبوسُ: اللِّباسُ، والمراد الدِّرع؛ قال قتادة: كانت صفائح، فأوَّل مَن حلَّقها وسَرَدها داود ﵇، فجَمَعَتِ الخفَّةَ (^١) والتَّحصين (^٢).\n﴿لَكُمْ﴾ متعلِّق بـ (علَّم)، أو صفةٌ لـ ﴿لَبُوسٍ﴾.\n﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ بدل منه بدلَ الاشتمال بإعادةِ الجارِّ، والضَّمير لداود ﵇، أو لـ ﴿لَبُوسٍ﴾.\nوقرئ بالتَّاء للصَّنعة، أو لـ ﴿لَبُوسٍ﴾ على تأويل الدِّرع، وقرئ بالنُّون لله تعالى (^٣).\n﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ أصله: فهل تشكرون؟ لاقتضاء الاستفهام الفعل، فعدل عن الجملة الفعلية إلى الاسميَّة (^٤)، ولم يقل: فهل أنتم تشكرون (^٥)؛ لئلا يُفْهَم منه رائحة التَّجدد، ويفهم منه طلبُ دوام الشُّكر، وهو أمرٌ أُخرِجَ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"للخفة\"، وفي (م): \"الحصنة\"، والمثبت من (س) و\"الكشاف\" (٣/ ١٢٩).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٢٩). وروى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٣٢٩).\n(^٣) قرأ ابن عامر وحفص: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتَّاء، وأبو بكر بالنُّون، والباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص:١٥٥).\n(^٤) في (ف): \"اسمية\".\n(^٥) في (ف) زيادة: \"أصله\"، ولا معنى لها.","vol":"7","page":62},{"text":"في صورة الاستفهام، وأُفرغ في هذا القالب؛ للمبالغة في طلب دوام الشُّكر مع التَّقريع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2564\"> </span>(٨١) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾.\n﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: وسخَّرناها له، وإنَّما جيء باللَّام فيه وبـ ﴿مَعَ﴾ في داود ﵇ على تعلُّقه بـ (سخرنا)؛ لأنَّ نفع تسخير الرِّيح - وهي جريانها بأمره - مختصٌّ به، بخلاف تسبيح الجبال، بعد اشتراكهما في خرق العادة (^١).\n﴿عَاصِفَةً﴾ وصف الرِّيحَ هنا بالعصف، وهو شدة الهبوب، وفي سورة (ص) بالرَّخاوة لكونها في نفسها رخيَّةً طيِّبةً كالنَّسيم (^٢)، وفي فعلها بكرسيه ﵇ وإذهابهِ في مدَّةٍ يسيرة عاصفةً.\nوقيل: كانت عاصفةً تارة، ورُخاءً أخرى، على حسب إرادته.\n﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾: بمشيئته، حال ثانية، أو بدلٌ من الأولى، أو حالٌ من ضميرها.\n﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾؛ أي: حاملةً لكرسيِّه إليها؛ أي: إلى الشَّام، وكان (^٣) منزله بها، وتحمله الرِّيح من نواحي الأرض إليها.\n﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ فنُجْريهِ على ما تقتضيه الحكمة.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"في تقرير القاضي نوع قصور وخلل، فتأمَّل. منه\".\n(^٢) في (م): \"كالنسم\".\n(^٣) في (ف): \"وكانت\".","vol":"7","page":63},{"text":"<span id=\"aya-2565\"> </span>(٨٢) - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾.\n﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحار فيستخرجون نفائسها.\nو﴿مَنْ﴾ منصوب المحلِّ، عطف على ﴿الرِّيحَ﴾، أو مرفوع بالابتداء، و﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ خبره قدِّم (^١) عليه، فساغ الابتداء بها وهي نكرة على أنَّها موصوفة.\n﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾: ويتجاوزون ذلك إلى أعمالٍ أُخَر، على ما فصَّلَ في سورة (ص).\n﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أن يزيغوا عن أمره، أو يميلوا إلى الفساد الذي هو مقتضى جِبِلَّتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2566\"> </span>(٨٣) - ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ نصب بإضمار (اذكر)، و﴿إِذْ﴾ بدل منه.\n﴿أَنِّي مَسَّنِيَ﴾؛ أي: بأني، وقرئ بالكسر (^٢) على إضمار القول، أو تضمُّنِ النِّداء معناه.\n﴿الضُّرُّ﴾ بالفتح شائع في كلِّ ضرر، وبالضَّمِّ مختصّ بما في النَّفس من مرضٍ وهُزال.\n_________\n(^١) في (ف): \"مقدم\".\n(^٢) دون نسبة في \"الكشاف\" (٣/ ١٣٠)، ولأبي عمران الجوني في \"زاد المسير\" (٥/ ٣٧٥)، ولعيسى بن عمر في \"البحر المحيط\" (١٥/ ٢٦٨).","vol":"7","page":64},{"text":"﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وصف ربَّه بغاية الرَّحمة بعدما وصفَ نفسَه بما يوجبها، واكتفى بذلك عن عرض المطلوب؛ رعايةً لحسن السُّؤال ولطفه، وقضاءً لحقِّ الأدب.\nوكان روميًّا من ولد عيص بن إسحاق ﵇، استنبأه الله تعالى، وكثر أهله وماله، فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده، وذهاب أمواله، والمرضِ في بدنه ثماني عشرةَ سنة، وقالت له امرأته يومًا: لو دعوْتَ اللهَ تعالى، فقال لها: كم كانت مدَّة الرَّخاء؟ قالَتْ: ثمانين سنة، فقال: أنا أستحي (^١) من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغَتْ مدَّةُ بلائي مدَةَ رجائي (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2567\"> </span>(٨٤) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾.\n﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ عظيمٍ بالشِّفاء من مرضه.\n﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ لَمَّا كشفَ اللهُ تعالى عنه أَحْيَى ولدَه بأعيانهم، ورزقَه مثلَهم معهم (^٣).\n﴿رَحْمَةً﴾ على أيُّوب ﴿مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾: وتذكرةً لغيره من العابدين،\n_________\n(^١) في (ك): \"أستحيي\"، وكلاهما صواب.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٣١).\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٣٦٦ - ٣٦٧) عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة. وخبر ابن مسعود ضعيف لانقطاعه؛ لأنَّه من رواية الضحاك عنه، وخبر ابن عباس ضعيف جدًّا لضعف رواته.","vol":"7","page":65},{"text":"ليصبروا (^١) كما صبرَ، فيثابوا كما أُثِيْبَ في الدُّنيا والآخرة، أو: لرحمتنا للعابدين، وأنَّا نذكُرهم بالإحسان ولا ننساهم (^٢).\nوإذا أوقعنا الرَّحمةَ والذِّكْرَ على العابدين، ولم نخصِّص الرَّحمةَ بأيُّوب، دخل هو فيهم دخولًا أوَّليًّا، وأفاد أنَّ الرَّحمة والذِّكر بالإحسان إنَّما كانا بسبب العبادة والصَّبر، فكلُّ عابدٍ مرحومٌ مذكورٌ بالإحسان، وكان مِن باب إقامةَ المظهَر مقامَ المضمَر، فكان آكَدَ وأبلغ لإثبات الرَّحمة له بالبرهان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2568\"> </span>(٨٥) - ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾ هو إلياسُ ﵇، وقيل: يوشعُ، وقيل: زكريَّا، سُمِّيَ بذلك لأنَّه كان ذا الحظِّ مِنَ الله تعالى، أو تكفَّل أمَّته.\nوقيل: كان له ضِعفُ عمل أنبياء زمانه وضِعفُ ثوابهم، والكِفْلُ يجيء بمعنى النَّصيب والكفالة والضِّعف.\n﴿كُلٌّ﴾ أي: كلُّ هؤلاء ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على مشاقِّ التَّكاليف وشدائد النَّوائب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2569\"> </span>(٨٦) - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قد سبق تفسيره، وتفسير: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"فيصبروا\".\n(^٢) قوله: \"أو لرحمتنا للعابدين … \" إشارةٌ إلى أن رحمة وذكرى تنازعا قوله: ﴿لِلْعَابِدِينَ﴾ لا أنه متعلق بذكرى وحده كما في الوجه السابق. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٦٨).","vol":"7","page":66},{"text":"<span id=\"aya-2570\"> </span>(٨٧) - ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَذَا النُّونِ﴾: وصاحبَ الحوت يونسَ ﵇ ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ لقومِه؛ لكثرة ما قاسى في دعوتهم، وشدَّةِ سآمته لطول ما ذكَّرهم فلم يذَّكَّروا، فهاجر عنهم، أو: أغضبهم بمهاجرته لخوفِهم لحوق العذاب بهم، وكان عليه أن ينتظر الإذن، فلم يصبر، وظنَّ أنَّ المهاجرة أولى لكونها للغضب لله ودينه، والبغضِ للكفر وأهله، فابتليَ ببطن الحوت، وهو بناء المغالبة للمبالغة (^١)؛ لأنَّ المغالب يُنفذ وسعه في الفعل.\nأو بمعنى: مُغْضَبًا، وقد قرئ به (^٢).\n﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ من القَدْر وهو التَّضييق، لا من القدرة، ويعضده أنَّه قرئ مثقَّلًا (^٣)، ويجوز أن يكون ﴿نَقْدِرَ﴾ مخفَّفًا من القدرة، بمعنى: أنْ لن نُعمل قدرتنا فيه.\n﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: في الظُّلمة الشَّديدة المتكاثفة في بطن الحوت.\n_________\n(^١) قوله: \"وهو من بناء المغالبة\"؛ أي: المفاعلة، واختاره (أي: البيضاوي) لمجانسته المبالغة، ولأنّ التفاعل يكون بين اثنين يَجهد كل منهما في غلبة الآخر، فيقتضي بذل المقدور والتناهي، فاستعمل في لازمه للمبالغة دون قصد مفاعلة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٦٩).\n(^٢) نسبت لأبي شرف. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٣١).\n(^٣) نسبت لابن أبي ليلى وأبي شرف والكلبي ويعقوب. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢). وقراءة يعقوب المشهورة عنه: ﴿يُقدَر﴾ بالياء مضمومة وفتح الدال. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٢٤).","vol":"7","page":67},{"text":"وقيل: ظلمات بطن الحوت والبحر واللَّيل.\n﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾: بأنَّه لا إله إلا أنت، أو بمعنى: أيْ.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾ أنْ يعجزك شيء.\n﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجَرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2571\"> </span>(٨٨) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بأنْ قذفه الحوت إلى السَّاحل. و﴿الْغَمِّ﴾: غمُّ الالتقام.\n﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من غمومٍ دعَوا الله بالإخلاص. وقرئ: (ننجِّي) مثقَّلًا (^١).\nوفي \"الإمام\": ﴿نجي﴾، فلذلكَ أخفى الجماعة النُّون الثَّانية؛ فإنَّها تخفى مع حروف الفم (^٢)، ومَنْ شدَّد الجيم (^٣) فوجهُ صحَّته مشكلٌ، لا يكاد يتمشَّى.\n_________\n(^١) نسبت للجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٣١).\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٥٩).\nقال الشهاب: قوله: (في الإمام) الإمام اسم للمصحف العثماني، ولا يختص بما كان عنده ﵁ وهو شهيد؛ لتعدده كما بيَّنه القراء، وقوله: (نُجي)؛ أي: رسم فيه بنون واحدة، وقوله: (ولذلك …) لا يخفى ما في هذا التعليل، فإنَّ القراءة مبنية على صحة الرواية لا مجرّد متابعة للرسم العثماني كما تُوهمه هذه العبارة، فالظاهر أن يؤوَّل بأن المراد: اختار الجماعة هذا على القراءة بنونين لكونه أوفَق بالرسم العثماني فتأمل، وقوله: (فإنها)؛ أي: النون (تخفى) بالبناء للمعلوم والمجهول، والإخفاء: حالة للحرف بين الإظهار والإدغام، وحروف الفم هي الحروف التي مخرجها من فضاء الفم، وهي ثلاثة: الجيم والشين والضاد، وتسمى: الأحرف الشجرية. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٢٧٠).\n(^٣) قرأ ابن عامر وأبو بكر: (نجِّي) بنون واحدة مشدَّدًا، والباقون بنونين مخففًا. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).","vol":"7","page":68},{"text":"<span id=\"aya-2572\"> </span>(٨٩) - ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.\n﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾: وحيدًا؛ أي: ارزقني ولدًا يرثني.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ استسلام وتفويض بعد السُّؤال؛ لأنَّه اقتراح وجرأة على الله تعالى؛ أي: الأمرُ إليك، فإنْ لم ترزقني فلا بأسَ، وأنتَ خيرُ الوارثين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2573\"> </span>(٩٠) - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.\n﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: حسَّنَّا خُلُقَها، وكانت سيِّئة الخُلُقِ.\nوقيل: جعلناها صالحة للولادة بعد عُقرها.\nوفيه: أنَّ حقَّ النَّظم والتَّرتيب أن يذكر ﴿وَأَصْلَحْنَا﴾ قبل ﴿وَوَهَبْنَا﴾.\n﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: الأنبياءَ المذكورين ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ المسارعةُ: المبادرة، وتعديتُها بـ (إلى)، وإنَّما عدلَ عنها إلى ﴿فِي﴾ للدِّلالة على أنَّهم لا يغترُّون (^١) بتحصيل بعض الخيرات، بل يُظهرون الجِدَّ والرَّغبة إلى تحصيل بعضٍ آخر منها، وهذه الدلالة تجعل الخيرات ما فيه المسارعة، لا ما إليه.\n﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾؛ أي: طمعًا وخوفًا، كقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّه﴾ [الزمر: ٩]، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعولِ له؛ أي:\n_________\n(^١) تحتمل في بعض النسخ أو كلها: \"يفترون\"، والمثبت أوفق بحرف الجر المتعلق به.","vol":"7","page":69},{"text":"للرَّغبة فينا والرَّهبة منَّا، وهو بإشارته إلى أنَّهم يعلمون أنَّ النَّفع والضُّرَّ مِن الله تعالى تمهيدٌ لِمَا دلَّ عليه قوله:\n﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ من ثباتهم واستمرارهم، على تخضيص الخشوع له تعالى، وقد سبقَ تفسير الخشوع، والمعنى: أنَّهم ما استحقُّوا الإجابة إلى طلباتهم، وما نالوا من الله تعالى ما نالوا، إلَّا بهذه الخِصَال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2574\"> </span>(٩١) - ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَالَّتِي﴾ واذكر التي؛ يعني: مريم، وإنَّما ذكرها بطريق الكناية لأنَّ تنويه الشَّأن بالأسماء حقُّ الرِّجال.\n﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا﴾ الإحصانُ: إحرازُ الشَّيء عن الفساد، والفاء التفريعية في قوله:\n﴿فَنَفَخْنَا﴾ قد دلَّت على أنَّ المراد: حفظُها من الحرام فقط؛ لأنَّ النكّاح مستحبٌّ، بل سُنَّة قديمة، فلا يصلح الاحتراز عنه منشأً للفضيلة.\n﴿فِيهَا﴾ أي: فعلنا النَّفخ في مريم.\n﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جهته، والمراد من الرُّوح: جبريلُ ﵇، فإنه نفخ في جيب درعها، فوصل النَّفخ إلى جوفها، وإضافتُه إليه تعالى للتَّشريف.\n﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾؛ أي: حالها وهي ولادتها إيَّاه من غير فحلٍ (^١)، ولذلك وحَّدَ قوله:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"محل\"، والمثبت من (س) و\"الكشاف\" (٣/ ١٣٣).","vol":"7","page":70},{"text":"﴿آيَةً﴾ والتَّقدير: وجعلناها آية وابنها كذلك، ويعضدُه قراءة: (آيتين) (^١).\n﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ فإنَّ مَن تأمَّل حالَهما تحقَّق كمال قدرة الصَّانع تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2575\"> </span>(٩٢) - ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.\n﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ الأمَّة: الملَّة، والإشارة إلى ملَّة التَّوحيد والسَّلام؛ أي: إنَّ هذه الملَّةَ ملَّتكم التي يجب أن تكونوا عليها.\n﴿أُمَّةً﴾: ملَّةً، حالٌ من معنى الإشارة في ﴿هَذِهِ﴾ أي: يُشار إليها أمَّة.\n﴿وَاحِدَةً﴾ غيرَ مختلفةٍ فيما بين الأنبياء ﵈.\nقرئ: (أمَّتكم) بالنَّصب على البدل من ﴿هَذِهِ﴾ و(أمَّةٌ) بالرَّفع على الخبر (^٢).\nوقرئ برفعهما (^٣) على أنهما خبران أو قدِّر للثَّاني مبتدأ على: هي أمَّة.\n﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ ربٌّ واحدٌ لا إلهَ غيري ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ لا غيري.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2576\"> </span>(٩٣) - ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.\n﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ كان الخطاب السَّابق عامًّا للنَّاس كافَّة، فالتفتَ إلى الغيبة لينعى على الذين تفرَّقوا في الدِّين وكانوا شيعًا تقبيحَ فعلهم إلى غيرهم؛\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود وابن أبي عبلة. انظر: \"زاد المسير\" (٣/ ٢١١).\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٣٤).\n(^٣) نسبت للحسن وابن أبي إسحاق. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩١)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٣٤).","vol":"7","page":71},{"text":"تمثيلًا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فِرَقًا وأضرابًا شتَّى؛ أي: جعلوا أمرَ دينهم فيما بينهم قطعًا، كما يتوزَّع الجماعة الشَّيء ويقسمونه قطعة قطعة (^١).\n﴿كُلٌّ﴾ ثمَّ توعَّدهم بأنَّ كلَّ واحدة من تلك الفِرَق.\n﴿إِلَيْنَا﴾ خاصَّة لا إلى غيرنا ﴿رَاجِعُونَ﴾ فنجازيهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2577\"> </span>(٩٤) - ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.\n﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بالله ورسوله.\n﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ استُعير الكفران لمنع الثَّواب والحرمان كما استُعير الشُّكر لإعطائه وقيل: إنَّ اللهَ شكورٌ (^٢)، ونُفِيَ (^٣) نَفْيَ الجنس للمبالغة، فمانَّه أبلغ من أن يُقال: فلا نكفر سعيه.\nثمَّ بُولِغَ وأكِّد في عدم تضييع سعيه بـ (إنَّ) وتقديم الجارِّ والمجرور فقيل:\n﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾؛ أي: لذلك السَّعي في صحيفة عمله مُثْبتون له، فلا تضييع بوجهٍ مّا.\n* * *\n_________\n(^١) \"قطعة\" سقط من (ف) و(م).\n(^٢) يعني: الكفران مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في إعطائه إذا قيل لله: شكور. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٣٤).\n(^٣) في (ك) و(م): \"نفي\"، والمثبت من (س) و(ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢٧٣)، وفي \"الكشاف\" (٣/ ١٣٤): (وقد نفي نفي …).","vol":"7","page":72},{"text":"<span id=\"aya-2578\"> </span>(٩٥) - ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿وَحَرَامٌ﴾ وقرئ: ﴿وَحَرَامٌ﴾ (^١)، وهما لغتان، كحَلالٍ وحِلٍّ.\n﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ أي: ممتنعٌ على أهل قرية.\n﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: أردنا إهلاكها باستئصال أهلها.\n﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: رجوعُهم إلى التَّوبة أو الحياة، و﴿لَا﴾ صلةٌ، أو: عدمُ رجوعهم للجزاء، و(إنَّ) مع اسمها وخبرها مبتدأ، خبره (حرام).\nوقرئ: (إنهم) بالكسر (^٢)، على أنَّ الكلام تمَّ قبله، والمبتدأ محذوفٌ دلَّتْ عليه الآية المتقدمة؛ أي: وحرام على قرية أهلكناها ذلك؛ أي: العملُ الصَّالح والإيمانُ والسَّعيُ المشكور غيرُ المكفور، ثمَّ استُؤنف على سبيل التَّعليل، فقيل: إنَّهم لا يرجعون عن الكفر.\nوعلى قراءة الفتح أيضًا لا يَبعد هذا الوجه؛ أي: لأنهم لا يرجعون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2579\"> </span>(٩٦) - ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.\n﴿حَتَّى﴾ هي التي يُحكى بعدها الكلام، والكلام المحكيُّ الجملة من الشَّرط والجزاء؛ أعني:\n﴿إِذَا﴾ وما في حيِّزها.\n﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ المفتوح حقيقةً هو السَّدُّ المنسوب إليهما، وإنَّما\n_________\n(^١) قرأ بها أبو بكر وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"معاني القرآن\" للنحاس (٥/ ٤٩٠)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٣٤).","vol":"7","page":73},{"text":"أسند إليهما على التَّجوُّز؛ لعلاقةٍ ظاهرة، ونكتةٍ لا يَخْفَى لطفُ موقعها.\nو﴿حَتَّى﴾ متعلِّقة بـ ﴿وَحَرَامٌ﴾، أو بمحذوفٍ دلَّ عليه الكلام؛ أوبـ ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: يستمر الامتناع، أو الهلاك، أو عدم الرُّجوع، إلى قيام السَّاعة، وفتحُ السَّد من أمارتها كُني به عنه.\n﴿وَهُمْ﴾ يعني: يأجوج ومأجوج ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾: مرتفَعٍ من الأرض، ولفظة ﴿كُلِّ﴾ للمبالغة في الكثرة.\nأو المراد النَّاس كلُّهم، ويعضده قراءة ابن عباس ﵁: ﴿حَدَبٍ﴾ بالجيم والثَّاء (^١)، وهو القبر.\n﴿يَنْسِلُونَ﴾: يسرعون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2580\"> </span>(٩٧) - ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾؛ أي: القيامة.\n﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جواب الشَّرط، و(إذا) للمفاجأة سدَّ مسدَّ الفاء الجزائيَّة؛ كقوله: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، فإذا جاء الفاء معها تظاهرت على وصل الجزاء بالشَّرط، فيتأكَّد (^٢)، وتوهُّمُ الجمع بين البدل والمبدَل ساقطٌ؛ لأنَّ (إذا) باقية على حالها، لم تُمحَّض بدلًا حتى يلزم الامتناع.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٣٥).\n(^٢) في (ف): \"فتأكد\".","vol":"7","page":74},{"text":"ويجوز أن يكون الضَّمير بعدها ضميرَ القصَّة، و﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبره، وأن يكون ضميرًا مبهمًا يفسِّره ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\n﴿يَاوَيْلَنَا﴾ مقدَّر بالقول، واقع موقع الحال من الموصول.\n﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم.\n﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أنفسَنا بعدم الاعتبار بإنذار المنذِرين، إضرابٌ عن الإخبار عن استقرارهم في الغفلة، وإبطالٌ له بالاعتراف بما هو الحقُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2581\"> </span>(٩٨) - ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾.\n﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أراد الأوثان؛ إذ الخطاب لقريش، لا الشَّيطانَ وأعوانَه؛ لِمَا سيأتي أن (ما تعبدون) لا يتناول ذوي العقول، ولا دلالة على ذلك فيما روي: أنَّه ﵇ لَمَّا تلا الآية على المشركين قال له ابن الزِّبَعْرَى: خَصَمْتُك وربِّ الكعبة! أليس اليهود قد عبدوا عزيرًا، والنَّصارى المسيحَ، وبنوا مليح الملائكة، فقال ﵇: \"بل هم عبدوا الشَّياطين التي أمرتْهم بذلك\"، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية [الأنبياء: ١٠١] (^١).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢٧٣٩)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٣٠٥)، من حديث ابن عباس ﵄. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٦٩): رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة وقد وثق وضعفه جماعة. وانظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٣٦)، و\"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٢٧٦). ورواه بنحوه دون ذكر الآية الإمام أحمد في \"المسند\" (٢٩١٨).","vol":"7","page":75},{"text":"وليس فيه تخصيصٌ تأخَّر عن الخطاب؛ لأن (ما) لمن لا يعقل، فلا يتناولهم، دلَّ على ذلك ما رُوي أن النبيَّ (^١) ﵇ قال له: \"ما أجهلك بلغة قومك! أما علمت أنَّ (ما) لما لا يعقل\" (^٢)، فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ﴾ الآيةَ لدفع احتمال المجاز والتَّغليب، لا لتخصيص العامِّ كما سبق إلى بعض الأوهام.\n﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الحَصَبُ: ما يُرْمَى به، فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ؛ أي: يُحصب بهم في النَّار، وقرئ بسكون الصَّاد (^٣) وصفًا بالمصدر.\n﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾: استئناف أو بدل من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، واللَّام معوَّضة من (على) للاختصاص والدِّلالةِ على أنَّ ورودهم لأجلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2582\"> </span>(٩٩) - ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾؛ لأنَّ الورود للنَّار (^٤) - وإن لم يلزمه العذابُ على ما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]- ليس مِن شأنَّ المعبودِ المختارِ.\n﴿وَكُلٌّ﴾ أي: العابد والمعبود.\n﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ إنَّما قُرِنوا بآلهتهم لزيادة تعذيبهم؛ فإنَّ ما أصابهم إنَّما أصابهم\n_________\n(^١) في (ف): \"أنه\".\n(^٢) قال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ١١١ - ١١٢): لا أصل له، والوضع عليه ظاهر.\n(^٣) نسبت لابن السميفع. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٦٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠١).\n(^٤) في (م): \"في النار\".","vol":"7","page":76},{"text":"بسببهم، فإذا قُرِنوا بهم ازداد غمُّهم وحسرتهم للِّقاء المؤذي، ولأنَّهم قدَّروا انتفاعهم في الآخرة بهم، وإذا وجدوا الأمر على عكس ما قدَّروا لم يكن شيءٌ بلا أبغضَ إليهم منهم، ومن هنا اتَّضح وجهُ خلودها في النَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2583\"> </span>(١٠٠) - ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾: أنينٌ وتنفُّسٌ شديد، وفيه تجوُّزٌ من جهة نسبة فعل البعض إلى الكلِّ، وتغليبٌ من جهة إطلاقهم على مجموع العقلاء وغيرهم، ولا تأثير للتَّغليب في الأوَّل.\n﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ من الهولِ وشدَّة العذاب، وذلك بعد حين؛ لِمَا وردَ في بعض الآيات من مكالمتهم مع (^١) خزنةَ النَّار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2584\"> </span>(١٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾: الخصلة الحسنى، وهي السَّعادة القصوى، أو البُشرى بالثَّواب، أو التَّوفيق للطَّاعة.\n﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ بدخول الجنَّة، سبقت الغاية في البداية، فظهرت الولاية في النِّهاية.\nوفي عبارة ﴿مُبْعَدُونَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم يَرِدونها ويقربون منها أوَّلًا، ولمَّا كان ذلك مظنّةَ أن يتأذَّوا عنها عند ورودهم إيَّاها وقُربهم منها دفعَه بقوله:\n_________\n(^١) \"مع\" ليست في (ف).","vol":"7","page":77},{"text":"<span id=\"aya-2585\"> </span>(١٠٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.\n﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: صوتَها الذي يُحَسُّ وحركةَ لهبها (^١)، حالٌ من ضمير ﴿مُبْعَدُونَ﴾؛ يعني: أنهم في حال سلامتهم عنها وعن آثارها المؤذية يَرِدُونها ويُبعدون عنها.\n﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ الشَّهوةُ: طلبُ النَّفسِ اللَّذَّةَ؛ أي: دائمون في الاستغراق في مشتهياتهم، وتقديم الظَّرف للاختصاص، ومحافظةِ الفواصل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2586\"> </span>(١٠٣) - ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\n﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾؛ أي: النَّفخةُ الآخرة (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧].\n﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: تستقبلهم مهنِّئين.\n﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾: يومُ ثوابكم (^٣)، وهو مقدَّرٌ بالقول.\n﴿الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2587\"> </span>(١٠٤) - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"صوتها وحركتها التي سجى تلهبها\".\n(^٢) في (ك): \"الأخيرة\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"تقربكم\".","vol":"7","page":78},{"text":"والعامل في ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾، أو ﴿الْفَزَعُ﴾، أو ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾.\nوالطَّيُّ: ضدُّ النَّشرِ، أو: المحوُ، من قولك: اطوِ عنِّي هذا الحديث.\n﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: كطيِّ الطُّومار لأجل الكتابة، أو: لِمَا يُكْتَب، أو كُتِبَ فيه، ويؤيِّده القراءة على الجمع (^١)؛ أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه.\nوقيل: السِّجلُّ: مَلَكٌ يطوي كتبَ الأعمال إذا رُفِعَتْ إليه.\nوفيه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون بالمعهود المعروف، وطيُّ ذلك (^٢) الملَك لم يُعرَف إلَّا مِن هذا الكلام.\nوقيل: كاتبٌ كانَ لرسول الله ﵇.\nوفيه: أنَّه ليس لطيِّه خصوصيَّةٌ زائدة، وتخصيصُ التَّشبيه به يقتضي ذلك.\nوقرئ: (السَّجْلِ) كالدَّلْو، و: (السُّجُلِّ) كالعُتُلِّ، وهما لغتان فيه (^٣).\n﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول ﴿بَدَأْنَا﴾، ومحلُّ الكاف النَّصبُ على المصدر، و(ما) كافَّة، أو مصدريَّة؛ أي: مثلَ ما بدأنا أوَّل خلقٍ نعيده.\nأو مفعول (نعيد) مضمرٍ يفسِّره ما بعده (^٤)؛ أي: نعيدُ أوَّل خلقٍ كما بدأناه.\n_________\n(^١) قراءة حفص وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالإفراد. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).\n(^٢) \"ذلك\" من (س) و(ك).\n(^٣) انظر القراءتين في \"الكشاف\" (٣/ ١٣٧). والثانية نسبت لأبي هريرة ﵁ وصاحبه أبي زرعة بن عمرو بن جرير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٣)، و\"المحتسب\" (٢/ ٦٧).\n(^٤) أي: ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول (نعيد) المضمر الذي يفسره ﴿نُعِيدُهُ﴾ المذكور، وهو ما يسمى النصب =","vol":"7","page":79},{"text":"ويجوزُ أن تكون الكاف منصوبة بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ﴿نُعِيدُهُ﴾ (ما) موصولة و﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ نصب على الظَّرف (^١) لـ ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أو نصب على الحال من ضمير الموصول المحذوف المقدَّر (^٢) في ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أي: نعيدُ مثلَ الذي بدأنا ونعيده في أوَّل خَلْقِنا إيَّاه، أو حالَ كونه أوَّل خلقٍ، شُبِّهَتِ الإعادة بالإبداء في تعلُّق القدرة بهما على السَّواء، والمرادُ إثبات صحَّة الإعادة بالقياس على الإبداء؛ لشمول الإمكان الذَّاتي المصحِّح للمقدورية لهما؛ أي: كما أنَّ أوَّل إيجاده من عدم نعيده ثانيًا عن عدم.\nوإنَّما وحَّد ﴿خَلْقٍ﴾ ونكَّر ليفيدَ تفصيلهم واحدًا واحدًا (^٣)، والمعنى: أوَّل الخلائق، كما تقول: أوَّل رجل جاءني، بمعنى: أوَّل الرِّجال، وإنَّما نُكِّرَتْ ووُحِّدَتْ ليفيد تفصيلهم رجلًا رجلًا، هذا تحرير ما قالوا.\nوالذي يظهر لي: أنَّ الخلق بمعنى المخلوق، وتقييده بالأوَّل لإخراج (^٤) المخلوق ثانيًا - وهو الرُّوح - عن متناوَل الكلام؛ لأنَّه في إعادة البدن، وهو المخلوق أوَّلًا؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فتدبَّر.\n﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ مصدر مؤكِّد؛ لأنَّ قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ (^٥) عِدَةٌ للإعادة علينا؛ أي: علينا إنجازه.\n_________\n= على الاشتغال.\n(^١) في (ف): \"الظرفية\".\n(^٢) في (ف): \"والمقدر\".\n(^٣) في (ف): \"تفصيل واحد واحد\".\n(^٤) في (م): \"إخراج\".\n(^٥) في (ف): \"نعيد\".","vol":"7","page":80},{"text":"﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: عازمين في الأزل على أن نفعل ذلك لا محالة، أو: قادرين على أن نفعل ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2588\"> </span>(١٠٥) - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾: في كتاب داود ﵇ ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾؛ أي: التَّوراة.\n﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾: أرضَ الجنَّة، أو الأرضَ المقدَّسة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾: عامَّة المؤمنين، أو أمَّة محمَّد ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2589\"> </span>(١٠٦) - ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾؛ أي: فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد ﴿لَبَلَاغًا﴾ للغاية، أو: لسبب بلوغ إلى البغية.\n﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾: همُّهم العبادة دونَ العادة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2590\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ لأنَّه (^١) جاء بما يسعدهم في الدَّارين، ويصلح معاشهم ومعادهم، وازديادُ كفر بعضهم بسببه إنَّما هو من عند أنفسهم وعنادهم لا منه.\n_________\n(^١) في (ف): \"إنه\".","vol":"7","page":81},{"text":"وقيل: كونه رحمة للكفَّار: أمْنُهم به من عذاب الاستئصال والمسخ والخسف، وتأخيرُ عقوبتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2591\"> </span>(١٠٨) - ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (ما) في ﴿إِنَّمَا﴾ كافَّة، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى: إنَّ الذي يوحى إليَّ.\n﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لأنَّ المقصود الأصلي من بعثته (^١) هو التَّوحيد.\n﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: مخلصون العبادة لله تعالى، على مقتضى الوحيِ المصدَّق بالحجَّة والتَّوحيد ممَّا يصحُّ إثباته بالسَّمع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2592\"> </span>(١٠٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا (^٢) عن التَّوحيد.\n﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ آذنَ مِن أَذِنَ: إذا عَلِمَ؛ لكنَّه شاع استعماله في الإنذار؛ أي: أعلمتكم (^٣) ما أمرْتُ به، أو حربي (^٤) لكم.\n_________\n(^١) في (م): \"بعثه\".\n(^٢) في (ف): \"وتعرضوا\".\n(^٣) في (ف): \"أعلمكم\".\n(^٤) تحرفت في النسخ إلى: \"جرى\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٦٢)، و\"تفسير أبي السعود\" (٦/ ٨٩)، و\"روح المعاني\" (١٧/ ٢٢٤)","vol":"7","page":82},{"text":"﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ نصب على الحال من المخاطَبين؛ أي: مستوين في الإعلام به، أو: مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به، أو في المعاداة.\nأو صفة مصدر محذوف؛ أي: إيذانًا (^١) على سواء.\nوقيل: أعلمتكم وأنا على سواء؛ أي: عدلٍ واستقامةِ رأيٍ بالبرهان النَّيِّر.\n﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾: وما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: ما توعدونه من غلبة المسلمين، أو من الحشر، لكنَّه كائن لا محالة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2593\"> </span>(١١٠) - ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.\n﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: ما يجهرون به من (^٢) الطَّعن في الإسلام.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾: ما تكتمونه من الإحَنِ والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2594\"> </span>(١١١) - ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾: وما أدري لعلَّ تأخير هذا الوعد افتتانٌ لكم وامتحانٌ لننظرَ كيف تعملون.\n﴿وَمَتَاعٌ﴾: وتمتُّع واستدراجٌ لكم ﴿إِلَى حِينٍ﴾ ليكون ذلك حجَّة عليكم، وليقع الموعَد (^٣) به في وقتٍ قدَّره فيه بمقتضى حكمته.\n_________\n(^١) في (ف): \"إنذارًا\".\n(^٢) في (ف): \"في\".\n(^٣) في (ف): \"الموعود\".","vol":"7","page":83},{"text":"<span id=\"aya-2595\"> </span>(١١٢) - ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾: اقضِ بيننا وبين أهل مكَّة بالعدل، أمر باستعجال العذاب، فعُذِّبوا ببدر، وكان مقتضى العدل ذلك.\n﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ﴾: كثير الرَّحمة على خلقه.\n﴿الْمُسْتَعَانُ﴾: المطلوبُ منه المعونة.\n﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾: ما تصفونه من الحال بأنَّ الشَّوكة تكون لهم، وأنَّ راية الإسلام تخفق أيامًا ثم تسكن، فخيَّب الله تعالى آمالهم، وكذَّب ظنونهم، ونصر رسوله ﵇ والمؤمنين عليهم.\n* * *","vol":"7","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>سُورَةُ الحَجِّ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2596\"> </span>(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أَمرَ بني آدم بالتَّقوى، ثمَّ علَّلَ أمرهم به بفظاعة السَّاعة حيث قال:\n﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ ليتصوَّروها بعقولهم، ويعلموا أنَّه لا يؤمِّنهم منها سوى التَّدرُّعِ بلباس التَّورُّع، والتَّردِّي برداء التَّقوى، ويُبْقوا على أنفسهم، وَيقوها (^١) من الرَّدى (^٢) بملازمة التَّقوى.\nوالزَّلزلةُ: شدَّةُ التَّحريك والإزعاج، وأن يُضاعَفَ زليلُ (^٣) الأشياء عن مقارِّها ومراكزها.\nوإضافتها إلى ﴿السَّاعَةِ﴾ إضافةُ المصدر إلى الفاعل على التَّجوُّز في الإسناد، كأنَّها هي التي تزلزل الأشياء، أو إلى الظَّرف على إجرائه مجرى\n_________\n(^١) في (ف): \"وينقوها\"، وفي (س) و(ك) و(م): \"ويتقوها\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢٨١). قال الشهاب: أي: يحفظوها، وما في بعض النسخ: (ويتقوها) تحريف.\n(^٢) في (س) و(ك) و(م): \"عن الردى\"، والمثبت من (ف)، وليست في \"تفسير البيضاوي\".\n(^٣) الزليل: مصدر زَللْت: زَلِقت في طينٍ أو مَنْطِقٍ. انظر: \"القاموس المحيط\" (مادة: زلل).","vol":"7","page":87},{"text":"المفعول به، أو بتقدير (^١) (في) كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣].\nوهذه الزَّلزلة هي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ السورة.\nعن الحسن: أنها تكون يوم القيامة (^٢).\nوعن علقمة والشَّعبي: عند طلوع الشَّمس من مغربها (^٣).\nوإضافتها إلى ﴿السَّاعَةِ﴾ لأنَّها من أشراط السَّاعة.\n﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لَمَّا وصفه (^٤) بالعِظَم وأبهمها تعظيمًا بأنَّها شيءٌ لا يُكتَنَهُ كُنْهُ عظمته، أخذ في تصوير هولها بصورةٍ منكرة (^٥)، فليسَ المرادُ من قوله:\n\n<span id=\"aya-2597\"> </span>(٢) - ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.\n﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ ذهولَ المرضعة ووضعَ الجنين، بل شدَّةُ الهول، هذا على القول الأوَّل.\nوالضمير للزَّلزلة، و﴿يَوْمَ﴾ منتصبٌ بـ ﴿تَذْهَلُ﴾، وقرئ: ﴿تَذْهَلُ﴾ معروفًا\n_________\n(^١) في (ف): \"أو تقدير\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤١)، وروى الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٤٥٣) نحوه عن ابن زيد.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤١)، وروى الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٤٤٦) عن علقمة في تفسير هذه الآية قال: \"قبل الساعة\"، وروى عن الشعبي قال: \"هذا في الدنيا قبل يوم القيامة\".\n(^٤) قوله: \"وصفه\" كذا في النسخ، ولعل الأنسب بالسياق: (وصفها).\n(^٥) في هامش (ف) و(م) و(س): \"والقاضي ومن حذا حذوه لم يميزوا في تفسيرهم بين القولين. منه\".","vol":"7","page":88},{"text":"ومجهولًا (^١)؛ أي: تذهلها الزَّلزلةُ، من الذُّهول، وهو الذَّهاب عن الأمر دهشةً وحيرة، لا من الذَّهْل لأنَّه بمعنى السُّلوِّ، قال الشَّاعرُ:\nصَحا قلبُه يا عزُّ أوكادَ يَذْهَلُ (^٢)\nو(ما) مصدرَّية أو موصولة.\nوالمرضعةُ: هي الَّتي تكون في حال الإرضاع ملقِمةً ثديَها الصَّبيَّ، والمرضعُ التي شأنها أن ترضعَ وإن لم تباشِر الإرضاع.\nوأمَّا المعنى على القول الثَّاني - وعليه الجمهور - أنَّ هولها (^٣) بحيث إذا فوجئَتْ به التي ألقمَتْ الرَّضيع ثديَها نزعَتْه مِن فيه وذَهِلَتْ عنه دهشةً، ولقد أحسنَ مَن قال: تَذهَلُ المرضعةُ عن ولدِها لغيرِ (^٤) فِطامِ، وتضعُ الحاملُ ما في بطنِها لغيرِ تمامِ (^٥).\n﴿وَتَرَى﴾: وتظن ﴿النَّاسَ سُكَارَى﴾ حقيقة، لا على التَّشبيه ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ في الواقع.\n_________\n(^١) قراءة المبني للمفعول بلا نسبة في \"الكشاف\" (٣/ ١٤٢).\nوقراءة (تُذْهِلُ) بضم التاء وكسر الهاء؛ أي: تذهل الزلزلة أو الساعة (كلَّ) بالنصب. نسبت لابن أبي عبلة واليماني. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٦)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٠٦)، وبلا نسبة في \"الكشاف\" (٣/ ١٤٢).\n(^٢) صدر بيت لكثير عزة، وعجزه:\nوأضحى يُريدُ الصَّرمَ أو يتبدَّلُ\nانظر: \"ديوان كثير عزة\" (ص: ١٤٩).\n(^٣) في (ك): \"ذهولها\".\n(^٤) في (ف): \"بغير\".\n(^٥) نسب هذا القول للحسن. انظر: \"تفسير الماوردي\" (٤/ ٦)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٤٢).","vol":"7","page":89},{"text":"﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أذهبَ عقولَهم لشدَّته، وطيَّرَ تمييزَهم بِهَوْلِهِ، فجعلَهم بحيث لا يُفَرَّقُ بينَهم وبينَ مَن يَذهبُ السُّكرُ بعقله وتمييزه.\nوإنَّما جمعَ فاعل الرُّؤية أوَّلًا وأفرد ثانيًا لأنَّ الأُولى عُلِّقَتْ بالزَّلزلة، والزَّلزلةُ يراها النَّاس كلُّهم، والثَّانيةَ عُلِّقَتْ بكون النَّاس على حال السُّكر، فلا بُدَّ أن يُجعَلَ كلُّ واحدٍ منهم رائيًا لأثر السُّكر على صاحبه.\nوقرئ: (تُرى) بالضَّم ونصبِ (النَّاسَ) (^١) من أُريتُكَ قائمًا، أو: رأيْتُكَ قائمًا (^٢)، ورفعِه على إسناد (تُرَى) إليهم (^٣)، [وأنثه] على تأويل الجماعة (^٤).\nو﴿سُكَارَى﴾ حال، وقرئ: (سَكْرى) كعطشى (^٥)؛ إجراءً للسُّكْر مجرى العِلَل.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لأبي هريرة وأبي زرعة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٤٢). وسقطت \"ترى\" من (م).\n(^٢) في (ف): \"أو رُيتك قائما\"، وسقطت العبارة من (ك)، والمثبت من (س) و(م)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٦/ ٢٨٢). والمعنى على الرباعي (أُريتك): تظنُّ أنت الناس سُكارى، أقيم ضميرُ المخاطب مقام الفاعل، ونصب (النَّاسَ) و(سُكَارَى) على أنهما المفعولان الثاني والثالث؛ لأن أُريت مُتعدٍّ إلى ثلاثةٍ، وإن كان من الثلاثي (رأيتُك) فالمعنى: تُظنُّ الناسُ سُكارى، أقيم (الناسُ) بالرفع مقام الفاعل، ونُصبَ (سُكَارَى) على المفعولية؛ لأن رأيتُ متعدِّ إلى اثنين. وجاء في مطبوع \"الكشاف\" (٣/ ١٤٢): (رُؤيتُكَ)، وهي نسخة البخاريين كما قال الطيبي، وزاد: وهو مشكلٌ، فإنا ما وجدنا رأيتُ متعديًا إلى ثلاثة.\n(^٣) أي: (وترَى الناسُ) برفع (الناس). وهي في \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٦) بلا نسبة، ونسبت في \"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٠٦) للزعفراني وعباس.\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤٢)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٧).","vol":"7","page":90},{"text":"<span id=\"aya-2598\"> </span>(٣) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ لا يخفى ما في هذا التَّعبير من التَّحقير بشأنه؛ حيث نزَّله بمنزلة مَن احتاج إلى الإخبار عنه بأنَّه من جنس الإنس.\n﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾: مَن يخاصِمُ خُصومةً شديدةً.\n﴿فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نزلَتْ في النَّضر بن الحارث، وكان جَدِلًا يقول: الملائكة بنات الله تعالى، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعْثَ بعد الموت (^١).\nوهي عامَّة في كلِّ مجادلٍ لا يرجعُ إلى علمٍ.\n﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ في جداله وسِيرته، والمَرِيدُ: المتجرِّدُ للفسادِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2599\"> </span>(٤) - ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾: على الشَّيطان ﴿أَنَّهُ﴾: الضَّمير للشَّأن ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾؛ أي: جعله وليًّا وتبعه.\nوقرئ: (إنَّه) بالكسر (^٢)، على حكاية المكتوب، أو إضمار القول، أو تضمينِ الكتب معناه.\n﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ خبر لـ ﴿مَنْ﴾، أو جواب له.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٤٥٩) عن ابن جريج، وذكره الماوردي في \"النكت والعيون\" (٤/ ٦) عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) نسبها ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٧) إلى أبي عمرو، وتعقبه أبو حيان في \"البحر المحيط\" (١٥/ ٣١٠) بقوله: وليس مشهورًا عن أبي عمرو.","vol":"7","page":91},{"text":"﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ولا يحصل من ولايته إلَّا الضَّلالُ عن طريق الحقِّ أو الجَنَّةِ، والهدايةُ إلى عذاب النَّار، بإغوائه وإغرائه إلى ما يؤدِّي إليه وحمله عليه؛ أي: يلزمه ذلك كأنَّه كُتِبَ عليه إضلال (^١) مَن يتولَّاه؛ لأنَّه مجبول عليه.\nوقرئ: ﴿فَأَنَّهُ﴾ بالفتح (^٢) على أنَّه مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: فحقٌّ أنَّه يضلُّه، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: فشأنُه (^٣) أنَّه يضلُّه، ولا وجه للعطف إلَّا أنْ يُجعَلَ الضَّمير للمجادِل و﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ خبر (أنَّ)، وجاز على هذا أن يكون الضَّمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ له أيضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2600\"> </span>(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ من إمكانه وكونه مقدورًا.\nوقرئ: (من البَعَثِ) بالتَّحريك كالجَلَبِ والطَّرَدِ (^٤).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"الضلال\".\n(^٢) وهي قراءة الجمهور، وقرأ: (فإنه) الأعمش، ورويت عن أبي عمرو في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٧)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٣١٠).\n(^٣) في (ف): \"شأنه\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٧).","vol":"7","page":92},{"text":"وتنوين ﴿رَيْبٍ﴾ للتَّحقير والتَّقليل، ولذلك جيء بكلمة الشَّكِّ؛ أي: اتَّضح دليله، فإنْ بقيَ فيكم أدنى ريبٍ فالنَّظر في بدءِ خلقكم يزيلُه (^١).\n﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ كخلقِ آدم منه، أو من الأغذية المتكوِّنة منه.\n﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وهي الماء القليل، من النَّطْفِ: وهو الصَّبُّ، والمراد: المنيُّ.\n﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾: قطعةٍ من الدَّم الجامد.\n﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ وهي اللَّحمة الصَّغيرة قَدْرَ ما يُمْضَغُ.\n﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ يُقال: خَلَّق العودَ: إذا سوَّاه وملَّسه، من قولهم: صخرةٌ خَلْقاءُ: إذا كانت ملساءَ.\n﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي: مسوَّاةٍ وغيرِ مسوَّاةٍ؛ كأنَّ اللهَ تعالى خَلَق المُضَغ متفاوتةً (^٢) في التَّسوية والتَّعديل، فتبع ذلك تفاوتُ النَّاس في الصُّورة والقامة والشَّكل والتَّمام والنَّقص.\nأو: مصوَّرةٍ وغيرِ مصوَّرةٍ، أو: تامَّةٍ وناقصةٍ (^٣).\n﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بهذا التَّدريجِ قدرتَنا وحكمتنا، وأنَّ مَن قدرَ على تغييره وتصويره أوَّلًا قدر على ذلك ثانيًا، بل هذا أهون عند العقل وأدخلُ في المقدورَّية، وإطلاق التَّبيين غير متعدٍّ إلى مفعولٍ؛ إيماءً إلى أنَّ أفعاله هذه يُتبيَّن بها من قدرته وحكمته ما لا يَدخل تحت الذِّكْرِ ولا يُوْصَفُ.\n_________\n(^١) في (س): \"مزيله\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"متفاوتًا\".\n(^٣) في (س): \"وساقطة\".","vol":"7","page":93},{"text":"﴿وَنُقِرُّ﴾: نُثبتُ ﴿فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ثبوتَه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو وقتُ الوَضْعِ، وعلم منه (^١) حالُ قرينهِ المقابلِ له بطريق المفهوم.\n﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ منها ﴿طِفْلًا﴾ حالٌ وُحِّدَت لإرادة الجنس، أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو على تأويل: كلّ واحدٍ.\nوقرئ: (نُقِرَّ) بالنَّصب وكذا (نخرجَكُمْ) عطفًا على (نبيِّنَ) (^٢).\nوالمعنى: إنَّا خلقناكم مدرَّجين لغرضَيْن؛ أحدهما: التَّبيين، والثَّاني: الإقرار في الأرحام حتى تُولَدوا وتنشؤوا وتبلغوا حَدَّ التَّكليف.\nوالغرضُ في الحقيقة هو الأخير؛ أعني: بلوغَ الأشُدِّ والصُّلوحَ للتَّكليف، لكن لَمَّا كان الإقرار وما تلاه من مقدِّماته صحَّ إدخاله في التَّعليل.\nوقرئ بالياء رفعًا ونصبًا (^٣).\nو: (نَقُرُّ) بالضَّم (^٤)، من قررْتُ الماء: إذا صَبَبْتَه.\n﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ الأَشُدُّ: كمالُ القوَّةِ والعقلِ والتَّمييزِ، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يُستَعمل لها واحدٌ، وكأنَّها شدَّةٌ في غير شيءٍ واحدٍ، فبُنِيَتْ لذلك على لفظ الجمع.\n_________\n(^١) في (ف): \"به\"، وسقط من (س).\n(^٢) نسبت لعاصم ويعقوب. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٨)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٣١٣). والمشهور عن عاصم ويعقوب كقراءة الجماعة. وهي في \"الكشاف\" (٣/ ١٤٤) دون نسبة، وعنه نقل المؤلف هذه القراءات.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٨)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٣١٣).\n(^٤) نسبت ليعقوب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٠٨).","vol":"7","page":94},{"text":"﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ عند بلوغ الأشُدِّ، أو قبلَه، أو بعدَه قبل الهرم.\nوقرئ: (يَتوفَّى) (^١)؛ أي: يتوفَّاه الله تعالى.\n﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾: الهَرمِ والخَرَف.\n﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: ليعودَ كهيئته الأُولَى في أوان طفوليَّته، سخيفَ العقل، قليلَ الفهم.\nوالاستغراق المستفاد في ذكر ﴿شَيْئًا﴾ في سياق النَّفي للمبالغة في نسيانِه ما عَلِمَه، وإنكارِه لِمَا عَرَفَهُ.\n﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾: ميِّتة يابسة، من همدَتِ النَّارُ: إذا صارَتْ رمادًا.\n﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾: تحرَّكَتْ بالنَّباتِ.\n﴿وَرَبَتْ﴾: وانتفخَتْ، وقرئ: ﴿وَرَبأَتْ﴾ (^٢)؛ أي: ارتفعَتْ.\n﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: مِنْ كلِّ صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ البهيجُ: الحسنُ السَّارُّ للنَّاظرِ إليه.\nوهذه دلالة ثانية على البعث، كرَّرها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهَدة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٤).\n(^٢) في النسخ: \"أربأت\"، والصَّواب المثبت. وهي قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٢٥). وانظر كذلك: \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٤٦٦)، و\"المحتسب\" (٢/ ٧٤)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٤٥) والكلام منه.","vol":"7","page":95},{"text":"<span id=\"aya-2601\"> </span>(٦) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾: إشارة إلى ما ذُكِرَ مِن خلق الإنسان في أطوارٍ مختلفةٍ، وتحويله على أحوالٍ متضادَّةٍ، وإحياءِ الأرض بعد موتها، وهو مبتدأٌ خبرُه:\n﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، أي: حاصلٌ بسببِ أنَّ اللهَ هو الحقُّ الثَّابت الوجودِ في نفسه، الذي تتحقَّق به الأشياء.\n﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وأنَّه يقدر على إحيائها، وإلَّا لَمَا أَحيَى النُّطفةَ والأرضَ الميتةَ.\n﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنَّ قدرته لذاته، ونسبتُها إلى الكلِّ سواءٌ، فَلَمَّا دلَّتْ المشاهدة على إحياء بعض الأموات لزم اقتدارُه على الكلِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2602\"> </span>(٧) - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.\n﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا ينبغي أن يُرتَابَ فيها؛ لأنَّ التَّغيُّرَ من مقدِّمات الانصرام وطلائعه.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، أي: إنَّه تعالى حكيمٌ لا يُخْلِفُ ميعادَه، وقد وَعَدَ السَّاعةَ والبعثَ، فلا بُدَّ أن يفيَ بما وعدَ، ولَمَّا كان المرادُ إحياءَ موتى الإنسان عبَّر عنها بما هو مِن خصائصهم، فمعنى ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: مَن ماتَ مِن جنسِ الإنسانِ بطريق الكنايةِ.\n* * *","vol":"7","page":96},{"text":"<span id=\"aya-2603\"> </span>(٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: في صفاتِه، فيصفُه بغير ما هو له، نزلَتْ في أبي جهل (^١).\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ضروريٍّ ﴿وَلَا هُدًى﴾ كسبيٍّ، فإنَّه غالبًا يكون بتعليم الغير وإرشاده ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾؛ أي: وحي.\nأي: يجادلُ بتخمينٍ وتقليدٍ، لا بأحدِ هذه الثلاثة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2604\"> </span>(٩) - ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\n﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ ثنيُ العَطْفِ كنايةٌ عن الكِبْر والخيلاء بالتَّبختُرِ، أو عن الإعراض عن الحقِّ استخفافًا. وقرئ بفتح العين؛ أي: مانعَ تَعَطُّفِهِ (^٢).\n﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تعليلٌ للمجادَلة.\nوقرئ بفتح الياء (^٣)، على أنَّ إعراضَه عن الهدى المتمكِّن منه بالإقبال على الجدال الباطل خروجٌ من الهدى إلى الضَّلال، وأنَّه من حيث هو مؤدَّاه كالغرض له.\n﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ هو ما أصابَه يوم بدرٍ.\n﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: عذابَ النَّار المحرقة.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤٦) عن ابن عباس، وفي \"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٣٢٧): (وأكثر المفسرين أنها نزلت في النضر بن الحارث كالآية الأولى، فهما من فريق واحد، والتكرير للمبالغة في الذم). ويعني بالآية الأولى الآية (٣) من هذه السورة.\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٤٦).\n(^٣) قرأبها ابن كثير وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٤).","vol":"7","page":97},{"text":"<span id=\"aya-2605\"> </span>(١٠) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\n﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾: إشارةٌ إلى الخزيِ والعذابِ، وغيَّر النَّظمَ بالالتفات إلى الخطاب، وأتى بلفظ البعيد؛ للتَّنبيه، وتعظيمِ الموعَدِ به وتهويله، والإيماءِ إلى تفاقم الخَطْبِ، وإلى أَنَّه بسبب ما اقترفه من الكفر والمعاصي.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عطف على ﴿بِمَا﴾، أي: وبأنَّ الله تعالى؛ يعني: أنَّ العدلَ هو الذي (^١) اقتضى ذلك، لا الظُّلمَ، ولفظ المبالغة لأنَّ قليلَ الظُّلم منه مانعٌ مع علمه بقبحه واستغنائه كالكثير منَّا، وللإيماء إلى أنَّ مَن هو في غاية الكمال شأنُه أن يكون وصفُه كذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2606\"> </span>(١١) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ على طرفٍ من الدِّين، لا في وسطِهِ.\n﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ كالَّذي يكون على طرفِ الجيش؛ فإنَّ أحسَّ بالظَّفر قَرَّ؛ وإلَّا فَرَّ.\nروي أنَّها نزلَتْ في أعاريب قدموا المدينةَ، وكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونُتِجَتْ فرسُه مُهرًا سريًّا، وولدَت امرأتُه غلامًا سويًّا، وكثر ماله وما يشتهيه قال: ما أصبْتُ منذ دخلْتُ في ديني هذا إلَّا خيرًا، واطمأنَّ (^٢)، وإنْ كانَ الأمرُ بخلافه قال: ما أصبْتُ إلَّا شرًّا، وانقلَبَ (^٣).\n_________\n(^١) \"الذي\": ليست في (م).\n(^٢) في (ك) و(م) زيادة: \"به\".\n(^٣) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٠٧)، \"الكشاف\" (٣/ ١٤٦) وعنه نقل المؤلف. وروى =","vol":"7","page":98},{"text":"وذِكْرُ الفِتنةِ في مقابلةِ الخيرِ للتَّنبيه على أنَّ الشَّرَّ لا يصدر عنه تعالى قصدًا، إنَّما المقصود منه الابتلاء.\n﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بذهاب عصمته ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بحبوط عمله بالارتداد.\nوقرئ: (خاسِرُ) بالنَّصب على الحال وبالرَّفع (^١) على الفاعليَّة، أو على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف، وعلى الأوَّل يكون من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تنصيصًا عليه بالخسران.\n﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾: الظَّاهر الذي لا يخفَى على أحدٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2607\"> </span>(١٢) - ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾.\n﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾؛ أي: لا يقدرُ على شيءٍ أصلًا، فإنَّ النَّفع والضُّرَّ في التَّعبير بهما عن جميع الآثار كالسَّماء والأرض في التَّعبير بهما عن جميع الأجسام.\nوإعادة كلمة ﴿مَا﴾ للدِّلالة على استقلالِ كلٍّ من الوصفَيْنِ المذكورَيْنِ في إخراج موصوفه إلى معرض الذَّمِّ.\n﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن المقصدِ، مستعارٌ من ضلالِ مَن أبعدَ في التِّيهِ فطالَتْ وبَعُدَتْ مسافةُ ضلالِه.\n* * *\n_________\n= نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٤٧٢ - ٤٧٤) عن ابن عباس ﵄ وجمع.\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٤٧). والنصب منسوب لحميد ومجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥).","vol":"7","page":99},{"text":"<span id=\"aya-2608\"> </span>(١٣) - ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾.\n﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ بكونه معبودًا لإيجابه القتلَ في الدُّنيا والعذابَ في الآخرة.\n﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ الذي يُتوقَّع بعبادته، وهو الشَّفاعةُ والتَّوسُّلُ بها إلى الله تعالى.\nوإنَّما قال: ﴿أَقْرَبُ﴾ ولا قُرْبَ للنَّفع؛ تهكُّمًا واستهزاءً بهم.\nواللَّام معلِّقة لـ ﴿يَدْعُو﴾ من حيث إنَّه بمعنى: يَزعم، والزَّعمُ قولٌ مع اعتقادٌ.\nوقيل: إنَّها داخلةٌ على الجملة الواقعة مقولًا؛ إجراءً له مجرى (يقول)؛ أي: يقول الكافر ذلك بدعاءٍ وصُراخٍ حين يرى استضراره به.\nويأباه ما في عبارة ﴿أَقْرَبُ﴾ من معنى التَّفضيل.\nويجوز أن تكون مستأنفة على أنَّ ﴿يَدْعُو﴾ تكريرٌ للأوَّل، و﴿مِنْ﴾ مبتدأ خبرُه: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾: النَّاصرُ ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: المخالطُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2609\"> </span>(١٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من إثابةِ المؤمن الصَّالح، وعقابِ الكافر الطَّالح، لا دافِعَ له ولا مانِع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2610\"> </span>(١٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.","vol":"7","page":100},{"text":"﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ كلامٌ فيه اختصارٌ، معناه: أنَّ اللهَ تعالى ناصرٌ رسولَه في الدُّنيا والآخرة، فمَن كانَ يظنُّ من حاسديه وأعاديه أنْ لا يفعل ذلك ويغيظه ما يفعل الله:\n﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ فلْيَستفرغْ وُسْعَهُ في إزالة غيظِه إلى سماءِ بيتِه، كما يفعل مَن بلغَ به الغيظ كلَّ مَبلغٍ، ثمَّ ليختنق. سمَّى الاختناقَ قَطعًا لأنَّ المختنِقَ يقطعُ نَفَسَهُ بحبسِ مجاريه، ومنه قيل للبُهْر: القُطْع (^١).\nأو فليمدُدْ حبلًا إلى السَّماءِ المُظلَّة وليصعَدْ عليه، ثمَّ ليقطعِ الوَحيَ أنْ ينزلَ عليه.\n﴿فَلْيَنْظُرْ﴾: ولْيتصوَّرْ في نفسه ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ هل يُذْهِبُ نصرَ اللهِ الذي يغيظه إنْ فعلَ ذلك!\nوسمَّى فعلَه كيدًا لأنَّه وضعَه موضعَ الكيدِ، حيثُ اجتهدَ فلم يقدِرْ إلَّا عليه، أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنَّه لم يَكِدْ به محسودَه إنَّما كادَ به نفسَهُ.\n﴿يَغِيظُ﴾ غيظَه، أو: الذي يَغيظُه من نصر الله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2611\"> </span>(١٦) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الإنزال، والإشارةُ إلى مصدر الفعل المذكور بعدَه، لا إنزالٍ آخر يُقصد تشبيهُ هذا الإنزال به (^٢)، فالكافُ مُقْحَمٌ إقحامًا كاللَّازم، لا يكادون يتركونه في لغة العرب وغيرهم.\n_________\n(^١) \"البهر\" بضم الباء: العلة التي تمنع التنفس. انظر: \"فتوح الغيب\" (١٠/ ٤٥٤). والقُطع بضم القاف بمعناه انظر: \"القاموس\" (مادة: قطع).\n(^٢) \"به\" من (م) و(س).","vol":"7","page":101},{"text":"﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: أنزلنا القرآنَ كلَّه ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾: واضحاتٍ.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾: ولأنَّ الله يهدي به، أو يثبِّتَ على الهداية.\n﴿مَنْ يُرِيدُ﴾ هدايته، أو ثباته، أنزله لذلك (^١) مبيِّنًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2612\"> </span>(١٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني: عبدةَ الأوثانِ.\nقيل: الأديان خمسةٌ؛ أربعةٌ للشَّيطان وواحدٌ للرَّحمن. والصَّابئون نوعٌ من النَّصارى، فلا تكون ستَّةً.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في الأحوال والأماكن، فلا يجازيهم جزاءً واحدًا، ولا يجمعهم في موطنٍ واحدٍ، أو: بالحكومة بينهم وإظهارِ المُحِقِّ منهم مِن المُبْطِلِ.\nوإنَّما دخلَتْ ﴿إِنَّ﴾ على كلِّ واحدٍ من طَرَفي الجملة لمزيد التَّأكيد.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالمٌ به، مراقِبٌ لأحواله، فلينظرْ كلُّ امرئ معتقدَه وقولَه وفعلَه. وهو أبلغُ وعيدٍ.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"أنزله كذلك\".","vol":"7","page":102},{"text":"<span id=\"aya-2613\"> </span>(١٨) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلمْ علمًا يقومُ مَقامَ العَيانِ.\n﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ استُعِيْرَ السُّجودُ للانقياد والمطاوعة لِمَا يريدُ الله تعالى من الأفعال؛ لأنَّه هيئةٌ من هيئات المكلَّف، لا هيئةَ أدَلَّ منها على الذِّلَّةِ والتَّسخير.\nو﴿مَنْ﴾ يعمُّ أولي العَقلِ وغيرهم للتَّغليب، فيكون قوله:\n﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ إفرادًا لها بالذِّكْرِ لِشُهرَتِها واستبعادِ ذلك منها في العادة.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ بعدَ التَّعميم، للإيماءِ إلى أنَّ مِن النَّاس مَن لا ينقاد لحكمِه ولا يتسخَّر لأمره.\nولا يلزمُ مِن (^١) عطفِه على سائر السَّاجدين المحذورُ عند (^٢) الجمهور - لِمَا فيه مِن استعمال اللَّفظ الواحد مجازًا وحقيقةً في حالة واحدة - إذ يجوز أن يُجْعَلَ فاعلَ فعلٍ مُضمَرٍ دلَّ عليه ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أي: يسجد له كثيرٌ مِنَ النَّاسِ السُّجودَ الحقيقيَّ، ويجوز أن يكون مبتدأً محذوفَ الخبر، مدلولًا عليه بخبرِ قسيمه؛ أي: حَقَّ له الثواب، أو الخبر مذكور (^٣) على ما سيأتي.\n_________\n(^١) \"من\" سقط من (ك) و(م) و(س).\n(^٢) في (ك): \"المحذور عن\".\n(^٣) في (ف): \"المذكور\".","vol":"7","page":103},{"text":"﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفرِه وإبائِه عن الطَّاعة، ويجوز أن يكون (كثيرٌ) الثَّاني تكريرًا للأوَّل مبالغةً في تكثير المحقوقِين بالعذاب، وأن يُعطَفَ به على السَّاجدين بالمعنى العامِّ، موصوفًا بما بعدَه.\nوقرئ: (حقٌّ) بالضَّمِّ، و(حقًّا) (^١)؛ أي: حقَ عليهم العذاب حقًّا.\n﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ بأنْ حكم عليه بالشَّقاوة.\n﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يجعله سعيدًا، وقرئ بالفتح (^٢) بمعنى الإكرام.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإهانة والإكرام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2614\"> </span>(١٩) - ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾.\n﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾؛ أي: فريقان يختصمان، ولذلك قال: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ حملًا على المعنى، ولو عكَس وقال: هؤلاء خصمان اختصما، جاز. والمرادُ بهما: المؤمنون والكافرون.\n﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينِه، أو: في ذاته وصفاته.\nروي أنَّ أهل الكتاب والمؤمنين تخاصموا، فقال أهلُ الكتاب: نحنُ أحقُّ بالله وأقدم منكم كتابًا، ونبيُّنا قبل نبيِّكم، وقال المؤمنون: نحن أحقُّ بالله، آمنَّا\n_________\n(^١) نسبت الأولى لجناح بن حبيش، والثانية ذكرها ابن جبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٤٧) والكلام منه.\n(^٢) بفتح الراء، ذكرها أبو معاذ كما قال ابن خالويه، ونسبت لابن أبي عبلة كما ذكر غيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١١٣)، و\"البحر\" (١٦/ ٣٣٠).","vol":"7","page":104},{"text":"بمحمَّدٍ ونبيَّكم، وبما أنزل الله من كتابٍ، وأنتم تعرفون نبيَّنا وكتابَنا ثمَّ كفرتم به حسدًا. فنزلَتْ (^١).\n﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصلٌ لخصومتهم، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: ١٧].\n﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ على مقادير جثثِهم ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ نيرانٌ تُحِيطُ بهم إحاطةَ الثِّياب.\nواختير لفظ الماضي لأنَّه كائن لا محالة.\n﴿يُصَبُّ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿لَهُمْ﴾.\n﴿مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾: الماء الحارُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2615\"> </span>(٢٠) - ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.\n﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾: حالٌ من ﴿الْحَمِيمُ﴾، أو مِنَ الضَّمير في ﴿رُءُوسِهِمُ﴾، والصَّهرُ: الإذابةُ. وقرئ بالتَّشديد (^٢) للتَّكثير.\n﴿بُطُونِهِمْ﴾ من الشُّحوم ﴿وَالْجُلُودُ﴾ فأنَّى اللحوم؟! أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم، فيُذابُ ما في باطنهم (^٣) وظاهرهم.\n* * *\n_________\n(^١) روى نحوه الطَّبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٤٩١) عن ابن عباس ﵄.\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥).\n(^٣) في (م): \"بطونهم\".","vol":"7","page":105},{"text":"<span id=\"aya-2616\"> </span>(٢١) - ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾.\n﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: سِياطٌ منه، جمع مِقْمَعة (^١)، وحقيقتُها: ما يُقْمَعُ به؛ أي: يُكَفُّ بعنف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2617\"> </span>(٢٢) - ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\n﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النَّارِ ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ بلُ اشتمالٍ من ﴿مِنْهَا﴾ بإعادة الجارِّ، أو الأُولى لابتداء الغاية، والثَّانيةُ بمعنى: مِن أَجْل؛ يعني: كلَّما أرادوا الخروجَ مِنَ النَّار مِن أجلِ غَمٍّ يلحقهم.\nوإرادةُ الخروجُ كنايةٌ عن القرب منه، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (^٢).\n﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ بالمقامِعِ. والمرادُ إعادتُهم إلى معظم النَّار، لا أنَّهم يخرجون منها ثمَّ يعودون إليها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧]، ولقوله: ﴿فِيهَا﴾ دون: إليها.\n﴿وَذُوقُوا﴾ أي: وقيل لهم: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: النَّارَ البالغةَ في الإحراق.\nثمَّ ذكر جزاء الخصم الآخر بقوله:\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف): \"بكسر الميم المقرعة يقمع بها المضروب. منه\".\n(^٢) في هامش (ف) و(م) و(س): \"ولو كان مساق الكلام على خروجهم لقيل: كلما خرجوا منها أعيدوا؛ إذ حينئذ يضيع ذكر الإرادة، وما روي عن الحسن: أنَّ النَّار تضربهم بلهبها صريحٌ في أنَّ الإرادة ليست على حقيقتها. منه\".","vol":"7","page":106},{"text":"<span id=\"aya-2618\"> </span>(٢٣) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تغييرُ النَّظم في التَّفصيل بترك العطف، واستئنافِ الكلام، وإدخال حرف التَّأكيد، وإسناد الإدخال إلى الله تعالى، تعظيمٌ لشأن المؤمنين وإحمادٌ لحالهم.\n﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ من حَلِيَتِ المرأةُ: إذا لبست الحليَّ، فهي حاليَةٌ، شُدِّدَ للنَّقل (^١)، وقرئ مخففًا مبنيًّا للمفعول (^٢).\n﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ صفة مفعول محذوف، والأساور: جمع أَسْوِرة، وهي جمع سِوَارٍ.\n﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ بيانٌ له.\n﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على ﴿أَسَاوِرَ﴾، أو ﴿ذَهَبٍ﴾ على أنَّها مرصَّعة [به] (^٣).\nوقرئ منصوبًا (^٤) على إضمار فعلٍ؛ أي: يلبسون أو يُؤتون، أو عطفًا على محلِّ الجارِّ والمجرور.\n﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ تغيير الأسلوب فيه للدَّلالة على أنَّ الحريرَ لباسُهم المعتاد، مع رعاية الفاصلة.\n* * *\n_________\n(^١) أي: شدد الفعل للنقل من اللزوم إلى التعدية. انظر: \"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٣٤).\n(^٢) أي: (يُحْلَون). انظر: \"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٣٤).\n(^٣) أي: على أن الأساور مرصعة به. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٦٩)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) قرأ نافع وعاصم: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ بالنَّصب، وباقي السبعة بالخفض. انظر: \"التيسير\" (٦/ ٧٥).","vol":"7","page":107},{"text":"<span id=\"aya-2619\"> </span>(٢٤) - ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾.\n﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أُبهم الفاعل، ولم يُقل: (وهداهم الله)؛ إيفاءً لحقِّ التَّعظيم، وأُبهمَ القولُ، وجيء بـ ﴿الطَّيِّبِ﴾ ثمَّ بُيِّن تفخيمًا لشأنه، وإيماءً إلى أنَّه هذا الملقَّبُ بالطَّيِّب، وهو قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] أو كلمةُ التَّوحيد.\n﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ كرَّر ﴿وَهُدُوا﴾ تنبيهًا على أنَّ كلَّ واحدٍ منها أمرٌ مرضيٌّ بالأصالة، تامٌّ معتدٌّ به في الهداية إليه.\nواختير اسم ﴿الْحَمِيدِ﴾ من أسماء الله تعالى للإشارة إلى خصوصيَّة القول الطَّيِّب؛ أي: إلى طريق المستحِقِّ لذاته الحمدَ، وهو الله تعالى، أو أرادَ: المحمود عاقبتُه، وهو الإسلام.\nوقيل: طريق الجنَّة، وأضيف إلى الله تكريمًا للجنَّة بنسبتها إليه، وأن طريقَها طريقُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2620\"> </span>(٢٥) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ محذوفٌ، دلَّ عليه جواب الشَّرط؛ أي: إنَّ الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم.\n﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ عطف على ﴿كَفَرُوا﴾؛ لقوله تعالى في موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧]؛ أي: يواظبون على الصُّدود، وهو الصَّرف عن الخير خاصَّة، وليس المراد الحالَ أو الاستقبال، بل","vol":"7","page":108},{"text":"استمرارُ وجودِ الصَّدِّ منهم في جميع الأزمان، كقولهم: فلانٌ يُحسن للفقراء (^١) ويكرم الضِّيفان، ولذلك حَسُن عطفه على الماضي.\n﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\n﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ مطلقًا من غير فرقٍ بين حاضر وبادٍ، فإنْ أُرِيدَ بالمسجد الحرام مكَّةُ، ففيه دليل على أنَّه لا يجوز بيع أرض مكَّة ولا إجارتُها، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] لأنَّ الإضافة باعتبار أنَّهم يملكون البناء، ولا شراءَ عمر ﵁ دارًا يسجنُ فيها؛ لأنَّه اشترى البناءَ دونَ الأرضِ (^٢).\nوإن أريد به البيت فالمعنى: أنَّه قِبلةٌ لجميع النَّاس، والأوَّل هو الظَّاهر؛ لقوله تعالى:\n﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾: المقيمُ بمكَّة ﴿وَالْبَادِ﴾ أي: السَّاكنُ في البادية؛ أي: ليسَ لأحدٍ أن يمنعَ أحدًا عنه.\nقيل: كانت بيوتُ مكَّةَ لا يُتَّخذُ لها أبوابٌ حتى ظهرَتِ السَّرقةُ فيهم، فقال عمر ﵁ لرجلٍ منهم - وهو أوَّل مَنِ اتَّخذ بابًا -: اتخذْتَ بابًا لتحتَجِبَ به؟ فقال: لا، ولكنْ أحرزْتُ المتاعَ عن السَّرقة. فقال له: إنَّه لا يحلُّ لأهل مكَّة أن يأخذوا أجورَ بيوتهم (^٣).\n_________\n(^١) في (ف) و(م) و(س): \"الفقراء\".\n(^٢) روى نحوه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٢١٣)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢٣٢٠١)، والفاكهي في \"أخبار مكة\" (٢٠٧٦).\n(^٣) لم أجده.","vol":"7","page":109},{"text":"وفي جوازِ بيعِ أرضِ مكَّةَ عن أبي حنيفةَ روايتان، قال في \"الجامع الصغير\": لا يجوز (^١).\nوروى ابن زياد عنه أنَّه يجوز (^٢).\nو﴿لِلنَّاسِ﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، و﴿سَوَاءً﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْعَاكِفُ﴾ مبتدأٌ، والجملة حالٌ، أو مفعول ثانٍ، و﴿لِلنَّاسِ﴾ حال.\nوقرئ: ﴿سَوَاءً﴾ بالنَّصب (^٣) على أنه مفعول ثانٍ أو حالٌ.\nو﴿الْعَاكِفُ﴾ مرفوع على الفاعلية؛ أي: مستويًا العاكفُ فيه والباد، وقرئ: (العاكفِ) بالجرِّ (^٤) على أنَّه بدل من (النَّاس).\n﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾ تُرِكَ مفعولُه ليتناولَ كلَّ متناوَلٍ، وقرئ بالفتح (^٥) من الورود.\n﴿بِإِلْحَادٍ﴾ الإلحادُ: العدولُ عن القَصْد، وأصلُه: إلحادُ الحافرِ.\n﴿بِظُلْمٍ﴾ بغير حقٍّ.\nوهما حالان مترادفان، أو الثَّاني بدل من الأوَّل بإعادة الجارِّ، أو صلةٌ له، أي:\n_________\n(^١) ونص قوله: (ولا بأس ببيع بناء بيوت مكة ويكره بيع أرضها)، وقال في شرحه: (قوله: ويكره بيع أرضها، هذا عند أبي حنيفة، وعندهما لا بأس ببيع أرضها أيضّاَ لَأنها مملوكة لهم كالبناء، ولأبي حنيفة أن مكة حرة محرمة بالنص فلا يجوز بيعها). انظر: \"الجامع الصغير وشرحه النافع الكبير\" (ص: ٤٨١).\n(^٢) انظر: \"عيون المسائل\" للسمرقندي (ص: ٢٦٧).\n(^٣) قرأ حفص بالنصب والباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٥٧).\n(^٤) نسبت للأعمش في رواية. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١١٥).\n(^٥) حكاها الكسائي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥).","vol":"7","page":110},{"text":"ملحدًا بسبب الظُّلم، كالإشراك واقتراف الآثام، وعلى قراءة فتح الياء في (يَرِدْ) تكون الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ للتَّعدية؛ أي: ومن أتى فيه بإلحاد ظالمًا.\n﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب لـ (مَن).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2621\"> </span>(٢٦) - ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\n﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: واذكرْ حين جعلنا لإبراهيمَ مكانَ البيت مباءةً؛ أي: مرجعًا يَرجع إليه للعبادة، ولَمَّا كان المقصود من التَّبوئة العبادةَ فُسِّرَتْ بالنَّهي عن الشِّرك والأمرِ بتطهير البيت، فـ ﴿أَنْ﴾ في قوله:\n﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ مفسِّرةٌ، كأنَّه قيل: تعبَّدْنا إبراهيم قلنا له: لا تشرك بي شيئًا وطهِّر بيتي عن الأوثان والأقذار أنْ تُطرح حوله للطَّائفين والمصلِّين، وإنَّما عَبَّرَ عن الصَّلاة بأركانها للدِّلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مستقلٌّ باقتضاء ذلك، كيف وقد اجتمعَتْ.\nوفصلَ بين الأوَّلِ والأخيرَيْنِ بالواو، وجمع بينَ الأخيرَيْن بغير واو؛ لأنَّ القيامَ تعظيمُ اللهِ تعالى، والرُّكوعَ والسُّجودَ تذلُّلٌ له، فاتَّحد هذان وغايرهما (^١) الأوَّل.\nوقيل: هي مصدرَّية موصولة بالنَّهي؛ أي: فعلنا ذلك لئلَّا تُشرك بعبادتي، وتطهِّرَ (^٢) بيتي.\n* * *\n_________\n(^١) في النسخ: \"وغيرهما\"، والصواب المثبت.\n(^٢) أي: ولتطهر بيتي، وفي (م): \"وطهر\".","vol":"7","page":111},{"text":"<span id=\"aya-2622\"> </span>(٢٧) - ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.\n﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾: نادِ فيهم. وقرئ: (آذِنْ) من الإيذان (^١).\n﴿بِالْحَجِّ﴾ بدعوته والأمر به. والحجُّ: القصْدُ البليغُ إلى مقصدٍ منيعٍ.\nروي أنَّه (^٢) ﵇ صعد أبا قبيس فقال: يا أيها النَّاس، حجُّوا بيتَ ربِّكم، فأجابَ مَن قُدِّرَ له أن يحجَّ من الأصلاب والأرحام بـ: لبَّيْكَ اللَّهمَّ لبَّيْكَ (^٣).\nوعن الحسن: أنَّه خطابٌ لرسول الله ﷺ، أمِرَ أنْ يفعلَ ذلك في حجَّة الوداع (^٤). والأوَّل أظهر.\nوجواب الأمر: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾: مشاةً، كقائم وقيام.\n﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ معطوف على (رِجَال)، كأنَّه قال: رجالًا وركبانًا. والضَّامرُ: البعيرُ المهزولُ.\nوالإطناب المعنوي، وزيادة لفظ ﴿كُلِّ﴾؛ للمبالغة في تعميم الأمر لكلِّ مَن يقدر على المركب ولو ضعيفًا، وقدِّم الرِّجال على الرُّكبان إظهارًا لفضيلة المشاة، كما ورد في الحديث (^٥).\n_________\n(^١) نسبت للحسن وابن محيصن. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٥٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١١٧).\n(^٢) أي: إبراهيم ﵇.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٩٠٩٩) عن علي، والطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٥١٥)، عن ابن عباس ﵃.\n(^٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ١٨)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٥٢).\n(^٥) لعله يقصد ما رواه الأزرقي في \"أخبار مكة\" (٢/ ٧)، والبزار في \"مسنده\" (٤٧٤٥)، وابن خزيمة في=","vol":"7","page":112},{"text":"﴿يَأْتِينَ﴾ صفة لـ ﴿كُلِّ ضَامِرٍ﴾؛ لأنَّه في معنى الجمع، وقرئ: (يأتون) (^١) صفة للرِّجال والرُّكبان، أو استئناف فيكون الضمير للناس.\n﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾؛ أي: طريق واسع.\n﴿عَمِيقٍ﴾ وإنَّما عبَّرَ عن البعد بالعمق ليناسب الغرض المعتبَر في مفهوم الفجِّ (^٢).\nوقرئ: (مَعِيْقٍ) (^٣)، والمعنى واحد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2623\"> </span>(٢٨) - ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾.\n﴿لِيَشْهَدُوا﴾: ليحضروا، متعلِّق بـ ﴿وَأَذِّنْ﴾، أو ﴿يَأْتُوكَ﴾.\n_________\n= \"صحيحه\" (٢٧٩١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٦٩٢) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حج ماشيًا كتب له بكل خطوة سبع مئة حسنة من حسنات الحرم\" قال بعضهم: وما حسنات الحرم؟ قال: \"بكل حسنة بمئة ألف حسنة\". وصححه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: ليس بصحيح. وقال البوصيري في \"إتحاف المهرة\" (٣/ ١٥١): رواه أبو يعلى، ورجاله على شرط مسلم إلا أنه منقطع، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي وقال: تفرد به عيسى بن سوادة وهو مجهول، وفال ابن خزيمة: إن صح الخبر؛ فإن في القلب من عيسى بن سوادة. قال الحافظ المنذري: قال البخاري: منكر الحديث. قلت: وكذا قال أبو حاتم، وقال ابن معين: كذاب رأيته. وانظر: \"الترغيب والترهيب\" للمنذري (٢/ ١٠٧).\n(^١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥).\n(^٢) في (م): \"الحج\".\n(^٣) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٥٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٠).","vol":"7","page":113},{"text":"﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ دينيَّةً ودنيويَّة، وتنكيرها لأنَّ المراد نوعٌ منها مختصٌّ بهذه العبارة.\n﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عندَ إعداد الهدايا والضَّحايا وذبحها.\nوقيل: كُني بالذِّكر عن النَّحْرِ لأنَّ ذبح المسلمين لا ينفكُّ عنه؛ تنبيهًا على أنَّه المقصود ممَّا يُتقرَّب به إلى الله تعالى.\n﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ هي عشر ذي الحجَّة وأيَّام النَّحر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ الله ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ علَّقَ الفعل بالمرزوق وبيَّنه بالبهيمة تحسينًا للكلام بنوعٍ من البلاغة لم يوجد في غير هذه العبارة، وتنبيهًا على الكناية بالقرينة، وتعظيمُ المرزوق بالإبهام والتَّوضيح للتَّحريض على التَّقرُّب به، وقد سبق في (المائدة) ما يتعلَّق بتفسير ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (^١).\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحةٍ؛ إزاحةً لِمَا عليه أهل (^٢) الجاهلية من التَّحرُّج فيه، أو ندبًا لِمَا فيه من مواساة الفقراء ومساواتهم، واستعمالِ التَّواضع، وهذا في هَدْي التَّطوُّع والمتعة والقِران؛ لأنَّه دمُ (^٣) نُسكٍ فأشبهَ الأضحية دونَ سائر الهدايا.\n﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾: الذي أصابه بأسٌ؛ أي: شدَّة ﴿الْفَقِيرَ﴾: المحتاج.\nلأمر فيه للوجوب، وقد قيل به في الأوَّل.\n_________\n(^١) تفسير سورة المائدة غير موجود كاملًا والموجود منها في بعض النسخ إلى الآية رقم (١٢) منها، وقد نبهت النسخ كلها كما تقدم على ذلك.\n(^٢) \"أهل\" ليست في (ف).\n(^٣) في (ف): \"لأنَّه ﵇\"، ولعله وهم من الناسخ، ظن (دم): (ع م) وهي في أكثر النسخ رمز لـ ﵇.","vol":"7","page":114},{"text":"<span id=\"aya-2624\"> </span>(٢٩) - ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\n﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا﴾: ثم ليزيلوا عنهم أدرانهم، كذا قال نفطويه (^١).\nوقيل: قضاء التَّفث: قصُّ الشَّارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد، وذلك عند الإحلال، ولذلك صدَّره بكلمة التَّراخي.\n﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: مواجبَ حجِّهم، والعرب تقول لكلِّ مَن خرج عمَّا وجبَ عليه: وفَّى بنذره وإن لم ينذر، أو: ما ينذرونه من أعمال البر في حجِّهم.\n﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طوافَ الزِّيارة الذي هو ركن الحجِّ، ويقع (^٢) به تمامُ التَّحلُّل.\nوقيل (^٣): طواف الوداع.\n﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: القديم؛ لأنَّه أوَّل بيت وُضِعَ للنَّاس، أو: الكريم، ومنه: عِتاق الخيل، لكرائمها، وعتاق الرَّقيق: الخروج مِنْ ذُلِّ (^٤) العبودية إلى كرم الحريَّة، أو: المعتَق من الغرق لأنَّه رُفِعَ من الطُّوفان، أو مِنْ تسلُّط الجبابرة، فكم مِن جبَّار سارَ إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى، وأمَّا الحَجَّاجُ فإنَّه قصدَ إخراج ابن الزُّبير ﵁ الذي تحصن (^٥) به - منه، دون التَّسلُّط عليه.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الرازي\" (٢٣/ ٢٢٢)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٣٧). ونفطويه هو إبراهيم بن محمد بن عرفة توفي سنة (٣٢٣ هـ). ويعرف بابن عرفة وبنفطويه.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"قد يقع\".\n(^٣) في (ك): \"وقبل\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"عن ذل\".\n(^٥) في (م): \"تحصر\".","vol":"7","page":115},{"text":"<span id=\"aya-2625\"> </span>(٣٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ ذلك، وهو وأمثاله للفصل بين كلامَيْن.\n﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ الحرمة: ما لا يَحلُّ هتكُه (^١)، وجميع ما كلَّفه اللّه تعالى بهذه الصِّفة، فيجوز أن يكون عامًّا في جميع أحكامه، وأن يكون خاصًّا فيما يتعلَّق بالحجِّ.\nوقيل: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: البيت الحرام، والمشعَر الحرام، والشَّهر الحرام.\n﴿فَهُوَ﴾؛ أي: التَّعظيم ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ والتَّعظيمُ: القيامُ بمراعاتها مع اعتقاد أنَّها واجبة المراعاة.\n﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني: في الآخرة.\n﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمُه، وهو ما حُرِّمَ منها لعارض كالميتة وما أُهلَّ به لغير الله، فلا تحرِّموا منها (^٢) غيرَ ما حرَّم الله تعالى كالبَحيرة والسَّائبة.\nوفي عبارة ﴿يُتْلَى﴾ إشارةٌ إلى أنَّ التَّحريم لا يكون إلَّا من الشَّارع بنصٍّ متلوٍّ.\n_________\n(^١) في (ف): \"اهتكه\".\n(^٢) في (ف): \"فيها\"، وسقطت من (س). والمثبت من (ك) و(م) وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٠).","vol":"7","page":116},{"text":"﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ صدَّره بالفاء السَّببيَّة لأنَّه لَمَّا حثَّ على تعظيم حرمات اللّه تعالى لزم وجوب المحافظة على حدوده وأعظمُها التَّوحيد، فدخل وجوب الاجتناب من عبادة الأوثان فيه دخولًا أوَّليًّا، وتسبَّبَ منه.\nو﴿مِنَ﴾ للبيان؛ أي: الرِّجسَ الذي هو الأوثان، وهو غاية المبالغة في النَّهي عن تعظيمها، حيث سمَّاها ﴿الرِّجْسَ﴾، وعرفه بلام الجنس، وأمر بالاجتناب عن عينه، وبيَّنه بـ ﴿الْأَوْثَانِ﴾، كأنَّ جنس الرِّجس ما هو الأوثان، كلُّ ذلك تنفيرًا عن عبادتها خصوصًا جَعْلُها الرِّجس الذي ينفر الإنسان عنه بطبعه.\n﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ قرنه بالشِّركِ في وجوب الاجتناب عنه، ولم يعطف، بل كرَّر (اجتنبوا) تنبيهًا على أصالة تحريمه، وتعميمًا لِمَا ذُكِرَ؛ فإنَّ الشِّركَ يلزمه قول الزُّور؛ إذ المشرك يدَّعي ألوهيَّةَ الوثن، ويدخل فيه تحريم البَحائر وغيره من مفترياتهم (^١)، فيكون كالعلَّة لتحريم الشِّرك بتحريمِ لازِمه الأعم.\nوقيل: المراد بـ ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾: شهادةُ الزُّور؛ لِمَا روي أنَّه ﵇ قال: \"عَدَلَتْ شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله\" ثلاثًا، وتلا هذه الآية (^٢).\nوالأظهرُ العمومُ ليتناول الشَّهادةَ وسائرَ الأكاذيب.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"مقترحاتهم\".\n(^٢) رواه أبو داود (٣٥٩٩)، والترمذي (٢٣٠٠)، وابن ماجه (٢٣٧٢)، من حديث خريم بن فاتك ﵁. قال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٣٤٩): إسناده مجهول.","vol":"7","page":117},{"text":"والزُّورُ: مِنَ الزَّوَرِ، وهو الانحراف، كما أنَّ الإفْكَ مِن الأَفْكِ وهو الصَّرفُ، فإنَّ الكذبَ منحرِفٌ ومصروفٌ عن الواقع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2626\"> </span>(٣١) - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.\n﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾: مستقيمي الطَّريقة على أمر الله، وأصلُ الحَنَفِ: الاستقامةُ، وقيل للمائلِ القدمِ: أحنف؛ تفاؤلًا بالاستقامة.\n﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ غيرَه في العبادة. وهما حالان (^١) من الواو.\n﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ لَمَّا أخذَ في التَّمثيل عدلَ عن الضَّمير إلى الاسم الظَّاهر في التَّفخيم المناسب لمقام التَّهويل.\n﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾: سقطَ منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾: الخَطْفُ: الاستلابُ بسرعةٍ.\n﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: تسقطُه (^٢)، والهُويُّ: السُّقوطُ.\n﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾: بعيدٍ، شبَّهَ حالَ المشرك في هلاكه هلاكًا لا خلاص معه (^٣) بحالِ مَن يخرُّ مِنَ السَّماء فاختطفه الطَّير فتفرَّقَ قطعًا في حواصلها (^٤)، أو عصفَتْ به\n_________\n(^١) في (م): \"حال\".\n(^٢) في (ف): \"أي تسقط\"، وفي (م): \"أو تسقطه\".\n(^٣) في (ك): \"له\"، وسقطت من (ف).\n(^٤) في هامش (م) و(س): \"من قال: إلى الأرض، لم يصب لأن الفاء الدالة على تعقيب الخرور بالخطف يأباه\".","vol":"7","page":118},{"text":"الرِّيح فهوَتْ به في بعض المهالك البعيدة، هذا إذا جعلْتَه من باب التَّشبيه المركَّب وتمثيلِ صورةِ حاله بصورةِ حالِ مَن هلك على إحدى الصُّورتَيْن (^١).\nوإنْ جعلْتَه مِنْ بابِ التَّشبيه المفرَّق (^٢): شُبِّهَتِ الفطرةُ القابلة للتَّوحيد في علوِّ رتبتها بالسَّماء، والمشرك بالسَّاقط، والأهواءُ المُرْديَةُ الموزِّعةُ أفكارَه (^٣) بالطَّير المختطفة، والشيطان الذي يطوحُ به في تيه الضَّلال بالرِّيح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة (^٤)، والشرك الذي فيه (^٥) بالمكان السَّحيق.\nو﴿أَوْ﴾ للتخيير كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] أو للتَّنويع، فإنَّ مِن المشركين مَن لا خلاص له أصلًا، ومنهم مَن يمكن خلاصُه بالتَّوبة لكن على بُعْدٍ (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2627\"> </span>(٣٢) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الأمر ذلك.\n_________\n(^١) في هامش (س): \"لا تشبيه هلاكه بهلاك أحد الهالكين كما توهمه القاضي، إذ حينئذ لا يكون من تشبيه المركب بالمركب بل من تشبيه المقيد بالمقيد، والفرق واضح عند أهل البيان\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"المفرد\".\n(^٣) أي: أفكار المشرك. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٦/ ١٠٥)، و\"روح المعاني\" (١٧/ ٣١٢).\n(^٤) في (م): \"المختلفة\"، وفي (س): \"المتعلقة\".\n(^٥) \"فيه\": ليست في (م).\n(^٦) في هامش (م) و(س): \"من قال: شبهت بالتوحيد، فكأنه غافل عن أن المشرك بمعزل عن مقام التوحيد، فأنَّى السقوط! \".","vol":"7","page":119},{"text":"﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ معالمَ دينه، أراد بها الهدايا؛ لأنَّها من معالم الحجِّ، والمخصِّص ما قبلها وما بعدها (^١).\nوتعظيمُها: اعتقادُ كونِ التَّقرُّب بها من معاظم الطَّاعات، واختيارُها حِسانًا سمانًا غاليةَ الأثمان، وتركُ المكاس في شرائها.\nروي أنَّ عمرَ ﵁ أهدى نَجِيْبَةً طلبت منه بثلاث مئة دينار (^٢).\nجزاؤه محذوفٌ تقديرُه: فهم متَّقون حقًّا (^٣)؛ لدلالة التَّعليل القائم مقامه، ولهذا أدخل الفاء الجزائية عليه.\nوالضمير في: ﴿فَإِنَّهَا﴾ لتعظيمات مَن عظَّموا (^٤) شعائر الله.\n﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ أي: ناشئةٌ منها.\nواللَّام عوض عن (^٥) المضاف إليه؛ أي: مِن تقوَى قلوبهم، وإضافتُها إليها للاحتراز عن تَقْوَى المُرائي.\n_________\n(^١) في هامش (س): \"سيظهر وجه هذا القيد عند بيان وجه إضافة التقوى إلى القلوب\".\n(^٢) رواه أبو داود (١٧٥٦) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٣) في هذا الجزاء خلاف أساسه جعلُ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ هو الجزاءَ مع تقدير العائد، وفيه بحث طويل تفصيله في \"روح المعاني\" (١٧/ ٣١٥ - ٣١٨)، ثم ختمه الآلوسي ﵀ بما لعله عنى به المؤلفَ وتقديرَه فقال: (وذهب بعض أهل الكمال إلى أن الجزاء محذوف تقديره: فهم متقون حقا؛ لدلالة التعليل القائم مقامه عليه). ثم أورد عليه تعقُبا، وتعقبه، فقال: (وتُعقِّب بأن الحذف خلاف الأصل، وما ذكر صالح للجزائية باعتبار الإعلام والإخبار كما عُرف في أمثاله)، وتعقبه بقوله: (وأنت تعلم أن هذا التقدير ينساق إلى الذهن، ومثله كثير في الكتاب الجليل).\n(^٤) في (ك): \"عظم\"، وفي (ف) و(م): \"عظمها\"، والمثبت من (س).\n(^٥) في (ف): \"من\".","vol":"7","page":120},{"text":"<span id=\"aya-2628\"> </span>(٣٣) - ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.\n﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ كثيرةٌ؛ دينيَّةٌ ودنيويَّة، مِن دَرِّها ونسلها وظهرها وصوفها، والتَّصدُّقِ بفوائدها (^١).\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى وقتِ نحرها.\n﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: ثمَّ موضِعُ حِلِّ نحرها ينتهي إلى البيت أو قريب إليه (^٢)، وهو الحرم، و﴿ثُمَّ﴾ يَحتمِل التَّراخيَ في الوقت والتَّراخيَ في الرُّتبة، أي: لكم فيها منافع دنيويَّة إلى وقت النَّحر، وبعده منافع دينيَّة أعظمُ منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2629\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: أهلِ دِيْنٍ ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: متعبَّدًا، أو قربانًا (^٣) يتقرَّبون به إلى الله تعالى.\nوقرئ بالكسر (^٤)؛ أي: موضِعَ نُسكٍ.\n﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ علَّة للجَعْلِ مبيِّنةً أنَّ المقصودَ مِن المناسكِ ذكرُ اللهِ عزَ اسمُه عليها.\n﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فيه تنبيهٌ على أنَّ القربان لا يكون إلَّا مِنَ النَّعم.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بعوائدها\".\n(^٢) في (ف): \"منه\".\n(^٣) في (م): \"وقربانا\".\n(^٤) أي بكسر السين. وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٧).","vol":"7","page":121},{"text":"﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الفاء في الموضعين للسَّببية، وتقديم (له) للتَّخصيص؛ أي: لَمَّا كان المقصدُ الأصليُّ (^١) مِن وَضْعِ المناسك ذكرَ اللّهِ تعالى وتوحيدَه، فاعلموا أنَّ إلهكَم وإلهَ جميعِ الأمم إلهٌ واحدٌ، فله خاصَّة أخلصوا الذِّكْرَ دون غيره، واجعلوه له سالمًا؛ أي: خالصًا لا تشوبوه بالإشراك البتَّة.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾: المتواضعين الخاشعين، مِن الخَبْتِ، وهو المطمئن من الأرض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2630\"> </span>(٣٥) - ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾: خافَتْ ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ منه هيبةً لإشراق أشعَّة جلاله عليها.\n﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من المحنِ والمصائب.\n﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2631\"> </span>(٣٦) - ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"الأصل\".","vol":"7","page":122},{"text":"﴿وَالْبُدْنَ﴾: جمع بَدَنة، كخُشْبٍ وخَشَبة (^١)، وأصله الضَّم، وقد قرئ به (^٢).\nوإنَّما سُمِّيَتْ به لِعِظَمِ بَدَنها، مأخوذ من بَدُنَ بَدَانَةً، وهي الإبل خاصَّة، وقد دلَّ عليه إلحاق رسول الله ﷺ البقرَ بالبَدَنَةِ حين قال: \"البُدْنُ عن سبعةٍ، والبقر عن سبعةٍ\" (^٣)، ولا دلالة فيه على صيرورة البدنة متناوِلة للجنسين في الشريعة.\nوانتصابه بفعلٍ يفسِّرُه: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ وقرئ بالرَّفع (^٤) على الابتداء، كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾ [يس: ٣٩].\n﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾؛ أي: من أعلام الشَّريعة التي شرَعَها الله تعالى، وإضافتُها إلى اسمه تعظيم.\n﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ منافعُ دينيَّة ودنيويَّة.\n﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ بأن تقولوا عند النَّحْرِ: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، واللّه أكبر، اللَّهمَّ منك وإليك (^٥).\n﴿صَوَافَّ﴾ حال من الهاء؛ أي: قائماتٍ، من صففْنَ أيديهنَّ وأرجلهنَّ.\n_________\n(^١) تجمع أيضًا على: خَشَبٌ، وخُشُبٌ. انظر: \"تاج العروس\" (مادة: خشب).\n(^٢) أي: (البُدُن)، نسبت للحسن وعيسى. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥).\n(^٣) رواه مسلم (١٣١٨) من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وفيه: \"البدنة\" بدل \"البدن\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٥٨)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٥٩).\n(^٥) روى الحاكم في \"المستدرك\" (٧٥٧١) عن عبد الله بن عباس ﵄ أنَّه قال: يقول الله ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: \"قيامًا على ثلاث قوائم معقولة، بسم الله، والله أكبر، اللَّهمَّ منك وإليك\" وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.","vol":"7","page":123},{"text":"وقرئ: (صَوَافِنَ) (^١) مِنْ صُفونِ الفرس، وهو أنْ يقومَ على ثلاثٍ، وطَرَفِ سُنْبُكِ الرَّابعةِ؛ لأنَّها تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث.\nو: (صوافنًا) بالتَّنوين عوضًا من حرف الإطلاق عند الوقف (^٢).\nو: (صَوَافيَ) (^٣)؛ أي: خوالصَ لوجه الله.\nو: (صَوَافٍ) (^٤) على لغةِ مَن يسكِّن الياء مطلقًا، نحو مثل العرب: أعطِ القوسَ باريها (^٥).\n﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾؛ أي: سقطت على الأرض بعد نحرها قائمةً، وهو كناية عن موتها.\n﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾؛ أي: إذا مات حلَّ لكم الأكل منها والإطعام.\nوالقانع: الرَّاضي بما عندَه، وبما يُعطى من غير سؤالٍ، مِن قَنِعْتَ قُنوعًا وقَناعةً، يؤيِّده أنَّه قرئ: (القَنِعَ) (^٦)، وهو الرَّاضي.\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود وابن عباس وابن عمر ﵃ وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥)، و\"المحتسب\" (٢/ ٨١)، و\"البحر\" (١٥/ ٥٩).\n(^٢) نسبت لعمرو بن عبيد. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٥٨).\n(^٣) نسبت لأبي موسى الأشعري والحسن وزيد بن أسلم وجمع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥) و\"المحتسب\" (٢/ ٨١)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٥٨)، و\"البحر\" (١٥/ ٥٩).\n(^٤) نسبت للحسن أيضًا. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٥٨) وعنه نقل المؤلف هذه القراءات مع توجيهها، و\"البحر\" (١٥/ ٥٩).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٥٨). وهذه قطعة من بيت كما في \"جمهرة الأمثال\" (١/ ٧٦)، وتمامه:\nيا باريَ القوسِ بريًا ليسْتَ تُحكمُه … لا تظلمِ القوسَ أعطِ القوسَ باريها\n(^٦) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٨٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٥٨)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٢٣).","vol":"7","page":124},{"text":"والمعترُّ: المتعرِّض بالسُّؤال (^١).\nوقيل: القانع: السَّائل، مِن قَنَعْتُ إليه: إذا خضعْتَ له وسألتَه، قُنوعًا.\nوالمعترُّ: المتعرِّض بغير سؤال.\nوقرئ: (والمُعْتَرِي) (^٢)، يقال: عَرَّهُ وعَرَاهُ، واعْترهُ واعْتَراهُ بمعنى.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ما وصفناها قيامًا معقولةً أيديها ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ عظمها وفَرْط قوَّتها، حتى تأخذوها فتعقلوها وتحبسوها صافَّةً قوائمها، ثم تطعنون في لَبَّاتها (^٣).\n﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامَنا عليكم بالتَّقرُّب والإخلاص.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2632\"> </span>(٣٧) - ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾: لن يصيبَ رضاه، ولن يقعَ منه موقعَ القَبولِ ﴿لُحُومُهَا﴾ المتصدَّقُ بها ﴿وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ المهراقةُ عندَ النَّحر من حيث إنها لحوم ودماء.\n﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾: ولكن يصيبُه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمر الله، والتَقرُّب إليه، والإخلاص له، والتَّحرُّز عنها.\n_________\n(^١) \"المتعرض بالسؤال\"، كذا في النسخ، وفي مطبوع البيضاوي (٤/ ٧٢): \"المعترض بالسؤال \"، وفي \"حاشية القونوي\" (١٣/ ٦٩) مثل النسخ، فلعله من اختلاف نسخ البيضاوي، والمؤدى واحد.\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٥).\n(^٣) اللَّبَّات: جمع اللَّبَّة، وهي موضع النَّحر. انظر: \"المصباح المنير\" (مادة: لبب).","vol":"7","page":125},{"text":"قيل: كانَ أهلُ الجاهليَّة إذا نحروا البُدْنَ نضحوا الدِّماءَ حول البيت ولطَّخوه بالدَّم، فلمَّا حجَّ المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلَتْ (^١).\n﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ كرَّرَ التَّسخيرَ؛ تذكيرًا للنِّعمة، وتعليلًا بقوله:\n﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾؛ أي: لتَعْرفوه (^٢) بإقداره إيَّاكم، وتعلموا أنَّه القادر على ما لا يقدر عليه غيره، فتصفوه بالكبرياء، وتشكروه على إنعامه عليكم بالهداية إلى طريق تسخيرها وكيفيَّة التَّقرُّب بها. فتعديتُه بـ ﴿عَلَى﴾ على تضمين معنى الشكر.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾: المخلصين فيما يأتون به ويذرونه، وإنَّما ترك المُبَشَّر به للإشارة إلى أنَّه ممَّا لا يُعيِّنه العبارة (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2633\"> </span>(٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَدْافَعُ﴾ وقرئ: ﴿يُدَافِعُ﴾ (^٤)؛ أي: يبالغ في الدَّفع مبالغةَ مَن يُغالِبُ فيه.\n﴿عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حذف المفعول للتَّعميم، ثمَّ علَّلَ بقوله:\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ في أمانةِ اللهِ ﴿كَفُورٍ﴾ لنعمته؛ أي: لا يحب\n_________\n(^١) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (٨/ ٧٠) عن ابن جريج.\n(^٢) في (ك): \" لتفردوه\"، وفي (ف): \"لتفرحوا \". وفي \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٢): \"لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء\".\n(^٣) في (ف): \"مما يعينه العبارة\"، وفي (م): \"مما لا يفيه العبارة\".\n(^٤) فرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿يدفع﴾، والباقون: ﴿يُدَافِعُ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٧).","vol":"7","page":126},{"text":"أضدادهم (^١)، وضمَّنه الإيماءَ إلى أن أعاديَهم الواجبَ دفعُهم هم المشركون، والتَّنصيصَ عليهم بأنَّهم الخوَّانون الكفَّارون، والتَّعريضَ بأنَّ أضدادهم المؤمنين هم الأمناء الشَّاكرون، وأنَّ الله تعالى يحبُّهم، وعلى مقتضى ما ضمَّنه أتى بصيغة المبالغة، وإلَّا فمقتضى الظَّاهر نفي محبَّته عن كلِّ خائنٍ وكافرٍ، بل إثباتُ بغضه لهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2634\"> </span>(٣٩) - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.\n﴿أُذِنَ﴾: رُخِّصَ ﴿لِلَّذِينَ﴾ حذف المأذون فيه لدلالة: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ عليه، وقرئ: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التَّاء (^٢)؛ أي: للَّذين يقاتلهم المشركون.\n﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾: بسبب أنَّهم ظُلِموا، وهم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، كان المشركون يؤذونهم، وكانوا يأتونَه مِن بين مضروبٍ ومشجوجٍ يتظلَّمون إليه، فيقولُ لهم: \"اصبروا فإنِّي لم أؤمر بالقتال \"، حتى هاجر، ثم نزلَتْ هذه الآية (^٣).\nوهي أوَّلُ ما نزلَ في القتال (^٤)، بعدَما نُهي عنه ﵇ في نيفٍ وسبعين آيةً.\n_________\n(^١) في (ف): \"لأَنه لا يحبُّ كلَّ أحد أضدادهم \"، وفي (ك): \"لأنَّه يحب أضدادهم\"، وفي (س):؛ لأنَّه لا يحب أضدادهم\"، والمثبت من (م).\n(^٢) قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٧).\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٥) وعزاه للمفسرين، وذكره ابن حجر في \"العجاب في بيان الأسباب\" (٢/ ٩١٨) عن قتادة ومقاتل.\n(^٤) قطعة من خبر رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨٠)، والإمام أحمد في \"المسند\" (١٨٦٥)، والترمذي (٣١٧١)، والنسائي (٣٠٨٥)، عن ابن عباس ﵄. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولم يرد عنده قول ابن عباس: (هي أول آية …).","vol":"7","page":127},{"text":"﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ وعدٌ لهم واردٌ على سَنَنِ كلام الملوك المقتدرين الجبَّارين، وتأكيدٌ لِمَا سبقَ من الوعد بدفع أذى الكفَّار؛ فإنَّ النَّصر ليسَ مطلقَ العون، بل العونُ بدفع الضَّرر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2635\"> </span>(٤٠) - ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.\n﴿الَّذِينَ﴾ في محل الجرِّ، بدل من (الذين)، أو نصب بـ (أعني)، أو رفع بإضمار: (هم).\n﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: مكَّة ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: بغير (^١) موجِبٍ استحقُّوا به الإخراج.\n﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ إبدال ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ من ﴿حَقٍّ﴾، تأكيدٌ للمدح بما يشبه الذَّمَّ على طريق قول النَّابغة:\nولا عيْبَ فيهِمْ غيرَ أنَّ سيوفَهُم … بهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ (^٢)\nأي: بغير موجِبٍ سوى التَّوحيدِ الموجِبِ للإعزاز والتَّمكين والإكرام.\n﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بتسليط المؤمنين على المشركين بالجهاد.\n﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الهدمُ كنايةٌ عن الإبطال والتَّعطيل على وجه أبلغ؛ أي: لاستولى المشركون على أهل المِلَلِ وعطَّلوا متعبداتهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"يعني\".\n(^٢) انظر: ديوانه (ص: ١١). وقد تقدم في أكثر من موضع في هذا الكتاب.","vol":"7","page":128},{"text":"﴿صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ الصَّوامعُ: جمع صومعةٍ، وهي متعبَّد الرَّهابنة.\nوالبِيَعُ: جمعُ بِيْعَةٍ، وهي متعبَّد النَّصارى ومصلَّاهم.\nوالصَّلوات وهي كنيسةُ اليهود، سُفَيَتْ صلاة لأنَّها يُصلَّى فيها، وقيل: كلمة معرَّبة أصلها بالعبرانيَّة: صلاة.\n﴿وَمَسَاجِدُ﴾ ومساجد المسلمين، إنَّما خصَّ التَّعبير بالمسجد عن مصلَّاهم (^١) لأنَّ السَّجدة من أركان صلاتهم خاصَّة، وإنَّما أُخّرَتْ عن غيرها لِمَا في التَّقديم مِن القُرْبِ من التَّهديم.\n﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ لا في المساجد خاصَّة، بل في جميع ما ذُكِرَ؛ لأنَّه كالتَّعليل لصونها عن التَّهديم بالدَّفع المذكور.\n﴿اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: ذكرًا كثيرًا.\n﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾؛ أي: ينصرُ دينَه ورسلَه. إخبارٌ من الله عن الغيب، ووعدٌ أنجزه بتسليط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرة الروم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ على نصرهم ﴿عَزِيزٌ﴾ غالبٌ على أمره، وفيه تأكيد لوعده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2636\"> </span>(٤١) - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.\n_________\n(^١) في (س) و(ف) و(ك): \"بمصلاهم\".","vol":"7","page":129},{"text":"﴿الَّذِينَ﴾ بدل مِن ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، أو صفةٌ أخرى لـ ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾ إلخ اعتراضٌ بين الصِّفتَيْن (^١).\n﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وبسطنا لهم في الدُّنيا.\n﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: قاموا (^٢) بأمر الدِّين حقَّ القيام.\nوعن عثمان ﵁: هذا والله ثناءٌ قبل بلاءٍ (^٣)؛ أي: أثنى عليهم قبلَ أن يُحْدِثوا من الخير ما أَحْدثوا، وفيه دليل على صحَّة أمر الخلفاء الرَّاشدين؛ إذ لم يَسْتَجمع ذلك غيرُهم (^٤) من المهاجرين.\n﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؛ أي: مرجعُها إلى حكمِه وتقديرِه، وفيه أيضًا تأكيدٌ لو عدِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2637\"> </span>(٤٢) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾.\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ تسلية لرسوله ﵇ من تكذيبِ قومِه إيَّاه؛ أي: لسْتَ بأوحديٍّ في التَّكذيب.\n_________\n(^١) \"بين الصفتين\" ليس في (ف).\n(^٢) في (ف): \"أقاموا\".\n(^٣) رواه خليفة بن خياط في \"تاريخه\" (ص: ١٧١)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣٩/ ٣٤٧).\n(^٤) في (ك) و(م): \"في غيرهم\" والمثبت من (س) و(ف)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٣)، وعبارة \"الكشاف\": (وقالوا: فيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنّ الله لم يعط التمكين ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة غيرهم من المهاجرين، لا حظ في ذلك للأنصار والطلقاء).","vol":"7","page":130},{"text":"﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومَكِ ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا ﵇ ﴿وَعَادٌ﴾ هودًا ﵇ ﴿وَثَمُودُ﴾ صالحًا ﵇.\nولم (^١) يقل فيهما: (قوم صالح وقوم هود)؛ لأنَّ الأصل في التَّعبير هو العَلَم، والعدول في غيرهما إلى التَّعبير بالأمر العام لضرورة فَقْدِ العلم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2638\"> </span>(٤٣) - ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾.\n﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيمَ ﵇ ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطًا ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2639\"> </span>(٤٤) - ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.\n﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ شعيبًا ﵇، ولم (^٢) يقل هاهنا: (وقوم شعيب) لأنَّ المكذِّبين له من قومِه أصحابُ مدين خاصَّة.\n﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ غُيِّر النَّظم فيه، ولم يُقَلْ: (وقوم موسى)؛ لأنَّ قومَه بنو إسرائيل لم (^٣) يكذِّبوه، وإنَّما كذَّبه القِبْط، وأُفرد له الفعلُ لتعظيمه وبيان أنَّ تكذيبه كان أشنع، وآياتِه كانت أعظمَ وأسبغ، كأنَّه قيل: وكُذِّبَ موسى مع عظم آياته ووضوح معجزاته، فما ظنُّك بغيره؟!\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لم\".\n(^٢) في (م): \"لم\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"ولم\".","vol":"7","page":131},{"text":"وبُني الفعل للمفعول إتمامًا للكلام بالتَّجريد لِمَا سِيْقَ له.\n﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فأمهَلْتُهم (^١) إلزامًا للحُجَّةِ.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقَبْتُهم على كفرهم.\n﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾: إنكاري عليهم بتغيير النِّعمةِ نَقمةً، والحياةِ هلاكًا، والعمارةِ خرابًا، والبقاءِ استئصالًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2640\"> </span>(٤٥) - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾.\n﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ منصوبُ المحلِّ (^٢) بفعل مقدَّرٍ يفسِّرُهُ: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أو مرفوعةٌ بالابتداء، والخبر ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. يعني: بإهلاكِ أهلها.\n﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: أهلُها، حال.\n﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ جملة معطوفة على ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ لا محلَّ لها من الإعراب على الأوَّل، وفي محلِّ الرَّفع على الثَّاني.\n﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ متعلقة بـ ﴿خَاوِيَةٌ﴾، أو خبرٌ بعد خبرٍ.\nوالخاوي: السَّاقط، من خَوَى المنزل: إذا خلا من أهله.\nوالعرشُ: كلُّ مرتفعٍ مُظِلٍّ من سقفٍ أو خيمةٍ أو كَرْم.\nأي: ساقطةٌ على عروشها بأنْ خَرَّتِ (^٣) السُّقوف على الأرض، ثمَّ سقطَتْ\n_________\n(^١) في (م): \" فأمهلتهم أي: فأمهلهم\".\n(^٢) \"المحل\" سقط من (ك).\n(^٣) في النسخ: \"خوت\" والمثبت من \"الكشاف\" (٣/ ١٦١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٤).","vol":"7","page":132},{"text":"جدرانها (^١) فوقَ السُّقوف، أو: خاليةٌ مع بقاء عروشها وسلامتها، وعلى الوجه الثَّاني من الإعراب: فهي خاويةٌ وهي قائمة مع عروشها، أو مائلة مشرفة على السُّقوف السَّاقطة، بأنْ سقطَتِ السُّقوف على الأرض وبقيَتِ الجدران مشرفةً عليها.\n﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ عطف على ﴿قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكم بئر عامرة في البوادي فيها الماء عُطِّلَتِ وتُرِكَتْ لا يُستقى منها لهلاك أهلها. وقرئ بالتَّخفيف مِنْ أَعْطَله، بمعنى عَطَّله (^٢).\n﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾: مجصَّصٍ، مِن الشِّيْد وهو الجصُّ، أو: مرفوعِ البنيان، مِن شادَ البناء: إذا رفَعه.\nأخليناه عن ساكنيه، حُذِفَ لدلالة ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ عليه.\nوالأنسب لهذا أن معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: خالية مع عروشها، والأظهر أنَّ البئر والقصر على العموم؛ أي: أهلكنا (^٣) البادية والحاضرة جميعًا، فخلَتِ القصور عن أربابها، والآبار عن وارديها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2641\"> </span>(٤٦) - ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾.\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حثٌّ لهم على السَّفر ليعتبروا بما رأوا من مصارع\n_________\n(^١) في (م): \"جداراتها\".\n(^٢) نسبت للحسن. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٦٢).\n(^٣) في (ك): \"أهلكناها \".","vol":"7","page":133},{"text":"المُهلَكين، وبقاء آثارهم، وهم وإن كانوا قد سافروا ولكنَّهم لم يعتبروا، فكأنَّهم لم يسافروا لعدم الفائدة لهم (^١).\n﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾: ما يجب أن يُعْقلَ من توحيد الله تعالى وقدرته عند الاعتبار والاستبصار.\n﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: ما يجبُ انْ يُسمَعَ من الوحي والتَّذكير بحالِ مَن شاهدوا آثارَهم، وإنَّما ذكَرَ الأُذنَ دون البصر - مع أنَّه أنسب أنْ يُذْكَر - نظرًا إلى اتِّساق الكلام للاعتبار بالآثار؛ لأنَّ المقصود بيانُ حصول طريقي (^٢): العلمِ الاستدلالي، والأخذِ من أفواه الرِّجال، والوصولُ إليهما (^٣) بالسَّير للاعتبار، والبصرُ من وسائل الطَّريق الأوَّل، فلذلك لم يُذْكَرْ أصالةً (^٤).\n﴿فَإِنَّهَا﴾ الضَّمير للقصَّة، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (فإنَّهُ) (^٥) على تأويل الشَّأن، ويجوز أن يكون ضميرًا مُبْهمًا يفسِّره ﴿الْأَبْصَارُ﴾، وفي ﴿تَعْمَى﴾ راجع إليه، أو الظَّاهرُ أُقِيمَ مقامَه.\n﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: ما عميت أبصارهم عن الإبصار (^٦)، بل قلوبهم عن الاعتبار، والآفَةُ في قلوبهم باتِّباع الهوى والتَّقليد.\n_________\n(^١) \"لهم\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ف): \"طريق\".\n(^٣) في (ف): \"إليها\".\n(^٤) \"أصالة\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٥) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٢٨)، و\"تفسير الطبري\" (١٦/ ٥٩٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٦٢).\n(^٦) في (ك): \"البصائر\".","vol":"7","page":134},{"text":"﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ تأكيدٌ لنفي التَّجوُّز، فإنَّه يُقال: القلبُ لُبُّ كلِّ شيءٍ، والتَّنبيه على أنَّ العمى المتعارَف الذي في البصر لا اعتبار له (^١)، وليس بعمًى في الحقيقة بالنِّسبة إلى عمى القلوب، فإنَّ العمى الحقيقيَّ هو عمى القلب الذي محلُّه الصَّدر، فهو مقرِّر لِمَا ذُكِرَ أنَّ الأمر على خلاف ما عليه الجمهور مِن أنَّ العمى إنَّما هو في البصر حقيقةً وفي القلب استعارةً.\nقيل: لما نزل ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢] قال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسول الله، أنا في الدُّنيا أعمى، أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلَتْ (^٢).\nوَيرِدُ عليه أنَّه حينئذ يكون المعنى: لا تعمى الأبصار في الآخرة ولكن تعمى القلوب، ويردُّه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا [طه: ١٢٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2642\"> </span>(٤٧) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لا بالإهمالِ ولا بالإمهال؛ لأنَّه المحال في حقِّ الملك المتعال.\nوحقيقة ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: إخبار في معنى الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: لِمَ يستعجلون بالعذاب المتوعَّد به كأنَّهم شاكُّون في وقوعه، ومحالٌ أنْ يخلفَ الله وعدَه، فلا بُدَّ من وقوعه وإن طالَ الزَّمانُ.\n_________\n(^١) في (ك): \"به \".\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٧)، و\"تفسير القرطبي\" (١٤/ ٤٢٠).","vol":"7","page":135},{"text":"﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ أي: كيف يستعجلون بعذابٍ من يومٍ واحدٍ من أيَّام عذابه في طول ألفِ سنة من سنيكم؛ لأنَّ أيَّام الشَّدائدِ طِواك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2643\"> </span>(٤٨) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كرَّره للتَّهويل، وتصويرِ حالهم في الإملاء، وبيانِ أنَّ الظَّلَمَةَ لا يُهمَلون غيرَ معذَّبين؛ أُمْهِلوا أو لم يُمْهَلوا، وإنَّما عطف الأوَّل بالفاء لكونها بدلًا من قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾، وبقائها على التَّسبُّب، وأمَّا حكم هذه فحكمُ ما تقدَّمها من الجملتَيْن المعطوفَتَيْن بالواو، وهما: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، و﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ على سبيل الاعتراض، وبيانِ أنَّ الاستعجالَ أمرٌ منكَر؛ إذ لا بدَّ من تحقُّق العذاب.\n﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ كما أمهلْتكم ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ مثلَكم.\nأصل ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: من أهلِ قرية، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامَه في الإعراب، ورجع إليه الضَّمائر والأحكام مبالغةً في التَّعميم والتَّهويل.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب.\n﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: حكمي مرجعُ الجميع، وتقديم (إلى) للاختصاص، والمبالغةِ في الوعيد (^١)؛ أي: لا إلى غيري (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م) و(س): \"والمبالغة للوعيد\".\n(^٢) في (م): \"غيره\".","vol":"7","page":136},{"text":"<span id=\"aya-2644\"> </span>(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ الخطاب عامٌّ للمؤمنين والكفَّار، والمنذَر به قيام السَّاعة، وإنَّما كان ﵇ نذيرًا مبينًا لأنَّ بعثته من أشراطها، فاجتمع فيه الإنذار بها قالًا وحالًا، فقوله: ﴿أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ كقوله ﵇: \"أنا النَّذير العُرْيان\" (^١)، وقد دلَّ على ذلك تعقيب الخطاب بالإنذار بتفصيل حال الفريقَيْن عند قيامها بقوله:\n\n<span id=\"aya-2645\"> </span>(٥٠) - ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم عند الحساب؛ لأن الحسنات يُذْهِبْنَ السِّيئات.\n﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنَّة. الكريم من كلِّ نوعٍ: ما يَجْمَج (^٢) فضائلَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2646\"> </span>(٥١) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالرَّدِّ والإفساد، وبالطَّعن فيها حيث سمَّوها سحرًا أو شعرًا أو أساطير الأوَّلين (^٣)، وتثبيطِ النَّاس عنها، يُقال: سعى في أمرِ كذا: إذا أصلحه أو أفسده بسَعْيه.\n﴿مُعَاجِزِينَ﴾: سابقين في السَّعي جادِّين فيه، مشاقِّين له، أو: سابقين في زعمهم، طامعين أنَّ كيدهم للإسلام يَتمُّ لهم. من عاجَزَه فأعجَزَه: إذا سابَقَه\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣)، من حديث أبي موسى ﵁.\n(^٢) في النسخ: \"اجتمع \"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٥).\n(^٣) في (ك) و(س): \"وشعرا وأساطير\"، وسقطت \"الأولين\" من (س).","vol":"7","page":137},{"text":"فسبَقَه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتسابِقَيْن في طلب إعجاز الآخر عن اللَّحاق به، وإذا سبقَه قيل: أعجَزَه وعجَّزَه.\nوقرئ: (مُعْجِّزِيْنَ) (^١) على أنه حالٌ مقدَّرة؛ أي: مثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: النَّارِ الموقَدةِ، وقيل: اسمُ دَركَةٍ من دَرَكاتِها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2647\"> </span>(٥٢) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ قد سبق تفسيرُهما في سورة الأعراف وسورة مريم (^٢)، وبيانُ الفرق بينهما بعموم الثَّاني وخصوص الأوَّل، ومَن شرَط في (^٣) الرَّسول شريعةً مجدِّدة (^٤) فكأنَّه نسي ما زعمه (^٥) من الدِّلالة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥١] على أنَّ الرَّسول لا يلزم أنْ يكون صاحب شريعة.\n﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾: تلا، قال الشَّاعِرُ:\nتمنَّى كتابَ اللهِ أوَّلَ ليلِهِ … تَمَنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ (^٦)\n_________\n(^١) قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٨).\n(^٢) \"في سورة الأعراف وسورة مريم\" من (م)، ووقعت هذه العبارة في هامش (س) و(ف) مع زيادة: \"منه \".\n(^٣) في (ف): \"من\".\n(^٤) في (ف): \"محددة\".\n(^٥) في هامش (س) و(ف) و(م): \"إنما قال: زعمه، لفساده على ما بين في سورة مريم. منه.\".\n(^٦) دون نسبة في \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٣/ ٧٤)، و\"الزاهر\" لابن الأنباري (٢/ ١٥١)، و\"المحكم\" لابن سيده (١٠/ ٥١١). وجعلوهما بيتين صدرهما واحد، وعجز الآخر:=","vol":"7","page":138},{"text":"﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾: في تلاوته.\nقالوا: إنه ﵇ قرأ في نادي قومه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، فلمَّا بلغَ قولَه: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ سكَتَ، فقال الشَّيطان: تلك الغرانيق العُلى، وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرْتَجى، وقرأها متَّصلًا بقراءة النَّبيِّ ﵇، فوقعَ عند بعضهم أنَّه ﵇ هو الذي تكلَّم بها، وهذا معنى إلقاء اللَّعين في قراءة سيِّد المرسلين (^١).\nوكان يتكلَّم في زمنِ النَّبيّ ﵇، ويُسْمَع (^٢) كلامه، فقد روي أنه نادى يوم أحد: ألا إنَّ محمَّدًا قد قُتِلَ، وقال يوم بدر: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ (^٣).\nوهذا لا يُخلُّ بالوثوق على القرآن؛ للاندفاع بقوله:\n﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: يَذْهَبُ به ويُبْطلُه، ويُخْبِرُ أنَّه من الشَّيطان.\n_________\n= وآخِرَه لاقى حِمامَ المقادر\nوذكر ابن الأنباري أنه في رثاء عثمان، وعزاه الالوسي في \"روح المعاني\" (١٧/ ٣٦٠) لحسان.\n(^١) رويت في هذه الحادثة مرسلات عن قتادة والضحاك وأبي العالية وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وغيرهم، وروي فيها خبر من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، لكن إسناده ضعيف جدا. انظر هذه الأخبار في \"تفسير الطبري\" (١٦/ ٦٠٤ - ٦١٢).\nوللعلماء كلام كثير في توهين ما روي في هذه القصة. انظر: \"الشفا\" (٢/ ١١١)، وقد رأى ابن حجر في \"فتح الباري\" (٨/ ٤٣٩) أن كثرة الطرق تدل على أن للقصَّة أصلًا، ثم ذكر مسالك العلماء في تأويلها لعدم جواز الحمل على الظاهر، فراجع كلامه إن شئت.\n(^٢) في (ك): \"وسمع \".\n(^٣) انظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٦٧٤) و(٢/ ٧٨).","vol":"7","page":139},{"text":"﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾؛ أي: يُثْبِتُها ويحفظُها عن تطرُّق النُّقصان، ولحوق الزَيادة من الشَّيطان.\nولَمَّا كان الإحكام بهذا الوجه على رتبةٍ من النَّسخ المذكور صدَّره بكلمة ﴿ثُمَّ﴾.\nولا احتمال لأنْ يكون هذا الكلام ونظائرُه كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أيضًا من زيادة الشَّيطان؛ لأنَّ ظهور الإعجاز عند انضمامه إلى ما يَبلغ به المجموع مقدار أقصر سورة من القرآن دلَّ على أنَّه من الرَّحمن؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الآية [الإسراء: ٨٨]، فلا دلالة في الآية على جواز السَّهو على الأنبياء ﵈ وتطرُّقِ الوسوسة إليهم.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إلى نبيِّه ﵇ وبقصَّة الشَّيطان.\n﴿حَكِيمٌ﴾ يدعُه حتى يُكْشَفَ ويزيله، ثم ذكر أن ذلك ليفتنَ اللهُ تعالى به قومًا بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2648\"> </span>(٥٣) - ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.\n﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾: محنةً وابتلاءً.\n﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: شكٌّ وتردُّد.\n﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ الجازمين بمعتقدهم الباطل، مُظهَرًا كان ذلك أو مضمرًا، ومن زعم أن المراد من الأوَّل المنافق فكأَنَّه غافل عن أنَّ المنافق أقسى قلبًا من الكافر المجاهر.","vol":"7","page":140},{"text":"﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ من باب وضع الظَّاهر موضع الضَّمير تسجيلًا على الفريقَيْن بالظُّلم؛ لأنَّ القياس أن يقول بعد ذكرهما: وإنهم.\n﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾: خلافٍ ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق، ويلزمه البعد عن الرَّسول وعن المؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2649\"> </span>(٥٤) - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: الاعتقادَ المطابق للواقع، وهم المؤمنون.\n﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنَّ القرآن هو الحقُّ النَّازل من عند الله، فلا يلتبسه (^١) ما يلقي (^٢) الشَّيطانُ من الباطل ولا يدخل فيه.\n﴿فَيُؤْمِنُوا﴾: فيعتقدوا ﴿بِهِ﴾ ويطيعوا بأحكامه (^٣).\n﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ بالخشوع والخضوع والخشية.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما أشكلَ عليهم بالتَّوفيق للنَّظر الصَّحيح، وللكشف بنور هدايته.\n﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ طريقٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ هو طريق التَّأويل لِمَا يتشابه بالتطبيق على الأصول المحكمة، فلا يلحقهم حيرة (^٤) ولا يعتريهم شبهة.\n_________\n(^١) في (ف): \"يلبسه\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"ما بلغ\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"بإمكانه\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"ضيرة\".","vol":"7","page":141},{"text":"<span id=\"aya-2650\"> </span>(٥٥) - ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.\n﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ قد سبقَ في أوَّل سورة البقرة الفرق بين المرية والشَّك والرَّيب.\n﴿مِنْهُ﴾: من القرآن.\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾: القيامة، والمرادُ إتيانُ الموت، فإنَّه من طلائِعها (^١)، ولذلك قال ﵇: \"مَن مات فقد قامت قيامته\" (^٢).\n﴿بَغْتَةً﴾: فجأة.\n﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: يومِ حربٍ يُقْتَلون فيه كيوم بدرٍ، وإنَّما وُصِفَ يومُ الحرب بالعُقْمِ لأنَّ أولاد النِّساء يُقتَلون فيه، فيَصِرْنَ كالعُقم (^٣).\nوقيل: العقيم الذي لا خير فيه، يقال: ريح عقيم: إذا لم تُنشئ مطرًا ولم تُلْقِح شجرًا (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ضرورة أن مريتهم لا تبقى إلى قيام الساعة بل تزول عند الموت. منه \".\n(^٢) رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" (١١١٧) من حديث أنس ﵁، وقال العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٢/ ١٠١٣): رواه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الموت\" بإسناد ضعيف.\nورواه الطبري في \"تفسيره\" (٢٣/ ٤٦٨) عن المغيرة بن شعبة ﵁ موقوفًا.\n(^٣) في النسخ: \"كالعقر\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"الكشاف\"، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٦)، و\"تفسير أبي السعود\" (٦/ ١١٥)، و\"روح المعاني\" (١٧/ ٣٦٤).\n(^٤) في هامش (ف) و(س): \"فوصف اليوم بوصفين اتساعًا. منه.\".","vol":"7","page":142},{"text":"<span id=\"aya-2651\"></span><span id=\"aya-2652\"> </span>(٥٦ - ٥٧ ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم القيامة، والتَّنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلَّتْ عليها الغاية؛ أي: يوم تزول مِرْيَتِهم.\n﴿لِلَّهِ﴾ فلا منازع له فيه.\n﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بالمجازاة، والضَّمير يعمُّ الفريقَيْنِ، دلَّ عليه تفصيل الحكم بقوله:\n﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، الفاء في خبر الثَّاني دون الأوَّل تنبيهٌ على أنَّ إثابة المؤمنين بالجنَّات تفضُّل مِن الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسبَّبٌ عن أعمالهم، ولذلك قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾، ولم يقل: (هم في عذاب) كما قال: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، وفي تقديم الجار والمجرور دلالة على أنَّ العذابَ المهين مخصوصٌ بهم لا يشاركهم فيه المؤمنون.\nثمَّ خُصَّ قومٌ من الفريق (^١) الأوَّل بفضيلة فقال:\n\n<span id=\"aya-2653\"> </span>(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خرجوا من أوطانهم مجاهدين ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ حَتْفَ أنوفهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"بالفريق \"، والمثبت من (س).","vol":"7","page":143},{"text":"﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ الرِّزْقُ الحسنُ: الذي لا يلحقه ألمُ الانقطاع، ولا يسبقه تعبُ الكَسْبِ، وذلك في البرزخ قبلَ دخول الجنَّة؛ لأنَّ الرِّزقَ الحسنَ في الجنَّة لا اختصاص له بالمجاهدين من المؤمنين، وإنَّما سوَّى بينَ مَن قُتِلَ في الجهاد ومَن ماتَ حَتْفَ أنفه في الموعد؛ لاستوائِهما في القَصْدِ، وما في وسعهما من العمل.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإنَّه يرزق بغير حساب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2654\"> </span>(٥٩) - ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ الجنّة، دلَّ هذا على أنَّ ما تقدَّم من التَّرزيق قبل دخولها.\nبَدلٌ من قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾، و﴿يَرْضَوْنَهُ﴾ صفة المُدْخَل، وهذا وصف لها بكلِّ جميل؛ لأنَّ ما وقع (^١) موقعَ الرِّضى فقد كَمَلَ.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ بأحوال مَنْ قضى نحبَه مجاهدًا، وآمالِ مَن مات (^٢) وهو ينتظر مُعاهِدًا ﴿حَلِيمٌ﴾ إمهال مَن قاتلهم معاندًا.\nرُوِيَ أنَّ طوائفَ مِنْ أصحاب رسولِ الله ﷺ قالوا: يا نبيَّ الله، هؤلاء الذين قُتِلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا (^٣) معك؛ فأنزل الله تعالى هاتين الآيتَيْنِ (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"يقع\".\n(^٢) في (ك): \"يمت\".\n(^٣) في (ك): \"قبضنا\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٦٧).","vol":"7","page":144},{"text":"<span id=\"aya-2655\"> </span>(٦٠) - ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ للفصل بين الكلامين؛ أي (^١): الأمرُ ذلك، فما بعده مستأنف.\n﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾؛ أي: لم يزد في القَصاص، وإنَّما سُمِّيَت الجناية المبتدأة باسم جزائها الذي هو العقاب؛ لِمَا بينَ السَّبب والمسبَّب من الملابسَةِ، فأُطلقَ اسمُ المسبَّب على السبب مجازًا، أو للازدواج، وليُتصوَّر سرعة أداء السَّبب إليه.\n﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العقوبة ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾؛ أي: مَن جازى بمثلِ ما فُعِلَ به من الظُّلم ثمَّ ظُلِمَ بعد ذلك فحقٌّ على الله أن ينصرَه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾: يمحو آثارَ الذُّنوبِ ﴿غَفُورٌ﴾: يسترُ أنواعَ العيوب.\nوإنَّما وعدَ المنتصِر بهما لأنَّه اتَّبع هواه في الانتقام، وأعرضَ عمَّا نَدب الله إليه بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].\nوفيه تعريضٌ بالحثِّ على العفو، فإنَّ الله تعالى مع كمالِ قدرتِه وتعالي شأنِه لَمَّا كانَ يعفو فغيرُه بذلك أولى.\nوتنبيهٌ على أنَّه قادرٌ على العقوبةِ؛ إذ لا يُوصَفُ بالغفور إلَّا القادر على ضدِّه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"أن\".","vol":"7","page":145},{"text":"<span id=\"aya-2656\"> </span>(٦١) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾؛ أي: ذلك النَّصر بسببِ أنَّ اللّهَ تعالى قادرٌ على التَّصرُّف في العالم على وفقِ مشيئته ومقتضى حكمته، وما ذكر من التَّغييب خاصَّة في المَلَوَيْنِ (^١) بتغييب أحدِهما في (^٢) الآخر كنايةٌ عن التَّصرُّف في الأفلاك بالتَّحريك على وجهٍ عليه مَدارُ الكائنات (^٣) في عالم الكون والفسادِ (^٤) كيف يشاء، والنصر المذكور من جملة ما تقتضيه الحكمة.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لما يقولون، ولا يشغله سَمْعٌ عن سَمْعٍ وإنِ اختلفَتِ (^٥) الأصوات في النَّهار بفنون اللُّغات.\n﴿بَصِيرٌ﴾ بما يفعلون ولا يستتر عنه شيء بشيء في اللَّيالي وإنْ توالَتِ الظُّلُمات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2657\"> </span>(٦٢) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ذلك الوصفُ بكمال القدرة والعلم بسبب\n_________\n(^١) (المَلَوَانِ): اللَّيلُ والنَّهار، الواحدُ (مَلًا) مقصورٌ. انظر: \"الصحاح\" (مادة: ملا).\n(^٢) في (ف): \"على\".\n(^٣) في (م): \"الكنايات\".\n(^٤) الكون: الخروج من العدم إلى الوجود، والفساد عكسه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٤/ ١٥٤).\n(^٥) في (م): \"اختلف\".","vol":"7","page":146},{"text":"أنَّ اللّهَ هو الحقُّ الثَّابت في نفسه، الواجب لذاته (^١)، وكلُّ ما كان كذلك كان مبدأً لِمَا سِواه، عالِمًا بذاته ممَّا عداه، أو الثَّابتُ الإلهيَّة، ولا يصلح لها إلَّا مَن كان عالمًا قادرًا.\n﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله إلهًا.\nوقرئ بالتَّاء على مخاطبة المشركين (^٢)، وبالبناء للمفعول (^٣)، فتكون الواو لـ ﴿مَا﴾ فإنه مِن معنى الألوهيَّة (^٤).\n﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾: المعدوم في حدِّ ذاته، أو الباطل الألوهيَّة.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ أي: العالي على كلِّ شيءٍ بالقَهْرِ والسُّلطان بدون توهُّمِ المكان.\n﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يساوَيه شيء، فضلًا عن أن يكون أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2658\"> </span>(٦٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِي﴾.\n_________\n(^١) في هامش (س) و(ف) و(م): \"ولا حاجة إلى التقييد بالوحدة لأن الواجب لذاته لا يكون إلا واحدًا، ومن قال: إن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ الكل، فقد أوهم التشريك في الاقتضاء المذكور بين وصفي الوجوب الذاتي، وليس كذلك، فإن المقتضي هو الوجوب الذاتي وإن الوحدة من جملة مقتضياته. منه \".\n(^٢) قرأ بها الحرميان وابن عامر وأبو بكر، وباقي السبعة بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٨).\n(^٣) نسبت لليماني وموسى الأسواري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٦).\n(^٤) في \"الكشاف\" و\"البيضاوي\": (في معنى الآلهة)، بدل: \"من معنى الألوهية\".","vol":"7","page":147},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ استفهامُ تقرير، ولهذا رُفع:\n﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ عطفًا على ﴿أَنْزَلَ﴾؛ إذ لو نصب جوابًا له (^١) لدلَّ على نفيِ الاخضرار، كما في قولِكَ: ألم تر أني أنعمْتُ عليكَ فتشكرُ (^٢)، والمقصود إثباته، والرفع لعطفه على ﴿أَنْزَلَ﴾، وتسبُّبه منه مثبتٌ البتَّة، كذلك في المثال؛ لأنَّه عطف على (أنعمتُ)، وأما النَّصب فلا وجه له إلَّا التَّسبُّب عن الاستفهام، وَيؤُول المعنى في المثال إلى: ما رأيْتَ فما شكرْتَ؛ أي: لو رأيْتَ لشكرْتَ، وكذلك في الآية.\nعلى أنَّ فيها مانعًا آخر، وهو أنَّ إصباحَ الأرضِ مخضرَّة لا يصحُّ أنْ يتسبَّب عمَّا بعد الاستفهام، وإنما عدل عن الماضي ولم يقل: (أصبحَتْ) لاستحضار الحال الماضية، والتَّنبيه على كمال صنع الصَّانع بالمشاهدة، والدِّلالة على بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان.\nوقرئ: (مَخْضَرَة) (^٣) على وزن: مَفْعَلَة؛ أي: ذاتَ خضرةٍ، كمَبْقَلَة ومَسْبَعَة (^٤).\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ واصلٌ فضلُه وعلمُه إلى كلِّ شيءٍ.\n﴿خَبِيرٌ﴾ بمصالح الخلق ومنافعهم.\n* * *\n_________\n(^١) \"له \"سقط من (ف) و(ك).\n(^٢) إن نصبته فأنت نافي لشكره شاكٍ تفريطَه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٦٨).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٦٨).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"كمبقلة ومسغبة\"، وفي (م): \"كمقبلة ومسبغة\"، والمثبت من (س). وانظر: \"البحر المحيط\" (١٥/ ٣٩٨).","vol":"7","page":148},{"text":"<span id=\"aya-2659\"> </span>(٦٤) - ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا ومِلْكًا.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كلِّ شيءٍ، وما سواهُ محتاجٌ إليه.\n﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجِبِ للحمدِ بصفاته وأفعاله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2660\"> </span>(٦٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ مَنَّ علينا بتسخيره لنا ما بنا حاجةٌ إليه في معاشنا من الحيوان وغيره، فلا أصلبَ من الحجارة والحديد، وقد ذلَّلهما نتَّخذ منهما ما نريد، فقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ عامٌّ، لكنَّ المراد منه ما ينفعنا بقرينة قوله: ﴿لَكُمْ﴾.\n﴿وَالْفُلْكَ﴾ عطف على ﴿مَا﴾. وقرئ بالرَّفع (^١) على الابتداء.\nو﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ حال منهما، أو خبر.\n﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ﴾ بيد القدرة ﴿أَنْ تَقَعَ﴾: من أن تقعَ، أو كراهةَ أن تقع ﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلا بمشيئته.\nوفيه رَدٌّ لاستمساكها بذاتها، وأما ما قيل: إنها مساوية لسائر الأجسام في الجسميَّة فتكون قابلة للميل الهابط قَبولَ غيرها (^٢)؛ منظور فيه.\n_________\n(^١) نسبت للأعرج والسلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٦).\n(^٢) \"قبول غيرها\" من (س). وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٨).","vol":"7","page":149},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بفتحه عليهم أبوابَ المنافع، ودفعِه عنهم أسباب المضارِّ.\nوالرَّؤوفُ أبلغ من الرَّحيم، وإنَّما قُدِّمَ عليه محافظةً على الفاصلة، وكذا تقديم ﴿بِالنَّاسِ﴾ عليهما لها (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2661\"> </span>(٦٦) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم جمادًا ترابًا ونطفةً وعلقةً ومضغةً.\n﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ إذا جاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ في الآخرة.\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾: لجحودٌ لِمَا أفاضَ عليه مِنَ النِّعَمِ مع ظهورها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2662\"> </span>(٦٧) - ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ كرَّره بغير واوٍ للتَّأكيد والتَّعميم، وتعليقِ الزِّيادة به، وجيء بالواو في الأوَّل لأنَّها وقعت مع ما يناسبها من الآي الواردة في أمر النسائك (^٢)، فعطف عليها، وأمَّا هذه فواقعةٌ مع أجانب من معناها، فلم تجد معطفًا (^٣).\n﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ هم عاملون به.\n_________\n(^١) أي: للفاصلة.\n(^٢) في (ف): \"المناسك\"، وفي (ك) و(م): \"التناسك\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"مقطعًا\".","vol":"7","page":150},{"text":"﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ سائرُ أرباب المِلَلِ.\n﴿فِي الْأَمْرِ﴾ في أمر الدِّين والنسائك (^١)؛ لأنَّهم جُهَّالٌ أو أهل عناد (^٢)، أو لأنَّ أمر دينك أظهر من أن يَقبل النِّزاع.\nوقيل: إنَّه نهي لرسول الله ﷺ عن التَّعرُّض لمنازعتهم بالمناظرة المؤدِّية إلى نزاعهم، فإنَّها إنَّما تنفع طالب الحقِّ، وهم أهل مراءٍ وعناد؛ أي: لا تلتفِتْ إليهم ولا تمكِّنهم من أن يتنازعوا، أو عن منازعتهم (^٣)، كما تقول: لا يضارِبَنَّكَ فلان؛ أي: لا تضاربه (^٤) البتَّة، ولهذا إنَّما يجوز في الفعل الذي بين اثنين.\nوروي أنَّها نزلت في الخزاعيين قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتُم، ولا تأكلون ما قتله الله (^٥)؟! يعني: الميتة.\nوقرئ: (فلا يَنْزِعُنَّكَ) (^٦)؛ أي: اثْبُتْ في دينك ثباتًا لا يمكنهم أن يزيلوك\n_________\n(^١) في (ف): \"والمناسك \"، وفي (ك) و(م): \"والتناسك\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أو أهل فساد\"، وفي (م): \"وأهل فساد\".\n(^٣) قوله: \"عن منازعتهم\" معطوف على قوله: \"عن التعرض لمنازعتهم \"، لكن في عبارة المؤلف نظر؛ لعدم ظهور الفرق بين المعطوف والمعطوف عليه، وعبارة البيضاوي في \"تفسيره\" (٤/ ٧٨): (وقيل: المراد نهي الرسول ﷺ عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية … أو عن منازعتهم …). ونحوه في \"الكشاف\" (٣/ ١٦٩).\n(^٤) في (ك): \"لا يضار بك فلان أي لا تضار به \".\n(^٥) انظر: \"تفسير الثعلبي \" (٧/ ٣٣)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٦٩). وروى الطبري في \"تفسيره\" (٩/ ٥٢٣) عن عكرمة: أن ناسًا من المشركين دخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: \"الله قتلها\"، قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].\n(^٦) نسبت لأبي مجلز. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٦)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٦٩).","vol":"7","page":151},{"text":"عنه، والمرادُ: زيادةُ التَّثبيت بما يُهيِّج حميَّته ويُلهب غضبه لله ولدينه.\nوقال الزَّجَّاج: هو من باب المغالبة؛ أي: لا يغلِبُنَّكَ (^١) في المنازعة، من نازَعْتُهُ فنزعتُه؛ أي: غلبتُه في النِّزاع (^٢).\n﴿وَادْعُ﴾ النَّاسَ ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: إلى عبادة ربِّك.\n﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريقٍ إلى الحقِّ سويٍّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2663\"> </span>(٦٨) - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وإنْ أبَوا إلَّا المجادلة بعد وضوح أمر دينك واجتهادك في ترك النِّزاعِ، فادفعهم بأنَّ اللهَ أعلمُ بما تعملونه من الجدال الباطل والعناد، فمجازيكم عليها، وهذا وعيدٌ مع رفق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2664\"> </span>(٦٩) - ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ يَحْكُمُ﴾: يفصل ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بثواب المؤمنين وعقاب الكافرين يوم القيامة، كما فَصَلَ في الدُّنيا بالآيات والبيِّنات.\n﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدِّين.\nالخطاب عام، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ بما يَلقى منهم (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"يغالبنك\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٣/ ٤٣٧).\n(^٣) في هامش (ف) و(س): \"قد سبق وجهها في هذه السورة. منه\".","vol":"7","page":152},{"text":"ومن تمام التَّسلية تقرير علمه بمضمون ما ذكره بقوله:\n\n<span id=\"aya-2665\"> </span>(٧٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ من الغيب والشَّهادة.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ اللَّوح المحفوظ، كتبه فيه قبل حدوثه. وتنكيره لأنَّه ليس من جنس الكتب المتعارفة.\nولَمَّا كان الإثبات في اللَّوح المحفوظ مَظِنَّة الحاجة في الحفظ إلى الكَتَبة دفعه بقوله:\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾، أي: الإحاطة به وإثباته في اللَّوح المحفوظ.\n﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لعدم الحاجة إلى الآلة، فإنَّ علمه تعالى بذاته، فلا يخفى عليه شيءٌ، فلا يهمَّنَّكَ أمرُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2666\"> </span>(٧١) ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾: ما لم يتمسكوا في جواز عبادته ببرهانٍ نازلٍ بالوحي من عند الله (^١)، ولا بعلمٍ ضروريٍّ أو نظريٍّ، أي: ليس لهم في ذلك مستندٌ لا من جهة النَّقل ولا من جهة العقل، وإنَّما قدَّم الوجه\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"قد مرَّ وجه الفرق بين مطلق الحجة وبين البرهان والسلطان وبيان مزيتهما عليها في سورة الأعراف. منه\".","vol":"7","page":153},{"text":"النَّقلي لأنَّه الأصل في أمر العبادة، وفي العبارة عنه بما ذكر إشارةٌ إلى أنَّه مع انقسامه إلى أربعة أقسام مذكورة في علم الأصول مرجعُه إلى الوحي.\nوإعادة عبارة ﴿مَا﴾ مع عدم الحاجة إليها في إفادة المعنى المذكور كإعادتها في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢].\n﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾: وما للذين ظلموا هذا الظُّلمَ الشَّنيع ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ يُعِينهم بدفع العذاب عنهم (^١)، ووُضع (^٢) الظَّاهر موضعَ الضَّمير للتَّسجيل على المشركين بالظُّلم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2667\"> </span>(٧٢) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ من القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: واضحاتِ الدِّلالة على العقائد الحقَّة.\n﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: يظهر فيها ظهورًا بيِّنًا حتى يَعرفُه كلُّ مَن يراه.\n﴿الْمُنْكَرَ﴾: الإنكارَ؛ لفرط نكيرهم للحقِّ وغيظهم لأباطيل أخذوها تقَليدًا. وهذا مُنتَهى الجهالة، وللإشعار بذلك وضع ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضع الضَّمير.\nأو: الأمرَ المنكَرَ الفظيع من آثار الغيظ وما يقصدونه من الشَّر.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(س): \"قد مر أن معنى الدفع معتبر في معنى النصر. منه \".\n(^٢) في (ف): \"وضع\".","vol":"7","page":154},{"text":"﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ السَّطوُ: الوثبُ والبَطشُ.\n﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النَّبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃.\n﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾: من غيظكم على التَّالِينَ (^١) وسطوِكم عليهم، أو: ممَّا أصابكم من الكراهة والضَّجر بسبب ما يُتلَى عليكم.\n﴿النَّارُ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، كأنَّ قائلًا قال: ما هو؟ فقيل: النَّار، أو مبتدأ خبره: ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقرئ بالنَّصب (^٢) على الاختصاص، وبالجر (^٣) بدل من (شرٍّ)، وعلى هذين الوجهَين يحتمل أن تكون الجملة حالًا بإضمار (قد)، وأن تكون استئنافًا كما إذا وقعت خبرًا.\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النَّارُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2668\"> </span>(٧٣) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ بُيِّنَ لكم حالة غريبة، سُمِّيَتْ مثلًا على سبيل\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"القالين\".\n(^٢) بلا نسبة في \"الكشاف\" (٣/ ١٧٠)، ونسبها في \"البحر المحيط\" (١٥/ ٤٠٤) إلى ابن أبي عبلة والأعشى وزيد بن علي.\n(^٣) بلا نسبة في \"الكشاف\" (٣/ ١٧٠)، ونسبها في \"البحر المحيط\" (١٥/ ٤٠٤) إلى ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح عن قتيبة.","vol":"7","page":155},{"text":"الاستعارة؛ لأنَّ الأمثال إنَّما سُيِّرَتْ لكونها مستغربةً، فلهذا نودي النَّاس لها (^١).\nوأكَّد غرابتها بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وأبهم وبيَّن.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أي: تدعونه، وقرئ: (يُدْعَوْنَ) مبنيًّا للمفعول (^٢).\n﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ آلهةً، يعني: الأصنام.\n﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الذُّبابُ: مِنَ الذَّبِّ؛ لأنَّه يُذَبُّ سُمِّي ذبابًا؛ لأنَّه كُلَّما ذُبَّ استقذارًا منه آبَ لاستكباره، وتخصيصُه لمهانته (^٣) وضعفه، وتأكيدُ النَّفيِّ بـ ﴿لَنْ﴾ للدِّلالة على استحالة خلق الذُّباب منهم (^٤)، كأنَّه قال: محالٌ أن يخلقوه (^٥).\n﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ بجوابه (^٦) المقدَّرِ له المدلولِ عليه بالمذكور في موضع الحال، جيء بها للمبالغة؛ أي: لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟\n﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾؛ أي: هذا الخلق الأذلُّ الأقلُّ لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلِصوه منه لم يقدروا عليه.\nعن ابن عباس ﵄: أنهم كانوا يَطْلونها بالزَّعفران ورؤوسَها بالعسل، فإذا سلبَه الذُّباب عجز الأصنام عن أخذه (^٧).\n_________\n(^١) في (م): \"بها\".\n(^٢) نسبت لليماني وموسى الأسواري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٦).\n(^٣) في (ف) و(م) و(ك): \"بمهانته\"، والمثبت من (س).\n(^٤) \"منهم \"من (م) و(س).\n(^٥) \"يخلقوه\" زيادة من (م) و(س).\n(^٦) في (س) و(ف): \"لجوابه\"، وهو خطأ.\n(^٧) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٤/ ٣١٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٧١).","vol":"7","page":156},{"text":"والظَّاهر: أنَّ المرادَ جعلُ امتناعِ خلقِهم ذبابًا وامتناعِ استنقاذِهم منه عند سلبه شيئًا منهم مثلًا لانتفاءِ قدرتهم المستلزِمة لانتفاء الألوهيَّة التي تستلزم الاقتدار على جميع المقدورات، ويُستحقُّ بها العبادة، فإنَّ ما (^١) لا يقدر على خلقِ أحقر (^٢) شيءٍ - بل على الاستنقاذ منه - كيف يَستحق أن يُعْبَد عبادةَ مَن له كمالُ القدرة على إيجاد كلِّ شيءٍ وتستخيره؟!\nوهذا غايةٌ في تجهيلِهم واستركاك عقولهم.\n﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الصَّنم الطالبُ للاستنقاذ، والذُّبابُ المطلوب أن يُستَنقَذ منه.\nوفي هذا التَّذييل إيهامُ التَّسوية، وتحقيقُ أنَّ الطَّالبَ - يعني: الصَّنم - أضعفُ لأنَّه قدّم عليه أنَّ هذا الخلق الأذلَّ هو السَّالب، وذلك طالبٌ خاب عن طَلِبته (^٣).\nولَمَّا أجراهم مجرى العقلاء بإثبات الطَّلب لهم، وبيَّنَ ألَهم أضعف من أذلِّ الحيوان، فقد نبَّه به على مكان آلهتهم في ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2669\"> </span>(٧٤) ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.\n﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عرَفوه حقَّ معرفته، حيث أشركوا به، وسمَّوا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبةً، وأَوغلُ في الاتِّصاف بأضداد صفاته.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾: قادرٌ على خلق الممكِنات كلِّها.\n_________\n(^١) في (م): \"من\".\n(^٢) في (م): \"أصغر\".\n(^٣) في (س): \"طلبه\".","vol":"7","page":157},{"text":"﴿عَزِيزٌ﴾: غالبٌ على كلِّ شيءٍ، ولا يغلبه شيء، فكيف يُشْرَكُ به شيء، سيَّما أحقر الأشياء وأعجزها وأذلُّها؟!\nولَمَّا قرَّر الوحدانيَّة ونفى إلهيَّة الأنداد أرادَ أن ينفي عنها ما يدَّعون لها من التَّوسل بها إلى الله تعالى والتَّقربِ إليه بتوسُّطها فقال:\n\n<span id=\"aya-2670\"> </span>(٧٥) - ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\n﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾: يختارُ ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ يتوسَّطون بينَه وبينَ الأنبياء ﵈ بالوحي.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ رُسُلًا يبلِّغون رسالته إلى مَن دونهم، ويدعونهم إليه ويشفعون لهم، فلا وسيلة غير هذَيْن الصِّنْفَيْن، ولا تقرُّب إلى الله تعالى بغيرهما.\nففيه نفيٌ لما ادَّعوه من قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣٩]، وقولهم: الملائكةُ بناتُ اللهِ، وردٌّ لمذهبهم واعتقادهم أنَّ الرَّسولَ لا يكون من البشر.\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال الرَّسول فيما تقبله العقول ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوال الأمم في الرَّدِّ والقَبولِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2671\"> </span>(٧٦) - ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: ما مضى وما غَبَر، لا تخفى منهم خافيةٌ.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: وإليه مرجعُ الأمور كلِّها؛ لأنَّه مالكُها ومدبِّرُها، فلا اعتراض لأحدٍ على حكمه وتدبيره واختيار رسله.\n* * *","vol":"7","page":158},{"text":"<span id=\"aya-2672\"> </span>(٧٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ درجَ في هذه الأوامر من الأخصِّ إلى الأعمِّ، فأمر بالصَّلاة المشتمِلة على أصناف الطَّاعات من القلبيَّات والقوليَّات والبدَنيَّات، وعبَّرَ عنها بالرُّكوع والسُّجود لأنَّهما (^١) أعظم أركانها، ثمَّ بمطلق العبادات كالصَّوم والزَّكاة والحجِّ، ثمَّ بسائر الخيرات كصلة الأرحام ومكارم الأخلاق والإصلاح بين النَّاس وأمثالها.\nوقيل: كان النَّاسُ في أوَّلِ الإسلام يركعون بلا سجودٍ، ويسجدون بلا ركوعٍ، فأُمِرُوا بالجمع بينهما في الصَّلاة (^٢).\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: افعلوا هذا كلَّه وأنتم راجون الفلاح غيرَ متيقِّنين به، متَّكلين على أعمالكم.\nوعن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: قلْتُ: يا رسولَ اللهِ، في سورة الحجِّ سجدتان؟ قال: \"نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما\" (^٣).\nوعن عبد الله بن عمر ﵄: \"فُضِّلَتْ سورةُ الحجِّ بسجدتَيْن\" (^٤).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لأنها\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٣١)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٧٢). قال الآلوسي في\" روح المعاني\" (١٧/ ٤٢٣): لم نره في أثر يعتمد عليه.\n(^٣) رواه أبو داود (١٤٠٢)، والترمذي (٥٧٨)، وفيهما: \"نعم، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما\"، قال الترمذي: إسناده ليس بذاك القوي.\n(^٤) ذكره الترمذي بعد الحديث السابق عن عمر وابن عمر ﵄. وروى نحوه الإمام مالك في \"الموطأ\" (١/ ٢٠٥) عن عمر بن الخطاب ﵁.","vol":"7","page":159},{"text":"وبذلك احتجَّ الشَّافعي فرأى السَّجدتَيْن فيها، وأبو حنيفة وأصحابه لا يرون فيها إلا سجدة واحدةً؛ لأنَّهم يقولون: قُرِنَ السُّجودُ بالرُّكوع، فدلَّ ذلك على أنها سجدةُ صلاة لا سجدةُ تلاوة (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2673\"> </span>(٧٨) - ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾.\n﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ في شأنِه ومن أجلِه، أمرٌ بالغزوِ، أو بمجاهدة النَّفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر؛ لقوله ﵇ عند رجوعه من غزوة تبوك: \"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر\" (^٢).\n﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أصله: جهادًا حقًّا؛ أي: خالصًا لوجه الله، فأضيف الحقُّ إلى الجهاد للمبالغة، كقولك: هو حقُّ عالمٍ، ثم أضيف الجهاد إلى ضمير ﴿اللَّهِ﴾ إمِّا للملابسة لاختصاصه به من حيث إنَّه مفعول لأجله، أو للاتِّساع في الظُّروف.\n﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾: اختاركم لدينه ونصرته، وبناء الفعل على الضَّمير للاختصاص المفيد لوجوب الجهاد؛ أي: هو وحده اجتباكم دون غيره، والذي اجتباه الله بنفسه لا بُدَّ له من الجهاد الأكبر لقضاء حقِّ القرب والولاية، والأصغرِ\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"لا لأنَّه كما توهم لعدم الدلالة فيها على ما ظهر من تقدير ما ذكره أبو حنيفة. منه \".\n(^٢) رواه الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٥٢٣)، والبيهقي في \"الزهد\" (٣٧٣) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال: إسناده ضعيف.","vol":"7","page":160},{"text":"لقوَّة (^١) يقينه، ووثوقه بحفظه وكلاءته، ولإعلاء كلمته، وإعزاز دينه، ففيه دليل على المقتضي للجهاد في قوله:\n﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾: ضِيقٍ بتكليفِ ما يشتدُّ القيام به عليكم، على أنَّه لا مانع لهم عنه (^٢)، ولا عذر لهم في تركه، وضمَّنه الإشارة إلى الرُّخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شقَّ عليهم لقوله ﵇: \"إذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأتوا به ما استطعْتُم\" (^٣).\nوقيل: ذلك بأنْ جعل لهم من كل ذنبٍ مخرجًا، بأن رخَّص لهم في المضايق، وفتح عليهم بابَ التَّوبةِ، وشرعَ لهم الكفَّارات في حقوقه، والأروشَ والدِّيَات في حقوق العباد، فلا ذنْبَ إلَّا وقد جعل لكم منه مخرجًا.\nوَيرِدُ عليه: أنَّ الحرج لا ينتفي بوجود (^٤) المحرج في الجملة، لِمَا عرفْتَ أنَّه عبارة عن الضِّيق، لا عن عدم المخلَصِ.\n﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ نصبٌ على الاختصاص؛ أي: أعني بالدِّين ملَّة أبيكم، أو على الإغراء؛ أي: الْزَموا ملَّة أبيكم، أو بمضمون ما تقدَّم على المصدر؛ أي: وسَّع دينكم توسعةَ ملَّةِ أبيكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامَه.\n﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ عطف بيان.\nوإنَّما جعله أبًا لأنَّ كلَّ نبيٍّ أبو أمَّته من حيث الحقيقة، وهو كان أبا محمَّدٍ ﵇، وأبُ الأبِ أبٌ، أو لأنَّ أكثرَ العرب كانوا من ذرَّيته، فغلِّبوا على غيرهم.\n_________\n(^١) في (ف): \"لسدَّ\".\n(^٢) \"عنه\": ليست في (م).\n(^٣) رواه مسلم (١٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁.\n(^٤) في (م): \"بوجوه\".","vol":"7","page":161},{"text":"﴿هُوَ﴾؛ أي: الله تعالى ﴿سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلِ القرآن في الكتب المتقدِّمة.\n﴿وَفِي هَذَا﴾؛ أي: في القرآن.\nوقيل: الضَّمير لإبراهيم ﵇، وهو وإنْ لم يسمِّهم فيه المسلمين، لكن سُمُّوا به بسبب تسميته إياهم (^١) مسلمين من قبلُ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nوقولُه: ﴿وَفِي هَذَا﴾ تقديره: وفي هذا بيانُ تسميته إيَّاكم مسلمين.\nويشهد للأوَّل قراءة أُبيٍّ ﵁: (اللهُ سمَّاكم) (^٢)؛ أي: هو خصَّكم بالاجتباء وسمَّاكم بهذا الاسم الأكرم.\n﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يومَ القيامة، متعلِّق بـ ﴿سَمَّاكُمُ﴾، أو بـ ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾.\n﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ بأنَّه بلَّغكم، أو بعصيانِ مَن عصى وطاعةِ مَن أطاع.\n﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأنَّ الرُّسلَ قد بلَّغَتْهم.\n﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: وإذ قد خصَّكم بهذه الكرامة والشَّرف فاعبدوه وتوبوا إليه بأنواع الطَّاعات.\n﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ وثقوا به في مجامعِ أمورِكم.\n﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ فلا تطلبوا النَّصرَ والولايةَ إلَّا منه.\n﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ حيث لا يمنعُكم رزقَكم بعصيانِكم، ويعينكم على جلب المسارِّ ويدفَعُ عنكم المضارَّ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"تسمية أبيهم \".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٦)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٧٣).","vol":"7","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-87>سُورَةُ المُؤْمِنُونَ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2674\"> </span>(١) - ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (قد) تُثبت المتوقَّع كما أنَّ (لمَّا) تنفيه، وإذا دخلَتْ على الماضي دلَّتْ على ثباته.\nوالفَلاحُ: الظَّفرُ بالمطلوب، والنَّجاةُ عن المهروب؛ أي: فازوا بما طلبوا ونجوا عمَّا هربوا.\nو﴿أَفْلَحَ﴾: دخلَ في الفَلاح، كأبشرَ دخلَ في البِشارةِ، ويقال: قد أفلحه: إذا أوصله إلى الفلاح، وعليه قراءة: (قَدْ أفلِحَ) على البناء للمفعول (^١).\nوقرئ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ بإلقاء حركة الهمزة إلى الدَّال وحذفها (^٢).\nوقرئ: (قد أفلحوا) (^٣) على الإبهام والتفسير، أو على لغة: أكلوني البراغيث.\nو: (أفلحُ) بضمة اكتفاء بها عن الواو (^٤).\n_________\n(^١) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧).\n(^٢) وهي قراءة ورش عن نافع. انظر: \"السبعة في القراءات \" (ص: ١٤٨).\n(^٣) نسبت أيضًا لطلحة بن مصرف. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧).\n(^٤) نسبت أيضًا لطلحة بن مصرف. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧).","vol":"7","page":165},{"text":"لَمَّا كان المؤمنون متوقِّعين بمثل هذه البشارة من فضل الله بُشِّروا بما دلَّ على ثبوت ما توقَّعوه.\nوالمؤمنون في اللُّغة: المصدِّقون، وأمَّا في الشَّريعة فقد اختُلِفَ فيه على أقوال قد سبق تفصيلُها في تفسير (سورة البقرة).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2675\"> </span>(٢) - ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الخشوعُ في الصَّلاةِ: خشيةُ القلبِ مع التَّواضع، وإلبادُ البصر (^١) موضعَ السُّجود.\nرُوي أنَّه ﵇ كان يصلِّي رافعًا بصره إلى السَّماء فنزلَتْ، فنظر نحو مسجده (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2676\"> </span>(٣) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ لِمَا بهم مِن الجِدِّ ما يشغلهم عن اللَّغو، وهو ما لا يعنيك مِن قولٍ أو فعلٍ، كالهزلِ واللَّعب، وكلُّ ما تُوجِب المروءة إلغاءه.\n_________\n(^١) في (ف): \"وإلقاء البصر\"، وفي (ك) و(م): \"وإلقاء النظر\". والمثبت من (ع) و(ي)، وجاء في هامش (ي): \"من ألبد بالمكان؛ أي: أقام به. ص\".\n(^٢) رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٤٨٣) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁، وقال: صحيح على شرط الشيخين لولا خلاف فيه على محمد فقد قيل عنه مرسلًا. وقال الذهبي: الصحيح مرسل.\nوالمرسل رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣٢٦١)، وأبو داود في \"المراسيل\" (٤٥)، والطبري في \"تفسيره\" (١٧/ ٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٨٣) وقال: هذا هو المحفوظ مرسل.","vol":"7","page":166},{"text":"لَمَّا ذكرَ الخشوعَ أَتْبعَه الإعراضَ عن اللَّغو ليجمعَ بينَ فعلِ ما ينبغي أنْ يُفعَلَ وتركِ ما ينبغي أنْ يُترَكَ، وهما الأصلان اللَّذان عليهما مدار التَّكليف.\nوبالغَ في أوصاف المؤمنين بإيرادِ الصِّلات جملًا اسميَّة، وتقديمِ صلة الإعراض، والتَّعبيرِ بالاسم دون الفعل، وإيرادِ الإعراض مكانَ التَّرك؛ لأنَّ أصلَه أن يكون في عُرْضٍ (^١) غيرِ عُرْضه ليدلَّ على التَّجنُّب والبعد عنه بالكلِّيَّة مباشرةً وتسبيبًا وميلًا وحضورًا، وكذلك قوله:\n\n<span id=\"aya-2677\"> </span>(٤) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾؛ أي: للتَّزكية فاعلون؛ لأنَّ الفاعل لا يفعل إلَّا الحدث الذي هو المصدر، ولهذا سُمِّيَ المفعول المطلق، ويمكن أن يُفسَّر بالعَيْن ويُقدَّر مضاف، أي: لأداء الزَّكاة.\nوإنَّما لم يقلْ: (مؤدُّون) لأنَّ في زيادة فاعلون دلالةً على المداومة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2678\"> </span>(٥) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الفرجُ يشتمل على سَوءة الرَّجل والمرأة.\n﴿حَافِظُونَ﴾ من قولهم: احفظْ عليَّ عَنان فرسي؛ بمعنى: أمسك، ولا بُدَّ فيه من تضمين معنى النَّفي ليصح الاستثناء؛ أي: يمسكون لا يُطْلقونها على أحدٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2679\"> </span>(٦) - ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.\n_________\n(^١) بضم فسكون. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣٢٠).","vol":"7","page":167},{"text":"﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ حال؛ أي: والِينَ على أزواجهم، أو: قوَّامين عليهنَّ، والمعنى: حافظون في كلِّ حالٍ إلَّا في حال ولايتهم على أزواجهم.\nأو متعلِّق بمحذوف دلَّ عليه: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾، أي: يلامون على كلِّ مباشرة إلَّا على ما أُطلق لهم فإنَّهم غير ملومين عليه.\n﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، أي: إمائهم، ولم يقل: (مَن)، إجراءً للماليك مجرى غير العقلاء (^١)، إذ الملك أصل في غيرهم والحريَّةُ فيهم (^٢)؛ أو لأنَّ الإناث لنقصان عقلهنَّ من جنسٍ غيرهم.\nوإنَّما قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، ولم يقل: ما ملكوا، إظهارًا لمِلك اليمين في مقابلةِ مِلك المتعة الظَّاهر من قرينه؛ إشعارًا بانحصار سبب حلِّ الوطء في المِلْكَين المذكورَيْن لا يتعدَّى إلى مِلك الرَّقبة؛ فإنَّها (^٣) إذا خلَتْ مِن ملك اليمين كما في المكاتَب لا يوجد الحِلُّ المذكور.\n﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ الضَّمير لـ ﴿حَافِظُونَ﴾، أو لِمَن دلَّ عليه الاستثناء؛ أي: فإنْ أطلقوها لأزواجهم أو إمائهم فإنَّهم غير ملومين على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2680\"> </span>(٧) - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.\n﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ جَعل المستثنى حدًّا وجَب الوقوف عنده، وحَذف مفعول الابتغاء للتَّعميم، وجاء باسم الإشارة، أي: فأولئك المبتغون،\n_________\n(^١) وهذا على القول باختصاص (ما) بغير العقلاء. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ١٦).\n(^٢) قوله: \"غيرهم\" و\"فيهم \" الضمير فيهما للعقلاء.\n(^٣) في (ف) و(ك): \"لأنها\".","vol":"7","page":168},{"text":"ووسَّط الضَّمير، وعرَّف ﴿الْعَادُونَ﴾؛ أي: مَن أحدثَ ابتغاء وراء ذلك الحدِّ بعدَ هذه الفسحة والاتِّساع فأولئك الكاملون في العدوان المتناهون فيه، كلُّ ذلك مبالغةٌ في التَّحذير عن الزِّنا.\nوأفرده بالذِّكر بعد تعميم قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ لأنَّ المباشرة أشهى الملاهي إلى النَّفس وأعظمُها خطرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2681\"> </span>(٨) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ قيل: لِمَا يؤتَمنون عليه ويعاهَدون عليه من جهة الحقِّ أو الخلق.\nوفيه: أنَّه لا حاجة إلى الصَّرف عن الظَّاهر؛ فإنَّ العهد وكذا الأمانة ممَّا يُرَاعى.\n﴿رَاعُونَ﴾ الرَّاعي: القائمُ على الشَّيء بالحفظ والإصلاح، كراعي الغنم والرَّعيَّة.\nوقرئ: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ على الإفراد (^١)؛ لأنَّها في الأصل مصدر، أو لأمنِ الإلباس.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: يواظبون عليها ويؤدُّونها في أوقاتها، وجاء بلفظ الفعل معها (^٢) لِمَا فيها مِن التَّجدُّد والتِّكرار، والفعل المضارع في الجملة الاسميَّة يدلُّ على دوام التَّجدُّد.\nوقرئ بلفظ الجمع هنا (^٣) ليفيدَ المواظبة على أعدادها وأنواعها، ولم يُقرأ به (^٤)\n_________\n(^١) قراءة ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٨).\n(^٢) في (ك) و(م): \"معا\".\n(^٣) قرا حمزة والكسائي بالإفراد وباقي السبعة بالجمع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٨).\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"ولم يفرد به\"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٧٧).","vol":"7","page":169},{"text":"فيما سبق؛ لأنَّ الكلام هناك في الخشوع، وهو مطلوب في جنس الصَّلاة وفي بدء الأوصاف، وختمُها بذكرها تعظيمٌ لشأنها وإعلاءٌ لقدرها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2683\"> </span>(٩) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ﴾ الجامعون لهذه الصِّفات.\n﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾: هم الأحقَّاء بأنْ يُسمَّوا وارثًا دون غيرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2684\"> </span>(١١) - ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾؛ أي: يَصلون إليه وإلى ما فيه مِن النَّعيم المقيم بلا تعبِ الكسب، ويبقى في أيديهم، فإن الوراثة أقوى سببٍ للتَّملُّك، حيث لا يُعقب بفسخٍ ولا استرجاع، ولا يُبطل بردٍّ ولا إسقاط.\nوالفردوسُ: هو البستان الواسع الجامع لأصناف الثَّمر.\nوفي إطلاق الوارثين وتقييدهم، وما ترى من التَّفخيم لِمَا يرثونه وتعظيمِه، واستعارته الوراثة (^١)، وإيراد اسم الإشارة= إشعارٌ بانهم استحقُّوا ذلك الخطبَ الجليل من تلك الأعمال والصِّفات لا بسببيتها له (^٢)، بل بمقتضى وعده، وهذا القَدْر يكفي في التَّحريض.\n﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أنَّثَ الضَّمير على تأويل الجنَّة أو الطَّبقة، فإنَّه أوسط الجنان\n_________\n(^١) في هامش (م): \"لما عرفت أن الاستحقاق بلا كسب معتبر في استعارة الوراثة. منه \".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"لا لاستئهاله\"، وفي (ع): \"لا بسببها له \"، وسقطت \"له\" من (ي).","vol":"7","page":170},{"text":"وأعلاها طبقةً، ومن هنا تبيَّن أنَّ ما قيل: إنَّهم يرثون من الكفَّار منازلهم فيها حيث فوَّتوها على أنفسهم لأَنَّه تعالى خلق لكلِّ إنسان منزلًا في الجنَّةِ ومنزلًا في النَّار= لا يُناسِبُ المقامَ (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2685\"> </span>(١٢) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ السُّلالةُ: صفوةُ الشَّيء التي (^٢) تُخرج منه كأنَّها تُستلُّ (^٣) منه؛ كالصُّفاوة، فُعالة بمعنى مَفعولٍ، فيه معنى القِلَّة، كالقُلامة والقُمامة (^٤).\n_________\n(^١) كذا قال، وفي كلامه نظر، فقد رد به تفسيرًا مرفوعًا للنبي ﷺ، رواه ابن ماجه (٤٣٤١) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ \". وإسناده صحيح كما قال القرطبي في \"تفسيره\" (١٥/ ١٦)، والحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٤٤٢). ولذلك فقد قال الآلوسي بعد ما أتبع الحديث بما اختاره المؤلف ورجحه من أن الإرث مستعار للاستحقاق لأنَّه أقوى أسباب الملك: واختير الأول لأنَّه تفسير رسول الله ﵊ على ما صححه القرطبي. قلت: ولعل المؤلف اغتر بصنيع البيضاوي في \"تفسيره\" (٤/ ٨٣)، حيث قدم ما اختاره المؤلف، وأخر القول بالحديث المرفوع مقدِّما له بـ (قيل) على عادته في تضعيف ما لا يرتضيه من أقوال.\n(^٢) في (م): \"صوت الشيء ححتى\"، وفي (ف) و(ك): \"صوت الشيء\"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"تفسير ابن فورك \" (١/ ٧٠)، و\"غرائب التفسير\" للكرماني (٢/ ٧٧١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٨٣).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"نسل \"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر المصادر السابقة.\n(^٤) في (ف) و(ك): \"كالعلاقة والعمامة\"، وفي (م): \"كالعلامة والعمامة والسلامة\"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٧٨). ومما ذكروه في هذا الباب: الفُضَالة والنُّخَالة والمُلامة والنُّحاتة والقُوارة والبُراية والكُناسة. انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٨).","vol":"7","page":171},{"text":"و﴿مِنْ﴾ هنا للابتداء متعلِّقة بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، وفي قوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ للبيان، صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾؛ أي: سلالة من طين (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2686\"> </span>(١٣) - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.\nو﴿الْإِنْسَانَ﴾: آدم ﵇، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾: ثم جعلنا نسلَه، على حذف المضاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧ - ٨].\nأو الجنسُ (^٢)؛ لأنَّه لَمَّا خُلِقَ أوَّلُ فردٍ منه من سلالة من طين، وسائرُ أفراده خُلِقوا من ذلك الفرد، كان الجنس مخلوقًا من سلالة من طين.\nوأمَّا ما قيل: المراد بالطِّين: آدم ﵇؛ لأنَّه خُلقَ منه، والسلالةُ نطفتُه؛ فلا وجهَ له لِمَا قيل من إخراجه ﵇ من الجنس المذكور، حيث جُعِلَ مخلوقًا مِن نطفته.\n﴿نُطْفَةً﴾ بأنْ خلقناه منها.\n﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: مستقَرٍ حصينٍ؛ يعني: الرَّحِم، سُمِّيَ المستقَرُّ بالقَرار مبالغةً كانه نفسُ القَرار، ووُصِف بالمكانة التي هي صفة المستقِرِّ فيه (^٣) على الإسناد المجازي؛ تتميمًا لأمر المبالغة.\n* * *\n_________\n(^١) \"أي سلالة من طين\" سقط من (ك)، و\"أي سلالة\" سقط من (ف).\n(^٢) عطف على: \"آدمُ \".\n(^٣) أي: \"النطفة\". انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ٣٢).","vol":"7","page":172},{"text":"<span id=\"aya-2687\"> </span>(١٤) - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ بأنْ أَحَلْنا النطفة البيضاء علقةً حمراءَ بتدريج بعدَ زمانٍ.\n﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ فصيَّرناها قطعةَ لحمٍ.\n﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ بأنْ صلَّبناها ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ فأثبتنا عليها لحمًا فصار لها كاللِّباس.\nوقرئ: (عَظَمًا) (^١) وضعًا للواحد موضعَ الجمعِ لعدم اللَّبس، واختلافُ العواطف (^٢) لاختلاف الاستحالات والتَّكوُّنات (^٣) في التَّراخي وعدمه، ف (ثمَّ)\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي بكر وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٨).\n(^٢) قوله: \"واختلاف العواطف … إلخ\"، قال الشهاب: (يعني: عُطف بعضها بثمَّ الدَّالة على التَّراخي وبعضها بالفاء التعقيبية، مع أنّ الوارد في الحديث من أن مدة كل استحالة أربعين يوما يقتضي أن يعطف الجميع بثم إن نظر لتمام المدة أو لأولها، أو بالفاء إن نظر لآخرها ..). انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٦/ ٣٢٢). وانظر شرح الاختلاف المذكور للعواطف في التعليق الآتي.\n(^٣) في (ت): \"لاستحالاة والتكونات\"، وفي (ك): \"لاستحالات وتكونات\" وقوله: \"لاختلاف\" ساقط منهما. والمثبت من باقي النسخ، وعبارة البيضاوي: (واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات)، قال الشهاب: (يعني: أنّ بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بثم، فجعل الاستبعاد عقلًا أو رتبة بمنزلة التراخي والبعدِ الحسيّ؛ لأنّ حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدا، وكذا جعلُ تلك النطفة البيضاء دمًا أحمر، بخلاف جعل الدم لحمًا مشابها له في اللون والصورة، وكذا تثبيتها وتصليبها حتى تصير عظمًا؛ لأنَّه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد، وكذا مد لحم المضغة عليه ليستره، وهذا ما عناه المصنف). انظر المصدر السابق.","vol":"7","page":173},{"text":"للاستحالة الزَّمانيَّة، والفاء للتَّكوُّن الآتي، إلا ﴿ثُمَّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فإنها مستعارة لِمَا بينَ الخلقَيْن مِن التَّفاوت.\n﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ التَّنكير للتَّنويع؛ أي: نوعًا آخر مِن الخلق مباينًا للخلق الأوَّل - بنفخ الرُّوح فيه، وجعلِه حيوانًا - مباينةً ما أبعدها (^١)؛ إذ كان جمادًا فجعله حيًّا سميعًا بصيرًا، ذا أعضاء ظاهرة وباطنة، في كلِّ واحدٍ منها عجائبُ حكمِه، وغرائبُ صنعِه، ولطائفُ قوةٍ (^٢) لا يفي بها وصفُ واصفٍ، ولا يبلغها شرحُ شارحٍ.\nواحتجَّ به أبو حنيفة على أنَّ مَن غصب بيضة فأَفرخت عنده لزمَهُ ضمانُ البيضةِ لا الفَرْخ؛ لأنَّه خلقٌ آخرُ.\n﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾: فتعالى شأنُه في قدرته وحكمته.\n﴿أَحْسَنُ﴾ بدل أو خبرُ مبتدأ (^٣) محذوف، وليس بصفةٍ لأنَّه نكرةٌ وإنْ أُضِيفَ؛ لأنَّ المضاف إليه عوضٌ مِن (مِن) (^٤).\n﴿الْخَالِقِينَ﴾: المقدِّرين تقديرًا، فحذف المميِّز لدلالة ﴿الْخَالِقِينَ﴾ عليه.\nرُوي أنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللّه ﷺ، فنطق بذلك\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"ما بعدها\"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ٣٥).\n(^٢) \"قوة\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٣) في (ف): \"أو خبر لمبتدأ\".\n(^٤) في (ف): \"عوضُ مِن\". وهذا الذي ذكره المؤلف من منع النعت هو قول أبي البناء، وأجازه غيره على أن الإضافة محضة، فتقيده تعريفا إذا أضيف إلى معرفة. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ٣٧).","vol":"7","page":174},{"text":"قبل إملائه، فقال له (^١) رسول الله ﷺ: \"اكتب هكذا أنزلت\" (^٢)، قال عبدُ الله: إنْ كانَ محمَّد نبيًّا يُوحَى إليه فأنا نبيٌّ يُوحَى إليَّ، فلحقَ بمكَّة كافرًا، ثمَّ أسلم يومَ الفتح (^٣).\nوهذه الرواية غيرُ صحيحة؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ، وارتداده كان بالمدينة على ما اعترف به الرَّاوي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2688\"> </span>(١٥) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾: لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النَّعت الذي للثُّبوت دون اسم الفاعل، وقد قرئ به (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2689\"> </span>(١٦) - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ للمحاسبة والجزاء، ومعنى التَّراخي قد عُلم من الطرف، فإيراد أداته ليس لإفادته، بل لإيفاء حقِّ البلاغة.\n_________\n(^١) \"له\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ك): \"نزلت\".\n(^٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٧/ ٤٣)، وابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٢/ ٥٥) عن ابن عباس ﵄. قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٢/ ٤٠١): \"غريب\".\nوأصل القصة رواها أبو داود (٤٣٥٨)، والنسائي (٤٠٦٩)، ولفظه: \"عن ابن عباس قال: كان عبد الله ابن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله ﷺ \".\n(^٤) أي: (لمائتون). نسبت لزيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٣٨)، و\"البحر\" (١٥/ ٤٣٠).","vol":"7","page":175},{"text":"<span id=\"aya-2690\"> </span>(١٧) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سماوات؛ لأنَّ بعضَها طُورق فوقَ بعض مطارقةَ النَّعل، وكلُّ شيءٍ فوقه مثلُه فهو طريقُه (^١)، وأمَّا العرش والكرسي فليسا مِن الطَّرائق؛ لعدم المماثلة بينهما وبينها.\n﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ﴾: وما كنا عنها وعن حفظها وعن إمساكها أن تقع عليكم.\n﴿غَافِلِينَ﴾ وفي التَّعبير عنها بالخلق فضلُ مبالغة في تعظيم شأنها، وزيادة ﴿كُنَّا﴾ لاستمرار النَّفي، لا لنفي الاستمرار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2691\"> </span>(١٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾: بتقديرٍ تقتضيه الحكمة، أو بمقدارِ ما علمنا من صلاحهم.\n﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ فجعلناه ثابتًا مستقرًّا في الأرض أنهارًا وينابيع.\n﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾: على إزالته بالإفساد أو التَّصعيد أو التَّعميق بحيث يتعذَّر استنباطه.\n﴿لَقَادِرُونَ﴾ كما قدرنا على إنزاله.\nوفي تنكير ﴿ذَهَابٍ﴾ إيماءٌ إلى (^٢) كثرة طرقه وأنواعه، ومبالغةٌ في الإيعاد (^٣)،\n_________\n(^١) في (م): \"طريقة\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"على\".\n(^٣) قوله: \"في الإيعاد\" كذا في النسخ بالياء، ومثله في \"الكشاف\" (١٨٠/ ٣)، و\"البحر\" (١٥/ ٤٣٣). وجاء في \"تفسير البيضاوي\" مع حواشي كل من شيخ زاده والشهاب الخفاجي والقونوي: (في الإبعاد به) بالباء وعليه شرحوا، ومثله في \"تفسير أبي السعود\" (٦/ ١٢٨). وكلا اللفظين يحتملهما=","vol":"7","page":176},{"text":"وتعديتُه بالباء تأكيدٌ له، دالٌّ على ذهاب هو (^١) معه يمنعه من الظُّهور، ليس في الإذهاب ذلك، وهو في غاية البلاغة، وزعموا أنَّه ليس في قوله: ﴿إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] هذه المبالغة والبلاغة، وليس الأمر كما زعموا على ما تقف عليه في موضعه بإذن اللّه تعالى.\n﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ بالماء.\n﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنَّة.\n﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من غير الجنسَيْن المذكورين تتفكَّهون بها.\n﴿وَمِنْهَا﴾: ومن الجنَّات ثمارها وزروعها.\n﴿تَأْكُلُونَ﴾ تغذيًا (^٢)، أو: ترزقون وتحصِّلون معايشكم، من قولهم: فلان يأكلُ مِن حرفَتِه.\nويجوز أنْ يكون المراد: لكم في النَّخيل والأعناب أنواعٌ من الفواكه كالرُّطب والعنب والتَّمر والزَّبيب والبُسر والحصرم والدّبس والعصير وغير ذلك، ومنها طعامٌ تأكلونه.\n_________\n= السياق، لكن لم أجد من نبه على هذا، ولعلنا لو جمعنا بين اللفظين لم نُبعد؛ لأن في المبالغة بالإبعاد إيعاد لهم شديد، وقد أشار لهذا الآلوسي في درج كلامه معددًا وجوه أبلغية هذه الآية على آية الملك فقال: (تضمين الإيعاد هنا إيعادَهم بالإبعاد عن رحمة الله تعالى؛ لأن ذهب به يستلزم مصاحبة الفاعل المفعولَ، وذهاب الله تعالى عنهم مع الماء بمعنى ذهاب رحمته سبحانه عنهم ولعنهم وطردهم عنها).\n(^١) في (ف): \"وهو\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"تغديًا\"، وفي (م): \"تعديًا\"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٨٤).","vol":"7","page":177},{"text":"<span id=\"aya-2693\"> </span>(٢٠) - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾.\n﴿وَشَجَرَةً﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وقُرِئَتْ بالرَّفع على الابتداء (^١)؛ أي: وممَّا أنشئ لكم به شجرةٌ.\n﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾: جبل موسى ﵇؛ إمَّا اسمٌ مركَّبٌ من المضاف والمضاف إليه كامرئ القَيس، وإمَّا اسمٌ مضافٌ إلى بقعة اسمُها سيناء، فمَن وكسر سينَ ﴿سَيْنَاءَ﴾ (^٢) منعَه من الصَّرف للتَّعريف والعجمة، أو التَّأنيث على تأويل البقعة، لا للألف؛ لأنَّ ألف (فِعلاء) ليسَتْ للتأنيث؛ فإنَّه (فِيعال) - كديماس - من السَّناء بالمد وهو الرِّفعة، أو بالقصر وهو النُّور، أو ملحق بـ (فِعلال) من السِّين (^٣)؛ كعِلباء وحِرباء، ومَن فتح السِّين منعه لألف التَّأنيث كصحراء.\n﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ في موضع الحال؛ أي: تنبتُ ملتبِسةً بالدُّهن، ويجوز أن تكون الباء للتَّعدية كما في قولك: ذهبت بزيد، ويؤيِّده قراءة ابن مسعود ﵁: (تُخرجُ الدُّهنَ وصبغَ الآكلين) (^٤).\nوقرئ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ من الإثبات (^٥)، وهو إما من أَنْبتَ بمعنى نبَتَ، وأصلُه: دخلَ في النَّبات، وإمَّا حذف مفعوله؛ أي: تُنبِتُ زيتونَها ملتبِسًا بالدُّهن.\n_________\n(^١) نسبت لعاصم ونافع في رواية، والمشهور عنهم النصب كالجماعة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧).\n(^٢) قرأ الكوفيون وابن عامر بفتح السين وباقي السبعة بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).\n(^٣) \"من السين\"؛ أي: من هذه المادة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣٢٥).\n(^٤) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧)، و\"الكشاف\" (٣/ ١٨١) والكلام منه.\n(^٥) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).","vol":"7","page":178},{"text":"وقرئ على البناء للمفعول (^١)، وهو كالأوَّل.\n﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ معطوف على ﴿بِالدُّهْنِ﴾ جارٍ على إعرابه، عُطف أحدُ وصفَي الشَّيء على الآخر؛ أي: تنبتُ بالشَّيء الجامع بين كونه دُهنًا يُدهَن به ويُسرَج منه وكونه إدامًا يُصبَغ (^٢) فيه الخبز؛ أي: يغمس فيه للائتدام.\nوقرئ: (وصِباغٍ) (^٣) كدِباغٍ في دِبْغٍ.\nوإنَّما خصَّ الأنواع الثَّلاثة بالذِّكر مِن بين الثِّمار لأنَّها أكرم الشَّجر وأفضلها وأجمعها للمنافع؛ فإنَّ النَّخل والعنب يجمعان التَّفكُّه والتَّغذِّيَ، والزَّيتونَ يجمع الاصطباخ والاصطباغ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2694\"> </span>(٢١) - ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ تعتبِرون بها، وتستدلُّون بها.\n﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من الألبان على ما نُصَّ عليه في سورة النَّحل، استئنافٌ لبيان العِبرةِ.\n﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ سوى الألبان.\n﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فتنتفعون بأعيانها.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لعامر بن قيس. انظر: \"المختصر في شواذ القراءت\" (ص: ٩٧).\n(^٢) في (م): \"يصطبغ\".\n(^٣) نسبت لعامر بن عبد الله. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧).","vol":"7","page":179},{"text":"<span id=\"aya-2695\"> </span>(٢٢) - ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.\n﴿وَعَلَيْهَا﴾ في البَرِّ ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحرِ ﴿تُحْمَلُونَ﴾ في أسفاركم، وقد غلب استعمال الأنعام في الإبل، ولذلك قُرِنَتْ بالفُلْكِ لأنَّها سفائن البَرِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2696\"> </span>(٢٣) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فقصَّتُه وسائر القِصَص مسوقٌ لبيان الكفران مِن النَّاس النِّعمَ المتلاصقة حتى ابتُلوا بزوالها.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾: معبودٍ ﴿غَيْرُهُ﴾ بالرفع على المحلِّ، وبالجر على اللَّفظ (^١).\nوالجملة (^٢) استئنافٌ يجري مجرى التَّعليل للأمر بالعبادة.\n﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافون أن يزيل نعمَه عنكم (^٣) ويهلكَكم بعذابه برفضكم عبادته بعبادة غيره، وكفرانكم نعمَه التي لا تحصونها.\nوالهمزة الدَّاخلة على الفاء لا (^٤) لإنكار التَّعقيب، بل لتعقيب الإنكار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2697\"> </span>(٢٤) - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.\n_________\n(^١) قرأ الكسائي بالجر، وباقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).\n(^٢) \"والجملة\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ك) و(م): \"عنكم نعمه\".\n(^٤) كلمة: \"لا\"، سقطت من النسخ لكنها كتبت في (ي) فوق همزة \"الفاء\" استدراكًا.","vol":"7","page":180},{"text":"﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾: الأشرافُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ قد سبق في تفسير سورة الأعراف وجهُ توصيف الملأ بهذا الوصف.\n﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كنايةٌ على زعمهم عن نفي الرِّسالة عنه.\n﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: أنْ يطلبَ الفضلَ ويترفَّعَ عليكم بالرِّئاسة.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يرسل رسولًا ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ رسلًا.\n﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ بكون البشر رسولًا، أو بنوحٍ ونبوَّته، أو بما يأمرهم من تخصيص اللّه تعالى بالعبادة ونفيِ كلِّ مَن دونه مِن الآلهة، أي (^١): بمثل هذا الكلام، وذلك لكونهم في فترة متطاولة، أو لعنادهم وانهماكهم في الغيِّ، فتكذَّبوا (^٢) في ذلك لأنْ يدفَعوا الحقَّ بما أمكنهم، ولهذا جنَّنوه حيث قالوا:\n\n<span id=\"aya-2698\"> </span>(٢٥) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾.\n﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ مع علمهم أنَّه أرجحُ النَّاس عقلًا. والجِنَّةُ: الجنون.\n﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾: فانتظروا ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: هو مجنون فلا تعجلوا في عقوبته، بل دعوه إلى مدَّة؛ فإمَّا أن يموت، أو يرجع عن هذا، أو تفعلون به ما شئتم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2699\"> </span>(٢٦) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم بإهلاكهم وبإنجاز ما وعدتهم من العذاب.\n﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم إيَّايَ، أو: بدل تكذيبهم إيَّايَ.\n_________\n(^١) في (ف): \"أو\".\n(^٢) في (ف): \"فكذبوا\"، وفي (ك) و(م): \"فيكذبوا\"، والمثبت من (ع) و(ي).","vol":"7","page":181},{"text":"<span id=\"aya-2700\"> </span>(٢٧) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\n﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾؛ أي: أجبنا دعاءه فأوحينا إليه.\n﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ مبالغةً في الحفظ، كان معه من اللّه تعالى حُفَّاظ (^١) يحفظونه بعيونهم لئلا يُفْسِدَ عليه مفسدٌ عملَه.\n﴿وَوَحْيِنَا﴾: وأمرنا وتعليمنا كيف يصنع.\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾: عذابُنا، والمراد من مجيئه: ظهورُ طليعته، وهو (^٢) فوران الماء مِن التَّنور، وإنما قال:\n﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ مبالغةً، أخرجَ سبَبَ (^٣) الغرقِ مِن موضعِ الحَرقِ؛ ليكونَ أبلغ في الإنذار والاعتبار.\nروي أنَّه قيل لنوح ﵊: إذا رأيْتَ الماء يفور مِن التَّنور فاركب أنت ومَن معك في السَّفينة، فلمَّا نبعَ الماء مِن التَّنور أخبرتْهُ امرأتُه فركِبَ (^٤).\n﴿فَاسْلُكْ﴾: فأدخل ﴿فِيهَا﴾ سلك يجيء لازمًا ومتعدِّيًا، وجاء: أَسْلكه، بالنَّقل مِن اللَّازم.\n_________\n(^١) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): \"حفّاظا\".\n(^٢) في (ك): \"وهي\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"بسبب\"، والمثبت من (ع) و(ي) و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٦٥).\n(^٤) روى الطبري نحوه في \"تفسيره\" (١٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥) عن ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد.","vol":"7","page":182},{"text":"﴿مِنْ كُلٍّ﴾ بالتَّنوين؛ أي: مِن كلِّ أمَّةٍ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ تأكيدٌ، وبالإضافة (^١)؛ أي: مِن كلِّ أمَّتي الذَّكر والأنثى واحدَيْن مزدوجَين.\n﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: أهلَ بيتك ومَن آمنَ معك.\n﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾؛ أي: القولُ من اللّه بهلاكه بكفره، وإنَّما جيء بـ (على) لأنَّ السَّابق ضارٌّ، كما جيء باللَّام حيث كان نافعًا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١].\n﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن أهلِك، وهذا يأبى عن تخصيص تفسيره بمَن آمنَ.\n﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهذا نهيٌ عن الدُّعاء لهم بالإنجاء على وجهٍ أبلغ، ومَن خصَّ الخطاب بالدُّعاء فقد أخلَّ بحقِّ البلاغة.\nجعل النَّهي عن الدُّعاء معلَّلًا بالظُّلم، فلذلك وضع الموصول مع الصِّلة موضع الضَّمير، ولم يقل: ولا تخاطبني فيهم؛ إيماءً إلى العلَّة.\nولَمَّا لوَّح إلى (^٢) أنَّ الحكمة تقتضي هلاك الظَّالم استأنفَ قوله:\n﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ بالتَّأكيد؛ أي: لا محالةَ لظلمهم بالإشراك والمعاصي؛ ثمَّ بالغ في ذلك بأمره بالحمد على هلاكهم والنَّجاةِ منهم عُقَيْبَ النَّهي عن الدُّعاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2701\"> </span>(٢٨) - ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾: فإذا تمكَّنتم عليها راكبين.\n_________\n(^١) أي: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ قراءة السبعة عدا حفص فقرأ بتنوين اللام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٤).\n(^٢) \"إلى\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"7","page":183},{"text":"﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أمرَهُ بالحمد على نجاته ونجاة مَن معه؛ إشارة إلى أنَّ نجاةَ أتباعه أيضًا نعمةٌ جليلةٌ في حقِّه، وامتنانًا بها أيضًا، ولو قال: (فقولوا) لم يحصل هذا المعنى.\nوأيضًا كبرياء الرُّبوبيَّة يقتضي أنْ (^١) لا يترقَّى إلى الخطاب بحضرتها إلَّا نبيٌّ مثله (^٢)، وأنَّ (^٣) كلامه يغني عن كلامِهم، ولا يستأهل الإجابة إلا مثلُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2702\"> </span>(٢٩) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.\n﴿وَقُلْ رَبِّ﴾ لَمَّا نهاه عن الدُّعاء لإنجائهم أمرَه بدعاء هو أهمُّ وأنفعُ؛ وهو أنْ يُنزلَ منزلًا مباركًا.\n﴿أَنْزِلْنِي﴾ في الأرض من السَّفينة، لا في السَّفينة؛ لأنَّه عَبَّرَ عنه سابقًا بعبارة تدُّل على الصُّعود، وقد حصل الفراغ عنه وعن إظهار الامتنان بما ترتَّب عليه مِن نعمةِ النَّجاة.\n﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾: يُبارَك لي فيه، ويتسبَّب لزيادة خير الدَّارَيْن.\nوقرئ: ﴿مُنْزَلًا﴾ (^٤) بمعنى إنزالًا، أو موضعَ إنزال.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثناءٌ مطابقٌ لمسألته، أمرَه بأن يُشفِعَه بها مبالغةً فيها وتوسُّلًا\n_________\n(^١) في (ف): \"لأن\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"من مثله\" بدل \"نبي مثله\".\n(^٣) في (ف): \"وإن كان\".\n(^٤) وهي قراءة أبي بكر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).","vol":"7","page":184},{"text":"به إلى الإجابة، إنَّما أمرَه بالقولَيْن المذكورَيْن لا بالحمد والدُّعاء تعليمًا (^١) لطريقهما، وإظهارًا لفضيلة الحمد والدُّعاء (^٢) بالعبارَتَيْن المذكورَتَيْن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2703\"> </span>(٣٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ فيما فُعِلَ بنوحٍ وقومِه.\n﴿لَآيَاتٍ﴾ يَستدلُّ بها وَيعتَبِر أولو الاستبصار والاعتبار.\n﴿إِنَّ﴾ هي المخفَّفة مِن الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة بينها وبين النَّافية، والمعنى: إنَّ الشَّأن والقصَّة.\n﴿كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ لمختَبِرين بهذه الآيات عبادَنا لننظر مَن يعتبر ويذَّكَّر؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥].\nوقيل: لمصيبين قومَ نوحٍ ببلاءٍ عظيمٍ. وليس في الإخبار به كثيرُ فائدةٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2704\"> </span>(٣١) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾: عادًا قوم هود ﵇؛ لقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]- فإنَّه قولُ هود ﵇ لا قولُ صالح ﵇ ومجيءِ قصة هود على (^٣) إثر قصَّة نوح ﵉ في سورة الأعراف وهود والشُّعراء.\n_________\n(^١) في (م): \"تعظيما\".\n(^٢) \"تعليمًا لطريقهما وإظهارًا لفضيلة الحمد والدعاء\" سقط من (ك).\n(^٣) \"على\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"7","page":185},{"text":"<span id=\"aya-2705\"> </span>(٣٢) - ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾؛ أي: بين ظهرانيهم وفي زمرتهم، ولم يأتهم مِن موضِعٍ آخر.\n﴿رَسُولًا﴾ التَّنكير للتَّعظيم ﴿مِنْهُمْ﴾: مِن قبيلَتِهم.\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (أنْ) مفسِّرة لـ (أرسلنا)؛ أي: قلنا لهم على لسان الرَّسول: اعبدوا اللّه.\n﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عذابَه، وإدخال الهمزة على الفاء لإنكار عدم التَّقوى بعد العلم بأنَّه لا إله لهم غيره.\nوفيه تنزيلٌ لهم منزلةَ العالم به؛ لتمكُّنهم مِن العلمِ به، وتنبيهٌ على ظهور الدِّلالة على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2706\"> </span>(٣٣) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لَمَّا تضمَّن ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ معنى القَول عطفَ عليه قولهم بالواو (^١)؛ أي: اجتمع في الحصول ذاك (^٢) الحقُّ وهذا الباطلُ.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء، يعني: بالبعث.\n﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾: ونعَّمناهم ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة الأموال والأولاد:\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م) و(ع): \"هذا هو الوجه لا ما ذكر القاضي من عدم اتِّصال كلامهم بكلامه؛ لأنَّه إنَّما يصلح وجهًا لعدم التَّصدير بالفاء، لا للتَّصدير بالواو؛ لبقاء احتمال الفصل على الاستئناف. منه\".\n(^٢) في (ف): \"ذلك\".","vol":"7","page":186},{"text":"﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ في الحال والصَّفة.\n﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ تقريرٌ للمماثلة، ولذلك تُرِكَ في قصَّة نوح ﵇ لترك فيد المماثلة.\nو(ما) خبريَّة، وحذف العائد إلى الثَّاني لدلالة ما قبلَه، أو لشياع حذف المنصوب؛ أي: تشربونه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2707\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ فيما يأمركم به وينهاكم عنه.\n﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ واقعٌ في جزاء الشَّرط، وجوابٌ للذين قاولوهم مِن قومهم.\n﴿لَخَاسِرُونَ﴾ بالانقياد لمثلكم، ومن حمقهم أنَّهم (^١) أبَوا اتِّباع أمثالهم وعبدوا أعجزَ منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2708\"> </span>(٣٥) - ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.\n﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ لَمَّا كان كونه ترابًا معلومًا بطريق العقل وكونُهم عظامًا مشاهَدًا معلومًا بطريق الحسِّ، كان الثَّاني أشدَّ دفعًا في الاستبعاد عندَ العامَّة، فلذلك أخَّره، بل نقول: لولا مشاهدة العظام لكان الوهم يعارض العقل في كونه ترابًا، فهو كالتَّتميم للأوَّل، ولذلك تراه يُذكَرُ مؤخَّرًا في جميع المواضع.\n﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من العدم إلى الوجود تارةً أخرى.\n_________\n(^١) \"أنهم\" ليست في (ف).","vol":"7","page":187},{"text":"وثنَّى ﴿أَنَّكُمْ﴾ للتَّأكيد، وحَسُنَ ذلك لطول الفصل بين الأوَّل والثَّاني، و﴿مُخْرَجُونَ﴾ خبرٌ عن الأوَّل، و﴿إِذَا﴾ لمجرَّد الظَّرفيَّة، أو محذوف الجواب لدلالة (أنَّ) مع اسمها وخبرها عليه.\nأو (^١) ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ مبتدأ خبره الظَّرف، والجملة خبر (أنَّ) الأولى؛ أي: أنكم إخراجكم إذا متم، أو مرفوع بفعل مقدَّر هو جواب الشَّرط، والشرطيَّة خبر؛ أي: أنكم إذا متم وقعَ إخراجكم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2709\"> </span>(٣٦) - ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾.\n﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ من أسماء الأفعال، واقعٌ موقع بَعُدَ، وفاعلها مُضمَر؛ أي: بَعُدَ التَّصديق أو الوقوع، واللَّام في:\n﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ للبيان، كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، كأنَّهم لَمَّا صوَّتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما الذي له هذا الاستبعاد؟ قالوا: لما توعدون.\nأو فاعلها ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ واللَّام زائدة؛ أي: بَعُدَ ما توعَدُون مِن البعثِ.\nوقيل: ﴿هَيْهَاتَ﴾ بمعنى: البُعْدُ، وهو مبتدأٌ خبرُه ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾.\nوقرئ بالفتح منوَّنًا للتَّنكير (^٣)، وبالضَّمِّ منونًا على أنَّه جمع هيهةٍ، وغيرَ منوَّنٍ\n_________\n(^١) في (ك) و(م) و(ع): \"و\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٨٧).\n(^٣) نسبت لخالد بن إلياس، ولهارون عن أبي عمرو. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٤٣)، و\"زاد المسير\" (٣/ ٢٦١).","vol":"7","page":188},{"text":"تشبيهًا بـ (قبلُ)، وبالكسر على الوَجهَيْن (^١)، وبالسُّكون على لفظ الوقف (^٢)، وبإبدال التَّاءِ هاءً (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2710\"> </span>(٣٧) - ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.\n﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أصله: إنِ الحياةُ إلَّا حياتُنا الدُّنيا، فوضع ﴿هِيَ﴾ موضعَ (الحياة) لدلالة الخبر عليها؛ حذرًا عن التِّكرار، وإشعارًا بأنَّ تعيينها مغنٍ عن التَّصريح، كقوله:\nهي النَّفسُ ما حَمَّلتَها تَتحمَّلِ (^٤)\nوالمعنى: لا حياةَ إلَّا هذه الحياة الدُّنيا؛ لأنَّ (إنْ) النَّافية دخلَتْ على (هي) التي بمعنى الجنس، فوازنت (لا) التي لنفي الجنس.\n﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يموت منَّا بعضٌ ويُولَد بعضٌ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعدَ الموتِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2711\"> </span>(٣٨) - ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) قرأ بالكسر بلا تنوين أبو جعفر المدني. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٢٨).\n(^٢) أي: (هيهاتْ هيهاتْ). نسبت لخارجة بن مصعب وأبو حيوة والأحمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٧). وانظر كل ما ذكر من قراءات في \"الكشاف\" (٣/ ١٨٦).\n(^٣) وقف الكسائي والبزي بالهاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ٦٠).\n(^٤) صدر بيت لعلي بن الجهم. انظر: \"ديوانه\" (ص: ١٦٢)، و\"روضة العقلاء\" (ص: ١٤٥)، و\"معجم الشعراء\" (ص: ٤٤)، وعجزه:\nوللدَّهْرِ أيَّامٌ تجورُ وتعدِلُ","vol":"7","page":189},{"text":"﴿إِنْ هُوَ﴾: ما هو ﴿إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ فيما يدَّعيه مِن إرساله (^١)، وفيما يعدنا مِن البعث، والمفتري قد يكون صادقًا في نفسه، ويكون الكذب في نسبته إلى المفترى عليه، فقوله:\n﴿كَذِبًا﴾ لدفع هذا الاحتمال، وهذا غاية الضَّلال.\n﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾: بمصدِّقين، وتقديم ﴿لَهُ﴾ للمحافظة على الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2712\"> </span>(٣٩) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم، وانتقم لي منهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ قد سبق تفسيره.\nفأجاب اللّه ﵎ حيث:\n\n<span id=\"aya-2713\"> </span>(٤٠) - ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (عن) يتعلَّق بـ (يصبحُنَّ)، و(ما) زائدة لتوكيد معنى القلَّة، أو بمعنى شيء، أو زمن، و﴿قَلِيلٍ﴾ صفةٌ له، وجواب القسم المحذوف.\n﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ على ما فعلوا إذا عاينوا ما يحلُّ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2714\"> </span>(٤١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: العقوبةُ الهائلةُ، لا صيحةُ جبريل ﵇ وعلى إخوانه من الملائكة والنَّاس؛ لِمَا عرفْتَ أنَّ القصَّة قصَّة هود ﵇ وعلى إخوانه (^٢)، لا قصَّةُ صالح ﵇.\n_________\n(^١) في (ف): \"الرسالة\".\n(^٢) \"وعلى إخوانه\" ليست في (ف).","vol":"7","page":190},{"text":"﴿بِالْحَقِّ﴾ باستحقاقهم ذلك، أو: بالوجه الثَّابت الذي لا دافع (^١) له، أو: بالعدل من اللّه ﵎، أو: بالوعد (^٢) الصِّدق.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ شبَّههم في دمارهم بالغُثاء، وهو حميل السَّيل ممَّا بَلِيَ واسودَّ من الورق والعيدان، وهذا التَّشبيه يناسب حال قوم هود ﵇.\n﴿فَبُعْدًا﴾ مصدر بَعُدَ: إذا هلك، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يُستعمل إظهارها.\nواللَّام في:\n﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لبيان مَن دُعِيَ عليه بالبُعْدِ، ووُضع الظَّاهر موضع المضمر (^٣) للتَّعليل، ويحتمِل الإخبارَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2715\"> </span>(٤٢) - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2716\"> </span>(٤٣) - ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.\n﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ﴾ مزيدةٌ للاستغراق ﴿أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾: الوقتَ الذي عُيِّنَ لهلاكها وكُتِبَ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"دفع\".\n(^٢) في (ف): \"بالوعيد\".\n(^٣) في (ك): \"الضمير\".","vol":"7","page":191},{"text":"﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ الأجلَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2717\"> </span>(٤٤) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فَعْلى، والألف للتَّأنيث؛ لأنَّ الرُّسل جماعة.\nوقرئ: ﴿تَتْرَى﴾ بالتَّنوين (^١) على أنَّه مصدر بمعنى المتواترة وقع حالًا، والتَّاء بدل من الواو كما في تَوْلَج وتَيْقُور (^٢)؛ أي: متواترين واحدًا بعد واحدٍ، مِن الوتر، وهو الفرد.\n﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أضاف الرُّسل مع الإرسال إلى المرسَل ومع المجيء إلى المرسَل إليهم؛ لأنَّ مبدأ الإرسال (^٣) منه ومنتهى المجيء إليهم، فالرَّسول يلابسُهما (^٤) جميعًا، فتصحُّ إضافتُه إليهما.\n﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾: فأتبعنا بعضَ الأمم أو القرون ﴿بَعْضًا﴾ في الإهلاك.\n﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ﴾: أخبارًا يُسْمَر بها، ويُتعجَّب منها.\nوالأحاديثُ تكون اسمَ جمعٍ للحديث، ومنه أحاديث الرَّسول عليه\n_________\n(^١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).\n(^٢) التَوْلَجُ: كِناسُ الوحِش الذي يَلِجُ فيه. التاء مبدلة من الواو، وهو فوعل لأنك لا تكاد تجد في الكلام تفعل اسمًا. والتَّيْقورُ: الوقارُ، وأصلُه ويقور، قلبت الواو تاء. انظر: \"الصحاح\" (مادة: ولج، وقر).\n(^٣) في (ف): \"الرسالة\".\n(^٤) في (م): \"ملابسهما\".","vol":"7","page":192},{"text":"السلام، وتكون جمعًا للأحدوثة، وهي ما يتحدَّث به النَّاسُ تلهِّيًا وتعجُّبًا، وهو المراد هنا.\n﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ﴾: سبق تفسيره آنفًا ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2718\"> </span>(٤٥) - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ للإشعار بأنَّ إرساله ﵇ كان تَبعًا لموسى ﵇، تعرَّض لأخوَّته له، ونزَّل ذلك الوصفَ منزلةَ الأصل، حيث جعل اسمه بدلًا عنه.\n﴿بِآيَاتِنَا﴾ بالآيات التِّسع.\n﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ وحجَّةٍ واضحةٍ تظهِرُ بُطلانَ المخالِف، ويجوز أنْ يُراد به العصا، وإفرادُها بالذِّكرِ لأنَّها أمُّ المعجزات وأُولاها، وتعلَّقَتْ بها معجزاتٌ شتَّى كما ذكر، كأنَّها (^١) ليست بعضَها لِمَا استندت به من الفضل، ويجوز أنْ يُرادَ الآياتُ أنفسها؛ لأنَّها آياتٌ وحجَّةٌ بيِّنةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2719\"> </span>(٤٦) - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ لاستخلاص بني إسرائيل عن أيديهم على ما أفصح عنه في سورة الشعراء، حيث قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٦، ١٧] أي: خلِّهم يذهبوا معنا إلى الشَّام.\n_________\n(^١) في (ف): \"كما إذا ذكر أنها\"، وفي (ك): \"كما ذكر أنها\".","vol":"7","page":193},{"text":"﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن تصديقِهما في الرِّسالة المذكورة، وعن الائتمار بأمرِهما، لا عن المتابعة؛ لأنهما ﵉ لم يَدْعوهم إليها، دلَّ على ذلك قولهما: خلِّهم يذهبوا معنا إلى الشَّام.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾: متكبرين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2720\"> </span>(٤٧) - ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾.\n﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾: أنذعَنُ وننقادُ ﴿لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ البَشرُ اسم الجنس، كما يُطلَق على الجمع كقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، يُطلَق على الواحد كقوله: ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وبهذا الاعتبار يثنَّى.\nو(مثْل) كغير: يُوصَفُ به الاثنان والجمع، والمذكَر والمؤنَّث، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، ويقال أيضًا: هما مثلاه، وهم أمثالهم.\n﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني: بني إسرائيل.\n﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ على الحقيقة، كأنَّه كان يدَّعي الإلهيَّة فادَّعى للنَّاس العبادةَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2721\"> </span>(٤٨) - ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2722\"> </span>(٤٩) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.","vol":"7","page":194},{"text":"﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ بعدَ إهلاكِهم ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التَّوراةَ.\nلَمَّا كان إيتاؤه موسى ﵇ في حكم إيتائه قومه قال:\n﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يعملون بشرائِعِها ومواعظها؛ فإنَّ الاهتداءَ بالكتبِ الإلهيَّةِ إنَّما يحصل بالعملِ بما فيها، لا بعلْمِها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2723\"> </span>(٥٠) - ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عَبَر عنه بكنيته دون اسمه؛ لما فيها من الإشارة إلى وجه كونه آية، وهو ولادته مِن غير أب، وذلك أنَّ الأصل في النَّسب هو الأب، فلا يُعدَلُ عنه إلَّا عندَ فقدِه.\n﴿وَأُمَّهُ آيَةً﴾ بولادتها إيَّاه من غير مسيسٍ، فهما معًا آيةٌ واحدةٌ.\nأو: وجعلنا ابنَ مريم آيةً بأنْ تكلَّم في المهد وظهرَتْ منه معجزاتٌ أُخَر، وأمَّه آيةً بأنْ ولدَتْ مِن غيرِ مَسيسٍ، فحذف الأولى لِدلالةِ الثَّانية عليها.\n﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾: هي الأرضُ المرتفعة، قيل: هي بيت المقدس، وقيل غيره.\n﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾: مستقرٍّ مِن أرضٍ منبسطةٍ، وقيل: ذات ثمارٍ وزروعٍ، فإنَّ ساكنيها يستقرُّون فيها لأجلها.\n﴿وَمَعِينٍ﴾ المَعينُ الماءُ الجاري على وجه الأرض، مفعول مِن عَانَه: إذا أدركه بالعَيْن، نحو رَكَبَهُ: إذا ضربَه بالرُّكْبَةِ؛ أي: يُدْرَكُ بالعَيْن لظهوره، فميمه على هذا زائدة.","vol":"7","page":195},{"text":"أو فعيل مِن مَعَنَ الماء: إذا جرى، وأصله: الإبعاد في الشَّيء، أو مِن الماعون الذي هو المنفعة؛ أي: نفَّاع، فميمُه أصليَّةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2724\"> </span>(٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ هذا النِّداءُ والخطاب ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أُرْسِلوا متفرِّقين في أزمنةٍ مختلفةٍ، وإنَّما المعنى الإعلام بأنَّ كلَّ رسولٍ في زمانِه نُودِيَ لذلك ووصِّي به؛ ليعتقد السَّامع أن أمرًا نودي له جميع الرُّسل ووُصُّوا به حقيقٌ أنْ يُؤْخَذ به ويُعْمَل عليه، أو خطابٌ لمحمَّدٍ ﵊ لفضله وقيامه مقامَ الكلِّ في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى ﵇ لاتِّصال الآيةِ بِذِكْرِه، وكان يأت مِن غَزْل أمِّه، وهو أطيب الطَّيِّبات.\nوالمراد بـ ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: ما (^١) حل، والأمرُ للتَّكليف، أو: ما يُستطَابُ ويُستَلَذُّ، والأمرُ للتَّرفيه (^٢) والإباحة، ومع الاحتمال لا يتمُّ الاحتجاج به على الرَّهبانيَّة (^٣) في رفض الطَّيِّباتِ بالمعنى الثاني.\n﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: موافقًا للشريعة.\n﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم على أعمالكم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"مما\".\n(^٢) في (ك): \"للتنزيه\".\n(^٣) في (ك): \"الرهابنة\".","vol":"7","page":196},{"text":"<span id=\"aya-2725\"> </span>(٥٢) - ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.\n﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح (^١) بمعنى: ولأنَّ، والمعلَّل ﴿فَاتَّقُونِ﴾، أو هو معطوف على ما قبله؛ أي بما تعملون عليم وبأنَّ هذه، أو تقديره: واعلموا أن هذه.\nوقرئ بالتَّخفيف (^٢).\n﴿أُمَّتُكُم﴾: مِلَّتكم وطريقَتكم.\n﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ في أصول الشَّرائع والمعتقدات، أو: جماعتكم جماعة واحدة متِّفقة في التِّوحيد والإيمان، ونصبُها على الحال.\n﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ وحدي ﴿فَاتَّقُونِ﴾ في شقِّ العَصا ومخالفة الكلمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2726\"> </span>(٥٣) - ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.\n﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ تقطَّع بمعنى قطَّع، والضَّمير لِمَا دلَّ عليه (الأمَّة) مِن أربابها، أو لها.\n﴿أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: ما أُمِروا به مِن الشَّرائع والأحكام.\n﴿زُبُرًا﴾: جمع زبور؛ أي: كُتُبًا مختلفة؛ يعني: جعلوا دينهم أديانًا، وقيل: تفرَّقوا في دينهم كلٌّ ينتحل (^٣) كتابًا.\n_________\n(^١) وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).\n(^٢) بتخفيف النون مع فتح الهمزة قراءة ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"سجل\"، وفي (م): \"مسجد\". والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٧٢)، والكلام منه، ولفظه: \"تفرقوا في دينهم فرقًا كل فرقة تنتحل كتابًا\".","vol":"7","page":197},{"text":"وعن الحسن: قطَّعوا كتابَ الله قطعًا (^١).\nويؤيده قراءة: (زُبَرًا) بفتح الباء (^٢)، جمع زُبْرةٍ مستعارة من زُبَر الحديد، ويجوز أن يكون حالًا من ﴿أَمْرَهُمْ﴾، أو من الواو.\n﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: كلُّ فرقةٍ مِنْ فِرَقِ هؤلاء المختلفين المتقطِّعين دينهم.\n﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ مِن الكتاب والدِّين، أو مِن الهوى والرَّأي.\n﴿فَرِحُونَ﴾: معجبون معتقدون أنَّهم على الحقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2727\"> </span>(٥٤) - ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾.\n﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: في جهالتهم، شبَّهها في غلبتها عليهم بالماء الذي يَغْمُرُ القامةَ؛ لأَنَّهم مغمورون فيها، أو شُبِّهوا باللَّاعبين في غمرةِ الماءِ؛ لِمَا هم عليه مِن الباطل.\n﴿حَتَّى حِينٍ﴾ إلى أن يُقتلوا أو يموتوا (^٣). سُلِّيَ به رسول اللّه ﷺ، ونُهي عن الاستعجالِ بعذابِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2728\"> </span>(٥٥) - ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾.\n﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾: أنَّ ما نعطيهم ونجعله مددًا لهم ﴿مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بيانٌ\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٧٢). وروى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٧/ ٦٢ - ٦٣) عن مجاهد.\n(^٢) نسبها الداني في \"جامع البيان\" لابن عامر (٢/ ٣٠٣) لكن بخلاف بين أصحاب هشام راوية ابن عامر، ونسبت لأبي عمرو في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٩).\n(^٣) في (م): \"ويموتوا\".","vol":"7","page":198},{"text":"لـ (ما) لا خبرٌ له، فإنَّه غيرُ مُعابٍ عليه، وإنَّما المعاب عليه اعتقادهم أنَّ ذلك خيرٌ لهم، فخبرُه:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2729\"> </span>(٥٦) - ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ والعائد مِن خبر (أنَّ) إلى اسمها محذوفٌ؛ أي: نسارع لهم به، والمعنى: إنَّ هذا الإمداد ليس إلَّا استدراجًا لهم إلى المعاصي، وهم يحسبونه مسارعةً لهم في الخيرات، ومعاجلةً بالثَّواب جزاءً على حُسن صنيعهم، ويجوز أن يُراد: في جزاء الخيرات كما يُفعل بأهل الخير من المسلمين.\n﴿بَلْ﴾ إضراب عمَّا يحسبونه.\n﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بل (^١) هم أشباهُ البهائم، لا فِطنةَ بهم ولا شعور حتى يتأمَّلوا ويتفكَّروا (^٢) في ذلك، فيعلموا أنه استدراجٌ لا مسارعةٌ في الخير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2730\"> </span>(٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ الخشيةُ: خوفٌ يَشوبُه التَّعظيمُ.\n﴿مُشْفِقُونَ﴾: قاضُون لحقِّ الهيبة والعظمة على حذرٍ ورقْبَةٍ. والإشفاقُ: خوفٌ معَ اعتناءٍ.\n* * *\n_________\n(^١) \"بل\" سقط من (ف).\n(^٢) في (ك): \"أو يتفكروا\".","vol":"7","page":199},{"text":"<span id=\"aya-2731\"> </span>(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ المنصوبة والمنزَّلة.\n﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون مدلولَها ونزولَها مِن عند اللّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2732\"> </span>(٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ شركًا جليًّا ولا خفيًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2733\"> </span>(٦٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ يعطون ما أعطوه من الصَّدقات. وقرئ: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ (^١)؛ أي: يفعلون ما فعلوه مِن الطَّاعات.\n﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أنْ لا يُقبلَ منهم، وأنْ لا يقعَ على الوجه اللَّائق فيؤاخَذوا به.\nوالوَجَلُ: اضطرابُ النَّفسِ لتوقُّعِ ما يُكْرَه (^٢).\n﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ لأنَّ مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يخفى عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2734\"> </span>(٦١) - ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾: يرغبون فيها أشدَّ الرَّغبةِ فيبادرونها، والأحسنُ طباقًا لِما تقدَّم والأشدُّ وِفاقًا له أنَّ المعنى: أنَّهم يسارعون في نيل الخيرات\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨)، و\"المحتسب\" (٢/ ٩٥).\n(^٢) في (م): \"لتوقع مكروه\".","vol":"7","page":200},{"text":"الدُّنيويَّة ويتعجَّلون في الدُّنيا المنافع ووجوه الإكرام؛ لأنَّهم إذا سُورِعَ بها لهم فقد سارعوا في نيلها وتعجَّلوها؛ لقوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨]؛ لأنَّ فيه إثباتَ ما نُفِيَ عن الكفَّار للمؤمنين.\n﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ أي: لأجلها فاعلون السَّبْقَ، أو: سابقون النَّاس لأجلِها، أو: إيَّاها سابقون؛ أي: ينالونها قبلَ الآخرة، حيث عُجِّلَتْ لهم في الدُّنيا.\nحال من فاعل ﴿يُسَارِعُونَ﴾، أو عطف على ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ﴾ عطفَ الجملة على الجملة، ﴿لَهَا﴾ صلة ﴿سَابِقُونَ﴾، أو علته (^١)، أو خبر (هم)، و﴿سَابِقُونَ﴾ خبرٌ بعدَ خبرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2735\"> </span>(٦٢) - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: قَدْرَ طاقتها، يريد به التَّحريض على ما وصفَ به الصَّالحين وتسهيله على السَّامعين.\n﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ أي: ما عملوه غيرُ ضائعٍ، بل مثبَت في كتابٍ؛ أي: اللَّوحِ، أو صحيفةِ الأعمال.\n﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾: يبيِّنُ الصِّدق، لا يوجد فيه ما يخالفُ الواقعَ.\n﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بزيادة عِقابٍ، أو نقصان ثواب، وتقديم ﴿وَهُمْ﴾ للمحافظة على الفاصلة، ثم عاد إلى ذِكْر الكافرين فقال:\n_________\n(^١) والمعنى: يرغبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة، وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها سابقون الناس إلى الثواب أو إلى الجنة. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ١٠٣).","vol":"7","page":201},{"text":"<span id=\"aya-2736\"> </span>(٦٣) - ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾.\n﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾: في غفلةٍ غامرةٍ لها ﴿مِنْ هَذَا﴾: مِن الذين وُصِفَ به السَّابقون.\n﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾ خبيثة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ متجاوزةٌ عمَّا وُصِفُوا به، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ للتَّعظيم.\n﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾: معتادون فعلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2737\"> </span>(٦٤) - ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ متنعِّميهم.\n﴿بِالْعَذَابِ﴾ وهو القَتْلُ يومَ بدرٍ، أو الجوعُ حين دعا عليهم رسولُ الله ﷺ فقال: \"اللهمَّ اشدُدْ وَطْأتكَ على مُضَرَ، واجعَلْها عليهم سنينَ كسِني يوسف\" (^١)، فابتلاهم اللهُ تعالى بالقَحْطِ حتى أكلوا الجيَف والكلاب والعِظام المحرَّقة والقِدَّ والأولاد (^٢).\n﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ الجؤارُ: الصُّراخُ بالاستغاثة؛ أي: فاجَؤوا به، وهو جواب الشَّرط، والجملة مبتدأ بعد ﴿حَتَّى﴾، ويجوز أن يكون الجوابُ:\n\n<span id=\"aya-2738\"> </span>(٦٥) - ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾.\n﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ فإنَّه مُقدَّر بالقول؛ أي: يُقال لهم: لا تجأروا.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٩٣). القد بالكسر: سير يقد من جلد غير مدبوغ.","vol":"7","page":202},{"text":"﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ تعليلٌ للنَّهي؛ أي: لا تجأروا، فإنَّه لا ينفعكم إذ لا تُمنعون (^١) منا، أو لا يلحقكم نصرٌ مِن جهتنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2739\"> </span>(٦٦) - ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.\n﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي﴾ يعني: القرآن.\n﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد استمرَّ تجدُّد تلاوته عليكم وقتًا بعدَ وقتٍ.\n﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ تُعرضون عنها؛ أي: عن سماعها وتصديقها على أشنع وجه مستمرِّين على ذلك، والنُّكوص: أن يرجع القَهْقَرى، وهو أقبح مشيَةٍ لأنَّه لا يرى ما وراءه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2740\"> </span>(٦٧) - ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.\n﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ على المسلمين ﴿بِهِ﴾: بالبيت أو بالحرم (^٢)؛ لأنَّهم يقولون: لا يظهر علينا أحدٌ لأنَّا أهلُ الحرم، والذي سوَّغ هذا الإضمار شهرتهم بالاستكبار بالبيت (^٣).\nأو: بـ ﴿آيَاتِي﴾ لأَنَّها في معنى: كتابي، ومعنى استكبارهم به: تكذيبُهم به استكبارًا على التَّضمين، أو مستكبرين بسببه؛ أي: إذا تُتلَى عليكم حدثَ بسببِه استكباركُم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"تمتنعون\".\n(^٢) في هامش (ع) و(ف) و(م): \"وأمَّا التَّكذيب فلا يصلح سببًا للاستكبار، بل الأمر بالعكس\".\n(^٣) \"بالبيت\" سقط من (ك).","vol":"7","page":203},{"text":"أو يتعلق الباء بقوله: ﴿سَامِرًا﴾؛ أي: تَسْمُرون (^١) بذكر القرآن وبالطَّعن فيه، وذلك أنَّهم كانوا يجتمعون حولَ البيت يَسمُرونَ، وكانت (^٢) عاقبةُ سَمَرِهم ذكرَ القرآن وتسميتَه سحرًا وشعرًا. والسَّامرُ نحوُ الحاضر في الإطلاق على الجمع.\nأو بقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ وهو مِن الهَجْرِ بالفتح: الهذيان، وبالضَّم: الفُحْش.\nوقرئ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ (^٣)، [و: (تُهَجِّرون)] (^٤)، مِن أَهْجَرَ في منطقه: إذا أَفْحَشَ، ومن هَجَّر الذي هو مبالغةٌ في هَجَرَ: إذا هَذَى؛ أي: تُعْرِضون عن القرآن وتَهْذون في شأنه، أو تُفحشون (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2741\"> </span>(٦٨) - ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ القرآنَ؛ ليعلموا عند تدبُّره أنَّه الحقُّ المبين، فيصدِّقوا به وبمَن جاء به، أو ليخافوا (^٦) عند تأمُّل أقاصيصِه مثلَ ما أنزل (^٧) بمَن قبلِهم مِن المكذِّبين.\n_________\n(^١) في (م): \"تستمرون\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"وكان\".\n(^٣) وهي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٩).\n(^٤) من \"الكشاف\" (٣/ ١٩٤). ونسبت لابن مسعود وابن عباس وجمع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨)، و\"البحر\" (١٥/ ٤٦٨).\n(^٥) في (ع) و(ف) و(ك) و(م) \"تفحشونه\"، والمثبت من (ي).\n(^٦) في (ف) و(ك) و(م): \"ليخالفوا\"، والمثبت من (ع) و(ي) وهو الصواب. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ١١٤).\n(^٧) في (ك) و(م): \"ما نزل\".","vol":"7","page":204},{"text":"والهمزةُ للتَّقرير والتَّوبيخ؛ أي: أبعدَ وضوحِ آياتي المتلوَّة عليهم لم يتدبَّروه؟! و﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ منقطعةٌ؛ أي: عدم تدبُّرهم أجاءَهم ما لم يأتِ آباءَهم الأقدمين مِن كتاب أو رسولٍ أو أَمْنٍ مِن عذابِ الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل ﵇ وأعقابه؟!\nفالهمزة هذه للإنكار، ويجوز أن يكون المراد بـ ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: الذين مَضوا ممَّنْ سبقوهم مِن الأقربين الذين قلَّدوهم، فتكون الهمزة للتَّقرير أيضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2742\"> </span>(٦٩) - ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾.\n﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضراب عَّما ذُكِرَ، وإنكارٌ لعدم معرفتهم إيَّاه؛ لأنَّهم عرفوه بالأمانة والصِّدق، وحسن الخُلُق، وكمال العلم مع عدم التَّعلُّم، إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء.\n﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ تفريغٌ على عدم معرفتهم إيَّاه، فيدخل تحت الإضراب والإنكار.\nولا وجه لِمَا قيل: لأحد هذه الوجوه (^١)؛ لأنَّ الآتي بعده مِن جملة الوجوه، فلا وجه للفصل بينها بما ذُكِر.\n* * *\n_________\n(^١) يشير إلى البيضاوي الذي قال: ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها). قال الشهاب: قوله: (لأحد هذه الوجوه) المذكورة تعليل للإنكار بوجوه مذكورة في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾ إلى هنا فإنها وجوه للإنكار ترتب عليها (لا وجه له)؛ أي: للإنكار (غيرها). انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣٤٠).","vol":"7","page":205},{"text":"<span id=\"aya-2743\"> </span>(٧٠) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إضرابٌ وإنكارٌ أيضًا لقولهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ لأنَّهم كانوا يعلمون أنَّه أرجحُهم عقلًا، وأتقنُهم رأيًا، وأصوبُهم نظرًا.\nويجوز أن تكون الهمزة للاستفهام، و﴿أَمْ﴾ هي المتصلة، ويكون الكلام على طريق المجادلة بالتي هي أحسن؛ أي: أيّ هذه الأمور كائنٌ، كما يقول المناظر: إنَّ الأمر لا يخلو مِن أحد هذه الأقسام، لكنَّ الأقسامَ (^١) كلَّها باطلة إلَّا القسمَ الأوَّل، وهو عدم التَّدبُّر، وعبَّرَ عنه بقولِه:\n﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ بمخالفته أهواءَهم، فلذلك لم يتدبَّروا، وإنَّما قيَّد الحكم بالأكثر لأنَّه كان منهم مَن تركَ الإيمان استنكافًا مَن توبيخِ قومِه، أو لقلَّة فطنتِه ولعدمِ فكرَتِه، لا لكراهةِ الحقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2744\"> </span>(٧١) - ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ على سبيل الفَرْضِ والتَّقدير كما تُفْرَضُ المحالاتُ ﴿أَهْوَاءَهُم﴾ في الشِّرك بأنْ كان في الوجود آلهةٌ شتَّى ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ كما سبق تقريره في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].\nأو: وَلَوِ اتَّبع الحقُّ الذي قام به السَّماوات والأرضُ أهواءَهم لانقلَبَ باطلًا، ولذهبَ ما قام به العالم فلا يبقى شيءٌ منه (^٢).\n_________\n(^١) \"لكن الأقسام\" من (م) و(ي).\n(^٢) في (ف): \"منه شيء\".","vol":"7","page":206},{"text":"أو: وَلَوِ اتَّبع الحقُّ الذي جاء به محمَّدٌ ﵇ وهو الإسلام - أهواءَهم وانقلب شركًا لجاء اللّه تعالى بالقيامة وأهلك العالَم مِن فرط غضبه ولم يؤخّر.\nوأمَّا ما قيل: معناه: ولو كان اللّه إلهًا يَتَّبع (^١) أهواءهم ويأمر بالشِّرك والمعاصي لَمَا كان إلهًا ولكن شيطانًا؛ ففيه ما لا يخفى من جرأةٍ (^٢) على الله تعالى، وسوءِ أدبٍ فاحشٍ.\n﴿وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ خصَّ العقلاء تنبيهًا على أنَّ وجودَ الغيرِ تبعٌ لهم.\n﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾: بالكتاب الذي هو ذكرهم؛ أي: وَعْظُهم، أو: صِيْتُهم وفَخْرُهم، أو بالذِّكْرِ الذي كانوا يتمنَّونه بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨].\n﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليه، وإنما أعاد الذِّكْرَ باسمه تفخيمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2745\"> </span>(٧٢) - ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\nو﴿أَمْ﴾ في: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ منقطعةٌ.\n﴿خَرْجًا﴾ وقرئ: (خَرْاجًا) (^٣).\n_________\n(^١) في (ك): \"لتبع\"، وفي (م): \"تبع\"، وفي (ف): \"ليتبع\". والمثبت من (ع) و(ي) و\"الكشاف\" (٣/ ١٩٦).\n(^٢) في (ف): \"الجرأة\".\n(^٣) قرأ حمزة والكسائي: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾، وقرأ ابن عامر: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾، وباقي السبعة: ﴿خَرْجًا فَخَرَاجُ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٦).","vol":"7","page":207},{"text":"والخَرْجُ: ما تُخرجُه إلى الإمام مِن زكاة أرضك، وإلى كلِّ عاملٍ مِن أجرته وجعله.\nوقيل: الخرْجُ: ما تبرَّعْتَ به، والخَراجُ: ما لزمَكَ أداؤُه.\nوالوجهُ: أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِن الخَراجِ بقولِكَ: خَراجُ القرية وخَرْجُ الكَرْدة (^١)، زاد اللَّفظ لزيادة المعنى، ولهذا حسنت القراءة الأولى؛ يعني: أم تسألهم على هدايتك لهم قليلًا مَن عطاء الخَلْقِ.\n﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ فالكثيرُ مِن عطاء الخالق ﴿خَيْرٌ﴾ ففيه مندوحةٌ لكَ عن عطائِهم.\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ تقرير لخيريَّة خراجه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2746\"> </span>(٧٣) - ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قد سبقَ تفسيرُه في الفاتحة. والتَّنكير ها هنا للتَّعظيم.\nولَمَّا ألزمهم الحجَّةَ وأزاح العلَّة بحصر الأقسام التي تقتضي الإنكار والاتهام (^٢)، وبيَّنَ انتفاءها إلا عدم (^٣) التَّدبُّر وكراهتهم الحقَّ لمخالفته أهواءهم، وأقام الدَّلائل على امتناع موافقته لِمَا هم عليه مِن التَّقليد واتِّباع الهوى؛ لِمَا يلزم\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"الكر\"، وفي (ف): \"الثمرة\"، والمثبت من (ع) و(ي) و\"الكشاف\" (٣/ ١٩٧). الكَرْدَةُ: جمعُها: الكُرَدُ، وهو من وضع الكرد، والعرب لا تعرفها، وهي قطعةٌ من الأرض المزروعة، ولا تُعرفُ هذه اللغة في الأصول. انظر: \"حاشية الطيبي على الكشاف\" (١٠/ ٦٠٨).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"والابهام\".\n(^٣) في (ك): \"لا عدام\".","vol":"7","page":208},{"text":"ذلك مِن الفساد الكلِّيِّ= ثبتَ أنَّ ما عليه هو الصِّراط المستقيم البيِّن استقامتُه بشهادة العقول السَّليمة والفطرة الصَّافية، وأنَّه يدعوهم إليه، وأنَّهم لكفرهم عن الصِّراط المذكور لعادلون (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2747\"> </span>(٧٤) - ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾.\nوإنَّما عدل في قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ عن الضَّمير إلى الموصول؛ للتَّنصيص على علَّة عدولهم، وليكون كالبرهان على عدولهم؛ لدخولهم في الموصول دخولًا أوَّليًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2748\"> </span>(٧٥) - ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ يعني: القَحْطَ.\n﴿لَلَجُّوا﴾: لتمادَوا ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحقِّ وعداوة الرَّسول ﵇ والمؤمنين ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: لعادُوا إلى ما كانوا عليه مِن اللَّجاجِ في الطُّغيان، ولذهبَ عنهم هذا الإبلاس (^٢) والتَّمسكُن بينَ يديه يسترحمونه، عَمِهِيْنَ عن الهدى.\nثمَّ استشهد على ذلك بقوله:\n\n<span id=\"aya-2749\"> </span>(٧٦) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"لعادلوا\"، ولعل الصواب: (عادلون).\n(^٢) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"الالباس\"، والمثبت من (ي) وهو الصواب.","vol":"7","page":209},{"text":"﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ أي: القتلِ والأسرِ يومَ بدرٍ.\n﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ فما خضَعوا، وما تذلَّلوا، ولم يوجَدْ منهم تضرُّعٌ.\nاستكانَ: استفعل مِن الكون؛ لأنَّ المُتَذَلِّلَ انتقل مِن كونٍ إلى كونٍ، كالمستحيل للمتنقِّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، أو افتعل مِن السُّكون أُشبع فتحتُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2750\"> </span>(٧٧) - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: بابَ الجوع الذي هو أشدُّ مِن القتل والأسر.\n﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ الإبلاسُ: اليأسُ (^١) مِن كلِّ خيرٍ.\nوقيل: السُّكوتُ مع التَّحيُّر؛ أي: فأُبلسوا ساعتئذٍ وخضعَتْ رقابُهم، حتى جاء أعتاهم يستعطفُكَ.\nرُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامَةُ بنُ أُثالٍ الحنفيُّ ولحقَ اليمامة ومَنع المِيْرَةَ من أهل مكَّة، وأخذهم الله تعالى بالسِّنين حتى أكلوا العِلْهِزَ (^٢)، جاءَ أبو سُفيانَ رسولَ اللّه ﷺ فقال له: أَنشدُكَ الله والرَّحمَ! ألستَ تزعمُ أنَّك بُعِثْتَ رحمةَّ لَلعالمين؟ فقال: \"بلى\"، قال: قتلْتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجوعِ، فنزلَتْ (^٣). وهذا صريح في أنَّها مدنيَّة.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أي إبلاس\" بدل \"الإبلاس اليأس\".\n(^٢) طعام من الدم والوبر كان يتخذ في المجاعة. انظر: \"القاموس\" (مادة: علهز).\n(^٣) روى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٧/ ٩٣) عن ابن عباس ﵄، وانظر: \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩). وخبر ثمامة رواه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤) دون ذكر مجيء أبي سفيان ونزول الآية.","vol":"7","page":210},{"text":"<span id=\"aya-2751\"> </span>(٧٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴿قَلِيلًا﴾ نصب على المصدر، و﴿مَا﴾ زائدة للتَّوكيد بمعنى حقًّا؛ أي: شكرًا قليلًا تشكرون حقًّا، وإنَّما خَصَّ ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ بالذِّكر في مقام الامتنان لأَنَّها أصول المُدْرَكات المُنتفَع بها في المنافع الدِّينيَّة والدنياوَّية، ولا يمكن الاستكمال إلَّا بها، فإنه موقوف على الاعتبار والاستماع والاستبصار بالنَّظر والاستدلال، فهي أصولُ النِّعَمِ الموجبةُ للشُّكر، ولَمَّا كان العمدة في الشُّكر استعمالَها فيما خُلِقَتْ لأجله، ومقدمتُها الإقرار بواهبها ومُنشِئها قال:\n\n<span id=\"aya-2752\"> </span>(٧٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: خلقَكم فيها بالتَّناسُلِ.\n﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: تُجمَعون يومَ القيامة بعدَ تفرُّقكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2753\"> </span>(٨٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قد سبق تفسيرُه؛ أي: هو المختصُّ باعترافكم بإنشاء الجوارح المذكورة وإنشائكم، والمختصُّ بالإحياء والإماتة، ﴿وَلَهُ﴾ خاصَّةً ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وهو متولِّيه، لا يقدر على تصريفهما (^١) غيره، والاختصاصُ مستفادٌ مِن تقديمِ الضَّمير والظَّرف.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أبعْدَ هذه الدَّلائل الواضحة لا تعقلون بالنَّظر والاستدلال\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"تصرفها\"، وفي (ع): \"تصريفها\"، والمثبت من (ي).","vol":"7","page":211},{"text":"واستعمال المُدْرَكات المذكورة أنَّ الكلَّ منَّا، وأنَّ قدرتنا تعمُّ الممكنات كلَّها، وأنَّ البعث مِن جُملتها، فلا تنكرونه.\nوالالتفات مِن التَّكلُّم إلى الغيبة ممَّا لا تخفى فائدته مِن التَّعظيم كما في ﴿رَبِّهِمْ﴾ (^١)، وقرعِ العصا بالتكرير والافتنانِ فيه (^٢).\nوقرئ: (يعقلون) بالياء (^٣) على الالتفات أيضًا، أو على أنَّ الخطاب السَّابق لتغليب المؤمنين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2754\"> </span>(٨١) - ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾.\n﴿بَلْ قَالُوا﴾؛ أي: كفار مكَّة ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾: كما قال الكفَّار قبلَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2755\"> </span>(٨٢) - ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.\n﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ قد سبقَ وَجْهُ تأخير قوله: ﴿وَعِظَامًا﴾ عن قوله: ﴿تُرَابًا﴾.\n﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تكرار الهمزة للمبالغة في الإنكار والاستبعاد.\nوالتَّأكيد بـ (إنَّ) واللَّام لتوجيه الإنكار إلى الجزم بالبعث، واعتقادِ تحقُّقه، والإتيانِ به كما عليه الرَّسول والمؤمنون، ويُخبرون عنه.\n* * *\n_________\n(^١) كتب فوقها في (ك): \"في قوله: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ \"\n(^٢) كتب فوقها في (ك): \"مثل في التفهيم، يعني تفهيم المعنى لإلقاء مكررًا، وبالتفنن بالعبارة\".\n(^٣) رواية عن أبي عمرو. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨).","vol":"7","page":212},{"text":"<span id=\"aya-2756\"> </span>(٨٣) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾؛ أي: البعث ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قبلِ مجيءِ محمَّدٍ ﵇.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الأساطيرُ: جمعُ أسطورةٍ، وهذا البناء لِما يُتلهَّى به، كالأضحوكة والأعجوبة والألعوبة (^١).\nوقيل: جمع أسطارٍ، جمع سطر، وهي ما كتبه الأوَّلون ممَّا لا حقيقة له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2757\"> </span>(٨٤) - ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ إنَّما قيل: (مَن) تغليبًا للعقلاء، أو لأنَّه يلزم أن يكون له غيره (^٢) من طريق الأَولى.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلم، أو: مِن العالمين بذلك، زيادة استهانة بهم (^٣)، وتقريرُّ لفَرْط جهالتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2758\"> </span>(٨٥) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنهم مقرُّون بأنَّه الخالق.\n﴿قُلْ﴾؛ أي: بعد ما قالوه: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا أنَّ مَن فطرَ الأرض ومَن فيها كان قادرًا على إعادة الخلق، وكان حقيقًا بأنْ لا يُشرَك به بعضُ خلقه في الرُّبوبيَّة.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٨٨).\n(^٢) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (غيرهم). انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ١٣١).\n(^٣) في هامش (ع) و(ف) و(م): \"وإنما قال: زيادة؛ لأنَّ أصلها فاصلة بالسؤال، على ما سنقف عليه\".","vol":"7","page":213},{"text":"<span id=\"aya-2759\"> </span>(٨٦) - ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ في توصيفه بـ ﴿الْعَظِيمِ﴾ تصغير للسَّماوات السَّبع مع هذه العظمة في جنبه، وهذا غاية في التَّعظيم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2760\"> </span>(٨٧) - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ ذلك أيضًا قد تقرَّر عند العرب بإخبار أهل الكتاب.\nوقرئ: ﴿لِلَّهِ﴾ بغير لام فيه وفيما بعده (^١) على ما يقتضيه لفظ السُّؤال، والأوَّل محمولٌ على المعنى؛ لأنَّ قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ معناه: لله هذه الأشياء، وهذا جوابٌ صحيحٌ، قال الشَّاعرُ:\nإذا قِيلَ مَنْ رَبُّ القيانِ (^٢) بموقِفٍ … ورَبُّ الجيادِ الجرْدِ قيل لخالد (^٣)\n﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: أفلا تخافونه فلا تشركوا به (^٤)، ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته.\n* * *\n_________\n(^١) قراءة أبي عمرو، ولا خلاف في الحرف الأول. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٠).\n(^٢) في (ع): \"القيام\"، وفي (ف): \"العباد\"، وفي (ك): \"العباب\"، وفي (م): \"العتاب\"، وفي (ي): (القباب)، والمثبت من \"حاشية الطيبي على الكشاف\" (١٠/ ٦٢٠).\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٥٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٨٠)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٧٩)، و\"روح المعاني\" (١٨/ ١٣٠).\nوصدره فيها جميعا:\nإذا قيل من رب المزالف والقرى\n(^٤) في (ك): \"فلا تشكرونه\".","vol":"7","page":214},{"text":"<span id=\"aya-2761\"></span><span id=\"aya-2762\"> </span>(٨٨ - ٨٩) - ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مالكيتُه ومدبِّريَّته.\nقيل: الملكوتُ: الملك، والواو والتَّاء للمبالغة، فينبئ عن عظم الملك.\n﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾: وهو يغيثُ مَن يشاءُ، مِن أجرْتُ فلانًا على فلان: إذا أغثته منه ومنَعْته (^١).\n﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾: ولا يغيثُ أحدٌ منه أحدًا، وتعديته بـ (على) لتضمُّنه معنى النُّصرة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ تُخدَعون فتُصرَفون عن توحيده وطاعته مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلَّة.\nوهذه الأسوِلة (^٢) استهانةٌ بهم، وتقريرٌ لفرط جهالتهم في الأمور الدِّينيَّة، حيث جَهِلوا مثلَ هذا الجليِّ الواضح، وإلزامٌ بما لا يمكن مَن له أدنى مُسْكَةٍ مِن العلم إنكارُه، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا بقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ لأنَّ العقل الصَّريح قد اضطرهم إلى الإجابة بما أجابَ، فلا يمكن لعاقلٍ (^٣) أن يجيب بجواب آخر.\nثمَّ إنَّه رُوعِيَ في السُّؤالِ قضيَّة التَّرقي، فسئل عمَّن له الأرض وما فيها، ثمَّ سُئِلَ عمَّنْ له السَّماوات والعرش العظيم، والأرض بالنِّسبة إليه كلا شيءٍ، ثمَّ سُئِلَ\n_________\n(^١) في (ك): \"أعنته\" بدل \"أغثته منه ومنعته\"، وفي (ف): \"أعنته منعه ومنعته\".\n(^٢) في (ك): \"الأسئلة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"عاقل\"، وفي (م) و(ع): \"عاقلًا\"، والمثبت من (ي).","vol":"7","page":215},{"text":"عمَّنْ بيدِه ملكوتُ كلِّ شيءٍ، فأُتي بأعمِّ العامِّ وكلمةِ الإحاطة، وأُوثر الملكوت وهو الملك الواسع، وقيل: ﴿بِيَدِهِ﴾ تصويرًا وتخييلًا.\nوكذلك روعي هذه النُّكتة في الفواصل، فعبِّر أولًا بعدم التَّذكُر، فإنَّ أيسر (^١) النَّظر يكفي في انحلال عقدهم، ثمَّ بعدم الاتقاء (^٢)، وفيه وعيدٌ، ثمَّ بالتَّعجُّب مِن خَدْع عقولهم فتخيِّل (^٣) الباطل حقًّا والحقَ باطلًا، وأنَّى لها التَّذكُّر والخوف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2763\"> </span>(٩٠) - ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾: بالتَّوحيد، واستحالةِ نسبة الولد والشَّريك إليه.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ حيث أنكروا ذلك، وادَّعوا أنَّ له ولدًا ومعه شريكًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2764\"> </span>(٩١) - ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ لتقدُّسه عن مماثلة أحدٍ.\n﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في الوجود ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ يساهمه في الألوهية.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أسير\"، وفي هامش (م): \"لعله يسير\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق موافق لما في \"روح المعاني\" (١٨/ ١٣١)، والكلام منقول من \"الكشف\" كما صرح بذلك الآلوسي.\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"الإيفاء\"، والمثبت من (ع) و(ي) والمصدر السابق.\n(^٣) في (ك): \"بنخيل\"، وفي (م): \"بتخييل\"، والمثبت من (ع) و(ف) و(ي) والمصدر السابق.","vol":"7","page":216},{"text":"﴿إِذًا﴾ جوابٌ لمحاجَّتهم، وجزاءُ الشَّرط محذوف لدلالة ما قبله عليه؛ أي: لو كان معه آلهة كما يقولون إذًا (^١).\n﴿لَذَهَبَ﴾: لانفرد ﴿كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾: بخَلْقه الذي خلَقَه، واستبَدَّ به، ولرأيتم امتيازَ مُلكِ كلِّ واحدٍ عن مُلك الآخرين، ووقع بينهم التَّحاربُ والتَّغالبُ.\n﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: ولغلَبَ بعضُهم بعضًا كما هو حالُ ملوكِ الدُّنيا، ممالكُهم متمايزة، وهم متغالبون، وحين لم تروا أثرًا لتمايز الممالك والتَّغالُب فاعلموا أنَّه إلهٌ واحدٌ بيده ملكوتُ كلِّ شيءٍ.\nوأمَّا ما قيل: فلَمْ يكن بيده [وحده] ملكوت كلِّ شيءٍ، ولم يكن واحدٌ منهم إلهًا مطلقًا، واللَّازم باطل بالإجماع والاستقراءِ وقيامِ البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجبٍ واحدٍ (^٢).\nفيَرِدُ عليه: أنَّ الإجماع والاستقراء لا يناسب المقام، وأمَّا البرهان فإنَّما قام على وجوب انتهاء سلسلة الموجودات إلى واجبٍ بالذَّات، ولا يلزم منه أنْ لا يتعدَّد الواجب، ولا يكون في الوجود سلاسل ينتهي بعضها إلى واجبٍ وبعضها إلى واجب آخر.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٩٤)، وفيه: (أي: لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل منهم بما خلقه)، لم يذكر في التقدير (إذا)، وكذا في \"تفسير أبي السعود\" (٦/ ١٤٨)، و\"روح المعاني\" (١٨/ ١٣٣)، ونقلوا هذا التقدير عن الفراء، وانظر: \"معاني القرآن\" للفراء (١/ ٢٧٤)، ولم يذكر في التقدير (إذا) أيضًا.\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٩٤)، وما بين معكوفتين منه. وهذا القول جاء عنده بعد عبارة: (كما هو حال ملوك الدنيا)، ومثله في \"تفسير أبي السعود\" (٦/ ١٤٨).","vol":"7","page":217},{"text":"﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾: عمَّا يصفونه مِن نِسبة الولد والشَّريك إليه؛ لِمَا سبق من الدَّليل على فساده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2765\"> </span>(٩٢) - ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، وقرئ بالجرِّ (^١) على الصِّفة، دليل آخر على نفي الشَّريك بناءً على توافقهم في أنَّه المنفرد بذلك، ولذلك رتَّب عليه:\n﴿فَتَعَالَى﴾ اللهُ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2766\"> </span>(٩٣) - ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾.\n﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ (إنْ) هي الشَّرطيَّة، و(ما) والنُّون مؤكِّدتان لمعنى الشَّرط، وجواب الشَّرط: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾؛ أي: إن كان لا بُدَّ مِن أنْ تريَني ما تعدُهم مِن العذاب في الدُّنيا أو في (^٢) الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2767\"> </span>(٩٤) - ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿رَبِّ﴾ تكرارٌ ما بين الشَّرط والجزاء، معترِض للتَّنبيه على فضل التَّضرع والجؤار.\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحفص بخفض الميم والباقون برفعها. انظر: \"التيسير\" (ص:١٦٠).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وفي\".","vol":"7","page":218},{"text":"﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فلا تجعلني قرينًا لهم في العذاب.\nعن الحسن: أخبره الله تعالى أنَّ له في أمَّته نقمةً، ولم يُخبره أفي (^١) حياته أم بعد موته، فأمره أن يدعو بهذا الدُّعاء (^٢).\nوهو إمَّا لهضم النَّفس والقيام بحقِّ (^٣) العبودية مع علمه بأنَّه لا يفعله، وإمَّا للإعلام بأنَّ شؤم الظَّلمة قد يَحيق بمَن وراءهم (^٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2768\"> </span>(٩٥) - ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ كانوا يستعجلون العذاب إنكارًا وعنادًا (^٥)، ويضحكون منه استهزاء، فقيل لهم: إنَّ اللّهَ قادرٌ على إنجاز ما وعدَ عاجلًا، لكِنْ يُؤخِّرُه علمًا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون، أو: لا يعذبهم وأنت فيهم.\nوقيل: قد أراه (^٦) يوم بدر أو يوم فتح مكَّة.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"في\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٠١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٩٤).\n(^٣) في (م): \"بمعنى\".\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"يحيق عن ورائهم\"، والمثبت من (ع) و(ي).\n(^٥) في (ف): \"أو عنادًا\".\n(^٦) في (ف): \"أراكهم\"، وفي (ك) و(م): \"أراد\" والمثبت من (ع) و(ي).","vol":"7","page":219},{"text":"<span id=\"aya-2769\"> </span>(٩٦) - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾.\n﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ حثَّه على مكرمةٍ هي أفضل المكارم، ما لم تؤدِّ إلى ثَلمٍ في الدِّين أو إزراء (^١) بالمروءة، وهو أبلغ مِن أنْ يُقالَ: بالحسنة السَّيئة؛ لِمَا فيه مِن صيغة التَّفصيل والإجمال، والتفصيل (^٢) بإبهام الموصول، وتبيين الصِّلة؛ أي: زدْ (^٣) على الصَّفح عن الإساءة بمقابلة السيَّئة بما يمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصَّفح والإحسان وبذل الوسْعِ فيه كانت حسنةً مضاعفةً بإزاء سيئةٍ، ودفعًا لها بالتي هي أحسن.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾: بما يصفونك به من صفات السُّوء، أو بوصفِهم لكَ وسوءِ ذكرِهم، وهو وعيدٌ لهم وتسليةٌ له ﵇؛ أي: والله أعلم بقولهم وفعلهم، وهو يجازيهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2770\"> </span>(٩٧) - ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾.\n﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أمرٌ (^٤) بالتَّعوذ مِن نخساتهم بلفظ المبتهِل إلى ربِّه، المكرِّر لندائه تضرُّعًا وابتهالًا بالتَّعوُّذ مِنْ أنْ يَحضروه أو يحوموا حوله (^٥).\n﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ شبَّه حثَّ الشَّياطين النَّاسَ على المعاصي بالوساوس\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ازدراء\".\n(^٢) في (م) و(ي): \"التفضيل والإجمال والتفضيل\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"رد\".\n(^٤) في (ف): \"أمر\".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"يحدثوا\" بدل \"يحوموا حوله\".","vol":"7","page":220},{"text":"بهمزِ الرَّاضةِ للدَّوابِّ على المشي بالمهماز، والجمع إمَّا لتعدُّد الوساوس، أو لتنوُّعها، أو لتنوُّع المضاف إليه وتعددهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2771\"> </span>(٩٨) - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.\n﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: عند تلاوة القرآن، وعن عكرمةَ: عند النَّزْعِ (^٢). وقيل: عند الصَّلاة.\nوالتَّخصيص بأحدها لأَنها أحرى الأحوال بأنْ يُخاف عندَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2772\"> </span>(٩٩) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يتعلَّق (^٣) بـ ﴿يَصِفُونَ﴾، غايةٌ لها؛ أي: لا يزالون يذكرونك بسوءٍ إلى هذا الوقت، وما بينهما اعتراض للإغضاء عنهم، مستعينًا بالله على (^٤) الشَّيطان أن يستزلَّه (^٥) عن الحلم ويغريَه على الانتصار منهم.\nأو بقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) في (م): \"أو تعددهم\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٠٢).\n(^٣) كتب فوقها في (ك): \"الأول لا الثاني\".\n(^٤) في (ك): \"من\"، وبياض في (ف).\n(^٥) في (ع): \"ينزله\"، وفي (ك): \"يزله\"، وفي (م): \"يستنزله\".\n(^٦) يريد أن (حَتَّى) يتعلق بـ (يصِفُونَ) أو مردودٌ على قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. انظر: \"فتوح الغيب\" (١٠/ ٦٢٦)","vol":"7","page":221},{"text":"﴿قَالَ﴾ تحسُّرًا على تفريطه السَّابق لَمَّا اطلع على الأمر اللَّاحق.\n﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾: رُدُّوني إلى الدُّنيا. والخطاب بلفظ الجمع للتَّعظيم، أو لتكرير (ارجعني)، كما قيل: في قِفَا وأَطْرِقا، وهو يناسب الجؤار والتَّضرُّع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2773\"> </span>(١٠٠) - ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\n﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾: في الإيمان الذي تركْتُه، أو لعلِّي آتي بما تركْتُه من الإيمان وأعمل فيه صالحًا.\nوقيل: فيما تركْتُ فيه مِن المال، أو في الموضع الذي تركْتُ، وهو الدُّنيا.\n﴿كَلَّا﴾ رَدعٌ عن طلب الرَّجعة واستبعادٌ لها.\n﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾؛ أي: طائفةٌ مِن الكلام المنتظِم بعضُها مع بعض، وهو قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلخ.\n﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾ لا محالةَ، لا يسكُتُ عنها؛ لاستيلاء الحسرة والنَّدامة عليه، أو: هو قائلها وحده، لا يُجابُ ولا يُسمَعُ منه.\n﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾: أمامِهم، والضَّمير للجماعة ﴿بَرْزَخٌ﴾ البرزَخُ: الحاجزُ.\nقال الضَّحَّاكُ: هو الحاجز بين الدُّنيا والآخرة (^١).\nوقيل: بينهم وبين الرُّجوع إلى الدُّنيا. ويأباه قوله:\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٧/ ١١١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٨/ ٢٧٠٩).","vol":"7","page":222},{"text":"﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ لأنَّه لا يصلح غايةً لعدمِ الرُّجوع المذكور، والعلمُ بأنَّه لا رجعةَ يومَ البعث إلى الدُّنيا يفيد الإقناطَ الكليَّ عن الرُّجوع إلى الدُّنيا، ولكنَّه لا يصلح أمرًا لغايته (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2774\"> </span>(١٠١) - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ للبعث والنُّشور.\nوالقراءة بفتح الواو، وبه (^٢) وبكسر الصَّاد (^٣)، يؤيِّده أنَّ الصُّوْرَ أيضًا جمع الصُّورة، إذ الأصل في القراءة التَّوافُق.\n﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ المنفيُّ نفعُ الأنساب لا نفيُها، فإنَّ لكلِّ امرئٍ يومَئذٍ ما اكتسَبَ لا ما انتسَبَ.\nقيل: لزوال التَّعاطف والتَّراحم مِن فَرط الحيرة واستيلاء الدَّهشة، بحيث يفرُّ المرء من أخيه وأمِّه وأبيه وصاحبته وبنيه، وفيه نظر (^٤).\n﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما يفعلون اليومَ، وهذا ليس عقيب نفخة البعث، بل بعد\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"لغاية\"، وفي (ع): \"لغائبة\".\n(^٢) في (ع) و(ف) و(ك): \"به\"، وسقطت من (م)، والمثبت من (ي) و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٩٥).\n(^٣) نسبت قراءة (في الصُّوَر) لابن عياض والحسن، ونسبت قراءة: (في الصِّوَر) لأبي رزين. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨).\n(^٤) في هامش (ف) و(م): \"أمَّا أوَّلًا فلأنَّ التَّعاطف والتَّراحم يتحقَّق بين الصِّبيان ووالديهم على ما نطقَتْ به الأخبار، وأمَّا ثانيًا فلأنَّ زوال التَّعاطف لا يستلزم عدمَ نفع الأنساب، وأمَّا ثالثًا فلأنَّ القرار المذكور ليس لفرط الحيرة، بل للحذر عن المطالبة. منه\".","vol":"7","page":223},{"text":"زمانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ [يس: ٥٢]، فإنَّه صريحٌ في أنَّهم يتساءلون، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، قال ابن عبَّاسٍ ﵄: ذلك عند القيام بالنَّفخةِ الثَّانيةِ (^١).\nوالفاءُ الجزائيَّةُ لا تدلُّ على التَّعقيبِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2775\"></span><span id=\"aya-2776\"> </span>(١٠٢ - ١٠٣) - ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.\n﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قد سبق تفسيره في سورة الأعراف.\n﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدلٌ مِن ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، والجملتان في حكم الصِّلة، فلا محلَّ لهما (^٢) من الإعراب، أو خبرٌ بعد خبر لـ ﴿فَأُولَئِكَ﴾، فهو في محلِّ الرَّفع كـ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2777\"> </span>(١٠٤) - ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.\n﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: تُحرقُها. قال الزَّجَّاجُ: اللَّفْحُ كالنَّفْخِ، إلَّا أنَّ اللَّفْحَ أشدُّ تأثيرًا (^٣).\n﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ مِن شدَّة الإحراق.\n_________\n(^١) قطعة من خبر رواه البخاري قبل الحديث (٤٨١٦)\n(^٢) في (م): \"لها\".\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢٣).","vol":"7","page":224},{"text":"والكُلوحُ: أنْ تتقلَّصَ الشَّفتان، وتتشمَّرا (^١) عن الأسنان كما ترى الرُّؤوس المشويَّة.\nروي (^٢) عن النَّبيِّ ﵊ أنه قال: \"تَشْوِيْهِ النَّارُ فَتَتقلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيا حتى تبلغَ وَسطَ رأسِهِ، وتَسْتَرخِي شَفَتُهُ السُّفلى حتى تبلغَ سُرتَهُ\" (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2778\"> </span>(١٠٥) - ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ على إضمارِ القَولِ، أي: يُقالُ لهم: ألم تكن تُتلَى عليكم آياتي (^٤) في الإنذار.\n﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ تعنيفٌ وتذكيرٌ ممَّا استحقُّوا هذا العذابَ بسببِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2779\"> </span>(١٠٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾.\n﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ مَلَكَتنا (^٥)، من قولك: غلبني فلان على كذا: إذا أخذه منك وامتلكه. والشَّقاوةُ: سوءُ العاقبة.\n_________\n(^١) في (ع): \"وينشمرا\"، وفي (م): \"ويتشمر\".\n(^٢) في (م): \"وروي\".\n(^٣) رواه الترمذي (٣١٧٦)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقال: حديث حسن صحيح غريب.\n(^٤) في (ف) و(ك): \"آياتي عليكم\".\n(^٥) في (ف) و(ك) و(م): \"هلكتنا\"، والمثبت من (ع) و(ي) و\"الكشاف\" (٣/ ٢٠٤).","vol":"7","page":225},{"text":"وقرئ: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ و: ﴿شَقَاوَتُنَا﴾ بفتح الشِّين وكسرها (^١)، كالسَّعادة والكِتابة؛ أي: غلبَتْ علينا الأعمالُ الرَّديَّة والأحوال القبيحة التي شقينا بها.\n﴿وَكُنَّا﴾ بها ﴿قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الحقِّ والصَّواب.\nوليس هذا باعتذارٍ، بل هو اعترافٌ منهم بسوء الصَّنيعِ، ولا صحَّة لِما قيلَ: غلبَتْ علينا ما كُتِبَ علينا مِن الشَّقاوة؛ لأنَّه إنَّما يُكْتَبُ ما يَفْعلُ العبدُ، وما يُعْلَمُ أنَّه يختارُه، ولا يُكْتَبُ غيرُ الذي عُلِمَ أنَّه يختارُه، والعلمُ تابعٌ للمعلومِ لا العكس، فلا يكون مَغلوبًا ومُضطرًا في الفعل بسببِ التَّقديرِ الأزليِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2780\"> </span>(١٠٧) - ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾.\n﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ مِن النَّارِ ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتَكذيب ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2781\"> </span>(١٠٨) - ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.\n﴿قَالَ اخْسَئُوا﴾: انْزَجِروا ﴿فِيهَا﴾ أذلَّاءَ، انزجارَ الكلابِ إذا زُجِرَتْ، يُقال: خَسَأَ الكَلْبُ وأخساتُه لازمًا ومتعدِّيًا.\nشُبِّهوا بالكلبِ في الذُّلِّ والهَوانِ فَطُرِدوا بـ ﴿اخْسَئُوا﴾.\n﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفعِ العذاب، أو: ولا تكلِّمونِ أصلًا.\n_________\n(^١) (شَقَاوَتُنَا) بفتح الشين وبالألف قراءة حمزة والكسائي، وباقي السبعة: ﴿شِقْوَتُنَا﴾ بكسر الشين مع إسكان القاف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٠). أما (شِقَاوتنا) يكسر الشين وبالألف فنسبت لقتادة ورواية عن الحسن. انظر: \"البحر\" (١٥/ ٤٨٩).","vol":"7","page":226},{"text":"قيل: هو آخِرُ كلامٍ يتكلَّمون به، ثمَّ لا كلامَ بعدَ ذلك إلَّا الشَّهيق والزَّفير والعِواء كعواء الكلاب (^١)، لا يَفهمون ولا يُفهِمون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2782\"></span><span id=\"aya-2783\"> </span>(١٠٩ - ١١٠) - ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾.\n﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ الشَّأنَ، وقرئ بالفتح (^٢)؛ أي: لأنَّه.\n﴿كَانَ﴾ تعليلٌ لوجوبِ انزجارهم.\n﴿فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ يعني: المؤمنين، قيل: هم الصَّحابة ﵃، وقيل: أهل الصُّفَّة خاصَّة.\n﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ في تفريعِ طلبِ (^٣) المغفرةِ والرَّحمةِ على الإيمان دلالةٌ على كفايته فيها.\n﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ هُزُوًا، واشَّاغلتم (^٤) ساخرين.\n﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾ بكثرةِ تشاغُلِكم بهم ﴿ذِكْرِي﴾ أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي.\nوالسخريُّ بالضم والكسر: مصدر سَخِر كالسُّخُرِ، إلَّا أنَّ في ياء النَّسب زيادةَ قوَّة في الفعل ومبالغة، كما قيل: الخصوصية في الخصوص، وعن الكسائي\n_________\n(^١) في (ك): \"والزفير وعواء الكلاب\"، وفي (ف): \"والزفير والعواء كالكلاب\".\n(^٢) نسبت لأبي بن كعب ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨).\n(^٣) في (ك): \"في توزيع طلب\"، وفي (م): \"هذا تفريع لطلب\".\n(^٤) في (ع) و(ف) و(م) و(ي): \"وشاغلتم\".","vol":"7","page":227},{"text":"والفرَّاء: أنَّ المكسور من الهزؤ، والمضموم من السُّخرة، بمعنى الانقياد والعبودية؛ أي: سخَّروهم واستعبدوهم (^١). والأوَّلُ مذهب الخليل وسيبويه (^٢).\n﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2784\"> </span>(١١١) - ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.\n﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ على أذاكم.\n﴿أَنَّهُمْ﴾ بالفتح، ثاني مفعولي ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾، وبالكسر (^٣) استئنافٌ، كأنَّه لَمَّا أبهمَ الجزاء للتَّعظيم ولم يبيِّنه اتَّجه أنْ يَسألَ سائلٌ: كيف حالهم؟ قال: إنهم.\n﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ مخصوصون بالفوزِ بجميع مراداتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2785\"> </span>(١١٢) - ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾.\n﴿قَالَ﴾، أي: اللهُ تعالى، أو المأمور بسؤالهم من الملائكة، وقرئ على الأمر (^٤) لمالك (^٥)، أو لبعض رؤساء أهل النَّار.\n﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: في الدُّنيا أحياءً وأمواتًا في القبور.\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٤٣)، و\"الكشاف\" (٣/ ٢٠٥).\n(^٢) أي: مذهبهما أن مكسور السين ومضمومها معناهما واحد وهو الهزؤ. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (٣/ ١٢٤)، لكن وقع في \"العين\" للخليل (٤/ ١٩٦) تفريق بينهما.\n(^٣) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٠).\n(^٤) أي: ﴿قل﴾، وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٠).\n(^٥) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): \"للمالك\"، وفي \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٩٧): \"للملك\".","vol":"7","page":228},{"text":"﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾، أي: كم عددُ سنين لبثتم؟ فـ ﴿كَمْ﴾ نصب بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾، و﴿عَدَدَ﴾ بـ ﴿كَمْ﴾.\n* * *.\n\n<span id=\"aya-2786\"> </span>(١١٣) - ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾.\n﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصَروا مدَّة لبثهم فيها بالنِّسبة إلى خلودهم في النَّار، أو لأنَّها كانَتْ أيَّام سرورهم، وأيَّامُ السُّرور قِصارٌ، أو لأنَّها منقضيةٌ، والمنقضي في حكم المعدوم الذي يستحقُّ أنْ يُعبَّرُ عنه بالقِلَّةِ.\n﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾: الذين يتمكَّنون مِن عدِّ أيامها (^١) إنْ أردْتَ تحقيقَها، فإنَّا لِمَا نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكُّرها وإحصائها، أو: الملائكةَ الذين يَعدُّون أعمارَ النَّاس ويُحصون أعمالهم.\nوقرئ: (المعادِيْنَ) بالتَّخفيف (^٢)؛ أي: الظَّلمةَ، فإنَّهم يقولون كما نقول.\nوقرئ: (المعادِيِّين) (^٣)؛ أي: القدماء (^٤) المعمَّرين فإنهم يستقصرونها، فكيف بمن دونهم؟!\n﴿قَالَ﴾ وقرئ: (قل) (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"عدادها\" بدل \"عدِّ أيامها\".\n(^٢) نسبت للحسن ورواية عن الكسائي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨)، و\"الكشاف\" (٣/ ٢٠٦). ووقع في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"المعادين\"، والمثبت من (ي) ومصدري التخريج.\n(^٤) في (ع): \"قدماء\". والمثبت من باقي النسخ و\"الكشاف\" (٣/ ٢٠٦): \"المعمرين\".\n(^٥) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٠).","vol":"7","page":229},{"text":"<span id=\"aya-2787\"> </span>(١١٤) - ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ما لبثتم إلَّا زمنًا (^١) قليلًا، أو لبثًا قليلًا.\n﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدَّقَهم اللهُ في مقالهم لِسِني لبثِهم في الدُّنيا، ووبَّخهم على غفلتهم التي كانوا عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2788\"> </span>(١١٥) - ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾ توبيخٌ آخر على تغافلهم، وتجهيلٌ معَ إنكارٍ.\n﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ حال؛ أي: عابثين، أو مفعول له؛ أي: ما خلقناكم للعبث، وإنَّما خلقناكم لنتعبَّدكم ونجازيكم على أعمالكم، وهو كالدَّليل على البعث.\n﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ عطفٌ على ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿عَبَثًا﴾؛ أي: للعبث ولترككم غيرَ مرجوعين.\nوقرئ: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بفتح التَّاء (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2789\"> </span>(١١٦) - ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.\n﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ مِن أنْ يخلقَ عبثًا، تعليلٌ لِمَا تقدَّم.\n﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: الذي يحقُّ له الملك؛ لأنَّ كلَّ شيء منه وإليه، أو: الثَّابتُ\n_________\n(^١) في (م): \"زمانًا\".\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٠).","vol":"7","page":230},{"text":"الذي لا يزول، ولا يزولُ (^١) ملكُه، ومَن عداه مملوكٌ له (^٢) بالذَّات، مالكٌ بالعَرَض زائلُ الملك.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإنَ ما عدَاه عبيد.\n﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ الذي يحيط بالأجرام.\n﴿الْكَرِيمِ﴾ بالجرِّ على أنَّه (^٣) صفة العرش، وإنَّما وصفه بالكرم لأنَّ الرَّحمةَ والخير والبركة الإلهيَّة تنزل منه، ويجوز أن يكون توصيفُه بالكرم لنسبته إلى أكرم الأكرمين مجازًا، كما يُقال: بيتٌ كريمٌ: إذا كان ساكِنوه كرامًا.\nوقرئ بالرَّفع (^٤) على أنَّه صفة لـ ﴿رَبُّ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2790\"> </span>(١١٧) - ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعبدُه إفرادًا أو إشراكًا (^٥).\n﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ صفةٌ أخرى لـ (إله)؛ أي: لا حجَّة له عليه؛ لأنَّ البرهان عقليٌّ أو نقليٌّ، وليس في واحدٍ منهما ما يجوز أنْ يكون معه إلهٌ آخر، وهذا\n_________\n(^١) \"ولا يزول\" من (م) و(ي).\n(^٢) \"له\" من (ك) و(م).\n(^٣) \"على أنه\" سقط من (ك).\n(^٤) نسبت لأبان بن تغلب وابن محيصن وأبي جعفر المدني وإسماعيل عن ابن كثير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"وإشراكا\".","vol":"7","page":231},{"text":"وإنْ كان مذكورًا في موضع الصِّفة فليس للتَّمييز؛ لأنَّ الباطلَ بمعزلٍ عن أنْ يكون له دليل ضعيفٌ، فضلًا عن برهانٍ، وإنَّما جيءَ بها للتَّأكيد، ولبناء الحكم بالوعيد عليه؛ تنبيهًا على أنَّ التَّديُّن بما لا دليل عليه ممنوعٌ، فضلًا عمَّا دلَّ الدَّليل على خلافِه.\nأو اعتراضٌ (^١) بين الشَّرط والجزاء لبيان الملازمة، كقولك: مَن أحسنَ إلى زيدٍ لا أحقَّ بالإحسان منه، فاللهُ مُثيبُهُ (^٢).\nقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ كنايةٌ عمَّا ذُكِرَ؛ أي: فهو مُجازٍ له بما يستحقُّه.\n﴿إِنَّهُ﴾ أي: إنَّ الشَّأنَ. وقرئ بالفتح (^٣)؛ أي: لأنَّه، أو على أنه خبر؛ أي: حسابُه ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، من باب وضع الظَّاهر موضِعَ المُضْمَر؛ إذ أصله: حسابُه أنَّه لا يُفْلِحُ هو؛ لأنَّ (مَن يَدْعُ) في معنى الجمع، فمعنى حسابه أنَّه لا يفلح: حسابهم أنَّهم لا يفلحون، فغيّر تفظيعًا لشأنهم، وتفضيحًا لصورة حالهم، وإيماءً إلى عدم الفلاح لكفرهم.\nوصيغة الجمع للتَّنبيه على أنَّه لا يُغني اجتماعهم (^٤)، وإلَّا فالظَّاهر أنْ يُؤتَى بصيغة الإفراد؛ لأنَّ الفلاحَ منتفٍ عن جنسهم.\nوزاوَجَ (^٥) بين فاتحة السُّورة وخاتمتها بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في الفاتحة، و﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ في الخاتمة.\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"واعتراض\"، والمثبت من (ي) و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٩٧).\n(^٢) في (ك): \"مثبته\".\n(^٣) نسبت لقتادة وعيسى والحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ٩٨).\n(^٤) في (ع): \"لا يفضي اجتماعهم\"، وفي (ف) و(ك): \"لا يغني لاجتماعهم\".\n(^٥) في (ف): \"وقد جمع\"، وسقط من (ك).","vol":"7","page":232},{"text":"ثمَّ علَّمنا سؤال المغفرة والرَّحمة بقوله:\n\n<span id=\"aya-2791\"> </span>(١١٨) - ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ لأنَّ رحمَته إذا أدركَتْ أحدًا أغنَتْه عن رحمةِ غيره، ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته (^١).\n* * *\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"والله أعلم\".","vol":"7","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-88>سُورَةُ النُّورِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2792\"> </span>(١) - ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿سُورَةٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ لأنها مخصَّصةٌ بالتنكير الدالِّ على التعظيم كقولهم: شرٌّ أهرَّ ذا نابٍ (^١).\n﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفةٌ أو خبرٌ، ومَن نصبَها (^٢) جعلها مفسِّرة لناصبها، فلا يكون لها محلٌّ إلَّا إذا قدِّر: اتلُ، ونحوُه، ولا يجوز تقدير ذلك؛ لأن أداة الإغراء لا تُحذَف.\n﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾؛ أي: فرضنا ما فيها من الأحكام. وقرئ بالتشديد (^٣) للتكثير أو للمبالغة.\n﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: دلائلَ واضحاتٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لكي تتَّعظوا.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"المستقصى\" للزمخشري (٢/ ١٣٠)، و\"مجمع الأمثال\" للميداني (١/ ٣٧٠). وتقدم مع شرحه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥].\n(^٢) أي: قرأ: (سورةً) بالنصب، نسبت لعمر بن عبد العزيز ومجاهد وجمع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٠)، و\"المحتسب\" (٢/ ٩٩).\n(^٣) أي: ﴿وَفَرَّضْنَاهَا﴾، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦١).","vol":"7","page":237},{"text":"<span id=\"aya-2793\"> </span>(٢) - ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿الزَّانِيَةُ﴾؛ أي: المرأةُ التي مَكَّنت في الزنى - فالمُكرَهة خارجةٌ عن حدِّها - قدِّمت هنا لأصالتها في الزنى، أي: حرمة الوطء التي بها يتحقَّق الزنى منشؤها خلوُّ المحلِّ عن الملكية وشبهتها (^١)، كما قدِّم الزاني في الحكم الآتي ذكرُه لأصالته فيه.\n﴿وَالزَّانِي﴾ رُفعا بالابتداء، والخبر: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والفاء لتضمُّنها معنى الشرط؛ لأن اللام بمعنى (الذي).\nوقرئ بالنصب (^٢) على إضمار فعلٍ يفسِّره الظاهر.\nوالجَلْد: ضَرْب الجِلْد، وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الأثر (^٣) إلى اللَّحم.\nوالخطابُ لجماعة المسلمين، إلَّا أنه لمَّا لم يُمْكِنهم الاجتماع، فينوب الإمامُ منابهم، وعموم الآية يتناول المُحصَن وغيرَ المُحصَن، ثم خُصَّ منه المُحصَن بحديث الرَّجْم.\nوشرائطُ إحصانِ الرجم: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، والدخول بنكاحٍ صحيحٍ وهما على صفة الإحصان.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"الملكين وشبهتهما\"، وفي (ي): \"الملكين وشبههما\"، والمثبت من (ع).\n(^٢) أي: (الزانيةَ والزانيَ) بالنصب، نسبت لعمرو بن فائد وعيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وجمع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٠)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٠٠).\n(^٣) في (ك): \"الألم\".","vol":"7","page":238},{"text":"ورَجْمه ﵊ يهوديَّين قد زَنَيا (^١)، كان بحكم التوراة ثم نُسخَ، يؤيِّده قوله ﵊: \"مَن أشرك باللّه فليس بمُحصَن\" (^٢).\nوالتغريبُ المرويُّ منسوخٌ بهذه الآية كالحبس والأذى في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] لأن الفاء إنما تَدخل على الجزاء وهو اسمٌ للمكافئ (^٣).\n﴿تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ الرأفة: رقَّة الرحمة، وأخذُها كناية عن تأثيرها في النفس بحيث يظهر أَثَرُها في العمل، فمرجع النهي إلى المسامحة في إقامة الحدِّ كما ينبغي.\n﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾: في طاعته، أو: في حكمه، وإنما قال: ﴿بِهِمَا﴾ ليُعلم حُكم الرأفة بأحدهما بطريق الدلالة.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإن الإيمان يوجب الائتمارَ بأمر اللّه تعالى، وهذا من باب التهييج وإلهابِ الغضب لله ولدينه، وجواب الشرط مُضمَر؛ أي: فأقيموا الحدَّ ولا تساهلوا (^٤) فيه.\n﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾: ولْيَحضُر موضعَ حدِّهما، وتسميتُه عذابًا دليل على أنه عقوبةٌ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٦٣٥)، ومسلم (١٦٩٩)، من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) رواه ابن راهويه كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٣/ ٣٢٧)، والدارقطني في \"السنن\" (٣٢٩٥)، من حديث ابن عمر ﵄، قال الدارقطني: لم يرفعه غيرُ ابن راهويه، ويقال: إنه رجع عن ذلك، والصواب أنه موقوف.\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م) و(ي): \"للكافي\"، والمثبت من (ع).\n(^٤) في (ف): \"تتساهلوا\".","vol":"7","page":239},{"text":"﴿طَائِفَةٌ﴾: فِرقة يمكن أن تكون حلقة (^١)، وهي صفةٌ غالبة، كأنها الجماعة الحافَّة (^٢) حول الشيء.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ليعتبروا وينزجروا فإن التفضيح قد يُنكِّل أكثر ممَّا يُنكِّل التعذيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2794\"> </span>(٣) - ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ أي: لا يَميل إلَّا إلى نكاحِ واحدةٍ منهما.\n﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾؛ أي: لا تُمكَّن إلَّا إلى نكاح واحدٍ منهما، ومرجعُه إلى نفي ميلها عن نكاحِ غيرهما، فالقرينتان على سَنَن واحد، وإنَّما عدل في الثانية عن الصريح إلى الكناية؛ كراهةَ إسنادِ النكاح إليها.\nووجهُ ما ذكر: أن المشاكَلة (^٣) علَّةُ الأُلفة والتضامِّ، والمخالفةَ سببٌ للنُّفرة والافتراق، وهو نظيرُ قوله: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ الآية [النور: ٢٦]، فالآية تزهيدٌ في نكاح البغايا، إذ جعل الزنى فيها عديلَ الشرك في القُبْح.\n_________\n(^١) في (ك): \"صفة\"، وفي (ف) و(م): \"خلفه\"، وفي (ع): \"حلفه\"، والمثبت من (ي)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢١٠)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٨٧).\n(^٢) في (ك): \"الحالقة\"، وفي (ف): \"المخالفة\"، وفي (ع): \"الحاقة\"، والمثبت من باقي النسخ والمصدرين السابقين.\n(^٣) في (ف) و(م): \"المشاكل\".","vol":"7","page":240},{"text":"﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِمَا فيه من التشبُّه (^١) بالفُسَّاق، وحضورِ مواضع التُّهَمة، والتسبُّبِ بسوءِ (^٢) المقالة، والغِيبة، والطعن في النَّسَب، ومجالسةُ الزواني كم فيها من التعرُّض لاقتراف المفاسد والآثام، فكيف بمزاوجتهنَّ، ولذلك عبّر عن التنزيه بالتحريم مبالغة.\nوقيل: النفي بمعنى النهي، وقد قُرئ به (^٣)، والحرمة على ظاهرها، والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه، أو منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فإنه يتناول المسافِحاتِ، ويؤيِّده أنه ﵊ سُئلَ عن ذلك فقال: \"أوَّله سفاحٌ، وآخره نكاحٌ، والحرامُ لا يُحرِّم الحلالَ\" (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2795\"> </span>(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: يقذفون الحرائرَ العفائفَ المسلماتِ المكلَّفاتِ بالزنى؛ لوصف المقذوفات بالإحصان، وإنَّما عدل عن القذف إلى الرمي؛ لأنَّ القذفَ: الرميُ البعيد المستلزِمُ لصلابة المَرْميِّ، والقيدان المذكوران اعتبارُهما لا يناسب المقام.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"بسوء\".\n(^٢) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"التشبيه\".\n(^٣) أي: (لا يَنكحْ) بجزم الحاء، نسبت لعمرو بن عبيد. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص:١٠٠).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢١٢). ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٢٧٨٧)، وسعيد بن منصور في \"السنن\" (٨٨٨) و(٨٨٩) و(٨٩٠)، والدارقطني في \"السنن\" (٣٦٨١) عن ابن عباس موقوفًا.","vol":"7","page":241},{"text":"وذكرُهنَّ عقيب الزواني، واشتراطُ أربعة شهداء بقوله: ﴿ثُمَّ﴾ كلمةِ التراخي، دلَّ على أنه لا يجب عليه الإتيانُ بالشهود على الفور.\n﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على زنى المقذوفة؛ لأن القذفَ بغير الزنى يكفي فيه الشاهدان، ولإيجاب الحدِّ بقوله:\n﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القذف بغير الزنى لا يوجب الحدَّ، بل يوجب التعزيرَ كقذف غير المحصن بالزنى.\nونُصب ﴿ثَمَانِينَ﴾ نَصْبَ المصادر، كنَصْبِ ﴿مِائَةَ﴾، ونصب ﴿جَلْدَةٍ﴾ على التمييز.\nولا فرقَ فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، وتخصيصُ المحصنات لخصوص الواقعة، أو لأن قذفهنَّ كان أغلبَ (^١)، هذا ما قالوا.\nوأنا أقول: أُريدَ الأنفسُ المحصنات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فلا تخصيص.\nولا يشترط اجتماعُ الشهود عند الأداء، ولا شهادةُ زوج المقذوفة، ولكن يُشترط طلب المقذوف؛ لأن فيه حقَّه من حيث دفعُ العارِ، ولا خلاف فيه لأبي حنيفة.\nوضربُه أخفُّ من ضرب الزنى، قيل: لضعف سببه واحتماله الصدقَ، ولذلك نقص عددُه، وَيرِدُ عليه النقض بضَرْب التعزير، كما إذا كان المقذوف غيرَ محصَن، فإنه أشدُّ من ضرب الزنى مع قيام العلَّة المذكورة فيه.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"لم يقل: وأشنع؛ لأن فيه إخلالًا لثبوت الحكم في المحصن بدلالة النص\". وفيه إشارة لقول البيضاوي: (كان أغلب وأشنع).","vol":"7","page":242},{"text":"﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ نكَّر ﴿شَهَادَةً﴾ في موضع النفي فتعمُّ كلَّ شهادةٍ، وردُّ شهادته ليس لأنَّه مفترٍ (^١)، وإلَّا لَمَا تخلَّف عنه في قذف غيرِ المحصَن، بل لأنَّه من تمام الحدِّ فيتعلَّق باستيفاء الحدِّ أو بعضه، خلافًا للشافعي فيهما (^٢).\nلا يقال: حاله قبل الحدِّ أسوءُ ممَّا بعده؛ لأنَّه إن أريد أنه كذلك عند الناس فممنوع، وإن أريد أنه كذلك عند الله تعالى فلا يُجدي؛ لأن المعتبرَ في هذا الباب ما عند الناس، حتى قيل: تعتبر شهادة الفاسق الوجيه.\nوأصل الكلام: ولا تَقبلوا شهادتهم، وإنَّما غيِّر النظم بزيادة اللام لا لفائدة التنكير؛ لأنَّها تحصل بالتعريف الاستغراقي على وجهٍ أقوى، بل لإظهارِ وجه كون الرَّدّ المذكور من الحدِّ بإشعار أن في قبول الشهادة نفعًا للشاهد؛ لأنَّه يتضمَّن الإكرام، وضدُّه ويتضمَّن الإهانة.\n﴿أَبَدًا﴾؛ أي: إلى آخرِ أوقاتِ أهليَّتهم للشهادة لا إلى آخرِ عمره، ولذلك تُقبَل شهادة الكافر المحدود في قذفٍ بعد إسلامه؛ لحدوث أهليةٍ أخرى للشهادة بالإسلام، ولا خلاف للشافعي هنا، وإنَّما خلافه في انصراف الاستثناء الآتي ذكرُه.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ كلامٌ مستأنَف غيرُ داخلٍ في حيِّز جزاء الشرط؛ لأنَّه حكاية حالِ الرامين عند الشرع الحاكم بالظاهر، لا عند اللّهِ العالِم بالسرائر بعد انقضاء الجملة الشرطية (^٣)، وقولُه:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"لأنَّه ليس مفتر\".\n(^٢) قوله: \"فيتعلَّق باستيفاء الحدِّ أو بعضه، خلافًا للشافعي فيهما\". وقع في (ع) بعد قوله: \"فتعم كل شهادة\". وانظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٤٨٩).\n(^٣) في هامش (ع) و(ف) و(م) و(ي): \"ردّ لصاحب الكشاف، والعجب أنه بعد ما قال: سبب عقوبته محتمل للصدق إلا أنه عوقب صيانة للأعراض، كيف قال: إن حكاية حال الرامين عند الله. منه\".","vol":"7","page":243},{"text":"<span id=\"aya-2796\"> </span>(٥) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: القذفِ ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أحوالهم بالاستسلام للحدِّ أو الاستحلال عند (^١) المقذوف، استثناءٌ من الفاسقين، ويدلُّ عليه تعليل الاستثناء بقوله:\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يغفر ذنوبهم ويرحمهم، والشافعيُّ جعل جزاء الشرط الجملتين أيضًا، وجعل الاستثناء متعلِّقًا بالجملة الثانية، وحقُّ المستثنى عنده أن يكون مجرورًا بدلًا من (هم) في (لهم)، وحقُّه عندنا أن يكون منصوبًا لأنَّه عن مُوجَبٍ تامٍّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2797\"> </span>(٦) - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ هذا بيان حكمِ قذف الزوجات بالزنى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يَشهدون لهم به ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ بدلٌ من ﴿شُهَدَاءُ﴾ أو صفةٌ لهم على أن (إلَّا) بمعنى (غير).\n﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ﴾ قرئ بالرفع على أنه خبر، والمبتدأ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ وبالنصب (^٢)؛ لأنَّه في حكم المصدر بالإضافة إلى المصدر، وهو: ﴿شَهَادَاتٍ﴾ والعامل فيه المصدر الذي هو ﴿فَشَهَادَةُ﴾، وعلى هذا خبرُه محذوفٌ تقديره: فواجبٌ شهادةُ أحدِهم أربعُ شهادات.\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"عن\"، والمثبت من (ي).\n(^٢) قرأ بالرفع حفص وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦١).","vol":"7","page":244},{"text":"﴿بِاللَّهِ﴾ متعلِّق بـ ﴿شَهَادَاتٍ﴾ لقُربها، وقيل: بـ (شهادةُ) لتقدُّمها.\n﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: فيما رماها به من الزنى، وأصله: على أنه، فحذف الجارُّ وكُسرت (إنَّ)، وعلِّق العامل عنه باللام تأكيدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2798\"> </span>(٧) - ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿وَالْخَامِسَةُ﴾: والشهادة الخامسة ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في الرمي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2799\"> </span>(٨) - ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾: ويدفع عنها الحبسَ والحد (^١) ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾؛ أي: الرامي ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في الرمي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2800\"> </span>(٩) - ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيه، قرئ: ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ بالنصب عطفًا على أربع، وبالرفع على الابتداء، وما بعدها الخبر (^٢).\nوخصَّ الغضبُ في جانبها لأن النساء يَستعملنَ اللعنَ كثيرًا، كما ورد به الحديث (^٣)، فربَّما يجترئن على الإقدام لكثرة جري اللعنِ على ألسنتهنَّ\n_________\n(^١) في (ك): \"والحبر\"، وفي (ي): \"والجر\"، وفي باقي النسخ: \"والجبر\"، والمثبت من هامش (ي)، وعليه علامة التصحيح.\n(^٢) قرأ حفص بالنصب، وقرأ الباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦١).\n(^٣) رواه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد ﵁، ومسلم (٧٩) من حديث ابن عمر ﵄.","vol":"7","page":245},{"text":"وسقوطِ دفعه عن قلوبهنَّ، فذُكر الغضب في جانبهنَّ ليكون رادعًا لهنَّ.\nوإذا الْتَعَنَا كما بُيِّن في النصوص لا تقع الفُرقة حتى يفرَّق بينهما.\nوعند زُفَرَ والشافعيِّ يقع بتلاعنهما الفُرقة، وتكون الفُرقة تطليقة بائنة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف وزُفر والشافعي تحريم مؤبَّد.\nوأمَّا أنَّ حُكمَ لعانِ الزوج سقوطُ (^١) حدِّ القذف عنه وثبوتُ حدِّ الزنى عليها، فالنَّصُّ ساكتٌ عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2801\"> </span>(١٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ تُرك جواب (لولا)، وهو أبلغ لأن النفس تَذهَب في تقدير جوابِه كلَّ مذهب (^٢)، ولقد أحسن مَن قال: رُبَّ سكوتٍ أبلغُ من النُّطق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2802\"> </span>(١١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ هو أبلغُ ما يكون من الكذب والافتراء، وأصله من الأفك وهو الصَّرْف؛ لأنَّه قولٌ منصرِفٌ (^٣) .....................................\n_________\n(^١) في (م): \"وأما حكم لعان الزوج وسقوط\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٠٠).\n(^٢) في هامش (ع): \"ومن قدر الجواب فقد أخل بنكتة الترك. منه\".\n(^٣) في (ي): \"وهو القلب لأنَّه قول منقلب\". والمثبت من باقي النسخ، وكلاهما صواب، فمعنى الإفك=","vol":"7","page":246},{"text":"عن وجهه، والمراد: ما أُفكَ به على أمِّ المؤمنين عائشة ﵂، وقصَّتُه معروفة (^١).\n﴿عُصْبَةٌ﴾: جماعةٌ، قيل: من العشَرة إلى الأربعين، ويردُّه ما في مصحف حفصة ﵂: (عُصْبةٌ أربعةٌ) (^٢).\nيقال: تعصَّب القومُ، إذا اجتمعوا على هيئةٍ فشدَّ بعضهم بعضًا، ومنه: العُصْبة؛ لأنَّه يَجمعهم التعصُّب، ففي عبارة العُصْبة هنا حُسْنُ موقعٍ، ورجحانُها على عبارة الجماعة من جهة الدلالة على الكَمِّ والكيف، فهم: عبد اللّه بن أُبيٍّ رَأسُ المنافقين ورأس المتعصِّبين، وحسان بنُ ثابت، ومِسْطَح بن أثاثة، وحَمْنَة بنت جَحْش، ومَن ساعدهم (^٣).\n﴿مِنْكُمْ﴾: من المعدودين من أهل ملَّتكم، وهم ظنُّوا أنَّ الإفك وقع من الكفار، وفيه إظهارٌ لوجهِ غرابة ذلك الإفك، وخبر ﴿إِنَّ﴾: ﴿عُصْبَةٌ﴾، وقوله:\n﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ مستأنَف، والخطاب للرسول ﵊ وأبي بكر وعائشة وصفوان ومَن ساءه ذلك (^٤) .....................................\n_________\n= كما قال الآلوسي: القلب والصرف. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ٢٤٨).\n(^١) انظر تفصيل القصَّة عند البخاري (٤٧٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٥/ ١٦٦)، و\"روح المعاني\" (١٨/ ٢٥٢).\n(^٣) في هامش (ف) و(م): \"قال القرطبي: لم يسمَّ من أهل الإفك إلَّا حسان ومسطح وحمنة وعبد الله، وجُهل الغير، قاله عروة بن الزبير وقد سأله عن ذلك عبد الملك بن مروان، وقال: إلا أنهم كانوا عصبة، كما قال الله تعالى. انتهى، ولا وجه لذكر زيد بن رفاعة هنا. منه\".\n(^٤) في (م) و(ي): \"ومن أساءه ذلك\"، وفي (ع): \"ومن ساء ذلك\"، وسقطت من (ت) و(ك)، والصواب المثبت.","vol":"7","page":247},{"text":"﵃ من المؤمنين والمؤمنات، والهاءُ لـ (الإفك).\n﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ الشَّرُّ: ما زاد ضرُّه على نفعه، والخير ضدُّه.\n﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لاكتسابكم به الثوابَ العظيم، وظهورِ كرامتكم على اللّه تعالى بإنزال ثماني عشرةَ آيةً في براءتكم، وتعظيمِ شأنكم، وتهويلِ الوعيد لمن تكلَّم فيكم، والثناءِ على مَن ظنَّ بكم خيرًا.\n﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾؛ أي: لكلِّ امرئٍ من العُصْبة جزاءُ إثمه على مقدار خوضه فيه مختصًّا به، وكان بعضهم ضَحِكَ، وبعضهم تكلَّم فيه، وبعضهم سَكَتَ، وليس في عبارة ﴿امْرِئٍ﴾ إخراج حَمنَةَ بنتِ جَحْش عن هذا الحكم، بل ترك ذكرها إحالةً بمعرفة حالها على الدلالة؛ تنزيلًا لشأنها وتحقيرًا لها.\n﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: مُعظَمَه (^١)، وقرئ بالضَّمِّ (^٢)، وهو لغةٌ فيه، أي: قَرُبَ من آخرِ عمره ولم يَبعد عن المعاصي خصوصًا عن مثل هذه المعصية.\n﴿مِنْهُمْ﴾: من الخائضين في الإفك، وهو (^٣) ابنُ أُبَيٍّ فإنه بَدَأ به وأذاعه؛ عداوةً لرسول الله ﷺ.\n﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الآخرة.\nروى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا نزل عُذري قام النبيُّ ﵊ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلمَّا نزل من المنبر أَمَر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدَّهم (^٤).\n_________\n(^١) في (ع): \"تعظمه\".\n(^٢) أي: ﴿كِبْرَهُ﴾، وقرأ بها من العشرة يعقوب. انظر: \"العشرة\" (٢/ ٣٣١).\n(^٣) في (ك): (فإنه).\n(^٤) رواه أبو داود (٤٤٧٤)، ورواه أيضًا الترمذي (٣١٨١) وحسنه، وابن ماجه (٢٥٦٧).","vol":"7","page":248},{"text":"وهم: حسان بن ثابت ومِسْطَح بن أثاثة وحَمْنَة بنت جَحْش.\nقال علماؤنا: وإنَّما لم يُحدَّ عبدُ اللّه بنُ أُبيٍّ لأن اللّه تعالى قد أعدَّ له في الآخرة عذابًا عظيمًا، فلو حُدَّ في الدنيا لكان ذلك كفارةً له فيتخلَّص من عذابه الأخروي، وإنما حُدَّ هؤلاء المسلمون ليكفَّر عنهم إثمُ ما صدر عنهم من القذف، حتى لا يبقى عليهم تَبِعةٌ ذلك في الآخرة، وقد قال ﵊ في الحدود: \"إنَّها كفَّارة لمن أُقيمت عليه\" (^١).\nففي قوله تعالى: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إشارة إلى عدم وجوب الحدِّ على ابن أُبَيٍّ، ولذلك لم يحدَّه النبيُّ ﵊ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2803\"> </span>(١٢) - ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾.\nثم وبَّخ الخائضين فيه فقال: ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾؛ أي: الإفكَ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾: بالذين منهم، فالمؤمنون كنفسٍ واحدةٍ، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].\n﴿خَيْرًا﴾: عفافًا وصلاحًا، وإنَّما عدل عن الخطاب إلى الغَيبة وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بأنفسِكم؛ ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليدلَّ التصريحُ بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يُصدِّق مؤمنٌ\n_________\n(^١) انظر: \"طرح التثريب\" للعراقي (٨/ ٧٢ - ٧٣). وحديث أن الحدود كفارة رواه البخاري (١٨)، ومسلم (١٧٠٩)، عن عبادة بن الصامت ﵁.\n(^٢) في هامش (ع) و(ف) و(ي): \"هذا من دقائق الإشارات التي لم يتنبّه لها الناظرون في هذا المقام فقالوا ما قالوا. منه\".","vol":"7","page":249},{"text":"على أخيه، ولا مؤمنةٌ على أختها، قولَ عائبٍ (^١) ولا طاعنٍ، و[هذا] (^٢) من الأدب الحَسَن قَلَّ القائمُ به.\nوإنما جاز الفَضل بين (لولا) وفعلِه بالظرف؛ لأنَّه منزَّل منزلته من حيث إنَّه لا ينفكُّ عنه، ولذلك يُتَّسع فيه ما لا يُتَّسع في غيره، وذلك للاهتمام بالظرف والإيذانِ بأن لا يخلو في أوَّل وقتِ السماع بالإتيانِ بالمحضَّض (^٣) عليه.\n﴿وَقَالُوا﴾ كما يقول المستيقنُ المُطَّلع على حقيقة الحال، قُرن بالظنِّ التصريحُ بالقول؛ ليفيد أنَّ اللائقَ بالمؤمن أن يَبنيَ قولَه على ظنِّ الخيرِ في أوَّل وقت السماع.\n﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾: كذبٌ ظاهرٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2804\"> </span>(١٣) - ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\n﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ هلَّا جاؤوا على القذف لو كانوا صادقين بأربعة شهداء.\n﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الأربعة ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه وشريعته، وفي عبارة ﴿عِنْدَ﴾ تعظيمٌ لِمَا في أحكام الشرع من العمل بالظاهر.\n_________\n(^١) في (ف): \"فعل غائبة\"، وفي (ك): \"فعل عائبة\".\n(^٢) ما بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٣)، و\"البحر المحيط\" (١٦/ ٣٩ - ٤٠).\n(^٣) في (ع): \"بالمخصص\"، وفي (ك): \"بالمحضوض\".","vol":"7","page":250},{"text":"﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ من جملة المقول، تقريرٌ لكونه كذبًا، فإنَّ ما لا حجَّة عليه مكذَّب (^١) في حُكم الشرع، ولذلك رتّب الحدّ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2805\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (لولا) هذه لامتناع وجود الشيء لوجود غيره؛ أي: ولولا أنِّي قضيتُ أن أتفضَّل عليكم في الدنيا بضروب النِّعَم التي من جملتها الإمهال للعقوبة، وأن أترحَّم عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة بسبب توبتكم واستسلامكم للحدَّ ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾: بسبب ما خضتم فيه، يقال: أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندَفَعَ.\n﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يُستَحْقَر دونه اللومُ والحدُّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2806\"> </span>(١٥) - ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.\n﴿إِذْ﴾ ظرف لـ (مسكم) أو لـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾.\n﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ التَّلقِّي كالتلقُّن والتلقُّفِ، إلَّا أن في التلقِّي معنى الاستقبال، وفي التلقُّن الحَذْق في التناول، وفي التلقُّف الاحتيال في التناول، ذكره الراغب (^٢)، ولا اختصاص له بالكلام فلذلك قال:\n_________\n(^١) في (ك): \"كذب\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ١٦٠). وجاء في هامش (ف) و(ي): \"التلقي يبش الشن وجزي را ازكسي فراء كرفن تاج المصادر، فمن فسَّر التلقِّي بمطلق الأخذ، فقد أضرَّ بحسن موقع الكلمة في هذا المقام. منه\". وهو في هامش (م) دون الألفاظ غير العربية.","vol":"7","page":251},{"text":"﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾؛ أي: أنَّ بعضَكم كان يقول لبعض: هل بَلَغك حديثُ عائشة! حتى شاعَ فيما بينهم وانتشر، فلم يبقَ بيتٌ ولا نادٍ إلا طاَرَ فيه.\n﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ إنَّما قيَّد بالأفواه مع أنَّ القولَ لا يكون إلا بالفم؛ لأن المراد بيان أَنَّهم يقولون كلامًا لا يساعده القلبُ بأدنى درجات العلم، فالتنكير في قوله: ﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ للتقليل.\n﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ سهلًا لا تَبعةَ له، فهذه ثلاثةُ آثام مترتِّبة علِّق بها مسُّ العذاب العظيم: تلقِّي الإفك بألسنتهم، والتحدُّثُ به من غير علمٍ، واستصغارهم بذلك.\n﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ في الوِزْر.\nثم أخذ في توبيخهم على التكلُّم به، وكان الواجب عليهم إذ سمعوه أن لا يتفوَّهوا به فقال:\n\n<span id=\"aya-2807\"> </span>(١٦) - ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَلَوْلَا﴾: وهلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا﴾ ما ينبغي وما يصحُّ لنا ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ قد تقدَّم فائدةُ تقديم الظرف، ووجه الفَصْل به بين (لولا) و﴿قُلْتُمْ﴾.\n﴿سُبْحَانَكَ﴾ للتعجُّب من عِظَم الأمر، ومعنى التعجُّب في كلمة التسبيح: أنَّ الأصل أنَّ يُسبَّح اللّهُ عند رؤية العَجَب من صنائعه (^١)، ثم كثُر حتى استُعمل في كلِّ مُتعجَّب منه، أو لتنزيه اللّه تعالى من أن تكون حرمةُ نبيِّه ﵇ فاجرةً، فإن فجورها ينفِّر عنه ويخلُّ بمقصود الزواج، بخلاف كفرها، فيكون تقريرًا لِمَا تقدَّم وتمهيدًا لِمَا تأخَّر.\n_________\n(^١) في (ك): \"صانعه\".","vol":"7","page":252},{"text":"﴿هَذَا﴾ الإشارة إلى القول المخصوص، ويجوز أن يكون إلى نوعِه؛ فإن قذفَ آحادْ الناس مُحرَّم شرعًا، فضلًا عن تعرُّض الصِّدِّيقة بنتِ الصِّدِّيق حرمةِ رسول الله ﷺ.\n﴿بُهْتَانٌ﴾ زُورٌ يَبهتُ (^١) مَن يَسمع ﴿عَظِيمٌ﴾.\nوفي بعض الأخبار: أنَّ أمَّ أبي أيوبَ قالت لأبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁: أمَا بَلَغك ما تقول الناسُ في عائشة ﵂؟! فقال أبو أيوبَ: سبحانك، هذا بهتان عظيم (^٢). فنزلت الآية على وفق قوله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2808\"> </span>(١٧) - ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: يُحذِّركم اللّهُ ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾: في أن تعودوا إلى مِثْلِ ما فعلتُم من القولِ به وسماعِه وتلقِّيهِ (^٣).\n﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم أحياءً مكلَّفين.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه تهييجٌ لهم ليتَّعظوا، وتذكيرٌ بما يوجب تركَ العَود، وهو الإيمانُ الصادُّ عن كلِّ قبيح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2809\"> </span>(١٨) - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الدالَّةَ على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتَّعظوا وتتأدَّبوا.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"بهت\".\n(^٢) رواه الطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ ٧٦) من حديث عائشة ﵂.\n(^٣) في (م): \"وتلقنه\".","vol":"7","page":253},{"text":"﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يَأمر وَينهى ﴿حَكِيمٌ﴾ فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2810\"> </span>(١٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾: يُؤثِرون ﴿أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾: أن تنتشرَ الفاحشة؛ أي: ما قَبُحَ جدًّا، والمعنى: يحبُّون شيوعها ويُشيعونها؛ لأنَّ عذاب الدنيا لا يكون إلَّا بعد إشاعتها، وليس هذا من قَبيل الكناية ولا من قبيل المجاز المرسل؛ لأن كلًّا من معنى المحبَّة والإشاعةِ مقصودٌ، بل من قَبيل الاكتفاء عن ذِكْر الشيء بذكر ما يقتضيه (^١)؛ تنبيهًا على القوَّة في المقتضي.\nويجوز أن يكون المعنى: أتُشيعون الفاحشةَ محبِّين شيوعها، على التضمين.\n﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾: في حقِّ المؤمنين (^٢)، وهم المقذوفون منهم، أو فيما بين المؤمنين.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالحدِّ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ بواطنَ الأمور وسرائرَ الصدور ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فعاقِبوا في الدنيا على ما دلَّ عليه الظاهر، واللّهُ يعاقِبُ على السرائر من حبِّ الإشاعةُ وغيرِه إن لم يتوبوا عنها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2811\"> </span>(٢٠) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بذكر نقيضه\".\n(^٢) في (ف): \"المبين\".","vol":"7","page":254},{"text":"﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لعجَّل لكم بالعذاب (^١)، كرَّر المنَّة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغةً في تعظيم الجريمة والتوبيخ لهم.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث أظهر براءةَ المقذوف وأثابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ بغفرانه جنايةَ القاذف إذا تاب، وهذا لأن الرأفةَ رقَّةُ الرحمة، وهي تناسب حالَ المقذوف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2812\"> </span>(٢١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا﴾ الاتِّباعُ: الاقتداءُ بالدَّاعي الذاهبِ في جهةٍ باقتفاء أَثَره في الذهاب في تلك الجهة، فالمتَّبَع في الحقيقة نفسُ الداعي لا أَثَرُه، وإنَّما أُضيف الاتِّباع هنا إلى الأثَر تنزيلًا له منزلةَ الداعي مبالغةً.\n﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أريد بخُطُوات الشيطان تعدِّيه حدودَ اللّه تعالى بالوسوسة وتجاوزُه عنها.\n﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ حذف جزاؤه لظهوره، وأُقيم علَّته مقامَه.\n﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ﴾ تعليل للجزاء المحذوف، والجملة الشرطية قائمةٌ مقام تعليل النهي.\n﴿بِالْفَحْشَاءِ﴾: ما أفرط قُبْحُه ﴿وَالْمُنْكَر﴾: ما أنكره الشرعُ في الجملة، فهو تعميمٌ بعد التخصيص، وفائدته التنبيه بتقديم الخاصِّ على اختصاصه بزيادة الاعتناء في شأنه من جهة الأمر.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"لعجل العذاب\".","vol":"7","page":255},{"text":"﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بتوفيقِ التوبة الماحية للذنوب، وشَرْعِ الحدود المكفِّرة لها ﴿مَا زَكَى﴾ ما طهر من دَنَسها ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ ما دام حيًّا مكلفًا.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ بحمله (^١) على التوبة وقَبولها ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بمقالاتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ وبِنيَّاتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2813\"> </span>(٢٢) - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: ولا يَحلِفْ، افتعالٌ من الأَليَّة، يُرشد إليه أنه قرئ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (^٢)، وأنَّه نزل في أبي بكرٍ ﵁ وقد حَلَف أن لا يُنفِق على مِسْطَح بَعْدُ، وكان ابنَ خالته وكان من فقراء المهاجرين (^٣).\n﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدِّين، وفيه دليل على فَضْل أبي بكر ﵁.\n﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المالِ.\n﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ كراهة أن يؤتوا، وقرئ بالتاء على الالتفات (^٤).\n﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفاتٌ لموصوفٍ واحد؛ أي: ناسًا جامعين لها؛ لأن الكلام فيمَن كان كذلك، أو لموصوفاتٍ أُقيمت مقامها، فيكون أبلغَ في تعليل المقصود.\n_________\n(^١) في (ك): \"يحمله\".\n(^٢) قرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٣١). وهذا مضارع تألَّى بمعنى: حَلَف.\n(^٣) قطعة من حديث الإفك الطويل رواه البخاري (٤٦٥٠)، ومسلم (٢٧٧٠)، عن عائشة ﵂.\n(^٤) قرأ بها أبو حيوة وابن قطب وأبو البرهسم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠١).","vol":"7","page":256},{"text":"﴿وَلْيَعْفُوا﴾ ما فرَط منهم ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ الصَّفْح: الإعراض، ولْيتجاوزوا عن الجفاء، ولْيُعرِضوا عن العقوبة.\n﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هذا غايةُ تلطُّفٍ في الخطاب؛ أي: فإذا أحببتم مغفرة اللّه لكم فاغفروا لغيركم.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: فتأدَّبوا بأدب اللّه واعفوا وارحموا.\nولمَّا نزل ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو بكر ﵁: بلى يا ربِّ، ثم عاد بمِسْطَح (^١) إلى ما كان وكفَّر يمينه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2814\"> </span>(٢٣) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: العفائفَ ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ ممَّا قُذفنَ به، كناية عن براءتهنَّ منه ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بما يجب الإيمان به، استباحةً لعرضهنَّ وطعنًا في الرسول والمؤمنين كابنِ أُبَيٍّ.\nأُريدت عائشةُ ﵂ وحدها، وإنَّما جمع لأن مَن قَذَفَ واحدةً من نساء النبيِّ ﵊، فكأنَّه قد قذفهنَّ.\nوأعاد الكلام دفعًا لِمَا عسى أن يَسبق إلى الأوهام من قضية مِسْطَحٍ أنَّ سائر (^٣) قذفَةِ عائشة مغفورون بالجَلْد والتوبة.\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"لمسطح\"، والمثبت من (ي).\n(^٢) قطعة من حديث الإفك الطويل عن عائشة ﵂، وقد تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٣) \"سائر\" من (م).","vol":"7","page":257},{"text":"﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ يتكلَّم المؤمنون في الدنيا بلعنهم والملائكةُ في الآخرة.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لعِظَم ذنوبهم، ودلَّ ذلك على معنى: يعذَّبون، وهو العامل في: ﴿يَوْمَ﴾ لا العذاب؛ لأنَّه موصوفٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2815\"> </span>(٢٤) - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ﴾ وقرئ بالياء (^١)، للتقدُّم والفَصْل.\n﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾ هذا في حقِّ القَذَفة، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية [يس: ٦٥] في حقِّ المشركين، فلا منافاة.\n﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعترفونَ بها بإنطاق اللّه تعالى، على ما نطَق به قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] بغير اختيارهم على ما دلَّ عليه قولهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١] وفي ذلك مزيد تهويلِ العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2816\"> </span>(٢٥) - ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾.\n﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾: جزاءَهم ﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب، وصفًا لـ ﴿اللَّهَ﴾ على المدح، لقراءة مجاهد بالرفع (^٢) وقراءةِ أَبَيٍّ: (يوفِّيهم اللّهُ الحقُّ دينَهُم) (^٣)، والأصل في القراءات التوافق.\n_________\n(^١) قرأ بها حمزةُ والكسائيُّ. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦١).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠١)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٠٧).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠١)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٧٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٥/ ١٨٤).","vol":"7","page":258},{"text":"﴿يَعْمَلُونَ﴾ عند ذلك ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الثابتُ بذاته، الظاهرُ ألوهيتُه، لا يُشاركه في ذلك غيُره، لارتفاع الشكوك وحصولِ العلم الضروريِّ.\nولم يغلِّظ اللّهُ تعالى في القرآن في شيءٍ من المعاصي تغليظَه في إفكِ عائشةَ ﵂، فأَوجز في ذلك وأَشبع، وفصَّل وأَجمل، وأكَّد وكرَّر، وما ذلك إلَّا الإِصْر (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2817\"> </span>(٢٦) - ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من القول والعمل ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال، وعلى هذا بقيَّته.\nوقيل: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، وكذا بقيَّته.\n﴿وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ وفيه تنزيهُ عائشة ﵂ لِمَا أنها زوجةُ الرسول ﷺ، فهي طيِّبةٌ لزوجٍ طيِّبٍ، وامرأةُ المنافق القاذفِ خبيثة لزوجٍ خبيثٍ.\n﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾، أي: فيهم، و﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى الطيبين وأَنَّهم مبرَّؤون ممَّا يقول الخبيثون مِن خبيثات الكَلِم، وهو كلامٌ جارٍ مجرى المَثَل لعائشةَ ﵂ وما رُميَت من قولٍ لا يُطابِق حالها في النزاهة والطِّيب.\nويجوز أن يكون ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى أهل البيت، وأنَّهم مبرَّؤون ممَّا يقول أهلُ الإفك.\n_________\n(^١) في (ع): \"إلا الأمر\"، وفي (ي): \"إلا لأمر\"","vol":"7","page":259},{"text":"﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ في المحشر، مستأنفٌ، أو خبرٌ بعد خبرٍ ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في الجنة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2818\"> </span>(٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ التي اختصَّ بكم سُكناها، سواءٌ سكنتُم فيها أو لم تسكنوا؛ أي: لا تدخلوا بيوتًا يَسكنها غيرُكم.\nوهذا يعمُّ مسكنَ الأمِّ فإنه لا يجوز أن يدخل عليها مغافصة (^١)، روي أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: أَستأْذِنُ على أمِّي؟ قال: \"نعم\"، قال: لا خادمَ لها غيري، أستأذِنُ عليها كلَّما دخلت؟ قال: \"أتحبُّ أن تراها عريانةً\"؟ قال: لا، قال: \"فاستَأذِن\" (^٢)، وهو تأديبٌ بما يرجع إلى التحرُّز عن الاطِّلاع على عورةِ الغير.\n﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ (^٣)؛ أي: تَستَعْلِموا مَن في البيت بأيِّ وجهٍ أَمْكن (^٤)، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]؛ أي: عَلِمتم، وفي \"سنن ابن ماجه\" عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام فما الاستئناس؟ قال:\n_________\n(^١) أي: على حين غرة. ووقع في (م): \"مناقصة\"، وفي (ع): \"منافضة\"، وفي (ي): \"مفاضة\".\n(^٢) رواه الإمام مالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٦٣)، وأبو داود في \"المراسيل\" (٤٨٨)، عن عطاء بن يسار مرسلًا، قال ابن عبد البرّ في \"التمهيد\" (١٦/ ٢٢٩): هذا الحديث لا أعلم يستند من وجه صحيح بهذا اللفظ، وهو مرسل صحيح مجتمع على صحة معناه.\n(^٣) في (ف): \"تستأذنوا\".\n(^٤) في هامش (ف) و(م): \"فإن المانع عن الدخول قبل الاستئناس سكون الغير، وانتفاؤه لا يَستلزم ثبوت سكونهم. منه\".","vol":"7","page":260},{"text":"\"يتكلَّم الرجلُ بتسبيحةٍ وتكبيرةٍ وتحميدةٍ، وتَنحْنُحٍ، ويُؤذِن أهلَ البيتِ\" (^١).\n﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بأن تقولوا: السلامُ عليكم، أَأَدخُل، وعنه ﵊: \"التسليم أن يقول: السلامُ عليكم، أَأَدخُل\"، ثلاث مرات، فإن أُذنَ له دَخَلَ، وإلَّا رجع (^٢).\nوقيل: إنْ تلاقَيَا يُقدِّم التسليم، وإلَّا فالاستئذان.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: الاستعلامُ والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تحيَّة الجاهليةِ والدُّمُور - وهو الدخول بغير إذنٍ - وكان الرجل من أهل الجاهلية إذا دخل بيتَ غيرِه يقول: حُيِّيتُم صباحًا، و: حُيِّيتُم مساءً، ثم يدخل، فربَّما أصاب الرجلَ مع امرأته في لحافٍ واحد.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ متعلِّق بمحذوف؛ أي: أُنزل إليكم - أو: قيل لكم هذا - إرادةَ أن تَذكروا وتَعملوا بما هو أصلحُ لكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2819\"> </span>(٢٨) - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) رواه ابن ماجه (٣٧٠٧)، وفي إسناده: أبو سَوْرة - وهو ابن أخي أبي أيوب - وهو ضعيف.\n(^٢) انظر في الأمر بالرجوع بعد الاستئذان ثلاثًا حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣). وروى أبو داود في \"سننه\" (٥١٧٧)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١٠٠٧٥)، من طريق رِبْعِيِّ بنِ حِراش أنه قال: حدَّثنا رجلٌ مِن بني عامر استأذَن على النبيِّ ﷺ وهو في بيتٍ، فقال: آلِجُ؟ فقال النبيُّ ﷺ لخادِمه: \"اخرُجِ إلى هذا، فَعَلِّمْهُ الاستئذانَ، فقل له: قُل السَّلامُ عليكم، آدْخُلُ؟ \"، فَسَمِعُه الرجلُ، فقال: السلامُ عليكم، آدخُلُ؟ فأذِنَ النبيُّ ﷺ، فدخَلَ. ورجال إسناده ثقات إلا أنَّ فيه انقطاعا. انظر حديث أبي سعيد عند البخاري (٦٢٤٥) ومسلم (٢١٥٣).","vol":"7","page":261},{"text":"﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ يَأذنُ لكم، وإنما قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ دون: لم يكن؛ لمكان التفقُّد المأمور به في ضمن الأمر بالاستئناس.\n﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ يعني: إن كان لكم فيها حاجة.\n﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ لا لأن التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه محظور؛ لأنَّه لا ينتظِم ما إذا كان الداخل مُعِيرًا (^١)، بل لأن المانع عن الدُّمور ليس الاطِّلاعَ على العورات فقط، بل وعلى ما تُخفيه الناس عادةً.\nوالمراد من الإذن: ما يعمُّ الإذن دلالةً كما إذا عَرَض حرقٌ أو غرقٌ أو نحوُ ذلك، وأمَّا الذي فيه مُنكَرٌ فلا يكون خاليًا، فلا يكون في معرض الاستثناء.\n﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تُلحُّوا ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾: الرجوع أطهرُ لكم عمَّا لا يخلو عنه الإلحاح من الكراهة.\n﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يَعلم ما تَأتون وما تَذرون ممَّا خوطبتم به، فيجازيكم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2820\"> </span>(٢٩) - ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: في أن تدخلوا ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ كالخانات والرِّباطات والحوانيت ﴿فِيهَا مَتَاعٌ﴾: استمتاع ﴿لَكُمْ﴾ كالاستِكْنان من الحَرِّ والبرد، وإيواءِ الرحال والسِّلع، والجلوسِ للشِّرى والبيع، وذلك استثناء (^٢) من الحكم السابق؛ لشموله البيوتَ المسكونة وغيرَها.\n_________\n(^١) في (ي) لعلها: \"فقيرا\".\n(^٢) في (م): \"الاستثناء\".","vol":"7","page":262},{"text":"﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيدٌ لمن دخل مَدخلًا لفسادٍ، أو يطَّلعَ على عورات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2821\"> </span>(٣٠) - ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.\n﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ لم يذكر ما يُغَضُّ البصرُ عنه ويُحفظ الفرج؛ لأن ذلك معلوم بالعادة، فإن مَن سمعه يَعلم أن المراد منه المحرَّمُ دون المحلَّلِ، فلا حاجة إلى الاستثناء، وليس كلُّ المحرَّم ممَّا يَجب غضُّ البصر عنه، بخلاف حفظ الفرج، فإن كلَّ ما يَحرُم يجب حفظه عنه، فلذلك أدخل (^١) حرفُ التبعيض في الأول، وأطلق الثاني.\n﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ لما فيه من البُعد عن دَنَس الإثم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ من إجالة النظر واستعمالِ سائر الآلات وما يقصدون بها، فليكونوا على حَذَرٍ منه في كلِّ حركة وسكون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2822\"> </span>(٣١) - ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"دخل\".","vol":"7","page":263},{"text":"﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ إنَّما قدّم غضّ الأبصار على حفظ الفروج؛ لأن النظرَ بريدُ الزنى ورائدُ الفجور، وبذرُ الهوى طموحُ العين.\n﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّيْنة: ما تزيَّنت به المرأةُ من حُلِيٍّ أو كُحْلٍ أو خضابٍ، والمنهيُّ (^١) إظهارُ مواضعِ الزينة، إذ إظهارُ عينِها (^٢) مباحٌ، فالمراد بها مواضعها مجازًا، أو إظهارها وهي في مواضعها لا إظهار أعيانها.\n﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: بلا إظهار منهنَّ، كما إذا هبَّت الريحُ وكشفت عنها الستر، والاستثناء عن الحكم الثابت بطريق الإشارة، وهو الاستحقاق بالمؤاخَذة في دار الجزاء بسبب ظهورها، وقد مرَّ وجه هذا النوع من الاستثناء في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].\nوما ظهر بإظهارٍ منهنَّ ضرورةً - كالمعالجة وتحمُّل الشهادة ونحوِ ذلك - في حُكم ما ظهر بلا إظهارٍ منهنَّ، وأمَّا جريان المعادة والجِبِلَّةِ على ظهوره، فلا يَصلح وجهًا للاستثناء المذكور.\n﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾: ولْيَضعنَ، من قولك: ضَربتُ بيدي على الحائط، إذا وضعتَها عليه.\n﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾: جمع خِمارٍ ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ كانت جيوبهنَّ واسعةً تَبدو منها صدورهنَّ وما حواليها، وكنَّ يَسدُلنَ الخُمُرَ من ورائهنَّ فتبنى مكشوفة، فأُمِرن أن يَسدُلْنها من قُدَّامهنَّ حتى يغطينها.\n_________\n(^١) في (م): \"والنهي عن\".\n(^٢) في (ك): \"غيرها\". والمراد بـ \"عينها\": عين الزينة، يعني: حين لا تكون على المرأة.","vol":"7","page":264},{"text":"﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرَّره لبيان مَن يحلُّ له الإبداء ومَن لا يحل له:\n﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾: لأزواجهنَّ.\n﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيه الأجدادُ.\n﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا.\n﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ ويدخل فيه النوافل.\n﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ فقد صاروا محارمَ أيضًا.\n﴿أَو إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ ويدخل فيهم النوافل وسائر المحارم كالأعمام والأخوال وغيرهم دلالةً.\n﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: الحرائر المؤمنات، فإن مُطلَق هذا اللفظ للحرائر، والإضافة لإخراج الكافرات فإنهنَّ لا يتحرَّجن عن وصفهنَّ للرجال.\n﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعمُّ الإماء والعبيد؛ لما روي عن النبيِّ ﷺ أنه (^١) أتى فاطمةَ ﵂ بعبدٍ وَهَبهُ لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسَها لم يَبلغ رجليها، وإذا غطَّت رجليها لم يَبلغ رأسَها، فقال ﵊: \"إنه ليس عليك بأسٌ، إنما هو أبوك وغلامك\" (^٢).\nوقال سعيد بن المسيب: لا تغرنَّكم سورةُ النور، فإنَّها في الإماء دون الذكور (^٣).\n_________\n(^١) \"أنه\" من (ف) و(ك).\n(^٢) رواه أبو داود (٤١٠٦).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٣٢)، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٦٩١٠). قال الزمخشري: وهذا هو الصحيح؛ لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها، خصيًّا كان أو فحلًا.","vol":"7","page":265},{"text":"وَيرِدُ عليه أنه حينئذٍ يَلزم أن يكون في المذكور إطنابٌ مخلٌّ، واللازم مُنتفٍ بلا شبهة.\n﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾: الذين يَتْبَعون القومَ فيأكلون معهم ويرتفقون بهم.\n﴿غَيْرِ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال، وبالجرِّ على البدل أو على الوصفية (^١).\n﴿أُولِي الْإِرْبَةِ﴾: الحاجةِ إلى النساء، وهم الذين لا يَشتهون النساء، فلا يحتاجون إليهنَّ من هذه الجهة، وهذا ليس بواقعٍ على الخصيِّ والمجبوب والمخنَّث؛ لأنهم يُشتهَون وَيشتهُون النساء.\n﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ هو جنسٌ، فصلح أن يُراد به الجمع بدلالة الوصف.\n﴿لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ لعدم تمييزهم؛ من الظهور بمعنى الاطِّلاع، أو: لعدم بلوغهم إلى حدِّ الشهوة؛ من الظهور بمعنى الغلبة.\n﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾؛ أي: الأرضَ عند المشي ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ليَتَقعقَع خَلْخالها فيُعلم أنها ذاتُ خَلْخال، وإنما نهى عنه لأن سماع هذه الزينة أشدُّ تحريكًا للشهوة من إبدائها، فلا دلالة فيه على أن إبداءَ الزينة نفسه مقصودٌ بالنهي فيما تقدَّم.\n﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إذ لا يكاد يخلو أحدٌ منكم من تفريط سيَّما في الكَفِّ عن الشهوات، وقوله:\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بيانُ أنه أَمَرهم بالتوبة لينتفعوا بذلك، لا أن يكون للحقِّ سبحانه بها تجمُّل.\n_________\n(^١) قرأ بالنصب ابن عامر وشعبة، وباقي السبعة بالجر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦١).","vol":"7","page":266},{"text":"<span id=\"aya-2823\"> </span>(٣٢) - ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأَيامى: جمع أَيِّم، وهو مَن لا زوجَ له، رجلًا كان أو امرأةً، بكرًا كان أو ثيِّبًا، وأصله: أيايم فقُلب.\nوالخطاب للأولياء والسادة، والأمرُ للندب، لا يقال: في الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء، كما أن تزويج العبيد والإماء إلى الموالي؛ لأنَّا نقول: الرجلُ لا يَلي الرجلَ الأيِّمَ إلَّا بإذنه، فكذا لا يلي على المرأة إلَّا بإذنها؛ لأن الأيِّم ينتظِمُهما، ولا فارق من جهة النظم.\n﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ تخصيصُهم لأنَّ إحصانَ دينِهم والاهتمامَ بشأنهم أهمُّ.\n﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾؛ أي: من غلمانِكم وجواريكم.\n﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وعدٌ من اللّه تعالى بالإغناء؛ لقوله ﵇: \"اطلبوا الغنى في هذه الآية\" (^١)، ولقوله ﵇: \"التمِسوا الرزق بالنكاح\" (^٢).\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: ذو سعة لا يرزؤه إغناءُ الخَلْق ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق ويقدره على ما تقتضيه حكمته.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٠٥)، وقال المناوي في \"الفتح السماوي\" (٢/ ٨٧١): لم أجده. قلت: رواه عبد العزيز بن أبي رواد عن النبي ﷺ مرسلًا، كما في \"تفسير ابن أبي زمنين\" (٣/ ٢٣٣)، و\"النكت والعيون\" (٤/ ٩٨).\n(^٢) رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" (٢٨٢)، وعزاه العجلوني في \"كشف الخفاء\" (١/ ٢٠٢) للثعلبي في \"تفسيره\" وضعفه.","vol":"7","page":267},{"text":"<span id=\"aya-2824\"> </span>(٣٣) - ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ ولْيَجتهدْ في العفَّة وقَمْع الشهوة، كأنَّ المستعفِف طالبٌ من نفسه العَفَاف.\n﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ استطاعةَ تزوُّجٍ من المهر والنفقة ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nانظر كيف رتَّب هذه الأوامر؛ فأَمر أولًا بما يعصم من الفتنة ويُبعد من موافقة (^١) المعصية وهو غضُّ البصر، ثم بالنكاح الذي يُحصَّن به الدِّين، المغني عن الحرام، ثم بعزف (^٢) النفس الأمَّارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يقدر عليه.\n﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: والمماليك الذين يطلبون الكتابةَ فـ (الذين) مرفوع بالابتداء، أو منصوبٌ بفعل يفسِّره:\n﴿فَكَاتِبُوهُم﴾ وهو للندب، ودخلت الفاء لتضمُّن معنى الشرط، والكِتاب والمكاتبة كالعِتاب والمعاتبة، وإنَّما سمِّي ذلك العقدُ به؛ لأن السَّيِّد كَتبَ على نفسه عتقه إذا أدَّى المال، ويجوز حالًّا ومؤجَّلًا، منجَّمًا وغيرَ منجَّم؛ لإطلاق الأمر،\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والذي في \"الكشاف\" (٣/ ٢٣٨): (مواقعة)، وهو الأنسب بالسياق.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بعرف\"، وفي (ع): \"بصرف\"، والمثبت من (م) و(ي). وهو الأقرب إلى ما في المصدر السابق، ولفظه: (ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح …).","vol":"7","page":268},{"text":"وعدمُ المال لا يَستلزم العجز عن الأداء في الحال؛ لأنَّه قادرٌ على الاستقراض.\n﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: قدرةً على الكسب، أو أمانةً، أو ديانةً، والنَّدْبيَّة متعلِّقة بهذا الشرط كما أن النَّدْبية في إنكاح الأيامى متعلِّقة بشرط الصلاح.\n﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتَبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وعند الشافعيِّ معناه: حُطُّوا من بدل الكتابة شيئًا قلَّ أو كثر، ويأباه عبارة الإيتاء؛ لأنها تقع على التمليك لا على الحطِّ.\n﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ كنَّى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة، والبِغاء: الزنى للنساء خاصَّة، وهو مصدر البغي.\n﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ تعفُّفًا عن الزنى، وإنما قيَّد بهذا الشرط لا لأنَّ الإكراه لا يتحقَّق بدونه؛ لأنَّه على تقدير التسليم يكون سببًا للترك لا للذكر، بل لأنها نزلت في ابن أُبَيٍّ وكانت له جَوارٍ يُكرههنَّ على البغاء، وفيه توبيخٌ بالموالي؛ أي: إذا رغبنَ في التحصُّن، فأنتم أحقُّ بذلك، وإيثار (إن) على (إذا)؛ لأن إرادة التحصُّن من الإماء كالشاذِّ النادر.\n﴿لِتَبْتَغُوا﴾: لابتغائكم، فإن الفعل هنا منزَّل منزلةَ المصدر، كما في قوله: تَسمعُ بالمُعيدِيِّ خيرٌ من أن تراه، وذلك لأنَّ الابتغاء المذكور يكون سببًا مقدَّمًا، ولا يكون غاية متأخِّرة.\n﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من أجورهنَّ وأولادهنَّ.\n﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ حذف جوابه؛ أي: فعليه وبالُ إكراهه لا يتعدَّى إليهنَّ، وأُقيم تعليل هذا مقامه وهو قوله:","vol":"7","page":269},{"text":"﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لهنَّ، وفي مصحف ابنِ مسعود ﵁ كذلك (^١).\nوإنما قال: ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لشدَّة المعاتبة على المُكرِه؛ فإن المُكرَهة مع قيام العذر إذا كانت بصدد المعاتبة حتى احتاجت إلى المغفرة، فما حال المُكرِه؟! وللدلالة على أنَّ حدَّ الإكراه الشرعيِّ والمصابرةِ إلى أن يُنتَهى إليه فيرتكبَ ضَيِّقٌ (^٢)، واللّه يغفرُ ذلك بلطفه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2825\"> </span>(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ المراد: الآياتُ التي بُنيِّت في هذه السورة وأُوضحت في معاني الأحكام والحدود، وجاز أن يكون الأصل: مبيَّنًا فيها، فاتُّسع في الظرف، وقرئ بالكسر (^٣)؛ أي: بيَّنت من الأحكام والحدود، وجُعل الفعل لها مَجازًا، أو من بَيَّن بمعنى: تبيَّن، ومنه المَثَل: قد بَيَّن الصُّبحُ لذي عينين (^٤).\n﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: ومَثَلًا من أمثالِ مَن قبلكم؛ أي: وقصَّةً عجيبةً مثلَ قصصهم، وهي قصَّة عائشة فإنَّها كقصَّة (^٥) يوسفَ ومريمَ ﵉.\n﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: هم المنتفعون بها وإن كانت الموعظة للكلِّ.\n_________\n(^١) أي: (من بعد إكراههنَّ لهنَّ غفور رحيم)، والقراءة رواها عبد بن حميد في \"تفسيره\" كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٤٧).\n(^٢) في (م): \"فسق\".\n(^٣) قرأ بالكسر ابن كثير ونافع وأبو عمرو وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٢).\n(^٤) انظر: \"جمهرة الأمثال\" (٢/ ١٢٦)، و\"المستقصى في الأمثال\" (٢/ ١٩٠).\n(^٥) في (م): \"قصة\".","vol":"7","page":270},{"text":"<span id=\"aya-2826\"> </span>(٣٥) - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: بيَّن وضوح الدلالات وجلاء البينات، وأنَّ مَن ضلَّ عن الحقِّ فليس لخفاءِ الدليل واشتباهِ السبيل، فقال: اللهُ هادي أهل السماوات والأرض؛ أي: إلى ما بهم الحاجةُ إليه في مصالحِ دينهم ودنياهم، وهي كلمة مُطلَقة في هذا المعنى، يقال: فلانٌ نورُ بلدِه، أي: به يَهتدون إلى أمورهم، وعن رأيه يَصدرون إلى مصالحهم.\n﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، أي: صفةُ نورِه العجيبة الشأن في الإضاءة، والمراد به: دلائلُه التي يَهتدي بها عباده.\n﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: كصفةِ مشكاة، وهي الكُوَّة في الجدار غيرِ النافذة.\n﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾: سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ.\n﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديلٍ من زجاجٍ شاميٍّ أَزْهَرَ.\n﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾: مُضِيء، بضمِّ الدال وتشديد الياء، منسوبٌ إلى الدُّرّ لفَرْط ضيائه وصفائه.\nوقرئ بالكسر والهمز (^١)، كأنَّه يَدْرأ (^٢) الظلامَ بضوئه.\n_________\n(^١) أي: ﴿دُرِّيٌّ﴾، وقرأ بها أبو عمرو والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٢).\n(^٢) كتب تحتها في (ي): \"يدفع\".","vol":"7","page":271},{"text":"وقرئ بالضَّمِّ والهمز (^١)؛ شبَّهه في زهرتِه بأحدِ (^٢) الكوكبِ الدراري، كالمشتري والزُّهَرة ونحوهما.\n﴿يُوقَدُ﴾ بالياء والبناء للمفعول من أَوْقَد، وقرئ بالفوقانية كذلك (^٣) على إسناده إلى ﴿الزُّجَاجَةُ﴾ بحذف المضاف.\nوقرئ: ﴿يُوقَدُ﴾ (^٤) بمعنى: تتوقَّد؛ بحذف التاء لاجتماع الزيادتين.\n﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾؛ أي: ابتداءُ ثُقوبه (^٥) من شجرة الزيتون، يعني: رَوَيت ذُبالتُه بزيتها (^٦).\n﴿مُبَارَكَةٍ﴾: كثيرة المنافع، أو لأنَّها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين.\n﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من ﴿شَجَرَةٍ﴾، نعتُها: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لا نابتةٍ في شَرق المعمورة ولا في غربها، بل في وسطها وهو الشام، فإنَّ زيتونَها أجودُ.\nأو: لا في مضحًى تُشرق الشمس عليها دائمًا فتحرِقُها، أو في مقنأة تغيبُ عنها دائمًا فتتركها نيئًا، وفي الحديث: \"لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مقنأةٍ، ولا خير فيهما في مضحى\" (^٧).\n_________\n(^١) أي: ﴿دُرِّيٌّ﴾، وقرأ بها حمزة وشعبة.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٢).\n(^٢) في (ف): (أحد).\nوفي (م): \"كأحد\".\n(^٣) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٢).\n(^٤) قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٢).\n(^٥) في (ف): \"توقده\".\n(^٦) في (ف): \"بدهنها\"، وفي (م): \"بزهرها\".\n(^٧) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٤١).\nقال الحافظ في \"الكافي الشاف\" (ص: ١١٩): لم أجده.","vol":"7","page":272},{"text":"وقيل: أي: ليس بحيث تقع الشمسُ عليها حينًا دون حينٍ، بل بحيث تقع عليها طول النهار، كالتي تكون على قُلَّة أو صحراءَ واضحة، فإن ثمرتها تكون أنضجَ وزيتها أصفى، ويردُّه ما دلَّ عليه الحديث المذكور (^١) من أنه لا خيرَ فيها؛ لأن إشراق الشمس عليها دائمًا يحرقها.\n﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ وصف الزيت بالصفاء (^٢) والوميض، وأنَّه لتلألؤه يكاد يُضيء من غير نارٍ.\n﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي: هذا النور الذي شبِّه به الحقّ نورٌ مُتضاعف قد تناصَر فيه المشكاةُ والزجاجةُ والمصباحُ والزيتُ حتى لم يبق بقيَّةٌ ممَّا يقوِّي النور، وهذا لأنَّ المصباح إذا (^٣) كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمعَ لنوره، بخلاف المكان الواسعِ فإنَّ الضوء ينتشر فيه، والقنديل أعونُ شيءٍ على زيادة الإنارة، وكذلك الزيتُ وصفاؤه، وضَرْبُ المَثَل يكون بدنيٍّ (^٤) محسوسٍ معهودٍ لعليٍّ غيرِ معايَنٍ ولا مشهودٍ (^٥).\n﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ أي: لهذا النور الثاقب ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن الأسباب إنَّما تتمَّشى بمشيئته.\n_________\n(^١) لو صح، لكنه لا يعرف، ولم نجد له غير \"الكشاف\" مصدرًا.\n(^٢) في (م): \"بالضياء\" وكلمة: \"والوميض\" بعدها من (ع) و(ي).\n(^٣) في (م): \"إن\".\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"بدل\"، ولم تجود في (ع) و(ي). وقوله: (بدني) كأنه مِن الدنوِّ بمعنى القُرب، أي: قريب التناول للأذهان لكونه محسوسًا معهودًا؛ لأنَّ المقصود مِن التمثيل تقريب المعاني البعيدة مِن الأذهان بتشبيهها بالمعاني القريبة منها.\n(^٥) انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٠٧)، وفيه: (لا بعلي) بدل: (لعلي).","vol":"7","page":273},{"text":"﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا إلى أفهامهم وتسهيلًا لسبيل الإدراك.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيبيِّن كلَّ شيء بما حقُّه أن يُبيَّن به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2827\"> </span>(٣٦) - ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.\n﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلِّق بـ (مشكاة)؛ أي: كمشكاةٍ في بعضِ بيوتِ الله تعالى وهي المساجد.\nأو: بـ ﴿توقد﴾ أي: توقد في بُيوتٍ، فيكون تقييدًا للمُمَثَّل (^١) به بما يكون تحبيرًا (^٢) ومبالغةً، فإن قناديل المساجد تكون أعظمَ، ولا ينافي جمعُ البيوت وحدةَ المشكاة؛ إذ المراد بها ما له هذا الوصف بلا اعتبارِ وحدةٍ ولا كثرةٍ.\nأو: بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾؛ أي: يُسبِّح له رجالٌ في بيوت، وفيها تكرير فيه توكيد، نحو: زيدٌ في الدار جالسٌ فيها.\n_________\n(^١) في (ك): \"للمثل للممثل\". وفي (م): \"للمثل للمثل\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب والموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٠٨) والكلام منه.\n(^٢) كلمة \"تحبيرا\" من (ي)، وتحرفت في باقي النسخ إلى ألفاظ غير واضحة، وفي هامش (ك): \"التحبير التزيين\". وقد جاءت مع الكلمة اللاحقة في نسخ البيضاوي على وجوه، أحدها المثبت، والثاني: (لخير أو مبالغة). قال الشهاب: قوله: (بما يكون لخير) باللام والخاء المعجمة والراء المهملة في نسخة صحيحة؛ أي: قيده بما يكون معدًّا للخير وهو الطاعة والعبادة؛ لمناسبته للممثل له وهو الهداية ونحوها، وضبطه بعضهم كما في بعض النسخ: (تحبيرًا) بالحاء والراء المهملتين والباء الموحدة، يعني: تزيينًا وتحسينًا، ولا مدخل له في التمثيل، وفي أخرى: (تحيرا) و(كحيز) بمعنى محل ومقر بالمعجمة، وزاد الكاف لأنها معلقة فيه فليس حيزًا حقيقيًا لها كما قيل، وهو تكلف، قوله: (أو مبالغة فيه) وفي نسخة: (ومبالغة) بالواو، ووجه المبالغة كونها أضوءَ وأكبر، وعلى هذه النسخة يكون عطفه على ما قبله كالتفسير له ليكون له مدخل في التمثيل.","vol":"7","page":274},{"text":"أو: بمحذوف؛ أي: سبّحوا في بيوت، والمراد بها المساجد؛ لأن الصفة تلائمها.\n﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ أي: أَمَرَ ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ بالبناء أو التعظيم ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ عامٌّ لِمَا يتضمَّن ذِكْرَه، حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه.\n﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ قال ابنُ عباس: كلُّ تسبيحٍ في القرآن صلاةٌ (^١). أي: يُصلِّي له فيها بالغداة صلاةَ الفجر، وبالآصال سائرَ الصلوات، ولهذا وحّد الغدوّ، وجمع قرينه.\nوالأصيلُ في الأصل: الوقتُ الذي بعد العصر إلى المغرب، صرَّح به الجوهريُّ (^٢) وصدر الأفاضل، وجمعه: أُصُل وآصَال؛ فمَن قال: والآصال جمع أصيل، وهو العشيُّ، فقد أخطأ مرَّتين.\nوقرئ: (والإيصال) (^٣)، وهو الدخول في الأصيل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2828\"> </span>(٣٧) - ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.\nوقرئ: ﴿يُسبَّح﴾ بالفتح (^٤)، على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة، ورفع ﴿رِجَالٌ﴾ بما يدلُّ عليه ﴿يسبَّح﴾.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٧/ ٣٢٠)، والضياء المقدسي في \"المختارة\" (٣٣٥).\n(^٢) انظر: \"الصحاح\" (مادة: أصل).\n(^٣) قرأ بها أبو مجلز. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٢)، و\"المحتسب\" (٢/ ١١٣).\n(^٤) قرأ بها ابن عامر وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٢).","vol":"7","page":275},{"text":"وقرئ بالتاء مكسورًا (^١)؛ لتأنيث الجمع، ومفتوحًا (^٢)؛ على إسناده إلى أوقات الغدوِّ.\nوإنَّما خصَّ الرجالُ بالذِّكر؛ إذ ليس على النساء والصبيان الحضورُ في المساجد.\n﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ﴾؛ أي: بالسفر ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾؛ أي: في الحَضَر، وحملناهما على هذين ليكون لزيادةِ إفادةٍ لا لمجرَّد إعادةٍ.\n﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: خارجَ الصلاة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامة الصلاة، التاء في (إقامة) عوضٌ من العين الساقط للإعلال، إذ الأصل: إقوام، فلمَّا قُلبت الواوُ ألفًا اجتمع ألفان، فحُذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي (^٣): إقامًا، فأدخلت التاء عوضًا عن المحذوف، فلمَّا أضيفت أُقيمت الإضافةُ مقام التاءِ فأُسقطت.\n﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ يعني: أنَّهم يَسلكون سبلَ الكسبِ ولكن (^٤) إذا حضر حقُّ اللهِ تعالى أو حقُّ عبادِه بدؤوا به.\n﴿يَخَافُونَ﴾ حال من الضمير في ﴿تُلْهِيهِمْ﴾، أو صفة أخرى لـ ﴿رِجَالٌ﴾.\n﴿يَوْمًا﴾: يوم القيامة؛ أي: الحاملُ لهم على إقامة هذه الأشياء خوفُ القيامة.\n﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ لبلوغها إلى الحناجر ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾ بالشُّخوص والزُّرْقة (^٥).\n_________\n(^١) أي: (تُسبِّح)، نسبت لأبي حيوة وابن وثاب. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٢).\n(^٢) نسبت لأبي جعفر في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٢).\n(^٣) في (م): \"فيبقى\".\n(^٤) في (م): \"لكن\".\n(^٥) في (ك) لعلها: (والدرمة)، وفي (ع): \"للذرفة\".","vol":"7","page":276},{"text":"أو: تتقلَّب القلوبُ إلى الإيمان بعد الكفران، والأبصارُ إلى العيان بعد إنكاره للطغيان، كقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2829\"> </span>(٣٨) - ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\n﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ أو: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ أو: بـ ﴿يَخَافُونَ﴾.\n﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ وأدناه المندوبُ، واحترز بالأحسن عن الحسن وهو المباح؛ إذ لا جزاء له.\n﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يزيدهم على الثواب الموعود على العمل تفضُّلًا.\n﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ﴾: يُثيب ﴿مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ثوابًا لا يَدخل في حسابِ الخلق، تقريرٌ للزيادة، وتنبيهٌ على كمال القدرة، ونفاذِ المشيئة، وَسَعة الإحسان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2830\"> </span>(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾؛ أي: الذين كفروا حالهم على ضدِّ ذلك، فإن أعمالهم التي يظنُّونها صالحةً نافعة عند الله، يَجدونها لاغيةً مخيِّبةً في العاقبة كالسراب، وهو ما (^١) يُرى في الفَلَاة من لمعانِ الشمس عليها وقت الظهيرة يَسرب على وجه الأرض كأنَّه ماءٌ يجري.\n_________\n(^١) في (ك): \"ماء\".","vol":"7","page":277},{"text":"﴿بِقِيعَةٍ﴾ بمعنى القاع، أو جمعُ قاعٍ، وهو المنبسِطُ المستوي من الأرضِ كجيرةٍ في جارٍ.\n﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ الظمأ: شدَّة العطش ﴿مَاءً﴾ التشبيهُ في شدَّة الخيبة عند مسيسِ الحاجة.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾: إذا جاء إلى ما توهَّم أنه ماء ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ نافعًا، يقال: هذا ليس بشيءٍ، يُراد به نفيُ نفعِه، هذا إذا كان المعنى: إذا جاء السرابَ.\nوأمَّا إذا كان المعنى: إذا جاء موضعَه، فمعنى ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾: لم يجد في ذلك الموضع شيئًا كان يَتراءى له؛ لأنَّه لا يرى ذلك إذا حضر (^١)، وكذلك الكافر إذا قدِم يوم القيامة على أعماله التي هي خيراتٌ عنده، لم يجدها نافعةً، أو لا يراها؛ لأنها صارت هباءً منبثًّا.\n﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ أي: وجد عقابَ الله ﴿عِنْدَهُ﴾؛ أي: تبطُل حسناته ويبقَى عقابُ سيئاته معدًّا له عند قدومه.\n﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾؛ أي: أعطاه جزاءَ عمله وافيًا كاملًا.\nوحَّد بعد تقدم [الجمع] حملًا على كلِّ واحد من الكفار (^٢).\n﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأنَّه لا يحتاج إلى عدٍّ (^٣) وعقد، ولا يشغله حسابٌ عن حسابٍ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"حضروا\".\n(^٢) انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٠٩)، و\"البحر\" (١٦/ ١٠٠)، وما بين معكوفتين منهما. وعبارة \"البحر\": (وأَفرَد الضَّميرَ في ﴿وَوَجَدَ﴾ بعد تقدُّم الجمع حملًا ..)، وعبارة النسفى: (وحد بعد الجمع حملًا ..).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"عدد\".","vol":"7","page":278},{"text":"قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ عطف على ما تقدَّم من التمثيل على سبيل العطف على المعنى، ومَن غفل عن هذا زعم أنه من تتمَّة التمثيل، فتعسَّف في توجيهه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2831\"> </span>(٤٠) - ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾.\n﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا كـ (أو) في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩].\nوما قيل: ﴿أَوْ﴾ للتنويع؛ فإنَّ أعمالهم إن كانت صالحةً فكالسراب، وإن كانت قبيحةً فكالظلمات = يردُّه قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ لأن الأعمال الصالحة وإن لم تكن نافعة مع الكفر، لا يكون في عاقبتها وخامةٌ.\n﴿لُجِّيٍّ﴾: عميقٍ كثيرِ الماء، منسوبٌ إلى اللُّجِّ وهو معظم الماء.\n﴿يَغْشَاهُ﴾: يغشى البحرَ، أو من فيه؛ أي: يعلوه ويغطِّيه.\n﴿مَوْجٌ﴾ هو ما ارتفع من الماء.\n﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾؛ أي: من فوق الموجِ موجٌ آخرُ.\n﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾؛ أي: من فوق الموجِ الأعلى ﴿سَحَابٌ﴾ غطَّى النجوم وحَجَب أنوارها. والجملة صفة أخرى لـ ﴿بَحْرٍ﴾ (^١).\n﴿ظُلُمَاتٌ﴾؛ أي: هذه ظلماتٌ (^٢) ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾: ظلمةُ الموج على ظلمةِ البحر، وظلمةُ الموج على الموج، وظلمةُ السحاب على الموج.\n_________\n(^١) في (م): \"صفة آخر للبحر\".\n(^٢) في (م): \"الظلمات\".","vol":"7","page":279},{"text":"﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ أقربَ ما تُرى إليه ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يقرُب أن يراها، فضلًا عن أن يراها، والضمائر للواقع في البحر وإن لم يَجْرِ ذِكْره (^١)؛ لدلالة المعنى عليه.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ أي: مَن لم يَهدهِ اللهُ لم يَهتدِ، عن الزجَّاج (^٢)، في الحديث: \"خَلقَ اللهُ الخلقَ في ظلمةٍ، ثم رَشَّ عليه من نورِه؛ فمَن أصابه من ذلك النورِ اهتدى، ومن أَخطأه ضَلَّ\" (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2832\"> </span>(٤١) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ﴾: أَلم تَعلم علمًا يقوم مقام العيَان في الإيقان (^٤) ﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ ينزِّه ذاتَه عن كلِّ نقص وآفَةٍ ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ و﴿مَنْ﴾ لإسناد التسبيح، فلا حاجة إلى التغليب هنا وفي ﴿يَفْعَلُونَ﴾، أو أُريد به الملائكة والثقلان.\n﴿وَالطَّيْرُ﴾ على الأول تخصيصٌ؛ لِمَا فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر، ولذلك قيَّدها بقوله:\n﴿صَافَّاتٍ﴾ فإنَّ إعطاءَ الأجرام الثقيلة ما به تَقْوَى على الوقوف في الجوِّ صافَّةً\n_________\n(^١) في (ك): \"يجر له ذكر\".\n(^٢) في \"معاني القرآن\" له (٤/ ٤٨).\n(^٣) رواه الترمذي (٢٦٤٢)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وحسَّنه.\n(^٤) في (ك): \"الإتقان\".","vol":"7","page":280},{"text":"باسطةً أجنحتها لِمَا فيها من القبض والبسط حجَّة قاطعة (^١) على كمال قدرة الصانع ولُطفِ تدبيره (^٢).\n﴿كُلٌّ﴾: كلُّ واحد ممَّا ذكر أو من الطير ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ الضميرُ لـ ﴿كُلٌّ﴾، وكذا في: ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾.\nولا يَبعد أن يُلهم اللهُ الطيرَ دعاءَه وتسبيحه كما أَلهمه سائر (^٣) العلوم الدقيقة التي لا يَكاد العقلاءُ يهتدون إليه.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ من الصلاة والتسبيح وغيرِهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2833\"> </span>(٤٢) - ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا شريكَ له فيه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجِعُ الكلِّ، وإنَّما عدل عن الضمير تفخيمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2834\"> </span>(٤٣) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ معنى ﴿يُزْجِي﴾: يَسوق (^٤) قليلًا قليلًا، ويُستعمل في\n_________\n(^١) في (ك): \"ناطقة\".\n(^٢) في (م): \"تدابيره\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"أنهم سائر\"، وفي (م): \"ألهمها بسائر\".\n(^٤) في (ف): \"ينشئ\"، ولم ترد الكلمة في (ك).","vol":"7","page":281},{"text":"سوق الثقيل برفقٍ، كالسحاب والإبل، والسحاب: اسمُ جنسٍ، واحده: سحابة، والمعنى: يَسوق سحابةً إلى سحابةٍ.\n﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ تذكيره للَّفظ؛ أي: يضمُّ بعضه إلى بعض.\n﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: متراكِمًا بعضُه فوقَ بعض.\n﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾: من فُتُوحه، جمع خَلَلٍ، كجبال في جبل.\n﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ماءً من الغمام، وكلُّ ما علاكَ فهو سماء.\n﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾: من قِطَعٍ عظامٍ تشبه الجبال مِن عِظَمها.\n﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ بيانٌ للجبال، والمفعول محذوف؛ أي: يُنزِّل مبتدئًا من السماء من الجبال فيها من بَرَدٍ بَرَدًا.\nويجوز أن تكون (مِن) الثانيةُ أو الثالثةُ للتبعيض واقعةً موقعَ المفعول.\n﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بالبَرَد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيضرُّه في نفسه أو في زرعه، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يُصيبه.\n﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾: ضوؤُه (^١) ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ بأبصار الناظرينَ إليه من فَرْطِ الإضاءة، وذلك أقوى دليلٍ على كمال القدرة من حيث إنه توليد الضِّدِّ من الضِّدَّ.\nوقرئ: ﴿يَذْهَبُ﴾ على زيادة الباء (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أي: ضوء برقه.\n(^٢) قرأ أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٣٢).","vol":"7","page":282},{"text":"<span id=\"aya-2835\"> </span>(٤٤) - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\n﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، أو بنقصِ أحدهما وزيادة الآخر.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما تقدَّم ذكره ﴿لَعِبْرَةً﴾: لدلالةً على جود الصانع القادر العليم.\nوللتنبيه على وضوح الدلالة قال: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ دون: لأولي البصائر. ثم بيَّن دليلًا آخر فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2836\"> </span>(٤٥) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾: حيوانٍ يدبُّ على وجه الأرض، وقرئ: ﴿خالقُ كلِّ دابَّةٍ﴾ بالإضافة (^١).\nقال الراغب: والدبيبُ (^٢) أصلُه: حكايةُ صوتِ حركة المشي، ثم قيل: دبَّ، إذا مشى، ويقال لكل ما يمشي: دابَّة، ثم خُصَّ الفرس (^٣).\n﴿مِنْ مَاءٍ﴾ هو جزءُ مادَّته وسببُ حياته، على ما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nوقيل: من ماء مخصوصٍ وهو النطفة، ولا يلزم حينئذٍ أن يُرتكب إلى ادِّعاء الغَلَبة في المخلوق من النطفة، وتنزيلِ الغالبِ منزلةَ الكُلِّ؛ لجواز أن يُراد بالدابَّة ما\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٤).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"في الدبيب\"، وسقطت من (ي). والمثبت موافق للمصدر.\n(^٣) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٣٦٠).","vol":"7","page":283},{"text":"يُخلَق بالتوالُد بقرينة ﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي: من نطفة، كما أريد من الشيء في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ما به الحياةُ بقرينة ﴿حَيٍّ﴾ (^١).\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيَّة والحوت، يُسمَّى الزحفُ مشيًا؛ استعارة، لقيامه مقام الشيء، وليس هذا من قَبيل ذكر المقيَّد وإرادة المطلق، كما إذا ذكر المِشْفَر وأُريد به الشَّفَة مطلقًا؛ لأن خصوصية الزحف مقصودة (^٢)، والمشاكلة البديعية طريقةٌ أخرى لا يُصار إليها عند صحَّة الاستعارة البيانيَّة (^٣).\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنس والطير.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالنَّعم والوَحْش. قيل: ويندرج فيه ما له أكثرُ من أربعٍ كالعناكب؛ فإن اعتمادها إذا مشت على أربعٍ. ولا يخفى ما فيه من التعسُّف.\nوتذكير الضمير لتغليب العقلاء، والتعبيرُ بـ (مَن) عن الأوصاف ليوافق التفصيلُ الجملةَ.\nقيل: قدّم ما هو أعرفُ (^٤) ...................................................\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"ولا من قبيل قولهم: شقَّ هذا الأمر. منه\".\n(^٢) في (م): \"مقصور\".\n(^٣) في هامش (ع) و(ف) و(م): \"المشي هو النقلة بالخطوة لا مطلق النقلة كما هو الظاهر من قول الجوهري: زحف إليه زحفًا مشى، وقد يستعار الزحف للمشي على عكس ما ذكر، وعليه نبَّه الزمخشريُ، قال في \"الأساس\": زحف العسكر إلى القوم، إذا مشوا إليهم للنقل في شركتهم.\n(^٤) في (ع) و(ك): \"أعرق\"، والمثبت من باقي النسخ، وكلاهما في نسخ \"البيضاوي\" و\"الكشاف\"، وزيد في \"البيضاوي\" ثالث وهو: (أغرب). قال الشهاب: (أعرف في القدرة)؛ أي: أعظم ما تعرف به القدرة الإلهية، وفي نسخة: (أغرب) من الغرابة، وفي أخرى: (أعرق) من العراقة، وهي الأصالة =","vol":"7","page":284},{"text":"بالقدرة، وهو الماشي بغير آلةِ مشي، ثم الماشي على رجلين، ثم الماشي على أربعٍ.\nوفيه نظرٌ؛ لأن مبناهُ الغفولُ عن أنَّ المشي في الأول مستعارٌ للزحف.\n﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيفعل ما يشاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2837\"> </span>(٤٦) - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ للحقائق بأنواع الدلائل ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيق للنظر فيها والتدبُّر لمعانيها ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دينُ الإسلام الذي يُوصِل إلى جنته، والآياتُ لإلزام حجته.\nلمَّا ذَكر إنزال الآيات ذَكر بعدها افتراقَ الناس إلى ثلاث فرق:\nفرقة صدَّقت ظاهرًا وكذَّبت باطنًا وهم المنافقون.\nوفرقة صدَّقت ظاهرًا وباطنًا وهم المخلصون.\nوفرقة كذَّبت ظاهرًا وباطنًا وهم الكافرون، على هذا الترتيب، فبدأ بالمنافقين فقال:\n\n<span id=\"aya-2838\"> </span>(٤٧) - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n= لمشيه بغير آلة.\nأما \"الكشاف\" ففي مطبوعه: (أعرق) بالقاف، ومثله عند النسفي، وعند الطيبي: (أعرف) بالفاء.\nانظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٤٧)، و\"فتوح الغيب\" (١١/ ١٢٠)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٥١٢)، و\"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣٩٣).","vol":"7","page":285},{"text":"﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ بألسنتهم ﴿وَأَطَعْنَا﴾ الله والرسولَ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾؛ أي: يُعرِض عنهما، فإن الإعراضَ عن الرسول ﵊ بعدم إطاعته في أوامره إعراضٌ عنه تعالى ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: بعد قولهم هذا.\nوفائدةُ (ثم) الاستبعاد؛ إظهارًا لقُبح صنيعهم.\n﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الإشارة إلى القائلين بأَسرهم، فيكون إعلامًا من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم يؤمنوا بقلوبهم، لاشتراكهم في فساد الاعتقاد وظهور الإعراض، وإن كان من بعضهم فالرضا به من كلِّهم.\nأو إلى الفريق المذكور خاصةً، وإنما أتى بالواو دون الفاء؛ لأن عدم إيمانهم ليس لتولِّيهم، بل الأمر بالعكس، والتعريف للدلالة على أنَّهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرَفْتَهم (^١)، وهم المخلصون في الإيمان أو الثابتون (^٢) عليه.\nومرجعُ العهد إلى وصف الإيمان الخالص، ولِمَا فيه من التنصيص على نفي ذلك الوصفِ عنهم لم يقل: وما أولئك من المؤمنين؛ لِمَا فيه من احتمالِ أن يرجع العهد إلى الموصوفين به، إذ لا يلزم من عدم كونهم من المعروفين بذلك الوصفِ أن لا يكون موصوفًا به أصلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2839\"> </span>(٤٨) - ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الدعوة إلى الرسول ﵊، وذِكْرُ الله\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"يعني أن التعريف للعهد لا للجنس لأنهم من جنس المؤمنين. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والثابتون\".","vol":"7","page":286},{"text":"تمهيدٌ لتعظيم دعوته وإظهارِ مكانته، وليس هذا طريقةَ الإبدال (^١).\n﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ليَحكم الرسولُ ﵊؛ لأنَّه الحاكم ظاهرًا، وإنما لم يقل: ليَحكم عليهم، إشعارًا بأن إعراضَهم غيرُ مخصوصٍ بصورة الظَّنِّ بالحكم عليهم، بل شاملٌ لصورة الشَّكِّ، فشأنهم الإعراضُ فيما إذا اشتَبه الأمر حالًا وإن كان الحكم لهم مآلًا.\nومَن غَفَلَ عن هذا الاعتبار اللطيفِ قال في تفسير (^٢) قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: فأجأ فريقٌ منهم الإعراضَ إذا كان الحقُّ عليهم؛ لعلمهم بأنك لا تَحكُم لهم، وهو شرح للتولِّي ومبالغةٌ فيه.\nولم يَدْرِ أن شرحَه على وجه أبلغَ فيما ذكرناه لا فيما ذكره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2840\"> </span>(٤٩) - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الحكم في اعتقادهم ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ طلبًا لحقِّهم لا رضًى بحُكم رسولهم، قال الزجَّاج: الإذعانُ: الإسراعُ مع الطاعة، فباعتبار ما في الإسراع من معنى الإتيان يجوز أن يكون (إلى) صلةً لـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾، ويكون تقديمه للاختصاص ومحافظةِ الفواصل.\n* * *\n_________\n(^١) نُسب الإبدال للزمخشري لقوله: (معنى ﴿إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: إلى رسول الله، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، تريد: كرم زيد). فتوهموا من إسقاط المعطوف عليه في التفسير أنّ المعطوف هو المقصود بالنسبة، وهذا شأن البدل، وما نحن فيه طريقة أخرى، فاعترض عليه … انظر بحث المسألة في \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٣٩٤).\n(^٢) في (م): \"تفسيره\". والمراد من الكلام البيضاوي.","vol":"7","page":287},{"text":"<span id=\"aya-2841\"> </span>(٥٠) - ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ﴾ الحَيْفُ: الجَور بنَقْصِ الحقِّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾.\nإنما قدَّم صلةَ الحيف على قوله: ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ إظهارًا بأنه على تقدير وقوعِه يكون من الله - تعالى شأنه عمَّا يقولُ الظالمون - ولا يكون فيه دَخْل للرسول؛ لأنَّه مُظهِر لا مُثبِت.\nقسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا (^١) لم يعتقدوا أن الحُكم لهم بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين بأن رأوا منك تُهَمةً فزالت ثقتُهم ويقينُهم بك، أو خائفينَ الحيفَ في قضائه.\nووجهُ التقسيم: أن امتناعهم إمَّا لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محقَّقًا عندهم أو متوقَّعًا، وكلاهما باطل؛ لأن منصب نبوَّته وفَرْطَ أمانته يَمنعه، فتعيَّن الأول، فلذلك أضرب بقوله:\n﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ عن القسمين الآخرين لتحقيق (^٢) القسم الأول.\nوظلمُهم يعمُّ خَلَلَ عقيدتهم، وميلَ نفوسهم إلى الحيف، يريدون أن يَظلموا مَن له الحقُّ عليهم، وذلك شيءٌ لا يستطيعونه في مجلس رسولِ الله ﷺ، فمِن ثَمَّ يَأبَون المحاكمة إليه، هذا ما أدَّى إليه النظرُ الجليل.\n_________\n(^١) في (ف): \"إن\".\n(^٢) في (ع) و(م): \"لتحقق\".","vol":"7","page":288},{"text":"والذي أدَّى إليه النظرُ الدقيقُ: هو أنه إضراب عن نفس التقسيم، يعني: دَعِ التقسيمَ فإنَّهم هم الكاملون في الظُّلم الجامعون لتلك الأوصاف (^١) على الكمال، فلذلك صدُّوا عن حكومتك، يدلُّ على ذلك اسمُ الإشارة، والتعريفُ بلام الجنس، وتوسيطُ ضميرِ الفصل، والفصلُ لنفي ذلك عن غيرهم، سيَّما المدعوُّ إلى حكمه.\nنزلت في بشرٍ المنافقِ وخصمِه اليهوديِّ حين اختصما في الأرض، فجعل اليهوديُّ يجرُّه إلى رسولِ الله ﷺ والمنافقُ إلى كعبِ بنِ الأَشرف، ويقول: إنَّ محمدًا يَحيفُ علينا (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2842\"> </span>(٥١) -) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على عادته تعالى في اتِّباع ذكر المحقِّ المُبطِل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكارِه لِما لا ينبغي.\nقرئ ﴿قول﴾ بالرفع والنصب (^٣)، والنصب أقوى؛ لأنَّ أَولى الاسمين بكونه اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ أَو غلُهما في التعريف.\n_________\n(^١) في (ف): \"الصفات\".\n(^٢) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٢٧)، و\"الكشاف\" (٣/ ٢٤٨). ورواه الطبري في \"التفسير\" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) عن مجاهد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ٦٠]، وكذا رواه الواحديُ في أسباب النزول (ص: ١٦١)، عن قتادة والشعبي، وعن ابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه.\n(^٣) قرأ الجمهور بالنصب، ونسب الرفع لعلي بن أبي طالب ﵁ والحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٣)، و\"المحتسب\" (٢/ ١١٥).","vol":"7","page":289},{"text":"﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الرسولُ، وقرئ على البناء للمفعول (^١)، وإسناده إلى ضمير مصدرِه على معنى: ليُفعَل الحكمُ.\n﴿بَيْنَهُمْ﴾ بحُكم الله الذي أُنزل عليه.\n﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ قولَه ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرَه ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2843\"> </span>(٥٢) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبِه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2844\"> </span>(٥٣) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: حَلَفَ المنافقون بالله، وهو جهدُ اليمين لأنهم بذلوا فيها مجهودَهم، وجَهَدَ يمينَه مستعار من: جَهَدَ نفسَه، إذا بلغ أقصى وُسْعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غايةَ شدَّتها ووكادتها، وأصل: أَقْسَم جهدَ اليمين، أَقسم يَجْهدُ (^٢) اليمينَ جَهْدًا، فحذف الفعل، وقدَّم المصدر فوضع موضعَه مضافًا إلى المفعول، كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وحُكم هذا المنصوب حُكم الحالِ، كأنَّه قال: جاهدين أيمانَهم.\n_________\n(^١) أي: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، وقرأ بها أبو جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٢٢٧).\n(^٢) في (م): \"جهد\"، وفي (ع) و(ك) و(ي): \"بجهد\"، والمثبت من (ف)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٢٥٠).","vol":"7","page":290},{"text":"﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ بالخروج عن ديارِهم وأموالهم ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ جوابُ لـ ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ على الحكاية.\n﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ على الكذب.\n﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ للنبيِّ ﵊ خيرٌ مِن قَسَمِكم الذي لا تَصدُقون فيه ولا تُصدَّقون، أو: الذي يُطلَب منكم طاعةٌ معروفة لا اليمينُ للطاعة النفاقيَّة المُنكَرة، أو: ليكن طاعةٌ، وقرئت بالنصب (^١)، على أطيعوا طاعةً.\n﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: يَعلم ما في ضمائرِكم، ولا يخفى عليه شيءٌ من سرائركم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2845\"> </span>(٥٤) - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمرٌ بتبليغ ما خاطبَهم اللهُ تعالى به على الحكاية مبالغةً في تبكيتهم.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾: على الرسول ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من الامتثال.\n﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾ في أمره ونهيه ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحقِّ.\n﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أدَّى، وإنما بقي ما حُمّلتُم، فإن أدَّيتم فلكم، وإلَّا فعليكم.\n_________\n(^١) نسبت لليزيدي. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٣).","vol":"7","page":291},{"text":"البلاغ بمعنى التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و﴿الْمُبِينُ﴾: الظاهر؛ لكونه مقرونًا بالآيات والمعجزات، ثم ذكر المُخلصين، فقال:\n\n<span id=\"aya-2846\"> </span>(٥٥) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخطاب للنبيِّ ﵊ والأمَّة، أو له ولمن معه، و(مِن) للبيان.\n﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: ليجعلنَّهم خَلَفًا متصرِّفين في الأرض تصرُّف الملوك في ممالكهم، وهو جواب قَسَمٍ مُضمَر، تقديره: وَعَدهم اللهُ وأقسم ليستخلفنهم (^١)، أو الوعدُ في تحقُّقه منزَّلٌ منزلةَ القَسَم.\n﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: بني إسرائيل في مصر والشام بعد الجبابرة.\n﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام بالتقوية والتثبيت.\n﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ من الأعداء ﴿أَمْنًا﴾ منهم، لغَلَبتهم عليهم، كان رسولُ الله ﵇ وأصحابُه ﵃ مَكَثوا بمكَّة عَشْرَ سنينَ خائفينَ، ثم هاجروا إلى المدينة، فكانوا يُصبحون في السلاح ويُمسون فيه، حتى أنجز اللهُ تعالى وعدَه، فأَظهرهم اللهُ على العرب كلِّهم وفتح عليهم بلادَ الشرق والغرب (^٢).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وعدهم وأقسم\".\n(^٢) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٧/ ٣٤٨) عن أبي العالية، وانظر: \"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٣٢١).","vol":"7","page":292},{"text":"﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ حالٌ من ﴿الَّذِينَ﴾ لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد، أو استئنافٌ ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن.\n﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حالٌ من (الواو)؛ أي: يعبدونني غيرَ مشركين، ويجوز أن يكون حالًا بدلًا من الحالِ الأولى.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾: ومَن ارتدَّ أو كفر هذه النعمةَ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد الوعد، أو بعد حصول الخلافة.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: الكاملون في فسقهم، حيث كفروا بعد وضوح مثل هذه الآيات، أو كفروا بتلك النعمةِ العظيمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2847\"> </span>(٥٦) -) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في سائر التكاليف الشرعيَّة بالأوامر والنواهي.\nولا يَبعد عطف ذلك على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فإنَّ الفاصلَ وعدٌ على المأمورِ به، فيكون تكريرُ الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وتعليق الرحمة به أو بالمندرجة هي فيه بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ كما علِّق به الهدى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2848\"> </span>(٥٧) - ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فائتينَ اللهَ تعالى، بأنْ لا يَقدر عليهم فيها، فالتاء خطابٌ للنبيّ ﵊ وهو الفاعل، والمفعولان ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾.","vol":"7","page":293},{"text":"وقرئ بالياء (^١)، والفاعل النبيُّ ﵊؛ لتقدُّم ذِكْره، والمفعولان ما ذكر آنفًا.\n﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ عطف عليه من حيث المعنى، كأنه قيل: الذين كفروا ليسوا بمعجزينَ ومأواهم النارُ؛ لأن المقصودَ من النهي عن الحُسْبان تحقيقُ نفي الإعجاز.\n﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: المأوى الذي تصيرون إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2849\"> </span>(٥٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رجوعٌ إلى تتمَّة الأحكام السالفة بعد الفراغِ عن الآيات الدالَّة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيره، والوعدِ عليها، والوعيدِ على الإعراض عنها، والمراد به خطابُ الرجال والنساء، غلِّب فيه الرجالُ؛ لما روي: أنَّ غلامَ أسماء بنتِ أبي مَرْثَد دخل عليها في وقت كَرِهَتْهُ، فنزلت (^٢).\n﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾: والصبيانُ الذين لم يَبلغوا، فكنَّى عن البلوغ إلى حدِّ الرجوليَّة ببلوغ الحُلُم؛ أي: الاحتلام؛ لأنَّه أقوى دلائله.\n﴿مِنْكُمْ﴾: من الأحرار ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ في اليوم والليلة:\n_________\n(^١) قرأ بها ابن عامر وحمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٣).\n(^٢) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٢٩) عن مقاتل.","vol":"7","page":294},{"text":"﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنَّه وقتُ القيام من المضاجع وطَرْحِ ما يُنام فيه من الثياب ولُبْسِ ثياب اليقظة، ومحلُّه النصبُ بدلًا من ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، أو الرفعُ خبرًا لمحذوف؛ أي: هي من قبلِ صلاة الفجر.\n﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بيانٌ للحينِ، وهي نصفُ النهار في القَيْظ؛ فإنها وضعُ الثياب للقيلولة.\n﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنَّه وقت التجرُّد من ثياب اليقظة، والالتحافِ بثياب النوم.\n﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ أي: هذه الثلاثُ أوقاتٌ يختلُّ فيها تستُّركم (^١)، ويجوز أن يكون مبتدأً وما بعده خبره، وقرئ بالنصب (^٢) بدلًا عن ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾.\nوأصلُ العورةِ: الخللُ، ومنها الأعور: المختلُّ العين، دخل غلامٌ من الأنصار على عمرَ ﵁ وقتَ الظهيرة وهو نائم وقد انكشفَ عنه ثوبُه، فقال عمرُ ﵁: وَدِدتُ أنَّ اللهَ تعالى نَهَى عن الدُّخول في هذه الساعات إلَّا بإذنٍ، فانطلق إلى النبيِّ ﵊ وقد نزلت عليه الآية (^٣).\nثم عَذَرهم في ترك الاستئذان وراءَ هذه المرَّات بقوله:\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ وإنما نفى الحرجَ عن الطرفين؛ لأنَّ الحرمةَ في\n_________\n(^١) في (م): \"ستركم\".\n(^٢) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٣).\n(^٣) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٧/ ١١٦) عن ابن عباس ﵄، ورواه ابن منده كما في \"الإصابة\" لابن حجر (٦/ ٥٠)، من طريق السديّ الصغير، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس.","vol":"7","page":295},{"text":"وقت الحرمة مِن الطرفين، ومن هنا تبيَّن أنَّ الأمر (^١) بالاستئذان في حقِّ المماليك والصبيان تضمَّن الأمرَ بالاحتياط في حقِّ المخاطَبِين.\n﴿بَعْدَهُنَّ﴾ بعدَ هذه الأوقاتِ في تَرْكِ الاستئذان، وليس فيه ما ينافي آيةَ الاستئذان فيَنسَخَها؛ لأنَّه في الصبيان والمماليك المدخول عليه، وتلك في الأحرار البالغين ومماليك الغير.\nوأمَّا ما قيل: هذا ممَّا الناسُ منه في غفلةٍ، وهو عندهم كالشريعة المنسوخة، فمنشؤه الغفلةُ عمَّا حكاه المهدويُّ عن ابنِ عباس ﵄ من أنَّ ذلك كان واجبًا، إذ كانوا لا غَلَقَ لهم ولا أبواب (^٢)، ولو عاد الحال لعاد الوجوب (^٣).\n﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾: هم طوَّافون، استئنافٌ ببيان العذر المرخِّص في ترك الاستئذان، وهو شدَّة المخالطة وكثرةُ المداخلة، وفيه وفي الفرق بين الأوقاتِ الثلاثة وغيرِها بأنها عوراتٌ دليل على تعليل الأحكام.\n﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بعضكم طائفٌ على بعضٍ، أو: يطوف بعضُكم على بعض، والجملة مؤكِّدة لِمَا قبلها، ويجوز أن يكون بدلًا منه، يعني: لا بدَّ لهم من ذلك للخدمة، فلو جزم بالاستئذان في كلِّ وقت لأفضى إلى الحرج.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك التبيين ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أراد بالآياتِ عللَ الأحكام،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"المراد\".\n(^٢) رواه أبو داود (٥١٩٢).\n(^٣) في هامش (ف) و(م): \"قال القرطبي: بل حكمها اليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى. منه\". وانظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ١٩٤)، و\"تفسير القرطبي\" (١٥/ ٣٢٩).","vol":"7","page":296},{"text":"يعني (^١): كما يبيِّنُ لكم علَّة الاستئذان يبيِّنُ العللَ في غيره من الأحكام التعليلية عند الحاجة إليه.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ بمصالح عبادِه ﴿حَكِيمٌ﴾ في بيان مرادِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2850\"> </span>(٥٩) - ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ من الأحرار دون المماليك ﴿الْحُلُمَ﴾: الاحتلامَ، كناية عن بلوغهم حدَّ الرجوليَّة؛ أي: إذا بلغوا وأرادوا الدخولَ عليكم.\n﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: الذين بلغوا الحُلُم مِن قبلهم، وهم الكبار من الأحرار، والذين ذُكروا مِن قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية، والمعنى: أن الأطفال مأذونٌ لهم في الدخول بغير إذنٍ إلَّا في العورات الثلاث، فإذا اعتاد الأطفالُ ذلك ثم بلغوا بالاحتلام أو بالسِّنِّ، وجب أن يُفطَموا عن تلك العادة، ويُحمَلوا على أن يَستأذنوا في جميع الأوقات كالكبار من الأحرار الذين لم يَعتادوا الدخولَ عليكم إلا بالإذن.\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرَّره تأكيدًا ومبالغةً في الأمر بالاستئذان.\n* * *\n_________\n(^١) \"يعني\" سقط من (م).","vol":"7","page":297},{"text":"<span id=\"aya-2851\"> </span>(٦٠) - ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحمل لكِبَرهنَّ؛ فقعودُهنَّ (^١) كناية عن اليَأْس عن التماسِ الناس (^٢)، فالتوصيف بقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: لا يَطمعن فيه، لتقرير هذا المعنى وتأكيده.\n﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾: إِثْمٌ، ودخلت الفاء لما في المبتدأ مِن معنى الشرط بسبب اللام (^٣).\n﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾: في أن يضعن ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾ أي: الظاهرةَ كالمِلْحَفة والجلباب الذي فوق الخمار.\n﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: غيرَ مُظهِراتٍ زينةً، يريد الزينة التي أَمَر بإخفائها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، أي: لا يَقصدن بوضعها التبرُّجَ ولكن التخفُّف، وحقيقة التبرُّج: التكلُّف في إظهار ما يَخفَى، من قولهم: سفينة (^٤) بارِجَة: لا غطاءَ عليها، إلَّا أنَّ الذي خُصَّ بتكشيف المرأة زينتُها ومحاسنُها للرجال.\n﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾؛ أي: يَطلبنَ العفَّة عن وضع الثياب فيسترن ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ من وضعها؛ لأنَّه أبعدُ من التُّهَمة.\n﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لمقالتهنَّ للرجال ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهنَّ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ي): \"قعودهن\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"عن اليأس عن الناس\"، وفي (ي): \"عن التماس الناس\"، والمثبت من (م) و(ع).\n(^٣) يعني: \"ال\" التي في \"القواعد\"، أي: الفاء إما لأن (ال) موصولة بمعنى اللاتي، وإما لأنها موصوفة بالموصول. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ٤٧٤).\n(^٤) في (ف): \"سقيفة\".","vol":"7","page":298},{"text":"<span id=\"aya-2852\"> </span>(٦١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ قال سعيد بنُ المسيِّب: كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزو مع النبيِّ ﷺ وَضَعوا مفاتيحَ بيوتِهم عند الأعمى والأعرج والمريض، وعند أقارِبهم، ويأذنونهم أن يأكلوا من بيوتهم، وكانوا يتحرَّجون عن ذلك، ويقولون: نخشى أن لا تكون أنفسُهم بذلك طيِّبَةً، فنزلت الآيةُ رخصةً له (^١).\n﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ هذا على ظاهره، ولم يُرَدْ به بيانُ الحكم فيه، بل إظهارُ التسويةِ بينه وبين قرنائه، كقوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: ٤٦].\n﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ لم يذكر بيوتَ الأولاد؛ إحالةً لحالها على الدلالة.\n﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ\n_________\n(^١) رواه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٣٣٠)، وروى نحوه البزار (٢٢٤١ - كشف) من حديث عائشة ﵂، ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٨٤).","vol":"7","page":299},{"text":"أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ لأنَّ الإذنَ مِن هؤلاء ثابتٌ دلالةً.\n﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ جمع: مِفْتَحٍ، وهو ما يُفتَح به الغلق، وأُريد بملكه: كونه في يده وحفظِه، قال ابنُ عباس ﵄: هو وكيلُ الرجل وقيِّمه في ضيعته وماشيته (^١)، له أن يَأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبنِ ماشيته (^٢).\n﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: أو بيوتِ صديقكم، وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط، وكان الرجل من السَّلَف يَدخل دارَ صديقه وهو غائب، ويسأل جاريته كيسَهُ، فيأخذ ما شاء، فإذا حَضَرَ مولاها أَعتقها سرورًا بذلك، فأمَّا الآن فقد غَلب الشُّحُّ على الناس فلا يوجد صديق حكمُه هذا، لا أنه يوجد ويتخلَّف عنه الحُكم بغَلَبة الشُحِّ (^٣)، وكأنْ لنُّدرة وجودِه عَدَل فيه عن صيغة الجمع.\n﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾: مجتمعينَ، وَرَدَ فيمن تحرَّجوا من الاجتماعِ على الطعام؛ لاختلافِ الناس في الأكل، وزيادةِ بعضهم على بعض.\n﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾: متفرِّقين، جمع: شَتٍّ، ورد فيمَن تحرَّجوا عن الأكل وحده.\n﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ على أهلِها الذين هم منكم دينًا وقرابةً، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]؛ أي: مَن هو مِن جنسكم.\n_________\n(^١) في (م): \"ومشيئته\".\n(^٢) انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي (٤/ ١٢٤). ورواه بنحوه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٦٤٨).\n(^٣) في هامش (ف) و(ك): \"ردٌّ لصاحب المدارك في قوله: فأما الآن فقد غلب الشُّحُّ على الناس، فلا يؤكل إلا بإذن\".","vol":"7","page":300},{"text":"﴿تَحِيَّةً﴾ نصبٌ بـ (سلِّموا)؛ لأنَّه في معنى: تسليمًا، نحو: قعدتُ جلوسًا.\n﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: ثابتةً بأمره، مشروعةً من لدنه، ويجوز أن يكون صلةً للتحية، فإنَّها طلبُ الحياة وهي مِن عنده.\n﴿مُبَارَكَةً﴾ لأنها دعوةُ مؤمنٍ لمؤمنٍ بأمر الله تعالى يُرجى بها زيادة الخير والثواب.\n﴿طَيِّبَةً﴾ تَطيبُ بها نفسُ المستمِعِ، وفي حديث أنس ﵁: قال ﵊: \"مَتى (^١) لقيتَ مِن أمَّتي أحدًا فسلَّم عليه يَطُلْ عمرُك، وإذا دخلتَ بيتَك فسلِّم عليهم يَكثرْ خيرُ بيتك، وصَلِّ صلاةَ الضحى فإنها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابينَ\" (^٢).\n﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ كرَّره ثالثًا لمزيد التأكيد، وتتميمِ الأحكام المختتَمة به، وفصلَ الأولَينِ بما هو المقتضي لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال:\n﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: الحقَّ والخيرَ في الأمور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2853\"> </span>(٦٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"من\".\n(^٢) رواه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨٣٨٣)، وإسناده ضعيف، وأصل الحديث في الصحيح كما ذكر ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ١٢٠).","vol":"7","page":301},{"text":"﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الإيمان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مِن صميم قلوبهم.\n﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورةِ في الأمور، ووُصِف الأمرُ بالجمع على سبيل المجاز للمبالغة.\n﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ أي: وَيأذنَ لهم، ولمَّا أراد أن يُريَهم عِظَم الجناية في الذهاب عن مجلسه ﵊ إذا كانوا معه على أمرٍ جامعٍ، جعل تركَ الذهابِ بلا إذنٍ ثالثَ الإيمان (^١) بالله تعالى، والإيمانِ برسوله ﵊، وجعلهما كالتمهيد لذكره، ثم عقَّبه بما يزيده توكيدًا وتشديدًا حيث أعاده على أسلوبٍ آخر أبلغ فقال:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وضمَّنه شيئًا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحَّة الإيمانين، وعرَّض بحال المنافقين وتسلُّلهم لواذًا.\n﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ ما يَعرِض لهم من الهامِّ (^٢)، وفيه أيضًا مبالغة وتضييق للأمر.\n﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فيه رفعُ شأنه ﵊ بتفويض الأمر إلى رأيه، ففيه دلالةٌ على أن بعض الأحكام مفوَّض إلى رأيه.\nوتقييدُ المشيئة بأن تكون تابعةً لعلمهِ بصدقهِ حتى يكون المعنى: فَأْذَن لمن عَلمت أن له عذرًا = تعسُّف ظاهر.\n_________\n(^١) \"الإيمان\": مكررة في (ف).\n(^٢) في (ف): \"من الإلهام\"، وفي (م): \"من المهام\".","vol":"7","page":302},{"text":"﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ بعد الإذن، فإن الاستئذان ولو لعذرٍ قصورٌ؛ لأنَّه تقديمٌ لأمرِ الدنيا على أمرِ الدين.\n﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لفَرَطات العباد ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتيسير عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2854\"> </span>(٦٣) - ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ نهيٌ عن التسوية بين الدعاءين، والمقصود النهيُ عن لوازمها كجواز (^١) الإعراض، والمساهلةِ في الإجابة، والرجوع بغير إذن، وذلك لأنَّ المبادرة إلى إجابته واجبةٌ، والمراجعةَ بغير إذنه محرَّمة.\nوحملُ الدعاء على النداء والتسمية، أو على الدعاء عليه (^٢)، لا يناسب السباق واللحاق، والفصل بين أجزاء الكلام بالأجنبيِّ من المساق يُخِلُّ بمقتضى البلاغة وحُسْن الاتِّساق.\n﴿يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾: يخرجون قليلًا قليلًا من الجماعة، ونظير تسلَّل: تدرَّج وتَدخَّل.\n_________\n(^١) في (ع): \"بجواز\".\n(^٢) أي: لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفعِ الصوت به، والنداء من وراء الحجرات، ولكن بلقبه المعظم مثل: يا نبي الله، و: يا رسول الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، أو: لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه، فإن دعاءه مستجاب. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١١٦).","vol":"7","page":303},{"text":"﴿لِوَاذًا﴾: ملاوذةً، بأن يستتر بعضهم ببعض حتى يخرج، أو يلوذ بمَن يُؤذَن له فينطلق معه كأنه تابِعُه، وانتصابه على الحال؛ أي: ملاوِذِين.\n﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ يخالفون أمرَه بترك مقتضاه، و(عن) لتضمُّنه معنى الإعراض، أو: يصدُّون عن أمره دون المؤمنين، والضميرُ لله؛ لأن الأمرَ في الحقيقة له، أو للرسول ﵊؛ لأنَّه المقصود بالذِّكر.\nومفعول (يحذر): ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: محنةٌ في الدنيا.\n﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، و(أو) لمنع الخلوِّ، فلا ينافي الجمع، والآية تدلُّ على أن الأمر للإيجاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2855\"> </span>(٦٤) -) ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أدخل ﴿قَدْ﴾ عليه؛ ليؤكِّد علمَه بما هو عليه من المخالفة عن الدِّين والنِّفاق، ومرجع توكيد العِلم إلى توكيد الوعيد، والمعنى: إن جميع ما في السماوات والأرض مختصَّةٌ به خَلْقًا ومُلْكًا وعِلْمًا، فكيف يخفى عليه أحوالُ المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سَترها؟!\n﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء؛ أي: وَيعلم يوم يُرَدُّون إلى جزائه، وهو يوم القيامة.\nوالخطاب في الكلامين المذكورين يجوز أن يكون جميعًا للمنافقين على","vol":"7","page":304},{"text":"طريقة الالتفات (^١)، ويجوز أن يكون الأوَّل عامًا، والثاني خاصًا بهم.\n﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾: بما أَبطنوا من سُوء أعمالهم، ويجازيهم حقَّ جزائهم.\n﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلا تَخفى عليه خافيةٌ.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"الاكتفاء\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، قال الألوسي: فيتحقق التفاتان: التفات من الغيبة إلى الخطاب في ﴿أَنْتُمْ﴾، والتفات من الخطاب إلى الغيبة في ﴿يُرْجَعُونَ﴾. انظر: \"روح المعاني\" (١٨/ ٥٠٠).","vol":"7","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-89>سُورَةُ الفُرقَانِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2856\"> </span>(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.\n﴿تَبَارَكَ﴾: تزايدَ خيرُه وتكاثرَ، أو: تزايدَ عن كلِّ شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمةُ تعظيمٍ لم تُستعمل إلَّا لله وحده، والمستعملُ منه الماضي فحَسْب، وترتيبه على إنزال الفرقان لِمَا فيه من كثرة الخير.\n﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ مرَّ تفسيره في سورة آل عمران.\n﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ وقرئ: (على عباده) (^١)، وهم رسولُ الله ﷺ وأمَّتُه، أو المرسلون بالكتب السماوية؛ على أن الفرقانَ اسمُ جنسٍ.\n﴿لِيَكُونَ﴾ العبدُ أو الفرقانُ ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: للثَّقَلين ﴿نَذِيرًا﴾: مُنذِرًا، أو: إنذارًا؟ كالنَكير بمعنى الإنكار.\nوهذه الجملة معلومةٌ للرسول ﵊، ولا يَلزم أن تكون الصلةُ معلومةً لكلِّ أحدٍ (^٢).\n_________\n(^١) نسبت لعبد الله بن الزبير. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٣)، و\"المحتسب\" (٢/ ١١٧).\n(^٢) رد على البيضاوي في قوله: (هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة). قال الشهاب: هذا بناء على أن جملة الصلة لا بد أن تكون معلومة قبل =","vol":"7","page":309},{"text":"<span id=\"aya-2857\"> </span>(٢) - ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.\n﴿الَّذِي﴾ رفعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو على الإبدال من ﴿الَّذِي نَزَّلَ﴾ أو على المدح، أو نصب عليه.\n﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ على الخلوص (^١).\n﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ كما زعم اليهودُ والنصارى ومشركو العرب في العُزَيْر والمسيح ﵇ والملائكةِ.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما زَعَمت الثَّنَويَّة.\n﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ لا كما قالت المجوس: إنَّه تعالى لم يَخلُق الظُّلمة، ولا كما قالت المعتزلة: إنَّه تعالى غيرُ خالقٍ لأفعال العباد.\n﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: قدَّر كلَّ شيءٍ تقديرًا يُوافق الحكمةَ فخلقه، والقلبُ لمحافظة الفاصلة.\n* * *\n_________\n= التكلم بها؛ لأنّ تعريف الموصول بما في الصلة من العهد، وفي شرح التسهيل أنه غير لازم وأنّ تعريف الموصول كتعريف الألف واللام يكون للعهد والجنس وأنَّه قد تكون صلته مبهمة للتعظيم … وعلى تقدير تسليمه فهذه الجملة معلومة للرسول ﷺ وهو المخاطب بها كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ولا يلزم أن تكون معلومة لكل أحد، وما اختاره المصنف ﵀ من تنزيلها منزلة المعلوم أبلغ لكونه كناية عما ذكر مناسِبةً للرد على مَن أنكر التوحيد والنبوّة). انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤٠٦).\n(^١) في (ف): \"الخصوص\".","vol":"7","page":310},{"text":"<span id=\"aya-2858\"> </span>(٣) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.\n﴿وَاتَّخَذُوا﴾ الضمير للكافرين؛ لدلالة ﴿نَذِيرًا﴾ عليهم.\n﴿مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ لمَّا تضَّمن الكلامُ إثباتَ التوحيد والنبوَّة، أَخذَ في الرَّدِّ على المخالفين فيها:\n﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وصف آلهتهم بما يدلُّ على أنَّها لا تَستحقُّ العبادةَ؛ أي: لا يَقدرون على الخَلْق ومع ذلك هم مخلوقون، وإنَّما قال: ﴿يُخْلَقُونَ﴾ إظهارًا لتجدُّد حدوثها، وفيه وجهٌ آخرُ لعدم استحقاقها العبادة.\n﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ مِلْكُهما كنايةٌ عن القُدرة على التصرُّف فيهما بالدَّفْع والجَلْب، فلا حاجةَ إلى تقديرِ مضاف، وتقديم الضَّرِّ لأنَّ دفعَه أهمُّ من جَلب النفع، وإنَّما قال: ﴿لِأَنْفُسِهِمْ﴾ إظهارًا لغاية عجزهم، فإنَّ مَن لا يقدر على ذلك في حقِّ نفسِه لا يَقدر عليه في حقِّ غيره، بدون العكس.\n﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قدَّمه على الحياة على عكس ترتيب الوجود؛ لتقديم الضَّرِّ على النفع.\n﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أراد به الإحياءَ بعد الموت؛ أي: إنَّهم بمعزلٍ عن الألوهية؛ لعرائهم عن لوازمها واتِّصافهم بما ينافيها، وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2859\"> </span>(٤) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾.","vol":"7","page":311},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ما هذا القرآنُ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾: كَذِبٌ مصروفٌ عن وجهه ﴿افْتَرَاهُ﴾: اختَلَقه، يعني: محمدًا ﵊.\n﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ أي: اليهودُ، فإنَّهم يُلقون إليه أخبارَ الأمم وأحوالَ الآخرة، وهو يعبِّر عنه بعبارته.\n﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ جاء يُستعمل في معنى فَعَل فيُعدَّى (^١) تعديتَه، وأمَّا حذف الجارِّ وإيصالُ الفعل فلا بُدَّ فيه من السماع.\n﴿ظُلْمًا﴾ بجَعْل الكلامِ المعجِزِ إفكًا مُختلقًا مُتلقَّفًا من اليهود.\n﴿وَزُورًا﴾ بنسبةِ ما هو بريءٌ منه إليه، والزُّور: القولُ المائلُ عن القصد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2860\"> </span>(٥) - ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.\n﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما سطَّره المتقدِّمون، وقد مَرَّ بيانُ الأساطير.\n﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ أي: كَتَبها بنفسه، أو: اسْتكْتَبها.\nوقرئ على البناء للمفعول (^٢)؛ لأنَّه أُمِّيٌّ، وأصله: اكتَتَبها كاتبٌ له، فحُذف اللام وأفضَى الفعلُ إلى الضمير، فصار: اكتَتَبها إيَّاه كاتبٌ، ثم حُذف الفاعل وبُني الفعل للضمير، فاستَتر فيه.\n﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ أي: تُلقَى عليه من كتابه ليَحفَظَها، فإنَّه أُمِّيٌّ لا يَقدر أن يَكرَّر من الكتاب.\n_________\n(^١) في (ي): \"فيتعدى\".\n(^٢) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٣)، و\"المحتسب\" (٢/ ١١٧).","vol":"7","page":312},{"text":"﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ البُكْرةُ: أوَّلُ النهار، والمراد من الأصيل آخرُه؛ بقرينة المقابَلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2861\"> </span>(٦) - ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسِّرُّ: إخفاءُ المعنى في القلب، والمراد: ما في السماوات والأرض مِن خفايا الأحوال (^١)، يعني أنَّ في القرآن إخبارًا عمَّا لا يَعلمه إلَّا اللهُ تعالى من الجنَّة والنار وما فيهما، ولا تعرُّض لهما في التوراة والإنجيل، ولو كان مأخوذًا من اليهود أو النصارى لم يَزد على ما فيها، وأيضًا فيه إخبارٌ عن الحوادث السماوَّية والأرضيَّة قبل حدوثها، وليس فيها احتمال الأخذ من كتب المتقدِّمين.\n﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ساترًا للذُّنوب ومؤخِّرًا للانتقام ﴿رَحِيمًا﴾ بالإمهالِ وعدمِ الاستعجال وإدرارِ الإنعام؛ ليتوب بعضهم ويرجعَ عن الإصرار، وَيخرج من أصلاب المصِّرين أصحابُ الاعتبار والاختبار، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لإفادة الدلالة على العادة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2862\"> </span>(٧) - ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.\n﴿وَقَالُوا مَالِ﴾ وقعت اللامُ في المصحف مفصولةً عن الهاء، وخَطُّ المصحفِ سُنّةٌ لا يغيَّر ﴿هَذَا الرَّسُولِ﴾: ما لهذا الذي يَزعم أنَّه رسولٌ، وفيه استهانة وتهكُّم.\n_________\n(^١) في (ك): \"الأصول\". وفي (ف): \"الأصل\".","vol":"7","page":313},{"text":"﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ حالٌ، والعامل فيها ﴿هَذَا﴾، والجملة الأولى كنايةٌ عن غاية الأكل، ولا يَخفى ما فيها من تقبيح الحال الذي يقتضيه مساقُ الكلام، والثانية كنايةٌ عن الغرض من المشي في الأسواق، وهو طَلَب أسبابِ المعاش؛ أي: إن صحَّ أنَّه رسول المَلِك المتعال، فما بالُهُ يَفعل هذه الأفعالَ؟! يَعنون أنه كان يجب أن يكون مَلَكًا بريئًا عن لوازم البشريَّة.\nثم تنزَّلوا عن ذلك الاقتراح (^١) إلى اقتراحِ أن يكون إنسانًا معه مَلَكٌ حتى يتسانَدا في الإنذار، بقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2863\"> </span>(٨) - ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾.\nثم تنزَّلوا إلى أن يكون مرفودًا بكنزٍ يُلقى إليه من السماء يَستظهِر به ولا يَحتاج إلى تحصيل المعاش فقالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾.\nثم تنزَّلوا فقالوا: ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾؛ أي: إن لم يُلقَ إليه كنزٌ فلا أقلَّ أن يكون له بستانٌ كما للدَّهَاقين والمياسير، فيعيشَ برَيْعه، وحسَّن عطفَ المضارع - وهو ﴿يُلْقَى﴾ و﴿تَكُونُ﴾ - على ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو ماضٍ دخولُ المضارع وهو ﴿فَيَكُونَ﴾ بينهما، وانتصب ﴿فَيَكُونَ﴾ لأنَّه جواب ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلَّا، وحكمُه حكم الاستفهام.\nوأراد بالظالمين في قوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ إيَّاهم بأعيانهم، غيرَ أنَّه وضع موضعَ المضمَر تسجيلًا عليهم بالظلم.\n_________\n(^١) في (ع): \"الاقتران\" وكذا في الموضع الآتي.","vol":"7","page":314},{"text":"﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ سُحِرَ فغُلِب على عقله، فيخيَّل إليه الشيطانُ مَلَكًا، وكلامُه وحيًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2864\"> </span>(٩) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.\n﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: قالوا فيكَ تلك الأقوالَ الغريبةَ واخترعوا لك تلك الأحوالَ النادرة ﴿فَضَلُّوا﴾ عن طريق الحقِّ في جميع ذلك.\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى طعنٍ موجَّهٍ (^١)، فيتهافتون وَيخبِطون كالمتحيِّر في أمره لا يَدري ما يَصنع، فلا يَجدون سبيلَ هداية ولا يُطيقونه؛ لالتباسه عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2865\"> </span>(١٠) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾.\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾: تكاثَرَ خيرُ الذي إن شَاء (^٢) وَهَبَ لك في الدنيا خيرًا ممَّا قالوا، ولكن أخَّره إلى الآخرة لأنَّه خيرٌ وأبقى، وقوله:\n﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بدلٌ من ﴿خَيْرًا﴾.\n﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ عطفٌ على محلِّ الجزاء، وقرئ بالرفع (^٣)؛ لأن الشرط إذا وقع ماضيًا جاز في جزائه الجزمُ والرفعُ، ويجوز أن يكون استئنافًا بوعدِ ما\n_________\n(^١) في (ك): \"بوجه\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"يشأ\".\n(^٣) قرأ بها ابن كثير وابن عامر وشعبة، وقرأ الباقون بالجزم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٣).","vol":"7","page":315},{"text":"يكون له في الآخرة، وقرئ بالنصب (^١) على أنه جوابُ الشرط بالواو.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2866\"> </span>(١١) - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾.\n﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ عطف على ما حُكيَ عنهم، يقول (^٢): بل أتوا بأعجبَ من ذلك كلِّه وهو تكذيبُهم بالساعة، أو متَّصل بما يليه؛ كأنه قال: بل كذَّبوا بالساعة، وكيف يلتفتون إلى هذا الجواب، وكيف يُصدَّقون بتعجيلِ مثلِ ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها؟!.\n﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾: وهيَّأنا للمكذبين بها نارًا شديدةَ الإسعار، والإسعار: تهييج النار بشدَّة الإيقاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2867\"> </span>(١٢) - ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.\n﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾: إذا قابَلَتْهم وصارت منهم بقَدْرِ ما يرى منهم الرائي، كقولهم: دُورُهُم تَتَراءَى؛ أي: تتناظر وتتقابل بحيث تكون إحداهما بمرأًى من الآخرى، على المجاز، والتأنيث لأنَّه بمعنى النار أو جهنَّم.\n﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أَقصى ما يُمكن أن يرى منه.\n﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾: صوتَ تغيُّظٍ، شبَّه صوتَ غليانها بصوت المغتاظ (^٣) وزفيرِه، وهو صوتٌ يُسمَع من جوفه، هذا ما يتراءى في بادئ النظر.\n_________\n(^١) نسبت لعبيد الله بن موسى وطلحة بن سليمان. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١١٧).\n(^٢) في (ف) و(ك) (م): \"بقول\".\n(^٣) في هامش (ي): \"المغتاظ؛ أي: الممتلئ غضبًا\".","vol":"7","page":316},{"text":"والذي يظهر عند التأمُّل: هو أنه تمثيلٌ (^١) من قَبيل المجاز التمثيلي الشائع في كلام الله تعالى، شبِّهت النار بمَن له تلك الحال، وذلك في غاية البلاغة، فمفرداتُ الكلام على حالها، وإنما قال: ﴿لَهَا﴾ دون: منها، أو: فيها؛ تنصيصًا على ما يتمُّ به التمثيل، وهو أن يكون التغيُّظ والزفير لها لا لِمَا فيها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2868\"> </span>(١٣) - ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾.\n﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ بيان تقدَّم فصار حالًا ﴿مَكَانًا﴾: في مكان ﴿ضَيِّقًا﴾ لزيادة العذاب، فإنَّ الكربَ مع الضيق، كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعَة، وعن ابن عباس ﵄: أنه يضيق عليهم كما يضيَّق الزُّجُّ في الرُّمْحِ (^٢).\n﴿مُقَرَّنِينَ﴾: قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، أو يُقرَن مع كلِّ كافر شيطانُه في سلسلةٍ، وفي أرجلهم الأصفاد.\n﴿دَعَوْا هُنَالِكَ﴾: ثَمَّ ﴿ثُبُورًا﴾: هلاكًا؛ أي: يتمنَّون الهلاكَ وينادونه، فيقولون: واثُبُوراهُ؛ أي: تعالَ يا ثبور فهذا حينُك، فيقال لهم:\n\n<span id=\"aya-2869\"> </span>(١٤) - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.\n﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ إذ هم أحقَّاءُ بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قولٌ، أي: لا تقتصروا على حزنٍ واحد، بل احزنوا حزنًا كثيرًا، وكثرته إمَّا لدوام العذاب متجدِّدًا، وإمَّا لأنَّه أنواعٌ، وكلُّ نوعٍ منه يكون ثبورًا لشدَّته وفظاعته.\n_________\n(^١) \"تمثيل\" من (ي).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٦٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٠٢).","vol":"7","page":317},{"text":"<span id=\"aya-2870\"> </span>(١٥) - ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾.\n﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وُعدها، فالراجع إلى الموصول محذوفٌ، والمراد من المتقينَ بقرينة المقابلة: مَن يتَّقي أنواع الكفر من الشرك والتكذيب.\nوالإشارة إلى مكان العذاب وهو النار، وإنما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خيرَ في النار؛ توبيخًا وتهكُّمًا للكفار، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الكنز والجنَّة، وإضافة الجنَّة إلى الخلد للمدح لا (^١) للدلالة على خلودها؛ لأنها (^٢) حاصلة بقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾.\n﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً﴾ على أعمالهم بالوعد الأزليِّ ﴿وَمَصِيرًا﴾: مرجعًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2871\"> </span>(١٦) - ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾.\n﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾: ما يشاؤونه من أنواع الملاذِّ والمشتهَيات، والمشيئة تتبع العلم، فالتفاوت في درجات أهلِ الجنة وأنواعِ تلذُّذهم بحسب عملهم (^٣)، وإنَّما ذكر فيها مع عدم الحاجة إليه؛ للتنبيه بتقديمه على أنَّ حصول كلِّ المشتهيات لا يكون إلا في الجنَّة.\n﴿خَالِدِينَ﴾ حالٌ من أحد ضمائرهم.\n_________\n(^١) \"للمدح لا\" سقطت من (ف) و(ك)، و\"لا\" سقطت من (ع).\n(^٢) في (ع) و(ف) و(ك): \"ولأنها\".\n(^٣) في (ف) و(ك)، و(م) و(ي): \"علمهم\".","vol":"7","page":318},{"text":"والضمير في ﴿كَانَ﴾ لـ ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾، و﴿عَلَى﴾ في قوله: ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ استعيرَ لِمَا في منزلة الوجوب في التأكُّد (^١) بقرينة الوعد والسؤال، ومَن وَهَمَ أنه على حقيقته؛ لامتناع الخُلْف في وعده تعالى، ثم قال: ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز؛ لأن تعلُّق الإرادة بالموعود مقدَّم (^٢) على الوعد الموجِب للإنجاز (^٣) = فقد وَهِمَ؛ حيث لم يفرِّق بين الوجوبِ على الله والوجوبِ منه، فإن اللازم حينئذٍ هو الأول، والذي صحَّحه ودفع (^٤) المحذور عنه هو الثاني.\n﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾؛ أي: كان ذلك موعودًا حقيقًا بأن يُسأل ويُطلب، أو: مسؤولًا سأله الناسُ في دعائهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2872\"> </span>(١٧) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للجزاء ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعمُّ كلَّ معبود سواه، و(ما) وضعُه عامٌّ، ولذلك يُطلَق لكلِّ شبحٍ (^٥) يُرى (^٦) ولا يُعرَف، أو يُراد به الوصف، أو لتغليب الأصنام لا تحقيرًا؛ لأن المغلَّب عليه من الأنبياء والملائكة لا يَليق ذلك بشأنهم، بل اعتبارًا لغَلَبة عبَّادهم.\n_________\n(^١) في (ع): \"التأكد\".\n(^٢) في (م): \"يتقدم\".\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٢٠).\n(^٤) في (ك): \"ووقع\".\n(^٥) في (ع): \"شيء\".\n(^٦) في (ف) و(ك) و(م): \"رئي\".","vol":"7","page":319},{"text":"وإنما قلنا: يعم كلَّ معبودٍ، إذ لا قرينة للتخصيص لا بالأصنام، وذلك ظاهر، ولا بالملائكة والأنبياء؛ لأن كلَّ شيء يَنطِق يومئذٍ، فلا يكون السؤال والجواب قرينةً.\n﴿فَيَقُولُ﴾ للمعبودين: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ الإضافة لتعظيم جريمة الإضلال، لا لتشريفهم؛ لأنهم مشركون (^١).\n﴿هَؤُلَاءِ﴾ بدلٌ من ﴿عِبَادِي﴾، ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المُرشِد النَّصيح، والاستفهام للتقريع والتبكيت للعَبَدة، فلذلك قدِّم الضمير على الفعل إيلاءَ حرفِ (^٢) الاستفهام للمقصود بالسؤال، وهو الفاعل لا الفعل (^٣)، وإنَّما حذف صلة (ضلَّ) للمبالغة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2873\"> </span>(١٨) ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾.\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تعجُّبًا ممَّا قيل لهم؛ لأنَّهم إمَّا ملائكة، أو أنبياءُ معصومون، أو جماداتٌ لا تَقدِر على شيء، أو قصدوا به تنزيهَه تعالى عن الأنداد.\n﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾؛ أي: ما كان يصحُّ لنا ولا يَستقيم ﴿أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ\n_________\n(^١) في (م): \"لأنهم هم المشركون\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"طرف\"، وفي باقي النسخ: \"ظرف\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٢٠)، وفيه: (ليلي حرفَ الاستفهام المقصودُ بالسؤال وهو المتولي للفعل).\n(^٣) في هامش (ع) و(ف) و(م): \"فإن تقديم الفعل يفسد المعنى، ومن غفل عن هذا علَّله بقوله: لأنَّه محقَّق لا شبهة فيه، ولم يدرِ أن فيه الإشعار بأن في الفاعل الشبهة، ولا يخفى فساده. منه\".","vol":"7","page":320},{"text":"أَوْلِيَاءَ﴾ للعصمة أو عدم القدرة، فكيف يصحُّ لنا أن ندعوَ غيرَنا أو أن نتولَّى أحدًا دونك.\nوقرئ: ﴿نَتَّخِذَ﴾ (^١) على البناء للمفعول من (اتَّخَذَ) الذي له مفعولان، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] ومفعوله الثاني ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ و﴿مِنْ﴾ للتبعيض؛ لأن (مِن) لا تزاد في المفعول الثاني، بل في الأول، وعلى الأول مزيدةٌ لتأكيد النفي.\nولمَّا تضمَّن قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾ أنَّا لم نضلَّهم ولم نَحملْهم على الامتناع من الإيمان، صلح أن يستدرك بـ ﴿وَلَكِنْ﴾ فقالوا:\n﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ بالأموال والأولاد وطُول العمر والسلامة من العذاب.\n﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ حتى غَفلوا عن ذِكْرك، أو التذكُّرِ لآلائك.\nوالواو الفصيحة في ﴿وَكَانُوا﴾ للعطف على محذوف تقديره: فكفروا ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾: هالكينَ، مصدرٌ وصفَ به، ولذلك يَستوي فيه الجمعُ والواحد، قال ابن الزِّبَعرى في الواحد:\nيا رسولَ الإله إنَّ لساني … راتقٌ ما فَتَقتُ إذ أنا بُورُ (^٢)\n* * *\n\n<span id=\"aya-2874\"> </span>(١٩) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.\n_________\n(^١) قرأ بها من العشرة أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٣٣).\n(^٢) انظر: \"ديوان عبد الله بن الزبعرى\" (ص: ٣٦).","vol":"7","page":321},{"text":"﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ المعنى: فقد كذَّبكم المعبودون، وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصَّة إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحُذف القول، وقد سبق تحقيقُ هذا في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ من سورة المائدة [الآية: ١٩] (^١).\n﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيه: إنَّهم آلهة، أو: هؤلاء أضلُّونا، والباء بمعنى (في)، أو مع المجرور بدل من الضمير.\nوقرئ بالياء (^٢)، ومعناه: فقد كذَّبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا﴾.\n﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرئ بالتاء (^٣) على خطاب العابدين ﴿صَرْفًا﴾ هو: دفعًا للعذاب عنكم ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيُعِينكم عليه.\nثم خاطب المكلَّفين على العموم بقوله:\n﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ الشرط وإن عمَّ كلَّ مَن كفر أو فسَق، لكنه في اقتضاء الجزاء مقيَّد بعدم المُزاحم وهو التوبة إجماعًا، وبالإحباط بالطاعة والعفو عندنا في الأخير.\n﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ وهو عذاب النار، وفي عبارة ﴿نُذِقْهُ﴾ إشارةٌ إلى أن العذاب جسمانيٌّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2875\"> </span>(٢٠) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾.\n_________\n(^١) لم نقف على هذا الموضع من التفسير، وانظر ما جاء في المقدمة من تفصيل لهذا الأمر.\n(^٢) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٠٤).\n(^٣) قرأ بها حفص من السبعة، وقرأ الباقون بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٣).","vol":"7","page":322},{"text":"﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كُسرَت (إنَّ) لا لأجل اللامِ في الخبر؛ لأنَّ دخولها وخروجها هاهنا سواءٌ، بل لأنَّه موضع ابتداء تقديره: إلَّا هم يأكلون، والجملة بعد (إلَّا) صفةٌ لموصوف محذوف، والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلَّا آكلين وماشين، وإنَّما حذف لدلالة ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ عليه (^١)، ويجوز أن يكون حالًا اكتفي فيها بالضمير، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ أيُّها الناس ﴿لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾: ابتلاءً، ولا دلالة فيه على القضاء والقَدَر لأن قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علَّةٌ للجعل لا للتقدير، والمعنى: وجعلنا بعضَكم لبعضٍ فتنة ليَظهر أيُّكم يَصبر (^٢).\nومن الفتنة: أن يَحسد المُبتلَى المعافَى، ويَحقِرَ المعافَى المبتلَى، والصبرُ أن يَحبس كلاهما نفسَه؛ هذا عن البَطَر (^٣)، وذاك عن الضجر.\n﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بصَبْر مَن صَبَر، وضَجَر مَن ضَجِر، أو: بالصواب فيما يَبتلي (^٤) به وغيرِه.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ع) و(ف) و(م): \"قال في التيسير: وهو كما يقال: ما قدم علينا أمير إلا إنه مكرِم لي، بالكسر. منه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أنكم تصبرون\"، وفي (م): \"أيكم تصبروا\"، والمثبت من (ع) و(ي) والبيضاوي.\n(^٣) في (ع) و(ف) و(ي): \"النظر\"، وفي (م): \"البسطة\"، والمثبت من (ك).\n(^٤) في النسخ: \"فيمن ابتلى\"، والمثبت من المصادر. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٧٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٢١)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٣١)، و\"البحر\" (١٦/ ١٧٨)، و\"روح المعاني\" (١٨/ ٥٥٨).","vol":"7","page":323},{"text":"<span id=\"aya-2876\"> </span>(٢١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ الرجاء: ترقُّب الخير الذي يقوَى في النفس وقوعه، وبهذا القيد الأخير يفارق الأمل.\n﴿لِقَاءَنَا﴾ بالخير؛ لكفرهم بالبعث، أو: لا يخافون عقابنا؛ إما لأنَّ الراجيَ قلق فيما يرجوه، كالخائف، أو لأنَّ الرجاء في لغةِ تِهامة الخوفُ.\nواللقاءُ: المصيرُ إلى الشيء من غير حائل، ولهذا صحَّ لقاءُ الجزاء؛ لأن العباد يصيرون إليه في الآخرة، وعلى هذا يصحُّ أن يقال: لا بدَّ مِن لقاء الله تعالى.\n﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ رسلًا دون البشر، أو شهودًا على نبوَّته ﵇ ودعوى رسالته.\n﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ جهرةً فيُخبرَنا برسالته ويأمرَنا باتِّباعه.\n﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في شأنها، حتى أرادوا لها ما يتفق للأفراد من الأنبياء - الذين هم أكملُ خلقِ الله تعالى في أكملِ أوقاتها - وما هو أعظمُ من ذلك (^١).\n﴿وَعَتَوْا﴾ العتوُّ: الخروج إلى أفحشِ الظلم ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغًا أقصى مراتبه؛ حيث عاينوا المعجزاتِ الباهرةَ فأَعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسِهم الخبيثةِ ما\n_________\n(^١) قوله: \"للأفراد من الأنبياء … \"، المراد بالأفراد: عظماؤهم، و(أكمل أوقاتها) هو الوحي بالملائكة لا بإلهام ومنام ونحوه، أو المراد به رؤية الملك جهارًا معايَنًا على صورته؛ لأنَّه هو الذي اقترحوه، وضمير (أوقاتها) للأفراد، وأنثه لظاهر الجمع، ولو قال: أوقاتهم، كان أظهر، ويمكن أن يقال: الضمير للنبوة المفهوم منه، و(ما هو أعظم) رؤية الله عيانًا. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤١٦).","vol":"7","page":324},{"text":"سُدَّت دونه مطامع النفوس القدسيَّة، واللام جوابُ قَسَم محذوف، وفي الاستئناف بالجملة حُسْنٌ وإشعار بالتعجُّب (^١) من استكبارهم وعتوِّهم، فإن في فحوى هذا الفعل دليل على التعجيب من غير لفظه، أَلا يُرى أنَّ المعنى: ما أشدَّ استكبارهم وما أكبرَ عتوَّهم!\n* * *\n\n<span id=\"aya-2877\"> </span>(٢٢) - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.\n﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: ملائكةَ الموت أو العذاب، و﴿يَوْمَ﴾ نصب بما دلَّ عليه: ﴿لَا بُشْرَى﴾؛ أي: يومَ يَرَون الملائكةَ يُمنعون البشرى أو يعدمونها (^٢).\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مؤكِّد لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾، أو خبرٌ و﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ تبيينٌ، أو خبرٌ ثانٍ، أو ظرفٌ لِمَا تتعلَّق به اللام، أو لـ ﴿بُشْرَى﴾ إن قدِّرت منوَّنةً غيرَ مبنيَّةٍ مع (لا)، فإنَّها لا تعمل، أو بإضمار: اذْكُر، ثم أخبر فقال: لا بشرى بالجنة (^٣) يومئذٍ.\nوقيل: لا ينتصب بـ ﴿يَرَوْنَ﴾؛ لأنَّ المضاف إليه لا يَعمل في المضاف، ولا بـ ﴿بُشْرَى﴾؛ لأنها مصدرٌ، والمصدر لا يَعمل فيما قبله، ولأنَّ المنفىَّ بـ (لا) (^٤) لا يَعمل فيما قبل (لا).\n﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ظاهرٌ في موضعِ ضميرهم؛ تسجيلًا على جرمهم، وإشعارًا بما هو المانع للبُشرى والمُوجِبُ لما يقابلها، أو عامٌّ يَتناول حكمُه حكمَهم من طريق\n_________\n(^١) في (ك): \"بالتعجيب\".\n(^٢) تحرفت في النسخ إلى: \"يعدمونها\". انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٧٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٢١).\n(^٣) ليست في (ف) و(ك).\n(^٤) في (ك) و(ي): \"ولأن المنفي لا\"، وفي (ف): \"ولأن النفي لا\".","vol":"7","page":325},{"text":"البرهان، ولا يلزم من نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذٍ نفيُ البشرى بالعفوِ والشفاعةِ في وقتٍ آخر.\n﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ عطفٌ على المدلول؛ أي: يقول الكفرةُ حينئذٍ هذه الكلمةَ؛ استعاذةً وطلبًا من الله تعالى أن يَمنع لقاءَهم، وهي ممَّا كانوا يقولونه عند لقاءِ عدوٍّ أو هجومِ مكروهٍ، أو يقولها الملائكةُ بمعنى: حرامًا محرَّمًا عليكم الجنة أو البشرى.\nوقرئ: (حُجْرًا) بالضَّمِّ (^١)، وأصله الفتح أو الكسر، فإنَّهما لغتان فيه، غير أنَّه لمَّا اختصَّ بموضعٍ مخصوصٍ غيِّر (^٢)؛ كـ: قَعْدَكَ وعمرَكَ (^٣)، ولذلك لم يتصرَّف فيه (^٤)، ولا يظهر ناصبُه، ووصفه بـ ﴿مَحْجُورًا﴾ للتأكيد، كقولهم: موتٌ مائِتٌ.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت للحسن والضحاك. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٤).\n(^٢) قوله: \"لما اختص بموضع .. \" يعني: لما خصوا استعماله بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول، فلما تغيَّر معناه غيِّر لفظه عما هو أصله - وهو الفتح - إلى الكسر أو الضم لإيهام أنه لفظ آخر كالمرتجل. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤١٧).\n(^٣) قوله: \"كقعدك وعمرك\" (قعدك): بفتح القاف، وحكي كسرها عن المازني [وكذا ضبطت في (ي) بكسر القاف] وأنكره الأزهري، والعين ساكنة يقال: قَعْدَكَ اللهَ، وقَعِيدَكَ اللهَ، بنصب الاسم الشريف لا غير، و(قَعْدَك) منصوب على المصدرية، والمراد: رقيبك وحفيظك الله، ثم نقل إلى القسم فقيل: قَعْدَك الله لا تفعل. وأمّا (عَمْرَك الله) فبفتح العين وضمها، والراءُ مفتوحة لأنَّه منصوب على المصدرية ثم اختص بالقسم. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤١٧).\n(^٤) قوله: \"ولذلك لم يُتصرف فيه\"؛ أي: يلزم النصبَ على المصدرية بفعل لازم الإضمار. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤١٧ - ٤١٨).","vol":"7","page":326},{"text":"<span id=\"aya-2878\"> </span>(٢٣) - ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.\n﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ لا قدومَ ولا ما يُشبه القدومَ، ولكن مُثِّلت حالُ هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم - من صلةِ رحمٍ وإغاثةِ ملهوفٍ، وقِرَى ضيفٍ، ونحوِ ذلك - بحالِ مَن خالَفَ سلطانَه وعَصاهُ، فقدِم إلى أسبابه وما تحت يديه فأفسدها ومزَّقها كلَّ ممزَّقٍ، ولم يترك لها أثرًا.\nوعلى هذا يكون الكلامُ المذكورُ تمثيلًا على سبيل الاستعارة، لا الاستعارة (^١) في مفرداته، بخلافِ ما إذا كان المعنى: وعَمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم فأَحبطناهُ، فإنه حينئذٍ تكون الاستعارة في المفردات لا في الكلام.\nوالهباء: الشيءُ المنبثُّ الذي تراهُ في البيت من ضوء الشمس، والهباء أيضًا دُقاقُ التراب، ويقال له إذا ارتفع، و﴿مَنْثُورًا﴾ صفته، وليس فيه تشبيهٌ على تقدير التمثيل.\nوأمَّا على المعنى الثاني فقد شبَّه به عملَهم المُحبَط في حقارته وعدمِ نفعه ثَمَّ بالمنثور منه في انتشاره؛ بحيث لا يَقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2879\"> </span>(٢٤) - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\n﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ تمييزٌ، والمُستَقَرُّ: المكان الذي يُستَقَرُّ فيه في أكثرِ الأوقات للتجالُس والتحادُث.\n﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال الأزهريُّ: القيلولةُ والمَقيلُ: الاستراحةُ في نصف النهار\n_________\n(^١) قوله: \"لا الاستعارة\" سقط من (ع)، وقوله: \"لا\" سقط من (م).","vol":"7","page":327},{"text":"وإن لم يكن مع ذلك نومٌ (^١)، ورُوي أنه يُفرغُ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار (^٢).\nوفي لفظَي (^٣) الخيرِ والأحسنِ تهكُمٌ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2880\"> </span>(٢٥) - ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.\n﴿وَيَوْمَ﴾: واذْكُر يومَ ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ أصله: تتشقَّق، فحَذف التاءَ بعضُهم، وأَدغمها في الشين الآخرون (^٤).\n﴿بِالْغَمَامِ﴾: بسبب طلوعِ الغمام منها، وهو الغمام المذكور في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠].\n﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في ذلك الغمامِ بصحائف أعمالِ العباد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2881\"> </span>(٢٦) - ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.\n﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾: الثابتُ له؛ لأنَّ كلَّ مُلْكٍ يومئذٍ يَبطُل ولا يَبقى إلَّا\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب اللغة\" (٩/ ٢٣٣).\n(^٢) رواه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٣١٣)، والطبري في \"التفسير\" (١٩/ ٥٥٦) عن ابن مسعود: أنه كان يقول: والذي نفسي بيده، لا ينتصفُ النهار يوم القيامة حتى يقيل أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار، ثم قال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\n(^٣) ليست في (ف) و(ك).\n(^٤) قرأ بإدغام التاء في الشين ابن كثير ونافع وابن عامر، وباقي السبعة بحذف التاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"7","page":328},{"text":"مُلْكَه تعالى، فهو الخبر، و﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ صلته أو تبيينٌ، و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ معمولُ ﴿الْمُلْكُ﴾ لا ﴿الْحَقُّ﴾؛ لأنَّه متأخِّر، أو صفةٌ والخبر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أو ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾.\n﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾: شديدًا؛ لِمَا يَنالهم من الأهوال والتشديد في السؤال، ثم الخزيِ والنكال، ثم النارِ والأغلال، ويُفهَم منه يُسْرُه على المؤمنين، وفي الحديث: \"يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخفَّ من صلاةٍ مكتوبةٍ صلَّوها في الدنيا\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2882\"> </span>(٢٧) - ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾.\n﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ مِن فرط الحسرة، وعضُّ اليدين كنايةٌ عن الغيظ والحسرة؛ لأنَّه من روادفهما، ولإفادة الدلالة على استمرارِ تلك الحال ضمِّن الفعلُ المذكور معنى الاستقرار، فعدَّاه بـ ﴿عَلَى﴾، والمراد بالظالم الجنس، وقيل: عُقْبَة بنُ أبي مُعَيْط.\n﴿يَقُولُ﴾ جملة في محلِّ النصب على الحال: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ تابعًا له ﴿سَبِيلًا﴾ هَداهُ الله إليه، وتنكيره للإشعار بكمال الاتِّباع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2883\"> </span>(٢٨) - ﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.\n﴿يَاوَيْلَتَى﴾ وقرئ بالياء (^٢)، وهو الأصل؛ لأنَّ الرجلَ ينادي ويلته، وهي هَلَكتُه، يقول لها: تعالي فهذا أوانُك.\n_________\n(^١) رواه بنحوه الإمام أحمد في \"المسند\" (١١٧١٧) من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وحسَّن إسناده الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٤٤٨).\n(^٢) نسبت للحسن وابن قطيب. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٤).","vol":"7","page":329},{"text":"﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: مَن أضلَّه، و(فلان) كنايةٌ عن الأعلام، كما أنَّ الهَنَ كنايةٌ عن الأجناس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2884\"> </span>(٢٩) - ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.\n﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾: عن ذِكْر اللهِ، أو كتابه، أو موعظةِ الرسول، أو كلمة الشهادة ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ من الله، اعترافٌ بالقصور من جانبه.\n﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ يعني: الخليلَ المضِلَّ، أو إبليسَ؛ لأنَّه حَمَله على مخالفته ومخالفةِ الرسول، أو كلَّ مَن تشيطَنَ من الجنِّ والإنس ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيعِ له ﴿خَذُولًا﴾ مبالغةٌ في الخذلان؛ أي: من عادته ترك مَن يواليه وقتَ حاجته إليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2885\"> </span>(٣٠) - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾.\n﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾؛ أي: في الدنيا بثًّا إلى الله، ولو كان في الآخرة لَمَا عدل عن سَنَنِ ما تقدَّم: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا (^١) ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾: متروكًا؛ أي: تركوه ولم يؤمنوا به، من الهجران، وهو مفعولٌ ثانٍ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾.\nوفي هذا تعظيمٌ للشكاية وتخويفٌ لقومه؛ لأن الأنبياء ﵈ إذا شَكَوا إليه تعالى قومَهم، حلَّ عليهم العذابُ ولم يُنظَروا.\nثم أقبل عليه مسلِّيًا وواعدًا بالنصرة عليهم فقال:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أقربائي\".","vol":"7","page":330},{"text":"<span id=\"aya-2886\"> </span>(٣١) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلناه لك ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فاصبر كما صبروا، ومعنى الكلِّية الكثرةُ؛ كما في: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فلا يُشكِل بآدم ﵇؛ فإنه لم يكن مبتلًى بعداوة قومه، والعدوُّ يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا.\n﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾؛ أي: إلى طريق الصبرِ المؤدِّي إلى النصر، والباء زائدة، و﴿هَادِيًا﴾ تمييزٌ، ويجوز أن يكون حالًا؛ أي: كفى ربُّك في حال الهداية.\n﴿وَنَصِيرًا﴾ لك عليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2887\"> </span>(٣٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: أحبارُ اليهود (^١): ﴿لَوْلَا﴾: هلَّا ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ﴾؛ أي: أُنزل عليه كخبَّر بمعنى أَخْبَر، بدلالة قوله:\n﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: مُجتمِعًا دفعةً واحدةً كالتوراة والزَّبور، وهذا فضولٌ من القول ومماراةٌ بما لا طائلَ تحته، وغفولٌ عن مقتضى أصولِ البلاغة؛ من وجوب رعاية المطابقة لمقتضى المقام (^٢) في كلِّ جملةٍ من الكلام، ولا تتيسَّر تلك الرعاية عند نزولِ مجموعِ القرآن دفعةً واحدةً والشريعةِ من وجوبِ تقديم المُجمَل والعامِّ\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"في سورة النساء: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا﴾. منه\".\n(^٢) في (ع) و(ي): \"الكلام\"، وفي (م): \"الحال\".","vol":"7","page":331},{"text":"والمنسوخ، وتأخيرِ البيان والخاص والناسخ، ولا يتيسَّر ذلك أيضًا على التقدير المذكور والتذكير من (^١) وجوب رعايةِ شرط التكرير، وهو أن يكون في أوقاتٍ متعدِّدة، مع أنَّ للتفرقة فوائدَ:\nمنها: ما أشار إليه بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ جوابٌ لهم؛ أي: أنزلناه إنزالًا كذلك (^٢)، والإشارةُ إلى مدلولِ قولهم؛ لأَّن معناه: لِمَ ينزل عليه القرآنُ مفرَّقًا؟ فأَعْلمَ أن ذلك ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ بتفريقه؛ ليَقْوَى فؤادُك حتى تعيَهُ وتحفظَه؛ لأنَّ المتلقِّن وإن لم يكن أميًّا إنَّما يقوى قلبُه على حفظ العلم شيئًا بعد شيء، ولو أُلقيَ عليه جملةً واحدةً لعَجَزَ عن حفظه.\nأو: لنثبِّت به فؤادَك عن الضَّجَر بتواتر الأصول، وتتابُع الرسول؛ لأن قلبَ المحبِّ يَسكُن بتواصل كُتُبِ المحبوب، ولأنه إذا نزل منجَّمًا وهو يتحدى (^٣) بكلِّ نجمٍ فيَعجزون عن معارضته، زاد ذلك قوَّة قلبه.\nومنها: أنَّ نزوله بحسب الوقائع يوجب زيادةَ بصيرة وغوصًا في المعنى (^٤).\nومنها: انضمام القرائنِ الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يُعِين على البلاغة، وأما أنَّ الناسخ والمنسوخ لا يجتمعان، وكذا أسباب النزول لا يجتمعنَ، فليس من الفوائد وإن كان من جملة البواعث لذلك.\n_________\n(^١) في (ع): \"عن\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"أنزلناه كذلك إنزالًا\".\n(^٣) في (ك): \"متحد\".\n(^٤) في هامش (ف): \"رد لمن قال: لأنَّه يخالف حال موسى ﵇، ثم إن ذلك القائل غافل عن نزول التوراة مكتوبًا فهو بمعزل عما نحن فيه. منه\".","vol":"7","page":332},{"text":"ويحتمل أن يكون ﴿كَذَلِكَ﴾ من تمام كلامِ الكفرة، ولذلك وقف عليه، فيكون حالًا، والإشارة إلى الكتب السالفة، واللام على الوجهين متعلِّق بمحذوف.\n﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾: وقرأناه عليك شيئًا بعد شيء على تُؤَدةٍ وتَمهُّلٍ، وأصله الترتيل في الأسنان وهو تفليجها (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2888\"> </span>(٣٣) - ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.\n﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ سؤالٍ عجيبٍ من سؤالاتهم الباطلة، كأنه مَثَلٌ في البطلان.\n﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الدافعِ له ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ وبما هو أحسن بيانًا، التفسير: التكشيف عمَّا يدلُّ عليه الكلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2889\"> </span>(٣٤) - ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\n﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾؛ أي: يُساقون ويُجرُّون ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، ذمٌّ منصوب أو مرفوعٌ، أو مبتدأٌ خبرُه:\n﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ جعل مكانهم شرًّا ليكون أبلغَ في الدلالة على شرارتهم، وقيل: ﴿مَكَانًا﴾: مُنصَرَفًا.\n﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وصفُ السبيل بالإضلال من الإسناد المجازيِّ للمبالغة، والمفضَّل عليه هو الرسولُ ﵊ على طريقةِ قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]، كأنه قيل: إنَّ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"تقليحها\".","vol":"7","page":333},{"text":"حاملَهم على هذه الأسولة (^١) تحقيرُ مكانه بتضليل سبيله (^٢)، ولا يعلمونَ حالَهم ليعلموا أنَّهم شرٌّ مكانًا وأضلُّ سبيلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2890\"> </span>(٣٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾ في عبارة ﴿مَعَهُ﴾ إشارةٌ إلى أصالةِ موسى ﵇ في أمر الدعوة ﴿أَخَاهُ هَارُونَ﴾ بدل أو عطفُ بيان ﴿وَزِيرًا﴾ وهو في اللغة: مَن يُرجَع إليه ويُتحصَّن برأيه، مِن الوَزَر وهو الملجأ، والوزارة لا تنافي النبَّوة؛ فقد كان يُبعَث في الزمن الواحد أنبياءُ، ويُؤمَرون بأن يُوازرَ بعضهم بعضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2891\"> </span>(٣٦) - ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾.\n﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: فرعونَ وقومِه.\n﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ التدميرُ: الإهلاك (^٣) بأمرٍ عجيبٍ، أراد الاختصارَ فاقتصر على حاشيتي القصَّة؛ لأنَّها المقصودُ منها، وهو إلزامُ الحجَّة ببعثة الرسل، واستحقاقُ التدمير بتكذيبهم، فالفاء فصيحةٌ، وهي فاءٌ سببيَّةٌ، ولا يلزمها التعقيب.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"الأسئلة\".\n(^٢) في (ف): \"سببه\".\n(^٣) في (م): \"الهلاك\".","vol":"7","page":334},{"text":"<span id=\"aya-2892\"> </span>(٣٧) - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوب بفعل مقدَّر يفسِّره هذا الظاهر؛ أي: أغرقنا قومَ نوحٍ، والعامل في ﴿لَمَّا﴾ ذلك المحذوف.\n﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾: أنكروا البعثةَ مطلقًا كالبراهمة.\n﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ بالطُّوفان ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾: وجعلنا قصَّتهم ﴿لِلنَّاسِ آيَةً﴾: عبرةً.\n﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ لقومِ نوحٍ ﵇، وأصله (^١): وأعتدنا لهم، إلَّا أنه أراد تظليمَهم فأُظهروا، وهو عامٌّ لكلِّ مَن ظَلَمَ ظُلْمَ شركٍ، ويتناولهم بعمومه.\n﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في جهنَّم، وأمَّا عذابهم في البرزخ فغيرُ متراخٍ عن إغراقهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2893\"> </span>(٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾.\n﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ عطفٌ على (هم) في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، أو على ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لأنَّ المعنى: ووعدنا الظالمين.\nوإنَّما صُرفَ (ثمود)؛ على تأويل الحيِّ، أو لأنَّه اسمُ الأبِ الأكبرِ، وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾ (^٢) على تأويل القبيلة.\n﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ هم قومُ شعيبٍ ﵇ كانوا يعبدون الأصنامَ فكذَّبوا\n_________\n(^١) \"وأصله\": ليست في (م).\n(^٢) قرأ بها حفص وحمزة، وقرأ الباقون بالصَّرف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).","vol":"7","page":335},{"text":"شعيبًا، فبينما هم حول ﴿الرَّسِّ﴾ - وهو البئرُ غيرُ المطويَّة (^١) - انهارت بهم، فخُسف بهم وبديارهم.\nوقيل: الرَّسُّ: قريةٌ نبيِّهم، فهلكوا وهم أصحاب الرَّسِّ والأُخدود.\n﴿وَقُرُونًا﴾: وأهلَ أعصارٍ، قد مرَّ تفسير القرون في سورة الأنعام.\n﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما ذكر ﴿كَثِيرًا﴾ لا يَعلمها إلا الله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2894\"> </span>(٣٩) - ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾.\n﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ بيَّنَّا له القصصَ العجيبةَ من الأمم التي كانت قبلهم؛ أي: حذَّرنا كلَّ أمة أن يَنزل بها ما نزل بمَن قبلها، فلمَّا أصرُّوا أُهلكوا، كما قال:\n﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؛ أي: أهلكنا إهلاكًا، وأصلُ التَّتبيرِ: التفتيتُ، ومنه: التِّبْر، لِفُتاتِ الذهبِ والزجاجِ.\nو(كلًّا) الأوَّل منصوب بما دلَّ عليه ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، وهو: أَنذرْنا، أو: حذَّرنا، والثاني بـ ﴿تَبَّرْنَا﴾ لأنَّه فارغ له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2895\"> </span>(٤٠) - ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: أهلَ مكَّة ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ سَدُوم، وهي أعظمُ قرى قومِ لوط ﵇.\n_________\n(^١) أي: غير المبنية، يقال: طويت البئر، إذا بنيتَها بالحجارة.","vol":"7","page":336},{"text":"﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾؛ أي: أُهلكت بالحجارة، و﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مفعول ثانٍ، والأصل: أُمطرت القريةُ مطرًا، أو مصدر محذوف الزوائد؛ أي: إمطارَ السَّوء.\n﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في مِرَارِ مرورهم فيتَّعظون بما يَرَون فيها من آثار عذابِ الله تعالى.\n﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: بل كانوا كفرةً لا يخافون (^١) نشورًا، فلذلك لم يَنظروا ولم يتَّعظوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2896\"> </span>(٤١) - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.\n﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾: ما يتَّخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾: موضعَ هُزُوٍ، أو: مَهزوءًا به.\n﴿أَهَذَا﴾ محكيٌّ بعد القول المضمَر، و(هذا) استصغارٌ واستحقار؛ أي: قائلين: ﴿أَهَذَا﴾.\n﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ والعائدُ إلى ﴿الَّذِي﴾ محذوف؛ أي: بعثه الله، وإخراجُه في معرض التسليم بجعله صلةً وهم في غاية الإنكارِ تهكُّمٌ واستهزاءٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2897\"> </span>(٤٢) - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"لا يرجون\".","vol":"7","page":337},{"text":"﴿إِنْ كَادَ﴾: إنَّه كاد ﴿لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾: ليَصرفُنا عن عبادتها (^١) ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ فيه دلالةٌ على فرط مجاهدةِ الرسول ﵊ في دعوتهم وعَرْضِ المعجزاتِ عليهم، حتى شارفوا - بزَعْمهم - أن يَتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرطُ لجاجِهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم.\nولمَّا عَدُّوا عبادتهم الأصنام رشادًا واعتقدوا صرفهم عنها ضلالًا، أوعدهم الله تعالى فقال:\n﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فيه وعيدٌ ودلالةٌ على أنَّه لا يُهملِهم وإنْ أَمهلهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2898\"> </span>(٤٣) - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.\n﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ أي: مَن أطاع هواه فيما يأتي وَيذَر، فهو عابدُ هواه وجاعلُه آلهةً، فيقول لرسوله: هذا الذي لا يَرى معبودًا إلَّا هواهُ كيف تستطيع أنْ تَدعوَه إلى الهدى، وإنَّما قدَّم المفعول الثاني للإشعار بأنَّ المعبودَ حقُّه التقديمُ والتعظيم، فهم أَخلُّوا بحقِّه حيث اتخذوا أهواءَهم آلهةً (^٢).\n﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفيظًا تحفظه عن متابعة هواهُ وعبادةِ ما يهواهُ، أو: أفأنت تكون عليه موكَّلًا فتصرِفَه عن الهوى إلى الهدى، عرَّفه أنَّ إليه التبليغ فقط، فالاستفهام الأول للتعجُّب والتقرير، والثاني للإنكار.\n_________\n(^١) في (م): \"عبادتنا\".\n(^٢) في هامش (ع) و(ف) و(م): \"ومن زعم أنه قدِّم لمجرَّد العناية، فكأنَّه عن أن مثل هذا التقديم لا يكون بسلامة الأمر. منه\".","vol":"7","page":338},{"text":"<span id=\"aya-2899\"> </span>(٤٤) - ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\n﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ فيُجدي لهم الآياتُ أو الحِجَجُ فتهتمَّ بشأنهم وتطمعَ في إيمانهم.\n﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (أم) منقطعة، معناه: بل أَتحسب، كأنَّ هذه المذمَّة أشدُّ من التي تقدَّمتْها حتى حُقَّت بالإضراب عنها إليها، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول؛ لأنَّهم لا يُلقُون إلى استماع الحقِّ أُذُنًا، ولا إلى تدبُّره (^١) عقلًا، ومشبَّهين بالأنعام التي هي مَثَلٌ في الغفلة والضلالة، فقد رَكِبهم الشيطانُ بالاستزلال لتركهم الاستدلال.\nثم هم أَرجحُ ضلالةً منها؛ لأنَّ الأنعامَ تُسبِّح ربَّها وتسجد له، وتطيع مَن يَعلفها، وتعرف مَن يُحسِن إليها ممَّن يُسِيءُ إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنبُ ما يضرُّها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادونَ لربِّهم ولا يَعرفون إحسانه إليهم مِن إساءةِ الشيطان الذي هو عدوُّهم، ولا يطلبون الثوابَ الذي هو أعظمُ المنافع ولا يتَّقون العقاب الذي هو أشدُّ المضارِّ، ولا يهتدون للحقِّ الذي هو المَشْرع الهنيُّ والعَذْب الرَّويُّ.\nوإنَّما ذكر الأكثر؛ لأنَّ فيهم مَن لم يصدَّه عن الإسلام إلَّا حبُّ الرئاسة، وكفى به داءً عضالًا، ولأنَّ فيهم مَن آمَنَ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"نذيره\".","vol":"7","page":339},{"text":"<span id=\"aya-2900\"> </span>(٤٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾: أَلم تنظر إلى صُنع ربِّك وقُدْرته ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي: بَسَطه فعمَّ الأرضَ؛ وذلك من حينِ طلوع الفجر إلى وقتِ طلوع الشمس في قول الجمهور، ولأنَّه ظلٌّ ممدودٌ لا شمس معه ولا ظُلْمة، وهو أطيب الأحوال، فإنَّ الظُّلْمة الخالصة تُنفِّر الطبع وتسدُّ النظر، وشعاعَ الشمس يُسخِّن الجوَّ ويُبهِر البصرَ، ولذلك وَصَف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].\n﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾: ثابتًا دائمًا لا يَزول ولا تُذهِبه الشمسُ، وفيه دليل على أنه تعالى يَفعل بالقدرة والاختيار لا بالإيجاب والاضطرار.\n﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ لأنَّه بالشمس يُعرَف الظِّلُّ، ولولا الشمسُ لَمَا عُرفَ الظِّلُّ، فالأشياء تُعرَف بالأضداد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2901\"> </span>(٤٦) - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾.\n﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ القَبْض: جَمْعُ المنبسطِ من الشيء، والمراد: إزالتُه بإيقاع الشيء موقعَه.\n﴿إِلَيْنَا﴾؛ أي: حيث أردنا.\n﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: سهلًا، أو قليلًا قليلًا.\nوجاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ في الموضعين؛ لتفاضُل الأمور.\n* * *","vol":"7","page":340},{"text":"<span id=\"aya-2902\"> </span>(٤٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ شبَّه ظلامَه الساترَ باللباس.\n﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾: راحةً للأبدان بقطع المشاغل، وأصلُ السَّبْتِ: القَطْعُ، والنائمُ مسبوتٌ؛ لأنَّه انقطع عملُه وحركتُه.\n﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: ذا نشور؛ أي: انبعاثٍ من النوم، كنُشُور الميت، أو يَنشُر فيه الخَلْقَ للمعاش.\nوفي هذه الآية - مع دلالتها على قدرة الخالق - إظهارٌ لنعمته على خَلْقه، فإن في الاستجنان (^١) بستر الليل فوائدَ دينيَّةٍ ودنيويَّة، وفي النوم واليقظة الشَّبِيهين بالموت والحياة عبرةً لمن اعتَبر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2903\"> </span>(٤٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ وقرئ على التوحيد (^٢)؛ إرادة للجنس ﴿نُشُرًا﴾ ناشراتٍ للسَّحاب، جمع: نَشُور، وقرئ بالفتح على أنه مصدرٌ وصفت به، وقرئ: ﴿بُشْرًا﴾ تخفيف بُشُر (^٣)، جمع: بَشُور، بمعنى مُبشِّر.\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"الاحتجاب\"، وفي (ف): \"الاستحباب\". واضطرب رسمها في (م)، والمثبت من (ك).\n(^٢) قرأ بها ابن كثير، وقرأ الباقون بالجمع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).\n(^٣) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين، وابن عامر: ﴿نُشُرًا﴾ بضم فسكون، وعاصم: ﴿بُشْرًا﴾ بالباء، وقرأ الباقون: ﴿نُشُرًا﴾ بفتح فسكون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).","vol":"7","page":341},{"text":"﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قدَّام المطر؛ لأنَّه ريح ثم سحاب ثم مطر، وهذه استعارةٌ مَليحةٌ.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾: بليغًا في طهارته، وذلك لأنَّه لم يَشُبْهُ شيءٌ، بخلاف ما نَبَعَ من الأرض ونحوه، فإنَّه يَشوبُه أجزاءٌ أرضيَّةٌ مِن مَقرِّه أو مِن ممرِّه، أو ممَّا يُطرَح فيه، وقيل: مُطهِّرًا لقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، وهو اسمٌ لِمَا يُتطهَّر به، كالوضوء لَمَا يُتوضَّأ به، قال ﵊: \"الترابُ طهورُ المؤمنِ\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2904\"> </span>(٤٩) - ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.\n﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ بالنباتِ ﴿بَلْدَةً﴾ ذكَّر ﴿مَيْتًا﴾ على إرادة البلد والمكان، أو لأنَّه غير جارٍ على الفعل كسائر أبنية المبالغة، فأُجري مجرى الجامد.\n﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ وقرئ: (ونَسْقِيَه) (^٢)، وسَقَى وأَسْقَى لغتان، والأناسيُّ: جمع إِنْسِيٍّ على القياس، ككِرْسيّ وكَراسيَّ، أو: إنسانٍ، وأصله: أَناسِين، كسِرْحان وسَراحين، فأُبدلت النونُ ياءً وأُدغمت.\nوقدِّم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسيِّ لأنَّ حياتها سببٌ لحياتهما، فقدِّم سبب حياتهما على سقيهما.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٣٣)، والترمذي (١٠٤)، ولفظه: \"إنَّ الصَّعيدَ الطَّيِّبَ طَهورٌ، وإن لم تَجِدِ الماءَ إلى عَشرِ سِنينَ .. \"، من حديث أبي ذرٍّ الغفاري، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٢) قرأ بها ابن مسعود، والأعمش والمفضل في رواية عن عاصم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥). والمشهور عن عاصم كقراءة الجماعة.","vol":"7","page":342},{"text":"وتخصيصُ الأنعامِ مِن بين الحيوانِ الشارب؛ لأنَّ عامَّةَ منافع الأناسيِّ متعلِّقةٌ بها، فكان الإِنعامُ بسقي الأَنعام كالإِنعام بسقيهم.\nوتنكيرُ الأنعام والأناسي ووصفُهما بالكثرة؛ لأنَّ أكثر الناس مُنيخون بالقُرب من الأودية والأنهار، فيهم غُنيةٌ عن سقي الماء، وأعقابهم - وهم كثيرٌ - يعيشون بما ينزل من رحمته.\nوتنكيرُ البلدة؛ لأنَّه يريد بعضَ بلاد هؤلاء المتبعِّدين (^١) عن مظانِّ الماء.\nولمَّا كان سقيُ الأناسيِّ من جملة ما أُنزِل له الماءُ وَصَفه بالطَّهور؛ إكرامًا لهم، وبيانًا أنَّ من حقِّهم أن يُؤثِروا الطهارةَ في بواطنهم وظواهرهم؛ لأنَّ الطهورَّيةَ شرطٌ للإحياء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2905\"> </span>(٥٠) - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾: صرَّفنا هذا القولَ بين الناس في القرآن وسائرِ الكُتُب المنزلة على الرسل.\n﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: ليتفكَّروا ويعتبروا، أو يعرفوا كمالَ القدرة وحقَّ النعمة فيَشكروا.\n﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: فأَبى أكثرُهم إلَّا كفر أن النعمة وقلَّةَ الاكتراث لها، وإنَّما عدل عن الضمير لكيلا يُتوهَّم أنَّ المرادَ أكثرُ ذلك الكثيرِ.\nأو: صرَّفنا المطرَ بينهم في البلدان المختلفة والأوقاتِ المتغايرة على الصفات المتفاوتة مِن وابلٍ وطَلٍّ وجَودٍ ورذاذٍ ودِيْمَة، فأَبَوا إلَّا كفورًا، وأن\n_________\n(^١) في (م): \"المبعدين\".","vol":"7","page":343},{"text":"يقولوا: مُطِرنا بنَوءِ كذا، ولا يذكروا صنعَ الله تعالى ورحمته، وعن ابنِ عبَّاس ﵄: ما مِن عامٍ أقلُّ مطرًا من عامٍ، ولكن الله يُصرِّفه حيث يشاء، وقرأ الآية (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2906\"> </span>(٥١) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾.\n﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: نبيًّا يُنذِر أهلها، يعني: أنَّ المقصودَ من البعثة إبلاغُ الدعوة وإلزامُ الحجة، لا الاهتمامُ في أمر الهداية وقَبولها، وإلَّا لفعلنا ما هو أدعى لذلك من دعوة كلِّ أهلِ قريةٍ بنذيرٍ مستقلٍّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2907\"> </span>(٥٢) - ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾.\n﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: فلا تُوافِق هواهُم في بعض الأمور؛ ابتغاءً لقَبولهم الدعوة ودخولِهم في طريق الهداية.\nوأمَّا ما قيل: نبيًّا يُنذِر أهلَها فيخفُّ عليكَ أعباءُ النبوَّة، لكن قَصَرْنا الأمرَ عليكَ تعظيمًا لشأنك وتفضيلًا لكَ على سائر الرسل، فقابِلْ ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة، فلا تُطعِ الكافرينَ فيما يريدونك عليه.\nفيَرِدُ عليه: أنَّ موجَب ذلك العطفُ بالواو دون الفاء، على ما أَفصحَ عنه مَن قال: فقابل ذلك بالتشدُّد والتصبُّر، ولا تُطع الكافرين، ولم يَدْرِ أنَّ فيه تغييرًا لنَظْم القرآن وإثباتًا للقصور فيه.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٧/ ٤٦٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٥٢٠) وصححه.","vol":"7","page":344},{"text":"﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ لترك طاعتهم الذي دلَّ عليه ﴿فَلَا تُطِعِ﴾ يعني: أنَّهم يجتهدون في إبطال حقِّك، فقابِلْهم بالاجتهاد في مخالفتهم (^١) وإزاحة باطلهم.\n﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لأنَّه جهاد مع كلِّ الكفرة، على ما فُهم ممَّا سبق مِن بعثه إلى (^٢) جميع القرى وجملة الأمم.\nثم عاد إلى تعداد النِّعَم فقال:\n\n<span id=\"aya-2908\"> </span>(٥٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: خلَّاهما متجاورين متلاصقين، تقول: مرجتُ الدَّابَّة، إذا خلَّيتَها ترعى، وسمَّى الماءَين الكثيرين الواسعين بحرين.\n﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ قامعٌ للعطش مِن فرط عذوبته.\n﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ بليغُ الملوحة، وقرئ: (مَلِحٌ) على فَعِلٍ (^٣)، ولعلَّ أصله: مالح، فخفّف، كبَرِدٍ في بارد، وقد نقل الأزهريُ عن الكسائيِّ صحَّةَ: مالح، وإن كان المليحُ الفصيحُ: مِلْح (^٤).\n﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾: حاجزًا من قُدرته.\n﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: وتنافرًا بليغًا، كأنَّ كلًّا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوِّذ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"مقابلتهم\".\n(^٢) في (ك): \"بعثته إلى\"، وفي (م): \"بعثه على\".\n(^٣) نسبت لطلحة بن مصرف وقتيبة عن الكسائي في غير المشهور عنه. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٢٥).\n(^٤) انظر: \"تهذيب اللغة\" (٥/ ٦٤)، والنقل فيه عن أبي الدقيش لا عن الكسائي.","vol":"7","page":345},{"text":"عنه، أو: سترًا ممنوعًا عن الأعين، كقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2909\"> </span>(٥٤) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ﴾: من النطفة ﴿بَشَرًا﴾ لم يقل: إنسانًا، لأَّن حقيقته وهو الروح غيرُ مخلوق منها.\n﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أراد تقسيم البَشَر قِسْمَين:\nذوي نَسَب؛ أي: ذكورًا يُنسَب إليهم، فيقال: فلان بنُ فلانٍ، وفلانةُ بنتُ فلانٍ.\nوذوات صهر؛ أي: إناثًا يُصاهَر بهنَّ، وهو كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩].\n﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ حيث خَلَقَ من النطفة الواحدة تَوأَمَيْنِ ذكرًا وأنثى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2910\"> </span>(٥٥) - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إنْ عبدوه ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ إنْ تركوه.\n﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ﴾: على معصيته ﴿ظَهِيرًا﴾ مُعينًا ومظاهرًا، يعني: للشيطان، وفَعِيل بمعنى مفاعل غيرُ عزيزٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2911\"> </span>(٥٦) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمطيعين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للعاصين؛ كافرًا كان أو مؤمنًا.\n* * *","vol":"7","page":346},{"text":"<span id=\"aya-2912\"> </span>(٥٧) - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾.\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: على التبليغ الذي دلَّ عليه ﴿إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.\n﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: جُعْلٍ ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾: إلَّا فعلَ مَن شاء ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾: أن يتقرَّب إليه ويَطلُب الزُّلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصوَّر ذلك بصورة الأجر من حيث إنَّه مقصودٌ فِعْلُه، واستثناه منه قلعًا لشُبهة الطمع، وإظهارًا لغاية الشفقة، حيث اعتدَّ بإنفاعك نفسَك بالتعرُّض للثواب والتخلُّص عن العقاب أجرًا وافيًا مرضيًّا به، مقصورًا عليه، وإشعارًا بأنَّ طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2913\"> </span>(٥٨) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾.\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾: اتَّخذْ مَن لا يموت وكيلًا، لا يَكِلْك إلى مَن يموت ذليلًا، يعني: ثِقْ به وأَسْنِد أمرَك إليه في استكفاءِ شرورهم والإغناءِ عن أجورهم، فإنه الحقيقُ بأن يُعتمَد عليه في كلِّ أمرٍ.\n_________\n(^١) قوله: \"اعتدّ\" الضمير للنبي ﷺ، وضمير \"إنفاعك\" لغير معيَّن، والمراد: كل مؤمن مبلَّغ، والإنفاع لم يوجد في اللغة، وإنما فيها النفع، ولذلك غلط البيضاوي في استعماله، و\"بالتعرض\" متعلق به، فهو كقول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال: ما أطلب منك ثوابًا على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه. وقوله: \"أجرًا\" منصوب بـ \"اعتد\" لتضمنه معنى الجعل، وكونه وافيا أي: تامّا مرضيًا لحصره فيه لعدم الاعتداد بغيره. وقوله: \"به\" متعلق بـ \"مرضيا\" لتضمنه معنى قانعًا، أو الباء زائدة وضمير عليه للأجر أو للرسول ﷺ، وكون طاعتهم تعود عليه من جعلها أجرا له. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٦/ ٤٣٢).","vol":"7","page":347},{"text":"﴿وَسَبِّحْ﴾ ونزِّهْه عن أن يَكِلَ إلى غيره مَن توكَّل عليه ﴿بِحَمْدِهِ﴾: بتوفيقه الذي يُوجب الحمدَ.\n﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظَهَر منها وما بَطَن ﴿خَبِيرًا﴾: مطَّلعًا، يعني: أنَّه عالمٌ بأحوالهم، كافٍ في جزاء أعمالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2914\"> </span>(٥٩) - ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾.\n﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد سبق الكلام فيه، وذكره هنا لزيادة تقريرٍ لكونه حقيقًا بأنْ يُتوكَّلَ عليه من حيث إنه الخالق للكُلِّ والمتصرِّف فيه، وتحريضٌ على الثبات والتأنِّي في الأمور، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعةِ نفاذِ أمره في كلِّ مراد خَلَقَ الأشياء على تَؤدَةٍ وتدرُّجٍ.\n﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر لـ ﴿الَّذِي﴾ إنْ جُعل مبتدأً، أو لمحذوفٍ إنْ جعل صفةً لـ ﴿الْحَيِّ﴾، أو بدلًا من المستكنِّ في ﴿اسْتَوَى﴾، وقرئ بالجَرِّ (^١) صفةً لـ ﴿الْحَيِّ﴾.\n﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ السؤال كما يعدَّى بـ (عن) لتضمُّنه معنى البحث والاستفسار، يُعدَّى بالباء لتضمُّنه معنى الاعتناء، قيل: إنَّه صلة ﴿خَبِيرًا﴾ أي: فاسأل عمَّا ذكر من الخَلْق والاستواء عالمًا يُخبرْك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبريل ﵇، أو مَن وجده في الكتب المتقدِّمة ليصدقَكَ فيه.\n* * *\n_________\n(^١) قرأ بها زيد بن علي. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢١٦)، و\"البحر المحيط\" (١٦/ ٢٢٤).","vol":"7","page":348},{"text":"<span id=\"aya-2915\"> </span>(٦٠) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾: للمشركين: ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: لا نعرف الرحمنَ فنسجدَ له، فهذا سؤال عن المسمَّى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم، والسؤال عن المجهول بـ (ما)، أو لأنَّهم ظنُّوا أنه أراد به غيرَه، ولذلك قالوا:\n﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ أي: للَّذي تأمرنا بالسجود له، أو لأمرك لنا من غيرِ عرفان، وقرئ: ﴿تَأْمُرُنَا﴾ بالياء (^١)، على أنه قولُ بعضِهم لبعضٍ.\n﴿وَزَادَهُمْ﴾؛ أي: الأمرُ المذكورُ ﴿نُفُورًا﴾: تباعُدًا عن الإيمان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2916\"> </span>(٦١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: البروج الاثني عشر، سُمِّيت به لظهورها وارتفاعها، قال الزجَّاج: كلُّ ظاهرٍ مُرتفِعٍ يقال له: بُرْجٌ (^٢).\n﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ يعني: الشمس لتوقُّدها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦]. وقرئ: ﴿سِرَاجًا﴾ (^٣) وهي الكواكبُ الكبارُ.\nوقيل: الشمس والكواكب الكبار، وعلى هذا يَلزم تخصيصُ القمرِ بالذِّكر بعد دخوله في السُّرُج، مع أنَّ حقَّ التخصيص بالذِّكر للشمس؛ لظهور فضيلتها على سائرها.\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٤).\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٧٣).\n(^٣) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٤).","vol":"7","page":349},{"text":"﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ أي: مضيئًا بالليل، وقرئ: (قُمْرًا) كالرَّشَد والرُّشْد، والعَرَب والعُرْب (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2917\"> </span>(٦٢) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ جعلهما ذَوَي خِلْفةٍ؛ يَخلُف كلٌّ منهما الَاخَر؛ بأن يَقوم مقامه فيما ينبغي أن يُعمَل فيه، أو بأن يَعتقِبان (^٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وهي للحالة مِن خَلَفَ، كالرِّكْبة والجِلْسة.\n﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾: يتذكَّر اَلاءَ الله ويتفكَّرَ في صنعه فيَعلم أنَّه لا بُدَّ له من صانعٍ حكيمٍ.\n﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾: أن يَشكُرَ اللّهَ على ما فيه مِن النِّعم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2918\"> </span>(٦٣) - ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.\n﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأٌ، خبره في آخر السورة ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وإضافتهم إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل، وقرئ: (وعُبَّادُ الرحمنِ) (^٣) على أنه جمع: عابِد، كتُجَّار وتاجِر.\n_________\n(^١) نسبت للحسن والأعمش والنخعي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ٢٩٠)، و\"والمحرر الوجيز\" (٤/ ٢١٧)، و\"البحر\" (١٦/ ٢٢٩).\n(^٢) في (م): \"يعتقبا\".\n(^٣) قرأ بها اليماني. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥).","vol":"7","page":350},{"text":"﴿هَوْنًا﴾ حالٌ أو صفةٌ للمشي؛ أي: هَيِّنين، أو مشيًا هيِّنًا، والهونُ: الرِّفق واللِّين؛ أي: يمشون بسكينةٍ ووقارٍ وتواضعٍ دون مرحٍ واختيال وتكبُّر، ولذا ولقولِه: ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] كَرِهَ بعضُ العلماء الركوبَ في الأسواق.\n﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾؛ أي: السفهاءُ بما يَكرهون ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: سدادًا من القول يَسلمون فيه من الإيذاء والإثم، أو: تسلُّمًا منكم؛ نتارككم ولا نجاهلكم، فأقيم السلام مقام التسلُّم (^١).\nقيل: نَسَختها آيةُ القتال. ولا وجه له؛ لأن الإغضاءَ عن السفهاء مُستَحسنٌ شرعًا ومروءةً.\nهذا وصفُ نهارهم، ثم وَصَفَ ليلَهم بقوله:\n\n<span id=\"aya-2919\"> </span>(٦٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾: جمع ساجد ﴿وَقِيَامًا﴾: جمع قائم، والبيتوتةُ خلاف الظلول، وهي أن يُدرِككَ الليلُ، نمتَ فيه أو لم تَنَم، وتخصيصُها لأن العبادةَ بالليل أحمزُ وأبعدُ من الرياء، وتأخيرُ القيام لمحافظة الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2920\"> </span>(٦٥) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: لازمًا، ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذانٌ بأنهم مع حُسْنِ مخالطتهم مع الخَلْق\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"التسليم\".","vol":"7","page":351},{"text":"واجتهادهم في عبادة الحقِّ وَجِلونَ مِن العذاب، مبتهِلونَ إلى الله في صَرْفه عنهم؛ لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقِهم على استمرار أحوالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2921\"> </span>(٦٦) - ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\n﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ ﴿سَاءَتْ﴾ في حُكْم: بِئْسَت، وفيها ضميرٌ مُبهَمٌ يُفسِّره ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ والمخصوصُ بالذَّمِّ ضميرٌ محذوفٌ معناه: ساءَت مستقرًّا ومقامًا هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملةَ باسم (إنَّ) وجعلها خبرًا لها.\nأو بمعنى: أَحْزَنَت، وفيها ضمير اسم (إنَّ)، و﴿مُسْتَقَرًّا﴾ حالٌ أو تمييزٌ، والجملة تعليلٌ للعلَّة الأولى، أو تعليلٌ ثانٍ، وكلاهما يحتمِلان الحكاية والابتداء من الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2922\"> </span>(٦٧) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ الإسرافُ: مجاوزة الحدِّ في الإنفاق، والإقتارُ: التقصيرُ عمَّا لا بُدَّ منه، وعن ابنِ عباس ﵄: الإسرافُ: الإنفاقُ في معصية الله تعالى قلَّ أو كَثُرَ، والإقتار: مَنْعُ حقِّ اللهِ تعالى من المال (^١).\nوقال ﵊: \"مَن مَنَعَ حقًّا فقد قَتَر، ومَن أَعطى في غيرِ حقٍّ فقد أَسرف\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه عنه الطبريُّ في \"التفسير\" (١٧/ ٤٩٧ - ٤٩٨). وانظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٢٠).\n(^٢) انظر: \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٤٩).","vol":"7","page":352},{"text":"﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بضمِّ التاء، وبضمِّ الياء وكسرِ التاء، وبفتحِ الياء وكسرِ التاء (^١)، والقترُ والإقتارُ والتَّقتيرُ: التضييقُ الذي هو ضدُّ الإسراف.\n﴿وَكَانَ﴾؛ أي: إنفاقهم ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: الإسراف والإقتار.\n﴿قَوَامًا﴾ القَوام بالفتح: العَدل، وبالكسر: العماد، وهو ما يُقام به الحاجة، لا يَفضُل عنها ولا يَنقص، وهو خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مؤكِّدة، ويجوز أن يكون الخبرُ ﴿قَوَامًا﴾، و﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ لغوًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2923\"> </span>(٦٨) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: لا يُشرِكون.\n﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أي: حرَّمها، يعني (^٢): ذمَّ قتلها (^٣)، وهي نفس الإنسان.\n﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ متعلِّق بالقتل المحذوف، أو بـ ﴿لَا يَقْتُلُونَ﴾.\n﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ نفى عنهم أُمَّهات المعاصي بعدما أَثبت لهم أصولَ الطاعات؛ إظهارًا لكمال إيمانهم، وإشعارًا بأنَّ الأجر المذكور موعودٌ للجامع\n_________\n(^١) قرأ بالثانية نافع وابن عامر، وبالثالثة ابن كثير وأبو عمرو، وبالأولى الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٤).\n(^٢) في (م): \"أي\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"حرم قتلها\". وجاء في هامش (ع) و(ف): \"أراد بالقيد المذكور الاحتراز عن نفس الحيوان فإن قتلها غير محرم. منه\".","vol":"7","page":353},{"text":"بين ذلك، وتعريضًا للكفرة بأضدادهم، ولذلك عقَّبه الوعيد؛ تهديدًا لهم فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال أبو عبيدة: الأثامُ: العقوبةُ (^١)، وقرئ: (أيَّامًا) (^٢) أي: شدائدَ، يقال: يومٌ ذو أيَّام؛ أي: صَعْبٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2924\"> </span>(٦٩) - ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.\n﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بدلٌ مِن ﴿يَلْقَ﴾ لأنهما في معنًى واحد؛ إذ مضاعفةُ العذاب هي لُقيُّ الآثام.\nوقرئ: ﴿يُضَاعَفْ﴾ (^٣) على الاستئناف، أو على الحال، وكذلك ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (^٤): ذليلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2925\"> </span>(٧٠) - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عن الكفر ﴿وَآمَنَ﴾ بمحمَّد ﵊ ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد توبته.\n﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بأن يمحوَ سابق معاصيهم بالتوبة، ويُثبِت مكانها لواحقَ طاعاتهم، أو يوفِّقَهم للمحاسن بعد القبائح.\n_________\n(^١) انظر: \"مجاز القرآن\" (٢/ ٨١).\n(^٢) قرأ بها ابن مسعود. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٠١)، و\"البحر المحيط\" (١٦/ ٢٤٣)، وفي مطبوع \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥): (الأيامى) ونسبها أيضًا لابن مسعود.\n(^٣) قرأ بها شعبة عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٤).\n(^٤) وهي قراءة شعبة عن عاصم الآنفة الذكر.","vol":"7","page":354},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ولذلك يكفِّر السيئات ﴿رَحِيمًا﴾ يُبدِلها بالحسنات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2926\"> </span>(٧١) - ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾.\n﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: ومن خرج عن المعاصي ودخل في الطاعات؛ أي: تاب وحقَّق التوبة بالعمل الصالح ﴿فَإِنَّهُ﴾ بذلك ﴿يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ مرضيًّا عنده، مُكفِّرًا للخطايا، مُحصِّلًا للثواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2927\"> </span>(٧٢) - ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾: لا يُقيمون الشهادةَ الباطلةَ، أو: لا يَحضرون محاضرَ الكذبِ، فإنَّ مشاهدةَ الباطل شَركةٌ فيه؛ لأنَّ حضورَهم ونظرَهم دليل على (^١) الرضا به، وسببُ وجودِ الزيادة فيه.\n﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يعني: إذا مرُّوا بأهل اللغوِ والمشتغلينَ به، وهو كلُّ (^٢) ما ينبغي أن يُلقى ويُطرح.\n﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾: مُعرِضين عنه، مُكرِمين أنفسَهم عن التلوُّث به بالوقوف (^٣) عليه والخوض فيه.\n* * *\n_________\n(^١) ليست في (ف) و(ك).\n(^٢) سقط من (ك).\n(^٣) في (ك) و(م): \"بالتوقف\". وسقطت \"به\" من (م).","vol":"7","page":355},{"text":"<span id=\"aya-2928\"> </span>(٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: قُرئَ عليهم القرآنُ، أو وُعِظوا به.\n﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ هذا ليس بنفي للخرور، بل هو إثباتٌ له ونفىٌ للصَّمم والعَمى، ونحوه قول الشاعر:\nبأيدي رجالٍ لم يَشيموا سيوفَهم … ولم تكثُر القتلى بها حين سُلَّتِ (^١)\nأي: بأيدي رجالٍ شاموا سيوفَهم، فقد كثرت القتلى.\nيعني: أنَّهم إذا ذكِّروا بها خَرُّوا سُجَّدًا وبُكيًّا، سامعينَ باَذانٍ واعيةٍ، مُبصرين بعيونٍ باصرةٍ لِمَا أُمروا به ونُهُوا عنه، لا كالمنافقين وأشباههم، دليله: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فإن القرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2929\"> </span>(٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ للبيان، كأنَّه قيل: هَبْ لنا ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ ثم بُيِّنت القُرَّةُ وفُسِّرت بقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾، ومعناه: أنْ يَجعلهم اللهُ قُرَّةَ أعينٍ، وهو من قولهم: رأيتُ منكَ أسدًا؛ أي: أنتَ أسدٌ.\nأو للابتداء؛ على معنى: هَبْ لنا مِن جهتِهم ما تَقَرُّ به عيونُنا من طاعةٍ وصلاح،\n_________\n(^١) البيت في \"الكامل\" للمبرد (١/ ٤٠١)، و\"الأضداد\" لابن الأنباري (ص: ٢٥٩).","vol":"7","page":356},{"text":"فإنَّ المؤمن إذا شاركه أهلُه في طاعةِ الله سُرَّ بهم قلبُه وقَرَّت بهم عينُه؛ لِمَا يَرى من مساعدته في الدِّين، وتوقُع لحوقهم به في الجنة.\nوتنكير الأعين لإرادة تنكير القُرَّة تعظيمًا، فإنَّ المضاف لا سبيلَ إلى تنكيره إلَّا بتنكير المضافِ إليه.\nوإنما قيل: ﴿أَعْيُنٍ﴾ على القِلَّة، دون: عيون؛ لأن المرادَ أعينُ المتقين، وهي قليلٌ بالإضافة إلى عيونِ غيرهم.\n﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾: أئمَّةً يَقتدون بنا في أمرِ الدِّين بإفاضة العلمِ والتوفيق للعمل، واكتفى بالواحد لدلالته على الجنس وعدم اللَّبْس، كقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] أو لأنَّه مصدر في الأصل، أو لأنَّ المرادَ: واجْعَل كلَّ واحدٍ منَّا، أو لأنَّهم كنفسٍ واحدةٍ؛ لاتِّحادهم في الطريقة واتفاقِ كلمتهم.\nوقيل: جمعُ اَمٍّ، كصائمٍ وصيامٍ، ومعناه: قاصدين لهم مقتدِين بهم، قيل في الآية:\n\n<span id=\"aya-2930\"> </span>(٧٥) - ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾.\n﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾؛ أي: الغُرُفات؛ وهي العلالي في الجنَّة، فوحِّد اقتصارًا على الواحد الدالِّ على الجنس، دليلُه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].\n﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرهم على المشاقِّ مِن مضض الطاعات، ورفض الشهوات، وتحمُّل المجاهدات.\n﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ دعاءٌ بالتعمير وبالسلامة، يعني: أنَّ الملائكة","vol":"7","page":357},{"text":"يُحيُّونهم ويسلِّمونهم، أو يُحيِّي بعضُهم بعضًا ويُسلِّم عليه، وقرئ: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ (^١) مِن لقي (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2931\"> </span>(٧٦) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يموتونَ ولا يخرجونَ عنها.\n﴿حَسُنَتْ﴾؛ أي: الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: موضعَ قرار وإقامةٍ، وهي في مقابَلةِ: ﴿سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ مِثْله إعرابًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2932\"> </span>(٧٧) - ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.\n﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ (ما) متضمِّنةٌ لمعنى الاستفهام، وهي في محلِّ النصب على المصدر، كأنه قيل: أيَّ عَبْءٍ يَعبأُ بكم؟ معناه: ما يصنع بكم ربِّي؟ مِن: عبأتُ الجيشَ، إذا هيَّأته.\n﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلام، أو: لو لا عبادتُكم له؛ أي: أنه خَلَقكم لعبادته؛ لقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: الاعتبار عند ربِّكم لعبادتكم (^٣)، أو: ما يَصنَع بعذابكم لو لا دعاؤكم معه آلهةً، وهو كقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧].\n_________\n(^١) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٥).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"يلقى\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"لعبادته\".","vol":"7","page":358},{"text":"﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ بما أخبرتُكم به حيث خالفتُموه (^١).\nوقيل: فقد قصَّرتم في العبادة، من قولهم: كذب القتالَ، إذا لم يُبالغ فيه.\nوقرئ: (فقد كذَّب الكافرون) (^٢) منكم؛ لأن الخطاب لعامَّة الناس بما وجدَ في جنسهم من العبادة والتكذيب.\n﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ جزاء التكذيبِ وأَثَره ﴿لِزَامًا﴾ لازمًا بكم، وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للتهويل، أو التنبيه على أنه ممَّا لا يُكتنهُ كنهُه بالوصف.\nوقرئ: (لَزامًا) (^٣) بمعنى اللزوم، كالثبات والثبوت.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"خالفتموني\".\n(^٢) قرأ بها ابن الزبير وابن عباس. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٢٦).\n(^٣) قرأ بها المنهال وأبان بن تغلب وأبو السمال. انظر: \"البحر المحيط\" (١٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤).","vol":"7","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-90>سُورَةُ الشُّعَرَاءِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-2933\"> </span>(١) - ﴿طسم﴾.\n﴿طسم﴾ بتفخيم الألف وإمالتها، وإظهار النُّون وإدغامها (^١)\n* * *\n\n<span id=\"aya-2934\"> </span>(٢) - ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.\n﴿تِلْكَ﴾ الإشارة إلى آيات السُّورة.\n﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ المظهِر للحقِّ مِن الباطل.\n* * *.\n\n<span id=\"aya-2935\"> </span>(٣) - ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾: قاتلُها غمًّا ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ مِن أجل امتناعِ قومِك عن الإيمان (^٢).\n(لعلَّ) هنا للإشفاق؛ أي: أشفقْ على نفسِك بتخفيفِ هذا الغَمِّ والهَمِّ.\n_________\n(^١) قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بإمالة فتحة الطَّاء، والباقون بإخلاص فتحها، وأظهر حمزة النُّون من هجاء سين عند الميم وأدغمها الباقون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٥).\n(^٢) في هامش (ع): \"من قال: لئلا يؤمنوا، فكأنه غفل فائدة إدخال فعل الكون. منه\".","vol":"7","page":363},{"text":"ولَمَّا كانَ مظنَّة أنْ يُقال: إنَّ ذلك لتنفيذِ أمرِ اللهِ تعالى وتحصيلِ المرادات الإلهيَّة مِن الأوامر والنَّواهي تُدورِكَ (^١) دفعُه بقوله:\n\n<span id=\"aya-2936\"> </span>(٤) - ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.\n﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ قاهرةً قاسرةً لهم على الإيمان، أُشيرَ إلى ذلك بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: أنَّ إيمان تلك الطَّائفة ليس بمرادٍ لنا، إنَّما المرادُ مِن بعثِكَ تبليغُ أحكامِ التَّكليفِ على ما تقتضيه الحكمة، فليس أمرُنا عن إرادةٍ، ولا نهيُنا عن كراهةٍ.\n﴿فَظَلَّتْ﴾ عطف على ﴿نُنَزِّلْ﴾، عطفَ (أكنْ) على (أصَّدَّق) (^٢)؛ لأنَّه لو قيل: أنزلنا، بدله لصحَّ.\n﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ الخضوعُ أمارةُ الانقياد اللَّازم للإذعان، وهو المراد هاهنا (^٣) بطريق الكناية، أصله: فظلُّوا لها خاضعين، فأقحِمَتِ الأعناق لبيان موضعِ الخضوع (^٤)، وتُرِكَ الخبرُ على أصله، وفي الكناية المقصودة مِن عبارة الخضوع إشارةٌ إلى أنَّ قهر تلك الآية قهرُ حجَّةٍ وبرهانٍ، فلا يفوت الاختيار المعتَبر في صحَّة الإيمان.\n* * *\n_________\n(^١) \"تدورك\" من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) يعني ما في سورة المنافقون: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾.\n(^٣) في (ع) و(ي): \"هنا\".\n(^٤) في هامش (ع) و(م): \"قال المرزوقي: الخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن، يقال: خاشع الطرف، خاضع العنق. منه\".","vol":"7","page":364},{"text":"<span id=\"aya-2937\"> </span>(٥) - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾.\n﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: ما يجدِّد (^١) لهم اللهُ تعالى بوحيه على نبيِّه موعظةً وتذكيرًا إلَّا استمروا على ما اعتادوا عليه مِن الإعراض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2938\"> </span>(٦) - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ حذفُ المفعولِ إشارةٌ إلى أنَّ تكذيبَهم تجاوَزَ عن حدِّ الخصوص إلى حدِّ العموم؛ فإنَّ تكذيبَهم محمَّدًا ﵊ كان تكذيبًا لسائر الأنبياء المخبِرين عنه والمبشِّرين به، بل تكذيبًا لله تعالى أيضًا، والفاء في قوله (^٢):\n﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ فصيحةٌ، تُفصِحُ عن محذوفٍ معطوفٍ على المذكور، تقديره: واستهزؤوا به.\n﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إتيانُ الخبرِ: عبارةٌ عن وقوعِ المحذورِ المنتَظرِ، وهذا وعيدٌ لهم، وإيذانٌ بأنَّهم سيعلمون -إذا مسَّهم العذابُ يومَ بدرٍ أو يومَ القيامةِ- الشَّيءَ الذي كانوا يستهزئون به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2939\"> </span>(٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾ الواو للعطف على محذوفٍ، تقديره: ألم يتأمَّلوا في عجائب قدرةِ اللهِ تعالى، ولم ينظروا إلى الأرض؟!\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"جدد\".\n(^٢) \"قوله\" من (ك) و(م).","vol":"7","page":365},{"text":"﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ الزَّوجُ: اللَّونُ؛ قاله الفرَّاء (^١)، و﴿كُلِّ﴾ للإحاطة، و﴿كَمْ﴾ للكثرة.\n﴿كَرِيمٍ﴾: كثيرِ المنفعة، يأكل منه (^٢) النَّاسُ والإنعامُ، كالرَّجلِ الكريمِ الذي نفعُه عامٌّ.\nوفيه دلالةٌ على كمال القدر، ولذلك قال:\n\n<span id=\"aya-2940\"> </span>(٨) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إنباتِ تلك الأنواع ﴿لَآيَةً﴾ عظيمةً على أنَّ مُنبِتَها تامُّ القدرةِ عامُّ النِّعمةِ والرَّحمةِ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: مصدِّقين.\nو﴿كَانَ﴾ هنا صلة في قول سيبويه (^٣)، وهذا إخبار عن حالهم في الواقع، لا عن حالهم في علم الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2941\"> </span>(٩) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنيعُ الذي لا يغالَبُ، فليسَ لعجزِه وضعفِه طالَتْ مدَّةُ هؤلاءِ في الشِّرك والعتوِّ.\n﴿الرَّحِيمُ﴾ فلا يعجِّلُ في عقوبتهم؛ إذ لا يَخاف الفوت، ويقبل توبةَ مَن تابَ منهم قبل الموت.\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٢٧٨).\n(^٢) في (ي): \"منها\"، وسقطت من (ف) و(ك).\n(^٣) انظر: \"الكتاب\" (١/ ٧٣)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١١).","vol":"7","page":366},{"text":"ولَمَّا كانَ مساقُ الكلام في بيان القُدرةِ قدَّمَ صفة العزَّة على الرَّحمة، والرَّحمة إذا (^١) كانت عن قدرةٍ كانَت أعظمَ وقعًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2942\"> </span>(١٠) - ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ مقدَّر بـ (اذكر) (^٢)، أو ظرفٌ لِمَا بعدَه (^٣).\n﴿أَنِ ائْتِ﴾: (أن) مصدرَّية أو تفسيريَّة.\n﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم، أو لبني إسرائيل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2943\"> </span>(١١) - ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾.\n﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عطفُ بيانٍ، وليس فيه اقتصارٌ على قومِه، بل اكتفاءٌ بالدِّلالة في جانبه، وإيماءٌ (^٤) للإشارة إلى أن (^٥) ظُلْمَ قومِه لاتِّباعِهم له.\n﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ استئنافٌ للتَّعجُّب من إفراطهم في الظُّلم واجترائهم عليه، وقرئ بالتَّاء (^٦) على الالتفات للتَّوبيخ والحثِّ.\n_________\n(^١) في (ف): \"الرحمة إن\" بدل \"الرحمة، والرحمة إذا\".\n(^٢) في (ف): \"بأن ذكر\".\n(^٣) أي: لـ ﴿قَالَ رَبِّي﴾، وليس بذاك عند الآلوسي. انظر: \"روح المعاني\" (١٩/ ١٤٥).\n(^٤) في (ع) و(ف) و(ي): \"واعتناء\"، وسقط من (ك)، والمثبت من (م).\n(^٥) \"أن\": ليست في (م).\n(^٦) نسبت لعبد الله بن مسلم بن يسار. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٦).","vol":"7","page":367},{"text":"وأصلُ الاتِّقاءِ: صرفُ الأمرِ لحاجزٍ بينه وبين الصَّارف، والمرادُ: اتِّقاءُ العِقابِ بالطَّاعةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2944\"></span><span id=\"aya-2945\"> </span>(١٢ - ١٣) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ الخوفُ: انزعاجُ النَّفسِ بتوقُّع الضَّررِ.\n﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ لتكذيبهم إيِّايَّ، مستأنَفٌ أو عطفٌ على ﴿أَخَافُ﴾.\n﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ على ما أرى مِن المحال، وأسمعُ من الجدال.\nوينصبهما يعقوبُ (^١) عطفًا على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، فالخوف متعلِّقٌ بهذه الثَّلاثة على هذا التَّقدير، وبالتَّكذيب وحدَه بتقدير الرَّفع.\n﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾؛ أي: أرسل إليه جبريلَ واجعله نبيًّا يُعينني على الرسالة، ولم يكنْ هذا الالتماس منه ﵇ توقُّفًا في الامتثال، بل التِماسُ عونٍ في تبليغ الرِّسالة، وتمهيد العذر (^٢) في التماس المعين على تنفيذ الأمر، وكفى بطلب العون دليلًا على التَّقبُّل لا على التَّعلُّل، ومِن الدَّليلِ على ذلكَ وقوعُ ﴿فَأَرْسِلْ﴾ معترِضًا بين الأوائل والرَّابعة (^٣)؛ فإنَّه لو كان تعلُّلًا لأخِّر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٣٥).\n(^٢) \"وتمهيد العذر\" سقطت من (ف) و(ك)، وفي (ع): \"وتمهيد القدر\".\n(^٣) في (ف): \"الأول والرابع\"، وفي (ك) و(م): \"الأولى والرابعة\".\n(^٤) في (م): \"لأضر\"، وفي (ف) و(ك): \"لضر\".","vol":"7","page":368},{"text":"<span id=\"aya-2946\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.\n﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾: دعوى جُرْمٍ، وهو قتلُ القِبْطيِّ.\n﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ كان عندَه ﵇ خوفان: خوفُ تلفِ النَّفسِ، وخوفُ فواتِ مصلحة الرِّسالة، وإنَّما قدَّم الثَّاني على الأوَّل تقديمًا لمصلحة الرِّسالة على مصلحة نفسه كما هو اللَّائق بشأن أولي العزم مِن الأنبياء ﵈.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2947\"> </span>(١٥) - ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾.\n﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ إجابةٌ له إلى الطَّلِبتَيْن بوعدِه للدَّفع اللَّازم ردعه (^١) عن الخوف، وضمِّ أخيه إليه في الإرسال.\nوالفاء فصيحةٌ دلَّتْ على محذوفٍ تقديرُه ظاهرٌ مِن التَّفصيل في موضعٍ آخر، حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ الآية [الفرقان: ٣٥ - ٣٦]، فالخطاب في ﴿فَاذْهَبَا﴾ على تغليب الحاضر؛ لأنَّه عطف على الفعل الذي دلَّ عليه ﴿كَلَّا﴾، كأنَّه قيل: ارتدعْ يا موسى عمَّا تظنُّ، فاذهَبْ أنت والذي طَلَبْتَه، وهو هارون.\n﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ يعني: موسى وهارون ﵉ وفرعون.\n﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ الاستماعُ من السَّمع بمنزلة النَّظر من الرُّؤية، والكلام من قَبيل التَّمثيل، والمراد: إنَّا لكما ولعدوِّكما كالنَّاصر الظَّهير لكما عليه إذا حضر واستمع\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"وردعه\"، وفي (ف): \"دعه\". والمثبت من (ك) و(م)، وهو الموافق لكلام البيضاوي، وقال الشهاب في شرحه: \"ردعه\" مفعول \"اللازم\"، ويجوز أن يكون فاعله؛ أي: اللازم له ردعه. وقوله: \"للدفع\"؛ أي: لدفع بلائهم. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٧).","vol":"7","page":369},{"text":"ما يجري بينكما وبينه، فالمفردات (^١) على حقائقها، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2948\"> </span>(١٦) - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا﴾ له (^٢) ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويجوز أنْ يُقال: أفردَ الرَّسولَ لاتِّفاقِ كلمتِهما، أو أفرد هنا (^٣) وثنَّى في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وذلك لأنَّه كان في هارون ﵇ جهتان؛ جهة الرِّسالة مِن الله تعالى، وجهة الوزارة لموسى ﵇ على ما نطقَ به قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥]، فحين قيل: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ (^٤) [طه: ٤٧] نظر إلى جهة رسالته من الله تعالى، وحين قيل: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥) نظر (^٦) إلى جهة وزارته لموسى ﵇، ولكون موسى ﵇ أصلًا في باب الرسالة كان مخاطبة فرعون إياه ومجادلته معه خاصَّة. وإنَّما زِيدَ قوله: (له) (^٧) لعدم كاف الخطاب المغني عنه.\n_________\n(^١) في (م): \"فالمرادات\".\n(^٢) \"له\" سقط من (ف) و(ك) و(م)، ووقعت في (ع) و(ي) ضمن الآية، وهو مراد المؤلف ظنًا منه أنها من الآية كما هو واضح من كلامه فيما سيأتي عند نهاية تفسيرها.\n(^٣) في (ك) و(م): \"هاهنا\".\n(^٤) \"فقولا\"سقط من (ف).\n(^٥) \"فقولا\" سقط من (ك) و(م).\n(^٦) في (م): \"نظرا\".\n(^٧) \"له\" سقط من (ف)، والمثبت من باقي النسخ، وهذا سهو من المؤلف ﵀ حيث ظنها من الآية.","vol":"7","page":370},{"text":"<span id=\"aya-2949\"> </span>(١٧) - ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: بأن أطلق بني إسرائيل عن أسر الاستعباد، وخلِّهم يذهبوا حيث شاؤوا، وهو كإرسال (^١) الصَّيد وأهل القيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2950\"> </span>(١٨) - ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ فرعونُ لموسى بعدَ ما أتياه وقالا له ذلك:\n﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ التَّربيةُ: تنشئةُ الشَّيء حالًا بعدَ حالٍ.\n﴿فِينَا﴾: في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾: طفلًا، سُمِّيَ به لقربه مِن الوِلادة.\n﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قيل: مكثَ فيهم ثلاثينَ سنةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2951\"> </span>(١٩) - ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتلَ القِبطيِّ. وبَّخَهُ به معظِّمًا إيِّاه (^٢) بعدما عدَّدَ عليه مِن نِعمتِهِ، وإنَّما عرَّضَ رعايةً لدأبِ الملوكِ.\nوقرئ: (فِعْلتَكَ) بالكسر (^٣)؛ لأنَّها كانَتْ قِتلةً بالوَكْزِ (^٤).\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"كأرسل\".\n(^٢) قوله: \"وبخه به\"؛ أي: بذلك القتل، وتعظيمُ القتل بما في الموصول من الإبهام الذي يستعمل لذلك كما في نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] كأنه أمر لا يمكن الإحاطة به ومعرفة كنهه، وفيه أيضًا تلطف به لعدم التصريح بذنبه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٩).\n(^٣) نسبت للشعبي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥).\n(^٤) قوله: \"قِتلةً\" بكسر القاف، و(فِعْلةٌ) للهيئة والفعلِ المخصوص، كما أشار إليه بقوله: \"بالوكز\"، وهو الضرب بجمع كفه، وعلى الفتح هو للمرّة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٩).","vol":"7","page":371},{"text":"﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ بنعمتي، حيث قتلْتَ خبَّازي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2952\"> </span>(٢٠) - ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.\n﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا﴾؛ أي: إذ ذاك ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾: الجاهلين، وقد قرئ به (^١)، والمعنى: مِن الفاعلين فِعلَ أولي الجهلِ، أو: مِن الذَّاهِلين عمَّا يَؤول إليه الوَكْزُ؛ لأنَّه أراد به التَّأديب.\nوالضَّالُّ عن الشَّيء: هو الذَّاهِبُ عَن معرفتِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2953\"> </span>(٢١) - ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ الفِرارُ: الذَّهابُ على وجهِ التَّحرُّزِ مِن الإدراكِ ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أنْ تقتلوني (^٢).\n﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾: حكمةً ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: مِن جُملةِ رُسُلِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2954\"> </span>(٢٢) - ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (تلك) إشارةٌ إلى خصلة شنعاءَ مبهمةٍ لا يُدرى ما هي إلَّا بتفسيرها.\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود وابن عباس ﵃. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٥).\n(^٢) في (ف) و(م) و(ك): \"تتفقدوني\".","vol":"7","page":372},{"text":"ومحلُّ ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ الرَّفعُ عطفَ بيانٍ لـ (تلك)؛ أي: تعبيدك (^١) لبني إسرائيل نعمةٌ تمنُّها عليَّ! كرَّ على امتنانِه عليه بالتَّربية فأبطلَه من أصلِه، وأبى أن (^٢) يسمي نعمته إلَّا نقمة، حيثُ (^٣) بيَّنَ أنَّ حقيقةَ إنعامِه عليه تعبيدُ بني إسرائيل؛ لأنَّ تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السَّبب في حصوله عنده وتربيته، ولو تركهم لربَّاه (^٤) أبواه، فكأنَّ فرعونَ امتنَّ على موسى ﵇ بتعبيد قومه وإخراجه مِن حجر أبوَيْه إذا حُقِّقَتْ (^٥).\nوتعبيدُهم: تذليلُهم واتِّخاذُهم عبيدًا.\nووحَّد الضمير في ﴿تَمُنُّهَا﴾ و﴿عَبَّدْتَ﴾ وجمع في ﴿مِنْكُمْ﴾ و﴿خِفْتُكُمْ﴾؛ لأنَّ الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكنَّه منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2955\"> </span>(٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ لَمَّا سمع جوابَ ما طَعن به فيه (^٦)، ورأى أنَّه لم يَرْعَوِ بذلكَ، شرعَ في الاعتراض على دعواه، فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسِل.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"والمعنى أن تعبيدك\"، وفي (ك): \"والمعنى أن تعبدك\"، بدل: \"أي تعبيدك\".\n(^٢) في (ع): \"والى\" بدل \"وأبى أن\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"حين\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"ولو تركه لربه\".\n(^٥) قال الطيبي في \"فتوح الغيب\" (١١/ ٣٧): (قوله: (إذا حققت)؛ أي: إذا حققت التربية والمنة التي امتن بها فرعون على موسى ﵇ كانت تعبيد بني إسرائيل نقمة لا نعمة، فهو من تعكيس الكلام، ويروى: (حقَّقْتَ) بفتح التاء؛ أي: إذا حققت النظر أيها المخاطب).\n(^٦) \"فيه\" من (ك) و(م) و(ي)، وسقطت \"به\" من (ي).","vol":"7","page":373},{"text":"<span id=\"aya-2956\"> </span>(٢٤) - ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ عرَّفَه بأظهر خواصِّه وآثارِه لَمَّا امتنعَ تعريفُ حقيقتِه.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: إنْ كنتم تعرفون الأشياء بالدَّليل، فكفى (^١) خلقُ هذهِ الأشياءِ دليلًا، وإن كان يُرْجَى منكم الإيقانُ الذي يؤدِّي إليه النَّظرُ الصَّحيح نفَعَكم هذا الجواب، وإلَّا لم ينفعْ.\nوالإيقانُ: العلمُ الذي يُستَفادُ بالاستدلال، ولذا لا يُقالُ: اللهُ موقِنٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2957\"> </span>(٢٥) - ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ فرعونُ ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ مِن أشرافِ قومِه:\n﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ مُعجِّبًا قومَه مِن جوابه؛ لأنَّهم يزعمون قدَمهما (^٢) وينكرون أنَّ لهما ربًّا، فاحتاجَ موسى ﵇ إلى أن يستدلَّ بما شاهدوا مِن حدوثِه وفنائِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2958\"> </span>(٢٦) - ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبُّكُمْ﴾ عدولًا إلى ما لا مجال للنِّزاع فيه، وإنَّما قال:\n﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ لأنَّ فرعون كان يدَّعي الرُّبوبيَّة على أهل عصره، دونَ مَن تقدَّمهم.\n_________\n(^١) في (م): \"فيكفي\".\n(^٢) في (ع) و(ي): \"قومهما\"، ومكانها بياض في \"ف\"، وسقطت من (ك). والمثبت من (م)، والضمير يعود على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.","vol":"7","page":374},{"text":"<span id=\"aya-2959\"> </span>(٢٧) - ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.\n﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ أسألُه عن شيءٍ ويجيبُني عن آخر!\nوسمَّاه رسولًا سخريةً، وترفَّعَ (^١) عن نسبته إلى نفسه ولو سخريةً، ولذلك لم يقل: (إلينا).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2960\"> </span>(٢٨) - ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ انتقلَ إلى هذا لأنَّ طلوعَ الشَّمس مِن أحد الخافِقَين وغروبها في الآخر على تقديرٍ مستقيمٍ في فصول السَّنة، وحسابٍ مستوٍ، مِن أظهرِ ما استدلَّ به (^٢)، ولظهوره انتقل إلى الاحتجاج به خليلُ الرَّحمن عن الاحتجاج بالإحياء والإماتة على نمرود بن كنعان.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: إنْ كانَ لكم عقلٌ علمتُم أنَّه لا يمكنُ معرفتُه إلَّا بهذا الطَّريق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2961\"> </span>(٢٩) - ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.\nفلمَّا تحيَّر فرعونُ ولم يتهيَّأ له أنْ يَدفعَ ظهورَ آثار صنعِه ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ عُدولًا إلى التَّهديد عن المحاجَّة بعد الانقطاع، وهكذا دَيْدَنُ المعانِدِ المحجوجِ.\n_________\n(^١) في (ف): \"وترفعًا\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"وأظهره\".","vol":"7","page":375},{"text":"واللَّام في ﴿الْمَسْجُونِينَ﴾ للعهد؛ أي: ممَّنْ عرفْتَ حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سَجنه فيطرحَه في هوَّةٍ ذاهبةٍ في الأرض، بعيدةِ العمقِ، فردًا لا يُبصرُ فيها (^١) ولا يسمعُ، وكان ذلك أشدَّ من القتل، ولو قيل: (لأسجننك) لم يؤدِّ هذا المعنى، وإن كان أَخْصَرَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2962\"> </span>(٣٠) - ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ الواو للحال، وهمزة الاستفهام إنَّما دخلَتْ على الفعل المقدَّر، والمعنى: أتفعل ذلك ولو جئتك.\n﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ صِدْقَ دَعوايَ؛ يعني: المعجزة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2963\"> </span>(٣١) - ﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ﴾: بالذي يبيِّنُ صِدقَكَ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أنَّك قادر على إتيانه، وهذا الكلام بمعزَلٍ عن الدِّلالة على أنَّ المعجزة لا يأتي بها إلَّا الصادق (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2964\"> </span>(٣٢) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: حيَّةٌ عظيمةٌ، يُقال: انثعبَ الماءُ: إذا جرى\n_________\n(^١) \"فيها\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٢) في (ي) و(ع): \"لا تأتي بهذا الصادق\".","vol":"7","page":376},{"text":"باتِّساعٍ، والمثعَبُ: المجرَى الواسِع، ومنه: الثُّعبانُ؛ لأنَّه يجري باتِّساعٍ لعظمه (^١).\nوالجانُّ أيضًا: هو العظيم من الحيَّات، ذكره في \"الفائق\" (^٢).\nفلا تَدَافُعَ بينَ هذا وبينَ قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ [النمل: ١٠]، على أنَّ المشابهة للجانِّ في الاهتزاز لا ينافي الثُّعبانيَّة، على تقدير المخالفة بينهما في القَدْرِ.\n﴿مُبِينٌ﴾ أبانَ عن نفسه أنَّه ثُعبانٌ حقيقةً، لا شيءٌ يشبه الثُّعبان، كما تكون الأشياء المزوَّرة بالشَّعوذة (^٣) والسِّحر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2965\"> </span>(٣٣) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.\n﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أي: أخرجَها مِن جيبِه أو كمِّه. والنَّزْعُ: إخراجُ الشَّيءِ ممَّا كان (^٤) متَّصلًا به، أو ملابسًا له.\n﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ لها شُعاعٌ يكاد يُغشي الأبصار ويسدُّ الأفق.\nوفي قوله: ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ دلالةٌ على أنَّ بياضها كان شيئًا يجتمع (^٥) النَّظَّارَةُ (^٦) على النَّظر إليه؛ لخروجه (^٧) عن العادة.\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ي): \"لعظمته\".\n(^٢) انظر: \"الفائق\" (١/ ٢٣٩) (مادة: جنن).\n(^٣) في (ك): \"بالشعبذة\".\n(^٤) \"كان\" سقط من (ي).\n(^٥) في (ك): \"تجتمع\".\n(^٦) النَّظَّارَةُ: القوم ينظرون إلى الشيء. انظر: \"الصحاح\" (مادة: نظر).\n(^٧) في (ك) و(م): \"بخروجه\".","vol":"7","page":377},{"text":"<span id=\"aya-2966\"> </span>(٣٤) - ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿قَالَ لِلْمَلَإِ﴾: للأشراف (^١)؛ ليلبِّسَ عليهم.\n﴿حَوْلَهُ﴾ منصوب بنصبَيْن؛ نصب في اللَّفظ، والعامل فيه ما يُقدَّر في الظَّرف، ونصب في المحلِّ وهو النَّصب على الحال من الملأ؛ أي: كائنين حولَه، والعامل فيه ﴿قَالَ﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾: فائِقٌ في علم السِّحر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2967\"> </span>(٣٥) - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.\n﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ بأنْ يُلقِي العَداوةَ والفُرْقةَ بينكم، ويستميل بعضَكُم ليحارِبَ به بعضَكُم، فيخرجَكُم مِن بلادِكم.\n﴿فَمَاذَا﴾ منصوب لأنَّه مفعول به، من قولك: أمرتُكَ الخيرَ (^٢).\n﴿تَأْمُرُونَ﴾: تشيرون في أمرِه، من المؤامَرة، وهي المشاوَرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2968\"> </span>(٣٦) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.\n﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾؛ أي: أخِّر أمرَهما، وإنَّما أشاروا بذلك لأنَّهم رأوا أنَّ\n_________\n(^١) في (ك): \"الأشراف\".\n(^٢) قطعة من بيت اختلف في نسبته، فنسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مرداس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة. انظر: \"الكتاب\" (١/ ٣٧)، و\"خزانة الأدب\" (١/ ٣٣١)، وتمامه:\nأَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ … فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ","vol":"7","page":378},{"text":"النَّاس يُفتَنون إنْ قُتِل أو حُبِس، وأنَّ السَّحرة إذا قاومَتْه زالَ ذلك الافتتان، فكان له حينئذ عُذْرٌ في قتلِه أو حبسِه بحسب ما يراه.\n﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾: رجالًا يحشرون. والحشرُ: السَّوقُ مِن جهاتٍ مختلفة إلى مكانٍ واحدٍ.\nثم إنَّهم عارضوا قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم:\n\n<span id=\"aya-2969\"> </span>(٣٧) - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.\n﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاؤوا بكلمة الإحاطة وصيغةِ المبالغة ليسكِّنوا بعضَ قلقِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2970\"> </span>(٣٨) - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.\n﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي: أَنفذ الحاشرين في المدائن، وأنهم حَشَروا فجمعوا السَّحرة، فالفاء فصيحة.\n﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾: يومِ الزِّينة، وميقاتُه: وقتُ الضُّحى؛ لأنَّه الوقت (^١) الذي وقَّتَ لهم موسى ﵇ في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩].\nوالميقاتُ: ما وُقِّتَ به - أي: حُدِّدَ - مِن زمانٍ أو مكانٍ، ومنه مواقيت الإحرام.\n* * *\n_________\n(^١) في (ي): \"وقت\".","vol":"7","page":379},{"text":"<span id=\"aya-2971\"> </span>(٣٩) - ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾.\n﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾؛ أي: اجتمِعوا، وهو استبطاءٌ لهم في الاجتماع، والمراد منه استعجالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2972\"> </span>(٤٠) - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.\n﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ في دِينهم ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: إن غلبوا موسى ﵇، وليس غرضُهم اتِّباع السَّحرة، وإنَّما الغرضُ أن لا يتَّبعوا موسى ﵇، فساقوا الكلامَ مساقَ الكناية.\nوالغَلَبة: الاستعلاءُ بالقوَّةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2973\"></span><span id=\"aya-2974\"> </span>(٤١ - ٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ الأجرُ: الجزاءُ على العمل بالخير، وإذا كان بالشَّرِّ يُسمَّى عقابًا.\n﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئِذٍ ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ التزمَ لهم الأجرَ، والقُرْبَةَ عنده زيادةً عليه إنْ غَلَبَوا (^١).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"غلبوه\"، وفي (ك): \"غلبه\".","vol":"7","page":380},{"text":"<span id=\"aya-2975\"> </span>(٤٣) - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.\n﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لم يُرِدْ به أمرَهم بالسَّحر والتَّمويه، بل الإذنُ في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة؛ توسُّلًا به إلى إظهار الحقِّ، ولذلك زاد قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ فإنَّ قوله: ﴿أَلْقُوا﴾ كان كافيًا في جوابهم حين قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2976\"> </span>(٤٤) - ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾.\n﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا﴾؛ أي: جاؤوا بسحرٍ عظيمٍ وقالوا، فالواو فصيحةٌ.\n﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ أقسموا بعزَّته، وهي مِن أيمان الجاهليَّة. والعزَّةُ: القدرةُ (^١) التي يُمتَنع بها مِن إلحاقِ ضيمٍ لعلوِّ منزلَتِها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2977\"> </span>(٤٥) - ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.\n﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ الفاءُ فصيحةٌ تنبئ عن مقدَّر ذُكِرَ في سورة الأعراف.\n﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ التَّلقُّفُ: تناول الشَّيء بالفم بسرعة.\n﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾: ما يخيلونه (^٢) منقلِبًا عن وجهه بتمويههم وتزويرهم، أو: إفكَهم؛ تسميةً للمأفوك به مبالغةً.\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"القوة\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"يحيلونه\"، وفي (ع): \"يحبونه\".","vol":"7","page":381},{"text":"<span id=\"aya-2978\"> </span>(٤٦) - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.\n﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ لعلمهم بأنَّ مثلَه لا يتأتَّى بسحرٍ.\nوعبَّرَ عن الخرور بالإلقاء بطريق المشاكلة؛ لأنَّه ذُكِرَ مع الإلقاءات، ولسرعةِ ما سجدوا كأنَّهم أُلْقُوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2979\"> </span>(٤٧) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بدلٌ مِن (ألقي) بدلَ الاشتمال، أو استئنافٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2980\"> </span>(٤٨) - ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\n﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ عطفُ بيانٍ لـ ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّهم أرادوا به فرعون؛ لأنَّه حين حشر جنوده نادى فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-2981\"> </span>(٤٩) - ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾؛ أي: لموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ بذلك.\n﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فعلَّمكم شيئًا دون شيءٍ، فلذلك غلبَكُم، وواعدَكُم ذلك، وتواطأتم عليه، وقد أفصح عن ذلك في سورة الأعراف، وأراد به التَّلبيس على قومِه كيلا يعتقدوا أنَّهم اَمنوا عن بصيرةٍ وظهورِ حقٍّ.\n﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ ما قصدتم، فالفاء فصيحةٌ، ومدخولُها مرتبِطٌ","vol":"7","page":382},{"text":"بمحذوفٍ، وهو على ما ذكر في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ [الأعراف: ١٢٣]، ثمَّ خبَّرَ بما كَنى عنه فقال:\n﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ مِن كلِّ (^١) شِقٍّ طرفًا، وهذه الطَّريقةُ في السِّياسة على الحكمة؛ فإنَّه حينئذٍ لا ييأس الجاني عن الحياة والتَّعيُّش، فيكون القتلُ بعدَه سياسةً أخرى، بخلافِ ما إذا قُطِعا مِن شِقٍّ واحدٍ، فإنَّه حينئذٍ يكون القتلُ راحةً وإزاحةً للعذابِ المَحْضِ.\n﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لا أتركُ أحدًا منكم لا (^٢) تنالُه عقوبتي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2982\"> </span>(٥٠) - ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.\n﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾: لا ضررَ، وخبر ﴿لَا﴾ محذوفٌ؛ أي: في ذلك، أو: علينا.\n﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ قد تقدَّم تفسيرُه في سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2983\"> </span>(٥١) - ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ الطَّمعُ: طلبُ النَّفسِ للخير الذي يُقدَّر فيها أنَّه يكون.\n﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾؛ أي (^٣): ما فعلناه مِن السِّحر وغيره. والخطيئةُ: الزَّوالُ عن الاستقامة المؤدِّية إلى الثَّوابِ.\n﴿أَنْ كُنَّا﴾: لأن كنَّا ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مِن أتباعِ فرعونَ، أو مِن أهلِ المشهدِ.\n_________\n(^١) \"كل\" سقط من (ف) و(م) و(ك).\n(^٢) في (ف): \"إلا\".\n(^٣) \"أي\" من (م).","vol":"7","page":383},{"text":"والجملةُ في المعنى تعليلٌ ثانٍ لنفي الضَّير، أو تعليلٌ للعلَّة المتقدِّمة.\nوقرئ: (إنْ كنَّا) (^١) على الشَّرط؛ لهضم النَّفس وعدم الثِّقة بالخاتمة، أو على طريقة المُدِلِّ (^٢) بأمرِه، المتحقِّقِ لصحَّته (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2984\"> </span>(٥٢) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ وكانَ هذا بعدَ سنين مِن إيمان السَّحرة.\n﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾: ببني إسرائيل، وإضافتَهم إلى نفسه للتَّشريف؛ لأنَّهم آمنوا به وصدَّقوا نبيَّه. والإسراءُ: السَّير في اللَّيل، وإنَّما زِيْدَ قولُه:\n﴿لَيْلًا﴾ لأنَّ المرادَ: السَّيرُ في معظمه، لا في أوائله أو أواخره.\n﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: يتَّبعُكم عدوُّكم، وهو علَّةُ الأمر بالسَّير في الوقت المذكور، فإنَّهم لو ساروا في أوَّل اللَّيل لتبعه العدوُّ في الحال، فلا يحصل لهم التَّقدُّم، وكذا لو ساروا في آخره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2985\"> </span>(٥٣) - ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾.\n﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾؛ أي: ففعلَ موسى ﵇ ذلك فخرجوا، فأُخْبِرَ بذلك فرعونُ فأرسلَ، فالفاء فصيحة.\n﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: مدائن مصر.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٦).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"المدلول\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"بصحته\".","vol":"7","page":384},{"text":"وتعدية (أرسل) بـ ﴿فِي﴾ دون (إلى) للتَّنبيه على الاستعجال منه وسرعةِ الامتثال مِن الرُّسلِ، وعلى أنَّ ملكَ مصر كان معمورًا في عهده، بحيث سار الرُّسلُ كما خرجوا مِن عنده في المدائن.\nوفيه كسر استبعاد ما (^١) ذكر في كثرة (^٢) جنده.\n﴿حَاشِرِينَ﴾ العساكرَ ليتَّبعوهم:\n* * *\n\n<span id=\"aya-2986\"> </span>(٥٤) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ على إرادة القول. والشِّرْذِمَةُ: الجمعُ المحتَقَرُ، ذكرهم بالاسم الدَّال على القلَّة، ثمَّ وصفَهم بها، وأتى بصيغة الجمع باعتبار الأسباط، واختار جمع السَّلامة الذي هو للقلَّة، وإنَّما (^٣) استقلَّهم وكانوا ستَّ مئة ألف وسبعين ألفًا لكثرةِ مَن معه (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2987\"> </span>(٥٥) - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ لفاعلون ما يَغيظنا بخروجهم مِن مِصرَ بلا إذنٍ منَّا، وذهابهم بأموالنا التي استعاروها.\n* * *\n_________\n(^١) \"ما\" سقط من (ع).\n(^٢) في (ف): \"وفيه كثير استبعاد ما ذكره في أكثر جنده\".\n(^٣) في (ف): \"وإن\".\n(^٤) أو لشدة استهانته بهم وأنهم مع كثرتهم لا يغنون شيئًا.","vol":"7","page":385},{"text":"<span id=\"aya-2988\"> </span>(٥٦) - ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ وقرئ: ﴿حَاذِرُونَ﴾ (^١)، فالحذرُ: اليقظُ، والحاذِرُ الذي يجدِّد حذرَه (^٢).\nيعني: نحنُ قومٌ مِن عادتنا التَّيقُّظُ والحذرُ واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارِجٌ سارعنا إلى حسمِ فسادِه.\nوهذه معاذيرُ اعتذرَ بها إلى أهلِ المدائن؛ لئلا يُظَنَّ به العجزُ والفتورُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2989\"></span><span id=\"aya-2990\"> </span>(٥٧ - ٥٨) - ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾.\n﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾ بإحداثَ الدَّاعي على الخروج.\n﴿مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ﴾ إنَّما خصَّها لأنَّ أموالهم الظَّاهرة قد انطمسَتْ، ومَن غفلَ عن هذا قال: سمَّاها كنوزًا لأنَّهم لم ينفقوا منها في طاعة الله.\n﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾: بهيٍّ بهيجٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2991\"> </span>(٥٩) - ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾ يحتمل النَّصبَ على: أخرجناهم مثلَ ذلك الإخراج، والجرَّ على أنه صفة (مقامٍ)؛ أي: مثلِ ذلك (^٣) المقام الذي كان لهم، والرَّفعَ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: الأمرُ كذلك.\n_________\n(^١) قرأ الكوفيون وابن ذكوان بالألف، وباقي السبعة بغير ألف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٥).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"فالحذر اليقظة والحذر الذي يحذر حذره\".\n(^٣) \"ذلك\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"7","page":386},{"text":"﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ عن الحسنِ: لَمَّا عبروا النَّهر رجعوا وأخذوا ديارهم وأموالهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2992\"> </span>(٦٠) - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.\n﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ يقال: أتْبَعَ فلانٌ فلانًا وتبعَهُ: إذا اقتفى أثرَه (^٢).\nوقالَ الزَّجَّاجُ: يُقال: شَرَقَتْ: إذا طَلَعَتْ، وأشرَقَتْ: إذا أضاءَتْ (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2993\"> </span>(٦١) - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: تقابَلا بحيثُ يَرى كلٌّ منهمُ الَاخرَ.\n﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾: لملحَقون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2994\"> </span>(٦٢) - ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.\n﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿كَلَّا﴾ لن يدركوكم؛ فإنَّ اللهَ تعالى وعدَكُم الخلاصَ عنهم. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾؛ أي: وعدَ ربِّي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٣٢).\n(^٢) في هامش (م): \"من وهم أن الإتباع هنا بمعنى اللحوق فقد وهم، كيف ويأباه قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى﴾ الآية. منه\".\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٩٢).\n(^٤) في (ف): \"أي وعدني ربي\". وجاء في هامش (م): \"لو كان المراد المعية بالحفظ والنصرة لكان الأنسب أن يقال: إن معنا ربنا. منه\".","vol":"7","page":387},{"text":"﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريقَ النَّجاةِ، ويجوز أن يكونَ مِن قَبيلِ التَّمثيل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2995\"> </span>(٦٣) - ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾: بحرَ القُلْزُم (^١).\n﴿فَانْفَلَقَ﴾؛ أي: فضربَ فانفلقَ فانشقَّ فصار اثني عشر فِرْقًا على عدد الأسباط.\nوفي حذف الفعل وترتيبِ الانفعال على الأمر المذكور في الظَّاهر إشعارٌ بأنَّ ذلك الأمرَ الخارق أثرُ أمرِه تعالى، لا أثرُ ضَرْبِ موسى ﵇.\n﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾: كالجبل المنيف الثَّابت في مقرِّه، فدخلوا في شِعابها، كلُّ سبطٍ في شعبٍ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-2996\"> </span>(٦٤) - ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾.\n﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: وقرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾: حيثُ انفلق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾ فرعونَ وقومَه، حتى دخلوا على أثرِهم مداخلَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2997\"> </span>(٦٥) - ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ بحفظِ البحرِ على تلك الهيئةِ إلى أنْ عَبروا.\nوإنَّما قالَ: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾، ولم يقل: قومه؛ لينتظِمَ مؤمنَ آلِ فرعون؛ فإنَّه كانَ بينَ يدَي موسى ﵇.\n_________\n(^١) هو البحر الأحمر. وفي (ف) و(م) و(ك): \"قلزم\".\n(^٢) \"في شعب\" زيادة من (م) و(ي) و(ع).","vol":"7","page":388},{"text":"ويدلُّ على أنَّ نجاتهم كانت لبركةِ مصاحبتِهم (^١) موسى ﵇ ومتابعتِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2998\"> </span>(٦٦) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ بإطباقِ البحرِ عليهم، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ دلَّتْ على تأخُّر الهالكين عن خروج النَّاجين، وذلك بحبس (^٢) جبريل أوَّلَهم ليَلحقَ به آخرُهم، لا يَشَذَّ منهم أحدٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2940\"> </span>(٦٧) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما فُعِلَ بموسى ﵇ وفرعونَ ﴿لَآيَةً﴾: لعبرةً عجيبةً لا توصَفُ.\n﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما تنبَّه (^٣) عليها أكثرهم؛ إذ لم يؤمن بها أحدٌ ممَّن بقي في مصر من القِبْط وبنو (^٤) إسرائيل، بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها، واتَّخذوا العجل، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ (^٥) [البقرة: ٥٥].\n* * *\n_________\n(^١) في (ع) و(م): \"مصاحبة\"، وفي (ك): (مصاحبته\".\n(^٢) في (ك): \"بحث\"، وفي (م): \"بحبسان\".\n(^٣) في (ف) و(ع): \"تنبيه\". ولعلها مع الحفاظ على الرسم: (يتنبه).\n(^٤) \"وبنو\" كذا في النسخ، ولعل رفعها جاء على الحكاية.\n(^٥) \"لك\": ليست في (م) و(ع).","vol":"7","page":389},{"text":"<span id=\"aya-2941\"> </span>(٦٨) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ غيرُ عاجزٍ عن الانتقام مِن أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يؤخِّرُ العذاب برحمته ليتوبَ منهم مَن تاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3001\"> </span>(٦٩) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾.\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: على مشركي العرب ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: خبرَه العجيبُ الشَّأن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3002\"> </span>(٧٠) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾: أيُّ شيءٍ تعبدون؟ سألهم يريهم أنَّ ما يعبدونه ليس بمستحَقٍّ للعبادة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3003\"> </span>(٧١) - ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾.\n﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ كان السؤال عن المعبود لا عن العبادة، وإنَّما زادوا ﴿نَعْبُدُ﴾ في الجواب افتخارًا ومباهاة بعبادتها، ولذا عطفوا على ﴿نَعْبُدُ﴾:\n﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾: فنُقيم على عبادتها طول النَّهار، ويحتمل أن يكون (نظلُّ) بمعنى: ندوم، فلا يدلُّ على اختصاص عبادتهم بالنَّهار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3004\"> </span>(٧٢) - ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﵇: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾: هل يجيبونكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾؟","vol":"7","page":390},{"text":"فإنَّ سَمِعَ بمعنى أجاب شائعٌ، ومنه: سمعَ اللهُ لمن دعَى، ولو كان (يسمعون) على معناه الحقيقىِّ لقيل: هل يسمعونكم تدعون؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-3005\"> </span>(٧٣) - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾.\n﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إن عبدتموها ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ إنْ تركْتُم عبادَتها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3006\"> </span>(٧٤) - ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا بَلْ﴾ إضراب؛ أي: لا تسمَعُ ولا تنفعُ ولا تضرُّ، ولا نعبدُها لشيءٍ (^١) مِن ذلك، ولكن ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقلَّدناهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3007\"></span><span id=\"aya-3008\"> </span>(٧٥ - ٧٦) - ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾.\n﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾ فإنَّ التَّقدُّم لا يدلُّ على الصِّحة ولا ينقلب بها الباطل حقًّا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3009\"> </span>(٧٧) - ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ العدوُّ والصَّديقُ يجيئان في معنى الوحدة والجماعة، يعني: لو عبدتهم لكانوا أعداءً لي (^٢) إلى يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢].\n_________\n(^١) في (ك): \"بشيء\".\n(^٢) \"لي\" من (ي) و(ع).","vol":"7","page":391},{"text":"وقال الفرَّاء: هو مِن المقلوب؛ أي: فإنِّي عدوٌّ لهم (^١).\nوفي قوله: ﴿لي﴾ دون: لكم، زيادةُ نصحٍ؛ ليكونَ أدعى لهم إلى القَبول.\n﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء منقطع، أو متَّصلٌ على أنَّ الضَّمير لكلِّ معبودٍ عبدوه، فيدخل فيه المعبودُ بحقٍّ، ولا حاجة إلى أنْ يُقالَ: وكان من آبائهم مَن عبدَ اللهَ؛ لأنَّهم أيضًا يعبدون الله إلَّا أنَّهم يشركون الأصنام في العبادة، دلَّ على ذلك قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3010\"> </span>(٧٨) - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾.\n﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ بالتَّكوين في القرار المكين.\n﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ لِمَناجِح (^٢) الدُّنيا ولمصالح الدِّين.\nوالاستقبال في ﴿يَهْدِينِ﴾ مع سبقِ العناية بالهداية لأنَّه يحتمل: يهديني للأهمِّ الأفضل والأتمِّ الأكمل.\nأو: الذي خلقني لأسبابِ خدمته فهو يهديني إلى آداب (^٣) خلَّته.\nوالفاء للسَّببية إنْ جُعِلَ الموصولُ مبتدأً، وللعطف إنْ جُعِلَ صفةَ ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، فيكون اختلافُ النَّظمِ لتقدُّم الخلق واستمرار الهداية.\n* * *\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٣٧)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٦٧).\n(^٢) في (ك): \"لمناهج\"، ومثله في مطبوع \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٦٧).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"لآداب\".","vol":"7","page":392},{"text":"<span id=\"aya-3011\"> </span>(٧٩) - ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.\n﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ على الأوَّل مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ لدلالة ما قبلَه، وكذا (^١) اللَّذان بعدَه.\nوتكرير الموصول على الوجهين للدِّلالة على أنَّ كلَّ واحدةٍ من الصِّلاتِ مستقلَّة باقتضاءِ الحكم.\nأضاف الإطعام إلى وليِّ الإنعام لأنَّ الرُّكون إلى الأسباب عادةُ الأنعام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3012\"> </span>(٨٠) - ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.\n﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ لم يقلْ: أَمرضني؛ لأنَّه قصدَ الذِّكْرَ (^٢) بلسانِ الشُّكر، فلم يُضفْ إليه ما يقتضي الصَّبر (^٣)، ولأنَّ ذلك لم يكون مقصودًا بذاته كسائر ما ذُكِرَ (^٤) مِن أفعاله تعالى الكمالية، وإنَّما هو من (^٥) روادف الطَّعام والشَّراب، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ على الفرض (^٦)، فلم (^٧) يَنسبه إليه تعالى نسبةَ البواقي؛ تنبيهًا على الفصل بينهما.\n﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ إنْ شُفِيْتُ لا غيرُه، لا أنَّه يشفين لا محالة.\n_________\n(^١) في (م): \"وكذلك\".\n(^٢) في (ع): \"الركن\".\n(^٣) في (ع): \"الضر\"، وكذا في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٦٨).\n(^٤) في (ي) و(ع): \"سيرده\"، ولعلها: \"سيرد\".\n(^٥) في (ي) و(ع): \"في\"، وسقطت من (ف) و(ك).\n(^٦) في (ف) و(ك) و(م): \"العرض\"، وفي هامش (م): \"لعلها الفرض\".\n(^٧) في (ي): \"ولا\".","vol":"7","page":393},{"text":"<span id=\"aya-3013\"> </span>(٨١) - ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾.\n﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ لم يقل: إذا متُّ؛ لأَنَّه الخروج مِن حبسِ البلاءِ ودارِ الفَناء إلى رَوضِ البقاء لوعد اللِّقاءِ، فليس هو كالمرضِ.\nولَمَّا كانت الإماتةُ والبعث ممَّا لا يمكن إسنادها (^١) إلَّا إلى الله تعالى كالخَلْقِ، لم يَحتجْ إلى توكيدٍ، بخلاف الهداية والإطعام والإسقاء والشِّفاء، فإنَّه ممَّا يمكن إسنادها إلى غير الله تعالى.\nوإنَّما أتى بأداة التَّراخي في قوله: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لأنَّه أرادَ الإحياءَ في الآخرة دون القبر، وبأداة التَّعقيب في الهداية والشِّفاء لأنهما يعقبان الخَلْق والمرض، وبأداة الجمع المطلق في السَّقي لأنَّه قد يَعقب الإطعامَ وقد يتأخَّر وقد يتقدم عليه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3014\"> </span>(٨٢) - ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.\n﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ﴾ طمعَ العبيد في الموالي بالإفضالِ، لا على الاستحقاق بالسُّؤالِ.\n﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ استغفارُ الأنبياء ﵈ تواضعٌ منهم لربِّهم، وهضمٌ لأنفسهم، وتعليمٌ للأمم في طلب المغفرة.\nقدَّم الثَّناء على الله وذَكَره بالأوصاف الحسنة بين يدَي طَلِبته ومسألته، ثمَّ سألَه تعالى فقال:\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"إسنادهما\".\n(^٢) \"عليه\" سقط من (ف) و(م).","vol":"7","page":394},{"text":"<span id=\"aya-3015\"> </span>(٨٣) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾.\n﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾: كمالًا في العلم والعمل لأنتظِم في عداد الكاملين في صلاح الدِّين (^١) لا يشوب صلاحَهم كبيرُ ذنبٍ ولا صغيرُه.\n﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: الأنبياءِ ﵈، ولقد أجابه حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3016\"> </span>(٨٤) - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾.\n﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾؛ أي: ثناءً حسنًا وذِكْرًا جميلًا. وفي العبارة باللِّسان عن القول ما لا يخفى مِن البلاغة، وإنَّما أضافه إلى الصِّدق إضافةَ الموصوفِ إلى الصِّفة الدَّالة للاختصاص به والعَراقة فيه؛ احترازًا عن الإطراء في شأنه.\n﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: في الأمم التي تجيء مِن بعدي، فأُعْطِيَ ذلك، فكلُّ أهلِ دينٍ يتولَّونه (^٢) ويثنون عليه بلا إطراء (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3017\"> </span>(٨٥) - ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾.\n﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ أي: وارثًا من ﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ سألَه أن يفعل معه من الألطاف ما يختار عنده (^٤) الطَّاعات؛ لأن الجنة لا يُتنعَّم فيها إلَّا بالاستحقاق،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"الذين\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"يقولونه\".\n(^٣) في (ك): \"بالإطراء\".\n(^٤) في (ع): \"عنه\"، وفي (ف) و(م): \"عند\".","vol":"7","page":395},{"text":"وإنْ كان الدُّخول بمَحْضِ لُطْفِ الله تعالى، فلذلك قال: ﴿مِنْ وَرَثَةِ﴾؛ فإنَّ الوارث يأخذ الميراث بلا كَسْبٍ منه (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3018\"> </span>(٨٦) - ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾.\n﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ طلبَ هدايتَه إلى الإيمان اقتضاءً؛ قضاءً لحق أبوَّته (^٢)، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: استمرَّ على الضَّلال في الأزمنة الماضية، قاله تأسُّفًا وتلهُّفًا، لا إخبارًا وإظهارًا، أو كان ذلك الطَّلبُ (^٣) منه ﵇ قبلَ أنْ (^٤) مات أبوه، ولَمَّا ماتَ أبوه على الكفر فتبيَّن أنَّه عدوُّ الله (^٥) تبرأ منه (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3019\"> </span>(٨٧) - ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾.\n﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ الإخزاءُ: مِن الخِزْيِ، وهو الهوان، أو مِن الخزاية، وهي الحياء.\n﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَّمير للنَّاس لأنَّه معلوم؛ أي: لا تخزني على رؤوس المعشر بتعذيب أبي يوم المحشر (^٧)، فهو مِن تتمَّة الاستغفار لأبيه.\n_________\n(^١) في هامش (م): \"فكل من الوراثة وإضافة النعيم إلى الجنة لا يخلو عن دقيقة أنيقة. منه\".\n(^٢) في (م): \"أبويه\".\n(^٣) في (م): \"للطلب\".\n(^٤) بعدها في (ف) و(ك): \"كان\".\n(^٥) في (ع): \"أنه عدو أبعد\".\n(^٦) في هامش (م): \"من قال: إنما استغفر له بعد موته على الكفر لأن الاستغفار للكفار لم يمنع بعد، فكأنه غافل عن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ \".\n(^٧) في (م): \"لا تخزني بتعذيب إلى يوم المحشر على رؤوس المعشر\".","vol":"7","page":396},{"text":"<span id=\"aya-3020\"> </span>(٨٨) - ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.\n﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾ - بدلٌ مِن اليوم الأوَّل - ﴿وَلَا بَنُونَ﴾ أحدًا، كما ينفع في الدُّنيا يفديه (^١) ماله ويذبُّ عنه بنوه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3021\"> </span>(٨٩) - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ﴾ مفعول لـ ﴿يَنْفَعُ﴾.\n﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن الكفرِ والنِّفاق سليم القلب (^٣)، فقلبُ الكافر والمنافق مريض لقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].\nأي: إنَّ المال إذا صُرِفَ في وجوه البرِّ وبنوه صالحون فإنَّه ينتفع به وبهم سليمُ القلبِ.\nقد صوَّب الجليل استثناء الخليل إكرامًا له، ثم جعله صفةً له في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٤﴾.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"تعدد\"، وفي (ي): \"بفدية\".\n(^٢) في هامش (م): \"أي لا ينفع تفريق المال ولا جمع الرجال، يعني: لا تُدفع مكارهُ ذلك اليوم لا باللطف ولا بالعنف، ومعتاد العرب المظاهرةُ بالعشيرة والقبيلة، وإيراد البنون من قبيل ذكر الجزء وإرادة الكل، وعلى هذا يظهر وجه إيثاره على الولد، وإتيانه صيغة الجمع، وموجَبه انقطاع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾، إذ على تقدير الاتصال لا مجال لتعميم النفع ....... \". وطمست كلمة أو اثنتان في آخر الكلام.\n(^٣) \"سليم القلب\" ليست في (ع) و(ي).","vol":"7","page":397},{"text":"<span id=\"aya-3022\"> </span>(٩٠) - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: قُرِّبَتْ، عطفُ جملةٍ على جملةٍ؛ أي: تُزلَف مِن موقفِ السُّعداء، فينظرون إليها، ويتبجَّحون بحشرهم إليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3023\"> </span>(٩١) - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾.\n﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾؛ أي: أُظْهِرَتْ، فيرونَها مكشوفةَّ، ويتحسَّرون على أنَّهم مسوقون إليها.\nوفي اختلافِ الفِعلَيْن دلالة على أنَّ أرضَ المحشر قريبةٌ مِن الجحيم.\n﴿لِلْغَاوِينَ﴾ الغاوي: العاملُ بما يوجب الخيبةَ مِنَ الثَّوابِ، وأصلُ الغِوايةِ: الخيبةُ، قالَ الشَّاعرُ:\nفمَنْ يلقَ خيرًا يَحمَدِ النَّاسُ أمرَهُ … ومَنْ يغوِ لا يعدمْ على الغيِّ لائمًا (^١)\n* * *\n\n<span id=\"aya-3024\"></span><span id=\"aya-3025\"> </span>(٩٢ - ٩٣) - ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾.\n﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ على وجهِ التَّوبيخ والتَّقريع: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾: هل ينفعونَكُم بنصرتهم لكم.\n﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: أو هل ينفعون أنفسَهم بانتصارهم، وهذا لأنَّهم وآلهتَهم وَقودُ النَّارِ.\n* * *\n_________\n(^١) للمرقش الأصغر. انظر: \"المفضليات\" (ص: ٢٤٧).","vol":"7","page":398},{"text":"<span id=\"aya-3026\"> </span>(٩٤) - ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾.\n﴿فَكُبْكِبُوا﴾: نُكِّسُوا، أو طُرِحَ بعضُهم على بعضٍ ﴿فِيهَا﴾: في جهنَّم ﴿هُمْ﴾؛ أي: الآلهة ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ وعبدتُهم الذين برِّزَتْ لهم الجحيم.\nوالكَبْكَبَةُ: تكرير الكَبِّ، جعل التَّكريرَ في اللَّفظ دليلًا على التَّكرير في المعنى، كأنَّه إذا أُلْقِيَ في جهنَّمَ ينكبُّ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ حتى يستقرَّ في قَعرها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3027\"> </span>(٩٥) - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾.\n﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾: شياطينُه، أو مُتَّبعوه مِن عُصاةِ الإنسِ والجنِّ.\n﴿أَجْمَعُونَ﴾: تأكيدٌ للجنود، إنْ جُعِلَ مبتدأً خبرُه ما بعدَه، وإنْ لم يُجْعلْ مبتدأً بل معطوفًا على ﴿هُمْ﴾ يكون ﴿أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدًا للضَّمير الذي هو ﴿هُمْ﴾ ولِمَا عطف عليه وهو ﴿الْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾، وهذان الاحتمالان قائمان في الضَّمير المنفصل، وما يعودُ عليه في قوله:\n\n<span id=\"aya-3028\"> </span>(٩٦) - ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾.\n﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ يجوزُ أنْ يُنْطِقَ الله تعالى الأصنامَ حتَّى يصحَّ التَّقاوُلَ والتَّخاصُمَ، ويؤيِّدُه الخطاب في: ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3029\"></span><span id=\"aya-3030\"> </span>(٩٧ - ٩٨) - ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: بَيِّنٍ ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾: نَعْدِلُكم أيُّها الأصنام ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في استحقاق العبادة.","vol":"7","page":399},{"text":"<span id=\"aya-3031\"> </span>(٩٩) - ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: رؤساؤهم الَّذين أضلُّوهم، أو إبليس وجنوده، ومَن (^١) سَنَّ الشِّرْكَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3032\"> </span>(١٠٠) - ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾.\n﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ مِن الأباعد (^٢)، كما للمُؤمِنين (^٣) مِن الأنبياءِ والأولياءِ والملائكةِ.\nولَمَّا أتى بصيغة الجمع لمصلحة الفاصلة تُدورِكَ حقُّ المقام بزيادة (مِن) التَّبعيضيَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3033\"> </span>(١٠١) - ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.\n﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾: مِن الأقارب، كما نرى (^٤) للمؤمنين أصدقاء، قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].\nوالحميمُ: مِن الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمُّكَ ما يهمُّه، أو من الحامَّة بمعنى الخاصَّة، وهو الصَّديق الخاص.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"من\".\n(^٢) في (ع) و(ي): \"الإباعة\".\n(^٣) في (م): \"كالمؤمنين\".\n(^٤) في (ك) و(ي): \"ترى\".","vol":"7","page":400},{"text":"<span id=\"aya-3034\"> </span>(١٠٢) - ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾: رجعةً إلى الدُّنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وجوابُ (لو) محذوفٌ، وهو: لفعلنا كَيْتَ وكَيْتَ.\nأو (لو) (^١) في مثل هذا للتَّمنِّي، كأنَّه قيل: فليْتَ لنا كرَّةً؛ لِمَا بينَ معنى (لو) و(ليت) من التَّلاقي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2940\"> </span>(١٠٣) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما ذُكِرَ مِن قصَّةِ إبراهيمَ ﵇.\n﴿لَآيَةً﴾: لَحُجَّةً وعبرةً لِمَنْ أرادَ أنْ يستبصِرَ بها ويعتبرَ؛ فإنَّها جاءَتْ على أنظَمِ ترتيبٍ وأحسنِ تقريرٍ، يتفطَّنُ المتأمِّلُ فيها لغزارة علمه؛ لِمَا فيها مِن الإشارة إلى أصول العلوم الدِّينيَّة، والتَّنبيه على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحُسْن مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وتصويرِ الأمر في نفسه، وإطلاقِ الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضًا وإيقاظًا لهم؛ ليكون أدعى لهم إلى الاستماع والقَبولِ.\n﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾: أكثرُ قومه ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-2941\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: القادرُ على تعجيل الانتقام ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال، لكي يؤمنوا هم أو أحدٌ مِن ذرِّيَّتِهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(ي): \"ولو\". والصواب المثبت. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٤٣)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٧١) والكلام منه.","vol":"7","page":401},{"text":"<span id=\"aya-3037\"> </span>(١٠٥) - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ القومُ مؤنَّثة (^١)، ولذلك يصغَّرُ على: قُوَيْمَة.\n﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ قد مرَّ الكلام في تكذيبهم المرسَلين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3038\"> </span>(١٠٦) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ إنَّما قال: ﴿أَخُوهُمْ﴾ لأنَّه كان منهم:\n﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ خالقَ الأنام فتتركوا عبادةَ الأصنام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3039\"> </span>(١٠٧) - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.\n﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ كان مشهورًا بالأمانة فيهم، كمحمَّدٍ ﵊ في (^٢) قريش.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3040\"> </span>(١٠٨) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمرُكم به مِنَ التَّوحيد والطَّاعة للهِ تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3041\"> </span>(١٠٩) - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على ما أنا عليه مِن الدُّعاءِ والنُّصحِ.\n_________\n(^١) في (م): \"مؤنث\".\n(^٢) في (ك): \"و\".","vol":"7","page":402},{"text":"﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ الأجرُ: عبارةٌ عن المنفعةِ المستحقَّة، فأمَّا الذي لا يكون مستحَقًّا فذلك لا يُسمَّى أجرًا، بل هبةً.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بحكم وعدِه، وفيه دلالةٌ (^١) على عِظَمِ شأنِ ما أُمِرَ بتبليغِه، وهذا هو الموجِبُ لطاعته فيما يدعوهم إليه، فلذلك أعادَ قولَه:\n\n<span id=\"aya-3042\"> </span>(١١٠) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ وأمَّا حَسْمُ الطمع المستفادُ ممَّا تقدَّم فقاصرٌ عن إيجابها.\nثمَّ إنَّ قولَه: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ التزام الأجر في ذلك لمصلحةِ تربيتِهم، لا لأمرٍ يعود إلى نفسِه مِن نفعٍ أو دفعٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3043\"> </span>(١١١) - ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ الواو للحال، و(قد) مُضمَرةٌ بعدَها، دليله قراءة: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ (^٢) جمعُ تابعٍ؛ كشاهد وأشهاد، أو: تَبَعٍ؛ كبَطَل وأبْطَال.\n﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: جمع الأرذل (^٣) على الصِّحة، والرَّذالةُ: الخسَّةُ والدناءةُ.\nوإنَّما استرذلوهم لإيضاع نسبِهم وقلَّة نصيبهم مِن الدُّنيا، وقيل: كانوا مِن أهل الصِّناعاتِ الدَّنيَّةِ، وأشاروا بذلك إلى أنَّ اتِّباعَهم ليس عن نظرٍ وبصيرةٍ، وإنَّما هو لتوقُّعِ مآلٍ ورفعة فلذلك:\n_________\n(^١) في (م) و(ك): \"تنبيه\"، وفي (ف): \"دليل\".\n(^٢) قرأ بها يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٣٥).\n(^٣) في (ي): \"أرذل\".","vol":"7","page":403},{"text":"<span id=\"aya-3044\"> </span>(١١٢) - ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنَّهم عملوه إخلاصًا أو طَمَعًا في طُعْمَةٍ (^١)، وما عليَّ إلَّا اعتبار الظَّاهر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3045\"> </span>(١١٣) - ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾.\n﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾: ما حسابُهم على بواطنهم إلا على الله تعالى؛ فإنَّه المُطَّلعُ على السَّرائرِ.\n﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لعلمتم ذلك، ولكنَّكم تجهلون، فتقولون ما لا تعلمون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3046\"> </span>(١١٤) - ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جوابٌ لِما أَوهم قولهم: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ مِن استدعاء طردهم استنكافًا عن الشِّركةِ معهم في المتابعة - خصوصًا إذا كان لهم فضلُ التَّقدُّم وقدمُ السَّبقِ - وتوقيفِ (^٢) إيمانهم عليه، وقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3047\"> </span>(١١٥) - ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كالعلَّة له؛ أي: ما أنا إلَّا رجلٌ مبعوثٌ لإنذار المكلَّفين مِن الكفر والمعاصي، سواءٌ كانوا أعزَّاء أو أذلَّاء، وكم مِن ذليلٍ عندَ النَّاسِ وهو عزيزٌ\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"طمعًا وطمعة\"، والمثبت موافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٤٤).\n(^٢) في (ع): \"وتوفيق\". والمثبت موافق للمصدر السابق، ولفظه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم وتوقيفِ إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه.","vol":"7","page":404},{"text":"عندَ اللهِ، وبالعكس، فكيفَ يليقُ بي طردُ الفقراء لاستتباعِ الأغنياءِ، أو: ما عليَّ (^١) إلَّا إنذاركم إنذارًا بيِّنًا بالبرهانِ الواضحِ، ثمَّ أنتم أعلمُ بشأنِكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3048\"> </span>(١١٦) - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾.\n﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾ عمَّا تقولُ، والانتهاءُ: بلوغُ الحدِّ مِن غير مجاوزةٍ إلى ما وقعَ عنه (^٢) النَّهيُ، وأصلُ النِّهايةِ: بلوغُ الحدِّ.\n﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: مِن المضروبين بالحجارة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3049\"> </span>(١١٧) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ إظهارًا لِمَا يدعو عليهم لأجله، وهو تكذيبُ الحقِّ، لا تخويفهم له واستخفافهم عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3050\"> </span>(١١٨) - ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾: فاحكم بيني وبينهم حُكْمًا، مِن الفتاحة وهو الحُكومَةُ، والفَتَّاحُ: الحاكم؛ لأنَّه يفتحُ المستغلَقَ.\nوَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مِنْ قَصدِهم، أو مِن شُؤمِ عَملِهم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أمَّا ما عليَّ\".\n(^٢) في (ف): \"عليه\".","vol":"7","page":405},{"text":"<span id=\"aya-3051\"> </span>(١١٩) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾: المملوء، ومنه شِحنةُ (^١) البلدِ؛ أي: الذي يملؤه كفايةً.\nكانت السَّفينة مملوءةً مِن النَّاس وأنواع الحيوان مِن سباعِ البهائم وجوارح الطَّير، فكانت في قصَّتهم هذه نجاةٌ في نجاةٍ، ومن هنا اتَّضح وجه (^٢) توصيف الفُلك بالوصف المذكور في مقام الامتنان.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3052\"> </span>(١٢٠) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا﴾ ﴿ثُمَّ﴾ للتَّفاوُتِ بينَ الحالَيْنِ لا للتَّراخي، ولذلك قال:\n﴿بَعْدُ﴾؛ أي: بعدَ إنجائه ومَن معَه ﴿الْبَاقِينَ﴾ مِن قومِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3053\"> </span>(١٢١) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ عظيمةً، شاعَتْ وتواترَتْ ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3054\"> </span>(١٢٢) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: المنتقم (^٣) بإهانة مَنْ جَحَدَ وأصَرَّ ﴿الرَّحِيمُ﴾: المنعِمُ بإعانَةِ مَن وحَّدَ وأقرَّ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ع): \"شحنه\".\n(^٢) \"وجه\": ليست في (ك) و(م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"الممتنع\". والمثبت موافق لما في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٧٤).","vol":"7","page":406},{"text":"<span id=\"aya-3055\"> </span>(١٢٣) - ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ هي قبيلةٌ، وفي الأصل اسم رجلٍ هو أبو القبيلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3056\"></span><span id=\"aya-3057\"></span><span id=\"aya-3058\"> </span>(١٢٤ - ١٢٧) - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قد تقدَّم تفسيره عن قريب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3060\"> </span>(١٢٨) - ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.\n﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾: مكانٍ مرتفعٍ، والبناءُ: وضعُ سافٍ على سافٍ (^١) إلى حيث ينتهي.\nالرِّيعُ: الارتفاع من الأرض، ومنه: الرِّيع في الطَّعام، وهو ارتفاعه بالزِّيادة والنَّماء.\n﴿آيَةً﴾: بناءً يكون لارتفاعه كالعلامَة.\n﴿تَعْبَثُونَ﴾: تلعبون.\n* * *\n_________\n(^١) (السَّافُ): الصَّفُّ مِن اللَّبِن أَو الطِّين. انظر: \"المغرب في ترتيب المعرب\" (مادة: سوف). ووقع في (ف): \"ساق على ساق\".","vol":"7","page":407},{"text":"<span id=\"aya-3061\"> </span>(١٢٩) - ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.\n﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: مآخِذَ الماءِ، أو: قصورًا (^١) مشيَّدة، أو: حصونًا؛ أي: أتجعلون في كلِّ موضعٍ عالٍ مشرِفٍ علامةً تبنونها ولا تحتاجون إليها لسكناكم، إنَّما تريدون به المباهاة والمراءاة وذا عبثٌ.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: وترجون الخلود في الدُّنيا فتُحْكِمون بُنيانها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3062\"> </span>(١٣٠) - ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ البَطْشُ: العَسْفُ قتلًا (^٢) بالسَّيف وضربًا بالسَّوط.\n﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ الجبَّارُ: العالي على غيره بعظيم (^٣) سلطانه، وهو في صفةِ الله تعالى مدحٌ، وفي صفة غيره ذمٌّ.\nوقال الحسن: بطش الجبرية: هو المبادرة مِن غير تثبُّت ولا توقُّف (^٤).\nفذمَّهم الله تعالى بذلك، ونهاهم هود ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3063\"> </span>(١٣١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بترك هذه الأشياء ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما أدعوكم إليه؛ فإنَّه أنفع لكم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"وقصورًا\".\n(^٢) \"قتلا\": ليست في (م).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"العالي إلى غيره لعظيم\"، لكن كتب فوق \"إلى\" في (ك): \"على\".\n(^٤) بنحوه في \"الكشاف\" (٣/ ٣٢٦).","vol":"7","page":408},{"text":"<span id=\"aya-3064\"></span><span id=\"aya-3065\"> </span>(١٣٢ - ١٣٣) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ قرَنَ البنينَ بالأنعام لأنَّهم يُعينونهم على حفظِها والقيام عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3066\"> </span>(١٣٤) - ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.\nوقرن العيون بالجنَّات في قوله: ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ (^١) لأنَّ قوامَها ودوامَ منافعها بها.\nكرَّرَ الأمرَ بالاتِّقاء مرتَّبًا على إمداد الله إيَّاهم بما يعرفونه (^٢) من أنواع النِّعم؛ تعليلًا وتنبيهًا (^٣): بالوعد عليه بدوام الإمداد، والوعيد على تركه بالانقطاع، ثمَّ فصَّل بعضَ تلك النِّعم كما فصَّل بعضَ مساويهم المدلول عليها إجمالًا بالإنكار في ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ مبالغةً في الإيقاظ والحثِّ على التَّقوى (^٤) فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3067\"> </span>(١٣٥) - ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدُّنيا والآخرة، فإنَّه كما قدرَ على الإنعام قدرَ على الانتقام.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"العالي إلى غيره لعظيم\"، لكن كتب فوق \"إلى\" في (ك): \"على\".\n(^٢) بنحوه في \"الكشاف\" (٣/ ٣٢٦).\n(^٣) في (م): \"أو تنبيهًا\".\n(^٤) في (م) زيادة: \"ثم أوعدهم\".","vol":"7","page":409},{"text":"<span id=\"aya-3068\"> </span>(١٣٦) - ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾.\n﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا﴾؛ أي: مستوٍ عندَنا، وإنَّما قيل: ﴿عَلَيْنَا﴾ لأنَّ المراد بالاستواء من جهة التَّأثير.\n﴿أَوَعَظْتَ﴾ الوعظُ: كلامٌ يليِّنُ القلب (^١) بذكر الوعدِ والوعيدِ.\n﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ فإنَّا لا نَرْعَوي عمَّا نحن عليه. وتغيير شقِّ النَّفي عمَّا تقتضيه المقابلة بارتكاب الإطناب؛ للمبالغة في جانب السكوت عن الوعظ (^٢)؛ لكونه مقصودًا، فإنَّ الإخراج مِن عداد الواعظين أبلغُ مِن نفي المباشرة للوعظ، والمحافظةِ (^٣) على رؤوس الآي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3069\"> </span>(١٣٧) - ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرئ: ﴿خُلُقُ﴾ بفتح الخاء، مِن الاختلاق؛ أي: ما هذا الذي جئتنا به إلَّا كذب الأوَّلين.\nوقرئ بضم الخاء (^٤)؛ أي: ما هذا الذي نحن عليه مِن تهيئة أسباب المعاش واتِّخاذ الأبنية إلَّا عادة الأوَّلين.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"القلوب\".\n(^٢) أي: للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه.\n(^٣) عطف على\"للمبالغة\".\n(^٤) وهي قراءة ابن كثير والكسائي وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بضمهما. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٦).","vol":"7","page":410},{"text":"<span id=\"aya-3070\"> </span>(١٣٨) - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ في الدُّنيا، ولا بعْثَ ولا عذابَ في الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3071\"> </span>(١٣٩ - ١٤٥) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بسبب تكذيبهم إيَّاه بريحٍ صرصرٍ عاتيةٍ.\n\n<span id=\"aya-3072\"></span><span id=\"aya-3073\"></span><span id=\"aya-3074\"></span><span id=\"aya-3075\"></span><span id=\"aya-3076\"></span><span id=\"aya-3077\"> </span>﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) تقدَّم تفسيرُه في هذه السُّورة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3078\"> </span>(١٤٦) - ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾.\n﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ إنكارٌ لأَنْ يتركوا كذلك، وتذكيرٌ بالنِّعمةِ في تخلية (^٢) الله تعالى إيَّاهم وأسباب تنعيمهم.\n﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾: في الذي استقرَّ (^٣) في هذا المكان مِن النَّعيم.\n﴿آمِنِينَ﴾ مِن العذاب والزَّوال والموت، ثمَّ فسَّرَه بقولِه:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \" ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n(^٢) في (ك): \"تحلية\"، وفي (ع): \"تخلفة\".\n(^٣) في (ف): \"يستقر\".","vol":"7","page":411},{"text":"<span id=\"aya-3079\"> </span>(١٤٧) - ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾.\n﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ وهذا أيضًا إجمال ثمَّ تفصيل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3080\"> </span>(١٤٨) - ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾.\n﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾ أفردَ النَّخل تفضيلًا له على سائر أشجار الجنَّات.\n﴿طَلْعُهَا﴾ وهو ما يخرجُ من النَّخلة كنَصْلِ السَّيفِ.\n﴿هَضِيمٌ﴾: ليِّنٌ نضيجٌ (^١).\nكأنَّه قالَ: ونخلٍ قد أَرْطبَ ثمرُه، فإنَّه ما دام رطبًا فهو هضيم، فإذا يَبِسَ فهو هَشِيم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3081\"> </span>(١٤٩) - ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.\n﴿وَتَنْحِتُونَ﴾: وتَنقبون ﴿مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾: بَطِرين (^٢)، وهذا هو المناسب لِمَا في سورة الحِجْر مِن قوله: ﴿آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩]، لا معنى: حاذقين (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"نضج\".\n(^٢) في هامش (م): \"وفي سورة الأعراف ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ على الحذف والإيصال، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فلا وجه لما قيل: إن انتصاب ﴿بُيُوتًا﴾ على الحالية، أو على أن (تنحتون) بمعنى: تتخذون. منه\".\n(^٣) زاد في (ي): \"طيب قلب\"، وزاد في (ع): \"طبيب قلب\".","vol":"7","page":412},{"text":"<span id=\"aya-3082\"></span><span id=\"aya-3083\"> </span>(١٥٠ - ١٥١) - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا﴾؛ أي: لا تمتثلوا ﴿أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ إنَّما صرف الكلام عن الظَّاهر، والكلمةَ عن المتبادِر، حيث لم يقل: (ولا تطيعوا المسرفين) تنزيلًا لشأنهم من درجة الإطاعةِ، وتبعيدًا لهم عن حيِّزِ المطاعين، وأمَّا جَعْلُ الأمرِ مُطاعًا على المجاز الحكمي فلا يناسب المقام (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3084\"> </span>(١٥٢) - ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وصفٌ موضِّحٌ لإسرافِهم، ولذلك عطف: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ على ﴿يُفسِدُونَ﴾؛ دلالةً على خلوصِ فسادِهم (^٢)، وتعميمُ إفسادِهم (^٣) المستفادُ من الإسناد إلى كليَّة الأرض يناسبُ هذا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3085\"> </span>(١٥٣) - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ المسحَّرُ: الذي سُحِرَ كثيرًا حتى غلبَ على عقلِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3086\"> </span>(١٥٤) - ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ كنايةٌ عن استحالةِ كونه رسولًا بناءً على ما زعموا مِن أنَّ\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"لأن المقام مقام نفي الإطاعة لهم رأسًا، لا نفي كمال الإطاعة لهم. منه\".\n(^٢) في (ع): \"الفسادهم\"، وكذا كانت في (ي)، ثم ضرب على (الـ).\n(^٣) في (ك): \"وتعميم فسادهم\". وسقطت من (ع) و(ي).","vol":"7","page":413},{"text":"الرَّسولَ (^١) لا يكون مِن جنس البشرِ، خصوصًا بلا امتيازٍ له عن سائر الأفراد.\nوكأن صالحًا ﵇ ردَّ قولهم هذا بأنْ يقولَ: إنِّي رسولُ اللهِ بواسطة الملك، ولي (^٢) امتياز عن سائر البشر بالمعجزة الخارقة للعادة، فقالوا في مقابلته: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ خارقةٍ للعادةِ ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3087\"> </span>(١٥٥) - ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.\n﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣].\n﴿لَهَا شِرْبٌ﴾: نصيبٌ من الماء، فلا تزاحموها فيه.\n﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لا تزاحمُكُم فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3088\"> </span>(١٥٦) - ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ نهيٌ عن المسِّ الذي هو مقدِّمة الإصابة (^٣) بالسوء الجامعِ لأنواع الأذى؛ مبالغةً في الأمر، وإزاحةً للعذر.\n﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عِظَمُ اليومِ لعِظَمِ ما يحلُّ فيه، وهو أبلغ مِن تعظيمِ العذابِ؛ لأنَّ اليوم إذا عَظُمَ بسببِه (^٤) كان موقعُه مِن العِظَمِ أشَدَّ.\n_________\n(^١) في (ع): \"رسول الله ﷺ \"، وفي (ي): \"رسول الله\".\n(^٢) من قوله: \"امتيازٍ له … \" إلى هنا سقط من (ي).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"إصابة\".\n(^٤) في (ي) و(ع): \"لسبب\"، والمثبت موافق لما في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٧٧).","vol":"7","page":414},{"text":"<span id=\"aya-3089\"> </span>(١٥٧) - ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾.\n﴿فَعَقَرُوهَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ، والجملة المحذوفة مذكورة في سورة الأعراف، وإنَّما أسندَ الفعل إلى الجميع لأنَّه كان بأمرهم وتعاوُنهم على ما أفصح عنه قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].\n﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ لا على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم؛ لأنَّه مردود بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني بعدما عقروها: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، بل على ترك ولدِها، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3090\"> </span>(١٥٨) - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: العذاب الموعود، وهو الرَّجفةُ الحادثةُ مِن الصَّاعقةِ.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ عظيمةً ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في نفي الإيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماءٌ بأنَّه لو آمنَ أكثرُهم أو شطرهم لَما أُخِذوا بالعذابِ، وأنَّ قريشًا إنَّما عُصِموا عن مثله ببركة مَن آمنَ منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3091\"> </span>(١٥٩) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ جامع لجهَتَي الانتقام والإنعام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3092\"></span><span id=\"aya-3093\"></span><span id=\"aya-3094\"></span><span id=\"aya-3095\"></span><span id=\"aya-3096\"> </span>(١٦٠ - ١٦٤) - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.","vol":"7","page":415},{"text":"﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) تقدم (^٢) تفسيره في هذه السورة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3097\"> </span>(١٦٥) - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾؛ أي: أتأتون [الذكران] مِن أولادِ آدمَ مع كثرتهم وغلبةِ الإناث فيهم كأنهنَّ قد أعوَزْنَكم.\nأو: أتأتون مِن بينِ مَن عَداكم ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ الذُّكرانَ، لا يشارككم فيه غيركم.\nفالمراد بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ على الأوَّل: النَّاس، وعلى الثَّاني: كل مَن يُنكَح (^٣).\nوعلى هذا: الجمعُ للتَّغليب، ومبنى هذا الوجه على اختصاص ذلك الفعل بالإنسان، وفيه نظر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3098\"> </span>(١٦٦) - ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.\n﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾ لأجلِ استمتاعِكم ﴿رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لبيانِ ﴿مَا﴾ إنْ أُريدَ به جنسُ الإناث، أو للتَّبعيضِ إنْ أُريدَ به العضو المباح منهنَّ، فيكون تعريضًا بأنَّهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائِهم، وإنَّما خَصَّ الأزواجَ بالذِّكْرِ لعمومِه؛ فإنَّ الإماء مخصوصَةٌ بالأحرار.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \".\n(^٢) في (م): \"قد تقدم\".\n(^٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٤٧)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"7","page":416},{"text":"﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ بمعنى الانتقال مِن شيء إلى شيء.\nوالعادي (^١): المتعدِّي في ظُلْمِه، المجاوِزُ فيه الحدَّ، والمرادُ هاهنا: التَّجاوزُ عن حدِّ الشَّهواتِ بالزِّيادة على سائر النَّاس، بل الحيوانات، أو الإفراطُ في المعاصي مطلقًا، وعلى هذا: الإضرابُ للتَّرقي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3099\"> </span>(١٦٧) - ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾.\n﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾؛ أي: لم تمتنعْ من إنكارك علينا، وتقبيحِ (^٢) أمرنا.\n﴿يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾: مِن جُملةِ مَن أخرجْناه مِن بينِنا وطردْناه مِن ديارِنا، ولعلَّهم كانوا يُخْرِجُونَ مَن أخرجُوهُ على أسوءِ حالٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3100\"> </span>(١٦٨) - ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾.\n﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ فلا أكرَهُ مفارَقتكم، ولا أرضى مجاوَرَتَكم.\nوالقِلَى: البغضُ الشَّديدُ، كأنَّه بغضٌ يقلي الفؤادَ.\nوإنَّما قال: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ للتَّنبيه على أنَّه غير منفردٍ بذلك، بل واحدٌ مِن الجماعة المعروفين به، وأيضًا هو أبلغ مِن (قَالٍ) وإن كان هو أرجحَ من جهة اللَّفظ لِمَا بينه وبين ﴿قَالَ﴾ مِن صنعة التَّجنيس.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م) زيادة: \"المتعادي\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"أو تقبيح\".","vol":"7","page":417},{"text":"<span id=\"aya-3101\"> </span>(١٦٩) - ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾: مِن شؤمِه وعذابِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3102\"> </span>(١٧٠) - ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: مَن آمنَ به أَجْمَعِينَ﴾ بإخراجِهم مِن بينهم وقتَ حلولِ العذاب بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3103\"> </span>(١٧١) - ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾.\n﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ مقدَّرةً ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ العجوزُ: المرأةُ التي قد أعجزَها عن أمورٍ كثيرةٍ كبرُ سنِّها.\nوهي امرأتُه على ما أفصحَ عنه قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الأعراف: ٨٣]؛ أي: الباقين من لِدَاتِها وأهل بيتها.\nوقيل: الغابرُ: الباقي في قِلَّةٍ، كالتُّراب الذي يذهب بالكنس ويبقى غباره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3104\"> </span>(١٧٢) - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ التَّدميرُ: الإهلاك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3105\"> </span>(١٧٣) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أمطرَ اللهُ تعالى على شذَّاذِ (^١) القومِ حجارةً فأهلكَهم.\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ك) و(م): \"شداد\"، والمثبت من (ي) وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٣١)، =","vol":"7","page":418},{"text":"﴿فَسَاءَ﴾ فاعله: ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ والمخصوصُ بالذَّمِّ - وهو: مطرُهم - محذوفٌ، والمرادُ بـ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾: جنسُ الكافرين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3106\"></span><span id=\"aya-3107\"> </span>(١٧٤ - ١٧٥) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تقدَّم تفسيرُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3108\"></span><span id=\"aya-3109\"></span><span id=\"aya-3110\"></span><span id=\"aya-3111\"></span><span id=\"aya-3112\"> </span>(١٧٦ - ١٨٠) - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الخليلُ: الأيكةُ: غيضةٌ تُنبتُ السِّدرَ والأراكَ وناعمَ الشَّجر (^١).\n﴿الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ إنَّما لم يقل: أخوهم شعيب؛ لأنَّه لم يكن مِن نسبِهم، بل كان مِن نسبِ أهلِ مَدين. وفي الحديث: أنَّ شعيبًا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة (^٢).\n_________\n= و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٤١)، \"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٧٩). قال الشهاب في \"الحاشية\" (٧/ ٢٥): \"شذاذ\" بمعجمات بوزن جُهال، جمع شاذ، وهو من انفرد عنهم في الطريق أو من كان غريبًا من غير قبائلهم، وهذا إشارة إلى التوفيق بين طرق إهلاكهم، فإنه ورد أنه بصيحة، وفي أخرى برجفة، وفي أخرى بإمطار حجارة، فهو إمّا بوقوع بعضه لبعضهم، أو لأنَّه أرسل لطائفتين أهلك كل منهما بنوع منه، ولا مانع من الجمع بينهما.\n(^١) انظر: \"العين\" للخليل (مادة: أيك) (٥/ ٤٢٣).\n(^٢) روى نحوه ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١٧٨٦)، ونقل عن علي بن الحسين بن الجنيد قوله: هذا باطل. وقال ابن كثير في \"تفسيره\" (٣/ ٣٤٦): \"غريب، وفي رفعه نظر\".","vol":"7","page":419},{"text":"﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) قد مرَّ تفسيرُه في هذه السُّورة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3113\"> </span>(١٨١) - ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾.\n﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: أتمُّوه ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ حقوقَ النَّاسِ بالتَّطفيف.\nولو قيل: ولا تُخسروا، لكان أبلغَ في النَّهي، على ما تقدَّم في تفسير: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، وإنَّما عدل عنه إلى ما ذَكَرَ تعريضًا لاشتهارِهم بتلكَ الحالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3114\"> </span>(١٨٢) - ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.\n﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ الوزنُ: وضعُ الشَّيء بإزاء المعيار بما يُظهِرُ منزلَتَهُ منه في ثِقَلِ المقدار: إمَّا بالزِّيادة، أو النُّقصان (^٢)، أو التَّساوي.\nوالقِسْطاسُ: الميزانُ، أو القبان؛ فإنْ كان مِن القِسْطِ وهو العدل وجعلَتِ العين مكرَّرة فوزنه فِعلاس (^٣)، وإلَّا فهو رباعيٌّ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م) و(ك): \" ﴿أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ \".\n(^٢) في (ف): \"المقدار إلى الزيادة والنقصان\".\n(^٣) قوله: \"فعلاس\"، كذا قاله الزمخشري، وتابعه النسفي، ونقل فيه الطيبي فيه نظرًا بأن الصواب أن وزنه: فعلاع؛ لأن التكرير يقتضي أن يوزن بما قبله، وأما فعلاسٌ فلم يوجد أصلًا. قلت: وهو عند الآلوسي: (فعلاع). انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٣٢)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٨٠)، و\"فتوح الغيب\" (١١/ ٤١٢)، و\"روح المعاني\" (١٩/ ٢٦٣).","vol":"7","page":420},{"text":"<span id=\"aya-3115\"> </span>(١٨٣) - ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ يقال: بخستَهُ حقَّه: إذا نقصْتَه إيَّاه.\n﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾: دراهمهم ودنانيرهم (^١) بقطع أطرافها، ولولا (^٢) [أن] المرادُ النَّهيُ عن المعتاد لقيل: ولا تبخسوا الناس شيئًا؛ لأنَّه أبلغُ في النَّهي.\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ وهذا أيضًا نهيٌ عن معتادهم، ولذلك عدل عن الأبلغ في النَّهي وهو: (لا تفسدوا في الأرض).\nوالعُثُوُّ: أشدُّ الفسادِ، وذلك قد يكون لمصلحةٍ كتخريب ديار الكفر (^٣)، فلدَفْعِ هذا الاحتمال قيل: ﴿مُفْسِدِينَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3116\"> </span>(١٨٤) - ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ يعني: مَن تقدَّمهم مِن الخلائق، أُطلقَ الخليقةُ وأُريدَ به (^٤) الخَلْقُ.\nقيل: ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾: الخَلْق المتجمِّد (^٥) الغليظ، مأخوذ مِن الجَبلِ، فحينئذ يناسبُ التَّفسير عن خِلْقَةِ عادٍ وثمودَ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م) و(ك): \"دراهم ودنانير\".\n(^٢) في (ف): \"ولو كان\"، والمثبت هو الصواب، وما سيأتي بين معكوفتين زيادة يقتضيها السياق.\n(^٣) في (م): \"الكفرة\"، في (ي) و(ع): \"الكفار\".\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"بها\".\n(^٥) في (ف): \"المتجد\"، وفي (م) و(ك): \"المتخذ\". وفي \"البحر المحيط\" (١٦/ ٣١٩): \"المتجسد\".","vol":"7","page":421},{"text":"<span id=\"aya-3117\"></span><span id=\"aya-3118\"> </span>(١٨٥) - ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تركَ أداةَ الجمع في قصَّة ثمود ليفيدَ التَّوكيد والتَّقرير والقطع بأنَّه بشرٌ مثلهم؛ أي: لا ينبغي أنْ نؤمن برسالتك إلَّا بشيءٍ تمتازُ به عنَّا، ولهذا قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وأتى بها هنا للدِّلالة على أنَّه جامعٌ بينَ وصفَيْنِ متنافِيَيْنِ للرِّسالة؛ مبالغةً في تكذيبهم، فكأنَّهم قالوا: نحن وأنت في عدم صلاحيَة الرِّسالة من جهة كوننا بشرًا سواءٌ، ولكَ (^١) المزيَّة علينا في كونك مسحَّرًا (^٢) دوننا، ثمَّ أكَّدوا ذلك بقولهم:\n﴿نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ والظَّنُّ بمعنى اليقين، ولذلك أدخل (إنْ) واللَّام.\nولَمَّا كانَ هذا الرَّدُّ أبلغُ مِن الأوَّلِ، ما طلبوا البرهان كما طلبَ ثمودُ حيثُ قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٤]، بل قطعوا بما يدلُّ على اليأس مِن إيمانهم بقولهم على سبيلِ الاستهزاءِ:\n\n<span id=\"aya-3119\"> </span>(١٨٧) - ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: جمع كِسْفَةٍ، وهي قطعة ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ عقوبةً ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ كما قطعَ قريشٌ بقولهم: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"ذلك\".\n(^٢) في (ي): \"مسخرًا\".","vol":"7","page":422},{"text":"<span id=\"aya-3120\"> </span>(١٨٨) - ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إنَّ اللّهَ تعالى أعلمُ بأعمالِكم وبما تستحقُّون عليها مِنَ العذابِ؛ فإنْ أرادَ أن يعاقبَكُم بإسقاط كِسَفٍ مِن السَّماءِ فَعَلَ، وإنْ أراد عقابًا آخر فإليه الحكم والمشيئة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3121\"> </span>(١٨٩) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ على نحو ما اقترحوا.\nو﴿الظُّلَّةِ﴾: سحابةٌ أظلَّتْهُم بعدَ ما حُبِسَ عنهم الرِّيحُ وعُذِّبوا بالحرِّ سبعةَ إيَّام، فاجتمعوا تحتَها مستجيرين (^١) بها ممَّا نالهم مِن الحرِّ، فأمطرَ تْعليهم (^٢) فاحترقوا.\nولهذا - أي: ولكونهم معذَّبَين في ذلك الوقت بسببٍ آخر غير الظُّلَّةِ - أضيف العذاب إلى اليوم دون الظُّلَّة، وقطعُ إضافةِ العذابِ عنها لا يخلو عن نوعِ إشعارٍ بأنَّ عذابهم قبلَ نزول النَّار مِن الظُّلَّةِ بلغ إلى حَدٍّ كان ذلك خلاصًا لهم من العذاب.\n﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قد مرَّ أنَّ وصفَ اليومِ بالعِظَمِ أبلغُ مِن وصفِ العذابِ بِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م) و(ف): \"متحسرين \"، وفي (ع): \"مسحرين \"، والمثبت من \"تفسير النسفي \" (٢/ ٥٨١).\n(^٢) من قوله: \"وعُذِّبوا بالحرِّ .. \" إلى هنا سقط من (ي).","vol":"7","page":423},{"text":"<span id=\"aya-3122\"></span><span id=\"aya-3123\"> </span>(١٩٠) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هذا آخر القَصص السَّبع المذكورة على وجه الاختصار تسليةً لرسول الله ﷺ وتهديدًا للمكذبين به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3124\"> </span>(١٩٢) - ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إنَّ القرآنَ لَمُنزَّلٌ مِن عندِ اللهِ تعالى لمصلحةِ العالَمِين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3125\"> </span>(١٩٣) - ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾.\n﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾: أي: جبريل ﵇، فإنَّه أمين الله على وحيه.\nوقرئ ﴿نَزَلَ﴾ مشدَّدًا و﴿الرُّوحُ﴾ منصوبًا (^١)؛ أي: جعلَ اللهُ الرُّوحَ نازلًا به، والباء على القراءتَيْنِ للتَّعدية.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3126\"> </span>(١٩٤) - ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.\n﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أقحمَ القلبَ - والمعنى: عليكَ - لأنَّه محلُّ الوحيِ والتَّثبيت، وليُعْلَمَ أنَّ المنزَلَ محفوظٌ عن المخالطة والمغالطة؛ لوصوله إلى القلب بالذَّات، لا بواسطة الصَّوت وآلة السَّمع، فافهم هذا السَرَّ الدَّقيقَ.\n_________\n(^١) قرأ بها ابن عامر وحمزة وأبو بكر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٦).","vol":"7","page":424},{"text":"﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ اقتصرَ على الإنذار لعمومِه الفريقَيْن، ولأنَّه أزجرُ للسَّامعِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3127\"> </span>(١٩٥) - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.\n﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ﴾: بلغةِ العربِ، متعلِّق بـ ﴿نَزَلَ﴾ هو، ويجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: لتكونَ ممَّنْ أنْذَروا بلغة العرب، وهم هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمَّد عليهم الصلاة والسلام.\n﴿مُبِينٍ﴾ للنَّاسِ ما يحتاجون إليه مِن أمورِ دينِهم ودنياهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3128\"> </span>(١٩٦) - ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: ذِكْرُ مثبَتٌ في سائر الكتب المنزَلَةِ السَّماويَّةِ.\nوقيل: إنَّ معانيه فيها، فلا دلالة فيه على أنَّ القرآن قرآن إذا تُرْجِمَ بغير العربية.\nوالزُّبُرُ: جمع زَبُورٍ، كرُسُل ورَسُولٍ، وقد تقدَّمَ بيانُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3129\"> </span>(١٩٧) ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ على صحَّةِ القرآنِ ونبوَّةِ محمَّدٍ ﵇ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أنْ يعرفوه بنعته المذكور في كتبِهم. وهو تقريرٌ لكونه دليلًا.\nقرئ: ﴿يَكُنْ﴾ بالتَّذكير، و﴿آيَةً﴾ بالنَّصب، على أنَّها خبره، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الاسم، تقديره: أو لم يكن لهم عِلمُ علماءِ بني إسرائيل آيةً.","vol":"7","page":425},{"text":"وقرئ: ﴿تَكُنْ﴾ بالتَّأنيث و﴿آيَةً﴾ بالرَّفع (^١)، على أنهَّا اسم (كان) وخبره: ﴿لَهُمْ﴾، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل.\nوقيل في ﴿تَكُنْ﴾ ضمير القصَّة، و﴿آيَةً﴾ خبر مقدَّم والمبتدأ ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾، والجملة خبر (كان).\nوقيل: (كان) تامَّةٌ، والفاعل ﴿آيَةً﴾، و﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ بدل منها (^٢)، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: أولم يحصل لهم آيةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3130\"> </span>(١٩٨) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾.\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ كما هو زيادة في إعجازه، أو: بلغة العجم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3131\"> </span>(١٩٩) - ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لفَرْط عنادِهم واستكبارِهم، أو لعدم فهمِهم واستنكافِهم مِن اتِّباع العجم.\nو﴿الْأَعْجَمِينَ﴾: جمع أعْجَميٍّ (^٣) على التَّخفيف، كما قالوا: الأشعرون؛ أي: الأشعريُّون، بحذف ياء النِّسبة، ولولا هذا التَّقديرُ لم يَجزْ أنْ يُجمَعَ جمعَ السَّلامة؛ لأنَّ مؤنَّثه عجماء (^٤).\n_________\n(^١) قراءة ابن عامر، وباقي السبعة بالياء والنصب. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٦).\n(^٢) في (ك): \"منه \".\n(^٣) \"أعجمي \": ليست في (ك) و(م)، وفي (ف): \"عجمي \".\n(^٤) في (ف): \"لأن مؤنث عجمي عجماء\".","vol":"7","page":426},{"text":"وزيادة (كان) لإفادة معنى الاستمرار، والمرادُ استمرارُ (^١) النَّفيِ، لا نفيُ الاستمرار؛ فافهم سرَّ هذا الاعتبار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3132\"> </span>(٢٠٠) - ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾؛ أي: مثلَ ما ذكرنا مِن إدخال (^٢) التَّكذيب به على تقدير قراءة الأعجم أدخلنا التَّكذيب ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ بقراءة أفصحِ العربِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3133\"> </span>(٢٠١) - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ المرادُ به: معاينةُ العذابِ عندَ الموت، وذلك إيمان يأسٍ (^٣) فلا ينفعهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3134\"> </span>(٢٠٢) - ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ يعني: أنَّ العذاب الذي يستعجلونه يجيئهم فجأةً.\nوالبغتةُ: حصولُ الأمرِ العظيمِ الشَّأن مِن غيرِ توقُّعٍ وتقديمِ أسبابٍ.\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه.\n* * *\n_________\n(^١) \"استمرار\": ليست في (م).\n(^٢) \"من إدخال \" ليست في (ع) و(ي).\n(^٣) في (ف) و(ك): \" بأس \"، وفي (ي) و(ع): \" الباس \".","vol":"7","page":427},{"text":"<span id=\"aya-3135\"> </span>(٢٠٣) - ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾.\n﴿فَيَقُولُوا﴾ حذف النُّون منه عطفًا عَلى قوله: ﴿يَرَوُا﴾.\n﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: يَسألون النَّظِرةَ والإمهال طرفةَ عينٍ فلا يجابون إليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3136\"> </span>(٢٠٤) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾.\n﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]، وحالُهم عند حلول (^١) العذاب طلب النَّظِرة، فجيء بالهمزة للإنكارِ، والفاءُ دلالةٌ (^٢) على ترتيبه على السَّابق، إلَّا أنهَّا أُخِّرَتْ لأنَّ همزة الاستفهام لها حقُّ الصَّدارة وإنْ استعيرَتْ لمعنًى آخر.\nقال يحيى بن معاذ: أشدُّ النَّاسِ غفلةً مَن اغترَّ بحياته، والتذَّ بمراداته (^٣)، وسكن إلى مألوفاته، واللّه يقول:\n\n<span id=\"aya-3137\"></span><span id=\"aya-3138\"></span><span id=\"aya-3139\"> </span>(٢٠٥ - ٢٠٧) - ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.\n﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (^٤) مِن العذابِ ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ به في تلك السِّنين في دفع العذاب وتخفيفه.\n_________\n(^١) في (ك): \" نزول \".\n(^٢) في (ف): \"دالة\".\n(^٣) في (ك): \" بمراراته\".\n(^٤) انظر: \"تفسير السلمي\" (٢/ ٨١).","vol":"7","page":428},{"text":"وإنَّما جيء بفعل الرُّؤية والاستفهامِ ليكون في معنى أخبر إفادةً لمعنى التَّعجُّب والإنكار، وأنَّ مِن حقِّ هذه القصَّة أنْ يُخبَرَ بها كلُّ أحدٍ حتى يتعجَّب (^١).\nوزيادة (كان) في الموضعَيْن لإفادة الاستمرار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3140\"> </span>(٢٠٨) - ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا﴾ لم تدخل الواو على الجملة بعد إلَّا كما في: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ [الحجر: ٤] لأنَّ الأصل عدم الواو؛ إذ الجملة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصِّفة بالموصوف.\n﴿مُنْذِرُونَ﴾ أتى بصيغة الجمع لأنَّ ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ عامٌّ، فكأنَّه قيل: وما أهلكنا من القرى، والعدول عنه لإفادته الدِّلالة على أنَّ المراد الكلَّ الإفراديَّ، لا الكلَّ (^٢) المجموعيَّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3141\"> </span>(٢٠٩) - ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿ذِكْرَى﴾: تذكرةً، ومحلُّها النَّصب على العلَّة، أو المصدر؛ لأنها في معنى الإنذار، أو حال من الضَّمير في ﴿مُنْذِرُونَ﴾، أو الرَّفعُ على أنَّه صفة منذرين بإضمار ذَوو، وبجعلهم ذكرى لإمعانهم في التَّذكرة (^٣)، أو خبرُ مبتدأ محذوف بمعنى: هذه ذكرى.\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"لما كانت الرؤية أقوى سند الإخبار استعمل (أرأيت) بمعنى الإخبار. منه \".\n(^٢) في (ف): \"الكلي الإفرادي لا الكلي\".\n(^٣) في (ف): \"التذكر\".","vol":"7","page":429},{"text":"والجملة اعتراضية، فلا يجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ متعلِّقةً بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ مفعولًا لَه؛ لأنَّ مذهب الجمهور أنَّ ما بعد إلَّا لا يعمل فيما قبلَها، إلَّا أن يكون مستثنًى أو مستثنًى منه، أو تابعًا له غير معتمِد على الأداة.\n﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: ليس مِن شأننا الظُّلم فنعذِّبَ فيها غير مستحقِّين له.\nولَمَّا قال المشركون: إنَّ الشَّياطين تلقي القراَنَ على محمَّد ﵊ نزل:\n\n<span id=\"aya-3142\"> </span>(٢١٠) - ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾.\n﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ وإنَّما أتى بصيغة التَّكلُّف والجمعِ لأنَّه على تقدير وقوع المنفيِّ لا يكون إلَّا بزيادة كُلْفَةٍ ومشقَّةٍ مِن جماعةٍ منهم على ما بُيِّنَ عند تفصيل كيفيَّة استراق السَّمع.\nردٌّ لِما زَعَمَ المشركون أنَّه مِن قَبيل ما يُلقي الشَّياطينُ على الكهنةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3143\"> </span>(٢١١) - ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾.\n﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أن ينزِلوا به ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. نفى أوَّلًا الوقوع، ثمَّ اللِّياقة، ثمَّ القدرة، ثمَّ بيَّنَ علَّة عدم القدرة بقوله:\n\n<span id=\"aya-3144\"> </span>(٢١٢) - ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.\n﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ لكلامِ الملائكةِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾: لمنحَّونَ.\nوالعَزْلُ: تنحية الشَّيء عن الموضع (^١) إلى خلافه.\n_________\n(^١) في (ع): \"الموضوع\".","vol":"7","page":430},{"text":"وسبب ذلك ما ذُكِرَ في سورة الجنِّ من كونهم مَرْجومينَ بالشُّهبِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3145\"> </span>(٢١٣) - ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾.\n﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ إنَّما نهى النَّبيَّ ﵇ عن الشِّركِ في العبادة مع عدم الحاجة إليه في حقِّه تمهيدًا لبيان ترتُّب العذابِ عليه على وجهٍ لا يتخلَّفُ عنه أصلًا، حيث لا يتخلَّف عنه في حقِّ (^١) خيرِ الخلقِ، فكيف في حقِّ غيره؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-3146\"> </span>(٢١٤) - ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.\n﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خصَّهم لنفي التُّهمة؛ إذ الإنسان يُساهِلُ قرابَته، وليَعلموا أنَّه لا يغني عنهم مِن الله شيئًا؛ فإنَّ النَّجاةَ في اتِّباعه دون قربه.\nوالعشيرة تنتظِم الفخذَ فما فوقَها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3147\"> </span>(٢١٥) - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: وألِنْ (^٢) جانِبَكَ وتواضَعْ، مستعارٌ مِن خفضِ الطَّائر جناحَه إذا أرادَ أنْ ينحطَّ.\n﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: مِن عشيرتِكَ وغيرهم، ولإفادة هذا التَّعميم ذكر قولَه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وإلَّا فالإيمان واتِّباعه ﵊ توأمان.\n_________\n(^١) في (ف): \"عن حق\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"وألق\".","vol":"7","page":431},{"text":"<span id=\"aya-3148\"> </span>(٢١٦) - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ مرتبطٌ بقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، وكان أصلُ الكلامِ: أنذرْ أقرباءَكَ فإنِ اتَّبعوك وأطاعوك فاخفضْ لهم جناحَك وإنْ عصَوْكَ (^١) ولم يتَّبعوكَ فتبرَّأْ مِن أعمالهم، إلَّا أنَّه غيَّرَ التَّعبير في أحدِ الشِّقَّينِ تنزيلًا للمُقَدَّرِ منزلةَ المُحَقَّقِ في الجانب الغالب، وعمَّمَ حكمَه تنبيهًا على أنَّ حكم الإنذار أصلُه غيرُ مخصوصٍ، إنَّما (^٢) الاختصاص بأقربائه ﵇ في صفة تقديمه، وخصَّ حكم شقِّ العصيان بهم ليظهرَ ذلك الحكم في حقِّ غيرِهم بطريقِ الأَولى.\n﴿فَقُلْ﴾ لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾ لَمَّا كانَ الحكمُ في صورة الاتِّباع وجوديًّا، وفي صورة خلافه عدميًّا، أمرَ بنفسِ الحكم في الأولى، وبالإظهار قولًا في الثَّانية، وهذا مِن دقائق الاعتبار، قلَّما يتنبَّه له إلَّا ذوو الاختبارِ (^٣).\n﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ممَّا تعملونه، أو: مِن أعمالِكم.\nأمرَ بالبراءة مِن عملِهم لا منهم؛ إشعارًا بانَّهم لا يُترَكون بإظهار العصيانِ، بل يُدعَون إلى الإطاعة مرَّةً بعدَ أخرى باللُّطف، إلى أنْ نزلَ الأمرُ بالعنفِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3149\"> </span>(٢١٧) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.\n﴿وَتَوَكَّلْ﴾ التَّوكُّلُ: تفويضُ الأمرِ إلى مَن يملكُه. وقرئ: ﴿فَتَوَكَّلْ﴾ (^٤) على الإبدال من جواب الشرط.\n_________\n(^١) في (م): \"عصوا\".\n(^٢) في (م): \"وإنما\".\n(^٣) في (ك) و(م): \" الاختيار\".\n(^٤) قرأ به نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٧).","vol":"7","page":432},{"text":"﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾: على الذي يقهَرُ أعداءَك بعزَّتِه، وينصرُكَ عليهم برحمَتِهِ، يَكفِكَ شرَّ مَن يعصيْكَ منهم ومن غيرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3150\"> </span>(٢١٨) - ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾.\n﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ الرُّؤيةُ: علمٌ خاصٌّ بنوع مِن المحسوسِ غيرُ متوقِّف على النَّظر، بل قد يحصل بطريقٍ آخر، فلذلك زاد موسى ﵇ قوله: ﴿أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] حين طلب الرُّؤيةَ المعهودة.\n﴿حِينَ تَقُومُ﴾ متهجِّدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3151\"> </span>(٢١٩) - ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾.\n﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾؛ أي: ويرى تقلُّبَكَ ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: في المصلِّين.\nأتبعَ كونَه رحيمًا على رسولِه ما هو مِن أسبابِ الرَّحمةِ، وهو ذكرُ ما كان يفعلُه في جوفِ اللَّيل مِن قيامِه للتَهجُّدِ، وتردُّدِه في تصفُّح أحوال المتهجِّدين مِن أصحابه ﵃ ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون، ويعلم أنَّهم كيفَ يعبدون اللّه في خلواتِهم.\nوقيل: تصرُّفه فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود إذا أمَّهم، ولا يخفى ما في التعبير عن أركان صلواته ﵊ حال إمامته بالتقلب في الساجدين مما يخلُّ بشأنها، ثم إن المناسب عطفه على ﴿تَقُومُ﴾، والعدول عن سننه لكونه جنسًا، وهو على ما قررناه.","vol":"7","page":433},{"text":"<span id=\"aya-3152\"> </span>(٢٢٠) - ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ لِمَا تقولُه وتعمَلُه (^١). هوَّن عليه معاناةَ مشاقِّ ما تحمَّلَه مِن التَهجُّدِ والتَّفقُّد حيث أخبرَ برؤيته له؛ إذْ لا مشقَّةَ على مَن يعلَمُ أنَّه يعملُ بمرأًى مِن مولاه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3153\"> </span>(٢٢١) - ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾.\n﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ إنَّما قال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لأنَّه أكثر ما يكون في الهواء، وأنَّه تمر مَرَّ (^٢) الرِّيحِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3154\"> </span>(٢٢٢) - ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾.\n﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾: على كلِّ مَن بلغَ في الإفكِ والإثمِ الغايةَ.\nلَمَّا بَيَّنَ أنَّ القرآنَ لا يصحُّ أنْ يكون ممَّا تنزَّلُ به الشَّياطينُ أكَّدَ ذلك بأنْ بيَّنَ أنَّ محمَّدًا ﵊ لا يصلحُ لأنْ ينزلوا عليه بوجهَيْن (^٣):\nأحدهما: أنَّه إنَّما يكون على شرِّيرٍ كذَّابٍ كثيرِ الإثم وهم الكهَنة والمتنبِّئة، ومحمَّد ﵇ يشتمُ الأفَّاكين ويذمُّهم، فكيف تنزلُ الشَّياطينُ عليه؟! وإنَّما زادَ كلمة ﴿كُلِّ﴾ اعتبارًا لِمَا في ﴿مَنْ﴾ مِن معنى العموم، وإلَّا فلا حاجةَ إليه في أصل الكلام.\n_________\n(^١) في (ع): \"ولعلمه\".\n(^٢) في (ع): \"من\".\n(^٣) في (ف): \"لوجهين\".","vol":"7","page":434},{"text":"<span id=\"aya-3155\"> </span>(٢٢٣) - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾.\nوثانيهِما: ما ذكرَه بقوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي: الأفَّاكون يلقونَ السَّمعَ إلى الشَّياطين، فيتلقَّون منهم ظنونًا وأماراتٍ لنُقصان علمِهم، فيضمُّون إليها على حسب تخيُّلاتهم أشياءَ لا تُطابق أكثرَها، كما جاء في الحديث: \"الكلمة يَخطَفُها (^١) الجنِّيُّ، فيقُرُّها (^٢) في أذن وليِّه، فيزيد فيها أكثرَ مِن مئةِ كَذْبَةٍ\" (^٣).\nولا كذلك محمَّدٌ ﵊، فإنَّه أخبرَ عن مغيَّباتٍ كثيرةٍ لا تُحصَى، وقد طابق كلُّها.\nو﴿يُلْقُونَ﴾ حالٌ؛ أي: تنزِلُ مُلقينَ السَّمع، أو صفةُ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ لأنَّه في معنى الجمع، فيكون في محل الجرِّ، أو استئناف فلا يكون له محلٌّ من الإعراب، كأنَّه قيل: لِمَ تنزلُ على الأفَّاكين؟ فقيل: لأَنَّهم يفعلون كيْتَ وكيْتَ.\n﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثرُ الأفَّاكين ﴿كَاذِبُونَ﴾: يفترون على الشَّياطين ما يُوحون إليهم.\nواختصاصُ هذا النَّوع مِن الكذبِ بأكثرهم لا ينافي تناولَ جنس الكذبِ كلَّهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3156\"> </span>(٢٢٤) - ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.\n﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ وأتباعُ محمَّد ﵊ ليسوا كذلك، وهو استئنافٌ أبطلَ كونَه شاعرًا.\n_________\n(^١) في (ي) و(ع) و(م): \"يحفظها\".\n(^٢) في (ي) و(ع): \"فيقرؤها\"، وفي (م): \"فيقرعها\".\n(^٣) روى نحوه البخاري (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨)، من حديث عائشة ﵂. قوله: \"يخطفها\" من الخطف وهو الأخذ بسرعة \"فيَقُرُّها\": يصبها. \"وليه\"؛ أي: الكاهن الذي يواليه.","vol":"7","page":435},{"text":"<span id=\"aya-3157\"> </span>(٢٢٥) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ تمثيلٌ لذهابهم في كلِّ شِعْب مِن القَولِ، واعتسافِهم، وقلَّةِ مبالاتهم، بالغُلُوِّ في المنطقِ (^١)، ومجاور الحدِّ في القصدِ، حتى إنهم يفضِّلون (^٢) أجبنَ النَّاسِ على عنترة، وأشحَّهم على حاتم، وبَهَتوا البريءَ، وفسَّقوا التَّقيَّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3158\"> </span>(٢٢٦) - ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ وذلك لغلوِّهم في أفانين الكلام، ولَهجهم بالفصاحة والمعاني اللَّطيفة، وقد ينسبون لأنفسهم ما لا يقع منهم.\nلَمَّا كان إعجازُ القرآن مِن جهة المعنى واللَّفظ، وقد قدحوا في المعنى بأنَّه ممَّا تنزَّلُ (^٣) به الشَّياطين، وفي اللَّفظ بأنَّه مِن جنسِ كلام الشُّعراء = تكلَّمَ في القِسْمَيْنِ، وبيَّنَ منافاةَ القرآنِ لهما، ومضادَّة حالِ الرَّسول ﵇ بحالِ أربابهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3159\"> </span>(٢٢٧) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناءٌ للشُّعراءِ (^٤) مِن المؤمنين الصَّالحين؛\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \" النطق \"، وفي (م): \" بالغوا \"، بدل: \" بالغلو\".\n(^٢) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): \"يفضلوا\".\n(^٣) في (ف): \"تنزله \".\n(^٤) في (ك) و(م): \"استثناء الشعراء\"، وفي (ف): \"استثنى الشعراء\".","vol":"7","page":436},{"text":"كعبد اللّه بن رواحة، وحسَّان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك.\n﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: كان ذكرُ اللّهِ وتلاوةُ القرآنِ أغلبَ عليهم مِن الشِّعرِ، وإذا قالوا شعرا قالوه في التَّوحيد باللّه تعالى والثَّناء عليه.\n﴿وَانْتَصَرُوا﴾: وهَجَوا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: هُجُوا (^١)؛ أي: رَدُّوا هجاءَ مَن هجا رسول اللّه ﷺ والمسلمين.\n﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تهديدٌ شديدٌ؛ لِمَا في ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾ مِن الوعيدِ البليغِ، وفي ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِن الإطلاق والتَّعميم، وفي: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ - أي: بعدَ الموت - من الإبهام والتَّهويل.\nوقرئ: (أيَّ منفلَتٍ ينفلتون) بالفاء والتَّاء (^٢)، ومآلُ المعنى واحدٌ، ذكره الثعلبي (^٣).\nختم السُّورة بما يقطِّع أكبادَ المتكبِّرين (^٤) المنذَرين (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) \"هجوا\" سقط من (ف) و(ع).\n(^٢) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٨).\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي \" (٧/ ١٨٧).\n(^٤) في (ك) و(م): \" المنكرين \".\n(^٥) في (ي) و(ع): \" المتدبرين \".","vol":"7","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-91>سُورَةُ النَّمْلِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3160\"> </span>(١) - ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿طس تِلْكَ﴾ إشارةٌ إلى السُّورة.\n﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ عطفَه على ﴿الْقُرْآنِ﴾ كعطفِ إحدى الصِّفتَيْن على الأخرى، وتنكيرُه للتَّعظيم.\nوإبانته: أنَّه يبيِّنُ (^١) ما أُوْدِعَ فيه مِن الحِكَمِ والأحكام، أو الصحَّة (^٢) بإعجازِه.\nوإنَّما عرَّف القرآن ونكَّر الكتاب على عكس ما في (سورة الحجر) لأنَّهما اسمان علَمان للمنزَّلِ على نبيِّنا ﵊، ووصفان له باعتبار معناهما الأصليَّين، فأيُّهما جُعِلَ أصلًا والآخر صفةً صحَّ.\nو﴿وَكِتَابٍ﴾ قرئ بالرَّفع (^٣) على حذف المضاف وإقامةِ المضاف إليه مقامَه، على معنى: وآياتُ كتابٍ مبين.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"تبيين\" بدل \"أنه يبين \".\n(^٢) في (ع): \"لصحة\"، وفي (ي): \"لصحته \".\n(^٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٤٨).","vol":"7","page":441},{"text":"<span id=\"aya-3161\"> </span>(٢) - ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿هُدًى﴾ للبشر ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حالان من الآيات، والعامل فيها معنى الإشارة، أو بدَلان منها، أو من ﴿وَكِتَابٍ﴾، أو صفةٌ له، أو خبران آخران، أو خبران (^١) لمحذوف؛ أي: هي هدى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3162\"> </span>(٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة البقرة.\n﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ مِن تتمَّة الصِّلة، والواو للحال أو للعطف.\nوتغيير النَّظم للدِّلالة على قوَّة يقينهم وثباتهم، وأنَّهم الأوحديُّون فيه، أو استئناف كأنَّه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون (^٢) بالآخرة، ويدلُّ عليه أنَّه عقد جملة اسمية وكرَّر فيها المبتدأ حتى صارَ معناها: وما يوقن بالآخرة حقَّ الإيقان إلَّا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح (^٣)؛ لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمُّل المشاقِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3163\"> </span>(٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ القبيحةَ بخلق الشَّهوة فيهم، حتى رأوا ذلك حسنًا كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقد\n_________\n(^١) \"آخران أو خبران\" سقطت من (ف) و(ك)، وسقطت \"آخران\" من (ع).\n(^٢) في (ف): \" المؤمنون \".\n(^٣) في (م): \" الصالحات \".","vol":"7","page":442},{"text":"مرَّ البحث مستوفًى في إسناد التَّزيين إليه تعالى في تفسير سورة البقرة (^١).\n﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتحيَّرون ويتردَّدون في ضلالتهم، كما يكون حال الضَّالِّ عن ا لطَّريقِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3164\"> </span>(٥) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ لم يؤمنوا ﴿لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ بما كان منهم (^٢) مِن سُوءِ الأعمال.\n﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: أشدُّ النَّاس خسرانًا لفواتِ التَّوبةِ واستحقاقِ العقوبةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3165\"> </span>(٦) - ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾.\n﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ أي: يُلقَى عليك بشدَّةٍ.\n﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾: مصيبٍ في أقوالِه وأفعالِه ﴿عَلِيمٍ﴾ بكلِّ شيءٍ وأحوالِه، فليس الأوَّل منهما مشتملًا على الآخر حتى يكون حقُّه التَّأخير، والتَّنكيرُ فيهما للتَّعظيم.\nوهذه (^٣) الآيةٌ تمهيدٌ لِمَا يريدُ أنْ بعدها مِن القَصص، وما ذلك مِن لطائفِ حكمتِه ودقائقِ علمِه.\n* * *\n_________\n(^١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢].\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"لهم \".\n(^٣) في (ك) و(م): \"وفي هذه \"، وفي (ف): \"ومن هذه \".","vol":"7","page":443},{"text":"<span id=\"aya-3166\"> </span>(٧) - ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ مُوسَى﴾ أي: اذكر قصَّة إذ قال موسى، وقيل: متعلِّق بـ ﴿عَلِيمٍ﴾.\n﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ الإيناسُ: الإحساسُ بالشَّيءِ مع سُكونِ النَّفسِ إليه.\n﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾؛ أي: عن حال الطَّريق؛ لأَنَّه قد ضلَّها.\nروي أنَّه لم يكن معه غير امرأته، وإنَّما وَرَدَ (^١) الخطاب بلفظ الجمع لكنايته عنها بالأهل؛ إقامةً لها مقامَ الجماعة في الأُنْسِ بها والسُّكون إليها في الأمكنةِ الموحشةِ.\nوالسِّين للتَّقريبِ، وتقليلِ مدَّة الوعد؛ كيلا تَستَوحِشَ (^٢)، وفي التَّعبير بالإيناس دون الإبصار نوعُ تمهيدٍ لهذا.\n﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: القطعة من النَّار، والشِّهابُ: ما يمتدُّ منها، وإضافته إليه لأنَّه يكون قبسًا وغير قبسٍ.\nوقرئ منونًا (^٣) على أنَّ القَبَسَ بدلٌ منه، أو وصفٌ له؛ لأنَّه بمعنى المقبوس.\nوالعِدَتان على سبيل الظَّنِّ، ولذلك عبَّرَ بصيغة التَّرجِّي في موضع آخر، والتَّرديدُ لبيانِ عدم الخلوِّ بناءً على العادة، فلا ينافي الجمع (^٤)، وبيانِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما أمرٌ مهمٌّ باعثٌ للسَّعي في تحصيله.\n_________\n(^١) في (ف): \" أورد\".\n(^٢) في (ي) و(ع) و(م) زيادة: \"أهلها \".\n(^٣) قرأ الكوفيون: ﴿بِشِهَابٍ﴾ بالتنوين، وباقي السبعة بغير تنوين. انظر: \" التيسير\" (ص: ١٦٧).\n(^٤) في (ف): \"الجميع \".","vol":"7","page":444},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ رجاءَ أن تستغيثوا بها مِن البرد، والطَّاء بدل من (^١) التَّاء الافتعاليَّة لأجل الصَّاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3167\"> </span>(٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾؛ أي: النَّار التي أبصرَها.\n﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مخفَّفةٌ مِن الثَّقيلةِ، تقديرُه (^٢): بأنَّه بُورِكَ، والضَّميرُ ضميرُ الشَّأنِ، وجاز ذلك مِن غير عوضٍ لأنَّ قولَه: ﴿بُورِكَ﴾ دعاءٌ، والدُّعاء (^٣) يخالف غيره في أحكامٍ كثيرةٍ.\nأو مفسِّرةٌ؛ لأنَّ في النِّداء معنى القول.\n﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: جعل البركة والخير قسمَيْن (^٤): في مكان النَّار وهم الملائكة، ومَن حولَ مكانِها؛ أي: موسى ﵇ بحدوثِ أمرٍ دينيٍّ.\nوفي تصدير الخطاب بذلك بشارةٌ بأنَّه قد قُضِيَ له أمرٌ عظيمٌ تنتشرُ (^٥) بركته في أقطار الشَّام.\n﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومِن تمامِ ما نُوديَ به؛ لئلَّا يتوهَّم مِن سماع كلامه\n_________\n(^١) في (م): \"عن \".\n(^٢) في (ف): \"وتقديره\".\n(^٣) \"والدعاء\" سقط من (ف).\n(^٤) في (ي) و(ع): \"فيمن \".\n(^٥) في (ك): \"تنشر\".","vol":"7","page":445},{"text":"تشبيهًا، أو للتَّعجيب (^١) مِن ذلك الأمرِ، أو تعجُّبٌ مِن موسى ﵇ لِمَا دهاه (^٢) مِن عظمتِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3168\"> </span>(٩) - ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ الهاء للشَّأن، و﴿أَنَا اللَّهُ﴾ جملةٌ مفسِّرة له، أو للمتكلِّم (^٣) و﴿أَنَا﴾ خبره، و﴿اللَّهُ﴾ بيانٌ له.\n﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان للهِ ممهِّدتان لِمَا أراد أنْ يُظهِرَ على يده من المعجزة لمصلحةِ إثباتِ النُّبوَّةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3169\"> </span>(١٠) - ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.\n﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطفٌ على محذوفٍ، تقديرُه يُفهَم مِن التَّفصيل المذكور في سورة طه، لا على ﴿بُورِكَ﴾؛ لأنَّ الفصل بينهما بتجديد النِّداء في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ يأباه.\n﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ حالٌ من المفعول، والاهتزازُ: تحرُّكٌ بحركتَيْنِ متدافِعَتَيْنِ.\n﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ أي: حيَّةٌ سريعةُ الحركةِ.\n﴿وَلَّى﴾ وموسى ﵇ ﴿مُدْبِرًا﴾: أعرضَ عنها، وجعلها تلي ظهرَه خوفًا منها بمقتضى البشريَّة.\n_________\n(^١) في (ف) و(ع): \"للتعجب \".\n(^٢) في (م): \"رآه \".\n(^٣) أي: للمتكلم المنادي له، فالتقدير: إنّ المنادي المتكلم أنا. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٣٥).","vol":"7","page":446},{"text":"﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾: لم يرجع، يقال: قد عقَّبَ فلانٌ: إذا رجعَ، يقاتل بعدَ أن ولَّى.\nفنُودِيَ: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ﴾؛ أي: مِن غيري (^١) ثقةً بي (^٢)، وحُذف المفعول لظهوره، أو مطلقًا على تنزيل المتعدِّي منزلةَ اللَّازم.\n﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: لا ينبغي لهم أن يخافوا حالَ تقريبي إيَّاهم بالخطاب، وفيه إشارة إلى أنَّ تلك الحالة كانت مقدِّمة للرَّسالة (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3170\"> </span>(١١) - ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استثناءٌ منقطعٌ، استدرك به ما يختلج في الصَّدر (^٤) مِن نفي الخوف عن كلِّهم، ومنهم مَن فَرَطتْ منه صغيرة، فإنَّهم وإنْ فعلوها أَتبعوا فعلها ما يُبطلها (^٥)، ويستحقُّون مِن اللهِ مغفرةً ورحمةً.\nولم يقصدْ به تعريضَ موسى ﵇ بوكزِه القِبطيَّ؛ لأنَّه ﵇ لم يكن وقتئِذٍ (^٦) مرسلًا.\nوقيل: متَّصل، و﴿ثُمَّ بَدَّلَ﴾ مستأنَفٌ معطوفٌ على محذوفٍ؛ أي: ومَن ظلم ثمَّ\n_________\n(^١) في (ك): \"أي: غيري \"، وفي (ف): \"أي غير\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(ع): \"لي \".\n(^٣) في (م): \"متقدمة للرسالة\"، وفي (ك): \"متقدمة الرسالة\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"الصدور\".\n(^٥) في (ك): \"فعلهم ما يبطلها\"، وفي (ف) و(م): \"فعلهم ما يبطلون\".\n(^٦) في (ع): \"وحينئذ\".","vol":"7","page":447},{"text":"بدَّل حُسنًا؛ أي: أتى بالتَّوبة بعد سُوءٍ متبدِّلًا (^١) له بالحسن؛ أي: كان ذلك منه سببًا بتبديل السَّيئة بالحسنة.\nوفي التَّعبيرِ عنها (^٢) بالحُسْنِ مبالغةٌ في حسنها؛ لبعدِها مِن مَظنَّة شَوبِ الرِّياء والشَرك، فإنَّ العَمَلَ قلَّما يخلو عنه (^٣)، وهذا البَدَلُ لَمَّا لم يحصلْ بالعمَلِ خلَصَ عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3171\"> </span>(١٢) - ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\n﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ إنَّما قالَ: ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ لأنَّه كان عليه مَدْرَعَةُ صوفٍ لا كُمَّ له.\n﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ فيه جمعٌ (^٤) بينَ أمرَي التَّكليفِ والتَّكوينِ.\n﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: قبحٍ، لَمَّا كانَ خروج الشَّيء مِن خِلقتِهِ وجوهرِهِ ممَّا (^٥) يُستقبَحُ ويُستقذَرُ أخبرَ أنَّه لم يكنْ كذلكَ.\nوأمَّا احتمالُ البَرَصِ فبِمَعزلٍ عن هذا المقامِ، مثلُ ذلك لا يخطرُ بالبالِ في أمثال (^٦) هذه الآيات العِظام حتى يُحتاجَ إلى دَفعِهِ (^٧).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"مبدلًا\".\n(^٢) في (ع): \"عنه \"، وفي (ف) و(ك): \"هنا\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"العمل لا يخلو منه \".\n(^٤) في (م) زيادة: \" قلما\".\n(^٥) في (ف) و(م): \"بما\".\n(^٦) في (ك): \"مثل \".\n(^٧) في (ع): \"رفعه \".","vol":"7","page":448},{"text":"﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: آيةً في تسعِ آياتٍ، وهي: العصا واليد والطُّوفان والجراد والقُمَّلَ والضَّفادع والدَّم والطَّمسة والجدب ونقصان الزَّرع (^١).\nوأمَّا الفَلْقَ فليس منها؛ لأنَّه ﵇ لم يُبعَثْ به.\n﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ أي: مرسلًا.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ للإرسالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3172\"> </span>(١٣) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾ لم يقل: جاءَهم موسى ﵇ بها؛ لأَنَّها كانت خارجةً عن حيِّزِ طاقته، وفي بعضها لم يكن منه ﵇ تصرُّفٌ عاديٌّ.\n﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: ظاهرةً بيِّنةً، جُعِلَتْ كأنَّها تُبْصِرُ فتَهدي؛ لأنَّ العُمْيَ لا تقدرُ على الاهتداء، فضلًا عن أن تَهديَ غيرها (^٢)، ومنه قولهم: كلمةٌ عَيناءُ، وكلمة عوراءُ؛ لأنَّ الكلمةَ الحسنةَ تُرشِدُ، والكلمةَ العوراءَ تُغوي، فهو مِن قَبيلِ الاستعارة المَكْنيَّة، وهي أبلغُ مِن المجازِ.\n﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: واضح سحريَّته، قُوبل بين المبصرة والمبين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3173\"> </span>(١٤) - ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ يُقالُ: جَحَدَ حقَّه وبحقِّه بمعنًى، ذكره في \"الدِّيوان\" (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"المزراع\"، وفي (ي): \"المزارع منه\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"غيره\".\n(^٣) انظر: \"تفسير النسفي \" (٢/ ٥٩٤)، ويظهر من كلام النسفي أن \"الديوان\" اسم كتاب، ولم أعرفه.","vol":"7","page":449},{"text":"والجحودُ: هو الإنكارُ للشَّيءِ للجهلِ به، وقد يكونُ بعدَ المعرفة تعنُّتًا.\nوالو أو في: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ للحال، و(قد) بعدها مضمَرةٌ، والاستيقانُ أبلغُ مِن ا لإيقانِ.\n﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: جَحدوها بألسنتهم، وقد استيقنوها بقلوبهم. وفي التَّعبير بـ ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ عن قلوبهم تنزيلٌ (^١) لآلةِ الإقرار منزلةَ الترجمان.\n﴿ظُلْمًا﴾ لأنفسهم ﴿وَعُلُوًّا﴾: ترفُّعًا عن الإيمان، وانتصابهما على العلِّيَّة من (جحدوا).\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وهو الإغراق والإحراق في الدَّارَيْنِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3174\"> </span>(١٥) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ طائفةً مِن العلمِ، وهو علمُ الحُكْمِ والشَّرائع، أو: علمًا أيَّ علمٍ.\n﴿وَقَالَا﴾ الواو فصيحةٌ، تُفصح عن محذوفٍ تقديرُه: ففعَلا (^٢) شكرًا لله تعالى ما فَعلا ممَّا لا يفي ببيانه (^٣) العبارة، وقالا:\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أرادَ بالكثيرِ (^٤) المفضلِ عليه مَن لم\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"تنزيلًا\".\n(^٢) في (م): \"فعلا\".\n(^٣) في (ف): \"بيانه \".\n(^٤) في (ي) و(ع): \"بالتكثير\".","vol":"7","page":450},{"text":"يؤْتَ مثلَ علمها، دلَّ على ذلك تقييدُهم بالإيمان، فإنَّ المؤمن لا يخلو عن علمٍ، وفيه إخراجٌ للكفَّار عن حيِّزِ الاعتبار، وتعظيمٌ لنعمة التَّفضيل بتوصيف المفضَّل عليه بوصفٍ جليل، ودليل على فضلِ العلمِ وشرفِ أهلِه، حيثُ شَكرَا على العلمِ وجعلاه أساسَ الفضلِ، ولم يعتبرا دونه ممَّا (^١) أُوتِيا مِن الملك الذي لم يؤتَ غيرَهما، وتحريضٌ للعالِمِ على أنْ يحمدَ اللهَ تعالى على ما أتاه مِن فضلِهِ، وأنْ يتواضَعَ ويعتقدَ أنَّه وإنْ فُضِّلَ على كثيرٍ فقد فُضِّلَ عليه كثيرٌ، أو تساويا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3175\"> </span>(١٦) - ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ النُّبوَّةَ والملكَ، بأنْ قامَ مقامَه في ذلك بعدَ موتِه (^٢)، ولهذا قال: ﴿وَوَرِثَ﴾ فإنَّ حقيقةَ الميراثِ: انتقالُ التَّركةِ مِن مِلْكٍ إلى مِلْكٍ.\nوالتركةُ: ما بقيَ بعدَ الموتِ، واستُعير هاهنا لِما ذكر.\nوأمَّا العلم (^٣) فقد شاركَ أباه فيه، بل ترجَّح (^٤) عليه حالَ حياته على ما أفصحَ عنه قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (^٥) [الأنبياء: ٧٩].\n﴿وَقَالَ﴾ تشهيرًا لنعمة الله تعالى، واعترافًا بمكانها، ودعاة للنَّاس بذكرِ المعجزةِ التي هي عِلْمُ منطقِ الطَّير وغير ذلك مِن عظائمِ ما أوتيه.\n_________\n(^١) في (ك): \"ما\".\n(^٢) \"بعد موته\" سقط من (ك).\n(^٣) في (م): \"ذكروا من العلم\" بدل \"ذكر. وأما العلم \".\n(^٤) في (ف): \"يترجح\".\n(^٥) \"سليمان\": ليست في (ك) و(م) و(ي) و(ع).","vol":"7","page":451},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ النُّطقُ والمَنْطِقُ في المتعارَف: الأصواتُ المقطعة التي يُظْهِرُها اللِّسانُ وتَعيها الآذانُ، ولا يُقالُ لغير الإنسان إلَّا على سبيلِ التَّبعِ؛ نحو: النَّاطق والصَّامت، لِمَا له صوتٌ ولما لا صوتَ له.\n﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ المرادُ به: كثرةُ ما أوتي، كما يُقال: فلانٌ يعلمُ كلَّ شيءٍ، ويعضدُه كلُّ أحدٍ.\nوالضَّمير في ﴿عُلِّمْنَا﴾ و﴿وَأُوتِينَا﴾ له ولأبيه، أو له وحدَه، وهذه النُّونُ نونُ الواحدِ المُطاعِ، فكانَ مَلِكًا مُطاعًا يكلِّم (^١) أهلَ طاعته (^٢) على صفته وحاله التي كان عليها.\n﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ قولٌ واردٌ على سبيلِ الشُّكرِ، كقوله ﵇: \"أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ ولا فخرَ\" (^٣)؛ أي: أقولُ هذا القولَ شكرًا ولا أقولُه (^٤) فخرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3176\"> </span>(١٧) - ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\n﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: جُمِعَ مِن جهاتٍ مختلفةٍ.\n﴿جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ قدَّم الجنَّ على الإنس لأنَّ مقامَ التَّسخيرِ لا يخلو مِن نوعِ تحقيرٍ (^٥).\n_________\n(^١) في (ع) و(ك) و(م): \"فكلم \"، وفي (ي): \"فكلمه \"، والمثبت من (ف).\n(^٢) في (ف) و(ك) زيادة: \"على إطاعته \".\n(^٣) رواه الترمذي (٣٦١٥) وصححه من حديث أبي سعيد ﵁، وهو في \"صحيح البخاري\" (٤٧١٢)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢٧٨)، من حديث أبي هريرة ﵁ دون قوله: \"ولا فخر\".\n(^٤) في (ك): \" أقول \".\n(^٥) كذا قال، وقد تعقبه الشهاب الخفاجي والآلوسي بالقول: (ليس بشيء؛ لأنّ التسخير للأنبياء =","vol":"7","page":452},{"text":"﴿وَالطَّيْرِ﴾ لو كان فيها جنسٌ آخر لذكره هنا.\n﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُمْنَعون عن التَّفرُّقِ والانتشار حتى يجتمعوا في مسيرهم، وذلك أحسنُ في الهيئةِ وأهيبُ في الرُّؤيةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3177\"> </span>(١٨) - ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾ ضمَّنَ ﴿يُوزَعُونَ﴾ معنى فعلٍ يصلحُ أن تكون (حتى) غايةً له؛ أي: فهُم يسيرون لُفُوفًا (^١)، لا يفارق بعضهم بعضًا.\n﴿عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ هو وادٍ بالشَّام كثيرُ النَّمل، وعُدِّي ﴿أَتَوْا﴾ بـ ﴿عَلَى﴾ إمَّا لأنَّ إتيانهم كان مِن فوق، أو لأنَّه أريد معنى قطع الوادي وبلوغِ آخره.\n_________\n= عليهم الصلاة والسلام شرف؛ لأنَّه في الحقيقة لله الذي سخر كل شيء). قلت: وقد ذكر الآلوسي ﵀ من الحكمة في ذلك ما هو أنسب بالمقام وأقرب إلى الأفهام فقال: (وتقديم الجن للمسارعة إلى الإيذان بكمال قوة ملكه ﵇ وعزة سلطانه من أول الأمر؛ لِمَا أن الجن طائفة عاتية وقبيلة طاغية ماردة بعيدة من الحشر والتسخير. ولم يقدم الطير على الإنس مع أن تسخيرها أشق أيضًا وأدلُّ على قوة الملك وعزة السلطان لئلا يُفصل بين الجن والإنس المتقابلين والمشتركين في كثير من الأحكام). وما أحسن هذا الكلام، وقد دار بخلدي قبل أن أراه عند الآلوسي، فكفاني اللّه به مؤونة التعبير عنه.\n(^١) في النسخ: \"ملفوفًا\"، وفي هامش (م): \"لعلها لفوفًا\". قلت: وهي الصواب، واللُّفوف: جمع لِفٍّ بكسر اللام، وهو القوم المجتمعون، والصنف من الناس، والحزب. انظر: \"القاموس\" (مادة: لفف).","vol":"7","page":453},{"text":"﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ تاؤها للوحدة، وهي في حكم المؤنَّث اللَّفظي، جاز أن يعامل معاملته، كتمرٍ وتمرة، فلا دلالة فيه على كونه أنثى.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ لم يقلْ: (ادخلْنَ) لأنَّه جعلها قائلة والنَّمل مَقولًا لهم، كما يكون في أولي العقل، فأجرى خطابَهم مجرى خطابِهم.\n﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ هو الحَطْمُ: الكَسْرُ.\n﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ نهى سليمانَ ﵇ عن الحَطْمِ، والمرادُ نهيُها عن التَّوقُّف بحيث يحطمونها، كقولهم: لا أرينَّك هاهنا، فهذا استئنافٌ، أو بدلٌ مِن الأمرِ، لا جوابٌ له فإنَّ النُّونَ لا تدخله في السَّعة.\n﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم يحطمونكم، إذْ لو شعروا لم يفعلوا.\nقالَتِ النَّملةُ ذلك على وجهِ العُذْرِ ووَصْفِ سليمانَ وجنودِه بالعدلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3178\"> </span>(١٩) - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿فَتَبَسَّمَ﴾ والفاء فصيحة، تُفْصِحُ عن محذوفٍ، تقديرُه: سمِعَ سليمانُ كلامَها فتبسَّمَ.\n﴿ضَاحِكًا﴾ شارعًا في الضَّحكِ، آخذًا فيه.\n﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ متعجِّبًا مِن حذرِها وتحذيرِها واهتدائِها لمصالحها ونصيحتها للنَّمل، أو فرحًا لظهور عدله.\nوإنَّما قال: ﴿ضَاحِكًا﴾ لأنَّ التَّبسُّم قد يكون مِن غضبٍ، وقد يكون مِن استهزاءٍ، وتبسُّمُ الضَّحكِ لا يكونَ إلَّا عن سرورٍ.","vol":"7","page":454},{"text":"فإنْ قلْتَ: الظَّاهر مِن هنا أنَّ سليمان ﵇ كان عالمًا بلسان غير الطَّيرِ مِن الحيوانات، فما وجهُ تخصيصه بالذِّكر في مَقامِ إظهارِ الشُّكرِ على ما آتاه الله تعالى مِن جلائل النِّعم؟\nقلْتُ: قد أجابَ الشَّعبيُّ عن هذا حيث قال: كانَ للنَّملةِ جناحان، فصارَتْ مِن الطَّيرِ، فلذلك علمَ سليمانُ مَنطقَها، ولولا ذلك لَمَا علمَه (^١).\n﴿وَقَالَ﴾ سائلًا توفيقَ شكر تلك النِّعم الجليلة:\n﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ﴾؛ أي: يسِّرْ لي الشُّكرَ وازِعًا إيَّاه، ووزعُ الشُكر كنايةٌ عن وزعِ مُوجبِه وهو النِّعمة، فهو كلام في غاية الفصاحةِ.\n﴿نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ وأدرجَ فيه ذكر والديه تكثيرًا للنِّعمةِ.\n﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ تمامًا للشُّكرِ واستدامةً للنِّعمةِ.\n﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾: في عدادهم الجنَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3179\"> </span>(٢٠) - ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.\n﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ حقيقةُ التَّفقُّد: تعرُّفُ فُقدانِ الشَّيء.\n﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ بدأَ أوَّلًا بنفسه، ثمَّ قال: ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ قرينُه: أحادَ بصري عنه بسببٍ؟ ولَمَّا كانَ المذكور في قوَّته نُزِّلَ منزلَتَهُ، وعُطف عليه على سبيل العطف من جهة المعنى، وكأنَّ الغالب على ظنِّه هذا الاحتمال، على ما دلَّ عليه عبارة ﴿كَانَ﴾، فلذلك قال:\n_________\n(^١) روى نحوه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٨٥٧).","vol":"7","page":455},{"text":"<span id=\"aya-3180\"> </span>(٢١) - ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ كَنَتْفِ ريشِه وإلقائِه في الشَّمس أو حيث النَّملُ يأكلُه، أو جعلِه مع ضِدِّه في قفصٍ.\n﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ ليَعتبرَ به أبناءُ جنسِه.\n﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجَّةٍ تبيِّنُ عذرَهُ. والسُّلطانُ في الأصل: إظهارُ ما يتسلَّطُ به.\nوالحلفُ في الحقيقةِ على أحدِ الأمرَيْنِ بتقديرِ عدم الثَّالث، لكنْ لَمَّا اقتضى ذلك وقوعَ أحدِ الأمور الثَّلاثةِ ثلَّثَ المحلوف عليه بعطفه عليهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3181\"> </span>(٢٢) - ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.\n﴿فَمَكَثَ﴾؛ أي: كان غائبًا فمكَثَ، فالفاء فصيحة.\n﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾؛ أي: لبثَ زمانًا غيرَ بعيدٍ عن وقتِ تفقُّدِه، يريد به الدِّلالة على سرعة رجوعه خوفًا منه ﵇.\nولَمَّا كان المذكور في وقت (^١) الإخبار عن مجيئِه عن قريبٍ رتَّب عليه قوله:\n﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا﴾ علمْتُ مِن جميع جهاتِه شيئًا ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ يعني: حال سبأ (^٢).\nوفي مخاطبته إيَّاه بذلك تنبيهٌ له على أنَّه في أدنى خلق الله تعالى مَن أحاطَ\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"حكم \".\n(^٢) في (ك): \"من أحواله\" بدل \"سبأ\".","vol":"7","page":456},{"text":"علمًا بما لم يحطْ به؛ لتتحاقرَ إليه نفسُه، ويتصاغرَ لديه علمُه، ويكونَ لطفًا في ترك الإعجابِ الذي هو فتنةُ العلماءِ.\n﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ قرئ مصروفًا على آَنه اسم للحيِّ أو للأب الأكبر، وغيرَ مصروفٍ على تأويل القبيلة أو البلدة (^١).\n﴿بِنَبَإٍ﴾: بخبرٍ له شأنٌ.\nأتى بهذا النَّوعِ مِن الإطناب مِن جهة المعنى تشويقًا له حتى تنكسرَ سَورَةُ غضبِه (^٢).\n﴿يَقِينٍ﴾: مُحقَّق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3182\"> </span>(٢٣) - ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً﴾ يعني: بلقيس بنتَ شراحيل (^٣)، وإنَّما قال: ﴿وَجَدْتُ﴾ دون: رأيت، إشعارًا بغرابةِ الحالِ، حيث كانَتْ بتلكَ العظمةِ والشَّوكةِ وقربِ المكان مجهولةً لسليمان ﵇ وأصحابِه (^٤).\n_________\n(^١) قرأ البزي وأبو عمرو بفتح الهمزة من غير تنوين، وقنبل بإسكان الهمزة على نية الوقف، والباقون بخفضها مع التنوين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٧).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"تشريفًا له حيث يتشوق ليكسر سورة غيظه\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"بنت أصل \".\n(^٤) في هامش (م): \"قال القرطبي: كيف خفي على سليمان ﵇ مكانها وكانت المسافة بين محطه وبين بلدها قريبة؟ فالجواب: أن الله تعالى أخفى ذلك عنه لمصلحة، كما أخفى مكان يوسف على يعقوب ﵉. منه \".","vol":"7","page":457},{"text":"﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ الضَّمير لسبأ أو لأهلها، وإنَّما لم يقلْ: تملكها؛ لأنَّه أرادَ بيان ملكها وسلطنتها، وتعيينُ ذلك بالإضافة إلى أهل الدِّيار، لا بالإضافة إليها، ففيه أيضًا تقويةٌ لمعنى الغرابة المقصودة بعبارة النَّبأ، حيث كانت امرأةً ملكةَ قبيلةٍ عظيمةٍ.\n﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قد نبَّهْتُ فيما تقدَّمَ أنَّ المرادَ مِن (كلّ شيء) في مثل هذا: المبالغةُ في الكثرة، فمَن قيَّده بقوله: يحتاج إليه الملوك، فقد فوَّتَ تلكَ المبالغةَ.\n﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾: سريرٌ كبيرٌ قَدْرًا أو قِيمةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3183\"> </span>(٢٤) - ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ﴾: يعبدونَ.\n﴿لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أضلَّهم اللّه تعالى ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ فالواو فصيحةٌ، والجملةُ معطوفةٌ على مقدَّرٍ.\n﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ مِن عبادةِ الشَّمس وغيرِها مِن قبائحِ الأفعالِ.\n﴿فَصَدَّهُمْ﴾ مِن صدَّ السَّبيلُ (^١): إذا اعترضَ دونَه مانعٌ من عقبةٍ أو غيرها فأخذتَ في غيره (^٢)؛ ففيه ثلاثُ معانٍ: المنعُ والدَّفع والصَّرف.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"صد عن السبيل\"، وفي (ف): \"صدر السبيل\". والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الموافق لما في \"الأساس\" و\"اللسان\" و\"التاج\" (مادة: صدد).\n(^٢) في (ع) و(ف): \"فأخذ في غيره\"، وفي (م): \"فانتذب غيره \"، وسقطت من (ك).","vol":"7","page":458},{"text":"﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: طريقِ الحقِّ والصَّوابِ، وإنَّما أطلقَ السَّبيلَ لأنَّ السبَّيلَ الذي لا يجوز سُلوكُه ممنوعٌ، فكأنَّه ليس بسبيلٍ.\n﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ ليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3184\"> </span>(٢٥) - ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.\n﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أي: فصدَّهم لِأَنْ لا يسجدوا، أو: زَّين لهم الشَّيطان أعمالهم لِأَنْ لا يسجدوا (^١)، فحذف الجار مع (أن)، فأدغمت النُّون في اللَّام، أو: زَّين لهم الشَّيطان أعمالهم أنْ لا يسجدوا، على أنَّه بدل من ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾، أو: لا يهتدون إلى أنْ لا يسجدوا، بزيادة (لا).\nوقرئ ﴿أَلَّا﴾ بالتَّخفيف على أنها للتنبيه و﴿يَسْجُدُوا﴾ بمعنى: يا اسجدوا (^٢)؛ نداءٌ، والمنادى مضمَر؛ أي: يا هؤلاء اسجدوا لله.\nوعلى هذا صحَّ أنْ يكون استئنافًا من سليمان ﵇ أو من الله، والوقفُ على ﴿يَهْتَدُونَ﴾، وكان أمرًا بالسُّجودِ، وعلى الأوَّل ذمًّا على تركه، وعلى الوجهَيْن يقتضي وجوبَ السُّجودِ في الجملةِ، لا عندَ قراءتها.\n﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخبء: ما يخفَى في غيره، وإخراجُه:\n_________\n(^١) \"أو زين له الشيطان أعمالهم لأن لا يسجدوا\" ليست في (م)، وكلمة: \"الشيطان\" ليست في (ي) و(ع).\n(^٢) قراءة الكسائي، ويقف على (يا)، ويبتدئ: (اسجدوا) على الأمر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٧).","vol":"7","page":459},{"text":"إظهارُه، وهو يعمُّ إشراقَ الكواكبِ، وإنزالَ الأمطارِ، وإنباتَ النَّباتِ، بل الإنشاء، فإنَّه إخراجُ ما في الشَّيءِ بالقوَّة إلى الفعل، والإبداع فإنَّه إخراجُ ما في الإمكان والعَدم إلى الوجوب والوجود، ومعلومٌ أنَّه يختصُّ بذاته.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (^١) وصفٌ له تعالى بما يوجبُ اختصاصَه باستحقاقِ السُّجود مِن التَّفرُّد بكمالِ القُدرةْ والعِلمِ، حثًّا (^٢) على السُّجود، وردًا (^٣) على مَن يسجدُ لغيره.\nوتقديم ﴿مَا تُخْفُونَ﴾ على ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ مع أنَّ مقتضى أسلوب التَّرقي تأخيرُه عنه؛ للتَّسوية بين جُزْئَي الكلامِ في الاهتمام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3185\"> </span>(٢٦) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ الذي هو أوَّلُ الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتِها، فبينَ عظمِه وعظمِ عرشِها (^٤) بونٌ بعيدٌ.\nوقرئ: ﴿الْعَظِيمِ﴾ بالرَّفع نعتًا لله تعالى (^٥».\n* * *\n_________\n(^١) كذا في النسخ بالياء في الفعلين، وهي قراءة أكثر السبعة إلا حفصًا والكسائي فقرأا بالتاء فيهما. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٨).\n(^٢) في (ف): \"حث \".\n(^٣) في (ك): \"وردٌ\".\n(^٤) أي: عرش بلقيس.\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٩).","vol":"7","page":460},{"text":"<span id=\"aya-3186\"> </span>(٢٧) ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ ﵇ للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ مِن النَّظرِ بمعنى التَّأمُّل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرْتَ.\n﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ هذا أبلغ مِن: أكذبْتَ؛ لأنَّه إذا كان معروفًا بالانخراط في سلك الكاذبين كان كاذبًا لا محالة، وإنَّما استحقَّ هذه المبالغة على تقدير الكذب لأنَّه أخبر بأمرٍ عظيمٍ، وبالغَ فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3187\"> </span>(٢٨) - ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ﴾ إنَّما أمرَه بالإلقاء لأنَّ الطَّائر لا يمكنُه تبليغُ الكتاب مقاولةً، إلَّا أنَّه ضمَّنه معنى الإيصال، ولذلك قال:\n﴿إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: اطْرَحه على وجهٍ يصلُ إليهم.\nولَمَّا كانَ المقامُ مقامَ التَّأنِّي الذي يقتضي قَدْرًا مِن الزَّمان نبَّهَ عليه بقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: تنحَّ عنهم إلى مكانٍ قريبٍ، بحيث تراهم ولا يروْنَك؛ ليكون ما يفعلونه بمنظرٍ منك، على ما دلَّ عليه قولُه:\n﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن الرَّجْعِ لا مِن الرُّجوعِ؛ أي: ماذا يردُّون في مقابلةِ كتابنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3188\"> </span>(٢٩) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ﴾؛ أي: قالَتْ ملكةُ سبأ لأشرافِ قومِها بعدما فعل الهدهدُ ما أُمِرَ به.","vol":"7","page":461},{"text":"﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾: حَسَنٌ مضمونُه، أو: مختوم، قال ﵇: \"كرمُ الكتاب ختمُه\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3189\"></span><span id=\"aya-3190\"> </span>(٣٠ - ٣١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\n﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ استئنافٌ، كأنَّه قيل لها: ممَّنْ هو؟ فقالت: إنَّه؛ أي: إنَّ الكتابَ.\n﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: وإنَّ المكتوبَ أو المضمونَ (^٢).\nوقرئ بالفتح (^٣) على الإبدال من ﴿كِتَابٌ﴾، أو التَّعليلِ لكرمه.\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا﴾: لا (^٤) تترفَّعوا ﴿عَلَيَّ﴾ و(أنْ) مفسِّرة أو مصدريَّة، فيكون بصِلَته خبرَ محذوفٍ؛ أي: هو أو المقصودُ أنْ لا تعلوا، أو بدلٌ من ﴿كِتَابٌ﴾.\n﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾: منقادين.\nقولها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ صريحٌ في أنَّ الدَّعوة كانت دعوة السَّلطنة لا دعوةَ النُّبوَّة.\n_________\n(^١) رواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٣٨٧٢) من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: \"كرامة الكتاب .. \". قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٩٩): فيه محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك.\n(^٢) في هامش (ي): \"صورة مكتوب سليمان ﵇: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ؛ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على مَن اتغ الهدى، أما بعد، فلا تعلو عليَّ وأتوني مسلمين. الكواشي\".\n(^٣) نسبت لعكرمة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٩).\n(^٤) في (ف): \"ألا\".","vol":"7","page":462},{"text":"<span id=\"aya-3191\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾.\n﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾: أشيروا عليَّ ﴿فِي أَمْرِي﴾: في الأمر الذي نزل بي.\nوالفتوى: الجوابُ في الحادثة، اشتُقَّتْ (^١) على طريق الاستعارة من الفتيِّ في السّنِّ، والمرادُ هاهنا: الإشارةُ عليها بما عندهم مِن الرَّأي.\nوقصدُها بالرُّجوع إلى استشارتهم: تطييبُ نفوسِهم ليمالئوها ويقوموا معها (^٢)، ولذلك قالت:\n﴿مَا كُنْتُ﴾ في الزَّمان الماضي ﴿قَاطِعَةً﴾: قاضية ﴿أَمْرًا﴾؛ أي: ممضيةً حكمًا.\n﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ بكسر النون، والفتح لحنٌ؛ لأنَّ النُّون إنَّما تُفتَح في موضع الرَّفع، وهذا موضعُ النَّصب، وأصله: تَشهدونني، فحذفت النُّون الأولى للنَّصب، والياءُ لدلالة الكسرة عليها، وبالياء في الوصل والوقف (^٣)؛ أي: تَحضروني؛ أي: كانت عادتي أنْ لا أبتَّ أمرًا إلَّا بحضرتكم، فكيف في هذه النَّازلة الكبرى؟!\nفراجعَها الملأُ بما يُقِرُّ عينَها مِن إعلامِهم إيَّاها بأنهم أولو (^٤) القوة والبأس، ثمَّ سلَّموا الأمرَ إلى نظرها، وهذه محاورةٌ حسنةٌ مِن الجميعِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3192\"> </span>(٣٣) - ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ مجيبينَ لها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أرادوا بالقوَّةِ قوَّةَ الأجساد\n_________\n(^١) في (ف): \"استفتت \".\n(^٢) في (ك): \"ويوافقوها\".\n(^٣) وهي قراءة يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٤٠)، و\"تفسير النسفي \"، وعنه نقل المؤلف.\n(^٤) في (ك): \"بأنهم في غاية\"، وفي (م): \"بأنهم هي \"، وفي (ي) و(ع): \"ما بهم من\".","vol":"7","page":463},{"text":"والآلات، وبالبأس: النَّجدة والبلاء في الحرب؛ أي: قادرون على القتال لا فتورَ فينا ولا قصورَ لوُفور عَددنا وعُددنا، وإنَّما قدَّموا هذا الكلام لكيلا تتوهَّم العجزَ مِن تفويض الأمر إليها بقولهم:\n﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ موكول ﴿انْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ من الحرب والصُّلح، نطيعك ونمتثِل أمرَكِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3193\"> </span>(٣٤) - ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\n﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ﴾ أتى بصيغة الجمع تنصيصًا على تعميم الحكم للأفراد؛ فإنَّ في الجنس احتمالَ الخصوص.\n﴿إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ يعني: عنوةً، بقرينة قوله: ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتَّخريبِ ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾: أهانوا أشرافَها لتستقيمَ لهمُ الأمور.\nزَّيفَتْ ما أحسَّتْ منهم مِن الميل إلى المحاربة بادِّعائهم أسبابَ الغلبة، وذكرَتْ لهم سوءَ عاقبة الحرب، وأشعرَتْ بأنَّها ترى الصُّلحَ مخافةَ أنْ يتخطَّى سليمان ﵇ خططَهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم (^١).\n﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تأكيدٌ لِمَا وصفَتْ مِن حالِهم، وتقريرٌ بأنَّ ذلك عادتُهم الثَّابتةُ المستمرَّة، أو تصديقٌ لها من الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"وأما ما قيل: الحرب سجال، فلا يناسب المقام، إنما يقال ذلك لمن غلب مرة. منه\".","vol":"7","page":464},{"text":"<span id=\"aya-3194\"> </span>(٣٥) - ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾.\n﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ورسولًا ﴿بِهَدِيَّةٍ﴾ بيان لِمَا ترى تقديمه في المصالحة.\n﴿فَنَاظِرَةٌ﴾: منتظر ﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ بالرِّعاية أو بالإهانة، حتى أعملَ بحسب ذلك.\n﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: الرَّسولُ ومَن أُرْسِلَ معَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3195\"> </span>(٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: الرَّسولُ، وقرئ: (فلمَّا جاؤوا) (^١)؛ أي: المرسلون سليمان (^٢).\n﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ خطاب للرَّسولِ ومَن معَه، أو الرَّسولِ والمرسِل على تغليب المخاطَب، استفهامٌ إنكاريٌّ، فالفاء في قوله:\n﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ تعليليَّة؛ أي: فالذي أعطاني الله تعالى مِن النُبوَّة والملك وسخَّر لي الجنَّ والإنس والرِّيح والطَّير والوحش ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ فلا حاجةَ لي بهديَّتكم، ولا وَقْعَ لها عندي.\n﴿بَلْ﴾ إضراب عن إنكارِ الإمداد بالمال عليه وتعليلِه (^٣) إلى بيان السبب\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود ﵁. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٥٩)، و\"البحر المحيط \" (١٦/ ٤٣١).\n(^٢) \"سليمان \"من (ك) و(م).\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"وتقليله \"، والمثبت من (ع) و(ي)، والبيضاوي، وقال الشهاب: قوله: (وتعليله) بالجر معطوف على (إنكار)، وهو المستفاد من قوله: ﴿فَمَا آتَانِيَ﴾ إلخ.","vol":"7","page":465},{"text":"الذي حملهم عليه، وهو قياسُ حاله على حالهم في قصور الهمَّة بالدُّنيا والزِّيادة فيها.\n﴿أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ﴾ والهديةُ: اسمٌ لِمَا يُهدَى، كما أنَّ العطيَّةَ اسمٌ لِمَا يُعطَى، فتضاف إلى المهدِي والمهدَى له، تقول: هذه هديةُ فلانٍ؛ تريد: الذي أهداها، أو أهدِيَتْ له.\n﴿تَفْرَحُونَ﴾ لأنَّكم لا تعلمون إلَّا ظاهرَ الحياة الدُّنيا، فتفرحونَ بما يُهدَى إليكم لزيادةِ أموالِكم، أو بما تهدونه افتخارًا على أمثالِكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3196\"> </span>(٣٧) - ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.\n﴿ارْجِعْ﴾ خطابٌ للرَّسولِ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيسَ وقومِها.\n﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: إنْ لم يأتوني مسلمين فلنأتينَّهم ﴿بِجُنُودٍ﴾ بأنواع من الجند (^١) ﴿لَا قِبَلَ﴾: لا طاقةَ ﴿لَهُمْ بِهَا﴾ وحقيقةُ القِبَلِ: المقابلةُ والمقاومةُ؛ أي: لا يقدرون أن يقابلوهم (^٢).\n﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾: مِن ديارهم ﴿أَذِلَّةً﴾ الذُّلُّ: أنْ يذهبَ عنهم ما كانوا فيه مِن العزِّ والملكِ.\n﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الصَّغارُ: أنْ يقَعوا في أسرٍ واستعبادٍ.\nفلمَّا رجع إليها رسولُها بالهدايا، وقصَّ عليها القصَّة، قالَتْ: هو مؤَّيدٌ مِن عندِ اللهِ تعالى، وما لنا به طاقةٌ، ثم جعلَتْ عرشَها في آخر سبعةِ أبيات، وغلَّقَتِ الأبوابَ، ووكَّلت حرسًا يحفظونه، وبعثت إلى سليمان ﵇: إنِّي قادمةٌ\n_________\n(^١) في (م): \"الجنود\".\n(^٢) في (ك): \"يقابلونا\"، وفي (ف): \"يقابلوا\".","vol":"7","page":466},{"text":"إليك لأنظرَ ما الذي تدعو إليه، وشَخَصَتْ إليه في اثني عشرَ ألف قَيلٍ (^١)، تحت كلِّ قَيلٍ ألوفٌ، فلمَّا بلغَتْ على رأس فرسخٍ مِن سليمان ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3197\"> </span>(٣٨) - ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ سليمانُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ أراد أن يُريَها بذلك بعضَ ما خصَّه اللهُ تعالى به مِن إجراء العجائب على يده لتطَّلع على عظيم قدرة الله تعالى، وعلى ما يشهد لنبوَّة سليمان ﵇ حتى تصدِّقَه (^٢) وتؤمنَ به، ثمَّ إنَّه قصد في ضمن هذا فائدةً أخرى على ما تقف عليها.\n﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ وإنَّما تعرَّض بوصف الإسلام إعلامًا بأن طلبه عرشها ليس طمعًا فيه؛ فإنَّ النَّبيَّ بمعزَلٍ عن مظنَّةِ الطَّمع في مالِ مَن علِمَ أنَّه يأتيه مسلِمًا، وأمَّا ما قيل: إنَّها لو أسلمَتْ لحظرَ عليه مالُها فلا يؤتى به؛ فإنَّما يصحُّ وجهًا لطلبه عرشها قبل إتيانها مسلِمةً، لا لتقييد (^٣) أمرِه بذلك القيد (^٤)؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-3198\"> </span>(٣٩) - ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾.\n﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ العِفْرِيْتُ: الخبيثُ المنكَرُ المعَفِّرُ (^٥) أقرانَه، ولا اختصاصَ\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"فيل \" في الموضعين. والقَيل: أحد ملوك حمير دون الملك الأعظم. كما في \"النهاية\".\n(^٢) في (ك): \"تصدقها\".\n(^٣) في (ك): \"لتعيد\". وفي (م): \"لتفيد\".\n(^٤) في هامش (ف) و(ي): \"يعني قيد الإسلام وأما قيد الإتيان فلا بد منه. منه \".\n(^٥) في (ك): \"المعفر\".","vol":"7","page":467},{"text":"له بالجنِّ، ولذلك احتيج (^١) إلى البيان بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾.\nروي عن ابن عباس ﵄: أنَّه صخرٌ الجنِّيُّ (^٢).\n﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ صالح للفعليَّة والاسميَّة ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: مجلسَه للقضاء، وهو مِن الغداة إلى نصف النَّهار.\n﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ﴾ أي: على الإتيان به ﴿لَقَوِيٌّ﴾: لقادرٌ، وإنَّما عبَّرَ عن القدرة بالقوَّة للحاجة في تحصيل ما ذكر إلى القدرة بالقوَّة.\n﴿أَمِينٌ﴾ آتي به كما هو لا أختزلُ (^٣) منه شيئًا، ولا أبدِّلُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3199\"> </span>(٤٠) - ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.\n﴿قَالَ﴾ الفصلُ بينَ القولَيْنِ لأنَّ أحدَ القائلَيْنِ لم يكن مِن جملة المخاطَبِين، والظَّاهرُ أنَّه هو الثَّاني منهما، واحتمال أن يكون المراد مِن القائل الثَّاني سليمان ﵇ يردُّه كافُ الخطابِ في ﴿آتِيكَ﴾؛ فإنَّ حقَّه حينئذٍ أنْ يقولَ (^٤): (أنا آتي به)، وأيضًا لا يناسبه قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾، إنَّما المناسب حينئذٍ أن يقول: فلمَّا أتى به.\n_________\n(^١) في (م): \"احتاج\".\n(^٢) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٨٨٤).\n(^٣) في (ف): \"لا أترك\".\n(^٤) \"أن يقول\": ليست في (م).","vol":"7","page":468},{"text":"والمشهور أنَّه آصفُ بن بَرخيا كاتبُ سليمان ﵇، ويناسبه التَّعبير عنه بقوله:\n﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ وفي التَّوصيف به إشارة إلى أنَّه ما قدرَ على ما قدرَ (^١) عليه بقوَّةٍ حيوانيَّةٍ (^٢)، بل بقوَّةٍ صمدانيَّة.\n﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ الطَّرْفُ: تحريكُ الأجفانِ؛ أي: ما بينَ امتدادِ الطَّرْفِ بفتحها وارتداده بطبقها، وليس فيه وضع الطَّرْفِ موضعَ النَّظرِ (^٣).\n﴿فَلَمَّا رَآهُ﴾؛ أي: العرشَ، والفاء فصيحة؛ أي: أَذن له سليمانُ ﵇ فأتى به فلمَّا رآه.\n﴿مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾: ثابتًا غيرَ مضطربٍ لديه، وقرارُه في موضعه أمرٌ آخر وراءَ حضورِه يحتاج إلى فضلِ زمانٍ بحسَب العادة، وبهذا الاعتبار كان لعبارة ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ فضيلةٌ على عبارة (حاضرًا).\n﴿قَالَ﴾ تلقِّيًا للنّعمةِ بالشُكرِ: ﴿هَذَا﴾؛ أي: حصولُ مرادي، وهو حضورُ العرشِ في طرفةِ العينِ ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ عليَّ وإحسانِه إليَّ مِن غير استحقاقٍ منِّي.\n﴿لِيَبْلُوَنِي﴾: ليتعبَّدني في صورة الاختبار: ﴿أَأَشْكُرُ﴾ إنعامه ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾: أَجحد.\n﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّه يَحطُّ به عنها عبءَ الواجب، وَيصونها عن وَصْمةِ الكفران، ويستجلب به المزيد، ويُرتبَط به العتيد (^٤).\n_________\n(^١) \"على ما قدر\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٢) في (ع) و(ي): \"ليس بقوة جسدانية\" بدل: \"بقوة حيوانية\".\n(^٣) في هامش (ف) و(م): \"هو مقدمة النظر كما أن النظر مقدمة الرؤية. منه \".\n(^٤) العتيد: الحاضر المهيأ، وجاء في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٠٧): (وترتبط به النعمة)، والمثبت موافق لما في \"تفسير أبي السعود\" (٧/ ٧١)، و\"روح المعاني\" (١٩/ ٤٥٤).","vol":"7","page":469},{"text":"﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حذف جزاءَه، وهو: فإنَّما يكفر على نفسه؛ أي: ضررُ كفرِه عليه لا يتعدَّاه؛ لظهوره بقرينة ما ذكر في قرينه، وأقيم تعليله مقامَه.\n﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن الشُّكرِ، لا (^١) يتضرَّر إنْ لم يُشكَرْ.\n﴿كَرِيمٌ﴾ بالإنعامِ، لا يتوقَّع عوضًا ولا يفعل لغرضٍ حتى ينفعل عند عدم حصولِه، فالوصفُ المذكور مِن تمامِ التَّعليلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3200\"> </span>(٤١) - ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\n﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا﴾ أرادَ بتنكيرِ ﴿عَرْشَهَا﴾ تغيير معاهده (^٢) عندها، ولذلك قال: ﴿لَهَا﴾، لا تبديل شكلها وتغيير هيئتها؛ إذ حينئذ يكون منكرًا مطلقًا، لا منكرًا عندها فقط، وأيضًا مدارُ الاختبار على التَّغيير في الجملة، وأمَّا وجه الاختبار فسيأتي تفصيلُه.\n﴿نَنْظُرْ﴾ بالجزم على الجواب، وقرئ بالرَّفع على الاستئناف (^٣).\n﴿أَتَهْتَدِي﴾ إلى الجوابِ الصَّواب، وقيل: إلى الإيمان بالله ورسوله، وَيرِدُ عليه: أنَّه حينئذ لا حاجة إلى التَّنكير، بل لا وجهَ له؛ لأنَّ بقاءَه على حاله أعونُ على تحصيل هذا المراد، والله الهادي إلى سبيل الرَّشاد.\n﴿أَمْ تَكُونُ﴾: أم يظهرُ كونُها ﴿مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يقدرون على الاهتداء.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بأن\" بدل \"لا\".\n(^٢) في (ك): \" معاهدته \".\n(^٣) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٩).","vol":"7","page":470},{"text":"قالوا: إنَّ الشَّياطين خافوا أنْ يتزوَّجَها سليمان ﵇، فيولَدَ له منها ولدٌ يجتمع له فِطنةُ الإنسِ والجنِّ؛ لأنها كانت بنتَ جنِّيَّة، فيخرجون مِن ملْكِ سليمان إلى ملْكٍ هو أشدُّ وأفظع، فقالوا: إنَّ في عقلِها شيئًا، وهي شَعْراءُ السَّاقين، ورجلُها كحافر الحمار، فاختَبَر عقلَها بتنكيرِ العرشِ، وتعرَّف ساقيها ورجليها باتِّخاذ الصَّرْح على ما يأتي بيانُه، فالمرادُ مِن كونِها مِن الذين لا يهتدون: كونُها مِن الطَّائفةِ الحمقى، ومن هاهنا تبيَّن وجهُ الإطنابِ، واللّه أعلم بالصَّواب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3201\"> </span>(٤٢) - ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ الفاء فصيحةٌ، والمقدَّرُ يظهرُ بأدنى تأمُّلٍ.\n﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ (ها) للتَّنبيه، والكاف للتَّشبيه، و(ذا) اسم الإشارة (^١)، ولم يقل: أهذا عرشك؟ ولكنْ: أمثلُ هذا عرشُكِ؟ لئلا يكون تلقينًا (^٢).\n﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ فأجابَتْ (^٣) أحسنَ جوابٍ؛ فلم (^٤) تقل: (هو، هو)، ولا: (ليس هو)، وذلك مِن رَجاحة عقلِها، حيث لم تقطَع في المحتمِلِ للأمرَيْنِ، أو لَمَّا شبَّهوا عليها بقولهم: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ شبَّهَتْ عليهم بقولها: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾، مع أنَّها علمَتْ عرشها.\n﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ مِن تمامِ كلامِها؛ أي: وأوتينا العلم بقدرة الله وبصحَّة\n_________\n(^١) في (ك): \"إشارة\".\n(^٢) في (ف): \"ليكون تلقيا\". وفي (م): \"لئلا يكون تلقيا\".\n(^٣) في (م): \"فأجابته \".\n(^٤) في (ك) و(م): \"ولم \".","vol":"7","page":471},{"text":"نبوَّتِك بالآيات المتقدِّمة مِن أمرِ الهدهد والرُّسل مِن قبل هذه الحالة الخارقة للعادة.\n﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ منقادِينَ لكَ مطيعينَ لأمرِكَ، وكأنَّها وقفَتْ على ما قصدَه سليمانُ ﵇ بذلك أوَّلًا وآخِرًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3202\"> </span>(٤٣) - ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.\n﴿وَصَدَّهَا﴾ كلامٌ مبتدأٌ مِن اللّهِ تعالى.\n﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: منعَها عن التَّقدُّم إلى الإسلام عبادةُ الشَّمسِ ونشوؤها بين ظهرانَي الكفرَة، ثمَّ بيَّنَ نشأتها بينهم بقوله:\n﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ وقرئ بالفتح (^١) على الإبدال من فاعل (صدَّ)؛ أي: صدَّها نشوؤها بينَ أظهر الكفَّار، أو على التَّعليل فتكون لامُ التعليل محذوفًا من (أنَّ).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3203\"> </span>(٤٤) - ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ الصَّرح (^٢): هو الموضعُ البسيطُ المنكشِفُ مِن غيرِ سقفٍ، ومنه قولهم: صرَّحَ بالأمر: إذ أفصحَ (^٣) به ولم يَكْنِ عنه، وكانَ ذلك الصَّرحُ مِن زجاجٍ أبيضَ شفَّافٍ، تحتَه ماءٌ جارٍ، فيه سمكٌ.\n_________\n(^١) نسبت لسعيد بن جبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٠٩).\n(^٢) \"الصرح\" من (م) و(ي).\n(^٣) في (م): \"إذا أفضح \".","vol":"7","page":472},{"text":"﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ اللُّجَّةُ: معظمُ الماءِ.\n﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتخوضَه، والواو فصيحة عاطفة على مُقدَّو، تقديره: فشمَّرَتْ ذيلها (^١)، فالمرتَّبُ على الحسبان المذكور مجموعُ المعطوفَيْن، والواو المذكورة كاشفةٌ عن هذا.\nوكان سليمان ﵇ على سريرِه في صدْرِ الصَّرْحِ، فرأى ساقيها وقدميها حِسانًا، فصرَفَ بصرَه ثمَّ ﴿قَالَ﴾ لها: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ مملَّسٌ مستوٍ، ومنه: الأمرد.\n﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾: من الزُّجاج.\nوأراد سليمان ﵇ تزوُّجَها، فكرِهَ شعرَها، فعملَ له الشَّياطين النُّوْرَةَ، فأزالته، فنكحها (^٢).\n﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادةِ غيرِكَ ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾، أي: تابعةً إيَّاه ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه التفاتٌ مِن الخطاب إلى الغيبة، إظهارًا لباعث إسلامه له تعالى، وهو ألوهيّته المستتبِعةُ لربوبيَّة العالمين (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"عن ذيلها\".\n(^٢) كذا قيل، وفي بعض الأخبار: أنه لم يتزوجها بل زوجها من ذي تبَّعٍ ملك همدان، وليس في كليهما شيء يثبت، وأحسن ما جاء فيه قول عبد الله بن عتبة، وسئل: هل تزوج سليمان بلقيس؟ فقال: انتهى أمرها إلى قولها: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. قيل: يعني لا علم لنا وراء ذلك. وانظر تفصيل ذلك في \"روح المعاني\" (١٩/ ٤٦٢).\n(^٣) \"العالمين\" سقط من (ك). وفي (م): \"لربوبيته للعالمين \".","vol":"7","page":473},{"text":"<span id=\"aya-3204\"> </span>(٤٥) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ في النَّسبِ ﴿صَالِحًا﴾ بدل (^١).\n﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي (^٢): بأن اعبدوا الله؛ أي: وحِّدوه (^٣).\n﴿فَإِذَا﴾ للمفاجأة ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿فَرِيقَانِ﴾ خبره ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ صفة، وهي العامل في (إذا)، والمعنى: فإذا قومُ صالحٍ فريقان؛ مؤمنٌ به وكافرٌ به يختصمون، فيقول كلُّ فريقٍ: الحقُّ معي، وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3205\"> </span>(٤٦) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ حين قال الفريق الكافر: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧] (^٤):\n﴿يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾: بالعذاب الذي توعَدون به ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قبلَ التَّوبةِ.\n﴿لَوْلَا﴾: ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾: تطلبون المغفرة مِن كفركم بالتَّوبة والإيمان قبلَ نزولِ العذابِ ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالإجابة.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"بدله\".\n(^٢) \"أي\": ليست في (م) و(ي) و(ع).\n(^٣) في (ف): \"وحده\".\n(^٤) في (ف) زيادة: \"قال\".","vol":"7","page":474},{"text":"<span id=\"aya-3206\"> </span>(٤٧) - ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.\n﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾: تشاءمنا بك؛ لأنهم قُحِطوا عند مبعثِه لتكذيبِهم، فنسبوه إلى مجيئه، والأصل: (تطيَّرنا) وقرئ به (^١)، فأُدغِمَتِ التَّاء في الطَّاء وزيدَتِ الألف لسكون الطَّاء.\n﴿وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ مِن المؤمنين.\n﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: سببُكم الذي يجيء منه (^٢) خيرُكم وشرُّكم عندَ اللهِ، وهو قدَره (^٣) وقِسمته، أو: عملُكم مكتوبٌ (^٤) عندَ الله تعالى، فمنه نزل بكم ما نزلَ؛ عقوبةً لكم وفتنةً، وقد مرَّ أصلُ ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣].\n﴿بَلْ﴾ إضرابٌ مِن بيان السَّببِ إلى بيانِ سببِ السَّببِ.\n﴿أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾: تُخْتبَرونَ (^٥) بتعاقُب السَّراءِ والضَّراءِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3207\"> </span>(٤٨) - ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.\n﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: مدينةِ ثمود، وهي الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الرَّهْطُ اسمُ الجماعةِ، فكأنَّهم كانوا رؤساء يَتبعُ كلَّ واحدٍ منهم رهطٌ، كذا قال القرطبي (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٧١).\n(^٢) في (ف): \"فيه\".\n(^٣) في (ف): \"قدرته\".\n(^٤) \"مكتوب\" سقط من (ك).\n(^٥) في (ك): \"مختبرون\".\n(^٦) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٨٢).","vol":"7","page":475},{"text":"﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؛ أي: شأنُهم الإفسادُ الخالصُ مِن شَوبِ الصَّلاح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3208\"> </span>(٤٩) - ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالَ بعضُهم لبعضٍ ﴿تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ خبرٌ في محلِّ الحال بإضمار (قد) لأنَّه ماضٍ؛ أي: قالوا متقاسمين، أو أمرَ بعضُهم بعضًا بالقسمة.\n﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾؛ أي: لنقتلنَّه مباغتةً ليلًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾: ولدَه وتبعَه.\n﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾: لرَهْطه الذي له ولاية الدَّم: ﴿مَا شَهِدْنَا﴾: ما حضرنا ﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ المُهْلَكُ مِن أهلَكَ يحتمِل المصدرَ والزَّمان والمكان، وكذا المَهلِكُ بكسر اللَّام (^١)، وقرئ بالفتح أيضًا (^٢) فيكون مصدرًا؛ أي: لم نتعرض لأهله فكيف تعرَّضنا له؟! أو: ما حضرنا موضع هلاكه فكيف تولَّيناه؟!\n﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما ذكرنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3209\"> </span>(٥٠) - ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ في ذلك ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾؛ أي: جزيناهم على مكرهم بتعجيل العقوبة.\n_________\n(^١) فعلى الأول يكون المعنى: ما حضرنا إهلاكهم، أو: مكان إهلاكهم، أو: زمان إهلاكهم، وعلى الثاني: ما حضرنا هلاكهم، أو: مكان هلاكهم، أو: زمان هلاكهم.\n(^٢) قرأ جمهور السبعة بضم الميم وفتح اللام، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وأبو بكر بفتحهما. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٤٤).","vol":"7","page":476},{"text":"﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3210\"> </span>(٥١) - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿كَانَ﴾ إن كانت ناقصة فخبرُها ﴿كَيْفَ﴾، وإن كانَتْ تامَّة فـ ﴿كَيْفَ﴾ حال.\n﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ قرئ بكسر الهمزة على الاستئناف أو خبر محذوف، وقرئ بفتحها (^١) على أنَّه خبر أو بدل من اسم ﴿كَانَ﴾، أو خبر له و﴿كَيْفَ﴾ حال، أو يكون التَّقدير: لأَنَّا، وحُذِفَ حرف الجرِّ.\n﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ بالصَّيحةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3211\"> </span>(٥٢) - ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾: ساقطةً منهدمةً، مِن خَوَى النَّجمُ: إذا سقطَ، أو: خاليةً، مِن الخُوِيِّ، وهي حالٌ عَمِلَ فيها ما دلَّ عليه (تلك).\n﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾: بظلمهم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: فيما فُعِلَ بثمودَ ﴿لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فيتَّعظون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3212\"> </span>(٥٣) - ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ عصيانَه.\n_________\n(^١) قرأ الكوفيون بفتح الهمزة، والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" للداني (ص: ١٦٨).","vol":"7","page":477},{"text":"<span id=\"aya-3213\"> </span>(٥٤) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.\n﴿وَلُوطًا﴾: واذكر لوطًا، أو: وأرسلنا لوطًا، لدلالة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ عليه، والأوَّل أنسبُ لِمَا نزلَ أوَّلًا، والثَّاني لِمَا نزلَ مكرَّرًا (^١).\n﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلٌ من ﴿وَلُوطًا﴾ على الأوَّل؛ أي: واذكرْ وقتَ قولِ لوطٍ، وظرفٌ على الثَّاني.\n﴿لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ الاستفهام للإنكار والتَّوبيخ.\nو﴿الْفَاحِشَةَ﴾: الفِعلة القبيحة، والمرادُ: اللِّواطةُ، أبهم هنا ثمَّ بيَّنها بقوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ تقريرًا وتنبيهًا على أنَّ معنى الفاحشة بلغَ الغاية فيها حتى صارَ علَمًا لها، ثمَّ إنَّ في البيان المذكور تنبيهًا على أنَّ المرادَ مِن الفاحشةِ محلُّها بطريق المجاز، وإتيانُه كنايةٌ عن فِعل اللِّواطةِ.\n﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: والحالُ أنَّ لكم الأبصار، يعني أنَّ قباحة ذلك المحلِّ مِن المحسوساتِ، فوجودُ البصر كافٍ في إدراكها (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3214\"> </span>(٥٥) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.\n﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ آثرَ الرِّجالَ على الذُّكور ليزدادَ قُبْحُ الإتيان المذكور.\n﴿شَهْوَةً﴾: للشَّهوة، ناظرٌ (^٣) إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، كأنَّه قيل: القَباحة\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"والأول أنسب لما ذكر مكررًّا\".\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"ويجوز أن يكون المراد: أتأتون وأنتم تبصرون ما في ذلك المحل من القذر، فتدبره. منه \".\n(^٣) في (ف): \"ناظرًا\".","vol":"7","page":478},{"text":"هنا في درجةٍ حَقُّ مَن له البصر أن يرغبَ عنه نفرةً، وأنتم ترغبونَ فيه شهوةً (^١).\n﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ يعني: أنَّ اللهَ تعالى إنَّما خلقَ الأنثى للذَّكر، ولم يخلق الذَّكرَ للذَّكرِ، ولا الأنثى للأنثى، فهو مضادَّةٌ (^٢) لله تعالى في حكمتِه.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تفعلون فعلَ الجاهلين بأنَّها فاحشةٌ، مع علمِكُم بذلك، أو أريد بالجهلِ: السَّفاهة والمَجَانةُ التي كانوا عليها.\nوقد اجتمعَ الخطاب والغيبة هنا وفي قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، فغلِّب المخاطَبَ على الغائب لأنَّه أقوى؛ إذ الأصل أن يكون الكلامُ بينَ الحاضرين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3215\"> </span>(٥٦) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ خبرُ ﴿كَانَ﴾: ﴿جَوَابَ﴾، واسمُه ﴿أَنْ قَالُوا﴾.\n﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾؛ أي: لوطًا ومتَّبعيه، تناولَ الأمرُ له ﵇ دلالةً (^٣).\n﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: يتنزَّهون عن القاذورات، فينكرون هذا العمل القذر، وَيغيظُنا إنكارُهم، تعليلٌ للأمر المذكور على وجهٍ يتضمَّن الاستهزاء؛ لأَنَّه على طريقةِ ﴿لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].\n_________\n(^١) في (ك): \"في حق من له البصر عنه نفرة وأنتم ترغبون شهوة\"، وفي (ف): \"في حق من للبصر عنه نفرة وأنتم ترغبون شهوة\".\n(^٢) في (ف): \"فهو مضاد\".\n(^٣) في هامش (ف) و(م): \"كتناول الأمر في ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ لفرعون. منه \".","vol":"7","page":479},{"text":"<span id=\"aya-3216\"> </span>(٥٧) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ الفاء فصيحة ﴿وَأَهْلَهُ﴾ يعني: مِن العذابِ الواقعِ بقومِه.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾، أي: قدرنا كونها استئناف للتعليل.\n﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: مِن الباقينَ في العذابِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3217\"> </span>(٥٨) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\n﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قد مرَّ تفسيرُه في سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3218\"> </span>(٥٩) - ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أمرَ رسولَه ﵇ بتحميده، ثمَّ بالسَّلام على المصطفَين مِن عبادِه، توطئةً لِمَا يتلوه مِن الدِّلالة على وحدانيته وقدرته على كلِّ شيءٍ.\nوهو تعليمٌ لكلِّ متكلِّمٍ (^١) في أمرٍ ذي بالٍ بأنْ يتبرَّكَ بهما، ويستظهرَ مكانهما (^٢).\nأو هو خطاب للوطٍ ﵇ أنْ يحمدَ الله على هلاكِ كفَّارِ قومِه، ويُسلّمَ على مَن اصطفاهُ اللهُ تعالى ونجَّاه مِن هلكتهم (^٣)، وعصمه من ذنوبهم.\n﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ لا خيرَ فيما أشركوه أصلًا حتَّى يُوازنَ بينَه وبينَ مَن\n_________\n(^١) في (م): \"متعلم\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"ويستظهر بمكانهما\"، وفي (ف): \"ويستظهر بمكانه\".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"هلكهم \".","vol":"7","page":480},{"text":"هو خالقُ كلِّ شيءٍ، وإنَّما هو إلزامٌ لهم وتهكُّم بحالهم؛ ليتنبَّهوا على الخطأ المُفرِط والجهل المورِّط، وليعلموا أنَّ الإيثار يجب أن يكون للخير الزَّائد.\nثمَّ عدَّدَ ﷾ الخيرات والمنافع التي هي آثار رحمته وفضله، فقال:\n\n<span id=\"aya-3219\"> </span>(٦٠) - ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.\n﴿أَمَّنْ﴾: بل أمْ مَن (^١) ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقريرٌ لهم بأنَّ مَن قدرَ على خلقِ العالم خيرٌ مِن جمادٍ لا يقدرُ على شيءٍ.\n﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: مطرًا، وفي قوله: ﴿لَكُمْ﴾ تنبيهٌ على أنَّ الغيْثَ وإنْ لم يخلُ مِن الضَّرر (^٢) إلَّا أنَّ المقصودَ مِن إنزالِه النَّفعُ.\n﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ صرفَ الكلام عن الغيبة إلى التَّكلُّم تأكيدًا لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وإيذانًا (^٣) بأنَّ إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطُّعوم والأشكال - مع حسنِها - بماءٍ واحدٍ لا يقدرُ عليه إلَّا هو وحدَه.\n﴿بِهِ﴾؛ أي: بالماء.\n﴿حَدَائِقَ﴾ الحديقةُ: البستانُ عليه حائطٌ، مِن الإحداق، وهو الإحاطة.\n﴿ذَاتَ﴾ لم يقلْ: ذواتِ؛ لأنَّ المعنى: جماعةَ حدائقَ، كما تقول: النِّساء ذهبَتْ.\n﴿بَهْجَةٍ﴾: حُسْنٍ؛ لأنَّ النَّاظرَ يبتهِجُ به، ثمَّ رشحَ معنى الاختصاص بقوله:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(ع): \"بل أمن\"، وفي (م): \"بل من\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"الضر\" وفي (ي) و(ع): \"الغيث\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"إيذانا\"، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير النسفي \" (٢/ ٦١٥).","vol":"7","page":481},{"text":"﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾: شجرَ الحدائق، ومعنى الكينونةِ الانتفاءُ، أرادَ أنَّ تأتِّيَ ذلك محالٌ مِن غيرِه.\n﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: أغيرُه يُقرَنُ ويُجعَلُ شريكًا له.\n﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾: غيرَه، أو: يعدلون عن الحقِّ الذي هو التَّوحيد. و﴿بَلْ هُمْ﴾ بعد الخطاب أبلغُ في تخطئةِ رأيهِم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3220\"> </span>(٦١) - ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ﴾ وما بعده بدل من ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾ فكانَ حكمُها حكمَه.\n﴿قَرَارًا﴾: دحاها وسوَّاها للاستقرار عليها.\n﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ ظرفٌ؛ أي: وسطَها، وهو المفعول الثَّاني (^١)، والأول ﴿أَنْهَارًا﴾، و﴿بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مثلُه.\n﴿وَجَعَلَ لَهَا﴾ للأرضِ ﴿رَوَاسِيَ﴾: جبالًا تمنعُها عن الحركةِ.\n﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذبِ والمالحِ ﴿حَاجِزًا﴾: مانعًا أنْ يختلِطا.\n﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ التَّوحيدَ فلا يؤمنون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3221\"> </span>(٦٢) - ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n_________\n(^١) قوله: (وهو المفعول الثاني): لأنَّ الظرف لا يقع مسندًا إليه، والمفعول الأول لجعل يكون مسندًا إليه.","vol":"7","page":482},{"text":"﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الاضْطرارُ: افتعالٌ مِن الضَّرورة، وهي الحاجة المحوِجةُ (^١) إلى اللَّجَأ (^٢)، يقال: اضْطرّه إلى كذا، والفاعل والمفعول مُضْطرٌّ (^٣)، والمُضْطَرُّ: الذي أحوجَه مرض أو فقر أو نازلة مِن نوازل الدَّهر إلى اللَّجأ (^٤) إلى الله تعالى، أو المُذنِبُ إذا استغفرَ، أو المظلومُ إذا دعا.\nواللَّامُ للجنسِ لا (^٥) للاستغراقِ، فلا يلزم منه إجابةُ كلِّ مُضْطَّرٍ.\n﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾؛ أي: الضُّرَّ أو الجَوْرَ (^٦).\n﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: فيها، وذلك توارُثُهم سُكْناها، والتَّصرُّف فيها قرنًا بعدَ قرنٍ، أو أرادَ بالخلافةِ المُلك والتَّسلُّط، وهذا أتمُّ مِن الأوَّلَين وأعمُّ وأجلُّ وقعًا وأهمُّ، ولهذا فُصِل بعدَم التَّذكُّر (^٧) وبُوْلِغَ فيه.\n﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿مَا﴾ مزيدةٌ؛ أي: تذكَّرونَ تذكُّرًا قليلًا، ويجوز أنْ يُرادَ بالقلَّةِ العدمُ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"الملجئة\".\n(^٢) اللَّجَأ - بفتحتين - مصدر لجأ بمعنى: لاذ، وألجأه إلى كذا: اضطره إليه. وجاء في (ك): \"اللجاء\"، والمثبت من باقي النسخ و\"تفسير النسفي \" (٢/ ٦١٥).\n(^٣) في (م): \"مضطرر\".\n(^٤) في (ك): \"اللجاء\"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر السابق.\n(^٥) \"للجنس لا\" سقط من (م)، و\"للجنس\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٦) في (ف): \"الضراء والجور\".\n(^٧) في النسخ: \"التذكير\"، والصواب المثبت لأنَّه هو مصدر الفعل الآتي فاصلة، أما التذكير فمصدر: ذكر.","vol":"7","page":483},{"text":"<span id=\"aya-3222\"> </span>(٦٣) - ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾: يرشِدُكم بالنُّجومِ ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ليلًا، وبعلاماتٍ في الأرض نهارًا.\nوالظُّلماتُ: ظلماتُ اللَّيالي، وإضافَتُها للبرِّ والبحر للملابَسةِ، أو مشتبِهاتُ الطُّرُقِ على الاستعارة.\n﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ مِن البِشارةِ، وقد مَرَّ في سورة الفرقان.\n﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: قدَّامَ المطرِ.\n﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: تعالى القادرُ الخالقُ عَن مشاركةِ العاجزِ المخلوقِ، تذييلٌ كالنَّتيجة للآياتِ السَّابقةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3223\"> </span>(٦٤) - ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إنَّما قيل لهم: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهم ينكرون الإعادة؛ لأنَّه أُزيحت عليهم بالتَّمكُّن (^١) من المعرفة والإقرار، ولم يبقَ لهم عذرٌ مِن الإنكار.\n﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بأسبابٍ سماوَّيةٍ وأرضيَّةٍ.\n﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعلُ ذلك.\n_________\n(^١) في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٦١٦): (بالتمكين).","vol":"7","page":484},{"text":"﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: حجَّتكم على إشراكِكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم أنَّ معَ الله إلهًا آخر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3224\"></span><span id=\"aya-3225\"> </span>(٦٥ - ٦٦) - ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ استثناءٌ من فاعل ﴿يَعْلَمُ﴾، و﴿الْغَيْبَ﴾ وهو ما لم يقمْ عليه دليل ولا اطَّلعَ عليه مخلوقٌ - مفعولُه و﴿اللَّهُ﴾ بدلُ مِن ﴿مَنْ﴾.\nوالمعنى: لا يعلمُ أحدٌ الغيبَ إلَّا الله.\nثمَّ إنَّ اللهَ يتعالى عن أن يكونَ ممَّن في السماوات والأرض، ولكنه جاء (^١) على لغة بني تميم حيث يُجْرُون الاستثناءَ المنقطِع مُجرى المُتَّصل، ويجيزون النَّصبَ والبدلَ في المنقطِع كما في المتَّصل، يقولون: ما في الدَّار أحدٌ إلا حمارٌ (^٢).\nنزلت الآية في المشركين حين سألوا رسول الله ﵇ عن وقتِ السَّاعةِ (^٣).\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ﴾: تقدَّمَ في الأعراف.\n﴿يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ﴾ أي: انتهى وتكاملَ، مِن أدركَتِ الفاكهةُ: تكاملت نضجًا.\n_________\n(^١) يعني: أن الاستثناء منقطع فيجب نصبه، لكن جاء رفعه على لغة بني تميم …\n(^٢) وضح ذلك الزمخشري في \"الكشاف\" (٣/ ٣٧٨) فقال: (يريدون: ما فيها إلَّا حمارٌ، كأنّ أحدًا لم يذكر).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٦٧).","vol":"7","page":485},{"text":"وقرئ: ﴿ادَّارَكَ﴾ (^١)، أي: استَحْكَمَ، وأصله: تَدَارَك، فأُدْغِمَتِ التَّاء في الدَّال، وزيدَ ألفُ الوصل لِيَمْكُنَ التَّكلُّمُ بها.\n﴿عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي: في شأنِ الآخرة، والمعنى: أنَّ أسبابَ استحكام العلم وتكامله بأنَّ القيامةَ كائنةٌ لا رْيبَ فيه قد حصلَتْ لهم، ومُكِّنوا مِن معرفته، وهم شاكُّون جاهلون.\nوذلك قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ والإضرابات الثَّلاث (^٢) تنزيل لأحوالِهم، وتكريرٌ لجهلِهم؛ وصَفَهم أوَّلًا بأنهم لا يشعرون وقتَ البعثِ، ثمَّ بانَهم لا يعلمون أنَّ القيامةَ كائنةٌ، ثمَّ بانَهم يخبطون في شكٍّ ومرْيةٍ فلا يزيلونه، والإزالةُ مستطاعةٌ، ثمَّ بما هو أسوءُ حالًا وهو العمى، وقد جعل الآخرةَ مبدأَ عماهم ومنشأَه، فلذا عدَّاه بـ (من) دون (عن)؛ لأنَّ الكفرَ بالعاقبة والجزاء هو الذي منعهم عن التَّدبُّر والتَّفكُّر.\nوجازَ أنْ يكونَ وصَفَهم باستحكام العلم وتكامله تهكُّمًا بهم، وذلك حيث شكُّوا وعَمُوا عن إثباته الذي الطَّريقُ إلى علمِه مسلوكٌ، فضلًا أن يعرفوا وقتَ كونِه الذي لا طريقَ إلى معرفَتِه.\nويجوز أن يكون ﴿ادَّارَكَ﴾ بمعنى: انتهى وفنيَ، مِن (^٣) قولِكَ: أدركَتِ الثَّمرةَ؛ لأنَّ تلكَ (^٤) غايتُها التي عندها تُعدم.\n_________\n(^١) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بقطع الهمزة وإسكان الدَّال من غير ألف، والباقون بوصل الألف وتشديد الدَّال وألف بعدها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٨).\n(^٢) في (ف): \"الثلاثة\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"وهو من \".\n(^٤) في (ك) و(م): \"ذلك\".","vol":"7","page":486},{"text":"وقد فسَّرها الحسنُ بـ: اضمَحَلَّ علمُهم وتداركَ، مِن تداركَ بنو فلان: إذا تتابَعوا في الهلاكِ (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3226\"> </span>(٦٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾؛ أي: مِن القبور أحياءً؟!\nوتكريرُ حرفِ الاستفهام إنكارٌ بعدَ إنكارٍ، ودليلٌ على كفْرٍ مُؤكَّدٍ مُبالَغٍ فيه، والعامل في (إذا) ما دَلَّ عليه ﴿لَمُخْرَجُونَ﴾، لا نفسُه؛ لأنَّ همزة الاستفهام و(إنَّ) ولامَ الابتداء كلٌّ منها يمنعُه عن العمل فيما قبله.\nوالضَّمير في (إنَّا) لهم ولآبائهم؛ لأنَّ كونهم ترابًا قد تناولهم وآباءَهم، لكنَّه غلبَتْ الحكاية على الغائب، و﴿وَآبَاؤُنَا﴾ عطف على الضَّمير؛ لأن المفعول ﴿تُرَابًا﴾ جرى مجرى التَّأكيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3227\"> </span>(٦٨) - ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾؛ أي: البعثَ ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: مِن قبل محمَّدٍ ﵇.\nقدِّم هنا ﴿هَذَا﴾ على ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾، وفي (المؤمنين) أُخِّرَ عنه؛ ليدلَّ على أنَّ المقصودَ بالذِّكر هنا البعثُ، وثَمَّ المبعوثُ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٧٩)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٦١١). وخبر الحسن رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٩١٤) بلفظ: (اضْمحَلَّ علمُهم في الدُّنيا حين عايَنوا الآخرةَ).","vol":"7","page":487},{"text":"﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما هذا إلَّا أحاديثُهم وأكاذيبُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3228\"> </span>(٦٩) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: آخِرُ أمرِ الكافرين، وفي ذكر الإجرام لطف بالمسلمين في ترك الجرائم، كقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3229\"> </span>(٧٠) - ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لأجلِ أنَّهم لم يتَّبعوكَ، ولم يُسْلِموا فيَسْلَموا.\n﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾: في حَرَجِ صَدْرٍ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾: مِنْ مكرهم وكيدهم لك، فإنَّ اللهَ يعصمُكَ مِن النَّاسِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3230\"> </span>(٧١) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعدُ العذابِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ العذابَ نازلٌ بالمكذِّب (^١)؟.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3231\"> </span>(٧٢) - ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"ذلك\".","vol":"7","page":488},{"text":"﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: تبعكم، (رَدِفَ) يتعدَّى بنفسه وباللَّام (^١)، ومَن وَهَمَ أنَّ تعديتَه باللَّام بتضمين معنى مثل: دنا (^٢)، فقد وَهِمَ؛ لأنَّ ذلك المعنى حاصل لـ ﴿رَدِفَ﴾، ثمَّ إنَّ تعديةَ دنا وقرب بـ (من) لا باللَّام (^٣).\n﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استعجلوا العذابَ الموعودَ، وهو عذابُ يومِ بدرٍ.\nو(عسى) و(لعلَّ) و(سوفَ) في وعد الملوك ووعيدهم يدلُّ على صِدْقِ الأمر وجِدِّهِ، وعلى ذلك جرى وعدُه تعالى ووعيدُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3232\"> </span>(٧٣) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ﴾؛ أي: إفضالِ ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ بترك المعاجلَة بالعذابِ.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: أكثرهم لا يعرفون حقَّ النِّعمة فيه ولا يشكرونه، بل يستعجلون لجهلهم وقوعَ العذابِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3233\"> </span>(٧٤) - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾: ما تُخفيه ﴿صُدُورُهُمْ﴾ قال الرُّماني: الإكنانُ: جعلُ الشَّيء بحيث لا يلحقُه أذًى لمانعٍ يصدُّه عنه.\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"ذكر في الأساس ويوافقه ما في الصحاح. منه \".\n(^٢) أي: بتضمين معنى فعلٍ يتعدى باللام مثل الفعل المذكور. والمقصود بالتوهيم هو البيضاوي، لكن دافع عنه الشهاب بما سنذكره في التعليق الآتي.\n(^٣) قال الشهاب متعقبًا: وتضمينه معنى دنا لأنَّه يتعدى بمن وإلى واللام كما في \"الأساس\" [(مادة: دنو)]، فمن اعترض عليه بأنه يتعدى بمن فقد سها، كسهوه في أنّ ردف بمعنى دنا فلا يصح أن يضمن معناه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٥٧).","vol":"7","page":489},{"text":"﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يُظهِرون، فليس تأخيرُ العذابِ لخفاءِ حالِهم، ولكن له وقتٌ مقدَّرٌ (^١)\n* * *\n\n<span id=\"aya-3234\"> </span>(٧٥) - ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ سُمِّيَ الشَّيءُ الذي يغيبُ ويخفى: غائبةً وخافيةً، والتَّاء فيها كالتَّاء في العافية والعاقبة (^٢)، ونظائرهما: الرَّميَّة والذَّبيحة والنَّطيحة في أنَّها (^٣) أسماءٌ غيرُ صفاتٍ، ويجوز أن يكونا صفَتَيْن، وتاؤهما للمبالغة كالرَّاوية (^٤).\n﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيِّنٍ أو مُبيِّنٍ مَا (^٥) فيه لِمَن يطالِعُه. والمرادُ مِن الكتاب: اللَّوحُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3235\"> </span>(٧٦) - ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (م) و(ي): \"إنما أخر ﴿يُعْلِنُونَ﴾ لنكتة نذكرها في تفسير سورة يس. منه \".\n(^٢) أي: هي للنقل إلى الاسمية، فتاؤها لا تدلُّ على تأنيث ما تُطلق عليه. وانظر التعليق الآتي.\n(^٣) في (ي) و(ع): \"أنهما\".\n(^٤) وتوضيح الكلام: أن ﴿غَائِبَةٍ﴾ يجوز أن تكون صفة منقولة إلى الاسمية سمي بها ما يغيب ويخفى، والتاء فيها للنقل كما تقدم، ويجوز أن تكون صفة غلبت في هذا المعنى، فكثر عدم إجرائها على الموصوف ودلالتها على الثبوت، وإن لم تنقل إلى الاسمية كمؤمن وكافر، فتاؤها ليست للتأنيث إذ لم يلاحظ لها موصوف تجري عليه كالراوية للرجل الكثير الرواية، فهي تاء مبالغة. والفرق بين المغلب والمنقول على ما قال الخفاجي: أن الأول يجوز إجراؤه على موصوف مذكر بخلاف الثاني. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٥٧)، و\"روح المعاني\" (٢٠/ ٥١).\n(^٥) في (ك) و(م): \"لما\".","vol":"7","page":490},{"text":"﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: يبيِّنُ لهم، والقَصصُ: كلامٌ يتلو بعضُه بعضًا فيما ينبئ عن المعنى.\n﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كالتَّشبيه والتَّنزيه، وأحوالِ الجنَّة والنَّار، وعُزَيرٍ والمسيح.\nوالاختلافُ: ذهابُ كلُّ واحدٍ إلى خِلاف ما ذهبَ إليه صاحبُه.\nوهذا تحريكٌ للمشركين على اتِّباع القرآنِ؛ فإنَّه لَمَّا كان فيه بيانٌ لأهل الكتاب، وهم يرجعون إليهم في كثير مِن أمورِهم، فكانَ حقَّهم أن يرجعوا إليه؛ لأنَّه مرجِعُ مرجعِهم، وكان منزَّلًا على مَن (^١) بُعِثَ منهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3236\"> </span>(٧٧) - ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنَّهم هم المنتفعون به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3237\"> </span>(٧٨) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ بينَ مَن آمنَ بالقرآن وبينَ مَن كفرَ.\n﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ أي: بعدله؛ لأنَّه لا يقضي إلَّا بالعدل، فسمي المحكوم به حُكمًا.\nأو: بحكمته، ويدلُّ عليه قراءة: (بِحِكَمِهِ) (^٢) جمع حِكمةٍ.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يُرَدُّ قضاؤُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بمَن يُقضى له، وبمَن يُقضَى عليه.\n_________\n(^١) \"من \"من (ك).\n(^٢) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١١).","vol":"7","page":491},{"text":"<span id=\"aya-3238\"> </span>(٧٩) - ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.\n﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: فلا تُبالِ بمعاداتهم ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ علَّلَ (^١) التَّوكُّلَ بأنَّه على الحقِّ الأبلج، وهو الدِّين الواضح، وفيه بيانُ أنَّ صاحب الحقَ حقيقٌ بالوثوق بحفظِه (^٢) على اللهِ ونصرِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3239\"> </span>(٨٠) - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.\n﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ تعليلٌ آخر للأمرِ بالتَّوكُّل من حيثُ إنَّه يقطع طمَعه مِن مشايعتهم ومعاضدتهم رأسًا، وإنَّما شُبِّهوا بالموتى لعدم انتفاعِهم باستماعِ ما يُتلَى عليهم، كما شُبِّهوا بالصّمِّ في قولِه:\n﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ثمَّ أكَّد حالَ الأصمِّ بقولِه:\n﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لأنَّه إذا تباعدَ عن الدَّاعي - بأنْ تولَّى عنه مدبرًا - كانَ أبعدَ عن إدراك صوتِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3240\"> </span>(٨١) - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٣٨٤). وقوله: \"لا يدركها … \" رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ١٢٤)، ومن طريقه الثعلبي في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٥) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ مرفوعًا، قول ابن كثير عند تفسير هذه الآية: إسناده لا يصح.\n(^٢) جزء من الحديث السابق.","vol":"7","page":492},{"text":"﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ﴾ الهداية لا يلزمها الاهتداء، دلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، فلا جرمَ زيدَ قولُه:\n﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ حتى يكون المنفيُّ الهدايةَ المنجيةَ عن الضَّلالة، لا مُطلَقَ الهدايةِ؛ لأنَّها غيرُ ممتنعةٍ في حقِّ العُمي.\n﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾: ما يُجدي إسماعُك ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾: إلَّا الذين يصدِّقون أنَّ القرآنَ كلامُ الله تعالى؛ إذ حينئذٍ يُثْبِتُ نبوَّته ﵇ فتقْبَلُ قولَه، فيجدِي إسماعُه نفعًا.\n﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: مخلِصون، من قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]؛ أي: جعله سالمًا لله خالصًا له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3241\"> </span>(٨٢) - ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ سمى معنى القول ومؤدَّاه - وهو ما وُعدوا مِن قِيامِ السَّاعة وعذابه - بالقول. ووقوعُه: حصولُه، والمراد: مشارفةُ السَّاعةِ وظهورُ أشراطِها.\n﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً﴾ هي الجسَّاسة، في الحديث: \"طولُها ستُّون ذراعًا، ولها أربعُ قوائم وزغبٌ وريشٌ وجناحان، لا يدركها طالبٌ، ولا يفوتها هاربٌ\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٢٢). ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٩٢٦)، لكن السائل والراوي عنده هو أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك. كما في \"التقريب\".","vol":"7","page":493},{"text":"﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: مِن أرض مكَّة؛ رُوي أنه ﵊ سُئِلَ عن مخرجها، فقال: \"من أعظم المساجد حرمةً على الله\" (^١) يعني: المسجدَ الحرامَ.\n﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ وقرئ: (تَكْلِمُهم) (^٢)، وقال أبو الجوزاء: سألْتُ عبدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ ﵁: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ أو (تَكْلِمُهم)؟ فقال: كلُّ ذلك تفعلُ؛ تكلِّمُ المؤمنَ ويمْلِمُ الكافرَ (^٣).\nوقيل: تكلِّم بالعربيَّة وتقول: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾: خروجِها وسائر أحوالِها فإنَّها مِن آياتِ اللهِ تعالى ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾: لا يتيقَّنون، وهو حكايةُ معنى قولها، أو حكايتُها لقول الله تعالى، أو علَّةُ خروجها (^٤).\nوقرئ: ﴿إِنَّ﴾ بالكسر (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3242\"> </span>(٨٣) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.\nثمَّ ذكرَ قيامَ السَّاعةِ فقالَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾؛ أي: واذكر يومَ نجمعُ مِن كلِّ أمَّه مِن الأمم زمرةً. و﴿مِنْ﴾ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ أمَّةَ كلِّ نبيٍّ وأهلَ كلِّ قرنٍ شامل للمصدِّقين والمكذِّبين.\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٢٢). ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٩٢٦)، لكن السائل والراوي عنده هو أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك. كما في \"التقريب\".\n(^٢) أي: أو هذا القول هو علة لخروجها على حذف الجار؛ أي: لأن الناس.\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٢٢). ورواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٩٢٦)، لكن السائل والراوي عنده هو أبو داود نفيع الأعمى، وهو متروك. كما في \"التقريب\".\n(^٤) أي: أو هذا القول هو علة لخروجها على حذف الجار؛ أي: لأن الناس.\n(^٥) قرأ الكوفيون بفتح الهمزة، وباقي السبعة بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٩).","vol":"7","page":494},{"text":"و(من) في قوله: ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ﴾ للتَّبيين.\n﴿بِآيَاتِنَا﴾ المُنزَّلة على أنبيائِنا.\n﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُحبَس أوَّلُهم على آخرِهم حتى يجتمعوا، ثمَّ يساقونَ (^١) إلى موضع الحسابِ، وهذه عبارةٌ عَن كثرة العَدَدِ، وكذا الفوجُ عبارة عن الجماعة الكثيرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3243\"> </span>(٨٤) - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾: حضروا موقفَ الحسابِ والسُّؤالِ ﴿قَالَ﴾ لهم تعالى تهديدًا: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾ المنزَلةِ على رُسُلي (^٢).\n﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الواو للحال، كأنَّه قال: أكذَّبتم بآياتي بادئ الرَّأي مِن غيرِ فكرٍ ولا نظرٍ يؤدِّي إلى إحاطة العلم بكُنْهِها، وأنَّها حقيقةٌ (^٣) بالتَّصديق أو بالتَّكذيب.\nأو للعطفِ؛ أي: أجمعتُم (^٤) بينَ التَّكذيب وعدم إلقاءِ الأذهان لتحقيقها.\n﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أم أيَّ شيءٍ كنتم تعملونه بعد ذلك؟ وهو للتَّبكيت إذْ لم يفعلوا غير التَّكذيب من الجهل، فلا يقدرون أنْ يقولوا: فعلنا غير ذلك.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"يساقوا\".\n(^٢) في (ف): \"رسولي\".\n(^٣) في (ت) و(ك) و(م): \"حقيق\".\n(^٤) في (ك): \"جمعتم\".","vol":"7","page":495},{"text":"وإنَّما جازَ دخول ﴿أَمْ﴾ على (ما) الاستفهاميَّة لهذه النكتة؛ فإنَّها خرجَتْ عن حقيقة الاستفهام إلى البَتِّ بالحكم، لا بالمعادِل بل بالأوَّل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3244\"> </span>(٨٥) - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾.\n﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾: أُحِلَّ بهم العذابُ الموعودُ بسبب ظلمِهم، وهو التَّكذيب.\n﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ فيشغلُهم عن النُّطق والاعتذار، قال الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3245\"> </span>(٨٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ليتحقَّقَ لهم التَّوحيدُ، ويرشدَهم إلى تجويزِ الحشر وبعثةِ الرُّسل.\n﴿أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنَّومِ والقَرارِ.\n﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ جعلَ الإبصار للنَّهار - وهو لأهله - للمبالغة فيه بجعلِ الإبصار حالًا مِن أحوال المجعول، بحيث لا ينفكُّ عنها، وهذا من باب ما حُذِفَ مِن أحد المتقابلَيْن ما أثبِتَ في الآخر، فالتَّقدير: جعلنا اللَّيل مظلمًا لتسكنوا فيه والنَّهار مبصرًا لتتصرَّفوا فيه.\nومَن غفل عن هذا قال: والتقابل مراعًى مِن حيث المعنى؛ لأنَّ ﴿مُبْصِرًا﴾ بمعنى (^١): ليُبصروا فيه طُرُقَ التَّقلُّب في المكاسب.\n_________\n(^١) في (ي) و(ع): \"لأن معنى مبصرًا\".","vol":"7","page":496},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ولدلالتها على الأمور الثَّلاثة؛ لأنَّ المعنى: ألم يعلموا أنَّا جعلنا اللَّيل والنَّهار قِوامًا لمعاشهم في الدُّنيا؛ ليعلموا (^١) أنَّ ذلك لم يُجعَلْ عبثًا، بل محنة وابتلاءً، ولا بدَّ عندَ ذلك من ثوابٍ وعقابٍ، فإذا لم يكونا في هذه الدَّار فلا بُدَّ مِن دارٍ أخرى للثَّواب والعِقابِ.\n﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خُصُّوا بتلك الآيات لاختصاصِ الانتفاعِ بها بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3246\"> </span>(٨٧) - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ﴾: واذكر يومَ ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾: هو قرنٌ، والنَّافخُ إسرافيل ﵇، روى أبو هريرة أنَّه يَنفخُ ثلاثَ نفخاتٍ: الأولى نفخة الفزع، ثم بعده بأربعين يومًا نفخة الصَّعق (^٢).\n_________\n(^١) في (ك): \"لعلموا\".\n(^٢) رواه إسحاق بن راهويه (١٠)، والطبري في \"تفسيره\" (٨/ ١٣٢)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٢٩٢٨) وهو جزء من حديث طويل. قال ابن كثير في \"تفسيره\" عند تفسير هذه الآية: (هذا حديث مشهور وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة وفي بعض ألفاظه نكارة. تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد اختلف فيه، فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة … وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة. وأما سياقه، فغريب جدا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقا واحدا، فأنكر عليه بسبب ذلك).\nقلت: والذي في الصحيحين عن أبي هريرة أنهما نفختان بينهما أربعون، دون تعيين التمييز، رواه البخاري (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥). ولم يرد في التعيين خبر يحتج به.","vol":"7","page":497},{"text":"فما قِيلَ: إنَّه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نُفِخَ في البوق؛ ليس بذاكَ.\n﴿فَفَزِعَ﴾ الفَزَعُ والجَزَعُ أخوان، لكنَّ الفَزَع ما يعتري من الشَّيء المخيف، والجَزَعَ ما يعتري من الشَّيء المؤلم.\n﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مِن الهول، وعبَّرَ عنه بالماضي للإشعارِ بصحَّة وقوعِه وأنَّه كائنٌ لا محالة، ولا حاجة إلى هذا الإشعار في الأوَّل لأنَّه منشأ الفَزَعِ، فالقَطْعُ بوقوعِ هذا يقتضي القَطْعَ بوقوعِ ذلك.\n﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أنَّه (^١) لا يفزَع (^٢)، بأنْ ثبَّتَ اللهُ قلبَه، قالوا: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، وقيل وقيل (^٣).\n﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ﴾: حاضرون الموقف بعد النَّفخة الثَّانية، أو راجعون إلى أمرِه.\n﴿دَاخِرِينَ﴾: صاغِريْنَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3247\"> </span>(٨٨) - ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.\n﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا﴾ حالٌ مِن المخاطَب.\n﴿جَامِدَةً﴾: واقفةً ممسكةً (^٤) عن الحركةِ، مِن جمدَ في مكانِه: إذا لم يبرحْ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ي) و(ع) و(م): \"لأنَّه\".\n(^٢) في (م): \"يقرع\".\n(^٣) \" وقيل\" زيادة من (ك) و(ي) و(م).\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م) زيادة: \"في مكانِه\". والمثبت من (ع) و(ي)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٢٣)،=","vol":"7","page":498},{"text":"﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾؛ أي: مرًّا مثلَ مرِّ السَّحاب، والمعنى: أنَّكَ إذا رأيْتَ الجبالَ وقتَ النَّفخةِ ظنَنْتَها ثابتةً في مكانٍ واحدٍ [لعظمها] (^١)، وهي تسيرُ سيرًا سريعًا كالسَّحاب إذا ضربَتْه الرِّيح، وهكذا الأجرامُ المتلاصقةُ المتكاثرةُ العددِ إذا تحرَّكَتْ لا تكاد تبينُ حركتها.\n﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر عملَ فيه ما دلَّ عليه: ﴿تَمُرُّ﴾؛ لأنَّ مرورَها كمرِّ السَّحاب مِن صنعِ اللهِ، فكأنه قيل: صَنَعَ اللهِ ذلك، وذُكرَ اسمُ اللهِ لأنَّه لم يُذْكَر قبلُ.\n﴿الَّذِي أَتْقَنَ﴾، أي: أحكمَ صُنْعَهُ، ولقد أصابَ عبارةُ (^٢) الصُّنع والإتقان محزَّهما (^٣)، وذلك أنَّ لقاءَ صورةِ الجبالِ بعدَما تخلخَلَتْ وصارَتْ كالعهن المنفوشِ دلَّ على كمالِ الإتقانِ مِن جهةِ الصُّنعِ، وهو تركيبُ الصُّور فيَ المادَّةِ.\nوهذا الإتقان ينتظِمُ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ قويًّا كان تركيبُه أو ضعيفًا.\n﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٤) عالمٌ بظواهرِ الأفعالِ وبواطنها، فيكافئهم على حسب ذلك.\n* * *\n_________\n= ولفظ البيضاوي (٤/ ١٦٩): ثابتة في مكانها.\n(^١) من \"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٢٣).\n(^٢) في (م) و(ي): \"عبارتنا \".\n(^٣) في (ع) و(ي): \"محزها\".\n(^٤) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر من رواية هشام، وقرأ باقي السبعة: ﴿تَفْعَلُونَ﴾ بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٩).","vol":"7","page":499},{"text":"<span id=\"aya-3248\"> </span>(٨٩) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾.\nثمَّ لخَّصَ ذلك بقولِه: ﴿مَنْ جَاءَ﴾ يومَ القيامة ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ قالَ أكثرُ المفسِّرين: الحسنةُ هاهنا كلمةُ الإخلاص، والسَّيئةُ ضدُّها وهو الشِّركُ؛ لأنَّه قالَ في حقِّها: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾.\n﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾؛ أي: خيرٌ حاصلٌ مِن جهتِها.\n﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ﴾: شديدٍ؛ أي: مِن فزعٍ شديدٍ مفرِطِ الشِّدَّةِ، وهو خوفُ النَّارِ، أو: مِن فزعٍ مّا وإنْ قَلَّ.\nوقرئ بالإضافة إلى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ (^١) لأَنَّه جعل (يوم) مع (إذ) كالاسم الواحد، والمرادُ: يومُ القيامةِ.\n﴿آمِنُونَ﴾ أمِنَ تعدَّى بالجارِّ وبنفسِه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3249\"> </span>(٩٠) - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ﴾ يُقالُ: كبَّه وأكبَّه: إذا نكسَه.\n﴿وُجُوهُهُمْ﴾ أنفسهم، يُعبَّر عن الجملةِ بالوجه كما يُعبَّر بالرَّأس والرَّقبة عنها (^٢)\n_________\n(^١) بالإضافة وفتح الميم، وهي قراءة نافع في المشهور عنه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتنوين وفتح الميم، وباقي السبعة بالإضافة وكسر الميم. قال ابن مجاهد: (ولا يجوز مع التنوين إلَّا فتح الميم، فإذا لم تنون جاء الفتح والكسر). انظر: \"السبعة\"، و\"التيسير\" (ص: ١٧٠).\n(^٢) قوله: \"يعبر عن الجملة بالوجه كما يعبر بالرأس والرقبة عنها\" في (ف) جاءت بعد قوله: \"في النار\".","vol":"7","page":500},{"text":"﴿فِي النَّارِ﴾؛ أي: ألقوا على رؤوسهم فيها (^١)، ويقال لهم تبكيتًا عندَ الكبِّ:\n﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا مِن الشِّركِ والمعاصي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3250\"> </span>(٩١) - ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ مكَّة خصَّها مِن بينِ البلادِ بإضافة اسمه إليها؛ لأنَّها أحبُّ بلادِه إليه وأعظمُها عندَه، وأشار إليه بقوله: ﴿هَذِهِ﴾ إشارةَ تعظيم لها وتقريبٍ دالًّا على أنَّها موطنُ (^٢) نبيِّه ﵇ ومَهبِطُ وحيِهِ.\n﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾: جعلها حَرَمًا آمنًا ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ خَلقًّا وَملكًا. وصفَ ذاته بالتَّحريم الذي هو خاصُّ وصفِها، وجعلَ دخولَ كلِّ شيءٍ تحتَ ربوبيَّتِه وملكوتِه كالتَّابعِ لِدُخولِها تحتَها، ولا خفاءَ في أنَّ إجراءَ الوصفِ على الله تعالى تعظيمٌ لشأنِ الوصف ولشأنِ ما يتعلَّق به الوصفُ، وزيادةُ اختصاصٍ له بمَن أُجْرِي عليه الوصف، وجعل ذلك كالمسلَّم المفروغ عنه، ولا كذلك لو قيل: (التي حرَّمها) ووُصِفت البلدة تخصيصًا أو مدحًا.\n﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: المنقادِينَ له.\n* * *\n_________\n(^١) \"أي: ألقيَ على روْوسهم فيها\" سقطت من (ك) و(ف)، ووقع في (ع) و(م) و(ي): \"ألقي\"، والمثبت من هامش (م)، وفيه: \"لعله: ألقوا\"، وهو الموافق لما في \"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٢٤).\n(^٢) في (ك) زيادة: \"بيت \".","vol":"7","page":501},{"text":"﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.\n﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ مِن التِّلاوة أو مِن التُّلوِّ؛ لقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩].\nأمرَ الرَّسول بأنْ يقولَ: أُمرْتُ (^١) أنْ أخصَّ اللهَ تعالى وحدَه بالعبادةِ، ولا أتَّخذَ له شريكًا كما فعلَتْ قريشٌ، وأنْ أكونَ مِن الحنفاءِ الثَّابتين على مِلَّةِ الإسلام، وأنْ أتلوَ القرآن لأعرِفَ الحلالَ والحرامَ وسائرَ الأحكام، وما يقتضيه الإسلام.\n﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ باتِّباعِه إيَّايَ في ذلك.\n﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فمنفعةُ اهتدائِه راجعةٌ إليه لا إليَّ.\n﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بمخالفتي. وحذفَ جواب هذا لدلالة مقابِلِه عليه؛ أي: فمضرَّة ضلاله راجعةٌ إليه لا إليَّ.\nولَمَّا حذفَ ذلك أُقِيمَ تعليلُه مقامَه، وهو قوله: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: وما أنا إلَّا رسولٌ منذرٌ، وما على الرَّسولِ إلَّا البلاغ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3251\"> </span>(٩٢) - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثمَّ أُمِرَ أنْ يحمدَ اللهَ تعالى على نعمة النُّبوَّةِ، أو على التَّوفيقِ للعلمِ والعملِ به (^٢).\n_________\n(^١) في (ف): \"وأمرت\".\n(^٢) \"به\" زيادة من (م) و(ي) و(ع).","vol":"7","page":502},{"text":"﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ القاهرةَ في الدُّنيا، أو في الآخرة.\n﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾: فتعرفونَ أنَّها آياتُ اللهِ تعالى، ولكنْ حينَ لا تنفعُكُم المعرفَةُ.\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا يغرَّنَّكُم تأخيرُ العقوبةِ؛ فإنَّه إمهالٌ لا إهمالٌ.\n* * *","vol":"7","page":503},{"text":"<span data-type='title' id=toc-92>سُورَةُ القَصَصِ</span>\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-3253\"></span><span id=\"aya-3254\"> </span>(١ - ٢) - ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.\n﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَبانَ لازمٌ ومُتعدٍّ، أي: مُبينٌ خيرَه وبركتَه، أو: مُبينٌ لِمَا أُبهم (^١) بيانُه.\nوالبيانُ: إظهارُ المعنى للنفس بما يميِّزه عن غيرِه، مشتقٌّ مِن: أَجبنتُ كذا، إذا فصلتَه منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3255\"> </span>(٣) - ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿نَتْلُو﴾: نقرأ ﴿عَلَيْكَ﴾، أي: يَقرأ جبريلُ ﵇ بأمرنا، ومفعول ﴿نَتْلُو﴾:\n﴿مِنْ نَبَإِ﴾؛ النَّبأُ: الخبرُ عمَّا هو عظيمُ الشأن.\n﴿مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾، أي: نتلو عليكَ بعضَ خبرِهما ﴿بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّهم هم المنتفِعونَ به (^٢).\n_________\n(^١) في (ي): \"بما يُهِمُّ \"، وفي (ع): \"انمايهم\".\n(^٢) في هامش (ف) و(م): \"قد مرَّ في السورة السابقة أنه لا حاجة إلى التأويل في مثل هذا بحمل المؤمن على من يؤمن في علمه تعالى، كما زعم صاحب الكشاف ومن تبعه. منه\".","vol":"8","page":7},{"text":"<span id=\"aya-3256\"> </span>(٤) - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ استئنافٌ مبيِّن لذلك البعض.\n﴿عَلَا﴾: تعاظَمَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: مصرَ، وإنَّما عبَّر عنه بما هو اسمٌ لجهة السُّفْل؛ إشعارًا بأنَّه أَظهرَ ضدَّ ما يليقُ بشأنه.\n﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (^١): فِرَقًا، بأنْ أغرى بينهم العداوةَ؛ كيلا يتَّفقوا، فهو كالتمهيد لِمَا استأنف بإخباره في قوله:\n﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً﴾ هم بَنُو إسرائيل ﴿مِنْهُمْ﴾ من الشِّيَع المذكورة؛ فإنَّهم لو كانوا متَّفقين لَمَا تيسَّر له ذلك.\n﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ بدلٌ مِن الاستئناف السابق، وقد تقدَّم تفسيره في سورة الأعراف.\n﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: مِن زمرة المعروفينَ بالفساد، فلذلك اجْتَرَأَ على قَتْل خَلْقٍ كثيرٍ لتخيُّلٍ فاسد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3257\"> </span>(٥) - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.\n﴿وَنُرِيدُ﴾ حكايةُ حالٍ ماضيةٍ معطوفة على ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ من حيث\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م): \"جمع شيعة، وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب، من شاعه: إذا تبعه، من تفسير سورة الحجر. منه \".","vol":"8","page":8},{"text":"إنَّهما واقعان تفسيرًا للنبأ، أو حالٌ مِن ﴿يَسْتَضْعِفُ﴾، ويجوز أن يتحقَّق تعلُّق الإرادة بتكوين في زمانٍ مترقَّب، وهذا لتكون نعمةُ المنَّة أوقعَ، وسلطانُ التقدير على التدبير أظهرَ.\n﴿أَنْ نَمُنَّ﴾: نتفضَّل عليهم بإنقاذهم من بأسه.\n﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وإنَّما قال: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ مع عدم الحاجةِ إليه هاهنا ليتمشَّى جعلُ التعريف في ﴿الْوَارِثِينَ﴾ عِوَضًا عن الإضافة إليها (^١).\n﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾: مقدَّمين في أمرِ الدنيا والدِّين.\n﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾؛ أي: يرثون الأرضَ المعهودةَ، لمَّا كانت الوراثةُ أقوى سببٍ في الاستحقاق والتملك حيث لا يُعقَب بفسخٍ ولا استرجاعٍ، ولا يُبطَل بِرَدٍّ وإسقاطٍ، استُعيرت لاستحقاقهم بمنِّ الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3258\"> </span>(٦) - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.\n﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ﴾ أصل التمكين أن تجعل للشيء مكانًا يَقعد عليه ويَرقد فيه، ثم استُعير للتسليط وإطلاقِ الأمر.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أظهر في مقامِ الإضمار؛ تفخيمًا لشأن تلك الأرض.\n﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ كان هامانُ وزيرَ فرعون ومدبِّرَ ملكه، فلذلك شَرَّكهُ في إضافةِ الجنود إليهما.\n_________\n(^١) \"إليها\" من (م) و(ي).","vol":"8","page":9},{"text":"﴿وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾: من بني إسرائيل، ويتعلَّق بـ ﴿وَنُرِيَ﴾ دون: ﴿يَحْذَرُونَ﴾؛ لأن الصلة لا تتقدَّم على الموصول.\n﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من ظهورِ موسى ﵇، وأمَّا ذهابُ ملكهم وهلاكُهم فليسا ممَّا أُرُوْا هم (^١).\nالحَذَرُ: التوقِّي من الضرورة، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لبيان استمرارهم مدَّة مديدة على ذلك الحذر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3259\"> </span>(٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ قد تقدَّم تفسيره في سورة طه.\n﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾؛ أي: أَلقِمي ثديَكِ فَمَهُ، و﴿أَنْ﴾ تفسيريَّة أو مصدريَّة.\n﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ مِن القَتْل، بأنْ يَسمع الجيرانُ صوتَه فيَنمُّوا عليه.\n﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قد مرَّ تفصيله في سورة طه.\n﴿وَلَا تَخَافِي﴾ مِن الغَرَق والضياع ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ بفراقِه، والإخطارِ به، الخوفُ: هَمٌّ يلحقُ لمتوقَّع، والحزنُ: هَمٌّ يلحقُ لواقعٍ.\n﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ بوجهٍ لطيف لتربِّيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ في هذه الآية أمرانِ ونهيانِ وخبرا بشارة.\n* * *\n_________\n(^١) في النسخ: \"رأوهم\" والصواب المثبت. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٦٤). والمراد أن ذلك مما رآه بنو إسرائيل، ولم يروه هم؛ أي: قوم فرعون.","vol":"8","page":10},{"text":"<span id=\"aya-3260\"> </span>(٨) - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.\n﴿فَالْتَقَطَهُ﴾ الفاء فصيحةٌ تُفصِح عن محذوف تقديره: فأَرضَعَتْه إلى أنْ خافت عليه فأَلقته في اليَمِّ فالتقطه ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: أَخَذوه، وقد وجدوهُ من غير طلبٍ، وهو معنى الالتقاط، ومنه: اللَّقيط واللُّقَطة.\n﴿لِيَكُونَ لَهُمْ﴾، أي: ليصيرَ الأمر إلى ذلك، لا أنَّهم أَخَذوه له، كقولهم: للموتِ ما تَلِدُ الوالدةُ، وعن هذا سَمَّوا هذه اللامَ لامَ العاقبة والصيرورة، وهي في الحقيقة لامُ التعليل، وذلك أن كونه لهم ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لمَّا كان نتيجةَ التقاطهم له وثمرتَه، شبَّهه بالداعي الذي يفعل الفاعل لأجله، وبعد اعتبار هذا التشبيه على طريق الاستعارة المَكْنيَّة لم يبق حاجةٌ إلى التجوُّز في اللام كما سبق إلى بعض الأوهام (^١).\n﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وقرئ (^٢): ﴿وَحَزَنًا﴾ (^٣)، وهما لغتان كالعَدَم والعُدْم.\n﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ كان هامانُ مدبِّرَ ملكِ فرعونَ وسائسَ جنده، فلذلك أضافهم إليهما.\n﴿كَانُوا خَاطِئِينَ﴾: مُذنِبين، فعاقبهم اللهُ تعالى بأنْ ربَّى عدوَّهم ومَن هو سبب هلاكهم على أيديهم.\nأو: كانوا خاطئين في كلِّ شيءٍ، فليس خَطؤهم في تربية عدوِّهم ببِدْعٍ منهم.\n_________\n(^١) من قوله: \"وهي في الحقيقة ..... \" إلى هنا، سقط من (ع) و(ي).\n(^٢) \"وقرئ\" من (ف).\n(^٣) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧١).","vol":"8","page":11},{"text":"وقرئ: ﴿خَاطِئِينَ﴾ (^١) بتخفيف: خاطئين، أو: خاطين الصوابَ إلى الخطأ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3261\"> </span>(٩) - ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعونَ حين أُخرِج من التابوت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ (^٣) قد مرَّ تفسيره في سورة الفرقان.\n﴿لِي وَلَكَ﴾ أي: هو قرَّة عينٍ لنا؛ لأنَّه لمَّا رَأَياهُ حين أُخرج من التابوت أحبَّاه، وفي الحديث أنَّه قال: هو لكِ لا لي، ولو قال: لي كما هو لكِ، لهداهُ الله تعالى كما هداها (^٤).\n﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ الخطاب بلفظ الجمع للتعظيم ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فإنَّ فيه مخايلَ اليُمْنِ ودلائلَ النفع، وذلك لمَّا رَأَت بُرْءَ البرصاءِ (^٥) بريقه.\n﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: أو نتبنَّاه فإنَّه أهلٌ له.\n_________\n(^١) قراءة أبي جعفر. انظر: \"النشر\" (١/ ٣٩٧).\n(^٢) فهو من خطا يخطو.\n(^٣) بعدها في (ف) و(م): \"لي ولك \".\n(^٤) ورد بنحوه ضمن خبر طويل جدًّا رواه النَّسَائِيّ في \"الكبرى\" (١١٢٦٣)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٦١٨).\n(^٥) في (ف) و(ك) و(م): \"البرصاء برئت \"، بدل: \"برء البرصاء\". وكلاهما صواب، والبرصاء هي بنت لفرعون لما أخرج موسى ﵇ من التابوت عمدت إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت من ساعتها. كذا جاء في خبر طويل رواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٧/ ٢٣٤ - ٢٣٦)، وابن عساكر في \"تاريخه\" (٦١/ ٢٠ - ٢٢)، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا.","vol":"8","page":12},{"text":"﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ، وذو حالها ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ وتقدير الكلام: فالتقطه آلُ فرعون ليكون لهم عدوًّا وحَزَنًا، وقالت امرأة فرعون كذا وكذا، وهم لا يشعرون أنَّهم على خَطَرٍ عظيمٍ في التقاطِه ورجاءِ النفع في تبنِّيه، وقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، جملة اعتراضية واقعةٌ بين المعطوفين مؤكِّدة لمعنى خَطَائهم.\nوقيل: هو تمامُ كلامِ امرأةِ فرعونَ؛ أي: نتَّخذه ولدًا والناسُ لا يشعرون أنه مُلتَقَط، بل يظنُّون أنَّه وَلَدُنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3262\"> </span>(١٠) - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى﴾ معطوفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه سياقُ الكلام.\n﴿فَارِغًا﴾: صُفْرًا مِن العقل لِمَا دَهَمها من الخوف والحَيْرةِ حين سمعت وقوعَه في يَدِ آلِ فرعون.\nوقيل: مِن الهَمِّ؛ لفرط وثوقها بوعد الله تعالى، ولسماعها أنَّ فرعونَ عَطَف عليه وتبنَّاه.\nويأباه قوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ويردُّه على الثاني قوله: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾.\n﴿إِنْ﴾ مخفَّفةٌ من الثقيلة؛ أي: ﴿كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: لتُظهِر به، والضمير لموسى، والمراد: أمره، والباء صلة.\n﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ الربط على القلب: تقويته بإلهامِ الصبر والثبات.\n﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: من المصدِّقين بوعدنا، وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف؛ أي: لأَبدَتْه.","vol":"8","page":13},{"text":"<span id=\"aya-3263\"> </span>(١١) - ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾؛ أي: اتَّبِعي أثَره؛ أي: أثَرَ الملتقطِينَ له وتتبَّعي خبرَه.\n﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾؛ أي: رَأَتهُ، والفاء فصيحة ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عن بُعُدٍ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: آلُ فرعونَ لا يَعلمون أنَّها أختُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3264\"> </span>(١٢) - ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\n﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ تحريمَ منعٍ لا تحريمَ شرعٍ؛ أي: مَنَعنا أن يرضعَ ثديًا، والمراضع: جمع مُرْضِع، وهي المرأةُ التي تُرضِع، أو جمع مَرْضَع، وهو موضعُ الرَّضاع بمعنى الثدي، وقيل: أو الرَّضاع، ولا يلائمه الجمع.\n﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أنْ رأته أخته.\n﴿فَقَالَتْ﴾ أختُه وقد دخلت دارَ فرعون بين المراضع ورَأَته لا يَقبلُ ثديًا:\n﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾: أُرشدكم ﴿عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ﴾ احترز بذلك (^١) عن الرِّقِّ ودناءَة الأصل؛ فإنَّهما مَّما يُحتَرز عنه في أمرِ الرضاع.\n﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ بالإرضاع وغيره ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والنصح: إخلاصُ العمل من شائبِ الفساد، وهو نقيض الغِشِّ.\nروي: أنَّ هامان لمَّا سمعها (^٢) قال: إنَّها لتعرفُه وأهلَه، خذوها حتى تُخبرَ بحاله.\n_________\n(^١) في (ك): \"أخبرته بذلك احترازًا\".\n(^٢) في النسخ: \"سمعه\"، والصواب المثبت.","vol":"8","page":14},{"text":"فقالت: إنَّما أردتُ: وهم للمَلِك ناصحونَ، فأمرها فرعونُ بأن تأتيَ بمَن يكفله، فأَتَت بأمِّها وموسى على يدِ فرعونَ يبكي وهو يعلِّله، فلمَّا وجد ريحَ أمِّه استأنسَ والتَقَمَ ثديَها، فقال لها: مَن أنتِ منه، فقد أَبَى كلَّ ثديٍ إلَّا ثديك. قالت: إنِّي امرأةٌ طيِّبةُ الرِّيح طيِّبةُ اللَّبنِ، ما أُوتَى بصبيٍّ إلَّا قبِلني. فدفعه إليها وأَجرى عليها، فرجعت به إلى بيتها مِن يومها وهو قوله:\n\n<span id=\"aya-3265\"> </span>(١٣) - ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بالمُقام معه ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بفراقه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عِلْمَ مشاهدةٍ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ موعدَه حقٌّ فيرتابون فيه، فيشبه التعريضَ بما فرَط منها حين سمعت بخبرِ موسى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3266\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾: مبلغَه الذي لا يزيد عليه نشؤه، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأقاليم.\n﴿وَاسْتَوَى﴾: واعتدلَ وتمَّ استحكامُه.\n﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾: حكمةً ﴿وَعِلْمًا﴾: فقهًا في الدين قبل أن يُبعَث نبيًّا.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الذي فعلنا بموسى وأمِّه ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.\n* * *","vol":"8","page":15},{"text":"<span id=\"aya-3267\"> </span>﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾: مدينةَ فرعون - وهي منف (^١) - بعد أن غاب عنها (^٢) مدة.\n﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وهو وقتُ القائلةِ، وقيل: ما بين العِشاءَين، ويأباه قوله: ﴿اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾.\nوإنما قال: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ لأنَّ الغفلةَ هي المقصودةُ، فصار هذا كما تقول: جئتُ على غفلةٍ، وإن شئتَ قلتَ: جئتُ على حينِ غفلةٍ، بخلاف ما إذا أضفتَ إلى ما ليس بمقصود، كما إذا قلت: جئتُ حينَ غروب الشمس.\nقيل: لمَّا أُوتيَ موسى ﵇ حكمًا وعلمًا، عابَ ما عليه قومُ فرعون، وفَشَا ذلك منه، فأخافوه فخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلَّا خائفًا مستخفيًا.\n﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أحدهما سِبْطيٌّ والآخر قِبْطيٌّ، والإشارة إلى الحكاية، وفي عبارة العدوِّ نوع إشارة إلى ما نقلناه آنفًا.\n﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾: فسأله أنْ يُغيثه بالإعانة، ولذلك عُدِّيَ بـ (على).\n﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾، أي: دَفَع صدرَه بجُمْع كفِّه\n_________\n(^١) بفتح الميم وسكون العين، كذا قال ياقوت، وقال الشهاب الخفاجي في \"الحاشية\" (٧/ ٦٧): بضم الميم، وفتحُها وإن ذكره بعضهم لا يوثق به، والنون ساكنة، وهي ممنوعة من الصرف والمعروف فيها منوف. اهـ. وقال ياقوت: بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ، وبينها وبين عين شمس ستة فراسخ. انظر: \"معجم البلدان\" (٥/ ٢١٣).\n(^٢) في النسخ: \"عنه\"، والصواب المثبت.","vol":"8","page":16},{"text":"﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: فقتَلَه، أصله: أنهى حياتَه، من قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦].\n﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إشارةٌ إلى القتل الحاصل بغيرِ قصدٍ، وإنَّما جعل قتل الكافر مِن عمل الشيطانِ وسمَّاه ظُلْمًا لنفسه واستغفر منه؛ لأنَّه لم يُؤذَن له في القتل، وعن [ابن] جريج: ليس لنبيٍّ أنْ يَقتُلَ ما لم يُؤمَر (^١). ولا يَقدح ذلك في عصمته ﵇، لكونه خطأ.\n﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر الإضلال، ويلزمه ظهور العداوة بدون العكس.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3268\"> </span>(١٦) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقَتْله ﴿فَاغْفِر﴾ ذنبي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ باستغفاره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ المستغفرين ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3269\"> </span>(١٧) - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ قَسَمٌ جوابه محذوف تقديره: أُقسِم بإنعامِك عليَّ من المغفرة وغيره لأتوبنَّ ﴿فَلَنْ أَكُونَ﴾ إنْ عصمتني ﴿ظَهِيرًا﴾: معينًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾: الكافرين.\nأو استعطاف، كأنه قال: ربِّ اعصِمني بحقِّ ما أنعمتَ عليَّ من المغفرة، فلن أَكون إن عصمتني ظهيرًا للمجرمين.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (١/ ١٦٨)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"8","page":17},{"text":"وأراد بمظاهرة المجرمين: صحبتُه فرعونَ وانتظامُه في جملته وتكثيرُ سواده، حيثما كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد.\nوقيل: أراد: أن لا أُعِينَ بعد هذا سِبطيًّا، وكان يومئذ السِّبط كفَّارًا، ومعنى ﴿مِنْ شِيعَتِهِ﴾: مِن فرقته المتعصِّبة له نَسَبًا لا دِينًا، قال ابنُ عباس: فلم يَستثن - أي: لم يقل: إن شاء الله - فابتلي ثانيًا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3270\"> </span>(١٨) - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ مِن قتل القبطيِّ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾؛ أي: ينتظر ما يَحدث بعده.\n﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) للمفاجأة، وما بعده مبتدأ ﴿اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يصيحه مِن بعيد مستغيثًا من قبطيٍّ آخَرَ.\n﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾؛ أي: لذلك السِّبطيِّ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بيِّن الغواية؛ لأَنَّك تُشارُّ مَن لا تطيقه.\nوقيل: لأنك تسبَّبت لقَتْل رجلٍ وتقاتلُ آخَرَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3271\"> </span>(١٩) - ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾.\nولا يناسبه: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ لأنَّ تذكُّر موسى ﵇ تسبُّبه\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٢٩٨).","vol":"8","page":18},{"text":"لذلك المحظورِ باعث الإحجام لا باعث الإقدام، وإنَّما زيد (أنْ) للتأكيد والتقوية لمعنى الإرادة، والمقام يقتضيها، وذلك أنَّ إرادةَ البطشِ ليست على حقيقتها؛ لأنَّها لا تصلُح (^١) لأنْ تكون سببًا للخوف، بل كناية عن بَسْط اليدِ نحو المقصود بالبطش، والتي يَتبعها الفعلُ ويرادفها إنَّما هي الإرادة البالغة إلى حدِّ العزم لا مطلق الإرادة.\n﴿بِالَّذِي﴾، أي: بذلك القبطيِّ الذي ﴿هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾: لموسى والسِّبطيِّ.\n﴿قَالَ﴾ السِّبطيُّ لموسى ﵇ وقد توهَّم أنه أراد أخذَه لا أخذَ القبطيِّ، حيث أَغلظ له في القول:\n﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾، أي: ما تريد.\n﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا﴾ الجبَّار فعَّال، مِن جَبَرهُ على الأمرِ بمعنى: أَجبره، وهو الذي يُجبِر الناسَ على ما يريده.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: أرض مصر.\n﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بينَ الناس فتدفعَ التخاصُمَ بالذي هي أحسن، وكان قَتْل القبطيِّ بالأمسِ قد شاعَ ولكن خَفِيَ قاتلُه، فلمَّا أفشى على موسى ﵇ عَلِم القبطيُّ أنَّ قاتلَه موسى، فأَخبر مَلَأَ فرعونَ، فهمُّوا بقتله، فخرج مؤمنٌ مِن آلِ فرعونَ وهو ابن عمِّه ليخبره كما قال:\n\n<span id=\"aya-3272\"> </span>(٢٠) - ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"لا يصح\".","vol":"8","page":19},{"text":"﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾: يُسرع، صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾، أو حالٌ منه إذا جعل من ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ صفةً له لا صلةً لي (جاء)؛ لأنَّ تخصيصه بها يُلحِقه بالمعارف.\n﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾: يتشاورونَ بسببِك، وإِنَّما سِّمي التشاورُ ائتمارًا؛ لأنَّ كلًّا من المتشاوِرَيْن يأمرُ الآخَرَ وَيأتمرُ.\n﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ اللام للبيان، وليس بصلة لـ ﴿النَّاصِحِينَ﴾؛ لأنَّ معمولَ الصلة لا يتقدَّم على الموصول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3273\"> </span>(٢١) - ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَخَرَجَ مِنْهَا﴾: من المدينة ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ التعرُّضَ له في الطرق (^١)، أو أنْ يَلحقه مَن يَطلبه.\n﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: خلِّصني منهم، واحفظني مِن لحوقهم.\n* * * *\n\n<span id=\"aya-3274\"> </span>(٢٢) - ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\n﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ﴾ التوجُّه: الإقبالُ على الشيء ﴿تِلْقَاءَ﴾: قبَالةَ ﴿مَدْيَنَ﴾ قرية شعيب ﵇، سُمِّيت باسم مدين بنِ إبراهيم ﵇، ولم تكن في سلطان فرعونَ، وكان بينها وبين مصرَ ثمانيةُ أيام، قال ابن عباس ﵄: خرج ولم يكن له علمٌ بالطريق إلَّا حسن ظنِّه بربِّه (^٢).\n_________\n(^١) قوله: \"في الطرق\" سقط من (ي).\n(^٢) رواه الطبريُّ في \"التفسير\" (١٨/ ٢٠٣).","vol":"8","page":20},{"text":"﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: وَسَطَه ومُعظَمَ نهجه، فجاءَه ملكٌ فانطلق معه إلى مدين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3275\"> </span>(٢٣) - ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾:\n﴿وَلَمَّا وَرَدَ﴾ وصل ﴿مَاءَ مَدْيَنَ﴾: ماءَهم الذي يستقون منه، وكان بئرًا.\n﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ فوق شَفيرها ﴿أُمَّةً﴾: جماعةً كثيرة ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ إنَّما قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ مع أنَّ السقي لا يكون إلَّا منهم؛ تنزيلًا لشأنهم، كأنَّه قيل: كانوا لئامًا لا يستحقُّون إلَّا التعبير باسم الجنس، بل هم في ذلك في درجةٍ احتاجوا إلى بيانِ كونهم من جنسِ الإنس.\n﴿يَسْقُونَ﴾ مواشيَهم.\n﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾: في مكانٍ أسفلَ مِن مكانهم.\n﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: تُطرَدان غنمهما (^١) عن الماء؛ لعَجْزهما عن المزاحمة مع تلك الأمَّة، تركَ المفعول في ﴿يَسْقُونَ﴾ و﴿تَذُودَانِ﴾؛ لأنَّ الغرضَ هو الفعلُ لا المفعولُ، إذ هو يكفي في البَعث على سؤال موسى ﵇، وما زاد على المقصود يُعدُّ لُكْنةً وفضولًا، وأمَّا البعث على المرحمة، فليس هذا موضعه، فإنَّ له قولهما: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) تحرفت في النسخ إلى: \"عنهما\"، والصواب المثبت. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٢٨٣)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ٢٥٧)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٣٦) والكلام منه.","vol":"8","page":21},{"text":"﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؛ أي: ما شأنكما تذودانِ؟ سَأَلهما عن سبب الذَّود، فأَجابا بما مرجعه إلى العَجْز عن المزاحمة، أو الاجتناب عن المخالطة.\nولمَّا اتَّجه أنْ يُقال: خِدمةُ السقي كانت للرجال، فما بالُكم تباشرونها؟ تداركتا الاعتذار عنه بما تقديره: ليس لنا راعٍ وأبونا شيخٌ كبيرٌ، فحذف صدر الكلام الاستئنافي؛ لدلالة الواو الفصيحة في أوَّل الباقي عليه.\n﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ غَنَمَنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: يَصرف الرِّعاءُ مواشيَهم عن الماء.\nوقرئ: ﴿يَصْدُرَ﴾ (^١)؛ أي: يَنصَرف.\nو﴿الرِّعَاءُ﴾: جمع راعٍ، وقرئ: ﴿الرِّعَاءُ﴾ بضمِّ الراء (^٢)، وهو اسمُ جمعٍ كالرُّخال (^٣).\n﴿وَأَبُونَا﴾ عطف على محذوف بيَّنَّاه آنفًا ﴿شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ في السّنِّ لا يَقدِرُ على السَّقْي والرَّعْي.\n* * *\n_________\n(^١) قرأ بها ابن عامر وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧١).\n(^٢) انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٢)، ونسبها لبعضهم.\n(^٣) في (ف) و(ك) و(م): \"كالرضاء\"، والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٠١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٧٥). والرخال بضم الراء المهملة والخاء المعجمة وفي آخره لام: جمع رَخِلة ورِخلة بكسر الراء، وهي الأنثى من أولاد الضأن. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٦٩).","vol":"8","page":22},{"text":"<span id=\"aya-3276\"> </span>(٢٤) - ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾.\n﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: فسقى غنمهما لأجلهما رغبةً في المعروف وإغاثةً للملهوف، روي أنه كانت هناك بئرٌ أخرى عليها صخرة، فأَقَلَّها وحدَهُ واستقى منها.\n﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾: إلى ظلِّ الشجرة.\n﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ يحتاج إلى الطعام.\nقيل: كان لم يَذُق طعامًا سبعةَ أيام، وقد لَصقَ ظهرُه ببطنه، قد كان يكفيه: ربِّ إنِّي فقيرٌ، إلَّا أنه قدَّم بيانَ سبب حاجته؛ تمهيدًا للاعتذار عمَّا ارتكبه من مخالفة المعتادِ بالخروج إلى السفرِ البعيد بلا زاد، ومراده مِن النازلة المذكورة ما ابتلاهُ اللّهُ مِن قَتْله القبطيَّ، فإنه كان سببًا لهربه مِن مصرَ بلا تدارُكٍ لعُدَدِ السفر، وإنَّما بيَّنه بقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾؛ دَفْعًا لِمَا يتراءى؛ مِن ظاهره التشكِّي، وإنَّما جزم بكونه خيرًا لعِلمه بأنَّ الخيرَ ما اختاره الله تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3277\"> </span>(٢٥) - ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾ الفاءُ فصيحةٌ، روي أنَّهما لمَّا رجعا إلى أبيهما قبل الناس، قال لهما: ما أَعجَلَكما؟! قالتا: وجدنا رجلًا صالحًا رَحِمَنا فسقى لنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادْعِيهِ لي.\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا﴾؛ أي: مستحيَةً.\n﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾: ليُكافِئك ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾: جزاءَ سَقْيكَ","vol":"8","page":23},{"text":"لنا، روي أنَّها لما قالت: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ كَرِهَ ذلك، وإنَّما أجابها لئلَّا يخيِّب قصدها؛ لأنَّ للقاصد حرمةً.\nولمَّا وضع شعيبٌ ﵇ الطعامَ بين يديه امتنع، فقال شعيب ﵇: ألستَ جائعًا؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عِوَضًا ممَّا سقيتُ لهما، وإنَّا أهل بيتٍ لا نبيعُ ديننا بالدنيا، ولا نأخذُ على المعروف ثمنًا، فقال شعيب: هذه عادَتنا مع كلِّ مَن ينزل بنا، فأَكَلَ.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُ﴾ الفاءُ فصيحةٌ، أي: أجابها موسى ﵇، فلمَّا جاءَ أباهما ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ القصصُ مصدرٌ كالعَلَل (^١) سُمِّي به المقصوص.\n﴿قَالَ﴾ له: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إذ لا سلطانَ لفرعونَ بأرضنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3278\"> </span>(٢٦) - ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.\n﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني: التي استدعته: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ لرَعْي الغنم ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾: تعليل جامع يَجري مجرى الدليل على أَنَّه حقيقٌ بالاستئجار، وللمبالغة فيه جُعل ﴿خَيْرَ﴾ اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾، وذُكر الفعلُ بلفظ الماضي؛ للدلالة على أنَّه مجرَّب معروفٌ.\nروي أنَّ شعيبًا ﵇ قال لها: وما عِلْمك بقوَّته وأمانته؟ فذكَرَت إقلالَ الحَجَرِ، وأنَّه صوَّب رأسَه حتى بلغته، وأمرها بالمشي خَلْفه (^٢).\n_________\n(^١) مصدر علَّ، وهو يأتي بمعنى: الشرب ثانيًا، أو الشرب بعد الشرب تباعًا. انظر: \"القاموس\" (مادة: علل).\n(^٢) رواه مطولًا الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٢٢٥) عن ابن عباس ﵄، وفيه: (… وأما =","vol":"8","page":24},{"text":"<span id=\"aya-3279\"> </span>(٢٧) - ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾: أُزوِّجك ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ لا دلالَة فيه على أنه كانت له غيرهما، إذ يكفي في الحاجة إلى الإشارة عدمُ علم المخاطَب بأنه كانت له غيرهما.\n﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾: تكون أجيرًا لي، من أَجَرْتُه: إذا كنت له أجيرًا.\n﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ظرف، والحِجَّة: السَّنَة؛ لأنَّ في كلِّ سَنَةٍ حِجَّةً، فسَمَّوا بها لتضمُّنها إيَّاها تعظيمًا لها، والمعنى: على أن تجعل أجري إيَّاك على تزويجِ ابنتي رعيَ ماشيتي ثماني سنين، والتزويج على رعي الغنم جائزٌ في شريعتنا أيضًا.\n﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾؛ أي: عَمَلَ عشرِ حججٍ (^١) ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾؛ أي: فذلك تفضُّلٌ منكَ ليس بواجبٍ عليك، أو: فإتمامه مِن عندك، ولا أحتِّمه عليك، ولكن (^٢) إنْ فعلتَهُ فهو منك تفضُّل وتبرُّع.\n﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزام أتمِّ الأجلَيْن، أو المناقشة في مراعاة الأوقاتِ واستيفاءِ الأعمال، وحقيقةُ: شقَّ عليه الأمرُ: أنَّه إذا تعاظمك فكأنَّه (^٣) شقَّ عليكَ ظنَّك باثنين، تقول تارةً: أطيقه، وطَورًا: لا أطيقه.\n_________\n= أمانته، فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له، فلما علم أني امرأة صوَّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي حتى بلَّغته رسالتك …).\n(^١) في (ف): \"سنين\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"ولكنه\".\n(^٣) في (م): \"فإنه\".","vol":"8","page":25},{"text":"﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في حُسْن المعاملة والوفاء بالعهد، ويجوز أن يُراد الصلاح على العموم، ويدخل تحت حُسْن المعاملة، والمراد باشتراط مشيئةِ اللّه تعالى فيما وعد مِن الصلاح: الاتِّكالُ على توفيقه تعالى فيه ومعونته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3280\"> </span>(٢٨) - ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.\n﴿قَالَ﴾ موسى ﵇: ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، وهو إشارةٌ إلى ما عاهده عليه شعيبٌ ﵇، والخبر: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾، يعني: ذلك الذي قلتَه وعاهَدْتني فيه وشارَطْتني عليه قائمٌ بيننا جميعًا لا يَخرُج كلانا عنه، لا أنا عمَّا شرطتُ، ولا أنتَ عمَّا شرطتَ على نفسك، ثم قال:\n﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾، (أيَّ): نصب بـ ﴿قَضَيْتُ﴾، و(ما) زائدة مؤكِّدة لإبهام (أيَّ) وهي شرطيَّة، وجوابها:\n﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾؛ أي: لا تعتدي عليَّ في طلب الزيادة، قال المُبرِّد: قد علم أنه لا عدوانَ عليه في أَتمِّهما، ولكن جَمَعهما ليجعل الأقلَّ كالأتمِّ في الوفاء، كما أنَّ طلب الزيادة على الأتمِّ عدوان، فكذا طلب الزيادة على الأقلِّ (١).\n﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ﴾ من المشارطة ﴿وَكِيلٌ﴾ هو مَن وَكَل إليه الأمرَ، وعُدِّيَ بـ ﴿عَلَى﴾ لأنَّه استعمل في موضع الشاهد والرقيب.\n* * *","vol":"8","page":26},{"text":"<span id=\"aya-3281\"> </span>(٢٩) - ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قال ﵇: قضى أوفاهما، وتزوَّج صغراهما (^١).\n﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾: بامرأته نحو مصرَ ﴿آنَسَ﴾ مرَّ تفسيره.\n﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾: من الجهة التي تلي الطور ﴿نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾: الْبَثُوا مكانَكم ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ مرَّ تفسيره.\n﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ بفتح الجيم وكسرها وضمها: قطعةٌ غليظةٌ من الحطب كانت رأسُه نارًا أو لم تكن، ولذلك بيَّنه بقوله:\n﴿مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ مرَّ تفسيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3282\"> </span>(٣٠) - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ أتاهُ النداءُ من الشاطئ الأيمنِ لموسى ﵇ ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ بتكليم اللّهِ تعالى فيها، متَّصل بالشاطئ، أو صلة لـ ﴿نُودِيَ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٠٧). قال الحافظ في \"الكافي الشاف\" (ص: ١٢٦): أخرجه الطبراني [في \"الأوسط\" (٥٤٣٠)، والبزار [في \"مسنده\" (٣٩٦٤)، من طريق عوبد بن أبي عمران الجوني عن أبيه عن عبد اللّه بن الصامت عن أبي ذر: أن النبي ﷺ سئل: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أوفاهما وأبرهما\"، قال: وسئل: أيَّ المرأتين تزوج؟ قال: \"الصغرى منهما\"، وعويد ضعيف. ثم ذكر عن ابن مردويه نحوه من حديث أبى هريرة رفعه وقال: وفي إسناده سليمان الشاذكوني وهو ضعيف.","vol":"8","page":27},{"text":"﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل من الشاطئ بدل الاشتمال؛ لأنها كانت نابتةً على الشاطئ.\n﴿أَنْ يَامُوسَى﴾ (أنْ) مفسِّرة أو مخفَّفة من الثقيلة.\n﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا يوافق ما في سورة طه والنمل في المقصود، وإن خالفه في اللفظ، لمَّا دَنَا من النار شملته أنوارُ القُدس وأحاطت به جلابيبُ الأُنس، فخاطب بألطفِ خطابٍ، واستدعى منه أحسنَ جواب، فصار بذلك مكلَّمًا شريفًا أُعطيَ ما سأل، وأَمِنَ ممَّا خاف منه (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3283\"> </span>(٣١) - ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.\n﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: ونُودي أنْ ألقِ عصاك، فأَلقاها فقلبها اللّهُ تعالى ثعبانًا.\n﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾ الفاء فصيحة ﴿تَهْتَزُّ﴾ الاهتزازُ: شدَّة الاضطراب في الحركة ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ مرَّ تفسيره.\n﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ عن المخاوف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3284\"> </span>(٣٢) - ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\n﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ قال في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [الآية: ١٢] عطفًا على قوله: ﴿أَلْقِ﴾، وترك العطف هنا، كيلا يذهب الوهم إلى عطفه على ﴿أَقَبِلْ﴾.\n_________\n(^١) \"منه\" من (ي).","vol":"8","page":28},{"text":"﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ مرَّ تفسيره.\n﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أريدَ بضمِّ الجناح إليه تجلُّدُه وضبطه نفسَه عند خروج يده بيضاءَ حتى لا يتحرَّز ولا يضطرب من الخوف، استعارةً من هيئة الطائر؛ فإنه إذا خاف نَشَرَ جناحيه وأَرخاهما، وإلَّا فجناحاه مضمومان إليه مشمَّران، فهذا القول هنا بمنزلة قوله: ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]، فيما تقدَّم.\n﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾: مِن أجل الرَّهب، جُعل الرَّهْبُ الذي كان يصيبه سببًا وعلَّة فيما أُمر به من ضمِّ جناحه إليه، والرهب: الخوف مع تحرُّز واضطراب.\n﴿فَذَانِكَ﴾ مخفَّفًا مثنَّى (ذاك)، ومشدَّدًا مثنَّى (ذلك) (^١)، وإحدى النونين عوض من اللام المحذوفة، والمراد: اليد والعصا.\n﴿بُرْهَانَانِ﴾: حجَّتان نيِّرتان، وبُرْهان فُعْلانٌ؛ لقولهم: أَبْرَهَ الرجلُ، إذا جاء بالبُرهان، أو: مِن قولهم: بَرِهَ الرجلُ: إذا ابيضَّ، وقيل: فُعْلالٌ، من قولهم: بَرهَنَ.\n﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ مرسلًا بهما ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ فكانوا أحقَّاء بأنْ يرسَل إليهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3285\"> </span>(٣٣) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بها.\n* * *\n_________\n(^١) بالتشديد قراءة أبي عمرو وابن كثير، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧١).","vol":"8","page":29},{"text":"<span id=\"aya-3286\"> </span>(٣٤) - ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.\n﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ الرِّدْءُ: العَونُ الذي يَدفع الشَّرَّ عن صاحبه ﴿يُصَدِّقُنِي﴾؛ أي: رِدْءًا مصدِّقًا (^١)، وقرئ بالجزم (^٢) جوابًا لـ (أرسِلْه).\nومعنى تصديقِه موسى ﵇: إعانتُه إيَّاه بزيادةِ البيان في مظانَ الجدال إن احتاج ليُثبِت دعواه.\n﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ تعليلٌ يقوم مقام الجواب المحذوف على قراءة ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بالرفع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3287\"> </span>(٣٥) - ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.\n﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾: سنقوِّيك بأخيك، إذ اليد تشتدُّ بشدَّة العَضُد؛ لأنَّه قِوامُ اليد، والجملةُ تَقْوَى بشدَّة اليد على مزاولة الأمور.\n﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾: غلبةً وتسلُّطًا أو حجَّة ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ باستيلاءٍ أو حِجاجٍ.\n﴿بِآيَاتِنَا﴾ متعلِّق بـ ﴿يَصِلُونَ﴾؛ أي: لا يصلونَ إليكما بسبب آياتنا، وتمَّ الكلام، أو بـ ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾؛ أي: تسليطًا بآياتنا، أو بمحذوف؛ أي: اذهبا\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"بها\".\n(^٢) قرأ بالرفع عاصم وحمزة، وباقي السبعة بالجزم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧١).","vol":"8","page":30},{"text":"بآياتنا، أو قَسَمٌ جوابه محذوف، وهو: لا يصلون، حُذف لدلالة ما قبله عليه.\nأو هو بيانٌ لـ ﴿الْغَالِبُونَ﴾ في قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ لا صلةٌ له، بل للَّذي بيَّنه وهو الغالبون المقدَّر، أو صلةٌ له على أنَّ اللام فيه للتعريف لا بمعنى (الذي)؛ لامتناع تقدُّم الصلة على الموصول، ومعمولُ (^١) الصلة في حكمها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3288\"> </span>(٣٦) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾: واضحات ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ تَختلقُه لم يُفعَل مِن قَبْلُ مثلُه، أو: سحرٌ تعمله ثم تفتريه على اللّه، أو: سحرٌ موصوفٌ بالافتراء كسائر أنواع السحر.\n﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ يعنون السحرَ، أو ادِّعاء النبوَّة.\n﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ حالٌ منصوبة عن (هذا)؛ أي: كائنًا (^٢) في زمانهم، يعني: ما حُدِّثنا بكونه فيهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3289\"> </span>(٣٧) - ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾: فيَعلم أنَّه محقٌّ وأنتم مبطِلون،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"وموضعه معمول\". ولم أجد وجها لإقحام كلمة \"موضعه\".\n(^٢) في (ف): \"كائنان\".","vol":"8","page":31},{"text":"وقرئ بغير واو (^١)؛ لأنَّه قال جوابًا لمقالهم، ووجهُ العطف: أنَّ المرادَ حكايةُ القولين؛ ليوازن الناظر بينهما، فيختبرَ صحيحَهما من الفاسد.\n﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: العاقبةُ المحمودةُ، فإنَّ المراد بالدار الدنيا، وعاقبتُها الأصليَّة هي الجنة؛ لأنها خُلقت مجازًا إلى الآخرة، والمقصود منها بالذات هو الثواب، والعقاب وإنَّما قصد بالعرض.\n﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحُسنِ العاقبة في العُقبى، والإتيان بصيغة الجمع للإيذان بأنَّ جمعَهم لا يُغني.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3290\"> </span>(٣٨) - ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ نفى علمَه بإلهٍ غيرِه دون وجوده، إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم به.\nولمَّا كان الظاهرُ مِن نفي العلم في مقامٍ يقتضي نفيَ الوجود على تقدير ثبوته عند اشتباه الحال، فرَّع عليه الأمرَ ببنائه الصرحَ ليَصعد عليه ويطَّلعَ على حقيقة الحال بقوله:\n﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قيل: أوَّل مَن اتَّخذ الآجُرَّ فرعونُ، ولذلك أمر باتِّخاذه على وجهٍ يتضمَّن تعليم الصنعة مع ما فيه مِن تعظُّم، ولذلك نادى هامان باسمه بـ ﴿يا﴾ في وسط الكلام بما يُؤمَر به السُّوقة.\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧١).","vol":"8","page":32},{"text":"﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ الصَّرْح: البناءُ العالي الظاهر، ومنه: التصريح، لشدَّة ظهور المعنى.\n﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ﴾ الطُّلُوع والاطّلاع: الصعود، وتعديتُه بـ (إلى)، وأمَّا تعديته بـ (على) فباعتبار تضمُّنه معنى الإشراف.\n﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ حَسِبَ أنَّه في مكانٍ كما كان هو فيه.\n﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في دعواهُ أنَّ له إلهًا، وأنَّه أرسله إلينا رسولًا، والظَّنُّ هنا ليس بمعناهُ المتعارَف المصطَلح، وهو الاعتقاد الراجح، بل بمعناه اللغويِّ؛ وهو ما لا يكون جازمًا، سواءٌ كان راجحًا أو مرجوحًا أو مساويًا.\n* * * *\n\n<span id=\"aya-3291\"> </span>(٣٩) - ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾.\n﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾؛ أي: تعاظموا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: أرضِ مصرَ ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: بالباطل؛ لأنَّه كان بغيرِ استحقاقٍ، فإنّ الاستكبار بالحقِّ للّه تعالى.\n﴿وَظَنُّوَاْ﴾ عبَّر عن اعتقادهم وإن كان جازمًا بالظَّنِّ تحقيرًا له.\n﴿أَنَّهُمْ إِلَيْنَا﴾: إلى حسابنا وجزائنا ﴿لَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، وليس هذا بعذرٍ لهم، بل ذمٌّ لهم بالجهل وتركِ التأمُّل في الآيات حتى يعلموا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3292\"> </span>(٤٠) - ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾.","vol":"8","page":33},{"text":"﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ﴾ أَخْذَ عقوبة ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ من الكلام الفخم (^١) الذي دلَّ به على عِظَمِ شأنِه، شبَّههم استقلالًا بعددهم وإن كانوا الجَمَّ الغفير بحصَيَات أخَذهنَّ آخِذٌ (^٢) بكفِّه فطرحهنَّ في البحر.\n﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وحذِّر قومَك عن مثلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3293\"> </span>(٤١) - ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾: قدوةً للضلال بالحَمْل على الإضلال.\n﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾: إلى مُوجِبها من الكفر والمعاصي.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: بدَفْع العذاب عنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3294\"> </span>(٤٢) - ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.\n﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾: طَردًا عن الرحمة، أو لعنَ اللاعنين، تلعنُهم الملائكةُ والمؤمنون.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: المطرودين، أو ممَّن قُبِّحَ بسوادِ الوجوه وزُرْقة العيون، و(يوم) ظرفٌ لـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"المفحم\".\n(^٢) في (ك): \"أحد\".","vol":"8","page":34},{"text":"<span id=\"aya-3295\"> </span>(٤٣) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التوراةَ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ قومَ نوح وهود وصالح ولوط ﵈.\n﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾: حالٌ من الكتاب، والبصيرة: نورُ القلب الذي يُبصِر به الرشدَ، كما أنَّ البصرَ نورُ العين الذي يُبصر به، يريد: آتيناهُ التوراةَ أنوارًا للقلوب؛ لأنَّها كانت عمياءَ لا تستبصرُ ولا تَعرف حقًّا مِن باطلٍ.\n﴿وَهُدًى﴾ وإرشادًا إلى الشرائع التي هي على سبيل الحقِّ ﴿وَرَحْمَةً﴾ لأنَّهم لو عملوا بها نالوا رحمةَ اللّه تعالى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: ليكونوا على حالٍ يُرجى منهم التذكُّر.\n* * * *\n\n<span id=\"aya-3296\"> </span>(٤٤) - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\n﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمَّدُ ﴿بِجَانِبِ﴾ الجبل ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ وهو الذي وقع فيه ميقاتُ موسى ﵇، فإنَّه كان في شقِّ الغرب مِن مقامه، أو: الجانب الغربي منه على أنه مِن قَبيل إضافةِ الشيءِ إلى صفتِه، كقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩].\n﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾: أَوحينا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ الذي أَردنا تعريفَه.\n﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. للوحي إليه، أو: على الوحي عليه، وهم نقباؤه السبعونَ المختارونَ للميقاتِ، والمراد: الدلالة على أنَّ إخباره عن ذلك مِن قَبيل الإخبار عن المغيَّبات التي لا تُعرَف إلَّا بالوحي، ولذلك استدرك عنه بقوله:","vol":"8","page":35},{"text":"<span id=\"aya-3297\"> </span>(٤٥) - ﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾.\n﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾؛ أي: ولكنَّا أَوحينا إليكَ لأنَّا أَنشأنا قرونًا مختلفة بعد موسى، فتطاول الأَمَدُ، فحُرِّفت الأخبار، وتغيَّرت الشرائع، واندرست العلوم، فحُذف المستدرَك وأُقيم سببُه مقامه متضمِّنًا لدَفْع ما عسى أنْ يَخطُر بالبالِ مِن احتمالِ أنْ يكون إخبارُه ﵇ عن ذلك بطريق الأَخْذ من أفواهِ الرجال.\n﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾: مُقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: ﵇ والمؤمنين معه.\n﴿تَتْلُو﴾: تَقرأُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ تعلُّمًا منهم ﴿آيَاتِنَا﴾ التي فيها قصَّة شعيبٍ ﵇ وقومِه، و﴿تَتْلُو﴾ في موضع نصبٍ، خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ مِن الضمير في ﴿ثَاوِيًا﴾.\n﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إيَّاك، ومُخبرِين لك بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3298\"> </span>(٤٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ موسى أنْ خُذ الكتابَ بقوَّة.\n﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ﴾؛ أي: ولكنْ عرَّفناك ذلك رحمةً منَّا إظهارًا لنبوَّتك، وقرئت بالرفع (^١)، على: هذه رحمةٌ.\n_________\n(^١) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٣).","vol":"8","page":36},{"text":"﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: لوقوعِهم في فترةٍ بيَنك وبين خالد ابنِ سِنان القيسيِّ ﵇ (^١) ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: يتَّعظون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3299\"> </span>(٤٧) - ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: عقوبةٌ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي، ولمَّا كان اكثرُ الأعمال تزاوَلُ بالأيدي، نُسبت الأعمالُ إليها وإن كان من أعمال القلوب؛ تغليبًا للأكثر على الأقلِّ.\n﴿فَيَقُولُوا﴾ عند العذاب: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾.\n(لولا) الأولى امتناعيَّة، وجوابها محذوف، والثانية تحضيضيَّة، والفاء الأولى\n_________\n(^١) كذا جزم المؤلف به، وفيه نظر، فقد ورد ذكره نبوته في حديث ضعيف رواه البزار (٢٣٦١ - كشف)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢٢٥٠) عن ابن عباس ﵄، وهو مع ضعفه مخالف لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁، وفيه أن النبي ﷺ قال في عيسى: \"ليس بيني وبينه نبي\"، رواه البخاري (٣٤٤٢)، ومسلم (٢٣٦٥). وقال الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢١/ ١٢٨): وأما العرب غير المعاصرين للنبي ﷺ فلم يأتهم من عهد إسماعيل ﵇ نبي منهم، بل لم يرسل إليهم نبي مطلقًا، وموسى وعيسى وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا إليهم على الأظهر، وخالد بن سنان العبسي عند الأكثرين ليس بنبي، وخبر ورود بنت له عجوز على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لها: \"مرحبا بابنة نبي ضيعه قومه\" ونحوُه من الأخبار مما للحفاظ فيه مقال لا يصلح معه للاستدلال، وفي شروح \"الشفاء\" و\"الإصابة\" للحافظ ابن حجر بعض الكلام في ذلك). قلت: والحديث الذي ذكره من مجيء ابنته إلى النبي ﷺ قد قدمنا في أول التعليق تخريجه وتضعيفه.","vol":"8","page":37},{"text":"للعطف، والثانية جوابُ (لولا)، لكونها في حكم الأمر، إذ الأمرُ باعثٌ على الفعل، والباعث والمخصِّص من وادٍ واحدٍ، والفاء تدخل في جواب الأمرِ، والمعنى: لولا قولُهم إذا أَصابَتْهم عقوبتُهم (^١) بسبب كفرِهم ومعاصيهم: ربَّنا هلَّا أَرسلت إلينا رسولًا يبلِّغنا آياتِكَ فنتَّبعَها ونكونَ مِن المصدقين، ما أرسلناك، أي: إنَّما أرسلناك قطعًا لعذرهم وإلزامًا للحُجَّة عليهم.\nفإن قلتَ: كيف استقامَ هذا المعنى، وقد جعلت العقوبةُ هي السببَ في الإرسالِ لا القولُ لدخول (^٢) (لولا) الامتناعيَّة عليها دونه؟\nقلت: القول هو المقصود بأنْ يكونَ سببًا للإرسال، والعقوبة لمَّا كانت سببًا للقول وكان وجودُه بوجودها، جُعلت العقوبةُ كأنَّها سببُ الإرسال، فأُدخلت عليها (لولا)، وجِيءَ بالقول معطوفًا عليها بالفاء المعطيةِ معنى السببية المنبِّهةِ على أنَّ القولَ هو المقصودُ بأنْ يكون سببًا بانتفاء ما يُجاب به، وأنَّه لا يَصدُر عنهم حتى تُلجئهم العقوبة.\n﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ أراد بالآياتِ: المعجزاتِ، وباتِّباعها: العملَ بموجَبِ دلالتها، فقوله:\n﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مِن المصدِّقين برسلك كالتفصيل له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3300\"> </span>(٤٨) - ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"عقوبة\".\n(^٢) في (ك): \"بدخول\".","vol":"8","page":38},{"text":"﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾؛ أي: القرآنُ، أو الرسولُ المصدَّق بالكتاب المُعجِز ﴿قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ﴾: هلَّا أُعطيَ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من الكتاب المنزل جملةً واحدةً، أو من الآيات كاليد والعصا.\n﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ يعني: أبناءَ جنسِهم ومَن مذهبُهم مذهبَهم، وعنادُهم عنادَهم، وهم الكَفَرةُ في زمن موسى ﵇ ﴿بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: مِن قَبل هذا القول.\n﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ يعني: موسى ومحمَّدًا ﵉ ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا بإظهار تلك الخوارق، أو بتوافق الكتابين، وقرئ: ﴿سِحْرَانِ﴾ (^١)؛ أي: التوراةُ والقرآن، وإسناد تظاهرهما إليهما دلالةٌ على سبب الإعجاز.\n﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾؛ أي: بكلٍّ منهما، أو: بكلّ الأنبياء ﵈.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3301\"> </span>(٤٩) - ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإذا كذَّبتم يا معشرَ العرب بهذين الكتابَيْن، فَأْتوا بكتابٍ مِن عند اللّه ﴿هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ ممَّا أُنزل على موسى وعليَّ (^٢)، وإضمارهما لدلالة المعنى.\n﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جواب ﴿فَأْتُوا﴾.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنَّهما سحران مختلَقان لا هدايةَ فيهما، وهذا من الشروط التي يُراد بها الإلزامُ والتبكيتُ، وفي مجيء حرف الشَّكِّ نوعُ تهكُّم بهم.\n_________\n(^١) قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي، وباقي السبعة: ﴿ساحران﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٢).\n(^٢) في (ف): \"على موسى ومحمد ﵉\".","vol":"8","page":39},{"text":"<span id=\"aya-3302\"> </span>(٥٠) - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾؛ أي: الإتيانَ بالكتاب الأهدى، فحذف المفعول للعلم به، وهذا الحذف شائعٌ عند ذِكْر الداعي، وتعديتُه إليه باللام، وإلى الدعاء بنفسه، وأمَّا قولُ الشاعر:\nفَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذاك مُجِيْبُ (^١)\nفمعناه: فَلَم يَستجب دعاءَهُ، على حذف المضاف، فلا تعديةَ فيه إلى الداعي.\n﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ إذ لو اتَّبعوا حُجَّةً لأَتَوا بها.\n﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي.\n﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ في موضع الحالِ؛ للتأكيد أو للتقييد؛ لأنَّ هوى النفس قد يوافق الحقَّ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسَهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3303\"> </span>(٥١) - ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ التوصيل: تكثيرُ الو صل وتكرُّره، يعني أنَّ القرآن أتاهم متتابعًا في الإنزال ليتَّصل التذكُّر، أو في النظم لتتقرَّر الدَّعوةُ بالحجَّة والمواعظُ بالمواعيد والنصائحُ بالعِبَر.\n_________\n(^١) البيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (١/ ٦٧ و١١٢ و٢٤٥ و٣٢٦) و(٢/ ١٠٧)، و\"الحماسة البصرية\" (١/ ٢٣٤)، و\"خزانة الأدب\" (١٠/ ٤٣٦)، وصدره:\nوداع دعا يا مَن يُجيبُ إلى النَّدى","vol":"8","page":40},{"text":"﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيفلحوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3304\"> </span>(٥٢) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: مِن قَبْل القرآن، وخبر ﴿الَّذِينَ﴾: ﴿هُمْ بِهِ﴾: بالقرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ نزلت في مؤمني أهلِ الكتاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3305\"> </span>(٥٣) - ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ القرآن ﴿عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بأنَّه كلام اللّه تعالى ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾: استئنافٌ لبيانِ ما أَوجبنا إيمانهم به.\n﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ مِن قَبْل نزولِ القرآن ﴿مُسْلِمِينَ﴾: كائنين على دينِ الإسلام، مؤمنينَ بمحمَّد ﵊.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ تعليلٌ للإيمان به؛ لأنَّ كونه حقًّا مِن اللّه، حقيقٌ بأنْ يُؤمَن به، وقوله: ﴿إِنَّ﴾ بيانٌ لقوله: آمنَّا؛ لأنَّه يَحتمل أن يكون إيمانًا قريبَ العهد وبعيدَهُ، فأَخبروا أنَّ إيمانَهم به متقادِمٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3306\"> </span>(٥٤) - ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ مرَّةً على إيمانهم بكتابهم، ومرَّةً على إيمانهم بالقرآن.","vol":"8","page":41},{"text":"﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: بصبرِهم على الإيمان بالقرآن قَبْلَ نزولِهِ وبعد نزولِه، أو بصبرِهم على أذى المشركين وأهلِ الكتاب.\n﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ يدفعون بالطاعة المعصيةَ، لقوله ﵊: \"أَتْبِع الحسنةَ السَّيِّئة تَمْحُها\" (^١).\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الخير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3307\"> </span>(٥٥) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ تكرُّمًا ﴿وَقَالُوا﴾ للَّاغين: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ متاركةً لهم وتوديعًا، ودعاءً لهم بالسلامة عمّا هم فيه.\n﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾: لا نطلب صُحبتهم ولا نريدها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3308\"> </span>(٥٦) - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.\n﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾: لا تَقدِرُ على أنْ تنوِّر قلبَ مَن أحببتَ بنور الهداية، فإنَّك شفيعُ الجناية لا شريكُ الهداية.\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ لقد أصاب كلّ مِن عبارتي الحبِّ والمشيئةِ محزَّها.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\" (٢١٩٨٨)، من حديث معاذ ﵁.","vol":"8","page":42},{"text":"﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: بالمستعدِّين لذلك، قال الزجَّاج: أَجمعَ المفسِّرون على أنَّها نزلت في أبي طالب وإن كانت الصيغةُ عامَّةً (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3309\"> </span>(٥٧) - ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾؛ أي: وقالوا: يا محمَّد، إنْ نتَّبعِ الهدى فنكونَ معك، أو نتَّبعِ الهدى الذي معك، وهو القرآن.\n﴿نُتَخَطَّفْ﴾ التخطُّف: الاستلابُ بسرعة.\n﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾؛ أي: نُخرَج منها في الحال.\nوهو تعلُّلٌ فاسدٌ منهم تعلَّقوا به عند عجزهم عن معارضته، فردَّ اللهُ عليهم بقوله:\n﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾؛ أي: أَلم نَدفع عنهم شَرَّ العرب ولم نُمكِّن لهم ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾؛ أي: أَلم نَجعل مكانَهم في حرمٍ ذا أمنٍ لا يُسبَونَ فيه ولا يُغار عليهم، ولا يُتعرَّض لهم بمكروهٍ.\nثمَّ هذا الحرمُ في موضعٍ لا ضرعَ فيه ولا زرعَ ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: يُجمَع ويُجلَب إليه مِن كلِّ شيء أَرفعُه وأَنفعه، كما يقال: ثمرة الكلام، ومعنى الكليَّةِ: الكثرةُ، كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣].\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ١٤٩)، وحديث نزولها في أبي طالب رواه مسلم (٢٥/ ٤٢)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":43},{"text":"﴿رِزْقًا﴾ مصدر؛ لأنَّ معنى ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾: يُرزَق، أو مفعولٌ له، أو حالٌ من الثمرات إن كان بمعنى: مرزوقًا، لتخصيصها بالإضافة، كما ينتصب عن النكرة المتخصِّصة بالصفة.\n﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: تفضُّلًا منَّا، فإذا كان حالُهم وهم عبدةُ الأصنام هكذا، فكيف يعرِّضهم للتخوُّف والتخطُّف إذا ضمُّوا إلى حرمةِ البيت حرمةَ التوحيد؟\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: جَهَلة لا يتفطَّنون له ولا يتفكَّرون ليعلموا، وقيل: متعلِّق بقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: قليل منهم يُقرُّون بأنَّ ذلكٌ رزقٌ مِن عند اللّه، إذ لو علموا أنَّه مِن عند اللّه لعلموا أنَّ الخوفَ والأمنَ أيضًا مِن عند اللّه.\nثم بيَّن أنَّ الأمر بالعكس بأنَّهم أحقَّاءُ بأن يخافوا مِن بأس ما هم عليه بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3310\"> </span>(٥٨) - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾: وكم مِن أهلِ قريةٍ كانت حالُهم كحالِهم في الأمن وخَفْضِ العيش حتى أَشِروا، فدمَّر اللّهُ عليهم، وخرَّب ديارهم.\nو(كم) نصبٌ بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، و﴿مَعِيشَتَهَا﴾ بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل، أو بجعلها ظرفًا بنفسه، كقولك (^١): زيد ظنِّي مقيمٌ، أو بتقدير ظرفِ الزمان المضاف، أصله: بَطِرَت أيَّامَ معيشتِها، أو: مفعولٌ على تضمين ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى: كَفَرت.\nوالبَطَر: سوءُ احتمال الغنى، وهو أنْ لا يحفظ حقُّ اللّه فيه.\n_________\n(^١) كتب تحتها في (ك): \"أي: في ظني\".","vol":"8","page":44},{"text":"﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ﴾: منازلهم باقيةَ الآثار تُشاهدونها في الأسفار.\n﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ حالٌ، والعامل فيه الإشارة.\n﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ مِن السُّكنى؛ أي: لم يَسكنها إلَّا المسافر ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة.\n﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ لتلك المساكن مِن ساكنيها؛ أي: لا يملك التصرُّف فيها غيرُنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3311\"> </span>(٥٩) - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾؛ أي: ليس في عادته أنْ يُهلك القرى ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾: في أصلها وقصَبتها (^١) التي هي أعمالُها؛ لأن أهلها تكون أفطنَ (^٢) وأنبلَ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ لإلزام الحجَّة وقَطْع المعذرة.\nأو: ما كان في حكم اللّه وسابِقِ قضائه أنْ يُهلِك قرى الأرض حتى يَبعث في أمِّ القرى - يعني: مكَّة - رسولًا، وهو محمَّد ﵊.\nوالظاهر المناسب لعبارة ﴿وما كان ربك﴾ هو الأول.\n﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ بتكذيب الرسل والعتوِّ في الكفر.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"قصبها\". وفي (م): \"وقضاياها\".\n(^٢) في (ف): \"أفضل\".","vol":"8","page":45},{"text":"<span id=\"aya-3312\"> </span>(٦٠) - ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في محلِّ النصب على الحال، وذو الحال الضميرُ العائد من الصلة إلى الموصول؛ أي: وما أُوتيتموه كائنًا من شيء ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾؛ أي: وأيَّ شيء أَصبتموه من أسباب الدنيا فما هو إلَّا تمتُّعٌ وزينةٌ أيامًا قلائلَ وهي مدَّة الحياة الفانية.\n﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو ثوابه ﴿خَيْرٌ﴾ هو في نفسه مِن ذلك؛ لأنَّه لذَّة خالصةٌ وبهجة كاملة ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنَّه دائمٌ لا ينقطع.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الباقيَ خيرٌ مِن الفاني فتستبدلونه به، وقرئ بالياء التحتانية (^١)، وهو أبلغ في الوعظ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3313\"> </span>(٦١) - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.\n﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾: وعدًا بالجنة؛ فإنَّ حُسْنَ الوعد بحُسْن الموعود.\n﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾: مُدرِكه لا محالةَ؛ لعدم الخُلْف في وعده.\n﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذي هو مشوبٌ بالآلام، مكدَّر بالمتاعب، مستعقِبٌ للتحسُّر على الانقطاع.\n﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للحساب أو العذاب.\n_________\n(^١) قرأ بها أبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (١٧٢).\n(^٢) لإشعاره بأنهم لعدم عقلهم لا يصلحون للخطاب. انظر: \"حاشية الشهاب\". (٧/ ٨١).","vol":"8","page":46},{"text":"والفاء الأولى لترتيب الإنكار المستفاد مِن الاستفهام، المعنى: أنَّه لمَّا ذكر التفاوت بين متاعِ الحياة الدنيا وما عنده، عقَّبه بقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾؛ أي: أَبعدَ هذا التفاوتِ الجَليِّ يسوَّى بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة؟\nوالفاء الثانية للتسبيب؛ لأنَّ لقاءَ الموعود مسبَّب مِن الوعد.\nو﴿ثُمَّ﴾ لتراخي حال الإحضار عن حال التمتع.\nوقرئ: ﴿ثُمَّ هْو﴾ بسكون الهاء (^١)؛ تشبيهًا للمنفصل بالمتَّصل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3314\"> </span>(٦٢) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ نداءَ توبيخٍ، وهو (^٢) عطفٌ على يوم القيامة، أو منصوب بـ: اذكُر.\n﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: تزعمونهم شركائي، فحُذف المفعولان لدلالة الكلام، ويجوز حذفهما في باب: ظننت، وإنْ لم يَجز الاقتصارُ على أحدهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3315\"> </span>(٦٣) - ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾.\n﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾؛ أي: وجب مقتضاه وثبت، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وغيرُه مِن آياتِ الوعيد:\n_________\n(^١) قرأ بها الكسائي وقالون. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٢).\n(^٢) في (م): \"وهذا\".","vol":"8","page":47},{"text":"﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾ صفةٌ له، و﴿أَغْوَيْنَا﴾ صلة لـ ﴿الَّذِينَ﴾، والعائد محذوف تقديره: أغويناهم.\nو﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبرٌ المبتدأ، وتقيَّد بقوله: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ (^١) فاستفيد مِن الخبر ما لم يُستفد مِن الصلة، والكاف في ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ صفة مصدر محذوف تقديره: أغويناهم فغَوَوا غيًّا مثل ما غَوَينا، يَعنُون: أنَّا لم نَغْوَ إلا باختيارِنا، فهؤلاء كذلك غَوَوا باختيارهم؛ لأنَّ إغواءَنا لهم لم يكن إلَّا وسوسًة وتسويلًا، فلا فرقَ إذًا بين غيِّنا وغيِّهم، فإنَّ تسويلنا وإنْ كان داعيًا إلى الكفر، فقد كان في مقابَلته دعاء اللّهِ لهم إلى الإيمان؛ بما وضع فيهم مِن أدلَّة العقل، وما بعثَ إليهم مِن الرسل، وأنزل عليهم من الكتب، فهو كقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].\nويجوز أن يكون ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأً، و﴿الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ خبر المبتدأ، و﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ استئنافُ إخبار مقيَّدًا بقوله: ﴿غَوَيْنَا﴾.\n﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم ممَّا اختاروا مِن الكفر ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ بل يعبدون أهواءَهم ويُطيعون شهواتهم، وإخلاء الجملتين مِن العاطف لكونهما مقدَّرتين بمعنى الجملة الأولى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3316\"> </span>(٦٤) - ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾.\n﴿وَقِيْلَ﴾ للمشركين: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾؛ أي: آلهتكم لتخلِّصكم مِن العذاب.\n_________\n(^١) في النسخ: \"كما أغوينا\"، والصواب المثبت. وكلمة: \"وتقيد\" سقطت من (ف) و(ك) و(م)، ووقعت في (ع) و(ي): \"ويقيد\"، والمثبت هو الأنسب بسياق الكلام.","vol":"8","page":48},{"text":"﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ لا لفرط الحيرة، بل لضرورة الامتثال.\n﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لا لعجزهم عن الإجابة، إذ يومئذٍ يَنطقُ كلُّ شيء؛ بل لعجزِهم عن الاستجابة (^١).\n﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ الضمير للتابع والمتبوع ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ جوابُ ﴿لَوْ﴾ محذوف؛ أي: لَمَا رأوا العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3317\"> </span>(٦٥) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ عطف على الأول، فإنه تعالى يسأل أولًا عن إشراكهم به، ثم عن تكذيبهم الأنبياءَ ﵈.\n﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين أُرسلوا إليكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3318\"> </span>(٦٦) - ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\n﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: خَفِيَ عليهم الأخبار والأعذار خفاءً لا يُرجى زواله، فلم يستطيعوا أنْ يُجيبوا بما فيه نجاةٌ لهم، وأتى بلفظ الماضي لتحقُّق وقوعه.\n﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: لا يَسأل بعضُهم بعضًا عن العذرِ (^٢) والجوابِ؛ رجاءَ أنْ\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"من هنا ظهر وجه حسن الاستعارة المذكورة، ومن خفي عليه هذا زعم أنه من قبيل عكس الكل للمبالغة\".\n(^٢) في (ف): \"العذاب\".","vol":"8","page":49},{"text":"يكون عنده ما ليسَ عند نفسِه؛ لأنَّهم يتساوون في العَجْز عن ذلك بالسبب المذكور - على ما أفصح عنه الفاءُ التفريعيَّة - لا لفَرْط (^١) الدَّهْشة كما تُوهِّم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3319\"> </span>(٦٧) - ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾.\n﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك، و(أمَّا) هذه للإشعار بزيادة اعتناء بشأن ما دخلت عليه فيما سيقَ له الكلامُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] وتصديره بالفاء؛ لتفريعه على ما أُقيم مقام قَسيمه.\n﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: وجمعَ بين الإيمان والعمل الصالح.\n﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ يومئذٍ، و(عسى) مِن الكرام تحقيقٌ، لا ترجٍّ مِن التائب بمعنى: فلْيتوقَّع أنْ يفلح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3320\"> </span>(٦٨) - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾: المشيئة تُجامِع الإيجابَ بالذات دون الاختيار، ففيه تنصيص للرَّدِّ على الفلاسفة، كما أنَّ في إثبات المشيئة تنصيصًا للرَّدِّ على مَن زعم أنَّه تعالى يقتضي العالَم اقتضاءَ النار للإحراق (^٢).\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ك): \"بفرط\"، والمثبت من (ك). انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٨٣)، و\"تفسير أبي السعود\" (٧/ ٨٢).\n(^٢) انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٨٣)، وفيه: \"مقتضٍ للعالم\" بدل: \"يقتضي العالم\".","vol":"8","page":50},{"text":"﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ترك العاطف لأنَّه تقريرٌ لِمَا قبله، فإنَّ معنى ﴿وَيَخْتَارُ﴾؛ أي: يدخل تحت تكوينه كلُّ ما تعلَّق به اختياره، ويلزمه أن لا يكون لاختيارِ الغيرِ تأثيرٌ، وإلَّا لجاز أنْ لا يدخُل بعضُ ما اختاره اللّهُ تعالى تحت تكوينه.\nوالخيَرة: مِن التخيُّر، يُستعمل بمعنى المصدر، كالطِّيَرة بمعنى التَّطيُّر؛ أي: ليس لأحدٍ مِن خلقه أنْ يختارَ عليه.\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: تنزيهًا له أن يُزاحِم اختيارُ أحدٍ اختيارَه.\n﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي (^١): اللّه تعالى برئٌ من إشراكهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3321\"> </span>(٦٩) - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾.\n﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ يقال: أكننتُ الشيءَ في صدري (^٢)؛ أي: أَخفيتُه، أسند الإخفاء إلى الصدور مبالغةً.\n﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يعلم ما أَضمروه؛ كعداوةِ رسولِ اللّه ﵊ وحسدِه، وما أَظهروه كمطاعنهم فيه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3322\"> </span>(٧٠) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: الذات المستحقُّ للعبادة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا معبودَ يستحقُّها إلَّا هو، ترك العاطف لأنَّه تقريرٌ لِمَا قبله.\n_________\n(^١) في (م): \"إن\".\n(^٢) قوله: \"في صدري\" ليس في (ف) و(م).","vol":"8","page":51},{"text":"﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ الاختصاص المستفاد مِن تقديم الظرف باعتبار المجموع، فإنَّ الحمدَ في الدنيا وإن شاركه - تعالى - فيه غيرُه، فإنَّ المستحِقَّ للحمد لا يَلزم أن يكون مُوليًا للنِّعم، لكن الحمد في الآخرة لا يكون إلَّا له.\n﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ بالقضاء النافذ في كلِّ شيء ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث والنشور.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3323\"> </span>(٧١) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ﴾ إنَّما قال: ﴿عَلَيْكُمُ﴾ لأنَّ النفعَ إنَّما هو في تقلُّب (^١) المَلَوَيْن، فأيٌّ منهما استمرَّ يَنقلب نفعُه ضرًّا.\n﴿اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾؛ أي: دائمًا، مِن السَّرد وهو المتابعة، ومنه قولهم في الأشهر الحُرُم: ثلاثة سردٌ وواحدٌ فردٌ، والميم مزيدة، ووزنه: فَعْلٌ.\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالكسوف، أو بإسكان الشمسِ تحت الأرض.\n﴿مَنْ إِلَهٌ﴾ كان حقُّه: هل إلهٌ؟ فذكر ﴿مَنْ﴾ على زعمهم أنَّ غيرَه آلهةٌ.\n﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفةُ ﴿إِلَهٌ﴾.\n﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ إنَّما قال: ﴿بِضِيَاءٍ﴾ وولم يقل: بنهار، كما قال في قرينِه الآتي: ﴿بِلَيْلٍ﴾ لأنَّ النهارَ لا يَلزمه الضياءُ، على ما نبَّهت عليه آنفًا، والنَّفعُ إنَّما هو بوجود الضياء فيه، فإنه لو خَلَا عنه لانقلبَ نفعُه ضررًا، حتى قالوا: إنَّ الكسوفَ ساعةً يكون سببًا لبعض الآفاتِ مِن الزلازل وغيرها، بخلاف الليل؛ فإنَّه لا يَخلو عن النفع المذكور، مُظلمًا كان أو مستنيرًا.\n_________\n(^١) في (ف): \"لتقلب\".","vol":"8","page":52},{"text":"ولمَّا كان مبنى ما ذكر ممَّا لا يقف عليه عوامُّ الأنامِ إلَّا بالسماع عن الخواصِّ، قال هنا: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ومَن ذَكَر أنَّ ذِكْرَ السماع هنا لكثرة منفعة الضياء، فقد أَبْعَدَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3324\"> </span>(٧٢) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ أخَّر أمر النهار عن أمر الليل لأنَّه أصلٌ والنهارَ عارضٌ.\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بإسكان الشمس فوق الأفق، أو بتحريك كُرَةِ الأرض على وَفْقِ حركتها، وإنَّما كان الفساد في إدامة النهار في دار التكليف ولم يكن في دار النعيم؛ لأنَّ دار التكليف لا بُدَّ فيها مِن التَّعَب والنَّصَب الذي يُحتاج معه إلى الجَمَام والراحة، وليس كذلك دار النعيم.\n﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾: استراحةً عن متاعب الأشغال، وإنَّما تعرَّض لوصف الليل دون الضياء؛ لأنَّه نعمة في ذاته مقصودةٌ بنفسه، ولا كذلك الليل.\nولمَّا كان ما ذُكر ممَّا يقف (^١) عليه كلُّ مَن له بَصَرٌ، ولا يتوقَّف على أمرٍ آخَرَ، قال هنا: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"يتوقف\".","vol":"8","page":53},{"text":"<span id=\"aya-3325\"> </span>(٧٣) - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nو(مِن) في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ للسبب.\n﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾؛ أي: خَلَقهما لأجْلكم ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: في الليل، وللتنبيهِ على انفرادِ كلٍّ مِن المنفعتين في علِّيَّة كلِّ (^١) واحد منهما على التوزيع، أُعيد اللامُ في قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإنَّما حذف اكتفاءً بما ذكر في قرينِه، فيكون مِن باب اللَّفِّ والنَّشْرِ على الترتيب.\nوفي التعبير بالابتغاء عن كسب العبدِ إشارةٌ إلى أنَّه لا مزيدَ له على معنى الطلب، ففيه نفيٌ للتأثير مِن جهته، كما أنَّ في قوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ نفيًا للإيجاب منه تعالى والوجوبِ عليه.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولكي تعرفوا نعمةَ اللّهِ في ذلك فتَشكروه عليها، تعليلٌ اَخرُ للجعل المذكور، ولذلك صدَّره بأداة العطف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3314\"> </span>(٧٤) - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ كرَّر التوبيخ باتخاذ الشركاء ليُؤذِن بأنَّه لا شيءَ لغضب اللّه تعالى أَجلبُ مِن الإشراك به، كما لا شيءَ أَدخلُ في مرضاته من توحيده.\n* * *\n_________\n(^١) \"كل\" من (ك) و(م)، وليست في باقي النسخ.","vol":"8","page":54},{"text":"<span id=\"aya-3327\"> </span>(٧٥) - ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿وَنَزَعْنَا﴾: أَخرجنا وأَحضرنا، يقال: فلانٌ نَزَعَ إلى وطنه؛ أي: يَحِنُّ إليه حنينًا يُطالبه بالخروج إليه.\n﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِن الأمم الضالَّة؛ بدليل سياق الكلام ولَحاقه.\n﴿شَهِيدًا﴾: شاهدًا عليهم بما أَجابوا به رسلَهم، كما قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١]، وقال: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وهذا صريحٌ في أنَّهم غيرُ الأنبياء.\n﴿فَقُلْنَا﴾ لتلك الأمم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حُجَّتكم على صحَّة ما كنتم تدينونَ به.\n﴿فَعَلِمُوا﴾ حينئذٍ ﴿أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ في الإلهيَّة لا يُشاركه فيها أحدٌ ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾: وغاب عنهُمْ غيبةَ الشيءِ الضائع ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أُلوهيَّة غيرِ اللّه تعالى والشفاعةِ لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3328\"> </span>(٧٦) - ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.\n﴿إِنَّ قَارُونَ﴾: لا ينصرف للعَلَمية والعُجْمة، ولو كان (فاعولًا) مِن قرنتُ الشيءَ لانْصَرفَ.\n﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: كان ابنَ عمِّ موسى ﵇.","vol":"8","page":55},{"text":"﴿فَبَغَى﴾: تفريع على مقدَّرٍ يدلُّ إجمالًا على غناهُ المفرِطِ، على ما يُفصِح عنه التفصيلُ الآتي ذِكْرُه، فالفاءُ فصيحةٌ، والبَغْي: طَلَب العلوِّ بغير حقٍّ، ومنه قيل لوُلاةِ الجَورِ: بغاةٌ.\n﴿عَلَيْهِمْ﴾: روي أنَّه قال لموسى ﵇: لكَ الرسالةُ ولهارونَ الحبورةُ (^١)، وأنا في غير شيء، إلى متى أصبر؟!\n﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾: مِن الأموال المدَّخرة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) في موضع نصبٍ بـ ﴿آتَيْنَا﴾ و﴿إِنَّ﴾ واسمُها وخبرُها صلةُ ﴿الَّذِي﴾، ولهذا كُسرت ﴿إِنَّ﴾.\nوالمفاتح: جمع مِفْتَح - بالكسر - وهو ما يُفتَح به بيتُ المال أو الصندوقُ.\n﴿لَتَنُوءُ﴾ يقال: ناءَ يَنوءُ نَوءًا؛ أي: حملَ على ثقلٍ ونهضَ به على مشقَّة حتى مالَ تحتَهُ، وهو لازمٌ، وصار هنا متعدِّيًا بالباء الذي في قوله:\n﴿بِالْعُصْبَةِ﴾: وهي الجماعة الكثيرة ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: الشِّدَّة.\nوقرئ: لينوء بالياء (^٢)، على إعطاءِ المضاف حكمَ المضاف إليه.\n﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ منصوب بـ (بغى)، وما بينهما اعتراضٌ في مَعرض التعليل لبَغْيه، لا بـ (تنوء)، إذ لا وجهَ لتخصيصه بذلك الوقت:\n﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أُريد بالفرح هنا: المرح الذي يُخرِج إلى الأَشَرِ وهو البَطَر، ولذلك قال:\n_________\n(^١) تحرفت في (ف) إلى: \"الحروب \". والحبورة بضم الحاء المهملة والباء الموحدة: مصدر حبر الرجل: إذًا صار حبرًا؛ أي: إماما مقتدى. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٨٥).\n(^٢) نسبت لبديل بن ميسرة. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٥٣).","vol":"8","page":56},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ لأنَّه إذا أَطلق صفة الفَرَح فهو الخارج بالمرح إلى البَطَر، فأمَّا قوله: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] فحَسُن بهذا التقييد (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3329\"> </span>(٧٧) - ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ مِن الغنى ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ بصَرْفه فيما يوجبُها لك.\n﴿وَلَا تَنْسَ﴾: ولا تترك تَرْك المنسيِّ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: خُذْ مع هذا مِن دنياك ما لا بُدَّ لك منه في معاشِك فإنك غيرُ مَلوم على ذلك، فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].\n﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد اللّه تعالى ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ فيما وسَّع عليك وبَسَط لك.\n﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾: بالبغي والظلم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بل يُبغِضهم، والاكتفاء بنفي حبِّه تعالى منهم للتنبيه على أنَّ هذا القَدْر يكفي في انزجارِ العاقل عن الفساد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3330\"> </span>(٧٨) - ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"القيد\".","vol":"8","page":57},{"text":"﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾؛ أي: المالَ ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؛ أي: على استحقاقٍ لِمَا ديَّ مِن العلم الذي فَضَلتُ به الناس؛ وهو علم التوراة، أو علم الكيمياء، أو العلمُ بوجوهِ المكاسب؛ مِن التجارة والزراعة.\nو﴿عِنْدِي﴾ صفةُ لـ ﴿عِلْمٍ﴾، وزيادتُه لإفادته معنى الاختصاص له.\n﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمالِ، أو: أكثر جماعةً وعددًا، تعجُّب (^١) وتوبيخ على اغتراره بقوَّته وكثرةِ ماله مع علمه بذلك (^٢)؛ لأنَّه قَرَأه في التوراة، أو سمعه مِن حفَّاظ التواريخ، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أَلم يَقرأ في التوراة، أو: أَلم يَسمع مِن الحفَّاظ، ولم يعلم .... إلخ، أو: ردٌّ لادِّعائه العلم وتعظُّمه [به] (^٣) بنفي العلمِ المهمِّ عنه؛ أي: أَعنده مثلُ ذلك العلمِ الذي ادَّعى ولم يعلم هذا حتى يقيَ نفسَه مصارعَ الهالكين؟!\n﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ سؤالَ استعلامٍ، فإنَّه تعالى مطَّلع عليها، أو معاتبةٍ؛ فإنَّهم يُعذَّبون بها بغتةً، كأنَّه لمَّا هَدَّدَ بذِكْر إهلاكِ مَن قبله ممَّن كانوا أقوى منه وأَعتى، أكَّد ذلك بأنْ بيَّن أنَّه لم يكن مما (^٤) يخصُّهم، بل اللّهُ مطَّلعٌ على ذنوب المجرمين كلِّهم يُعاقبهم عليها لا محالة.\n* * *\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والأولى أن يقال: (تعجيب). انظر: \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية القونوي (١٤/ ٥٧٤). والمعنى: تعجيب للسامعين، فإن التعجب لا ينسب لله ﷾.\n(^٢) أي: بالإهلاك. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٨٧).\n(^٣) من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٨٥)، ووقع في النسخ: \"وتعظيمه\"، والمثبت من المصدر المذكور.\n(^٤) في النسخ: \"ما\"، والصواب المثبت. انظر: \"حاشية القونوي على البيضاوي\" (١٤/ ٥٧٥).","vol":"8","page":58},{"text":"<span id=\"aya-3331\"> </span>(٧٩) - ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.\n﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ معطوفٌ على محذوفٍ دلَّ عليه مساقُ الكلام مِن عدم تنصُّحه لِمَا قيل له، وإظهارِ أسباب البَطَر، فالفاء فصيحة.\n﴿فِي زِينَتِهِ﴾ حالٌ مِن فاعل: (خرج)؛ أي: متزِّينًا.\n﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ على سبيل الرغبة في اليسار: ﴿يَا﴾ للتنبيه ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾. غِبْطةً، والغابط: هو الذي يتمنَّى مثلَ نِعَمِ صاحبِه مِن غيرِ أنْ يزولَ عنه ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ الحظُّ: الجدُّ وهو البَخْت والدولة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3332\"> </span>(٨٠) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ﴾ لهم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بأحوال الآخرة:\n﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصلُ: ويلك، دعاءٌ بالهلاك، ثم استُعمل في الزجر والرَّدع والبعث على ترك ما لا يُرتضى.\n﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ممَّا أوتي قارونُ، بل مِن الدُّنيا وما فيها، وفي حذف المفضَّل عليه تعظيمٌ للمفضَّل، كما في قوله: اللّهُ أكبرُ.\n﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: لا يلقَّى هذه الكلمةَ، وهي: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على الطاعات وعن المعاصي.\n* * *","vol":"8","page":59},{"text":"<span id=\"aya-3333\"> </span>(٨١) - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾.\n﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾ أي: بقارون؛ أي: ساخت به الأرضُ وأذهبت في جهة السُّفْل ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾.\nروي أنَّه كان يؤذي موسى ﵇ كلَّ وقتٍ، وهو يداريه للقرابة التي بينهما، حتى نزلت الزكاةُ فصالَحَه عن (^١) كلِّ ألفٍ على واحد، فحَسَبه فاستكثره فشحَّت به نفسُه، فعمد إلى أنْ يفضحَ موسى ﵇ بين بني إسرائيل ليرفضوه، فبَرْطَلَ بغيَّةً لترميَهُ بنفسها، فلمَّا كان يوم العيد قال موسى ﵇ في خطبته: مَن سرقَ قطَعناه، ومَن زنَى غير محصَن جلدناه، ومَن زنى محصَنًا رجمناه. فقال قارون: ولو كنتَ. قال: ولو كنتُ. قال: إنَّ بني إسرائيل يزعمون أنَّك فَجَرتَ بفلانةَ، فأُحضرت، فناشدها موسى ﵇ باللّه أنْ تَصدُقَ، فقالت: جعل لي قارونُ جُعْلًا على أنْ أَرميَكَ بنفسي، فخَرَّ موسى ﵇ ساجدًا يبكي، قال: يا ربِّ، إنْ كنتُ رسولَكَ فاغْضَب لي، فأوحى إليه أنْ مُرِ الأرضَ بما شئت، فقال: يا أرضُ خُذِيه، فأخذته الأرضُ إلى ركبته، ثم قال: خُذِيه، فأخذته إلى وَسطه، ثم قال: خُذِيه، فأَخذته إلى عنقه، وكان قارونُ يتضرَّع إليه في هذه الأحوال وموسى لا يلتفتُ إليه؛ لشدَّة غضبه، ثم قال: خُذِيه، فانطَبَقت عليه، فقال الله تعالى لموسى ﵇: استغاثَ بك مرارًا فَلَم ترحمه، فَوَعزَّتي لو استَرحمني مرَّةً (^٢) لرحمته، ثم قال بعض بني إسرائيل: إنَّما أَهلكه ليرث مالَهُ! فدعا اللّهَ تعالى حتى خسفَ بداره وأمواله (^٣).\n_________\n(^١) في (ك): \"على\".\n(^٢) سقط من (ك).\n(^٣) رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣١٨٤٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٩/ ٣٠١٨)، والحاكم=","vol":"8","page":60},{"text":"﴿فَمَا كَانَ﴾، فالفاءُ فصيحةٌ؛ للعطف والتفريع على محذوفٍ دلَّ على مفهومه الإجماليِّ مساقُ الكلام.\n﴿لَهُ مِنْ فِئَةٍ﴾: أعوانٍ، مرَّ تفسيره على وجه التفصيل في سورة البقرة.\n﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ إنَّما ذكر امتناعَ نصرِه برفع عذابِ اللّه مع أنَّه معلومٌ؛ لأنَّ المرادَ بيانُ أنَّه لم يكن الأمر على ما قدَّره مِن امتناعه بحاشيته وجندِه، فإنَّ ذلك الذي غرَّه حتى تمرَّد في طغيانه، ثم أخبر أنَّه كما لم يكن له مَن يَنصُره، لم يكن هو أيضًا ممَّن ينتصر بنفسه؛ لضعفه عن ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3334\"> </span>(٨٢) - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ﴾: منزلته، لم يقل: مثلَ مكانه؛ اكتفاءً بما ذكره قبل هذا ﴿بِالْأَمْسِ﴾ استُعير لزمانٍ قريب ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ﴾؛ أي: صاروا يقول بعضُهم لبعضٍ: أَلَم تعلموا أنَّ اللّهَ.\n﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلمةُ تقريرٍ معناها: أَمَا ترى، أَمَا تعلم، قاله الفراء (^١).\nوروي أنَّ أعرابيَّةً قالت لزوجها: أينَ ابنُكَ؟ قال: ويكأنه وراء البيت؛ أي: أَمَا ترَيْنَهُ؟\nوقال قطرب: هما كلمتان؛ (ويك) بمعنى: ويلك، محذوف اللام، قال عنترة:\n_________\n=في \"المستدرك\" (٣٥٣٦)، عن ابن عباس ﵄ موقوفًا.\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣١٢).","vol":"8","page":61},{"text":"ولقد شَفَى نفسِي وأَبْرَأ سُقْمها … قولُ الفوارسِ وَيْكَ عنتر أَقْدِمِ (^١)\nوهذا الحذف للتخفيف لكثرة الاستعمال.\nوأمَّا ما قيل: إنَّ (وي) للتعجُّب، و(كأنَّ) للتشبيه، ففيه: أنَّ التشبيه لا يناسب المقام.\n﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ بمقتضى مشيئته؛ لا لكرامة تقتضي البَسْط، ولا لهوانٍ يوجب القبض.\n﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بصَرْف ما كنَّا تمنَّيناه بالأمسِ ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ لتولِيده فينا ما ولَّده فيه (^٢).\n﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لنعمةِ اللّه، أو: المكذِّبون برسله وبما وَعَدوا لهم مِن ثواب الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3335\"> </span>(٨٣) - ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: تعظيمٌ لها وتفخيمٌ لشأنها، كانه قال: تلك التي سمعتَ خبرها وبلغك وصفُها، والدار صفة، والخبر:\n﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: غلبةً وقهرًا ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ ظُلْمًا على الناس، لم يعلِّق الموعود بترك العلوِّ والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميلِ القلوب\n_________\n(^١) البيت في \"شرح المعلقات السبع\" للزوزني (ص: ١٥٢)، و\"شرح القصائد العشر\" للتبريزي (ص:٢٤٩).\n(^٢) قوله: \"لتوليده\"، الضمير لقوله: \"ما كنا تمنيناه\". انظر: \"حاشية القونوي\" (١٤/ ٥٧٥).","vol":"8","page":62},{"text":"إليهما، كما قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣]، فعلّق الوعيد بالركون.\n﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ ما لا يرضاه اللّه تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3336\"> </span>(٨٤) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ مرَّ في النمل.\n﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾. معناه: فلا يُجزون، فوضع ﴿الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ موضع الضمير؛ لأنَّ في إسناد عمل السيئة إليهم مكرَّرًا فضلَ تهجينٍ بحالهم، وزيادةَ تبغيضٍ للسيئة إلى (^١) قلوب السامعين.\n﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إلَّا مثلَ ما كانوا يعملون، وحذف المثْل وأُقيم مقامه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مبالغةً في المماثلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3337\"> </span>(٨٥) - ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾: أوجب عليك تلاوتَه وتبليغَه والعملَ بما فيه.\n﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني: مكَّة، أريد ردُّه ﵇ إليها يومَ الفتح، وإنَّما نكّر لأنَّها كانت في ذلك اليومِ مَعَادًا له شأنٌ، ومرجعًا له اعتدادٌ؛ لغلبة الرسول عليه\n_________\n(^١) في (ك): \"في\".","vol":"8","page":63},{"text":"الصلاة والسلام وقهرِه لأهله، ولظهور عِزِّ الإسلام وأهلِه، وذُلِّ الكفر وحزبِه.\nوالسورة مكية، ولكن هذه الآية نزلت بالجُحْفَة لا بمكَّة ولا بالمدينة، حين اشتاقَ ﵊ إلى مولدِه ومولدِ آبائه.\n﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ وما يستحقُّه مِن الثواب والنصر، و﴿مَن﴾ منتصبٌ بفعلٍ يفسِّره ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: وما استحقَّه مِن العذاب والإذلال، يعني به نفسَه والمشركين (^١)، فهو تقرير للوعد السابق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3338\"> </span>(٨٦) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو﴾ مرَّ تفسير الرجاء في سورة الفرقان.\n﴿أَنْ يُلْقَى﴾: يوحَى ﴿إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: سيردُّك إلى معادِك كما ألقى إليكَ الكتابَ وما كنت ترجوه ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا محمولٌ على المعنى؛ أي: وما ألقى عليك الكتاب إلَّا رحمةً؛ لأجل أنْ تُرحَم، أو ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (لكن) للاستدراك؛ أي: ولكنْ لرحمةٍ مِن ربك أَلقى إليك.\n﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾: عونًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3339\"> </span>(٨٧) - ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"نفسَه\": من جاء بالهدى، و\"المشركين\": من هو في ضلال مبين. ففي الكلام لف ونشر. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٨٩).","vol":"8","page":64},{"text":"﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: عن قراءتها والعملِ بها ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: بعد وقتِ إنزاله.\n﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾: إلى عبادته وتوحيده ﴿تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بمساعدتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3340\"> </span>(٨٨) - ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ هذا وما قبله تهييجٌ وقطعُ أطماع المشركين عن مساعدته لهم، على أنَّ العصمة لا تمنع النهيَ.\nوالوقف على ﴿آخَرَ﴾ مهو لازمٌ؛ لأَته لو وُصل لصار ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةً لـ ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾، وفيه مِن الفساد ما فيه.\n﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾: إِلَّا ذاته، والوجه يُعبَّر به عن الذات، وإنَّما قال: ﴿هَالِكٌ﴾ لأنَّ المراد كونُه كذلك في حدِّ نفسه، وذلك ليس بمجرَّد، فإنَّ كلَّ ممكنٍ في حدِّ نفسه ليس بموجودٍ.\n﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾: القضاءُ النافذُ في الخَلْق.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء بالحقِّ.\n* * *","vol":"8","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>سُوْرَةُ العَنْكَبُوتِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3341\"> </span>(١) - ﴿الم﴾.\n﴿الم﴾ مَرَّ فيه ذِكْرُ الأقاويلِ (^١)، وسبَقَ التَّفصيل، وهنا دليلُ الاستقلال بنفسِه أو بما يُضمر معه، وهو وقوع الاستفهام بعده.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3342\"> </span>(٢) - ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.\n﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾: قوَّةُ أحدِ النَّقيضَيْن على الآخر، كالظَّنِّ، ولا يصحُّ تعليقُهما بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل، فإذا أردْتَ الإخبار عن مضمونٍ ثابتٍ عندَك على وجهِ الظَّنِّ لا اليقين أدخلت على شرطَي الجملة فعلَ الحسبان حتى يتمَّ (^٢) غرضُك.\nوالكلامُ الدَّال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان هنا: ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ فإنَّه سدَّ مَسَدَّ المفعولَيْن، كما في قوله: ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤]، ونظائره؛ لأنَّ المعنى: أَحَسِبَ النَّاسُ أنفسَهم متروكين.\n_________\n(^١) في (ف): \"أقاويل\".\n(^٢) في (ف): \"حتى يقع\".","vol":"8","page":69},{"text":"والتَّركُ: رفضُ الشَّيء قصدًا واختيارًا، أو قهرًا واضطرارًا، ومن الأخير قولُهم: تركَةُ (^١) فلانٍ: لِمَا يخلِّفُه بعدَ موته.\nوثاني مفعولَي ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ متروكٌ بدلالة الحال؛ أي: كما هم، أو: على ما هم عليه.\nو(^٢) ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ بمعنى: لقولهم، متعلِّقٌ بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾ على أنَّه غيرُ مستقِرٍّ.\n﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾: غيرَ مختبَرِين بما يتبيَّن به حقيقةُ إيمانهم.\nنزلَ في جماعةٍ آمنوا وآذاهم المشركون (^٣).\nوالمراد مِن الفتنةِ: الامتحانُ بشدائدِ التَّكليفِ؛ مِن مفارقةِ الأوطانِ، ومجاهدةِ الأعداءِ، وسائرِ الطَّاعاتِ الشَّاقةِ، وهجرِ الشَّهواتِ، وبالفقرِ والقَحطِ، وأنواعِ المصائب في الأنفسِ (^٤) والأموالِ، ومصابرةِ الكفَّار على أذاهم وكيدهم.\nوقيل: معناه: أَحَسِبوا تركَهم (^٥) غيرَ مفتونين لقولهم: ﴿آمَنَّا﴾، فالتَّرْكُ أحدُ مفعولَيْن و(غير مفتونين) مِن تمامِه، و(لقولهم) هو الثَّاني كقولك: حسبْتُ ضربَه للتَّأديبِ.\nوفيه الفصلُ بينَ ﴿يُتْرَكُوا﴾ (^٦) ومعموله.\n_________\n(^١) في (ع): \"تركه\"، وفي (ف) و(ك) و(م): \"ترك\"، والمثبت من (ي).\n(^٢) \"و\" سقط من (م).\n(^٣) ذكره ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٠٥) عن مجاهد.\n(^٤) في (ف) و(ك): \"النفس\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"نتركهم\"، وفي (ف): \"أنتركهم\".\n(^٦) في النسخ: \"تركوا\"، والصواب المثبت.","vol":"8","page":70},{"text":"وما يحسِّنه مِن الاهتمام بشأن الخبر؛ لكونه مَصَبَّ الإنكار، مُعارَضٌ بما يقبِّحه مِن إيهام أن يتركوا غير مختبرين لعلَّةٍ أخرى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3343\"> </span>(٣) - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾: اختبرْنا، وهو موصولٌ بـ ﴿أَحَسِبَ﴾ أو بـ ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مِن الأمم بأنواعِ الفِتَنِ، والمعنى: إنَّ ذلك سُنَّةٌ قديمةٌ، جاريةٌ في الأزمانِ السَّالفةِ، فلا ينبغي أنْ يُتوقَّعَ خلافُها.\nويجوز أن يكون كقولِكَ: ألَا يُمْتَحنُ فلانٌ وقد (^١) امتُحِنَ مَن هو خيرٌ منه؛ يعني: أنَّ بعضَ الأنبياء كزكريَّا ويحيى وجرجيس ﵈ قد (^٢) امتُحنوا وصَبروا.\n﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ بالامتحانِ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه.\nوعلْمُ الله تعالى بالكائناتِ منزَّهٌ عن النِّسبةِ إلى الزَّمانِ وعمَّا يترتَّبُ عليها مِن التَّبدُّل والتَّغيُّر، فهو هنا كناية عن تحقُّقِ المعلوم قطعًا وظهورِه على وجهٍ أبلغ، فالمعنى: ولَيتميَّزَنَّ (^٣) الصَّادقُ منهم مِن الكاذبِ.\nقال ابن عطاء: يتبيَّنُ صدقُ العبد مِن كذبه في أوقاتِ الرَّخاءِ والبلاءِ، فمَن شكرَ في أيَّامِ الرَّخاءِ وصبرَ في أيَّام البلاء فهو مِن الصَّادقين، ومَن بطرَ في أيَّام الرَّخاء وجزعَ في أيَّام البلاء فهو من الكاذبين (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"قد\".\n(^٢) في (ك): \"وقد\".\n(^٣) في (ك): \"وليتميز\"، وفي (ف) و(م): \"وليتميز من\".\n(^٤) انظر: \"تفسير السلمي\" (٢/ ١١٣).","vol":"8","page":71},{"text":"ويعضدُه قراءةُ: (فليُعْلِمَنَّ اللّهُ) مِن الإعلام (^١)؛ أي: ليعرِفَهُم النَّاسُ مَن هم، فحذف المفعولَ الأوَّل.\nويجوز أن يكون مِن قولهم: فارس مُعْلَم؛ أي: أَعْلَمَ نفسَه في الحرب بثوبٍ أو غيره، فيكون من العلامة، فالمعنى: فليَسِمنَّهم (^٢) بسِمَةٍ يُعْرَفون بها يومَ القيامةِ كبياضِ الوجهِ وسوادِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3344\"> </span>(٤) - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.\n﴿أَمْ حَسِبَ﴾ ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ؛ لفَقدِ شرط الاتِّصال، وهو أنْ لا يكون بعدَها جملة، ومعناه: (بل) للإضراب بمعنى الانتقال مِن قصَّة إلى قصَّة، لا بمعنى الإبطال والإضراب فيها؛ لأنَّ هذا الحسبانَ (^٣) أبطلُ من الأوَّل؛ لأنَّ ذلك يُقدِّرُ أنَّه لا يُمتَحنُ لإيمانه، وهذا يظنُّ أَنَّه لا يجازى بمساوئه، ولهذا عقَّبَه بالذَّمِّ.\n﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ مِن المعاصي، وأمَّا الكُفْرَ فليس مِن جنسِ العملِ؛ لأنَّه لا يُقالُ إلَّا فيما كان عن فكرٍ وروَّيةٍ، نصَّ عليه الرَّاغبُ (^٤)، فحالُ الكفرِ يُعلَم ممَّا ذُكِرَ دلالةً.\n﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾: أن (^٥) يفوتونا فلا نَقدِر على أنْ نجازيَهم على مساؤبهم؛ يعني:\n_________\n(^١) نسبت لعلي ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٤).\n(^٢) في (ك): \"فلنسمنهم\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"الحساب\".\n(^٤) لم أقف عليه.\n(^٥) في (ي): \"أي يفوتونا\".","vol":"8","page":72},{"text":"أنَّ الجزاءَ يلحقُهم لا محالَة، واشتمال صلة ﴿أَنْ﴾ على مسنَدٍ ومسندٍ إليه سدَّ مَسدَّ المفعولَيْن.\n﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿مَا﴾ في موضِع رفعٍ على معنى: ساءَ الحكمُ حكمُهم، أو نصبٍ على معنى: ساءَ حكمًا يحكمون، والمخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ؛ أي: بئسَ حُكمًا يحكمونه حكمُهم هذا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3345\"> </span>(٥) - ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾: يترقَّبُ ثوابَه، أو: يخافُ عقابَه، فالرَّجاء يحتمِلُهما.\n﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ المضروبَ للثَّوابِ والعقاب ﴿لَآتٍ﴾ لا محالةَ، تعليلٌ لجوابِ الشَّرطِ المحذوفِ، تقديرُه: فليبادِرِ العملَ الصَّالح الذي يصدِّقُ رجاءَه ويحقِّقُه.\nوإتيانُ الوقتِ المضروبِ لهما كنايةٌ عن إتيانهما، والتَّعبيرُ عنهما بلقاءِ اللّهِ تعميمٌ (^١) للتفخيم والتَّهويل، وإضافتُه إلى اللَّه في الموضعَيْن للتَّعظيم.\nويجوز أن يكون على تمثيل حالِه بحالِ عبدٍ قدِمَ على سيِّدِه بعدَ زمانٍ مديدٍ وقد اطَّلعَ السَّيِّد على أحوالِه، فإمَّا أن بلقاه ببِشْرٍ بما رضيَ مِن أفعالِه، أو بسخطِه لِمَا سخطَ منها (^٢).\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما يقولُ عبادُه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلونه، فلا يفوتُه شيءٌ.\n* * *\n_________\n(^١) \"تعميم\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) في (ك): \"أو بسخط أي سخط منها\"، وفي (ف): \"أو سخطه أي سخط منها\".","vol":"8","page":73},{"text":"<span id=\"aya-3346\"> </span>(٦) - ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ نفسَه بالصَّبر على مخالفتِها في طاعة اللَّه تعالى.\n﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّ منفعةَ ذلك ترجِعُ إليها.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فلا نفعَ له في طاعتِهم ومجاهدتِهم، وإنَّما كلَّفَهم رحمةً عليهم ومراعاةً لمصالحهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3347\"> </span>(٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ التَّكفيرُ: إذهابُ السَّيئةِ بالحسنةِ كإذهابِ الكُفْرِ بالإيمان، والمعصيةِ بالتَّوبة.\n﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إنَّما قالَ: ﴿أَحْسَنَ﴾ لأنَّ المباح حسن، ولا جزاءَ له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3348\"> </span>(٨) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: بإيتائهما (^١) فعلًا ذا حُسْنٍ، أو ما هو في ذاته حَسَنٌ لفَرْطِ حُسْنِهِ، ووصَّى حُكمُه (^٢) حُكمُ أَمَر في معناه وتصرُّفه، ومعنى وصَّيْتُ زيدًا بعمروٍ: أمرتُهُ بتعهُّدِه ومراعاته.\n_________\n(^١) في النسخ: \"بإتيانهما\"، والصواب المثبت. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٤٢)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٨٩)، و\"تفسير النسفي\" (/ ٦٦٥).\n(^٢) في (ع): \"حكم\".","vol":"8","page":74},{"text":"﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾؛ أي: وقلنا: وإنْ جاهدَاكَ ﴿لِتُشْرِكَ بِي (^١) مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: بإلهيَّته، عبَّر عن نفيها بنفي العلم إشعارًا بأنَّ ما لا يُعْلَمُ صحَّتُه لا يجوز اتِّباعُه وإنْ لم يُعلَمْ بطلانُه، فضلًا عمَّا عُلِمَ بُطلانُه.\n﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك، فإنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية (^٢) الخالق.\n﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾: مرجعُ المطيعِ والعاصي منكم.\n﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالجزاءِ عليه.\nوفي ذكر المرجع والوعيد تحذيرٌ مِن متابَعَتْهما على العصيان، وحَثٌّ على الثَّباتِ والاستقامة في الطَّاعة، روي أنَّ سعدَ بنَ أبي وقَّاصٍ ﵁ لَمَّا أسلم نذرَتْ أمُّه أنْ لا تأكلَ ولا تشربَ ولا تنتقل من الضِّحِّ (^٣) حتَّى يرتدَّ، ولبثَتْ ثلاثةَ أَيَّام كذلك، فشكى سعدٌ ﵁ إلى النَّبيِّ ﵇، فنزلَتْ هذه الآية، والتي في سورة لقمان، والتي في الأحقاف (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3349\"> </span>(٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾: في الأنبياء والأولياء بأنْ نحشرَهم معهم.\n_________\n(^١) في (ك) و(م) زيادة: \"شيئًا\".\n(^٢) في (ف) و(ي): \"معصيته\".\n(^٣) الضِّحُّ: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. انظر: \"النهاية\" (مادة: ضحح).\n(^٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٧١)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٤١)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤٤٢ - ٤٤٣) دون سند عندهم. وروى نحوه مسلم (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة، عقب الحديث (٢٤١٢)، والترمذي (٣١٨٩). والتي في لقمان الآيتان (١٤ - ١٥)، والتي في الأحقاف الآية (١٥).","vol":"8","page":75},{"text":"<span id=\"aya-3350\"> </span>(١٠) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ في الإخبار عنهم بأنَّهم مِن النَّاس تحقيرٌ لشأنهم.\n﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في طاعته، و﴿فِي﴾ للسَّببية كما في ﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].\n﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾؛ أي: أذاهم له للصَّرْفِ عن طاعة اللَّه تعالى.\n﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوفِ منه (^١) فيطيعهم.\n﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي (^٢): فتحٌ وغنيمةٌ.\n﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾؛ أي؛ مشايعين لكم في دينِكم، فأعطُونا نصيبنا (^٣) مِن المغنَمِ.\n﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ صيغة أَفعلَ هنا لمطلق الزِّيادة وإثباتِ العلم على الوجه الأبلغ، و(أو) (^٤) للعطف على محذوفٍ تقديرُه: أليس اللَّه بأشدَّ عذابًا (^٥) من النَّاس.\n﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ من الإخلاص والنِّفاق، فكيف يَتوهَّم هذا المنافقُ أنْ يَخفَى حالُه على المسلمين ولا يخبرُهم اللّهُ به وهو عالمٌ، فهذا تهديدٌ دنيويٌّ له، كما أنَّ قولَه:\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"منهم\".\n(^٢) \"أي\" من (م).\n(^٣) في (ك): \"نصيبًا\".\n(^٤) كذا في النسخ، ولعل الصواب: (والواو)، والصواب المثبت.\n(^٥) في (م): \"علما\".","vol":"8","page":76},{"text":"<span id=\"aya-3351\"> </span>(١١) - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.\n﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ تهديدٌ أخرويٌّ، كَنى بالعلمِ عن أثرِه، وهو الجزاء على المعلوم، وعبَّر عن الإخلاص بالإيمان، إخراجًا للإقرار باللِّسان الخالي عن التَّصديق بالجَنان عن حدِّ الإيمان.\nوفي اختلافِ الصِّيغتَيْنِ إشعارٌ بثبات المنافقِ على النِّفاق ومزيَّته على الكفر بزيادة التَّقرُّر في محلِّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3352\"> </span>(١٢) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أمرُوهم باتِّباعِ سبيلِهم، وهي طريقتُهم التي كانوا عليها في دينِهم، وأَمروا أنفسَهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمرَ على الأمرِ، وأرادوا: ليَجتمعْ هذان الأمران في الحصول، والمعنى: تعليق الثَّاني على الأوَّل على وجهِ المبالغةِ، والوعدِ بتخفيف الأوزار عنهم - إنْ كانت (^١) - تشجيعًا لهم على الاتِّباع، ولهذا رَدَّ عليهم وكذَّبهم بقوله:\n﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ذلك، ﴿مِنْ﴾ الأُولى للتَّبيين، والثَّانية مزيدة لتأكيد الاستغراق.\n* * *\n_________\n(^١) قوله: \"إن كانت\"؛ أي: إن وجدت، فهي تامة، وضمير الفاعل يعود على \"الأوزار\". انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٩٤).","vol":"8","page":77},{"text":"<span id=\"aya-3353\"> </span>(١٣) - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\n﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾: أوزارَ أنفسِهم بضلالِهم ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: وأوزارَ الضَّالِّين (^١) بإضلالهم، وهو كما قال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥].\n﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: يكذبون على اللّهِ، سؤالَ توبيخٍ.\nواللَّام في الفعلَيْن للقَسَم، وحذف فاعلُهما - الواوُ - ونونُ (^٢) الرَّفع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3354\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ بعدَ المبعَثِ إلى حدوثِ الطُّوفان، واختيار هذه العبارة لِمَا في ذكرِ الأَلْف مِن تخييل طول المدَّة إلى السَّامع؛ فإنَّ المقصودَ تسليةُ رسولِ اللهِ ﵇، وتثبيتُه على ما يكابدُ مِن الكفرة.\nوجِيءَ بالمميِّز أوَّلًا بالسَّنة ثمَّ بالعامِّ لأنَّ تكرارَ لفظٍ واحدٍ في كلامٍ واحدٍ حقيقٌ بالاجتناب في البلاغة.\n﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ هو ما أطافَ وأحاطَ بكثرةٍ وغلبةٍ، مِن سيلٍ أو ظلامِ ليلٍ (^٣) أو نحوهما، والواقعُ طُوفان الماءِ.\n_________\n(^١) في (ي): \"وأوزارًا للضالين\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والواو والنون\".\n(^٣) \"ليل\" سقط من (ك).","vol":"8","page":78},{"text":"﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أنفسَهم بالكفْرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3355\"> </span>(١٥) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي: نوحًا ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾؛ أي: والذين حملَهم نوحٌ ﵇ في السَّفينةِ.\n﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: السَّفينةَ؛ لأنَّها (^١) بقيَتْ أعوامًا حتَّى مرَّ عليها النَّاسُ ورأَوْها، فحصل لهم العلمُ بها، أو: الحادثةَ.\n﴿آيَةً﴾: علامةً أو عبرةً ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعتبرون بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3356\"> </span>(١٦) - ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطفٌ على ﴿نُوحًا﴾ وقرئ بالرَّفع (^٢) على تقدير: ومن المرسلين إبراهيمُ.\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ظرفٌ لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ففيه دلالةٌ على أنَّه لم يتهاونْ في أمرِ الرِّسالةِ حيث بلَّغ الدَّعوةَ كما أُمِرَ.\n﴿وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ممَّا أنتم عليه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنْ كنتم مِن أهل العلمِ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لا لأنها\"، وفي هامش (م): \"لعل لفظ (لا) زائد\".\n(^٢) نسبت لأبي جعفر في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٥).","vol":"8","page":79},{"text":"<span id=\"aya-3357\"> </span>(١٧) - ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ الوثَنُ: ما يُعمَل من حجر أو طين.\n﴿وَتَخْلُقُونَ﴾؛ أي: تَكذِبون، أو: تصنعون (^١)، وقرئ: (تُخَلِّقونَ) (^٢) مِن خَلَّقَ بمعنى التَّكثير في خَلَق.\n﴿إِفْكًا﴾ وقرئ: (أَفِكًا) (^٣)، وهو مصدر نحو كَذِب ولَعِب، والإفْكُ مخفَّفٌ عنه كالكِذْبِ واللِّعْبِ من أصلهما، واختلاقهم الإفْكَ بتسميتِهم الأوثانَ آلهةً وشركاءَ للّهِ.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ استدلَّ أوَّلًا على شَرارَةِ ما هم عليه مِن حيثُ إنَّه زورٌ وباطل، ثمَّ استدلَّ عليه مِن حيثُ إنَّه لا يجدي بطائلٍ.\nو﴿رِزقًا﴾ يَحتمِل النَّصب على المصدر؛ أي: لا يستطيعون أنْ يرزقُوكم، وأنْ يُرادَ المرزوق، وتنكيرُ للتَّعميم.\n﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا عندَ الأسبابِ ﴿الرِّزْقَ﴾ كلَّه، إنَّما لم يقلْ: مِن اللّهِ؛ لعدمِ الدِّلالةِ (^٤) فيه على الأمرِ بترك الاعتماد على الأسباب العاديَّة.\nثمَّ بيَّنَ طريقَ الطَّلبِ فقال: ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: في كلِّ حالٍ ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ لِمَا مَضَى (^٥) مِن الإفضالِ، مستعدِّين للقائِه بها، فإنَّه:\n_________\n(^١) في (ي): \"وتصنعون\".\n(^٢) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁ والسلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٥).\n(^٣) نسبت لابن الزبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٥).\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"دلالة\".\n(^٥) في (ف): \"لما ما من\"، وفي (م): \"بما مضى\".","vol":"8","page":80},{"text":"﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بما عملْتُم مِن الشُّكر والكُفْران، والعبادة والطُّغيان، وهو وعدٌ ووعيدٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3358\"> </span>(١٨) - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كقومِ نوح وهود وصالح ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: وإنْ تكذِّبوني فلا تضرُّونني (^١) بتكذيبِكم، فإنَّ الرُّسلَ قبلي قدْ كذَّبهم أمَمُهم، وما ضرُّوهم وإنَّما ضرُّوا أنفسَهم؛ حيثُ حلَّ بهم العذابُ بسببِ تكذيبِهم، وأمَّا الرَّسول فقد تمَّ أمرُه حينَ بلَّغَ البلاغَ المبين الذي زال معه الشَّكُّ، وهو اقترانُه بآياتِ اللّهِ ومعجزاتِه.\nأو: وإنْ كنْتَ مُكَذَّبًا فيما بينكم فلي في سائرِ الأنبياء أُسوةٌ حيث كُذِّبوا، وعلى الرَّسول أنْ يبلِّغَ (^٢)، وما عليه أنْ يُصدَّقَ ولا يُكذَّبَ، فالآية وما (^٣) بعدَها مِن جُملَة قصَّة إبراهيمَ ﵇.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3359\"> </span>(١٩) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ وقرئ بالتَّاء (^٤) على تقدير القولِ.\n﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾؛ أي: قد رأوا ذلك وعلموه. وقوله:\n_________\n(^١) في (ك): \"تضروني\".\n(^٢) في (ف): \"وما على الرسول إلا أن يبلغ\".\n(^٣) في (ك): \"جامعة\" بدل \"وما\".\n(^٤) وهي قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٣).","vol":"8","page":81},{"text":"﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ليس بمعطوف على ﴿يُبْدِئُ﴾، وليسَتِ الرُّؤيةُ واقعةً عليه، وإنَّما هو إخبارٌ على حِيالِه (^١) بالإعادة بعدَ الموت، كما وقع النَّظرُ في قوله: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] على البدء دون الإنشاء، بل هو معطوفٌ على جملة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾؛ أي: لإعادةَ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾: سهلٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3360\"> </span>(٢٠) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿قُل﴾ حكاية كلام اللَّه تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ على كثرتِهم واختلافِ أحوالِهم؛ لتعرفوا عجائبَ فِطرةِ اللّهِ تعالى في المشاهدَةِ، وبدأَ وأبدأَ بمعنى.\n﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ بعدَ النَّشأة الأولى التي هي الإبداء، فإنَّه والإعادةَ نشأتان من حيثُ إنَّ كلًّا اختراعٌ وإخراجٌ مِن العدمِ.\nولَمَّا كانَ المقصودُ مِن السِّياق الاستدلالُ مِن الابتداء على الإعادة، والدَّليلُ النَّفسي أقربُ وأوضحُ من الآفاقي، ذكرَ الرُّؤيةَ في الأوَّلِ والنَّظرَ في الثَّاني، وكانَ القياسُ أنْ يُقالَ: كيفَ بدأ اللَّه الخلقَ، ثم ينشئ النَّشأة الآخرة، وإنِّما قيل: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ لأنَّ الكلامَ معَهم وقعَ (^٢) في الإعادة،\n_________\n(^١) في (ك): \"مثاله\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٤٤٨)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٧٠).\n(^٢) \"وقع\" مكررة في (ك).","vol":"8","page":82},{"text":"فلمَّا قرَّرهم في الإبداء بأنَّه مِن اللّهِ تعالى، احتجَّ عليهم بأنَّ الإعادة إنشاءٌ مثلُ الإبداءِ، فإذا لم يُعجزْهُ الإبداءُ وجبَ أنْ لا يعجزَه الإعادةُ، فكأنَّه قال: ثمَّ ذلك الذي أنشأَ النَّشأةَ الأولى هو الذي ينشئُ النَّشأة الآخرة، فللتَّنبيه على هذا المعنى أبرزَ اسمَه وأوقعَه مبتدأً.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومن جملة الأشياء ما يُعاد، فهو قادرٌ على الإعادةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3361\"> </span>(٢١) - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.\n﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبَه ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمتَه ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾: تردُّون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3362\"> </span>(٢٢) - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\n﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ربَّكم؛ أي: لا تفوتونه إنْ هربتم مِن حُكمِه وقضائِه.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الفسيحةِ ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ التي هي أفسحُ منها وأبسطُ لو كنْتُم فيها.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولَّى أمورَكم فيحرُسَكم عن بلائي ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يمنعُ عذابي ويدفَعُه عنكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3363\"> </span>(٢٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.","vol":"8","page":83},{"text":"﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بدلائلِه على وحدانيَّته، أو بكتبِه ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث.\n﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ في الدُّنيا لإنكار البعث والجزاء.\n﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ بكفرِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3364\"> </span>(٢٤) - ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: قومِ إبراهيمَ ﵇، وقرئ بالرَّفع (^١) على أنَّه الاسم، والخبر:\n﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾؛ أي: قال بعضُهم لبعضٍ، أو: قال واحدٌ منهم وكانَ الباقون راضين، ثم اتَّفقوا على تحريقِه.\n﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: قذفوه فيها، فأنجاه اللّهُ مِن النَّار بجعلِها عليه بردًا وسلامًا.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في إنجائه منها ﴿لَآيَاتٍ﴾ هي عدمُ تأثيرها فيه مع شدَّةِ توقُّدِها، وكونُها باردةً عليه، وحارَّةً على ما هي (^٢) عليه.\nرُوي: أنَّها لم تحرِقْ إلَّا الحبل الذي أوثقوهُ به (^٣).\n_________\n(^١) نسبت للحسن وسالم الأفطس. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٠)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣١٢)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ١٢٠).\n(^٢) \"هي\" سقط من (ك) و(ي) و(ع) و(م).\n(^٣) انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣١٣).","vol":"8","page":84},{"text":"ورُوي: أنَّه لم يُنتفع ذلك اليوم بالنَّار لذهابِ حرِّها (^١).\n﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّهم المنتفِعون بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3365\"> </span>(٢٥) - ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لِتَتوادُّوا بينكم وتتواصلوا؛ لاجتماعكم على عبادتها، واتِّفاقكم عليها كما يتَّفقَ النَّاسُ على مذهبٍ فيكون ذلك سببَ تحابِّهم.\nوثاني مفعولي ﴿اتَّخَذْتُمْ﴾ محذوف، ويجوز أن يكون ﴿مَوَدَّةَ﴾ المفعولَ الثَّانيَ بتقدير مضافٌ أو بتأويلها بالمودودة؛ أي: اتخذتم أوثانًا سببَ (^٢) المودَّة بينكم.\nوقرئَتْ منوَّنةً ناصبةً ﴿بينكم﴾، والوجهُ ما سبَقَ، وقرئَتْ مرفوعةً مضافةً على أنَّها خبرُ مبتدأ محذوفٍ (^٣)؛ أي: هي مودَّةُ، أو: سببُ مودَّةِ بينِكم، والجملةُ صفةُ ﴿أَوْثَانًا﴾ أو خبر (إنَّ) على أنَّ (ما) موصولة أو مصدريَّة، والعائد محذوف، وهو المفعول الأوَّل.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٢/ ٤٥٠).\n(^٢) في النسخ: \"بسبب\". والمثبت من \"الكشاف\" (٣/ ٤٥٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٩٢)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٦٧٢).\n(^٣) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: ﴿مودَّةُ﴾ بالرَّفع من غير تنوين ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالخفض، وحفص وحمزة: ﴿مَوَدَّةَ﴾ بالنَّصب من غير تنوين ﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالخفض، والباقون: ﴿مَوَدَّةَ﴾ بالنَّصب والتَّنوين و﴿بَيْنِكُمْ﴾ بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٣).","vol":"8","page":85},{"text":"وقرئت مرفوعةً منوَّنةً ومضافةً بفتح (بينكم)، كما قرئ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] (^١).\n﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ يتبرَّأُ القادة من الأتباع.\n﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ يلعَنُ الأتباعُ القادةَ.\n﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾: مصيرُكم جميعًا ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يخلِّصونكم منها.\n\n<span id=\"aya-3366\"> </span>(٢٦) - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾؛ أي: صدَّقَه فيما قاله واتَّبع له، لا أنَّه أحدثَ الإيمانَ في ذلك الوقت؛ لأنَّ الكفرَ لا يجوز على الأنبياء ﵈.\n﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ من كُوْثَى؛ وهي (^٢) من سواد الكوفة.\n﴿إِلَى رَبِّي﴾ إلى حيثُ أمر ربِّي (^٣).\n﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: المنيعُ الذي مَن لجأ إليه منعَه مِن (^٤) أعدائِه.\n﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يأمرُ إلَّا بما فيه خيرٌ.\n_________\n(^١) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤٥٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٩٢)، وعنه نقل المؤلف كل ما سبق.\n(^٢) \"وهي\" من (ي) و(ع).\n(^٣) في (م): \"أمرني ربي\"، وفي (ف) و(ك): \"أمرني\".\n(^٤) في (ف): \"أمن من\"، وسقطت من (ك).","vol":"8","page":86},{"text":"رُويَ أَنَّه هاجرَ مع لوطٍ ابنِ أخيه وسارةَ بنتِ عمِّه إلى حَرَّان، ثمَّ منها إلى الشَّام، ونزلَ فلسطينَ، ونزل لوطٌ سَدُومَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3367\"> </span>(٢٧) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ولدًا ونافلةً، قيل: حين أيس من الولادة مِن عجوز عاقر، ولذلك لم يُذكر إسماعيل ﵇، ويردُّه قوله: ﴿وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩].\n﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فإنَّه شجرة الأنبياء ﵈.\n﴿وَالْكِتَابَ﴾ يريدُ به الجنس، فيتناول الكُتُبَ الأربعةَ.\n﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ﴾ على هجرتِه إلينا ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: الثَّناءَ الحَسَنَ، والصَّلاةَ عليه إلى آخرِ الدَّهر، ومحبَّةَ أهلِ المِلَلِ له، وأمَّا ما (^١) تقدَّمَ ذكرُه فالعطف عليه يأبى عن دخوله في الأجر.\n﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين لهم الدَّرجاتُ العُلَى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3368\"> </span>(٢٨) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَلُوطًا﴾ عطفٌ على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أو على ما عُطِفَ عليه.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م) زيادة: \"قيل\".","vol":"8","page":87},{"text":"﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: الفِعلَةَ البالغةَ في القُبْحِ.\n﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ جملةٌ مستأنَفةٌ مقرِّرةٌ لفحاشة تلك الفِعلَةِ، كأنَّ قائلًا قالَ: لِمَ كانت فاحشةً؟ فقيل: لأنَّ (^١) أحدًا قبلَهم لم يُقْدِمْ عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3369\"> </span>(٢٩) - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ طريقَ المارَّةِ بفعلكم الفاحشةَ بمَن يمُرُّ بكم، فتركَ النَّاسُ الممَرَّ بكم.\n﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾: مجلسِكُم الذي تجتمعون فيه، ولا يُسمَّى ناديًا إلَّا ما دام فيه أهلُه.\n﴿الْمُنْكَرَ﴾ كالمضارَطةِ، والمجامعةِ، والسِّبابِ، والفُحْشِ في المِزاحِ، والخذفِ بالحصا، ومَضغِ العِلكِ، والفرقعةِ والسِّواك بين النَّاس (^٢).\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قد سبقَ في سورة الأعراف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3370\"> </span>(٣٠) - ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بإنزالِ العذابِ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بابتداعِ الفاحشةِ،\n_________\n(^١) في (ك): \"إن\".\n(^٢) ذكره الزمخشري عن ابن عباس ﵄. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٥٠).","vol":"8","page":88},{"text":"وسنِّها فيمَن بعدَهم، وصفَهم بذلك مبالغةً في استنزالِ العذابِ، وإشعارًا بانهم أحقَّاءُ بأنْ يُعجَّلَ لهم العذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3371\"> </span>(٣١) - ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.\n﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾: بالبِشارةِ بالولدِ لقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣].\n﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾: قريةِ سَدُومَ، و﴿هَذِهِ﴾ تُشْعِرُ بأنَّها قريبةٌ مِن موضِعِ إبراهيم ﵇، والإضافةُ لفظيَّة؛ لأنَّ المعنى على الاستقبال.\n﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ تعليلٌ لإهلاكِهم؛ أي: الظُّلمُ قد استمرَّ فيهم في الأيَّام السَّالفة، وهم عليه مصرُّون، وإنَّما قال: ﴿إِنَّ أَهْلَهَا﴾ ولم يقلْ: (إنهم) تضمينًا للتَّعليل الإشعارَ بمنشأ خُبْثِ طبيعتِهم، وهو خبث طينتهم.\nففيه إشارةٌ خفيَّة إلى أنَّ المرادَ مِن أهل القرية: مَن نشأَ فيها، فلا يتناولُ لوطًا، ومَن لم يتنبَّه لهذا زعم أنَّ في قولهم الآتي تخصيصًا للأهل بمَن عداه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3372\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\n﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ معارضةٌ للموجِب بالمانع، وهو كونُ النَّبي بينَ أظهُرِهم.","vol":"8","page":89},{"text":"وأمَّا الاعتراضُ عليهم بأنَّ فيها مَن لم يظلِم (^١)، فلا يناسبُ حالَ المعترض؛ لأنَّ مَبناه الغفولُ عن الإشارة التي قدَّمنا بيانها.\n﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك ﴿بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ وليس هنا خطابٌ بمعنى حكمٍ شرعيٍّ، فلا وجهَ لِما قيل: فيه تأخيرُ البيانِ عن الخطابِ.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: الباقين في العذاب، قال في سورة الحجر: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا﴾ [الحجر: ٥٨ - ٦٠].\nوالتَّوفيقُ بينَ القولَيْن بأنْ يُقالَ: إنَّ الحكايةَ قد تكون على وجهِ التَّفصيلِ والنَّقلُ بالعبارة أو بمرادفها، وقد يكون على وجهِ الإجمالِ والنَّقلُ بحاصل المعنى، والمذكور ثَمَّةَ مِن قَبيلِ الثَّاني، والمذكور هاهنا مِن قَبيل الأوَّل.\nثمَّ أخبر عن مصير الملائكة إلى لوطٍ ﵇ بعدَ مفارَقَتِهم إبراهيمَ ﵇ بقوله:\n\n<span id=\"aya-3373\"> </span>(٣٣) - ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾: ساءَه مجيئُهم، و﴿أَنْ﴾ صلةٌ أَكَّدَتْ وجودَ الفعلينَ مرتَّبًا أحدُهما على الآخَر، كأنَّهما وُجِدا في جزءٍ واحدٍ مِن الزَّمانِ، كأنَّه قيل: كما أحسَّ بمجيئهم فاجأته المساءة مِن غير رَيْثٍ خيفةً عليهم مِن قومِه أنْ يتناولُوهم بالفُجور.\n_________\n(^١) رد على البيضاوي القائل: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ اعتراضٌ عليهم بأن فيها مَن لم يظلم. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٩٣).","vol":"8","page":90},{"text":"﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: وضاقَ بشأنِهم وبتدبيرِ أمرِهم ذَرْعُهُ؛ أي: طاقته، وقد جعلوا ضيقَ الذَّرع والذِّراع عبارةً عن فقدِ الطَّاقة، كما قالوا: رَحْبُ الذِّراعِ، إذا كان مطيقًا له.\nوالأصل فيه: أن الرَّجلَ إذا طالَتْ ذراعُه نالَ ما لا ينالُه القصير الذِّراع، وصارَ ذلك مَثلًا في العَجْزِ والقُدْرةِ، وهو منصوبٌ على التَّمييزِ.\n﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على محذوفٍ متفرِّعٍ على ما تقدَّمَ، تقديرُه: فكشفوا الحالَ وقالوا ذلك لِمَا رأوا فيه أثرَ الضجرة، فالواوُ فصيحة.\n﴿لَا تَخَفْ﴾ الخوفُ: انزجاعُ النَّفسِ بتوقُّعِ الضَّررِ.\n﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ لا على تمكُّنِهم منَّا لاندفاع الخوف والحزن مِن تلك الجهة بإعلامهم أنَّهم رسلُ اللَّه، بل على نفسِه وأهلِه لمَّا عَلِمَ أنَّ نزولهم لحادثة عظيمة، فقولُهم (^١):\n﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ تعليلٌ لنفي الخوف والحزن.\n﴿وَأَهْلَكَ﴾ نصبٌ بإضمارِ فعلٍ؛ لأنَّ موضع الكاف جَرٌّ على المختار، أو بالعطف على محلِّها باعتبار الأصل.\n﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ﴾؛ أي: في أمرِ اللّهِ ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: مِن الباقين في الهلاك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3374\"> </span>(٣٤) - ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.\n﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: عذابًا منها، سُمِّيَ\n_________\n(^١) في (ك): \"بقولهم\".","vol":"8","page":91},{"text":"بذلك لأنَّه يُقْلِقُ المعذَّب، مِن قولهم: ارتجزَ: إذا ارتجسَ؛ أي: اضطرَبَ، فاستُعْمِلَ لِمَا تضطربُ منه النَّفسُ.\n﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بسببِ استمرارِهم على تجديدِ الفسقِ في كلِّ حينٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3375\"> </span>(٣٥) - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾: مِن القريةِ ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾: هي آثارُ منازلهم الخَرِبةِ.\nوقيل: الحجارةُ الممطورة.\nوقيل: الماءُ الأسودُ على وجهِ الأرضِ.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يَستعملون عقولَهم في الاستبصار والاعتبار، وهو متعلِّق بـ ﴿تَرَكْنَا﴾ أو ﴿بَيِّنَةً﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3376\"> </span>(٣٦) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: وأرسلنا إلى مدينَ ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الأمرُ بالرَّجاءِ أمرٌ بسببِه اقتضاءً، ولا تجوُّز فيه.\nويجوز أن يكون الرَّجاء بمعنى الخوف، و﴿الْيَوْمَ﴾ مجازٌ عمَّا فيه مِن الثَّوابِ أو العقاب.\n﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قد سبقَ تفسيرُه.\n* * *","vol":"8","page":92},{"text":"<span id=\"aya-3377\"> </span>(٣٧) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: هي زعزعةُ الأرضِ تحتَ القدمِ، وفي سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣]؛ أي: صيحةُ جبريل ﵇، وهي سببُ الرَّجفةِ.\n﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ﴾: في ديارهم، على ما ذُكِرَ في سورة هود ﵇، فاكتفى هنا بالواحد لِأَمْنِ اللَّبْسِ.\n﴿جَاثِمِينَ﴾ الجاثِمُ: البارك (^١) على ركبتيه مستقبِلًا بوجهِهِ الأرضَ؛ أي: ميِّتين على هذا الحال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3378\"> </span>(٣٨) - ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾.\n﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ منصوبان بفعلٍ دلَّ عليه ما قبله مثلَ: أهلكنا. وقرئ: ﴿وَثَمُودَ﴾ غير منصرِّف على تأويل القبيلةِ (^٢).\n﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ ذلك، يعني: ما وصفَه مِن إهلاكِهم.\n﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ مِن جهةِ مساكِنهم إذا نظرتم إليها عند مرورِكم بها، وكانَ أهلُ مكَّة يمرُّون عليها في بعض أسفارِهم فيبصرونها.\n﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ مِن الكفْرِ والمعاصي.\n_________\n(^١) في (ك): \"النازل\".\n(^٢) قرأ حفص وحمزة بفتح الدَّال من غير تنوين ووقفًا بغير ألف، والباقون بالتنوين ووقفوا بالألف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٥).","vol":"8","page":93},{"text":"﴿فَصَدَّهُمْ﴾ الصَّدُّ: الصَّرْفُ عن الخير، ولا يقال: صدَّه عن الشَّرِّ، ولكن يقال: صرَفَه عن الشَّرِّ ومنعَه منه (^١).\n﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾: الصِّراط المستقيم الذي هداهُم إليه الرُّسُلُ.\n﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: متمكِّنين مِن النَّظر والاستبصارِ لكنَّهم لم يفعلوا، أو: متبيِّنين أنَّ العذابَ لاحقٌ بهم بإخبارِ الرُّسلِ لهم، ولكنَّهم لَجُّوا حتَّى هلَكوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3379\"> </span>(٣٩) - ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾.\n﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ معطوفٌ على ﴿وَعَادًا﴾، وتقديم ﴿وَقَارُونَ﴾ لشرف نسبه.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾: فائتين، بل أدركَهم أمرُ اللّهِ، مِن سبقَ طالبَه: إذا فاتَه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3380\"> </span>(٤٠) - ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿فَكُلًّا﴾ مِن المذكورِين ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾: عاقبنا بسببٍ مِن جهتِه.\n_________\n(^١) في (م): \"عنه\".","vol":"8","page":94},{"text":"﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ الحاصبُ: ريحٌ تأتي بالحصباء، وهي (^١) الحصا الصِّغار كقومِ لوطٍ.\n﴿مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كمدين وثمود.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون وقومه، وأمَّا قومُ نوح ﵇ فليسوا (^٢) مِن المذكورين.\nالغرقُ لا يكون إلَّا في الماء بخلاف الخسف، ولذلك زاد فيه قوله: ﴿بِهِ الْأَرْضَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: ليعاملهم معاملةَ الظالم فيعاقبَهم بغير جُرْمٍ، وزيادة ﴿كَانَ﴾ لبيان أنَّه ليس مِن عادته ذلك.\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتَّعريض للعذاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3381\"> </span>(٤١) - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: مَثَلُ مَن أشرَكَ باللّه الأوثانَ.\n﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ التَّاءُ فيه كتاء (طاغوت)، تقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.\n_________\n(^١) في (ك): \"وهو\".\n(^٢) في (ك): \"ليسوا\"، وفي (ي) و(ع): \"ليس\".","vol":"8","page":95},{"text":"﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾؛ أي: كمَثَل العنكبوت فيما تتَّخذُه لنفسِها مِن بيتٍ؛ فإنَّ ذلك البيت لا يدفعُ عنها الحرَّ والبرد، ولا يقي ما تقي البيوتُ، فكذلك الأوثان لا تنفعُهم في الدُّنيا والآخرة.\nولا وجهَ لِمَا قيل في تفضيل (^١) بيتها: بل ذلك أوهن، فإن لهذا حقيقةً وانتفاعًا مَّا (^٢)؛ لأنَّ قضية التَّشبيه عكس هذا.\n﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ مِن هنا ظهر أنَّ الغرضَ تشبيهُ ما اتَّخذوه مُتَّكَلًا ومعتمَدًا في دينهم بما هو مَثَلٌ عند النَّاسِ في الوهن والضَّعف، لا تشبيهُ ذواتِهم بالعنكبوت.\n﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: يرجعون إلى علمٍ لعَلِموا أنَّ هذا مَثَلُهم، أو أنَّ دينَهم أوهنُ مِن ذلك، ويجوز أنْ يُخرجَ الكلامُ بعد تشبيهِ دينهم ببيت العنكبوت مخرَجَ الاستعارة؛ فيُرادَ ببيتِ العنكبوتِ دينَ المشركين وعبادةَ الأوثان، فيكون استعارةً مصرِّحة تمثيليَّةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3382\"> </span>(٤٢) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على إضمار القول؛ أي: قل للكفرة: إنَّ اللَّه يعلم.\n_________\n(^١) في هامش (ع) و(ف) و(ي): \"موجب التفضيل أن يكون سائر البيوت دونه في الوهن فلا يجدي ما قيل في تفسيره: لا بيت أوهن منه. منه\".\n(^٢) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٩٥).","vol":"8","page":96},{"text":"وقرئ: ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء (^١)، حملًا على ما قبله.\nو﴿مَا﴾ استفهاميَّةٌ منصوبة بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، و﴿يَعْلَمُ﴾ معلَّقةٌ عنها، و﴿مِن﴾ للتَّبيين.\nأو نافيةٌ و﴿مِن﴾ مزيدة، و﴿شَيْءٍ﴾ مفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾.\nأو مصدريةٌ و﴿شَيْءٍ﴾ مصدر (^٢).\nأو موصولةٌ مفعولٌ لـ ﴿يَعْلَمُ﴾، ومفعولُ ﴿يَدْعُونَ﴾ عائدُه المحذوف.\nوالكلام على الأوَّلَيْنِ تجهيلٌ لهم وتوكيدٌ للمَثلِ، وعلى الآخرَيْنِ وعيدٌ لهم.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تعليلٌ على المعنيَيْنِ، فإنَّ مِن فَرْط الغباوة إشراكُ ما لا يُعدُّ شيئًا بمن (^٣) هذا شأنه، وأنَّ الجمادَ بالإضافة إلى القادر القاهر على كلِّ شيءٍ، البالغِ في العلم وإتقان الفعل الغايةَ، كالمعدوم، وأنَّ مَن هذا صفتُه قَادِرٌ (^٤) على مجازاتهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3383\"> </span>(٤٣) - ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾.\n﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ يعني: المثلُ المذكور وأشباهُه.\n﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لِمَا بَعُدَ مِن أفهامِهم.\n_________\n(^١) قراءة عاصم وأبي عمرو، وباقي السبعة بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٤).\n(^٢) \"شيء مصدر\" سقط من (ك)، و\"مصدر\" سقط من (ف).\n(^٣) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"لمن\".\n(^٤) في النسخ: \"قدر\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٩٥).","vol":"8","page":97},{"text":"﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾: وما يعقلُ حسنَها وفائدتَها ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾: الواقفون على أنَّ الأمثال والتَّشبيهات إنَّما هي الطُّرق إلى المعاني (^١) المستورة حتَّى تبرزَها وتصوِّرَها للأفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3384\"> </span>(٤٤) - ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ مُحقًّا؛ يعني: لم يخلقهما باطلًا، بل لحكمةٍ، وهي أنْ تكونا (^٢) مساكنَ عبادِه، وعبرةً للمعتبِرين منهم، ودلائلَ على (^٣) عظم قدرته، كما أشار إليه بقوله:\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّهم بالذِّكرِ لأنَّهم المنتفِعون بها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3385\"> </span>(٤٥) - ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.\n﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ تقرُّبًا إلى الله بقراءته، وتحفُّظًا لألفاظه، واستكشافًا لمعانيه؛ فإنَّ القارئ المتأمِّل قد ينكشِفُ له بالتَّكرارِ ما لم ينكشفْ له أوَّل ما قرعَ سَمْعَه.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: دُمْ على إقامَتِها.\n_________\n(^١) في (ك): \"للمعاني\".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(ي): \"تكون\".\n(^٣) \"على\" سقط من (م).","vol":"8","page":98},{"text":"﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قد مرَّ تفسيرُهما، والنَّهيُ مجازٌ عن المنعِ.\nرُويَ: أنَّ فتًى مِن الأنصار كان يصلِّي معَ رسول اللَّه ﵊ ولا يَدَعُ شيئًا من الفواحش إلَّا ركبَه، فوُصِفَ له ﵇ فقال: \"إنَّ صلاتَه ستنهاهُ\"، فلم يلبَثْ أنْ تابَ (^١).\n﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ أي: والصلاةُ أكبرُ مِن غيرِها مِن الطَّاعات، وإنَّما عبَّرَ عنها به لتستقلَّ بالتَّعليل، كأنَّه قالَ: والصَّلاةُ أكبرُ لأَنَّها ذِكرُ اللّهِ.\nأو: لذكرُ اللّهِ (^٢) إيَّاكم برحمته أكبرُ مِن ذكركِم إيَّاه بطاعتِه.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ منه ومن سائر الطَّاعاتِ، فيجازيكم بها أحسنَ المجازاة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3386\"> </span>(٤٦) - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أصلُ الجدالِ: شِدَّة الفَتْلِ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٧/ ٢٨١)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤٥٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٢٠)، وعزاه الثعلبي وابن عطية لرواية أنس ﵁، لكن قال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٢٨): (لم أجده). قلت: روى الإمام أحمد في \"المسند\" (٩٧٧٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢٥٦٠)، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول اللَّه، إنَّ فلانًا يصفي باللَّيل، فإذا أصبحَ سرقَ، قال: \"سينهاهُ ما تقولُ\". ورجاله رجال الصحيح كما في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ٢٥٨).\n(^٢) \"ولذكر الله\" زيادة من (ي).\n(^٣) قال الخازن في \"تفسيره\" (١/ ٥٩٥): \"لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه\".","vol":"8","page":99},{"text":"﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾: إلَّا بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ كمعارضة الخشونةِ باللِّين، والغضب بالكَظْم، والمشامَتة بالنُّصح.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالإفراطِ في الاعتداءِ والعِناد، فلم ينفعْ فيهم الرِّفقُ.\nوقيل: معناه: ولا تجادلوا الدَّاخلين في الذِّمَّة إلَّا بالتي هي أحسنُ، إلَّا الذين ظلموا فنبذوا الذِّمَّة ومنعوا الجزية، ومجادلتُهم بالسَّيف.\n﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ مِن جِنس المجادلة بالأحسن، وعن النَّبيِّ ﵇: \"لا تصدِّقوا أهلَ الكتابِ ولا تكذِّبوهم، وقولوا: آمنَّا باللّهِ وكتبِه ورسلِه، فإن كان باطلًا لم تصدَّقوهم، وإنْ كان حقًّا لم تكذِّبوهم\" (^١).\n﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: مطيعون له خاصَّة، وفية تعريضٌ باتِّخاذهم أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا مِن دونِ اللّهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3387\"> </span>(٤٧) - ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثْلَ ذلك الإنزالِ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ مصدِّقًا لكتبهم بأنْ نزلَ على ما وُصِفَ فيها.\n﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ كعبد اللَّه بن سلام وأضرابه، تفريعٌ على نزول القرآن على ما وُصِفَ في كتابهم، وإنَّما قالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ دون: آمنوا به؛ لأنَّ منهم مَن لم يؤمن بعدُ.\n_________\n(^١) روى نحوه أبو داود (٣٦٤٤) من حديث أبي نملة الأنصاري ﵁، وأصل الحديث عند البخاري (٤٤٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":100},{"text":"﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الإشارةُ إلى أهل مكَّة، أو إلى عامَّة العربِ، لا إلى مَن في عهد الرَّسولِ ﵇ مِن أهل الكتاب؛ لأنَّهم داخلون فيما تقدَّم، ولا مجال لتخصيصه بمَن تقدَّم عهدَه ﵇ لأنَّ التَّفريع يأباه (^١).\n﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ مع ظهورِها وقيامِ الحجَّة عليها، ولذلك قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾؛ فإنَّ الجَحْدَ ليسَ مطلقَ الإنكارِ، بل الإنكارُ بعدَ المعرفةِ.\n﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾: إلا السَّاترون للحقِّ بعدَ وضوحِه عندهم عنادًا (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3388\"> </span>(٤٨) - ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\n﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: مِن قبلِ نزولِ القرآن عليك، فيُفهَم منه أنَّه ﵇ كان قادرًا على التِّلاوة والخطِّ بعدَه.\n﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ عربيًّا كان أو عبريًّا أو سريانيًّا أو فارسيًّا.\n﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فإنَّ ظهورَ هذا الكتاب الجامعِ لأنواع العلوم الشَّريفة على مَن لا يقدرُ على القراءة والخطِّ (^٣) خارقٌ للعادة.\nوذِكرُ اليمين زيادةُ تصويرٍ للمنفيِّ، ونفيٌ للتَّجوُّز في الإسناد، وما فيه من الإطناب المعنوي لإفادة أنَّ الكتابة من أشرف الصِّناعات، فحقُّها أن تكون باليمين\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"رد للكشاف\"، وهو كما قال.\n(^٢) في هامش (ف) و(ي) و(ع): \"ولولا هذا الاعتبار لكان الكلام خلوًا عن الفائدة. منه\".\n(^٣) في هامش (ي): \"من بدل الخط بالتعلم فكأنه استلال [أو: استدراك، أو: استدلال]، ولا يخفى ما فيه. منه\".","vol":"8","page":101},{"text":"دون اليسار المخصوصةِ بخسائس الأمور، على ما أشار إليه النَّبيُّ ﵇ بقوله: \"اليمين للوضوء واليسار للاستنجاء\" (^١).\n﴿إِذًا﴾ تقديره: ولو كنْتَ تتلو الكتابَ وتخطُّه إذًا ﴿لَارْتَابَ﴾: لشكَّ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ مِن أهل الكتاب، وقالوا: الذي نجده في كُتبنا أميٌّ لا يقرأُ ولا يكتبُ، وليس به.\nوإنَّما سمَّاهم مبطلين لأنَّهم وجدوه في كتبهم كذلك فغيَّروه (^٢).\nقيل: أي: لو كنْتَ ممَّنْ يخطُّ (^٣) ويُقرأُ لقالوا: لعلَّه تعلَّمَ أو التقطه مِن كتبِ الأقدمين.\nوفيه: أنَّ ذلك الارتياب لا يندفع بكونه ﵇ أُمِّيًّا؛ فإنَّ التَّعلُّم مِن الغير لا يتوقَّفُ على القراءة والكتابة.\n* * *\n_________\n(^١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ويوجد أحاديث كثيرة لاستحباب استخدام اليمين في الوضوء وما يستحسن، والنهي عن استخدامها في الاستنجاء، منها ما رواه البخاري (١٥٣) ومسلم (٢٦٧) عن أبي قتادة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه\".\nوروى أبو داود (٣٣) عن عائشة ﵂ قالت: \"كانت يد رسول اللَّه ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى\".\n(^٢) في هامش (ع) و(ي): \"لمَّا عرفت أن الارتياب مخصوص بهم بين أهل الكتاب فقد ظهر عندك وجه التعبير بالمبطلين دون الكافرين، ومن لم يتنبه لذلك زعم أن المراد منهم الكافرين. منه\".\n(^٣) في (ف) و(ي): \"تخطه\".","vol":"8","page":102},{"text":"<span id=\"aya-3389\"> </span>(٤٩) - ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿بَلْ هُوَ﴾: بل القرآنُ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هما مِن خصائص القرآن: كونه آياتٍ بيِّناتٍ للإعجاز، وكونه محفوظًا في الصُّدور، بخلافِ سائر الكتُبِ السَّماويَّة؛ فإنَّها لم تكن معجزات في حدود أنفسها (^١)، وما كانت (^٢) تقرأ إلَّا مِن المصاحفِ.\nوفي قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ تشريف للحفَّاظِ، وتنبيهٌ على أنَّ حفظه حقيقةً إنَّما يكون بالوقوف على معانيه.\n﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾: إلَّا المتوغِّلون في الظُّلم بالمكابرة بعدَ وضوح دلائل الإعجاز.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3390\"> </span>(٥٠) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ عطفٌ على اللَّازم ممَّا تقدَّم؛ أي: لم يَعتدُّوا (^٣) بتلك الآيات وقالوا:\n_________\n(^١) في هامش (ي) و(ع): \"ولا ينافي هذا كون بعضها معجزة من جهة أخرى، كالتوراة فإنها نزلت من السماء مكتوبة. منه\".\n(^٢) \"كانت\" سقطت من (ع).\n(^٣) في (ع): \"لا تعبدوا\"، وفي (ف): \"لا تعدوا\"، وفي (ك): \"لا تعتدوا\"، وفي (م): \"لا يقتدوا\"، وفي (ي): \"لا يعتدوا\"، والصواب المثبت.","vol":"8","page":103},{"text":"﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ مثلَ ناقةِ صالح، وعصا موسى، ومائدةِ عيسى، ﵈.\n﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ينزِلها كما يشاءُ، وأمَّا ما قيل: لسْتُ أهلَها فآتيَكم بما تقترحونه، فلا يناسبُ المقامَ؛ لأنَّ الاقتراح كان من الله تعالى لا منه ﵇ ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ليسَ مِن شأني إلَّا تبليغُ ما أُمِرْتُ به مِن الإنذار والإبانةِ ممَّا أُعْطِيْتُ مِن الآيات، والاقتصارُ على ذِكْرِ الإنذارِ لزيادةِ التَّهديد لهم والوعيدِ في حقِّهم، وإلَّا فشأنه ﵇ غير مقصور على ما ذُكِرَ، بل التَّبشيرُ أيضًا من شأنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3391\"> </span>(٥١) - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ آيةٌ مغنية عمَّا اقترحوه.\n﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: الكاملَ في جنسِه.\n﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾: تدومُ تلاوتُه عليهم في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، فلا يزال معهم آيةً ثابتةً لا تزولُ كما تزول كلُّ آيةٍ بعدَ كونِها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: إنَّ في مثل هذه الآية الموجودة في كلِّ مكانٍ وزمانٍ إلى آخرِ الدَّهر.\n﴿لَرَحْمَةً﴾: لنعمةً عظيمةً ﴿وَذِكْرَى﴾: وتذكرةً ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لمن همُّه الإيمانُ دونَ التَّعنُّت.\n* * *","vol":"8","page":104},{"text":"<span id=\"aya-3392\"> </span>(٥٢) - ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ بصِدْقي (^١)، وقد صدَّقني بالمعجزات، أو: بتبليغي ما أُرْسِلْتُ به إليكم ونصحي ومقابلتِكم إيَّايَّ بالتَّكذيبِ والتَّعنُّتِ.\n﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فهو مُطَّلِع على أمري وأمرِكم، وعالمٌ بحقِّي وباطلِكم.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ وهو الذي يُعبَدُ مِن دونِ اللّهِ ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ منكم ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ في صفقتهم حيث اشتروا الكفرَ بالإيمانِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3393\"> </span>(٥٣) - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم: أمطرْ علينا حجارةً مِن السَّماء.\n﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ على مقتضى الحكمة لكلِّ عذابٍ أو قومٍ ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلًا.\n﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ العذابُ في الأجل المسمَّى ﴿بَغْتَةً﴾: فجأةً ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بوقتِ مجيئه، فليس وقعة بدر منه (^٢).\n_________\n(^١) في (م): \"يصدقني\".\n(^٢) في (ك): \"فليس وقت بدر منه\"، وفي (ف): \"فليس وقت بدلٌ منه\"، وفي (م): \"فليس وقت يدرأ منه\". والمثبت من (ع) و(ي)، وهو الصواب، حيث ذكره ردًا على البيضاوي (٤/ ١٩٧) في قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة في الدنيا كوقعة بدر.","vol":"8","page":105},{"text":"<span id=\"aya-3394\"></span><span id=\"aya-3395\"> </span>(٥٤ - ٥٥) - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أعاده لربط قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ﴾ أُرِيدَ بـ ﴿جَهَنَّمَ﴾ ما يوجبُها، أو نزَّل الإحاطة المقدَّرة منزلةَ المحقَّقة للقَطْع بوقوعِها، وهذا بحسب النَّظر الجليل.\nوأمَّا الذي يقتضيه النَّظر الدَّقيق: فهو أنَّه تعالى مُنزَّه عن النِّسَبِ الزَّمانيَّة، فالكائناتُ كلُّها واقعةٌ في أوقاتِها (^١) المعيَّنة بالنَّظر إليه تعالى، فلا تجوُّزَ في أحدِ جُزْأي الكلام.\n﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ اللَّام للعهد على وضع الظَّاهر موضعَ المضمَرِ؛ للدِّلالة على موجِب الإحاطة، أو للجنس فيكون استدلالًا بحكم الجنس على حكمِهم.\nولا وقف على ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ لأنَّ: ﴿يَوْمَ﴾ ظرفُ إحاطةِ النَّار بهم.\n﴿يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ كقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].\nوذكر (^٢) ﴿أَرْجُلِهِمْ﴾ للدِّلالة على أنَّ تلك التَّغشية في حال انتصابهم.\n﴿وَيَقُولُ﴾ اللّهُ، أو بعضُ الملائكةِ بأمرِه؛ لقراءة: ﴿ونقول﴾ بالنُّونِ (^٣): ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: جزاءَه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"إفادتها\".\n(^٢) في (ك): \"ذكر\".\n(^٣) قرأ الكوفيون ونافع بالياء، وباقي السبعة بالنون. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٤).","vol":"8","page":106},{"text":"<span id=\"aya-3396\"> </span>(٥٦) - ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.\n﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾؛ أي: إذا لم تتسهَّل العبادةُ في بلدةٍ، ولم يتيسَّرْ لكم إظهارُ دينِكُم، فهاجروا إلى حيثُ يتمشَّى لكم ذلك، والفاء في قوله:\n﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ جوابُ شرطٍ محذوفٌ؛ إذ المعنى: إنَّ أرضي واسعةٌ، إنْ لم تخلِصوا العبادةَ في أرضٍ فأخلِصوها في غيرها، ثمَّ حذفَ الشَّرطَ وعوَّضَ مِن حذفه تقديمَ المفعولِ، مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص، ثمَّ شجَّع المهاجِرَ بقوله:\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ¶٢٩¶٥٧ <\n(٥٧) - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: واجدةٌ مرارَته، كما يجدُ الذَّائق طعمَ المذوقِ؛ لأنَّها إذا تيقَّنَتْ (^١) بالموت سهلَ عليها مفارقةُ وطنِها.\n﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ بعدَ الموتِ للثَّوابِ والعقاب، ومَن هذا عاقبتُه ينبغي أنْ يجتهدَ في الاستعداد له.\n* * *\n>\n\n<span id=\"aya-3398\"></span><span id=\"aya-3399\"> </span>(٥٨ - ٥٩) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: لننزلنَّهم ﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾: علاليَ.\nوقرئ: ﴿لَنُثْوينَّهم﴾ مِن الثَّواء (^٢)، وهو النُّزولُ للإقامة، وثَوَى غيرُ متعدٍّ، فإذا\n_________\n(^١) في (م): \"تيقن\".\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٤).","vol":"8","page":107},{"text":"تعدَّى بزيادة الهمزة لم يتجاوز مفعولًا واحدًا، والوجه في تعديته إلى ضمير المؤمنين وإلى الغرف: إما إجراؤُه مجرى لننزلنَّهم ولنبوِّئنَّهم، أو حذف الجار وإيصال الفعل، أو تشبيهُ الظَّرفِ المؤقَّتِ بالمبهم.\n﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ وقرئ: (فنعم) (^١)، والمخصوص بالمدح محذوف دلَّ عليه ما قبلَه.\nويُوقف على ﴿الْعَامِلِينَ﴾ على أنَّ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هم الذين صبروا على أذيَّة المشركين، والهجرةِ للدِّين، إلى غير ذلك مِن المحنِ والمشاقِّ.\nوالوصل أجود؛ ليكون ﴿الَّذِينَ﴾ نعتًا لـ ﴿الْعَامِلِينَ﴾.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ولا يتوكَّلون في جميع ذلك إلَّا على اللّهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3400\"> </span>(٦٠) - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿وَكَأَيِّنْ﴾: وكم ﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾: لا تطيقُ حملَه لضعفِها، ولا تدَّخره، وإنَّما تصبح ولا معيشةَ عندَها.\n﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ ثمَّ إنَّها مع ضعفِها وتوكُّلِها، وإيَّاكم مع قوَّتِكم واجتهادِكم في الكسْبِ، سواءٌ في أنَّه (^٢) لا يرزُقها وإيَّاكم إلَّا اللَّه، فإنَّه لو لم يقدِّركم ولم يقدِّرْ لكم أسبابَ الكسب لكنْتُم أعجزَ مِن أضعفِ الدَّوابِّ، فلا تخافوا على معاشِكم بالهجرةِ.\n_________\n(^١) نسبت ليحيى بن وثاب. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٥).\n(^٢) في (ك): \"أنها\".","vol":"8","page":108},{"text":"رُويَ أَنَّهم لَمَّا أُمِروا بالهجرة قال بعضُهم: كيف نَقْدمُ بلدةً ليس لنا فيها معيشة، فنزلَتْ (^١).\n﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لقولِكم: نخشى الفقرَ والضَّيعةَ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائرِكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3401\"> </span>(٦١) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ المسؤول أهل مكَّة.\n﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ أي: هم مُقرُّون بذلك، ولا يخفى ضعفُ التَّمسُّكِ بوجوب انتهاء الممكنات إلى واحدٍ واجبِ الوجود في هذا المطلبِ.\n﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: فكيفَ يُصرَفون عن (^٢) توحيده مع إقرارِهم بهذا كلِّه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3402\"> </span>(٦٢) - ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يوسِّعُه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر﴾ يُقالُ: قَدَرَ الرِّزقَ وقتَرَهُ: إذا ضيَّقه.\n﴿لَهُ﴾؛ أي: لِمَن يشاءُ، فوضعَ الضَّميرَ مَوْضِعَ (من يشاء) لأنَّه مُبْهَمٌ غيرُ معيَّن، فكان الضَّميرُ مُبْهمًا مثلَه.\nوليس المراد مِن الموسَّع له والمضيَّق عليه واحدًا باعتبار الوَقْتَين؛ إذ حينئذٍ حقُّ قوله: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أنْ يُصدَّرَ بأداة التَّعاقبِ.\n_________\n(^١) انظر: \"النكت والعيون\" (٤/ ٢٩٣)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٩٨).\n(^٢) في (م): \"على\".","vol":"8","page":109},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلمُ ما يُصلِحُ العبادَ وما يفسدُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3403\"> </span>(٦٣) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ معترِفين بذلك، فكيف يشركون به ما لا يقدِرُ على شيءٍ أصلًا.\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هذه النِّعمةِ العُظمى، فإنَّ الماءَ مادَّةُ حياةِ كلِّ شيءٍ.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فلا يعلمون ما يقولون، وما فيه مِن الدِّلالة على بطلانِ الشِّركِ وصحَّة التَّوحيد.\nوكلمة ﴿بَلْ﴾ إضرابٌ عن جهلِهم الخاصِّ في الإتيان بما هو حجَّة عليهم، يعني: أنهم مسلوبو (^١) العقولِ، فلا يَبعدُ عنهم مثلُه.\nوقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ معترِض، ويأتي في سورة لقمان تفسيرُ هذه الآيةِ بوجهٍ آخر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3404\"> </span>(٦٤) - ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إشارةُ تحقيرٍ، كيف وهي لا تزنُ (^٢) عند اللَّه جناحَ بعوضة.\n_________\n(^١) في (ف): \"مسلوبون\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"تسوى\"، وفي (م): \"وهي لا تزن عند الله ولا تسوى عند الله\".","vol":"8","page":110},{"text":"﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾؛ أي: ما هي لسرعةِ زوالِها وعدمِ النَّفعِ في مآلها إلَّا كما يَلْهَى وَيلعبُ به الصِّبيان، ويجتمعون إليه، ويبتهجون به ساعةً، ثمَّ يتفرَّقون.\nواللَّهْوُ: ما يتلذَّذُ به الإنسانُ فيلهيه ساعةً ثمَّ ينقضي.\n﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾؛ أي: هي دارُ الحياةِ الحقيقيَّة، لعدمِ طَرَيان الموت عليها، أو كأنَّها في ذاتها حياةٌ؛ إذ ليس فيها إلَّا حياة مستمرَّة دائمة.\nو﴿الْحَيَوَانُ﴾: مصدرُ حَيِيَ، وقياسُه: حَيَيَان، فقُلِبَتِ الياء الثَّانية واوًا، ولم يقل: لهي الحياة؛ لِمَا في بناء فَعَلان من معنى الحركة والاضطراب، والحياةُ حركة والموتُ سكون، فمجيئه على بناءٍ دالٍّ على معنى الحركة مبالغةٌ في معنى الحياةِ.\nويوقف على ﴿الْحَيَوَانُ﴾ لأنَّ التَّقدير: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ الدَّارَيْن لَمَا اختاروا اللَّهو الفانيَ على الحيوان الباقي، ولو وُصِلَ لصار وصفُ الحيوان معلَّقًا بشرطِ علمِهم ذلك، وليس كذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3405\"> </span>(٦٥) - ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ مُتَّصلٌ بما دلَّ عليه ما قبلَه مِن شرح حالِهم بطريق الإشارة، وليس هنا محذوفٌ؛ أي: هم على ما وُصِفوا به مِن الشِّرك والعناد، فإذا ركبوا في البحر ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ في تلك الحالة.\n﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حقيقةً، حيث لا يَدْعون معه غيرَه؛ لعلمِهم بأنَّه لا يكشف الشَّدائدَ إلَّا هو، وهذا - أي: التَّوافق بين العلم والعمل - حقيقةُ الإخلاصِ، لا","vol":"8","page":111},{"text":"صورتُه (^١)، وأيضًا مساقُ الكلام في تقبيح حالِهم وكمالِ القبح في انقلابهم عن الإخلاص إلى الشِّرك بغتةً.\n﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾: فاجَؤوا المعاوَدَةَ إلى الشِّرك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3406\"> </span>(٦٦) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللَّام فيه لام (كي)، وكذا في:\n﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ على قراءة الكسر؛ أي: يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعَود إليه كافرين بنعمة النَّجاة، متمتِّعين باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادِّهم (^٢) عليها والتَّلذُّذِ لا غير، على خلاف عادة المخلصين من المؤمنين، فإنَّهم يشكرون نعمة اللَّه تعالى إذ أنجاهم، ويجعلون نعمة النَّجاة ذريعةً إلى زيادة الطَّاعة، لا إلى التَّمتُّع والتَّلذُّذ (^٣).\nوعلى هذا لا وقفَ على ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ومَن جعلَه لام الأمر متشبِّثًا بقراءة السُّكون (^٤) على وجه التَّهديد كقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] يقفُ عليه.\n﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوءَ تدبيرِهم عندَ تدميرِهم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"صورة\".\n(^٢) في (ك): \"وتواددهم\".\n(^٣) في (م): \"التلذذ والتمتع\".\n(^٤) قراءة ابن كثير وقالون وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بكسر اللَّام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٤).","vol":"8","page":112},{"text":"<span id=\"aya-3407\"> </span>(٦٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أي: أهل مكَّة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدَهم ﴿حَرَمًا﴾: ممنوعًا مصونًا عن النَّهب والتَعدي ﴿آمِنًا﴾: يأمنُ داخلوه سواءٌ كان مِن أهلِه أو مِن غيرِهم مِن القتلِ والسَّبي.\n﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ يُختلسون قَتْلًا وسَبْيًا؛ إذ كانَتِ العربُ حولَه في تغاورٍ وتناهبٍ.\n﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: أبعدَ هذه النِّعمةِ المكشوفةِ وغيرِها ممَّا لا يَقدرُ عليه إلا اللَّه، بالصَّنم أو الشَّيطانِ ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ حيثُ أشركوا به غيرَه، وتقديم الصِّلتَيْن لمحافظةِ الفاصلةِ والاختصاصِ على طريق المبالغةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3408\"> </span>(٦٨) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأنْ جعلَ له شريكٌ، قائلينَ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وهذا القولُ منهم باعتبار أنَّ التَّقرُّبَ لا يكون إلَّا بالطَّاعة في معنى القول بأنَّ تلك العبادةَ طاعةٌ أمروا بها، وهذا افتراءٌ منهم على اللَّه تعالى.\nثُمَّ إنَّ الافتراءَ نفسَه وإن كان لا يخلو عن كذبٍ لكنَّ المفتَرى قد يكون صادقًا، والمفتَرى هاهنا - وهو كون عبادة الأصنام طاعةً - لَمَّا كان كذبًا زادَ قولَه: ﴿كَذِبًا﴾ زيادةً (^١) في تقبيحِ شأنِهم.\n_________\n(^١) \"زيادة\" سقط من (ك).","vol":"8","page":113},{"text":"﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾؛ يعني: الرَّسول أو الكتاب.\nوفي: ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ تسفيهٌ لهم حيثُ لم يتوقَّفوا ولم يتأمَّلوا قطُّ حين جاءهم، بل سارعوا إلى التَّكذيبِ أوَّلَ ما سمعوه.\n﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ تقريرٌ لثوائهم فيها؛ أي: ألا (^١) يَثْوون فيها، وقد افتروا مثل هذا الافتراء على اللَّه، وكذَّبوا بالحقِّ هذا التَّكذيب؛ أو: ألم يصحَّ عندهم أنَّ في جهنَّم مثوًى للكافرين، حتَّى اجترؤوا مثلَ هذه الجرأة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3409\"> </span>(٦٩) - ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ أطلقَ المجاهدة ليتناولَ كلَّ ما تجب مجاهدته من الأعادي الظَّاهرة والباطنة بأنواعها.\n﴿فِينَا﴾: في حقِّنا ومن أجلِنا ولوجهنا خالصًا.\n﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾: لنزيدنَّهم هدايةً إلى سُبُلِ الخير وتوفيقًا لسلوكها، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنُّصرةِ والمعونةِ في الدُّنيا، وبالثَّوابِ والمغفرة في العُقبى.\n* * *\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ف): \"لا\"، والمثبت من (ف)، وهو الصواب.","vol":"8","page":114},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>سُورَةُ الرُّومِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3410\"></span><span id=\"aya-3411\"> </span>(١ - ٢) - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾.\n﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: غُلِبَتِ في القراءة المشهورة على البناء للمفعول، و﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ على البناء للفاعل، وقرئ على العكس (^١)، وإضافةُ غَلَبتهم (^٢) في الأولى إلى المفعول، وفي الثانية إلى الفاعل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3412\"></span><span id=\"aya-3413\"></span><span id=\"aya-3414\"> </span>(٣ - ٥) - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾: أرضِ العربِ؛ لأنَّها الأرض المعهودة عندهم؛ أي: في أدنى أرضِ العرب منهم، أو: أرضِهم؛ أي: أدنى أرضِهم مِن العرب، واللامُ بدلٌ مِن الإضافة.\n_________\n(^١) نسبت لعليّ وابن عمر وأبي سعيد الخدري ﵃ ومعاوية بن قرة وغيرهم. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣١٩)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٦)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤٦٧)، و\"البحر\" (١٧/ ١٥٤).\n(^٢) في (م): \"غلبهم\".","vol":"8","page":117},{"text":"وقيل: أدنى أرضهم إلى عدوِّهم (^١)؛ أمَّا الدلالة على الإضافة فظاهرةٌ مِن ذِكْرهم، وأمَّا النهاية فلحديث المغلوبيَّة.\nوعن مجاهد: هي أرضُ الجزيرة، وهي أدنى أرضِ الروم إلى فارس (^٢).\nوقيل: أَذْرعاتَ وبُصْرى، وهي أدنى أرضِ الشام مِن العرب.\n﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ وقرئ بسكون اللَّام (^٣)، فالغَلَب والغَلْب مصدران، كالحَلَب والحَلْب.\n﴿سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ البِضْعُ: ما بين الثلاثةِ إلى العَشَرة، وفي \"المجمل\": ما بين الواحد إلى التسعة (^٤).\nروي أنَّه لمَّا بلغ مكةَ خبرُ غلبةِ فارسَ الرومَ، فرحَ المشركون وشَمتوا بالمسلمين، وقالوا: أنتم ونصارى أهلُ الكتاب، ونحن وفارسُ أُمِّيُّون، فقد ظهر إخوانُنا على إخوانكم، ولنَظهرنَّ عليكم، فنزلت (^٥).\nوظهرت الرومُ على فارسَ يومَ الحديبية، وذلك عند رأسِ سبعِ سنين.\nوقيل: كان النصر يومَ بدر للفريقين.\nوالمعنى على القراءة الثانية؛ أنَّ الرومَ غلبوا على ريفِ الشام، وسيَغلبهم المؤمنون في بِضْعِ سنين، وقد غَلَبهم المسلمون في السنة التاسعة وفتحوا بعضَ بلادهم.\n_________\n(^١) أي: الفرس.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٦٦).\n(^٣) نسبت لعليٍّ ﵁. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٦).\n(^٤) انظر: \"المجمل\" لابن فارس (١/ ١٢٧).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٦٦)، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٤٥٠) عن عكرمة.","vol":"8","page":118},{"text":"﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: مِن قَبْلِ كونهم غالبين؛ وهو وقتُ كونهم مغلوبين، ومِن بعد كونهم مغلوبين؛ وهو وقتُ كونهم غالبين؛ أي: ليس الأمر في الحالين إلَّا للّه.\nوقرئ: (من قبلٍ ومن بعدٍ) على الجرِّ مِن غير تقدير مضافٌ (^١)، كأنَّه قيل: قَبْلًا وبَعْدًا؛ أي: أوَّلًا وآخرًا.\n﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾: ظرفٌ معمول لـ ﴿يَفْرَحُ﴾، والتنوين فيه للعوض مِن الجملة المحذوفة؛ أي: ويوم إذ يَغلبُ الرومُ فارسَ.\n﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ وتغليبِه مَن له كتابٌ على مَن لا كتابَ له؛ لِمَا فيه مِن انقلابِ التفاؤل وغيظِ مَن شمتَ بهم مِن كفار مكة، أو لِمَا ظهر مِن صدقِ المؤمنين فيما أَخبروا به المشركين.\nوقيل: وافق ذلك يومَ بدر، وفي هذا اليوم نُصِرَ المؤمنون (^٢).\n﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فينصرُ هؤلاء تارةً وهؤلاء أخرى.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ينتقمُ تارةً مِن عباده بالنصر عليهم، ويتفضَّل عليهم أخرى بنصره إيَّاهم (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لأبي السمال، والجحدري، وعون عن العقيلي. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٦٧)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ١٥٦).\n(^٢) في هامش (ع) و(ف) و(ي): \"وأما النصر بمعنى تولية بعض أعدائهم بعضًا حتَّى تعاونوا فلا اختصاص له بيوم غلبة الروم فارس بل يوجد في يوم غلبة فارس الروم أيضًا. منه\".\n(^٣) في النسخ: \"بنصرهم إياهم\"، والصواب المثبت. ولو قيل كما في البيضاوي: \"بنصرهم أخرى\" لكان صوابًا أيضًا.","vol":"8","page":119},{"text":"<span id=\"aya-3415\"> </span>(٦) - ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: مصدرٌ مؤكِّد لنفسه؛ لأنَّ ما تقدَّمه في معنى وَعَدَ، كقولك: عليَّ ألفُ درهمٍ عرفًا؛ لأنَّ معناه: أَعترفُ لكَ بها اعترافًا.\n﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ اعتراض.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعْدَه، أو: صحَّةَ وعدِه؛ لبلوغهم في الجهل غايَته حتى يستحقُّوا أنْ يقال فيهم: لا يعلمون مطلقًا.\n\n<span id=\"aya-3416\"> </span>(٧) - ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.\n﴿يَعْلَمُونَ﴾ بدلٌ مِن ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾، وفي هذا الإبدال - مع أنَّه مِن لطائف علمِ البديع - إشعارٌ بأنَّ سَلْب العلمِ - الذي هو الجهل - لا ينافي وجودَ العلم بظاهر أمورِ الدنيا، بل هو هو لا فرقَ بينهما.\n﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: فيه إشارةٌ إلى أنَّ للحياة الدنيا ظاهرًا؛ وهو ما يَعرفه الجهَّال مِن التمتُّع بزخارفها، والتنعُّم بملاذِّها، وجمعِ أسبابها وضبطها، وباطنًا وهو ما يعرفه العقلاء مِن الاعتبار بهم، وبسرعة انقضائها، وكون محلِّها متجرَ (^١) الأولياء ومجازَ الآخرة، يجب التَّزوُّد منها بالتقوى والطاعة.\nوتنكيرُ ﴿ظَاهِرًا﴾ يفيد أنَّهم لا يعلمون إلَّا ظاهرًا واحدًا من ظواهرها؛ وهو التمتُّع منها بالأكل والشرب كالبهائم، لا جملتَها؛ فإنَّ مِن ظواهرَها معرفةَ خواصِّها، والاستدلالَ بها على صانعها، وكيفيَّة الانتفاع بها لصلاحِ الدارين، ففيه ذمٌّ لهم بالجهلِ بليغٌ.\n_________\n(^١) في (ع): \"متحرك\"، وفي (ك): \"معجز\".","vol":"8","page":120},{"text":"﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ التي هي غايتُها والمقصودةُ منها ﴿هُمْ غَافِلُونَ﴾ لا تخطر ببالِهم، و﴿هُمْ﴾ الثانية تكريرٌ للأولى، أو مبتدأ و﴿غَافِلُونَ﴾ خبره، والجملة خبرُ الأولى، وعلى كِلَا الوجهين في توسطيه وتكريرِ ﴿هُمْ﴾ إشعارٌ بأنَّهم معدنُ الغفلة عن الآخرة ومنبعُها، متمادونَ فيها بالسكون إليها، كأنَّه لا غافلَ غيرُهم.\n\n<span id=\"aya-3417\"> </span>(٨) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾: كلمةُ استبطاءٍ، ومعناها: هلَّا يتفكَّرون (^١) لِمَ أخَّروا التفكُّر، والواو للعطف على محذوفٍ تقديره: أَلَم يلتفتوا ولم يتفكَّروا، وقوله:\n﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن يكون ظرفًا، وأن يكون صلةً للتفكُّر.\nومعنى تقييد (^٢) التفكُّر به على الأول مع أنَّه لا يكون [إلا] (^٣) في النفس: زيادةُ تصويرٍ لحال المتفكِّرين وتقريرٌ، كقولك: كتبتهُ بيميني، كأنَّه قيل: أَوَلم يُحْدِثوا التفكُّر في أنفسهم العاطلةِ الفارغة عن التفكُّر والتأمُّل.\nوعلى الثاني معناه: أَوَلم يتفكَّروا في أنفسِهم التي هي أقربُ الأشياء وما فيها مِن عجائبِ الصنع وبدائعِ الحكَم التي أَودعها اللهُ تعالى فيها، وفي انتقالاتها في السِّنِّ إلى الشيخوخة والضَّعْف وضرورة فنائها.\n_________\n(^١) في النسخ: \"يتفكروا\"، والصواب المثبت.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"تعيين\".\n(^٣) من \"البحر المحيط\" (١٧/ ١٦٠)، و\"حاشية الشهاب\" (٧/ ١١٣)، و\"روح المعاني\" (٢٠/ ٤١٤).","vol":"8","page":121},{"text":"﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ متعلِّق بعِلْمٍ أو قولٍ محذوفٍ دلَّ الكلامُ عليه؛ أي: فيَعلموا أو يقولوا هذا القول.\n﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حالٌ؛ أي: إلَّا مُلْتبسةً بالحق؛ أي: بالحكمة البالغة والعدل والصواب.\n﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: وبتقديرِ أجلٍ مسمًّى يَنتهي إليه، وهو قيامُ الساعة ووقتُ الحسابِ والثوابِ والعقابِ.\nأو: إلَّا وهي ملتبسةٌ بالحقِّ وتقديرِ أجلٍ مسمًّى، يعني: ما خَلَقهما باطلًا، ولا لتبقى خالدةً.\n﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: لقاءِ جزائه عند الأَجَلِ المسمَّى والبعث.\n﴿لَكَافِرُونَ﴾: منكِرون (^١).\n\n<span id=\"aya-3418\"> </span>(٩) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: تقريرٌ لسيرهم في البلاد، ونَظَرِهم إلى آثار المدمَّرين - مِن عادٍ وثمودَ وغيرِهم مِن الأُمم العاتية - المترتِّبِ على ذلك السير، ثم وصف حالهم فقال:\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"لم يقل: جاحدون؛ لأن الجحد مشروط بالعلم. منه\".","vol":"8","page":122},{"text":"﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾: وقلَّبوا وجهَها لزرعِ البُزُور واستنباطِ المياه واستخراجِ المعادن وغيرها.\n﴿وَعَمَرُوهَا﴾ بالاهتمام في أمرِ البناءِ والغرسِ ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾: مِن عمارة أهلِ مكَّة إيَّاها، وفيه تهكُّمٌ بهم؛ لأنَّهم أهلُ وادٍ غيرِ ذي زرعٍ لا عمارةَ لهم ولا حرثَ، وهم مغترُّون بالدنيا مفتخرونَ بها، مع أنَّهم أضعفُ حالًا فيها، إذ مدارُ أمرِها على التبسُّط في البلاد، والتسلُّط على العباد، والتصرُّف في الأقطار بإظهارِ أنواعِ الآثار.\n﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزاتِ أو الآياتِ الواضحاتِ.\n﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾: فما صحَّ لهم أنْ يَظلمهم اللهُ؛ لأنَّ حاله تعالى يُنافي الظلم، كناية عن عدمِ كون تدميرِهم واستئصالِهم ظلمًا.\n﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: حيث أصرُّوا على ما أَوجب تدميرَهم مِن الكفر والتكذيب والمعاصي.\n\n<span id=\"aya-3419\"> </span>(١٠) - ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾؛ أي: عُوقبوا في الدنيا بالتدمير، ثم كانت عاقبتهم التي هي أَسوأ العقوبات، وهي جهنَّم التي أعدَّت للكافرين، فوضع الظاهر موضعَ المضمر للدلالة على أنَّ الموجبَ للعقوبة السوأى إساءتُهم المفرطة.\n﴿السُّوأَى﴾ تأنيثُ: الأَسْوَأ وهو الأقبحُ، كما أنَّ الحُسْنى تأنيث الأحسنِ، أو مصدرٌ كالبُشْرى نعت بها للمبالغة.","vol":"8","page":123},{"text":"﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ علةٌ؛ أي: لِأَنْ كذَّبوا، أو بدلٌ مِن ﴿السُّوأَى﴾ أو عطفُ بيانٍ له، أو خبر ﴿كَانَ﴾ و﴿السُّوأَى﴾ مصدرُ ﴿أَسَاءُوا﴾، أو مفعولُه؛ أي: [ثم كان عاقبةَ الذين] اقترفوا الخطيئةَ [أن طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ حتى كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها.\nويجوز أن تكون ﴿السُّوأَى﴾ صلةَ الفعل و﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ تابعَها، والخبرُ محذوف للإبهام] (^١) والتهويل، وأن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسِّرةً (^٢) بمعنى: أي؛ لأنَّ الإساءة إذا كانت مفسَّرة بالتكذيب والاستهزاء، كانت في معنى القول، نحو: نادى، وكتب وما أشبههما.\nويجوز أن يكون معنى ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾: اقترفوا الخطيئةَ التي هي أسوأُ الخطايا، ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ عطف بيانٍ لها، وخبر ﴿كَانَ﴾ محذوف كما يُحذف جوابُ (لو) و(لمَّا) لإرادة الإبهام؛ أي: ما لا يدخل تحت الوصف.\nوقرئ: ﴿عَاقِبَةَ﴾ بالنصب (^٣)، على أنَّ الاسم ﴿السُّوأَى﴾ و﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ على الوجوه المذكورة.\n﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ عدل عن صيغةِ الماضي، وزاد عبارة (كان)؛ للدلالة على الاستمرار التجدُّديِّ في أمرِ الاستهزاء المتضمِّن للتكذيب، والمحافظةِ على رؤوس الفاصلة (^٤).\n_________\n(^١) ما بين معكوفتين من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٠٣).\n(^٢) اضطربت النسخ وغمض معناها في هذا الموضع، فجاء في (ف) و(ك): \"والتهويل في أن كذبوا تفسير أو أن هي المفسرة\"، وفي (م): \"والتهويل في أن يكون كذبوا في أن كذبوا تفسيرا وأن هي المفسرة\"، وفي (ي): \"والتهويل في أن يكون كذبوا تفسيرا وأن هي المفسرة\"، وفي (ع): \"والتهويل في أن يكون كذبوا وأن هي المفسرة\"، والمثبت من المصدر السابق.\n(^٣) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٤).\n(^٤) في (ف): \"الآي\".","vol":"8","page":124},{"text":"<span id=\"aya-3420\"> </span>(١١) - ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾: يُنشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: يبعثهمُ ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للجزاء، والالتفاتُ للاستحضار والتنبيهِ على أنه المقصود، وقرئ بالياء على الأصل (^١).\n\n<span id=\"aya-3421\"> </span>(١٢) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾: يسكتون متحيَّرين آيسينَ، يقال: ناظَرْتُه فَأَبْلَسَ، إذا سكتَ ويئس مِن أنْ يَحْتَجَّ، ومنه: ناقةٌ مِبْلاسٌ، إذا لم يكن لها رُغاء.\nوقرئ: بفتح اللام (^٢)؛ مِن: أَبْلسَهُ، إذا أَسكتَهُ.\n\n<span id=\"aya-3422\"> </span>(١٣) - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾: مِن الذين أشركوهم بالله وعَبَدوهم مِن دونه ﴿شُفَعَاءُ﴾ يُجيرونهم مِن عذاب الله.\n﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾: يكفرونَ بآلهتهم حين يئسوا منهم. وإنَّما جِيءَ بـ (لم يكن) و(كانوا) على لفظ الماضي لتحقُّق وقوعِه.\nوقيل: كانوا في الدنيا بسببهم كافرين، وزيادة (كان) للمحافظة على الفاصلة (^٣).\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو وشعبة عن عاصم: ﴿يُرجَعون﴾ بضم الياء، وقرأ روح: ﴿يَرجِعون﴾ بفتحها، وباقي السبعة بالتاء المضمومة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٥)، و\"النشر\" (٢/ ٢٠٨ و٣٤٤).\n(^٢) نسبت لعليٍّ ﵁ والسلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٦).\n(^٣) كذا قال، ووهمه الشهاب في \"الحاشية\" (٧/ ١١٥) متعقبًا بقوله: (وذكرها للدلالة على لاستمرار لا المحافظةِ على رؤوس الفواصل كما تُوهِّم … فلو قيل: وهم بشركائهم كافرون، كان هو المناسبَ للفاصلة الواوية).","vol":"8","page":125},{"text":"<span id=\"aya-3423\"> </span>(١٤) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ في الأحوالِ والمحالِّ على ما فسَّره بعدها، والضمير لـ ﴿الْخَلْقَ﴾ أو ضمير ﴿يُرْجَعُونَ﴾، وإعادة (يوم تقوم الساعة)؛ للتهويل.\n\n<span id=\"aya-3424\"> </span>(١٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾: الفاء للتفصيل، والروضةُ: البستانُ، وكلُّ مكانٍ ذا نباتٍ وماءٍ يُسمَّى روضةً، وتنكيرها للتفخيم بالإبهام؛ أي: في روضةٍ لا يُعرَف قَدْرُها في علوِّ شأنها.\n﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُسَرُّون، مِن: حَبَرهُ، إذا سَرَّهُ سرورًا تهلَّل له وجهُه.\n\n<span id=\"aya-3425\"> </span>(١٦) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: مقيمونَ لا يغيبونَ عنه، وفي بناء الإحضار دلالةٌ على الكُرْهِ، وأنَّهم مُجبَرون في العذاب، وأمَّا ﴿يُحْبَرُونَ﴾ فللدلالة على أنَّه سرورٌ فوق ما بالطبعِ والعادةِ، فلا بُدَّ مِن سارٍّ يَسرُّهم بأنواع المسارِّ التي لم يكن للإنسان مثلُها في الدنيا.\n\n<span id=\"aya-3426\"> </span>(١٧) - ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.\n﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾: لمَّا ذكر الوعدَ والوعيدَ، أَتبعه","vol":"8","page":126},{"text":"بما يتعيَّن طريقًا للخلاص عن الدَّرَكات إلى الوصول إلى الدَّرَجات، كأنَّه قيل: إذا صحَّ ووَضحَ عاقبةُ المُعرِضين عن عبادته وطاعته، والمقبلين إليها، فسبِّح اللهَ تسبيحًا دائمًا (^١).\nوقرئ: (حينًا تُمسون وحينًا تُصبحون) (^٢)؛ أي: تُمسون فيه، وتُصبحون فيه.\n\n<span id=\"aya-3427\"> </span>(١٨) - ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.\n﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ للشواهد الناطقة فيهما باستحقاقِه الحمدَ ممَّن له تمييزٌ مِن أهلهما، ووجوبِه عليهم.\n﴿وَعَشِيًّا﴾: إنَّما عدل هنا عن سَنَنِ نظائرها؛ لأنَّه لم يُصرَف مِن العشيِّ فِعْلٌ، لا يقال: أعشى، كما يقال: أَمسى وأَصبح وأَظهر.\n﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾: أمرٌ في صورة الإخبار؛ لكونه أكِّد بتنزيه اللهِ (^٣) تعالى والثناءِ عليه في هذه الأوقات التي تَظهر فيها آياتُ قدرته، ويتجدَّد فيها نِعَمه، وإنَّما خصَّص التسبيح بطرفَي النهار لأنَّ آثارَ القدرة فيهما أظهرُ، والحمدَ بالعشيِّ والإظهارِ لأنَّ تجدُّد النِّعم فيها أظهرُ وأكثرُ وأبينُ، والعشيُّ: آخرُ النهار، مِن: عَشى العينِ، إذا نقصَ نورُها، والظهيرة وَسَطه.\nويجوز أن يكون ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوفًا على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ اعتراضٌ.\n_________\n(^١) في (ف): \"ذاتيًا\".\n(^٢) نسبت لعكرمة. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٦).\n(^٣) في (ف): \"تنزيهًا لله\".","vol":"8","page":127},{"text":"وقيل: المراد بالتسبيح والتحميد في الأوقاتِ المعيَّنةِ الصلاةُ.\nوعن ابنِ عباس ﵄: أنَّ الآيةَ جامعةٌ للصلواتِ الخمسِ: ﴿تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء، و﴿تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الفجر، و﴿وَعَشِيًّا﴾ صلاة العصر، و﴿تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر (^١).\nولا يلزم منه أن تكونَ مدنيَّة؛ لأنَّ الخمسَ فُرِضت بمكَّة، يدلُّ عليه حديثُ المعراج (^٢) دلالةً بيِّنةً.\n\n<span id=\"aya-3428\"> </span>(١٩) - ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.\n﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: الطائرَ مِن البيضةِ، والحيوانَ مِن النُّطفةِ ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بالعكس.\n﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾: بإخراج النبات منها ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: يُبْسها.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾: ومثلَ ذلك الإخراج ﴿تُخْرَجُونَ﴾ مِن القبور للبعث، فإنَّه تعقيبُ الموتِ بالحياة، وإخراجُ الحيِّ مِن الميت، والمراد أنَّ الإبداءَ والإعادةَ متساويان بالنسبة إلى قُدرة القادر، وفي الإخراج والإحياء المذكورين دليل قاطعٌ على البعث.\n\n<span id=\"aya-3429\"> </span>(٢٠) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ لأنَّ أصلهم منه ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ ثم فاجأتُم وقتَ كونكم بَشَرًا منتشرين في الأرض.\n_________\n(^١) رواه عنه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٧٧٢)، والطبري في \"التفسير\" (١٨/ ٤٧٤).\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٢)، من حديث أنس بن مالك ﵁.","vol":"8","page":128},{"text":"<span id=\"aya-3430\"> </span>(٢١) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ لأنَّ حوَّاءَ خُلِقت مِن ضِلَعِ آدمَ ﵇، وسائرَ النساءِ خُلِقنَ مِن نُطَفِ الرجالِ، أو لأنَّهنَّ مِن جنسهم لا مِن جنسٍ آخر.\n﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾: لتميلوا إليها، يقال: سَكَنَ إليهِ، إذا مالَ إليه، ومنه: السَّكَن، وهو الأُلْفُ المسكونُ إليه، وذلك لأنَّ الأُلْفَ إنَّما يكون بين المتجانسَيْن؛ لأنَّ الجنسيَّةَ علَّةُ الضَّمِّ، والاختلافَ سببُ التنافر.\n﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾: بين الرجال والنساء ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾: التوادَّ والتراحُمَ بعصمة الزواج بعد أنْ لم يكن بينهما سابقةُ معرفةٍ ولا قرابةٍ تُوجِب ذلك؛ لينتظِم أمرُ النسبِ والتربية والإرث، أو بين أفراد الجنس؛ لابتناءِ أمرِ المعاش على التعاون المحوِج إلى التوادِّ والتراحم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلَمونَ ما في ذلك مِن الحِكَم والمصالح.\n\n<span id=\"aya-3431\"> </span>(٢٢) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾: لغاتِكم؛ مِن العربيَّة والعجميَّة وغيرِ ذلك مِن لغاتِ كلِّ صنفٍ وأهلِ كلِّ إقليم ولهجاتهم.\n﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾: أشكالِكم وهيئاتكم؛ مِن تخاطيطِ الأعضاء والصُّور، فإنَّه لا يكاد يتَّفق اثنان في الشكل والهيئة، وعليه يبتني التعارُف المحتاج إليه في ضبط النظام.","vol":"8","page":129},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ حيث ولدوا مِن أبٍ واحدٍ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلَّا اللهُ متفاوتون ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ لكلِّ مَن له عقلٌ مِن أهل العالَم.\nوقرئ: بالكسر (^١)، ويرجِّحها قولُه تعالى: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].\n\n<span id=\"aya-3432\"> </span>(٢٣) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ظاهرُ الآيةِ يدلُّ على أنَّ المنامَ في الليل والنهار وابتغاءَ الفضل فيهما، وهو معنًى صحيحٌ، فإنَّ المنامَ في النهارِ الصيفيَّة الطويلةِ هو القيلولةُ المستحبَّةُ في السُّنَّة لاستراحة القوى النفسانيَّة وانتعاشِ القوى الطبيعيَّة، وكذلك ابتغاءُ الفضلِ في الليالي الشتويَّة مِن المباحات لقِصَرِ النهار، وقصورها عن حاجات الناس.\nويجوز أن يكون ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ مِن بابِ اللَّفِّ، وترتيبُه: منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار؛ أي: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، حصرًا بين المتعاطفَين بالزمانين، إشعارًا بأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الزمانين وإن اختصَّ بأحدهما، فهو صالحٌ للآخر عند الحاجة، ويؤيد هذا الاختصاصَ تكريرُ هذا المعنى في القرآن.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: يدركون المحسوس، لمَّا كان المشارُ إليه مِن جنسِ ما يُدرَك بالمشاهدة وبالسماع مِن الغير كما في حقِّ الأعمى،\n_________\n(^١) قرأ بها حفصٌ وحده، في حين قرأ الباقون بالفتح. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٥).","vol":"8","page":130},{"text":"والثاني أضعف الطريقين، عبَّر به عن إدراكه إعمالًا للدِّلالة، وهذا من جنس لطائف الاعتبار الذي قلمَّا يَتنبَّه له إلَّا مَن له الاختبار.\n\n<span id=\"aya-3433\"> </span>(٢٤) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: مِن آياته ما يُذكَر، أو: ما يُتلى عليكم، ثم قيل: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ إمَّا بيانٌ لذلك، أو: ﴿يُرِيكُمُ﴾ مبتدأ على حذف (أنْ) ورفعِ الفعلِ، كقوله:\nأَلَا أيُّهذا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَغَى (^١)\nأو: تنزيلِ الفعلِ منزلةَ المصدر المرفوع؛ أي: ومِن آياته إراءتكم البرق، كقوله: تَسمعُ بالمُعيديِّ خيرٌ مِن أنْ تراهُ، أو: صفة لمحذوف تقديره: آيةٌ يريكُم بها البرقَ، كقوله:\nفَمَا الدَّهرُ إلَّا تارتان فمنهما … أَموتُ وأُخرى أَبتغي العيشَ أَكدَحُ (^٢)\nأي: تارةً أموت فيها.\n﴿خَوْفًا﴾ مِن الصاعقة ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث.\n_________\n(^١) صدر بيت لطرفة، وهو في \"ديوانه\" (ص: ٣٢)، وعجزه:\nوأنْ أشهدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخلِدي\nوقوله: \"الزاجري\" كتب فوقها في (ي): \"مضافة إلى ياء المتكلم\". قلت: لأن (أل) فيه موصولية، فساغت الإضافة المذكورة.\n(^٢) البيت لتميم بن أُبي بن مُقبِل، وهو في \"ديوانه\" (ص: ٢٤).","vol":"8","page":131},{"text":"وقيل: خوفًا للمسافر وطمعًا للحاضر.\nونصبُهما على المفعولِ له، وإنَّما جاز مع أنَّهما ليسا بفعلِ فاعلِ الفعلِ المعلَّل؛ لأنَّ الإراءَة متضمِّنة للرؤية، أو على حذف المضاف، وإقامةِ المضاف إليه مقامه؛ أي: إراءةَ خوفٍ وطمعٍ، أو: تأويلِ الخوف والطمع بالإخافة والإطماع، كقولك: فعلتُه رغمًا للشياطين، أو: على الحال؛ أي: خائفين وطامعين.\n﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُبسها، وقد سبق وجهُ الفاءِ التعقيبية بين الإنزال والإحياء في تفسير سورة النحل.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولَهم في استنباط أسبابها وكيفيَّة تكوُّنها؛ ليظهر لهم كمالُ قدر الصانع وحكمته.\n\n<span id=\"aya-3434\"> </span>(٢٥) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بقوله: كونا قائمتَيْن، والمراد به تعلُّقُ إرادته بقيامِهما في حيِّزهما المعيَّنين مِن غير مقيمٍ محسوسٍ، شُبِّهتا في قيامِهما على وَفْقِ. إرادته بمأمورٍ مطيعٍ امتثلَ أمرَ آمرٍ مطاعٍ بلا توانٍ وتقصيرٍ؛ للمبالغة في كمالِ قدرته ونفاذِ أمره، وعدمِ تخلُّف المراد عن إرادته، وكذا في قوله:\n﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ شبَّه الموتى بالمأمورِ المطيعِ؛ لتصوير ترتُّب خروجهم على دعائه مِن غير توقُّفٍ، عطفٌ على ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ على تأويلِ مفردٍ، كأنَّه قال: ومن آياته قيامُهما، ثم خروجُكم مِن الأرض بسرعة إذا دعاكُم دعوةً، فيقول: أيُّها الموتى اخْرُجوا.","vol":"8","page":132},{"text":"و﴿ثُمَّ﴾ مستعارٌ لبُعد هذه الحالة مِن قيام السماوات والأرض بأمره، وهي خروج الموتى كلُّهم من الأرض دفعةً عند قوله: قوموا.\nو(إذا) الأولى شرطيَّة، والثانيةُ للمفاجأة، وهي تقومُ مقامَ الفاء في جواب الشرط، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلِّق بـ ﴿دَعَاكُمْ﴾ لابـ ﴿تَخْرُجُونَ﴾ لأنَّ ما بعد (إذا) لا يعمل فيما قبله.\n\n<span id=\"aya-3435\"> </span>(٢٦) - ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.\n﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قد سبق ما يتعلَّق بـ ﴿مَنْ﴾ في مثل هذا المقام.\n﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: منقادون لوجود أفعاله فيهم لا يَمتنعون عليه.\n\n<span id=\"aya-3436\"> </span>(٢٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد هلاكهم.\n﴿وَهُوَ﴾؛ أي: الإعادةُ، وتذكيرُه لمطابقةِ ﴿أَهْوَنُ﴾، أو على تأويل: أنْ يعيده.\n﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: أَسهلُ عليه مِن الإنشاء بالنسبة إلى عقولكم، والقياسِ على أصولكم (^١)، وإلَّا فجميع الممكناتِ بالنسبة إلى قدرته سواءٌ، والإعادةُ في نفسها عظيمةٌ، ولكنَّها هوِّنت بالقياس إلى الإنشاء، وإنَّما قدِّمت الصلة في قوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩]؛ لقصد الاختصاص، ولا وجهَ له ها هنا، فلذلك أخِّرت.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"أموركم\".","vol":"8","page":133},{"text":"وقيل: الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ للخَلْق؛ أي: الإعادةُ أهونُ على الخَلْق؛ لأنَّه وجودٌ وقع (^١) على التمام، وأمَّا الإنشاءُ فهو وجودٌ متدرِّجٌ مِن النقصان إلى الكمال، فعليه فيه شدَّةٌ ومشقَّةٌ.\n﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الوصفُ العجيبُ الشأنِ الذي ليس لغيرِه ما يُساويه أو يُدانيه، كالقدرة الكاملة، والحكمة البالغة، يَصفهُ به ما في السماوات والأرض دلالةً ونطقًا.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: القويُّ القادرُ المُطلَق على إبداءِ كلِّ ممكنٍ وإعادته، ولا يُعجِزه شيءٌ ولا يمتنع عليه.\n﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يجري شؤونه وأفعاله على مقتضى الحكمة.\n\n<span id=\"aya-3437\"> </span>(٢٨) - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ في التوحيد ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: مُنتَزَعًا مِن أقرب شيءٍ إليكم وهي أنفسُكم.\n﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مِن مماليكِكم ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ في أموالكم التي رزقناكموها؛ أي: هل ترضونَ لأنفسِكم أنْ يُشارككم عبيدُكم فيما رزقناكم مِن الأموال، وهم بشرٌ مثلكُم وأنتم عبيدٌ مثلُهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"لأنَّه وجودي\" وفي (ع) و(ف) و(م): \"لأنَّه وجود دفعي\"، والمثبت من (ي)، وهو الصواب.","vol":"8","page":134},{"text":"﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ فتكونونَ أنتم وهم سواءٌ في التصرُّف فيها مِن غير فرقٍ.\nو(مِن) الأولى للابتداء، والثانية للتبعيض، والثالثة مزيدةٌ لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي؛ لأنَّه (^١) الإنكاري.\n﴿تَخَافُونَهُمْ﴾: [أن] يستبدُّوا (^٢) بالتصرُّف فيها ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ كما يخاف بعضُ الأحرار بعضًا إذا شاركه في ميراثٍ في مالٍ مُشتَركٍ أنْ يَحوزَهُ دونه، أو يَستقلَّ بتدبيره والتصرُّف فيه.\nأو: تخافون أنْ تستبدُّوا بتصرُّفٍ دونَهم؛ مخافةَ بعضِ الأحرار بعضًا.\nفإذا لم تَرضوا بذلك لأنفسِكم، وأنتم وعبيدُكم سواءٌ في البشريَّة، فكيف تَرضونَ لرَبِّ الأربابِ ومالكِ العبيدِ والأحرارِ أن يكون بعضُ عبيده له شركاءَ؟!.\n﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ هذا التفصيل ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نبيِّنها، فإنَّ التمثيلَ ممَّا يكشف المعاني ويوضِّحها تصويرًا وتشكيكًا.\n﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: يستعملون عقولَهم في تدبُّر الأمثال.\n\n<span id=\"aya-3438\"> </span>(٢٩) - ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"لأنَّه\" ليست في (ف).\n(^٢) في (ك): \"تستبدون\"، وفي باقي النسخ: \"تستبدوا\"، وما بين معكوفتين من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٠٦)، وقال القونوي في \"الحاشية\" (١٥/ ١٣٤): أي: تخافون أن يستقلوا بالتصرف فيه بدون رأيكم.","vol":"8","page":135},{"text":"﴿بَلِ﴾: إضرابٌ عن تبصُّر المشركين وهدايتهم، وإثبات أنَّ هداهُم لا يُجدي عليهم شيئًا ﴿اتَّبَعَ﴾: التفاتٌ مِن الخطاب إلى الغِيبة للإعراض والمتاركة.\n﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالشرك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ﴾ حالٌ، إنَّما قيَّدهم به لأنَّ العالِمَ إذا ركبَ الهوى فربَّما يَردعه عِلْمه، وأمَّا الجاهل فهو كالبهيمة (^١) لا يردُّه شيء.\n﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: فمَن يَقدِرُ أنْ يهديَ مَن أضلَّ اللهُ وخَذَلهُ، والفاء في ﴿فَمَنْ﴾ للسببية، والاستفهام للإنكار؛ أي: إذا اتَّبعَ الظالمون أهواءَهم جاهلينَ لا وازعَ لهم، فلا يقدر أحدٌ أنْ يهديَهم.\n﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾: ينقذونهم مِن ضلالتهم، ويمنعونهم تَبِعاتِهم.\n﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ و﴿مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ موضوعانِ موضعَ الضميرِ، والأول للتسجيل عليهم بالظلم والتعليلِ لاتِّباع الهوى، والثاني للتعليل لامتناعِ قَبولِ الهدى.\n\n<span id=\"aya-3439\"> </span>(٣٠) - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾: تمثيلٌ للإقبال عليه والاستقامةِ إليه بحالِ مَن قَصدَ شيئًا غيرَ ملتفِتٍ عن سمتِهِ يمينًا وشمالًا؛ أي: قَوِّم وجهَك أو عَدِّله إليه غيرَ منحرفٍ عنه أصلًا، وكنايةٌ عن كمالِ الاهتمام؛ فإنَّ مَن اهتمَّ بالشيء غايةَ الاهتمام، عَقَدَ طرفَه\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"كالبهمة\".","vol":"8","page":136},{"text":"علي وسدَّد نَظَره إليه وقوَّم وجهَه مُقبِلًا عليه بكُلِّيَّته، والفاء للسببية؛ أي: إذا لم تَنجَع (^١) هدايتُك فيه، فأَقِم وجهَك للدِّين واترُكْهم.\n﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن ضمير (أقم) أو مِن (الدِّين).\n﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ نصبٌ على الإغراء؛ أي: الزموا فطرةَ اللهِ، أو: عليكم فطرةَ اللهِ، والإضمارُ على خطاب الجماعة؛ لقوله: ﴿مُنِيبِينَ﴾ فإنَّه حالٌ مِن ضمير العامل المقدَّر، وقولِه: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا﴾ ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ فإنَّه عطفٌ على المقدَّر.\nوإضافةُ الفطرة إلى اللهِ وتوصيفُها بقوله: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ للاختصاص والتعظيم، وأنَّه لا ينبغي أنْ تبدَّل وتغيَّر، ولا يَقدرُ أحدٌ أنْ يغيِّرها؛ حسمًا لأطماع المشركين، وحتمًا بأنَّ توحيدَه ذاتيٌّ لا يُمكن تغييرُه، وبيَّنه للتأكيد والتقرير بقوله:\n﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ففيه دلالةٌ على أنَّ المرادَ مِن الفطرةِ الخِلْقةُ؛ وهي: الحالةُ التي جُبِلوا عليها مِن قَبولهم للتوحيد ودينِ الإسلام، وتمكُّنهم مِن إدراكه، بحيث لو خُلُّوا وما جُبِلوا عليه لَمَا اختاروا عليه (^٢) دينًا آخَرَ، وشهدت عقولُهم الفطريَّة به، ومَن غوى منهم فبإغواء شياطينِ الإنس والجنِّ، وقد أَفصحَ عن هذا قولُه ﵊: \"كلُّ عبادي خَلقتُ حنفاءَ، فاجتالتهم الشياطينُ عن دينِهم وأَمروهم أنْ يُشركوا بي غيري\" (^٣)، وقولُه ﵊: \"كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة حتى يكون أبواهُ هما اللَّذان يُهوِّدانه أو يُنصَّرانه\" (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"تبخع\"، وفي (م): \"بنجع\".\n(^٢) \"عليه\" ليست في (ف).\n(^٣) قطعة من حديث رواه باختلاف يسير مسلم (٢٨٦٥) عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁.\n(^٤) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":137},{"text":"ويجوز أن يُراد بالفطرة دينُ ملَّةِ الإسلام، فيكون معنى: ﴿لَا تَبْدِيلَ﴾: لا ينبغي أْن يُبدَّل، وإنَّما وحِّد الخطابُ أولًا ثم جُمعَ؛ لأنَّ خطابَ الرسول خطابٌ لأمَّته، فأُفرد تعظيمًا للاهتمام، ثم جُمعَ لأنَّ الخطابَ للبيان، وأنَّ الدِّين له بالأصالة ولهم بالتبعيَّة.\n﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الدِّين المأمورِ بإقامة الوجهِ له ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستوي الذي لا عِوَجَ فيه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استقامتَه؛ لعدم تدبُّرهم.\n\n<span id=\"aya-3440\"> </span>(٣١) - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾؛ أي: راجعينَ إلى الله بآمالكم، مُقبِلين عليه بأعمالكم، مِن أناب: إذا رجع مرَّة بعد أخرى، والمرادُ مِن التكرار المبالغةُ في الرجوع إلى الرضا والانقطاع عن الهوى، أو تضمين التنبيه على قَبول التوبة كرَّةً بعد أُولى.\nوقيل: الإنابةُ: الانقطاعُ إلى الله بالطاعة، وأصله على هذا القطعُ، ومنه: النائب؛ لأنَّه قاطعٌ.\n﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ خصَّهما بالذِّكْر لأنَّهما عمادُ الدين.\n﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ممَّن يُشرِك به غيرَه في العبادة، وفيه نهيٌ عن الرِّياء في الصلاة؛ فإنَّه شركٌ خفيٌّ.\n\n<span id=\"aya-3441\"> </span>(٣٢) - ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.\n﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ بدلٌ من ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَارَّقُوا دِينَهُمْ﴾ تركوا دينَ الإسلامِ،","vol":"8","page":138},{"text":"وإنَّما عَّبر عن دينِه بالمفارقة لِمَا عرفتَ أنَّهم جُبِلوا على قَبوله، فنزِّل قَبولُه منزلةَ فعلِه مبالغةً في قوَّة قبولِهم إيَّاه.\nوقرئ: ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ (^١)؛ أي: جعلوه أديانًا مختلفة؛ لاختلاف أهوائهم.\n﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: يُشايع كلُّ فرقة إمامَها الذي أضلَّها، والشِّيَعُ: الفِرَقُ التي يَجتمع كلُّ فريقٍ منها على مذهبٍ خلافَ مذهبِ الفريق الآخَرِ.\n﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورونَ يَحسبونَ أنَّه الحقُّ، والجملة في محلِّ النصب صفةُ ﴿شِيَعًا﴾، أو: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿مِنَ الَّذِينَ فَارَّقُوا﴾ منقطعًا عمَّا قبله، و﴿فَرِحُونَ﴾ صفة ﴿كُلُّ﴾.\n\n<span id=\"aya-3442\"> </span>(٣٣) - ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾: شدَّةٌ ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعينَ إليه مِن دعاء غيره.\n﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ﴾: مِن ذلك الضُّرِّ ﴿رَحْمَةً﴾: خلاصًا.\n﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فاجَأَ فريقٌ منهم بالإشراك بربِّهم الذي عافاهم.\nوفي عبارة ﴿ثُمَّ﴾ ولفظ ﴿أَذَاقَهُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّهم مع امتدادِ شدَّتهم وتأثُّرهم منها في الغاية يشركون كما يظهر طليعة الخلاص منها.\n_________\n(^١) قرأ حمزة والكسائي: ﴿فَارَّقُوا﴾، وقرأ الباقون: ﴿فَرَّقُوا﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٨).","vol":"8","page":139},{"text":"<span id=\"aya-3443\"> </span>(٣٤) - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ اللامُ مجازٌ عن العاقبة، وقيل: هي بمعنى التهديد.\n﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ على الأول أمرٌ للتهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، والفاءُ للسببيَّة على تقدير شرط محذوف؛ أي: إذا أَصررتم على الشرك وتمادَيتم في الكفر فتمتعوا، وعلى الثاني عطفٌ على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، والالتفات مِن الغيبة إلى الخطاب؛ للمبالغة في التهديد.\n﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ تمتُّعكم.\n\n<span id=\"aya-3444\"> </span>(٣٥) - ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿أَمْ أَنْزَلْنَا﴾: ﴿أَمْ﴾ بمعنى (بل) والهمزةِ للإضراب عن الكلام السابق، والهمزة للاستفهام عن الحُجَّة استفهامَ إنكارٍ وتوبيخٍ.\n﴿عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ التنكير للتعظيم، وفائدتُه الدلالة على أنَّ ما يَنزل في مثلِ هذا الأمرِ حقُّه أن يكون برهانًا عظيمَ الشأن واضحَ الدلالة، ولهذا عبَّر عن دلالته الواضحة بالنطق في قوله تعالى:\n﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ وأتى بالتفريعِ دون التوصيفِ.\n﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾: بالأمرِ الذي بسببه يُشركون به تعالى في ألوهيَّته.\n\n<span id=\"aya-3445\"> </span>(٣٦) - ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾.","vol":"8","page":140},{"text":"﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: نعمةً مِن صحةٍ وَسَعةٍ ﴿فَرِحُوا بِهَا﴾: بَطِروا بسببها.\n﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: شدَّة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بشؤم معاصيهم.\n﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾: قَنطُوا مِن الرحمة بالكلِّيَّة، وإنَّما جِيء بصيغة المضارع على حكاية الحال الماضية؛ استحضارًا لها، واستفظاعًا للقنوط، وتنبيهًا على أنَّ ذلك دَيْدَنُهم ماضيًا ومستقبلًا.\nو﴿إِذَا﴾ المفاجأة جوابُ الشرط، نائبٌ عن الفاء، لتآخيها في التعقيب.\nثم أَنكر عليهم بَطَرهم وقُنوطَهم؛ بأنَّهم قد علموا أنَّ الله هو الباسطُ القابضُ، فما لهم لا يشكرونه على نعمته، ولا يرجعون إليه تائبين (^١) عن معصيته كالمؤمنين، حتى يعيدَ عليهم رحمتَه ويبسطَ عليهم نعمتَه.\n\n<span id=\"aya-3446\"> </span>(٣٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nوهذا ما أراد بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ عبارةً وإشارةً.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فيستدلُّون به على كمالِ القُدرة والحكمة.\nلمَّا وبَّخهم على البَطَر والقُنوط، وعلَّق السيئةَ بارتكاب المعاصي والذنوب، حثَّهم على ما يجب عليهم، وأَوعد على ارتكاب ما حرَّم، وحرَّضهم على ما يجب أن يُفعَل في حال السَّعَة، ولذلك جاء بالفاء السببية، وقال:\n\n<span id=\"aya-3447\"> </span>(٣٨) - ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ع) و(ك) و(م) و(ي): \"تائبون\"، والمثبت من (ف).","vol":"8","page":141},{"text":"﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ إذا فسِّر حقُّ الأخيرين بالنُّصيب المسمَّى لهما مِن الزكاة، وجب أنْ يفسَّر حقُّ الأول بالنفقة الواجبة؛ لئلا يلزم استعمال لفظ (^١) الأمر للوجوب والندب معًا في استعمالٍ واحد.\nولهذا احتجَّ أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقةِ للمحارم إذا كانوا محتاجينَ عاجزينَ عن الكَسْب، وخصَّ الشافعيُّ في وجوبها بالوالدين والأولاد، وقاسَ سائرَ القرابات على ابنِ العمِّ؛ إذ لا وِلادَ بينهم.\n﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾؛ أي: يقصدون بمعروفهم إيَّاه خالصًا.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ حيث حصَّلوا بما بُسط (^٢) لهم مِن زخارف الدنيا النَّعيمَ المقيمَ في العقبى.\n\n<span id=\"aya-3448\"> </span>(٣٩) - ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾.\n﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾: زيادةٍ محرَّمةٍ في المعاملة، وقرئ بالقصر (^٣)؛ أي: ما جئتم به مِن إعطاءِ ربًا ﴿لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾: ليزيدَ ويزكوَ في أموالهم ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ فلا يزكو، أو: لا يبارك فيه.\nوقرئ: ﴿لِيَرْبُوَ﴾ (^٤)؛ أي: لتَزيدوا، أو: لتصيروا ذا ربًا.\n_________\n(^١) سقط من (ف).\n(^٢) في (ف) و(م): \"يبسط\".\n(^٣) أي: ﴿أتيتم﴾، وقرأ بها ابن كثير. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).\n(^٤) قرأ بها نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٨١).","vol":"8","page":142},{"text":"وقيل: هو مِن الربا الحلال؛ [أي] (^١): وما تُعْطونه مِن الهدية (^٢) لتأخذوا أكثرَ منها، ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأنَّكم لم تريدوا بذلك وجهَ الله تعالى.\n﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾: تبتغونَ به وجهَه خالصًا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ المُضعِف: ذو الضِّعْف، كالمُقوِي والمُوسِر بمعنى: ذي القوة وذي اليسار.\nوقرئ بفتح العين (^٣).\nوالراجع منه محذوفٌ إنْ كانت (ما) موصولةً، تقديره: المُضعِفُون به، أو: فمُؤْتُوه أولئك هم المُضعِفون وذوو الأضعاف مِن الثواب، أو الذين ضعَّفوا أموالهم ببركة الزكاة، وفيه التفاتٌ حَسَنٌ للتعظيم؛ كأنَّه قال لملائكته (^٤) وخواصِّ خلقِه تعريفًا لحالهم: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين يريدونَ وجهَ اللهِ بصدقاتهم ﴿هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فهو أمدحُ لهم مِن أنْ يقول: وأنتم (^٥) المضعفون.\nوتغيير العبارة والنَّظم عن سَنَن المقابلة للمبالغة في المدح، أو للتعميم؛ أي: فمَن فَعَلَ ذلك فأولئك هم المضعفون، فيكون إثباتًا برهانيًا.\n\n<span id=\"aya-3449\"> </span>(٤٠) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n_________\n(^١) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) في (ف): \"من هدية\"، وفي (م): \"أي: من الهدية\".\n(^٣) نسبت لمحمد بن كعب. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٦).\n(^٤) في (م): \"للملائكة\".\n(^٥) في هامش (ي): \"وأنتم، كذا في نسخة المؤلف بالواو، وإن كان الفاء أظهرَ به\".","vol":"8","page":143},{"text":"﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾: ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خبره، أو صفةٌ والخبر ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ والرابط للجملة بالمبتدأ: ﴿ذَلِكُمْ﴾؛ لأنَّ معناه: من أفعاله.\nو﴿مِنْ﴾ الأولى والثانية يفيدان شيوعَ الحكم في جنسِ الشركاء والأفعال، والثالثة لاستغراق النفي، وكلٌّ منها مستقلَّة بتأكيد (^١) مقرِّرٍ لتعجيز الشركاء وتجهيل عَبَدتها، فإنَّ معنى الاستفهام: الإنكارُ المستلزمُ للنفي على سبيل التأكيد، أثبت اللهُ تعالى [له] (^٢) هذه الأفعال التي هي مِن لوازم الألوهيَّة وخواصِّها، ونفاها عن شركائهم مِن الأصنام وغيرِها، لِمَا دلَّ عليه البرهان والعيانُ ووقع عليه الوفاق، ثم استنتج (^٣) مِن ذلك أنَّه منزَّه أن يكون له شركاء.\n﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قيل: لمَّا لم يُجيبوا عمَّا سأل عنه عجزًا (^٤) قال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ إلخ.\n\n<span id=\"aya-3450\"> </span>(٤١) - ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"تأكيد\".\n(^٢) من \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٠٨).\n(^٣) في (ع): \"استقبح\" وهو تحريف شنيع، وفي (ف) و(م): \"استفتح\"، والمثبت من (ك) وهامش (ي). وقد وقع في متن (ي): \"استفتح\"، لكنه صحح في الهامش إلى المثبت، وكتب بجانبه: \"في نسخة المؤلف: استفتح، وإن كان استنتج موافقًا لما في القاضي\". وهو كما قال.\n(^٤) سقط من (ف) و(م).","vol":"8","page":144},{"text":"﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ مِثْل: المُوتان (^١) في الناسِ والدوابِّ، والجَدْب والقَحْط، وكثرة الحَرْق والغَرَق، وقلَّة الزرع (^٢)، وخَيْبة الصيادينَ والغاصَةِ (^٣)، وخُسران التجَّار، واحتباس الأمطار، ومَحْقِ البركات، وشمول الآفات.\n﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾: بشؤم معاصيهم وذنوبهم.\nوقيل: ظهر الفسادُ في البرِّ بقَتْل ابنِ آدمَ أخاه، وفي البحر بأنَّ جُلَنْدَى كان يأخذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا.\nوعن الحسن: أنَّ المرادَ بالبحر: المدنُ والقرى التي على شاطئه.\n﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ أراد: وبالَهُ في الدنيا، فإنَّ جزاءَه الموعودَ في الآخرة، ولمَّا كان ما في الدنيا موجِبَ شآمةَ ما عملوا، ومقتضَى شأنِ ذلك العملُ، نُزِّل منزلتَه، واللام للعلَّة استعيرت هنا لترتُّب المسبَّب على السبب.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: لإرادة الرجوع عمَّا هم عليه.\n\n<span id=\"aya-3451\"> </span>(٤٢) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾.\n﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أَمَرهم بالسير في الأرض\n_________\n(^١) يعني: كثرة الموت. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ١٢٥).\n(^٢) في (م) زيادة: \"والنيل\".\n(^٣) \"والغاصة\" سقط من (م)، وهو جمع أو اسم جمع لغائص، وهو مَن ينزل لقعر البحر لإخراج اللؤلؤ ونحوه؛. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ١٢٥).","vol":"8","page":145},{"text":"والنظرِ في آثار مَن أَهلك اللهُ تعالى مِن الأُمم قبلهم بسبب كفرهم ومعاصيهم؛ ليشاهدوا مصداقَ ذلك ويتحقَّقوا صدقه.\n﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ استئنافٌ للدلالة على أنَّ منهم مَن أَهلكهم بسبب سائر المعاصي، ولم يكن الشركُ وحده سببَ تدميرِ الكُلِّ.\n\n<span id=\"aya-3452\"> </span>(٤٣) - ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾.\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾: البليغِ الاستقامة، الذي لا يتأتَّى فيه عِوَجٌ، يعني: قد بلغ الإنذارُ مبلغَه، فلا تهتمَّنَّ لإعراض هؤلاء، واقصِدْ أنتَ الطريقَ الذي يُوصِلك إلى الدِّين المستقيم، وهو ما تقدَّم ذِكْره: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: يومٌ لا يَقدِرُ أنْ يردَّه أحدٌ، أو: يأتي يومٌ لا رادَّ له مِن جهة الله؛ أي: لا يردُّه الله؛ لتعلُّق إرادته القديمة بمجيئه.\n﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾: يتصدَّعون؛ أي: يتفرَّقون تفرُّق الأشخاص، على ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، لا تفرُّق الفريقَيْن كما ظَّنه مَن قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] فإنَّ المبالغةَ في التفرُّق المستفاد مِن ﴿يُصَدَّعُونَ﴾ إنَّما يناسب الأول، ثم استأنف لبيانِ شأنهم في تلك الحال، فكأنَّه يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧].","vol":"8","page":146},{"text":"<span id=\"aya-3453\"> </span>(٤٤) - ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.\n﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾: وبالُ كفرِه، مبالغةً في إحاطة جميع المضارِّ به؛ لأنَّ مضرَّة الكفرِ ووبالَهُ غاية في المضارِّ لا وراءَ لها، وهي إحاطةُ النار به.\n﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ أي: يُسوُّونَ مقرًّا في الجنة لا أَنعمَ ولا أَجلبَ للراحة منه، وهو تمثيلٌ لحالهم بحالِ مَن يُمهِّد فراشَه ويوطِّئه لنفسه في غايةِ النعومة، بحيث لا يصيبه في مَرْقده ما ينغِّصه عليه مِن أدنى خشونةٍ.\nوتقديمُ الظرفِ في الموضعين للاختصاص، وصيغةُ الإفراد في الكافر للدلالة على انفرادِه في زمانِ عذابه تشديدًا له، فإنَّ الوحشةَ نقمةٌ أخرى، وصيغةُ الجمعِ في المؤمن للدلالة على أنَّ لهم نعمةَ الأُنْس زيادةً على ثوابهم الجزيل.\nوفي مقابلةِ ﴿مَنْ كَفَر﴾ بـ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ تنبيهٌ على أنَّ العملَ الصالح مِن روادف الإيمان، لا يوجد مع الكفر، ولمَّا كان العملُ الصالحُ كنايةً عن الإيمان، لم يبقَ قسمٌ آخَرُ مجهولَ الحال.\n\n<span id=\"aya-3454\"> </span>(٤٥) - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾: ممَّا يَتفضَّل به عليهم؛ لأنَّ الثوابَ مِن الفَضْل، والعقابَ مِن العدل.\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ تعليلٌ لـ ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، والاقتصارُ على جزاء المؤمنين للإشعار بأنه المقصودُ بالذات، والاكتفاءُ مِن جزاء الكافرين بفحوى قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ وتوصيفُ المؤمنين بالعمل الصالح، ليس للتخصيص، بل للتنبيه على أنَّ الإيمانَ الخالصَ شأنُه استتباعُ العملِ الصالحِ.","vol":"8","page":147},{"text":"أو لـ ﴿يَمْهَدُونَ﴾، والموصول مع صلته مِن باب وضعِ الظاهرِ موضعَ المُضمَر، والتصريح بالتكرير للمدح والإشعارِ بأنَّه هو الموجب للكرامة والاستحقاق والترغيب في الإيمان والصلاح.\nوكذا: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ فإنَّه تقريرٌ بعد تقريرٍ على الطَّرْدِ والعكسِ؛ أي: يُقرِّر الأولُ الثانيَ وبالعكس، وذلك أنَّ قولَه: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلخ، يدلُّ بمنطوقه على اختصاصِهم بالجزاء التكريميِّ، وبمفهومه على أنَّهم أهلُ الولاية والزُّلْفى (^١)، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لتعليلِ الاختصاص يدلُّ بمنطوقه على أنَّ عدمَ المحبَّة اقتضى حرمانهم، وبمفهومه على أنَّ مقتضى الجزاء لأضدادهم موفورٌ فهو بحبِّ المؤمنين.\n\n<span id=\"aya-3455\"> </span>(٤٦) - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: ومن آياتٍ قدرته وحكمته ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ هي الجَنوب والشَّمال والصَّبا، وهي رياح الرحمة، وأمَّا الدَّبُور فريحُ العذاب، ومنه قوله ﵊: \"اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا\" (^٢)، وذلك أنَّ العربَ تقول: لا يُلقَّح السحابُ إلَّا مِن رياحٍ مختلفةٍ، يريد: اجْعَلها لقاحًا للسحاب ولا\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"والزلف\".\n(^٢) رواه الشافعي في \"مسنده\" (ص: ٨١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢٤٥٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١١٥٣٣)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ١٣٥١)، والبيهقي في \"الدعوات\" (٣٦٩)، من طريقين عن ابن عباس كلاهما ضعيف. انظر: \"الكافي الشاف\" (ص: ١٢٩).","vol":"8","page":148},{"text":"تجعلها عقابًا، وتحقيقُ (^١) ذلك: مجيءُ الجمعِ في آيات الرحمة، والواحدِ في قصصِ العذاب.\nوقرئ: ﴿الرِّيَاحَ﴾ على إرادة الجنس (^٢).\nثم عدَّد الفوائدَ في إرسالها فقال: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾؛ أي: إرسالها للبشارة في الغيث.\n﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ولإفاضة الرحمة؛ وهي نزول المطر، وحصول الخصب الذي يتبعه، والرَّوحُ الذي هو مع هبوب الريح، وزكاءُ الأرض، وغيرُ ذلك، عطفٌ على علَّة أو علل شتَّى محذوفة دلَّ عليها ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾، أو عليها باعتبار المعنى؛ لأنَّه في معنى التعليل، كأنَّه قيل: ليبشِّركم وليذيقكم، أو متعلق بمحذوفٍ دلَّ عليه ﴿أَنْ يُرْسِلَ﴾ تقديره: وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلناها.\n﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ عند هبوبها ﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بتجارة البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ولتشكروا نعمة الله فيها.\n\n<span id=\"aya-3456\"> </span>(٤٧) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لمَّا وسَّط بين دلائل التوحيدِ تسليةَ الرسولِ ﵊ ووعدَه، اقتصر الكلام بإدراج ذِكْر الفريقين في طيِّ ذكر الانتصارِ والنصر؛ تقريبًا للمقصود وقصرً لطريقه، والمعنى: فجاؤوهم بالبينات، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"ومحقق\".\n(^٢) قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي، وباثي السبعة بالجمع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٧٨).","vol":"8","page":149},{"text":"﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: كفروا، بالتدمير.\n﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إشعارٌ بأنَّ الانتقامَ مِن المجرمين كان لأجلهم، وتعظيمٌ لهم، وإظهارٌ لكرامتهم عند الله تعالى؛ بأنْ جعلهم مستحِقِّين على الله بنصرهم، مستوجِبين لأنْ يُظهِرهم على عدوِّهم، ولذلك قدَّم الخبر على الاسم؛ اعتناءً بهم وبحقيَّة نصرهم عليه، وقد يُوقف على ﴿حَقًّا﴾ على أنَّ اسم (كان) ضميرُ الانتقام، ويُبتدأ ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ اكتفاءً مِن معنى الحق بـ: ﴿عَلَيْنَا﴾ (^١).\n\n<span id=\"aya-3457\"> </span>(٤٨) - ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: يَجعله متصلًا تارةً في الجو ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ سائرًا وواقفًا، مطبَقًا أو غير مطبَق، مِن جانبٍ دونَ جانبٍ، إلى غير ذلك ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾: قِطَعًا تارةً أخرى.\nوقرئ بالسكون (^٢) على أنَّه مخفَّف، أو جمع كِسْفَةٍ، أو مصدرٌ وصف به.\nوالمرادُ بالسماء جهةُ العُلُو وسَمْتُها.\n﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: المطر ﴿يَخْرُجُ﴾ في التارتين ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: وسطه.\n﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾: بالوَدْق ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يريد: إصابةَ بلادهم وأراضيهم.\n﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بمجيء الخصب.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ي): \"تغليبا\" بدل \"بعلينًا\"، والمثبت من (ي).\n(^٢) قرأ بها ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٥).","vol":"8","page":150},{"text":"<span id=\"aya-3458\"> </span>(٤٩) - ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ (إن) هي المخفَّفة مِن الثقيلة، واللام في ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ (^١) هي الفارق بينها وبين النافية.\n﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ المطرُ ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ تكرَّر للتأكيد كقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾ [الحشر: ١٧]، وللدلالة على بُعْدِ عهدِهم بالمطر، واستِحكامِ يَأْسِهم، وتمادي إِبْلاسِهم؛ ليفيد مبالغةً في استبشارهم، فإنَّ الفرح بنزول المطر على قَدْر اغتمامِهم بانقطاعه، ويقوِّيه معنى التأكيد، واللامُ في: ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾؛ أي: آيسينَ متحيِّرينَ مِن الغَمِّ منقبضينَ، وكذلك معنى السببية في:\n\n<span id=\"aya-3459\"> </span>(٥٠) - ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ مِن النبات والأشجار وأنواع الثمار وغير ذلك؛ أي: إذا كان كلُّ الاستبشارِ في نزولِه، وجُلُّ الغم في احتباسه، فانظر إلى آثار (^٢) رحمته كيف هو واعْتَبِرْهُ، والضمير في ﴿فَانْظُرْ﴾ لكلِّ مخاطب.\n﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: إنَّ ذلك القادرَ الذي يُحيي الأرضَ بعدَ موتِها، هو الذي يُحيي الناسَ بعد موتِهم، فهذا استدلالٌ بإحياء الموات على إحياء الأموات.\nوفي ﴿إِنَّ﴾ واللام تأكيدٌ وتقويةٌ للدليل في مقابلة إنكارِهم، ثم قرَّره وقوَّاه بقوله:\n_________\n(^١) في (ف): \"واللام من المبلسين\".\n(^٢) في (ف): \"فالنظر أثر\".","vol":"8","page":151},{"text":"﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأنَّ نسبةَ قدرتِه إلى جميعِ الممكنات على السواء.\n\n<span id=\"aya-3460\"> </span>(٥١) - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ﴾؛ أي: فَرَأَوا أَثَرَ رحمةِ اللهِ؛ لأنَّ الرحمةَ الغيثُ، وأثره النبات.\n﴿مُصْفَرًّا﴾ يابسًا جافًّا؛ لأنَّه إذا يبسَ اصفرَّ، وقيل: الضميرُ للسحاب؛ لأنَّه إذا كان مصفرًّا لم يُمطِر، واللام موطِّئة للقَسَم دخلت على حرف الشرط، وقوله:\n﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ جوابه سَدَّ مَسَدَّ جزاءِ الشرط، ولذلك فسِّر بالمستقبل؛ أي: ليَظلُّنَّ مِن بعدِ اصفراره يَكفرون نِعَمَه.\nوهذه الآياتُ ناعيةٌ على الكفَّار قلَّةَ تثبُّتهم وسرعةَ تزلزلهم؛ لعدم تدبُّرهم وسُوءِ رأيهم، فإنَّ النظرَ السويَّ يقتضي أن يتوكَّلوا على الله في الأحوال كلِّها ولا يَضْطَربوا؛ فيشكروا نِعَمَه عند السَّعَة والرَّخاء، ويصبروا عند الضِّيق والبلاء، ولا يكفروا نِعَمَه في (^١) الشِّدَّة، وَيرضوا بما جرى مِن القضاء؛ فيفوزوا في الدارين بالنعماء.\nوالفاء في:\n\n<span id=\"aya-3461\"> </span>(٥٢) - ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.\n﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ للسببية؛ أي: إذا كفروا ولم يَنتبهوا بهذه الآياتِ الواضحاتِ ولم يسمعوا (^٢)، فهم موتى أو صُمٌّ عُميٌ، فإنَّك لا تُسمِع الموتى، ولا تُسمِع الصُّمَّ، ولا تَهدي العُمْيَ، وتقييد الحكم بقوله:\n_________\n(^١) في (ف): \"عند\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"يسمعوه\".","vol":"8","page":152},{"text":"﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ للمبالغة في غفلتهم، وتماديهم في جهلهم، وعدم نجعِ الدعوة فيهم؛ فإنَّ الأصمَّ وإنْ لم يَسمع، فإذا كان مقبلًا فربما تفطَّن بالإشارات (^١) والحركات، وأمَّا إذا كان مُدبِرًا فلا إمكانَ لسماعِه وفهمِه.\n\n<span id=\"aya-3462\"> </span>(٥٣) - ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ إنَّما عدل هنا عن صيغة الفعل إلى صيغة الفاعل؛ لأنَّه لم يُرِدْ نفيَ الهداية أصلًا، فإنَّ الهدايةَ في الجملة ممكنةٌ للأعمى، بل أراد نفيَ الهداية التامَّة، ولذلك ضمَّنها معنى الإذهاب فقال:\n﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ يقال: هداهُ عن الضلالة؛ أي: أَبعدهُ عنها بالهدى، ومَن قرأ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ (^٢) فقد اكتفى بما في قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ مِن الدلالة على المراد، واللهُ الهادي إلى سبيل الرشاد.\n﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ فإنَّ إيمانَهم يدعوهم إلى سماعِ اللفظ وتدبُّر المعنى فهم منقادونَ لِمَا تَأمرهم به ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾: منقادونَ لأوامرِ الله.\n\n<span id=\"aya-3463\"> </span>(٥٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾: ابتدأَكُم منه، وجعلَ أساسَ أمرِكم وما عليه بنيتُكم الضعفَ، كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وذلك حال الطفوليَّة والصِّبا.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"بالإشارة\".\n(^٢) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٩).","vol":"8","page":153},{"text":"وقرئ: ﴿ضَعْفٍ﴾ بالفتح والضَّمِّ، وهما لغتان كالفَقْر والفُقْر، والثاني أقوى قراءةً؛ لِمَا روي أن ابنِ عمرَ ﵄ قال: قرأتُها على رسول الله ﷺ: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾، فأَقرأَني (^١): ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ (^٢) بالضَّمِّ (^٣).\n﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾: وهو حالُ الشبيبة؛ مِن أوانِ البلوغِ إلى زمانِ الكهولة.\n﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾: ثم ردَّكم إلى الضعف والشيخوخة، وزيادة قوله: ﴿وَشَيْبَةً﴾؛ للتنبيه على أنَّ المرادَ التبدُّلُ بحسب السِّنِّ، ففيه دفعٌ (^٤) لذهاب الوهم إلى أنْ يراد بالجَعل الأولِ الخلقُ مِن النُّطفة، ومِن الثاني نفخُ الروح في البَدَن، والتنكيرُ مع التكرير لأنَّ المتأخِّر غير المتقدِّم (^٥).\n﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن ضعفٍ وقوَّةٍ وشَيبةٍ.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ فإنَّ هذه الانتقالاتِ في الأحوال المختلفة دالَّةٌ على أنَّه تعالى يَخلق على مقتضى المشيئة والعلم والقدرة؛ لأنَّ التغيير (^٦) مِن صورةٍ إلى صورةٍ، والترديدَ مِن حالةٍ إلى حالةٍ، مع إمكان خلافِ ذلك، دليل على الإرادة المبنيَّة على العلم والحكمة المفْضية إلى القدرة.\n_________\n(^١) في (ف): \"فأقرأنيه\".\n(^٢) بعدها في (ف): \"إلى من ضعف\"، وبعدها في (ك): \"لا من ضعف\".\n(^٣) رواه أبو داود (٣٩٧٨)، والترمذي (٢٩٣٦) وحسنه.\n(^٤) في (ف) و(م): \"رفع\".\n(^٥) في (ف) و(م): \"عين المتقدم\"، وفي (ك): \"ليس عين المتقدم\".\n(^٦) في (ك): \"التغير\".","vol":"8","page":154},{"text":"<span id=\"aya-3464\"> </span>(٥٥) - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ (الساعة) للقيامة مِن الأسماء الغالبة، كالنَّجم للثُّريا، والكوكب للزُّهَرة، سُمِّيت بها لأنَّها تقوم في آخِرِ ساعةٍ مِن الدنيا، وقيل: لأنَّها تقع بغتةً، كما تقول لمن تستعجله: في ساعة.\n﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يَحلف الكافرون: ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في الدنيا، أو في القبور، أو في ما بينَ فناءِ الدنيا وانقطاع عذابهم، وفي الحديث: \"ما بينَ فناءِ الدنيا والبعثِ أربعونَ\" (^١)، وهو يحتملُ الساعاتِ والأيامَ والأعوامَ.\n﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ الظاهر مِن القَسَم أنَّ ما ذكروه على زعمهم لنسيانهم، لا أنَّهم استقلُّوا مدَّة لبثهم إضافةً إلى مدَّة عذابهم؛ لأنَّ ذلك القولَ منهم قبلَ الدخول في زمانِ عذابِ الآخرة والوقوفِ على مدَّتها، فلا وجه للإضافة إليها.\n﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الصرفِ عند الصِّدق والتحقيق ﴿كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصرَفون في الدنيا عن الصدق إلى الكذب، ويقولون: ما هي إلَّا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين.\n\n<span id=\"aya-3465\"> </span>(٥٦) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) قال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٢٩): (لم أجده هكذا). ثم أشار إلى ما رواه البخاريُّ (٤٩٣٥) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بين النفختين أربعون\"، قيل: أربعون يومًا يا أبا هريرة؟ قال: أَبَيْتُ. قيل: أربعون شهرًا؟ قال: أَبيتُ. قيل: أربعون سنة؟ قال: أَبيتُ .... الحديث.","vol":"8","page":155},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾: مِن المَلَك والِإنس والجنِّ:\n﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فيما كتبه وأَوجبه لكم على أنَّ ﴿فِي﴾ للتعليل، كما في قوله ﵊: \"إنَّ امرأةً دخلت النارَ في هرَّةٍ حَبَسَتْها\" (^١).\n﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ ردُّوا ما قالوه وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم (^٢) على إنكار البعث بقوله:\n﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾؛ أي: فقد تبيَّن بطلانُ قولِكم، والفاءُ فصيحةٌ دخلت جوابَ شرطٍ محذوفٍ تقديره: إنْ كنتم مُنكِرين البعثَ فهذا يومه.\n﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّه حقٌّ؛ لتفريطكم في النَّظَر.\n\n<span id=\"aya-3466\"> </span>(٥٧) - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾.\n﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ وقرئ بالياء (^٣)؛ لأنَّ المعذرةَ بمعنى العذرِ، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، وقد فصل بينهما.\n﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ الاستعتابُ: الاسترضاءُ، يقال: اسْتَعْتبَني فلانٌ فأَعتبتُه؛ أي: أَزلتُ عَتبَه وأَرضيتُه، والمعنى: لا يُطلَب منهم أن يَستعتبوا ربَّهم بالتوبة والطاعة كما طُلب منهم في الدنيا، ولا يقال لهم: استرضُوا ربَّكم.\n_________\n(^١) رواه البخاريُّ (٢٣٦٥)، ومسلم (٢٢٤٢)، من حديث ابنِ عمر ﵄، ولفظه عند البخاري \"عُذِّبت امرأةٌ في هرَّةٍ حبستها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النارَ\" .... الحديث.\n(^٢) في (ف): \"بتفزيعهم\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"بالتاء\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب بدلالة اللحاق. وقراءة: \"لا ينفع\" بالياء؛ قرأ بها عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون بالتاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٦).","vol":"8","page":156},{"text":"<span id=\"aya-3467\"> </span>(٥٨) - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: ولقد بيَّنَّا كلَّ أمرٍ مِن أمور الدِّين والتوحيد، أو أحوال الآخرة، في هذا القرآن بالتمثيل، أو: وصفنا لهم كلَّ صفةٍ هي في التَّبيين والغرابةِ كالمَثَل لصفةِ المبعوثين وأحوالِهم ومقاولاتهم، وعدمِ فائدة معذرتهم وتوبتِهم واستعتابِهم.\n﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ ولكِنْ لقسوةِ قلوبهم واحتجابها (^١) بمزخرفاتهم، لَئِنْ جِئتهم بآيةٍ عظيمةٍ لَنَسَبوكَ ومَن معك مِن المؤمنين إلى التزوير (^٢) والإبطالِ.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ موضوعٌ موضعَ الضمير للتصريح بكفرهم ذمًّا، وبيانِ أنَّ كفرهم هو الموجبُ للعناد والإنكار، ونسبةِ المحقِّ إلى التزوير (^٣) والإبطال.\n\n<span id=\"aya-3468\"> </span>(٥٩) - ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الطبعِ العظيم ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِن باب إجراءِ المتعدِّي مجرى اللازم؛ أي: الذين لا عِلْمَ لهم ولا يَطلبونه ويصرُّون على معتقداتهم الباطلة حتى طبعَ على قلوبهم ورَانَ (^٤) بسبب\n_________\n(^١) في (ك): \"واحتجاجها\".\n(^٢) في (ف): \"الترديد\".\n(^٣) في (ف): \"الترديد\".\n(^٤) في (ي): \"وزان\"، وليست في (ف) و(ك).","vol":"8","page":157},{"text":"الجهل المركَّب المانعِ مِن إدراك الحقِّ له ومعرفة المُحقِّ. والفاء في:\n\n<span id=\"aya-3469\"> </span>(٦٠) - ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.\n﴿فَاصْبِرْ﴾ للسببية على تقديرِ شرطٍ؛ أي: وإذا علمتَ أنَّهم جُهَّالٌ مطبوعٌ على قلوبهم، فاصبر على أذاهُم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنُصرتك وإظهارِ دينك على الدِّين كلَّه ﴿حَقٌّ﴾ لابُدَّ مِن إنجازه.\n﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ ولا يَحملَنَّك على الخفَّةِ والقَلَقِ قولُ هؤلاء الجَهَلة، فإنَّهم قومٌ شاكُّون ضالُّون لا يُستبدَعُ (^١) ذلك منهم.\nوقرئ: (ولا يَستَحِقَّنَّك) (^٢) مِن الاستحقاق؛ أي: لا يُزيغوك (^٣) فيكونوا أحقَّ بكَ مِن المؤمنين.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لا تستبعد\".\n(^٢) نسبت لابن أبي إسحاق، وليعقوب في غير المشهور عنه. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٦٦).\n(^٣) في (ع): \"لا يزيفوك\"، وفي (ف) و(ك): \"لا يزلقونك\"، وفي (م): \"لا يزيفونك\"، والمثبت من (ي) والبيضاوي.","vol":"8","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-95>سُورَةُ لُقْمَانَ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3470\"></span><span id=\"aya-3471\"> </span>(١ - ٢) - ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾.\n﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ سبقَ بيانُه في سورة يونس ﵇.\n\n<span id=\"aya-3472\"> </span>(٣) - ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ حالان من الآيات، والعامل ما في ﴿تِلْكَ﴾ مِن معنى الإشارة، وقرئ بالرَّفع على أَّنَّه خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ.\n﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾: الجامعينَ بين العلم والعمل، وقوله:\n\n<span id=\"aya-3473\"> </span>(٤) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\n﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بيانُه، كما قال:\nالألمعي الَّذي يَظُنُّ بِكَ الظْ … ظَنَّ كأنْ قَدْ رأى وقَدْ سَمِعا (^١)\nأو: الذين يعملون الحسنات كلَّها، وتخصيصُ القائمين بهذه الثَّلاث (^٢) بالذِّكر لإنافتها وفضل (^٣) الاعتداد بها.\n_________\n(^١) البيت لأوس بن حجر. انظر: \"ديوان أوس بن حجر\" (ص: ٥٣)، وانظر: \"الغريب المصنف\" للهروي (١/ ٣٧٧)، و\"معجم ديوان الأدب\" (١/ ٢٧٣)، و\"الكشاف\" (٣/ ٤٨٩).\n(^٢) في (ك): \"الثلاثة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"لأن فيها فضل\".","vol":"8","page":161},{"text":"وتكرُّرُ الضَّميرِ للتَّوكيدِ، ولِمَا فصَل (^١) بينَه وبينَ خبرِه.\n\n<span id=\"aya-3474\"> </span>(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ سبق تفسيره في سورة البقرة.\n\n<span id=\"aya-3475\"> </span>(٦) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ نزلَتْ في النَّضرِ بنِ الحارثِ، وكان يشتري أخبارَ الأكاسرة من فارس، ويقول: إنَّ محمَّدًا يقصُّ طرفًا مِن قصَّة عادٍ وثمود، وأنا (^٢) أحدِّثكم طرفًا من أحاديث رستم وأسفنديار، فيميلون إلى حديثه ويتركون استماع القرآن (^٣).\nوقيل: كان يشتري القَيْنات ويحملهنَّ على معاشرة مَن أرادَ الإسلام ومَنْعِه عنه بشَغْله باللَّهو (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"حصل\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"فأنا\".\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٧/ ١٨٢)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥٩١٤)، عن ابن عباس ﵄.\n(^٤) رواه جويبر عن ابن عباس قال: أنزلت في النَّضر بن الحارث اشترى قينة، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنِّيه، هذا خيرٌ ممَّا يدعوك إليه محمَّدٌ مِن الصَّلاة والصيام وأن تقاتلَ بينَ يديه، فنزلَتْ. انظر: \"الدر المنثور\" للسيوطي (٦/ ٥٠٤).","vol":"8","page":162},{"text":"واللَّهوُ: كلُّ باطلٍ ألهى عن الخير وعمَّا يعني (^١). ولهوُ الحديثِ نحو السَّمر بالأساطير التي لا أصلَ لها، والغناء.\nوالاشتراءُ مِن الشراء، كما روي عن النَّضر، أو من قوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٧٧]؛ أي: استبدلوه منه، واختاروه عليه.\nوالإضافة بمعنى (مِن)، وهي تبيينيَّة سواءٌ أراد بـ ﴿الْحَدِيثِ﴾ المنكَر أو الأعمَّ منه، نعم على الثَّاني يجيء التَّبعيض باعتبار أنَّ بينهما عمومًا وخصوصًا من وجهٍ، ولكن لا يكون من مقتضى الإضافة.\n﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن دينه، أو عن قراءة القرآن، وقرئ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ بفتح الياء (^٢)؛ أي: ليَثبُتَ على الضَّلال عن الدِّين ويزيد فيه.\n﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحالِ ما يشتريه أو بالتِّجارة، حيث استبدلَ الباطل بالحقِّ والضَّلالَ بالهدى، حال من ضمير ﴿يَشْتَرِي﴾؛ أي: جاهلًا.\nوالضَّمير في: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ للسَّبيل؛ لأنَّها مؤنَّثة ﴿هُزُوًا﴾: سخريةً.\nوقرئ ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ بالنَّصب (^٣) عطفًا على ﴿لِيُضِلَّ﴾.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لإهانتهم الحقَّ باستئثارهم (^٤) الباطل عليه.\n_________\n(^١) في (م): \"يفي\"، وفي (ف): \"بقي\".\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٤).\n(^٣) قراءة حفص وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٦). ووقع في النسخ بدل: ﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾: \"يتخذ\"، والمثبت هو المطابق للفظ القراءة.\n(^٤) في (ف) و(ك): \"باستئثار\".","vol":"8","page":163},{"text":"<span id=\"aya-3476\"> </span>(٧) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾: متكبِّرًا لا يعبأ بها (^١).\n﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ مُشْبِهًا حالُه في عدم التفاته إليها حالَ مَن لم يسمعها.\n﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾: ثقلًا لا يقدر أنْ يسمعَ.\n﴿كَأَنَّ﴾ مخفَّفة من الثَّقيلة، اسمُها ضمير الشَّأن محذوفًا، أصلها: كأنَّه لم يسمعها، جملة وقعَتْ حالًا من ضمير ﴿وَلَّى﴾، أو ضمير ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾، ﴿كَأَنَّ﴾ بدل من الأوَّل، أو حال من ضمير (لم يسمع)، فهما حالان متداخلتان، ويجوز أن يكونا جملتَيْن مستأنفتين.\n﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ تهكُّم بهم، والمعنى: أعلِمْهُ.\n\n<span id=\"aya-3477\"> </span>(٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ النَّعيمُ: جنَّةٌ مِنْ الجِنانِ الثَّمانية، كالمأوى والعدن، وقد سبق التَّفصيل (^٢) في سورة البقرة.\nوالتَّعبيرُ عن جنَّةٍ واحدةٍ بالجنَّاتِ للمبالغة.\n\n<span id=\"aya-3478\"> </span>(٩) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n_________\n(^١) في (ف): \"متكبرًا لأثقالها\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"التفضيل\".","vol":"8","page":164},{"text":"﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من الضَّمير في ﴿لَهُمْ﴾، أو من ﴿جَنَّاتُ﴾، - والعامل ما تعلَّق به اللَّام من معنى الاستقرار.\n﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان؛ الأوَّل لنفسِه لأنَّ قولَه: ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ في معنى: وعدهم الله جنَّات النَّعيم، والثَّاني لغيره لأنَّ معناه: الصِّدق والثَّبات، وليس كلُّ وعدٍ كذلك.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: القويُّ الذي لا يغلبُه أحدٌ فيمنعَه عن إنجاز وعدِه وإنفاذ وعيده.\n﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي يفعل ما يفعل بمقتضى الحكمة.\n\n<span id=\"aya-3479\"> </span>(١٠) - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قد سبق في تفسير (^١) سورة الرعد.\n﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾: جبالًا شوامخ ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾: لئلَّا تضطرب ﴿بِكُمْ﴾.\nقيلَ: تشابُه أجزائِها يقتضي تبدُّلَ أحيازِها (^٢) وأوضاعِها، وفيه نظرٌ؛ إذ لم يقمْ دليل على تشابُهِ أجزائِها، بل الظَّاهِرُ خلافُه.\n﴿وَبَثَّ﴾: ونشر ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.\n﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ فيه التفاتٌ في محزِّ (^٣) البلاغة؛ لأنَّ إنشاء هذه الأمور العظام - خاصَّةً\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"تفسيره في\".\n(^٢) في (ف): \"أرضها\".\n(^٣) في (ف): \"مجيء\"، وفي (م): \"نحر\".","vol":"8","page":165},{"text":"ما به حياتُهم مِن إنزال الماء وإنبات أصناف النبات - موضعٌ (^١) للتَّنبيه، والإيقاظ للعبادة، والشُّكر على النِّعمة، والإعراض عن الشِّرك.\n﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾: صنفٍ كثيرِ المنفعةِ، استَدلَّ بما ذكر مِن الأشياء الدَّالة على كمال قدرته وحكمته على ألوهيَّته وتوحيده واستحقاقه للعبوديَّة، ثمَّ بكَّتهم (^٢) بقوله:\n\n<span id=\"aya-3480\"> </span>(١١) - ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: ماذا خلقَتْهُ آلهتُكم حتى استوجبوا عندكم العبادة؟! فـ ﴿مَاذَا﴾ نصب بـ ﴿خَلْقُ﴾، أو ﴿مَا﴾ مرتفعٌ بالابتداء، وخبره ﴿ذَا﴾ بصلته، و﴿أَرُونِي﴾ معلَّق عنه.\nثمَّ أضرب (^٣) عن تبكيتهم والتَّهكُّمِ بهم إلى التَّسجيل عليهم بالظُّلم والتَّورُّط في ضلالٍ ليس بعدَه ضلالٌ فقال:\n(١١) - ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ووضعَ الظَّاهرَ موضع الضَّمير للدِّلالة على أنَّهم ظالمون بإشراكهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"موضوع\".\n(^٢) في (ف): \"ثم نكبهم\".\n(^٣) في (ك): \"أعرضَ\".","vol":"8","page":166},{"text":"<span id=\"aya-3481\"> </span>(١٢) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ الجمهور على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا.\nوالحِكمَةُ: هي الكمالُ العلميُّ مع العمليِّ؛ أي: العلمُ بحقائِقِ الأشياء على ما هي عليه، والملَكَةُ التَّامَّةُ على الأفعال الفاضلة.\n﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ ﴿أَنِ﴾ هي المفسِّرة؛ لأنَّ إيتاء الحكمة في معنى القول، وإنَّما فسَّرَ اللهُ الحكمةَ بالشُّكر تنبيهًا على أنَّ الحكمةَ المعتدَّ بها هي المقتضيةُ للعمل الصَّالحِ والشُّكرِ لله تعالى والعبادة.\n﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأنَّ نفعَه عائدٌ إليها، وهو دوامُ النِّعمةِ واستحقاقُ مزيدِها.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ حُذِفَ جزاؤُه، وهو: فإنَّما يكفُر على نفسه؛ أي (^١): ضررُ كفرِه لا يتعدَّى عنها، لانفهامه بقرينةِ قرينه (^٢)، وأقيم مقامَه تعليلُه، وهو قوله:\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن الشُّكر؛ لا ينتفعُ بوجودِه، ولا يتضرَّرُ بعدمِه.\n﴿حَمِيدٌ﴾ بذاتِه، حقيقٌ (^٣) بأنْ يُحْمَدَ وإنْ لم يحمدْهُ أحدٌ، أو محمودٌ نطقَ بحمدِه جميعُ مخلوقاتِه بلسانِ الحالِ، وهو أنطقُ (^٤) مِن لسانِ المقال.\n_________\n(^١) في (ك): \"لأن\".\n(^٢) \"قرينه\" سقط من \"ف\".\n(^٣) \"حقيق\" سقط من \"ف\".\n(^٤) في (ك): \"أفصح\".","vol":"8","page":167},{"text":"<span id=\"aya-3482\"> </span>(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ﴾ تصغيرُ إشفاقٍ.\n﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قيل: كان كافرًا، فلم يزلْ به حتى أسلمَ. ومَن وقفَ على ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ جعل ﴿بِاللَّهِ﴾ قسمًا.\n﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لأنَّه تسويةٌ بينَ مَن لا نعمةَ إلَّا منه، ومَن لا نعمةَ منه أصلًا.\n\n<span id=\"aya-3483\"> </span>(١٤) - ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ آيتان معترضتان في أثناء وصيَّة لقمان لابنه؛ تأكيدًا لِمَا فيها مِن النَّهي عن الشِّرك، وذِكرُ الوالدَيْن استطرادٌ، كأنَّه قال: ووصَّيْنا (^١) بمثل ما وصَّى به، حتَّى إنَّ الوالدَيْن اللَّذَيْنِ وصَّيْنا بتعظيمِهما وبرِّهما وطاعتِهما وجعلناهما تِلْوَ الباري في وجوبِ الشُّكرِ والطَّاعة لهما إنْ أَمَرا بالشِّركِ لم تجزْ طاعتُهما وتقليدُهما فيه، مع وجوبِ مصاحبَتِهما في الدُّنيا بالمعروف، فما ظنُّكَ بغيرِهما؟!\n﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ لَمَّا وصَّى بالوالدَيْن أكَّدَ الوصية في حقِّ الأمِّ خصوصًا بذكر مصاحبتها الحملَ والفِصالَ، وما تكابدُه مِن المشاقِّ والمتاعب فيهما (^٢)،\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"ووصيناه\".\n(^٢) في (ف) و(م)، و(ي) و(ع): \"فيها\".","vol":"8","page":168},{"text":"فاعترض بينَ المفسِّر والمفسَّر تذكيرًا بحقِّها (^١) العظيم مفرَدًا، ولذلك قال النَّبيُّ ﵇ لمن قال: مَن أَبَرُّ؟ -: \"أمَّكَ، ثمَّ أمَّكَ، ثمَّ أمَّكَ\"، ثمَّ قال بعد الثَّالثة: \"ثمَّ أباكَ\" (^٢).\n﴿وَهْنًا﴾ حالٌ، وهو في الأصلِ نصبٌ على المصدر مِن فعلٍ وقع حالًا؛ أي: تَهِنُ وهنًا، أو: ذاتَ وهنٍ (^٣).\n﴿عَلَى وَهْنٍ﴾؛ أي: تضعف ضعفًا فوقَ ضعفٍ؛ أي: ضعفًا متزايدًا؛ لأنَّ الحمل كُلَّما ازدادَتْ مُدَّتُه ازدادَ ثقلًا فازداد ضعفًا فوقَ ضعفٍ.\n﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾: وفطامُه في انقضاء (^٤) عامَيْن، وكانت ترضعُه في تلك المدَّة، وتوقيتُ الفصال بالعامَين بيانُ أنَّ هذه المدَّة أقصى غاية الرَّضاع.\n﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ تفسيرٌ لـ ﴿وَوَصَّيْنَا﴾، والجملتان معترضتان بين المفسِّر والمفسَّر، أو بدل من ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ بدل الاشتمال.\n﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ هو ترغيبٌ وترهيبٌ.\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"لحقهما\" وفي (ع) و(ف): \"لحقها\".\n(^٢) رواه أبو داود (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧) وحسَّنه، من حديث معاوية بن حيدة ﵁. وأخرج نحوه البخاري (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨)، من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣) ففي إعرابه ثلاثة وجوه؛ الأول: جعله نفسه حالا من ﴿أُمُّهُ﴾ مبالغة، والثاني: جعله حالًا، بتقدير مَضاف؛ أي: ذاتَ وهن، والثالث جعله مفعولا مطلقا لفعل مقدر؛ أي: تهن وهنا، وتكون هذه الجملة حال من ﴿أُمُّهُ﴾ أيضًا.\n(^٤) في (ف): \"الفصال\"، وفي (ك): \"انفصال\".","vol":"8","page":169},{"text":"<span id=\"aya-3484\"> </span>(١٥) - ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: باستحقاقه للإشراك.\nوقيل: أرادَ بنفيِ العلمِ نفيَ المعلوم؛ أي: أنْ تشركَ بي ما ليس بشيءٍ، كقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت: ٤٢].\n﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك.\n﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ صفةُ مصدرٍ محذوف؛ أي: صحابًا معروفًا، أو: مصاحَبًا معروفًا، بخلقٍ حسنٍ وبِرٍّ واحتمالٍ وصلةٍ وحِلْمٍ وغير ذلك ممَّا يرتضيه الشَّرْعُ ويقتضيه الكرم والمروءة.\n﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾؛ أي: سبيلَ المؤمنين في دينِك، ولا تتَّبع سبيلهما فيه.\n﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: مرجعُكَ ومرجعُهما.\n﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: فأجازيْكَ على إيمانِك، وأجازيهما على كفرِهما.\nرُوي أنَّها نزلَتْ في سعد بن أبي وقَّاص ﵁ وأمِّه، وفي القصَّة أنَّها مكثت لإسلامه (^١) ثلاثًا لا تَطعَم ولا تشرب حتى شجروا فاها بالعود (^٢).\n_________\n(^١) \"لإسلامه\" ليست في (ف) و(م).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٤٩٤)، وفيه: (بعود)، والمثبت من (م)، وسقطت من باقي النسخ. ووقع في (ك): \"حتى يرتد فأبى\" بدل: \"حتى شجروا … \". والخبر رواه مسلم (١٧٤٨) كتاب فضائل الصحابة، عقب الحديث (٢٤١٢) من حديث سعد ﵁، وفيه: (فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصًا ثم أو جروها).","vol":"8","page":170},{"text":"ولذلك قيل: مَن أناب إليه تعالى أبو بكر ﵁؛ فإنَّه أسلمَ بدعوته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3485\"> </span>(١٦) - ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.\n﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾؛ أي: إنَّ الخصلةَ مِن الإساءةِ والإحسانِ إن تكُ (^١) مثَلًا (^٢) في الصِّغر كحبَّة الخَرْدلِ، والمثقالُ (^٣) مقدار يساوي غيره في الوزن.\nوقرئ: ﴿مِثْقَالَ﴾ بالرَّفع (^٤) على أنَّ الضَّمير للقصَّة، و(كان) تامَّةٌ، وتأنيث المثقال لإضافته إلى الحبَّة، أو لأنَّ المراد به الحسنة أو السَّيئة.\n﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾: في أخفى موضعٍ (^٥) وأَحرزِه كجوف صخرةٍ، أو أعلى مكان كمحدَّبِ سماءٍ مِن السَّماوات، أو أسفلِه كمقَعَّرِ (^٦) الأرضِ.\nوقرئ: ﴿فَتَكُنْ﴾ بكسر الكاف (^٧)، مِن وكَنَ الطَّائر يَكِنُ: إذا استقرَّ في وُكْنَتِهِ؛ أي: بيتِه.\n_________\n(^١) في (ف): \"إن تلك \"، وفي (ك): \"وإن تك\".\n(^٢) في (ي) و(ع): \"مثقال\".\n(^٣) في (ك): \"أو المثقال\".\n(^٤) وهي قراءة نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٥).\n(^٥) في (م) و(ع): \"أخفى مواضع\"، وفي (ك): \"أخفى مكان\".\n(^٦) في النسخ عدا (ي): \"كقعر\"، والمثبت من (ي)، ومثله في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢١٥).\n(^٧) وشد النون المفتوحة، وقرئ كذلك لكن بسكون النون، وقرئ: (فتكَنَّ) بضم ففتح والنون مشددة، ونسبت كل لقوم، وجميعها من وكن الطائر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٦٨)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٥٠)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ٦١).","vol":"8","page":171},{"text":"﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾: يُحضرُها يومَ القيامةِ، فيحاِسبُ بها عاملَها.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾: يَنفذ علمُه في البواطن فيصِلُ إلى كلِّ خفيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بكُنْهِهِ.\nوعن قتادة: ﴿لَطِيفٌ﴾ باستخراجها، ﴿خَبِيرٌ﴾ بمستقرِّها (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3486\"> </span>(١٧) - ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\n﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ تكميلًا لنفسِكَ.\n﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ تكميلًا لغيرِكَ.\n﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ مِن الشَّدائد، لا سيَّما في ذلك.\n﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الصَّبر، أو إلى ما كُلِّفَ به.\n﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: ممَّا (^٢) عزَمَهُ الله تعالى مِن الأمور؛ أي: قطعه قطعَ إيجابٍ وإلزامٍ، مصدرٌ أُطلِقَ للمفعول، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل مِن قوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: جَدَّ، والمعنى: مِن عازماتِ الأمورِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3487\"> </span>(١٨) - ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.\n﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ (^٣): ولا تَلْوِ صَفحةَ وجهكَ (^٤) كما يفعلهْ المتكبِّرون، مِن الصَّعَرِ، وهو داء يصيب البعير فيلوي عنقه منه.\n_________\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٥٥٧).\n(^٢) في (ف): \"أي ما\"، وفي (م): \"ما\".\n(^٣) في (م): \"تصاعر\"، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٦).\n(^٤) في (ك): \"خدك\"، وسقطت من (ف).","vol":"8","page":172},{"text":"﴿لِلنَّاسِ﴾ لم يقل: عن الناس؛ لأنَّ المنهيَّ ما يكون تصغيرًا (^١) للنَّاس وتحقيرًا لهم، لا الميل عنهم مطلقًا، فإنَّه إذا كان لأمرٍ آخرَ لا يكون منهيًّا.\n﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ مصدرٌ في موضع الحال، بمعنى: مَرِحًا، أو مصدرٌ محذوفُ الفعلِ؛ أي: تمرحُ مرَحًا، أو مفعولٌ له؛ أي: للمرح؛ يعني: لأجل البَطَرِ والبَطالة (^٢)، لا لغرضٍ صحيحٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ علةٌ للنَّهيِّ.\nوتأخيرُ الفَخور وهو في مقابلةِ المقدَّم مِن المنهيَّين، وكذا الإتيانُ بصيغة المبالَغة؛ لتَوافُقِ رؤوس الآي، وإنَّما لم يقل: وفخور، حتَّى تكون المحبَّة مسلوبةً عن كلٍّ منهما أصالةً، للتَّنبيه على أنَّ الدَّخْل (^٣) في الجملة في عدم محبوبيته تعالى كافٍ في الانتهاء عنه، ومن هنا ظهرَ الوجه للعدول عن إثبات البغض إلى سلبِ المحبَّة، ثمَّ إنَّ سلْبَ (^٤) النَّفي داخل على أداة السُّور (^٥) لفظًا وهي داخلة عليه معنًى؛ أي: لا يحبُّ واحدًا منهم.\nوالاختيالُ: مشيةُ المتكبِّر (^٦).\nوالفخرُ: ذِكْرُ المناقب للتَّطاولِ بها على السَّامع.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"تصعيرًا\"، وسقطت من (ف).\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"والبطارة\".\n(^٣) في \"ع\": \"الداخل\".\n(^٤) \"سلب\" سقط من (ي) و(ع).\n(^٥) في (ك): \"السوء\".\n(^٦) في (ف): \"التكبر\".","vol":"8","page":173},{"text":"<span id=\"aya-3489\"> </span>(١٩) - ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.\n﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾: واعدل فيه؛ أي: توسَّطه بينَ الإسراع والدَّبيب؛ يعني: لا تَثِبْ وثوبَ الشُّطَّارِ، ولا تَدبَّ دبيبَ المتماوتين، قال النَّبيُّ ﵇: \"سرعةُ المشي تُذهِبُ بَهاءَ المؤمن\" (^١).\nوأما قول عائشة ﵂ في عمر ﵁: كان إذا مشى أسرع (^٢)، فإنَّما أرادَتِ السُّرعة المرتفعة عن دبيبِ المتماوت.\nوقرئ بقطع الهمزة (^٣)، مِن أَقْصَدَ الرَّامي (^٤): إذا سدَّد (^٥) سهمه نحو الرَّميَّة.\n﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾: وانقصْ منه وأَقصرْ، ويجوز أن يكون الغضُّ في الصَّوتِ مستعارًا من غضِّ البصر فإنَّه خفضٌ.\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢٩٠) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف جدًا، وروي من طرق أخرى عن أبي هريرة ومن حديث ابن عمر وأبي سعيد وأسانيدها ضعيفة جدًا، وقد فصلنا طرقه ورواياته في تحقيقنا لـ\"روح المعاني\" (٢١/ ٦٥). وانظر: \"الكافي الشاف\" (ص:١٣٠).\n(^٢) كذا ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" (٣/ ٤٩٨)، وابن الأثير في \"النهاية\" (٣/ ٣٧٠)، عن عائشة ﵂. ورواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٢٩٠) عن الشفاء بنت عبد الله.\nوروي من فعل النبي ﷺ، رواه ابن سعد في \"الطبقات \" (١/ ٣٧٩) عن يزيد بن مرثد مرسلًا.\nوصح عنه ﷺ ما رواه الترمذي (٣٦٣٧) من حديث علي ﵁ بلفظ: (كأنما ينحدر من صبب). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧).\n(^٤) في (ف) و(م): \"الرمي\".\n(^٥) في (ف): \"صوب\"، وفي (م): \"سد\".","vol":"8","page":174},{"text":"﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾: أوحشَها ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الحمار ونهاقُه مَثَلٌ في الذَّمِّ البليغ، ولذلك يُكنَى (^١) عنه فيُقال: طويل الأذنين.\nوفي الآية ذمٌّ بليغٌ للرَّافعين أصواتِهم، حيثُ شُبِّهوا بالحمير، وأصواتُهم بالنُّهاقِ، ثمَّ طرح التَّشبيه، وأخرج الكلام مخرج الاستعارة، كلُّ ذلك لتهجينِ رفع الصَّوت، والتَّنفيرِ عنه، والحثِّ على الغضِّ، والتَّرغيبِ فيه.\nوتوحيدُ الصَّوت لأنَّ المراد جنسُه الذي هو مَثَلٌ في النُّكر، لا أفرادُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3489\"> </span>(٢٠) - ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾: لأجْلكم ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: ما في جهة العلويَّات مِن الكواكب وأوضاعها، والسِّحاب وأمطارها، بأنْ جعلها أسبابًا لمنافعِكم.\n﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في الجهة السُّفليَّة (^٢)، بأنْ سلَّطكم عليها، ومكَّنكم من الانتفاع بها بواسطةٍ أو بغير واسطة (^٣).\n﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾: محسوسةً ﴿وَبَاطِنَةً﴾: معقولةً ومخفيَّةً عنكم، ما لم تدركوه بعقولِكم.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾: في توحيدِه وصفاتِه ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مستفادٍ مِن\n_________\n(^١) في (ف) و(ك) و(م): \"يكتنى\".\n(^٢) في (ف): \"جهة السفل\".\n(^٣) في (ف) و(ي): \"بوسط أو بغير وسط\".","vol":"8","page":175},{"text":"دليلٍ ﴿وَلَا هُدًى﴾ راجعٍ إلى نبيٍّ ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ بل بتقليدٍ صِرْفٍ، كما صرَّحَ به في قوله:\n\n<span id=\"aya-3490\"> </span>(٢١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وفيه منعٌ صريحٌ عن التَّقليدِ في الأصولِ.\n﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ﴾ جواب (لو) محذوف لدلالة ﴿نَتَّبِعُ﴾ عليه؛ أي: لاتَّبعوه (^١)، والواو للحال، والهمزة للإنكار والتَّعجُّب، والضَّمير لآبائهم ولهم؛ أي: أيتبعونهم (^٢) في حالِ دعاءِ الشَّيطانِ آباءَهم.\n﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾؛ أي: إلى ما يؤدِّي إليه مِن الشِّركِ والتَّقليدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3491\"> </span>(٢٢) - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.\n﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ مِن أسلَمَ (^٣) إليه المتاع: إذا دفعَهُ إليه، ويؤيِّده القراءة بالتَّشديد (^٤).\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ي): \"لاتبعوهم\".\n(^٢) في النسخ عدا (ك): \"أيتبعوهم\"، والمثبت من (ك).\n(^٣) في النسخ عدا (ي): \"سلم\"، والمثبت من (ي)، وفي هامشها: \"في نسخة المؤلف: من سلَّم، ولا وجه له\".\n(^٤) نسبت لعلي بن أبي طالب ﵁ والسلمي وعبد الله بن مسلم بن يسار. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧).","vol":"8","page":176},{"text":"وحيث عُدِّي باللَّام فلتضمين (^١) معنى الاختصاص؛ أي: مَن يجعلْ ذاته ونفسَه سالمًا خالصًا لله تعالى.\n﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله.\n﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾: فقد تعلَّق بأوثقِ ما يُتعلَّق به (^٢)، مُثِّلَ حالُ المتوكَلِ المفوِّضِ نفسَه إلى الله تعالى بحالِ مَن أرادَ أنْ ينزلَ مِن شاهقٍ فاحتاطَ لنفسِه بأنْ استمسَكَ بأوثقِ عُرْوةٍ مِن حبلٍ متينٍ مأمونِ الانقطاعِ.\nوتقديم: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ للاختصاص؛ أي: صائرةٌ إلى اللهِ لا إلى غيره.\n﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فيجازي عليها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3492\"> </span>(٢٣) - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾: فلا يُهِمَّنَّكَ كفرُه وكيدُه للإسلامِ، فإنَّه لا يضرُّك في الدُّنيا والآخرة.\nوقرئ: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ (^٣)، والمستفيضُ في الاستعمال أَحزنَ في الماضي ويَحْزُنُ ثلاثيًّا مجرَّدًا في المستقبل.\n﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ خاصَّة ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ فنعاقبُهم على أعمالِهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"فلتضمن\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"منه \".\n(^٣) بضم الياء وكسر الزاي. قرأ بها نافع. انظر: \"التيسير\" (ص: ٩١). وفي النسخ: \"ولا\"، والصواب المثبت.","vol":"8","page":177},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾ إنَّ الله يعلمُ ما في صدورِ عبادِه فيجازيهم على حسبِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3493\"> </span>(٢٤) - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\n﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾: تمتيعًا (^١) أو زمانًا قليلًا، فإنَّ الزَّائلَ بالنِّسبة إلى الدَّائمِ قليلٌ.\n﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ استعارَ الغلظَ من الإجرام الغليظة لثِقَلِ العذابِ عليهم، وشبَّه إلزامهم العذاب باضطرارِ المضطرِّ إلى الشَّيء الذي لا يقدر على الانفكاكِ منه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3494\"> </span>(٢٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح البرهان الملجئ إلى الإذعان به.\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلزامٌ لهم على إقرارِهم بأنَّ الخالقَ هو الله وحدَه، وأنَّه يجبُ أنْ يكون له الحمدُ، وأنْ لا يُعبَدَ معَه غيرُه.\n﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ إقرارهم يلزمهم، و﴿بَلْ﴾ إضرابٌ عن دعوتهم لجهلِهم، وأنَّهم لا يتنبَّهون بالتَّنبيه (^٣)، ولا يتفطَّنون أنَّ قولَهم عليهم.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ي): \"تمتعا\"، والمثبت من (ي).\n(^٢) في (ف): \"عنه\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"بالتنبه\".","vol":"8","page":178},{"text":"<span id=\"aya-3495\"> </span>(٢٦) - ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.\n﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقريرٌ للتَوحيد باختصاص الملك به، ودخولِ آلهتهم في ملكِه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عنهم وعن إسلامِهم وحمدِهم.\n﴿الْحَمِيدُ﴾: المستَحِقُّ للحمد، المحمودُ منك (^١) ومن كلِّ عارفٍ وإنْ لم يحمدوه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3496\"> </span>(٢٧) - ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\n﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ توحيدُ ﴿شَجَرَةٍ﴾ لتفصيل الجنس (^٢)، وتقصِّي كلِّ واحدةٍ من جنس الشَّجر، واستغراقِ عمومها؛ أي: جميع ما في الأرضِ مِن شجرهٍ شجرةِ (^٣) حتَّى يبقى واحدةٌ منها إلَّا كانَتْ قلمًا.\n﴿وَالْبَحْرُ﴾ بالرَّفع عطفًا على محلِّ (أنَّ) ومعمولِها، و﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ حالٌ، أو الابتداء (^٤) على أنَّه مستأنف والواو للحال.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"منه\".\n(^٢) في (ف): \"لتفضيل الخبر\"، وفي (ك) و(م): \"لتفضل الجنس\". ولفظ الزمخشري: (تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة)، ولفظ البيضاوي (تفصيل الآحاد). انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٠١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢١٦).\n(^٣) \"شجرة\" سقط من (ف) و(م).\n(^٤) أي: أو (البحر) مرفوع على الابتداء، وتكون جملة ﴿يَمُدُّهُ﴾ هي الخبر، والواو للحال. واستظهر=","vol":"8","page":179},{"text":"وبالنَّصب عطفًا على اسم (أنَّ)، أو إضمارِ (^١) فعلٍ يفسِّرُه ﴿يَمُدُّهُ﴾؛ أي: ولو ثبتَ كونُ أشجار الأرض كلِّها أقلامًا، وكونُ البحر ممدودًا (^٢).\n﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ (^٣) أو على الابتداءِ، والواو للحال (^٤)؛ أي: ولو أنَّ الأشجارَ أقلامٌ في حال كون البحر ممدودًا، واستغنى بالواو عن الضَّمير لكون أمثال هذه الأحوال جارية مجرى الظُّروف.\nويجوز أنْ تكونَ اللَّامُ بدلَ الإضافة؛ أي: وبحرها، والضَّمير للأرض.\nوقرئ: (وبحرٌ يمدُّه) على التَّنكير (^٥)، ولا وجهَ له إلَّا العطف على محلِّ (أن) واسمها.\n_________\n= هذا الوجه أبو حيان. انظر: \"البحر\" (١٧/ ٢٣٢)، والجملة كما قال الآلوسي حال من الموصول أو الضمير الذي في صلته. انظر: \"روح المعاني\" (٢١/ ٨٢).\n(^١) في النسخ: \"وإضمار\"، والمثبت هو الصواب، حيث جاء في هامش (ي): \"كذا في نسخة المؤلف، والموافق للقاضي - وهو الظاهر - أن يقال: أو إضمار\". وانظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢١٦).\n(^٢) في (ع) و(ي): \"مدودًا\".\n(^٣) في (ي): \"بسبعة أبحر\". وفي هامشها: \"كذا في بعض [نسخ] المؤلف، والظاهر أن يكتب ﴿سَبْعَةُ﴾ إلخ فيما تقدم عند قوله: و﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ على أنه من الآية؛ لأنَّه بالباء، والموجه لأن يكون الباء غلطا؛ لأنَّه لا وجه لذكر القرآن هنا، فالظاهر أن يكون هنا بالباء ولا يكون من القرآن\". قلت: وملخص الكلام: أنه كان يجب كتابة ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ فيما تقدم من الآية، وتكون هنا: (بسبعة أبحر) على أنها من تتمة الكلام الذي قبلها.\n(^٤) في هامش (ي): \"كذا في نسخة المؤلف، ولا يخفى أنه تكرار، وبالجملة: في هذا المحل غلط كثير إلا أنا اتبعنا أثر المؤلف\".\n(^٥) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٢٩)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٦٩)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٠١).","vol":"8","page":180},{"text":"وقرئ: ﴿يَمُدُّهُ﴾ و(يُمده) (^١) من مدَّ الدواة وأَمَدَّها.\nوأغنى عن ذِكْرِ المِداد بقوله: ﴿يَمُدُّهُ﴾.\n﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ اختارَ جمعَ القِلَّةِ على جمعِ الكثرةِ - وهي الكلِمُ - للإشعار بأنَّها لا تفي بالقليل منها فضلًا عن الكثير، والتَّقديرُ: ولو أنَّ أشجارَ الأرضِ كلَّها أقلامٌ، والبحر المحيط دواتُه، فجُعل البحرُ بمنزلة الدَّواة والأبحرُ السَّبعةُ مملوءة مدادًا تمدُّها أبدًا، وكُتِبَت بها كلماتُ اللهِ، ما نفدت كلمات الله ونفدت الأقلام والمداد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩].\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: لا يعجزُهُ شيءٌ، ولا يخرج عن علمِه وحكمتِه أمرٌ، ومَن كانَ كذلك لا تَنْفَدُ كلماته وحِكَمُه.\nعن ابن عباس ﵄: أنَّها نزلَتْ جوابًا لليهود لَمَّا قالوا: قد أوتينا التَّوراةَ وفيها كلُّ الحكمة (^٢).\n_________\n(^١) الأولى قراءة الجمهور، والثانية نسبت لابن مسعود والحسن وابن مصرف وغيرهم. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٦٩)، و\"البحر\" (١٧/ ٢٣٣).\nوقد وقع في كلام المؤلف في تفسير هذه الآية اضطراب كثير كما أشير إليه في هامش (ي)، ويوضحه بل ويغني عنه ما جاء في \"الكشاف\" (٣/ ٥٠٠ - ٥٠١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢١٦). كما أن في \"البحر\" (١٧/ ٢٤٢)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ٨١) مناقشات حسنة وتفصيل وبيان.\n(^٢) رواه مطولًا الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٥٧٢ - ٥٧٣). وهذا الخبر يدل على أن الآية مدنية، ومن قال: إنها مكية، علله بأن اليهود أمروا وفد قريش أن يسألوا عنه النبي ﵊، وهو ما سيأتي بعده. انظر: \"روح المعاني\" (٢١/ ٨٧).","vol":"8","page":181},{"text":"وقيل: أُمِرَ وفدُ قريشٍ أنْ يقولوا لرسول الله ﷺ: ألسْتَ تتلو فيما أُنْزِلَ عليك أنَّا قد أوتينا التَّوراة وفيها عِلْمُ كلِّ شيء.\nوأما ما قيل: إنها نزلَتْ حين سألوا عن قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ومخالفته لنزول التَّوراة وفيها علم كلِّ شيء (^١).\nفيَرِدُ (^٢) عليه أنه لا يصلح سببًا للنزول؛ إذ ليس فيما نزلَ تعرُّضٌ لوجهِ التَّوفيق بينهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3497\"> </span>(٢٨) - ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\n﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: إلَّا كخلقِها وبعثِها؛ لأنَّه لا يشغله شأنٌ عن شأنٍ، فلا يتفاوت عندَه القليلُ والكثيرُ؛ لأنَّه يكفي في وجود الكلِّ تعلُّق إرادته القديمة منضمَّةً إلى قدرته الذَّاتية كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠].\n﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لكلِّ مسموعٍ.\n﴿بَصِيرٌ﴾ لكلِّ مُبْصرٍ، فلا يشغلُه إدراكُ بعضِها عن بعضٍ، وكذلك الخَلقُ والبعثُ.\n* * *\n_________\n(^١) هو خبر ابن عباس الذي تقدم قريبًا، ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١٥/ ٦٨) أيضًا عن عكرمة، و(١٥/ ٧٢) عن عطاء بن يسار.\n(^٢) في النسخ: \"ويرد\"، والصواب المثبت، فقد جاء في هامش (ي): \"في نسخة المؤلف: ويرد، بالواو ولا وجه له \".","vol":"8","page":182},{"text":"<span id=\"aya-3498\"> </span>(٢٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ مِن الشَّمس والقمر ﴿يَجْرِي﴾ في فلكِه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: إلى منتهًى معيَّنٍ؛ الشَّمسُ إلى آخر السَّنة، والقمرُ إلى آخر الشَّهر.\nوقيل: إلى يوم القيامة؛ لأنَّه مُنتَهى جَرْيهما ومنقطَعُه.\nاستُعمِلَ الجري هاهنا مع حرف الانتهاء، وفي (فاطر) مع حرف الاختصاص؛ أي: يجري لإدراك أجلٍ معيَّنٍ؛ لأنَّ بلوغ الجري إلى منتهاها يوافق اختصاص الجري بإدراك الأجل المعيَّن في المعنى، فكِلَا المعنيَيْن يتوافقان في إفادة المقصودِ.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بِكُنْهِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3499\"> </span>(٣٠) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\n﴿ذَلِكَ﴾ الوصفُ الذي وُصِفَ به مِن كمالِ القدرةِ والحكمةِ ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: بسببِ أنَّ اللهَ.\n﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ الثَّابتُ في ذاته، أو الثَّابتُ الألوهيَّة.\n﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ المنتفي الألوهيَّة، أو المعدوم في حدِّ ذاته.\n﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ الشَّأنِ ﴿الْكَبِيرُ﴾ السُّلطانِ، أو المترفِّعُ على كلِّ شيءٍ، الكبير عن أنْ يُشرَكَ به شيءٌ.\n* * *","vol":"8","page":183},{"text":"<span id=\"aya-3500\"> </span>﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: بإحسانِه في تهيئة أسبابِه، أو: برحمته.\nوالباء للصِّلة أو الحال، وهو استشهاد آخر على باهرِ (^١) قدرته، وكمالِ حكمتِه، وشمولِ نعمتِه.\n﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾؛ أي: بعضَ دلائلِ قدرته وحكمتِه ورحمتِه.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على المشاقِّ، فيُتعِب نفسَه بالتَّفكُّرِ في الأنفس والآفاق ﴿شَكُورٍ﴾ يعرف النِّعمَ، ويعرف مانِحَها.\nوهما صفتان للمؤمنِ، فإنَّ الإيمان نصفان: نصفٌ صبرٌ، ونصفُ شكرٌ، فكأنَّه قال: إنَّ في ذلك لآياتٍ لكلِّ مؤمنٍ.\nوقيل: ﴿صَبَّارٍ﴾ على بلائِه، و﴿شَكُورٍ﴾ لنعمائِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3501\"> </span>(٣٢) - ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾.\n﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾: وإذا علاهم وغطَّاهم ﴿مَوْجٌ﴾ مرتفعٌ متراكمٌ ﴿كَالظُّلَلِ﴾: جمع الظُّلَّة (^٢)، وهي كلُّ ما أظلَّكَ من الجبل أو السَّحاب أو غيرهما.\nوقرئ: (كالظِّلال) (^٣)؛ كقُلَّةٍ وقِلال.\n_________\n(^١) في (ك): \"تأثير\".\n(^٢) في (م): \"جمع ظلة\".\n(^٣) نسبت لمحمد بن الحنفية ﵁. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧).","vol":"8","page":184},{"text":"﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لزوالِ ما يخالفُ الفِطرةَ مِن الهوى والتَّقليدِ، بما دهاهم من الخوفِ الشَّديد.\n﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: ثابِت على الطَّريق القَصْدِ الذي هو التَّوحيد، أي: باقٍ على الإخلاص الحادث في البحر، وقليل ما هم. أو متوسِّط في الكفر لانزجاره بعض الانزجار، وانخفاضه عن غلوائه (^١).\n﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾: مبالغٍ في الغدرِ، ناقضٍ للعهدِ الفِطريِّ، أو لِمَا عاهد الله (^٢) عليه في البحر، والخَتْرُ: أشدُّ الغَدْرِ.\n﴿كَفُورٍ﴾ بنعمةِ اللهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3502\"> </span>(٣٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ التَّنكيرُ للتَّفخيم والتَّهويل.\n﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ﴾: لا يقضي عنه، وقرئ: (لا يُجْزِئ) (^٣)، أي: لا يُغني، والجملة صفةُ ﴿يَوْمًا﴾، والعائدُ محذوفٌ، أي: لا يجزي فيه.\n﴿مَوْلُودٌ﴾ عطف على ﴿وَالِدٌ﴾، أو مبتدأ خبرُه:\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"علوائه \".\n(^٢) لفظ الجلالة ليس في (ف) و(م).\n(^٣) نسبت لأبي السمال وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧).","vol":"8","page":185},{"text":"﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ وتغيير النَّظم بالعدول عن الجملة (^١) الفعليَّة إلى الجملة الاسميَّة للتَّوكيد، والدِّلالة على أنَّ الولد أولى بأن لا يجزي شيئًا عن والده، وحسمِ أطماع المؤمنين أنْ ينفعوا آباءهم الكفَّار في الآخرة، فإنَّهم كانوا يتوقَّعون ذلك.\nوللمبالغة في التَّأكيد جِيء بلفظ ﴿هُوَ﴾ و﴿مَوْلُودٌ﴾ دون (ولد)؛ لأنَّ الولد يطلق على ولدِ الولد بخلاف المولود؛ فإنَّه لا يُطلَق على ولد الولد إلَّا بالنِّسبة إلى الذي وُلِدَ منه؛ أي: لو قَصدَ النَّفع لِمَن وُلدَ منه لم يقدِرْ عليه، فضلًا أنْ ينفعَ لأجداده.\nكذا قيل، ومبناه على تخصيص الخطاب والحُكم، والظَّاهرُ العمومُ، فالوجهُ أنْ يُقالَ: إنَّ الابن مِن شأنه أن يكون جازيًا عن والده؛ لِمَا عليه من الحقوق، والوالد يجزي لِمَا فيه مِن الشَّفقةِ، فليس الثَّاني كالأوَّل.\n﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالثَّوابِ والعقاب ﴿حَقٌّ﴾ لا يمكِنُ خُلْفُه.\n﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بزينتِها؛ فإنَّ نعيمَها ذاهبٌ (^٢)، ولذَّاتها فانيةٌ.\n﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الشَّيطانُ. وقرئ بضمِّ الغين (^٣)، فجُعِلَ الغُرور غارًّا للمبالغة، أو إرادةُ زينة الدُّنيا لأنَّها غُرور؛ إطلاقًا لاسم المسبَّب على السَّبب.\n* * *\n_________\n(^١) \"الجملة\" سقط من (ك).\n(^٢) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"دانية\"، والمثبت من (ك).\n(^٣) نسبت لسماك بن حرب وأبي حيوة. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٧٢)، و\"البحر المحيط \" (١٧/ ٢٤٠).","vol":"8","page":186},{"text":"<span id=\"aya-3503\"> </span>(٣٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ علمُ وقتِ قيامِها؛ لِمَا رُويَ أنَّ الحارثَ بنَ عمرٍو أتى النَّبيَّ ﵇ وقال: متى قيام السَّاعة؟ وإنِّي قد ألقيْتُ حَبَّاتي في الأرضِ فمتى تمطرُ السَّماء؟ وحملُ امرأتي ذكرٌ أم أنثى؟ وما أعمل غدًا؟ وأينَ أموتُ؟ فنزلَتْ (^١).\nأي: محفوظةٌ علمُها مِن جهته تعالى، لا يصلُ إليه غيرُه، فإنَّ كونَ الشَّيء عندَه عبارةٌ عن كمالِ حفظِه، وبهذا الوجه يظهرُ اختصاصُ العلمِ المذكور به تعالى.\n﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾؛ أي: يرسِلُ المطرَ النَّافع بحسب المصالح على التَّدريجِ في أوقاتٍ متعدِّدةٍ.\n﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أذكرٌ أم أنثى، أحيٌّ أم ميِّتٍ، أتامٌّ أم ناقصٍ.\n﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ أيَّةُ نفسٍ كانَتْ، وإنَّما جعل العِلمَ لله تعالى، والدِّراية للعبد؛ لِمَا في الدِّراية مِن معنى الخَتْلِ (^٢) والحيلة، والمعنى: أنَّها لا تَعرِفُ وإنْ أعملَتْ حيلَها.\n_________\n(^١) رواه ابن المنذر في \"تفسيره\" عن عكرمة، كما في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٣٠) وسمى الرجل: الوارث من بني مازن. وذكره مقاتل بن سليمان في \"تفسيره\" (٣/ ٤٤٠)، والثعلبي في \"تفسيره\" (٧/ ٣٢٣)، والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص: ٣٤٧)، وذكره الواحدي أيضًا في \"البسيط\" (١٨/ ١٢٨) وعزاه لمجاهد ومقاتل، واسم صاحب القصة عندهم عدا \"أسباب النزول\": عبد الوارث بن عمرو. ورواه الطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٥٨٥) عن مجاهد ولم يسمه. فهذا الخبر لم يرو بسند متصل إلى النبي ﷺ، وإنما هي مراسيل عن عكرمة ومجاهد ومقاتل.\n(^٢) في (ع): \"المثل\"، وفي (ف) و(م) و(ك): \"الحيل\".","vol":"8","page":187},{"text":"﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مِن خيرٍ أو شرٍّ، فربَّما كانَتْ عازمةً على خيرٍ فعملَتْ شرًّا، أو عازمةً على شرٍّ فعملَتْ خيرًا.\n﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾؛ أي: أينَ تموت، وربَّما أقامت بأرضٍ، وضربَتْ أوتادها، وقالَتْ: لا أبرحُها، فترمي بها مرامي القدر حتى تموتَ في مكانٍ لم يخطرْ ببالِها.\nوقرئ: (بأيَّةِ أرضٍ) (^١)، وشبَّه سيبويه تأنيثَ (أيّ) بتأنيث (كل) في: (كلتهنَّ) (^٢).\nواعلم: أنَّ الانطباقَ على سبب النُّزول المذكور، والاتِّفاقَ بما روي في \"صحيح البخاري \" عن ابن عمر ﵁: \"مفاتيحُ الغيبِ خمسةٌ لا يعلمُها إلَّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ … الآية\" (^٣) = إنَّما يكونان على تقدير أنْ يظهرَ [اختصاص] علمِ أوقات نزول الغيث وعلمِ أحوال الحمل به [تعالى] (^٤)، وذلك بأن يكون تقدير قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: وأنْ ينزِّلَ الغيث، عطفًا على ﴿السَّاعَةِ﴾، يعني: عندَه علمُ السَّاعة وعلمُ إنزال الغيث، فحذف (أنْ) كقوله:\n_________\n(^١) نسبت لموسى الأسواري وابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٥٦).\n(^٢) في النسخ: \"كلهن\"، والمثبت من \"الكتاب\". انظر: \"الكتاب\" لسيبويه (٢/ ٤٠٧).\n(^٣) رواه البخاري (٤٦٢٧).\n(^٤) ما بين معكوفتين من رسالة للمؤلف بعنوان: \"رسالة في تحقيق الغيب\"، وما ذُكر هنا هو بعض ما جاء في تلك الرسالة المفيدة، وهي مطبوعة ضمن مجموع رسائله، وقد من الله علينا بتحقيقها في جملة ما حققناه من رسائله.","vol":"8","page":188},{"text":"ألَّا أيُّهذا الزَّاجري (^١) أحضرُ الوَغَى (^٢)\nوالمعنى: أنْ أحضرَ الوغى.\nوقِسْ على هذا قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"اللائمي\"، وهي رواية. انظر التعليق الآتي.\n(^٢) صدر بيت لطرفة بن العبد، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، وورد بلفظ: (اللائمي) في \"جمهرة أشعار العرب\" لأبي زيد القرشي (ص: ١٣٠)، و\"الجمل في النحو\" للخليل (ص: ١٦٥). وقوله: (أحضر) روي بالرفع والنصب، كما قال السمين في \"الدر المصون\" (١/ ٤٦٠)، لكن الاستشهاد به هنا على وجه الرفع؛ لأن الفعل في الآية مرفوع. وعجز البيت:\nوأن أشهد اللذات هل أنت مُخْلدي","vol":"8","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-96>سُورَةُ السَّجْدَةِ</span>\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-3504\"></span><span id=\"aya-3505\"> </span>(١ - ٢) - ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إنْ جُعل ﴿الم﴾ اسمًا للسورة فهو مبتدأٌ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبرُه على أن التَّنزيل بمعنى المنزَل، و﴿مِنْ رَبِّ﴾ صلةُ ﴿تَنْزِيلُ﴾ أو خبر ثانٍ.\nوإنْ جُعل تعديدًا للحروف فـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ خبر مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبرُه ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له من الإعراب، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة؛ أي: لا ريب في ذلك، يعني: في كونه منزلًا من ربِّ العالمين، أو الخبرُ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ و﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿فِيهِ﴾ على أنه للتنزيل أو للكتاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3506\"> </span>(٣) - ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.","vol":"8","page":193},{"text":"﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ مؤيِّدٌ لرجوع الضمير في ﴿فِيهِ﴾ لمضمون (^١) الجملة، وكذا قوله:\n﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأن قولهم: هذا مفترى، إنكار لأنْ يكون من رب العالمين.\nوالهمزة في ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ إنكارٌ لقولهم وتعجيبٌ منه، فيكون الكلام مصدَّرًا بإعجازه وإثباتِ أنه من ربِّ العالمين، مقرِّرًا بأنه لا ريب في ذلك، ثم مقفًّى بالإضراب عن ذلك إلى إنكار قولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ والتعجيبِ منه؛ لظهورِ أمره في الإعجاز، ثم بالإضراب عن الإنكار إلى تقرير المقصود، بعد ردِّ قولهم وإثباتِ أنه الحقُّ من ربِّك، ثم ببيان الغرض منه بقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ ولا يُشْكِلُ هذا بقوله:\n﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]؛ لأنهم لم يخل عن الوقوف بشريعة (^٢) تنذرهم وإن لم يأتهم نذير.\n﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأنهم كانوا أهلَ الفترة.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"للتنزيل أو إلى مضمون \"، بدل: \"لمضمون\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٠٦)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢١٩)، قال الزمخشري: (والوجه أن يرتفع [أي: ﴿تَنْزِيلُ﴾] بالابتداء، وخبره ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، و﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ اعتراض لا محل له، والضمير في ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى مضمون الجملة، كأنه قيل: لا ريب في ذلك، أي: في كونه منزلا من رب العالمين، ويشهد لوجاهته قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ لأنّ قولهم: هذا مفترًى، إنكار لأنْ يكون من رب العالمين، وكذلك قوله: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ …).\n(^٢) في (ي): \"من الوقوف بشريعة\"، وفي (ع) و(م): \"عن الوقوف شريعة\"، وسقطت من (ف) و(ك).","vol":"8","page":194},{"text":"<span id=\"aya-3507\"> </span>(٤) - ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ سبق تفسيره في سورة الأعراف.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾: ما لكم إذا جاوزتُم رضا اللهِ تعالى أحدٌ ينصركم أو يشفع لكم.\n﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3508\"> </span>(٥) - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\n﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾: يدبر أمرَ الدنيا كلِّها بأسبابٍ سماويةٍ نازلةٍ آثارُها إلى الأرض لكلِّ يومٍ من أيام الله، وهو ألفُ سنة كما قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].\n﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: يصيرُ إليه ويُكتب عنده في صحف ملائكته ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ كلَّ وقتٍ من أوقات هذه المدةِ ما (^١) يرتفع من ذلك\n_________\n(^١) قوله: \"ما\" اسم موصول في محل رفع لـ\"يصير\" أو لـ \"يكتب\" على التنازع، وقوله: \"كلَّ يوم .. \" ظرف لهما، والمعنى: (ثم يَصير إليه تعالى وَيثْبُت عنده ﷿ ويُكتب في صحف ملائكته جلّ وعلا كلَّ وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر …)، هذا ما وفق الله إليه في شرح عبارة المؤلف، وهي منقولة عن الزمخشري ولم أجد من شرحها، والعبارة التي أوردتها هي عبارة الآلوسي، والله أعلم بالصواب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٠٨)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ١٣٢).","vol":"8","page":195},{"text":"الأمر ويدخل تحت الوجود، إلى أن تبلغَ المدة آخِرَها، ثم يدبِّر أيضًا ليومٍ آخرَ، وهلمَّ جرًّا إلى أن تقوم الساعة.\nوقيل: يُنْزِل الوحيَ مع جبريل ﵇ من السماء إلى الأرض، ثم يَعرج إليه في زمان هو في الحقيقة ألفُ سنة؛ لأن المسافة مسيرةُ ألف سنة، فإن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام.\nوفيه نظر؛ إذ لا يَلزم من قطع المسافة الطويلةِ في مدةٍ قصيرةٍ أن تكون تلك المدةُ طويلةً في الحقيقة، وذلك ظاهر.\nنعم لو قيل: في قوله: ﴿مِقْدَارُهُ﴾ تجوُّزٌ، فإن المقدار المذكور للمسافة باعتبار قطعها المعتاد، لكان له وجه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3509\"> </span>(٦) - ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ فيدبِّر على (^١) وَفْق علمه.\n﴿الْعَزِيزُ﴾: القويُّ بإنفاذ أمره.\n﴿الرَّحِيمُ﴾ على العباد في تدبيره على وفق مصالحهم تفضُّلًا وامتنانًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3510\"> </span>(٧) - ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.\n﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: حسَّنه على وَفق الحكمة والمصلحة موفورًا عليه ما يَستعدُّه ويليق به، وإنْ تفاوَتَ إلى حَسَنٍ وأَحْسن، و﴿خَلَقَهُ﴾ بدلٌ من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بدلَ الاشتمال.\n_________\n(^١) \"على\": ليست في (م).","vol":"8","page":196},{"text":"وقيل: عَلِمَ كيف يخلقه، من قوله: قيمةُ المرء ما يُحْسِنه، أي: يُحسن معرفته، و﴿خَلَقَهُ﴾ مفعول ثان.\nوقرئ بفتح اللام (^١)، فالشيءُ على الأول مخصوصٌ بمنفصِل، وعلى الثاني بمتَّصِل.\n﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ يعني: آدم ﵇ ﴿مِنْ طِينٍ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3511\"> </span>(٨) - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾.\n﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ النسل: الذرِّية، سميت به لأنها تَنسلُّ منه، أي: تنفصل وتخرج من صُلبه، والسلالة: ما يُسلُّ من الشيء ويُخرَج.\n﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾: ضعيفٍ حقير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3512\"> </span>(٩) - ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾: قوَّمه بتصويرِ (^٢) أعضائه على ما ينبغي.\n﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أضافه إلى نفسه تشريفًا وإظهارًا بأن له خَلْقًا عجيبًا، وأن له شأنًا له مناسبةٌ ما إلى حضرة الربوبية، قال ﵇: مَن عَرَفَ نَفْسَه فقد عَرَفَ ربَّه (^٣).\n_________\n(^١) هي قراءة عاصم وحمزة والكسائي ونافع، وباقي السبعة بسكون اللام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٧).\n(^٢) في (ك): \"بتقدير\".\n(^٣) قال أبو المظفر ابن السمعاني: لا يعرف مرفوعًا، وإنما يحكى عن يحيى بن معاذ الرازي يعني من=","vol":"8","page":197},{"text":"﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ خصوصًا لتَسمعوا وتُبصروا وتَعقلوا، وإنما قدَّم السمع على البصر لخساسته نظرًا إلى البصر، فإن الكلام على أسلوب الترقِّي من الشريف إلى الأشرف فالأشرف.\n﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: تشكرون شكرًا قليلًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3513\"> </span>(١٠) - ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ قيل: القائل أبيُّ بن خلف، ولا حاجةَ إلى رضاهم بقوله في الإسناد إليهم، بل يكفي وجودُ القول بينهم كقوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢].\n﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ بالفتح والكسر (^١).\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: صرنا ترابًا مختلِطًا بتراب الأرض بحيث لا امتياز فيه، أو: غبنا فيها.\nوقرئ: (صَللْنا) (^٢) من صلَّ اللحم: إذا أَنْتَنَ، وقيل: صِرنا من جنس الصَّلَة وهي الأرض.\n_________\n= قوله، وكذا فال النووي: إنه ليس بثابت. انظر: \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٦٥٧). وذكره السلمي في \"تفسيره\" (٢/ ٨٦) من قول علي ﵁.\n(^١) بالفتح قراءة الجمهور، ونسبت قراءة ليحيى بن يعمر وابن محيصن وأبي رجاء وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٧)، و\"إعراب القرآن \" للنحاس (٣/ ٢٩٣).\n(^٢) قيدها بعضهم بفتح اللام وآخرون بكسرها، ونسبت لعلي وابن عباس والحسن وغيرهم. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٣١)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٧٣)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٠٩)، و\" المحرر الوجيزي (٤/ ٣٦٠)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ١٤١).","vol":"8","page":198},{"text":"وقرئ: ﴿أَإِذَا﴾ على الخبر (^١)، والعامل فيه ما دل عليه:\n﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو: نُبعث، أو: يجدَّد خَلْقُنا.\nوقرئ: ﴿أَإِنَّا﴾ على الخبر (^٢).\n﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ لمَّا ذكر (^٣) كفرَهم بالبعث أعرضَ عنه إلى ما هو أبلغُ في الكفر بما بعد الموت من الرجوع إلى الله والجزاء (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3514\"> </span>(١١) - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ التَّوفِّي: استيفاء النَّفْس، من قولك: تَوَفَّيتُ حقِّي من فلان واستَوْفَيْتُه: إذا أخذْتَه وافيًا كاملًا؛ أي: يَقبض نفوسكم بتمامها.\n﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾؛ أي: يَقبِض (^٥) أرواحَكم عند انتهاء مُدد أعماركم، وفي عبارة ﴿وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى وجه التوفيق بين هذه الآية وقولهِ تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] وهو أن فِعْلَ الوكيلِ فِعْلُ الموكِّل.\n﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب والجزاء.\n* * *\n_________\n(^١) قراءة ابن عامر، والباقون على الاستفهام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٢).\n(^٢) قراءة نافع والكسائي، والباقون على الاستفهام. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٢).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"رد\".\n(^٤) انظر: \"تفسير النسفي\" (٣/ ٧)، ولفظه: (لما ذكر كفرهم بالبعث أضرب عنه إلى ما هو أبلغ، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالبعث وحده).\n(^٥) في (ك): \"بقبض\".","vol":"8","page":199},{"text":"<span id=\"aya-3515\"> </span>(١٢) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ تَرَى﴾ الأفصح أن يكون الخطاب لكلِّ أحدٍ ممن يَتأتَّى له الرؤيةُ (^١) ولا يقدَّرَ لـ ﴿تَرَى﴾ مفعولٌ؛ لأن المعنى: لو يكونُ منك الرؤية في هذا الوقت.\n﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ من الذل والحياء والندم.\n﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: عند حساب ربهم (^٢)، ويُوقَفُ عليه لحقِّ الحذف؛ إذ التقديرُ: قائلين.\n﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ صِدْقَ وعدِكَ ووعيدِك ﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ رسلك، أو: كنا عميًا وصمًّا أبصرنا وسمعنا.\n﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾؛ أي: الإيمانَ والطاعة.\n﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث (^٣) والحساب الآن.\nوجواب (لو) محذوف تقديره: لرأيت أمرًا فظيعًا، والمضيُّ فيها وفي ﴿إِذِ﴾ لأن المترقَّب من الله تعالى بمنزلة الواقع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3516\"> </span>(١٣) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"القدرة\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"حسابهم \".\n(^٣) في (ف): \"بالغيب\".","vol":"8","page":200},{"text":"﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾: ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له.\n﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾: سبَق حُكمي وقضائي، وهو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ إنما قدَّم الجنَّ لأن المقام مقامُ التحقير ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: ولكن اقتضى الحكمةُ خلافَ ذلك، وما ذُكر من سبق القضاء به كنايةٌ عن ذلك الاقتضاء، فليس فيه تسبُّبُ عدم إيمانهم عن سبق التقدير الأزلي به كما سبق إلى بعض الأوهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3517\"> </span>(١٤) - ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَذُوقُوا﴾ يعني: ما أنتم فيه من الخزي والغم.\n﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾: بسبب نسيانكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أو: بتركِكُم العمل لهذا اليوم كأنكم نسيتُموه فلم تذكروه.\n﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: تركناكم في العذاب، أو: جازيناكم على نسيانكم، وفي استئنافه وبناءِ الفعل على (إنَّ) واسمها تشديدٌ في الانتقام منهم.\n﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾؛ أي: واعلموا أن هذا العقاب خالدٌ لكم - غيرُ زائل عنكم.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: بأعمالكم من الكفر والمعاصي، وإنما كرَّر الأمر (^١)\n_________\n(^١) \"الأمر\": ليست في (م).","vol":"8","page":201},{"text":"للتأكيد، ولمَا نِيطَ به من التصريح بمفعوله، وتعليلِه بأفعالهم السيئة كما علَّله بتركهم تدبُّر أمر العاقبة والتفكُّرَ فيها دلالةً على أن كلًّا منها يقتضي ذلك، وهذا منادٍ ينادي على أنه لا عذر لهم في ذلك (^١) من جهة القضاء الأزلي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3518\"> </span>(١٥) - ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\n﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾: وعظوا بها.\n﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ خوفًا من عذاب الله تعالى.\n﴿وَسَبَّحُوا﴾: نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث.\n﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾: حامدين له شكرًا على ما وفَّقهم للإسلام وآتاهم الهدى.\n﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن (^٢) الإيمان والطاعة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3519\"> </span>(١٦) - ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\n﴿تَتَجَافَى﴾ ترتفعُ وتتنحَّى ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾: الفرُش ومواضعِ النوم، مبالغة في الاعتياد (^٣) بقيام الليل، كأنهم يقومون بالطبع لا بالاختيار كما يقومون لحاجاتهم الطبيعية.\n_________\n(^١) في هامش (م): \"ولكن لا حياة لمن ينادى منه\".\n(^٢) في (م): \"على\".\n(^٣) في (م): \"الاعتبار\".","vol":"8","page":202},{"text":"﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾: داعين إياه ﴿خَوْفًا﴾ من سَخَطه ﴿وَطَمَعًا﴾ في رحمته، وعن النبيِّ ﵇ في تفسيرها: قيامُ العبد من الليل (^١).\nوقيل: كان ناسق من الصحابة يصفُون من المغرب إلى العشاء، فنزلت فيهم (^٢).\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3520\"> </span>(١٧) - ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ واحدةٌ من النفوس، لا مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل.\n﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ على البناء للمفعول والفاعل، وقرئ: ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ على أنه مضارع أَخْفَيتُ (^٣).\nو: (ما نخفي)، و: (ما أَخْفيتُ) (^٤).\nوالفاعل في الكل هو الله تعالى، و﴿مَا﴾ موصولة والعِلم بمعنى المعرفة، أو استفهامية (^٥) بمعنى: أيُّ شيء؟ علِّق عنها الفعل.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٦١٦) وصححه، والنسائي في \"الكبرى\" (١١٣٣٠)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، والطبري في \"تفسيره\" (١٨/ ٦١٤)، من حديث معاذ ﵁.\n(^٢) رويت فيه أخبار كثيرة تنظر في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٤٦)، وروى نحوه أبو داود (١٣٢١) و(١٣٢٢)، والترمذي (٣١٩٦) وصححه، من حديث أنس ﵁.\n(^٣) هذه فراءة حمزة، وقرأ باقي السبعة: ﴿أُخْفِيَ﴾ بالبناء للمفعول. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٧). وقراءة (أَخْفَى) بالماضي المبني للفاعل نسبت لمحمد بن كعب. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥١٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٦٢).\n(^٤) نسبت الأولى لابن مسعود والثانية للأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٨)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥١٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٦٢).\n(^٥) في (ف) و(م): (الاستفهامية).","vol":"8","page":203},{"text":"﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾: ممَّا تَقَرُّ به أعينُهم، وقرئ: (مِن قُرَّاتِ أعينٍ) (^١) لاختلاف الأنواع.\n﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مفعولٌ له، أي: أُخفيَ للجزاء، أو مصدر، أي: جُزُوا جزاءً، أو حال على التسمية بالمصدر. والفاء للسببية، أي: إذا لقينا مَن كانوا يُخفون عبادتنا بالليل فلا تعلم نفسٌ ما أَخفينا لهم.\nوفي الإبهام ثم التوضيحِ والتفسيرِ لـ ﴿قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ تفخيم لشأن جزائهم وتعظيمٌ له، وإن جُعل (^٢) ﴿مَا﴾ استفهاميةً زِيدَ تعظيمٌ على تعظيمٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3521\"> </span>(١٨) - ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الفاء للتعقيب والهمزةُ للإنكار، أي: أَبَعْدَ ما ذُكر مِن ثواب المؤمن وكرامته هل يكون مساويًا للفاسق الخارج عن الإيمان في الشرف والمثوبة.\n﴿يَسْتَوُونَ﴾ تأكيد وتصريحٌ، والجمع للحمل على المعنى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3522\"> </span>(١٩) - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، أي: المأوى الحقيقيُّ الأبديُّ فإنَّ الدنيا منزلٌ مرتحَلٌ عنها، وقيل: نوع من الجِنان كما في قوله تعالى:\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٨)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٧٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥١٢)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٦٣).\n(^٢) في (ف) و(م): \"يجعل\".","vol":"8","page":204},{"text":"﴿(١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٤] عن ابن عباس ﵄: تأوي إليها أرواح الشهداء.\n﴿نُزُلًا﴾ سبق تفسيره في آل عمران.\n﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: بأعمالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3523\"> </span>(٢٠) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ فجنةُ مأواهم النارُ؛ أي: النار لهم مكان جنة المأوى للمؤمنين؛ كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].\n﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ قد سبق تفسيره.\n﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانةً لهم وزيادةً في غيظهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3524\"> </span>(٢١) - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾: عذابِ الدنيا مما محنوا به من الأسر والقتل والقحط سبغ سنين.\n﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾: عذاب الآخرة.\n﴿لَعَلَّهُمْ﴾: لعلَّ مَن بقي منهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾: يتوبون عن الكفر.","vol":"8","page":205},{"text":"رُوي أن الوليد بن عقبةَ فاخَرَ عليًّا ﵁ يوم بدر، فنزلت هذه الآية (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3525\"> </span>(٢٢) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ولم يتفكَّر فيها، و﴿ثُمَّ﴾ مستعار للاستبعاد؛ لأن الإعراض عن مثل هذه الآيات مع وضوحها وإنارةِ برهانها وإرشادها إلى الفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعَدٌ عقلًا؛ كما تقول لصاحبك: وجدتَ مثلَ هذه الفرصةِ ثم لم تَنْتهِزها! ومنه ما في بيت الحماسة:\nولا يَكشفُ الغمَّاءَ إلَّا ابنُ حُرَّةٍ … يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثم يَزورُها (^٢)\n﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ استئناف مؤذِنٌ بأن الانتقام منهم هو أشدُّ الانتقام؛ لأنَّه لمَّا بيَّن أنه أظلمُ من كلِّ ظالم، ثم دلَّ على أنه يَنتقم من كلِّ مجرم والظالمُ\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥١٤). قال الحافظ في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٣١) ونقله عنه الشهاب في \"الحاشية\" (٧/ ١٥٤) مع بعض زيادة: (قوله: إن ذلك شجر بينهما يوم بدر، غلط فاحش، فما كان الوليد حينئذ رجلا، بل طفلًا لا يتصور منه حضور بدر وصدور ما ذكره الزمخشري من مشاجرته لعلي ﵁. قلت: قد رويت القصة دون تعيين يوم بدر، رواها عن ابن عباس ﵄ الإمام أحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٠٤٣)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٣٢١). وكذا أوردها في تفاسيرهم السمرقندي والثعلبي والواحدي والبغوي وابن عطية وابن الجوزي، لكن نقل ابن عطية عن الزجاج والنحاس وغيرهما أنها نزلت في علي وعقبة بن أبي معيط، قال: وعلى هذا يلزم أن تكون الآية مكية؛ لأن عقبة لم يكن بالمدينة وإنما قتل في طريق مكة منصرف رسول الله ﷺ من بدر. قلت: ولعله على هذا يكون لما ذكره الزمخشري وجه إلا أنه وهم فذكر الوليد بدل أبيه.\n(^٢) البيت لجعفر بن عُلْبةَ - بضم العين وسكون اللام بعدها باء - الحارثي. انظر: \"شرح ديوان الحماسة\" للمرزوقي (١/ ٤٩)، و\"الحماسة البصرية\" (١/ ٤٦٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥١٥).","vol":"8","page":206},{"text":"مجرم، كان ممَّن (^١) هو أظلمُ أشدَّ انتقامًا، فلهذا المعنى وَضع ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ موضع الضمير (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3526\"> </span>(٢٣) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ كما آتيناك.\n﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾: في شكٍّ ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾: من لقائك الكتابَ؛ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦]، أي: إنك أوتيتَ ما أوتيتَ (^٣) مثلَ ما أُوتيه، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].\nأو: من لقاء موسى الكتابَ، ويؤيِّده انتظامُ قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: المنزلَ على موسى ﵇ ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nوأما عودُ الضمير إلى موسى ﵇؛ أي: من لقائكَ موسى، فيأباه تصديرُ النهي بأداة التفريع.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3527\"> </span>(٢٤) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ الناسَ إلى ما فيه من الحِكَم والأحكام.\n_________\n(^١) في النسخ: \"من\"، والصواب المثبت.\n(^٢) بعدها في (ف) و(م): \"له \"، ولا وجه لها.\n(^٣) \"ما أوتيت\" من (ف) و(ك).","vol":"8","page":207},{"text":"﴿بِأَمْرِنَا﴾ (^١) إياهم به، أو بتوفيقنا له.\n﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾: لصبرهم، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ (^٢)؛ أي: حين صبروا.\n﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ لإمعانهم في النظر.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3528\"> </span>(٢٥) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقضي فيَمِيزُ الحقَّ من الباطل بتمييز المحقِّ من المبطِل.\n﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3529\"> </span>(٢٦) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الواو للعطف على مقدَّرٍ من جنس المعطوف؛ أي: ألم يؤمنوا - أو: ألم تَدْعهم - ولم يَهْدِ لهم، والفاعل ما دل عليه:\n﴿لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾؛ أي: كثرةُ إهلاكنا القرونَ، أو هذا الكلام كما هو بمضمونه كقولك: تعصمُ لا إلهَ إلا الله (^٣) الدماءَ والأموالَ، أو ضميرُ ﴿رَبَّكَ﴾ بدلالة قراءته بالنون (^٤).\n_________\n(^١) بعدها في (ك): \"بآياتنا\".\n(^٢) قراءة جمهور السبعة، وقرأ حمزة والكسائي بكسر اللام وتخفيف الميم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٧).\n(^٣) في (ك): كتب فوق لفظ الجلالة: (هو).\n(^٤) نسبت لعلي وابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\"=","vol":"8","page":208},{"text":"﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: أهل مكة يمرُّون في متاجرهم على ديارهم وبلادهم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ قد سبق في تفسير سورة الروم وجهُ توصيف القوم بالسمع وكان الظاهر توصيفُهم بالإبصار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3530\"> </span>(٢٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الواو لعطف الاستفهام على نظيره، وتأخيرُه عن أداتها لصدارتها.\n﴿أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾؛ أي (^١): التي جُرز نباتها؛ أي: قُطع؛ إما لعدم الماء، أو لأنَّه أُزيل أو رُعي، ولا يقال للَّتي لا تُنبت كالسباخ: جُرُزٌ، بدليل قوله:\n﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ وقيل: اسمُ موضع في اليمن.\n﴿تَأْكُلُ مِنْهُ﴾ \" أي: من الزرع ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾ من عَصْفِه وتِبْنِه ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ من حبِّه وثمره، قدِّم أَكلُها على أَكلهم لأن ما تأكله من الورق والقَصيل (^٢) يحصل مقدَّمًا.\n﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ فيستدلون به على كمالِ فضله وقدرته.\n* * *\n_________\n= (ص: ١١٨)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥١٦)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٦٥).\n(^١) \"أي \"من (ف) و(ك).\n(^٢) القصيل: ما اقتُصل من الزرع أخضر. انظر: \"القاموس\" (مادة: قصل).","vol":"8","page":209},{"text":"<span id=\"aya-3531\"> </span>(٢٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾: النصر، أو الفصل بالحكومة، من قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩] لا من قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، فإن إطلاق يوم الفتح على يوم القيامة لانفتاح أبواب السماء حينئذ، لا لانتصار المسلمين على الكفار.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في الوعد به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3532\"> </span>(٢٩) - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\n﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يومُ الفتح: يومُ القيامة لأنَّه يُفتح فيه بين المؤمنين وبين أعدائهم ويُنصرون عليهم.\nوقيل: هو يومُ بدر، أو يومُ فتح مكة، والمراد بالذين كفروا: المقتولون في أحد اليومين، فإنه لا ينفعهم إيمانهم حالَ القتل ولا يُمهَلون.\nوتطبيق الجواب على سؤالهم من حيث المعنى؛ لأن غرضهم من الاستفهام لم يكن طلبَ تعيين الوقت بل الاستعجال، كأنه قيل: لا تستعجلوا به فإنه إذا جاء لا ينفعكم الإيمان إن آمنتم ولا تُنظَرون إن استَنظَرتُم، و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من باب وضع الظاهرِ موضع المضمَر للتسجيل عليهم بالكفر، وأن الكفر المستمرَّ إلى وقت العذاب هو الذي يُوجِب عدم نفعِ الإيمان وينفي (^١) الإنظار.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"ونفي\".","vol":"8","page":210},{"text":"<span id=\"aya-3533\"> </span>(٣٠) - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾.\n﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تبال بتكذيبهم، وقيل: هي منسوخة بآية السيف.\n﴿وَانْتَظِرْ﴾ النصرةَ عليهم وهلاكَهم.\n﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ الغلبةَ عليكم وهلاكَكم.\nوقرئ: (منتظَرون) بفتح الظاء (^١)؛ أي إنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أي إن الملائكة ينتظرون هلاكهم فإنهم هالكون لا محالة.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لمحمد بن السميفع. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٨)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٧٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥١٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"8","page":211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-97>سُورَةُ الأَحْزَابِ</span>\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span id=\"aya-3534\"> </span>(١) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ نودي ﵇ في جميع القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ و﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ تعظيمًا له وتعليمًا للعباد كيفَ ينادونه.\n﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أمرَهُ بالتَّقوى تعظيمًا للتَّقوى، وإعلامًا للأمَّة بأنَّه بابٌ عظيمٌ يجبُ أنْ يُعتدَّ به ويُحافَظ عليه، والمرادُ الأمرُ بالثَّبات على ما هو عليه ليكون مانعًا له عمَّا نُهِيَ عنه بقوله:\n﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾؛ أي: لا تساعدهم على شيءٍ يعودُ لوهنٍ في الدِّين (^١)، ولا تقبل لهم رأيًا في ذلك.\nروي أنَّ أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السُّلَمي قدموا المدينة بعدَ قِتال أُحُدٍ فنزلوا على عبد الله بن أُبيٍّ، وأعطاهم رسولُ الله ﵇ الأمانَ على أنْ يكلِّموه، فقالوا له: ارفضْ ذِكْرَ آلهتنا، وقل: إنَّها تشفعُ وتنفعُ، وندعك وربَّك، وآزرهم المنافقون على ذلك، فهَمَّ المسلمون بقتْلِهم، فنزلَتْ (^٢).\n_________\n(^١) في (ف): \"يعود لتزيين في الدنيا\"، وسقطت من (ك): \"لوهن\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٧٦)، و\"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٣٦٩)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥١٩).","vol":"8","page":215},{"text":"أي: اتَّقِ الله في نقضِ العهدِ (^١)، ولا تطع الكافرين من أهل مكَّة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا منك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بِخُبْثِ أعمالِهم ﴿حَكِيمًا﴾ في تأخيرِ الأمرِ بقتالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3535\"> </span>(٢) - ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\n﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مِن الأمر والنَّهي.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فموحٍ إليك ما يصلحه ومغنٍ من الاستماع إلى الكفرة.\nوقرئ بالياء (^٢)؛ أي: إن الله خبيرٌ بمكايدهم يدفعُها عنك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3536\"> </span>(٣) - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\n﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: وفوِّض أمرَكَ إليه.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: موكولًا إليه كلُّ أمر، قال الزَّجَّاجُ: ولفظ (كفى) وإن كان ألفظه لفظ، الخبر فالمعنى: اكتفِ باللهِ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ك) و(م): \"العهود\".\n(^٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٧).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢١٣)، وما بين معكوفتين منه.","vol":"8","page":216},{"text":"<span id=\"aya-3537\"> </span>(٤) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾.\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ﴾ تنكيرُه وزيادة ﴿مِنْ﴾ في قول: ﴿مِنْ قَلْبَيْنِ﴾ بعدَ النَّفي؛ للتَّعميم والاستغراق؛ أي: ما جعلَ اللهُ لفردٍ واحدٍ مِن جملة الرِّجالِ فضلًا عن الصِّبيان والنُّسوان قَلْبَين ألبتَّة بوجهٍ من الوجوهِ.\nو﴿فِي جَوْفِهِ﴾ تأكيدٌ (^١)، وزيادةُ تصويرٍ للسَّامعِ ليكونَ إذا سمع تصوير جوف إنسانٍ مشتملًا على قلبَيْن، فيكون أسرعَ إلى الإنكار.\n﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ما جعل الزَّوجيَّة والأموميَّة في أنثى ولا الدَّعوة والبنوَّة في ذَكَرٍ، جَعَلَ نَفْيَ اجتماعِ القلبَيْن في جوفٍ أصلًا لانتفاءِ (^٢) الاجتماعَيْن الآخرَيْن.\nوذلكَ أنَّ العربَ تزعمُ أنَّ اللَّبيبَ له قلبان، ولذلك قيل لأبي مَعمر جميل بن أسد الفهري: ذو القَلْبَين، وكانَ رجلًا من أحفظ العرب وأرواهم، وكان يقول: إن لي قلبَيْن؛ أفهم بأحدهما أكثر ممَّا يفهم محمَّد، فأكذب الله تعالى قوله وقولهم (^٣).\nوضربه مثلًا في الظِّهار والتَّبني، فإنَّهم كانوا يقولون: المرأة المظاهَر عنها أمّ، ودَعِيُّ الرَّجلِ ابنُه.\n_________\n(^١) في (م): \"توكيد\".\n(^٢) في (ف) و(ي) و(ع): \"لانتفاع\".\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٨/ ٦). وروى نحوه الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٧ - ٨) عن ابن عباس ﵄ وقتادة وعكرمة بإبهام اسم الرجل.","vol":"8","page":217},{"text":"والمعنى: كما لم يجعلِ الله قلبَيْن في جوفٍ لأدائه (^١) إلى التَّناقض - وهو أنْ يكونَ كلّ منهما أصلًا لكلِّ القُوى وغيرَ أصلٍ - لم يجعل الزَّوجةَ والدَّعيَّ اللَّذَين لا ولادة بينهما وبين أمِّه وابنه اللَّذَين بينهما وبينه ولادة.\nومعنى الظِّهار: أنْ يقولَ للزَّوجةِ: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، مأخوذٌ مِن الظَّهر باعتبار اللَّفظ، كالتَّلبيةِ مِن لبَّيكَ، وتعديتُه بـ (من) لتضمُّنه معنى التَّجنُّب، لأنَّ الظِّهار كان في الجاهلية طلاقًا، فكانوا يجتنبون المرأة المظاهَر عنها كما يجتنبون المطلَّقةَ.\nونظيرُه: آلى مِن امرأته، فإنَّه عُدِّي بـ (من) لتضمُّنه معنى التَّباعد، وإلَّا فـ (آلى) بمعنى: حلفَ، فلا يُعدَّى بـ (من).\nوذِكْرُ الظَّهر في تشبيههم كنايةٌ عن البطن في التَّحريم، كأنَّهم تحاشوا عن ذكرِه لأنَّه يُقارِب ذِكْرَ الفرج، فكَنوا بالظَّهر عنه لأنَّه محمود البطن (^٢)، أو للتَّغليظ في التَّحريم، فإنَّهم كانوا يحرِّمون إتيان المرأة وظهرُها إلى السَّماء.\nوالأدعياءُ: جمع دَعِيٍّ، وهو المَدْعُوُّ ولدًا (^٣)، فَعيل بمعنى مَفعول، وحقُّه أنْ يجمع على فَعْلَى كجَرْحَى وقَتْلَى، والجمع على أفعلاء إنَّما يكون للفَعيل بمعنى الفاعل، كتَقِيٍّ وأتقياء، وشَقِيٍّ وأشقياء، فهو شاذّ عن القياس كقُتَلاءَ وأُسَراءَ، ووجهُه التَّشبيهُ اللَّفظيُّ.\n﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ، أو إلى الأخير.\n_________\n(^١) في (ف): \"لأدى\".\n(^٢) \"البطن\" زيادة من (ي) و(ع).\n(^٣) في (ك): \"وكذا \".","vol":"8","page":218},{"text":"﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، أي: لا حقيقةَ له ولا يطابقُ الواقع.\n﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ما لَهُ حقيقةٌ عينيَّةٌ مطابقةٌ (^١) له.\n﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾: سبيلَ الحقِّ.\nوفي فصلِ بعضِ الجملِ الواقعة في هذه الآية ووصلِ بعضِها ما لا يخفى على العالِمِ بعلمِ المعاني المتدرِّب في طريق (^٢) النَّظم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3538\"> </span>(٥) - ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿دْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، أي: انسبوهم إليهم، وهو إفراد للمقصود مِن أقوالِه الحقَّة، وقوله:\n﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تعليلٌ له، والضَّمير لمصدر (ادع).\nو﴿أَقْسَطُ﴾ هو أفعل المستعمل لمطلق الزِّيادة، مِن القِسْطِ بمعنى العَدْلِ، ومعناه: البالغ في الصِّدق.\n﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾؛ أي: إنْ لم تعرفوا آباءهم حتى تنسبوهم إليهم.\n﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾: فهم إخوانكم في الدِّين.\n﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: وأولياؤكم فيه، فقولوا: هذا أخي، و: هذا مولاي.\n_________\n(^١) في (ف)، و(ك) و(م): \"مطابق\"، وفي (ف): \"غنية \" بدل: \"عينية\".\n(^٢) في (م): \"بطريق\".","vol":"8","page":219},{"text":"﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: إثمٌ ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قبلَ النَّهي أو بعدَه على سبيل النِّسيان أو سَبْقِ اللِّسانِ.\n﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ولكنَّ الجُناحَ فيما تعمَّدْتُموه بعدَ النَّهي.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: يغفر للمخطئ ويعفو عنه، وعن العامد إذا تابَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3539\"> </span>(٦) - ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾.\n﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في كلِّ شيءٍ مِن أمور الدِّين والدُّنيا، فإنَّه لا يأمرُهم ولا يرضى منهم إلَّا بما فيه صلاحُهم وفلاحُهم، بخلاف أنفسِهم، فيجب أن يكونَ أحبَّ إليهم من أنفسِهم، وأمرُه أنفذَ عليهم مِن أمرِها، وشفقتُهم عليه أتمَّ وأقدَمَ من شفقتِهم عليها، وحقُّه آثرَ لديهم مِن حقوقِها، وأنْ يبذلُوها دونَه، وأنْ يثَّبعوا (^١) كلَّ ما دعاهم إليه وصرفَهم عنه.\nروي أنَّه ﵇ أرادَ غزوةَ تبوك، فأمرَ النَّاسَ بالخروج، فقالَ ناسٌ: نستأذِنُ آباءَنا وأمَّهاتِنا، فنزلَتْ (^٢).\nوفي قراءة ابن مسعود ﵁: (النَّبيُّ أولى بالمؤمنين مِن أنفسِهم وهو أبٌ لهم) (^٣)؛ أي: في الدِّين.\n_________\n(^١) في (ف): \"سبقوا\"، وفي (ك): \"يسبقوا\"، وفي (ي) و(ع): \"ينبغوا\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الماوردي\" (٤/ ٣٧٣)، و\"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ١٤٩٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٢٥). قال ابن العربي: موضوع.\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٣٥)، ورويت عن أبي بن كعب ﵁ في \"تفسير=","vol":"8","page":220},{"text":"وقال مجاهد: كلُّ نبيٍّ فهو أبو أمَّته (^١). من حيث إنَّه أصلٌ فيما به الحياة الأبديَّة، ولذلك صار المؤمنون إخوة.\n﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ كنايةٌ عق التَّحريم خاصَّة - ولذلك قالَتْ عائشةُ ﵂: لسنا أمَّهات النِّساء (^٢) - لا عنه وعن استحقاق التَّعظيم، إذ حينئذٍ يَنتظِم النِّساء، ويردُّه الأثرُ المذكور.\n﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: وذوو (^٣) القَرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ، وهو نسخُ ما كان في صدرِ الإسلام مِن التَّوارثِ بالموالاة في الدِّين وبالهجرة.\n﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في اللَّوح، أو: فيما أوحي إلى النَّبيِّ ﵇، وهو في هذه الآية، أو آية المواريث، أو فيما فرضَ الله تعالى.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ بيانٌ لـ (أولي الأرحامِ)، وتخصيصُ المهاجرين بالذِّكْرِ بعدَ التَّعميمِ لدفعِ ما عسى أنْ يسبقَ إلى الوهم من عدمِ تناول الحكم لهم لِمَا فيهم مِن فضيلة الهجرة.\nأو صلة لـ (أولي)، أي: وأولو الأرحام لحقِّ القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحقِّ الولاية في الدِّين، ومن المهاجرين بحقِّ الهجرة.\n﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ استثناءٌ مُفرَّغٌ مِن أعمِّ العام من معنى\n_________\n= عبد الرزاق \" (٢/ ٢١١)، وعن ابن عباس ﵄ في \"المستدرك (٣٥٥٦).\n(^١) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٢/ ٥٥٢)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٦/ ٢٠٣٥).\n(^٢) رواه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ٦٥ و٦٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٧٠).\n(^٣) في (ف) و(م): \"وذو\".","vol":"8","page":221},{"text":"النَّفع والإحسان. وانتصاب ﴿أَنْ تَفْعَلُوا﴾ على الظَّرف؛ أي: إلَّا وقتَ أنْ تفعلوا، وعدِّي بـ (إلى) لأنَّه في معنى: أنْ تُسْدوا (^١).\nوالمرادُ بفعلِ المعروفِ: التَّوصيةُ، وبالأولياءِ: المؤمنون والمهاجرون؛ لِمَا بينهم مِن الولاية في الدِّين؛ أي: الأقرباءُ بعضُهم أولى ببعضٍ مِن الأجانب في كلِّ نفعٍ مِن ميراثٍ وهديَّةٍ وهبةٍ وصدقةٍ ومعاوَنةٍ وغيرِ ذلك، إلَّا في التوصيَّة (^٢).\n﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيتَيْن جميعًا ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ في اللَّوحِ المحفوظِ، أو في القرآنِ، وقيل: في التَّوراةِ.\n﴿مَسْطُورًا﴾ مثبَتًا، أو مذكورًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3540\"> </span>(٧) - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ مقدَّر بـ (اذكرْ) ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾: عهودَهم بتبليغِ الرِّسالة والدَّعوة إلى الدِّين القيِّم.\n﴿وَمِنْكَ﴾ خصوصًا ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ تخصيصٌ للمشاهير وأصحاب الشَّرائع مِن الأنبياء ﵇ بالذِّكرِ؛ لبيانِ شرفِهم وفضيلتِهم، ولذلك قدَّمَ محمَّدًا (^٣) ﵇ على الجميع لكونه أفضلَهم، وإنَّما قدَّم عليه نوحًا في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أن سدوا\"، وفي (ك): \" أسدوا\"، وبالهامش: \" الإسداء: الإحسان\".\n(^٢) في (ك): \"الوصية\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"محمد\".","vol":"8","page":222},{"text":"إِلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣] لأنَّ الغرضَ مِن مساقِ الكلام ثمَّةَ بيانُ أصالةِ الدِّين وقِدَمِهِ واستقامَتِهِ، فكأنَّه قالَ: شرعَ لكم الدِّين الأصيل القديم الذي وصَّينا به نوحًا في العهد القديم، والذي أوحينا إليك في العهد الحديث، ووصَّينا به مَن توسَّط بينهما من الأنبياء المشاهير، فهو دينٌ أصيلٌ قديم، اتَّفق عليه وعلى إقامته (^١) الأنبياءُ كلُّهم ولم يتفرَّقوا فيه.\n﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ تكريرٌ للتَّوكيد، وزيادةُ وصفٍ للميثاقِ بالعِظَمِ وفخامةِ الشَّأنِ، ولذلك نكَّره وغلَّظه؛ أي: ميثاقًا موثَّقًا بالأيمان الغِلاظ.\nوسمَّاه ﴿مِيثَاقًا﴾ لا عهدًا دلالةً على توثيقه باليمين.\nوالغِلظُ استعارةٌ مِن وصف الأجرام لتصوير معنى القوَّة والوثاقة في الحسِّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3541\"> </span>(٨) - ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\n﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ تعليلٌ لـ ﴿أَخَذْنَا﴾، أي: أخذنا ميثاقَهم ليسألَ اللهُ تعالى يوم القيامة عندَ مواقفِ الأشهادِ المؤمنين الذين صدقوا عهدَهم حينَ أشهدَهم على أنفسِهم عن صِدق عهدهم، أو (^٢) الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عمَّا قالوه لقومِهم، أو تصديقهم إيَّاهم تبكيتًا لهم، أو المصدِّقين لهم عن (^٣) تصديقهم، فإنَّ مصدِّقَ الصَّادق صادقٌ.\n_________\n(^١) في (ف): \"اتفق عليه إقامة\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"و\".\n(^٣) تحرفت في (ف) و(ك) و(م) إلى: \"عند\".","vol":"8","page":223},{"text":"﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ عطفٌ على ﴿أَخَذْنَا﴾؛ لأنَّ المعنى: أكَّدَ على الأنبياء الدَّعوةَ إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعدَّ للكافرين، أو على ما دلَّ عليه لـ ﴿لِيَسْأَلَ﴾؛ أي: فأثابَ المؤمنين، وأعدَّ للكافرين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3542\"> </span>(٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ يعني: الأحزاب، وهم قريشٌ وغطفانُ ويهودُ قريظةَ والنَّضيرِ، وكانوا زُهاءَ اثني عَشَرَ ألفًا.\n﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ هي الصَّبا، قال ﵇: \"نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ\" (^١).\n﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هي الملائكةُ، رُوِيَ أنَّه ﵇ لَمَّا سمع بإقبالهم ضربَ الخندقَ على المدينةِ، ثمَّ خرج إليهم في ثلاثةِ آلافٍ، فضرب مُعَسكره (^٢) والخندقُ بينَه وبينَ القومِ، ومضى على الفريقَيْن قريبٌ مِن شهرٍ لا حربَ بينَهم إلَّا التَّراميَ بالنَّبْلِ والحجارةِ، حتى بعثَ اللهُ تعالى عليهم صبًا باردةً في ليلةٍ شاتيةٍ، فأَخصرتهم (^٣) وسفَتِ التُّراب في وجوهِهِم، وأطفأَتْ نيرانَهم، وقلعَتْ خيامَهم، وماجَت الخيلُ بعضُها في بعضٍ، وقُذِفَ في قلوبِهم الرُّعْبُ، وكَبَّرَتِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (١٠٣٥)، ومسلم (٩٠٠)، من حديث ابن عباس ﵄.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بعسكره\".\n(^٣) أي: أوقعتهم في الخَصَر؛ وهو البرد، في \"الصحاح\" (مادة: خصر): الخصَر بالتحريك: البرد، وقد خَصِرَ الرجل: إذا آلمه البرد في أطرافه.","vol":"8","page":224},{"text":"الملائكةُ في جوانب العسكرِ، فقال طليحةُ بن خويلد الأسدي: أمَّا محمَّدٌ فقد بدأَكُمْ بالسِّحرِ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فانهزموا مِن غيرِ قتالٍ (^١).\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾: مِن ضَرْبِ الخندقِ وغيرِه ﴿بَصِيرًا﴾.\nوقرئ بالياء (^٢)، أي: بما يعملُ المشركون واليهودُ مِن التَّحزُّبِ والتَّضام (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3543\"> </span>(١٠) - ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.\n﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل مِن ﴿إِذْ جَاءُتْكُمْ﴾.\n﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: مِن أعلى الوادي مِن قِبَلِ المشرفِ بنو غَطفان.\n﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، أي: مِن أسفل (^٤) الوادي مِن قِبلِ المغربِ (^٥) قريشٌ.\nلم يقل: ومن تحتكم، مع ما فيه من رعاية المقابلة والاختصار، إظهارًا لِمَا في مقابلِه مِن التَّجوُّز، وإنَّما اختير ذلك لأنَّه أحسنُ لفظًا ومعنًى من: أعلى منكم (^٦).\n﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾: مالَتْ عن مُستوى نظرها حيرةً وشخوصًا.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٢٦)، و\"تفسير الماوردي\" (٤/ ٣٧٩).\n(^٢) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٧).\n(^٣) في (ف): \" الخير والتضار\"، وفي (م): \"من الحرب والتصام\"، وفي (ك): \"الحربِ والتَّرامي\".\n(^٤) \"من أسفل\" سقط من (ك).\n(^٥) في (ك): \"الغرب \".\n(^٦) في (ع): \"ومن أعلى منكم \"، وسقطت من (ف) و(ك).","vol":"8","page":225},{"text":"﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ رُعبًا، فإنَّ الرِّئةَ تنتفخُ عندَ شدَّة الخوف، فتربو ويرتفع القلبُ بارتفاعها.\nبلوغُ القلبِ الحنجرة مثل في شدَّة الخفقانِ واضطرابِ القلبِ؛ فإنَّ صاحبَ الخفقانِ الشَّديدِ يتوهَّمُ مِن شدَّةِ انتفاخ الرِّئةِ أنَّ قلبَه بلغَ الحنجرةَ، وهي رأسُ قصبة الرِّئة، وهي مخرج النَّفَسِ.\n﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: الظُّنونَ المختلفةَ، والخطابُ (^١) للمؤمنين، فمنهم الأقوياء الثُّبَّتُ الأقدام، يظنُّون الابتلاءَ مِن الله تعالى وإنجازَ وعدِه بالنَّصر، ومنهم مَن يخافُ الزَّللَ وضعفَ الاحتمال، ومنهم الضِّعافُ (^٢) الذين يشكُّون في أمرِهم ويستأذنون، والمنافقون - على ما حكى الله تعالى عنهم - يظنُّون أنَّ المسلمِينَ يُستأصَلونَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3544\"> </span>(١١) - ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.\n﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: اختُبِروا ليتميَّزَ المخلِصُ مِن المنافقِ والثَّابتُ مِن المتزلزِلِ.\n﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾: وأُزْعِجوا أشدَّ إزعاجٍ (^٣) مِن شِدَّة الفَزَعِ، فالزِّلزالُ: الاضطرابُ العظيمُ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"الخطاب \".\n(^٢) في (ف): \"الضعفاء\".\n(^٣) في (ف): \" إزعاجًا \"، وفي (ك): \"انزعاج \".","vol":"8","page":226},{"text":"<span id=\"aya-3545\"> </span>(١٢) - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.\n﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعفُ اعتقادٍ.\n﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾: وعدًا باطلًا، أرادوا به ما وعدَهُ اللهُ تعالى مِن إعلاءِ الدِّين والظَّفَرِ على المشركين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3546\"> </span>(١٣) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.\n﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ هم (^١) أوسُ بنُ قَيْظيٍّ ومَن وافَقَهُ.\n﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾: اسم المدينة، وقيل: اسم أرضٍ وقعَتِ المدينةُ في ناحيةٍ منها.\n﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: لا مَوضِعَ قيامٍ لكم هاهنا.\nوقرئ بالضَّم (^٢) على أنَّه مكانٌ أو مصدرٌ مِن أقام.\n﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى المدينة، وانخَزِلُوا (^٣) عن معسكرِ الرَّسولِ إلى منازلِكم.\nوقيل: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بالمدينةِ أنْ نقيمَ على دينِ محمَّدٍ، ﴿فَارْجِعُوا﴾ كفَّارًا مشركين، وأسلِموا محمَّدًا حتى يمكنكم المقام بها.\n﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ للرُّجوعِ.\n_________\n(^١) في (م): \"هو\".\n(^٢) أي: بضم الميم، وهي قراءة حفص، وقرأ باقي السبعة بفتحها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٨).\n(^٣) في (ف): \"وانخربوا \".","vol":"8","page":227},{"text":"﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ بسكون الواو وبكسرها (^١)، فالعَوْرَةُ بالسُّكون: الخللُ، مبالغةً في وصفِها بالعَوَرِ، كأنَّ أنفسَها عورة، وبالكسرِ: ذاتُ العَوَرِ؛ يقال: عَوِرَ المكانُ عَوَرًا: إذا بدا فيه خَللٌ يُخافُ منه العدوُّ والسَّارق، ويجوز أن يكون (عَوْرَة) مخفَّف (عَوِرة).\n﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينةٌ.\n﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: وما يريدون بذلك إلا الفِرار مِن القِتالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3547\"> </span>(١٤) - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.\n﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾: دُخِلَتِ المدينةُ أو بيوتُهم.\n﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾: من جوانبِها، وحذف الفاعل للإيماءِ بأنَّ دخولَ هؤلاء المتحزِّبين عليهم، ودخولَ غيرهم من العساكر، سيَّانِ في اقتضاء الحكم المترتِّبِ عليه.\n﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾: الرِّدَّةَ ومقاتلةَ المسلمين.\n﴿لَآتَوْهَا﴾: لأَعْطَوها؛ وقرئ بالقصر (^٢)؛ أي: لجاؤوها وفعلوها.\n﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾؛ أي: بالفتنة، أو: بإعطائها ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ ريثما يكون السُّؤال والجواب مِن غير توقُّف.\n_________\n(^١) بالسكون قراءة الجمهور، ونسبت قراءة الكسر لابن عباس وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٨).\n(^٢) وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٨).","vol":"8","page":228},{"text":"أو: بالمدينة؛ أي: ما لبثوا بها بعدَ الارتداد إلَّا زمانًا يسيرًا، أو لبثًا يسيرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يهلكُهم ويستأصلُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3548\"> </span>(١٥) - ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارِ﴾ عن ابن عباس ﵄: عاهدوا رسولَ اللهِ ﵇ ليلةَ العقبةِ أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسهم (^١).\nوقيل: قوم غابوا عن بدرٍ، فقالوا: لَئِنْ أشهدَنا اللهُ قتالًا لنقاتِلن (^٢).\nوعن محمَّدِ بنِ إسحاقَ هم بنو حارثةَ، عاهدوا يومَ أُحُدٍ رسولَ اللهِ ﵇ حينَ فَشِلُوا، ثمَّ تابوا أنْ لا يفروُّا (^٣) بعدَ أنْ نزلَ فيهم ما نزلَ.\n﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عن الوفاءِ به، مجازًى عليه؛ أي: شأنه (^٤) ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3549\"> </span>(١٦) - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ نفعًا تامًّا في دفعِ الأمرَيْن\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٢٨). وذكره السمعاني في \"تفسيره\" (٤/ ٢٦٧)، والثعلبي في \"تفسيره\" (٥/ ٩٢)، والبغوي في \"تفسيره\" (٣/ ٥١٧) عن مقاتل والكلبي. قال السمعاني والبغوي: وهذ القول ليس بمرضى؛ لأن الذين بايعوا النبي ﷺ ليلة العقبة لم يكن فيهم شاك ولا من يقول هذا القول.\n(^٢) في (م): \"لنقابل\"، وفي باقي النسخ: \"لنقاتل \"، والمثبت من \"الكشاف\" (٨/ ٥٢٨).\n(^٣) في (ك): \"يعيدوا\"، وفي (م): \"يغزوا\"، وفي (ف): \"يعدوا\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"أن شأنه\".","vol":"8","page":229},{"text":"المذكورَيْن بالكليَّة؛ إذْ لا بُدَّ لكلِّ شخصٍ مِن حَتْفِ أنفٍ أو قتلٍ في وقتٍ، لا لأنَّه سبق به القضاء لأنَّه تابع للمقضيِّ (^١) فلا يكون باعثًا له، بل لأنَّه مقتضَى ترتُّب الأسباب والمسبَّبات بحسب العادة على مقتضى الحكمة، فلا دلالة فيه على أنَّ الفِرارَ لا يغني شيئًا حتى يُشْكِلَ هذا بالنَّهي الواقع في الكتاب عن إلقاءِ النَّفسِ بالتَّهلُكة وبالأمرِ الواقِع في السُّنَّةِ بالفرار عن المضارِّ، كيف وقد دلَّ (^٢) قولُه:\n﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ على أنَّ في الفرارِ نفعًا (^٣) في الجملةِ؛ إذِ المعنى: لا تمتَّعون على تقديرِ الفرار إلَّا مَتاعًا قليلًا أو زمانًا قليلًا (^٤).\nوعن بعض المروانيَّة: أنَّه مرَّ بحائط مائل فأسرع، فتليت له هذه الآية، فقال: ذلك القليلَ نطلب (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3550\"> </span>(١٧) - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\n﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ممَّا أرادَ اللهُ إنزالَه بكم ﴿اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(ي): \"لأنَّه تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم وهو المقتضى. منه \".\n(^٢) في (م) زيادة: \"في\".\n(^٣) في (ع) و(ي): \"نفع\"، والمثبت من باقي النسخ.\n(^٤) انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ١٦٤)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ٢٢٤). وقد عزاه الآلوسي لبعض الأجلة، وبينما أطال الشهاب في تعقبه، اقتصر الآلوسي على القول: (وفيه ما فيه، فتأمل).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٢٩). وسماه ابن عبد ربه في \"العقد\" (٣/ ١٥٢): الوليد بن عبد الملك.","vol":"8","page":230},{"text":"سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ العصمةُ: هي المحافظةُ من السُّوء فلا يكون مِن الرَّحمةِ، فاقترانُها بالسُّوء في حكمِ العصمة على طريقة عطف عاملٍ حُذِفَ وبقي معمولُه على عاملٍ آخر يجمعُهما معنًى واحدٌ اختصارًا، أي: أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكم رحمةً.\nويجوز أن تكون الرَّحمةُ قرينةَ السُّوء في العِصمةِ؛ لأنَّها في معنى المنعِ، كما كان الرُّمحُ قرينَ السيَّفِ في قولِه:\nمتقلِّدًا سيفًا ورمحًا (^١)\nفي التَّقلُّدِ؛ لأنَّه في معنى الحملِ فلا يحتاجُ إلى تقديرِ: ومعتقِلًا (^٢).\n﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ الضَّررَ عنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3551\"> </span>(١٨) - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ ﴿قَدْ﴾ هنا للتَّحقيق، وإنْ دخلَ على المضارع.\n﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾: المثبِّطينَ النَّاسَ عن الرِّسول ﵇، وهم المنافقون.\n﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ مِن ساكني المدينةِ:\n﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة الأنعام.\n_________\n(^١) عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى، وهو في ديوانه (ص: ٣٢)، و\"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة (٢/ ٦٨)، و\"الخصائص\" لابن جني (٢/ ٤٣١)، وغيرها، وصدره:\nيا ليت زوجك قد غدا\n(^٢) في (م) و(ك): \"ومقتولًا\"، وفي هامش (ك): \"ومعتقلًا \".","vol":"8","page":231},{"text":"﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: إتيانًا قليلًا، أو: زمانًا قليلًا، أو: ناسًا قليلًا\" أي: يخرجون معكم يوهمون المؤمنين أنَّهم معهم ولا يقاتلون إلَّا قتالًا قليلًا إذا اضطروا إليه، لقوله: ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠] (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3552\"> </span>(١٩) - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.\n﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: بخلاءَ عليكُم (^٢) وقتَ الأمنِ، أو بالمعاونة، أو النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ، أو (^٣) الغنيمةِ عندَ الظَّفرِ.\nجمعُ شحيحٍ، نصب على الحال مِن فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، أو ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، أو ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾، أو على الذَّمِّ.\n﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾؛ أي: وقت الحرب ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ لواذًا بك ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في موضعِ الحالِ، أي: دائرة أعينهم. والكاف في:\n_________\n(^١) قوله: \"أو ناسا قليلا أي يخرجون معكم يوهمون المؤمنين أنهم معهم ولا يقاتلون إلا قتالا قليلا\" سقط من (ي)، وقوله: \"أو ناسا قليلا\" سقط من (ع)، والعبارة كلها سقطت من (ف) و(ك)، والمثبت من (م).\nوفي (ي): \"أو زمانًا قليلا إذا اضطروا إليه لقوله وما قاتلوا إلا قليلا\".\nوفي (ع): \"أو زمانًا قليلا أي يخرجون معكم يوهنون المؤمنون أنهم معهم ولا يقاتلون إلا قتا لا قليلا إذا اضطروا إليه لقوله وما قاتلوا إلا قليلا\".\n(^٢) \"عليكم \"ليست في (ف) و(ك).\n(^٣) في (ف): \"و\".","vol":"8","page":232},{"text":"﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ﴾ في موضع النَّصب على المصدر: إما مِن ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: نظرًا مثلَ نظر الذي يُغشَى عليه، أو مِن ﴿تَدُورُ﴾؛ أي: دورانًا مثلَ دوران عَيْنِ الذي يُغشَى عليه.\n﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: مِن شِدَّةِ سكراتِ الموتِ خوفًا أو جُبْنًا (^١).\n﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحيزت الغنائم ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: ضربوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾: ذَربةٍ يطلبون الغنيمة، بعدَ أنْ كانَتْ حصرةً بالخوف.\nقال قُطْرُب: سلقْتُ المرءَ وصلقْتُ؛ أي: صحْتُ به، وأصلُه: رفعُ الصَّوتِ.\nقال ﵇: \"ليس منَّا مَنْ حَلَقَ أو سَلَقَ\" (^٢)؛ أي: حلَقَ شعرَه عند المصيبة، أو رفع صوته بالنِّياحة.\n﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ حالٌ من ضمير ﴿سَلَقُوكُمْ﴾، أو نصب على الذَّمِّ، ويؤيِّده مَن قرأه بالرَّفع (^٣)، وليس بتكريرٍ؛ لأنَّ كلًّا منهما يفيد فائدةً أخرى.\n﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ إخلاصًا والفاء في: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ للسَّببيَّة؛ أي: أبطلَ اللهُ تعالى ما عملوه مِن أعمالِ البِرِّ بسبب نفاقِهم وعدم إيمانهم حقيقة، فإنَّه شرطُ صحَّة العبادة وقَبولها.\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: هيِّنًا؛ لتعلُّق إرادته مِن غيرِ مانعٍ يمنعُه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"خوفًا وحسًّا\"، وفي (م): \"خوفًا وجئنا\".\n(^٢) روى نحوه البخاري (١٢٩٦)، ومسلم (١٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٧٦)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ٢٩٩).","vol":"8","page":233},{"text":"<span id=\"aya-3553\"> </span>(٢٠) - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ مِن شدَّة الجبنِ والخوفِ، ففرُّوا إلى المدينة وقد انهزمَ الأحزابُ، وهم مِن استيلاءِ الفَزَعِ عليهم لا يصدِّقونَ بذلك.\n﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرَّةً أخرى ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ تمنَّوا أنَّهم خارجون إلى البدوِ بينَ (^١) الأعرابِ ﴿يَسْأَلُونَ﴾ كلَّ قادمٍ مِن جانبِ المدينةِ ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ وما جرى عليكم.\n﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ هذه الكرَّة، ولم يفرُّوا إلى المدينةِ، ووقع قتالٌ ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾: إلَّا قتالًا قليلًا؛ رياءً وخوفًا مِن التعيير.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3554\"> </span>(٢١) - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾: خصلةٌ ﴿حَسَنَةٌ﴾ يجبُ أنْ يُؤتَسى به، وهي المصابرة على الجهاد، والثَّبات في المحاربة، ومقاساة الشَّدائدِ.\nوالأولى بفصاحة القرآن أن تكون ﴿فِي﴾ [في] (^٢) قوله: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ للتَّجريد؛ أي: لقد كان لكم رسولُ الله بنفسِه أُسوةٌ حسنةٌ؛ أي: هو قدوةٌ يجبُ أنْ يُقتدَى به، كما تقولُ: لي من فلان صديقٌ صادق، ومعناه: المبالغةُ في الصَّداقة؛ كأنَّ فيه مِن كمال صداقتِه صديقٌ آخرُ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"إلى البدوين\"، وفي (ي): \"إلى المدينة\".\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"8","page":234},{"text":"﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ يرجو ثوابَ اللهِ، أو لقاءَه والعاقبةَ المحمودةَ، وهي نعيمُ الآخرة، أو أكَد أم اللهِ واليومَ الآخر خصوصًا.\nويجوزُ أن يكون ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ مِن باب التَّوطئةِ، كما تقولُ: رجوْتُ زيدًا وفضلَه (^١)؛ أي: فضلَ زيدٍ.\nوالرَّجاءُ هاهنا يجوز أن يكون بمعنى الأمل، وبمعنى الخوف.\nو﴿لِمَنْ كَانَ﴾ صفةٌ لـ ﴿حَسَنَةٌ﴾، أو صفةٌ لـ ﴿أُسْوَةٌ﴾، وقيل: بدلٌ من ﴿لَكُمْ﴾، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥]، والأكثر على (^٢) أنَّ ضميرَ المخاطَب لا يُبدَلُ منه.\n﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قرَنَ الرَّجاءَ بالذِّكرِ الكثيرِ المؤدِّي إلى ملازمةِ الطَّاعةِ؛ لئلَّا يكون رجاؤه طَمعًا فارغًا؛ فإنَّ المقتديَ برسول الله ﷺ مَن كانَ كذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3555\"> </span>(٢٢) - ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.\n﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لأنَّهم وُعِدوا أنْ يُزَلْزَلوا (^٣) حتى يستغيثوا ويستنصِروه في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وفي قوله ﵇: \"سيشتدُّ (^٤) الأمرُ باجتماعِ الأحزابِ عليكم، والعاقبةُ لكُم\n_________\n(^١) في (ف): \"فضله\"، والمثبت من باقي النسخ و\"الكشاف\" (٣/ ٥٢٩).\n(^٢) \"على\" سقط من (م).\n(^٣) في (ك) و(م): \"ينزلوا\"، وفي (ف): \"يتنزَّلوا\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"سيشتد\"، وفي (ف): \"يستشهد\".","vol":"8","page":235},{"text":"عليهم\" (^١)، وقوله ﵇: \"إن الأحزاب سائرون إليكم بعد تسع أو عشر\" - أي: في آخرِ تسعِ ليالٍ أو عشرٍ - فلمَّا رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك (^٢).\nو﴿هَذَا﴾ إشارة إلى الخَطْبِ أو البلاءِ، إيمانًا بالله وبوعدِه، وتسليمًا لقضائِه وقدرِه.\nوإظهارُ الاسمَيْن في قولِه: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ للتَّعظيمِ؛ أي: ظهرَ صِدْق خبرهما، أو صَدَقا في النَّصر والثَّواب كما صَدَقا في البلاء.\n﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ضمير الفاعل فيه لِمَا رأوا، أو لِلمُشَارِ إليه بـ ﴿هَذَا﴾ مِنَ الخَطْبِ أو البلاء.\n﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ باللهِ ومواعيدِه ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأوامرِه وتقاديرِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3556\"> </span>(٢٣) - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ التَّنكير للتَّفخيم.\n﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: صَدَقوا فيما عاهدوا عليه من الثَّبات مع الرَّسول، والمصابرة على قِتالِ أعداءِ الدِّين، فحذف الجارّ كما في المثل: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ (^٣)؛ أي: صَدَقَني في سِنِّ بَكرِهِ.\n_________\n(^١) ذكره البيضاوي في \"تفسيره\" (٤/ ٢٢٩)، ولم يتكلم عليه المناوي في \"الفتح السماوي \" (٣/ ٩٢٨).\n(^٢) قال ابن حجر: لم أجده. انظر: \"الكاف الشاف\" (ص: ١٣٣).\n(^٣) انظر: \"الأمثال\" لأبي عبيد (ص: ٤٩)، و\"جمهرة الأمثال\" للعسكري (١/ ٥٧٥)، و\"فصل=","vol":"8","page":236},{"text":"نذرَ رجالٌ مِن الصَّحابة ﵃ أنَّهم إذا لَقُوا حربًا مع رسولِ الله ﷺ ثَبتوا وقاتلوا حتى يُستَشهَدوا، وهم عثمانُ بنُ عفَّانَ، وطلحة، وسعدُ بنُ زيدٍ، وحمزةُ، ومصعبٌ، وغيرُهم ﵃ (^١).\nويجوز أنْ يُجعَلَ المعاهَدَ عليه مَصدوقًا على المجازِ، كأنَّهم قالوا له: سنفي بك، فإذا وفَوا به فقد صَدَقوه، مِن قولِكَ: صَدَقني أخوك: إذا قالَ لكَ الصِّدقَ.\n﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾: نَذْرَهُ (^٢) بأنْ قاتلَ حتَّى استُشْهِد كحمزةَ ومصعبٍ وأنسٍ ﵃.\nقيل: والنَّحْبُ استعارةٌ للموتِ؛ فإنَّ الموتَ لازمٌ لكلِّ حيوان، فكأنَّه نَذْرٌ لازمٌ في رقبتِهِ، فإذا ماتَ قضى نحبَه.\nكأنَّ هذا القائلَ غافلٌ عن النَّذرِ المذكور في سببِ النُّزولِ؛ لأنَّ مُوجَبه أنْ يكونَ النَّحْبُ على حقيقتِه، وقضاء نذرِهم (^٣) يجوز أنْ يكونَ كنايةً عن شهادتِهم.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ كعثمانَ وطلحةَ ﵄.\n﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ العهدَ، ولا غَيَّروه، لا المستشهَدُ ولا مَنِ انتظرَ الشَّهادة.\n_________\n= المقال\" للبكري (ص: ٤١). وقوله: (سنّ) يجوز فيه الرفع والنصب، فالنصب على المعنى الذي ذكره المصنف، والرفع بجعل الصدق للسنِّ توسعًا. وأصل المثل يدلُّ عليه. انظر: \"القاموس\" (مادة: بكر).\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٣٢). وقد ثبت في السنة أنها نزلت في أنس بن النضر، وقد نذر كما نذر الصحابة المذكورون، رواه البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣)، من حديث أنس ﵁.\n(^٢) \"نذره\" زيادة من (م) و(ي) و(ع).\n(^٣) في (ف): \"وقضائه\".","vol":"8","page":237},{"text":"ولقدْ ثبَتَ طلحةُ مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحِدٍ حتَى أصيبَتْ يدُه، فقال رسول الله ﷺ: \"أوجَبَ طلحةُ\" (^١)؛ أي: الجنَّة.\n﴿تَبْدِيلًا﴾: شيئًا مِن التَّبديل، تعريضًا لِمَن بَدَّلَ مِن أهلِ النِّفاقِ وتبديلِهم، ولذلك قال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3557\"> </span>(٢٤) - ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ تعليلًا للمَنطوقِ، والمعرَّضُ به جَعْلُ المنافقين كأنهم قَصدوا بالتَّبديل عاقبةَ السُّوءِ كما قصدَ الصَّادقون بوفائِهم عاقبةَ الصِّدقِ، فاللَّامُ مجازٌ للعاقبةِ، فإنَّها وإنْ أمكنَ حملُها على الحقيقة بالنِّسبة إلى الصَّادقين، لكنْ لا يمكِنُ حملُها عليها بالنِّسبة إلى المنافقين؛ لأنَّ التَّعذيب لم يكن غرضًا لهم، ولا يُستعمل اللَّفظُ الواحدُ حقيقةً ومجازًا في استعمالٍ واحدٍ، فيجبُ حملُها على المجازِ؛ لأنَّ كِلَا الفريقَيْنِ مَسوقٌ إلى عاقبتِه (^٢) مِن الثَّواب والعقاب.\n﴿إِنْ شَاءَ﴾ إذا لم يتوبوا ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إذا تابوا، ويجوزُ أنْ يُرادَ: يعذِّبُهم إنْ شاءَ أو يوفِّقُهم للتَّوبةِ.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٧٣٨) من حديث الزبير ﵁ فال: كان على رسول الله ﷺ يوم أحد درعان فنهض إلى صخرة، فلم يستطع فأقعد تحته طلحة، فصعد النبي ﷺ حتى استوى على الصخرة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"أوجب طلحة\". قال: حسن صحيح غريب.\n(^٢) في (ك): \"عاقبة\".","vol":"8","page":238},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا﴾ بقَبولِ التَّوبةِ ﴿رَحِيمًا﴾ يغفرُ الحَوْبَةَ (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3558\"> </span>(٢٥) - ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.\n﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب.\n﴿بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ حالان متداخلان أو متعاقبان (^٢)؛ أي: متغيِّظينَ (^٣) غيرَ ظافرين، ويجوز أنْ تكونَ الثَّانيةُ بيانًا للأولى، واستئنافًا (^٤).\n﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالرِّيحِ والملائكةِ، و﴿وَكَفَى﴾ هنا بمعنى: وقى، يتعدَّى لاثنين، وإذا كانَتْ بمعنى (حسب) فالأكثر في لسان العرب أن يكون الفاعلُ مصحوبًا بالباء نحو: كفى بالله.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ على إحداثِ ما يريدُه ﴿عَزِيزًا﴾: غالبًا على كلِّ شيءٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3559\"> </span>(٢٦) - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.\n﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾: ظاهَروا الأحزاب (^٥) ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: قريظة.\n_________\n(^١) في (م): \"يعفو الحوبة\"، وفي (ي): \"بعفو الحوبة\"، وفي (ع): \"يعف الحوبة\".\n(^٢) في (ع): \"متداخلتان أو متعاقبتان\"، وفي (ت) و(ي): \"متداخلتان أو متعاقبان\".\n(^٣) في (ف) و(م) و(ع): \"مغيظين\"، وفي (ي): \"يغظين\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"أو استئنافا\".\n(^٥) في (ف): \"هم الأحزاب\".","vol":"8","page":239},{"text":"﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، أي: مِن حصونِهم، جمع صِيصِيَة، وهي ما يُتحصَّنُ به مِن حصنٍ وغيره.\n﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾: الفزعَ والخوفَ.\n﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ إنَّما أخَّره عن قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ﴾ وغيَّر النَّظمَ للدِّلالة على أنَّ الكلَّ منحصِرٌ في الفريقَيْن.\nقيل: كان بنو قريظة ذمَّة (^١) رسول الله ﷺ، فنقضوا العهدَ باستدعاءِ أبي سفيانَ، وجاؤوا لمحاربة المسلمين، فلمَّا فرغَ رسولُ الله ﷺ من قريشٍ، ودخل الحُجْرةَ، ووضع (^٢) السِّلاح، سمعَ وجبة على باب الحجرة، فنظرَ فإذا هي جبريلُ ﵇ على فرسٍ أبلقَ وعلى ثيابه (^٣) النَّقع، فقال: يا رسول الله، وضعت السِّلاح ونحنُ ما وضعنا أسلحتنا بعدُ! إنَّ الله تعالى يأمرُكَ أنْ لا تصلِّيَ العصر إلَّا ببني قريظة، فنادى رسول الله ﷺ بذلك (^٤) في المسلمين، فخرجوا إليه، ولحقَ بهم رسولُ الله ﷺ، وحاصرَهم أحدًا وعشرين يومًا، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، فحكم بأنْ يُقتَلَ مقاتليهم ويُسبَى ذراريهم ونساؤهم، وتُغنم أموالُهم، فقال ﵇: \"لقد حكمْتَ بحكمِ اللهِ تعالى فيهم \"، ففعل ذلك، ومَنَّ اللهُ تعالى على المسلمين بذلك (^٥).\n_________\n(^١) في (ك): \"في ذمة\".\n(^٢) في (ي): \"فوضع \".\n(^٣) في (ك): \"ثناياه \".\n(^٤) في (ك) و(م): \"لذلك\".\n(^٥) انظر القصة بتمامها في \"السيرة النبوية\" لابن هشام (٢/ ٢٣٣)، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي (٤/ ٥)، و\"تفسير الطبري\" (١٩/ ٧٢).","vol":"8","page":240},{"text":"<span id=\"aya-3560\"> </span>(٢٧) - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.\n﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾: مزارعَهم ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾: حصونَهم ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾: نقودَهم ومواشيهم وأثاثهم؛ أي: جعلَها لكم بعدَهم.\n﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾؛ أي: لم تصيروا إليها بعدُ قاصدين قتالَ أهلِها، وهذا وعدٌ لهم بإحراز أرضٍ أخرى، قيل: هي أرض فارس والرُّوم، وقيل: هي مكَّة، وقيل: هي خيبر وفَدَك.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فيقدِرُ على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3561\"> </span>(٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ ذِكْرُ ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ توطئةٌ وتمهيدٌ (^١) للاختصاص؛ أي: إنْ كُنتُنَّ تردْنَ زينةَ الحياةِ الدُّنيا، وكذا ذِكْرُ ﴿اللَّهَ﴾ في ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فإنَّه لاختصاص الرَّسولِ به.\n_________\n= وروى الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢٤٩٩٢): عن عائشة، أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب، دخل المغتسل ليغتسل، فجاء جبريل ﵇، فقال: أوقد وضعتم السلاح، ما وضعنا أسلحتنا بعد، انهد إلى بني قريظة.\nوقول النبي ﷺ لما رجع من الأحزاب: \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\" رواه البخاري (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠)، عن ابن عمر ﵄. ونزول قريظة على حكم سعد ﵁ وما جاء بعده رواه البخاري (٤١٢١)، ومسلم (١٧٦٨)، عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^١) في (ف) و(ي) و(ع): \"وتمهيدًا\".","vol":"8","page":241},{"text":"﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أصل تعالَ: أنْ يقولَه مَن في المكان المرتفع العالي لمن في المكان المستوطي، ثمَّ كثرَ حتى استوَتْ في استعماله الأمكنة.\nومعنى (تعالَيْنَ) هنا: أقبلْنَ بإرادتِكُنَّ واختيارِكُنَّ لأحَدِ أمرَيْنِ، ولم يُرِدْ نهوضهُنَّ إليه بأنفسهِنَّ، كقولِكَ: قامَ يهدِّدني.\n﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾: أُعْطِكُنَّ (^١) متعةَ الطِّلاقَ.\n﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ التَّسريحُ كنايةٌ عن رفعِ النكّاحِ، وذلك بوقوعِ البينونةِ.\n﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾: لا ضرارَ فيه، أردْنَ شيئًا مِن الدُّنيا مِن ثيابٍ وزيادةِ نفقةٍ، وتغايرْنَ، فغمَّ ذلك رسولَ اللهِ ﷺ فنزلَتْ، فبدأ بعائشةَ ﵂، وكانت أحبَّهُنَّ إليه فخيَّرها، وقرأ عليها القرآنَ، فاختارَتِ اللهَ ورسولَه والدَّار الآخرة، فرُئِيَ الفرحُ في وجهِ رسولِ اللهِ ﷺ، ثمَّ اختارَتْ جميعُهنَّ اختيارَها (^٢)، فشكرَ لهنَّ اللهُ فأنزلَ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٢] (^٣).\nوتعليقُ التَّسريحِ بإرادتهنَّ زينةَ الدُّنيا وجعلُها قسيمةَ إرادتهنَّ (^٤) الرَّسولَ دليل على أنَّها إذا اختارَتْ زوجَها لا تقعُ البينونة، وأمَّا أنَّه لا يقع الطَّلاق أصلًا فلا دلالة فيما ذُكِرَ عليه؛ لِمَا نبَّهْتُ عليه آنفًا أنَّ التَّسريحَ ينبئ عن البينونةِ.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"أعطيكن \".\n(^٢) رواه بنحوه رواه البخاري (٤٧٨٥) ومعلقا بصيغة الجزم (٤٧٨٦)، ومسلم (١٤٧٥)، والترمذي (٣٢٠٤)، عن عائشة ﵂.\n(^٣) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٨٦ - ٨٧) عن قتادة والحسن. ورواه بنحوه دون عبارة: \" فشكر … \" البخاري (٤٧٨٥) - ومعلقًا بصيغة الجزم (٤٧٨٦) -، ومسلم (١٤٧٥)، والترمذي (٣٢٠٤)، عن عائشة ﵂.\n(^٤) في (م): \"لإرادتهن\".","vol":"8","page":242},{"text":"وتقديمُ التَّمتيع على التَّسريح المسبَّبِ عنه مِن الكرمِ وحُسْنِ الخلقِ.\nوقرئ: (أمتعُكُنَّ وأسرحكُنَّ) بالرَّفعِ على الاستئنافِ (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3562\"> </span>(٢٩) - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ تنكيرُ ﴿أَجْرًا﴾ للتَّعظيم، أي: أجرًا عظيمًا يُسْتَحقَرُ دونَه الدُّنيا وزينتُها، و(من) للتَّبيينِ لأنَّهنَّ كلَّهنَّ محصنات، وإنَّما عدل فيه عن مقتضى الظَّاهر للدِّلالة على سببِ استحقاقِهنَّ لأصلِ الأجرِ، وللمزيَّةِ فيه على سائرِ المحصناتِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3563\"> </span>(٣٠) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.\n﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: سيئةٍ بليغةٍ في القُبْحِ.\n﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرٍ (^٢) فُحشُها، مِن بيَّن بمعنى: تبيَّن.\n﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضِعْفَي عذابِ غيرهنَّ مِن النِّساء، أي: مثلَيْه؛ لأنَّ ما قَبُحَ مِن سائرِ النِّساء كانَ أقبحَ منهنَّ، فزيادةُ قبحِ المعصية يتبعُ زيادةَ فضلِ\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٩).\n(^٢) في (ك) و(ي) و(ع) و(م): \"ظاهرة\".","vol":"8","page":243},{"text":"العاصي، وزيادةُ العقابِ تتبعُ زيادةَ قبحِ المعصية، ولذا فضل (^١) حدُّ الأحرارِ على العبيدِ، ولا يرجم (^٢) الكافرُ، وعُوتِبَ الأنبياءُ ﵈ بما (^٣) لا يُعاتَبُ به غيرُهم مِن الصَّغائرِ.\n﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾، أي: التضعيف ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لا يمنعُه عنه كونهنَّ نساءَ النَّبيِّ ﵇، بل هو السَّببُ له، فكيفَ يصيرُ صارفًا عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3564\"> </span>(٣١) - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾.\n﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ تدم (^٤) على الطَّاعةِ ﴿لِلَّهِ﴾ تعالى ﴿وَرَسُولِهِ﴾ ﵇، وذكر (الله) هنا كَذِكْرِه في قوله: ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ لأنَّ طاعتَه طاعةُ اللهِ، كما قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].\n﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾: مرَّةً على الطَّاعةِ، ومرَّةً على طلبهنَّ رضاءَ النَّبيِّ ﵇ بالقَناعةِ وحُسْنِ المعاشرة.\nوقرئ: ﴿ويعمَلْ﴾ (^٥) أيضًا بالياء حملًا على لفظ (من)، و﴿يُؤْتِهَا﴾ على أن فيه ضميرَ اسم الله (^٦).\n_________\n(^١) في (ف): \"وكذا فصل \".\n(^٢) في (ف) و(ك) و(م): \"فلا يرجم \".\n(^٣) في (ف): \"مما\".\n(^٤) في النسخ عدا (ك): \"تديم \"، والمثبت من (ك).\n(^٥) في (ك): \"يعمل \".\n(^٦) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٩).","vol":"8","page":244},{"text":"﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ في الجنَّةِ زيادةً على أجرِها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3565\"> </span>(٣٢) - ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.\n﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ في الفضلِ.\nو(أحد) في الأصل: وَحَدٌ بمعنَى واحدٍ، واستُعمل في النَّفي العام مستويًا فيه المذكَّر والمؤنَّث والواحد وما فوقه، ولذلك جاء هاهنا بمعنى جماعة واحدة مِن جماعات النِّساء.\n﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ الظَّاهر أنَّه بمعنى: استقبلتُنَّ (^١) أحدًا.\n﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾: فلا تقلْنَ قولًا خاضعًا ليِّنًا حسنًا، كقول المُرِيْبات (^٢).\nواتَّقى بمعنى استقبل معروفٌ في اللُّغة؛ قال النَّابغةُ:\nسقطَ النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَهُ … فَتَناوَلَتْهُ واتِّقَتْنا باليَدِ (^٣)\nأي: استقبلَتْنا باليد، وهذا المعنى أبلغُ في مدحهِنَّ؛ إذْ لم يُعَلِّقْ فضيلتَهُنَّ على التَّقوى، ولا عَلَّقَ نهيَهُنَّ عن الخضوع بها؛ إذ هُنَّ مُتَّقياتٌ في أنفسهنَّ، والتعليقُ ظاهرُه يقتضي أنهنَّ لسْنَ مُتحلِّيات بالتَّقوى (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"استقبلن \".\n(^٢) في (م): \"كقولة المريبات\"، وفي (ف): \"كقول المرتبات\"، وفي (ك): \"كقول المربيات\".\n(^٣) انظر: \"ديوان النابغة - بشرح ابن السكيت\" (ص: ٣٤). والنصيف: الخمار.\n(^٤) هذا الوجه في تفسير الآية ذكره أبو حيان في \"البحر\" (١٧/ ٣١٨) واختاره، لكن تعقبه الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢١/ ٢٨٠) بقوله: (وفيه: أن اتَّقَى بمعنى: استقبل، وإن كان صحيحًا لغةً، وقد ورد=","vol":"8","page":245},{"text":"﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾: ريبةٌ وفجورٌ. وقرئ بالجزم (^١) عطفًا على محلِّ النَّهي على أنَّه نهيٌ لمريض (^٢) القلب عن الطَّمع عقيب نهيهنَّ عن الخضوع بالقولِ، أي: لا يخضعْنَ فلا يطمعِ الفاجرُ.\n﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: حسنًا مع كونه خَشنًا بعيدًا عن الرِّيبةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3566\"> </span>(٣٣) - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.\n﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ مِن وَقَرَ يَقِرُ وقارًا، أو مِن قَرَّ يَقِرُّ قَرارًا بحذف الأوَّل من راءَي اِقْرِرْنَ ونقلِ كسرتها إلى القاف، والاستغناءِ بها عن همزة الوصل، كقولك: ظِلْنَ، بكسر الظَّاء.\nوقرئ: ﴿وَقَرْنَ﴾ بفتح القاف (^٣)، وأصلُه اِقرَرْنَ، فحُذِفَتِ الرَّاءُ، ونُقِلَتْ فتحتُها إلى القافِ، كقولكَ: ظَلْنَ (^٤) بالفتح.\n_________\n= في القرآن كثيرًا كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الزمر: ٢٤]، إلا أنه لا يتأتى هاهنا؛ لأنَّه لا يستعمل في ذلك المعنى إلا مع المتعلق الذي تحصل به الوقاية، كقوله سبحانه: ﴿بِوَجْهِهِ﴾ وقول النابغة: باليد، وما استَدَل به أمره سهل).\n(^١) نسبت لأبي السمال وأبان بن عثمان وابن هرمز. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١١٩)، و\"\" (٢/ ١٨١)، و\"البحر\" (١٧/ ٣١٩).\n(^٢) في (ك): \"لمريضي\".\n(^٣) قراءة نافع وعاصم، وباقي السبعة بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٩).\n(^٤) في (ك) و(م): \"طلن\".","vol":"8","page":246},{"text":"وقيل: مِنْ قارَ يقارُ: إذا اجتمعَ، ومنه: القارَةُ للخيل لاجتماعِه.\n﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ التَّبرُّجُ: الخروج بالزِّينة.\n﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾: تبرُّجًا مثل تبرُّجِ النِّساءِ في أيَّامِ الجاهليَّة القديمة (^١)، التي يُقالُ لها: الجاهلية الجهلاء، وهي الزَّمنُ الذي وُلدَ فيه إبراهيم ﵇، كانَتِ المرأةُ تلبسُ الدِّرعَ من اللُّؤلؤِ، فتمشي وسط الطَّريق تعرضُ نفسَها على الرِّجال.\nوقيل: ما بين آدم ونوحٍ ﵉.\nوقيل: بين إدريس ونوحٍ ﵉.\nوقيل: زمن (^٢) داود وسليمان.\nوالجاهليَّةُ الأخرى: ما بينَ عيسى ومحمَّدٍ ﵉.\nويجوز أن تكون الجاهليَّة الأولى: جاهليَّةُ الكُفْرِ قبلَ الإسلام، والجاهليَّة الأخرى: الفسوق في الإسلام؛ أي: لا تُحدِثْنَ بالتَّبرُّج جاهليَّة (^٣) في الإسلام تتشبَّهْنَ بها بأهل جاهليَّة الكفر.\nويعضده ما رُوِيَ أنَّ رسول الله ﷺ قال لأبي الدَّرداء ﵁: \"إنَّ فيك جاهليَّة\"، قالَ: جاهليَّةُ كفرٍ أم إسلامٍ؟ قال: \"بل جاهليَّةُ كفرٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ولا تبرجن التبرج مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية الأولى القديمة\".\n(^٢) \"زمن \"من (ي) و(ع).\n(^٣) في (ك): \"الجاهلية\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٣٧) عن ابن زيد مرسلًا. رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٩٩). وهو في الصحيحين عن أبى ذر. ولم يقل: جاهلية كفر … إلى آخره. رواه البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) من حديث أبي ذر ﵁.","vol":"8","page":247},{"text":"﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائرِ ما أمرَ به ونهى عنه، أمرَهُنَّ بالصَّلاة والزَّكاة على الخصوصِ، ثمَّ بالطَّاعةِ على العموم، اعتناءً بشأنِهما، وإيماءً إلى ألَهما أصلُ جميعِ الطَّاعات البدنيَّة والماليَّة، مَن اعتنى بهما حقَّ الاعتناءِ جرَّتاه إلى جميعها.\n﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ﴾ استئنافٌ لتعليلِ أمرهِنَّ ونهيهِنَّ بما أمرهنَّ به ونهاهنَّ عنه.\n﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾: الذَّنب المدنِّس لعرضكم.\n﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب على النِّداء أو على المدح.\n﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ عن المعاصي ﴿تَطْهِيرًا﴾ استعار الرِّجسَ للمأثم، والطُّهرَ للتَّقوى؛ للتَّنفيرِ عن القبائحِ، والتَّرغيبِ في المحاسنِ.\nوفي (^١) التَّصريح والتَّخصيص بأهل البيت تعظيمٌ للنَّبي ﵇ وبيانٌ لشرفِ أهلِ بيتِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3567\"> </span>(٣٤) - ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾.\n﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ لَمَّا وعظهُنَّ بما يزكِّي نفوسهُنَّ جمعَ إلى أعمال التَّزكية ما يحلِّي قلوبهنَّ مِن العلم والحكمة، فذكَّرهنَّ ما يُتلَى في بيوتهنَّ مِن الكتاب الجامع بينَ الآيات الدَّالة على التَّوحيد والنُّبوَّة، وبينَ الحِكَم والشَّرائع المقنَّنة (^٢) ..........................................................\n_________\n(^١) في (ف): \"ومن\".\n(^٢) في (ف): \"المتقنة\".","vol":"8","page":248},{"text":"بقوانين العدالة في مهابط الوحي ومنازل العلم والهداية، فيجب عليهنَّ أن يحفظْنَه ولا يغفلْنَ عنه.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ حيثُ حثَّ على (^١) ما يصلحُكم وينفعُكم، فأنزلَ عليكم وأخبركم به، وفيه تحريضٌ على الائتمار والانتهاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3568\"> </span>(٣٥) - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.\n﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾: الداخلين في السِّلم (^٢)، المنقادين لحكم الله.\n﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: المصدِّقين بما يجبُ أنْ يصدَّقَ به.\n﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ المداوِمين على الطَّاعة.\n﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في نيَّاتهم وأحوالِهم وأعمالِهم.\n﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ على الطَّاعات وعن المعاصي.\n﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ المتواضعين لله، المخبِتين إليه بقلوبهم وجوارحهم.\n﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ بما وجبَ في مالهم.\n﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ الصَّومَ المفروض.\n_________\n(^١) في (ي) و(ع): \"حيث على\"، وفي (ف) و(م): \"حيث علم \".\n(^٢) في (م): \"الداخلين في السلام \"، وفي (ي): \"الداخلين في المسلم \"، وسقطت من (ف) و(ك).","vol":"8","page":249},{"text":"﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ عن الحرام.\n﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ بقلوبهم وألسنتهم.\n﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لِمَا اقترفوا مِن الصَّغائرِ التي لا يخلو الإنسان منها بحكم البشريَّة، لأَنَّها مكفِّراتٌ ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على الطَّاعات.\nرُويَ أنَّ أزواجَ النَّبيِّ ﵇ قلْنَ: يا رسولَ اللهِ، ذَكَرَ اللهُ الرِّجال في القرآن بخيرٍ، فما فينا خيرٌ نُذْكَرُ به؟ إنَّا نخافُ أنْ لا يُقبَلَ منَا طاعةٌ، فنزلَتْ (^١).\nوقيل: لَمَّا نزلَ فيهنَّ قال نساء المسلمين: فما نزل فينا شيء؟ فنزلَتْ (^٢).\nوعطفُ الإناثِ على الذُّكورِ ضروريٌّ؛ لكونهما صنفَيْن مختلفَيْن تحتَ جنسٍ واحدٍ، فلا بُدَّ مِن توسيط (^٣) العاطف، وأمَّا عطف الزَّوجَيْنِ على الزَّوجَيْنِ لتغايُرِ الوصْفَيْنِ فليس بضروريٍّ، وإلَّا لَمَا تُرِكَ في قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، وفائدتُه الدِّلالة على أنَّ إعداد (^٤) المُعَدِّ لهم للجمع بينَ هذه الصِّفات (^٥).\n_________\n(^١) روى الإمام أحمد في \"مسنده\" (٢٦٦٠٣) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ، تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه يومئذ إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسرح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى حجرة من حجر بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: \" يا أيها الناس، إن الله يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى آخر الآية، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. ورواه بنحوه النَّسَائِيّ في \"الكبرى\" (١١٣٤٠) و(١١٣٤١).\n(^٢) روى نحوه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٣/ ١١٦)، وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٨/ ٢٠٠) عن قتادة.\n(^٣) في (ف): \"توسط \".\n(^٤) في (م): \"ما أعد لهم المعد لهم\".\n(^٥) في هامش (ع) و(ف) و(م) و(ي): \"فهو من باب ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، لا من باب: ﴿فَأَنَّ=","vol":"8","page":250},{"text":"<span id=\"aya-3569\"> </span>(٣٦) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.\n﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صَحَّ ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ أتى بأداة الجمعِ دونَ التَّفريقِ للدِّلالة على أنَّ أحدَ القضاءَينِ لا ينفكُّ عن الآخرِ، فإنَّ قضاءَ اللهِ لا يظهَرُ إلَّا مِن جهةِ الرَّسولِ، وقضاؤُه لا يكون إلَّا بأمرِ اللهِ.\n﴿أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ وهيَ (^١) ما يُتخيَّر، وجمعُ الضَّميرِ على المعنى، فإنَّ النَّكرةَ في سياقِ النَّفيِ تفيدُ العمومَ.\n﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وهذا الجمعُ للتَّعظيمِ؛ أي: لا يجوزُ لهم أن يختاروا مِن أمرِهم شيئًا، بل يجبُ عليهم أنْ يجعلوا اختيارَهم تبعًا لاختيارِ اللهِ ورسولِه.\n﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾: بيِّنَ الانحرافِ عن الصَّواب.\nوسببُ نزوله: أنَّه خطبَ رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ بنتَ جحشٍ بنتَ عمَّتِه على مو لاه زيدِ بنِ حارثة، فاسبتْ وأبى أخوها عبدُ اللهِ، فنزلَتْ، فقا لا: رضينا يا رسولَ اللهِ، فأنكحَها إيَّاه (^٢).\n* * *\n_________\n= لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾. منه\". وفيها عدا (م): \"ترضوه\".\n(^١) في (ف) و(ك): \"هي\".\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٣٩). وروى نحوه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٤/ ٣٩)، والدارقطني في \"سننه\" (٣/ ٣٠١). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٤٧): رواه الطبراني وفيه حفص بن سليمان وهو متروك وفيه توثيق لين. ووقع في النسخ: \"فنحكها\"، والمثبت من \"الكشاف\".","vol":"8","page":251},{"text":"<span id=\"aya-3570\"> </span>(٣٧) - ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.\n﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بتوفيقِه للإسلامِ، وتوفيقِكَ لعِتقِه (^١) واختصاصِهِ.\n﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بعِتقِه وتربيتِه، وما وفَّقكَ اللهُ في حقِّه؛ يعني: زيدًا.\n﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: زينب، وذلكَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أبصرَها بعد ما أنكحها إيَّاه، فوقعت في نفسه، فقال: سبحانَ اللهِ مقلِّبِ القلوبِ، وسمعَتْ زينبُ التَّسبيحةَ فذكرَتْها لزيدٍ، ففطِنَ لذلك، وألقى اللهُ في نفسِه كراهةَ صحبتِها، فأتى النَّبيَّ ﷺ فقالَ: أريدُ أنْ أفارقَ صاحبتي، فقال: \"ما لَكَ؟ أرابَكَ منها شيء؟ \"، فقال: لا واللهِ ما رأيْتُ منها إلَّا خيرًا، ولكن لشرفِها تتعظَّم (^٢) عليَّ، فقال له: \"أمسِكْ عليكَ زوجَك\" (^٣)، أمرَهُ بإمساكِها.\n_________\n(^١) في (م): \"بعتقه \".\n(^٢) في (ف): \"تتعاظم \".\n(^٣) قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٣/ ١١١): غريب بهذا اللفظ. وقال ابن حجر في \"الكاف الشاف\" (ص: ١٣٤): ذكره الثعلبي بغير سند، وأخرج الطبري [في \"تفسيره\" (١٩/ ١١٦)] معناه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قوله.\nوانظر كلام القاضي عياض في الرد على أمثال هذه الأخبار في كتابه \"الشفا\"، وقد نقل عن القشيري قوله: وكيف يقال: رآها فأعجبَتْه، وهي بنتُ عمَّتِه، ولم يزَلْ يرَاها منذُ وُلدَت، ولا كان النساءُ يحتجِبْنَ منه ﵇؟ وهو زوَّجَها لزيدٍ، وإنَّما جعلَ اللهُ تعالى طلاقَ زيدٍ لها، وتزويجَ النبيِّ ﷺ إياها، لإزالةِ حرمةِ التبنِّي وإبطالِ سنَّتِه؛ كما قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧].","vol":"8","page":252},{"text":"وزيادة ﴿عَلَيْكَ﴾ لتضمين (^١) معنى الحبس؛ أي: احبسها ولا تطلِّقْها (^٢).\n﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرِها، ولا تطلِّقها تعلُّلًا بتعظُّمِها (^٣) وتكبُّرها.\n﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ مِن نكاحِها إنْ طلَّقها زيدٌ، وهو الذي أبداه الله تعالى ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾؛ أي: قالَةَ (^٤) النَّاسِ بأنَّه نكحَ امرأةَ ابنِه.\nو(تخفي) عطف على ﴿تَقُولُ﴾.\n﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ حال، أي: حقيقًا في ذلك أنْ تخشى اللهَ، أو اعتراض، أي: واللّهُ أحقُّ أنْ تخشاه في كلِّ حالٍ.\nويجوزُ أن يكون الواو في ﴿وَتُخْفِي﴾ واو الحال على: وأنت تُخفي؛ أي: تقولُ: أمسك مُخْفِيًا في نفسِك ما الله مبديه.\nوكذا في ﴿وَتَخْشَى﴾ يحتمل العطفَ، أي: تجمع بين أن تقولَ وتُخفي وتَخشى، والحال، أي: تخفي في نفسك خاشيًا قالة (^٥) النَّاسِ فيك.\n_________\n= وقال أيضا: وأصحُّ ما في هذا ما حكاه أهلُ التفسيرِ عن عليِّ بن الحسينِ ﵄: أنَّ اللهَ تعالى كان أعلمَ نبيَّه ﵇ أنَّ زينبَ ستكونُ من أزواجِه، فلمَّا شكَاها إليه زيدٌ قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وأخفَى في نفسِه ما أعلمَه اللهُ تعالى به من أنَّه سيتزوَّجُها ممَّا اللهُ مُبدِيه ومُظهِرُه بتمامِ التزويجِ وطلاقِ زيدٍ لها. قلت: رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ١١٦ - ١١٧)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٤٦٦).\n(^١) في (ف): \"لتضمن\".\n(^٢) في هامش (ف) و(ي): \"كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. منه \".\n(^٣) في (ف) و(ك) و(ي): \"بتعظيمها\".\n(^٤) في (ك): \"قال\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"مقالة\"، وفي (ف): \"حالة\".","vol":"8","page":253},{"text":"وليس العتابُ في الإخفاءِ وحدَه؛ فإنَّه أحسن، بل في الإخفاء مخافةَ قالةِ النَّاس فيه، وإظهارِ ما ينافي إضمارَه، فإنَّ الأَولى أنْ يصمُتَ فيه أو يفوِّض الأمرَ إلى رأيه (^١)، حتى لا يخالِفَ سرُّه علانيَته؛ لأنَّ الأنبياء ﵈ كذلك.\nوعن عائشة ﵂: لو كتمَ رسولُ الله ﷺ ممَّا أوحيَ إليه لكتمَ هذه الآية (^٢).\n﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ إذا تعلَّقَتْ (^٣) همَّةُ الرَّجلِ بشيءٍ وبلغَ حاجته منه قيل: قضى منه وطرَه؛ أي: فلمَّا لم يبقَ لزيدٍ فيها حاجةٌ، وطابَتْ عنها نفسُه، وطلَّقَها، وانقضَتْ عدَّتُها.\nوقيل: قضاء الوطر كنايةٌ عن الطلاق نحو: لا حاجة لي فيك (^٤).\n﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾، وقرئ: (زَوَّجْتكها) (^٥)، أي: أمرنا بتزويجها منك، أو: تولَّينا تزويجَها منك، ويؤيِّدُه أنَّها كانت تقول لنساءِ النَّبيِّ ﵊:\n_________\n(^١) كذا في جميع النسخ، وفي \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٣٣): (ربِّه)، وفي \"روح المعاني\" (٢١/ ٣٢١): (رأي زيد).\n(^٢) رواه البخاري (٣٢٠٧)، والطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ١١٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٤/ ٤١). ولفظ البخاري: (لو كان النبي ﷺ كاتمًا شيئًا من الوحي لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]).\n(^٣) في (ك): \"ابتلغت\".\n(^٤) في (ف) و(م) و(ك) وقع قوله: \"وقيل: قضاء الوطر كناية عن الطلاق نحو لا حاجة لي فيك\" بعد قوله: \"زوجناكها\".\n(^٥) نسبت لعلي بن أبي طالب والحسن والحسين ﵃. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٤٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٨٧).","vol":"8","page":254},{"text":"إنَّ اللهَ تعالى تولَّى إنكاحي، وأنتُنَّ زوجكُنَّ أولياؤكُنَّ (^١).\nإلَّا أنَّ انطباق التَّعليل الآتي ذكرُه على الأوَّل.\nوقيل: كان السَّفير في خطبتها زيدٌ (^٢)، وذلك ابتلاءٌ عظيمٌ، وشاها بيِّنٌ على قوَّةِ إيمانِه.\n﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ تعليلٌ للتَّزويج، وهو دليل على أنَّ حكمَه ﵊ وحكمَ المؤمنين واحد إلَّا ما خصَّه (^٣) الدَّليل.\nوقضاءُ الوطر هنا كناية عن الطَّلاقِ؛ لأنَّ الحكم المذكور غير مشروطٍ ببلوغِ الحاجةِ منهنَّ.\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ جملة اعتراضيَّةٌ؛ أي: وكان أمرُه الذي يريدُ تكوينَه مكوَّنًا لا محالة، كما كان تزويجُ زينبَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3571\"> </span>(٣٨) - ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.\n﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾؛ أي: قسمَ له وقدَّر، مِن قولهم: فرضَ له في الدِّيوان كذا، ومنه فروض العسكر لأرزاقِهم.\n_________\n(^١) روى نحوه البخاري (٧٤٢٠)، والترمذي (٣٢١٣).\n(^٢) رواه مسلم (١٤٢٨).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"خصصه\".","vol":"8","page":255},{"text":"﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾: اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدر، وهو مؤكِّد لِمَا تقدَّمَ؛ أي: سنَّ اللهُ سنّة.\n﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ في الأنبياء الماضين ﵈، وهو نفيُ الحرجِ عنهم فيما أباحَ لهم، وتوسعةٌ عليهم في باب النِّكاح وغيره، وقد كان لداود ﵇ مئةُ امرأةٍ وثلاثُ مئة سريَّةٍ، ولسليمان ﵇ ثلاثُ مئة حرَّة وسبعُ مئة سريَّة (^١).\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: قضاءً مقضيًّا وحكمًا مقطوعًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3572\"> </span>(٣٩) - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.\n﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ﴾ مجرور، وصفٌ لـ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾، أو نصبٌ على المدح، أو رفعٌ عليه.\n﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ تعريضٌ بعد التَّصريح في قوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾: كافيًا للمخاوف، أو محاسبًا للصَّغيرة والكبيرة، فيجب أن لا يُخشَى حقَّ الخشية إلَّا منه.\n_________\n(^١) وقال القاضي ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (٤/ ٥٥) مشيرًا إلى تضعيف هذه الرواية: قِفوا حيث وقف بكم البيان بالبرهان دون ما تتناقله الألسنة من غير تثقيف للنقل والله أعلم.\nوالذي ورد في الصحيح كما رواه البخاري (٣٤٢٤) ومسلم (١٦٥٤) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: قال: سليمان بن داود: لأطوفنَّ اللَّيلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل شيئًا إلا واحدًا، ساقطًا أحد شقَّيه.","vol":"8","page":256},{"text":"<span id=\"aya-3573\"> </span>(٤٠) - ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\n﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ أي: لم يكن أبا رجلٍ منكم على الحقيقة حتى يَثبت بينه وبينه ما بين الأب وابنه من حرمة المصاهرة وغيرها.\nولا يَنتقِضُ عمومُه بكونه ﵇ أبًا للطَّاهر والطَّيِّب والقاسم وإبراهيم؛ لأنَّهم لم يبلغوا مبلَغَ الرجال.\nقيل: ولو بلغوا كانوا رجالَه لا رجالَهم. ولا وجهَ له لِمَا ستقفُ أنَّ التَّأكيد بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ينتظِمُ معَه.\nولا بكونه أبًا للحسَنَيْنِ؛ لأنَّه قُصد المولودُ منه، لا ولَدُ الولَدِ.\n﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (^١) بالنَّصب عطفًا على ﴿أَبَا أَحَدٍ﴾.\nوكلُّ نبيٍّ أبو أمَّته من حيثما إنَّه يعلِّمهم ويربِّيهم، ويجب جمليهم تعظيمُه وتوقيره، وعليه شفقتُهم ونصيحتهم، لا في سائر الأحكام، وزَيْدٌ منهم، وحكمُه حكمُهم فيما ذُكِرَ، لا أنَّه وُلدَ منه، والادِّعاء والتَّبنِّي من باب الاختصاص والتَّقريب لا غير.\nوقرئ: (رسولُ اللهِ) بالرَّفع (^٢) على أنَّه خبرُ محذوفٍ؛ أي: ولكنْ هو رسولُ اللهِ.\nوقرئ: (ولكنَّ) بالتَّشديد (^٣) على حذف الخبر، تقديره: ولكنَّ رسولَ اللهِ مَن عرفتُموه؛ أي: لم يعشْ له ولَدٌ ذكرٌ.\n_________\n(^١) في (م) و(ع): \"ولكن كان \".\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٠).\n(^٣) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٠)، وقال: عن أبي عمرو، ذكره ابن مجاهد.","vol":"8","page":257},{"text":"﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أي: وكانَ خاتَمَ النَّبيِّين وآخرَهم الذين (^١) ختمَهم على قراءة الكسرِ، أو خُتِموا به على قراءة الفتح (^٢)، بمعنى الطَّابع.\nولو كان له ابنٌ بالغٌ لكان نبيًّا؛ لِمَا رُويَ أنَّه ﵇ قال حين توفِّي إبراهيمُ: \"لو عاشَ لكان نبيًّا\" (^٣)، فلم يكنْ هو خاتَمًا (^٤)، فهو مؤكَد لكونِه ليس أبا أحدٍ من الرِّجال.\nولا يقدح في ذلك نزول عيسى ﵇، لا لأنَّه إذا نزل كان على دينه؛ لأنَّه لا ينافي استقلاله في النُّبوَّة، إنَّما ينافي استقلاله في الرِّسالة، بل لأنَّه ﵇ كان نبيًّا قبلَه ﵇ لا بعدَه، فلا ينافي كونَه خاتمًا للأنبياء على أنَّه آخرُهم بعثةً.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيعلم مَن يليق بأنْ تُختَم به النُّبوَّة، وكيف ينبغي شأنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3574\"> </span>(٤١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: اذكروا اللهَ بأصنافِ الذِّكرِ مِن التَّقديس والتَّمجيد والتَكبير والتَّهليل، وكلُّ ما هو أهلُه مِن أنواع الثَّناء.\n* * *\n_________\n(^١) \"الذين\" سقط من (ك).\n(^٢) قرأ عاصم بفتح التاء وباقي السبعة بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٩).\n(^٣) قال عنه النووي في \"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١١٦): باطلٌ وجَسارة على الكلام في المغيِّباتِ، ومجازَفةٌ وهجومٌ على عظيم مِن الزِّلاتِ.\n(^٤) في (م): \"خاتم \".","vol":"8","page":258},{"text":"<span id=\"aya-3575\"> </span>(٤٢) - ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.\n﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ تخصيصُ التَّسبيح بالذِّكر مِن بينِ سائرِ الأذكار بيانٌ لفضلِه واختصاصِه بالشَّرفِ؛ لأنَّ التَّنزيهَ أفضلُ (^١) الأذكارِ، مقدَّم على كلِّ حمدٍ وثناءٍ.\nوالتَّقييدُ بالوَقْتَيْنِ المذكورَيْنِ لذلك أيضًا، أي: لبيانِ فضلِهما وشرفِهما، لكونِهما طَرَفي اللَّيل والنَّهار، ومجتَمعَ الملائكة ومختلَفَهما (^٢)، ويجوزُ أنْ (^٣) يُرَاد بهما الدَّوام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3576\"> </span>(٤٣) - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾: بالرَّحمةِ ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ بالاستغفار والاهتمام بما يصلحُكم.\nوالصَّلاة المشتركة بينَ (^٤) اللهِ تعالى وملائكتِه هي إقامةُ الخيرات والكمالات ممَّا (^٥) يُسعدُ المؤمنين في الدارين ويكمِّلُهم، أو العناية بذلك، مستعارة مِن الصَّلاة التي هي شرفٌ وكمالٌ لهم، ولهذا علَّله بقوله:\n﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾: مِن ظُلُماتِ الكفر والمعاصي.\n_________\n(^١) في (ي) و(ع): \"أصل \".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"ومحتفلهما\".\n(^٣) في (ف) زيادة: \"يكون \".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"من \".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"بما\".","vol":"8","page":259},{"text":"﴿إِلَى النُّورِ﴾ إلى نورِ الإيمانِ والطَّاعاتِ.\nولَمَّا كانتِ الملائكةُ واسطةَ الفيضِ كان لهم مدخلٌ في الأمداد النُّوريَّة الكماليَّة.\nوقيل: هي الرَّحمةُ والرَّأفةُ والتَّعطُّف المعنويَّة استُعيرَتْ من الصَّلاة المشتملة على الحنوِّ والانعطاف في الرُّكوع والسُّجود للحنوِّ والانعطاف الصُّوريِّ، كانعطاف العائد على المريض، والمرأة على ولدها، ثمَّ نُقِلَ بكثرة الاستعمال إلى التَّرحم (^١) والتَّرؤُّف المعنويَّيَنِ، ومنه قولهم: صلَّى الله عليك (^٢)، أي: ترحَّم وترأَّف، ولأنَّ الملائكةَ وسائط الرَّحمة ومستجابو الدَّعوة في الاستغفار لهم نُسِبَتِ الرَّحمة إليهم، كما نُسِبَتْ إلى الله على أنَّ الاستغفار ترحُّمٌ، ويؤيِّدُه قولُه:\n﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حيث اعتنى بصلاحِ أمرِهم، وإنافة (^٣) قدرهِم، واستعمَلَ في ذلك ملائكتَه المقرَّبين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3577\"> </span>(٤٤) - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.\n﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ مِن إضافة المصدر إلى المفعول؛ أي: يُحيَّوْنَ.\n﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾: يومَ القيامة، أو عندَ الموتِ، أو الخروج مِن القبرِ، أو دخول الجنَّةِ.\n﴿سَلَامٌ﴾. بإخبار السَّلامةِ عن كلِّ مكروهٍ وآفةٍ، والتَّنكيرُ للتَّعظيمِ.\n_________\n(^١) في (ك): \"إلى الترحم\".\n(^٢) في (م): \" ﷺ عليك\".\n(^٣) في (ف) زاد: \"أمرهم\".","vol":"8","page":260},{"text":"﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ في الجنَّة، وتغييرُ النَّظمِ في ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ و﴿وَأَعَدَّ﴾ للمبالغة فيما هو أهمُّ وأدَلُّ على الكرامة، وللمحافظة على الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3578\"></span><span id=\"aya-3579\"> </span>(٤٥ - ٤٦) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَن بُعِثْتَ عليهم بقَبول القولِ في تصديقهم وتكذيبهم، وطاعتهم ومعصيتهم، وهو حال مقدَّرة.\n﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا﴾؛ أي: الإقرار به وبتوحيدِه (^١) وبما يجبُ الإيمانُ به مِن صفاتِه.\n﴿بِإِذْنِهِ﴾: بتيسيره، لَمَّا كانَ التَّصرُّف للغير في حقِّ المالك متعذِّرًا إنَّما يتيسَّر بالإذن، استُعِيرَ الإذن للتَّيسير والتَّسهيل؛ إيذانًا بأنَّ دعاءَ أهلِ الشِّرك والجاهلية إلى التَّوحيد والإسلام أمرٌ صعبٌ متعذِّرٌ لا يُستطاع (^٢) إلَّا إذا سهَّلَهُ اللهُ تعالى ويسَّره، ولا يصحُّ حملُه على الحقيقةِ؛ لأنَّ قولَه: (أرسلناك داعيًا) يغني عن الإذن بمعناه الوضعي.\n﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ شُبِّهَ النَّبيُّ ﵊ بالسِّراج لاستضاءة مَن تحيَّر (^٣) في ظلماتِ الجهل بنورِه، واهتداءِ مَن ضلَّ بضوئه، ولأنَّه قد جَلَّى اللهُ تعالى ظلماتِ الشِّرك بنورِ توحيدِه، أو نوَّرَ البصائر بنورِ هدايتِه، كما ينوِّرُ الأبصارَ بنور السِّراج.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بتوحيده \".\n(^٢) في (ك): \"متعذر الاستطاعة\".\n(^٣) في (ك): \"من هو\".","vol":"8","page":261},{"text":"وبولغ في وصفِه بالإنارة لأنَّ (^١) مِن السُّرج (^٢) ما لا ينير.\nوقيل: ذا سراجٍ منيرٍ، على أنَّ السِّراج (^٣) مستعارٌ للقرآن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3580\"> </span>(٤٧) - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾؛ أي: عطاءً واسعًا، أو ثوابًا جزيلًا، أو فضيلةً (^٤) على سائرِ الأمم.\nوصفَه بخمسِ صفاتٍ، ثمَّ قابل كلًّا منها بخطابٍ يناسبُه:\nوصفَه بكونِه ﴿شَاهِدًا﴾ وأضمر ما يقابله بدلالة عطف ﴿بَشِّرِ﴾ عليه، فإنَّه مقابل لـ ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ فيجب أن يكون معطوفًا على ما يناسب الوصف الذي عُطِفَ عليه ﴿وَمُبَشِّرًا﴾، وهو: فراقبْ أمَّتك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3581\"> </span>(٤٨) - ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\nوقابلَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنَّهي عن موافقة (^٥) الكفار والمبالاةِ بهم الوارد في قوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (^٦) فإنَّ ذلك أشدُّ الإنذار، كأنَّه\n_________\n(^١) في (ف): \"وبولغ في وصفها لأن \".\n(^٢) في (م): \"السراج\".\n(^٣) من قوله: \"وبولغ .. \" إلى هنا سقط من (ي) و(ع).\n(^٤) في (ف) و(م): \"وفضيلة\".\n(^٥) في (ع) و(ي): \"مواقعة\".\n(^٦) \"ودع أذاهم\" ليست في (م) و(ي) و(ع).","vol":"8","page":262},{"text":"قالَ: خلِّهم وشأنهم، فأنا أكفيك (^١)، وذلك تهييجٌ له ﵇ على ما هو عليه من مخالفتهم.\nوقابل ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، بقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (^٢) فإنَّه ميسِّرُ كلِّ (^٣) عسيرٍ.\nو﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: موكولًا إليه الأمرُ في الأحوال كلِّها؛ لأنَّ مَن أنارَه برهانًا على جميع خلقِه حقيق بأنْ يُكتَفى به عن غيرِه، ولا يُستعانَ إلَّا بِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3582\"> </span>(٤٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ النكّاحُ: العقدُ.\nوتخصيصُ ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ مع أنَّ الحكم المذكور يستوي فيه المؤمنات والكتابيَّات، تعليمٌ لِمَا هو الأَولى وتحريضٌ عليه، فإنَّ الأَولى بالمؤمن أن يتخيَّرَ لنطفتِه ولا يختارَ للنَّسلِ إلَّا الطَّيبةَ الطَّاهرة، وجاء في المائدة بيانُ الجوازِ.\nومعنى التَّراخي في: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ دفع لِمَا عسى أنْ يُتوهَّم أنَّ تراخيَ الطَّلاق مدَّةً يمكن فيها الإصابةُ مؤثِّر (^٤) في العدَّة كما في النَّسب.\n_________\n(^١) في (ك): \"أكفيكهم\"، وفي (ف) و(م): \"أكفيكم\".\n(^٢) في (م) و(ي) و(ع): \"وح أذاهم وتوكل على الله\".\n(^٣) في (م): \"لكل\".\n(^٤) في (ع) و(ي): \"مؤثرا\"، وفي (ف) و(ك): \"مؤثرة\".","vol":"8","page":263},{"text":"﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ المساسُ (^١) كنايةٌ عن الجِماعِ.\n﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾: أيَّامٍ يَتربَّصْنَ فيها بأنفسهنَّ.\n﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾: تستوفونَ عددَها، مِن عَدَدْتُ الدَّراهم فاعتَدَّها، كقولك: كِلْتُه فاكتالَه، أو تعدُّونَها، والإسناد إلى الرِّجال للدِّلالة على أنَّ العدَّةَ حقُّ الأزواج كما أشعر به ﴿فَمَا لَكُمْ﴾.\nومَن قرأ: (تَعْتَدُونَها) بالتَّخفيف (^٢) حذفَ الجارَّ وأوصل الفعل إلى الضِّمير بنفسه، كقوله: ويومٍ شَهِدْناه؛ أي: شهِدْنا فيه.\nومنطوقُه ساكتٌ عن العدَّة بمجرَّد الخلوة الصَّحيحة، ولا عبرةَ للمفهوم، فلا مانعَ لإلحاقِ (^٣) الخلوةِ بالمساس في إيجابِ العدَّةِ.\n﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ للوجوبِ إنْ لم يكن مفروضًا لهنَّ، فإنَّ المفروضِ لها نصفُ المهر، ويجوز أنْ يُحمَلَ على الرَّاجحِ والأولى؛ أي: القَدْرِ المشترك بينَ الوجوب والنَّدب، فيتناولُهما؛ إذ (^٤) متعةُ المفروض لها مستحبَّةٌ، ولم تجب (^٥) إلَّا لغير المفروض لها قبل (^٦) المساسِ مِن المطلَّقات.\n_________\n(^١) في (ك): \"المس\".\n(^٢) نسبت لابن كثير، والرواية المشهورة عنه مثل قراءة الجمهور بالتشديد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص:١٢٠).\n(^٣) في (ف): \"لإطلاق\".\n(^٤) في (ك): \"أن\". وفي (م): \"فيتناولها فإن\".\n(^٥) في (ك): \"ولا تجب\".\n(^٦) في (ك): \"قبل قيل\"، وفي (ف): \"قيل قبل\".","vol":"8","page":264},{"text":"﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أخرجوهنَّ مِن منازلكم؛ إذ ليس لكم عليهن عدَّةٌ (^١).\n﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ مِن غير إضرار ولا منعِ حقٍّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3583\"> </span>(٥٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهنَّ؛ إذ المهرُ أجرٌ على البُضع.\nوإيتاؤُها: إعطاؤها، والمعتبر فيه الالتزام كما في إعطاء الجزية، وقد نبَّه على هذا مَن قالَ: إعطاؤها عاجلًا، أو فرضُها (^٢) وتسميتُها في العقد، فإنَّه في حكم الإعطاء.\n﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وهي صفيَّة وجويريَة، فأعتقهما وتزوَّجهما.\n﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ الجمع في العمَّات والخالات دون العمِّ والخال لنسق الكلام (^٣) على وفقِ الواقع، كما في قرينه السَّابق.\n_________\n(^١) في (م): \"منازلكم أو ليس عليهن عدة\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"فرضًا\".\n(^٣) في (ك): \"أنسق للكلام \".","vol":"8","page":265},{"text":"﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ (مع) ليس للقِرَآن بل لوجودها فحسب، كقوله: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] والتقييد المذكور للتَّخصيص؛ لِمَا روي عن أم هانئ أنَّها قالَتْ: خطبني رسولُ اللهِ ﷺ فاعتذرْتُ إليه فعذرني، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ، فلم أَحِلَّ له لأنَّي لم أهاجرْ معه (^١).\n﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾؛ إنِ اتَّفقَ (^٢)، ولذلك نكَّرها؛ أي: رضيَتْ بالنِّكاح له ﵇ بلا مهرٍ، فالهبةُ المذكورة مجازٌ عن تمليكِ المتعة بلا عوضٍ، وليس معناه: إنْ قالَتْ: وهبتُّ نَفسي للنَّبيِّ ﵇، حتى ينتهِضَ حجَّةً في الخلافيَّة المشهورة بينَنا وبينَ الشَّافعي علينا أو لنا.\nو﴿وَامْرَأَةً﴾ عطفٌ على ﴿أَزْوَاجَكَ﴾ وما بعدَها، ولا يمنعه التقييد بـ ﴿إِنْ﴾ الاستقباليَّة؛ لأنَّ المراد بالإحلال: الإعلام بالحلِّ؛ أي: أعلمناك حلَّ امرأة مؤمنة، أو نصب بفعلٍ مضمَرٍ يدلُّ عليه ﴿أَحْلَلْنَا﴾؛ أي: وأحللنا لك امرأةَ.\nوقرئ: (أنْ) بالفتح (^٣) على التَّعليل بتقدير حذف أداته، أو على الظَّرف؛ أي: وقتَ أنْ وهبَتْ، أو مدَّةَ هبتها.\n﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ شرط للشَّرط الأوَّل في استيجاب الحِلِّ؛ فإنَّ هبتَها نفسَها منه لا يوجب له حِلَّها إلَّا بقَبولِه، والإرادةُ المذكورة عبارةٌ عنه، ولا\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٢١٤)، وقال: حديث حسن، لا أعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي.\nقال ابن العربي في \"أحكام القرآن\" (٣/ ٥٨٨): وهو ضعيف جدًا ولم يأت هذا الحديث من طريق صحيح يحتج في مواضعه بها.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"أي اتفق\"، وفي (ي): \"أن أنفق\".\n(^٣) نسبت للحسن وغيره. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٠).","vol":"8","page":266},{"text":"وجهَ لحملها على الحقيقة؛ لأنَّ قوله: ﴿يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يغني عن الإرادة بمعناها الوضعي (^١).\nوالعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ ﴿النَّبِيُّ﴾، ثمَّ الرُّجوع إليه في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ للإيذان بأنَّه ممَّا خُصَّ به لنبوَّته، وتكرُّرُه (^٢) تقريرٌ لاستحقاق الكرامة لأجله.\nو﴿خَالِصَةً﴾ مصدر مؤكِّد، كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، أي: خَلصَ لك إحلالها خالصةً بمعنى: خلوصًا، أو حالٌ من الضَّمير في ﴿وَهَبَتْ﴾، أو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: هبةً خالصةً.\nوقرئ: (خالصةٌ) بالرَّفع (^٣)، أي: ذلك خلوص لك.\n﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي (^٤): تلك المرأة خالصة لك من دونهم.\n﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ مِن شرائطِ العقدِ، ووجوب القَسْم والمهر بالوطء حيثُ لم يُسمَّ.\n﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مِن توسيعِ الأمر فيها (^٥) عليهم كيف ينبغي أن يفرض عليهم (^٦).\n_________\n(^١) في (ف): \"لمعناها الأصلي\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وتكريره \".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٥٢).\n(^٤) في (ع) و(م) و(ي): \" أو\"، وفي (ف): \"إذ \".\n(^٥) في (ك): \"فيهما\"، وفي (ي) و(ع): \"عليها\".\n(^٦) العبارة في \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٣٦): \"من توسيع الأمر فيها أنه كيف ينبغي أن يفرض عليهم \".","vol":"8","page":267},{"text":"والعدول مِن عبارة (الإماء) إلى ما ذُكِر للدِّلالة على أنَّ مدارَ الحلِّ على ملك اليد، ولذلكَ لا يتحقَّقُ الحلُّ إذا تخلَّف ملك اليد عن ملك الرَّقبة، كما في المكاتبة.\n﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ علَّة لقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾، وما بينهما اعتراضٌ لبيان أنَّ الفرقَ بينَه وبينَ المؤمنين ليس لمجرَّد التَّوسيع عليه، كما هاهنا، بل لمعانٍ مِن خواصِّ النبوَّة تقتضي التَّوسيع عليه والتَّضييق عليهم تارة، وبالعكس أخرى.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: لِمَا يعسُرُ التَّحرُّز عنه ﴿رَحِيمًا﴾ بالتَّوسعةِ في مظان (^١) الحرج.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3584\"> </span>(٥١) - ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾.\n﴿تُرْجِي﴾ بهمزٍ وبلا همزٍ (^٢)، والمعنى واحد.\n﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾: تؤخِّرها، وتترك مصاحبتها (^٣)، فلا تَقسم لها.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"مكان\"، وفي (ع) و(م) و(ي): \"إمكان\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\".\n(^٢) قرأ ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر بالهمز، وباقي السبعة بغير همز. انظر: \"التيسير\" (ص:١١٩).\n(^٣) كذا في النسخ، وفي \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٣٦)، و\"تفسير أبي السعود\" (٧/ ١١٠)، و\"روح المعاني\" (٢١/ ٤٠٢): (مضاجعتها).","vol":"8","page":268},{"text":"﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾: وتضمُّ إليك ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ وتضاجعها (^١)، أو: تطلِّقُ مَن تشاءُ وتمسكُ مَن تشاءُ.\n﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾: طلبْتَ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾: طلَّقْتَ بالرَّجعةِ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في شيءٍ مِن ذلك.\n﴿ذَلِكَ﴾ التَّفويضُ إلى مشيئتِكَ ﴿أَدْنَى﴾: أقرب ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ إلى (^٢) قرَّةِ أعينهنَّ، وذهابِ حزنهنَّ، وحصول رضاهنَّ جميعًا؛ لأنَّه حكمٌ كلُّهنَّ فيه سواء، لا تفاضُلَ بينهنَّ فيتغايرن (^٣).\nثمَّ إنْ سوَّيْتَ بينهنَّ وجدْنَ ذلك تفضُّلًا منك، وإنْ رجَّحْتَ بعضهنَّ على بعضٍ علمْنَ أنَّ ذلكَ مِن عندِ اللهِ وبوحيِه وتفويضِه، فتطمئِنُّ نفوسهنَّ ويرضيْنَ ولا يتغايرين.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وعيدٌ لِمَنْ لم ترضَ منهنَّ بما دبَّر (^٤) اللهُ تعالى وفَوَّضَ إلى مشيئته.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بذات الصُّدور.\n﴿حَلِيمًا﴾ لا يعاجل بالعقوبة، فهو حقيقٌ بأنْ يُتَّقى ويُحذَر.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وتصاحبها\"، والمثبت من باقي النسخ والمصادر السابقة.\n(^٢) في (ف): \"أي\".\n(^٣) أي: فتقع الغيرة بينهن.\n(^٤) في (ف): \"ذكر\".","vol":"8","page":269},{"text":"<span id=\"aya-3585\"> </span>(٥٢) - ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾.\n﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؛ أي: ذلكَ الجنسُ، وإتيان صيغة الجمع ثمَّ إبطالُه بالتَّعريف لعدم المفرد مِن لفظها، ولم يقل: (امرأةٌ)، لعمومِها المملوكةَ يملك اليمين، والمراد: المملوكة يملك النِّكاح، بقرينة قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾.\nوقرئ بالتَّذكير (^١) لأنَّ تأنيث الجمع غير حقيقيٍّ، وإذا جازَ بغير فصلٍ في قوله (^٢): ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٠] فمعَ الفصلِ أجوزُ.\n﴿مِنْ بَعْدُ﴾: مِن بعدِ التِّسع؛ لأنَّه نصاب رسول الله ﷺ مِن الأزواج كما أن الأربع نصاب أمَّته، أو: مِن بعد اليوم، حتَّى إنَّه لو ماتَتْ واحدة منهنَّ لم يحلَّ له نكاحُ أخرى.\n﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾: ولا أنْ تستبدلَ بهنَّ ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ لا بكلهنَّ ولا ببعضهنَّ، بأنْ تطلِّق إحداهنَّ وتنكح أخرى مكانَها؛ كرامةً لهنَّ، وجزاءً على ما اخترْنَ ورضيْنَ به، فقُصِر رسول اللَّه ﷺ عليهنَّ، وهن التِّسعُ اللَّاتي ماتَ عنهنَّ.\nو﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ هي الاستغراقيَّة، مزيدةٌ لتأكيد نفي التَّبدل مِن جنس الأزواج.\n﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾: حسنُ الأزواجِ المستبدلَة (^٣)، وهو حالٌ مِن الضَّمير الذي هو فاعل ﴿تَبَدَّلَ﴾؛ أي: مفروضًا إعجابُكَ بهنَّ، أو من المفعول الذي\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو بالتاء، وباقي السبعة بالياء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٩).\n(^٢) \"قوله\" سقط من (ك).\n(^٣) في (ك) و(ع): \"المتبدلة\".","vol":"8","page":270},{"text":"هو ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾؛ لأنَّه في سياق النَّفي، فشابه المعرفة المستغرقة، ألا ترى إلى تجويزهم (^١) أن يقع مبتدأً.\nوعن عائشة ﵂: ما ماتَ رسولُ اللّهِ ﷺ حتَّى أُحِلَّ له النِّساء (^٢)؛ يعني: أنَّ الآية قد نُسِخَتْ، ولا يخلو نسخُها أن يكون إمَّا بالسُّنَّة (^٣)، وإمَّا بقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾، أو بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ﴾ (^٤) [الأحزاب: ٥١] على المعنى الثاني، وترتيبُ النُّزولِ ليس على ترتيب المصحف.\nوقيل: المعنى: لا تحلُّ لك النِّساء مِن بعدِ الأجناس الأربعة اللَّاتي نُصَّ على إحلالهنَّ لك من الأعرابيَّات والكتابيَّات والقرائب والإماء بالنِّكاح؛ فإنَّهنَّ لا يناسبْنَ (^٥) منصب النُّبوَّة وجلالته.\n﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ ﴿النِّسَاءُ﴾ وإنْ كان في الأصل يتناول الحرائر والإماء، لكنْ غلَبَ استعمالُه في الأزواج، وهو المراد هاهنا على ما مرَّ بيانه.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾: حافظًا مهيمنًا. وهو تحذيرٌ عن مجاوزةِ حدودِه وتخطِّي حلالِه إلى حرامِه.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"تجويز\".\n(^٢) رواه الترمذي (٣٢١٦)، والنسائي (٣٢٠٤)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"بالنسبة\"، وفي (ف): \"بالكتاب\".\n(^٤) في (ك): \"ترجئ\".\n(^٥) في (م) و(ي) و(ع): \"لا ينافي\"، وصححت في هامش (ي) إلى المثبت.","vol":"8","page":271},{"text":"<span id=\"aya-3586\"> </span>(٥٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ لم يقلْ: بيتَ النَّبيِّ؛ كيلا يَسبقَ الوهم إلى أنَّ المرادَ البيتَ الذي هو فيه.\n﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾؛ أي: إلَّا بأنْ يُؤْذَنَ لكم، أو: إلَّا مأذونًا لكم، ولا يجوزُ نصبُه على الظَّرف؛ لأنَّهم قد نصُّوا على أنَّ المصدرَّية لا تكون في معناه، تقول: أجيئك (^١) صياحَ الدِّيك وقدومَ الحاجِّ، ولا يجوز: أجيئك أن يصيح (^٢) الدِّيك، ولا: أنْ يَقدم الحاجُّ.\n﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ متعلِّق بـ ﴿يُؤْذَنَ﴾؛ لأنَّه متضمِّنٌ معنى: يُدْعى (^٣)؛ للدِّلالة على أنَّ حكمَ النَّهيِ لا يرتفع بمجرَّد الإذنِ دلالةً بفتح الباب ورفع الحجاب مثلًا، بل لا بدَّ معه (^٤) مِن صريح الدَّعوة.\nويعضده قوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: غيرَ منتظرينَ وقتَه وإدراكَه، حال مِن فاعل ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، أو من المجرور في ﴿لَكُمْ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"أجئك\"، وفي (م): \"أجيتك\"، وفي (ف): \"أجليك\"، وفي (ع): \"أجبتك\".\n(^٢) في (ك): \"أجئك أن يصيح\"، وفي (ف): \"أجئتك أن يصح\"، وفي (ع): \"أجيتك أن يصبح\".\n(^٣) في (ك): \"يدعو\".\n(^٤) في (ف): \"له\".","vol":"8","page":272},{"text":"وقرئ بالجرِّ (^١) صفةً لـ ﴿طَعَامِ﴾، فيكون جاريًا على غير مَن هو له بلا إبراز الضَّمير، وهو غيرُ جائزٍ عند البصريين (^٢).\nوقرئ: (إناه) بالإمالة (^٣)؛ لأنَّه مصدرٌ أَنَى الطَّعام: إذا أدرك.\nقيل: الخطابُ مخصوصٌ بقومٍ كانوا يتحيَّنون (^٤) طعامَ رسولِ اللّهِ ﵇، فيدخلونَ ويقعدون (^٥) منتظرين لإدراكه، وإلَّا لم يجزْ لأحدٍ أنْ يدخلَ بيوته إلَّا بإذنٍ خاصٍّ.\nوالظَّاهر أنَّ الخطاب عامٌّ لغيرِ المحارمِ، وخصوصُ السَّبب لا يصلح مخصِّصًا على ما تقرَّر في الأصول، نعم يكون وجهًا لتقييد (^٦) الإذن بقوله: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، فيندفع وهمُ اعتبار مفهومِه (^٧).\n﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ هذه الفاءُ للجزاء، ولا دِلالة فيها للتَّعقيب بلا مُهلَةٍ، وأمَّا الفاء في قوله:\n﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ فللتَّعقيب بلا مهلةٍ، للدِّلالة على أنَّه ينبغي أن يكون\n_________\n(^١) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٥٤)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٣٩٦).\n(^٢) ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا: غير ناظر أنتم، أو: غير ناظرين أنتم، ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا، والتخريج المذكور عليه. انظر: \"روح المعاني\" (٢١/ ٤٢١).\n(^٣) قراءة الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٤٩).\n(^٤) في (م): \"يتجنبون\"، وفي (ف): \"يحبُّون\".\n(^٥) في (ف): \"ويعقدون\"، وفي (م) و(ي) و(ع): \"ويقصرون\".\n(^٦) في (ك): \"لتقيد\".\n(^٧) نقله عنه الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢١/ ٤٢٣)، ثم تعقبه بقوله: وفيه بحث فتأمل.","vol":"8","page":273},{"text":"دخولُهم بعد الإذن والدَّعوة على وجهٍ يشرعوا في الأكل كما دخلوا (^١).\nففيه تقريرٌ لِمَا أُشِيرَ إليه بقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ مِن النَّهي عن الدَّخول للطَّعام قبلَ إدراكِه.\n﴿فَانْتَشِرُوا﴾ فتفرَّقوا ولا تمكثوا.\nرُوِيَ عن أنس ﵁ قال: أنا أعلمُ بهذه الآية، لَمَّا زُفَّتْ زينبُ إلى رسولِ اللّهِ ﷺ كانَتْ معه في البيتِ وصُنِعَ (^٢) طعام للناس، فأكلوا وتفرَّقوا، وبقيَ ثلاثةُ نفرٍ يتحدَّثون، فأطالوا، فقام رسول اللَّه ﷺ لِيَخرجوا (^٣) ثمَّ رجعَ فإذا الثَّلاثةُ جلوسٌ يتحدَّثون، وكان رسول اللَّه ﷺ شديدَ الحياءِ، فتولَّى، فلَمَّا رأَوْهُ متولِّيًا خرجوا، فرجَعَ فنزلَتْ (^٤) (^٥).\n﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾؛ أي: ولا مستأنسٍ (^٦) بعضُكم لبعضٍ لأجلِ الحديث، أو: مستمعين حديثَ أهلِ البيتِ. والأوَّلُ يرجِّحُه سببُ النُّزولِ.\nعطفٌ على ﴿نَاظِرِينَ﴾، أو منصوب على تقدير فعل؛ أي: ولا تدخلوها أو: ولا تمكثوا مستأنسين.\n_________\n(^١) كذا وقعت العبارة في النسخ، وعبارة الآلوسي أحسن وأوضح، وهي: (… على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل). انظر: \"روح المعاني\" (٢١/ ٤٢٢).\n(^٢) في (ف): \"وضع\".\n(^٣) في (م): \"ليخرج\".\n(^٤) روى نحوه البخاري (٤٧٩١)، ومسلم (١٤٢٨).\n(^٥) في (ف): \"فترك\".\n(^٦) في (ك): \"مستأنسين\".","vol":"8","page":274},{"text":"﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ اللَّبثَ ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ لتضييق (^١) المنزل عليه وأهله، وإشغاله فيما لا يعنيه.\n﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ تعليل لمحذوفٍ دلَّ عليه المساق؛ أي: ولا يخرجكم فيستحيي منكم، ولذلك صدَّره بأداة التَّعليل، ولو كان المعنى: يستحيي من إخراجكم، لكان حقَّه أن يُصدَّر بالواو العاطفة (^٢).\n﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ لَمَّا كان الحياءُ يمنعُ الحييَّ مِن بعضِ أفعالِه وأقوالِه - وإنْ كان حقًّا - قيلَ: إنَّ اللّهَ لا يستحيي من الحقِّ؛ أي: لا يمتنعُ منه (^٣) امتناع الحييِّ، وهو مجازٌ، أو على طريقة قوله:\nقلت اطبخوا لي جُبَّةً وقميصًا (^٤)\nيعني: إخراجُكم حقٌّ (^٥)، فينبغي أنْ لا يترك حياءً، كما لم يتركْهُ اللّهُ تعالى فأمرَكُم بالخروجِ.\n_________\n(^١) في (ع): \"لتضيق\"، وفي (م): \"لضيق\".\n(^٢) نقله عنه الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢١/ ٤٢٤)، ثم تعقب ما ذهب إليه المؤلف من التَّقديرُ بقوله: وفيه أَنَّهُ بعد تسليم ما ذكر على تقدير المضاف.\n(^٣) في (ف) و(ي) و(ع): \"يمتنع من\".\n(^٤) عجز بيت نسب لجحظة في \"جمهرة الأمثال\" (١/ ٢٢٧)، ولأبي حامد محمد بن محمد في \"لباب الآداب\" للثعالبي (ص: ١٩٥)، وصدره:\nقالوا اقترح لونًا نجيد طبيخه\nوالشاهد فيه أنه وضع (اطبخوا) موضع (خيطوا) لمجرد مراعاة اللفظ دون المعنى.\n(^٥) في (ف): \"أن إخراجكم حقًّا\".","vol":"8","page":275},{"text":"﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الضَّمير لنساءِ النَّبيِّ ﵇ لدلالةِ ذِكْرِ البيوتِ أو دلالةِ الحال عليهنَّ.\n﴿مَتَاعًا﴾: شينًا يُنتَفَعُ به ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾ المتاعَ ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾: سترٍ.\nرُويَ أنَّ عُمرًا ﵁ قال: يا رسولَ اللّهِ، يدخلُ عليكَ البَرُّ والفاجرُ، فلو أمرْتَ أمَّهاتِ المؤمنين بالحجاب، فنزلَتْ (^١).\nوقيل: إنَّه ﵇ كان يَطْعَمُ ومعه بعضُ أصحابِه، فأصابَتْ يدُ رجلٍ يدَ عائشة ﵂، فكرِهَ النَّبيُّ ﵇ ذلك، فنزلَتْ (^٢).\n﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ مِن خواطر الشَّيطانيَّة (^٣).\n﴿وَمَا كَانَ﴾: وما صحَّ ﴿لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾: أن تفعلوا ما يكرهه.\n﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾: مِن بعدِ وفاتِه أو فراقِه.\nوخُصَّ التي لم يدخلْ بها، لِمَا رُويَ أنَّ أشعث بن قيس تزوَّج المستعيذة في أيَّامِ عمر ﵁ فهمَّ برجمها (^٤)، فأُخبر بأنَّه ﵇ فارقها (^٥) قبلَ أنْ يمسَّها، فترَكَ مِن غير نكير (^٦).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٧٩٠).\n(^٢) رواه الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ١٦٧) عن مجاهد مرسلًا، وروى نحوه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣٢٠١٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٥٣)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (١١٤١٩) عن عائشة ﵂.\n(^٣) في (م): \"الشياطين\"، وفي (ف) و(ك): \"شيطانية\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"برجمهما\".\n(^٥) في (م) زيادة: \"من\".\n(^٦) ذكره الغزالي في \"الوسيط\" (٥/ ٢١)، وقال ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢٩٢): (لا أصل =","vol":"8","page":276},{"text":"﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾؛ أي: إيذاءه (^١) ونكاحَ نسائِه.\n﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ذنبًا عظيمًا، استئنافٌ لتعظيمِ النَّبيِّ ﵇ وإيجابِ حرمتِه حيًّا وميتًا، فلذلك بالغ في الوعيد عليه فقال:\n\n<span id=\"aya-3587\"> </span>(٥٤) - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\n﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ مِن نكاحِهنَّ وغيرِه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدورِكم.\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيَعلمُ ذلكَ فيجازيكم (^٢) عليه، وفي هذا التَّعميم مع أنَّه برهان على المقصود تهويلٌ عظيم، ومبالغةٌ شديدةٌ في الوعيدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3588\"> </span>(٥٥) - ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.\n﴿جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ استئنافٌ لِمَنْ لا يجبُ الاحتجابُ عنه.\nرُويَ أنَّه (^٣) لَمَّا نزلَتْ آيةُ الحجابِ قال الآباءُ والأبناءُ والأقاربُ: يا رسولَ اللّهِ، أوَ نكلمهنَّ أيضًا من وراء حجابٍ؟ فنزلَتْ (^٤).\n_________\n= له في كتب الحديث). وروى ابن سعد في \"الطبقات\" (٨/ ١٤٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نحو هذه القصة، وفيه أن الذي تزوجها هو المهاجر بن أبي أمية.\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"إيذاؤه\"، وسقطت من (ف) و(ك). والصواب المثبت.\n(^٢) في (م): \"ويجازيكم\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"أنها\".\n(^٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٢٩)، و\"النكت والعيون\" (٤/ ٤٢١)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٥٧)، و\"زاد المسير\" (٦/ ٤١٧).","vol":"8","page":277},{"text":"وإنَّما لم يذكر العمَّ والخالَ - مع شدَّة الاهتمام على ما دلَّ عليه في البيان ما في عدم الاكتفاء بالانفهام في حقِّ الأخ، فإنَّ ذكر ابنه يُغني عنه دلالةً - لأنَّه كُرِه ترك الاحتجاب عنهما مخافةَ أن يصفانها لأبنائهما (^١).\n﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني: نساءَ المؤمنات.\n﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مِن العبيد والإماء، وقيل: مِن الإماءِ خاصَّة، وقد سبق في تفسير سورة النُّور.\n﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيما أُمرتِنَّ به، التفاتٌ إلى الخطاب بعد الغيبةِ؛ لإظهارِ الاعتناء بأمرِ الحجابِ والتَّشديد عليهنَّ في ذلك، وأنَّه من باب التَّقوى الواجبِ رعايتُه والمحافظةُ عليه.\nثمَّ أَوعَدَ على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ سواءٌ عندَه السِّرُّ والعلَنُ، لا يتفاوت عندَه شيءٌ مِن الأحوال، فليكن عملكنَّ في الحجب أحسنَ مما كان قبل الاحتجاب (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3589\"> </span>(٥٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾: يعتنون بإظهار شرفِه وتعظيمِ شأنِه.\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"فيه رد لمن زعم أن ذلك لأنهما بمنزلة الوالدين. منه\".\n(^٢) في (ك): \"\"، وفي (م): \"فليكن عملكن في الحجب مما كان قبل الإحتجاب\"، وفي (ف): \"فليكن عما سبق في الحجاب أحسن مما كان قبل الإضراب\".","vol":"8","page":278},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: اعتنوا أنتم أيضًا، فإنَّكم أولى بذلك، فقولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ.\n﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قولوا: السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ.\nوالآية تدلُّ على وجوبِ الصَّلاة والسلام عليه ﵇ في الجملةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3590\"> </span>(٥٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ جاز أن يكون مجازًا؛ أي: يرتكبون ما يكرَهانِه مِن الكفرِ والمعاصي، وأن يكون حقيقةً، وذِكْرُ اللّهِ توطئةٌ للتَّعظيم والاختصاص؛ أي: يؤذون رسولَ اللّهِ.\n﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أبعدَهم مِن رحمتِه.\n﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾: يهينُهم مع الإيلَامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3591\"> </span>(٥٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: بغيرِ جنايةٍ استحقُّوا بها ذلكَ، أطلقَ إيذاءَ اللّهِ ورسولِه (^١)، وقيَّد إيذاءَ المؤمنين والمؤمنات؛ لأنَّ إيذاءَ اللّهِ ورسولِه لا يكون إلَّا بغيرِ حقٍّ، وإيذاءَهم قد يكون بحقٍّ (^٢).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وإيذاء رسوله\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بغير حق\"، وفي (ي): \"بالحق\".","vol":"8","page":279},{"text":"﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: ظاهرًا.\nرُويَ أنَّها نزلَتْ في ناسٍ مِن المنافقين يؤذون عليًّا ﵁.\nوقيل: في أهل الإفك، وقيل: في زُناةٍ كانوا يَتْبعونَ (^١) النِّساء وهنَّ كارهات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3592\"> </span>(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: يغطيْنَ بها وجوهَهُنَّ وأعطافَهُنَّ (^٢)، ويُرْخِينَها على أبدانهنَّ إذا برزت لحاجةٍ.\nيقال إذا زال الثَّوب عن وجه المرأة: أدني (^٣) ثوبَك على وجهِكِ.\nوالجلبابُ: الملحفةُ وكلُّ ما يُستَرُ به مِن كساء وغيره، و﴿مِن﴾ للتَّبعيضِ؛ لأنَّ المرأة تتلفَّع ببعضِها وترخي بعضَها على بدنها، أو لأنَّ لها جلابيب.\nكانت النِّساء في أوَّل الإسلام يَبرزْنَ (^٤) في درعٍ وخِمارٍ كما كانت عادتهنَّ في الجاهليَّة، لا فرْقَ بينَ الحرَّةِ والأَمَةِ في ذلك، وربَّما كانَ الشَّباب (^٥) والشُّطَّارُ يتعرَّضونَ لهنَّ، فإذا عُوتِبوا فيه يقولون (^٦): حسبناها أَمَةً، فأُمِرْنَ أن يحتجِبْنَ ويخالفْنَ بزيهِنَّ زِيَّ الإماء. فلذلك قال:\n_________\n(^١) في (ك): \"يستتبعون\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وأعضاءَهُنَّ\".\n(^٣) في (ك): \"أرخي\"، وفي (ي) و(ع): \"أذن\".\n(^٤) في (ف): \"يبرزون\".\n(^٥) في (ك): \"كانت الأشبال\"، وفي (ي) و(ع): \"كان أشبان\".\n(^٦) في (ك): \"قالوا\".","vol":"8","page":280},{"text":"﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾: يُمَيَّزْنَ مِن الإماءِ والقَيْناتِ.\n﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾: فلا يؤذيَهنَّ أهلُ الرِّيبةِ (^١) بالتَّعرُّض لهنَّ بما يكرهْنَ.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما سلَفَ منهنَّ (^٢) مِن التَّفريطِ ﴿رَحِيمًا﴾ بتعليم آداب المكارم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3593\"> </span>(٦٠) - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.\n﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقِهم.\n﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعفُ إيمانٍ، أو قِلَّةُ ثَباتٍ عليه، وقيل: أهل الرِّيبةِ والفجور والزُّناة، مِن قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢].\n﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الذين يُرجِفون بأخبار السُّوء عن سرايا رسول اللَّه ﷺ، فيقولون: هُزِموا وقُتِلوا. وبالجملةِ: ما يكسرُ قلوبَ المؤمنين.\nوالإرجافُ: الإخبارُ الكاذبُ (^٣)؛ لأنَّه متزلزلٌ غير ثابت، يُقالُ: أَرْجَفَ بكذا: إذا أَخبَرَ به على غير حقيقةٍ، مِن الرَّجفةِ وهي الزَّلزلةُ.\n﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ الإغراءُ: التَّحريشُ، جُعلَ مجازًا عن قصدهم بالسُّوء؛ أي: لئِنْ لم ينتهِ المنافقون عن نفاقِهم وكيدِهم، والفَسقَةُ عن فجورِهم، والمرجِفونَ\n_________\n(^١) في (ف) و(ي) و(ع): \"الرقبة\".\n(^٢) في (ف): \"منهم\".\n(^٣) في (ف): \"الكاذبة\".","vol":"8","page":281},{"text":"عن أراجيفِهم (^١) = لنأمرنَّكَ بأنْ (^٢) تفعلَ بهم الأفاعيل التي تسوؤُهم من أنواع التعذيب.\n﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ عطفٌ على ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾؛ لأنَّ النَّفيَ ممَّا يُجابُ به القسمُ، ولو قيلَ: لئن لم ينتهوا لا يجاورونك، لكان صحيحًا، وإنَّما عطفٌ بـ ﴿ثُمَّ﴾ لأنَّ الجلاءَ عن الأوطان كان أعظمَ عليهم من كلِّ بلاءٍ، وأشدَّ مِن كلِّ ما أُصِيبوا به مِن العذابِ، مُبْعَدٌ حالُه عن حالِ المعطوفِ عليه؛ أي: ثمَّ يُفعَل بهم ما يَضطرُّهم إلى الجلاء من المدينة، وإلى أنْ لا يساكنوك (^٣) فيها إلَّا زمنًا قليلًا ريثما يتهيَّؤون للرَّحيل، ويسرِّحونَ عيالَهم مِنها، ويرتحلون بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3594\"> </span>(٦١) - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.\n﴿مَلْعُونِينَ﴾ نصبٌ على الشَّتم (^٤)، أو الحال؛ أي: لا يجاورونك إلَّا ملعونين، فالاستثناء شاملٌ له أيضًا؛ أي: لا يجاورونك إلا ملعونين.\nولا يجوز انتصابه بـ ﴿أُخِذُوا﴾ في قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾: وُجدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ لأنَّ ما بعد كلمة الشَّرط لا يعمل فيما قبلها.\nوالتَّشديدُ للدِّلالة على التَّكثير، وكذا التَّنكير.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"إرجافهم\".\n(^٢) في (ف): \"أن\".\n(^٣) في (م): \"يساكنوا\".\n(^٤) في (م): \"الذم\".","vol":"8","page":282},{"text":"<span id=\"aya-3595\"> </span>(٦٢) - ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.\n﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مصدرٌ مؤكِّد؛ أي: سنَّ اللّهُ في الأنبياء الذين مضَوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ذلك سنةً (^١)، وهو الأخذُ والتَّقتيل في الذين نافقوا وأَفسدوا.\n﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لأنَّه تعالى لم يبدِّلها، ولا يقدر أحدٌ على تبديلها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3596\"> </span>(٦٣) - ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾.\n﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾: عن وقتِ قيامِها، كان المشركون يسألون رسولَ اللّهِ ﷺ عنها (^٢) استعجالًا على سبيل الهزء والإنكار، واليهود (^٣) امتحانًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى عمَّى وقتها (^٤) في التَّوراة وفي جميع كتبِه.\n﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لم يُطْلِعْ عليها (^٥) أحدَ الأنبياء ولا مَلَكًا.\nثمَّ بيَّنَ لرسول الله ﷺ بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أنَّها قريبة الوقوع؛ تهديدًا (^٦) للمستعجِلين، وإسكاتًا للممتحِنين.\nوتذكيرُ ﴿قَرِيبًا﴾ على تأويل الشَّيء، أو اليوم، أو الزَّمان، ويجوز انتصابه على الظَّرف، أو في زمانٍ قريب.\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"سنة الله\".\n(^٢) \"عنها\" من (ك)، وفي (ي): \"عنه\".\n(^٣) في (ك) كتب بالهامش: \"وأهل الكتاب\".\n(^٤) في (ك): \"أخفاها\".\n(^٥) في (ك) و(م): \"عليه\".\n(^٦) في (ك): \"تهديد\".","vol":"8","page":283},{"text":"<span id=\"aya-3597\"> </span>(٦٤) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾: نارًا مسعَّرةً شديدةَ الإيقاد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3598\"> </span>(٦٥) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ ينفعُهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفعُ العذابَ عنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3599\"> </span>(٦٦) - ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾.\n﴿يَوْمَ﴾: ظرفٌ لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، أو نصبٌ بـ (اذكر) و﴿يَقُولُونَ﴾ حال.\n﴿تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ كما يقلَّبُ اللَّحم عند الشَّيِّ، أو من (^١) حالٍ إلى حالٍ وهيئةٍ إلى هيئة (^٢).\nوخُصَّتْ الوجوه بالذِّكر لأنَّها أشرف أعضاء الإنسان وأعزُّها، أو عبِّر بها عن الجملة.\nوقرئ: (تَقَلَّبُ) بمعنى: تتقلَّبُ (^٣).\n﴿يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ فلنْ نُبْتلى بهذا العذاب.\nوزيادة الألف في ﴿الرَّسُولَا﴾، و﴿السَّبِيلَا﴾ لإطلاق الصَّوت، جُعِلَتْ\n_________\n(^١) في (ف): \"ومن حال\"، وفي (ي) و(ع): \"أو\" وسقطت \"من\".\n(^٢) في (ف): \"وهيشة إلى هيشة\".\n(^٣) نسبت للحسن وعيسى وأبي جعفر الرؤاسي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٠).","vol":"8","page":284},{"text":"فواصلُ الآي كقرائن السَّجع وقوافي الشِّعر، وفائدتها الوقفُ، والدِّلالةُ على أنَّ الكلامَ قد انقطع (^١)، وأنَّ ما بعدَه مستأنَفٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3600\"> </span>(٦٧) - ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.\n﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ يعنون رؤساءَ الكفر الذين لقَّنوهم الكفر وزيَّنوه لهم. وقرئ: ﴿سَادَتَنَا﴾ على جمع الجمع (^٢)؛ للدِّلالة على الكفرة.\n﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ بما زيَّنوا لنا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3601\"> </span>(٦٨) - ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾.\n﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ﴾؛ أي: مثلَي ما آتيتَنا (^٣) ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ لضلالِهم وإضلالهم لنا.\n﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾: كثير العدد، وقرئ بالباء (^٤)؛ أي: لعنًا هو أشدُّ اللَّعنِ وأعظمُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3602\"> </span>(٦٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"قد تمّ\".\n(^٢) قرأ بها ابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٩).\n(^٣) في (ف): \"أوتينا\".\n(^٤) قراءة عاصم، وباقي السبعة بالثاء. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٩).","vol":"8","page":285},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ فاستحقُّوا العذابَ في العُقبى.\n﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ في حقِّه.\nلَمَّا أظهرَ اللّهُ تعالى براءَته ﵇ ممَّا قذفوه به انقطعَ كلماتهم فيه، فبرئ ﵇ مِن قولهم، فحصل لهم الخجالة في الدُّنيا بظهور كذبِهم وافترائِهم على رسولهم، وذلك ما مرَّ في (القصص) مِن تحريض قارون امرأةً على قذفه بنفسِها، أو اتِّهامِهم إيَّاه بقتل هارون ﵇، فأحياه اللَّه تعالى فأَخبر ببراءة موسى ﵇، أو قرفوه (^١) بعيبٍ في بدنِه مِن برصٍ أو أدرَةٍ؛ لفرْط تستُّره حياءً، فأطلعهم اللَّه على أنَّه بريءٌ منه (^٢).\n﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾: ذا جاهٍ (^٣) ومنزلةٍ، فلذلك كان يدفعُ عنه التُّهمَّ (^٤) ويحافظ على ماء وجهِه بصونِه عن كلٍّ وصمٍ (^٥) ونقيصةٍ.\nوقرئ: (عبدًا للّهِ وجيهًا) (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) في هامش (ي): \"قرفت الرجل؛ أي: عبته، وفلان يُقرف بكذا؛ أي: يُرمى به\". وانظر: \"الصحاح\" (مادة: قرف).\n(^٢) في هامش (ف) و(ع) و(ي): \"فلا حاجةَ إلى التَّأويل، لا في برئ ولا فيما قالوا، كما توهَّمه من قال: فأظهر براءته مِن مضمون مقولهم. منه\".\n(^٣) في (ك): \"وجاهة\".\n(^٤) في النسخ: \"الهم\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٣/ ٥٦٣).\n(^٥) في (ف): \"وضم\".\n(^٦) نسبت لابن مسعود ﵁ والأعمش وأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٠)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٨٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٦٣).","vol":"8","page":286},{"text":"<span id=\"aya-3603\"> </span>(٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ارتكابِ ما يكرهه فضلًا عن إيذاء (^١) رسولِه.\n﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ السَّدادُ: القَصْدُ إلى الحقِّ، يقال: سدَّد السَّهم نحو الرَّميَّة، إذا لم يَعْدِل به عن سَمْتِها.\nقرَّر النَّهي بالأمر بالقولِ السَّديد الحقِّ، وحفظِ اللِّسان عن الكذب والغيبة والرِّيبة، ليتعاضد الأمرُ والنَّهي مترادفَين عليهم، مع إتباعِ النَّهي الوعدَ الشَّديد في ضمن قصَّة موسى ﵇، وإتباعِ الأمر الوعدَ البليغ، فيتقوَّى الصَّارفُ عن الشَّرِّ والأذى بالدَّاعي إلى الخير والتُّقى، وأفردَ القولَ السَّديد بالذِّكرِ وإن كان داخلًا في التَّقوى؛ لأنَّه اجتنابٌ عن (^٢) رذيلة الكذب (^٣) لفضله كأنَّه جنسٌ برأسه، كما خُصَّ جبريل ﵇ مِن بينِ الملائكةِ (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3604\"> </span>(٧١) - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\n﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ بالقَبولِ والإثابة عليها، وذلك بالتَّوفيق لصالح الأعمالِ (^٥).\n_________\n(^١) في (ف): \"عن يؤذي\"، وفي (ي): \"مما يؤذي\"، وفي (ع): \"عما يؤذي\".\n(^٢) في (ك): \"من\".\n(^٣) في (ف): \"الكفر\".\n(^٤) من قوله: \"قرر النهي بالأمر … \" إلى هنا وقع في (ف) و(ك) بعد تفسير قوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.\n(^٥) بعدها في (ف) و(ك): \"لا نهيٌ عن القول المؤذي لرسولِ اللهِ\".","vol":"8","page":287},{"text":"﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ويجعلْها مكفَّرَة باستقامتكم في القول والعمل.\n﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.\nعاشَ في الدُّنيا حميدًا، وفي الآخرة سعيدًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3605\"> </span>(٧٢) - ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.\n﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الإشفاقُ: خوفٌ مع اعتناء.\n﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ تقريرٌ للوعد السَّابق بتعظيم الطَّاعة، فإنَّه لَمَّا علَّقَ الفوزَ العظيم بها أراد أنْ يقرِّر أَنَّه حقٌّ لها باستعارة الأمانة لها؛ لأنَّها واجبةُ الأداء كالأمانة، وهي أنها مِن عِظَمها بحيث لو عُرِضَتْ على هذه الأجرام العِظام مع إحكامها وقوَّتها وكانت شاعرة لأبَتْ أنْ يحملنها وأشفقْنَ منها، وحملها الإنسانُ مع ضعفِ بِنْيته (^١) ورخاوة قوَّته، فجدير بالقائم بحقوقِها والمراعي لها أنْ يفوزَ بخير الدَّارَين، وسعادةِ المنزِلَيْنِ، وحقَّ (^٢) لمن أضاع حقوقَها وخانها أنْ يُرهق بأشدِّ العذاب، ويؤوبَ شرَّ المآب.\n﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ حيثُ لم يراعِ حقوقَها، ولم يؤدِّها، ولم يفِ بها.\n﴿جَهُولًا﴾ حيثُ لم يعرِفْ عظمَ قدرِها وفخامةَ شأنِها، فلم يؤدِّها، وهذا حكمٌ على الجنس بحسب الأغلب.\n_________\n(^١) في (ف): \"بنية\".\n(^٢) وقع في (م) سقط لوحة، وهي من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ إلى هنا.","vol":"8","page":288},{"text":"ووجهٌ آخرُ، وهو أنْ يراد بالطَّاعة: الانقياد لأمر اللَّه تعالى مطلقًا، بحيث يشتمل الاختياريَّ والطَّبيعيَّ.\nوبعرضها: استدعاؤُها الذي يعمُّ إرادةَ صدور ما خُلقت هذه الأجرام لها عليها (^١)، وطلبَ ما خُلِقَ الإنسان له منه (^٢).\nوبحملِها: الامتناعُ من أدائها والخيانة فيها.\nيُقال: حملَ الأمانة واحتملها: إذا لم يؤدِّها إلى صاحبها فيخرجَ مِن (^٣) عهدتها وتزولَ عن ذمَّته؛ لأنَّ الأمانة إذا كانت عليه كانت كأنَّها (^٤) راكبةٌ له وهو حاملها، كما يُقالُ: ركبَتْهُ الدُّيون، فإذا أدَّاها لم تبقَ راكبةً له، ولا يكون هو حاملها.\nوبإبائِها حملَها (^٥): إتيانُها بما أراد اللَّه تعالى منها طوعًا وانقيادًا.\nوبإشفاقِها: موافقتُها لأمر اللَّه وامتناعُها من مخالفته.\nعلى أنَّها مجازاتٌ، فيكون المعنى: أنَّ هذه الأجرام مع عِظَمِها وقوَّتها لم تمتنع مِن طاعتنا، وانقادَتْ لِمَا أمرناها به، وأدَّتْ أمانتنا (ولم تخُنْ، وأذعنَتْ لِمَا أردنا منها، كقوله: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].\nوأمَّا الإنسان مع كونه عاقلًا لِمَا يوجِبُ (^٦) طاعتنا، فحاله بخلاف ذلك،\n_________\n(^١) في (م): \"عنها\".\n(^٢) عبارة البيضاوي: (استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره).\n(^٣) في (ف): \"عن\".\n(^٤) \"كأنها\" سقط من (ك).\n(^٥) في (ي) و(ع): \"حاملها\".\n(^٦) في (ك): \"عالمًا بوجوب\"، وفي (ف): \"عاقلًا لما بوجوب\".","vol":"8","page":289},{"text":"فإنَّه حمل الأمانةَ ولم يؤدِّها؛ أي: عصانا (^١) ولم يطع.\n﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لأنَّه لم يؤدِّ حقَّنا وأمانتنا، ولم يفِ بعهدنا وخانَنا ﴿جَهُولَا﴾ بوخامةِ عاقبته. ولام التَّعليل للعاقبة؛ لأنَّ التَّعذيبَ يَعقب حملَ الأمانةِ.\nويجوزُ أنْ يُرادَ بالأمانةِ: العقلُ، وما يلزمُه من التَّكليف.\nوبعرضِها عليهنَّ: اعتبارُها بالإضافة إلى استعدادهنَّ.\nوبإبائهنَّ: الإباءُ الطَّبعي، الذي هو عدمُ اللياقة والاستعداد.\nوبحمل الإنسان: قابليَّتُه واستعدادُه لها، وكونه (^٢) ظلومًا جهولًا لِمَا غلبَ عليه مِن القوَّة الغضبيَّة والشهويَّة، وعلى هذا يَحسُن أن يكون علَّةً للحمل عليه، فإنَّ مِن فوائدِ العقلِ أنْ يكون مهيمنًا على القوَّتَيْنِ، حافظًا لهما عن التَّعدِّي ومجاوزةِ الحدِّ، ومعظمُ المقصودِ مِن التَّكليف: تعديلُهما وكسرُ سَورتهِما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3606\"> </span>(٧٣) - ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ تعليلٌ للحمْلِ مِن حيثُ إنَّه نتيجته (^٣)؛ كالتَّأديبِ للضَّربِ، في: ضربتُهُ تأديبًا.\n_________\n(^١) من قوله: \"لما يوجب طاعتنا … \" إلى هنا سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بكونه\".\n(^٣) في (ع) و(ي): \"نتيجة\"، وفي (م): \"ينتجه\"، وفي (ف): \"ينتخبه\". والمثبت من (ك)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\".","vol":"8","page":290},{"text":"وذِكْرُ التَّوبةِ في الوعد إشعارٌ بأنَّ كونه ظلومًا جهولًا في جِبلَّته لا يكاد يخلو (^١) عن شيءٍ منه.\nوقرئ: (ويتوبُ) بالرَّفع (^٢)، على أنَّ العلَّةَ قاصرةٌ على فعل الحامل، و(يتوبُ اللّهُ) ابتداءُ كلامٍ.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ حيثُ تابَ على فرطاتِهِ.\n﴿رَحِيمًا﴾ حيثُ أثابَ على طاعاتِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ي) و(ع): \"ينجُ\".\n(^٢) نسبت للأعمش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٠).","vol":"8","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>سُورَةُ سَبَإٍ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3607\"> </span>(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قد سبقَ أنَّ في وصف المحمودِ بعد إثباتِ الحمدِ له إشعارٌ بأنَّه موجِبٌ لاستحقاقِه للحمد، فالمعنى أنَّه تعالى حقيقٌ بالحمد لأجْل إنعامه بجميع النِّعم الدنيويَّة، ولهذا عطفَ عليه بقوله:\n﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ - الحمدُ على النِّعم الأُخرويَّة - عطفَ المقيَّد على المقيَّد؛ أي: إنَّه المحمودُ على نِعَمِ الدنيا في الدنيا، وعلى نِعَمِ الآخرةِ في الآخرة، وتقديمُ الصلة للاختصاص بكون النِّعَم الأُخروَّية منه تعالى بلا واسطةٍ، وأمَّا نِعَمُ الدنيا فقد تكون بواسطةِ مَن يستحِقُّ الحمد أيضًا؛ لتسبُّبه لها.\nوالفَرْق بين الحمْدَيْن: بأنَّ الأولَ منهما واجبٌ دون الثاني؛ لأَنَّه على نعمةٍ واجبةِ الإيصال إلى مستحقِّها لا يتمشَّى على أصل أهل السنَّة، وذلك ظاهر، ولا على أهل (^١) الاعتزالِ؛ لأنَّهم لا يُنكِرون التفضُّلَ (^٢) في الآخرة، غايتُه (^٣) أنَّهم لا\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"أصل\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"التفضيل\".\n(^٣) في (ف): \"على\".","vol":"8","page":295},{"text":"يُوافقونا في كون الكلِّ تفضُّلًا (^١)، ووجوبُه بحُكْم الوعد لا ينافيه؛ لأنَّ الوعدَ منه تعالى مع عدم شموله لأنواع النِّعَم الأخرويَّة فضلًا عن أفرادها، كان تفضُّلًا، وما يجب بحُكم التفضُّل لا يَخرج عن حدِّه، على أنَّه لا يَثبت به الاستحقاقُ، فلا يجدي نفعًا في دفعِ الخَلَل، فتأمَّل (^٢).\n﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، المصيبُ في أقواله ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما في الضمائر مِن السرائر، فهما للإيذان بأنَّه تعالى كما يستحقُّ الحمدَ لأنَّه مُنعِم يَستحقُّه لأنَّه منعوتٌ بصفات الكمالِ، وأنَّ إنعامَه على وجه الحكمةِ والصواب، وعن علمٍ بوضع الاستحقاق والاستيجاب.\nثم فصَّل علمَه وحكمتَه بعد الإجمال بقوله:\n\n<span id=\"aya-3608\"> </span>(٢) - ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾.\n﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾: مِن ماء المطر وعروقِ النبات وأصولِ الأشجار، وأمَّا الكنوز والدفائنُ والأمواتُ فممَّا يُوضَع (^٣) فيها، لا ممَّا يَلجُ فيها، والولوجُ: الدخولُ في المضيق (^٤).\n﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾: مِن مياهِ العيون والنباتِ والأشجار وحشرات الأرض، وأمَّا الفِلزَّات فممَّا يُخرَج لا ممَّا يَخرُج.\n_________\n(^١) في (ف): \"تفضيلًا\".\n(^٢) في (م): \"فقال\"، وسقطت من (ع) و(ي).\n(^٣) بعدها في (ف) و(ك): \"الناس\".\n(^٤) في (ك): \"مضيق\".","vol":"8","page":296},{"text":"﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: مِن الملائكة والكتبِ وقَطَراتِ الأمطار والصواعقِ وأمثالِ ذلك.\n﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: مِن الملائكة والأعمالِ والأَبْخرة والأَدخنة وغيرها، وتعديةُ ﴿يَعْرُجُ﴾ (^١) بـ (في)، يقال: عَرَجَ في الدَّرجة، إذا ارتقى.\n﴿وَهُوَ﴾ مع وفورِ هذه النِّعَم وسبوغِها ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالنِّعَم الدينيَّة؛ مِن العلم والحكمة والهداية ﴿الْغَفُورُ﴾ للمفرِّطينِ في أداءِ موجبِ (^٢) شكرِها، عقَّبه بهذين الوصفين تتميمًا للمقصود، يعني أنَّه تعالى مع أنَّه أولاهم بتلك النِّعم وشَهدَ منهم ذلك التقصيرَ، يَزيدُ في تلك النعمة، ويَغفر لهم ذلك التفريط.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3609\"> </span>(٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ النفيُ إمَّا إنكارٌ، وإمَّا استبطاءٌ للموعود واستهزاءٌ وسخريةٌ، كقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨].\n﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ردٌّ لقولهم، وإثباتٌ لِمَا نَفَوهُ بما هو الغاية في المبالغة بتكرير (^٣) الإيجاب مع التأكيد القَسَمي، وإتباعِ المقسوم به بالوصف المقرِّر لوقوعه، والتعليلِ الموجب لثبوته (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"عرج\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الواجب\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"بتنكير\".\n(^٤) في (ك) و(م): \"لثبوته\".","vol":"8","page":297},{"text":"وقرئ: (ليأتينكم) بالياء التحتانية (^١)؛ على أنَّ الساعةَ بمعنى اليوم، أو على أنَّ الفاعل: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ أي: ليَأتينَّكم أمرُه، وعلى الأول كان المذكور رفعًا على المدح؛ أي: هو عالمُ الغيبِ، أو: مبتدأ، خبره: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾.\nوقرئ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بالجرِّ، صفةٌ لـ (ربِّي)، و(علَّامِ الغيوبِ) (^٢)؛ للمبالغة.\nو﴿لَا يَعْزُبُ﴾ بضمِّ الزاي وكسرِها (^٣)؛ مِن العُزُوب، وهو البُعْدُ.\n﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾: مقدارُ أصغرِ نملةٍ (^٤).\n﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ جملةٌ مؤكِّدةٌ لنفي العزوب، ورفعُهما على الابتداء، ويؤيّده القراءةُ بالفتح فيهما (^٥)، على نفي الجنس، كقوله: لا حول ولا قوَّة، بالرفع والنصب.\nوالاستثناءُ في قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ - أي: اللوح المحفوظ (^٦) - يأبى عطفَ المرفوعِ على ﴿مِثْقَالُ﴾ والمنصوبِ على ﴿ذَرَّةٍ﴾ على أنَّ فتحَه لامتناعِ\n_________\n(^١) نسبت لطليق - أو طلق - عن بعض أشياخه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٨٦).\n(^٢) قرأ ﴿عَالِمِ﴾ بالرفع نافع وابن عامر، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿علّاَمِ﴾ بصيغة المبالغة والجر، وباقي السبعة: ﴿عالمِ﴾ بالكسر، وفيها جميعًا: ﴿الْغَيْبِ﴾ بالإفراد. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٠). وذكر الزمخشري: (عالمُ الغيوب) بالرفع على المدح. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٦٨).\n(^٣) قرأ بالكسر الكسائيُّ، وقرأ الباقون بالرفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٢). وكلمة: \"الزاي\" تحرفت في النسخ عدا (ك) إلى: \"الراء\".\n(^٤) في (ك): \"أنملة\".\n(^٥) نسبت للأعمش وقتادة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١).\n(^٦) سقط من (ف) و(ك).","vol":"8","page":298},{"text":"الصَّرْف، إلَّا أنْ يُجعل الضميرُ في ﴿عَنْهُ﴾ للغيب، ويُجعلَ المثبَت في اللوح بارزًا عن الغيب مشهودًا للملأِ الأَعلى، كما قال بعضُهم، ولا يُساعده المعنى؛ لأنَّ المعنى الغيبي إذا أُبرز إلى الشهادة (^١) لم يَعزُب عنه، بل بقيَ في الغيب على ما كان عليه مع بروزِه، فهي جملةٌ مستقلِّةٌ، والواوُ عاطفةٌ للجملة على الجملة، لتَناسُبهما في بيانِ علمه تعالى لا بالغيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3610\"> </span>(٤) - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ تعليلٌ لقوله: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ إذ لا تعبَ فيه ولا مَنَّ عليه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3611\"> </span>(٥) - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالإبطال وتزهيدِ الناس فيها.\n﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مسابقين؛ ليفوتونا، وقرئ: ﴿مُعَجِّزِينَ﴾ (^٢)؛ أي: مثبِّطينَ الناسَ عن قَبولها.\n﴿مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ الرِّجْزُ: سوءُ العذاب.\n﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤلِمٌ، قرئ: بالرفع والجرِّ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"للشهادة\".\n(^٢) قراءة ابن كثير وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٨).\n(^٣) قرأ بالرفع ابن كثير وحفص وباقي السبعة بالجر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٠).","vol":"8","page":299},{"text":"<span id=\"aya-3612\"> </span>(٦) - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\n﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: ويَعلمُ أولو (^١) العلم مِن أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ومَن تابعهم مِن أمَّته، أو علماءُ أهلِ الكتاب الذين أَسلموا، كعبد اللَّه بن سَلَام وكعبِ الأحبار وأضرابِهما.\n﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآنَ ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ مفعولان لـ ﴿يَرى﴾، و﴿هُوَ﴾ فَصْلٌ (^٢)، ومَن رفع (الحقّ) (^٣) جعله مبتدأً، و(الحقُّ) خبرًا، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ ﴿وَيَرَى﴾ وهو في محلِّ الرفع على أنَّه كلامٌ مستأَنف للاستشهاد بأُولي العلم على الجهلةِ الساعينَ في الآيات.\nوقيل: في محلِّ النصب عطفًا على ﴿لِيَجْزِيَ﴾؛ أي: ليَعلم العلماءُ عند مجيءِ الساعةِ أنَّه الحقُّ عيانًا كما علموا (^٤) الآن برهانًا، فيحتجُّوا به على المكذِّبين السَّاعين، أو: ليَعلم علماءُ أهلِ الكتاب الذين لم يُؤمِنوا حينئذٍ أنَّه الحقُّ، فيزدادوا حسرةً وغمًّا.\n﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ الذي هو التوحيد والتدرُّعُ بلباس التقوى.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"الذين أوتوا\".\n(^٢) في (ع) و(ي): \"أفضل\".\n(^٣) حكاها أبو معاذ، ونسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١)، و\"البحر\" (١٧/ ٣٩٤).\n(^٤) في (ك): \"علموه\".","vol":"8","page":300},{"text":"<span id=\"aya-3613\"> </span>(٧) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال بعضُ كفَّار قريشٍ لبعض: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ يعنُون محمَّدًا ﵊، وإنَّما عبَّروا عنه بـ ﴿رَجُلٍ﴾ على التنكير ولم يَذكروه باسمه - مع شهرتِه فيما بينهم - للتعجُّب (^١)، وإخراجِ كلامه (^٢) مخرجَ الأعاجيبِ التي لا يُعرَف ناقلُها وواضعُها، بل تُحكى للتلهِّي والسخرية، فلذلك أُخرجَ هو مخرج مَن لم يعرف، وفي قوله:\n﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ دون: يُخبركم، تأييدٌ لِمَا ذكر، فإنَّ النبأ خبرٌ فيه غرابةٌ وشأنٌ.\n﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾: إذا مُتُّم وفرِّقتم ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ ونصبٌ على المصدر، أو على الظرف على أنَّه اسمُ مكانٍ؛ أي: فرِّقتم كلَّ تفريقٍ وصرتُم ترابًا، أو كلَّ موضعِ تفريقٍ، كبطون السباع، وحواصل الطيور، ومذاهب السيول.\nوالعاملُ في الظرف (^٣) ما دلَّ عليه: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: بُعثتم وجُدِّد خَلْقكم، و﴿جَدِيدٍ﴾ وفَعِيل بمعنى فاعل مِن جَدَّ، أو بمعنى مفعول (^٤) مِن جَدَّهُ الناسِجُ إذا قَطَعهُ، وأصله في الثوب ثم شَاعَ.\nوإنَّما قدِّم الظرفُ اعتناءً باستبعاده، وإيذانًا بأنَّه سببُ التعجُّب، لبُعدِه عن (^٥)\n_________\n(^١) في (ك): \"للتعجيب\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وإخراجا لكلامه\".\n(^٣) يعني بالظرف: ﴿إِذَا﴾.\n(^٤) في (ك): \"المفعول\".\n(^٥) في (م): \"من\".","vol":"8","page":301},{"text":"العقول، وأصله: يُنبِّئكم أنَّكم تُبعَثون ويُجدَّد خَلْقكم إذا متُّم، فقدِّم وأخِّر وبدِّل وغيِّر لما قلنا، ولذلك بالغُوا في التأكيد بـ (إنَّ) واللامِ مُتعجِّبين ومُعجِّبين مِن جزمه بالبعث؛ أي: لا يُقنَع بإمكانه، بل يُجزَم بوقوعِ (^١) محالٍ مثلِه، وهذا هو السبب في حصرِهم قولَه ﵊ في الافتراء والجنون؛ بناءً على أنَّ كونه صدقًا وحقًّا أمرٌ بيِّنُ الاستحالة عندهم، فالترديد بين قِسْمي الكذب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3614\"> </span>(٨) - ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾.\n﴿أَفْتَرَى﴾ ألفُ استفهامٍ دخلت على الألف المجتلَبة فأَسْقَطتْها؛ للاستغناء عنها، ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: أقصدَ وتعمَّدَ كذبًا بالغًا في كَذِبه.\n﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾: أم حلَّ به جنونٌ فيقولَ بغيرِ قصدٍ، عادَلوا بين الافتراء والجنون؛ لأنَّ هذا القولَ عندهم إنَّما يَصدُر عن أَحَدِ هذين؛ لأنَّه إنْ كان يَعتقد خلاف (^٢) ما أَخبر به فهو مفترٍ، وإنْ كان لا يعتقد فهو مجنون.\n﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ أَضربَ عن تقسِيمهم لبطلانه، إلى أنَّ الكافرين وقعوا بسببِ إنكارِهم للبعث وعدمِ إيمانِهم بالدار الآخرةِ (^٣)، في العذاب والضلال معًا، ولم يَفطنوا (^٤) - لغاية ضلالهم - للقِسْم الثالث الذي هو الحقُّ، وأنَّه ﵊ بعيدٌ مِن القسمين المذكورين، لم يقلْ إلَّا صدقًا وحقًّا.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بوقوعه\".\n(^٢) سقط من (ف) و(ك).\n(^٣) في (م): \"وعدم إيجازهم أي وعدم إيمانهم بالآخرة\".\n(^٤) في (ك): \"ولم يتفطنوا لغاية\".","vol":"8","page":302},{"text":"ووُضع الموصول موضعَ الضمير للإيذان بأنَّ سببَ استبعادهم للبعث ونسبةِ الافتراء والجنون إليه - الذي هو الضلالُ المحض - إنَّما هو عدمُ إيمانهم بالآخرة.\nوقُرن العذاب بالضلال إشعارًا بأنَّ العذابَ يلزم الضلالَ غير منفكٍّ عنه كأنَّهما في وقتٍ واحدٍ؛ لسرعة أداءِ الضلالِ إليه، ووصفُ الضلال بالبُعد مِن الإسناد (^١) المجازي؛ لأنَّ البعدَ صفةُ الضلال إذا بَعُدَ عن الجادَّة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3615\"> </span>(٩) - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.\n﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ تذكيرٌ لهم بما هم معاينوه مِن كمال قدرةِ اللَّه تعالى، وتهديدٌ على تكذيبهم؛ أي: أَعَمُوا فلم ينظروا إلى ما أَحاط بجوانبهم مِن السماء والأرض، فيستدلُّوا بذلك على أَنَّهم في سلطان اللَّه تعالى تجري عليهم أحكامه!\n﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعلنا بقارونَ ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ قطعةً ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما فَعَلنا بأصحاب الأَيْكة؛ لتكذيبهم بالآيات البيِّنات بعد ظهورها.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في النظر إلى ما بينَ أيديهم وما خَلْفهم مِن السماء والأرض ﴿لَآيَةً﴾ بيِّنةً، ودلالةً واضحةً على قدرة اللَّه تعالى.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"أي\".","vol":"8","page":303},{"text":"﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾: راجعٍ إلى اللَّه تعالى؛ لأنَّ الراجعَ إليه تعالى متفكِّر (^١) في آياته الدالَّة على أنَّه قادرٌ على البعث وعلى عقاب المكذِّبين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3616\"> </span>(١٠) - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ على سائرِ الناس؛ ويندرج فيه النبوَّةُ والكتاب والملك (^٢) والصوت الحسن، أو على سائر الأنبياء في زمانه؛ وهو ما ذكر بعده مِن المعجزات الخاصَّة به.\n﴿يَاجِبَالُ﴾ بدلٌ مِن ﴿فَضْلًا﴾ بإضمار: قولنا، أو مِن ﴿آتَيْنَا﴾ بإضمار: قلنا.\n﴿أَوِّبِي﴾ رجِّعي ﴿مَعَهُ﴾ التسبيحَ، وقرئ: (أُوْبِي) (^٣) مِن الأَوْبِ؛ أي: ارْجِعي معه في التسبيح؛ لأنَّه إذا رجَّعه فقد رجَع فيه، وذلك بخَلْق صوتٍ فيها مثلَ صوتِه؛ معجزةً له، كخَلْق الكلام في الشجرة.\nوقيل: سيري معه أينما سارَ.\n﴿وَالطَّيْرَ﴾ وقرئ بالرفع (^٤) عطفًا على لفظ الجبال؛ تشبيهًا للحركة البنائية - لكون بنائه بسبب العارض، وهو وقوعُ منادًى مقامَ (^٥) مبنيِّ الأصل وهو كافُ أدعوكَ -\n_________\n(^١) في (ك): \"يتفكر\".\n(^٢) سقط من (ف) و(ك).\n(^٣) نسبت لابن عباس والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١).\n(^٤) نسبت للأعرج وعبد الوارث عن أبي عمرو. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١).\n(^٥) في (ي): \"موقوع\".","vol":"8","page":304},{"text":"بالحركة الإعرابيَّة، أو عطفًا على فاعل: ﴿أَوِّبِي﴾؛ أي: أوبي أنتِ والطيرُ، كقوله: اشكر أنت والطيرُ، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥].\nوبالنصب على محلِّه (^١)، ولا تأييدَ في القراءة بالرفع لهذا (^٢)؛ لأنَّ مبناهُ على أنْ يتعيَّن فيها العطف على لفظ الجبال، وقد عرفتَ أنَّه غير متعيِّن، أو على أنَّه مفعول معه.\nوقيل: عطفًا على ﴿فَضْلًا﴾ بمعنى: وسخرنا له الطير، وأصل النظم: ولقد آتينا داود منا فضلًا تأويبَ الجبالِ والطيرَ، وعدل إلى هذه الصيغة للفخامة والجزالة، والدلالة على كمال قدرته تعالى وعزَّة سلطانه وكبريائه.\nوجعل الجبال والطير كالعقلاءِ المطيعين الذين إذا دعاهم سمعوا وأجابوا، وإذا أَمرهم أذعنوا وأطاعوا؛ إشعارًا بأنَّ كلَّ حيوانٍ وجمادٍ مطيعٌ له ومنقادٌ لمشيئته غيرُ ممتنعٍ على إرادته.\n﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾: وجعلناهُ له ليِّنًا كالشمع، يُصرِّفه بيده كيف شاءَ بغير إحماءٍ بنارٍ ولا ضربٍ بمطرقة، بإلانَتِه أو بشدَّة قوَّته (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3617\"> </span>(١١) - ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) أي: على محل الجبال، والقراءة بالنَّصب هي قراءة العشرة في المشهور عنهم.\n(^٢) رد على البيضاوي في قوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطفٌ على محل الجبال، ويؤيده القراءة بالرفع عطفًا على لفظها).\n(^٣) بعدها في (ف): \"﵇\".","vol":"8","page":305},{"text":"﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ (أنْ) هي المفسِّرة؛ أي: أمرناهُ أنِ اعمل، أو المصدريَّة؛ أي: بأن اعمل.\n﴿سَابِغَاتٍ﴾: دروعًا ضافياتٍ (^١)، يقال: سَبَغَ الثوبُ، إذ غطَّى كلَّ ما هو عليه وفَضَلَ منه، والمراد: زيادته على البدن حتَّى يسترَ الساعدين والساقين، وهو أوَّل مَن اتَّخذها، وكانت قبل ذلك صفائحَ وكانت ثقالًا، ولذلك أَمَره بالتقدير؛ بأنْ يَجمع بين الخفَّة والحصانة؛ أي: لا تَقصِد الحصانةَ فتَثقُلَ، ولا الخفَّةَ فتزولَ المنفعةُ.\n﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: سَرْدِ الدِّرعِ، وهو أنْ تُحكِمَها وتجعلَ نظامَ حَلَقِها ولاءً غيرَ مختلفة (^٢)، ومنه سَرْدُ الكلامِ: نَظْمُه في نسقٍ واحدٍ.\nوقيل: التَّقديرُ: أمر به في قَدْرِ الحَلْقة (^٣)؛ أي: لا تجعلها صغيرةً فتَضعُفَ ولا يَقوى الدرعُ على الدفاع، ولا كبيرةً فيُنالَ لابسُها مِن (^٤) خِلالها.\nوقيل: هو في المسمار؛ أي: اجعل المسامير (^٥) على قَدْرِ الحلَق؛ لا تُغلِّظها فتُختَرقَ، ولا تُدقِّقها فتَعلقَ.\nوهذان القولان (^٦) على الوجهين المذكورين في تفسير: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، فردُّ الأخيرِ بأنَّ دروعها لم تكن مسمَّرةً مردودٌ؛ لأنَّ عدمَ الحاجة إلى التسمير على\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"صافيات\"، وفي (ف): \"صافنات\"، والمثبت من (ك).\n(^٢) في (ك): \"مختلف\".\n(^٣) في (ع) و(ي): \"في قدرها الحلقة\" وفي (م): \"وقدرها الحلقة\".\n(^٤) \"من\": ليست في (م).\n(^٥) في (ك): \"المسمار\".\n(^٦) في النسخ عدا (ك): \"وهذين القولين\".","vol":"8","page":306},{"text":"تقدير أن يكون الحديدُ ليِّنًا بإلانته تعالى، وأمَّا إذا كان على طبيعتِه وليَّنه داودُ ﵇ بشدَّة قوَّته، فلا بُدَّ مِن التسمير، وبهذا التفصيل ظهر فسادُ ما قيل: ويؤيد الرَّدَّ المذكورَ: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾.\n﴿وَاعْمَلُوا﴾ الضمير لداودَ ﵇ وأهلِه ﴿صَالِحًا﴾ عملًا يُوافقُ أمرَ اللَّه تعالى ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ترغيبٌ وترهيبٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3618\"> </span>(١٢) - ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾: وسخَّرنا لسليمان الريحَ (^١) فيمَن نَصَبَ، و: لِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ مسخرةٌ فيمَن رَفَعَ (^٢).\n﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾؛ أي: جَريُها بالغداةِ مسيرةُ شهرٍ، وجَريُها بالعشيِّ كذلك.\n﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: النحاسِ المذابِ، أساله مِن معدنِ النحاس، فكان ينبعُ له نبوعَ الماء مِن الينبوع، ولذلك سمَّاه ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾، وكان ذلك باليَمَن.\n﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ﴾ ﴿وَمَن﴾ في محلِّ النصب عطفًا على ﴿الرِّيحَ﴾، و﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ حالٌ مُتقدِّمة، أو في محلِّ الرفع على الابتداء، و﴿وَمِنَ الْجِنِّ﴾ خبرُه.\n﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: قُدَّامَه ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: بتيسيره، وقد سبق وجهُ هذه الاستعارة في سورة الأحزاب.\n_________\n(^١) بعدها في (ف) و(ك): \"مسخرة\".\n(^٢) هي قراءة شعبة عن عاصم، وحفص وباقي السبعة بالنَّصب. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٠).","vol":"8","page":307},{"text":"﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾: يَعدِلْ ﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرناه به مِن طاعة سليمان ﵇ ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: عذابِ النار، قيل: كان معه مَلَكٌ بيده سَوطٌ مِن نارٍ، فمَن زَاغَ عن أمرِه، ضَرَبه ضربةً أَحْرقته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3619\"> </span>(١٣) - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.\n﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾؛ أي: مساجدَ، إنَّما عبَّر عن المسجد بالمحراب؛ لاختصاصه به مِن بين سائر البيوت (^١).\n﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ صورَ الملائكةِ والنبيينَ والعُبَّادِ؛ كانت تُعمَل في المساجد على هياكلِ العبادات التي اعتادوها ليراها الناسُ، فيَعبدوا نحوَ عبادتهم، ولم يكن عملُ التصاوير إذ ذاك حرامًا.\n﴿وَجِفَانٍ﴾ وصِحافٍ ﴿كَالْجَوَابِ﴾: جمع جابية، وهي الحوض الكبير (^٢)؛ لأنَّ الماء يُجبى فيها؛ أي: يُجمَع، جُعل الفعلُ لها مجازًا، وهي مِن الصفات الغالبة كالدَّابَّة.\n_________\n(^١) إن أراد بالمحراب المكان المعروف الذي يقف بحذائه الإمام، ففيه نظر على ما يفهم من كلام بعض العلماء؛ لأنَّهُ على ما قال الشهاب والآلوسي: (مما أحدث في المساجد ولم يكن في الصدر الأول كما قال السيوطي، وألف في ذلك رسالة، ولذاكره الفقهاء الوقوف في داخله). انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ١٩٤)، و\"روح المعاني\" (٢٢/ ٤٣). ورسالة السيوطي بعنوان: \"إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب\" وقد طبعت مرارًا. والقول بأن المراد بالمحاريب المساجد مبني عند الآلوسي على أن المحراب اسم لحجرة في المسجد يعبد اللَّه تعالى فيها أو لموقف الإمام.\n(^٢) قوله: \"جمع جابية وهي الحوض الكبير\" تأخَّر في (ف) و(ك) إلى ما بعد قوله: \"مجازًا\".","vol":"8","page":308},{"text":"وقرئ بحذف الياء اكتفاءً بالكسرة (^١)، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦].\n﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: ثابتاتٍ على الأَثافي لا تنزلُ عنها، كنايةً عن عِظَمِها، وهذه الكنايةُ كانت في منزلة التشبيه في قرينها.\n﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ حكايةٌ لِمَا قيل لهم، و﴿شُكرًا﴾ مفعوله، أو حالٌ بمعنى: شاكرين، أو نُصبٌ على المصدر؛ أي: اشكروا شكرًا، وحُذفَ فِعْله لدلالة ﴿اعْمَلُوا﴾ عليه مِن حيث إنَّ العملَ للمُنعِم شكرٌ له، ويجوز أن يكون مفعولًا به على طريقة المشاكلة، بمعنى: إنَّا سخَّرنا لكم الجِنَّ يعملونَ لكم ما شِئتم، فاعملوا أنتُم لنا شكرًا.\n﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ المتوفِّر على أداء الشكر بقلبه ولسانِه وجوارحه في أكثرِ أوقاته (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3620\"> </span>(١٤) - ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.\n﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾: على سليمانَ ﴿الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ﴾ الضمير للجِنِّ ﴿عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأَرَضةُ اسمها: السُّرْفَة، والأَرْضُ - وهو تأثُّر الخشبة منها - فِعلُها (^٣)، فأُضيفت إليه.\n_________\n(^١) أثبت الياء وصلًا ووقفًا ابن كثير، وأثبتها في الوصل ورش وأبو عمرو، وباقي السبعة بحذفها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٢).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الأوقات\".\n(^٣) في (ك): (بفعلها).","vol":"8","page":309},{"text":"﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ المِنْسَأة: العصا؛ لأنَّه يُنسأُ بها؛ أي: يُطرد ويُؤخَّر، وقرئ: بفتح الميمِ وتخفيفِ الهمزة قلبًا وحذفًا (^١)، وكلاهما ليس بقياسٍ، ولكن [إخراج الهمزة بينَ بينَ هو] التخفيف القياسي.\nو: (مِنْسَاءته) على مِفْعالَة (^٢)، كما يقال في المِيْضَأة: مِيْضاءَة.\nو: ﴿مِنْسَأَتَهُ﴾ (^٣)؛ أي: مِن طَرَفِ عصاهُ، استُعيرت مِن سَأَةِ القوسِ، وفيه لغتان؛ كقَحَةٍ وقِحَةٍ.\n﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ مِن تَبيَّن الشيءُ: إذا ظَهَر وانجلى (^٤)، أو مِن تَبَيَّنهُ: إذا تحقَّقه.\n﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ ﴿أَنْ﴾ مع صلتها بدلٌ مِن ﴿الْجِنُّ﴾ بدلَ الاشتمال؛ كقولك: تبيَّن زيدٌ جهلُه؛ أي: تبيَّن جهلُ زيدٍ، أو مفعول به.\nوعلى الأول الظهور في المعنى للمُبدَل مِن الجنِّ لا لهم؛ أي: ظهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيب ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.\nوعلى الثاني معناه: تحقَّق الجنُّ أنْ لو كانوا يعلمون الغيبَ كما يزعمونَ لعلموا\n_________\n(^١) أي: بقلبها ألفًا، أو بحذفها بالكلية، فهما قراءتان ذكرهما في \"الكشاف\" (٣/ ٥٧٣) والكلام وما سيأتي بين معكوفتين منه، و\"البحر\" (١٧/ ٤١٤).\nوقرأ بالتسهيل لكن مع كسر الميم نافع وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٠).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٧٣)، و\"البحر\" (١٧/ ٤١٤).\n(^٣) نسبت لعمرو بن ثابت عن سعيد بن جبير. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٨٦).\n(^٤) في (م): \"وتجلى\".","vol":"8","page":310},{"text":"بموته حالَ وقوعه فلم يَلبثوا بعده حولًا في تسخيره، أو: عَلِم الجنُّ كلُّهم عِلْمًا بيِّنًا بعد التباسِ الأمرِ على عامَّتهم وضَعَفَتهم، وتوهُّمهم أنَّ كبراءَهم يَصدُقون في ادِّعائهم علم الغيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3621\"> </span>(١٥) - ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.\n﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ الانتظامُ بيِّنٌ في القصَّتين؛ أنَّ الأولى في مدح الشَّكور، والثانيةَ في ذمِّ الكفور وبيانِ جزاءِ كفرانه.\nوقرئ: ﴿لِسَبَإٍ﴾ مُنصَرِفًا؛ أي: لأولادِ سبأٍ، وهو سَبَأُ بنُ يَعْرُبَ بنِ قَحطانَ، وبالفتح ممنوعًا عن الصَّرْف (^١)؛ على معنى القَبيلة أو المدينة، و: (سبا) بقلب الهمزة ألفًا (^٢).\n﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾: مواضعِ سُكْناهم، وهي باليمن، يقال لها: مَأْرِب، وقرئ: ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ بفتح الكاف وكسرها (^٣) حملًا على ما شذَّ مِن القياس، كالمَسْجد والمَطْلِع.\n﴿آيَةٌ﴾؛ أي: عَلَامةٌ تدلُّ أنَّ لهم إلهًا خَلَقهم ورزقهم؛ لأنَّ ما أَعطاهم مِن أنواع الشجر وألوانِ الثمر كان خارجًا عن وُسْعِ البشر.\n_________\n(^١) قرأ أبو عمرو، البزيُّ عن ابن كثير: ﴿لِسَبأَ﴾، وقرأ قنبل: ﴿لِسَبأَ﴾، وقرأ الباقون: ﴿لِسَبأٍ﴾. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٧)، و\"النشر\" (٢/ ٣٣٧).\n(^٢) قرأ بها ابن كثير في غير المشهور عنه. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٤٤).\n(^٣) قرأ بالكسر الكسائي، وقرأ بالفتح مفردًا حمزة وحفص، وقرأ الباقون بالكسر جمعًا. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٠).","vol":"8","page":311},{"text":"﴿جَنَّتَانِ﴾ بدلٌ مِن ﴿ءَايَةٌ﴾، أو: خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي جنتان، وقرئ بالنَّصب (^١) على المدح، ودلَّ ذلك على أنَّ في رفعه معنى المدح، والمراد: جماعتان مِن البساتين، لا بستانان اثنان.\n﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ جماعة عن يمينِ بلدهم، وجماعة عن شمالِه، كلُّ واحدٍ منهما لتقارب بساتينها وتضامِّها (^٢) والتفافِ أغصانها كجنَّةٍ واحدةٍ، أو بستانُ كلِّ رجلٍ منهم عن يمين مسكنه وشماله.\n﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ حكايةٌ لِمَا قيل لهم؛ أي: قلنا على لسانِ الأنبياء ﵈ المبعوثين إليهم، أو هم أحقَّاء بأنْ يقال لهم، أو قال لهم لسانُ الحال.\n﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ لم تكن سَبْخةً، ولا عاهَةَ فيها ولا هامَّةَ، استئنافٌ للدلالة على مُوجِب الشكر، وتعليلٌ للأمر؛ أي: هذه البلدةُ التي فيها رزقُكم بلدةٌ طيبة.\n﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾: وربُّكم الذي رَزَقكم وطَلَبَ شُكرَكم ربٌّ غفورٌ فَرَطاتِ مَن يَشكُره.\nوقرئ: (بلدةً .... وربًّا) بالنصب على المدح (^٣)، أو: اسْكُنوا واعبدُوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3622\"> </span>(١٦) - ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾.\n_________\n(^١) أي: (جنتين)، ونسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٢٠).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"ونظامها\".\n(^٣) نسبت ليعقوب في غير المشهور عنه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١).","vol":"8","page":312},{"text":"﴿فَأَعْرَضُوا﴾ عن الشُّكر ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ جمع: عَرِمَة؛ وهي الحجارةُ المركومةُ، والمراد: المُسنَّاةُ التي عقدوها سِكْرًا.\nوقيل: ﴿الْعَرِمِ﴾ اسمُ الوادي الذي فيه السِّكْرُ، أو الوادي الذي جاء منه السيلُ، وقيل: المطرُ الشديدُ، أو الجُرَذ الذي نَقبَ السِّكْرَ عليهم.\n﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ تسميةُ اللّهِ لهم جنَّتين؛ للمشاكَلَة مع التهكُّم.\n﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ الأُكُلُ بالضَّمِّ والسكون: الثَّمَر، والخَمْطُ: شجرُ الأراك، وقيل: كلُّ شجرٍ ذي شوكٍ، وقيل: كلُّ نبتٍ أَخذ طعمًا مِن مرارةٍ حتَّى لا يُمكِن أكلُه.\nوقرئ: ﴿أُكُلٍ﴾ بالتنوين، والإضافة إلى ﴿خَمْطٍ﴾ (^١)، وإذا نوِّن جعل ﴿خَمطٍ﴾ وبدلًا منه، كأنَّه قيل: ذواتي أُكُلٍ بشعٍ، أو جعل أصله: ذواتي أُكُلٍ أُكُلِ خمطٍ، بحذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، وأمَّا الإضافة؛ فلأنَّ الخمطَ في معنى البَرِير وهو ثمرُه.\n﴿وَأَثْلٍ﴾: شجرٌ يُشبِه الطَّرْفاءَ أعظمُ منه وأجودُ عودًا.\n﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ السِّدْر: شجرُ النَّبِق، وهو ممَّا يطيبُ أكلُه، ولذلك كان يُغرَس في الجنان الأُوَل (^٢) ويُرغَب فيه، ولذلك قيَّده بالقلَّة، وبالغَ فيه بقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾؛ أي: بقيَ أثرٌ مّا منه على (^٣) الجنانِ المُبدَلة يتذاكرونَ به ما كان\n_________\n(^١) قرأ بالإضافة أبو عمرو، وباقي السبعة بالتنوين. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٠).\n(^٢) \"الأول\" ليس في (ف) و(ك).\n(^٣) في (ك): \"في\".","vol":"8","page":313},{"text":"ويتحسَّرون عليه، والأَثْلُ والسِّدرُ معطوفان على ﴿أُكُلٍ﴾ لا على ﴿خَمْطٍ﴾، فإنَّ ﴿الأثل﴾ لا أُكُلَ له.\nوقرئ: (وأثلًا .... وشيئًا) بالنصب (^١)، عطفًا على ﴿جَنَّتَيْنِ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3623\"> </span>(١٧) - ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.\n﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾: بسبب كفرانهم النعمةَ، أو: بسبب كفرِهم بالرُّسل، وتقديم المفعول على ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾ (^٢)؛ للاهتمام والتعظيم، ولذلك أُشير إليه بـ ﴿ذَلِكَ﴾.\n﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ (^٣) لمَّا استُعمل الجزاءُ في معنى العقاب قيل: هل نُجازي، بمعنى: نعاقب؛ أي: هل نُجازي بمثلِ هذا الجزاءِ، وهو العقابُ العاجلُ ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾: إلَّا البليغَ في الكفران أو الكفرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3624\"> </span>(١٨) - ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالتوسعةِ على أهلها، وهي قرى\n_________\n(^١) نسبت للفضل بن إبراهيم. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١).\n(^٢) في (م): \"مع جزينا\".\n(^٣) في (م): \"يجازى\"، وهي والمثبت قراءتان سبعيتان، فقد قرأ حفص وحمزة والكسائيّ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ بالنُّون وكسر الزَّاي ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ بالنَّصب، والباقون بالياء وفتح الزَّاي والرَّفع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨١).","vol":"8","page":314},{"text":"الشام ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾: متواصلةً يُرى بعضُها مِن بعضٍ، أو: راكبةً متنَ الطريق ظاهرةً للسابلة (^١).\n﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ قيل: كان الغادي (^٢) منهم يَقيلُ في قريةٍ، والرائحُ يبيتُ في قريةٍ، إلى أنْ يَبلُغ الشامَ، لا يخاف جوعًا ولا عطشًا ولا عدوًّا، ولا يحتاج إلى حملِ زادٍ ولا ماءٍ.\n﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ على إرادة القول بلسان الحال، إذ لا قولَ لهم ثمَّة، ولكنْ لمَّا هيِّئت أسبابُهم ومُكِّنوا مِن السير، كأنَّهم (^٣) أُمِروا بذلك وأُذِنوا فيه.\n﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾؛ أي: إنْ شئتم بالليل، وإنْ شئتم بالنهار؛ فإنَّه لا يختلف الأمرُ فيها باختلاف الأوقات.\nأو: سيروا فيها آمنينَ وإنْ طالت مدَّةُ سفرِكم وامتدَّت أيامًا ولياليَ.\nأو: سيروا لياليَ أعمارِكم وأيامَها لا تَلقَون فيها إلَّا الأمنَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3625\"> </span>(١٩) - ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.\n﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ سئموا أطيبَ العيشِ، وملُّوا (^٤) العافيةَ والترفُّهَ، وبَطِروا النعمةَ، فطلبوا الكَدَّ والتعبَ، كما طَلب بنو إسرائيل الثومَ والبصلَ مكانَ\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"للسائلة\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"القادم\".\n(^٣) في (م): \"كأنه\".\n(^٤) في (ك): \"وهو\".","vol":"8","page":315},{"text":"المَنِّ والسَّلْوى، وهو بأن (^١) يَجعل اللّهُ تعالى بينهم وبين الشام مفاوزَ ليرَكبوا الرواحلَ ويتزوَّدوا الأزوادَ (^٢)، ويتطاولوا بها على الفقراء، فجعل اللّهُ لهم الإجابةَ بتخريب القرى المتوسِّطة.\nوقرئ: ﴿ربُّنَا باعَدَ﴾ (^٣) على لفظِ الخبر، ومعناه على خلاف ذلك (^٤)، وهو استبعادُ مسائرهم على قصدِها ودنوِّها لفَرْط تنعُّمهم وترفُّههم، وعدمُ الاعتداد بما أُنعم عليهم فيه، كأنَّهم (^٥) تشاحُّوا على ربِّهم وشَكَوا إليه.\nومثله قراءةُ مَن قرأ: (ربُّنا بَعَّدَ) (^٦)، أو: (ربَّنا بَعُدَ) على النداء، ورفعِ (بينُ) (^٧) بإسناد الفعل إليه.\n﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ حيث بَطِروا النعمةَ ولم يعتدُّوا بها.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾؛ أي: عظاتٍ وعِبَرًا، يُتحدَّث بهم ويُتمثَّل، فيقال: تفرَّقوا أَيدي سَبَا.\n﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾: وفرَّقناهم (^٨) .........................\n_________\n(^١) في (ك): \"أن\".\n(^٢) في (م): \"ويزدادوا الأزاود\".\n(^٣) قراءة يعقوب. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥٠).\n(^٤) سقط من (ك).\n(^٥) في (ك): \"قيل كانوا\".\n(^٦) نسبت لابن عباس وابن الحنفية وابن يعمر وآخرين. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٨٩)، و\"المحرر لوجيز\" (٤/ ٤١٦).\n(^٧) نسبت لسعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤١٦).\n(^٨) في هامش (ف) و(ي): \"عبارة القاضي: ففرفناهم، ولا يخلو ما فيها من سوء الأدب الناشئ عدم الوقوف عن فصاحة الواو الواقعة في كلام اللَّه تعالى. منه.\".","vol":"8","page":316},{"text":"غايةَ التفريق، لَحِقَ غسَّانُ بالشام، وأَنْمار بيثربَ، وجذام بتِهامة، والأَزْد بعُمَان.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على الطاعة والبلاءِ ﴿شَكُورٍ﴾ للنِّعم في الرخاء.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3626\"> </span>(٢٠) - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ﴾ بالرفع ﴿ظَنَّهُ﴾ بالنَّصب؛ أي: حقَّق عليهم ظنَّه صادقًا.\nوقرئ: بنصب (إبليسَ) ورفع (ظنُّه) (^١)؛ أي: وَجَدَهُ ظنُّه صادقًا.\nوقرئ بتخفيف ﴿صَدَّقَ﴾ (^٢) على الوجهين:\nومعنى الأول (^٣): صَدَقَ إبليسُ في ظنِّه، أو: صَدَقَ يَظنُّ ظنًّا، نحو: فعلتَه جهدَك؛ أي: أن تجهدَ جهدَك.\nومعنى الثاني (^٤): قال له ظنُّه الصدقَ حين خيَّلَه إغواؤهم يقولون: صَدَقَكَ ظنُّك.\nوبالتخفيف ورفعِهما (^٥)، على أنَّ (ظنُّه) بدلٌ منه؛ أي: صَدَقَ عليهم ظنُّ إبليسَ.\n_________\n(^١) انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٨٩)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٧٨).\n(^٢) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتشديد، والباقون بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨١).\n(^٣) أي: تخفيف (صَدَق) ورفع (إبليسُ) ونصب (ظنَّه)، وهي قراءة سبعية كما تقدم.\n(^٤) أي: تخفيف (صَدَق) ونصب (إبليسَ) ورفع (ظنُّه)، وهي قراءة شاذة كما تقدم. أما تشديد (صدَّق) مع كل من القراءتين فقد تقدم توجيهه، وكل القراءات مع توجيهها منقول من \"الكشاف\".\n(^٥) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢١)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٧٨).","vol":"8","page":317},{"text":"﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ إنْ جعلنا الضمير هنا وفي ﴿عَلَيهمْ﴾ لبني آدم، كان كالبرهان على أنَّ أهلَ سَبَأ اتَّبعوا الشيطان فأَغواهم.\nومعنى صِدْقِ ظنِّ إبليسَ في تخييله إغواءَهم: أنَّه حين وجد آدمَ ﵇ ضعيفَ العزم، وقد أَصغى إلى وسوسته، قال: إنَّ ذرِّيَّته أضعفُ عزمًا منه، فظنَّ بهم اتِّباعَه، وقال: لأُضلنَّهم ولأُغوينَّهم.\n﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قلَّل المؤمنين بالنسبة إلى الكفَّار على أنَّ ﴿مِنَ﴾ للبيان؛ أي: إلَّا فريقًا منهم المؤمنون؛ لقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وإنْ كان للتبعيض، فهم المخلَصون لقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3627\"> </span>(٢١) - ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أي: مِن تسلُّط واستيلاءٍ بالوسوسة والاستعلاء.\n﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾: إلَّا ليَظهر علمُنا بإيمانِ مَن آمَنَ، وشَكِّ مَن شَكَّ؛ بتميُّزهم عن (^١) مظاهر الرسول والمؤمنين.\nوقرئ: (ليُعلَم) على البناء للمفعول (^٢).\nوالمرادُ بالعلم متعلَّقُه؛ ليترتَّب عليه الجزاءُ، ولذلك علِّل التسلُّطُ به.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"على\".\n(^٢) نسبت للزهري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢).","vol":"8","page":318},{"text":"وفي (^١) قوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ وتغيير نظمِ الصِّلتين بإيرادِ الجملة الاسميَّة، وتنكيرِ الشَّكِّ، وجعلِه مَقَرًّا لهم، ما لا يخفى؛ أي: ممَّن هو راسخٌ في الشَّكِّ عظيمٌ لا يَرعوي منه؛ أي: لا يتوب وعلى الكفر يموت.\n﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ محافظٌ، والزِّنَتان متآخِيَتان (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3628\"> </span>(٢٢) - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾.\n﴿قُلِ﴾ للمشركين: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ حُذف مفعولا ﴿زَعَمْتُمْ﴾، والتَّقديرُ: زعمتُموه آلهةً، أمَّا الأول: فلطول الموصول بصلته، وأمَّا الثاني: فلقيام صفته مقامه، وهو: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهو حذفٌ شائعٌ إذا كان معلومًا، ولا يستقيم أن يكون هو مفعولَه الثاني؛ لأنَّ قولك: هم مِن دون اللَّه، لا يلتئم (^٣) كلامًا ولا (^٤) ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، لأنَّهم لم يَزعموا ذلك بل نقيضَه، والمعنى: ادعُوهم فيما يهمكُّم مِن جَلْبِ نفعٍ ودفعِ ضُرٍّ، كما تَدْعون اللّهَ تعالى، هل يستجيبون لكم بشيء؟!.\n﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ بأنفسهم واختيارِهم ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، أو نفعٍ\n_________\n(^١) في (ك): \"في\".\n(^٢) أي: فعيل ومفاعل يردان بمعنى واحد كثيرًا؛ كالجليس بمعنى المجالس، وليس المحافظ بمعنى: المواظب المداوم، بل بمعنى: الوكيل القائم على أحواله وأموره. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٠٠).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"يتم\".\n(^٤) في (ف) و(ك) و(م): \"و\" دون كلمة \"لا\".","vol":"8","page":319},{"text":"أو ضُرٍّ، استئنافُ الجوابِ عنهم بعدَ أمرِهم إشعار بأنَّه متعيِّن ضروريّ لا يَحتمل غيرَه، ولا يُمكنهم الإفصاح عنه لكونه حجَّةً عليهم.\nقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ تعميم عرفيٌّ؛ أي: لا يملكون شيئًا مّا في موضعٍ مّا، أو لأنَّ آلهتهم بعضها سماويَّة كالملائكة والكواكب، وبعضها أرضيَّة كالأصنام، أو لأنَّ الأسبابَ القريبةَ للخير والشَّرِّ إمَّا سماويَّة وإمَّا أرضيَّة، والجمل المعطوفة على الاستئنافية كلُّها لبيان منافاةِ صفاتهم للألوهيَّة بالكلية إلزامًا لهم.\n﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾: في هذين الجنسين؛ مِن شركةٍ في خَلْقهما ولا في ملكِهما.\n﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾: مِن مُعِينٍ (^١) يُعينه على خَلْقهما وتدبيرهما، يعني أَنَّهم في العَجْز والبُعْد عن صفات الربوبيَّة بهذه المثابة، فكيف يصحُّ أنْ يُعبَدوا ويُدعَوا ويُرجَوا كما يُعبَد اللّهُ تعالى ويُدعى ويُرجى؟!.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3629\"> </span>(٢٣) - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\n﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾؛ أي: لا تَنفعهم مِن جهة الشفاعة أيضًا كما تزعمون (^٢)، إذ لا تنفع الشفاعة عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ قرئ على البناءَين (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"عون\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"تدعون\".\n(^٣) قرأ بالبناء للمجهول أبو عمرو وحمزة والكسائي، والباقون للمعلوم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨١).","vol":"8","page":320},{"text":"أي: إلَّا لمن أَذِنَ - له أن يَشْفَعَ، أوْ: لمن أَذِنَ أن يُشفَعَ له (^١)، فإنَّ اللامَ المتعلِّقة بالشفاعة قد تكون للشافع، وقد تكون للمشفوع له، والأليق بهذا الموضع أن تكون بمعنى المشفوع له واللام الثانية كالثابتة (^٢) في قولك: أذن لبزيدٍ لعمرٍو؛ أي: لأجْله، والمعنى: لا تنفع الشفاعةُ إلَّا كائنةً لمَن وقع الإذنُ للشفيع لأجله، حتَّى يكون ردًّا (^٣) لقولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه؛ أي: لا تنفعكم شفاعتهم؛ لأنَّهم لا يُؤذَنون أن يشفعوا.\n﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ غايةٌ لمفهوم الكلام، فإنَّ توقُّفَ الشفاعةِ على الإذن مُؤذِنٌ بأنَّ ثمَّة انتظارًا للإِذنِ وفزعًا للراجينَ للشفاعة والشفعاء مِن أنْ لا يُؤذَن لهم، كأنَّه قيل (^٤): يتربصونَ فزعينَ حتَّى كُشفَ الفزعُ عن قلوبهم بالإذن في الشفاعة.\nوالتفزيع: كشف؛ الفزع وإزالتُه.\nوقرئ: مخفَّفًا بمعنى المشدَّد (^٥).\nوقرئ: بالراء المهملة والغين المعجمة (^٦)؛ أي: نُفِيَ الوجلُ عنها وأُفنيَ، من قولهم: فرَغَ الزادُ، إذا لم يبقَ منه شيءٌ.\n_________\n(^١) الظاهر من كلام المفسرين أن كلا هذين الوجهين يصلح على كل من القراءتين لا أن أحدهما على القراءة بالمبني للمعلوم والآخر على القراءة بالمبني للمجهول. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٨٠)، و\"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٤٦)، و\"روح المعاني\" (٢٢/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٢) في (ع) و(ي): \"كالثالثة\"، وسقطت من (ف) و(م)، والمثبت من (ك).\n(^٣) في (ك): \"رادًا\".\n(^٤) في (ك): \"قال\".\n(^٥) نسبت للحسن. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٩١).\n(^٦) أي: (فُرِّغَ)، ذكرها الزمخشري دون نسبة، ونسبها أبو حيان لابن عمر والحسن وقتادة وغيرهم. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٨٠)، و\"البحر\" (١٧/ ٤٤١).","vol":"8","page":321},{"text":"و: (فَرغَ) مشدَّدًا ومخفَّفًا (^١).\nأصل ﴿فُزِّعَ﴾ بالزاي المعجمة: فُزِّعَ الوجلُ عنها، ثم تُركَ ذِكْرُ الوَجَلِ وأُسند إلى الجارِّ والمجرور، كما تقول: دُفِعَ إلى زيدٍ، إذا عُلمَ المدفوعُ.\nوأصل المخفَّف: فَزِع (^٢) الوَجَلُ؛ أي: انتفى عنها وفَنيَ، ثم حذف الفاعل وأُسند إلى الجارِّ والمجرور.\n﴿قالُوْا﴾؛ أي: قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشفاعة ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾، أي: قالوا: قال القولَ الحقَّ، وهو الإذنُ بالشفاعة لمَن ارتضى مِن المؤمنين.\nوقرئ: (الحقُّ) بالرفع (^٣)؛ أي: مقولُه الحقُّ.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: ذو العلوِّ والكبرياء، وليس لمَلَكٍ مُقرَّب ولا نبيٍّ مُرسَل أنْ يتكلَّم ذلك اليومَ إلَّا بإذنه وأنْ يشفع إلَّا لمَن ارتضى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3630\"> </span>(٢٤) - ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقريرٌ لقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، ولذلك أَمَرَ بالجواب بعد سؤالهم بقوله:\n﴿قُلِ اللَّهُ﴾ لتعيُّنه عند العقل، وفيه إشعارٌ بأنَّهم إنْ سكتوا وتلعثموا في الجواب\n_________\n(^١) قرأ الحسن وقتادة وأبو المتوكل: (فَرَّغَ) بالتشديد مبنيا للفاعل، وقرأ الحسن أيضًا كذلك إلا أنه خفف الراء. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٩٢)، و\"البحر\" (١٧/ ٤٤١).\n(^٢) في (ع) و(ف): \"فرغ\"، وسقطت الجملة من (م) و(ي)، والمثبت من (ك).\n(^٣) نسبت لابن أبي عبلة. انظر: \"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٤٣).","vol":"8","page":322},{"text":"مخافةَ الإلزام، فهم مُقِرُّون بقلوبهم؛ لعِلْمهم أنْ لا جوابَ إلَّا هذا، وإن ألجم العناد وحبُّ الشرك أفواههم أنْ ينطقوا به.\n﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: وإنَّ أحدَ الفريقين: مِن الموحِّدين الذين يخصُّون الرازقَ وحده المتفرِّدَ بالقدرة الواجبَ لذاتِهِ بالعبادة، ومن المشركين الذين يشركون الجمادَ النازلَ في أدنى مراتب الإمكان، لعلى أَحَدِ الأمرين مِن الضلال والهدى، وهو غايةٌ في الإنصاف الذي كلُّ مَن سمعه مِن الموافق والمخالف رضيه.\nوفي طيِّهِ - بعد ما تقدَّم مِن التَّقرير البليغ - تعريضٌ بمَن هو في ضلالٍ مِن الفريقين ومَن هو على الهدى أبلغُ مِن التصريح؛ لأنَّه في صورة الإنصاف المُبكِّت للخصم المشاغِب.\nوإنَّما خُولف بين حرفَي التعدية؛ لأنَّ المُحِقَّ كالمستعلي على جوادٍ يَركضُه حيث يَشاءُ، أو على منارٍ مُشرفٍ على كلِّ أحدٍ مطَّلع على كلِّ شيء، والمبطلَ كالمحبوس في مطمورة لا يمكنه التفصِّي منها، لا يرى ما على وجه الخلاص، أو كالمنغمسِ في ظلامٍ مُرتبِك لا يَرى وجهةً يتوجَّه إليها، ثم أَتبعه بقوله:\n\n<span id=\"aya-3631\"> </span>(٢٥) - ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بما هو أبلغُ مِن الأول في إرخاءِ العَنانِ والإنصاف، وبالغ فيه حتَّى بلغَ ذروةَ الإخبات (^١)، حيث نسب الإجرامَ إلى نفسِه وأصحابِه، والعملَ إليهم، وهو بناءٌ على الفَرْض والتَّقديرُ، فلا يلزم إجرامُهم ولا يخلو عن التعريضِ المذكورِ أيضًا مع التهكُّم.\n_________\n(^١) الإخبات: الخضوع والتذلل، والمراد هنا: حتَّى بلغ ذروة إخباتهم وإسكاتهم.","vol":"8","page":323},{"text":"<span id=\"aya-3632\"> </span>(٢٦) - ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يومَ القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾: يَحكم ويفصل بأنْ يُدخِل المحقِّين الجنةَ والمبطلينَ النارَ.\n﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾: الحاكم الفصل في القضايا المنغلقة ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي أنْ يقضى به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3633\"> </span>(٢٧) - ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾: استفسار عن شُبهتهم بعد إلزامهم الحجَّةَ؛ تبصيرًا إيَّاهم بخطائهم العظيم، وزيادةً في التبكيت؛ أي: أَرونيهم بأيِّ صفةٍ أَلحقتموهم به في استحقاقِ العبادةِ، وأشركتُموهم به في التعظيم، وكيف قايَسْتُم الجمادَ الذي هو في غاية العَجْز والذِّلَّة، بالقادر الذي قَهر كلَّ شيء بقدرته (^١).\n﴿كَلَّا﴾: ردعٌ لهم عن دينهم (^٢) بعدما بصَّرهم بإبطاله عند المقايسة.\n﴿بَلْ﴾ إضرابٌ بعد الرَّدع عن الشرك إلى حَصْر الإلهيَّة في اللَّه تعالى ومحضِ التوحيد.\n﴿هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: الموصوفُ بالغَلَبة وكمالِ القدرة والحكمةِ، تنبيهٌ لهم على تفاحش غلطهم وتعامِي بصائرهم، كأنَّه قال: أينَ شركاؤكم مِن هذا الوصف؟! وهو راجعٌ إلى اللَّه تعالى، أو ضميرُ الشأن كما في قوله: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ\n_________\n(^١) في (م): \"بالقدرة\".\n(^٢) في (ك): \"ذنبهم\".","vol":"8","page":324},{"text":"أَحَدُ﴾ وكيف ما كان فهو دالٌّ على انفراده بالوصفين، الملقِم إيَّاهم الحجرَ (^١).\n\n<span id=\"aya-3634\"> </span>(٢٨) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾: ﴿كَافَّةً﴾ مِن كفَّ: إذا منعَ، صفةُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: إرسالةً عامَّةً محيطةً بهم، مانعةً لهم مِن أنْ يَخرج منهم أحدٌ.\nوقال الزجَّاج: جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ (^٢)، فجعله حالًا مِن الكاف، وحقُّ التاء على هذا أن يكون للمبالغة كتاءِ الرَّاوية والعَلَامة.\nويجوزُ جعلُه حالًا مِن (الناس) متقدِّمةً، فإنَّ تقدُّم الخالِ على صاحبه المجرورِ مختلَفٌ فيه؛ فذهب أبي عليٍّ وابنِ كيسان وابنِ برهان وابنِ مالك إلى أنَّه يجوز، وهو الصحيح، ولا حاجة حينئذٍ إلى أنْ تُتأوَّل اللَّام بمعنى (إلى)؛ فإنَّ (أرسل) يتعدَّى باللام، كقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩].\n﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: للمطيعين والعاصين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فيَحملهم جهلُهم على مخالفتك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3635\"> </span>(٢٩) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ﴾ مِن فَرْط تعنُّتهم لا مِن فَرْط جهلِهم، ولذلك عطفٌ بالواو دون الفاء:\n_________\n(^١) في (ك): \"الملهم إياهم الحجة\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢٥٤).","vol":"8","page":325},{"text":"﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يعنون المبشَّرَ به والمنذَرَ عنه، أو الموعودَ بقوله: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون به رسولَ اللّه ﷺ والمؤمنين.\nولمَّا كان سؤالهم عن تعيين الميعاد تعنُّتًا وإنكارًا لا استرشادًا، جاء الجوابُ تهديدًا ووعيدًا مطابقًا لِمَا قصدوه:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3636\"> </span>(٣٠) - ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ الميعادُ ظرفُ الوعد مِن مكانٍ أو زمانٍ، وهو هاهنا الزمانُ، والإضافةُ للتبيين، كما تقول: سَحْقُ ثوبٍ (^١)، قيل: ويؤيِّده أَنَّه قُرئَ: (ميعادٌ يومٌ) (^٢) فأُبدل منه اليوم، وقرئ: (يومًا) (^٣) على التعظيم، وتقديره: لكم ميعادٌ، أعني: يومًا، ويجوز أن يكون الرفع أيضًا على التعظيم.\n﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أي: إذا فاجأكم لا تستطيعونَ عنه تأخُّرًا ولا عليه تقدُّمًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3637\"> </span>(٣١) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) السحق: الثوب الخلق الذي انسحق وبلي، ويضاف للبيان فيقال: سحق بُرْدٍ، وسحق عمامة، وسحق ثوب. انظر: \"النهاية\" (مادة: سحق)، و\"المغرب\" (ص: ٣٨٦).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٨٣)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٥٠).\n(^٣) أي: (ميعادٌ يومًا)، نسبت لليزيدي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢).","vol":"8","page":326},{"text":"﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن الكتب المتقدِّمة المنزلةِ على الأنبياء ﵈ الدالَّة على البعث.\nروي أنَّ كفارَ مكَّة سألوا أهلَ الكتاب عنه، فأَخبروهم أنَّهم يَجدون نعتَه في كتبهم، فغضبوا وقالوا ذلك.\nوقيل: (الذي بين يديه) القيامةُ، ثم أخبر عن صورةِ حالِهم في الآخرة فقال له ﵇ أو لكلِّ مَن يستحقُّ أنْ يُخاطَب:\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾؛ أي: لو ترى في الآخرة موقفهم عند المحاسبة وهم يتحاورون (^١) ويتراجعون (^٢) القولَ، وجواب (لو) محذوف للدلالة على ما لا يدخل تحت الوصف مِن العَجَب والهولِ والفزعِ.\n﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾؛ أي: الأَتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ للرؤساء: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾: لو لا إضلالُكم وصدُّكم عن الإيمان ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ باتِّباع الرسول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3638\"> </span>(٣٢) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾.\n﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أتى بصيغة المضارع تصويرًا للحال، ثم عدل عنها إلى الماضي، ولذلك ترك العاطف هنا.\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"يتجاوزون\".\n(^٢) في (ك): (ويراجعون).","vol":"8","page":327},{"text":"﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ قد يُتَّسع في ظروفِ الزمانِ ما لا يُتَّسع - في غيرها؛ فيُضاف بعضُها إلى بعضٍ وإلى الجملِ، فلذلك أضيف ﴿بَعْدَ﴾ إلى ﴿إِذْ﴾، و﴿إِذْ﴾ إلى الجملة.\n﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ أَولى الاسمَ الهمزةَ، لإنكارِ أنْ يكونوا هم الصادِّين إيَّاهم عن الهدى بعد إذ جاءهم وتمكَّنوا منه، وإثباتِ أنَّهم الذين صُدُّوا باختيارهم وآثروا الضلالَ على الهدى، ولذا أضرب عن دعواهم الإضلالَ عليهم إلى أنَّهم هم الذين أَجرموا بكسبهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3639\"> </span>(٣٣) - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَقَالَ﴾ عطفٌ هذا الكلام على كلامِهم الأول بالواو (^٢) دون كلام المستكبرين في جوابهم؛ لأنَّه ابتداءُ جوابٍ حقُّه الاستئنافُ.\n﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ كرَّر المستضعفون عليهم، وقابلوا إضرابهم بقولهم:\n﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ مبطلينَ إضرابَهم بالإضرابِ عنه إلى أنَّ الإضلالَ كان مِن جهةِ مكرِكم الدائم، وحملِكم إيَّانا على الشرك واتخاذ الأنداد، لا مِن جهتنا واختيارِنا، وأُضيف المكر إلى الظرف على الاتِّساع وإجراءِ الظرف مجرى\n_________\n(^١) في (ك): \"بسببهم\".\n(^٢) سقط من (ك).","vol":"8","page":328},{"text":"المفعول به؛ أي: مكرُكم لنا في الليل والنهار، ويجوز أن يكون إضافةُ المكر إلى الليل والنهار مِن باب الإسناد المجازي، وإضافةِ المصدر إلى الفاعل؛ بجعل الليل والنهار ماكرين.\nوقرئ: (مكرٌ الليلَ والنهارَ) بالتنوين ونصبِ الظرفين (^١) على الأصل.\nو: (مَكَرّ الليلِ والنهارِ) بالرفع والنصب (^٢)، مِن الكُرُور.\nأمَّا الرفع: فعلى الابتداء أو الخبر؛ أي: سببُ ذلك مكرُكم أو مكرُّكم، أو مكرُكم أو مكرُّكم سبب ذلك.\nوأمَّا النصب: فعلى المصدر؛ أي: تكرُّون الإغواءَ مَكَرَّ الليلِ والنهارِ.\n﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ ﴿إِذْ﴾ بدلٌ من ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: مكرُكم في زمانِ أمركم إيَّانا بالكفر، أو نُصِبٌ على الظرف لـ ﴿مَكْرُ﴾، أو تعليلٌ، أي: لأمركم إيَّانا بالكفر.\n﴿وَأَسَرُّوا﴾؛ أي: أسرَّ الظالمون الموقوفونَ الشاْملونَ للفريقين ﴿النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾؛ أي -: أَخفَوا الكلامَ بالندامة فيما بينهم على سبيل المسارَّة والتناجي ندامةَ المستكبرين على الضلال والإضلال، وندامةَ المستضعفين على الضلال والاتِّباع، أو أظهروها على سبيل الجَزَع والتضرُّع، على أنَّ الهمزة للإزالة، كما في قولك: أَعتبتُه وأَشكيتُه.\n﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن باب وضعِ الظاهر موضعَ الضمير؛\n_________\n(^١) نسبت لقتادة. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٩٣).\n(^٢) نسبت بالرفع لسعيد بن جبير وأبي رزين وغيرهما، ونسبت بالنَّصب لابن جبير وطلحة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٩٣).","vol":"8","page":329},{"text":"أي: في أعناقهم؛ للتصريح والتنويه بذمِّهم، والدلالةِ على أنَّ الكفر هو الذي استحقُّوا به الإغلال.\n﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ما يُفعَل بهم ما يُفعَل إلَّا جزاءً على أعمالهم، وتعدية (يجزي) لتضمينه معنى يقضي، أو بنزع الخافض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3640\"> </span>(٣٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾: تسليةٌ لرسولِ اللَّه ﷺ بأنَّ الرسل كلَّهم مُنُوا بما مُنِيَ به مِن قومه مِن التكذيب والمفاخرة بالأموال والأولاد.\n﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ تخصيصُ المتنعِّمين بذلك لأنَّ معظمَ الدواعي إلى الكفر والإنكار: التكبُّرُ والمفاخرةُ بالأموال والأسباب التي هي منشأ الطُّغيان، ولذلك ضمُّوا التهكُّمَ والمفاخرةَ على التكذيب فقالوا:\n﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ على (^١) مقابلة الجمعِ بالجمع (^٢)؛ لأنَّ قولَه: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ في سياق النفي للعموم، ولأنَّ الأنبياءَ ﵈ كلَّهم متَّفقون في إثبات التوحيد والبعث.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3641\"> </span>(٣٥) - ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.\n﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ فنحن أَولى بما تدَّعون إنْ أَمكَن، وأُوليَ النفيُ الاسمَ في قوله:\n_________\n(^١) في (م): \"لأن\"، وفي (ع) و(ي): \"لا\"، وسقطت الجملة من (ك)، والمثبت من (ف).\n(^٢) قوله: \"لا على مقابلة الجمع بالجمع\" سقط من (ك).","vol":"8","page":330},{"text":"﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لأنَّهم اعتقدوا أنَّ اختصاصهم بالغنى وأسباب التنعُّم (^١) والترفُّه إنَّما هو لكرامتهم عند اللَّه تعالى، أو قاسوا أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا، فقالوا ذلك على أنَّ البعث إنْ وقع لم يكونوا بمعذَّبين؛ لأنَّهم أكرمُ على اللَّه تعالى مِن أنْ يعذِّبهم، إنَّما المعذَّبون مَن يهون عند اللّهِ مِن أهل الفقر والفاقة وسوء الحال في الدنيا، وفيه استهزاءٌ بالأنبياء ﵈ وأصحابهم مِن الفقراء، واستهانةٌ بهم؛ أي: إنْ صدقَ وعدُكم بالبعث فإنَّهم المعذَّبون لا نحن، كما في الدنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3642\"> </span>(٣٦) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قُلْ﴾ ردًّا لحسبانهم: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يوسِّع على مَن يشاء، ويُضيِّق على مَن يشاء؛ مُكرَّمًا كان عنده أو مُهانًا، فلا التوسيعُ يدلُّ على الإكرام، ولا التضييقُ على الإهانة، ولا تتعلَّق السعادة والشقاوة الأخرويتان بتوسيع الرزق الدنيويِّ وتضييقه.\nقيل: ولو كان ذلك في كرامةٍ (^٢) وهوانٍ يُوجبانه، لم يكن بمشيئته.\nوفيه نظرٌ؛ لِمَا تقرَّر (^٣) في موضعه أنَّ المشيئةَ تُجامِع الإيجاب، إنَّما المنافي له القدرةُ على الفعلِ والتركِ.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ لعدم وقوفهم على مواقف (^٤) الحكمة\n_________\n(^١) في (ك) و(ي): \"النعم\".\n(^٢) \"في كرامة\" كذا في النسخ، وعند البيضاوي: (لكرامة).\n(^٣) في (ك): \"تقدم\".\n(^٤) في (ك): \"موافق\".","vol":"8","page":331},{"text":"وأسرارها، فيظنُّون أنَّ الغنى والفقرَ وكثرةَ الأولاد وقلَّتَهم في الدنيا (^١)؛ للكرامة والهوانِ عند اللَّه تعالى (^٢)، وقرَّر ذلك بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3643\"> </span>(٣٧) - ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أَخبر عن الأموال والأولاد بـ (التي) على إرادة الجماعة؛ لأنَّ الجمع المكسَّر يستوي في تأنيثه العقلاءُ وغيرُهم.\nوقرئ: ﴿باللاتي﴾ (^٣)؛ لأنَّها جماعاتٌ، وقرئ: (بالذي) (^٤)؛ أي: بالشيءِ الذي.\nو﴿زُلْفَى﴾ في محلِّ النصب على المصدر؛ أي: تقرِّبكم قربةً، كقوله: ﴿أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].\n﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الظاهر أنَّه استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: لكن مَن آمَنَ وعمل صالحًا فإيمانه وعمله يُقرِّبانه.\nوقيل: استثناء متَّصلٌ مِن مفعول ﴿تُقَرِّبُكُمْ﴾؛ أي: لا تُقرِّب الأموالُ والأولادُ أحدًا إلَّا المؤمنَ الصالحَ الذي يُنفق أموالَه في سبيل اللَّه تعالى، ويعلِّم أولادَه الخيرَ والفقهَ في الدِّين، ويُربِّيه على الصلاح، أو مِن ﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ على حذف المضاف؛ أي: إلَّا أموالُ مَن آمَنَ وأولادُه.\n_________\n(^١) \"في الدنيا\": ليست في (م).\n(^٢) بعدها في (م): \"في الدنيا\".\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٨٦)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٥٧).\n(^٤) انظر: المرجعين السابقين.","vol":"8","page":332},{"text":"﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: تُضاعف لهم حسناتهم؛ الواحدة عشرًا إلى سبع مئةٍ وأكثر، مِن إضافةِ المصدر إلى المفعول؛ أي: أولئك لهم أن يُجاوزوا الضعف.\nوقرئ: ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾؛ على الأصل، و﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ بنصبِ ﴿جزاءً﴾ ورفع ميه ﴿الضعفُ﴾ (^١)؛ أي: لهم الضعفُ جزاءً، على أنَّه تمييز، أو مصدر لدلالة ﴿لَهُمْ﴾ على فِعْله؛ أي: يُجزَون جزاءً، ويجوز كونه حالًا تسميةً بالمصدر.\nو: (جزاءٌ الضعفُ) برفعهما (^٢)؛ على أنَّ (الضعفُ) بدل مِن (جزاءٌ).\nوالفاء في ﴿فَأُولَئِكَ﴾ للسببية، وبالغ بها وباسم الإشارة، وبقوله: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ في أنَّ الموجِبَ للكرامة والزُّلفى عند اللَّه تعالى هو الإيمانُ والعملُ الصالحُ لا غيرهما.\n﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾؛ أي: في غُرَفِ (^٣) منازل الجنَّة، وقرئ: ﴿في الغرفة﴾ (^٤)، على إرادةِ الجنس.\n﴿آمِنُونَ﴾؛ أي: مِن كلِّ مَخُوفٍ ومكروهٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3644\"> </span>(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾؛ أي: في إبطالها وصرفِ الناس عنها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مسابقين لأنبيائنا، أو ظانِّين أنَّهم يَفوتوننا.\n_________\n(^١) قرأ بها يعقوب في رواية رويس. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥١).\n(^٢) نسبت لقتادة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢).\n(^٣) سقط من (ك).\n(^٤) قرأ بها حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ٥٣٠).","vol":"8","page":333},{"text":"﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ عبَّر عن موضعِ العذابِ بالعذابِ مبالغةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3645\"> </span>(٣٩) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ إنَّما أعاده لأنَّ ما سبق باعتبار الأشخاص، وهذا باعتبار الأوقاتِ بالنسبة إلى شخصٍ؛ بدلالة ﴿لَهُ﴾ فيكون أدلَّ على المقصود.\n﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ عِوَضًا؛ إمَّا عاجلًا أو آجلًا، لا مُعوِّضَ له سواه (^١).\n﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾؛ لأنَّه قادرٌ على مواصلةِ رزقِه وزيادةِ ما شاءَ لمَن يشاءُ بغير حسابٍ، وليس العبدُ كذلك، وأمَّا أنَّه رازقٌ حقيقةً دون العبد، فلا يناسب تفضيلَ أحدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّه يقتضي الشركة في أصلِ الفعلِ حقيقةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3646\"> </span>(٤٠) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ﴾ نصب بـ ﴿قَالُوْا﴾، أو بـ: اذكر ﴿يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾؛ أي: المستكبرين والمستضعفين.\n﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾؛ تقريعًا للمشركين وتبكيتًا وإقناطًا لهم عمَّا يتوقَّعون مِن شفاعتهم، فهو واردٌ على المَثَل السائرِ: إيَّاكِ أَعني واسمعي يا\n_________\n(^١) في (م): \"لا معوض سواه\"، وفي (ع) و(ي): \"بعوض سواه\".","vol":"8","page":334},{"text":"جارَة، وتخصيص الملائكة لا لأنَّهم أشرفُ معبودهم؛ لأنَّ عيسى ﵇ أشرفُ منهم، ولا لانحصار صلاحيةِ الخطاب فيهم، بل لأنَّ مبدأَ الشرك عبادتُهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3647\"> </span>(٤١) - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لكَ أنْ نَعبُدَ معكَ غيرَك ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ أنت (^١) الذي نواليه ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾ لا موالاةَ بيننا وبينهم، أرادوا بإثباتِ موالاةِ اللَّه تعالى ونفيِ موالاتهم براءَتهم مِن الرضا بعبادتهم؛ لأنَّ تخصيصَ موالاتهم به تعالى وإثباتَ معاداتهم إيَّاهم ينافي ذلك، ثم أضربوا عن عبادتهم لهم إلى إثباتِ عبادتهم للجِنِّ بقولهم:\n﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾؛ أي: الشياطينَ الذي يخيِّلونهم ذلك؛ لأنهم أطاعوهم في عبادة غيرِ اللَّه تعالى، أو يتوهَّمون الصورَ الخبيثةَ ويحسبونها ملائكةً (^٢).\n﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ إنَّما قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لأنَّ عبادةَ بعضِهم كان عن وهمٍ واحتمالٍ، لا عن تصديقٍ واعتقادٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3648\"> </span>(٤٢) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.\n_________\n(^١) \"أنت\": ليست في (م).\n(^٢) قيل: صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٨٨).","vol":"8","page":335},{"text":"﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ إذ الأمرُ يومئذٍ للّه تعالى، فلا يملك أحدٌ شيئًا مِن الضُّرِّ والنفع لا لغيرِه ولا لنفسِه، وإنَّما نفى الملك دون القدرةِ؛ لِمَا في البعض مِن القدرة على الشفاعة بإذن اللَّه تعالى.\n﴿وَنَقُولُ﴾ عطفٌ على ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ مبيِّن للمقصودِ من تمهيده ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾ تخصيصُ العقاب بالذين ظلموا لتصدير المقاولة بهم في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ فختم باختصاصهم بالعقاب؛ لأنَّ الكلام فيهم، وفي قوله: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ دلالة قاطعة على أنَّ عودَ الضمير على المضاف إليه لا يُخلُّ حُسْنَ الكلامِ إذا لم يكن في محلِّ الاشتباه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3649\"> </span>(٤٣) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: آياتُ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحاتِ الدلالاتِ على إعجازه ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون رسولَ اللَّه ﷺ ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ الصَّدُّ: الصَّرْفُ عن الخير ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: عن دينِ آباءكم.\n﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ يريدون القرآنَ ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿مُفْتَرًى﴾ على اللَّه.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾: لأمرِ النبوَّة، أو للإسلام، أو للقرآن، والأول - أي: إطلاق الكذبِ عليه - باعتبار معناه، وهذا - أي: إطلاقُ السحر عليه - باعتبار لفظِه وبلاغتِه.\n﴿لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا﴾؛ أي: الحقُّ ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ سحريتُه.","vol":"8","page":336},{"text":"وفي الإشارة بـ (هذا) في المواضع الثلاثة تحقيرٌ دالٌّ على جراءتهم على اللّهِ تعالى ورسولِه ﵇ وكتابِه ورسالاته (^١)، فلهذا قُوبِلت بما يدلُّ على غضبٍ شديدٍ، وإنكارٍ عظيمٍ، وتعجيبٍ مِن كفرهم بليغٍ، بإيقاع الموصول والصلة موقع الضمير في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وتعريف (الحقِّ)، وإيرادِ ﴿لَمَّا﴾ الدالَّة على مبادهتهم (^٢) بالكفر، وتسميةِ الحقِّ النَّيِّر بالسحر البَيِّن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3650\"> </span>(٤٤) - ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾.\n﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾: يَقرؤونها وفيها (^٣) دليل على صحَّة الشركة أو أمرٌ به، وقرئ: (يُدَرِّسُونها) (^٤)، مِن التدريسِ؛ وهو تكريرُ الدرس، أو للتكثير؛ مِن دَرَسَ الكتابَ ودَرَّسَ الكتبَ، و: (يَدَّرِسونها) بتشديدِ الدَّالِ (^٥)؛ يَفتعلون مِن الدَّرْس.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يَدعوهم إليه، ويُنذرهم العقابَ على تركه، وقد بَانَ مِن قبلُ بالبرهانِ وجهُ بطلانِه، فمِن أين وقعت لهم الشبهة؟! وهذا غايةٌ في تجهيلهم وتسفيهِ رأيهم.\nويجوز أن يكون معناه: أنَّهم، قوم جُهَّالٌ أُمِّيُّون لا كتابَ لهم ولا نبيَّ، نشؤوا على طباعهم الجاسية في الجاهلية، لا تَثَبُّتَ لهم بوجهٍ ولا تمسُّكَ بشبهة، كقوله: ﴿أَمْ\n_________\n(^١) في (ك): \"ورسالته\".\n(^٢) أي: مسارعتهم؛ لأن (لما) تفيد وقوعهما في وقت واحد دون فاصل. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٠٩).\n(^٣) أي: في الكتب. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٠٩).\n(^٤) انظر: \"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٦٥).\n(^٥) نسبت لأبي حيوة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢).","vol":"8","page":337},{"text":"آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ثم هدَّدهم بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3651\"> </span>(٤٥) - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.\n﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما كذَّبوا ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ وما بلغَ هؤلاء عُشْرَ ما آتينا (^١) أولئك مِن القوَّة والقدر، وطولِ الأعمار، وعِظَمِ الأجرامِ، وكثرةِ الأموال.\nوقيل: معنى المعشار: عُشْرُ العُشْرِ.\n﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فحين كذَّبوا رُسُلي (^٢) جاءهم إنكاري، فكيف كان حالهم في التدمير والاستئصال، حيث لم يُغنِ عنهم استظهارُهم بما هم به مستظهِرونَ، فما بالُ هؤلاء.\nويجوز أن يكون المعنى: وما بَلَغَ أولئك عُشْرَ ما آتينا هؤلاء مِن البيِّنات والهدى، فكذَّبوا رسلي فاستؤصلوا مع أنَّ الحججَ والبيِّنات لم تتكرَّر عليهم كما تكرَّرت على هؤلاء، فكيف كان حالهم في إنكاري، فكيف يكون حالُ هؤلاء مع تكرُّر البيِّنات وتكثُّرها، فليعتبروا بحالهم وليَحْذَروا مِن مثلها.\n﴿فَكَذَّبُوا﴾ عطفٌ على ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ﴾ عطفَ المقيَّدِ على المُطلَق بالفاء السببية؛ أي: فعلوا التكذيبَ وأَقدموا عليه حتَّى تعوَّدوا به، فصار سببًا لتكذيب رُسُلي، ويجوز أن يعطف على ﴿مَا بَلَغُوا﴾ كقولك: ما بَلَغَ زيدٌ معشارَ فَضْلِ عمرٍو فيُفضَّلَ عمرٌو عليه.\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ف): \"آتيناهم\".\n(^٢) في (ف) و(م): (رسلهم).","vol":"8","page":338},{"text":"<span id=\"aya-3652\"> </span>(٤٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ﴾ أنصحُ لكم ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ بخصلةٍ واحدةٍ، إنْ فَعَلتم أَصبتم الحقَّ وتخلَّصتم، وفسَّرها بقوله:\n﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: هي أن تقوموا، والمرادُ: القيامُ مِن مجلسِ رسولِ اللَّه ﷺ، ولا يجوز أن يكون عطفَ بيانٍ؛ لأنَّ ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ نكرةٌ، و﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ معرفةٌ تقديرُه: قيامُكم للّه، والتخالُف في عطفِ البيانِ لم يذهب إليه ذاهب (^١).\n﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: متفرِّقين اثنينِ اثنينِ، متناظِرِين على النَّصَف (^٢) دونَ\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(ي): \"مذهب البصريين أن يكون معرفة من معرفة ومذهب الكوفيين أن يتبع ما قبله في التعريف والتنكير\".\nقلت: والذي جوز عطفٌ البيان هنا هو الزمخشري، قال الآلوسي: والظاهر أن الزمخشري ذاهب إلى جواز التخالف، وقد صرّح ابن مالك في \"التسهيل\" بنسبة ذلك إليه، وهو من مجتهدي علماء العربية، وجوِّز أن يكون قد عبر بعطف البيان وأراد البدل لتآخيها، وهذا إمام الصناعة سِيْبَويَه يسمي التوكيد صفة وعطف البيان صفة، ثم إن كون المصدر المسبوك معرفة أو مؤوَّلًا بها دائما غير مسلم. انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٧٩)، و\"التسهيل\" (ص: ١٧٥)، و\"روح المعاني\" (٢٢/ ١٣١). وجاء تسمية التوكيد صفة في \"الكتاب\" (٢/ ٣٥١ و٣٥٩ و٣٧٨ و٣٧٩ و٣٨١ و٣٨٥ و٣٩١)، وتسمية عطفٌ البيان صفة (٢/ ١٩٢).\nقلت: وفي قول الآلوسي: (وجوِّز أن يكون قد عبر بعطف البيان وأراد البدل) نظر؛ لأن المعروف هو العكس؛ أي: كثيرًا ما يعبر عن عطفٌ البيان بالبدل، وقد يكون بالصفة كما فعل سِيْبَويَه، أما التعبير بعطف البيان فالأظهر أنه مقصود بذاته، ولعله لهذا أخره الآلوسي وساقه بصيغة المجهول.\n(^٢) في (ف) و(ك): \"النصفة\".","vol":"8","page":339},{"text":"العَصَبةِ (^١) والجدالِ، أو: واحدًا واحدًا متفكِّرين؛ فإنَّ الاجتماعَ والازدحامَ ممَّا يُشوِّش الخواطرَ (^٢)، ويُعمِي البصائرَ، ويُهيِّج الفتنَ والتخاصُمَ.\nأو: تعزموا (^٣) بهذا الأمر؛ من قولهم: قامَ بالأمرِ: إذا جَدَّ فيه، ومعنى ﴿لِلَّهِ﴾: خالصًا لوجهِ اللَّه، مُعرِضًا عن المراءِ والتقليد.\n﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ في أمرِه ﵇، ومحلُّه الجرُّ على البدل أو البيان (^٤)، أو الرفعُ أو النصب، بإضمار: هو، أو: أعني.\n﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ (ما) نافية متعلِّقة بـ ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾؛ أي: تتفكروا فتَعلموا ما به مِن جنَّة.\nويجوزا أن يكون استئنافًا؛ تنبيهًا مِنْ اللَّه تعالى لهم على أنَّ ما عرفوا مِن رجاحةِ عقلِه كافٍ في ترجُّح (^٥) صدقه، فإنَّه لا يَدَعُهُ أنْ يتصدَّى لادِّعاء مثلِ هذا الأمر العظيم الذي تحته ملكُ الدنيا والآخرة مِن غير تحقُّقٍ بيقين، وتعرُّفٍ ببرهانٍ مبين، فيُفْتضَحَ على رؤوس الأشهاد، ويُلقيَ نفسَه في معرض الهلاك، كيف وقد انضمَّ إليه آياتٌ باهرةٌ ومعجزاتٌ قاهرةٌ.\nويجوز أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: ثم تتفكَّروا في أحوالِه وأقوالِه وأفعالِه، هل فيه ما يتهمه ويدلُّ على أنَّ به جِنَّةً؟!\n_________\n(^١) في (ع): \"القصّية\"، وفي (ي): \"القصبة\".\n(^٢) في (ك): \"الخاطر\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"تقوموا\".\n(^٤) في (م) و(ي): \"على البيان أو البيان\"، وفي (ف) و(ك): \"على البيان\"، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لما في البيضاوي.\n(^٥) في (ف) و(ك): \"ترجيح\".","vol":"8","page":340},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ يرجِّح كون (ما) نافيةً.\n﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: قُدَّامَه، كقوله ﵊: \"بُعِثتُ دي نسم الساعة\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3653\"> </span>(٤٧) - ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\n﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ خبر جزاء الشَّرط؛ أي: أيَّ شيءٍ سألتكم مِن أجرِ الرسالةِ فهو لكم، ويجوز أن تكون (ما) موصولةً، والفاء لتضمُّنها معنى الشَّرط، والغرضُ نفيُ الأجرِ رأسًا، كما يقول الرجلُ لصاحبه: إنْ أعطيتني شيئًا فاستَرِدَّه (^٢)، وهو يَعلم أنَّه لم يُعطِه (^٣) شيئًا، أو إثباتُ الأجرِ لهم، وهو ما أراد بقوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧] وبقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]؛ لأنَّ اتخاذَ السبيلِ إلى اللَّه تعالى يَنفعهم، وكذا مودَّةُ قربانِه فإنَّ فيه قربانَهم إلى اللَّه تعالى.\n_________\n(^١) رواه نعيم بن حماد في \"الفتن\" (١٧٧٣) من طريق أبي جبيرة بن الضحاك، عن أشياخ من الأنصار، ورواه البزار (٣٢١٥ - كشف)، وأبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (٤/ ١٦١) من طريق أبي جبيرة بن الضحاك، عن النَّبِيّ ﷺ، قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١١/ ٢٢٨): (ورجاله رجال الصحيح غير شبل - أو شبيل - بن عوف، وهو ثقة). وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ١٠٩): (أخرجه البزار بسند حسن من حديث أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري). قلت: وأبو جبيرة مختلف في صحبته. انظر: \"الإصابة\" (٧/ ٥٤). قال ابن الأثير في \"النهاية\" (مادة: نسم): والنَّسَمُ جمع: نسمَة، - وهي النَّفسُ وَالروحُ؛ أَي: بُعِثت فِي ذِي أَرْوَاح خلقهم اللّهُ تعالى قبل اقترابَ السَّاعَةِ.\n(^٢) في (ك): \"فأسرره\". ولفظ \"الكشاف\" و\"البحر\" و\"أبو السعود\" و\"الآلوسي\": (فخذه).\n(^٣) في (ك): \"يعط\".","vol":"8","page":341},{"text":"وعلى الأول؛ قيل: كأنَّه جعل النَّبِيَّ مستلزمًا لأحَدِ الأمرين: الجنون، وتوقُّع نفعٍ دنيويٍّ عليه، لا لأنَّه لا يخلو مِن أنْ يكون لغرضٍ، أو لا، وأيًّا مّا كان يَلزم أحدُهما، ثم نفى كلًّا منهما. ولا يَخفى ضعفُه؛ لأنَّ توقُّع النفع الدنيويِّ غيرُ منحصرٍ في سؤالِ الأجرِ، وذلك ظاهر.\n﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ما أَبتغي عليه إلَّا الثوابَ مِن اللَّه تعالى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾: مُطَّلعٌ يَعلمُ صدقي، وأنِّي لا أَطمع في شيءٍ ولا أَتوقَّع أجرًا إلَّا منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3654\"> </span>(٤٨) - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ القذفُ (^١) مستعارٌ مِن معناه بمعنى الإلقاء؛ أي: يُلقيه إلى أنبيائه، أو يرمي به الباطلَ فيدمغُه ويُزهِقه.\n﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ خبرٌ ثانٍ، أو صفةٌ لـ ﴿رَبِّي﴾ محمولةٌ على محلِّ (إنَّ) واسمِها، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أو بدلٌ مِن المستكنِّ في ﴿يَقْذِفُ﴾.\nوقرئ: بالنصب (^٢) صفةً لـ ﴿رَبِّ﴾، أو على المدح؛ أي: أعني، أو: أخصُّ.\nوقرئ: بكسر الغين (^٣)، كالبِيوتِ، وبفتحها كالصَّبُور (^٤)، على أنَّه مبالغةُ غائبٍ، وهو البليغُ في الغَيبة والخَفاء.\n* * *\n_________\n(^١) \"القذف\": ليست في (م).\n(^٢) نسبت لعيسى وابن أبي إسحاق. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢).\n(^٣) قرأ بها حمزة، وشعبة عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠١).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٥٩١)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٧٣). ووقع في (ك) و(ي): \"كالصيود\".","vol":"8","page":342},{"text":"<span id=\"aya-3655\"> </span>(٤٩) - ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.\n﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾: الإسلامُ ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾؛ أي: زهق الباطل - وهو الشرك - بحيث لم يبقَ له أَثَرٌ ولا يُبدِئ ولا يُعيد، مَثَلٌ في الهلاك؛ لأنَّ الحيَّ إمَّا أنْ يبدئ فعلًا أو يُعيدَه، فإذا هلكَ لم يبقَ له بَداءٌ (^١) ولا إعادة، فصار مَثَلًا فيه، ومنه قول عَبيدٍ:\nأَقْفَرَ مِن أهلِه عَبيدُ … فاليومَ لا يُبدي ولا يُعيدُ (^٢)\nوقيل: ﴿الْبَاطِلُ﴾ إبليسُ؛ أي: ما يُنشئ خَلْقًا ولا يُعيده، إنَّما المنشئُ والباعثُ هو اللّهُ تعالى.\nوقال الزجَّاج: أيَّ شيءٍ يُنشِئ إبليسُ ويُعيده (^٣)؟! فجعَله للاستفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3656\"> </span>(٥٠) - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾.\n﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ عن الحقِّ ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ فإنَّ وبالَ ضلالي على نفسي.\n﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ أصلُ الكلام: إنْ ضللتُ فبما يوسوس إليَّ الشيطانُ، وضررُه (^٤) على نفسي، وإنِ اهتديتُ فبما يُوحِي إليَّ ربِّي ونفعُه لها، فعدلَ\n_________\n(^١) في (ك): \"إبداء\".\n(^٢) البيت في \"ديوان عبيد بن الأبرص\" (ص: ٤٥)، و\"الأغاني\" للأصفهاني (٢٢/ ٨٨).\n(^٣) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢٥٨).\n(^٤) في (ك): \"فضرره\".","vol":"8","page":343},{"text":"إلى ما ذكر؛ فبيَّن في أحدِ القِسمين الحكمَ وفي الآخَر السببَ؛ اكتفاءً بما فُهِمَ ممَّا (^١) ذكر في أحدهما حال الآخَر، وهذا غايةُ الإيجازِ، وقلَّما يتنبَّه لمثلِه إلَّا الحُذَّاقُ.\n﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ يَسمع وَيرى قولَ كلِّ ضالٍّ ومهتدٍ وفِعْلَه، لا يخفى عليه منهما شيءٌ وإنْ أخفاه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3657\"> </span>(٥١) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ حذف جواب (لو) للتهويل؛ أي: لرأيتَ أمرًا هائلًا لا يُمكِن وصفُه، ووقتُ الفزعِ وقتُ البعث وقيام الساعة، أو وقتُ الموت، وقيل: يومُ بدرٍ.\nو(لو) و(إذ) والأفعالُ الماضية بعدهما وهي: ﴿فَزِعُوا﴾ و﴿أُخِذُوا﴾، و﴿حيل بينهم﴾ (^٢) كلُّها للمضيِّ والمراد بها الاستقبالُ؛ للدلالة على تحقُّق وقوعِ معانيها عند اللهِ تعالى، وكلُّ ما يَفعلُ اللّهُ تعالى في المستقبل فهو بمنزلة الماضي لتحقُّق وقوعِه لا محالةَ، فكأنَّه قد وَقَعَ.\n﴿فَلَا فَوْتَ﴾ فلا يفوتونَ اللّهَ ولا يَسبقونه؛ أي: لا فوتَ لهم.\n﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار، أو: مِن ظهرِ الأرض إلى بطنها، أو: مِن صحراءِ بدرٍ إلى القَليبِ.\nوالعطف على ﴿فَزِعُوا﴾؛ أي: فَزعوا وأُخذوا فلا فوتَ لهم، أو على (لا فوت)،\n_________\n(^١) في (ي): \"بما\".\n(^٢) قوله: \"وحيل بينهم\" من \"الكشاف\" (٣/ ٥٩٢)، ووقع في النسخ بدلا منه: \"وجعل وفعل\".","vol":"8","page":344},{"text":"على معنى: إذ فزعوا فلم يَفوتوا وأُخذوا، ويؤيِّده ما قُرئَ: (وأَخْذٌ) (^١) معطوفًا على محلِّ (لا فوت)؛ أي: لا فوتَ هناكَ وهناكَ أَخْذٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3658\"> </span>(٥٢) - ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.\n﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: بمحمَّدٍ ﷺ؛ لمرور ذِكْره في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾، أو: للعذاب (^٢) المذكور في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.\n﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾: ومِن أينَ لهم التناولُ السهلُ مِن مكانٍ قريبٍ، يعني: تناولَ الإيمان ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ فإنَّه يكون في حيِّز التكليفِ، وقد بَعُدَ عنهم، تمثيلٌ لطلبهم المستحيل، وهو أنْ يَنفعهم الإيمانُ وقتَ العذابِ في الآخرة كما يَنفع المؤمنين في الدنيا؛ مثَّل حالَهم بحالِ مَن يريدُ أنْ يتناولَ الشيءَ مِن غَلْوةٍ (^٣)، كما يَتناوله الآخَرُ مِن قِيسِ ذراعٍ تناولًا سهلًا.\nوقرئ: ﴿التَّنَاوُشُ﴾ بهمز الواو المضمومة (^٤)، كما هُمِزَت في: أَجْؤُر وأَدْؤُر، وعن أبي عمرو: التناؤشُ - بالهمز -: التناول (^٥) مِن بُعْدٍ، مِن قولك: نأشتُ، إذا أبطأتَ وتأخَّرتَ.\n_________\n(^١) نسبت لعبد الرحمن مولى بني هاشم عن أبيه. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢)، و\"الكشاف\" (٣/ ٥٩٣)، و\"البحر المحيط\" (١٧/ ٤٧٧).\n(^٢) أي: أو الضمير للعذاب.\n(^٣) الغَلْوة: الغايةُ، وهي رميةُ سهمٍ أَبعد ما يُقدرُ عليه، ويقال: هي قدرُ ثلاثِ مئةِ ذراع إلى أربع مئةٍ، والجمع: غَلَوَاتٌ. انظر: \"المصباح المنير\" للفيومي (مادة: غلو).\n(^٤) قرأ بها أبو عمرو وحمزة والكسائي، وشعبة عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨١).\n(^٥) في النسخ: \"التناوش\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٣/ ٥٩٣)، والكلام منه.","vol":"8","page":345},{"text":"<span id=\"aya-3659\"> </span>(٥٣) - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.\n﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: بمحمَّدٍ ﷺ، أو بالعذاب ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مِن قبلِ ذلك أوانَ التكليف.\n﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾: يرجمون به ويتكلَّمون بما لم يَظهر في رسولِ الله ﷺ مِن قولهم: ساحرٌ وشاعرٌ وكذَّاب، ولم يُشاهدوا منه شيئًا مِن ذلك.\n﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: قد أَتَوا هذا الغيبَ مِن جهةٍ بعيدةٍ عن حالِه ﵇؛ لأنَّه أبعدُ شيءٍ ممَّا جاء به الشِّعر والسِّحر، وأَبعدُ مِن عادته التي هو معروفٌ بها الزور والكذب.\nوعلى تقدير عودِ الضميرِ على العذاب، معنى قَذْفِهم بالغيب: قياسُهم أمرَ الآخرةِ على أمرِ الدنيا، وهو غيبٌ ومقذوفٌ به مِن جهةٍ بعيدةٍ.\nوالعطف على ﴿وَقَدْ كَفَرُوا﴾ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، أو على (قالوا) فيكون تمثيلًا آخَرَ لهم، بأنْ مُثِّلت حالُهم في طلب المستحيِل - وهو نفعُ الإيمان في الآخرة - بمَن يَقذف شيئًا إلى مَن لا يراهُ مِن مكانٍ بعيدٍ، لا مجالَ للظَّنِّ في لحوقه؛ لغايةِ بُعْدِه.\nوقرئ: (يُقذَفون) على البناء للمفعول (^١)، على أنَّ الشيطانَ يُلقي إليهم ويُلقِّنهم ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لمجاهد. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٢).","vol":"8","page":346},{"text":"<span id=\"aya-3660\"> </span>(٥٤) - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾.\n﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِن نفعِ الإيمانِ يومئذٍ، والنجاةِ مِن النار والفوزِ بالجنة، أو مِن الرَّدِّ إلى الدنيا، كما حَكَى عنهم بقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة: ١٢].\n﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾: بأشباهِهم مِن كَفَرةِ الأُمم الدَّارجة.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مِن أرابهُ: إذا أوقعه في الرِّيبة والتُّهمة، أو مِن أَرابَ الرجلُ: إذا صار ذا ريبةٍ ودَخَلَ فيها، مجازٌ في كِلَا المعنيين، والفرق: أنَّ المريبَ (^١) بالمعنى الأول منقولٌ ممَّن يصحُّ أنْ يكون مريبًا مِن الأعيان، والمعنى الثاني منقولٌ مِن صاحبِ الشَّكِّ إلى الشَكِّ، كما تقول: شِعْرٌ شَاعِر، يُنعَت به الشَّكُّ للمبالغة (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"والمريب\" بدل: \"والفرق أن المريب\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"واللّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب والله أعلم وأحكم\". وفي هامش (ي): \"في الليلة الرابعة من الصفر سنة: ٩٣٣\".","vol":"8","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-99>سُورَةُ فَاطِرٍ </span>(^١)\n﷽\n\n<span id=\"aya-3661\"> </span>(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبدعِهما، مِن الفَطْرِ (^٢)، وهو الشَّقُّ، فاستُعْمِلَ في الخلق ابتداءً على طريقِ (^٣) المجاز المرتَّب على الكنايةِ، والإضافةُ حقيقيَّةٌ لأنَّه بمعنى الماضي، على ما قرئ بلفظه (^٤)، ولذلك وُصِفَ به المعرَّفُ.\n﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾ وقرئ بالرَّفعِ على المدح (^٥).\n﴿رُسُلًا﴾: وسائطَ بينَه وبينَ عبادِه، يبلِّغون إليهم رسالاته بالوحي والإلهام والرُّؤيا الصَّالحة.\n_________\n(^١) في (م): \"سورة الملائكة أربعون وخمس آيات وسبع مئة وسبعون كلمة\".\n(^٢) في (ع): \"الفطرة\".\n(^٣) في (ك) و(م): \"طريقة\"، وفي (ف): \"طريقته\".\n(^٤) قرأ الضحاك: (فطر) بصيغة الماضي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٣).\n(^٥) بالرفع والتنوين مع نصب (الملائكة) نسبت للحلبي، وبالرفع بلا تنوين مع جر (الملائكة) نسبت للحسن، وبالرفع بلا تنوين مع نصب (الملائكة) نسبت لعبد الوارث عن أبي عمرو. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٣)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٩٨)، و\"البحر\" (١٨/ ٧).","vol":"8","page":351},{"text":"﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ و﴿أُولِي﴾ اسمُ جمعٍ لـ ﴿ذُو﴾، وهو بدلٌ من ﴿رُسُلًا﴾، أو نعتٌ له.\n﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ صفاتٌ لـ ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ وغيرُ منصرفة؛ أيْ صنفٌ منهم أجنحتُهم اثنان اثنان، وصنفٌ أجنحتُهم ثلاثة ثلاثة، وصنفٌ (^١) أربعة أربعة، وتفاوتها بحسبِ تفاوتِ مراتبِهم وأمورِهم التي سُخِّرَتْ لها.\nوما رُوِيَ أنَّه ﵇ رأى جبريل ﵇ ليلةَ المعراج وله (^٢) ستُّ مئةِ جناحٍ (^٣)، فلعلَّه مخصوصٌ به، فلم (^٤) يذكَر لأنَّه ليس من جنس المكرَّر.\n﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ استئنافٌ للدِّلالة على أن الاختلاف المذكور أمر تقتضيه مشيئتُه وحكمتُه.\nوإنَّما عمَّ الخنق ليتناولَ كلَّ زيادة في جميع الخلائق؛ كحُسن الصُّورة (^٥)، وحصافة العقل، وذكاء القلبِ وشهامته، وشجاعة النَّفس وسماحتها (^٦)، إلى ما لا يتناهى.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ استئنافٌ للتَّعليل؛ فإنَّ القدرة الكاملة الشَّاملةَ لا بدَّ لها (^٧) مِن مرجِّح لا مِن خارجٍ؛ لأنَّه ينافي كمالَ القدرةِ، فهو المشيئةُ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"أو\".\n(^٢) في (ك): \"له\".\n(^٣) روى نحوه البخاري (٣٢٣٢)، ومسلم (١٧٤)، من حديث ابن مسعود ﵁.\n(^٤) في (ف): \"ولم\".\n(^٥) في (م): \"الصوت\".\n(^٦) في (ف) و(ك): \"وشهامتها\".\n(^٧) في النسخ: \"له\".","vol":"8","page":352},{"text":"<span id=\"aya-3662\"> </span>(٢) - ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ﴾ استعيرَ الفَتْحُ للإطلاق والإرسال، وأومأَ إلى استعارته له بقوله: ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ مكانَ: لا فاتح له.\n﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ تنكيرُها للإشاعة والتَّعميم؛ أي: مِن أيَّةِ رحمةٍ كانت معنويَّةً أو صوريَّةً، سماوَّيةً أو أرضيَّةً.\n﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾: فلا أحدَ يقدرُ على إمساكِها (^١).\n﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ قيِّد المرسَل بالرَّحمة وقُدِّمَ لأنَّها الأصل، وأُطلق الممسَك ليتناولها وغيرَها من النِّعمة والغضب؛ إشعارًا بقوله: \"سبقت رحمتي على غضبي\" (^٢).\n﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ فلا أحدَ يقدرُ على إرساله.\nأنَّتَ ضميرَ الاسم الأوَّل (^٣) المتضمِّن للشَّرط على المعنى لتفسيره بالرَّحمة، وذكَّرَ الثَّاني على اللَّفظ لإطلاِقه.\n﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ إمساكِه.\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ القادرُ على ما يشاءُ، ليس لأحدٍ أنْ ينازِعَه في الإرسال والإمساك.\n_________\n(^١) في النسخ: \"إمساكه\".\n(^٢) رواه البخاري (٧٥٥٣)، ومسلم (٢٧٥١)، من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: \"سبقت رحمتي غضبي\".\n(^٣) في (م): \"أولًا\".","vol":"8","page":353},{"text":"﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعلُ ما يفعلُ إلَّا بحكمةٍ وإتقان علم (^١).\nثمَّ لَمَّا بيَّنَ أنَّه الموجِدُ للملكِ والملكوتِ، المتصرِّفُ في الكلِّ على الإطلاق، أمرَ النَّاس بشكرِ نعمتِه وتخصيصِه به تعالى، فقال:\n\n<span id=\"aya-3663\"> </span>(٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الخطابُ عامٌّ، وكذا النِّعمةُ، ولا عبرةَ في الخصوصِ في سببِ النُّزولِ، والمرادُ بذكرِ النِّعمةِ: شكرُها بالقلبِ واللِّسان والجوارح، برؤيتها منه لا مِن غيرِه، وأداءِ حقوقِها بالثَّناءِ على المنعِم، والطَّاعةِ له، واستعمالِها في مراضيه (^٢).\nثمَّ أنكرَ أن يكونَ لغيره في ذلك مَدخلٌ فيستحِقَّ أنْ يُشرَكَ به بقولِه:\n﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قرئ بالحركات الثَّلاث (^٣)؛ أمَّا الرَّفع فللحمل على محلِّ ﴿مِن خَلِقٍ﴾ بأَنَّهُ وصفٌ أو بدلٌ (^٤)، فإنَّ الاستفهام بمعنى النَّفي، أو لأنَّه فاعل ﴿خَالِقٍ﴾، وأمَّا الجرُّ فللحمل على لفظِه، وأمَّا النَّصبُ فعلى الاستثناء.\n﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ صفة لـ ﴿خَالِقٍ﴾، أو تفسير لعامله إنْ جعلتَه\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"علمه\".\n(^٢) في (م): \"مرضيه\".\n(^٣) قرأ حمزة والكسائي بخفض الراء، وباقي السبعة برفعها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٢).\nونسبت القراءة بنصب الراء للفضل بن إبراهيم النحوي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٣).\n(^٤) بعدها في (ف) و(ك): \"أو تفسيرٌ لعامله إنْ جعلتَهُ مرفوعَ المحلِّ\"، وهو ناشئ عن سبق نظر عند الناسخ، وسيأتي في مكانه الصحيح.","vol":"8","page":354},{"text":"مرفوع المحلِّ بإضمار فعلٍ لا بالابتداءِ؛ أي: هل يرزقُكُم مِن خالقٍ، أو استئنافٌ دلَّ على أنْ لا خالقَ غير اللَّه، وعلى وجوب شكر نعمتِه، فهو أحسنُ الوجوه، وعلى الوجهَيْن الأخيرَيْن لا محلَّ له من الإعراب.\n﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ جملة مفصولة [لا محل لها] (^١) مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجه الثَّالثِ؛ إذ لو وصلْتَه مثل ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ في الوجهَيْن الأوَّلَيْن لفسد (^٢) المعنى؛ لأنَّ قولَك: هل من خالق آخر سوى اللَّه لا إله إلَّا ذلك الخالق (^٣)؛ متناقضٌ.\n﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: فمِنْ أيِّ وجهٍ تُصرَفون عنِ التَّوحيدِ إلى إشراكِ غيرِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3664\"> </span>(٤) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: تسليةٌ لرسول اللَّه ﷺ، وبعثٌ له على التَّأسِّي بالرُّسل السَّابقين في الصَّبر على تكذيبهم؛ أي: وإن يكذِّبوك فتأسَّ بالرُّسلِ العظامِ، واصبرْ (^٤) على تكذيبهم، فوضع ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ موضعه لبيان السَّبب، واستغنى بذكر السَّبب عن المسبَّب إيجازًا.\nوتنكير ﴿رُسُلٌ﴾ للتَّعظيم المقتضي لزيادةِ التَّسليةِ، والحثِّ على الصَّبرِ؛ أي: رسلٌ عظامٌ ذوو (^٥) عددٍ كثيرٍ، وأولو آياتٍ بيِّناتٍ.\n_________\n(^١) في (ع) و(ف) و(ك) و(ي): \"منصوبة\"، وفي (م): \"منصوب\"، وكلاهما تحريف، والمثبت من \"الكشاف\" (٣/ ٥٩٨)، والكلام وما بين معكوفتين منه.\n(^٢) في (ف): \"يفسد\".\n(^٣) في (ف): \"إلا هو\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"فاصبر\".\n(^٥) في النسخ عدا (ك): \"ذو\"، والمثبت من (ك) و\"الكشاف\" (٣/ ٥٩٩).","vol":"8","page":355},{"text":"وقد نعى بها على قريش حينئذٍ سوءَ تلقِّيهم لآياتِ اللّهِ وتكذيبَهم بها بعد التَّقريع البالغ في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ وعدٌ ووعيدٌ؛ أي: فيجازيك (^١) وإيَّاهم على الصَّبر والتَّكذيب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3665\"> </span>(٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾: الجزاءَ بالثَّواب والعقاب ﴿حَقٌّ﴾: لا خُلْفَ فيه.\n﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: فلا تخدعنَّكم الدُّنيا ولذَّاتُها وشهواتها، فيذهلَكم التَّمتُّع بها عن السَّعي للآخرة، وطلبِ ما عندَ اللّهِ.\n﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: الشَّيطانُ، فإنَّه هو البالغ في التَّغرير بأنْ يمنِّيَكم المغفرةَ مع الإصرار على المعصية، فإنَّها وإنْ أمكنَتْ لكنَّ الذَّنْبَ بهذا التَّوقُّع كتَناولِ السُّمِّ اعتمادًا على الدَّفع بقوَّة الطَّبيعة (^٢).\nوقرئ بالضَّم (^٣)، وهو مصدرُ غرَّه كاللُّزومِ والنُّهوك (^٤)، أو جمع غَارٍّ، كقَاعِدٍ وقُعودٍ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"فيجازيكم\".\n(^٢) \"بقوة الطبيعة\" زيادة من (ي) و(ع)، وفي (م): \"بقوى الطليعة\".\n(^٣) أي: (الغُرور) بضم الغين. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٦٨)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٢٩).\n(^٤) في (ك): \"كالهتوك\"، وفي (ي): \"والشهواك\"، وفي (ع): \"والشهوك\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٥٩٩).","vol":"8","page":356},{"text":"<span id=\"aya-3666\"> </span>(٦) - ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ تذكيرٌ لبني آدمَ ما فَعَلَ بأبيهِم آدم ﵇ بالإغواءِ والتَّغرير، وتحذيرٌ عن موالاتِه.\n﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بالغَ العداوة في عقائدِكم وأفعالِكم، وكونوا على حذرٍ منه في مجامعِ أحوالكم.\n﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ مبالغة في التَّحذير عن عداوته بتقريرها، وبيانِ غرضِه في دعوة شيعته إلى اتِّباع الهوى والرُّكونِ إلى الدُّنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3667\"> </span>(٧) - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وعدٌ لمَن أجابَه، ووعيدٌ لمن خالفه، وبنى الأمر على الإيمان والعمل الصَّالح وتركهما؛ ليقطعَ الأطماع الفارغة، ويهيِّجَ الهِمَمَ العاليةَ.\nولَمَّا ذَكَرَ الفريقيْن قرَّرَ (^١) الوعد والوعيد بقوله:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3668\"> </span>(٨) - ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.\n﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾؛ أي: أفمن زين له سوءُ عمله لغلبة وهمه\n_________\n(^١) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"قدَّر\".","vol":"8","page":357},{"text":"وهواه على عقله، فانتكس رأيُه فرأى الباطلَ حقًّا والقُبْحَ حَسَنًا، كمَن لم يُزيَّن له، بل وُفِّقَ للنَّظر الصَّحيح فعرفهما، ورأى (^١) الحقَّ حقًّا فاستحسنه (^٢) واختاره، ورأى الباطلَ باطلًا فاستقبحه وتركه.\nوالهمزة للإنكار دخلَتْ على الفاء العاطفة لإنكار الجهلِ وفقدِ النَّظرِ والتَّمييزِ، أي: أبعدَ ما تبيَّنَ (^٣) عاقبةُ الفريقَيْن مَن فقَدَ التَّمييز واتَّبعَ الشَّيطان، فرأى القبيحَ الذي زُيِّنَ له حَسنًا كَمَنْ ليسَ كذلك.\nوإنَّما حذفَ الجوابَ لدلالة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ عليه.\nوقالَ الزَّجَّاج: الجواب: ذهبَتْ نفسُكَ (^٤) عليهم حسرةً، فحذفَ لدلالة: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ عليه (^٥)؛ أي: فلا تُهلك نفسَك للحسرات.\nو﴿عَلَيْهِمْ﴾ صلةُ ﴿تَذْهَبْ﴾، كقولِكَ: هلكَ عليه حبًّا، أو بيانٌ للمتحسَّرِ عليه، ولا يجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿حَسَرَاتٍ﴾؛ لأنَّ صلة المصدر لا تتقدَّم عليه، ويجوز أن يكون حالًا (^٦) على أنَّها كلَّها صارَتْ حسراتٍ لفرط التَّحسُّرِ.\n_________\n(^١) في (م): \"فرأى\".\n(^٢) في (م) و(ي): \"فأحسنه\".\n(^٣) في (ف): \"بين\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"الجواب فلا تذهب نفسك\"، والمثبت من باقي النسخ والمصدر.\n(^٥) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢٦٤).\n(^٦) أي: (أن يكون ﴿حَسَرَاتٍ﴾ حالا من ﴿نَفْسُكَ﴾)، وهذه عبارة الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢٢/ ١٧٠)، وعبارة المؤلف منقولة بالحرف من \"الكشاف\" (٣/ ٦٠٠). ووقع في (ك): \"ولا يجوز\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصدرين المذكورين وغيرهما.","vol":"8","page":358},{"text":"وجمعُ الحسرات للدِّلالة على تضاعف اغتمامه (^١) على أحوالهم، أو كثرةِ مساوئ أفعالهم المقتضيةِ للتَّأسُّف عليهم.\nوقرئ: ﴿فلا تُذْهِبُ نفسَكَ﴾ (^٢)؛ أي: فلا تُهلكها.\nوالفاءات الثَّلاث للسَّببيَّة، غير أنَّ الأُولَيين دخلتا على السَّبب، والثالثة على المسبَّب.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ وعيدٌ لهم بالعقابِ على سوءِ صنيعِهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3669\"> </span>(٩) - ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.\n﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ، وقد خُولِفَ به عمَّا قبلَه وما بعدَه إلى المضارع؛ استحضارًا لتلك الصُّورة البديعة الدَّالة على القدرة الباهرة من إثارة الرِّيح السَّحابَ، وما يقارنُه من إنزال المطر وغيره.\nوهكذا يُغيَّر النَّظم في كلِّ أمرٍ عجيبٍ وفعلٍ يختصُّ بحالٍ يُستَغرَبُ، أو يهمُّ المخاطِبَ أو المخاطَبَ (^٣)، أو يتميَّز (^٤) بنوعِ شرفٍ، وغير ذلك.\n_________\n(^١) في (ف) و(ي): \"إغمامه\".\n(^٢) قرأ بها أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥١).\n(^٣) \"أو المخاطب\" من (ي) و(ع)، وفي (ع) كررها مرتين.\n(^٤) وقعت العبارة في (ك) هكذا: \"في كلِّ أمرٍ عجيب وفعلٍ يختصُّ بحاله تقريبًا لفهم المخاطب بتمييز\".","vol":"8","page":359},{"text":"والتفَتَ في (^١): ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ مِن الغيبة إلى التَّكلُّم الذي هو أدلُّ (^٢) على الاختصاص بالقدرة الباهرة، والضَّمير في:\n﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ للمطرِ الدَّالِّ عليه السَّحابُ، أو للسَّحاب لأنَّهُ سبب السَّبب فهو سبب (^٣).\n﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: بعد يبسها.\n﴿كَذَلِكَ النُّشُور﴾؛ أي: مثلَ إحياءِ المواتِ نشورُ الأموات في صحَّة المقدوريَّة؛ إذ لا فرق بينهما إلَّا احتمالُ اختلاف (^٤) المادَّة في المقيس عليه، ولا مدخل له فيها.\nوقيل في كيفيَّة الإحياء: إن اللَّه تعالى يرسل ماءً (^٥) مِن تحتِ العرشِ تَنبتُ به أجسادُ الخلقِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3670\"> </span>(١٠) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: القوَّة والقدرة والمَنَعة فليطلبها مِن عند اللَّه تعالى، فحذف الجزاء استغناءً عن المدلول بالدَّليل، وهو قوله:\n_________\n(^١) \"في\" سقط من (ك) و(ي).\n(^٢) في (م): \"الأدل\".\n(^٣) بعدها في (ع): \"أو لا سيول له\"، وفي (ف): \"أو لا سوء له\"، وفي (ك): \"أو لإرسال دل له\"، وفي (م): \"أو لا سؤل إليه\"، وفي (ي): \"أو لا مسؤولًا له\".\n(^٤) في (ي): \"الاحتمال اختلاف\"، وسقطت \"اختلاف\" من (ف).\n(^٥) في (ك): \"يرسلها\".","vol":"8","page":360},{"text":"﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أي: عِزَّةُ الدُّنيا والآخرة، ثمَّ بيَّنَ أنَّ الذي يُطلَبُ به العزَّةُ هو التَّوحيد والعمل الصالح فقال:\n﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ هو قولُ لا إله إلا اللَّه، وصعودُه إليه مجازٌ عن قَبولِه إيَّاه، والمستكنُّ في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ للكَلِم؛ لأنَّ الصَّاعد بنفسِه هو، ولا خلافَ في أنَّ العملَ لا يُقبَلُ إلَّا بالتَّوحيد والإيمان. ويؤيده القراءة بنصب (العملَ) (^١).\nوقيل: للّه تعالى، والمرفوع العملُ، وتخصيصه بهذا الشَّرف لِمَا فيه مِن الكلفة.\nوقيل: للعمل فإنه يحقِّق الإيمان ويقوِّيه.\nوالكَلِمُ: اسمُ جنسٍ مِن الأجناسِ التي يُفرق بين واحدها والجنس بالتَّاء، كتمرٍ وتمرة (^٢).\nوقرئ: (يُصْعَد) على البناء للمفعول (^٣).\nو: (يُصْعِد) على البناء للفاعل مِن أصعَدَ، ونصبِ (الكلِمَ)، والفاعل هو المتكلِّم به لأنَّه يُصْعِده إلى الله تعالى (^٤).\n﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: المكراتِ السَّيئات، أو لمضافٍ (^٥) إلى المصدر؛ أي: أصنافَ المكرِ السَّيئات، أو ضُمِّن ﴿يَمْكُرُونَ﴾ معنى:\n_________\n(^١) نسبت لعيسى وابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٣).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"كتمرة\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٦٠٣).\n(^٤) نسبت لعلي بن أبي طالب وابن مسعود ﵄. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٣)، و\"الكشاف\" (٣/ ٦٠٣).\n(^٥) في النسخ عدا (ك): \"المضاف\"، والمثبت من (ك).","vol":"8","page":361},{"text":"يكسبون، فنُصب ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ مفعولًا به، والمراد: مكرات قريشٍ في دار النَّدوة، وقد مرَّ تفصيلُها في (الأنفال).\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يؤبَهُ دونَه بما يمكرون به.\n﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ جِيءَ به للدِّلالةِ على عِظمِ مكرهِم، وأنَّه لخبثه أوجب فساده وعدم نفاذه.\nوتوسيط ﴿هُوَ﴾ للحصر؛ أي: هو خاصَّةً يبور (^١) ويفسد دون مكرِ اللّهُ تعالى بهم.\nوكون الأمور مقدَّرةً لا تتغير (^٢)، لا يصلحُ علَّةً لفساد مكرهم؛ لِمَا قرَّرناه في مواضعَ مِن أَنَّه لا تأثيرَ في التَّقدير كما زعمتْه الجبريَّة، ولا دلالةَ على ذلك في قوله:\n\n<span id=\"aya-3671\"> </span>(١١) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ بخلقِ آدم ﵇ من ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ بخلقِ ذرِّيَّته منها ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾: أصنافًا ذكورًا (^٣) وإناثًا.\n﴿تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ في موضعِ الحال؛ أي: إلا معلومةً له.\nلَمَّا أثبَتَ القدرةَ الكاملةَ والعِلمَ الشَّامل أرادَ إثباتَ القضاءِ والقدَرِ فقال:\n_________\n(^١) في (ف) و(م): \"يبعد\".\n(^٢) رد للبيضاوي. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٥٥).\n(^٣) في (م): \"وذكرانا\".","vol":"8","page":362},{"text":"﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ مِن بابِ تسميةِ الشَّيءِ بما يَؤولُ إليه (^١)؛ أي: وما يعمَّرُ مِن أحدٍ، ألا ترُى أنَّه يرجع الضَّمير في قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إليه؟ والنُّقصانُ مِن عُمرِ المعمَّرِ مُحالٌ، وهو مِن التَّسامحِ في العبارة ثقةً بفهم السَّامع.\nهذا بحسب الجليل (^٢) مِن النَّظر، وأمَّا النَّظرُ الدَّقيقُ فيَحكم بصحَّة أنَّ المعمَّر - أي: الذي قُدِّرَ له عمرٌ طويلٌ - يجوز أنْ يبلغَ حَدَّ ذلك العمرِ وأنْ لا يبلغَ عمرَه، فيزيدُ عمرُه على الأوَّل وينقص على الثَّاني، ومع ذلك لا يلزمُ التَّغييرُ في التَّقدير، وذلك لأنَّ (^٣) المقدَّرَ لكلِّ شخصٍ إنَّما هو الأنفاس المعدودة، لا الأيَّام المحدودة والأعوام الممدودة، ولا خفاء في أنَّ الأيَّام قَدْرٌ مِن الأنفاسِ يزيدُ وينقصُ بالصِّحة والحضور والمرض والتَّعب، فافهم هذا السِّرَّ العجيبَّ (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"بما يؤول به\".\n(^٢) في (م): \"الجلي\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"أن\".\n(^٤) في هامش (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"حتَّى ينكشف لكَ سِرُّ اختيار حبس النفس، ويتضح وجه صحة قوله ﵇: الصَّدقة والصِّلة تعمران الدِّيار وتزيدان في الأعمار. منه\". وهذا القول للمؤلف مع العبارة الواردة في حواشي النسخ المذكورة قد نقله الآلوسي في \"روح المعاني\" (٢٢/ ١٨٧ - ١٨٨) مصدرا ذلك بالتعجب منه، ومتعقبا إياه برد الشهاب، الذي قال: (وهو مما لا يعوِّل عليه عاقل، ولم يقل به أحد غير بعض جهلة الهنود، مع أنه مخالف لما ورد في الحديث الصحيح من قول النَّبِيّ ﷺ لأم حبيبة ﵂ وقد دعت بطول عمر: \"سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة\". وقد أطال المحشي فيه وفي رده وهو غنيٌّ عنه). قلت: وأراد بالمحشي الجلبي كما صرّح الآلوسي.","vol":"8","page":363},{"text":"﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وهو (^١) اللَّوح أو الصَّحيفة (^٢).\n﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إشارةٌ إلى الزِّيادة والنّقصان (^٣)\n* * *\n\n<span id=\"aya-3672\"> </span>(١٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ضَرَب البحرَيْن - العذبِ والملحِ (^٤) - مثلَيْن للمؤمنِ والكافرِ.\nوالعَذْبُ: ما يقمع العطش ويردعُه، مِن أعذبَ عن الشَّيء: إذا أمسَكَ عنه.\nوالفُراتُ: الذي يكسِرُ العطشَ.\nوالسَّائِغُ: الذي يسهل انحدارُه.\nوالمِلحُ: الماءُ الذي فيه ملوحةٌ، ولا يقال: مالح.\nوالأُجاجُ: أشدُّ المياه ملوحةً، وهو الذي لشدَّة ملوحتِه يلتهب، ويُقال: أجَّجْتُ النَّارَ؛ أي: ألهبتُها، والأَجَّةُ: شِدَّةُ الحرِّ.\nثمَّ وصفَ البحرَيْنِ بما فيهما مِن النِّعمِ والفوائد على سبيل الاستطراد امتنانًا وتفضُّلًا، فقال:\n_________\n(^١) في (م): \"هو\".\n(^٢) في (ف): \"والصحيفة\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"والنقص\".\n(^٤) في (ف): \"والمالح\".","vol":"8","page":364},{"text":"﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ إنَّما غيَّرَ النَّظمَ - حيث لم يقل: وتلبسون حليةً - لتفاوت الحال؛ حيث كان الأوَّلُ سهلَ المأخذ دون الثَّاني، وفي زيادة السِّينِ نوعُ دلالةٍ إلى مزيد كلفةٍ في إخراجها.\nوفي عبارةِ ﴿كُلٍّ﴾ (^١) دلالة على أنَّ قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] على ظاهره.\nويجوز أن يكون وصفهما مِن تمامِ المثَلِ، وهو أنَّهما مشتركان في فوائدَ كثيرةٍ، كما أنَّ الكافرَ وإنْ كانَ المقصودُ من الإنسان فيه مفقودًا كالمقصود الأعظم من الماء في البحر الملح، ولكنْ قد يُشارِكُ المؤمنَ في فوائد دنيويَّة كالشَّجاعة والسَّخاوة وأمثالها (^٢).\nأو أنَّ (^٣) الملحَ وإنْ لم يبقَ فيه خاصيَّةُ (^٤) الماء، وفسدَ جوهرُه بما اختلطَ به وأبطلَ فطرتَه كالكافر، لكنَّه مُفضَّلٌ عليه بأنَّ فيه فوائدَ كثيرةً ومنافعَ جمَّةً، بخلاف الكافر فإنَّه لا خيرَ فيه ولا نفعَ، فيكون على طريقة قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: ٧٤] الآية.\n﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾: في كلٍّ ﴿مَوَاخِرَ﴾: شواقَّ الماء بجريها.\n﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن فضلِ اللّهِ بالنُّقلة فيها، وأُضْمِرَ للعلم به تعالى وتعيُّنِه، واللَّام متعلِّقةٌ بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾، ويجوز أن تُعلَّق بما دلَّ عليه الأفعال المذكورة.\n_________\n(^١) في (ف): \"عبارة النظم\"، وفي (ك): \"عبارته\".\n(^٢) في (ك): \"وأمثالهما\".\n(^٣) في (ع) و(ف) و(ك): \"وأن\".\n(^٤) في (ف) و(م): \"خاصة\".","vol":"8","page":365},{"text":"﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعلَّ) مستعارٌ مِن معنى التَّرجِّي للإرادة، ولذلك سلكَ به مَسلَكَ التَّعليلِ، وعطفَ على قولِه: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾، كأنَّه قالَ: لتبتغوا من فضله ولتشكروا (^١) على ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3673\"> </span>(١٣) - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.\n﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قد سبقَ تفسيرُه في سورة لقمان.\n﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارةٌ إلى الموصوف بالصِّفات المذكورة، وفيه إشعار بأنَّ فاعليَّته لها موجبةٌ لثبوتِ الأخبار المترادفة.\n﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، ﴿اللَّهُ﴾ عطفُ بيان (^٢)، ولا يجوز أن يكونَ صفةً؛ لأنَّه عَلَمٌ، والعَلَم (^٣) لا يوصف به.\nو﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملةٌ استئنافيَّة مقرِّرة لمعنى التَّعظيم الذي في ﴿ذَلِكُمُ﴾، أو لمعاني الصِّفات المذكورة، أو ثلاثتُها أخبار مترادفة، ولا يأبى المعنى عن خبريَّة ﴿رَبُّكُمْ﴾ لأَنَّه يكون قد أخبر بأنَّه المشار إليه بتلك الصِّفات والأفعال.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"وتشكرون\".\n(^٢) \"بيان\" زيادة من (م) و(ي) و(ع). وكلمة: \"عطفٌ\" سقطت من (م).\n(^٣) \"والعلم\" سقط من (م).","vol":"8","page":366},{"text":"أو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ خبران، و﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة مبتدأة (^١) لا محلَّ لها من الإعراب، واقعةٌ في قِرَان قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ مقدّمة منضمَّة (^٢) إلى الأولى، لينعقد القياس منهما برهانًا دالًّا على أنَّها لم تَصلح للإلهيَّة، ولم تَستحقَّ العبادةَ.\nوالقطميرُ: القُمعُ الذي في رأس التَّمرة، وقيل: لفافة النَّواة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3674\"> </span>(١٤) - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.\nثمَّ قررَ نفيَ الألوهيَّة عنها بقوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنَّهم (^٣) جمادٌ.\n﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيلِ الفَرْضِ والتَّقديرِ.\n﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ بتحصيل سؤلِكم؛ لعدمِ قدرتهم على شيءٍ.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أي: ينكرونه، هذا على أن يكون الكلامُ في الأصنام، فجحدُهم بأنْ ينطقهم اللّهُ تعالى يوم القيامةِ فينكرون أن يكونوا (^٤) أهلًا للعبادة، أو ينكرون أن تكون تلك العبادة حقًّا، وإنَّما ذكر أفعالهم بالواو والنُّون لأنَّه وصفهم بصفات العقلاء.\n_________\n(^١) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"مبتدأ\".\n(^٢) في (ف): \"متقدمة متضمنة\"، وفي (م): \"متقدمة منضمة\".\n(^٣) في (م): \"لأنها\".\n(^٤) في (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"يكون\".","vol":"8","page":367},{"text":"وإنْ كان في الملائكة والأنبياء ﵈ فمعنى قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾: لغيبتهم عنكم (^١)، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لأنَّهم لا يملكون ذلك.\nومعنى إنكارهم شركَهم: أنَّهم يومَ القيامةِ يقولون: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ: ٤١] أو ينكرون أن يكون ذلك حقًّا.\n﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ التَّنكيرُ للتَّعظيم؛ أي: ولا يخبرُكَ بحقيقةِ الأمر على ما هو عليه خبرُه (^٢) مثلُ خبيرٍ أيِّ خبير، عليمٍ (^٣) بكلِّ خفيَّةٍ وجليَّةٍ؛ يعني: ما أخبرتكم به مِن حالِ الأوثان هو الحقُّ؛ لأنَّي خبير بكلِّ شيءٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3675\"> </span>(١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في أنفسكم، وما يَعِنُّ لكم (^٤).\nوتعريف ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ للماهيَّة؛ بناءً على المبالغة.\nوتوسيط ﴿أَنْتُمُ﴾ للحصر؛ أي: أنتم جنس الفقراء مطلقًا، دون سائر الخلائق، يعني أنَّكم لكثرة حوائجكم وشدَّة افتقاركم وغاية ضعفكم بالنِّسبة إلى سائر الخلائق كأنَّكم جنس الفقراء، ليس غيركم فقراء، ولذلك قابله بقوله:\n_________\n(^١) في (م) و(ع): \"عنهم\"، وقوله: \"لغيبتهم\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٢) في (ك) و(م): \"خبير\"، وفي (ف) و(ي): \"خبر\".\n(^٣) \"عليم\" سقط من (م).\n(^٤) في (ك): \"يعني لكم\"، وفي (ف): \"يعز لكم\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب، ويعن: بكسر العين وتشديد النون؛ أي: ما يعرض لكم ويطرأ من الأحوال. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٧/ ٢٢٠).","vol":"8","page":368},{"text":"﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ مطلقًا وبالذَّات؛ لوجوب وجوده، لا غنيَّ سواه؛ لاحتياجِ الكلِّ إليه.\nوزاد عليه:\n﴿الْحَمِيدُ﴾ لأنَّ الغنيَّ قد لا يَجود فلا يُحمَدَ، وهو الجوادُ المنعِمُ بجميع النِّعمِ، وقد أنعمَ عليهم بالوجودِ وكلِّ ما يحتاجون إليه، فكان حميدًا مطلقًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3676\"> </span>(١٦) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.\n﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: بقوم أَطْوعَ (^١) منكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3677\"> </span>(١٧) - ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.\n﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾: بعسيرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3678\"> </span>(١٨) - ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: ولا تحملُ نفسٌ آثمةٌ إثمَ نفسٍ أخرى، فلا تغترُّوا بقولِ كبرائكم القائلين: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢] ولا يخالفُ (^٢)\n_________\n(^١) في (ك): \"أنجع\".\n(^٢) في (ف) زيادة: \"وزر\".","vol":"8","page":369},{"text":"هذا قولَه في حقِّ الضَّالين المضلِّين: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]؛ لأنَّ الحملَيْنِ كلاهما مِن أوزارِه.\n﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾: نفسٌ أثقلها (^١) الأوزارُ ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾: لحملِ بعضِ (^٢) أوزارِها.\n﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ (^٣): لا يحملُ شيئًا مِن وزرها؛ أي: لا غِياثَ لِمَنِ استغاثَ منهم.\nحذفَ مفعول (إن تدع) للتَّعميم؛ أي: وإن تدعُ كلَّ مَن في العالم واحدًا واحدًا لم يُجبْ، ولهذا أضمر المدعوَّ في: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.\nقرئ: (ذو قربى) (^٤) على حذف الخبر، ويجوز أن تكون ﴿كَانَ﴾ تامَّةً، إلَّا أنَّ النَّاقصة أوقعُ وأفصح.\n﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ حال من الفاعل؛ أي: يخشونه غائبين عن عذابه، أو من المفعول؛ أي: يخشون عذابَه غائبًا عنهم، أو نصب على الظَّرف؛ أي: في السِّرِّ والغيبة مِن النَّاس.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فإنَّهم المنتفِعون بالإنذار، واختلاف الفعلَيْن (^٥) للدِّلالة على استمرارِ خشيتِهم.\n_________\n(^١) في (ك): \"أثقلتها\".\n(^٢) في (ف): \"ما يحمل\"، وفي (م): \"بحمل بعض\".\n(^٣) بعدها في (ف): \"أي\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٦٠٧).\n(^٥) في (م): \"الفعل\".","vol":"8","page":370},{"text":"﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾: ومَن تطهَّر عن دنسِ المعاصي ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ إذ نفعُه لها، وهو اعتراضٌ مؤكِّدٌ لخشيتِهم وإقامتِهم الصلاة؛ لأنَّهما من جملة التَّزكِّي.\n﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ترغيبٌ وترهيبٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3679\"> </span>(١٩) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾.\n﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ مثَلٌ آخرُ للكافر والمؤمن، أو للصَّنم والله تعالى، وتأخير ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ لمحافظةِ الفاصلة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3680\"> </span>(٢٠) - ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾.\n﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ مثلٌ للباطل والحقِّ. وإنَّما جمع ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ دون ﴿النُّورُ﴾ لأنَّ الحقَّ واحدٌ بخلافِ الباطل فإنَّه على أنواع متعدِّدة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3681\"> </span>(٢١) - ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾.\n﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ مثلٌ للثَّواب والعِقاب. و﴿الْحَرُورُ﴾: فَعولٌ مِن الحرِّ، غلبَ على السَّموم، وقيل: غلب على ما يكون باللَّيل، والسَّموم ما يكون بالنَّهار، والواوات بعضُها عاطفة الوتر على الوترِ كالَّتي بين ﴿الْأَعْمَى﴾ و﴿الْبَصِيرُ﴾، وبعضُها عاطفة الشَّفع على الشَّفعِ كالَّتي بينهما وبين (^١) ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"كالتي بين\"، وفي (ي) و(ع): \"كالتي بينها\".","vol":"8","page":371},{"text":"وكرَّر ﴿وَلَا﴾ فيما كرَّر لتأكيد المنافاة، فـ ﴿الظُّلُمَاتُ﴾ تنافي ﴿النُّورُ﴾، و﴿الظِّلُّ﴾ ينافي ﴿الْحَرُورُ﴾، و﴿الْأَعْمَى﴾ لا ينافي ﴿وَالْبَصِيرُ﴾، إنَّما المنافاة بين الوصفَيْنِ، ولذلك يكون الشَّخصُ الواحد بصيرًا في وقتٍ وأعمًى (^١) في وقتٍ آخرَ، ولهذا (^٢) لم يذكر (لا) بينهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3682\"> </span>(٢٢) - ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾.\n﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ مثلٌ للعقلاءِ الذين دخلوا في الإسلامِ، والجهَّال الذين لم يدخلوا فيه وأصرُّوا على الكفر.\nآثر صيغةَ الجمع هنا لأنَّه أرادَ نفيَ المساواة بين الأفراد؛ أي: ليس في جنس الأموات فردٌ يساوي فردًا من جنس الأحياء، ولا صحَّة لهذا المعنى في الأعمى والبصير؛ فإنَّه قد يوجد في جنس الأعمى ما يساوي بعضَ أفراد البصير، بل يَفضُلُ عليه، فلذلك آثر فيه (^٣) صيغة الإفراد تفضيلًا للجنسِ على الجنسِ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايتَه، فيوفِّقه لفهم آياته والاتِّعاظِ بعظاتِه. وبناء الفعل على الاسم يفيد أنَّك لا تُسمِعُ مَن تشاءُ.\n﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وما مَثلُكَ في إرادة إسلام مَن تشاءُ مِن قومٍ مخذولين إلَّا مَثلُ مَن يريد أن يُسمِعَ مَن في القبور، وهو ترشيحٌ لتمثيلِ\n_________\n(^١) في (ك): \"أعمى\".\n(^٢) في (ك) و(ي) و(ع): \"فلهذا\".\n(^٣) في (م): \"عليه\".","vol":"8","page":372},{"text":"المصرِّيْنَ على الكفر بالأموات، ومبالغة في إقناطه عنهم (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3683\"> </span>(٢٣) - ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.\nثمَّ قالَ: ﴿أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾؛ أي: لسْتَ بمسمعٍ؛ فإنَّ الإسماعَ ليسَ إليك، ولا حيلةَ لك في إسماع المطبوع على قلوبهم، ما عليك إلا الإنذار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3684\"> </span>(٢٤) - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ حالٌ مِن أحد الضَّميرَيْنِ؛ أي: محقِّين، أو محقًّا، أو صفةُ مصدر محذوف؛ أي: إرسالًا مصحوبًا بالحقِّ، أو صلةٌ لقوله:\n﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؛ أي: بشيرًا بالوعد الحقِّ، ونذيرًا بالوعيد الحقِّ.\n﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ الأمَّةُ: الجماعةُ الكثيرةُ، والمراد هنا: أهل عصرٍ.\n﴿إِلَّا خَلَا﴾ (^٢): مَضى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ مِن نبيٍّ، أو عالمٍ قائمٍ مقامَه في الإنذارِ.\nوإنَّما خصَّه بالذِّكر لأنَّ البشارة إنَّما تكون بالسَّمع، فهي مِن خصائص الأنبياء، فالبشير لا يكون إلَّا نبيًّا، أو ناقلًا عنه، بخلاف الإنذار فإنَّه كما يكون بالسَّمع يكون بالعقل، فلذلك وُجِدَ الثَّاني في كلِّ أمَّةٍ دون الأوَّل، ولا يُشكل هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ: ٤٤]؛ لأنَّ المراد مِن النَّذير فيه: النذَّيرُ بالسَّمع.\n_________\n(^١) في (ف): \"إقناعهم\". وعند البيضاوي: (إقناطه منهم).\n(^٢) من قوله: \"أي: بشيرًا بالوعد الحقِّ .. \" إلى هنا سقط من (م) و(ي) و(ع).","vol":"8","page":373},{"text":"<span id=\"aya-3685\"> </span>(٢٥) - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾.\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مَسْلاةٌ للرَّسول ﵊.\n﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الشَّاهدة على نبوَّتهم.\n﴿وَبِالزُّبُرِ﴾: وبالصُّحف ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾: وبجنس الكتاب كالتَّوراة والزَّبور والإنجيل (^١).\nولَمَّا كانتِ الأشياء المذكورةُ في جنس الأنبياء ﵈، بعضُها في جميعهم وهي البيِّنات، وبعضُها في بعضهم وهي الزُّبر (^٢) والكتب؛ أسندَ المجيء بها إليهم مطلقًا على أنَّ الكلَّ منهم جاؤوا بالكلِّ، لا أنَّ كلَّ واحدٍ جاء (^٣) بكلِّ واحدٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3686\"> </span>(٢٦) - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.\n﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قد سبق تفسيره في سورة سبأ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3687\"> </span>(٢٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(م) و(ي) و(ع): \"أي أعم من التفصيل والجمع، لا على الثاني كما توهمه القاضي\".\n(^٢) في (م): \"الزبور\".\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"جاؤوا\".","vol":"8","page":374},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: أجناسُها كالرُّمَّان والتُّفاح والتِّين والعنب وغيرها ممَّا لا يُحصى، أو أصنافها على أنَّ كلًّا منها أصنافٌ مختلفةٌ، أو هيئاتها مِن الحمرة والصُّفرة والخضرة ونحوها.\n﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾: طرائقُ مختلفٌ ألوانُها؛ أي: جبالٌ كلُّ بعضٍ منها على لونٍ وطريقٍ مخالفٍ لآخر، كما في الثَّمرات، أو: مِن الجبالِ ذو جُدَد؛ أي: جنس ذو خطط.\n﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾؛ أي: بعضٌ مختلفُ الألوانِ، وبعضٌ على لونٍ واحدٍ.\nوقرئ: (جُدُدٌ) بضمِّ الدَّال (^١)، جمع جَديدةٍ، وهي الجُدَّة، و: (جَدَد) بفتحتَيْنِ (^٢)، وهو الطَّريق الواضح.\n﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطفٌ على ﴿بِيضٌ﴾ (^٣)، أو على ﴿جُدَدٌ﴾؛ أي: ومن الجبال (^٤) مخطط (^٥) ذو طرائق مختلفة، ومنها ما هو على لونٍ واحدٍ غرابيبُ.\nوالغرابيبُ: البالغُ في السَّواد، وهو مِن التَّوابع المؤكِّدة، ومنه الغراب، وعليه تفسير عكرمة (^٦).\n_________\n(^١) نسبت للزهري. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ١٩٩).\n(^٢) نسبت للزهري أيضًا. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٤)، و\"المحتسب\" (٢/ ١٩٩).\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"بعض\".\n(^٤) \"أي ومن الجبال\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٥) في (ك): \"خطط\"، وفي (م): \"مختطة\".\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٦٠٩)، وفيه: وعن عكرمة ﵁: هي الجبال الطوال السود.","vol":"8","page":375},{"text":"ووجهُه: أنْ يُضمَر المؤكَّد قبلَه لأنَّه تابعٌ، ثمَّ أوقع بيانًا له خيفةَ اللَّبس، كقول النَّابغة:\nوالمؤمنُ العائذاتِ الطَّيرَ (^١)\nوتغيير الأصل فيه لزيادة التَّأكيد، كأنَّه دلَّ على المعنى الواحد بطريق الإضمار والإظهار، فيكون كتكرير (^٢) التَّأكيد بوجهٍ أبلغَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3688\"> </span>(٢٨) - ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾: كاختلاف الثِّمار والجبال.\n﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾: ما يخشى اللهَ تعالى مِن بين (^٣) عبادِه إلَّا العلماءُ باللهِ وبصفاتِه وأفعالِه؛ فإنَّ الخشيةَ على قَدْرِ العلمِ، فمَنْ كانَ أعلمَ باللهِ كانَ أخشى منه.\nوفي الحديث: \"أعلمُكُم باللهِ أشدُّكُم خشيةً\" (^٤).\n_________\n(^١) هو في \"ديوانه - بشرح ابن السكيت\" (ص: ٢٠)، وتمامه:\n....................... يمسَحها … ركبانُ مكَّة بين الغَيْلِ والسَّندِ\nو(المؤمن): بالرفع عطف على مبتدأ تقدم، و(العائذات) منصوب بالمؤمن، و(الطير): عطف بيان للعائذات، ويجوز جعله بدلا منه، وكذا كل موصوف تبع صفته.\n(^٢) في (ف) و(م): \"فيكون لتكرير\"، وسقطت \"فيكون\" من (ع) و(ي).\n(^٣) \"بين\" سقط من (م).\n(^٤) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٨/ ١٠٦)، و\"الكشاف\" (٣/ ٦١١). وقال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٣/ ١٥٢): غريب. وروى الدارمي في \"سننه\" (٣٧٤) عن عطاء قال: قال موسى عليه =","vol":"8","page":376},{"text":"ولهذا لَمَّا ذكر أفعالَه الدَّالة على كمال قدرته وعظمته وحكمته أتبعه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ﴾، أي: إنَّما يخشاه مثلُك ومَن على صفتك ممَّن يعرفه حقَّ معرفته.\nوتأخيرُ الفاعلِ للحصر فيه، ولو قُدِّم لانعكس الحصر، فكان في المفعول.\nومَن قرأ برفع (اللهُ) (^١) ونصب (العلماءَ) (^٢) استعارَ الخشيةَ للإجلال والتَّعظيم؛ أي: ما يجلُّ اللهُ مِن بين النَّاس كما يُجَلُّ المَهيبُ المَخْشِيُّ إلَّا العلماءَ.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تعليلٌ لوجوب الخشيةِ؛ لأنَّ مَن قدرَ على العقوبة والانتقام والعفو والغفران حقُّه أنْ يُخْشَى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3689\"> </span>(٢٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾: يداوِمون على قراءة (^٣) القرآن.\n﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ يعني: لا يقنعون (^٤) بتلاوته عن حلاوة العمل به.\n_________\n= السّلام: يا رب، أيُّ عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه، قال: يا رب، أيُّ عبادك أغنى؟ قال: أرضاهم بما قسمت له، قال: يا رب، أيُّ عبادك أخشى؟ قال: أعلمهم بي.\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"برفع الأول\".\n(^٢) نسبت لعمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٨/ ١٠٥)، و\"الكشاف\" (٣/ ٦١١). وقد طعن ابن الجزري في هذه القراءة. انظر: \"النشر\" (١/ ١٦).\n(^٣) \"قراءة\" سقط من (ف).\n(^٤) في (ف): \"ينفقون\"، وفي (ي) و(ع): \"يعنون\". والمثبت من (ك) و(م)، وهو موافق لما في \"تفسير النسفي\" (٣/ ٨٧)، وفيه: (لا يقتنعون).","vol":"8","page":377},{"text":"﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ كيف اتَّفَق (^١) من غيرِ قصدٍ إليها، أو سرًّا في المسنونة وعلانيةً (^٢) في المفروضة.\n﴿يَرْجُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، أو حالٌ من ضمير ﴿أَنْفَقُوا﴾، والخبر ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.\n﴿تِجَارَةً﴾: تحصيلَ ثوابٍ بالطَّاعة، لا طلبَه؛ لأنَّه لا يصلح متعلَّقًا للرَّجاء.\n﴿لَنْ تَبُورَ﴾: لن تكسد ولن تهلك (^٣) بالخسران، صفةٌ للتِّجارة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3690\"> </span>(٣٠) - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾.\n﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ متعلِّق بـ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾، أو بـ ﴿يَرْجُونَ﴾، أو علَّة للأفعال المذكورة من التِّلاوة وإقامة الصَّلاة والإنفاق؛ أي: فعلوا مِن الطَّاعات راجين تجارةً لن تبور ليوفِّيهم ويزيدهم (^٤).\n﴿أُجُورَهُمْ﴾ ما وعدَ مِن ثوابِ أعمالهم، وإنَّما عبَّرَ عنه بالأجر لكونِه في مقابَلة العمل.\n﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ على الموعود.\n﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلِّق بجميع ما ذُكِرَ مِن التَّوفية والزِّيادة، لا الزِّيادة (^٥) خاصَّة؛\n_________\n(^١) في (ف): \"أنفق\".\n(^٢) في (ف): \"وعلانيته\".\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع) زيادة: \"يعني\".\n(^٤) \"ويزيدهم\" سقط من (ك).\n(^٥) في (ك) و(ي) و(ع): \"للزيادة\".","vol":"8","page":378},{"text":"إذ حينئذٍ يلزم أن لا يكون تعالى (^١) في التَّوفية متفضِّلًا، بل مؤدِّيًا ما وجب عليه، كما زعمته المعتزلة (^٢).\n﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لفرطاتهم ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم. مجازٌ (^٣) عن إعطاءِ الجزيل على العمل القليلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3691\"> </span>(٣١) - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.\n﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: القرآن و﴿مِنَ﴾ للتَّبيين، أو الجنس و﴿مِنَ﴾ للتَّبعيض.\n﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الكاملُ في كونه حقًّا.\n﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ مؤكِّدة (^٤)؛ لأنَّ الحقَّ لا ينفكُّ عن هذا التَّصديقِ.\n﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِن الكتبِ المتقدِّمة.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ﴾ بالبواطنِ ﴿بَصِيرٌ﴾ بالظَّواهر، فلو لم يرَ فيك أهليَّةً واستحقاقًا لهذه الكرامة لم يوحِ إليك مثلَ هذا الكتاب المعجز، الذي هو عيارٌ على سائر الكتب (^٥).\n_________\n(^١) بعدها في (ف) زيادة: \"من\".\n(^٢) في هامش (ف): \"لا يلائم المذهب الحق بل يناسب مذهب الفيلسوف. منه\".\n(^٣) في (م): \"مجازا\".\n(^٤) في (م): \"مؤكد\".\n(^٥) في النسخ: \"الذي هو كسائر الكاتب\"، وجاء في هامش (ي): \"كذا في نسخة المؤلف، ولا يخفى أنه سقط شيء وعبارة القاضي: عيار على سائر الكتب\". قلت: ليست هي عبارة القاضي فقط، بل =","vol":"8","page":379},{"text":"وتقديم الخبير لأنَّ الاعتناء (^١) بالأمور (^٢) الرُّوحانيَّة أكثر، وهي العمدة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3692\"> </span>(٣٢) - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.\n﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾؛ أي: أعطيناه بلا كلفةِ كسبٍ، كمالِ الميراثِ.\n﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ يعني: أمَّة محمَّد ﷺ، فإنَّهم مختارون مِن بين سائر الأمم.\nوفي عبارة ﴿أَوْرَثْنَا﴾ إشارة إلى أنَّ الكتاب المذكور يكون باقيًا في هذه الأمَّة يرثُه بعضُهم عن (^٣) بعضٍ إلى قيام السَّاعة، ولا يضيع كما ضاع سائر الكتب، فالمعنى: نورِثه، على عادة (^٤) الله تعالى في إخباره عما يتحقق وقوعه.\nوكما أنَّ ورثةَ الدُّنيا ثلاثةُ أصنافٍ: صاحب فرضٍ، وعصبة، وذوي الأرحام، كذلك ورثةُ الدِّين ثلاثةُ أصناف:\n﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مَن عاشَ عاصيًا ومات عاصيًا من أهل الإيمان الذين قال النبي ﵇ فيهم: \"شفاعتي لأهل الكبائر مِن أمَّتي\" (^٥).\n_________\n= الزمخشري والقاضي وأبي السعود والآلوسي.\n(^١) في (ف) و(ك): \"الاعتقاد\"، ووقع في النسخ عدا (ي): \"الخبر\" بدل: \"الخبير\".\n(^٢) في (ف): \"بالأنوار\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"من\".\n(^٤) في (ي) و(ع): \"عبادة\"، ولعلها محرفة عن: (عبارة).\n(^٥) رواه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥)، وابن ماجه (٤٣١٠)، من حديث أنس ﵁. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.","vol":"8","page":380},{"text":"قدَّمه اهتمامًا لأنَّه أبعدُ الأصناف عن كرامة الاصطفاء، واللَّام للاختصاص لأنَّ فعل الظُّلم يتعدَّى بنفسه، وفائدته الاحترازُ عن الظُّلم لغيره؛ لأنَّ التَّجاوز عنه (^١) في عهدة ذلك الغير.\n﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ وهو مَن عاش عاصيًا ومات مطيعًا.\n﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وهو من عاش مطيعًا ومات مطيعًا.\nنُقِلَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سابقُنا سابق، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالمنا مغفورٌ له\" (^٢).\nفالأصناف المذكورة على مراتبَ في الوصول إلى المقصد: متأخِّر، ومتوسِّط، وسابق حاز قَصَب السَّبق، لكن لا بفضيلةٍ ذاتيَّةٍ كما في سباق الدُّنيا، بل بفضلٍ مِن الله تعالى، وإلى هذا أشير بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بتيسيره، وقد سبقَ وجهُ هذا المجاز.\nوالباء الأولى للتَّعدية، مِن قولِكَ: سبقتُه بالكرة: إذا ضربتَها قبله، ومنه قوله ﵇: \"سَبَقكَ بها عُكاشةُ\" (^٣).\n_________\n(^١) \"عنه\" سقط من (م).\n(^٢) رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٤٣)، والثعلبي في \"تفسيره\" (٥/ ١٨٠)، والواحدي في \"الوسيط\" (٣/ ٥٠٥)، من طريق الفضل بن عميرة، عن ميمون بن سياه، عن أبي عثمان النهدي عن عمر ﵁. والفضل بن عميرة ضعيف، قال العقيلي: لا يتابع عليه.\nورواه البيهقي في \"البعث والنشور\" (٦٥) من طريق ميمون بن سياه عن عمر ﵁. وهذا منقطع كما ذكر البيهقي.\nورواه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢٣٠٨) عن عمر موقوفًا. وانظر: \"الكافي الشاف\" (ص: ١٣٩).\n(^٣) رواه البخاري (٦٥٤٢)، ومسلم (٢١٦)، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"8","page":381},{"text":"﴿ذَلِكَ﴾ الاصطفاء ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ لَمَّا ذكر الأصنافَ المذكورة بحسب أحوالهم في دار العمل فرَّق بينهم، ولَمَّا ذكرهم باعتبار مآلهم إلى دار الجزاء جمعَهم فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3693\"> </span>(٣٣) - ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدلٌ؛ لأنَّ الفضل هو السَّبب في الوصول إليها، فكأنَّه مِن شدَّة اقتضائه للمسبَّب عينُه (^١)، وتنزيل السَّبب منزلةَ المسبَّب غيرُ عزيز.\n﴿يَدْخُلُونَهَا﴾؛ أي: الفِرق الثَّلاث يدخلونها، ويجوز أن تكون الإشارة إلى السَّبق، واختصاصُ السَّابقين بعد التَّعميم (^٢) بذكر ثوابهم، والسُّكوتُ عن القسمَيْنِ الأخيرَيْنِ؛ للإنذارِ والحثِّ على التَّوبة والتَّشويق إلى (^٣) السَّابقين.\nوقرئ: (جنَّاتِ) (^٤) منصوبةً بفعلٍ يفسِّره الظَّاهر.\nوقرئ: ﴿يُدْخَلونها﴾ على بناءِ المفعول (^٥).\n﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ حالٌ مقدَّرة، أو خبرٌ ثانٍ، وقرئ: (يَحْلَون) مِن حَلِيَتِ المرأةُ فهي حَالِيَةٌ (^٦).\n_________\n(^١) في (ف): \"عنه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"التَّقسيم\".\n(^٣) في (ف): \"أي\"، وبعدها في (م) و(ي) \"سلو\"، وفي (ع): \"شلو\"، وفي (ف) بياض بمقدار كلمة.\n(^٤) نسبت للجحدري. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٤).\n(^٥) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٢).\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٦١٤).","vol":"8","page":382},{"text":"﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ ﴿مِنْ﴾ للبيان أو للتَّبعيض؛ أي: يحلَّون بعضَ أساور، كأنَّه بعضٌ سبقَ (^١) سائر الأبعاض، كما سبق المسوَّرون به (^٢) غيرهم، وهذا على تقدير أن تكون الإشارة إلى السَّبق.\n﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ للبيان، لا للتَّبعيض؛ إذ حينئذٍ يكون الخبر خلوًا عن الفائدة.\n﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على ﴿ذَهَبٍ﴾؛ أي: مِن (^٣) ذهبٍ مرصَّع باللُّؤلؤ (^٤)، أو ذهبٍ في صفاءِ اللُّؤلؤِ، وقِرئ: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ (^٥) عطفًا على محلِّ ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ (^٦).\n﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ التَّنكير للدِّلالة على أنَّه نوعٌ غيرُ معهودٍ مِن جنسِ الحريرِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3694\"> </span>(٣٤) - ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.\n﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾: همّهم مِن خوف العاقبة، أو مِن أجل المعاش وآفاته، أو مِن وسوسةِ إبليس وغيرها.\n﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ للمُذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ للمطيعين.\n* * *\n_________\n(^١) في (ك): \"فارق\"، وفي (ف) و(م) و(ع) و(ي): \"فلق\"، والمثبت \"الكشاف\" (٣/ ٦١٤).\n(^٢) في (ك): \"به المتسورون به\".\n(^٣) \"من\" سقط من (م).\n(^٤) في (م): \"من لؤلؤ\".\n(^٥) في (ك) \"لؤلؤًا بالواو\"، وفي (ف): \"بالواو\".\n(^٦) قرأ نافع وعاصم بالنصب، وباقي السبعة بالخفض. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٥٦).","vol":"8","page":383},{"text":"<span id=\"aya-3695\"> </span>(٣٥) - ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.\n﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: دارَ الإقامة ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: مِن إنعامه وتفضُّله، إذ (^١) لا واجبَ عليه.\n﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ النَّصبُ: التَّعبُ والمشقَّةُ التي تصيب المنتصِبَ للأمرِ.\n﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ اللُّغوبُ: الفُتور والكَلال دونَ التَّعبِ، فهو مِن بابِ التَّرقِّي لا مِن باب (^٢) التَّتميم، ولذلك أعادَ قولَه: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا﴾، ولم يقل: ولا لغوب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3696\"> </span>(٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ جواب النَّفي، ونصبُه بإضمار (أنْ)؛ أي: لا يموتون بموتٍ ثانٍ فيستريحوا (^٣)، يُقال: قضى عليه: إذا أماته، قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].\nفلا بُدَّ مِن صرف قوله: ﴿فَيَمُوتُوا﴾ عن الحقيقة إلى المجاز؛ صونًا له (^٤) عن وَصمةِ اللَّاغية (^٥).\n_________\n(^١) \"إذ\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) \"باب\" من (ك) و(م).\n(^٣) في (ي) و(ع): \"فيسترحوا\"، وفي (ف): \"فيسرحوا\".\n(^٤) \"له\" زيادة من (ك).\n(^٥) أي: لئلا يلغو ﴿فَيَمُوتُوا﴾. وتحرفت \"اللاغية\" في (ف) و(ك) و(ي) إلى: \"اللاعنة\".","vol":"8","page":384},{"text":"وقرئ: (فيموتون) (^١) عطفًا على ﴿يُقْضَى﴾، وإدخالًا له في حكم النَّفي؛ أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون، كقوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ [المرسلات: ٣٦].\n﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾: مِن عذاب جهنَّم، كقوله (^٢) تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، فإنَّ فيه دلالةً على أنَّ مظنَّة الخفَّة في غيرهم مئنَّةُ (^٣) الشِّدة في حقِّهم.\n﴿كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الجزاء ﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾: مبالغٍ في الكفر أو الكفران (^٤).\nقرئ بالنُّون والياء، والفاعل هو الله تعالى، وقرئ: ﴿يُجْزَى﴾ على بناء المفعول، وإسنادِه إلى ﴿كُلَّ﴾ (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3697\"> </span>(٣٧) - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.\n_________\n(^١) نسبت للحسن وعيسى. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢٠١)، و\"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٨٣).\n(^٢) في (م): \"لقوله\".\n(^٣) أي: مخلقة ومجدرة، مأخوذة من إنَّ التحقيقية. وتحرفت في (ك) إلى: \"مشيئة\"، وفي (م) إلى: \"متنة\"، وفي (ف) إلى: \"شد\".\n(^٤) في (ك): \"الكفر أي الكفران\"، وفي (ف): \"الكفر والكفران\"، في (ي): \"الكفور أو الكفران\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لعبارة البيضاوي وأبي السعود والآلوسي. وهو - كما قال الشهاب - إشارة إلى أنه يجوز أن يكون من الكفر أو الكفران. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٢٧).\n(^٥) وهي قراءة أبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٢).","vol":"8","page":385},{"text":"﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ﴾ يفتعِلون، مِن الصُّراخ، وهو الصِّياح بجهدٍ وشدَّةٍ، واستُعمِلَ في الاستغاثة؛ لجهدِ المستغيثِ صوتَه (^١).\n﴿فِيهَا﴾: في جهنَّم.\n﴿رَبَّنَا﴾ بإضمار القول (^٢)؛ أي: يستغيثون ويقولون: ربَّنا.\n﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ اعترافٌ منهم بأنَّ ما عملوه كانَ غيرَ صالحٍ حَسِبوه صالحًا، وتحسُّرٌ عليه، والدِّلالة (^٣) على أنَّ طلب الخروج لتلافيه.\n﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ أي: مَن أرادَ أنْ يتذكَّرَ، توبيخٌ مِن الله تعالى على طَلِبتهم، وتقريرٌ على تقدير القول؛ أي: نقول لهم: أتتمنونَ الرُّجوع ولم نعمِّركم مدَّة يمكن فيها التَّذكُّر والتَّدبُّر؟\nو﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ يتناولُ كلَّ عمرٍ يتمكَّنُ فيه الإنسان مِن العمل الموجب للنَّجاةِ وإنْ قَصُرَ، إلَّا أنَّ التَّوبيخَ في المتطاوِل (^٤) أعظم.\nوقيل: ما بين العشرين إلى السِّتين، وعنه ﵇: \"العمرُ الذي أَعْذرَ اللهُ فيه إلى ابن آدم ستُّون سنةً\" (^٥).\n_________\n(^١) قوله: \"لجهد\" بالدال المهملة لا بالراء كما في بعض نسخ البيضاوي؛ أي: يجهد ويبالغ في مد صوته ويبذل جهده فيه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٢٧).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بالإضافة إلى القول\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"اعترافًا منهم والدلالة\" وسقط باقي العبارة.\n(^٤) في (ف) و(ي) و(ع): \"التطاول\".\n(^٥) روى نحوه البخاري (٦٤١٩) من حديث أبي هريرة ﵁. ولفظه: \"أعذر الله إلى امرئ أخر أجله، حتى بلَّغه ستين سنة\".","vol":"8","page":386},{"text":"﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عطفٌ على معنى ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ لأنَّه تقريرٌ لفظُه لفظُ الاستفهام، ومعناه معنى الخبر، كأنَّه قيل: قد عمَّرناكم وجاءكم النَّذير؛ أي: النَّبيُّ (^١) المنذِر أو الكتاب، وهذا إلزام الحجَّة (^٢) عليهم بالعقل والسَّمع؛ فإنَّ التَّذكُّرَ مِن باب العقل، والإنذار مِن باب السَّمع.\nوالفاء في قوله: ﴿فَذُوقُوا﴾ للسَّببيَّة؛ أي: ما تذكَّرتم فذوقوا بسببِه (^٣)، وكذا الثَّانية إلَّا أنَّ فيها معنى التَّعليل.\n﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفعُ العذابَ عنهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3698\"> </span>(٣٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما غابَ فيها (^٤) عنكم.\n﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليلٌ؛ لأنَّ ما في الصُّدور أخفى الغيوب، فإذا علمَه علمَ كلَّ غيبٍ في العالم، فيعلَمُ أنَّه لو ردَّهم إلى الدُّنيا لم يعملوا غير الذي كانوا يعملون؛ كقوله (^٥): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].\n* * *\n_________\n(^١) \"النبي\" من (ف) و(ك).\n(^٢) في (ف): \"ألزم الحجبة\".\n(^٣) في (ف) و(ي): \"سببه\"، وفي (ع): \"سببية\".\n(^٤) في (ك): \"فيهما\".\n(^٥) في (ف) و(م): \"لقوله\".","vol":"8","page":387},{"text":"<span id=\"aya-3699\"> </span>(٣٩) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يُقال للمستخلَفِ: خليفة وخليف، ويجمع الخليفة على خلائِف، والخليف على خُلفاء.\nوالخطاب عامّ على أنَّ المعنى: أنَّه جعلكم خلفاء في أرضِه، وألقى إليكم مقاليدَ التَّصرُّف فيها، وأباح لكم منافعها، لتؤمنوا به وتشكروه (^١).\nوقيل: لمن بُعِثَ إليه رسول الله ﷺ، فإنَّهم خَلَفوا مَن قبلَهم، وشاهدوا مِن آثارِ (^٢) هلاكهم ما فيه معتَبر، ورأوا ما فيه مزدَجَر.\n﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾ منكم وغمطَ تلك النِّعمةَ ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾؛ أي: فعليه وَبال كفرِه لا على غيرِه.\n﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بيانٌ له، والمقتُ: أشدُّ البغضِ، والتَّنكيرُ للتَّعظيم؛ لأنَّ مقتَ الله أعظمُ مِن كلِّ مَقْتٍ، وكذا التَّنكير في ﴿خَسَارًا﴾.\n﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ وهو خسار الآخرة.\nتكرير ﴿الْكَافِرِينَ﴾، والتَّصريح في (^٣) موضع الإضمار ذمٌّ، وبيان لكون الكفر مقتضيًا لكلِّ واحدٍ مِن الأمرَيْنِ القبيحَيْنِ (^٤) المذمومَيْنِ بالأصالةِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"وتشكرونه\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"آثارهم\".\n(^٣) في (ف): \"والصريح من\".\n(^٤) في (ف) زيادة: \"القسمين\".","vol":"8","page":388},{"text":"<span id=\"aya-3700\"> </span>(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: آلهتَهم، وإضافة الشُّركاء إليهم للملابسة؛ لأنَّهم جعلوهم شركاء الله.\n﴿اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بدلَ الاشتمال؛ لأنَّه بمعنى: أخبروني عن هؤلاء الشُّركاء وعمَّا (^١) استحقُّوا به العبادة، أيَّ شيءٍ مِن الأرض استبدُّوا بخلقِه؟!\n﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾: أم لهم شركةٌ مع الله تعالى في خلق السَّماوات، فاستحقُّوا بذلك الشِّركةَ في الألوهيَّة ذاتيَّة (^٢) ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا﴾ ينطقُ بأنَّهم شركاؤه.\nويجوز أن يكون الضَّمير في ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ للمشركين، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ [الروم: ٣٥]، على أنَّ السُّؤال عن دليل آلهتهم: أهو برهانٌ عقليٌّ أم نقليٌّ؟\n﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾: على حجَّةٍ مِن ذلك الكتاب، بأنَّ لهم شركة جعليَّة.\nوقرئ: ﴿بَيِّناتٍ﴾ (^٣)، فيكون إيماءً إلى (^٤) أنَّ الشِّركَ أمرٌ خطيرٌ، لا بُدَّ فيه (^٥) مِن تعاضد الدَّلائل.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"عما\". والمثبت من باقي النسخ وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٣/ ٦١٧) و\"تفسير النسفي\" (٣/ ٩١).\n(^٢) في (ف): \"وأنَّه\"، وسقط من (ك).\n(^٣) وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي بكر والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٢).\n(^٤) في (م) و(ي) و(ع): \"على\".\n(^٥) في (م) و(ي) و(ع): \"منه\".","vol":"8","page":389},{"text":"﴿أَمْ﴾ منقطعةٌ على معنى الإضراب عن العقليِّ وإنكار النَّقليِّ، ثمَّ أضرب عنها (^١) صريحًا بقوله: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ إذا ثبَتَ أن (^٢) ذلكَ لأتباعهم ما هو إلَّا غرورٌ صِرْفٌ، وهو قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].\nقوله: ﴿بَعْضُهُمْ﴾ بدل من ﴿الظَّالِمُونَ﴾ (^٣)، وهم الرُّؤساء، والمرادُ مِن البعض الآخر: الأتباعُ.\nويجوز أن يكون (^٤) وعد الشَّيطان للكافر (^٥) كما قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠]، منَّاهم أن تشفعَ لهم أصنامهم وتقرِّبهم إلى الله زُلفَى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3701\"> </span>(٤١) ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾: يمنعُهما مِن أن تَزولا؛ لأنَّ الإمساكَ منعٌ، أو: لأنْ لا تَزولا؛ كقوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لأنْ لا تميدَ بكم.\n_________\n(^١) في (ك): \"عنهما\".\n(^٢) في (ع) و(م) و(ي): \"وأثبت أي\".\n(^٣) في (م): \"الظالمين\".\n(^٤) \"أن يكون\" سقط من (ي) و(ع).\n(^٥) في (م): \"للكافرين\".","vol":"8","page":390},{"text":"﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ على سبيل الفَرْضِ ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾: ما أمسكهما ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ اللهِ، أو: مِن (^١) بعدِ الزَّوال.\nواللَّامُ موطِّئةٌ للقسم، و﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ جوابٌ للقسم (^٢) سادٌّ مسدَّ جواب الشَّرط، و﴿مِنْ﴾ الأولى مزيدةٌ لتأكيدِ النَّفي، والثَّانيةُ للابتداء.\n﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ لا يعاجِلُ بالعقوبةِ حيث يمسكهما، وكانتا جديرَتَيْنِ أنْ تُهدَّا هدًّا (^٣) لِعظمِ كلمة الشِّرك، كما قال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ [مريم: ٩٠].\n﴿غَفُورًا﴾ لِمَنْ تابَ عن الشِّركِ ووحَّده مؤمنًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3702\"> </span>(٤٢) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: واحدةٍ مِن الأمم مِن اليهود والنَّصارى والصَّابئين وغيرهم، أو مِن الأمَّة التي يُقال فيها: هي إحدى الأمم؛ أي: أوحديتُها (^٤)؛ تفضيلًا لها على غيرها في الهدى والاستقامة، كما تقول: فلانٌ أحدُ الرِّجال.\nبلغ قريشًا قبلَ مبعث النَّبيِّ ﷺ أنَّ أهل الكتاب كذَّبوا رسلَهم، فقالوا: لعنَ اللهُ\n_________\n(^١) \"من\" سقط من (م) و(ع).\n(^٢) في (ك): \"القسم\".\n(^٣) في (ك): \"أن تنهدما\".\n(^٤) في (ع): \"أو أوحديتها\"، وفي: (م): \"أو أحديتها\"، وفي (ي): \"أوحديتها\".","vol":"8","page":391},{"text":"اليهودَ والنَّصارى أتتهم الرسل فكذَّبوهم، فوالله لئن أتانا رسولٌ لنكوننَّ أهدى من إحدى الأمم، فلمَّا بُعِثَ الرَّسول (^١) ﵇ كذَّبوه (^٢).\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ التَّنكير للتَّعظيم.\n﴿مَا زَادَهُمْ﴾ النَّذير أو مجيئُه، والإسناد مجازيٌّ؛ لأنَّه هو السَّبب في أن زادوا نفورًا.\n﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ وتباعدًا عنه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3703\"> </span>(٤٣) - ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾.\n﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿نُفُورًا﴾، أو مفعول له، أو حال؛ أي: مستكبرين.\n﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ عطف على ﴿نُفُورًا﴾ على أنَّ الأصل: وأنْ مكَروا السَّيِّئ، أي: المكرَ السَّيء، فحذفَ الموصوف استغناءً بوصفه، ثمَّ بدل (أنْ) والفعل بالمصدَر، فصار: ومكر السَّيئ، ثمَّ أضيف.\n﴿وَلَا يَحِيقُ﴾: ولا يحيط (^٣) ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ وهو الماكر (^٤). وقرئ: (ولا يُحِيْقُ المكرَ) (^٥)؛ أي: لا يحيقُ اللهُ تعالى.\n_________\n(^١) في (م): \"رسول الله\".\n(^٢) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ١٨٤)، و\"الكشاف\" (٣/ ٦١٨). وهذه القصة وقعت في (ي) و(ع) و(م) عقب ما سيأتي من قوله: \" ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ أي: النذير أو مجيئه\".\n(^٣) \"ولا يحيط\" من (ك).\n(^٤) في (ك): \"الماكرون\".\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ٦١٨).","vol":"8","page":392},{"text":"﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما (^١) ينتظرون ﴿إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ انتظارُ سُنَّتِهم - وهي (^٢) إنزال العذاب على مَن كذَّبَ مِن الأمم قبلَهم - مجازٌ عن استقبالهم (^٣) لذلك ووقوعه في المستقبل لا محالةَ، كالشَّيء المنتَظَرِ المترقَّبِ.\n﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ بأنْ لا يعذبهم.\n﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ بأنْ ينقله إلى غيرهم، وقوله:\n\n<span id=\"aya-3704\"> </span>(٤٤) - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ استشهادٌ عليهم (^٤) بما كانوا يشاهدونه في متاجرهم ومسائرهم إلى الشَّام والعراق واليمن مِن آثار الماضين، وعلامات (^٥) هلاكِهم وديارهم.\n﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ﴾: ليسبقه ويفوتَه؛ أي: ليس مِن شأنه تعالى ذلك.\n﴿مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالأشياء كلِّها.\n﴿قَدِيرًا﴾ عليها، ثمَّ بيَّنَ أنَّ تأخيرَ العذاب عنهم ليس للعجزِ بل لحكمةٍ تقتضيه، فقال:\n_________\n(^١) \"أي ما\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) في (م): \"وهو\".\n(^٣) في (ف): \"استثقالهم\".\n(^٤) في (م): \"عليه\".\n(^٥) في (ف): \"وعلامة\"، وسقطت من (ي) و(ع).","vol":"8","page":393},{"text":"<span id=\"aya-3705\"> </span>(٤٥) - ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.\n﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ مِن المعاصي ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾: على ظهرِ الأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: مِن نسمةٍ تدبُّ عليها، أي: الإنس وحده.\nوقيل: ما تركَ الإنسي (^١) وغيرهم من سائر الدَّواب بشؤم ذنوبهم، على ما ورد في الآثار.\nويرجِّح الأوَّلَ قولُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾، أي: يؤخِّرُ كلَّ واحدٍ منهم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: معلوم عندَه، قيل: هو يوم القيامة، وفيه: أنَّ الكلَّ لم يؤخَّرْ إليه.\n﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: وقتُهم عذَّبهم (^٢)، حُذف الجزاء وأقيم (^٣) ما هو كالدَّليل عليه مقامَه، وهو قوله:\n﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾، وذلكَ أنَّ العمل بموجب العلِمِ كاللَّازم لشأن الحكيم (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) \"الإنسي\" من (م) و(ي)، وفي (ع): \"إلا شيء\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وقتُ عذابهم\".\n(^٣) في (ك) و(ي) و(ع): \"وأقام\".\n(^٤) في (ف): \"بشأن الحليم\"، وفي (ك): \"بشأن الحكيم\".","vol":"8","page":394},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>سُورَةُ يس </span>(^١)\n﷽\n\n<span id=\"aya-3706\"> </span>(١) - ﴿يس﴾.\n﴿يس﴾ كـ: ﴿الم﴾ في الإعراب (^٢).\nوقرئ: بالكسر؛ كـ: جَيْرِ (^٣).\nوبالفتح كـ: أَيْنَ (^٤)؛ للجدِّ في الهرب مِن التقاءِ الساكنين لا للبناء، أو على إضمارِ حرف القَسَم ومنعِ الصرف، أو بالنصب؛ على: اُتْلُ ﴿يس﴾.\nوبالضَّمِّ كـ: (حيثُ) (^٥)، أو بالرفع على: هذه ﴿يس﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3707\"> </span>(٢) - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"ثمانون وثلاث آيات مكية\".\n(^٢) في (ف): \"الأغلب\".\n(^٣) نسبت لأبي السمال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٤).\n(^٤) نسبت لعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢٠٣)، و\"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٤٠٧).\n(^٥) نسبت لهارون الأعور ومحمد بن السميفع. انظر المرجع السابق.","vol":"8","page":397},{"text":"وبتفخيم الألف وإمالتها (^١)، وبإدغام النون في واو: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ (^٢)، وهي واو القَسَم، أو العطف إن جعل ﴿يس﴾ مُقسَمًا به.\n﴿الْحَكِيمِ﴾: ذي الحكمة، ومعنى ﴿يس﴾: يا إنسانُ، بلغة طيِّئ عند الهيثم بنِ عديٍّ، وبالسُّريانيَّة عند ابنِ عباس ﵄ (^٣).\nوعند سعيد بنِ جُبَير: هو اسمٌ مِن أسماءِ محمَّد ﷺ (^٤)، دليله:\n\n<span id=\"aya-3708\"> </span>(٣) - ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ جواب القَسَم، وهو ردٌّ على الكفَّار في قولهم: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3709\"> </span>(٤) - ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، أو صلة لـ ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾، أو حالٌ مِن المستكنِّ في الجارِّ والمجرور، وفائدتُه التصريحُ بالمدح، والجمعُ بين وصفِه ووصفِ شريعته، وتعظيمه وتعظيمها المستفادِ مِن التنكير.\n* * *\n_________\n(^١) أَمالَ حمزة والكسائي وشعبة الياءَ غير مفرطين، والجمهور يفتحونها، ونافع وسطٌ بين ذلك. انظر: \"السبعة\" (ص: ٥٣٨)، و\"التيسير\" (ص: ١٨٣).\n(^٢) قرأ جمهور السبعة بسكون النون مدغمةً في الواو، والكسائي وأبو بكر وورش وابن عامر بسكونها مظهرةً. انظر المرجعين السابقين.\n(^٣) رواه الطبري في \"التفسير\" (١٩/ ١٩٨).\n(^٤) انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٤٠٨).","vol":"8","page":398},{"text":"<span id=\"aya-3710\"> </span>(٥) - ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾.\n﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وقرئ بالرفع (^١) على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وبالنصب على المدح، أو على أنَّه مصدرٌ؛ أي: نُزِّلَ تَنزيلَ، وبالجرِّ على البدل مِن (القرآن).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3711\"> </span>(٦) - ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾.\n﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ متعلِّق بـ ﴿تَنْزِيلَ﴾، أو معنى الإرسال في ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾.\nإنْ جعلْتَ (ما) في: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نافيةً، فالجملة في محلِّ النصب صفةٌ لـ ﴿قَوْمًا﴾؛ أي: قومًا غيرَ مُنذَرٍ آباؤهم، قيل (^٢): لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]، وفيه نظرٌ؛ إذ لا يَلزم مِن عدمِ إتيانِهم النذيرَ أنْ لا يكونوا مُنذَرين، فإنَّ إتيانَه بأهلِ الكتابِ وهم يعلمون ذلك يكفي في الإنذار.\nوإنْ جعلتها موصولةً أو موصوفةً، فهي مع صلتِها أو صفتِها مفعولٌ ثانٍ لـ (تنذرَ)؛ أي: لتنذر قومًا الذي أُنذرَ به - أو: شيئًا أنذر به - آباؤهم مِن العذاب، كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠].\nوإن جعلتها مصدريَّةً، ففي محلِّ النصب على المصدر؛ أي: لتنذرَ قومًا ما أُنذرَ آباؤهم، والمعنى: إنذارًا مثلَ إنذارِ آبائهم (^٣).\nوعلى الأول؛ يتعلَّق ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ بالفعل المنفيِّ؛ أي: لم يُنذَروا ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ على أنَّ عدمَ الإنذارِ هو سببُ غفلتهم.\n_________\n(^١) قرأ بها ابن كثير ونافع وأبو عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٣).\n(^٢) في (ي): \"قبل\".\n(^٣) قوله: \"والمعنى: إنذارًا مثلَ إنذارِ آباءَهم\" سقط من (ف) و(ك) و(م).","vol":"8","page":399},{"text":"وعلى الثاني؛ تعليلٌ للإرسال والإنذار؛ أي: إنَّك لمن المرسلين لتُنذرَهم؛ فإنَّهم غافلون.\nوالمراد بآبائهم: الأقربونَ الذين في زمنِ الفترة والجاهلية إنْ حُمل ﴿مَا أُنْذِرَ﴾ على النفي، والأقدمونَ مِن وَلَدِ إسماعيَل ﵇ الذين كانت فيهم النذارةُ إنْ حُمل على الإثبات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3712\"> </span>(٧) - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾؛ أي: ثَبَتَ وَوَجبَ عليهم فهم لا يؤمنون، لمَّا علم مِن أعيانهم أنَّهم يموتون على الكفر باختيارهم إيَّاه وإصرارِهم عليه، فشاءَ منهم ذلك وأخبر عنهم به، وأمَّا قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] فلا يعيِّن الأشخاصَ، ولا يقتضي أن يكون ذلك أكثرَ المذكورين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3713\"> </span>(٨) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ مثَّل تصميمَهم على الكفر وعدمَ مبالاتهم بالإنذار وتدبُّرِهم بالآياتِ تمثيلين؛ تقريرًا لتصميمِهم على الكفر وعدمِ إرعوائهم عنه؛ جعلهم كالمغلولين المُقمَحِين في أنَّهم لا يلتفتون إلى الحقِّ، ولا يَعطفون أعناقَهم نحوَه، ولا يُطأطئون رؤوسَهم، وجعلهم كالمحصورينَ المحبوسينَ بين سدَّين لا يُبصرون ما قدَّامهم ولا ما خَلْفهم، فلا يتبصَّرون العِبَر، ولا يتأمَّلون في آياتِ الله تعالى فيَعتبروا ويَنزجروا.","vol":"8","page":400},{"text":"﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ الضمير للأغلال؛ أي (^١): هي عريضةٌ تبلغُ بحرفِها الأذقانَ، والذَّقن: مجتمعُ اللَّحْيَين، فيضطرُّ المغلول إلى رَفْعِ وجهِه إلى السماء، وذلك هو الإقماحُ.\n﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾: رافعونَ رؤوسَهم، غاضُّونَ أبصارَهم، يقال: أَقمحهُ الغُلُّ، إذا تركَ رأسَه مرفوعًا مِن ضِيقه، وقال الفرَّاء: المُقمَح: الذي يغضُّ بصرَهُ بعد رَفْعِ رأسِه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3714\"> </span>(٩) - ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قرئ: بالفتح والضَّمِّ (^٣)، وقيل: بالفتح المصدر، وبالضَّمِّ الاسم، وقيل: ما كان مِن أعمالِ الناس فبالفتح، وما كان مِن خَلْق اللهِ تعالى فبالضَّمِّ.\n﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾: فأغشينا أبصارهم؛ أي: غطَّيناها وجعلنا عليها غشاوةً عن أن تطمح إلى شيءٍ، والمعنى: فأعميناهم، وقرئ: بالعين الغير المعجمة؛ مِن العَشا (^٤).\n﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: فلا ينتفعون بالإنذار، وهو (^٥) مضمون قوله:\n_________\n(^١) في (م): \"التي\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٧٣).\n(^٣) قرأ: ﴿سَدًّا﴾ بفتح السين الكسائي وحمزة وحفص، وباقي السبعة بضمها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٣).\n(^٤) في (ع) و(م) و(ي): \"وهم\"، وفي هامش (م): \"لعله وهو\".\n(^٥) نسبت لابن عباس وعكرمة ويحيى بن بعمر. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٤)، و\"المحتسب\" (٢/ ٢٠٤).","vol":"8","page":401},{"text":"<span id=\"aya-3715\"> </span>(١٠) - ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ قد سبق تفسيرُه في سورة البقرة.\n﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ استئنافٌ لبيانِ عدمِ نفعِ الإنذار في حقِّهم، لمَّا بيَّن أنَّ الإنذارَ لا يَنجَع فيهم، وأنَّ المقصودَ مِن الإنذارِ - وهو إيمان المُنذَر - لا يترتَّب عليه، وأنَّ الإنذارَ وعدمَه بالنسبة إليهم سواءٌ، أَخبر أنَّ إنذارَهم كلا إنذارٍ، فقال:\n\n<span id=\"aya-3716\"> </span>(١١) - ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾.\n﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ الإنذارَ المُنجعَ والمستتبعَ لفائدته ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: آمَنَ بما جاء مِن عندِ الله تعالى، فالذِّكْرُ: القرآنُ.\n﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ الخشيةُ كنايةٌ عن الائتمار بالأوامر والانزجارِ عن المناهي، ويَعضده قوله:\n﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وذلك أنَّ الغفرانَ جزاءُ الإيمان، والأجرَ الكريمَ جزاءُ العمل، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: ٤].\nوفي عبارة ﴿الرَّحْمَنَ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ ما في الخشيةِ مِن الخوفِ ينبغي أنْ لا يخلوَ عن الرجاء، وذلك لأنَّ مقابلَ كلٍّ منهما مذمومٌ.\nوإنَّما قال: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ إذ عند العَيانِ لا يبقى للخشية شأنٌ.\n* * *","vol":"8","page":402},{"text":"<span id=\"aya-3717\"> </span>(١٢) - ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ نَبعثهم بعد مماتهم، أو نُخرِجهم مِن الضلالةِ بالهداية.\n﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾؛ أي: ما أَسلفوا مِن الأعمالِ الصالحة والطالحة، عبَّر عن إحاطةِ علمِه بأعمالهم بالكتابة التي تُضبَط بها الأشياءُ، وكَنى بذلك عن المجازاةِ، فانتظم مع قوله: ﴿نُحْيِ الْمَوْتَى﴾.\n﴿وَآثَارَهُمْ﴾ وما بقيَ بعدَهم مِن آثارٍ حسنةٍ أو سيِّئةٍ، ونحوُه قولُه تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]؛ أي: قدَّم من أعماله، وأخَّر مِن آثاره.\n﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ منصوب بعاملٍ مُضمَرٍ يُفسِّره: ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾، وقرئ: بالرفع على الابتداء (^١).\n﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ يعني: اللوحَ المحفوظَ؛ لأنَّه أصلُ الكتبِ ومقتداها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3718\"></span><span id=\"aya-3719\"> </span>(١٣ - ١٤) - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾.\n﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أي: مثِّل لهم؛ مِن قولهم: عندي مِن هذا الضرب كذا؛ أي: مِن هذا المثال، هو يتعدَّى إلى مفعولين لتضمُّنه معنى الجَعل، وهما:\n﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ على حذفِ مضافٍ، تقديره: اجعل لهم مَثَلَ أصحابِ القريةِ مَثَلًا.\n_________\n(^١) نسبت لأبي السمال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٤).","vol":"8","page":403},{"text":"ويجوز أنْ يُقتصر على مفعولٍ واحدٍ كالجعل، ويُجعل المقدَّرُ بدلًا مِن الملفوظ أو بيانًا له؛ أي: اضْرِب لهم مَثَلًا مَثَلَ أصحابِ القريةِ.\nوالقريةُ: أَنطاكيةُ، عبَّر عنها هاهنا با لقرية، وفيما يأتي بالمدينة، رعايةً في كلٍّ مِن المقامَين ما يناسبه، وذلك أنَّ ما في أصلِ القرية مِن معنى الجمعِ يُناسبُ الأصحابَ، وما في أصِل المدينةِ مِن معنى الإطاعةِ يُناسِب غَرضَ ذلك الرجلِ مِن كلامه، وهو الحثُّ على اتِّباع المرسلين.\nوانتصابُ ﴿إِذْ﴾ بأنَّه بدلٌ مِن أصحابِ القريةِ ﴿جَاءَهَا﴾ عدلَ عن الظاهر - وهو إرجاعُ الضميرِ إلى الأصحابِ - لأنَّ المذكورَ أوفرُ فائدةً، حيث دلَّ على أنَّهم بلَّغوا الرسالةَ إليهم في مقرِّ عزِّهم ومركزِ شوكتهم.\n﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ رُسُلُ اللهِ ﵈، ذكره ابنُ عباسٍ وكعبٌ (^١)، وهو الظاهر مِن قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ﴾ ومن قولهم: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾.\nوقيل: رُسلُ عيسى ﵇، وإسنادُ الإرسالِ إليه تعالى لأنَّه فعلُ رسولِه وخليفتِه، وفيه تعظيمُه ﵇ (^٢)، بعثهم دعاةً إلى الحقِّ وكانوا عبدةَ أوثانٍ، و(إذ) بدلٌ مِن (إذ) الأولى.\n﴿اثْنَيْنِ﴾ هما: يوحنَّا وبولس (^٣)، وقيلْ غيرُهما.\n_________\n(^١) يعني: كعب الأحبار. ورواه عنهما وعن وهب بنِ مُنبِّه الطبريُّ (١٩/ ٤١٣ - ٤١٤).\n(^٢) في (م): \"تعظيم عيسى ﵇ وإسناد الإرسال إليه تعالى\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"يحيى ويونس\"، وكذا وقع في بعض نسخ البيضاوي، فقال الشهاب: قوله: (يحيى ويونس) وقع في نسخة بدله: يوحنا وبولص، وهو الذي صححه الشريف في \"شرح المفتاح\". ثم أشار الشهاب إلى أن هذا الذي صححه الشريف يندفع به قول من قال: إن المرسل عيسى ﵇؛ لأنّ يونس ﵇ لم يدرك زمن عيسى وإن أدركه يحيى كما فصل في التواريخ، كما =","vol":"8","page":404},{"text":"﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا﴾: فقوَّينا (^١) ﴿بِثَالِثٍ﴾ هو شمعون، وقرئ: مخفَّفًا (^٢)؛ مِن عَزَّه: إذا غَلَبه، وإنَّما حذفَ المفعولُ لأنَّ المرادَ ذكرُ المعزَّز به وما لطف فيه مِن التدبير حتى عزَّ الحقُّ وذلَّ الباطل، وحقُّ الكلامِ المنصبِّ إلى غرضٍ تجريدُ سياقِه له؛ كأن (^٣) ما سواه مرفوض.\n﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ التأكيد بـ (إنَّ) سبَقَ الإنكارَ منهم بمضمون جملة الخبر بتكذيبهم الرسولَين، والمعتبر عِلْمُ المُخبِر بإنكارِ المخاطَب لا صدورُه منه، وهو حاصل أيضًا، فلا صحَّة لِمَا قيل: إنَّه ابتداءُ إخبار، والثاني جوابٌ عن إنكار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3720\"> </span>(١٥) - ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾.\n﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؛ أي: لا مزيَّة لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدَّعون، ورفع ﴿بَشَرٌ﴾؛ لانتقاض النفي المقتضي إعمال ﴿مَا﴾ بـ ﴿إِلَّا﴾.\n﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وحيًا مِن السماء.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ فيما تدَّعون، وإنَّما أُوثرَ صيغةُ الفعلِ مع أنَّ صيغةَ الفاعلِ أبلغُ؛ اعتبارًا لمعنى التجدُّد، فكأنَّه قيل: يُجدِّدونَ الكذبَ وقتًا بعد وقتٍ، ويستمرُّون على ذلك.\n* * *\n_________\n= أن القول المذكور ينافي كون يحيى ويونس عليهما الصلاة والسلام نبيين في نفسهما. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٣٤).\n(^١) في (ك): \"فوقرنا\".\n(^٢) قرأ بها شعبة عن عاصم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٣).\n(^٣) في (ف): \"لأن\".","vol":"8","page":405},{"text":"<span id=\"aya-3721\"> </span>(١٦) - ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ لمَّا نَفوا الرسالةَ وبالغوا في ذلك، قابلوا إنكارهم في الجواب بمزيد التأكيد بقولهم: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾؛ لأنَّه استشهادٌ بعلمِ اللهِ تعالى جارٍ مجرى القَسَم في التوكيد، كما تقول: شَهِدَ اللهُ، وعَلِمَ الله، وبزيادة الَّلام، وبتقوية التأكيد، وتحسين الاستشهاد بقولهم:\n\n<span id=\"aya-3722\"> </span>(١٧) - ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: التبليغُ الظاهرُ المكشوفُ بالآيات الشاهدة لصحَّته، فإنَّ الاستشهادَ على الدعوى إنَّما يَحسُن ببيِّنة واضحة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3723\"> </span>(١٨) - ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾: تشاءَمنا ﴿بِكُمْ﴾ يعني: سمعنا منكم ما هو مِن جهة الفأل نذيرٌ بمكروهٍ يَلحقُنا (^١) في أنفسنا أو في أهلينا أو في أموالنا، أو غير ذلك مِن أسبابنا وأمورنا، فكفُّوا عن هذا الكلام ولا تُعاودونا به (^٢).\n﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عمَّا نُهيتم عنه ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾: لنرمينَّكم بالحجارة ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المَسُّ: إصابةٌ تتأثَّر منها البشرةُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3724\"> </span>(١٩) - ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (ك): \"يلحينا\".\n(^٢) في (م): \"ولا تعادونا\".","vol":"8","page":406},{"text":"﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ﴾، أي: سببُ شؤمكم ﴿مَعَكُمْ﴾ وهو سوءُ اعتقادِكم وفسادُ أعمالكم.\n﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ بهمزةِ الاستفهام وحرفِ الشرط، وقرئ: ﴿أَائنْ﴾ بألف بينهما (^١).\nوجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أئن وُعِظتم تطيَّرتم وتوعَّدتم بالرجم والتعذيب، وقرئ: (أأن ذكرتم) بهمزة الاستفهام و(أنْ) الناصبة (^٢)؛ أي: أتَطيْرتُم لأنْ ذكرتم.\nوقرئ: (أنْ) و(إنْ) بغيرِ استفهامٍ بمعنى الإخبار (^٣)؛ أي: إنْ ذكِّرتم تطيَّرتم، أو تطيرتم لأنْ ذكِّرتم.\nو: (أيْن ذُكِرْتم) (^٤)، بمعنى: شُؤْمُكم معكم حيث جَرَى ذِكْركم، وهو أبلغ؛ لأَنَّه إذا شُئِمَ المكانُ بذِكْرهم، كان بحلولهم فيه أَشْأَمَ.\n﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: قومٌ عادتُكم الإسرافُ في العصيان، فمِن ثمَّة جاءَكم الشؤمُ، أو: أنتم مسرفونَ في غيِّكم وضلالِكم؛ حيث تشاءمتم بمَن يجب التبرُّكُ به مِن رسلِ اللهِ تعالى.\n_________\n(^١) قرأ بها هشام. انظر: \"التيسير\" (ص: ٣٢).\n(^٢) نسبت لزر بن حبيش. انظر: \"البحر\" (١٨/ ٨٥)، و\"الكشاف\" (٤/ ٩).\n(^٣) نسبت الأولى للماجشون يوسف بن يعقوب المدني، والثانية للحسن. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢٠٥)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٥٠)، و\"الكشاف\" (٤/ ٩).\n(^٤) أي: (أين) بهمزة مفتوحة وياء ساكنة وفتح النون ظرف مكان (ذكرتم) بتخفيف الكاف على أن (أين) ظرف أداة شرط وجوابها محذوف لدلالة (طائركم) عليه، نسبت للحسن وقتادة والأعمش وغيرهم. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢٠٥)، و\"البحر\" (١٨/ ٨٥)، و\"الكشاف\" (٤/ ٩).","vol":"8","page":407},{"text":"<span id=\"aya-3725\"> </span>(٢٠) - ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ هو: حبيبُ بنُ إسرائيل (^١) النجَّارُ؛ وكان يَنحتُ الأصنامَ.\n﴿يَسْعَى﴾: يقصدُ وجهَ الله تعالى بالذَّبِّ عن رسله وهو مِن قوله: ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]، والسعيُ في الأصل: المشيُ بسرعةٍ وخفَّةِ حركةٍ، ثم استُعير للجِدِّ في إصلاح أمرٍ وفسادٍ.\n﴿قَالَ﴾ استئنافٌ، على تقدير سؤالِ سائلٍ عمَّا قال عند ذلك: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ باحَ بإسلامِه ليشغل (^٢) القومَ عن الرسل، وقولُه: ﴿يَاقَوْمِ﴾ دلالةٌ وإظهارٌ منه أنَّه لا مباينةَ بيننا، ولا تهمَةَ في إرادةِ السوءِ بكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3726\"> </span>(٢١) - ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ كلمةٌ جامعةٌ في الترغيب؛ أي: لا تَخسرون معهم شيئًا مِن دنياكم، وتربحون صحَّة دينكم، فينتظِم لكم خيرُ الدنيا وخيرُ الآخرة، ورشَّحها وقوَّاها بإبراز مناصحتِهم في صورة المناصحة لنفسه؛ ليكون أَدخلَ في إمحاض النُّصْح؛ حيث أرادَ لهم ما أرادَ لنفسِه، وليتلطَّف بهم ويُداريهم حتى لا يتعصبوا (^٣) فيَقبلوا، فوضعَ قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ مكان قوله:\n_________\n(^١) في (ك): \"أوس\".\n(^٢) في (ك): \"لشغل\"، وفي (ع) و(م): \"ليشتغل\".\n(^٣) في (ع) و(م) و(ي): \"يمتعصوا\".","vol":"8","page":408},{"text":"وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، وأَومأ إلى المرادِ بقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ مبالغةً في التهديد، وإلَّا لقال: وإليه أَرجعُ، ثم عاد إلى المساق الأول فقال:\n* * *\n\n<span id=\"aya-3728\"> </span>(٢٣) - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾.\n﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾؛ أي: أصنامًا، دلَّ على أنَّهم كانوا عبدةَ أصنامٍ.\n﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ نفى الشفاعة رأسًا، كقوله:\nولا ترى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ (^١)\n﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾: ولا يَقدرون على إنقاذي مِن ذلك الضرر؛ أي: لا نفعَ مِن جهتهم بالشفاعة ولا دفعَ بالقدرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3729\"> </span>(٢٤) - ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تقريعٌ على تركِ عبادةِ خالقِهم إلى عبادة مَن يَضرُّ ولا ينفع، وقد برهنَ في أثناء كلامه على ضلالتهم؛ حيث ذكر أنَّ الله تعالى هو المبدئُ الفاطرُ، وإليه الرجوعُ، ومنه الرحمة العامَّة الشاملةُ، وله القدرة التامَّةُ\n_________\n(^١) عجز بيت تقدم عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومعناه: لا ضب ولا انجحار، وصدره:\nلا تفزعُ الأرنبَ أهوالها","vol":"8","page":409},{"text":"الكاملة، وهو الذي إذا أراد بأحدٍ شيئًا مِن الضَّرِّ والنفع فَعَلَ، فإنْ تركتُ عبادتَه إلى عبادةِ ما لا يضرُّ ولا ينفعُ ولا تُغني شفاعته شيئًا، ولا يَقدر على إنقاذِ مَن ابتلاهُ اللهُ تعالى بالنُّصرة والمظاهرة، أو أَشركْتُه به في عبادته؛ فإني إذًا لفي ضلالٍ مبينٍ (^١)، ولا يخفى على عاقل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3730\"> </span>(٢٥) - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾.\n﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾؛ أي (^٢): فاتَّبعوني، السماعُ هنا مجازٌ عن الاتِّباع، إذ لا وجهَ للترتيب بينَ سماعِ القولِ منه وإيمانِه، قيل: رَجَموهُ وهو يقول: اللَّهمَّ اهْدِ قومي. وقبرُه في سوقِ أنطاكية، وباشتغالهم بقتله تخلَّص الرسل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3731\"> </span>(٢٦) - ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ استئنافٌ؛ لأنَّ قصَّتَه مظنَّةُ السؤالِ عن حالِه، كأنَّ سائلًا سأل فقال: كيف كان لقاءُ ربِّه بعد ذلك التصلُّب في نصرةِ دينه، والتَّسخِّي بروحه، فقيل: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، ولمَّا كان السؤالُ عن المقولِ سيقَ الجواب لبيانه، وجرِّد عمَّا لا حاجةَ إليه وهو بيانُ المقول له، مع كونه معلومًا.\nوكذلك قوله: ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ استئنافٌ على تقدير سؤال سائلٍ عمَّا قال عند ذلك الفعل العظيم.\n* * *\n_________\n(^١) في (م): \"بين\".\n(^٢) \"أي\": ليست في (م).","vol":"8","page":410},{"text":"<span id=\"aya-3732\"> </span>(٢٧) - ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.\n﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ (ما) مصدرَّية؛ أي: بغفران ربِّي لي، أو موصولة؛ أي: بالذي غفرهُ لي مِن ذنبي، ويحتمل أن تكون استفهاميَّةً؛ أي: بأيِّ شيءٍ غفرَ لي ربِّي؟ على الأصل مع أنَّ الأكثرَ حذفُ الألف، تقول: قد علمتُ بما صنعتَ هذا؟ أي: بأيِّ شيءٍ صنعت، والأكثر: بِمَ صنعت؟\nتمنَّى أنْ يَعلمَ قومُه بأنَّه غُفرَ له بإيمانه؛ فيَرغبوا في الإيمان، وهذا مرتبةُ أولياءِ اللهِ تعالى، يريدون الخير بمَن أراد بهم الشَّرَّ، ويتمنَّون أنْ لا يكون لله تعالى عاصيًا.\n﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ بإعطاءِ المنزلةِ الرفيعةِ في الجنَّة، دلَّ ذلك (^١) على أنَّ الجنَّةَ مخلوقةٌ، وعلى أنَّ القبرَ روضةٌ مِن رياضِها، أو حفرةٌ مِن حُفَرِ النيران.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3733\"> </span>(٢٨) - ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾.\n﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعد واقعته ﴿مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ استحقارٌ لإهلاكهم، وإيماءٌ إلى تعظيمِ رسولِ الله ﷺ؛ أي: كُفينا أمرَ إهلاكهم بصيحةٍ واحدةٍ مِن مَلَكٍ، وما أَنزلنا عليهم جندًا مِن الجنود السماويَّة كما فَعَلنا يومَ بدرٍ والخندقِ.\n﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ وما صحَّ في حكمتنا أنْ نُنزِل؛ لأنَّ إنزالَ جنودِ السماء مِن معظَّماتِ الأمور التي لا يُؤهَّل لها إلَّا مثلُك، وقد أهلكَ اللهُ تعالى كلَّ أمَّةٍ بسببٍ تقتضيه حكمته، ولم يُنزل جنودَ السماءِ لانتصارِ أحدٍ مِن الأنبياء ﵈ إلَّا لانتصارِ محمَّدٍ ﵊؛ لكرامته عند اللهِ وتفضُّله على سائرِ الأنبياء، وإلَّا لكان يكفي في نصرته مَلَكٌ واحدٌ.\n_________\n(^١) \"ذلك\": ليست في (م).","vol":"8","page":411},{"text":"<span id=\"aya-3734\"> </span>(٢٩) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.\n﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ كان القياسُ التذكيرَ؛ لأنَّ الأصلَ ما وقع شيءٌ إلَّا صيحةً واحدةً، ولكن طُوبِقت بها الصيحةُ لأنَّها في حكمِ فاعلِ الفعلِ، وعليها قراءةُ الحسنِ: ﴿فأَصبحوا لا تُرَى إلَّا مساكِنُهم﴾ [الأحقاف: ٢٩]؛ بتأنيث الفعلِ المبنيِّ للمفعول، ورفع (مساكنُهم).\nوقرئ: ﴿إِلَّا صَيْحَةٌ﴾ بالرفع (^١)، على (كان) التامَّة؛ أي: وما وقعت إلَّا صيحةٌ.\n﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ بناءً على تشبيهِ الحرارةِ الغريزيةِ بحرارةِ النارِ، وانطفائِها بخمود النار، على الاستعارة بالكناية، أي: خمدوا كما تَخمد النارُ، وذلك أنَّ الروحَ عند الفَزَع الشديدِ تتحرَّك مع الدمِ إلى الباطنِ دفعةً دفعةً، فتختنق مِن شدَّة الانحصار والاجتماع، فتنطفئ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3735\"> </span>(٣٠) - ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ الحسرة هي بلوغُ النهايةِ في التلهُّف حتى يبقى القلبُ حَسيرًا لا موضعَ فيه لزيادةِ التلهُّف، كالبصيرِ الحسير الذي لا قوَّةَ فيه للنظر، والبعيرِ الحسير الذي لا قوَّة له على المسير، وهذا نداءٌ على الحسرة عليهم، كأنَّها قيل لها: تعالي يا حسرةُ فهذه من الأحوال (^٢) التي حقُّك أنْ تَحضُري فيها، وهي ما دلَّ عليه: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n_________\n(^١) قرأ بها أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥٣).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الأفعال\".","vol":"8","page":412},{"text":"ويجوز أن يكون المعنى: أنَّهم متحسَّرٌ عليهم مِن الله تعالى، على سبيل الاستعارة، والمرادُ: تعظيمُ ما جَنَوهُ على أنفسِهم، وفرطُ إنكارِه له وتعجيبه منه، ويعضده قراءةُ مَن قرأ: (يا حسرتا) (^١)؛ لأنَّ المعنى: يا حسرتي.\nوقرئ: (يا حسرةَ العبادِ) (^٢)؛ بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول؛ لاختصاصها بهم مِن حيث إنَّها موجَّهةٌ إليهم.\nو: (يا حسرةَ على العبادِ) (^٣)؛ على إجراء الوصل مجرى الوقف، والمعنى: أنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُتحسَّر عليهم، أو هم متحسَّرٌ عليهم مِن جهةِ الملائكةِ والمؤمنين مِن الثَّقَليْن.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3736\"> </span>(٣١) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ معلَّق عن العمل في ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ لأنَّ (كم) لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبريةً؛ لأنَّها وُضعت لإنشاء التكثير، أو لأنَّ أصلَها الاستفهام، وإنَّما جاز تعليقُ فعلِ الرؤيةِ لأنَّه بمعنى: أَلم يعلموا، إلا أنَّ معناه نافذٌ في الجملة كما نفذ في قولك: أَلم يَروا إنَّ زيدًا لمُنطلِقٌ، وإنْ لم يعمل في لفظه، ولهذا أبدل:\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ١٣)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ٩٧).\n(^٢) نسبت لابن عباس وأُبي والحسن وعلي بن الحسين وغيرهم. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٥)، و\"المحتسب\" (٢/ ٢٠٨)، و\"الكشاف\" (٤/ ١٣)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ٩٦).\n(^٣) نسبت لابن عباس. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٥)، و\"الكشاف\" (٤/ ١٣)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ٩٦).","vol":"8","page":413},{"text":"﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ مِن ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على المعنى لا على اللفظ، تقديره: أَلم يَرَوا كثرةَ إهلاكِنا القرونَ مِن قبلِهم كونَهم غيرَ راجعين إليهم.\nوقيل: إنَّه بدلٌ مِن موضع ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، وليس بدلًا مِن (كم) وحدَه؛ لأنَّ العاملَ فيه هو: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، ولا يصلح (^١) عاملًا في البدل.\nوقرئ بالكسر (^٢) على الاستئناف.\nوقرئ: (أَلم يَرَوا مَن أهلكنا) (^٣)، والبدل على هذه القراءة بدلُ اشتمال (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3737\"> </span>(٣٢) - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ﴾ (إنْ) مخفَّفة مِن الثقيلة، واللام هي الفارقة، و(ما) مزيدةٌ للتأكيد، وقرئ: ﴿لَمَّا﴾ بالتشديد (^٥)؛ على أنَّ (إنْ) نافية، و(لمَّا) بمعنى: (إلَّا).\nو﴿كُلٌّ﴾ بمعنى الإحاطة، وأنْ لا ينفلتَ منهم أحدٌ، والجمع بمعنى الاجتماع، وأنَّ مجمعهم (^٦) المحشرُ، فالتنوين في ﴿كُلٌّ﴾ عوضٌ مِن المضافِ إليه؛ أي: كلُّهم محشورونَ مجموعونَ ﴿لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب يوم القيامة، وقيل: ﴿مُحْضَرُونَ﴾ في النار معذَّبون.\n_________\n(^١) في (م): \"يصح\".\n(^٢) أي: (إنَّهم)، ونسبت للحسن. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٥).\n(^٣) نسبت لابن مسعود. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٤٣٨)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ١٠١).\n(^٤) في (م): \"الاشتمال\".\n(^٥) قرأ بها ابن عامر وعاصم وحمزة، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٩).\n(^٦) في (ك): \"يجمعهم\".","vol":"8","page":414},{"text":"<span id=\"aya-3738\"> </span>(٣٣) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾.\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾: ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿آيَةٌ لَهُمُ﴾.\nو﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ استئنافٌ لبيان كون الأرض الميتة آيةً لهم، ويجوز أن يكون صفةً لـ ﴿الْأَرْضُ﴾؛ لأنَّ المرادَ الجنسُ المطلقُ لا أرضٌ بعينِها، فجاز وصفُها بالنكرة.\nوأن تكون ﴿آيَةٌ﴾ مبتدأً، و﴿لَهُمُ﴾ صفتَها، و﴿الْأَرْضُ﴾ خبرَها.\nوأن يكون ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ خبرًا للأرض، والجملة خبر ﴿آيَةٌ﴾ أو صفةٌ لها.\n﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ المرادُ بالحَبِّ: الجنسُ، وتقديمُ الظرفِ في قوله: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ للدلالة على أنَّ الحبَّ معظمُ ما يُؤكَل ويُعاشُ به، ويقومُ البدنُ بالارتزاقِ منه، أَلَا ترى أنَّه إذا فُقِدَ حضر الهلاكُ بالقَحْط وعَمَّ البلاءُ؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-3739\"> </span>(٣٤) - ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾: بساتينَ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: مِن أنواعِ النَّخْل والعنبِ، ولذلك جمعهما دونَ الحبِّ؛ فإنَّ كونَه قوامُ البدنِ باعتبار جنسِه لا باعتبار تنوُّعِه.\nوأمَّا ما قيل: إنَّ ذلك لأنَّ الدَّالَّ على الجنسِ مشعِرٌ بالاختلاف، ولا كذلك الدَّالُّ على الأنواعِ = خلافُ ما هو المشهور وعليه الجمهور، فإنَّهم قالوا: في العالَمين إشعارٌ بالاختلاف دون العالَم.\nوذكرُ النخيل النخيل دونَ التمور - مع مطابقتها الحبَّ والأعنابَ - لاختصاص شجرِها بمزيد النفع وآثار الصُّنع.","vol":"8","page":415},{"text":"﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ وقرئ: بالتخفيف (^١)، والفَجْر والتفجير كالفَتْح والتفتيح لفظًا ومعنًى، في أنَّ التشديدَ للمبالغة والتكثير.\n﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ ﴿مِنَ﴾ زائدة عند الأخفش، وعند غيرِه المفعولُ محذوفٌ؛ أي: شيئًا مِن العيون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3740\"> </span>(٣٥) - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الضميرُ للتفجير (^٢)؛ أي: لينتفِعوا بفوائده (^٣)، يقال: ثمرةُ التجارةِ الربحُ، وتخصيصُ الأَكْلِ بالذِّكر لأنَّه معظمُ الفوائد.\nوقرئ: بضمَّتين (^٤)، وهو لغةٌ فيه، أو جمع: ثمار.\n﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ عطفٌ على الثمر، أو على موضع ﴿مِنْ ثَمَرِهِ﴾، والمراد: ما يُتَّخذ منه كالعصير والدِّبْس والخَلِّ وكلِّ ما يُتَّخذ مِن التمر والعنب.\nوقيل: (ما) نافيةٌ، والمراد أنَّ الثمرَ بخلقِ اللهِ تعالى لا بفعلهم، ويؤيِّد الأولَ قراءةُ: (وما عملت) (^٥)؛ مِن غيرِ راجعٍ؛ لأنَّ حذفَ الراجعِ مِن الصلةِ أحسنُ مِن غيرها.\n﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ استبطاءٌ وحثٌّ على شُكر نعمه.\n_________\n(^١) نسبت لجناح بن حبيش. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٥).\n(^٢) في (ف) و(م): \"للتعجيب\".\n(^٣) في (م): \"أي: لتبتغوا فوائده\".\n(^٤) قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٠٥).\n(^٥) قرأ بها حمزة والكسائي وشعبة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٤).","vol":"8","page":416},{"text":"<span id=\"aya-3741\"> </span>(٣٦) - ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾: الأجناسَ والأصنافَ ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ مِن النَّخل والشجرِ والزرعِ والثمر.\n﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الأولاد ذكورًا وإناثًا ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومن أزواجٍ لم يُطلعهم اللهُ تعالى عليها، ولم يَجعل لهم طريقًا إلى معرفتِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3742\"> </span>(٣٧) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾.\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ فيه الوجهان المذكوران فيما تقدَّم من نظيره، وفي: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ الوجوهُ المذكورة في ﴿أحيينا﴾؛ مِن الاستئنافِ والصفةِ والخبريَّةِ.\nوالسَّلْخُ: الكَشْطُ، يقال: سَلَخَ جلدَ الشاةِ، إذا كَشَطَهُ، فاستُعيرَ لإزالة الضوءِ وكشفِه عن مكان الليل ومَلْقى ظلِّه (^١).\n﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾: داخلون في الظلام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3743\"> </span>(٣٨) - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\n﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾: لحدٍّ معيَّنٍ مِن فَلَكها ينتهي إليه دورُها في آخِرِ كلِّ سنةٍ.\n_________\n(^١) في هامش (ف) و(ي): \"فالمستعار لفظ السلخ، والمستعار منه معنى الكشط، والمستعار له معنى الإزالة، ومن قال: مستعار من سلخ الجلد، لم يصب كما لا يخفى. منه\".","vol":"8","page":417},{"text":"وقيل: الوقت الذي تستقرُّ فيه وينقطع جريُها (^١)، وهو يوم القيامة.\nوقرئ: (إلى مستقرٍّ لها)، وقرئ: (لا مستقرَّ لها) (^٢)، أي: لا استقرارَ إلَّا أنْ يُكوِّرها اللهُ تعالى يومَ القيامة، على أنَّ (لا) بمعنى (ليس).\n﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ذلك الجريُ على هذا التقدير العجيبِ ما هو إلَّا تقدير الغالبِ بقدرته على كلِّ مقدورٍ، المحيطُ علمًا بكلِّ معلومٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3744\"> </span>(٣٩) - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.\n﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ﴾؛ أي: قدرَّنا مسيرَه ﴿مَنَازِلَ﴾ على حذف المضاف؛ وهي ثمانيةٌ وعشرونَ مَنزلًا؛ يَنزل كلَّ ليلةٍ في واحدةٍ منها لا يتخطَّاها ولا يَتقاصر عنه، على السَّواء إلى الثامنة والعشرين، فيَدِقُّ مستَقْوِسًا (^٣) كالعُرْجونِ القديمِ، ثم يَغيبُ ليلةً إذا نقص الشهرُ أو في ليلتين إذا تمَّ، وهذا ما ذكره (^٤) بقوله:\n﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ العُرجون: العُودُ والعِذْقُ ما بين شماريخه إلى منبتِه مِن النخلة، قال (^٥) الزجَّاج: هو فُعْلون مِن الانعراج، وهو الانعطاف (^٦).\nوقرئ: (العِرْجَون) بوزن الفِرْجَون (^٧)، وهما لغتان، كالبِزْيَون والبُزْيُون.\n_________\n(^١) في (ك): \"مدتها\".\n(^٢) انظر القراءتين في \"الكشاف\" (٤/ ١٦)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ١٠٨).\n(^٣) في (ك): \"مستقر\". وفي (ف): \"مستقره\".\n(^٤) في (م): \"ذكر\".\n(^٥) في (م): \"وقال\".\n(^٦) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢٧٨)، و\"الكشاف\" (٤/ ١٧) وعنه نقل المؤلف.\n(^٧) نسبت لسليمان التيمي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٥).","vol":"8","page":418},{"text":"والقديم: المُحْوِل، وإذا قَدُمَ العرجونُ دقَّ وانحنى واصفرَّ فشُبِّه به مِن ثلاثةِ أوجهٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3745\"> </span>(٤٠) - ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\n﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾؛ أي: لا يصحُّ ولا يَستقيم لها ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ وتجتمعَ معه وتُداخِله في سلطانه، فتطمسَ نورَهُ؛ لأنَّ التدبيرَ الإلهيَّ اقتضى المعاقبةَ.\nوإيلاءُ الشمس حرفَ النفي للدِّلالة على أنَّها مسخَّرةٌ لم يتيسَّر لها إلَّا ما قدِّر لها مِن السير والطريق (^١).\nوإنَّما وَصَفها بالإدراك، ووَصَف القمرَ بالسَّبقِ ضمنًا (^٢)؛ لسرعة سيره بالنسبة إليها، فإنَّه يَقطع بحركته في شهرٍ ما تقطعُ الشمس في سَنَةٍ مِن المسافة، فيناسبه السبقُ، ومِن هاهنا ظهر نسبةُ السبقِ إلى الليل دون النهار في قوله:\n﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾؛ أي: لا الليلُ يَسبقه فيزيلُ ضوءَه لذلك.\nوقيل: المراد بهما آيتاهما (^٣)؛ وهي الشمس والقمر، فيكون عكسَ الأول،\n_________\n(^١) من حيث إن تقديم المسند إليه على الفعل وجعلَه بعد حرف النفي نحو: ما أنا قلت هذا، وما زيد سعى في حاجتك، يفيد التخصيص؛ أي: ما أنا قلت هذا بل غيري، وما زيد سعي في حاجتك بل غيره، على ما حققه علماء البلاغة. انظر: \"روح المعاني\" (٢٢/ ٣٤٨).\n(^٢) \"ضمنا\": ليست في (م).\n(^٣) في (ك): \"إثباتهما\".","vol":"8","page":419},{"text":"وذلك أنَّ صلاحَ النباتِ والحيوانِ وجميعَ الشؤونِ الإلهيَّةِ مبنيٌّ على تعاقبِهما، وأنْ يكون لكلٍّ منهما سلطانٌ على حياله (^١)\nوقرئ: (سابقٌ النهارَ) بالتنوين ونصب (النهار) (^٢)؛ على الأصل.\n﴿وَكُلٌّ﴾ التنوينُ عوضٌ مِن المضاف إليه؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما.\n﴿فِي فَلَكٍ﴾؛ أي: في فلكٍ غيرِ فلكِ الآخَرِ، الجمهورُ على أنَّ الفلكَ موجٌ مكفوف تحت السماء تَجري فيه الشمسُ والقمرُ والنجومُ، وعلى هذا المراد مِن الفَلَكِ الجنسُ.\n﴿يَسْبَحُونَ﴾: يسيرون فيه (^٣) بانبساطٍ، فإنَّ كلَّ ما انبسطَ في شيءٍ فقد سَبَحَ فيه، ومنه السباحة في الماء، وإنَّما جُمع جمعَ العقلاءِ للوصف بفعلهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3746\"> </span>(٤١) - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.\n﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ لم يقل: وآية لهم الفلكُ، كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾؛ لأنَّ العَجَبَ حملُهم على الفُلكِ، لا نفس الفلكِ فإنَّه بيتٌ مبنيٌّ مِن الخشب.\n﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أولادَهم ومَن يَهمُّهم حملُه، وقيل: اسمُ الذرَّية يقع على النساءِ؛ لأنَّهنَّ مَزارعُها، وفي الحديث: أَّنه ﵇ نَهى عن قَتْل الذَّراري (^٤)،\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"إحاله\"، وفي (ي): \"حيدته\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما \"تفسير القرطبي\" (١٧/ ٤٥٠).\n(^٢) نسبت لعمارة بن عقيل. انظر: \"مختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٥).\n(^٣) \"فيه\": ليست في (م).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ١٨)، و\"الفائق\" (٢/ ٧)، ورواه بنحوه النَّسَائِيّ في \"الكبرى\" (٨٥٧١) و(٨٥٧٢)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، من حديث رباح بن الربيع ﵁. ورواه النَّسَائِيّ في =","vol":"8","page":420},{"text":"يعني: النساءَ، وتخصيصُ الذريات لأنَّه لا قدرة لهم على السفر، فكان الامتنانُ في حقِّهم أظهرَ.\n﴿فِي الْفُلْكِ﴾ قيل: المراد فُلْكُ نوحٍ ﵇، قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩]، فعلى هذا يُراد بالذرية الأسلافُ؛ لأنَّه مِن الذَّرِّ، أو هو (^١) الخَلْق فيَصلح الاسمُ للأصل والنَّسْل؛ لأنَّ بعضَهم خُلق مِن بعضٍ.\nويجوز أن يكون المعنى: أنَّه تعالى حمل آباءَهم الأقدمينَ وفي أصلابهم ذرياتُهم، وتخصيص الذرية لأنَّ الخطابَ للكفار، ولا فائدةَ في وجودهم، فلم يكن الحملُ حملًا لهم، بل كان حملًا لِمَا في أصلابهم مِن المؤمنين.\nولم يقل: على الفلك، مع أنَّه الأنسبُ للحمل؛ لأنَّ معنى الحفظِ المستفادِ مِن حرفِ الظرفِ أَدْخلُ في الامتنانِ وأنسبُ لِمَا قُصدَ مِن توصيفِ الفلكِ بقوله:\n﴿الْمَشْحُونِ﴾ لمَّا كانت السفينةُ مملوءةً بأنواع المخاوف؛ مِن سباعِ البهائم وجوارحِ الطير وهوامِّ الدَّوابِّ، كان (^٢) حفظُ بني آدمَ فيما بينهم مِن آثارِ اللُّطف العظيمِ والقدرةِ الباهرة، ولولا (^٣) ذلك الاعتبارُ اللطيفُ لكان التوصيفُ بالمشحون بمعزلٍ عن مقامِ الغرابة المستفادةِ مِن عبارة الآية؛ لأنَّ القرارَ على الفُلكِ المشحونِ الثقيلِ أهونُ مِن القرار على الفُلكِ الخالي الخفيفِ، ولذلك لم يُوصَف الفُلكُ به في قوله: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢].\n* * *\n_________\n= \"الكبرى\" (٨٥٧٣)، وابن ماجه (٢٨٤٢)، من حديث حنظلة الكاتب ﵁.\n(^١) في (ك): (هذا).\n(^٢) في (م): \"فكان\".\n(^٣) في (م): \"لولا\".","vol":"8","page":421},{"text":"<span id=\"aya-3747\"> </span>(٤٢) - ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾.\n﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾: جنسِ الفُلكِ ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ مِن الإبل؛ فإنَّها سفائنُ البَرِّ، أو: مِن مِثْلِ فلكِ نوحٍ ﵇ مِن السُّفن والزَّوارق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3748\"> </span>(٤٣) - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ والصريخُ والصارخُ بمعنى المستغيث، ويجيء بمعنى الإغاثة لأنَّ أصلَه مصدر بمعنى الصراخ، وقد سبق تفسيره في السورة السابقة.\n﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾؛ أي: لا يُخلَّصون بعد ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3749\"> </span>(٤٤) - ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ إلَّا لرحمةٍ منَّا وتمتيعٍ بالحياةِ إلى زمانٍ قُدِّرَ لآجالهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3750\"> </span>(٤٥) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ مِن الوقائعِ النازلةِ بالأُمم المكذِّبة قبلهم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ مِن الساعة وأهوالِها، أو نوازل السماء ونوائبِ الأرض، أو ما تقدَّم مِن ذنوبكم وما تأخَّر، أو فتنة الدنيا وعقوبة الآخرة.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لتكونوا راجينَ رحمةَ الله تعالى.\n* * *","vol":"8","page":422},{"text":"<span id=\"aya-3751\"> </span>(٤٦) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.\n﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ الأولى للتأكيد، وجواب (إذا) محذوفٌ مدلولٌ عليه بقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ كأنَّه قال: وإذا قيلَ لهم: اتَّقوا، أَعرضوا، ثم قال: ودأْبهم الإعراضُ عند كلِّ آيةٍ وموعظةٍ، فهو تذييلٌ مؤكِّدٌ لِمَا سبق مِن حديث الإعراض.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3752\"> </span>(٤٧) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ لم يَذكُر المُنفَق عليه؛ لأنَّ إباءَهم (^١) وإن كان عن الإنفاق وعلى المؤمنين خاصَّة، إلَّا أنَّ مُوجَبَ ما تعلَّلوا به سدُّ بابِ الإنفاقِ رأسًا، وللإشعار إلى هذا تُركَ المُنفَقُ عليه.\n﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ إشارةٌ (^٢) إلى أنَّ البُخلَ به في غايةِ القُبح، فإنَّ أبخلَ البخلاءِ مَن يبخلُ بمالِ الغير.\n﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالصانع تعالى، يعني: مُعطِّلةً كانوا بمكة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ تهكمًا بهم، وذلك أنَّهم لمَّا سمعوا المؤمنين يعلِّقون الأمورَ بمشيئة اللهِ تعالى، يقولون: لو شاءَ اللهُ لكان كذا، وافترصوا (^٣) هذا الكلام فرصةً، واتَّخذوه هزوًا يستهزئون بالمؤمنين، يُجيبون به عند أمرهم بالإنفاق.\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"إيباءهم\" بياء قبل الباء، وكذا وقع في هذه النسخ الثلاث جميع ما سيأتي.\n(^٢) في (م): \"الإشارة\".\n(^٣) في (ع) و(ي): \"وافترضوا\".","vol":"8","page":423},{"text":"والتصريحُ بالوصفين مِن الكفر والإيمان لبيان أنَّ المقولَ إليهم هم الكافرون، والقائلَ لهم (^١) هم المؤمنون، وأنَّ كلَّ وصفٍ حاملٌ لصاحبه على ما صدرَ عنه، إذ:\nكلُّ إناءٍ بالذي فيه يَرشح (^٢)\nوأيضًا لمَّا كان الغرضُ الرَّدَّ على المؤمنين لا الامتناعَ عن الإطعام (^٣) - لأنَّه ممَّا يفتخرون به - كان حقُّ المقام التصريحَ بوصف الإيمان في المقولِ له، ومِن هنا تبيَّن وجهٌ آخَرُ للعدول عن عبارة الإنفاق إلى عبارة الإطعام.\n﴿أَنُطْعِمُ﴾ لمَّا كان الإطعامُ أدنى وجوهِ الإنفاقِ وأَعلى ما يفتخرونَ به، كان الإباءُ عنه إباءً عن الإنفاقِ رأسًا.\n﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ على زعمكم.\nوقيل: نزلت في مشركي مكَّة حين استطعمهم فقراءُ المؤمنين مِن أموالهم التي جعلوها للهِ تعالى، فحرموهم وقالوا: لو شاءَ اللهُ لأطعمكم، مُوهمينَ أنَّ اللهَ قادرٌ على إطعامهم، ولا يشاءُ إطعامَهم، فنحن أحقُّ بذلك.\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ حيث أَمرتمونا بما يخالف مشيئةَ الله (^٤) تعالى.\n_________\n(^١) \"لهم\": ليست في (م).\n(^٢) انظر: \"البحر\" (١٨/ ١١٨)، وهذا عجز بيت نسب لكشاجم كما في \"محاضرات الأدباء\" (١/ ٤٥٢)، وصدره:\nويأبي الذي في القلب إلا تبينا … وكل إناء ....................\n(^٣) في (م): \"الطعام\".\n(^٤) في (م): \"مشيئته\".","vol":"8","page":424},{"text":"ويجوز أن لا يكون مِن تتمَّة كلامهم، ويكون جوابًا مِن الله تعالى لهم، أو حكايةً لجواب المؤمنين لهم، بأنَّ ذلك مِن فرط ضلالتهم وجهالتهم؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُطعِم مَن يشاءُ بأسبابٍ بها، حيث منها حثُّ الأغنياءِ على إطعامِ الفقراءِ وتوفيقُهم له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3753\"> </span>(٤٨) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعد البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تقولون، خطابٌ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3754\"> </span>(٤٩) - ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾.\n﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾: ما ينتظرون، أراد الانتظارَ المفهومَ مِن قولهم: ﴿مَتَى﴾.\n﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: عذابًا يَفْجَؤهم فيَستأْصلُهم، يقال: صاحَ بهم الزمانُ؛ أي: هلكوا، قال الشاعر:\nصاحَ الزمانُ بآلِ جفنةَ صيحةً … خَرُّوا لشدَّتها على الأذقانِ (^١)\nوقيل: هي نفخةُ الإماتةِ.\nذكرَ في الصيحة أمورٌ تدلُّ على هولها وعِظَمها؛ أحدها: التنكير، وثانيها: ﴿وَاحِدَةً﴾؛ أي: لا يحتاج معها إلى الثانية، وثالثها: ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾؛ أي: تعمُّهم بالأَخْذ، وتصلُ إلى مَن في أقطارِ الأرضِ، ومثلها لا يكون إلَّا عظيمًا.\n_________\n(^١) البيت في \"تفسير الرازي\" (٢٣/ ٢٧٦)، و\"البحر المحيط\" (١٥/ ٤٤٩).","vol":"8","page":425},{"text":"وقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾؛ أي: تأتيهم بغتةً وهم في أمنهم وغفلتهم، يَتخاصمون في متاجرِهم ومعاملاتِهم، لا يُخطرون أمرَها ببالهم، ممَّا يَعظم به الأمرُ؛ فإنَّ العاملَ المُقبلَ على مُهِمٍّ إذا صاح به صائحٌ يكون ارتجافُه أعظمَ، بخلاف المُنتظِر لها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3755\"> </span>(٥٠) - ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أنْ يوصوا في شيءٍ مِن أمورهم ﴿تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾: ولا أنْ يرجعوا إلى أهلِهم ومنازلِهم، بل يموتون حيث تَبغتُهم الصيحةُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3756\"> </span>(٥١) - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾.\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هي نفخةُ البعثِ، وقد سبق في تفسيرِ سورةِ المؤمنين.\n﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾: مِن القبورِ، جمع جَدَثٍ، وقرئ بالفاء (^١)، و(إذا) للمفاجأة.\n﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ النَّسَل (^٢): الإسراعُ في الخروج، ولفظ الرَّبِّ أصابَ المحزَّ؛ لأنَّ مَن أساءَ واضْطرَّ إلى التوجُّه إلى مَن أَحسنَ إليه، يكون ذلك أشدَّ ألمًا وأكثرَ ندمًا مِن غيره.\n* * *\n_________\n(^١) أي: (الأجداف). انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٢٠)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ١٢١).\n(^٢) في (م): \"النسول\".","vol":"8","page":426},{"text":"<span id=\"aya-3757\"> </span>(٥٢) - ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ وقرئ: (مَن أهبَّنا) (^١)؛ مِن هَبَّ مِن نومه، إذا انتبه، وأهبَّه غيرُه.\nوقرئ: (مَن هبَّنا) (^٢)؛ بمعنى: أهبَّنا.\nوقرئ: (مِن بَعْثِنا) (^٣)، و(مِن هَبِّنا) (^٤)؛ على (من) الجارَّة والمصدرِ.\nوعن مجاهد: للكفَّار هجعةٌ يجدون فيها طعمَ النوم، ولو استمرَّ عذابُ الكفارِ في قبورهم بالنار، لَمَا صحَّ منهم القولُ المذكورُ.\n﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ ﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و﴿مَا وَعَدَ﴾ خبرُه، و﴿مَا﴾ مصدرية، أو موصولة محذوفةُ الراجع، دلَّ على هذا قولُه تعالى: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠].\n﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾؛ أي: صَدَقَ فيه، ويجوز أن يكون اعتراضًا، أفاقوا عمَّا بهم وتنبَّهوا يتذكَّرون ما سمعوا مِن الرسل، فيجيبون به أنفسَهم أو بعضَهم بعضًا.\nوقيل: هذا ليس مِن كلامِهم، بل جوابُ الملائكةِ أو المؤمنينَ لهم، لكن عُدل عن سَننه ومطابقته للسؤال لأغراضٍ:\nمنها: تنبيهُهم على أنَّ الذي يهمُّهم هو السؤالُ عن البعث لا عن الباعث.\n_________\n(^١) نسبت لابنِ مسعود. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢١٤).\n(^٢) نسبت لأبيٍّ. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢١٤).\n(^٣) نسبت لعلي بن أبي طالب. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢١٤).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٢٠).","vol":"8","page":427},{"text":"ومنها: تذكيرٌ (^١) لكفرهم وتكذيبِهم الرسل، وتقريعهم على ذلك.\nومنها: نعيُهم إليهم أحوالَهم التي هم فيها، وإخبارُهم بوقوع ما أُنذروا به، كأنَّه قيل لهم: ليس هذا بالبعث الذي توهَّمتوه - وهو بعثُ النائمِ مِن مرقدِه - حتى يُهمَّكم السؤالُ عن الباعثِ، إنَّ هذا هو البعث الأكبر ذو الأفزاع والأهوال، الذي وَعَده اللهُ تعالى في كتبه المنزلةِ وأَخبر به على ألسنةِ رسلِه الصادقين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3758\"> </span>(٥٣) - ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ وقرئ بالرفع (^٢) على (كان) التامَّة، والضمير في الناقصة للنفخة دلَّ عليها: ﴿وَنُفِخَ﴾.\n﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ بمجرَّد تلك الصيحة، وفي ذلك تهوينُ أمرِ البعث والحشر، واستغناؤهما عن الأسبابِ التي يتوهَّمونها بالقياس على ما يشاهدونه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3759\"> </span>(٥٤) - ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حكايةٌ لِمَا يُقال لهم حينئذٍ، وكذا ما بعده مِن وصفِ أهلِ الجنة؛ تصويرًا للموعود، وتمكينًا له في النفوس، وترغيبًا أو ترهيبًا.\n* * *\n_________\n(^١) في (ف): \"تذكرهم\"، وفي (ك) و(ي): \"تذكيرهم\".\n(^٢) قرأ بها أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥٣). وفي (م): \"وقرئت\".","vol":"8","page":428},{"text":"<span id=\"aya-3760\"> </span>(٥٥) - ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾.\n﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ عن ذِكْر أهلِ النار، ولو خَطَرَ ذلك ببالهم وفيها أحدٌ مِن أقارِبهم أو معارفهم، تنغَّص (^١) عليهم ما هم فيه، والتنكير في ﴿شُغُلٍ﴾ للتعظيم والتنبيهِ على أنَّه أَعلى مِن أنْ تحيط به الأفهام، ويُعرِب عن كُنْهه الكلامُ.\nوالشغلُ: العارض الذي يُذهِل الإنسانَ عن أمرٍ لولا ذلك العارض لكان متوجِّهًا إليه.\n﴿فَاكِهُونَ﴾ وقرئ: ﴿فَاكِهُونَ﴾ (^٢)؛ كـ: نَطِس، بناءً على أنَّه حالٌ، والخبر هو الظرف، والفاكِهُ والفَكِهُ: المُتنعِّمُ المتلذِّذُ، ومنه: الفاكهة؛ لأنَّها ممَّا يُتلذَّذ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3761\"> </span>(٥٦) - ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.\n﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، أو تأكيدٌ للضمير [في] (^٣) ﴿فِي شُغُلٍ﴾، أو في ﴿فَاكِهُونَ﴾ والمعنى على تقدير التأكيد: أنَّ أزواجَهم تُشاركهم في ذلك الشُّغل والتفكُّه (^٤) والاتِّكاء، والأزواج: جمع زوجة، وهي حرَّةُ الرجلِ التي يحلُّ له وطؤها.\n﴿فِي ظِلَالٍ﴾: جمع ظِلٍّ كشِعاب، أو ظُلَّةٍ كقِبابٍ، ويؤيِّده قراءةُ: ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"ينقص\".\n(^٢) قرأ بها أبو جعفر. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٥٣).\n(^٣) من \"الكشاف\" (٤/ ٢٢).\n(^٤) في (ك): \"والتفكيه\".\n(^٥) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٦٤).","vol":"8","page":429},{"text":"﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: جمع أريكة، وهي السريرُ في الحَجَلة، وقيل: الفراش فيها.\n﴿مُتَّكِئُونَ﴾ خبرٌ، أو ﴿فِي ظِلَالٍ﴾ خبرٌ، و﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ مستأنفٌ، وقرئ: (متكئين) (^١)؛ على الحال.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3762\"> </span>(٥٧) - ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾.\n﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ عبَّر عن كلِّ ما يُرزقون فيها بالفاكهة؛ للتنبيه على أنَّهم مستغنون عن حفظِ الصحةِ بالأقوات، بأنَّهم أجسامٌ محكمةٌ مخلوقةٌ للأبد، فكلُّ ما يأكلونه على سبيل التلذُّذ.\n﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ يَفتعِلُون مِن الدُّعاء، أي: يَدْعون به لأنفسِهم، كقولك: اشتَوَى واجتَمَل، إذا شوَى وجمَل لنفسه.\nويجوز أن يكون بمعنى: يتداعَوْنه، كقولك: ارتمَوْه وترامَوْه.\nوقيل: يتمنون؛ مِن قولهم: ادعُ عليَّ ما شئتَ، بمعنى: تمنَّه عليَّ، وفلانٌ في خيرِ ما ادَّعى؛ أي: في خيرِ ما تمنَّى، قال الزَّجاج: وهو (^٢) مِن الدُّعاء؛ أي: ما يَدْعُونه أهلُ الجنة يأتيهم.\nو(ما) موصولة أو موصوفة مرتفِعةٌ بالابتداء، و﴿لَهُمْ﴾ خبرها.\n* * *\n_________\n(^١) نسبت لابن مسعود. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٢٢)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ١٢٦).\n(^٢) في النسخ: \"وقال الزجاج هو\"، مما يوهم أنه قول جديد، في حين أنه مبني على معنى: يتمنون، كما هو واضح من \"معاني القرآن\" للزجاج (٤/ ٢٩٢)، و\"الكشاف\" (٤/ ٢٢) والكلام وما أثبت منه.","vol":"8","page":430},{"text":"<span id=\"aya-3763\"> </span>(٥٨) - ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.\n﴿سَلَامٌ﴾ بدلٌ منها أو صفةٌ أخرى (^١).\n﴿قَوْلًا﴾ مصدر مؤكِّد لقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ﴾؛ أي: عِدةً ﴿مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ والأَوجهُ أنْ ينتصبَ على الاختصاص، وهو مِن محازِّه (^٢)؛ أنَّ اللهَ تعالى يُسلِّم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة؛ مبالغةً في تعظيمهم، وذلك متمنَّاهم، ولهم ذلك لا يُمنَعونه، قال ابنُ عباس ﵄: والملائكة يَدخلون عليهم بالتحية مِن ربِّ العالمين (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3764\"> </span>(٥٩) - ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ يقال: مَازَهُ فانمازَ وامتاز بمعنَى: تمايز ﴿أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: انفرِدوا (^٤) عن المتَّقين، والمراد مِن ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم الحشر، قال الضحاك: تمتاز اليهودُ فرقةً، والنصارى فرقةً، والمجوسُ فرقةً، والصابئون وعبدةُ الأوثان فرقةً، ولكلِّ فرقةٍ في النار بيتٌ تَدخُل فيه ويُرَدُّ بابُه، فتكون فيه أبدًا، لا يَرى ولا يُرى (^٥).\nويُشكِل هذا بقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾\n_________\n(^١) قوله: \"بدل منها\"؛ أي: من ﴿مَا﴾ على الوجهين، وقوله: \"أو صفة\" يعني: على كونها نكرة موصوفة، ولذا قال: \"أخرى\"؛ لأنَّه لا توصف المعرفة بالنكرة. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٤٨).\n(^٢) في (ف): \"مجازه\"، ومثله في مطبوع \"الكشاف\" (٤/ ٢٢)، والصواب المثبت.\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٢٢)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ١٢٧).\n(^٤) في (ك): \"أي المبعودون\".\n(^٥) انظر: \"النكت والعيون\" للماوردي (٥/ ٢٦).","vol":"8","page":431},{"text":"[الحج: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ [الأعراف: ٥٠].\n* * *\n\n<span id=\"aya-3765\"> </span>(٦٠) - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\n﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ في خطابِ ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ نوعُ إيماءٍ إلى أنَّ ذلك العهدَ كما كان في عهدِ آدمَ ﵇:\n﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ مِن جملة ما يقال لهم تقريعًا وإلزامًا للحجَّة، وعهدُ اللهِ تعالى إليهم ما رُكِزَ في عقولهم ونصبَ لهم مِن الحُجَج العقليَّة والأدلة السمعيَّة الآمرةِ بعبادتِه الناهيةِ عن عبادةِ غيرِه.\nوعبادةُ الشيطانِ: طاعتُه فيما يُوسوِس به إليهم ويزيِّنه لهم.\nوالعهدُ: الوصيَّةُ، يقال: عَهِدَ إليه، إذا وصَّاه.\n﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل للمنع مِن عبادته.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3766\"> </span>(٦١) - ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ عطفٌ على ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾.\n﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إشارةٌ إلى ما عهدَ إليهم مِن معصيةِ الشيطانِ وطاعةِ الرحمنِ، إذ لا صراطَ أقومُ منه، جملةٌ استئنافيةٌ لبيانِ (^١) المقتضي للعهد بشقَّيه أو بالشقِّ الأخير، والتنكير في الصراطِ للتعظيمِ والمبالغةِ.\n_________\n(^١) بعدها في (ف) و(ك): \"العهد\".","vol":"8","page":432},{"text":"<span id=\"aya-3767\"> </span>(٦٢) - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ رجوعٌ إلى بيانِ معاداةِ الشيطانِ مع ظهور عداوتِه ووضوحِ إضلالِه لمَن له أدنى عقلٍ وتمييزٍ، فقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ استفهامُ تقريعٍ على تركِهم الانتفاعَ بالعقل.\nوالجِبِلُّ: الخُلُق، وأصلُ الجِبِلِّ: الطبعُ، ومنه: الجَبَل؛ لأَّنه مطبوعٌ على الثبات.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3768\"> </span>(٦٣) - ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\n﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في دارِ التكليف.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3769\"> </span>(٦٤) - ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\n﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾: الزَمُوا العذابَ بها، وأصلُ الصَّلْي: اللزومُ، ومنه المُصَلِّي الذي في إِثْرِ السابقِ للُزومهِ أثره.\n﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: بسبب كفرِكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3770\"> </span>(٦٥) - ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾؛ أي: نفعلُ بأفواههم ما لا يُمكنهم معه أن يتكلَّموا بألسنتهم.\n﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بإنطاقِ اللهِ تعالى إيَّاها على ما نطقَ به قولُه تعالى: ﴿قَالُواْ","vol":"8","page":433},{"text":"أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فلا مساغَ للتأويل بظهورِ آثارِ المعاصي عليهم ودلالتها على أفعالها.\n﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ أسندَ الختمَ إلى نفسِه دونَ الكلامِ والشهادةِ، دفعًا لوهم الإجبارِ، وإظهارًا لتوسُّط الاختيارِ بعد الإقدارِ على النطق والتكلُّم، ولمَّا كان كلامُ الأيدي إقرارًا على الغيرِ المُنكِر، نُزِّل تصديقُ الأرجلِ إيَّاها منزلةَ الشهادةِ، فعبِّر عن تكلُّمها بالشهادة.\n﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إذ الكسبُ باليدِ أخصُّ، فيكون الإخبارُ منها إقرارًا، ومن الرجل (^١) شهادةً؛ لأنَّها تحاضر وقلما تباشر، ولهذا خصَّ التكلُّم بمعنى الإقرار بالأيدي، والشهادة بالأرجل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3771\"> </span>(٦٦) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ الطَّمْسُ: محوُ الشيءِ حتى يذهبَ أثَره، والطَّمْسُ على العينِ تَعَفيةُ شقتها (^٢) حتى تعودَ ممسوحةً.\n﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾: فطلبوا الطريقَ الذي اعتادوا سلوكَه سابقينَ، وإنَّما اعتبرَ قيد السبقُ على طريقةِ التضمين؛ لأنَّ التعذُّرَ في سلوك الأعمى الطريقَ حينئذٍ أظهرُ.\nويجوز أن يكون مِن باب حذف الجارِّ وإيصال الفعل؛ أي: فاستبقوا إلى الصراطٍ، أو نصبًا على الظرف.\n_________\n(^١) في (ف): \"الأرجل\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"تعفيتها\"، والمثبت من باقي النسخ، وفي \"الكشاف\" (٤/ ٢٤): الطمس: تعفية شق العين حتى تعود ممسوحة.","vol":"8","page":434},{"text":"﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ لم يَقدروا أنْ يَسلكوهُ، ولم يُبصروه، ولم يَعلموا جهةَ (^١) سلوكه، فضلًا عن غيره.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3772\"> </span>(٦٧) - ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾.\n﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ بتبديلِ صورِهم وإبطالِ قُواهم وقُدَرهم ﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾: في مكانهم، المكانة والمكان كالمَقامة والمَقام، أو بإضمار (هم) (^٢).\n﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾: ذهابًا ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾: ولا رجوعًا، فوضع الفعلُ موضعَه للفواصل؛ أي: إنَّهم أحقَّاءُ بأنْ يُفعَل بهم ذلك، ولا عجز فينا، لكنَّا لم نفعل لشمول الرحمةِ واقتضاء الحكمة إمهالَهم، وقيل: ولا يرجعون عن تكذيبهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3773\"> </span>(٦٨) - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾: نُطِل عمرَهُ ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ بالتشديد وبالتخفيف (^٣)؛ ..........\n_________\n(^١) في (ي): \"حجة\".\n(^٢) في (ك) و(م): \"بإضمارهم\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٢٦). وقرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة، وباقي السبعة بفتح النُّون الأولى وإسكان الثانية وضم الكاف مُخفَّفة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٥). فهي ثلاث قراءات: اثنتان في المتواتر: ﴿نُنَكِّسْهُ﴾ و﴿نَنْكُسْه﴾، وواحدة في غير المتواتر: (نُنْكِسه).","vol":"8","page":435},{"text":"مِن التنكيس والإنكاس، وقرئ بفتح الكاف (^١)؛ مِن النَّكْس.\n﴿فِي الْخَلْقِ﴾؛ أي: نقلِّبه فيه؛ فلا يزال يتزايد ضعفُه وانتقاصُ بنيتِه وقُواهُ، عكس ما أنشأناه عليه.\n﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي (^٢): مَن قَدر على ذلك قَدر على الطَّمْس والمسخِ؛ فإنه مشتملٌ عليها وزيادةٌ، غيرَ أنَّه على تدرُّج.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3774\"> </span>(٦٩) - ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾؛ أي: بتعليمِ القرآنِ، وهو ردٌّ لقولهم: إنَّ محمَّدًا شاعرٌ، والمراد: أنَّ القرآنَ ليس بشعرٍ، وأين هو مِن الشعرِ؟ فإنَّ الشعرَ كلامٌ موزونٌ مُقفًّى مُنتَظِمٌ مِن المخيِّلات المرغِّبة والمنفِّرة.\n﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أي: لا يليقُ به ولا يَصلُح له؛ لأنَّ الشعرَ يَدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظِ والوزن، فالشاعرُ يكون المعنى منه تبعًا للَّفظ، والشارع يكون اللفظُ منه تَبَعًا للمعنى، وقيل: لا يتأتَّى له إنْ أراد قرضَه.\nوقوله: \"أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِب\" (^٣)، قال بعضهم: إنَّما الرواية بالإعراب (^٤)، وإذا كانت بالإعراب لم تكن شعرًا.\n_________\n(^١) كذا في النسخ، والصواب: بضم الكاف، وهي قراءة سبعية. انظر التعليق السابق.\n(^٢) في (ك): (إن).\n(^٣) رواه البخاري (٢٨٦٤)، ومسلم (١٧٧٦)، من حديث البراء ﵁.\n(^٤) يعني: بفتح الباء في كذب وخفض الباء في المطلب.","vol":"8","page":436},{"text":"وأمَّا ما قيل: ليس هذا الوزنُ مِن الشعر؛ فمكابرةٌ؛ لأنَّ أشعارَ العرب على هذا قد رواها الخليلُ وغيرُه.\nوأمَّا قوله:\nهل أنتِ إلَّا إصبعٌ دَميت … وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيت (^١)\nفلعلَّه قالها ساكنةَ التاءِ أو متحرِّكةً مِن غير إشباعٍ، ولا يكون شعرًا إلَّا إذا كُسرت التاءُ بإشباعٍ.\n﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ﴾؛ أي: موعظةٌ وتذكيرٌ مِن اللهِ ﷿.\n﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾: كتابٌ سماويٌّ، بيَّن كونه ليس مِن كلام البشر؛ لظهور إعجازه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3775\"> </span>(٧٠) - ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ أي: القرآنُ، أو الرسولُ، ويؤيِّده القراءةُ بالتاءِ الفوقانيَّة (^٢).\n﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾: عاقلًا فَهِمًا؛ فإنَّ الغافلَ كالميِّت، أو مؤمنًا في علمِ الله تعالى، واختصاصُ الإنذار به لأنَّه هو المنتفعُ منه (^٣) دونَ غيرِه.\n﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ وتَجبَ كلمةُ العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ المصرِّين على الكفر، وفي ذكرهم في مقابلة ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ تنزيلٌ لهم منزلةَ الأمواتِ؛ لحرمانهم عن ثمرةِ الحياة.\n* * *\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦)، من حديث جندب بن سفيان ﵁.\n(^٢) قرأ بها نافع وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٥).\n(^٣) في (م): \"به\".","vol":"8","page":437},{"text":"<span id=\"aya-3776\"> </span>(٧١) - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: أَيُشرِكون ولم يَرَوا ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ممَّا تولَّينا نحن إحداثَه، لا يَقدر على تولِّيه غيرُنا، وذِكْرُ الأيدي وإسنادُ العملِ إليها استعارةٌ مِن عملِ مَن يعمل بالأيدي؛ للمبالغة في الاختصاص والتفرُّد بإحداثها.\n﴿أَنْعَامًا﴾ خصَّها بالذِّكْر لِمَا فيها مِن بدائع الفطرةِ ولطائف الحكمةِ وكثرة المنافعِ؛ جمعًا بين إظهارِ القدرةِ والامتنان بتذكير النِّعمة المختصَّين به، ولهذا كمَّله بقوله:\n﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾؛ أي: خلقناها لأجلهم، وملَّكناهم إيَّاها (^١)، فهم فيها متصرِّفون تصرُّف المُلَّاك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3777\"> </span>(٧٢) - ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾.\n﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ التذليلُ مِن جملة النِّعم الظاهرة، لولاها لَمَا قَدَرَ عليها أحدٌ، ولهذا أَلزمَ اللهُ تعالى الراكبَ أنْ يَشكُر (^٢) هذه النِّعمة ويُسبِّح (^٣) بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣].\n﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ هو ما يُركَب ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، أي: سخَّرناها لهم ليركبوا ظهرها ويأكلوا لحمها (^٤).\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"خلقناهم لأجلهم وملكناهم إياهم\".\n(^٢) في (م): \"الراكب بشكر\".\n(^٣) في (م): \"هذه وسبح\".\n(^٤) في (ك): \"لكم لتركبوا ظهرها وتأكلوا لحمها\".","vol":"8","page":438},{"text":"<span id=\"aya-3778\"> </span>(٧٣) - ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ مجملٌ، مُفصَّله في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠].\n﴿وَمَشَارِبُ﴾ مِن اللَّبنِ وما يُتَّخذ منه، جمع: مَشْرَب، وهو الشُّرب أو موضعُ الشُّرب، إنَّما لم يقل: ومنها يشربون؛ لأنَّ ابتداءَ الشُّرب ليس منها، بخلاف الأكل.\n﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ لخالقِ هذه النَّعم، ورازق هذه النِّعم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3779\"> </span>(٧٤) - ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ بعدما رَأَوا القدرةَ (^١) الباهرةَ وآثارَها الظاهرةَ.\n﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾: طمعًا في أنْ يَتقوَّوا بهم ويتعزَّزوا، كما قال: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]، والأمرُ على عكسِ ما قدَّروا؛ لأنَّه:\n\n<span id=\"aya-3780\"> </span>(٧٥) - ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: مُعدُّون لحفظهم يخدمونهم (^٢) ويذبُّون عنهم، والآلهةُ لا استطاعةَ بهم، ولا قدرةَ على النصرِ.\nقيل: هم يوم القيامة محضرون (^٣) لعذابهم.\n_________\n(^١) في (م): \"الآيات\".\n(^٢) في (ك): \"يحرسونهم\".\n(^٣) \"محضرون\" من (ف) و(ك)، وسقطت من باقي النسخ.","vol":"8","page":439},{"text":"ويَرِدُ عليه: أنَّ فيه زيادةَ تفكيكٍ في (^١) الضمائر، فيتنافر النَّظْمُ الذي هو أمُّ (^٢) إعجازِ القرآنِ، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر، وأيضًا المتبادِر من ﴿لَهُمْ﴾ النفعُ دون الضرر.\nوقيل: محضرون إثرهم في النار.\nويأباه عبارةُ الجند، فإنَّه جمعٌ مُعَدٌّ للحرب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3781\"> </span>(٧٦) - ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\n﴿فَلَا يَحْزُنْكَ﴾ الفاء للسببية؛ أي: إذا علمتَ حالَهم ومآلَهم فتسلَّ (^٣) ولا يَحزُنكَ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ فيكَ: إنَّك شاعرٌ وساحرٌ وكاهنٌ وكاذبٌ - وسائر وجوهِ الأذى بالقولِ - فإنَّا مجازُوهم.\n﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ تعليلٌ للنهي، وفيه وعيدٌ شديدٌ لهم، وزيادةُ تسليةٍ لرسولِ اللهِ ﵊.\nفإنْ قلتَ: أَليسَ مقتضى البلاغة تقديم ﴿مَا يُعْلِنُونَ﴾ حتى يكون نظمُ الكلام على أسلوب الترقِّي؟\nقلتُ: ذلك مقتضاها بحسب جليلِ النَّظر، وأمَّا مقتضاها بحسب دقيقِه، فإنَّما هو تأخيرُه حتى يكونَ لكلٍّ مِن جُزْأي الكلامِ حظٌّ مِن الاهتمام، وذلك أنَّه حينئذٍ يكون للجزء الأول اهتمامُ التقديم، وللجزء الثاني اهتمامُ التصريح، بعد الانفهامِ\n_________\n(^١) \"في\": ليست في (م).\n(^٢) \"أم\" من (ف) و(ك)، وسقطت من باقي النسخ.\n(^٣) في (ع) و(م) و(ي): (قيل).","vol":"8","page":440},{"text":"بطريق الالتزام (^١)، وعلى تقديرِ التقديمِ يفوتُ أحدُ الاهتمامين، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3782\"> </span>(٧٧) - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إيلاءُ الهمزةِ واوَ العطف للتقرير والتعجيب مِن حالِ الإنسان، أي: أَيُنكِر الإنسانُ البعثَ ولم يَرَ مبدأَ خلقِه وإبداعَ نشأتِه.\nوفيه تسليةٌ أُخرى لرسولِ اللهِ ﵊ بتهوينِ ما يقولونَ بالنسبةِ إلى إنكارهم للبعث، وتقبيحٌ بليغٌ لإنكارهم، لا يُرى أَبلغُ ولا أَفحشُ منه ولا أَعجب، ولا أدلُّ على تمادي كفر الإنسان وإفراطه في (^٢) جحود النِّعم، حيث تقرَّر في عِلْمه أنَّا خلقناهُ مِن شيءٍ قليلٍ، وبلَّغناهُ إلى قَدْرٍ جليلٍ.\nوإنَّما لم يقل: مِن ماءٍ مهينٍ، مع ما فيه مِن المناسبة لقرينه، رعايةً لحَقِّ الكلامِ بتجرِيده لِمَا سِيقَ له مِن المرام، وذلك بحذف ما يخيِّل غَرضًا آخَرَ، وهو الامتنانُ بالإعزاز والإكرام.\nومَن لم يتنبَّه لهذا قال: أنَّا خلقناهُ مِن أمهنِ شيءٍ وأقذره، وهو مع مهانةِ أصله وخساسةِ عنصره (^٣)، يتصدَّى لمخاصمة الجبَّار، الذي شرَّفه بعد خسَّته، وكرَّمَه بعد ذلَّته، ويقول: مَن يحيي العظام؟!\n_________\n(^١) في (م): \"الإلزام\".\n(^٢) \"وإفراطه في\"، وقع في النسخ بدلا منه: \"وإفراد\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٤/ ٣٠).\n(^٣) في (ك): \"وخساسته\".","vol":"8","page":441},{"text":"﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (إذا) للمفاجأة، والفاء فصيحةٌ للعطف على مقدَّر تفصيله: لمَّا بلغَ مَظِنَّة (^١) إظهارِ الشكر والحمدِ على آثارِ قدرتنا، ففاجأَ بإعلانِ الكفران والجحد مُبالغًا (^٢) في الخصومة، مُعرِبًا عمَّا في نفسه مِن الجناية، وحالُه أنَّ خِصامَه في أَلْزَمِ (^٣) وصف له، وأبلغِ حجَّةٍ عليه، وهو أنَّه مُنشَأٌ مِن مواتٍ، والإعادةُ أهونُ مِن الإبداءِ، فخِصامه محضُ مكابرةٍ وصِرفُ معاندة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3783\"> </span>(٧٨) - ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾.\n﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ إنَّما سمَّى قولَه مَثَلًا؛ لكونه أمرًا عجيبًا (^٤) وقصَّةً غريبةً كالمَثَل، حيث أَنكر قدرةَ اللهِ تعالى على إنشاءِ المواتِ وقد أَنشأهُ اللهُ تعالى مِن الموات.\n﴿وَنَسِيَ﴾: ولا يتذكَّر ﴿خَلْقَهُ﴾ وهو أقربُ شيءٍ إليه.\n﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ رويَ أنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ أَتَى النبيَّ ﵊ بعظمٍ بالٍ تفتَّت بيده، فقال: أترى أن الله يحيي هذا بعدما رمَّ؟! فقال ﵊: \"نَعَم ويَبعثُكَ ويُدخِلُك النارَ\" فنزلت (^٥).\n_________\n(^١) في (ك): \"فطنة\".\n(^٢) في (م): \"ففاجأ بإعلان للكفران والحجب مبالغة\"، وفي (ع) و(ي): \"فقد جاء بإعلان الكفران والحجب مبالغا\".\n(^٣) في (ك): \"الذم\"، وفي (ي): (إلزام)، والمثبت من باقي النسخ، وعبارة \"الكشاف\" وعنه النسفي: (في ألزم وصف له وألصقه به).\n(^٤) في (ف): \"عجبا\".\n(^٥) رواه عبد الرزاق في \"التفسير\" (٢/ ١٤٦)، والطبري في \"التفسير\" (١٩/ ٤٨٦)، عن قتادة. وقال =","vol":"8","page":442},{"text":"والرَّميم: اسمٌ لِمَا بَلِيَ؛ عظمًا كان أو غيرَه، غيرُ صفةٍ كالرَّمَّة والرُّفات، لا فعيل بمعنى فاعلٍ ولا مفعولٍ، فلهذا لم يؤنَّث مع كونِه خبرًا عن مؤنَّث.\nوقيل: لأنَّه معدولٌ عن فاعل، وكلُّ ما كان معدولًا عن وجهِه ووزنِه، كان مصروفًا عن أخواته، كـ ﴿بَغِيًّا﴾ في قوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فإنَّها مصروفةٌ عن: باغية.\nوفي ظاهره دلالةٌ على أنَّ في العظام حياةً، وأنَّها تَنجُس بالموت.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3784\"> </span>(٧٩) - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إنَّما قال: ﴿أَنْشَأَهَا﴾ دون: أحياها؛ إشارة إلى الفرقِ بين الإحياءَين مِن حيث إنَّ الأولَ منهما إنشاءٌ، والثاني إعادةٌ، فلا جَرَمَ يكون أهونَ، ولا تغيير في جانب الفاعل.\n﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يَعلمُ كيف يَخلُق، لا يَتعاظمُه شيءٌ مِن خلقِ المُنشَآتِ والمعاداتِ، وجمعِ أجزائها؛ جلائلها ودقائقها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3785\"> </span>(٨٠) - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ وصف (^١) ..............................\n_________\n= ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (٧/ ٤١): وعليه المفسرون. وفي رواية سعيد بن جبير عند الطبري (١٩/ ٤٨٧) أنه العاص بن وائل السهمي، وكذا رواه الحاكم في \"المستدرك\" (٣٦٠٦) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄.\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"ووصف\".","vol":"8","page":443},{"text":"الشجرِ بالأخضر حملًا على اللفظ، وقرئ: (الخَضْراءِ) (^١)؛ على المعنى.\n﴿نَارًا﴾: نوعًا غريبًا مِن النار؛ حيث يَحدُث ممَّا يقطر منه الماءُ، ومِن هنا ظهر وجهُ توصيفِ الشجرِ بالأخضرِ، نُقلَ عن أربابِ الحكمة: أنَّ النارَ على أربعةِ أنواعٍ: نارٌ: تَأكلُ ولا تَشرب وهي النار المعهود.\nونارٌ: تَشرب ولا تَأكل وهي نار الشجر.\nونارٌ: تَأكل وتَشرب وهي نارُ المعدة.\nونارٌ: لا تَأكل ولا تَشرب وهي نارُ الحَجَر.\n﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ لا تَشكُّون في أنَّها نارٌ تَخرج منه، استدلَّ بالنشأة الأولى على الثانية، ثم بانقداح النار مِن الشجر الأخضر، وهي مِن زناد الأعراب، وأكثرها مِن المَرخِ والعَفَارِ؛ يُقطع منهما غصنان مثل السَّواكين (^٢)، وهما خضروانِ يَقطُر منهما الماءُ، فيُسحق المرخُ - وهو ذَكَرٌ - على العفارِ - وهو أنثى - فتنقدحُ النارُ بإذن الله تعالى، مع مضادَّة الماءِ النارَ وانطفائِها به، فمَن قدرَ على ذلك، كان على إعادةِ الغضاضةِ - فيما كان غضًّا فيبسَ وبَلِيَ - أقدرَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3786\"> </span>(٨١) - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٣١)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ١٤٤).\n(^٢) في (ع) و(ي): \"يقدح منهما عصيان مثل السواكب\"، وفي (م): \"يقطع منهما عصيتان مثل السواكب\". والمثبت موافق لما في \"الكشاف\" (٤/ ٣١).","vol":"8","page":444},{"text":"﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ دليل ثالثٌ، كأنَّه قال: أَبَعْدَ ما مرَّ مِن الدليلين لا يَقدر مَن خلَقهما مع كِبَرِ جِرْمهما وعِظَم شأنِهما على خَلْقِ مثلِهم مع صغرِهم وقماءتهم بالنسبة إليهما.\nوقيل: على إعادتهم (^١)؛ لأنَّ المعادَ مَثَلٌ للمبدأ في أصول البنية والذات والصفات.\nويردُّه: أنَّ المذهبَ خلافُ ذلك.\n﴿بَلَى﴾ جوابٌ مِن الله تعالى مُشعِرٌ بأنَّ الجوابَ منحصرٌ في هذا، وهو الإثباتُ بعد النفي.\n﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ المبالغةُ في الخلقِ والعلمِ المستفادة مِن الصفتين المذكورتين، تناسب المقام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3787\"> </span>(٨٢) - ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾: قولُه، على ما مرَّ في سورة النحل: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، ومَن حملَ الأمرَ هنا على الشأنِ، فقد غفلَ عن ذلك البيانِ.\nشبَّه تأثيرَ قدرته تعالى في مرادِه بأمرِ آمرٍ مطاعٍ وَرَدَ على مأمورٍ مطيعٍ لم يَلبث أنْ يمتثل، فقال: إنَّما أَمْره في إيجاد الأشياء ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾؛ أي: تكوينَه ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾؛ أي: تَكوَّنْ ﴿فَيَكُونُ﴾ فيحدثُ مِن غيرِ امتناعٍ عليه ولا توقُّفٍ\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"عادتهم\".","vol":"8","page":445},{"text":"في المأمور (^١)، ولا افتقارٍ إلى الآلاتِ وحركاتٍ مِن الآمر؛ حسمًا لمادَّة الشُّبهة في قياسِ قدرةِ اللهِ تعالى على قدرةِ الخَلْق، وهو مِن الاستعارةِ التمثيليَّة يقوم مقامَ تعليلٍ لقدرةِ اللهِ تعالى على إعادة الموتى؛ أي: مَن كان إيجادُه للأشياء بهذه المثابةِ، كيف يَعجز عن الإعادة؟!\nوقرئ: ﴿فَيَكُونَ﴾ بالنصب (^٢)؛ عطفًا على ﴿يَقُولَ﴾، والرفع على تقديرِ جملةٍ اسميَّةٍ؛ أي: فهو يكونُ، معطوفةٍ على أُخرى مثلِها، وهي: إنَّما أمره … أنْ يقول.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3788\"> </span>(٨٣) - ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تنزيهٌ له تعالى عمَّا وَصَفه (^٣) به المشركون، وتعجيبٌ مِن أنْ يقولوا فيه ما قالوا، والفاء للسببية؛ أوردها تعليلًا بكونه المتصرِّف في مَلكوتِ كلِّ شيءٍ بمقتضى مشيئته وموجبِ حكمته، فكيف يَمتنع عليه شيءٌ؟\nوالملكوتُ مقابلُ الملك على ما ورد في الدُّعاء المأثور: سبحان ذي الملكِ والملكوت.\nفإنَّ كلَّ شيءٍ له جسمانيَّة كثيفة وروحانيَّة لطيفة، فجسمانيتُه الظُّلمانيةُ مِن عالَم\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"من المأمور\".\n(^٢) قرأ بها الكسائي وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٧).\n(^٣) في (م): \"وصف\".","vol":"8","page":446},{"text":"الملك، وهو عالَم الخَلق وعالَم الشهادة، وروحانيتُه النورانيةُ مِن عالم الملكوت، وهو عالَم الأمر وعالَم الغيب.\nومعنى كون ملكوتِ كلِّ شيء بيده: أنَّ تصرُّفه فيه بالذات، لا بواسطة الأسبابِ العاديةِ، بخلاف ما في عالم الملك؛ فإنَّ تصرُّفه فيه بواسطة الأسبابِ والآلاتِ على مقتضى حكمته.\n﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وعدٌ ووعيدٌ للمقرِّين والمُنكرين (^١).\n* * *\n_________\n(^١) في (م) زيادة: \"والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب\".","vol":"8","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>سُورَةُ الصَّافَّاتِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-3789\"> </span>(١) - ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾.\n﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ الواو للقسم، والصفُّ: ترتيب الجمع على خطٍّ واحد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3790\"> </span>(٢) - ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾.\n﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ ﴿صَفًّا﴾ مصدر مؤكِّد، وكذلك ﴿زَجْرًا﴾، والفاء المتوسِّطة (^١) بين الصِّفات إما لترتُّبهما (^٢) مع اتحاد الموصوف، وإما لترتُّب الموصوفات، والأولُ إمَّا لترتبهما في الوجود وإما لترتُّبهما في بعض الوجوه بحسب التفاضل أو التناقض، وكذا الثاني: إما في الوجود وإما في الاعتبار.\nويُحتمل هنا اتحادُ الموصوفين وترتُّب الصفات: في التفاضل على أن الصفَّ طاعةٌ وكمال، والزجرَ تكميلٌ بالمنع عن الشر والسوقِ إلى الخير، والتلاوةَ إفاضةُ المعارف والحِكَم على الأنبياء ﵈، أو في التناقض على أن الصفَّ هو الحضور بين يدي الله في مواطن القُرَب، والزجرَ زجرُ الشياطين، والتلاوةَ الذكرُ بالتسبيح والتحميد.\n_________\n(^١) في (م): \"للتوسط\".\n(^٢) في (ع): \"لترتيبهما\"، وفي (ف) و(ك): \"لترتبها\".","vol":"8","page":451},{"text":"وكذا إذا أريد تعدُّدُ الطوائف وتثليثُها.\nوقد (^١) يترتَّب في (^٢) الفضل على أن الطوائفَ الصافاتِ (^٣) فضلاءُ، والطوائفَ الزاجراتِ أفضلُ، والتاليات أبهرُ، أو بالعكس (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3791\"> </span>(٣) - ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.\n﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ أقسم الله تعالى بطوائف الملائكة الصافِّين في مراتب العبودية بحسب تفاوُت فيضان الأنوار الإلهية عليهم منتظرين لأوامره من قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]، الزاجراتِ (^٥) للعباد عن المعاصي بإلهام الخير، أو الشياطينِ عن التعرُّض لهم بالإضلال، أو الأجرام العلوية والسفلية كالسحاب والرياح وغير ذلك بما أمروا من تدابيرها، التالياتِ (^٦) لآيات الله تعالى من الكتب المنزلة على أنبيائه ﵈ وغيرِها من التقديسات والتسبيحات وسائر الأذكار.\nأو بنفوسِ العلماء العبَّاد (^٧) الصافَّاتِ أقدامَها في الصلوات وخصوصًا في\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"فقد\".\n(^٢) في (ع) و(م) و(ي): \"على\".\n(^٣) في (ع) و(م) و(ي): \"الصفات\".\n(^٤) في (ع) و(ي): \"وبالعكس\".\n(^٥) قوله: \"الزاجرات\" صفة: \"الملائكة\"، وكان الأولى: (الزاجرين) لتوافق: \"الصافين\" وهو لفظ \"تفسير البيضاوي\"، أو: (الصافات) لتوافق التنزيل، وهو لفظ \"الكشاف\" (٤/ ٣٣).\n(^٦) عند البيضاوي: (التالين)، وانظر التعليق السابق.\n(^٧) \"العباد\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"8","page":452},{"text":"الجماعات، فالزاجرات بالمواعظ والنصائح، فالتاليات كلامَ الله تعالى وشرائعَه وحِكمَه.\nأو بنفوس الغزاة المجاهدين في سبيل الله تعالى، الصافِّين في صفوف الجهاد، والزاجرين (^١) للخيل، الذاكرين مع ذلك للهِ تعالى، والتالِينَ (^٢) لآياته لا تشغلهم تلك الشواغل عنها، كما حُكي عن علي ﵁ (^٣).\nوقيل: الصافات: الطير من قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ [النور: ٤١]، والزاجرات: كلُّ ما زَجَر عن (^٤) معاصي اللهِ تعالى، والتاليات: كلُّ مَن تلا كتابَ الله تعالى.\nوقرئت بإدغام التاءات الثلاثِ فيما يَليها لقُرب مخرجها من مخرج التاء (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3792\"> </span>(٤) - ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.\n﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ جواب للقسم (^٦).\nوفائدةُ الإقسام: تعظيم المقسَم وتأكيدُ المقسَم عليه، على ما هو الأصل في كلامهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"الزاجرين\".\n(^٢) في (م): \"والتاليات\"، وفي الهامش: \"في نسخة: والتالين\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٣٤).\n(^٤) في النسخ: \"من\"، وفي هامش (م): \"لعله عن\"، وعليه المثبت، وهو موافق لما في \"الكشاف\" (٤/ ٣٣).\n(^٥) هي قراءة حمزة وأبي عمرو. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢٢ - ٢٦) و(ص: ١٨٥ - ١٨٦)، و\"النشر\" (١/ ٢٨٦) و(٢/ ٣٥٦).\n(^٦) في (ف) و(ك): \"القسم\".","vol":"8","page":453},{"text":"<span id=\"aya-3793\"> </span>(٥) - ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾.\nوأما تحقيقُه بالبرهان فبقوله (^١): ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فإن انتظامهما على الوجه الأكمل دليل على وحدة الصانع، على ما مر في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء: ٢٢].\n﴿رَبُّ﴾ خبرٌ بعد خبرٍ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ على المدح؛ أي: هو ربُّ السماوات، ويجوز أن يكون بدلًا من (واحدٌ).\n﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ يتناول أفعالَ العباد فيَدل على أنها من خَلقه تعالى.\n﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾: مشارقِ الشمس في السَّنة، قيل: وهي ثلاثُ مئةٍ وستون مَشْرقًا، في كلِّ يومٍ واحدٌ، وفيه نظر. وَيتبعها اختلافُ المغارب، ولذلك (^٢) اكتفى بذكرها، ولدلالتها عليها، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وأما كونُها أدلَّ على القدرة وأبلغَ في النعمة فلا يصلح وجهًا للاكتفاء المذكور، إنما يصلح وجهًا لتخصيص المشارق بالذكر على تقدير الاكتفاء بأحدهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3794\"> </span>(٦) - ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾.\n﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: القُربى منكم.\n﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ الزِّينةُ مصدر كالنِّسبة، أو اسم لِمَا يُزانُ به، كاللِّيْقَةِ اسمٌ لِمَا تُلاقُ به الدَّواةُ.\n_________\n(^١) في (م): \"بقوله\".\n(^٢) في (م): \"ولذلك\".","vol":"8","page":454},{"text":"وإضافتها إلى المفعول إن جعلتها مصدرًا؛ أي: بأنْ زانَ اللهُ تعالى الكواكبَ وحسَّنها؛ لأنَّها إنَّما زُيِّنَتِ السَّماءُ لحسنِها في أنفسِها، وأصلُه: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ بالتَّنوين ونصب ﴿الْكَوَاكِبِ﴾، وقد قرئ كذلك (^١).\nأو إلى الفاعل؛ أي: بأنْ زانَتها الكواكبُ، وأصله: بزينةٍ الكواكبُ.\nوإنْ جعلتَها اسمًا فالإضافة للتَّبيينِ، فإنَّ الزِّينةَ مبهَمة قد تكون بالكواكب وقد تكون بغيرها؛ أي: بزينةٍ مِنَ الكواكبِ، كقولِكَ: بابُ ساجٍ، أو بزينةٍ هي الكواكبُ، ويعضده القراءة بالتَّنوين وجرِّ ﴿الْكَوَاكِبِ﴾ على الإبدال (^٢).\nويجوز في النَّصب أيضًا الإبدال من محلِّ الجار والمجرور بهذا المعنى.\nويجوز على قراءة الجرِّ أنْ يرادَ بالزِّينةِ: ما زُّينَتْ به الكواكب مِن أضوائها وأوضاعها المختلفة؛ كشكل الثُّريَّا وبنات النَّعش والجوزاء وغير ذلك، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦]؛ أي: بالأشكال.\nوعن ابن عباس ﵁: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾: بضوءِ الكواكبِ (^٣).\nواعلم أنَّ تقييدَ السَّماء بالدُّنيا يأبى عن حمل الزِّينة - على ما بحسب المفهوم - على (^٤) الظُّهور في الحسِّ؛ لعدم التَّمايز (^٥) بين العليا والدنيا في\n_________\n(^١) قرأ عاصم وحمزة ﴿بِزِينَةٍ﴾ بالتنوين، والباقون من غير تنوين، وقرأ أبو بكر: ﴿الْكَوَاكِبِ﴾ بالنصب والباقون بالخفض. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٦).\n(^٢) وهي قراءة حفص عن عاصم، وحمزة. انظر التعليق السابق.\n(^٣) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٥/ ٢٠٩)، و\"الكشاف\" (٤/ ٣٥).\n(^٤) \"المفهوم على\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"تمايز\".","vol":"8","page":455},{"text":"ذلك، ففي التَّقييد المذكور قدحٌ لِمَا اشتَهَر مِن أنَّ ما عدا القمر مِن الكواكب ليس في السَّماءِ (^١) الدُّنيا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3795\"> </span>(٧) - ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾.\n﴿وَحِفْظًا﴾ عطفٌ على محلِّ قولِه: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ على المعنى؛ لأن المعنى: إنَّا خلقنا الكواكبَ (^٢) زينةً للسَّماء وحفظًا مِن الشَّياطين (^٣)، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، أو منصوبٌ بفعلٍ مُقدَّر على المصدر؛ أي: وحفظناها حفظًا، أو على التَّعليلِ؛ أي: وحفظًا (^٤) زيَّنَّاها بالكواكب.\n﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾: خارجٍ عن الطَّاعةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3796\"> </span>(٨) - ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.\n﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ ابتداء الاقتصاص (^٥) لبيانِ حالِ مسترِقَةِ السَّمع، لا تعلُّقَ له بما قبلَه إلَّا مِن حيثُ المعنى.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"سماء\".\n(^٢) \"على المعنى لأن المعنى إنا خلقنا الكواكب\" سقط من (ف) و(ك)، وفي (ي) و(ع): \"على المعنى إنا خلفنا الكواكب\"، والمثبت من (م).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"السماء\".\n(^٤) في (م): \"وحفظناها\".\n(^٥) في (ع) و(م): \"الاختصاص\".","vol":"8","page":456},{"text":"ورجوعُ الضَّمير فيه (^١) إلى ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾: أمَّا مِن حيثُ اللَّفظُ فلا يجوزُ أن يكون صفةً لـ ﴿كُلِّ شَيْطَانٍ﴾؛ إذ لا معنى للحفظ من شياطين لا يسْمَعون، ولا استئنافًا؛ إذ لو سُئِلَ: لِمَ يحفظُ مِن الشَّياطين؛ لَمَا صحَّ الجوابُ: لأنهم لا يسمَعون (^٢)، فبقي أن يكون منقطعًا.\nومَن زعم أنه تعليلٌ أصلُه: لئلا يسمَعون، فحُذِفَتْ اللَّام فبقيَ: أنْ لا يسْمَعوا، فحُذِفَتْ (أن) وأُهدِرَ عملُها = فقد ركِبَ شططًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مِن الحذفَيْن على الانفرادِ غيرُ منكَرٍ، وأمَّا جمعُهما فمِن المنكرات التي يجب صونُ القرآنِ عنها.\n﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ وهم الملائكةُ لأنَّهم سكانُ السَّماء، والثَّقلان الملأُ الأسفلُ لأنَّهم سكان الأرض.\nوقرئ: ﴿لا يَسمعون﴾ هو بالتَّخفيف وتشديد السِّين والميم (^٣)، وأصله: يتسمَّعون، والتسمُّع: تطلُّبُ (^٤) السَّماع.\nوعن ابن عباس ﵄: يتسمَّعون فلا يسمعون (^٥).\nوهذا ينصر التَّخفيفَ على التَّشديد.\n_________\n(^١) في \"فيه\" من (م) و(ع).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"بأنهم لا يسمعون\"، وفي (م): \"لأنهم يستمعون\".\n(^٣) قرأ حفص وحمزة والكسائي: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ بتشديد السين والميم والباقون بإسكان السين وتخفيف الميم. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٦).\n(^٤) في (ف): \"طلب\".\n(^٥) رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١٠/ ٣٢٠٥). وكذا عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٧/ ٧٩).","vol":"8","page":457},{"text":"وعدِّي ﴿يسمعون﴾ بـ ﴿إِلَى﴾ لتضمُّنه الانتهاء؛ أي: لا ينتهون بالسَّمع أو التَّسمُّع إلى الملأ الأعلى، لا (^١) لتضمُّنه معنى الإصغاء، إذ حينئذٍ لا يلزم انتفاءُ السَّمع أو التَّسمُّع، إذ لا يلزم من انتفاء المجموع انتفاءُ كلِّ جزءٍ منه، فمَن وَهَمَ أنَّ فيه المبالغة في النَّفي فقد وَهِم.\n﴿وَيُقْذَفُونَ﴾: يُرمَوْنَ بالشُّهبِ.\n﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ مِن كلِّ جهةٍ يَصْعَدون إلى السَّماء منها للاستراق.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3797\"> </span>(٩) - ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾.\n﴿دُحُورًا﴾ مفعولٌ له؛ أي: للدُّحور، وهو الطَّرد، أو حالٌ؛ أي: مدحورًا، أو مصدرٌ لأنَّ القذفَ والدُّحور متقاربان في المعنى، فكأنَّه قيل: يُدحرون دحورًا.\n[وقرأ أبو عبد الرحمن السلميُّ بفتح الدال على: قذفًا دَحورًا طَرودًا]، أو على أنَّه جاء مجيء القَبول والولوع (^٢).\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾: دائمٌ؛ أي: إنَّهم مَرجومون في الدُّنيا بالشُّهبِ، وقد أُعِدَّ لهم في الآخرة عذابٌ غيرُ منقطعٍ.\n* * *\n_________\n(^١) \"لا\" سقطت من (ف) و(ك)، وهذا ابتداء تعقب على البيضاوي.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٣٦)، وما بين معكوفتين منه. وقوله: \"أو على أنَّه جاء مجيء القَبول والولوع\"، معناه: أن يكون مصدرًا، وفَعول في المصادر نادر، ولم يأت في كتب التصريف منه إلا أحرف معدودة منها المصدران المذكوران، وانظرها مجموعة في \"روح المعاني\" (٢٣/ ١٩).","vol":"8","page":458},{"text":"<span id=\"aya-3798\"> </span>(١٠) - ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ﴿مَنْ﴾ مرفوع المحلِّ بدلٌ من الواو في ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ أي: لا يَسمعُ الشَّياطين إلَّا الشَّيطانُ الذي خطفَ الخطفةَ.\nوقرئ: (خِطِّفَ) بكسر الخاء والطَّاء وتشديدها (^١).\nو: (خَطِّفَ) بفتح الخاء وكسر الطَّاء وتشديدها (^٢)، وأصلُها: اخْتَطفَ.\nوالخَطْفُ: الاستلابُ بسرعةٍ، والمراد: استلابُ كلامِ الملائكةِ مسارَقةً، ولذلك عرَّفَ ﴿الْخَطْفَةَ﴾.\n﴿فَأَتْبَعَهُ﴾: لحقَه، وقرئ: (فَاتَّبَعَهُ) بالتَّشديد (^٣)، وقد مرَّ التَّفصيل في تفسير (سورة طه).\n﴿شِهَابٌ﴾ نجمُ رجمٍ؛ أي: هم مُقذفون بالشُّهب مدحورون عن ذلك إلَّا مَن أُمهِلَ (^٤) ريثما خطفَ خطفةً فأتبعه شهاب (^٥).\nقيل: نجومُ الرُّجومِ غيرُ نجومِ الزِّينة، تلك ثابتةٌ وهذه سائرةٌ متَشتِّةٌ (^٦).\n_________\n(^١) نسبت للحسن وقتادة وعيسى. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٧).\n(^٢) نسبت لابن عباس ﵄. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٦٧).\n(^٣) نسبت للحسن. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ٤٧٧). وهي رواية عن أبي عمرو، والرواية المشهورة عنه مثل رواية الجماعة. انظر: \"السبعة\" (ص: ٤٢٢).\n(^٤) في (ي) و(ع): \"أهمل\".\n(^٥) في (م) و(ي): \"فأتبع بشهاب\".\n(^٦) سقطت من (ك)، وغير واضحة في (ف) و(م)، وفي (ع): \"متشتمة\"، والمثبت من (ي).","vol":"8","page":459},{"text":"قال الشَّعبيُّ: لم يُقذَفْ بالرُّجوم (^١) حتى بُعِثَ محمَّدٌ ﷺ، فلمَّا قُذِفَ بها جعلَ النَّاس يسيِّبون أنعامَهم ويعتقون رقيقهم (^٢)؛ يظنُّون أنَّها قيامة، فأتوا عبدياليل الثَّقفي وكان قد عمي، فأخبروه بما فعلوه، قال: لَمَّا قالوا (^٣): إنَّ النُّجومَ تهافتَتْ من السَّماء، فقال لهم: لا تعجلوا؛ فإنْ كان النُّجوم التي تُعرَف فهي عند قيام الساعة، وإن كانت نجومًا لا تُعرَف فهو أمر حدثَ، فنظروا فإذا هي نجوم لا تُعرَف، قال: فما مكثوا إلَّا يسيرًا (^٤) حتى أتاهم خبر النبي ﵇ (^٥).\nوفيما رُوي عن ابن عباس ﵁: أنَّ ذلك حدث بميلاد النَّبيِّ ﵇ (^٦).\nوعلى كلا التَّقديرَيْنِ: الحادثُ قذفُ الشَّياطين بالشُّهبِ، لا الشُّهبُ نفسه، فلا قدحَ فيه؛ بدلالة أشعار الجاهليَّة على وجود الشُّهب قبلَه. ولا حاجة إلى أن يقال: إنَّ الحادث كثرتُها لا وجودها.\nوأمَّا ما قيل: إنَّ أصلَ الشُّهبِ بخارٌ يصعدُ إلى الأثير فيشتعل = فيردُّه (^٧) نصُّ الكتاب؛ لأنَّه صريح في أنَّ الشُّهبَ الكواكبُ المشبَّهة بالمصابيح، وأنَّ انقضاضها واشتعالها لحكمة القَذْفِ، لا باقتضاء طبعها عند وصولها إلى الأثير.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"بالنجوم\".\n(^٢) في (ف): \"فيعتقون رقبتهم\"، وفي (ك): \"فيعتقدون رقبتهم\".\n(^٣) \"قالوا\" من (ف) و(ك).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"قليلا\".\n(^٥) روى نحوه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٢٤١).\n(^٦) ذكره الثعلبي في \"تفسيره\" (٥/ ٣٣٣).\n(^٧) في (م): \"فيبرز\"، وفي (ي): \"قيتوت\"، وفي (ع): \"فيبون\"، وكله تحريف.","vol":"8","page":460},{"text":"﴿ثَاقِبٌ﴾: الشَّديدُ الإضاءة، كأنَّه يَثقبُ بضوئِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3799\"> </span>(١١) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ لَمَّا كانت الهمزة في الأصل للاستفهام قيل: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أي: فاستخبرهم، ولم يقل: فقرِّرهم، وإنْ خرجت إلى معنى التَّقرير، والضَّمير لمشركي العرب (^١)، أو لبني آدم ﵇.\n﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ يحتمل: أقوى خلقًا وأصعبُ خلقًا (^٢) وأشقُّه، على معنى الرَّد لإنكارهم البعثَ (^٣) والنشأةَ الأخرى.\n﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ المراد منه: ما ذُكِرَ مِن خلائقه؛ من الملائكة، والسَّماوات والأرض وما بينهما، والمشارقِ (^٤) والكواكب، والشُّهب الثَّواقب، والشَّياطين المردة، وغلَّب أولي العقل على غيرهم فقال: ﴿مَنْ خَلَقْنَا﴾، ويدلُّ عليه إطلاقه ومجيئُه بعدَ ذلك، وقراءةُ مَن قرأ: (أمْ مَن عَددنا) بالتَّشديد والتَّخفيف (^٥)، وقولُه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ﴾ فإنَّه الفارق بينهم وبينها، لا بينهم وبين مَن قبلهم كعاد وثمود، ولأن (^٦) المرادَ إثباتُ المعادِ وردُّ استحالتهم إيَّاه، والأمرُ فيه بالإضافة إليهم وإلى مَن قبلَهم سواءٌ.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"مكة\".\n(^٢) \"وأصعب خلقًا\" من (م) و(ي) و(ع).\n(^٣) في (ف): \"المبعث\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"وللمشارق\"، وفي (ي): \"ورب المشارق\".\n(^٥) نسبت إلى ابن مسعود ﵁. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٩/ ٥٠٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٦٧).\n(^٦) في (ف) و(ك): \"فلأن\".","vol":"8","page":461},{"text":"﴿لَازِبٍ﴾: لازمٍ ما جاوره ملاصِقٍ به؛ أي: أصلُ خلقتهم هو (^١) الطِّين اللَّازب، وليس إلَّا التُّرابَ والماء، وهو على حاله، فمن أين استنكروا ذلك؟!\n* * *\n\n<span id=\"aya-3800\"> </span>(١٢) - ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.\n﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ مِن إنكارِهم البعثَ ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾؛ أي: وهم يسخرون منك ومن تعجُّبِك وتقريرِك للبعث.\nوقرئ: ﴿عَجِبْتَ﴾ بضم التَّاء (^٢)، وحُمل الكلام على المجاز؛ فإنَّ العَجَب روعةٌ تعتري الإنسان عند استعظامه لشيء (^٣)، وهو على الله تعالى محالٌ، فهو في حقِّه إمَّا لمجرد الاستعظام، وإمَّا على سبيل الفَرْض على معنى (^٤): أنَّه عند الله بمنزلةٍ لو جازَ عليه العَجَبُ لعجب، أو التخييل من باب الاستعارة على ما مرَّ في قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠]، وأن الأمر في نفسه (^٥) متعجَّبٌ منه، وقد جاء في الحديث: \"عجبَ ربكم من إلِّكُم وقنوطكم، وسرعة إجابته (^٦) إيَّاكم\" (^٧).\n_________\n(^١) في (م): \"وهو\".\n(^٢) وهي قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٦).\n(^٣) في (م) و(ك) و(ع): \"بشيء\". ولفظ \"الكشاف\": \"استعظامه الشيء\".\n(^٤) \"معنى\" سقط من (م).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"في لعب\".\n(^٦) في النسخ: \"إجابتكم\"، والتصويب من المصادر.\n(^٧) انظر: \"غريب الحديث\" لأبي عبيد (٢/ ١١٨) ط: الأميرية، و\"الغريبين\" (مادة: ألل)، و\"تفسير السمعاني\" (٤/ ٣٩٤)، و\"الكشاف\" (٤/ ٣٧). قال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\" (٣/ ١٧٥): غريب، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في \"غريب الحديث\": يروى عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة =","vol":"8","page":462},{"text":"<span id=\"aya-3801\"> </span>(١٣) - ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾: ودأبهم إذا وُعِظوا بشيءٍ لا يتَّعظون به (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3802\"> </span>(١٤) - ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ عظيمةً مِن آياتِ اللهِ تعالى كانشقاق القمر ونحوه.\n﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يبالغون في السُّخرية كأنَّهم يطلبون من أنفسهم السُّخرية منها، ويَجهدون في ذلك، أو يستدعي (^٢) بعضُهم مِن بعضٍ أنْ يسخرَ منها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3803\"> </span>(١٥) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: ظاهر سحريَّتُه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3804\"> </span>(١٦) - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾.\n﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أصله: أنُبعث إذا متنا، فبدَّل الفعليَّة بالاسميَّة، وقدَّم الظَّرف، وكرَّر الهمزة؛ مبالغةً في الإنكار، وإشعارًا بأنَّه مُستَنكَرٌ\n_________\n= الماجشون عن محمد بن عمرو يرفعه. الإلُّ: شدَّة القنوط، ويجوز أن يكون من رفع الصوت بالبكاء. انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (مادة: ألل).\n(^١) في (ف) و(ك): \"لا يوعظون\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"ويستدعي\".","vol":"8","page":463},{"text":"في نفسِه، وفي هذه (^١) الحال أشدُّ استنكارًا، فهو أبلغ من القراءة بطرح إحدى الهمزتَيْنِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3805\"> </span>(١٧) - ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.\n﴿أَوَآبَاؤُنَا﴾ مبتدأ خبرُه محذوفٌ، تقديره: مبعوثون، ويدلُّ عليه ما قبلَه، فإذا قلْتَ: أقام زيدٌ أم عمرٌو؟ فعمرو مبتدأ محذوفُ الخبر، ويجوز عطفه (^٣) على محلِّ (إنَّ) واسمها على خلاف مذهب سيبويه؛ لأنَّه يقول: إنَّ (عَمرًا) في قولِكَ: (إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرٌو) مرفوعٌ على الابتداء (^٤).\nوأما عطفه على الضمير في ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ فلا صحَّة له؛ لأنَّ همزة الاستفهام لا تدخل إلَّا (^٥) على الجملِ، فعلى تقدير العطف على المفرد كان الفعل عاملًا فيه بواسطة (^٦) حرف العطف، وهمزة الاستفهام لا يعملُ ما قبلها فيما بعدَها.\nوإدخال الهمزة الإنكارية على الواو لزيادة الاستبعاد على معنى: أنُبْعَثُ ويُبْعَثُ (^٧) أيضًا آباؤنا؛ يعنون أنَّهم أقدم فبعثُهم أبعدُ.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"هذا\".\n(^٢) قرأ ابن عامر بطرح الأولى، ونافع والكسائي بطرح الثانية. انظر: \"التيسير\" (ص: ٣٢)، و\"النشر\" (٢/ ٣٧٣).\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"عطف\".\n(^٤) انظر: \"الكتاب\" (١/ ٩٥).\n(^٥) \"إلا\" سقط من (م) و(ي) و(ع). والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب.\n(^٦) في (ف): \"بوساطة\".\n(^٧) في (م) و(ي) و(ع): \"معنى أيبعث أيضًا\".","vol":"8","page":464},{"text":"وقرئ: ﴿أوْ آباؤنا﴾ بـ (أو) الفاصلة (^١)، قال صاحب \"المطالع\": (أو) إذا كانت للتَّقرير أو التَّوبيخ أو الردِّ أو الإنكار أو الاستفهام كانت مفتوحة الواو، وإذا جاءت للشَّكِّ أو التَّقسيم أو الإبهام أو التَّورية أو التَّخيير أو بمعنى (بل) أو بمعنى (حتى) أو بمعنى (إلى) وكيف كانت عاطفةً، فهي ساكنة الواو (^٢).\n﴿الْأَوَّلُونَ﴾: الأقدمون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3806\"> </span>(١٨) - ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾.\n﴿قُلْ﴾ وقرئ: (قال) (^٣): ﴿نَعَمْ﴾؛ أي: نعم تُبعثون، وإنما اكتفى به في الجواب لأَنَّه سبق (^٤) ما يدلُّ على جوازه، وأمَّا قيام المعجز على صدق المخبِر عن وقوعه فلا يجدي في حقِّ القائلين: إنَّه سحر مبين، والكلام معهم بعد ما أنكروا الإعجاز والرِّسالة.\n﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾: صاغرون.\nوقرئ: ﴿نَعِمْ﴾ بكسر العين (^٥)، وهما لغتان.\n* * *\n_________\n(^١) وهي قراءة قالون وابن عامر. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٦).\n(^٢) انظر: \"مطالع الأنوار\" لابن قرقول (١/ ٣٤٧)، وكذلك \"مشارق الأنوار\" للقاضي عياض (١/ ٥٢).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٣٨).\n(^٤) في (م) و(ي) و(ع): \"لسبق\".\n(^٥) وهي قراءة الكسائي حيث وقع. انظر: \"التيسير\" (ص: ١١٠).","vol":"8","page":465},{"text":"<span id=\"aya-3807\"> </span>(١٩) - ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾.\n﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ مبهمة لا ترجع إلى شيءٍ، موضحها خبرُها، ويجوز أن ترجع إلى البعثة الدَّال عليها ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ (^١)، والفاءُ جوابُ شرطٍ مقدَّر، تقديره: إذا كان ذلك (^٢) فما هي إلَّا:\n﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾؛ أي: صيحةٌ واحدةٌ، هي النَّفخة الثَّانية، مِن زجَرَ الرَّاعي غنمَه (^٣): إذا صاح عليها، وأمرُها بالإعادة (^٤) كأمر (كن) في الإبداء، ولذلك رتَّب عليها قولَه:\n﴿فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾: أحياءٌ يبصرون، أو: ينتظرون ما يُفعل بهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3808\"> </span>(٢٠) - ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾.\n﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا﴾ مرَّ تفسيره في (سورة يس).\n﴿هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ كلام الكفرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3809\"> </span>(٢١) - ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.\n﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ كلام الملائكة جوابًا لهم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"مبعوثون\".\n(^٢) في (م) و(ي) و(ع): \"كذلك\".\n(^٣) \"غنمه\" سقط من (م)، وفي (ي) و(ع): \"نعمه\".\n(^٤) \"بالإعادة\" كذا في النسخ، وعند البيضاوي: \"في الإعادة\".","vol":"8","page":466},{"text":"ويجوز أن يكون الأوَّلُ أيضًا من كلام الملائكة، وأن يكون الكلام الثَّاني من بعض كلام الكفرة لبعضهم؛ أي: هذا يوم الجزاء الذي ندان (^١) فيه ونجازَى بأعمالنا، هذا يوم القضاء والفَرْق بين فِرَق الهدى والضَّلال.\n﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فيه دلالة على أنَّ الرُّسل ﵈ جدَّدوا الإنذار بعذاب النَّار سائرَ الأحوال (^٢) في دار القرار، وهم أصرُّوا على الإنكار، واستمرُّوا على الإصرار.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3810\"></span><span id=\"aya-3811\"> </span>(٢٢ - ٢٣) - ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خطاب الله للملائكة، أو خطاب بعضهم لبعض بأمر الله (^٣)، والحاجة إلى الحشر لأنهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر وفَراش مبثوث، والحشر: السَّوق إلى مجمَعٍ واحد من الجهات المختلفة.\n﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾: قرناءهم من الشياطين، قال أبو سعيد الخدريُّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]: إذا بعث الكافر زوِّج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه (^٤).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"يزان\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"الأهوال\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"أو خطاب بعضهم بأمر الله للملائكة\"، وفي (م): \"أو خطاب بعضهم بعضا بأمر الله\".\n(^٤) انظر: \"تفسير الثعلبي\" (٨/ ٣٣٥).","vol":"8","page":467},{"text":"وقال عطاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]: أي: قُرنت نفوس المؤمنين بحورِ العين ونفوس الكفار بالشياطين (^١).\n﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ دلَّ هذا على أن المراد من الذين ظلموا المشركون، وقوله ﵇ على وفق قوله تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾: \"بل هم عبدوا الشياطين الذين أمرتهم بذلك\" في جواب ابن الزِّبَعْرَى (^٢) = دل على أن (ما) على عمومه، وأن الأصنام ونحوها غير داخلة فيه، فالضمير (^٣) في قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ لمجموع (^٤) المذكورين.\n﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: فعرِّفوهم طريق النار حتى يسلكوها، وفيه تهكُّمٌ بهم لِمَا مر في تفسير سورة الفاتحة أن الهداية دلالةٌ بلطف، وفي الصراط أيضًا نوعُ تهكُّمٍ لأنَّه طريقٌ مستوٍ لا التواء فيه ولا اعوجاج.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3812\"> </span>(٢٤) - ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.\n﴿وَقِفُوهُمْ﴾: احبسوهم هذا الحبسَ عند مجيئهم النَّارَ، على ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت: ١٩، ٢٠]، فالسؤال في قوله تعالى:\n_________\n(^١) انظر: \"زاد المسير\" (٩/ ٣٩).\n(^٢) في هامش (م): \"على ما مر في تفسير سورة الأنبياء ﵈\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"فالمضمر\".\n(^٤) في (م) و(ي): \"بمجموع\".","vol":"8","page":468},{"text":"﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ ليس عن عقائدهم وأعمالهم، بل عمَّا كانوا يرجون منه الشَّفاعة والنُّصرة، بدلالة قوله تعالى:\n\n<span id=\"aya-3813\"> </span>(٢٥) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾.\n﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ وقولُه تعالى في موضع آخر: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] توبيخٌ لهم، وتهكُّم بهم بالعجز عن التَّناصر وتخليص بعضِهم لبعض بعدما كانوا متناصرين في الدُّنيا متعاضدين.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3814\"> </span>(٢٦) - ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾.\n﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾؛ أي: ليس أحدٌ يقدر على نصر أحدٍ، بل الكلُّ منقادون لِمَا يُرادُ بهم، وكلمة ﴿بَلْ﴾ حرف الابتداء، لا عاطفة (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3815\"> </span>(٢٧) - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.\n﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: الكفرةُ والشَّياطينُ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يتخاصمون.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3816\"> </span>(٢٨) - ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ يعني: الكفرةُ للشَّياطين: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾: عن القوَّة والغلبة (^٢) حتى تحملونا على الضَّلال وتَقْسرونا (^٣) عليه.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"لا حرف عاطفة\".\n(^٢) في (ف) زيادة: \"والشياطين\".\n(^٣) في (م): \"وتقرونا\".","vol":"8","page":469},{"text":"<span id=\"aya-3817\"> </span>(٢٩) - ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿قَالُوا﴾ يعني: الشَّياطينُ للكفرةِ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضراب عن مُقدَّرٍ دلَّ عليه المساق؛ أي: ما أجبرناكم على الضَّلال، بل أنتم أعرضتم عن الإيمان، واخترتُم الكفر عليه بالاختيار.\n\n<span id=\"aya-3818\"> </span>(٣٠) - ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾.\n﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ مِن تسلُّطٍ يسلبكم التَّمكُّن ويقسركم (^١).\n﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾: مختارين الطُّغيانَ، وهذا على وَفق (^٢) ما في موضع آخر من قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧].\n\n<span id=\"aya-3819\"> </span>(٣١) - ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾.\n﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا﴾؛ أي: إذا لم نقسركم (^٣) فلزمنا ﴿قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾؛ أي: حُكْمُ ربِّنا بـ: إنَّا لذائقون لعذابه.\nولَمَّا أخبروا بذلك عن أنفسهم عدلوا عن الخطاب إلى لفظ المتكلِّم، فحكى الله تعالى قولَهم، ولو حكى وعيد الله كما هو لقال: (إنَّكم لذائقون).\n_________\n(^١) في (م) و(ع): \"ويقركم\".\n(^٢) في (م) و(ي) و(ع): \"أوفق\" بدل \"على وفق\".\n(^٣) في (م) و(ي): \"لم نقركم\".","vol":"8","page":470},{"text":"<span id=\"aya-3820\"> </span>(٣٢) - ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾.\n﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾: فدعوناكم إلى الغيِّ؛ لأنَّا كنَّا غاوين أحببنا أن تكونوا مثلنا، وما أحببنا لكم إلَّا ما أحببنا لأنفسنا، فَلِمَ استحسنْتُم (^١) الغيَّ على الرُّشدِ؛ أي: غاية ما في الباب أنَّا دعوناكم فلمَ أجبتم (^٢) وقبلتم؟\nفكأنَّه تقريرٌ لقولهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾؛ أي: ليست غوايتكم (^٣) في الحقيقة منَّا (^٤)، ولو كان كلُّ غواية بإغواء غاوٍ فمَنْ أغوانا؟!\n\n<span id=\"aya-3821\"> </span>(٣٣) - ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.\n﴿فَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: الأتباعَ والمتبوعين مِن الكفرة والشَّياطين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ويوم القيامة ﴿فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ كما كانوا في الغواية مشتركين.\n\n<span id=\"aya-3822\"> </span>(٣٤) - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾.\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾: مثلَ ذلك الفعل الفظيع ﴿نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾: بالمشركين، بدلالة السِّباق واللِّحاق، وفي الإطلاق ما لا يخفى من المبالغة في كون الإشراك جرمًا حيثُ لم يُعدَّ سائرُ المعاصي جرمًا نظرًا إليه.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"استجبتم\"، ولو قيل: (استحببتم) لكان لها وجه، وعبارة أبي السعود: (فدَعوناكم إلي الغيِّ دعوة غير ملجئة فاستجبتم لنا باختيارِكم واستحبابِكم الغيَّ على الرُّشدِ).\n(^٢) في (م): \"أحببتم\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"عقوبتكم\".\n(^٤) في (م): \"بنا\".","vol":"8","page":471},{"text":"<span id=\"aya-3823\"> </span>(٣٥) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\n﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإذعان والقَبول.\n\n<span id=\"aya-3824\"> </span>(٣٦) - ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يعنون (^١): رسولَ اللهِ ﵇.\n\n<span id=\"aya-3825\"> </span>(٣٧) - ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾ إضرابٌ عن مُقدَّرٍ دلَّ عليه السِّياقُ.\n﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إذ هو وَهُمْ ﵈ على طريقةٍ واحدةٍ في دعوى الأمم إلى التَّوحيد وتركِ عبادة غيره تعالى.\nوفيه ردٌّ على المشركين بأنَّ ما جاءَ به من التُّوحيد حقٌّ لا يطابق عليه البرهانُ العقليُّ والبيان النَّقليُّ مِن المرسلين.\n\n<span id=\"aya-3826\"> </span>(٣٨) - ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾.\n﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ بالإشراكِ وتكذيب الرُّسلِ (^٢)، وقرئ بنصب (العذابَ) (^٣)، على تقدير (^٤) النُّون، كقوله:\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"يعني\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"والتَّكذيب\".\n(^٣) نسبت لأبي السمال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٨).\n(^٤) في (م): \"ترك\".","vol":"8","page":472},{"text":"ولا ذاكرَ اللهَ (^١)\nبتقدير التَّنوين.\nوقرئ: (لذائقون العذابَ) على الأصل (^٢).\nوفي عبارة الذَّوق دلالةٌ على أنَّ لهم عذابًا جسمانيًّا.\n\n<span id=\"aya-3827\"> </span>(٣٩) - ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: إلَّا مثلَ ما عملتم، وإنَّما حذف المضاف للمبالغة في المماثلة، كما في التَّشبيه البليغ.\n\n<span id=\"aya-3828\"> </span>(٤٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن عباد الله المخلَصين ثوابُهم مضاعفٌ، وقيل: متَّصلٌ عن الضَّمير في ﴿تُجْزَوْنَ﴾ أو ﴿لَذَائِقُو﴾ على أنَّها للعموم.\n\n<span id=\"aya-3829\"> </span>(٤١) - ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾.\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ تقديمه للتَّخصيص (^٣).\n_________\n(^١) جزء من بيت لأبي الأسود الدؤلي كما في \"ديوانه\" (ص: ٥٤)، وتمامه:\nفألفيتُه غيرَ مستعتبٍ … ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٤١).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"تقدمة\" بدل: \"تقديمه للتخصيص\".","vol":"8","page":473},{"text":"﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ خصائصُه من الدَّوام وتمحُّض اللَّذَّة (^١)، ولذلك فسره بقوله:\n\n<span id=\"aya-3830\"> </span>(٤٢) - ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.\n﴿فَوَاكِهُ﴾ فإنَّ الفاكهة ما يُتلذَّذ به ولا يُتقوَّتُ، وذلك لأنَّهم مستغنون عن التَّغذي؛ إذ لا تحلُّلَ (^٢) هناك، فيكون رزقُهم كلُّه للتفكُّه والتلذُّذ لا للتقوُّت.\n﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ عند الله تعالى، لا يلحقهم هوانٌ، وذلك (^٣) مِن أعظم الثَّواب وأَلْيَقه بذوي الهِمَم.\n\n<span id=\"aya-3831\"> </span>(٤٣) - ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.\n﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أي: في جنَّاتٍ ليس فيها إلَّا النَّعيم، ظرفٌ أو حالٌ مِن المستكنِّ في ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾، أو خبرٌ ثانٍ لـ ﴿أُولَئِكَ﴾، وكذا:\n\n<span id=\"aya-3832\"> </span>(٤٤) - ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\n﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ يحتمِل الحال والخبر، فإن جُعلَ خبرًا كان:\n﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالًا مِن الضَّمير فيه، أو في ﴿مُكْرَمُونَ﴾، ويجوز أنْ يتعلَّق بـ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، على أنَّ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حالٌ مِن ﴿مُكْرَمُونَ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"اللذات\".\n(^٢) في النسخ: \"تحليل\"، والصواب المثبت؛ والمراد: التَّحلل في البدن المحتاج لبدل. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٧/ ٢٦٩).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"في ذلك\".","vol":"8","page":474},{"text":"<span id=\"aya-3833\"> </span>(٤٥) - ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.\n﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ الكأسُ: الزُّجاجة ما دامَتْ فيها الخمر، وقد يطلق على الخمر مجازًا كما في قوله:\nوكأسٍ شَرِبْتُ على لَذَّةٍ (^١)\n﴿مِنْ مَعِينٍ﴾: مِن شرابٍ معينٍ، أو نهرٍ معينٍ.\nوالمعينُ: الماءُ الجاري على وجهِ الأرضِ، الظَّاهر للعيون، وإنَّما وُصِفَ بما يوصَفُ به الماء لأنَّها تجري في الجنَّة في أنهارٍ كما يجري الماء، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ [محمد: ١٥].\n\n<span id=\"aya-3834\"> </span>(٤٦) - ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾.\n﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ صفتان للكأس. و﴿لَذَّةٍ﴾ وصفٌ بالمصدر للمبالغة، كأنَّها نفسُ اللَّذَّة. أو تأنيث اللَّذِّ، يُقالُ: لَذَّ الشَّيءُ فهو لذيذٌ ولَذٌّ، ولَذَّةٌ لا تأنيث لَذِّ، بوزن فَعْلٍ كجَلْدٍ وطَبٍّ (^٢)، قال:\nولَذِّ كطعْمِ الصَّرخديِّ ترَكْتُهُ (^٣)\n_________\n(^١) شطر بيت للأعشى كما في \"ديوانه\" (ص: ٢٢٣)، وعجزه:\nوأخرى تداوْيتُ منها بها\n(^٢) الطب: الطبيب الحاذق. انظر: \"روح المعاني\" (٢٣/ ٥٤). ووقع في (ف): \"ورطب\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٤٢)، وعجزه فيه:\nبأرض العِدَا مِنْ خَشْيَةِ الحَدَثَانِ\nوهو في ديوان الراعي النميري (ص: ١٨٦) لكن بعجز آخر.","vol":"8","page":475},{"text":"<span id=\"aya-3835\"> </span>(٤٧) - ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾.\n﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾، أي: فسادٌ مِن أنواع المفاسد التي تكون في خمور الدُّنيا، مِن خُمار (^١) وصُداعٍ واختلاطِ عقلٍ ولَغْوٍ وعَرْبَدةٍ وغير ذلك.\nوالغَوْلُ: الإهلاك والإفساد، ومنه الغُولُ.\nوتقديم الظَّرف وإيلاؤه حرف النَّفي لا (^٢) لإفادة نفي الغَولِ عنها وإثباتِه في غيرها، [لأنَّ إثباته في غيرها (^٣) غيرُ مقصودٍ، بل لإفادة أنَّ الغَولَ (^٤) المنفيَّ عنها ما هو الثَّابت في غيرها؛ أي: ليس فيها ما في خمور الدُّنيا مِن اغتيال العقل (^٥).\n﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ على البناء للمفعول، مِن نزفَ الشَّارِبُ: إذا ذهبَ عقلُه.\nوقرئ (^٦): (يَنْزُفون) بضم الزَّاي (^٧)، من نَزُفَ يَنْزُف: إذا سَكِر.\nوإنَّما أُفرز النَّزفُ من أنواع الغَولِ وأُفْرِدَ بالذِّكْرِ للدِّلالة على أنَّ السُّكْرَ مِن أعظم المفاسد، كأنَّه مفسدةٌ برأسِها، وجنسٌ آخر غيرُ داخلٍ تحتَ الغَوْلِ.\n_________\n(^١) بضم الخاء: صداع الخمر. انظر: \"حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي\" (٧/ ٢٧٠).\n(^٢) \"لا\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٣) \"لأنَّ إثباته في غيرها\" سقط من (م).\n(^٤) \"الغول\" سقط من (م).\n(^٥) \"من اغتيال العقل\" زيادة من (م) و(ي) و(ع).\n(^٦) في (م) و(ي) و(ع): \"قرئ\".\n(^٧) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٤٣)، و\"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٧٣).","vol":"8","page":476},{"text":"<span id=\"aya-3836\"> </span>(٤٨) - ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.\n﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾: قَصَرْنَ (^١) أبصارَهُنَّ على أزواجهنَّ، لا يمددْنَ طرفًا إلى غيرهم.\n﴿عِينٌ﴾ والعِيْنُ: النُّجلُ العيون، جمع عيناءَ (^٢).\n\n<span id=\"aya-3837\"> </span>(٤٩) - ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.\n﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ شُبِّهْنَ ببيضِ النَّعام المكنون في الأَداحِيِّ (^٣)، فإنَّه مصونٌ عن الغبار في غاية الصَّفاء، ولونُها بياض به صفرةٌ حسنة، وهي أحسن ألوان الأبدان، وبها تشبِّه العرب مخدَّراتهم، وتسمِّيهِنَّ: بيضات الخدور.\nوقيل: أراد به المصون عن الكسر، يعني: أنهنَّ عَذَارى صحيحاتٌ، قال الفرزدقُ:\nخَرَجْنَ إليَّ لَمْ يُطْمَثْنَ قَبْلِ … وَهُنَّ أَصَحُّ مِنْ بَيْضِ النَّعَامِ (^٤)\nويؤيدُه ما في (سورة الرحمن): ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].\nقال في صفةِ الحور: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ وفي صفة الولدان: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ\n_________\n(^١) في (م) و(ع): \"قصرت\".\n(^٢) وهي الواسعة العين في جمال.\n(^٣) جمع أُدْحيِّ، وهو الموضع الذي تفرخ النعامة فيه. انظر: \"الصحاح\" (مادة: دحو).\n(^٤) انظر: \"ديوان الفرزدق\" (٢/ ٨٣٥).","vol":"8","page":477},{"text":"الْمَكْنُونِ﴾، وأشار بذلك إلى أن الحور للصحبة دون الولدان؛ لأنَّ اللؤلؤ للنَّظر لا للذَّوق، والبيض لهما.\n\n<span id=\"aya-3838\"> </span>(٥٠) - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾.\n﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ عطفٌ على ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾.\n﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: يتحادثون على الشَّراب، يسأل بعضُهم بعضًا عمَّا جرى له وعليه في الدُّنيا وعن رفقائه.\nوتغيير النَّظم إلى الماضي للإخبار بتحقُّق وقوع تلك اللَّذَّة خاصَّة مِن بين سائرها، وهي التَّحادُثُ على الشَّرابِ كعادة الشَّرْبِ (^١)، قال:\nوما بقيَتْ مِن اللَّذَّاتِ إلَّا … أحاديْثُ الكِرامِ على المُدامِ (^٢)\n\n<span id=\"aya-3839\"> </span>(٥١) - ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾.\n﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ في (^٣) مكالمتهم: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾: جليسٌ في الدُّنيا.\n_________\n(^١) بفتح الشين: جمع شارب.\n(^٢) عزي لأبي محمد عبد الله بن عمرو بن محمد الفياض كاتب سيف الدولة ونديمه. انظر: \"يتيمة الدهر\" (١/ ١٣٢) للثعالبي.\nوعزي لأبي الحسن علي بن حريق. انظر: \"المغرب في حلى المغرب\" لأبي سعيد الأندلسي (٢/ ٣١٩).\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"من\".","vol":"8","page":478},{"text":"<span id=\"aya-3840\"> </span>(٥٢) - ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾.\n﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ قرئ بالتَّخفيف والتَّشديد (^١)، أي: يوبِّخني على التَّصديق بالبعث، أو التَّصدُّق (^٢).\n\n<span id=\"aya-3841\"> </span>(٥٣) - ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾.\n﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ لا يقال: ذِكْرُ كونهم عظامًا بعد ذِكْرِ كونهم ترابًا تنزُّلٌ مِن القويِّ إلى الضَّعيف في مقام الاستبعاد، بل في (^٣) ذِكْرِ ذلك غنًى عن ذِكْرِ هذا، لأنَّا نقولُ: كونهم عظامًا محقَّقٌ حسًّا ومحقِّقٌ (^٤) لكونهم ترابًا عقلًا، فلا غُنيةَ ولا تنزُّلَ، فافهم هذه الدَّقيقةَ الأنيقةَ.\n﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾: لمجزيُّون، من الدَّين وهو الجزاء، أو لمَسُوسُون (^٥)، مِن دانَه؛ أي: ساسَه، ومنه الحديث: \"العاقل من دان نفسه\" (^٦).\n_________\n(^١) قرأ الجمهور بتخفيف الصاد، ونسبَتْ قراءة التشديد لبكر بن عبد الرحمن القاضي عن حمزة. انظر: \"زاد المسير\" (٧/ ٥٩). ولعلي بن كِيسة عن سليم (وهو بن عيسى بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي) عن حمزة. انظر: \"تفسير القرطبي\" (١٨/ ٣٦). والمشهور عن حمزة كقراءة الجماعة.\n(^٢) في (م) و(ي) و(ع): \"التصديق\"، وهو تحريف. وقد روي في سبب نزولها على معنى التصدق قصة في \"تفسير عبد الرزاق\" (٢/ ١٤٩) عن عطاء الخراساني.\n(^٣) \"في\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٤) \"حسًّا ومحقق\" من (م)، وفي (ي) (ع): \"حسًّا ومحققهم\".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"مسوسون\".\n(^٦) رواه الترمذي (٢٤٥٩) وحسنه، وابن ماجه (٤٢٦٠)، من حديث شداد بن أوس ﵁ بلفظ: \"الكيس من دان … \". وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم الغساني، وهو ضعيف.","vol":"8","page":479},{"text":"<span id=\"aya-3842\"> </span>(٥٤) - ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾.\n﴿قَالَ﴾؛ أي: ذلك القائلُ.\n﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النَّار لأريَكم ذلك القرين.\nوقيل: القائل هو الله تعالى، وقيل: بعض الملائكة يقولُ لهم: هل تحبُّون أن تطَّلعوا.\nوقرئ: (مُطْلِعون) بالتَّخفيف (^١)، يقال: طلع علينا فلان واطَّلع، بمعنًى.\n\n<span id=\"aya-3843\"> </span>(٥٥) - ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿فَاطَّلَعَ﴾؛ أي: عرضَ لهم الاطِّلاع فقبلوا عرضَه فاطَّلع هو (^٢) بعد ذلك، هذا أيضًا قرئ بالتَّشديد على قراءة ﴿مُطَّلِعُونَ﴾ مشدَّدًا، وبالتَّخفيف على قراءة (مُطْلِعونَ) مخفَّفًا، كلاهما على لفظ (^٣) المضارع المنصوب جوابًا للاستفهام (^٤).\n_________\n(^١) وهي قراءة أبي عمرو من رواية الجعفي عنه، والمشهور عن أبي عمرو كقراءة الجماعة. انظر: \"السبعة\" (ص: ٥٤٨)، و\"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٨). ووقع بعدها في (م) و(ي) و(ع) زيادة: \"والمعنى\"، ولا معنى لذكرها.\n(^٢) \"هو\" من (ف) و(ك).\n(^٣) \"لفظ\" سقط من (م) و(ي) و(ع)، و\"كلاهما\" سقط من (ف) و(ك).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٤٥). وقد لخص الزمخشري كعادته ما جاء هنا من قراءات بقوله: وقرئ (مطلعون) (فاطَّلَعَ) و(فأَطَّلِعَ) بالتشديد على لفظ الماضي والمضارع المنصوب، و(مُطْلِعون) (فأَطْلَعَ) و(فأَطْلُعَ) بالتخفيف، على لفظ الماضي والمضارع المنصوب.","vol":"8","page":480},{"text":"وقرئ: (مُطْلِعونِ) بكسر النون والتَّخفيف (^١)، على إرادة: مُطْلعونَ إيَّايَ، فوضع المتَّصل موضع المنفصل، كقوله:\nهم الفاعلونَ الخيرَ والآمرونَهُ (^٢)\nوقيل: شبَّه اسمَ الفاعل في ذلك بالمضارع لِمَا بينهما مِن التآخي، كأنَّه قال: تُطلعونِ.\nوهو ضعيفٌ لا يقع إلا في الشِّعر.\nوعلى قراءة المضارع معناه: هل أنتم مطَّلِعون إلى القرين فأَطَّلِعَ أيضًا (^٣).\nفإنْ (^٤) جعلتَ الإطلاع مِن أَطْلعه غيرُه، فالمعنى أنَّه شرَط في إطلاعه إطلاعهم لرعاية أدب المجالسة، وهو أنْ لا يستبدَّ بشيء دون جلسائه، فإذا قبلوه فكأنَّهم مُطْلعوه.\nوقيل: الخطاب على هذا للملائكة؛ أي: أطلعوني على قريني أيُّها الملائكة، فأُطلعَ أصحابي من أهل الجنَّة عليه.\n﴿فَرَآهُ﴾؛ أي: قرينَه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾: في وسطها.\n_________\n(^١) انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٨٥)، و\"الكشاف\" (٤/ ٤٥).\n(^٢) صدر بيت ذكره سيبويه في \"الكتاب\" (١/ ١٨٨\"، والمبرد في \"الكامل\": (١/ ٩٧)، وصاحب \"الخزانة\": (٢/ ٤٥) الشاهد: (٩٥)، وذكروا أنه مصنوع. وعجزه:\nإذَا مَا خَشُوا مِنْ مُحْدَثِ الأمرِ مُعظَمَا\n(^٣) هكذا جاء في نسخة خطية مضبوطة من \"الكشاف\" بالتشديد، لكن معنى المشدد والمخفف واحد كما بيَّن الزمخشري عقب ما تقدم من قراءات التخفيف والتشديد وقبل هذه العبارة حيث قال: (يقال: طلع علينا فلان، واطَّلع، وأَطْلَع، بمعنى واحد).\n(^٤) في (م) و(ع): \"وإن\".","vol":"8","page":481},{"text":"<span id=\"aya-3844\"> </span>(٥٦) - ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾.\n﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾: لتهلكني (^١) بالإغواء. وقرئ: (لَتُغْويْنِ) (^٢).\n(إنْ) مخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة، كقوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [الفرقان: ٤٢].\n\n<span id=\"aya-3845\"> </span>(٥٧) - ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾.\n﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بالعصمة والهداية ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في العذاب معك.\n\n<span id=\"aya-3846\"> </span>(٥٨) - ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾.\n﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ الهمزة للتَّقرير والتَّوبيخ، دخلت على الفاء العاطفة ما بعدها على معطوفٍ محذوفٍ، تقديرُه: أنحن مخلَّدون منعَّمون فما نحن بميِّتين؛ أي: بمن شأنه الموت (^٣).\nوقرئ: (بِمائِتِينَ) (^٤).\n_________\n(^١) في (م): \"لتهلكن\".\n(^٢) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٨٥)، و\"معاني القرآن\" للنحاس (٦/ ٣١)، و\"الكشاف\" (٤/ ٤٥).\n(^٣) \"بمن شأنه الموت\" سقط من (ك)، و\"بمن شأنه\" سقط من (ف)، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١١)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٤) بلا نسبة في \"الكشاف\" (٤/ ٤٥)، ونسبها في \"البحر المحيط\" (١٨/ ١٧٩) إلى زيد بن علي.","vol":"8","page":482},{"text":"<span id=\"aya-3847\"> </span>(٥٩) - ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.\n﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ التي في الدُّنيا، وهي متناولةٌ لِمَا في القبر بعد الإحياء للسُّؤال، ونصبها على المصدر من اسم الفاعل، وقيل: على الاستثناء المنقطع.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كما وُعِدْنا.\nوالمعنى: أنَّ هذه حال المؤمنين وصفتهم فيما وعدَ الله تعالى لهم، بخلافِ حال الكفَّار فإنَّهم فيما يتمنَّون فيه الموت كلَّ ساعةٍ، وهذا تمام (^١) كلامه لقرينه تقريعًا له.\nثم يقول معاودًا إلى مكالمة جلسائه بمَسْمَعٍ (^٢) من قرينه، تحدُّثًا بنعمة الله، واغتباطًا لحاله وحال رفقائه، وتبجُّحًا بها، وزيادةً في تقريع قرينه:\n\n<span id=\"aya-3848\"> </span>(٦٠) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا﴾؛ أي: الذي نحنُ فيه ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقيل: هو مِن قول الله تعالى، تقريرًا لقوله، وتصديقًا له، وإشارةً إلى ما هم فيه من النِّعمة والخلود والأمن من العذاب.\nوقرئ: (لهو الرِّزقُ العظيمُ) (^٣)، أي: ما رزقوه (^٤) من السَّعادة.\n_________\n(^١) في (م): \"وهو إتمام\"، وفي (ع) و(ي): \"وهذا إتمام\".\n(^٢) في (م): \"بمستمع\".\n(^٣) بلا نسبة في \"الكشاف\" (٤/ ٤٥).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"رزقوا\".","vol":"8","page":483},{"text":"<span id=\"aya-3849\"> </span>(٦١) - ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.\n﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ أي: لنيلِ مثل هذا إنْ عملوا عملًا ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ لا للحظوظِ الدُّنيويَّة المشوبة بالآلام السَّريعة الانصرام، وهذا معنى تقديم الغاية، وإيراد فاء السَّببية.\nمِن عادة الله تعالى أن يَشفع الوعد بالوعيد، فلمَّا فرغ من بيان الرزق المعلوم ووصفِ أهل الجنَّة في تحادثهم وانسياقِ كلامهم إلى قصة المؤمن وقرينه، شرعَ في رزق الكافر ووصف أهل النَّار فقال (^١):\n\n<span id=\"aya-3850\"> </span>(٦٢) - ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾.\n﴿أَذَلِكَ﴾؛ أي: أذلك الرّزق المعلوم الموصوف ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ نصب على الحال.\nوالنُّزلُ: الرِّزقُ الذي يُعَدُّ للنَّازلِ تكرمةً له، ويجوز حمله على المعنى الحاصل على أَنَّه نصب على التَّمييز.\n﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾: شجرةٌ صغيرة الورق مُنْتِنَةٌ مُرَّة حرِّيفة تَنبت بتِهامة، سمِّيت به الشَّجرة الموصوفة.\nوفيه أنَّ الرِّزقَ المعلوم وما ذكر معه من النَّعيم لأهل الجنَّة بمنزلة ما يُقام للنَّازل، وما وراءه من اللَّذات بعد إقامتهم لا يدخل تحت الوصف، وكذلك شجرة الزَّقُّوم وما ذُكِرَ معه.\n_________\n(^١) \"فقال\" سقط من (م) و(ي) و(ع).","vol":"8","page":484},{"text":"<span id=\"aya-3851\"> </span>(٦٣) - ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾: محنةً وعذابًا لهم في الآخرة، أو ابتلاءً وامتحانًا لهم في الدُّنيا، حيث قالوا لَمَّا سمعوا أنَّها في النَّار: كيفَ يكون ذلك في النَّار، والنَّار (^١) تحرق الشَّجر؟! ولم يعلموا أنَّ مَن قَدر على خلقِ حيوانٍ يعيشُ فيها ويلتذُّ (^٢) بها كالسَّمندر (^٣)، فهو قادر على خلق شجرٍ فيها وحفظه من إحراقها.\n\n<span id=\"aya-3852\"> </span>(٦٤) - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ وقرئ: (نابتة) (^٤) مكان ﴿تَخْرُجُ﴾.\nقيل: منبتها في قعر جهنَّم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.\n\n<span id=\"aya-3853\"> </span>(٦٥) - ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.\n﴿طَلْعُهَا﴾ الطَّلعُ: ما يطلع أوَّلًا من النَّخلة عند إثمارها، وهو كمام ثمرها.\n﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ استُعيرَ الطَّلع من حمل النَّخلة لحمل شجرة الزَّقُّوم، وشُبِّهَ برؤوسِ الشَّياطينِ دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر؛ لأنَّ استقباح الشَّيطان وكراهة منظره أمرٌ راسخٌ في طباع النَّاس، وهذا تشبيهٌ تخييليٌّ.\n_________\n(^١) في (ك): \"وهي\".\n(^٢) في (م) و(ي) و(ع): \"ويتلذذ\".\n(^٣) انظر ما تقدم فيه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠].\n(^٤) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٨٧).","vol":"8","page":485},{"text":"وقيل: الشَّيطانُ: حيَّةٌ عَرْفاء قبيحة المنظر هائلة جدًّا.\n\n<span id=\"aya-3854\"> </span>(٦٦) - ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾.\n﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾: من الشَّجرة، أو (^١) من طلعها.\n﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ إمَّا لغلبة الجوع الشَّديد واستيلائه عليهم، وإمَّا لأنَّهم مقسورون على أكلها تعذيبًا.\n\n<span id=\"aya-3855\"> </span>(٦٧) - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾.\n﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾: ثمَّ إذا شبعوا وغلبهم العطش وطال استسقاؤهم وأحرق الزَّقُّوم بطونهم سُقوا شرابًا من غسَّاقٍ أو صديد، شَوْبُه - أي: مزاجه - من حميم يشوي وجوههم ويقطِّع أمعاءهم.\nوقرئ: (لَشُوبًا) بالضَّم (^٢)، وهو اسمٌ لِمَا يُشاب به، ويجوز أن يكون مستعارًا لبُعد ما في شرابهم من مزيد البشاعة والكراهة من طعامهم.\n\n<span id=\"aya-3856\"> </span>(٦٨) - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.\n﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾؛ أي: لهم مقارٌّ ومنازلُ معيَّنة في دَرَكات الجحيم،\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"أي\".\n(^٢) نسبت لشيبان النحوي. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٩).","vol":"8","page":486},{"text":"إذا جاعوا جاؤوا إلى الزَّقُّوم (^١)، فإذا عطشوا جاؤوا إلى الحميم (^٢)، ثمَّ يرجعون إلى مقارِّهم ومنازلهم مِن دركات الجحيم، على ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] (^٣).\nوقرئ: (ثمَّ إنَّ منقلبَهم) (^٤)، (ثم إنَّ مصيرهم)، (ثمَّ إنَّ منفذهم) (^٥) لإلى الجحيم (^٦).\n\n<span id=\"aya-3857\"> </span>(٦٩) - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾.\n﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾، أي: صادفوا.\n﴿آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ تعليلٌ لاستحقاقهم الوقوع في تلك الشَّدائد كلِّها، يعني أنَّ ذلك بسبب تقليدهم آباءهم الضَّالِّين.\n\n<span id=\"aya-3858\"> </span>(٧٠) - ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.\n﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ الإهراعُ: الإسراعُ الشَّديد كأنَّما يحثُّ صاحبه حثًّا.\n_________\n(^١) في (ك): \"الحميم\".\n(^٢) في (ف): \"الجحيم\".\n(^٣) \"على ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٤) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"تفسير الطبري\" (١٩/ ٥٥٦)، و\"الكشاف\" (٤/ ٤٧).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٤٧).\n(^٦) بعدها في (م) و(ي) و(ع) زيادة: \"يطوفون بينها وبين حميم آن على ما أخبر الله تعالى قوله\".","vol":"8","page":487},{"text":"وقيل: إسراعٌ فيه تشبيه (^١) بالرّعدة، وفيه إشعارٌ بأنَّهم بادروا إلى ذلك من غير توقُّف على تأمُّل ونظرٍ.\n\n<span id=\"aya-3859\"> </span>(٧١) - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾: قبلَ قومِك قريش ﴿أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ بالتَّقليد وترك النَّظر.\n\n<span id=\"aya-3860\"> </span>(٧٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾: أنبياءَ ﵈ حذَّروهم العواقب، وإنَّما قال: ﴿فِيهِمْ﴾ دون (إليهم)؛ دلالةً على (^٢) إمعانهم في الإنذار بقرارِهم فيما بينهم.\n\n<span id=\"aya-3861\"> </span>(٧٣) - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\n﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾: الذين أُنذِروا فكُذِّبوا فأهلكُوا جميعًا.\n\n<span id=\"aya-3828\"> </span>(٧٤) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: الذين أَمنوا منهم، فأخلصوا دينهم لله تعالى؛ إذ أخلصهم الله تعالى لدينه على اختلاف القراءتَيْنِ (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"شبيه\".\n(^٢) في (ك): \"على أن\".\n(^٣) قرأ الكوفيون ونافع بفتح اللّاَم والباقون بكسرها. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٢٨).","vol":"8","page":488},{"text":"والخطابُ لرسولِ اللهِ ﷺ، والمرادُ قومُه؛ لأنَّهم رأوا آثارهم وسمعوا أخبارهم.\nثمَّ شرع في تفصيل المنذِرِين والمنذَرِين فقال:\n\n<span id=\"aya-3863\"> </span>(٧٥) - ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ حينَ أيس مِن قومِه.\n﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ اللَّام جواب قسمٍ محذوفٍ، والمخصوصُ بالمدحَ محذوفٌ؛ أي: فوالله لنعم المجيبون نحن.\nوالجمعُ في ﴿نَادَانَا﴾ و﴿الْمُجِيبُونَ﴾ دليلُ العظمة والكبرياء وإظهارهما؛ أي: ولقد دعانا فبحقِّنا وعظمتنا إنا أجبناه أحسنَ الإجابة، ونصرناه على أعدائه، وانتقمنا منهم بأبلغ ما يكون.\n\n<span id=\"aya-3864\"> </span>(٧٦) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾: مِن الغمِّ الذي كان فيه مِن أذى قومِه؛ لأنَّه (^١) بذلك دعا ربَّه فأجابه.\nوالكرب: الحزنُ الثَّقيلُ على القلبِ.\n\n<span id=\"aya-3865\"> </span>(٧٧) - ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ هم الذين بَقُوا وحدَهم دونَ غيرهم، ولا دلالة فيه على عدم بقاء ذريَّةِ غيره حتى يخالف ظاهرَ قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾\n_________\n(^١) في (م): \"لأن\".","vol":"8","page":489},{"text":"[الإسراء: ٣]؛ لأنَّ الذُّريَّة تتناول أولاد البنات، دل عليه عَدُّ عيسى ﵇ مِن ذرَّية نوح ﵇، على ما مرَّ في سورة الأنعام.\n\n<span id=\"aya-3866\"> </span>(٧٨) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ من الأمم كلِّهم هذه الكلمة وهي:\n\n<span id=\"aya-3867\"> </span>(٧٩) - ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ على الحكايةِ، كقولك: (قرأْتُ: الحمدُ لله)؛ أي: يسلِّمون عليه تسليمًا، ويدعون له بثبوتِ هذه التَّحيَّة في العالَمِيْنِ مِن الملائكة والثَّقلَين جميعًا، كأنَه قيلَ: سَنَّ (^١) اللهُ التَّسليمَ على نوحٍ وأدامَه في الكلِّ عن آخرِهم.\n\n<span id=\"aya-3868\"> </span>(٨٠) - ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ علّل مجازاتَه بتلكَ التَّكرمة (^٢) السَّنيَّة وعظَّمَها بقولِه: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثلَ ذلك الجزاء العظيم، وهو تبقيةُ ذكرِه، وتسليمُ العالَمِين عليه أبدًا بإحسانِه.\nثمَّ علَّلَ إحسانه بإيمانه، وأضافه إلى ذاته تعالى في زمرة (^٣) خواصِّه بقوله:\n\n<span id=\"aya-3869\"> </span>(٨١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"ثبت\".\n(^٢) في (ع) و(ي): \"بتلك الكرامة\"، وفي (م): \"بتكرمة\".\n(^٣) في (ع) و(م) و(ي): \"زبدة\".","vol":"8","page":490},{"text":"﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ لاختصاصه به، كلُّ ذلك لجلالةِ قدر الإيمان وعلوِّ شأنه، وأنَّه الغايةُ القُصوى مِن صفات المدح والتَّعظيم؛ إذ جعلَه موجبًا لكرامته واختصاصه مع كونه نبيًّا مختارًا؛ ترغيبًا للعباد في الإيمان والازدياد فيه إلى الإيقان.\n\n<span id=\"aya-3870\"> </span>(٨٢) - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾.\n﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ ثم أخبرَ تعالى أنَّه أغرقَ مَن لم يؤمنْ مِن قومِه.\n\n<span id=\"aya-3871\"> </span>(٨٣) - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾.\n﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ ممَّنْ شايعَ نوحًا ﵇ في التَّوحيد وأصول الدِّين.\n﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ ولا يقدحُ في ذلك اختلاف الشرائع فإنَّها تختلفُ بحسب اختلاف الأمم، وكانَ بينَهما ألفان وستُّ مئة وأربعون سنة، وما كان بينهما من الأنبياء إلَّا هود وصالح ﵉.\n\n<span id=\"aya-3872\"> </span>(٨٤) - ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.\n﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ﴾ منصوب بتقدير (اذكر)، لا بما في الشِّيعة مِن معنى المشايعة؛ لأنَّ فيه الفصلَ بين العامل والمعمول بأجنبيٍّ، وهو قوله: ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾، وأيضًا لام التَّأكيد تمنع أن يعملَ ما قبلَها فيما بعدَها، لو قلْتَ: إنَّ ضاربًا لقادمٌ علينا زيدًا، لم يجزْ.","vol":"8","page":491},{"text":"﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ مِن جميعِ آفاتِ القلبِ كالشِّرك والشَّكِّ والغلِّ والغشِّ وغير ذلك، استعارَ المجيء به (^١) للإخلاص والإعراضِ عمَّا سوى الحقِّ بالتَّوجُّه إليه.\n\n<span id=\"aya-3873\"> </span>(٨٥) - ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ بدل من ﴿إِذْ جَاءَ﴾: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ سؤالُ توبيخٍ.\n\n<span id=\"aya-3874\"> </span>(٨٦) - ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾.\n﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (إفكًا): مفعولٌ له؛ أي: أتريدون آلهة إفكًا، قَدَّمَ المفعول - وهو ﴿آلِهَةً﴾ - للعناية؛ لأنَّ الإنكار متوجِّه إليه، ثمَّ قدَّم المفعول له عليه؛ لأنَّ الأهم عندَه أن يكافحهم (^٢) بأنهم ليسوا على غرضٍ صحيحٍ، ويقرِّرَ عليهم أنَّهم على الباطل، ومبنَى أمرهم على الإفك.\nأو مفعول به، و﴿آلِهَةً﴾ بدل منه أو تفسيرٌ وبيان للمبالغة، جعِلَتْ أنفسُهم إفكًا، أدر أريد (^٣) عبادتُهم على حذف المضاف؛ لدلالة ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ عليه.\nأو حال بمعنى: أتريدون آلهةً مِن دون اللهِ آفكين.\nوالإفكُ: أشنعُ الكذبِ وأفظعُه، وأصلُه: قلبُ الشَّيء عن جهتِه (^٤) التي هي له.\n_________\n(^١) \"به\" من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) \"يكافحهم\" من (ي) و(ع)، وفي (م): \"يكافئهم\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"وأريد\"، والمثبت من باقي النسخ وهو الصواب.\n(^٤) في (م): \"الجهة\".","vol":"8","page":492},{"text":"<span id=\"aya-3875\"> </span>(٨٧) - ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: بمَن هو الحقيقُ بالعبادة لكونه ربَّ العالمين، حتى تركتم عبادته إلى عبادةِ غيره، وهو كالحجَّة على ما قبلَه (^١)، ومعنى إنكار الظَّنِّ: أنَّه لا يُقدَّرُ في وهمٍ ولا ظنٍّ ما يصدُّ عن عبادته إلى عبادةِ غيره، فضلًا عن القَطْعِ به.\nأو: فما ظنُّكم به أنَّه أيُّ شيء هو حتى جعلتم الأصنام له أندادًا؟!\nأو: فما ظنُّكم به أنَّه يَفعل بكم؛ أي: هل تظنُّون أنَّه كيف يعاقبكم على عبادة غيره؟!\n\n<span id=\"aya-3876\"> </span>(٨٨) - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾.\n﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ في أوصافها و(^٢) أوضاعها واتصالها، أو في كتابها، أو في علمها، يوهمهم الاستدلال على حاله، وكانوا (^٣) منجِّمين.\n\n<span id=\"aya-3877\"> </span>(٨٩) - ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.\n﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنما قال ذلك لأَنَّهم أرادوا أن يصحبهم إلى عيدهم، وكان أغلب أسقامهم الطَّاعون، فأوهمهم السَّقم فهربوا منه، على ما دل عليه قوله:\n_________\n(^١) في (ي): \"فعله\".\n(^٢) \"أوصافها و\" سقط من (م) و(ي) و(ع).\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"فكانوا\".","vol":"8","page":493},{"text":"﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات: ٩٠]، فأعرضوا عنه مولِّين الأدبارَ مخافةَ العدوى؛ لأنَّه مرض مُعْدٍ ففعل (^١) بأصنامهم ما فعل.\nوقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ من معاريض (^٢) الكلام وليس بكذب (^٣)؛ [أي] (^٤): إني سقيم القلب لكفركم، أو: مشارفٌ للسقم؛ لأن مَن كان بصدد الموت كان مستعدًّا (^٥) للسقم، ولا يخلو صحيح من ذلك، فلم يكن كاذبًا فيما أظهر من الكلام، فلم يلحقه به شيء من الملام؛ إذ كان في نفسه قصد كسر الأصنام، فاحتال لإظهار الحق وإبطال الباطل، فكان عملًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا.\n\n<span id=\"aya-3879\"> </span>(٩١) - ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.\n﴿فَرَاغَ﴾ فذهب في خُفيةٍ (^٦)، من روغة الثعلب وأصله: الميل بحيلة.\n﴿إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ بناء على زعمهم؛ أي: إلى أصنامهم التي يزعمونها آلهة؛ كقوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [القصص: ٧٤].\n﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؛ أي: الطعامَ الذي عندكم.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"بعد ما فعل\".\n(^٢) في (م): \"معارض\".\n(^٣) في (م): \"بمكذب\".\n(^٤) زيادة يقتضيها السياق.\n(^٥) في (ع) و(م) و(ي): \"مستعيرًا\".\n(^٦) في (ع): \"خفته\"، وفي (ي): \"خيفة\"، وفي (م): \"حفية\" وفوقها حرف (خ).","vol":"8","page":494},{"text":"<span id=\"aya-3880\"> </span>(٩٢) - ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾.\n﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ بجوابي، استهزاءٌ وتهكُّم بها وبعبَدتها، وإيماءٌ إلى انحطاطها عنهم.\n\n<span id=\"aya-3881\"> </span>(٩٣) - ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾.\n﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ فأقبل عليهم مستخفيًا ﴿ضَرْبًا﴾ نصب على الحال بمعنى: ضاربًا، أو على المصدر من فعلٍ مقدَّر هو حالٌ؛ أي: فراغ عليهم يضربهم ضربًا (^١)، أو من (راغ) لأنَّه في معنى: ضرب، كأنه قيل: فضربهم مُقبلًا عليهم ضربا.\nوتقييده ﴿بِالْيَمِينِ﴾ للدلالة على قوته، فإن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل.\nوقيل: معناه: بسبب الحَلِف، وهو قوله: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾.\n\n<span id=\"aya-3882\"> </span>(٩٤) - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾.\n﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ﴾ أي: إلى إبراهيم ﵇.\n﴿يَزِفُّونَ﴾: يسرعون، من زفيف النعام.\nوقرئ: ﴿يُزِفُّونَ﴾ (^٢) من أَزَفَّ: إذا دخل في الزَّفيف، أو من أَزَفَّه: إذا حمله على الزَّفيف؛ أي: يُزِفُّ بعضُهم بعضًا.\nو: (يُزَفُّون) على البناء للمفعول؛ أي: يُحمَلون على الزَّفيف.\n_________\n(^١) في (م): \"بضربهم ضربًا\"، وسقطت \"ضربا\" من (ف) و(ك).\n(^٢) قراءة حمزة. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٦).","vol":"8","page":495},{"text":"و: (يَزِفُون) من وَزَفَ يَزِفُ: إذا أَسْرعَ.\nو: (يَزْفون) من زَفَاه: إذا حَدَاه؛ كأن بعضَهم يَزْفُون بعضًا لتَسارُعهم إليه (^١) (٩٥) - ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ قَالَ مهو إبراهيم ﵇ بعد محاورات كانت بينهم ذكرها في سورة الأنبياء.\n\n<span id=\"aya-3883\"> </span>﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ نحتُ الخشبة: بَرْيُها، يقول: أتعبدون أصنامًا تعملونها أنتم.\n\n<span id=\"aya-3884\"> </span>(٩٦) - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾: وخلق ما تعملونه من الأصنام، فإن جواهرها بخلقه، وأشكالُها وإن كانت بنحتهم - ولذلك نسب إليهم عملها - فإنها بإقداره تعالى إياهم عليها، وخَلقِه (^٢) ما يتوقف عليه أعمالهم من الآلات والجوارح والدواعي.\n\n<span id=\"aya-3885\"> </span>(٩٧) - ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾.\n﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾: في النار الشديدة الوُقود، من الجَحْمة وهي شدةُ التأجُّج.\n_________\n(^١) جميع هذه القراءات مع توجيهها منقول من \"الكشاف\" (٤/ ٥٠).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"وخلق\".","vol":"8","page":496},{"text":"<span id=\"aya-3886\"> </span>(٩٨) - ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.\n﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ صنعوا لإهلاكه حظيرةً مملوءة بالنار ومَنْجَنيقًا لرميه إليها من بعيدٍ؛ لأن شدة حَرِّها كانت مانعةً عن الحضور عندها، فلذلك عبّر عنه بالكيد المشتمِل على نوع من الحيلة.\n﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ لمَّا غلبهم بالحجة أرادوا أن يهلكوه كيلَا يَظهر للعامة عجزُهم، فأبطل الله تعالى كيدهم وجعلهم الأذلِّينَ الأسفلين، وصار كيدهم حجةً أخرى له ﵇، ومعجزةً أخرى (^١) بالتصديق (^٢) بأنه من عند الله تعالى.\nوالمراد من المعجزة في أمثال هذا المقام: الأمر الخارق للعادة مطلقًا، لا مصطلَحُ أهل الكلام.\n\n<span id=\"aya-3887\"> </span>(٩٩) - ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.\n﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾: مهاجرٌ (^٣) إلى حيث يأمرني ربي وهو الشام، أو حيث أتجرد فيه للعبادة له تعالى.\n﴿سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدُني إلى ما فيه صلاحي واستقامةُ أمر ديني، وإنما بتَّ القولَ\n_________\n(^١) \"له ﵇ ومعجزة أخرى\"، سقطت من (ف) و(ك). ولعل الصواب والأنسب: (ومعجزة أَحرى) بالحاء.\n(^٢) في (ع): \"للتصديق\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"مهاجرا\".","vol":"8","page":497},{"text":"لأن الله تعالى وعده الهدايةَ، فبنَى الأمر على وعده لقوةِ يقينه، أو بناءً (^١) على عادة الله تعالى معه (^٢) في هدايته وإرشاده، لقوة توكُله وتفويضِه الأمر إليه تعالى، ولم يبنه على الرجاء كما بنى موسى حيث قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]، لأنَّه كان في أمر الدنيا لا في أمر الدِّين، فلا دلالة فيه على قصور موسى ﵇ في ذلك الباب، والله أعلم بالصواب.\n\n<span id=\"aya-3888\"> </span>(١٠٠) - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: بعضَ الصالحين أَستأنِسُ به في الغُربة، وتَنفرجُ به عني الكربة، أراد به الولدَ؛ لأن الهبة غالبةٌ فيه وإن جاءت في الأخ أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]، على أن الموهوب فيه نبوَّةُ هارون لا نفسُه ﵇، وأما البشارة بالغلام فلا تدل على إرادة الولد بخصوصه.\n\n<span id=\"aya-3889\"> </span>(١٠١) - ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾.\n﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ الفاء لترتُبه على ﴿هَبْ لِي﴾ كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]، ولا كلمةَ أقلَّ لفظًا وأكثر معنًى من هذه؛ لاحتوائها على البشارة، وأنَّه ذَكَر، وأنَّه يبلغ (^٣) أَوَانَ الحُلْم (^٤) .........\n_________\n(^١) في (م): \"بناه\".\n(^٢) في (ي): \"منه\"، وليست في (ف) و(ك).\n(^٣) في (م): \"بليغ\".\n(^٤) قوله: \"يبلغ أوان الحلم\" بضمّ فسكون؛ أي: البلوغ بالسن المعروف، فإنه لازم لوصفه بالحليم؛ لأنَّه=","vol":"8","page":498},{"text":"- لا لأن غيرَ البالغ لا يوصف بالحلم، بل لأن الغلام مَن طرَّ شاربُه - وبأنه يكون حليمًا.\nوقيل: ما نَعَت الله تعالى الأنبياء ﵈ بأقلَّ مما نعتهم بالحلم لعزة وجوده، وما نعت به (^١) إلا إبراهيم وابنه ﵉.\n\n<span id=\"aya-3890\"> </span>(١٠٢) - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.\n﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ متعلق بـ ﴿بَلَغَ﴾؛ أي: بلغ السعي مقارِنًا له، وذلك لا يقتضي بلوغَهما معًا حدَّ السعي كما لم يقتضِ (^٢) قولُ بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٤٤] أن يكون إسلامُهما معًا، وفي الحديث: \"كنَّا نَحيضُ مع رسول الله ﵇\" تمامُه في \"صحيح البخاريِّ\" (^٣).\nويجوز أن يتعلق بـ ﴿السَّعْيَ﴾ فإن معمول المصدر إذا كان ظرفًا أو شبهَه يجوز تقديمُه عليه؛ لأن الظرف مما يكفيه رائحةُ من الفعل، فلا حاجة في العمل فيه إلى تأويل المصدر مع الفعل، على أنه ليس كلُّ مُؤوَّلٍ بشيء حكمُه حكمُ ما أُوِّل به.\n_________\n= لازم لذلك السن بحسب العادة، إذ قلما يوجد في الصبيان سعة صدر وحسن صبر وإغضاء في كل أمر. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٧/ ٢٧٩).\n(^١) في (م): \"وما نعت الله\".\n(^٢) في (م) زيادة: \"بلقيس أي\".\n(^٣) رواه البخاري (٣٢١) من حديث عائشة ﵂. وجاء في هامش (ع) و(م) و(ي): \"وفي حديث آخر: قتل معك في أحد، تمامه مذكور في بنات الصلب في شرح الفرائض\".","vol":"8","page":499},{"text":"والمراد باختصاص الأب بالسعي معه: بيانُ صغر سنِّه؛ أي: لم يَبْلُغ أن يسعى في الحوائج إلا مع أبيه لا مع غيره؛ لأن أباه أرفقُ الناس به وأعطفُهم عليه، لا يكلِّفه إلا ما سهل عليه، وغيرُه ربما عنَّف به في الاستسعاء فلا يحتمِله؛ لأنَّه لم تَستحكِم قوتُه، ولم يَصلُب عُودُه.\nوفائدةُ ذلك البيانِ: إظهارُ أنه مع حداثة سنِّه وغضاضةِ غصنه (^١)، بلغ مبلغًا من رصانة الحِلم (^٢) وكبر النفس (^٣) وفسحة الصدر ما سهَّل عليه احتمالَ تلك البليَّة العظيمة، ويسَّر له الإجابةَ بذلك الجواب الحكيم.\n﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ أي: بأمرٍ من الله تعالى، ويدلُّ عليه قوله: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ وذلك أن رؤيا الأنبياء وحيٌ كما في اليقظة، وإنما لم يقل: رأيت؛ لأنَّه رأى مرة بعد أخرى، والأمر به إنما كان في المنام دون اليقظة، لتكون مبادرتُه ﵇ إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص.\n﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي، وإنما قال على وجه المشاوَرة - مع أنه حتمٌ من الله تعالى عليه - ليَعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله تعالى، فيثبِّتَ قدمه ويصبِّره إن جَزع، ويأمَنَ عليه الزَّللَ إنْ صَبر، وليوطِّنَ نفسَه عليه، ويتلقى البلاء مستأنسًا به، ويكتسبَ المثوبةَ بالانقياد لأمر الله تعالى.\nوقرئ: ﴿مَاذَا تَرَى﴾ من الإراءة (^٤)؛ أي: ماذا تُبصِر من رأيك وتبديه.\n_________\n(^١) في (م): \"عصبه\"، وسقطت من (ع) و(ي).\n(^٢) في (م): \"الحكم\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"السنن\".\n(^٤) قراءة حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٦ - ١٨٧).","vol":"8","page":500},{"text":"و: (ماذا ترى) على البناء للمفعول (^١)؛ أي: ماذا تُريكَ نفسُك من الرأي.\n﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾؛ أي: ما تُؤمَرُه، حذفه وهو منصوب، وأصله: ما تأمر به، فحذف الجار كما حذف من قوله:\nأمرتُكَ الخيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به (^٢)\nواتَّصل الضمير منصوبًا فجاز حذفُه.\nأو: أَمْرَكَ، على إضافة المصدر إلى المفعول وتسميةِ المأمور به أمرًا.\nوقرئ: (ما تؤمر به) على الأصل (^٣).\n﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على الذبح، أو على ما قضى الله به.\n\n<span id=\"aya-3891\"> </span>(١٠٣) - ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾.\n﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ يقال: سلَّمَ لأمرِ الله وأَسلَمَ واستَسْلَمَ بمعنًى واحدٍ: إذا انقاد له وخضع، وقد قرئ بهنَّ جميعًا (^٤)، وأصلها من قولك: سَلِمَ هذا لفلان: إذا خَلَص له، ومعناه: سَلِمَ من أن ينازَعَ فيه، وقولهم (^٥): سَلَّم لأمر الله وأَسلَمَ له منقولان منه،\n_________\n(^١) نسبت للأعمش والضحاك. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢٢٢).\n(^٢) صدر بيت في \"الكتاب\" (١/ ٣٧)، و\"خزانة الأدب\" (١/ ٣٣١)، واختلف في نسبته، قال البغدادي: نسب لعمرو بن معدي كرب، وللعباس بن مرداس، ولزرعة بن السائب، ولخفاف بن ندبة. وعجزه:\nفقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبِ\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٤).\n(^٤) انظر الثلاثة في \"الكشاف\" (٤/ ٥٥).\n(^٥) في (م): \"فقولهم\".","vol":"8","page":501},{"text":"وحقيقة معناهما: أَخْلَص نفسَه لله وجعلها سالمةً له خالصةً، وكذلك معنى استسلم: استَخْلَص نفسَه لله.\nوعن قتادة في ﴿أَسْلَمَا﴾ أسلم هذا ابنَه وهذا نفسَه (^١).\n﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: صرعه على شقِّه فوقع (^٢) أحدُ جبينيه (^٣) على الأرض تواضعًا على مباشرة الأمر بصبرٍ وجَلَد، ليُرْضِيا الرحمن ويُخزيا الشيطان.\nوروي أن ذلك المكان عند الصخرة التي بمنًى.\nوقيل: في الموضع المشرِف على مسجد منًى.\nوقيل: في المنحَر الذي يُنحر فيه اليوم.\n\n<span id=\"aya-3892\"> </span>(١٠٤) - ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾.\n﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ في إيثار النداء على القول إشعار بتمثيل حاله بحالِ مَن يحتاج في خطابه إلى رفع الصوت وإن كان الخطاب عن قريبٍ؛ زجرًا له (^٤) عما أقبل عليه وتوغَّل فيه.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٥).\n(^٢) في (م): \"فوضع\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٤/ ٥٥)، و\"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٥) و\"تفسير أبي السعود\" (٧/ ٢٠١)، و\"روح المعاني\" (٢٣/ ١٣٩).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"شقيه\"، وفي باقي النسخ: \"جنبيه\"، والمثبت من \"الكشاف\"، وهو الصواب، ويؤيده عبارة البيضاوي وأبي السعود والآلوسي: فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة.\n(^٤) \"له\" ليست في (ف) و(ك).","vol":"8","page":502},{"text":"<span id=\"aya-3893\"> </span>(١٠٥) - ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ بصدقِ العزيمة والإتيانِ بما في وسعه من المقدِّمات، إذ (^١) روي أنه أَمَرَّ السكين بقوَّته على حلقه فلم تقطَع.\nوجواب (لمَّا) محذوفٌ تقديره: كان ما كان مما تَنطِق به الحال ولا تسعُه العبارةُ (^٢) والمقال، من استبشارهما، واغتباطهما، وحمدِهما لله (^٣) تعالى، وشكرِهما على ما أَنعم به عليهما من دفع البلاء بعد حلوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين النفس عليه من الثواب والرضوان والكرامة عند الله، والفوزِ بالدِّين (^٤) الذي ليس وراءه مطلوب.\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليلٌ لتحويل ما خوَّلهما من الفرَج بعد الشدةِ والظَّفَرِ بالبُغية بعد اليأس.\n\n<span id=\"aya-3894\"> </span>(١٠٦) - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾: الاختبار البيِّن الذي يتميز (^٥) فيه المخلصون عن غيرهم، أو: المحنةُ البيِّنة الصعوبةِ التي لا محنةَ أصعب منها، وإنما قال:\n\n<span id=\"aya-3895\"> </span>(١٠٧) - ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.\n_________\n(^١) في (م): \"و\".\n(^٢) في (ع) و(م) و(ي): \"ولا يحيط به الوصف\".\n(^٣) في (م): \"الله\".\n(^٤) \"بالدين\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"يتبين\".","vol":"8","page":503},{"text":"﴿وَفَدَيْنَاهُ﴾ والفادي بالحقيقة هو إبراهيمُ ﵇، واللهُ تعالى هو المفتدَى منه؛ لأنَّه تعالى هو الذي وَهب له الكبش، فكان هو الممكِّنَ من الفداء بهِبَتهِ، فأَسند إلى نفسه إسنادًا إلى المسبِّب مجازًا.\n﴿بِذِبْحٍ﴾ الذِّبح: اسم ما يذبح.\n﴿عَظِيمٍ﴾: عظيم الجثة سمينٍ، وهي السُّنَّة (^١) في الأضاحي.\nوقيل: عظيمِ القَدْرِ؛ لأنَّه كان فداءً لنبيٍّ (^٢) من أنبياء الله، وهو إسماعيلُ في قول أبي بكرٍ وابن عباسٍ وابن عمر ﵃ وجماعةٍ من التابعين، وإسحاقُ ﵇ فيما رُوي عن عليٍّ وابن مسعود والعباس ﵁ وجماعةٍ من التابعين.\nوالأول أظهرُ:\nلأنَّه الذي وُهب له إثر الهجرة.\nولأنَّ البشارة بإسحاق معطوفٌ على البشارة بهذا الغلام.\nولقوله ﵇: \"أنا ابنُ الذبيحين\" (^٣) فأحدُهما جدُّه إسماعيل عليه\n_________\n(^١) في (ع) و(م) و(ي): \"سنة\".\n(^٢) في (ع) و(م) و(ي): \"نبي\".\n(^٣) لم أجده بهذا اللفظ، وروى الطبري في \"تفسيره\" (١٩/ ٥٩٧) عن الصُّنَابحي قال: كنا عند معاوية ابن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على الخبير سقطتم: كنا عند رسول الله ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عُدّ عليَّ مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين؛ فضحك ﵊؛ فقلنا له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفْر زمزم نذر لله لئن سَهُل عليه أمرها …) الخبر. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: هذا حديث غريب جدا.","vol":"8","page":504},{"text":"السلام، والآخَرُ أبوه عبدُ الله، فإن عبد المطلب نذر أن يَذبح ولدًا إن سهَّل الله تعالى حفرَ زمزمَ أو بلغ بنوه عشرًا، فلمَّا سُهِّل خرج السهم على عبد الله، ففداه من الإبل.\nولأنَّ ذلك كان بمكة.\nولأنَّ قرني الكبش كانا معلَّقين بالكعبة في يد أسباطِ إسماعيل ﵇ حتى احترق البيت.\nولأنَّ البشارة بإسحاق ﵇ كانت مقرونةً بالإخبار عن ولادة يعقوب ﵇ منه، فلا يناسبها الأمرُ بذبحه مراهقًا.\nوأمَّا ما رُوي عنه ﵇ (^١) أنه إسحاقُ ﵇ فأخبارٌ لم تَثبت صحتُها.\n\n<span id=\"aya-3896\"></span><span id=\"aya-3897\"> </span>(١٠٨ - ١٠٩) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناءً حسنًا، ولا وقف عليه لأن: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعولُ ﴿تَرَكْنَا﴾.\n\n<span id=\"aya-3898\"> </span>(١١٠) - ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لم يذكر ﴿إنَّا﴾ مع ذكرها في (^٢) أواخر القصص كلِّها؛ لأنَّه قد (^٣) سبق فيها مرة فاكتفى به إيجازًا.\n_________\n(^١) \"عنه ﵇\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٢) \"في\" ليست في (ف) و(ك).\n(^٣) في (م): \"فيما\".","vol":"8","page":505},{"text":"<span id=\"aya-3899\"> </span>(١١١) - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد سبق بيانه في هذه السورة.\n\n<span id=\"aya-3900\"> </span>(١١٢) - ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ حالان مقدَّران (^١) كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]؛ أي: بشَّرناه بإسحاق ﵇ مقدَّرًا كونُه نبيًّا مقضيًّا (^٢) كونه من الصالحين، ولا حاجةَ إلى تقدير مضافٍ كما قيل، فإن تقدير الحال لا يُوجب وجودَ ذي الحال بل تقدير وجوده.\nوفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه.\n\n<span id=\"aya-3901\"> </span>(١١٣) - ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾: على إبراهيم ﵇ ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ بأنْ أخرجنا من نسلهما أنبياء، وأَفَضْنا عليهما بركات الدِّين والدنيا.\nوتكرير الجارِّ (^٣)، وإظهارُ ﴿إِسْحَاقَ﴾ ﵇؛ للإشعار بأنَّ التبريك عليه بالأصالة والاستقلال لا بالتبعية؛ لكونه نبيًّا وأبًا لأنبياء بني إسرائيل ﵈، وغيرِهم كأيوبَ وشعيبٍ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"مقدرتان\".\n(^٢) في (م): \"مقتضيًا\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"الحال\".","vol":"8","page":506},{"text":"﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ في عمله بالإيمان والطاعة.\n﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر والمعصية.\n﴿مُبِينٌ﴾: ظاهرٌ ظلمُه، وفيه تنبيه على أن النَّسب لا يؤثِّر في الهدى والضلال، وأن الظلم في الأعقاب لا يعود (^١) بعيب ولا نقيصةٍ على الأسلاف، وأن المدح والذم إنما يترتبان على كسب المرء، وحُسنِ عمله وقُبحه، وصلاحه وفساده في نفسه، لا على عمل الأصول والفروع.\nوأمَّا أنه لا تأثير للعِرْق الطيِّب والخبيث أصلًا حتى يلزمَ أن ينهدم أمر (^٢) الطبائع والعناصر بالكلية (^٣)، فينافي ما هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] ومن قوله ﵇: \"لا يدخلُ الجنةَ ولدُ الزِّنا ولا ولدُه ولا ولدُ ولدِه\" (^٤) بعد ذلك من أن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها فلا دلالة فيما ذكر عليه (^٥).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"في أعقابهما لا يعود إليهما\".\n(^٢) \"أمر\" ليس في (ف) و(ك).\n(^٣) \"بالكلية\" ليس في (ف) و(ك).\n(^٤) رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده أبو إسرائيل الملائي وهو ضعيف، وروي بنحوه من طرق أخرى أعلها جميعا ابن عراق ثم قال: وأيضًا فهو مُخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ولقوله: \"ولد الزِّنا ليس عليه من إِثْم أبويه شيء\"، أخرجه الطَّبراني من حديث عائشة، قال السخاوي: وسنده جيد، والله أعلم. انظر: \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٢٢٨).\n(^٥) في (ف) و(ك): \"فيه\".","vol":"8","page":507},{"text":"<span id=\"aya-3902\"> </span>(١١٤) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا﴾: أنعمنا ﴿عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بالنُّبوَّة وغيرها مِن المنافع الدِّينيَّة والدُّنيويَّة.\n\n<span id=\"aya-3903\"> </span>(١١٥) - ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ مِن استعلاءِ (^١) فرعونَ وقومِه وظلمِهم، أو من الغرقِ.\n\n<span id=\"aya-3904\"> </span>(١١٦) - ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾.\n﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ الضَّمير لهما مع القوم ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ على فرعون وقومه.\n\n<span id=\"aya-3905\"> </span>(١١٧) - ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾.\n﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾: البليغ في بيانه، وهو التَّوراة.\n\n<span id=\"aya-3906\"> </span>(١١٨) - ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.\n﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الطَّريق الموصل إلى الحقِّ.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"استيلاء\".","vol":"8","page":508},{"text":"<span id=\"aya-3907\"></span><span id=\"aya-3908\"></span><span id=\"aya-3909\"></span><span id=\"aya-3910\"> </span>(١١٩) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ مرَّ تفسيره في هذه السُّورة.\n\n<span id=\"aya-3911\"> </span>(١٢٣) - ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قيل: إنَّ إلياس كان إدريس، رُفِعَ قبلَ الطُّوفانِ إلى السَّماء ونزلَ بعدَه ببعلبكَّ، ويعضده قراءة ابنِ مسعود: (وإن إدريس) في موضع ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ﴾ (^١)، وقرأ: (إدراسين) (^٢).\nوقيل: هو إلياس بن ياسين من سبط (^٣) هارون أخي موسى ﵇.\n\n<span id=\"aya-3912\"> </span>(١٢٤) - ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾: ألا تخافون اللهَ تعالى.\n_________\n(^١) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٨).\n(^٢) انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٨). ووقع في (ف) و(ك) و(ع) و(م): \"إدراس\"، وقرئ بها أيضا. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٢٢٤).\n(^٣) في (ك): \"سبطه \"، وفي (ي) و(ع): \"بسط \".","vol":"8","page":509},{"text":"<span id=\"aya-3913\"> </span>(١٢٥) - ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾.\n﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾: أتعبدونه. وهو عَلَمُ صنمٍ كان لهم (^١) يعظِّمونه غايةَ التَّعظيم، وأخدموه أربعَ مئةِ سادنٍ، يتلقَّون شرائع الضَّلالات من الشَّيطانِ، ويقولون: إنَّ بعلًا أمر بكذا، ونهى عن كذا.\nوكان اسمُ مدينتهم: بَكَّ، وهو من بلاد الشَّام، فنُسِبَتْ إليه ورُكِّبَ اسمُها باسمه، وسُمِّيَتْ: بَعْلَبَكُّ.\nوقيل: البَعلُ: الرَّبُّ بلغة اليمن، يُقال: مَن بعلُ هذه الدَّار؟ أي: مَن ربُّها؟ والمعنى: أتعبدون بعض البعول.\n﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ تتركون عبادةَ اللهِ تعالى، لم (^٢) يقلْ: وتَدَعون، مع ما فيه من صنعة التَّجنيس، لا لأنَّه مذمومٌ، فإنه إذا كان براءً عن التَّصنُّع (^٣) يكون ممدوحًا، واقعًا في كلام الله وكلام الرَّسول ﵇، بل لأنَّ في (دع) أمرًا زائدًا على التَّركِ لا يناسبُ المقامَ، وهو معنى الحفظ، ومنه: الوديعة.\n\n<span id=\"aya-3914\"> </span>(١٢٦) - ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾.\n_________\n(^١) \"كان لهم\" زيادة من (م) و(ي) و(ع).\n(^٢) في (م): \"ولم\".\n(^٣) في (ف) و(م): \"الصنع\".","vol":"8","page":510},{"text":"﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرئ بالرَّفع على الابتداء، وبالنَّصب على البدل (^١)، وكان حمزةُ إذا وصلَ نصبَ وإذا وقفَ رفع (^٢).\n\n<span id=\"aya-3915\"> </span>(١٢٧) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.\n﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أي: في العذاب، وإنَّما أطلقَه اكتفاءً بالقرينة، أو لاختصاص الإحضار المطلق بالشَّرِّ عرفًا.\n\n<span id=\"aya-3916\"> </span>(١٢٨) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء من واو ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾، أو من (المحضرين)، ولا فسادَ فيه؛ لأنَّ استثناءهم من القوم المحضرين لعدم تكذيبهم، على ما دلَّ عليه التَّوصيف بـ ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، لا من المكذِّبين، فمآل المعنى واحدٌ (^٣).\n\n<span id=\"aya-3917\"></span><span id=\"aya-3918\"></span><span id=\"aya-3919\"></span><span id=\"aya-3920\"> </span>(١٢٩ - ١٣٢) - ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ\n_________\n(^١) قرأ حفص وحمزة والكسائي بالنصب، وباقي السبعة بالرفع.\nانظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٨).\n(^٢) انظر: \" الكشاف\" (٤/ ٦٠)، وعنه الرازي (٢٦/ ١٦٢)، والقرطبي (١٨/ ٨٨)، و\"البحر المحيط\" (١٨/ ٢٠٧).\n(^٣) ورد بأن ضمير محضرين للقوم كضمير كذبوا. انظر: \"روح المعاني\" (٢٣/ ١٦٤).","vol":"8","page":511},{"text":"(١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١): لغة في إلياس، وقرئ: ﴿عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] بالوصل (^٢)، على أنَّه جمع يُرادُ به إلياس وقومه، كقولهم: الخُبَيْبيونَ والمُهَلَّبون.\nولا يجوز حملُه على الجمع إذا قرئ بالقطع، إذ لا بُدَّ للجمع مِن التَّعريف بالألف واللَّام.\nوأمَّا قراءة: ﴿آل ياسين﴾ هو فعلى أنَّ ﴿يَاسِينَ﴾ اسم أبي إلياس، أضيف إليه الآل.\n\n<span id=\"aya-3921\"></span><span id=\"aya-3922\"></span><span id=\"aya-3923\"></span><span id=\"aya-3924\"> </span>(١٣٢ - ١٣٦) - ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. سبقَ بيانُه.\n\n<span id=\"aya-3925\"> </span>(١٣٧) - ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهلَ مكَّةَ ﴿لَتَمُرُّونَ﴾ في متاجركم إلى الشَّام؛ فإنَّ سدوم في طريقه.\n﴿عَلَيْهِمْ﴾: على منازِلهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾: داخلين في الصَّباحِ.\n_________\n(^١) ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ زيادة من (م).\n(^٢) قرأ نافع وابن عامر: ﴿عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ منفصلًا، مثل آل محمد، والباقون بكسر الهمزة وإسكان اللّاَم متَّصلًا. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٧٨).","vol":"8","page":512},{"text":"<span id=\"aya-3926\"> </span>(١٣٨) - ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَبِاللَّيْلِ﴾؛ أي: مساءً؛ أي: يتكرَّرُ مرورُهم عليها باللَّيل والنَّهار، وهو الدَّاعي إلى الاعتبار.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أبعدَ هذه المعاينة ما لكم عقولٌ تعتبرون بها.\n\n<span id=\"aya-3927\"> </span>(١٣٩) - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قرئ: (يونس) ﵇ بضمِّ النُّون وكسره (^١).\n\n<span id=\"aya-3928\"> </span>(١٤٠) - ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾.\n﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ﴾ الإباقُ: فرارُ العبد إلى حيث لا يهتدي إليه طالبُه (^٢).\nوكانَ يونسُ ﵇ هربَ مِن قومِه بغير إذنِ ربِّه إلى حيث طلبوه ولم يجدوه، على ما مرَّ في تفسير سورة يونس، فاستعير الإباق (^٣) لهربه باعتبار هذا القيد، لا باعتبار القيد الأوَّل فقط (^٤).\n﴿الْمَشْحُونِ﴾: المملوءِ.\n_________\n(^١) بالضم قراءة الجمهور، ونسبت القراءة بكسر النون للحسن. انظر: \"إعراب القرآن\" للنحاس (١/ ٢٥٠). وهي رواية ابن جماز عن نافع. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٢/ ١٣٦).\n(^٢) في (ف) و(ك): \"صاحبه\".\n(^٣) في (م): \"الآبق\".\n(^٤) \"فقط\" زيادة من (م) و(ي) و(ع).","vol":"8","page":513},{"text":"<span id=\"aya-3929\"> </span>(١٤١) - ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾.\n﴿فَسَاهَمَ﴾؛ أي: قارعَ أهلَ الفُلْكِ بإلقاء السِّهام.\n﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾؛ أي: مِن المَغْلُوبين، وحقيقتُه: من المُزْلَقين؛ أي: عن مقام الظَّفر في الإسهام.\nرُويَ أنَّه ﵇ لَمَّا وُعِدَ بعذاب قومِه خرجَ مِن بينهم هاربًا قبل أن يأمرَه (^١) اللهُ تعالى به، فركب في السَّفينة فوقفتْ، فقالوا: هاهنا آبقٌ، وفيما يزعم البحارون (^٢) أنَّ السَّفينة إذا كان فيها آبق لم تَجْرِ (^٣)، فاقترعوا فخرجَتِ القرعةُ على يونس ﵇، فقال: أنا الآبق وزجَّ نفسَه.\n\n<span id=\"aya-3930\"> </span>(١٤٢) - ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾.\n﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾: ابتلعَه، ومنه اللُّقمة.\n﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ داخلٌ في الملامة، وآتٍ بما يُلام عليه، أو: مُليمُ نفسِه، واللَّومُ: العَتَبُ.\nوقرئ بالفتح مِن لِيْمَ (^٤)، كما جاء مَشِيْبٍ في مَشُوبٍ.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"يأمر\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"التجار\"، وفي (ي): \"التجارون\".\n(^٣) في (ي) و(ع): \"تجز\".\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦١). وشرحه: أنه لما قلبت الواو ياء في المجهول جعل كالأصل فحمل الوصف عليه. انظر: \"روح المعاني\" (٢٣/ ١٦٩).","vol":"8","page":514},{"text":"<span id=\"aya-3931\"> </span>(١٤٣) - ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾.\n﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾: مِن الذَّاكرين الله كثيرًا بالتَّسبيح والتَّقديس مدَّةَ عمرِه.\nوقيل: في بطن الحوتِ، وهو قوُله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧].\nوقيل: من المصلِّين.\n\n<span id=\"aya-3932\"> </span>(١٤٤) - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\n﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ عبارةُ اللَّبْثِ دلَّتْ على الحياة، فالمعنى: لكان محبوسًا في بطن الحوت إلى يوم القيامة.\nويُفهَم منه أن لا يعمَّ الهلاك عند النَّفخة الأولى الحيواناتِ البحريَّةَ.\nوفيه حَثٌّ على إكثار الذِّكر، وتنبيهٌ على أنَّ مَن أقبل إليه تعالى في السَّرَّاء أخذ بيده عند الضَّرَّاء.\nواختلفَ في مُدَّةِ لبثه في بطن الحوت، ولا طائلَ تحتَ ذِكْرِه.\n\n<span id=\"aya-3933\"> </span>(١٤٥) - ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.\n﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ بأنْ حملنا الحوتَ على لفظِه.","vol":"8","page":515},{"text":"﴿بِالْعَرَاءِ﴾: بالمكان الخالي عمَّا يغطِّيه مِن شجرٍ ونجمٍ (^١).\nوما روي أنَّ الحوتَ سارَ مع السَّفينة رافعًا رأسَه يتنفَّس فيه يونسُ ﵇، ويسبح حتى انتهوا إلى البرِّ، فلفظُه مردودٌ بقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ على ما مرَّ بيانه (^٢) في سورة الأنبياء ﵈.\n﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾: مُعتلّ بما حلَّ به، ورُويَ أنَّ بدَنه عادَ كبدن الصَّبيِّ حين يُولَدُ.\n\n<span id=\"aya-3934\"> </span>(١٤٦) - ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾.\n﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: فوقَه مُظلَّةً ﴿شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ اليقطينُ: ما ينبسطُ على وجه الأرض من الشَّجر ولا يقوم على ساقٍ، كشجرة (^٣) الدُّبَّاء والبطيخ والقثَّاء والحنظل، وهو يَفعيلٌ مِن قَطَنَ بالمكان: إذا قام به.\nوالأكثر على أَنَّها كانت الدُّبَّاء، وفائدة الدُّبَّاء: أنَّ الذُّبابَ ينفرُ منها، وهي أسرع الأشجار نباتًا وامتدادًا وارتفاعًا، ويدلُّ عليه أنَّه قيل لرسول الله ﷺ: إنَّك لتحبُّ القرع؟ قال: \"أجل هي شجرة أخي يونس\" (^٤).\n_________\n(^١) \"ونجم\" زيادة من (م) و(ي) و(ع). والنجم من النبات: ما نجم من غير ساق.\n(^٢) \"بيانه\" سقط من (م).\n(^٣) في (م): \"كشجر\".\n(^٤) ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" (٤/ ٦٢). وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" (ص: ١٤١): لم نقف عليه مسندًا.\nوفي البخاري (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١) من حديث أنس ﵁، وكذا في السنن بألفاظ مختلفة أنه ﷺ كان يحبُّ القرع ويتتبَّع الدُّباء.","vol":"8","page":516},{"text":"<span id=\"aya-3935\"> </span>(١٤٧) - ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾.\n﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ هو إمَّا الإرسال إلى قومٍ أُخَر، وإمَّا إرسالٌ ثانٍ إلى قومِه الذين خرج من بينهم، وجُوِّزَ أن يكون المراد الإرسالَ السابق؛ لأنَّ الواو لا تدلُّ على التَّرتيب، ويأباه الفاء في قوله: ﴿فَآمَنُوا﴾ لأنَّها تدل على التَّعقيب بلا مهلة.\n﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ باعتبارٍ آخر، وذلك أنَّ المكلَّفين منهم كانوا مئة ألفٍ، وإذا ضُمَّ إليهم مَن بصددِ التَّكليف كانوا أكثر، ومن هاهنا (^١) ظهر وجه التَّعبير بصيغة التَّجدُّد دون الثَّبات.\nوأما على ما قيل: إن المعنى في مرأى النَّظر؛ أي: إذا نظر إليهم قال: هم مئة ألف أو أكثر؛ فلا يظهرُ وجهُ العدول عن الظَّاهر.\nوقرئ بالواو (^٢).\n\n<span id=\"aya-3936\"> </span>(١٤٨) - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿فَآمَنُوا﴾: فصدَّقوه، أو: فجدِّدوا الإيمان بمحضره.\n﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى أجلٍ مسمًّى، وقرئ: (حتى حينٍ) (^٣).\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"ومن هنا\".\n(^٢) نسبت لجعفر بن محمد. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٨٧). ونسبت لأبيّ بن كعب، ومعاذ القارئ، وأبي المتوكل، وأبي عمران الجوني. انظر: \"زاد المسير\" (٣/ ٥٥٣).\n(^٣) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٩٣).","vol":"8","page":517},{"text":"<span id=\"aya-3937\"> </span>(١٤٩) - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾.\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ معطوف على ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ في أول السُّورة وإن تباعدت بينهما المسافة لأمرٍ ما، أَمَرَ رسولَ الله ﷺ أوَّلًا باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث، وساق (^١) الكلام جارًّا لِمَا يلائمه (^٢) مِن القَصص موصولًا بعضُه ببعضٍ، ثمَّ أمرَه باستفتائهم عن وجه القسمة الضِّيزى، حيث جعلوا لله تعالى الإناث ولأنفسهم الذُّكور في قولهم: الملائكة بنات الله، مع كراهتِهم الشَّديدة لهن، واستنكافهم من (^٣) ذكرهنَّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨].\nولقد زادوا بذلك على الشِّرك ضلالاتٍ أُخَر: التَّجسيم، وتجويزَ الفناء على الواجب الوجود تعالى شأنه؛ لأن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة، وتفضيلَ أنفسهم عليه تعالى حيث جعلوا أوضع الجنسينِ له وأرفعَهما (^٤) لأنفسهم، واستهانتَهم بالنُّورانيِّين المقرَّبين، حيث أنَّثوهم.\nولذا (^٥) كرَّر الله تعالى إنكار ذلك في كتابه العزيز مرَّاتٍ، وبيَّن فظاعتها في\n_________\n(^١) في (م): \"وسياق\".\n(^٢) في (ف) و(م): \"جار بما يلائمه\"، وفي (ك): \"جار لما يلائمه\"، وفي (ي): \"جاريا بما يلائمه\"، وكذا في (ع) لكن سقطت منها: \"بما\"، والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٩). وعبارة \"الكشاف\": (ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض).\n(^٣) في (م): \"عن\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"أوضع الجنس له وأرفعه\".\n(^٥) في (م) و(ي) و(ع): \"ولهذا\".","vol":"8","page":518},{"text":"آياتٍ، وجعله ممَّا تكاد السَّماوات يتفطرْنَ منه، وتنشقُّ الأرضُ، وتخرُّ الجبال هدًّا.\nوخصَّ الإنكار هنا بأمرَيْنِ، هما (^١) أقربُ إلى فهم العامَّة وأفظع عندهم بمقتضى العادة: التَّقسيم المذكور، وتأنيث الملائكة، حيث جعل المعادل للاستفهام:\n\n<span id=\"aya-3938\"> </span>(١٥٠) - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾.\n﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وإنَّما خصَّ عِلْم المشاهدة؛ لأنَّ الأنوثة ليست من لوازم ذواتهم حتى يمكنَ للعقل طريق إلى معرفة ذلك، ولم يَنزل به كتاب، فلا طريق إلى علم أمثال ذلك إلَّا بالمشاهدة، مع ما فيه من الاستهزاء بهم والتَّسفيه لرأيهم، حيث يبتُّون به القول كأنَّهم شاهدوا خلقَهم.\nوالتَّخصيص بتقديم الظَّرف في ﴿أَلِرَبِّكَ﴾ و﴿وَلَهُمُ﴾، وإيلاؤه حرف الإنكار؛ لزيادة التَّشنيع وتفظيع قولهم.\n\n<span id=\"aya-3939\"></span><span id=\"aya-3940\"> </span>(١٥١) - ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ الإفكُ: الكلامُ المصروف مِن الحقِّ إلى الباطل، والولدُ فَعَلٌ بمعنى المفعول، يقع على الواحد والجمع، والمذكَّر والمؤنَّث.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"منتهاهما\" بدل \"هما\".","vol":"8","page":519},{"text":"بالَغَ في الإنكار بـ (ألَا) و(إنَّ) واللَّام وتقديمِ ﴿مِنْ إِفْكِهِمْ﴾؛ لظهور استحالته، ووضوح حجَّة التَّوحيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3941\"> </span>(١٥٣) - ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.\n﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ استفهامُ إنكارٍ واستبعادٍ. والاصطفاءُ: أخذُ صفوةِ الشَّيء.\nوقرئ بكسر الهمزة (^١)، وجوِّز أن يكون على الإخبار بإضمار القول، متعلِّقًا بقوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: لكاذبون في قولهم: اِصطفى البنات، أو إبدالِهِ من قولهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ على أنَّه مِن كلام الكفرة، وبدون ذلك تلك القراءة ضعيفة جدًّا؛ لكون هذه الجملة مكتنَفةٌ بالإنكار من جانبيها (^٢)، واقتضاءِ المقام اختصاصَها بزيادة الإنكار؛ لأنَّه بالغَ في إنكار الولادة، فاقتضى الحال أن يقول: خصوصًا الإناث، فمَن جعلها للإثبات أوقعها دخيلةً بين نسيبين (^٣)، ونَثَرَ (^٤) نظمَ الكلام.\n_________\n(^١) قرأ أبو جعفر بوصل الهمزة على لفظ الخبر، فيبتدئ بهمزة مكسورة. واختلف عن ورش، فروى الأصبهاني عنه كذلك، وهي رواية إسماعيل بن جعفر بن نافع، وروى عنه الأزرق بقطع الهمزة على لفظ الاستفهام، وكذلك قرأ الباقون. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٦٠).\n(^٢) في النسخ: \"من جانبها\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٤/ ٦٤)، وبين الجانبين بقوله: وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.\n(^٣) يعني: قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ كلام الله تعالى على سبيل الإنكار، فلو جعل ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ إخباريا لكان من كلام الكفار فيختل النظم. انظر: \"فتوح الغيب\" (١٣/ ٢٠٩).\n(^٤) في (م): \"ويزين\"، وسقطت من (ف)، والمثبت من باقي النسخ، وقد استدركت في (ك) على =","vol":"8","page":520},{"text":"والجملةُ الاعتراضية التَّأكيديَّة - أعني: وإنهم لكاذبون - تزيدها ضعفًا؛ لأنَّها مقرِّرة لنفي الولد عن أصله، مؤكِّدةٌ لذلك، فإذا وجَّهتها إلى هذه خرجت عن كونها مبيِّنة للإفك، وصارت كأنَّها مجوِّزةٌ للولادة المذكورة، مُطرقةٌ لصدقهم (^١) لو قالوا بها، وكذا الالتفاتُ في قوله:\n\n<span id=\"aya-3942\"> </span>(١٥٤) - ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.\n﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ أي: بما لا يرتضيه عقل يأباه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3943\"> </span>(١٥٥) - ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنَّه منزَّهٌ عن ذلك.\nوقرئ: (تَذْكُرون) (^٣) مِن ذَكَرَ.\nوالأَولى أن يقال: إنَّ تلك القراءة على حذفِ حرف الاستفهام، لوضوح دلالة قرائنه، وشهادة مُعادله في قوله:\n\n<span id=\"aya-3944\"> </span>(١٥٦) - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾: حجَّةٌ نزلَتْ عليكم (^٤) من السَّماء، أو مِن خبرٍ مِن\n_________\n= الهامش وعليها علامة التصحيح.\n(^١) في (م): \"بصدقهم \".\n(^٢) \"يأباه\" سقط من (ك).\n(^٣) نسبت لطلحة بن مصرف. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٨٨).\n(^٤) \"عليكم\" سقط من (م).","vol":"8","page":521},{"text":"نبيٍّ بأنَّ الملائكة بنات الله؛ أي: لا يجوِّزه عقلٌ، ولا نزل به نقلٌ، فإنَّ كلَّ شيءٍ مِن ذلك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3945\"> </span>(١٥٧) - ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي ينطق بذلك، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥].\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.\nوهذه الآيات واردة على سخطٍ عظيمٍ، واستبعادٍ لأقاويلهم شديدٍ، وما الأساليب التي وردَتْ عليها والتَّراكيبُ التي انتظمَتْ بها إلَّا ناطقة بتسفيه أحلامِهم، وتجهيل نفوسِهم، واستركاكِ عقولهم، مع استهزاءٍ وتهكُّم وتعجيبٍ (^١) مِن أن يُخْطِرَ مُخْطِرٌ مثلَ ذلك على باله (^٢)، ويحدِّثَ به نفسًا، فضلًا أن يجعله معتقَدًا، ويتظاهر به مذهبًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3946\"> </span>(١٥٨) - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾.\n﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾؛ أي: بينَ اللهِ تعالى ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ يعني: الملائكة ﵈، ذكرَهم باسم الجنس وضعًا لهم، وتقصيرًا بهم أن يبلغوا حد المناسبة التي أثبتوها لهم - وإن كانوا في أنفسهم مكرَّمين معظَّمين - لاقتضاء المقام التَّحقير.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"وتعجب\" وسقطت من (ع) و(ي).\n(^٢) في (م): \"بال\".","vol":"8","page":522},{"text":"﴿نَسَبًا﴾ وهو زعمُهم أنَّهم بناتُه تعالى، والمعنى: وجعلوا بما قالوا نسبةً بين الله تعالى وبينهم، وأثبتوا له بذلك جنسيَّةً جامعةً له وللملائكة.\nوالجِنَّةُ جنسٌ يشمل (^١) كلَّ مَن يُجنُّ (^٢) ولا يُؤْنَس، لكن مَن صفا ذاتُه وتنوَّر ونسكَ وطهرَ وكان خيرًا كان ملَكًا، ومَن (^٣) تكدَّر جوهرُه وأظلمَ وخبث ومردَ وكان شرًّا كان شيطانًا.\nوقيل: قالوا: إن الله تعالى صاهر الجنَّ.\nوقيل: قالوا: إن الله تعالى والشَّيطان أخوان، فعلى هذا لا يتناول اللَّفظُ الملائكة.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾؛ أي (^٤): الكفرةَ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ النَّار، ومُعذَّبون بما يقولون.\nوإنَّما نسبَ العلم إلى الذين ادَّعوا لهم تلك النِّسبة وعظَّموهم (^٥)، ووضع (محضرون) موضع (كاذبون)، للمبالغة في التَّكذيب؛ أي: إنَّ الذين فخَّموهم بهذا النَّسب وشرَّفوهم يعلمون أنَّهم في ذلك كاذبون، مفترون (^٦) بما يقولون، فيعذَّبون به.\nوقيل: إنْ فُسِّرَتِ ﴿الْجِنَّةُ﴾ بالشَّياطين جازَ أن يكون الضمير في ﴿إِنَّهُمْ﴾ لهم؛\n_________\n(^١) في (م) و(ع): \"يشتمل\".\n(^٢) في (م): \"كل يجتن\"، وفي (ي): \"كل تحت\" وفي (ع): \"كل من يجتن\".\n(^٣) في (ف) و(ك): \"ومتى\".\n(^٤) في (ف) و(ك): \"إن\".\n(^٥) في (م): \"وعظموا لهم\".\n(^٦) في (ف) و(ك): \"مقرُّون\".","vol":"8","page":523},{"text":"أي: ولقد علمَتِ الشَّياطين أنَّ الله تعالى يعذِّبهم ويحضرهم النَّار، ولو كانوا مناسبين له تعالى لَمَا عذَّبهم.\nوفيه: أنَّ علم الشَّياطين بذلك غير معلومٍ لا بشهادة العقل ولا بشهادة النَّقل، على أنَّ نسبة العلم إليهم قليلة (^١) الجدوى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3947\"> </span>(١٥٩) - ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ مِن الولد والنَّسب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3948\"> </span>(١٦٠) - ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناءٌ منقطِع مِن ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾؛ أي: ولكنَّ المخلَصين ناجون، أو من واو ﴿يَصِفُونَ﴾؛ أي: ولكنَّ المخلصين برآء من أن يصفوه به.\nولاستعظام ذنبهم أوقعَ التَّنزيه معترضًا بين الاستثناء والمستثنى منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3949\"></span><span id=\"aya-3950\"> </span>(١٦١ - ١٦٢) - ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾.\n﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ عَودٌ إلى خطابهم ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على الله تعالى ﴿بِفَاتِنِينَ﴾: مفسدين النَّاسَ بالإغواء، يُقالُ: فتنَ فلان على فلانٍ امرأتَه: إذ أفسدها عليه.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"قليل\".","vol":"8","page":524},{"text":"و﴿أَنْتُمْ﴾ ضمير لهم ولآلهتهم، غلِّبَ فيه المخاطَبُ على الغائب، والفاء في ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ للسَّببية من الاستثناء؛ أي: إذا كان المخلَصون برآءَ (^١) من ذلك فلا تفتِنون أنتم وما تعبدون إلَّا مَن هو مِن أهل النَّار.\nويجوز أن تكون الواو بمعنى (مع)، و﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ سادٌّ مسدَّ الخبر، كقولك: كلُّ رجل وضيعتُه، أي: فإنكم مع ما تعبدون، بمعنى: فإنكم قرناؤهم وأصحابهم (^٢) لا تزالون تعبدونها، ثمَّ قال: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على ما تعبدون ﴿بِفَاتِنِينَ﴾ بباعثين، أو حاملين (^٣) على طريق الفتنة والضَّلال إلَّا مَن هو ضالٌّ مثلُكم صالِ النَّار، فهو كلامٌ مبتدأٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3951\"> </span>(١٦٣) - ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾.\n﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ بكسر اللَّام؛ أي: لستُم تضلُّون (^٤) أحدًا إلَّا أصحابَ النَّار، الذين سبق في علمه تعالى أنَّهم بسوء أعمالهم يستوجبون أن يَصْلوها.\nوقرئ: (صالُ) (^٥) بضمِّ اللَّام (^٦)، على الجمع والتقاء السَّاكنين، بمعنى: صالوا، محمولًا على معنى ﴿مَنْ﴾، والتَّوحيدُ في ﴿هُوَ﴾ على لفظه، أو على حذف لامه\n_________\n(^١) في (ف): \"برؤوا\".\n(^٢) \"وأصحابهم\" سقط من (ي).\n(^٣) في (م): \"مائلين\".\n(^٤) في (م): \"تفتنون\".\n(^٥) \"صال\" سقط من (م).\n(^٦) نسبت للحسن وابن أبي عبلة. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٢٩).","vol":"8","page":525},{"text":"وإجراء الإعراب على عينه، كما حذفت من قولهم: ما باليْتُ به بالةً، وأصله: بالية مِن بالى، كعافية مِن عافى، أو على القلب حتى يصير: صائل، ثم يقال: صال، في صائل، كما يقال: شاكٍ، في شائك.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3952\"> </span>(١٦٤) - ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾.\n﴿وَمَا مِنَّا﴾ أحدٌ ﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أي: رتبةٌ معلومةٌ عندَ اللهِ تعالى معيَّنة لا يتجاوزها، وهو حكاية اعتراف الملائكة بالعبوديَّة، ردًّا على عَبَدتِهم، والوجه أن يكون هو وما قبله من قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ من كلامِهم متَّصلًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾، كأنَّه قال: ولقد علم الملائكة أنَّ المشركين معذَّبون بذلك، وقالوا: سبحان الله تنزيهًا، ثم استثنوا المخلصين تبرئةً لهم، ثم خاطبوا الكفرة بـ[أنَّ] الافتتان بذلك للشقاوة المقدَّرة، ثم اعترفوا بالعبوديَّة وتفاوُت مراتبهم فيه، لا يتجاوزونها (^١).\nوليس هذا من حذف الموصوف وإقامة الصِّفة مقامَه كما قيل؛ لأنَّ (أحد) المحذوف مبتدأ، و﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ خبرُه.\n_________\n(^١) في (ف): \"لا يتجاوزهم\"، وفي (ك): \"فلا يتجاوزهم\"، وفي (م): \"لا يتجاوزه ولا يتجاوزوه\"، وفي (ع) و(ي): \"لا يتجاوزه\". والمثبت من \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٠)، وما بين معكوفتين منه. وزاد في آخر الكلام: (فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه). فما سيأتي رد عليه.","vol":"8","page":526},{"text":"<span id=\"aya-3953\"> </span>(١٦٥) -) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾.\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أقدامَنا، أو (^١) أجنحَتنا، في (^٢) أداء الطَّاعة ومنازل الخدمة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3954\"> </span>(١٦٦) -) ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: المنزِّهون ربَّنا عمَّا لا يليقُ بشأنه، والأوَّل إشارة إلى درجاتهم في الطَّاعة، وهذا في المعارف، وما في (إنَّ) (^٣)، واللَّام، وتوسيطِ الفصل، وتعريفِ الخبر في جملتي آخرِ كلام الملائكة من التَّأكيد والاختصاص؛ لأنَّهم المواظبون على ذلك دائمًا مِن غيرِ فترةٍ دون غيرهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3955\"> </span>(١٦٧) - ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (إنْ) هي المخفَّفة من الثَّقيلة، واللَّام هي الفارقة؛ أي: وإنهم كانوا يقولون؛ أي: مشركو (^٤) قريش:\n\n<span id=\"aya-3956\"> </span>(١٦٨) - ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾.\n﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: كتابًا مِن كتبِ الأوَّلين.\n_________\n(^١) في (ف) و(ك): \"و\".\n(^٢) في (ف) و(ك): \"من\".\n(^٣) في النسخ: \"إنما\"، والصواب المثبت. انظر: \"روح المعاني\" (٢٣/ ١٩٣).\n(^٤) في (ف) و(ك): \"مشركي\".","vol":"8","page":527},{"text":"<span id=\"aya-3957\"> </span>(١٦٩) - ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾: لأخلصنا العبادةَ للهِ تعالى، ولَمَا كذَّبنا وخالفنا كما كذَّبوا وخالفوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3958\"> </span>(١٧٠) - ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾؛ أي: لَمَّا جاءهم الذِّكْرُ الذي هو أشرفُ الأذكار والكتابُ الذي هو معجِزٌ مِن بين الكتب كفروا به.\n﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ كفرِهم إذا حلَّ بهم الانتقام.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3959\"> </span>(١٧١) - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: حكمُنا، أو: وعدنا لهم بالنُّصرة (^١) والغَلَبة، وهو قوله:\n\n<span id=\"aya-3960\"></span><span id=\"aya-3961\"> </span>(١٧٢) - ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.\n﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وهي باعتبار الغالب والمقتضي بالذَّات، لا باعتبار كلِّ مرَّة، وإنَّما سُمِّيَتْ (كلمةً) وهي كلماتٌ؛ لانتظامِها في معنًى واحد، فهي في حكم كلمةٍ واحدةٍ.\nوقرئ: (كلماتنا) (^٢)، وقرئ: (على عبادنا) (^٣) على تضمين ﴿سَبَقَتْ﴾ معنى: حقَّتْ.\n_________\n(^١) في (م) و(ي) و(ع): \"بالنصر\".\n(^٢) نسبت للضحاك. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٩٠).\n(^٣) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٣٩٥)، و\"تفسير الطبري\" (١٩/ ٦٥٧).","vol":"8","page":528},{"text":"<span id=\"aya-3962\"> </span>(١٧٤) - ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾.\n﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾: فأَعرِضْ عنهم، وأغضِ (^١) على أذاهم.\n﴿حَتَّى حِينٍ﴾: إلى مُدَّةٍ يسيرةٍ هي الموعد لنصرهم (^٢)، قيل: هو يوم بدرٍ، وقيل: هو يوم الفتح.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3963\"> </span>(١٧٥) - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.\n﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ على ما يصيبهم حينئذٍ مِن القتلِ والأسرِ، وفي مجيئه على صيغة الأمر تنبيهٌ على أنَّه كائنٌ لا محالةَ، قريبٌ كانه قدَّامك. وفيه تسلية له ﵇ وتنفيسٌ عنه.\n﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾: يبصرونك على ما ينالُك ممَّا قضينا لك من النُّصرة والغَلَبة. و(سوف) للتَّأكيد في الوعيد لا للتَّبعيد.\nروي أنَّه لَمَّا نزلَ: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قالوا: متى هذا؟ فنزلَ:\n\n<span id=\"aya-3964\"></span><span id=\"aya-3965\"> </span>(١٧٦ - ١٧٧) - ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\n﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ﴾؛ أي: العذاب، وقرئ على البناء للمفعول مسندًا إلى الجارِّ والمجرور (^٣)، كقولك: ذُهِبَ بزيدٍ، وقرئ: (نُزِّل) مشدَّدًا (^٤).\n_________\n(^١) في (ف): \"واصبر\".\n(^٢) الصواب: لنصرك عليهم.\n(^٣) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"المحرر الوجيز\" (٤/ ٤٩٠)، و\"المحتسب\" (٢/ ٢٢٩).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨).","vol":"8","page":529},{"text":"﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾: بفِنائِهم.\n﴿فَسَاءَ﴾ وقرئ: (فبئس) (^١).\n﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾: المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ؛ أي: فساءَ صباحُ المنذرين صباحُهم.\nواللَّام للجنس لاقتضاء فعل الذَّمِّ ذلك.\nوالصَّباحُ: الغارةُ، ولَمَّا كان عادةُ مغاويرهم أن يُغِيروا صباحًا سُمِّيَتِ الغارة به أيَّ وقتٍ وقعَتْ ولو عِشاءً.\nشبَّهه (^٢) بجيش هجم (^٣) فأناخ بفنائهم بغتةً، فهو مِن باب التَّمثيل.\nوقيل: هو نزولُ رسول الله ﷺ خيبرَ وكانوا خارجين إلى مزارِعِهم ومعهم المساحي، قالوا: محمد والخميس، ورجعوا إلى حصنهم، فقال ﵇: \"الله أكبر، خربت خيبر (^٤)، إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ (^٥) فساءَ صباحَ المنذرين\" (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-3966\"></span><span id=\"aya-3967\"> </span>(١٧٨) - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾.\n_________\n(^١) نسبت لعبد الله بن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨).\n(^٢) في (م): \"شبهت\".\n(^٣) في (م): \"بجيش هجمهم\"، وفي (ع): \"هجيس هجمهم\"، وفي (ي): \"هجيش هجهم\".\n(^٤) في (م) و(ي) و(ع): \"خرب خيبر\".\n(^٥) في (ف) و(ك): \"بقوم\" بدل \"بساحة قوم\".\n(^٦) رواه البخاري (٦١٠)، ومسلم (١٣٦٥)، من حديث أنس ﵁.","vol":"8","page":530},{"text":"﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ في تكريرِه تأكيدٌ لوقوع الميعاد على تأكيدٍ، وتسلية بعدَ تسليةٍ.\nوأُطلق الفعلان في الثَّاني بعد تقييد الفعل الأوَّل (^١) بالمفعول؛ لزيادة المبالغة في عذابِهم كما بولغ في نصرته؛ أي: إنَّه يبصر وهم يبصرون ما لا يحيطُ به الوصف من أنواع المسرَّة وأصناف المساءة، أو أريد بالأوَّل: عذابَ الدُّنيا، وبالثَّاني: عذابَ الآخرة.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3968\"> </span>(١٨٠) - ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عمَّا قال المشركون فيه، وإضافة الرَّبِّ إلى العزَّةِ لاختصاصِها به؛ إذ لا عزَّةَ إلَّا له، ولمَن يُعزُّه (^٢).\nوقد أدرجَ فيه جملةَ صفاته الثُّبوتيَّة والسَّلبيَّة مع الإشعار بالتَّوحيد.\n* * *\n\n<span id=\"aya-3969\"> </span>(١٨١) - ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾.\n﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ تعميمٌ للرُّسل بالتَّسليم بعد (^٣) تخصيص بعضهم به.\n_________\n(^١) \"الأول\" زيادة من (م).\n(^٢) في (م) و(ي) و(ع): \"يعز\".\n(^٣) في (م) و(ي) و(ع): \"مع\".","vol":"8","page":531},{"text":"<span id=\"aya-3970\"> </span>(١٨٢) - ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على ما أفاضَ عليهم وعلى مَن تبِعَهم من النِّعَم وحُسن العاقبة (^١)، ولذلك أخَّره عن التَّسليم.\nولَمَّا كانَ مدارُ الكلام في هذه السُّورة على مقالة المشركين في الله بنسبة الولد والشَّريك إليه تعالى، ومقالة الرُّسل معهم، ومقاساتهم إيَّاهم، وما مُنِحوا مِن التَّأييد والنُّصرة عليهم - ختمَها على وَفقِ ما ضُمِّنَتْ بالتَّنزيه عمَّا يصفونه، والتَّسليم على المرسلين (^٢) بما تحمَّلوا مِن أعباء الرِّسالة وأذى المرسَل إليهم، والتَّحميد على ما أنعمَ به عليهم من النُّصرة في العواقب وإعزاز الدِّين وإعلاء كلمته (^٣).\n_________\n(^١) في (م): \"العافية\".\n(^٢) في (م): \"الرسل\"، وفي (ي) و(ع): \"المرسل\".\n(^٣) في (م) زيادة: \"والله أعلم بالحقيقة والصواب وإليه المرجع والمآب\".\nوجاء في خاتمة النسخة (ف): \"تم الكتاب بعون الملك الوهاب في صبيحة الاثنين العاشر من شهر شوال من شهور سنة اثنين وتسعين وتسع مئة، أحسن الله ختامها بمحمد وآله وصحبه\".\nوجاء في خاتمة النسخة (ع): \"والمشهور في تفسير المرحوم لابن كمال الوزير تحريره إلى هنا\".\nوجاء في النسخة (ي): \"قوبل وصُحح عن نسخة المصنف بقدر الوسع والإمكان، ثم نظر فيه\".","vol":"8","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>سُورَةُ المُلْكِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5242\"> </span>(١) - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿تَبَارَكَ﴾: تعالى عمَّا تُدرِكهُ الحَواسُّ (^١) والأوهامُ، وتَعاظمَ عمَّا يُحيطُ به القياسُ والأفهام.\n﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾؛ أي: بقَبضةِ قُدرتهِ (^٢) ﴿الْمُلْكُ﴾ يتصرَّفُ فيه كيف يشاءُ، والمُلكُ عَالمُ الأجسامِ، كما أنَّ المَلكوتَ عَالمُ الأروَاحِ (^٣)، فلذَلكَ وَصفَ ذاتهُ تعالى باعتبارِ تَصريفهِ عالمَ المُلكِ وتَدبيرِهِ إيَّاهُ بحَسبِ مَشيئتِهِ بالتَّبارُكِ الَّذِي هُو غَايةُ العَظمةِ\n_________\n(^١) في (ك): \"يدرك بالحواس\"، وفي (ع) و(ي): \"تدرك الحواس\".\n(^٢) في هامش (ب): \"قوله: بقبضةِ قُدرتهِ التَّصرفُ في الأمورِ كُلها … إلى أنَّ اليدَ مَجازٌ عنِ القُدرةِ، وأنَّ المُلكَ مَع كونهِ غَيرَ مُختصٍّ بعَالم المُشاهدةِ عامٌّ لكلِّ فَردٍ، ومُختصٌّ بهِ تَعالى بدليلِ تَقديمِ الظَّرفِ، وتعريفِ المُلكِ، فالمُلكُ عَلى ظَاهرهِ لا بمَعنى التَصرُّفِ، وذِكرهُ لبَيانِ مَعنى كونِ المُلكِ في يَدهِ لا لأنَّه بمَعناهُ، ومَن جَعلَ كَلامَ المُصنِّفِ إشارة إلى أنَّ المُلكَ بمَعنَى التَّصرُّفِ وأنَّ اللامَ فيهِ للاستِغراقِ لم يَدرِ أنَّ كَونَ جَميعِ التَّصرُّفِ للهِ غَيرُ كونِ التَصرفِ في جَميعِ الأمورِ لهُ، وغَيرُ مُستلزِمٍ لهُ، واللَّازمُ مما ذَكرهُ هُو الأوَّلُ دُونَ الثَّاني، ولو سلِّمَ فبمُلاحظةِ مُقدمةٍ أجنِبيةٍ هيَ أنَّ التصرُّفَ في الجَميعِ واقعٌ فتأمَّلْ. مِن حاشيةِ القاضِي مَولانا سِنان جَلبي ﵀\".\n(^٣) هذا التقسيم ناقشه ابن كثير ﵀ عند تفسير آخر سورة يس، ودلّل بالنصوص على أن الملك والملكوت واحد في المعنى، وأن عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.","vol":"9","page":7},{"text":"في إفاضةِ (^١) الخَيرِ والبركةِ والزِّيادةِ فيها، وباعتبارِ تَخيره عالمَ المَلكوتِ بمُقتضى إرادتهِ بالتَّسبيحِ الذي هو كونه تعالى مُنزَّهًا عن مُشابهةِ الأجسامِ، حَيثُ قالَ تَعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣]، وأورَدَ كلًّا بما يُناسِبهُ؛ لأنَّ الزيادةَ والبَكةَ تُناسبُ الأجسامَ في نُموِّها وازديادِها، والتَّنزُّهَ يُناسِبُ المجرَّداتِ عن المادَّةِ.\n﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سواءٌ كان ذلكَ الشيءُ مِن عالم المُلكِ أو مِن عالمِ المَلكوتِ، ففيه دَفعُ ما عسى أنْ يَسبقَ إلى الوَهمِ - مِن تخصيصِ المُلكِ بالذِّكرِ - اختصاصُ الحُكمِ السَّابقِ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5243\"> </span>(٢) - ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.\n﴿الَّذِي﴾ بدلٌ مِن الذي قبله، أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ.\n﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ الخَلقُ بمعنَى الإيجادِ إنْ كان المَوتُ ضدَّ الحياةِ، وبمعنَى التَّقديرِ إن كان عَدمَها، وإنَّما قُدِّمَ المَوتُ عليها لأنَّه أدعَى إلى حُسنِ العملِ، فذِكرُه في المقامِ أهمُّ (^٢)، وأمَّا قولهُ تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فالموتُ فيه على المعنى المَجازيِّ.\n﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليُعاملكم مُعاملةَ المُختَبِر، مِن البَلوَى وهي الخِبرةُ (^٣).\n﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ في الدُّنيا بالزُّهد في أُمورها والرغبةِ عنها، وكما أنَّ الاختبارَ في\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"إضافة\"، وفي (م): \"إفادة\".\n(^٢) انظر: الكشاف (٤/ ٥٧٥)، وقال القرطبي: (لأن الموت إلى القهر أقرب). انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢١/ ١١٠).\n(^٣) في (ع): \"الخبر\". والمثبت من باقي النسخ و\"الكشاف\" (٤/ ٥٧٥).","vol":"9","page":8},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] غيرُ مخصوصٍ بالمكلَّفينَ بالشَّرائعِ (^١) كذلك هاهنا غيرُ مخصوصٍ بهم.\nجملة (^٢) واقعةٌ مَوقعَ المفعولِ الثَّاني لفِعلِ البَلوى مِن حيث إنَّه تَضمَّنَ معنى العِلمِ، فليس هذا مِن باب التَّعليقِ (^٣) لأنَّ الجُملةَ المعلَّقَ عنها يَجبُ أنْ تقعَ مَوقعَ المفعولَينِ معًا (^٤).\n_________\n(^١) في هامش (ف): \"فيه رد للقاضي؛ لأنَّه قال: أيها المكلفون\".\n(^٢) يعني قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\n(^٣) في هامش \"ب\": \"قولهُ: ولَيَسَ هذا مِن بابِ التَّعليقِ، نَفيٌ للتَّعلِيقِ الَّذِي هُو مِن خَصائصِ أفعَالِ القُلوبِ، وهُو لا يُخالفُ ما ذَكرهُ في سُورةِ هُودٍ مِن قَولهِ: (وإنَّما جازَ تَعلِيقُ فِعلِ البوى لما فيهِ مِن مَعنَى العِلمِ مِن حَيثُ إنه طَريقٌ إليهِ كالنَّظرِ والاستِماعِ)؛ لأنَّ المُرادَ ثمةَ تَسليطُ فِعلِ البَلوى على ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ مِن جِهةِ كونهِ جُملةً واقِعة مَوقعَ المَفعولِ الثَّاني مَع أنَّه لا يتَعدَّى بغَيرِ واسِطةٍ إلا إلى مَفعولٍ واحِدٍ، وذَلكَ لأنَّ ما ذَكرهُ منَ التَّعليلِ إنَّما يَصلحُ لما قُلتُ لا للتَّعلِيقِ النَّحويِّ، فإنَّ وَجههُ تَصديرُ الجُملةِ بكلِمةِ الاستِفهامِ بعدَ أن كانَ بمَعنَى العِلمِ لا كونُه بمَعناهُ، كيفَ وطلبُ وَجهِ جَوازِ التَّعليقِ إنَّما يَكونُ بعدَ العِلمِ بوُجودِهِ، والعِلمُ بهِ يتَوقَّفُ عَلى تَضمُّنهِ مَعنى العِلمِ، فبَعدَ العِلمِ بالتضمُّنِ يُستَغنى عَن بَيانِ وَجهِ جَوازِ التَّعلِيقِ، فتدبَّرْ … يتوهَّمُ أنَّ التَّعلِيقَ في المَوضِعينِ بمَعنىً واحدٍ، ويُقالُ في وَجهِ التَّلفيقِ: إنَّما في سُورةِ هُودٍ تَجويزُ تَعلِيقهِ باعتِبارِ تَضمُّنِ مَعنَى العِلمِ مِن غَيرِ نَظرٍ إلى خُصوصِ تَركيبِ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وفي سُورةِ المُلكِ مَنعهُ بالنَّظرِ إلى خُصوصهِ، وفيهِ أنَّ جَوازَ التَّعلِيقِ فيهِ مِن أينَ عُلمَ حتَّى يُحتاجَ إلى بَيانِ وَجههِ؟ وهاهُنا وُجوهٌ أُخرُ ذَكرُوها ولفَسادِها معَ كَونِ مَبناها فاسِدًا طَويناها عَلى غَيرِها، ثمَّ إنَّهُ يَجوزُ أن يُرادَ بالتَّضمُّنِ هاهُنا التَّضمِينُ المُصطَلحُ، وأن يُرادَ الاستِعارةُ لمعنَى العِلمِ، والآيةُ الكَريمةُ تَحتمِلُها، لكنَّ الزَّمخشرِيِّ نصَّ عَلى الثَّاني في هَذهِ السُّورةِ، ولو حَملَ الأولُ وَجهَ المُتضمَّن حالًّا عامِلًا في الجُملةِ فقطْ لمْ يَبعدْ أنْ يُوجدَ في الآيةِ التَّعلِيقُ النَّحويُّ فتدبَّرْ. الفاضِلُ سِنان جَلبي\".\n(^٤) وما ذهب إليه المؤلف مَبْنَاهُ على أنَّ تعليقَ أفعالِ العِلمِ عن العملِ لا يستقيمُ إلَّا إذا لم يُذْكرْ للفعلِ مفعولٌ، فإذا ذُكِر مفعولٌ لم يَصِحَّ تعليقُ الفعلِ عن المفعولِ الثاني. وفي المسألة قولان نقلهما في =","vol":"9","page":9},{"text":"ولمَّا قَدمَ الموتَ الذي هو أثرُ صفةِ القَهرِ على الحياةِ التي هي أثرُ صفةِ اللُّطفِ، قدَّمَ صفةَ القَهرِ على صِفةِ اللُّطفِ في قَولهِ تَعالى:\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الغالبُ الذي لا يُعجِزهُ مَن أساءَ العملَ ﴿الْغَفُورُ﴾ الستَّارُ الذي لا يَيأسُ منه أهلُ الإساءَةِ والزَّلل.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5244\"> </span>(٣) - ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾.\n﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾: مُطابَقةً بَعضُها (^١) فَوقَ بَعضٍ، مِن طابقَ النَّعلَ: إذا\n_________\n= \"التحرير والتنوير\":\nأحدهما: قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود: أن جملة الاستفهام سادة مَسدَّ المفعول الثاني، وأن فعل (يبلوكم) المضمن معنى (يَعْلَمكم) معلق عن العمل في المفعول الثاني، وليس وجود المفعول الأول مانعًا من تعليق الفعل عن العمل في الثاني، وإن لم يكن كثيرًا في الكلام.\nوالوجه الثاني: وهو الذي أوجبه المؤلف، على أن تؤول الجملة بمعنى مفردٍ تقديره: ليعلمكم أهذا الفريق أحسنُ عملًا أم الفريقُ الآخر، ثم قال: (وهذا مختار صاحب \"الكشاف\" في تفسير هذه الآية). فالزمخشري ذهب في سورة هود إلى مذهب الفراء والزجاج، واختار هاهنا المذهب الآخر، وهو صحيح من حيث العربية، والمسألة خلافية، وقد أشبعها الآلوسي ﵀ دراسة وأورد مناقشة على ما ذهب إليه الزمخشري في الموضعين. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٧٥) ومعه \"الانتصاف\" لابن المنير، و\"روح المعاني\" (٢٧/ ٢٨٦)، و\"التحرير والتنوير\" (١٤/ ٢٩).\n(^١) في هامش \"ب\": \"قولهُ: مُطابَقة بَعضها هو بفتحِ الباءِ، عَلى أنَّه صِيغةُ مَفعولٍ، إشارةٌ إلى أنَّ ﴿طِبَاقًا﴾ مَصدرٌ بمَعنى المَفعولِ صِفةُ ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، مَعناهُ: مُطابقة بَعضُها فَوقَ بَعضٍ، وَيجوزُ أنْ يكونَ (مُطابقة) مَصدَرًا بمَعنى المَفعولِ، فالمُرادُ يبانُ كَونِ الطِّباقِ مَصدرًا بمَعنَى المُطابقةِ. لمَولانا سِنان جَلَبي\". =","vol":"9","page":10},{"text":"خَصفَها (^١) طَبقًا على طَبقٍ، أو جَمعُ طَبقٍ كجَملٍ وجِمالٍ، أو طَبقةٍ كثَمرةٍ وثمارٍ (^٢).\nصفة إنْ كان جمعًا، أو وصف بالمصدرِ، أو على: ذاتَ طِباقٍ، أو: طُوبِقتْ طباقًا (^٣).\nوالخطابُ في قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ لكلِّ أحدٍ؛ للتعجُّبِ العامِّ من التَّناسُب التامِّ في خَلقِهنَّ.\n﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: مِن اختلافٍ في الخِلقةِ، وقُرئَ: ﴿مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ (^٤) ومعنَى البِنائين واحدٌ؛ كالتَّعاهُدِ والتَّعهُّدِ، وحقيقةُ التَّفاوُتِ: عَدمُ التَّناسُبِ، كأنَّ بعضَ الشَّيء يَفوتُ بعضًا ولا يُلائِمهُ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ مِن بابِ وَضعِ الكُبرى موضعَ النَّتيجةِ إثباتًا للحُكمِ بعلَّتهِ، وذلك أنَّ أصلَ الكلام: ما تَرى فيهنَّ من تفاوتٍ؛ لأنَّهُ مِن خَلقِ اللهِ تعالى، وما تَرى في خَلقهِ مِن تَفاوتٍ، وفي إضافتهِ إلى ﴿الرَّحْمَنِ﴾ إشعارٌ بأنَّ ذلك\n_________\n= وقد وصف المضاف إليه في ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾، ووصف المضاف في هذه الآية، لاقتضاء كل ما يناسبه. انظر: \"فتوح الغيب\" (١٥/ ٥٣٥).\n(^١) في \"ع\": \"وافقها\".\n(^٢) في هامش \"ب\": \"ومَن قالَ: كرحبةٍ ورِحابٍ فقَد سَها؛ لأنَّ طَبقةً بسكُونِ الباءِ غَيرُ مُستَعملةٍ\". لكن ما جاء في \"روح المعاني\" (٢٧/ ٢٩٠) ينقضه حيث قال: (… كرحبة بفتح الحاء …). ويجوز فيها الفتح والسكون كما في \"القاموس\".\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٧٦) و\"تفسير النسفي\" (٤/ ٤٠٠).\n(^٤) بتشديد الواو من غير ألف قراءة حمزة والكسائي، والباقون بالألف وتخفيف الواو. انظر: \"التيسير\" (ص:٢١٢).\n(^٥) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٧٦).","vol":"9","page":11},{"text":"التَّناسُبَ أثرُ الرَّحمة لأنَّه مَدارُ نظامِ العالمِ، والجملةُ صِفةٌ ثَانيةٌ للسبعِ (^١).\n﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ مُتعلِّق بما قبلهُ على معنى التَّسبُّبِ (^٢)؛ أي: إن أردتَ أنْ تَتحقَّقَ ما أخبرتُكَ به (^٣) فارجع البصرَ ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾: صُدوعٍ وشُقوقٍ، جمعُ فَطرٍ وهُو الشَّقُّ، والمُرادُ: الخَللُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5245\"> </span>(٤) - ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾.\n﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ معنى التَّراخي في ﴿ثُمَّ﴾: هو أنْ يَتوقَّفَ بَعدَ كلالِ البصرِ بكثرة المُراجعةِ، حتَّى يُجِمَّ (^٤) بَصرهُ، ثُمَّ يُعادَ ويُعادَ فلا يَنقلِبَ إلَيهِ إلَّا بالبُعدِ عنِ المَطلُوبِ، والكَلال، ولا يَعثرُ (^٥) عَلى شَيءٍ مِن التَّفاوُتِ والفُطورِ.\nوالمُرادُ بالتَّثنيةِ في ﴿كَرَّتَيْنِ﴾: التَّكريرُ والتَّكثيرُ؛ كما في قولهم: لبَّيكَ وسَعدَيكَ (^٦)؛ ولذَلكَ أجَابَ الأمرَ بقَولهِ:\n_________\n(^١) واستظهر أبو حيان أنها استئنافُ أنه لا يدرك في خلقه تعالى تفاوت. انظر: \"البحر\" (٢٠/ ٤١٢).\n(^٢) في \"ع\": \"السبب\"، وفي (ف) و(ي): \"التسبيب\"، لكن صحح في هامش (ي) إلى المثبت.\nوجاء في هامش \"ب\": \"قولهُ: عَلى مَعنى التَّسبُّبِ، يعنِي أنَّ الإخبارَ بعدَمِ التَّفاوتِ في خَلقهنَّ كانَ سَببًا للأمرِ بالرُّجوعِ بناءً عَلى اعتَراءِ شُبهةٍ فيهِ، ثمَّ إنهُ يَحتملُ أنْ يَكونَ الكلامُ عَلى جَوابِ شَرطٍ مَحذوفٍ، تَقديرُهُ: إنْ كُنتَ في رَيبٍ مِن ذَلكَ فارْجعْ فَتأمَّلْ، وهَذا غيرُ التَّسببِ، ومَن قالَ: إنَّه مَتعلِّقٌ بما قبلَهُ عَلى التَّسببِ ثُمَّ قالَ: أي: إنْ أرَدتَ أن تَتحقَّقَ ما أخبرتُكَ بهِ فارجِعِ البَصرَ، فقدْ غَلطَ حَيثُ خلَّطَ فتدَّبرْ. لمَولانا سِنان جَلَبي\". وانظر: الكشاف (٤/ ٥٧٦).\n(^٣) في \"ع\": \"عنه\".\n(^٤) جَمّ الفرسُ وأجَمَّ، إذا استراح وذهب إعياؤه. المخصص لابن سيده (٤/ ٣٤٢).\n(^٥) في \"ع\": \"يثبت\".\n(^٦) قوله (لَبَّيْك وسَعْدَيْك)؛ أي: إِجابة بعد إجابةٍ، كأنّه قال: كلَّما أَجبتُك في أمرٍ فأنا في الأمر الآخَر =","vol":"9","page":12},{"text":"يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾: بَعيدًا عمَّا طَلبتَ (^١)، كأنَّه طُردَ عنه بالصَّغارِ.\n﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾: كَليلٌ مِن كَثرةِ المُراجَعةِ وطُولِ المُعاودةِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5246\"> </span>(٥) - ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.\n﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾: القُربى مِنكُم (^٣). وفي هَذا التَّوصيفِ دِلالةٌ عَلى أنَّ الزِّينةَ في الواقِعِ لا في الرُّؤيةِ، إذ لا تَمايزَ بَين دُنياها وعُلياها في النَّظرِ (^٤).\n﴿بِمَصَابِيحَ﴾ استُعيرَتْ للكَواكبِ المُضيئةِ باللَّيلِ، والتَّنكِيرُ (^٥) للتَّنوِيعِ؛ .....\n_________\n= مجيبٌ، وكأَنّ هذه التثنيةَ أشدُّ توكيدًا. انظر: الكتاب (١/ ٣٥٠).\n(^١) من قولك: خسأت الكلب، إذا أبعدته وطردته. انظر: \"النهاية\" (مادة: خسأ).\n(^٢) في (ب): \"المعاهدة\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٤/ ٥٧٧).\n(^٣) في هامش (ب) و(م): \"قالَ القاضِي بعدَما فسَّر السَّماءَ الدُّنيا بأقرَبِ السَّماواتِ إلى الأرضِ: ولا يَمنعُ ذَلكَ كونُ بَعضِ الكَواكبِ مَركُوزةً في سَماواتٍ فَوقَها؛ إذ التَّزيِينُ بإظهَارِها عَليها، وقالَ الزَّمخشَريُّ: إنَّ الشُهبَ الَّتِي تَنقضُّ لرَميِ المُسترقةِ منهُم مُنفصِلةٌ مِن نارِ الكَواكبِ لا أنَّهم يُرجَمونَ بالكَواكبِ أنفُسِها لأنَّها قارَّةٌ في الفَلكِ عَلى حَالها. أقولُ: القولُ بأن الكَواكبَ قارَّةٌ بالفُلكِ مَركوزةٌ فيهِ مَردودٌ بنصِّ القُرآنِ، وهُو قولُهُ تَعالَى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وَيسيرُونَ بسُرعةٍ كالسَّابحِ في المَاءِ\".\n(^٤) في هامش (ب): \"وإنَّما خصَّ التَّزيِين بها مَعَ حُصولهِ أيضًا في أفلاكٍ فوقَها، ومَع عَدمَ التَّمايزِ بَينَ دُنياها وعُلياها - بُعداها - في المَنظرِ، بناء على أفهامِهم، حَيثُ بادرَتْ أوهَامُهم إلى أنَّ الأفلاكَ فَوقَها بَعضُها يَحجبُ بَعضًا، وأنَّ الكَواكبَ كأنَّها جَواهرُ مُضيئةٌ مُتلألِئةٌ عَلى سَطحٍ أزرَقَ للفُلكِ الأقرَبِ. لمَولانا سِنان جَلَبي ﵀\".\n(^٥) في (ع): \"والتكثير\".","vol":"9","page":13},{"text":"أي: بمَصابيحَ لَيستْ مِن جِنسِ مَصابِيحكُمْ (^١).\n﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا﴾: جمعُ رَجمٍ بالفتحِ، وهو مصدرٌ سمِّيَ به ما يُرجَمُ.\n﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾؛ أي: ضَمَمْنا إلى التَّزيين فائِدةً أُخرى جليلةً هي رجمُ الشَّياطين التي تَسترِقُ السَّمعَ بالشُّهبِ المُنقضَّةِ، وقد عيَّنَ هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧]، والقُرآنُ يفسِّرُ بَعضهُ بَعضًا سيَّما (^٢) في حُكمٍ واحِدٍ، فلا وَجهَ (^٣) لِمَا قِيلَ: مَعناهُ: وجَعلناها ظُنونًا لشَياطِينِ الإنسِ، وهُم المُنجِّمونَ (^٤).\nوفيهِ دِلالةٌ عَلى أنَّ الكَواكبَ الَّتِي استُعيرَ (^٥) لها المَصابِيحُ في السَّماءِ الدُّنيا؛ لأنَّ انقضاضَ الشُّهب لا يُتصوَّرُ مِن سائر السَّماوات، وقد مرَّ في تفسيرِ سورة الأنبياء أنَّ تحتَ السَّماء فَلكًا هو موجٌ مكفوفٌ فيه الكواكبُ كلُّها.\nوعن كعب: أنَّ السَّماءَ الدُّنيا مَوجٌ مَكفوفٌ (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٧٧).\n(^٢) قوله: (سيما) له أحكام في العربية، قال أبو حيان في \"الارتشاف\" (٣/ ١٥٥٢): (وحَذفُ \"لا\" من \"لا سِيَّما\" إنما يوجد في كلام الأدباء الْمُوَلَّدِينَ، لا في كلام مَنْ يُحْتَجُّ بكلامه).\nوقال ابن هشام في \"المغني\" (ص: ١٨٦): (وتشديد يائه ودخول الواو على (لا) واجب)، وينظر تمام الكلام في هذه المسألة في \"همع الهوامع\" (٢/ ٢٨٥)، و\"تاج العروس\" (مادة: سوو).\n(^٣) في (ب) و(ع) و(م): \"حاجة\" وكتب تحتها في (ب) و(ع): \"وجه\".\n(^٤) نقله الزمخشري مقدما له بـ (قيل)، وتابعه البيضاوي، واحتمله أبو حيان، ودلّل عليه السمين من شعر زهير. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٧٧)، و\"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٢٩)، والبحر المحيط (٢٠/ ٤١٦٤) و\"الدر المصون\" (١٤/ ٣٤).\n(^٥) في (ع) و(ك): \"استعيرت\".\n(^٦) رواه الثعلبي في \"تفسيره\" (٩/ ٣٥٧). وروى الإمام أحمد في \"المسند\" (١٧٧٠) من طريق الحكم بن عبد الملك - وهو ضعيف - عن أبي هريرة ﵁ حديثا جاء فيه: \"أتدرون ما =","vol":"9","page":14},{"text":"﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، بعدَ الإحراقِ بالشُّهب في الدُّنيا، والسَّعيرُ: أشدُّ الحريقُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5247\"> </span>(٦) - ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ (^١) مَنَ الثَّقلَين ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، وقُرئَ بالنَّصبِ (^٢) عَلى أنَّ ﴿لِلَّذِينَ﴾ عَطفٌ عَلى ﴿لَهُمْ﴾، و(عذابَ جهنَّمَ) على ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.\n﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: المَرجعُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5248\"> </span>(٧) - ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾.\n﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾: طُرِحُوا في جهنَّمَ كما يُطرحُ الحَطبُ في النَّارِ العَظيمةِ.\n_________\n= هذه فوقكم؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: \"الرفيع موج مكفوف، وسقف محفوظ، أتدرون كم بينكم وبينها؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: \"مسيرة خمس مئة عام\". وإسناده ضعيف جدًّا.\n(^١) في هامش \"ب\": \"قولُهُ ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيةَ، لمَّا كان هاهنا مَظنَّة أنْ يُتوهَّمَ مِن التَّخصِيصِ الذِّكريِّ اختِصاصُ الحُكمِ بالمَرجُومينَ، عمَّمهُ لهم ولغَيرهم مِنَ الكَفرةِ دَفعًا لهذا، مَعَ الإشارةِ إلى العِلةِ لاستِحقَاقِهم لهُ، فالمَعنَى لَيسَ المَرجُومونَ مَخصُوصِينَ بهِ، بلْ كلُّ مَن كَفرَ بربِّهِ كَذلكَ، فلَيسَ فيهِ شبهُ التَّكرارِ كما ظُنَّ، ولَيسَ في قَولهِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الآيةُ، ما يُنافي العُمومَ؛ لجَوازِ أنْ لا يُوجدَ فَوجٌ مِن شَياطِينٍ صِرفةٍ، وسُؤالُ الخَزنةِ لهم لا يُوجِبُ أن يَكونَ لكُلِّ أحدٍ، نعم يَجبُ حَملُ الآيةِ الكَريمةِ عَلى غَيرِ الشَّياطينِ عَلى قِراءةِ نَصبِ ﴿عَذَابُ﴾ فتدبَّرْ. مِن حاشِيةِ القاضِي لمَولانا سِنان جَلبي رَحمهُ اللهُ تَعالى\".\n(^٢) نسبت إلى الضحاك والأعرج وأسيد بن أسيد المزني والحسن في رواية. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٥٩)، و\"المحرر الوجيز\" (٥/ ٣٣٩)، و\"البحر\" (٢٠/ ٤١٦).","vol":"9","page":15},{"text":"﴿سَمِعُوا لَهَا﴾: لجَهنَّمَ ﴿شَهِيقًا﴾: صَوتًا مُنكَرًا كصَوتِ الحِمارِ، شبَّهَ حسيسَها الفَظيعَ بالشَّهيقِ (^١).\nقالَ ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنهُما: الشَّهيقُ لجَهنمَ عِندَ إلقَاءِ الكفَّارِ فيها تَشهقُ إلَيهم شَهقةَ البَغلةِ للشَّعيرِ، ثُمَّ تَزفِرُ زَفرةً لا يَبقى أحدٌ إلا خافُ (^٢).\nوأمَّا الزَّفيرُ والشَّهيقُ للكفَّارِ المَذكُورانِ في قَولهِ تَعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] فذَلكَ بَعدَ القَرارِ في النَّارِ، وبَعدَ مَا قِيلَ لهُم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فصَاروا لا يَتكلَّمونَ، ولمْ يَبقَ لهُم إلَّا أصْواتٌ مُنكَرةٌ، ولا حُروفَ مَعها.\n﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾: تَرتفِعُ بهم بالغَليانِ، فإنَّ الفَورَ ارتفاعُ الشَّيءِ بالغَليانِ، لا الغَليانُ نَفسهُ، ومنهُ: الفوَّارةُ؛ لارتفاعِها بالماءِ ارتَفاعَ الغَليانِ.\n_________\n(^١) في هامش \"ب\": \"وفي \"الكشَّافِ\": ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾: إمَّا لأهلِها ممَّن تقدَّمَ طرحُهم فيها أو مِن أنفُسِهم، كقَوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾، وإمَّا للنَّارِ تَشبِيهًا لحَسِيسها المُنكَرِ الفَظيعِ بالشَّهيقِ. واعتُرضَ عَليهِ بما حَاصلُهُ: أنَّهُ قدْ سَبقَ في تَفسِير ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا﴾: ثُمَّ لا يَكونُ لهم إلَّا زَفيرٌ، ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾: أنَّ أهلَها بعدَما وَقعَ مِنهمُ المُقاولةُ في سِتةِ آلافِ سَنةٍ يُقالُ لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ ثُمَّ لا يَكونُ لهم إلا زَفيرٌ وشَهيقٌ، فهُما إمَّا يَكونانِ لهُم بعدَ القَرارِ في النَّارِ، وبَعدَما قيلَ لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فأنَّى يتَسنَّى الاستِدلالُ بقَولهِ: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ عَلى كَونِ الشَّهيقِ هاهُنا لأهلِها، ولا يَخفَى أنَّ ما سَبقَ إنَّما يدلُّ عَلى عَدمِ وُقوعِ غَيرِ الزَّفيرِ والشَّهيقِ بَعدَ القَرارِ، لا عَلى عَدمِ وُقوعِهما قَبلهُ، وبَعدَ التَّسليمِ ما ذُكرَ في \"الكشَّافِ\" لا يدلُّ عَلى وُقوعِهما وَقتَ الإلقاءِ فتأمَّلْ. لمَولانا سِنان جَلبي ﵀\". وانظر الكشاف (٤/ ٥٧٨).\n(^٢) انظر: \"تفسير القرطبي\" (٢١/ ١١٩). ووقع في \"ب\": \"يخاف\".","vol":"9","page":16},{"text":"<span id=\"aya-5249\"> </span>(٨) - ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾.\n﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ ﴿تَمَيَّزُ﴾ (^١)؛ أي: تَتقطَّعُ وتَتفرَّقُ.\n﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ (^٢) عَلى الكفَّارِ، تَمثيلٌ لشدَّةِ اشتِعالها بهم، ويجوزُ أنْ يُرادَ (^٣) غَيظُ الزَّبانِيةِ، وأُسندَ إليها للمُلابسةِ. والغَيظ: الغَضب الكامِن، ولا يَلزمُ أن يَكونَ مِن العَجزِ كما تَوهَّمهُ الجَوهرِيُّ؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] (^٤)، فإنَّهُ في مَقامِ المَدحِ، والعاجِزُ بمَعزِلٍ عَنهُ.\n﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ مِن الكفَّار المُكذِّبين للرُّسل بدِلالةِ قوله: ﴿فَكَذَّبْنَا﴾، ولا حجَّةَ فيها للمُرجِئةِ على أنَّهُ لا يَدخُلُ النَّارَ أحدٌ إلَّا الكفَّارُ؛ لأنَّه بيَّنَ حالَ الدَّاخلينَ فيها زُمرًا وسَكتَ عن حال الدَّاخِلينَ فيها فُرادَى، فيَجوزُ أنْ يَكونَ عُصاةُ المُؤمِنين دخولهُم فيها فُرادَى.\n﴿سَأَلَهُمْ﴾ (^٥)؛ ............\n_________\n(^١) في (ب): \"تتميز\"، وليست في (ك) و(م).\n(^٢) في هامش \"ب\": \"قولُهُ: ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ الجَوهَريِّ: هُو الغَضبُ الكَامنُ للعَاجزِ، كِلا الوَصفَينِ إمَّا أنْ يَكونَ لشَخصٍ واحدٍ كما هُوَ الظَّاهرُ، فقَولُه تَعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ مِن قَبيلِ التَّجرِيدِ المُسمَّى في عِلمِ البَيانِ بالمَجازِ اللُّغويِّ الرَّاجِعِ إلى مَعنى الكَلمةِ غَيرِ المُفيدِ، أو لا يَكونَ بأنْ يَكونَ اللَّامُ صِلةَ الغَضبِ، يُقالُ: غَضبَ عَليهِ ولهُ، وكِلا الاستِعمالَين ثابتٌ، فقَولهُ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ مِن هَذا القَبيلِ، مِن حَاشيةِ القاضِي مَولانا سِنان جَلَبي رَحمهُ اللهُ تَعالى\".\n(^٣) في \"ع\": \"يكون\".\n(^٤) انظر: الصحاح (مادة: غيظ).\n(^٥) في هامش \"ب\": \"قوله ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي: وقالُوا: ألم يأتِيكم .. الخ، فالسُّؤالُ عَلى مَعناهُ الأصلِيِّ غَايتهُ أنَّه لَيسَ بسُؤالِ استِعلامٍ، فصحَّةُ وَضعِ ﴿قَالَ﴾ مَكانَ ﴿سَأَلَ﴾ كمَا وَقعَ في الزُّمرِ لا =","vol":"9","page":17},{"text":"أي: قالَ لهُم، عَلى ما صرِّحَ بهِ في سُورةِ الزُّمرِ (^١)، وفي التَّعبِيرِ عنهُ بالسُّؤالِ غيرَ مُوفٍّ (^٢) حقَّهُ بالتَّعدِيةِ إلى مَفعُولهِ الثَّاني بـ (عن) تَنبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَيسَ بسُؤالٍ حَقيقةً بلْ تَقرِيعٌ وتَوبِيخٌ في صورةِ السُّؤالِ.\n﴿خَزَنَتُهَا﴾: حَفظةُ جَهنَّمَ - وهُم المَلائكةُ المُوكَّلونَ بتعذِيبِ أهلِها - توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ رسولٌ مِن جِنسكُمْ يخوِّفكم مِن هذا العذابِ.\nوحَملُ النَّذيرِ على ما في العُقولِ مِن الأدلَّةِ المُحذِّرةِ المُخوِّفةِ يَردُّهُ قَولهُ تَعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الزمر: ٧١].\n* * *\n\n<span id=\"aya-5250\"> </span>(٩) - ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.\n﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ اعتِرافٌ مِنهم بأنَّ اللهَ تَعالى أزاحَ عِللَهمْ بإرسالِ الرَّسولِ.\nوحملُ النَّذير عَلى معنَى الجَمعِ لمُساعدةِ الصِّيغةِ لهُ لا يَتحمَّلهُ المَقامُ، لأنَّ مَعنَى ﴿فَكَذَّبْنَا﴾: فكذَّبَ كلُّ واحدٍ منَّا النَّذيرَ الذي جاءنا، وكلُّ واحدٍ منهم لم يُكذِّب رُسلًا مُتعدِّدةً جاؤوهم، كيفَ وقومُ نوحٍ ما جاءهم إلَّا نوح ﵊.\n_________\n= يَدلُّ عَلى كَونهِ بمَعناهُ كما ظُنَّ، ثُم إنَّهُ إذا قُلتَ: سألتُهُ أقامَ زَيدٌ؟ مُريدًا بهِ الاستِعلامَ صحَّ، وكلِمةُ الاستِفهامِ في أمثالِهِ أغنَتْ عَن ذِكرِ صلةِ السُّؤالِ، فلَيسَ في تركها تَنبيهٌ عَلى أنه لَيَسَ بسُؤالٍ حقيقةً كما تُوهِّمَ. مَن حاشِيةَ القَاضِي لمولانا سِنان جَلَبي\".\n(^١) يعني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الزمر: ٧١].\n(^٢) في (ك): \"معرف\".","vol":"9","page":18},{"text":"﴿وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: فكذَّبنا وأفرَطنا في التَّكذِيبِ حتَّى نَفينا الإنزالَ والإرسالَ رأسًا، وعلى وفقِ هذا وَردَ ما (^١) في حَذفِ المَفعولِ من الإيماء إلى أنَّ تَكذِيبهُم لم يَكُن لرسولهمْ (^٢) خاصَّةً، فقَولُهم:\n﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ خِطابٌ لرَسُولهم ولأمثالهِ عَلى التَّغليبِ، أو إقامةِ تكذِيبِ الواحدِ مَقامَ تكذيبِ الكلِّ.\nأشَارَ أوَّلًا إلى عُمومِ تكذِيبهم للرُّسلِ وبَعدَ ما صرَّحوا بما يَقتضِي ذلكَ أخرَجوا ما في حيِّزِ الإشارةِ إلى مَعرضِ العبارةِ.\nويُجوزُ أنْ يَكونَ مِن كَلامِ الخَزَنةِ عَلى إرادةِ القولِ، والمُرادُ بالضَّلالِ: الهلاكُ، أو الضَّلالُ في الدُّنيا حِكايةً لما كانُوا عليه فيها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5251\"> </span>(١٠) - ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ سَماعَ تَفهُّمٍ بتَفهيمِ الغَيرِ، كقولهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣].\n﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ مِن عِندِ أنفُسنا بالتَّأملِ في الآياتِ الظَّاهرةِ الدَّالةِ (^٣) عَلى وُجودِهِ تَعالى ووَحدانيَّتهِ، والبيِّناتِ الباهِرةِ القَائمةِ عَلى صحَّةِ دَعوى الرُّسلِ.\nوقيلَ: أي: نَسمعُ سَماعَ قَبولٍ وطَاعةٍ، أو نَعقلُ عَقلَ مُتفكِّرٍ مُتأمِّلٍ.\n_________\n(^١) في (ف): \"أوردنا\"، وفي (م): \"أورد ما\".\n(^٢) في \"ع\": \"لرسلهم\".\n(^٣) في (ف): \"الدلالة\".","vol":"9","page":19},{"text":"وكَلمةُ ﴿أَوْ﴾ هو بمعنى الواوِ كما في قَولهِ تَعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] إذ لا استِقلال (^١) في كُلٍّ مِن السَّمعِ والعَقلِ في الحُكمِ المَذكورِ بَعدَهُ به (^٢)، أو تَنزيلٌ (^٣) لشَطرِ العِلةِ في مَنزلةِ تَمامِها؛ تفصيلًا لمواضعِ التَّفريطِ، واعتناءً بشَأنِ كلٍّ مِنها (^٤) في مَقامِ التَّحسُّرِ (^٥).\n﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾: في جُملةِ مَن (^٦) أُعدَّتِ النَّارُ لهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5252\"> </span>(١١) - ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ حينَ لا يَنفعُهم الاعترافُ، وفي إفرادِ الذَّنبِ اعتبارًا (^٧) لأصلِه إشارةٌ إلى أنَّ ما اعتَرفُوا به أمرٌ مُشترَكٌ بينهُم، وهو الكفرُ بسببِ تَكذيبِ الرُّسلِ.\n﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ السَّحَقُ بتَحريكِ الحاءِ وتَسكِينها: البُعدُ، وانتصابهُ على أنَّه مصدرٌ وقع (^٨) مَوقعَ الدُّعاءِ؛ أي: فأسحَقهم اللهُ سُحقًا.\n_________\n(^١) في (ب) و(ف): \"إذ الاستقلال\"، وهو تحريف.\n(^٢) \"به\" من (م).\n(^٣) في (ك): \"أو تنزيلا\".\n(^٤) في (ك): \"منهما\".\n(^٥) وقع في (ك) و(ع) في تفسير هذه الآية تقديم وتأخير وإسقاط وتكرير، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب.\n(^٦) في (ب): \"ما\" وفي هامشها: \"من\".\n(^٧) في (ع) و(ك): \"اعتبار\".\n(^٨) في \"ع\": \"واقع\".","vol":"9","page":20},{"text":"وأصحَابُ السَّعيرِ: الشَّياطينُ؛ لأنَّ إعدادهُ كان لهم، لا كُلُّ مَن دَخلَ فيه، وقد أُشيرَ إلى ذلك في سياقِ كلامِهم حيثُ قيل: ﴿فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ولم يُقل: مِن أصحابِ السَّعيرِ، فلمَّا فَصَلَ فيه بينهم وبَيْنَ أصحابِ السَّعيرِ كان أصلُ الكلامِ: فسُحقًا لهم ولأصحَابِ السَّعيرِ، وإنَّما عَدلَ عنه إلى ما ذُكرَ؛ تغليبًا لأصحاب السَّعيرِ عليهم؛ للتَّحقِيرِ والتَّقلِيلِ، والمُبالغةِ في التَّهدِيدِ على وجهِ الإيجازِ، ومَن وَهَمَ أنَّ الإيجازَ نُكتةٌ أُخرَى للتَّغلِيبِ فقَدَ وَهِمَ، فإنَّ كُلًا مما ذُكرَ يَتيسَّرُ بدُونِ التَّغليبِ، إلَّا أنهُ لا يكونُ على وَجهِ الإيجَازِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5253\"> </span>(١٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ الخَشيةُ: خوفٌ يَشوبهُ تَعظِيمُ المَخشِيِّ مع المَعرفةِ بهِ (^١)؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وإنَّما قال: ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ إذ عندَ العيانِ لا يَبقَى للخَشيةِ شأنٌ.\n﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مُتعلَّقُ التَّخصِيصِ المُستفادِ مِن تَقدِيمِ الجارِّ والمَجرُورِ مجموعُ الأمرَينِ، فلا يَلزمُ اختصاصُ مغفرَةِ الذُّنوبِ بالذين يَخشَونهُ تعالى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5254\"> </span>(١٣) - ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ ظَاهرُه الأمرُ بأحدِ الأمرَينِ: الإسرَارِ والإجهارِ، ومَعناهُ: المُبالغةُ في استِوائهما في عِلمِ اللهِ تعالى، ثُمَّ علَّلهُ بقوله تعالى:\n_________\n(^١) \"به\" ليس في (ع) و(ك).","vol":"9","page":21},{"text":"﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بضَمائرِها مِن غيرِ أنْ تُترجِمَ الألسِنةُ عنها، فكيف لا يَعلمُ ما تَكلَّمُ به؟\n* * *\n\n<span id=\"aya-5255\"> </span>(١٤) - ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.\nثُمَّ أنكَرَ بقَولهِ تَعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾؛ أي: ألا يُحيطُ عِلمًا بالمُسرِّ والمُجهرِ مَن خَلقَ الأشياءَ كلَّها ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وحالُهُ أنَّهُ المُتوصِّلُ عِلمهُ لِمَا بَطنَ مِن خَلقهِ وما ظهرَ، فهو تَذييلٌ بعدَ التَّعلِيلِ.\nرُويَ أنَّ مُشرِكي مكَّةَ كانُوا يَنالُونَ مِن رسولِ الله ﷺ فيُخبرُه جِبرائيلُ ﵇ بما قالوا فيه ونَالُوا مِنهُ ﷺ، فقالوا فيما بينهم: أسِرُّوا قولكم كَيلا يَسمعَهُ إلهُ مُحمدٍ؛ فنزلت (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5256\"> </span>(١٥) - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾: ليِّنةً ليسهُلَ لكم التَّصرُّفُ فيها بالحَركةِ والسُّكونِ وغيرِ ذلك.\n﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ شُبِّهت الأرضُ في غايةِ تَذلِيلِها بالبَعيرِ المُذلَّلِ، والمَشيُ في المَناكبِ مَثلٌ لفَرطِ التَّذلِيلِ ومُجاوزَةِ الغايَةِ، فإنَّ مَنكِبَي البعيرِ ومُلتقاهما مِن الغَاربِ (^٢) أدقُّ (^٣) .........\n_________\n(^١) انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٤٤٢).\n(^٢) الغارِبُ: الكاهِلُ، أو ما بَيْنَ السَّنامِ والعُنُقِ، جمعها: غَوارِبُ. انظر: \"القاموس\" (مادة: غرب).\n(^٣) في (ف) و(ك): \"أرق\".","vol":"9","page":22},{"text":"شيءٍ منهُ وأنباهُ عَن أنْ يَطأَه (^١) الرَّاكِبَ بقَدمهِ، فإذا جَعلَها في الذُّلِّ بحَيثُ يَمشِي في مَناكِبها لم يَترُك شَيئًا مِنَ التَّذلِيلِ.\nوحقُّ المَثلِ أنْ تَكونَ المُفرَداتُ عَلى حَالها فلا استِعارةَ في لَفظِ الَمناكبِ.\nوقيل: استُعيرَ المَناكبُ للجِبالِ؛ قال الزجَّاجُ: معناه: سهَّلَ لكم السُّلوكَ في الجبالِ، فإذا أمكَنكُم السُّلوكُ فيها فهو أبلَغُ التَّذلِيلِ (^٢).\nوقِيلَ: استُعيرَ لجَوانِبها.\n﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾: التَمِسوا مِن نِعمِ اللهِ تعالى، وتَخصِيصُ الأكلِ بالذِّكرِ؛ لكونه أهمَّ وأعمَّ.\n﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾؛ أي: إليهِ تعالى خاصَّةً نُشورُكم، فهُو مُسائلُكم عن شُكرِ ما أنعَمَ به عليكم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5257\"> </span>(١٦) - ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.\n﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: أمرُه وقَضاؤهُ وألُوهيَّتُه، كقَولهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] والهَمزةُ للإنكَارِ، وقُرئَ بقَلبِ الهَمزةِ الثَّانيةِ ألِفًا (^٣).\n﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ كما خَسفَها بقارونَ، وهو بدل من (مَن) التي في ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ بدل الاشتِمالِ (^٤).\n_________\n(^١) في \"ب\": \"يطأ\".\n(^٢) انظر: \"معاني القرآن\" للزجاج (٥/ ١٩٩).\n(^٣) وهي قراءة نافع وأبي عمرو ورويس. انظر: الحجة لابن خالويه (ص: ٣٥٠).\n(^٤) أي: مَن في السماء خَسْفَه.","vol":"9","page":23},{"text":"والخَسفُ: أن تنهار (^١) الأرض بالشَّيءِ، وتَعدِيتُهُ بنَفسِه.\nو﴿بِكُمُ﴾ حالٌ؛ أي: مَصحوبًا بكم.\n﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ المَورُ: الاضطِرابُ في المَجيءِ والذَّهاب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5258\"> </span>(١٧) - ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.\n﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ كما فَعلَ بقومِ لوطٍ. والحاصِبُ: الحِجارةُ التي يُرمَى بها.\n﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾؛ أي: إذا رأيتم المُنذَرَ به عَلِمتُم كيف إنذاري حينَ لا يَنفعُكم العِلمُ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5259\"> </span>(١٨) - ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.\n﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؛ أي: إنكارِي عليهم بإنزالِ العذابِ، وهو تَسليةٌ للرَّسولِ ﷺ، وتَهديدٌ لقومه (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5260\"> </span>١٩ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ الاعتِبارُ بالطَّيرِ ناسبَ المَقامَ، إذ قد تَقدَّمَ الحاصِبُ في\n_________\n(^١) في (ب) و(ي): \"انتهاء\".\n(^٢) في (ع): \"لهم\".","vol":"9","page":24},{"text":"الكَلامِ، وقد أهلَكَ اللهُ تعالى أصحابَ الفيلِ بالطَّيرِ والحاصب الَّذي رمتهم به، ففيه إذكارُ قُريشٍ بهذِهِ القِصةِ.\n﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾: باسِطاتٍ أجنِحتَهنَّ في الجوِّ عندَ الطَّيرانِ، فإنَّها إذا بَسطَتها صَففنَ قَوادِمها صفًّا (^١)، والصفُّ: وَضعُ الأشياءِ المُتوالِيةِ على خطٍّ مُستقيمٍ.\n﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: ويَضمُمنَها إذا ضَربنَ بها جُنوبَهنَّ، ولمَّا كان الحثُّ على الاستدلالِ على قُدرةِ اللهِ تعالى بالطَّيرانِ - والأصلُ فيهِ بَسطُ الأجنِحةِ، وأما القَبضُ فطارِئٌ للاستِظهارِ على التَّحريكِ للبَسطِ - لم يَقلْ: وقابِضاتٍ، ليدُلَّ عَلى أنَّ القُدرةَ على ما هو خِلافُ الطَّبعِ إنَّما هي في البَسطِ، وأمَّا القبضُ فيَطرأ وقتًا بَعدَ وقتٍ لاحتِياجِ البَسطِ إليهِ في التَّحرِيكِ، فإنَّ الطيرانَ في الهواءِ كالسِّباحةِ في الماءِ، فكما أنَّ الأصلَ في السِّباحة مدُّ الأطرَافِ والقَبضُ إنَّما يَكونُ تاراتٍ (^٢) للاستِعانةِ عَلى البَسطِ، فكَذلكَ في الطَّيرانِ.\n﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجوِّ على خلافِ الطَّبعِ، ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الشَّاملُ الرَّحمةِ للكُلِّ بقُدرتهِ بما دبَّرَ لهنَّ مِن القَوادِمِ والخَوافي (^٣)، وخصَّهنَّ بهيئاتٍ وأشكالٍ يَتهيَّأُ لها بها الجَريُ في الجوّ.\nو﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ مُستأنفٌ، وإنْ جُعلَ حالًا من الضَّمير في ﴿يَقْبِضْنَ﴾ يجوزُ.\n_________\n(^١) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٥٨١) وفيه: (لأنهن إذا بسطنها ..)، ومثله في \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٣٠).\n(^٢) في (ب): \"طارات\"، وفي (ف) و(م): \"تارة\"، وسقطت من (ع) و(ي)، والمثبت من (ك).\n(^٣) القوادم: أربع ريشات في مقدم الجناح، والخوافي: ما بعد المناكب، وفي جناح الطائر عشرون ريشة أولها القوادم ثم المناكب ثم الخوافي … انظر: \"المحكم\" لابن سيده (مادة القاف والدال والباء).","vol":"9","page":25},{"text":"﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يَعلمُ كيف يَخلُقُ ويُدبِّرُ ويُهيِّئُ لكلِّ شيءٍ ما (^١) يُعدُّهُ لما خَلقَ له وأرَادَ منهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5261\"> </span>(٢٠) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾.\n﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ أم مَن يُشارُ إليهِ مِن المَجموعِ، ويُقالُ: هذا الذي هو جُندٌ لكُم ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إنْ أرسَلَ عليكم عذابهُ؟\n﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي﴾ مُعادِلة لهَمزةِ الاستِفهامِ في ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، و(مَن) مُبتدأٌ ﴿هَذَا﴾ خبرُه، والمَوصولُ مع صِلتهِ صِفةُ ﴿هَذَا﴾ و﴿يَنْصُرُكُمْ﴾ وصفُ ﴿جُنْدٌ﴾ مَحمولٌ على لفظهِ، والمعنَى: أولَم يَنظُروا إلى هذه الصَّنائعِ العجيبةِ فيَعلموا قدرَتنا على تَعذيبهم بخَسفٍ أو حاصبٍ، أم لكم جُندٌ يَنصرُكم مِن دُونِ اللهِ تعالى إنْ أرسَلَ عَذابهُ؟! وهو نحوُ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] إلَّا أنَّه أُخرِجَ مَخرجَ الاستفهامِ عن تَعيينِ مَن يَنصُرُهم؛ إشعارًا بأنَّهم اعتَقدُوا هذا القِسمَ.\n﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾؛ أي: ما هم إلَّا في غُرورٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5262\"> </span>(٢١) - ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾.\n﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ﴾ أم مَن يُشارُ إليهِ ويُقالُ: هذا الَّذِي يَرزُقُكم ﴿إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ تَقدِيرًا، وفيهِ إيذَانٌ بأنَّ ﴿هَذَا﴾ إشَارةٌ إلى جميعِ الأوثانِ لاعتَقادِهم أنَّهم يُحفَظُونَ مِن النَّوائبِ، ويُرزَقونَ ببرَكةِ آلهتهمْ، فكأنَّهم الجُندُ النَّاصرُ والرَّازقُ على اعتِقادِهم.\n_________\n(^١) في (ع): \"لما\".","vol":"9","page":26},{"text":"والإمسَاكُ: اللُّزومُ المانِعُ عنِ السُّقوطِ.\nفلمَّا لم يتَّعظُوا أضرَبَ عنهم فقال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ اللَّجاجُ: تَقَحُّم الأمرِ مع كثرةِ الصَّارفِ عنه.\n﴿فِي عُتُوٍّ﴾ العُتوُّ: هو الخُروجُ إلى فاحِشِ الفسادِ.\n﴿وَنُفُورٍ﴾ النُّفورُ: النُّبوُّ مِن الشَّيءِ هَربًا عن الشُّعورِ بضَررهِ؛ أي: أصرُّوا على العِنادِ، وتَمادَوا في الشِّرادِ (^١) عن الحقِّ النَّافعِ زاعِمينَ أنَّه باطِلٌ ضارٌّ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5263\"> </span>(٢٢) - ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nثُمَّ ضَربَ مَثلًا للكَافرِ والمُؤمنِ فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي﴾ المشي جنس الحركة المخصوصة، فإذا اشتد فهو سعي، فإذا ازداد فهو عَدْو، والنقلة أعم من المشي لتحقُّقها بدونه فيمَن زحف ودبَّ، والحركة أعم من النقلة لوجودها بدونها فيما يدور في مكانه.\n﴿مُكِبًّا﴾ أكَبَّ: صار ذا كَبٍّ، ودخل في الكَبِّ، وهو السقوط في الهوَّة، ونحوه: أَقْشَعَ السحابُ: دخل في القَشْع، وهما من باب أَنْفَض وألام (^٢)، لا من باب المطاوعة كما توهِّم، فإن مطاوع كبَّ وقَشَعَ: انكبَّ وانقشع. ولم يجئ من باب أفعل مطاوع.\n_________\n(^١) في \"ع\": \"الفرار\".\n(^٢) أنفض القوم: إذا هلكت أموالهم، وأنفضوا أيضًا - مثل أرملوا -: إذا فني زادهم، وألام الرجل: إذا أتى بما يلام عليه. انظر: \"فتوح الغيب\" (١٥/ ٥٥٧).","vol":"9","page":27},{"text":"﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾: عاثرًا كلَّ ساعةٍ يخرُّ على وجهه؛ لوعورة الطريق، واختلاف أجزائه في الارتفاع والانخفاض؛ ولذلك قابله بقوله: ﴿سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، واكتفى بما في الكبِّ من الدلالة على حال المسلك، إشعارًا بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقًا.\nوخبر (مَن): ﴿أَهْدَى﴾؛ أي: أرشدُ.\n﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾؛ أي: قائمًا سالمًا من العثور ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾؛ أي: على طريقٍ لا الْتِواءَ فيه ولا اعوجاج.\n﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: لا ميلَ فيه أصلًا، فينتفِي به (^١) الصُّعود والهبوط والعدول عن قصد السبيل، وقد مَرَّ التَفصِيلُ في تفسيرِ سورةِ الفاتحةِ.\nوخَبرُ (مَن) مَحذُوفٌ لدِلالةِ ﴿أَهْدَى﴾ عليه.\nوقيل: المُكبُّ: الذي يُحشرُ على وجههِ إلى النَّارِ؛ لأنَّهُ كان مُكبًّا عَلى المَعاصي، والسَّوِيُّ: الذي يَمشي على قَدمَيهِ إلى الجنَّة؛ لأنَّه كانَ على طريقِ التَّوحيدِ والإسلامِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5264\"> </span>(٢٣) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لتَسمَعوا المَواعظَ، ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتَنظُروا صَنائعهُ، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتُفكِّروا وتَعتَبرُوا.\n﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ هذهِ النِّعمَ، والمَعنى: تَشكُرونَ شُكرًا قَلِيلًا، و﴿مَا﴾ زائِدةٌ، ويُحتَملُ أنْ تكُونَ القلةُ عِبارةً عَنِ العَدمِ.\n_________\n(^١) في هامش \"ب\": \"فيه\".","vol":"9","page":28},{"text":"<span id=\"aya-5265\"> </span>(٢٤) - ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾: خَلقكُم ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ للجَزاءِ. والحَشرُ: السَّوقُ مِن جِهاتٍ مُختلِفةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5266\"> </span>(٢٥) - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يَعنُونَ: وَعدَ البَعثِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يَعنُونَ: النَّبيَّ ﷺ والمُؤمِنينَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5267\"> </span>(٢٦) - ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾: عِلمُ وَقتهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يطَّلعُ عليه أحدٌ غيرهُ.\n﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُخوِّفٌ ظاهِرٌ، وذلك أنَّ بِعثتهُ ﵇ كانتْ مِن أشراطِ السَّاعة، فكانَ ﷺ مُنذِرًا قالًا وحالًا على ما أشَارَ إلَيهِ بقَولهِ: \"أنا النَّذِيرُ العُريانُ\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5268\"> </span>(٢٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ الضَّميرُ لـ ﴿الْوَعْدُ﴾ بمعنَى (^٢) المَوعُودِ.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣)، من حديث أبي موسى ﵁. (النذير العريان): أصله أن الرجل إذا أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه وأشار به إليهم إذا كان بعيدا منهم ليخبرهم بما دهمهم، وأكثر ما يفعل هذا ربيئة قومه وهو طليعتهم ورقيبهم. انظر: \"شرح مسلم\" للنووي (١٥/ ٤٨).\n(^٢) في \"ع\": \"يعني\".","vol":"9","page":29},{"text":"﴿زُلْفَةً﴾ نَصبٌ عَلى الحَالِ؛ أي: ذا زُلفةٍ؛ أي: قرُبَ مِنهم، أو على الظَّرفِ؛ أي: مَكانًا ذا زُلفةٍ، أي: فلمَّا رأوا ما وُعدَ قَريبًا.\n﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن بابِ وَضعِ الظَّاهرِ مَوضِعَ الضَّميرِ، وأصلُ النَّظمِ (^١) أن يُقالَ: فلمَّا رَأى الَّذِينَ كَفرُوا المَوعُودَ سَاءتْ رُؤيتُه (^٢) وُجوهَهم، فغُيِّرَ إلى ما تَرى للذَّمِّ والإيذانِ بأنَّ سَببَ المُساءةِ والكآبةِ برُؤيةِ الوَعيدِ إنَّما هو الكُفرُ، وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾ في مَوضعِ: فمَن يُجيرُكمْ.\n﴿وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾: تَفتَعلُونَ، مِن الدُّعاءِ، وقيل: مِن الدَّعوَى.\nوقُرِئ: ﴿تَدَّعُونَ﴾ بالتَّخفِيفِ (^٣).\nقِيل: القَائلونُ هُم الزَّبانيَةُ، أي: تَطلُبونَ وتَستَعجِلونَ به، أو كُنتمْ بسَببهِ تَدَّعون وتَزعُمونَ أنَّكم لا تُبعَثونَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5269\"> </span>(٢٨) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾: أمَاتَني ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ مِن المُؤمِنينَ ﴿أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ لا يُنجِيهم أحَدٌ مِن العذابِ مُتنا أو بَقِينا، وهو جَوابٌ قولهم: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].\nوفيهِ تَعرِيضٌ بأنَّ الرَّسولَ ﵇ ومَن معه مُتربِّصون إحدى\n_________\n(^١) في (ك): \"إذ حقه\" بدل: \"وأصل النظم\".\n(^٢) في \"ب\": \"وساءت رؤية\"، وفي (ي): \"وساءت رؤيته\".\n(^٣) قراءة يعقوب من العشرة، والباقون بالفتح والتشديد، انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٨٩).","vol":"9","page":30},{"text":"الحُسنَيينِ، فالهلاكُ الذي تَطلُبون لهم إنَّما هو استعجالُ الفوزِ والسَّعادةِ، وأنتُم على صِفةٍ ليس وراءَها إلَّا الهلاكُ الذي لا هلاكَ بَعدهُ، وأنتم غافلُونَ لا تَطلُبونَ الخلاصَ منه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5270\"> </span>(٢٩) - ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: الذي أدعُوكم إليه مُولي النِّعمِ كُلِّها.\n﴿آمَنَّا بِهِ﴾ للعِلمِ بذلك ﴿وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾؛ للوُثوقِ عَليهِ.\nوإنَّما أُخرَتْ صِلةُ ﴿آمَنَّا﴾ وقُدمَتْ صِلةُ ﴿تَوَكَّلْنَا﴾؛ لوُقوعِ ﴿آمَنَّا﴾ تَعرِيضًا بالكافرِينَ، حيثُ وَردَ عَقيبَ ذِكرهم؛ كأنَّهُ قيلَ: آمنَّا ولم نَكفُرْ كما كفَرتُم، ثمَّ قِيلَ: وعليهِ توكَّلنا خُصُوصًا، لمْ نتَّكلْ على ما أنتم مُتَّكِلون (^١) عليه من رجالِكم وأموالكُم.\n﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منَّا ومنكُم، وقُرِئَ بياءِ الغائبةِ (^٢) ردًّا على قَولهِ: ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5271\"> </span>(٣٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾؛ أي: صارَ غائرًا (^٣) ذاهِبًا في الأرضِ لا تَنالهُ\n_________\n(^١) في \"ع\": \"تتكلون\".\n(^٢) في (ب) و(ي): \"المغايبة\". وهي قراءة الكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢١٢).\n(^٣) في \"ع\": \"ماؤكم أي: صار غورًا غائرًا\" بدل \"ماؤكم غورًا أي: صار غائرًا\".","vol":"9","page":31},{"text":"الدِّلاءُ، يُقالُ: غار الماءُ غَورًا: إذا أسفَلَ في الأرْضِ، مصدرٌ وُصفَ به للمُبالغةِ.\nخَصَّ مِن بَينِ أنواعِ الإزالةِ أهوَنَها بالعِبارةِ إحالةً لغَيرِها عَلى الدِّلالةِ، فكأنَّهُ يَقولُ: عَجزُكم في هذهِ الصُّورةِ ثابِتٌ، فكَيفَ الحالُ فيما فَوقَها! ولا يَخفَى أنَّ إعمَالَ الدِّلالةِ خيرٌ مِن إهمَالها.\nثُمَّ إنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ الماء مُقتَضَى طَبعهِ أنْ يَغورَ، فخُروجُهُ على وَجهِ الأرضِ وظُهورُه بالقَسرِ لُطفٌ مِن اللهِ تَعالى، فالامتِنانُ هنا بالإحسانِ أقوَى ممَّا في قولهِ تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]؛ لأنَّهُ امتِنانٌ بتَركِ الإسَاءةِ.\n﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾: ظَاهرٍ تَراهُ العُيونُ، أو جارٍ على وَجهِ الأرضِ، فهو على الأوَّلِ مفعولٌ مِن العَينِ كمَبيعٍ مِن البَيعِ، وعلى الثَّاني مِن الإمعانِ في الجَريِ، فوَزنهُ فعِيلٌ؛ كأنَّهُ قيل: مُمعِنٍ في الجَرىٍ.\n[وللهِ الحمدُ وحدهُ، والصَّلاةُ على مَن لا نبيَّ بَعدهُ] (^١)\n_________\n(^١) وقع مكان المعكوفتين في \"ع\": \"تم بعون الله تعالى وحمده\".\nوفي (ف): \"والحمد لله وحده، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم\".\nوفي (ك): \"والله أعلم. هذا ما وجد من هذا التفسير وصلى الله على البشير النذير سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم:\nرقم المرجِّي عفوَ ذي الجلال … محمدُ بنُ الصالحي الهلالي\nيرجو من المولى بجاه المصطفى … سحابَ إفضالٍ بعفوٍ وكفَى\nوذلك في أواخر سنة ٩٩٠، والحمد لله وحده\".\nوفي (م): \"والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب\".","vol":"9","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>سُورَةُ النَّبَإِ</span>\n﷽\n\n<span id=\"aya-5673\"> </span>(١) - ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾.\n﴿عَمَّ﴾ أصلُهُ: عمَّا (^١)، عَلى أنَّهُ حَرفُ جرٍّ دَخلَ عَلى (ما) الاستِفهامِيَّةِ، وقُرئَ على الأصلِ (^٢)، ثُمَّ حُذفَتِ الألِفُ فَرقًا بَينَ الاستفهامِ والخبرِ، وهي القِراءةُ.\nوقُرئَ: ﴿عمَّه﴾ بهاء السَّكتِ؛ إمَّا إجراءً للوصلِ مُجرَى الوقفِ، وإمَّا وقفًا على إضْمارِ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، والابتِداء بما بَعدَهُ على الإبهامِ والتَّفسيرِ (^٣).\nومعنَى هذا الاستفهامِ تفخيمُ شأنِ المُستفهَمِ عنه، كأنَّه قال: عن أيِّ شيءٍ يَتساءلونَ؟ ونحوُه (^٤) ما في قولك: زَيدٌ ما زَيدٌ؟ جَعلتَه لانقِطاعِ قَرينهِ وعَدمِ نَظيرِه\n_________\n(^١) في (ب) و(ف) و(م): \"عن ما\".\n(^٢) نسبت لعكرمة وعيسى. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٣٤٧)، و\"المحرر الوجيز\" (٥/ ٤٢٣).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٤). وروي الوقف بهاء السكت عن البزي ويعقوب. انظر: \"التيسير\" (ص: ٦١ - ٦٢)، و\"النشر\" (٢/ ١٣٤). ولم يرتض هذا الوقف الأزهري فقال: ليس قوله: ﴿عَمَّ﴾ موضع وقف، وإن اضطر إلى الوقف قارئ لم يَجُزْ أنْ يقف على (عَمه) بالهاء؛ لأن هذا ليس موضع وقف. انظر: \"معاني القراءات\" للأزهري (٣/ ١١٥).\n(^٤) في (ع): \"ونحو\".","vol":"9","page":35},{"text":"كأنَّه شيءٌ خَفيَ عليكَ جِنسُه فأنت تَسألُ عن جِنسهِ (^١)، هذا أصلُه تُمَّ جُرِّدَ للعبارةِ (^٢) عن التَّعظيمِ حتَّى وَقعَ في كلامِ مَن لا يَخفَى عَليهِ خَافيةٌ، ويُناسِبُ المَعنَى المَذكورَ ما في النَّبأ ووَصفِهِ مِن الدِّلالةِ عَلى الخَطرِ (^٣).\nو﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: يَسألُ بعضُهم بعضًا، والضَّميرُ لأهلِ مكَّةَ (^٤)، أو يتَساءلُونَ غَيرهُم عن (^٥) رسولِ اللهِ ﷺ والمُؤمنينَ كما ذُكرَ في يَتداعَونهم وَيتراءَونَهم (^٦)، كأنَّ المشرِكينَ يَتساءلُونَ فيما بَينَهم عَنِ البَعثِ، وَيَسألُونَ (^٧) المُؤمِنينَ عَنه على طَريقِ الاستِهزاءِ.\nوقُرئَ: (يسَّاءلون) بالإدْغامِ (^٨).\n_________\n(^١) كما تقول: ما الغول وما العنقاء؟ تريد: أي شيء هو من الأشياء؟ انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٤).\n(^٢) في \"ب\": \"العبارة\".\n(^٣) النبأُ: الخبرُ الذي له شأنٌ وخطرٌ، وقد وصفَ بقولِه تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ بعد وصفِه بالعظيم، تأكيدًا لخطره إثرَ تأكيدٍ، وإشعارًا بمدار التساؤلِ عنه. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٩/ ٨٥).\n(^٤) زاد في \"ب\": \"كأنَّ المُشركِينَ يَتساءلُونَ فيما بَينهُم عن البَعثِ، ويَسألونَ المُؤمِنينَ عنه على طريقِ الاستِهزاءِ\". وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعًا، وكانوا جميعًا يسألون عنه، أما المسلم فليزداد خشية واستعدادًا، وأما الكافر فليزداد استهزاء. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٤).\n(^٥) قوله: \"عن\" كذا في النسخ، والذي في \"الكشاف\": (من) فهي بيان لـ (غيرهم)، ويؤيده عبارة البيضاوي: (أو يسألون الرسول ﵊ والمؤمنين). انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٧٨).\n(^٦) أي: يدعونهم ويرونهم. انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٧٨).\n(^٧) في (م) و(ي): \"ويتساءلون\"، وسقطت الجملة من (ع)، والمثبت من (ب) و(ف)، وكلاهما صواب. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٤)، و\"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٧٨).\n(^٨) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٤). وقرئ بالتاء في أوله بدل الياء، جاء في \"البحر\" (٢١/ ١٨٥)، و\"روح المعاني\" (٢٨/ ٢٠١): وقرأ عبد الله وابن جبير: (تسَّاءلون) بغير ياء وشد السين، على أن أصله: =","vol":"9","page":36},{"text":"<span id=\"aya-5674\"> </span>(٢) - ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ بَيانٌ لشأنِ المُفخم (^١)، أو صِلةُ ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾، و﴿عَمَّ﴾ مُتعلِّقٌ بمُضمَرٍ مفسَّرٍ بهِ، ولا دِلالةَ على هذا في قِراءةِ السَّكتِ لانتِظامِها كِلَا الوَجهينِ على ما نبَّهتُ عَليهِ آنِفًا.\nوالنَّبأُ: الخَبرُ الَّذِي لهُ شأنٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5675\"> </span>(٣) - ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾: منهم مَن يَقطعُ بنَفيهِ، ومنهُم مَن يَشكُّ فيهِ، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ الاختلافُ بالإقرارِ والإنكارِ عَلى أنْ يكُونَ الضَّميرُ في ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ للمُسلِمينَ والمُشركينَ جَميعًا؛ لأنَّ الفريقَينِ كِلَيهما (^٢) في حَيِّزِ الرَّدعِ، وعلى هذا يلزَمُ أنْ لا يَدخلَ أحدُهما فيهِ، وفيهِ ما فيهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5676\"> </span>(٤) - ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.\n﴿كَلَّا﴾ رَدعٌ للمُتسائلِينَ (^٣).\n_________\n= (تتساءلون) بتاء الخطاب، فأدغمت التاء الثانية في السين. وانظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦٧).\n(^١) في \"ع\": \"المضمر\"، والمثبت من (ب) و(ف) و(م) و(ع).\n(^٢) في النسخ: \"كلاهما\"، والمثبت هو الجادة.\n(^٣) في (ب): \"للسائلين\"، وفي (ف): \"للمسائلين\".","vol":"9","page":37},{"text":"﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ وَعيدٌ، وحُذفَ ما يَتعلَّقُ به العِلمُ تَهوِيلًا؛ أي: سيَعلمُونَ ما يَحلُّ بهم.\nوقِيلَ: المعنى: سيَعلمون حين يَرون العذابَ أنَّ ما يَتساءلُونَ عنه (^١) ويضحكونَ منه حقٌّ.\nوقُرئَ بالتَّاءِ (^٢) عَلى تَقديرِ: قُلْ لهم (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5677\"> </span>(٥) ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ تكرِيرُ الرَّدعِ مع الوَعيدِ تَشدِيدٌ (^٤) في ذَلكَ.\nومَعنَى ﴿ثُمَّ﴾: الإشْعارُ بأنَّ الثَّانيَ أبلَغُ منَ الأوَّلِ وأشدُّ.\nوقِيلَ: الأوَّلُ عِندَ النَّزعِ، والثَّاني في القبر (^٥).\nوقِيلَ: الأوَّلُ عِندَ البَعثِ، والثَّاني عِندَ الجَزاءِ.\n* * *\n_________\n(^١) \"عنه\" سقطت من (ب).\n(^٢) هي رواية ابن ذكوان عن ابن عامر. انظر: \"السبعة في القراءات\" (ص: ٦٦٨)، ولم يذكرها الداني في \"التيسير\".\n(^٣) \"لهم\" سقطت من (ب).\n(^٤) في (ع): \"تشديدا\"، وفي (ف): \"تكرير للردع\".\n(^٥) في (ع): \"القبر\"، والمثبت من (ب) و(ف) و(م) و(ع). وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٧٨)، و\"تفسير أبي السعود\" (٩/ ٨٦).","vol":"9","page":38},{"text":"<span id=\"aya-5678\"> </span>(٦) - ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾.\n﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ﴾ استِفهامٌ بمعنَى التَّقريرِ، ﴿مِهَادًا﴾ (^١): وِطاءً، وهو القَرارُ المُهيَّأ للتَّصرُّفِ فيه مِن غيرِ أذيَّةٍ، تذكيرٌ لهم ببعضِ ما عايَنوا مِن عجائبِ صُنعِه الدَّالِّ على كمالِ قُدرَتهِ؛ ليَستدِلُّوا بذلكَ على البَعثِ كما ذُكرَ (^٢) مِرارًا.\nوقُرئَ: (مَهدًا) (^٣)؛ أي: أنَّها لكم كالمَهدِ للصَّبيِّ وهو ما يُمهَدُ فيُنوَّمُ عليه، تَسمِيةً للمَمهودِ (^٤) بالمَصدَرِ، أو وُصفتْ (^٥) بالمَصدرِ، أو بمعنَى: ذاتَ مَهدٍ (^٦).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5679\"> </span>(٧) - ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾.\n﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾؛ أي: للأرْضِ كَيلا تَميدَ بكم مَيدَ المَهدِ بما فيهِ، فهو تَكمِيلٌ لِمَا قَبلهُ، ولذلك لم يفصَل بينهما بإعادةِ الفِعلِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5680\"> </span>(٨) - ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾.\n﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذَكرًا و(^٧) أُنثَى حتَّى يصِحَّ منكم التَّناسلُ.\n_________\n(^١) في هامش \"ب\": \"هو اسمُ ما يُمهدُ كالفِراشِ، أو جَمعُ مَهدٍ. ذَكرهُ القَاضِي في تَفسِيرِ سُورةِ طهَ\".\n(^٢) في \"ب\": \"ذكره\".\n(^٣) نسبت لمجاهد وعيسى الهمداني. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦٧). وجاء في هامش \"ب\": \"أنكر القاضي هذه القراءة في تفسير سورة طه\".\n(^٤) في \"ب\": \"للمعهود\".\n(^٥) في (ب) و(ف): \"صفة\".\n(^٦) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٥).\n(^٧) في \"ب\": \"أو\".","vol":"9","page":39},{"text":"<span id=\"aya-5681\"> </span>(٩) - ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾: قَطعًا عنِ الحركةِ والإحساسِ، استراحةً للقِوى الحيوانِيةِ وإزاحةً لكَلالها (^١) بتعطيلِ الحَواسِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5682\"> </span>(١٠) - ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾: غِطاءً ساتِرًا بظُلمتِهِ (^٢)، فيه تقويةٌ للفائدةِ المقصودةِ مِن جَعلِ النَّومِ سُباتًا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5683\"> </span>(١١) - ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾: مُتصرَّفًا للعيشِ فهو ظرفٌ لا مَصدرٌ، فلا حاجةَ إلى إضمارِ الوقتِ.\nوالعيشُ: الانتِعاشُ الذي تبقى معه (^٣) الحَياة على حالِ الصِّحةِ.\nوالنَّهارُ: اتِّساعُ الضِّياءِ المنبَثِّ في الآفاقِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5684\"> </span>(١٢) - ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾.\n﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا﴾: سَبعَ سَماواتٍ ﴿شِدَادًا﴾: قويَّةَ الخلْقِ مُحكَمةً لا يؤثِّرُ فيها مُرورُ الدُّهورِ، وكُرورُ الشُّهورِ.\n_________\n(^١) في \"ب\": \"وإزالة لنكالها\".\n(^٢) في (ب): \"وساترا لظلمته\"، وفي (ف): \"وساترا بظلمته\".\n(^٣) في (ب) و(ف) و(م): \"منه\".","vol":"9","page":40},{"text":"<span id=\"aya-5685\"> </span>(١٣) - ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾.\n﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾: مُضيئًا وقَّادًا؛ أي: جامعًا للنُّورِ والحرارةِ؛ والمُرادُ الشَّمسُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5686\"> </span>(١٤) - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾؛ أي: السَّحائبِ (^١) إذا أَعْصَرتْ، أي: شارَفتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فتُمطرَ، أو الرِّياحُ التي حانَ لها أنْ تَعصِرَ السَّحابَ (^٢)، وإنَّما جُعلتْ مَبدأً للإنزَالِ لأنَّها تُنشِئُ السَّحابَ، وتُدرُّ أخلافَهُ (^٣)، ويُؤيِّدهُ قراءةُ: (بالمُعصِراتِ) (^٤)، وإنْ أُريدَ السَّحابُ فتوجيهُ (^٥) تِلكَ القِراءةَ أنَّ الإنزَالَ إذا كانَ مِنها فهو بها (^٦).\n﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾: مُنصبًَّا بكَثرةٍ، وقُرِئ بالحاءِ المُهمَلةِ (^٧). ومَثاججُ الماء: مَصابُّهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5687\"> </span>(١٥) - ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾.\n﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا﴾: ما يُتقوَّتُ بهِ كالحِنطةِ والشَّعيرِ.\n_________\n(^١) في (ب) و(ف) و(م): \"السحاب\".\n(^٢) في (ي): \"السحائب\".\n(^٣) جمع خَلْف: وهو ما قبض عليه الحالب من ضرع الناقة. انظر: \"جمهرة اللغة\" (١/ ٦١٦).\n(^٤) نسبت لابن الزبير وابن عباس والفضل بن عباس وعبد الله بن يزيد وعكرمة وقتادة. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٣٤٧)، و\"الكشاف\" (٤/ ٦٨٦).\n(^٥) في \"ع\": \"فتوجه\".\n(^٦) في \"ع \": \"فهبوبها\". وهو تحريف. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٦).\n(^٧) أي: (ثَجَّاحًا) بجيم ثم حاء آخرًا، نسبت للأعرج. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٦).","vol":"9","page":41},{"text":"﴿وَنَبَاتًا﴾: ما يُعتَلفُ (^١) مِن التِّبنِ والحَشيشِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5688\"> </span>(١٦) - ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾.\n﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾: مُلتفَّةً، لا واحِدَ له كالأوزَاعِ والأخيافِ (^٢).\nوقِيلَ: الواحِدُ لِفٌّ كجِذعٍ وأجذَاعٍ، وأنشَدَ حَسنُ بنُ عليٍّ الطُّوسيُّ:\nجَنةٌ لِفٌّ وعيشٌ مُغدِقُ … ونَدامَى كُلُّهم بِيضٌ زُهُر\nأو لَفيفٌ كشَريفٍ وأشرَافٍ، وزعَمَ ابنُ قُتيبةَ أَنَّهُ لفَّاءُ ولُفٌّ ثُمَّ ألفافٌ (^٣)، ولم يُوجَد له نَظيرٌ مِن نَحوِ حُمْرٍ وأحمارٍ، وخُضْرٍ وأخضارٍ (^٤).\nوقِيلَ: جَمعُ مُلتفَّةٍ بحَذفِ الزَّوائدِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5689\"> </span>(١٧) ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾.\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ﴾ في عِلمِ اللهِ تعالى وحُكمهِ.\n_________\n(^١) بعدها في (ب) و(م): \"به\"، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق للمصدر السابق.\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٧). والأوزاع: الجماعات المتفرقة. والأخياف: الضروب المختلفة في الأشكال والأخلاق، والإخوة لأم واحدة من آباء شتى. انظر: \"معجم متن اللغة\" (مادة: وزع وخيف).\n(^٣) انظر: \"غريب القرآن\" لابن قتيبة (ص: ٥٠٩).\n(^٤) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٧).\nوعنه نقل المؤلف قول ابن قتيبة، وفيه: (وما أظنه واجدًا له نظيرًا …)، بدل: \"ولم يُوجَد له نَظيرٌ … \".","vol":"9","page":42},{"text":"﴿مِيقَاتًا﴾: حدًّا تُوقَّتُ به الدُّنيا وتَنتَهي عِنده، أو حدًّا للخلائقِ ينتهون (^١) إليهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5690\"> </span>(١٨) - ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾.\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ بَدلٌ مِن ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾، أو عَطفُ بيانٍ لهُ.\n﴿فَتَأْتُونَ﴾ مِن القبورِ إلى المَحشَر.\n﴿أَفْوَاجًا﴾: جَماعاتٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5691\"> </span>(١٩) - ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾.\n﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾؛ أي: شُقِّقتْ لنُزولِ المَلائِكةِ؛ كما قال تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. وقُرئَ بالتَّخفِيفِ (^٢).\n﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾؛ أي: كَثرتْ طُرقُها فصارتْ كأنَّ كُلَّها أبواب مُفتَّحةٌ، كقوله تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] كأنَّ كلَّها عُيون تَتفجَّرُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5692\"> </span>(٢٠) - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾.\n﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ أي: في الهواء (^٣) لا كالهَباءِ، بل كالعِهنِ المَنفُوشِ على ما مرَّ في سُورةِ بني إسرائيلَ.\n_________\n(^١) في (ع): \"تنتهي\".\n(^٢) قراءة عاصم وحمزة والكسائي، وباقي السبعة بالتشديد. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٩٠).\n(^٣) في (ع): \"الجو\".","vol":"9","page":43},{"text":"﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ فصارتْ مِثلَ سَرابٍ، إذ تُرى على صورةِ الجِبالِ، ولم تَبقَ حَقيقَتُها؛ لتفرُّقِ أجزائِها، وانبِثاثِ جواهرها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5693\"> </span>(٢١) - ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾.\n﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: مَوضعَ رَصدٍ يَرصُدُ فيهِ خزنةُ النَّار الكفَّارَ، أو خزنةُ الجنَّةِ المُؤمِنينَ، لا ليَحرسوهم مِن فَيحِها في مَجازِهم عليها؛ لأنهم مُستَغنونَ عن تلك الحراسةِ لغَلبةِ نُورِهم على نارِ جَهنَّمَ، حتَّى وَردَ في صحيحِ الخَبرِ عن سيدِ البَشرِ أنَّ جَهنَّم تتأذَّى مِن نُورِهمْ عِندَ عُبورِهم (^١)، وقَد مرَّ في تَفسِيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] أنَّ المُؤمِنينَ يَمرُّونَ وهِي خامِدةٌ (^٢) = بل لاستِقبالهم عِندَها؛ لأنَّ مَجازهُم عليها، والرَّاصد للشيءِ: المُراقبُ له.\nأو مُجِدَّةً (^٣) في تَرصُّدِ (^٤) الكفَّارِ لئلَّا يَشذَّ مِنها واحِدٌ، فإنَّ مِفعَالًا مِن أبنِيةِ المُبالغةِ كالمِطعانِ.\n_________\n(^١) حديث \"جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورُك لهبي\" رواه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٢٥٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٣٩٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٣٢٩)، وابن الجوزي في \"العلل\" (١٥٣٢)، وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٦٠): فيه سليم بن منصور بن عمار، وهو ضعيف.\n(^٢) في \"ب\": \"جامدة\". وانظر: الكشاف: (٣/ ٣٤).\n(^٣) في (ب) و(ع) و(ف) و(م): \"متخذة\"، والمثبت من (ي)، وهو الصواب. قال الشهاب: بزنة اسم الفاعل من الجد، وهو الاجتهاد. انظر: \"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٨/ ٣٠٦).\n(^٤) في (ع): \"ترصيد\".","vol":"9","page":44},{"text":"وقُرئَ (^١): (أنَّ) بالفتحِ على التَّعليلِ لقيامِ السَّاعة بأنَّ جهنَّمَ كانَتْ مِرصادًا؛ كأنَّهُ قِيلَ: كان ذلك لإقامةِ الجزاءِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5694\"> </span>(٢٢) - ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾.\n﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾؛ أي: مَرجِعًا أو مَأوىً، بدلٌ مِن قَولهِ تَعالى: ﴿مِرْصَادًا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5695\"> </span>(٢٣) - ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.\n﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ حالٌ مُقدَّرةٌ مِن الضَّميرِ في ﴿لِلطَّاغِينَ﴾.\nوقُرئَ: ﴿لَابِثِينَ﴾ (^٣)، وهو أقوَى؛ لأنَّ اللابِثَ مَن وُجِدَ منه اللَّبثُ وإنْ قلَّ، وهو المكثُ، ولا يُقالُ: لَبثَ، إلَّا لمنْ شَأنهُ اللَّبثُ، كالذي يَجثمُ بالمكانِ لا يكادُ ينفَكُّ عنه.\n﴿أَحْقَابًا﴾ ظَرفٌ، وهُو جَمعُ حِقْبٍ، وهو الدَّهرُ، ولَم يُرَدْ به عددٌ محصورٌ بل الأبدُ؛ إذ لا يكادُ يُستَعملُ إلَّا حيثُ يُرادُ تَتابعُ الأزمِنة وتَواليها.\n_________\n(^١) في (ب) و(ع) و(ف) و(م): \"وقد قرئ\"، والمثبت من (ي).\n(^٢) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٨) ونسب القراءة لابن يعمر، وزاد في \"البحر\" (٢١/ ١٩٠): أبا عمرو المِنْقَريَّ، وعزاها ابن خالويه في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦٧) لأبي معمر، وابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (٥/ ٤٢٥) لأبي معمر المنقري، وقد يكون مرد هذه القراءة عند الكل واحدا، وهو المنقري الذي لعله يكنى بأبي عمرو وأبي معمر، وتصحف على الزمخشري إلى: (ابن يعمر). وانظر ترجمته في \"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٦٢٢)، و\"غاية النهاية في طبقات القراء\" لابن الجزري (١/ ٤٣٩)، وغيرها من مصادر الترجمة.\n(^٣) قراءة حمزة، وباقي السبعة بالألف. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢١٩).","vol":"9","page":45},{"text":"وقيل: الحُقْبُ ثَمانونَ سَنةً أو سَبعونَ ألفَ سَنةٍ، فعلى تَقدِيرِ صحَّتهِ ليس فيه ما يَقتضِي تَناهِيَ تلك الأحقابِ (^١) حتَّى يُعارِضَ مفهومُهُ منطُوقَ الدالِّ على خُلودِ الكفَّار (^٢)؛ لجوازِ أنْ يكونَ أحقابًا مُترادِفةً كلَّما مضَى حُقبٌ تَبعَهُ حُقبٌ آخرُ إلى غيرِ النِّهايةِ، وإنَّما استُعيرَ جَمعُ القِلَّة للكَثرةِ (^٣) مُحافظةً للفَاصِلةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5696\"></span><span id=\"aya-5697\"> </span>(٢٤ - ٢٥) - ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾.\n﴿لَا يَذُوقُونَ﴾؛ أي: غيرَ ذائِقينَ، حالٌ مِن ضَميرِ ﴿لَابِثِينَ فِيهَا﴾ (^٤)؛ أي: في تلك الأحقَابِ، ويَجوزُ أن يَكونَ ﴿أَحْقَابًا﴾ مَنصُوبًا بـ ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ على أنَّ المَعنَى أنَّهم يَلبثُونَ فيها أحقَابًا غيرَ ذائِقينَ.\n﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ثُمَّ يُعذَّبون جنسًا آخرَ مِن العذابِ.\nويجوزُ أن يَكونَ جَمعَ حَقِبٍ، مِن حَقِبَ الرَّجلُ: إذا أخطَأهُ الرِّزقُ، وحَقِبَ العامُ: إذا قلَّ مَطرهُ وخَيرُهُ، فيكونُ حالًا بمعنَى: لابِثينَ فيها حَقِبينَ، ويَكونُ قَولهُ تَعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ تَفسِيرًا له (^٥).\n_________\n(^١) في (ب) و(ف) و(م): \"تناهي الأحقاب\" وفي (ع): \"التناهي لتلك الأحقاب\"، والمثبت من (ي)، وهو الموافق لما في \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٨٠).\n(^٢) في هامش (ب): \"فإنه نوع قصور في الفصاحة كما لا يخفى\".\n(^٣) في (ب) و(ي): \"لكثرةِ\".\n(^٤) ودفعه أبو حيان بقوله: والذي يظهر أن قوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾ كلام مستأنف وليس في موضع الحال، و﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ استثناء متصل من قوله: ﴿وَلَا شَرَابًا﴾، وأن ﴿أَحْقَابًا﴾ منصوب على الظرف حملًا على المشهور من لغة العرب، لا منصوب على الحال على تلك اللغة التي ليست مشهورة. انظر: \"البحر\" (٢١/ ١٩٢).\n(^٥) في \"ع\": \"حاقبين\". والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٩).","vol":"9","page":46},{"text":"﴿بَرْدًا﴾، أي: لا يَمسُّهمْ مِن الهواءِ القُرِّ (^١) ما يُستلَذُّ ويكسِرُ شدَّةَ الحرِّ.\nوقيل: المرادُ به النومُ.\n﴿وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا﴾: ماءً حارًّا يحرِقُ ما يأتي عليه ﴿وَغَسَّاقًا﴾: ما يَسيلُ مِن صَديدِهم. استِثناءٌ متَّصل مِن قَولهِ تَعالى: ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ (^٢).\nوقِيل: الزَّمهَريرُ، وهو مُستثنًى مِن البَردِ، إلَّا أنَّه أُخِّرَ ما حقُّه أن يُقدَّمَ مُحافظةً عَلى الفَاصلةِ.\nوقُرئَ بالتَّشدِيدِ (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5698\"> </span>(٢٦) - ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾.\n﴿جَزَاءً﴾: جُوْزوا جزاءً ﴿وِفَاقًا﴾ مُوافِقًا لأعْمالهم، مصدرٌ بمعنَى الصِّفةِ، أو: ذا وِفاقٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5699\"> </span>(٢٧) - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾.\nثُمَّ استَأنفَ مُعلِّلًا بقولهِ تَعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾: لا يَخافون مُحاسبةَ اللّهِ تَعالى إيَّاهُم، إذ لا يُؤمِنون (^٤) بالبَعثِ فلا يَرجُونَ حِسابًا.\n_________\n(^١) في (ع): \"الصر\"، وسقطت من (ب) و(ف) و(م). والمثبت من (ي)، وهو الموافق لما في \"البحر\" (٢١/ ١٩٢).\n(^٢) وهو عند الزمخشري منقطع، يعني: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾ وروحًا ينفس عنهم حرّ النار، ﴿وَلَا شَرَابًا﴾ يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها ﴿حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٨٩).\n(^٣) قرأ حفص وحمزة والكسائي ﴿وَغَسَّاقًا﴾ مشددة، وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٨٨).\n(^٤) في (ع) و(ي): \"إذ لم يؤمنوا\".","vol":"9","page":47},{"text":"<span id=\"aya-5700\"> </span>(٢٨) - ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾.\n﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾: تَكذِيبًا، وفِعَّالًا في بابِ فعَّلَ قِياسيٌّ، وقُرئَ بالتَّخفِيفِ (^١)\n* * *\n\n<span id=\"aya-5701\"> </span>(٢٩) - ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾.\n﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ نصبٌ بمُضمَرٍ يُفسِّرهُ:\n﴿أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾: مَكتُوبًا في اللَّوحِ، أو مَصدرٌ في موضعِ: إحصَاءً، أو أحصَينا في معنَى كتبنَا؛ لأنَّ الإحصَاءَ يكونُ بالكتابةِ غالِبًا، وقُرئَ بالرَّفعِ عَلى الابتداءِ (^٢).\nوهذهِ الآيةُ اعتِراضٌ لبَيانِ وَعيدِهم بضَبطِ مَعاصِيهم؛ لأنَّ قَولهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ مُسبَّبٌ عَن كُفرِهم بالحِسابِ، وتكذِيبهم بالآياتِ، أي: فذوقوا جَزاءً.\nوفي هذا التَّسبيبِ، مع الإبهامِ والتَّبيينِ، والتَّأكِيدِ بالتَّكرِيرِ وبالمَصدرِ في الجُملةِ الاعتِراضيَّةِ، ودِلالةِ ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ﴾ (^٣) عَلى أنَّ تَركَ الزِّيادةِ كالمُحالِ الَّذِي لا يَدخلُ تَحتَ الإمكانِ، ومَجيئها على طَريقةِ الالتِفاتِ= مُبالَغاتٌ (^٤) بالِغةٌ (^٥) حدَّ\n_________\n(^١) نسبت لعلي ﵁ والأعمش وعوف الأعرابي وغيرهم. انظر: \"المحتسب\" (١/ ١٧٥)، و\"البحر\" (٢١/ ١٩٤).\n(^٢) نسيت لأبي السمال. انظر: الكشاف (٤/ ٦٩٠).\n(^٣) بعدها في (ع) زيادة: \"شهادة\".\n(^٤) \"مبالغات\" سقطت من (ب) و(ف) و(م) و(ي).\n(^٥) في (ي): \"مبالغة\".","vol":"9","page":48},{"text":"النِّهايةِ، ودَلائلُ شاهَدةٌ بأنَّ الغَضبَ قد تَبالغَ، وعن النَّبيِّ ﷺ: \"هذهِ الآيةُ أشدُّ ما في القُرآنِ عَلى أهلِ النَّارِ\" (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5703\"> </span>(٣١) - ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾.\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾؛ أي: فَوزًا بالبُغيةِ، أو: مَوضعَ فوزٍ حيثُ زُحزِحوا (^٢) عنِ النَّارِ وأُدخِلوا الجنّةَ، ولم تُعطفْ قِصتُهم على قصةِ الطَّاغين، كما عُطفَ في قولهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤] لأنَّ وِزانَ هاتَينِ القصَّتينِ لَيسَ وِزانَ تَينِكَ القصَّتينِ، فإنَّ الأولى فيما نحنُ فيه مَسوقةٌ لذِكرِ جَهنَّمَ، وأنَّها كانَتْ مِرصَادًا، وسِيقتِ الثَّانيةُ لأنَّ المتَّقينَ مِن حَالتهِم كَيتَ وكَيتَ، فبَينهُما تَباينٌ في الغَرضِ والأُسلُوبِ، وهما على حدٍّ لا مَجالَ فيه للعَاطفِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5704\"> </span>(٣٢) - ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾.\nو﴿حَدَائِقَ﴾: جَمعُ حديقةٍ، وهي البُستانُ المَحوطُ عليهِ، يُقالُ: أَحدقَ به؛ أي: أحاطَ، بَدلٌ مِن ﴿مَفَازًا﴾ أو بَيانٌ.\n﴿وَأَعْنَابًا﴾ المُرادُ بهِ الكُرومُ.\n_________\n(^١) انظر الكشاف (٤/ ٦٩٠)، والحديث رواه الثعلبي (١٠/ ١١٧)، والطبراني كما في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٣٣)، من حديث أبي برزة ﵁، قال الهيثمي: فيه شعيب بن بيان وهو ضعيف. ورواه من طريق آخر ابن أبي حاتم كما في \"تفسير ابن كثير\" عند هذه الآية، وفيه جسر بن فرقد وهو ضعيف الحديث بالكلية كما قال ابن كثير. قلت: ويرويه جسر عن الحسن ولم يسمع الحسن من أبي برزة. انظر: \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ص: ٤٢).\n(^٢) في (ب) و(ف) و(م): \"أخرجوا\".","vol":"9","page":49},{"text":"<span id=\"aya-5705\"> </span>(٣٣) - ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾.\n﴿وَكَوَاعِبَ﴾: جَمعُ كاعِبٍ، وهِي النَّاهدُ.\n﴿أَتْرَابًا﴾ الأترَابُ: الأقرَانُ في السنِّ، جَمعُ تِربٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5706\"> </span>(٣٤) - ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾.\n﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾: مُمتَلئةً أو مُتتابِعةً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5707\"> </span>(٣٥) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾.\n﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾؛ أي: في الحَدائقِ المَذكُورةِ.\n﴿لَغْوًا﴾: كَلامًا لا طَائلَ تَحتهُ.\n﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ قُرئَ بالتَّشدِيدِ والتَّخفِيفِ (^١)؛ أي: لا يُكذِّبُ بَعضُهم بَعضًا.\nوقِيلَ: الضَّميرُ للكَأسِ؛ أي: لا يَجرِي في أثناءِ شُربِها ما يَجرِي (^٢) في أثنَاءِ شُربِ خَمرِ الدُّنيا مِن الهَذيانِ والصَّخبِ والعُدوانِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5708\"> </span>(٣٦) - ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾.\n﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ مَصدرٌ مؤكِّدٌ مَنصوبٌ بمعنى قولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ كأنَّهُ قِيلَ: جَازى المُتقِينَ.\n_________\n(^١) قرأ الكسائي وحده بتخفيف الذال، وباقي السبعة بتشديدها. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢١٩).\n(^٢) في \"ب\": \"كما\" بدل \"ما يجري\".","vol":"9","page":50},{"text":"﴿عَطَاءً﴾ بدلٌ مِنه على الاشتِمالِ، جَزاءً باعتِبارِ كَونهِ في مُقابلةِ العملِ، وعَطاءً لعَدمِ استِحقاقِ العَبدِ لهُ؛ كيفَ والعملُ واجبٌ عليه بحُكمِ العُبوديَّةِ؛ فلا يَستحِقُّ بسَببهِ الأجرَ!\nولا يجوزُ نَصبهُ بـ ﴿جَزَاءً﴾ نَصبَ المَفعولِ بهِ؛ لأنَّ المَصدرَ المؤكِّدَ لا يَعملُ؛ إذ لا يَنحَلُّ بحَرفٍ مَصدرِيٍّ والفِعل، قال أبو حيانَ: ولا نَعلمُ في ذلك خلافًا (^١).\n﴿حِسَابًا﴾ صفةٌ لهُ بمَعنَى: كافِيًا، أَحْسَبَهُ الشَّيءُ: إذا كَفاهُ حتَّى قالَ: حَسبِي.\nوقُرئ: (حَسَّابًا) بالتَّشدِيدِ عَلى أنَّهُ بمَعنَى المُحسِبِ، كالدَّرَّاكِ بمعنى المُدرِكِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5709\"> </span>(٣٧) - ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾.\n﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قُرئَ بالرَّفعِ عَلى إضمارِ: هُو، أو مُبتَدأ و﴿الرَّحْمَنِ﴾ صِفةٌ و﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ خَبرٌ، أو هُما خَبرانِ.\nوبالجرِّ عَلى البَدلِ مِن ﴿رَبِّكَ﴾.\nوبجَرِّ الأوَّلِ ورَفعِ الثَّاني (^٣) عَلى أنَّهُ مُبتدأٌ خَبرهُ (^٤) ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾، أو: هو الرَّحمنُ، و﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ خَبرٌ ثانٍ.\nوالضَّميرُ في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ لأهلِ السَّماواتِ والأرْضِ، وفي ﴿مِنْهُ خِطَابًا﴾ للّهِ\n_________\n(^١) انظر: \"البحر\" (٢١/ ١٩٧).\n(^٢) نسبت إلى ابن قطيب. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٣٤٩)، و\"الكشاف\" (٤/ ٦٩٠).\n(^٣) قرأ بجر الاسمين عاصم وابن عامر، وبرفعهما ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وبجر الأول ورفع الثاني قرأ حمزة والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢١٩).\n(^٤) في \"ب\": \"وخبره\".","vol":"9","page":51},{"text":"تعالى؛ أي: لا يَملِكون أنْ يُخاطِبوهُ تعالى بشيءٍ مِن نَقصِ العذابِ (^١) أو زِيادةٍ في الثَّوابِ إلَّا أنْ يُؤذنَ لهم في ذلكَ.\nأو: لا يَملكُونَ مما يُخاطِبُ اللهُ تَعالى بهِ ويأمُرُ في أمرِ الثَّوابِ والعِقابِ خِطابًا واحدًا يتَصرَّفونَ فيهِ تَصرُّفَ المُلَّاكِ بزِيادةٍ أو نُقصانٍ.\nأو: لا يَقدرُ أحدٌ أنْ يُخاطِبهُ تَعالى خَوفًا، وذَلكَ لا يُنافي الشَّفاعةَ بإذنِهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5710\"> </span>(٣٨) - ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾.\n﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ نَصبٌ بـ ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أو ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾.\n﴿الرُّوحُ﴾ جِبرائيلُ ﵇.\nوقِيلَ: مَلكٌ عَظيمُ الخَلقِ (^٢)، ما خَلقَ اللهُ تعالى بَعدَ العَرشِ أعظَمَ مِنهُ، مُوكَّلٌ عَلى الأروَاحِ كلِّها.\n﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ حالٌ؛ أي: مُصطفِّينَ.\n﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ أي: الرُّوحُ والمَلائكةُ خَوفًا.\n﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ في الكلامِ أو الشَّفاعةِ.\n﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ هُما شرطانِ: إذنُ الرَّحمنِ، وقَولُ الصَّوابِ، وهو الشَّفاعةُ لمنِ ارتَضى؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].\nوالجُملةُ تَقريرٌ وتَوكيدٌ لقَولهِ تَعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ على أنَّ الضميرَ فيه لمَجمُوعِ\n_________\n(^١) في النسخ عدا (ي): \"العقاب\"، والمثبت من (ي) و\"الكشاف\" (٤/ ٦٩١).\n(^٢) \"الخلق\" سقط من (ب).","vol":"9","page":52},{"text":"مَن تقدَّمَ ذِكرهُ، وأمَّا إذا كان للرُّوحِ والمَلائكَةِ خاصَّةً، فلا يتَمشَّى أمرُ التَّوكيدِ إلَّا على أصلِ الاعتِزالِ، بأنْ يُقالَ: إنَّ هؤلاءِ الذين هم أشرَفُ الخلائقِ وأقرَبهُم مِن (^١) اللّهِ تَعالى مَنزلةً إذا لم يَقدِروا أنْ يَتكلَّموا (^٢) بما يَكونُ صَوابًا كالشَّفاعةِ لمنِ ارتَضى إلَّا بإذنِهِ؛ فكَيفَ يملِكهُ غَيرهُمْ (^٣)؛ لأنَّ مَذهبَ أهلِ السُّنةِ أنَّ خَواصَّ الإنسَانِ أشرَفُ الخَلائقِ؛ وأَنَّهم أفضَلُ مِن خواصِّ المَلائكةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5711\"> </span>(٣٩) - ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾.\n﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾: الثَّابتُ وُقوعهُ لا مَحالةَ.\n﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ﴾: إلى ثَوابهِ ﴿مَآبًا﴾: مَرجِعًا بالعَملِ الصَّالحِ.\n\n<span id=\"aya-5712\"> </span>* * *\n(٤٠) - ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.\n﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ هو عذابُ الآخِرةِ، وقرَّبهُ لتَحقُّقهِ لأنَّ فيَ ما هو آتٍ قَريبٌ، ولأنَّ مَبدأهُ المَوتُ.\n﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ﴾ مُؤمنًا كان أو كَافرًا، هذا هو المُطابقُ لِمَا سَبقَ مِن وَصفِ يومِ الفَصلِ بما اشتَملَ على حالِ الفَرِيقينِ.\n_________\n(^١) في \"ب\": \"إلى\".\n(^٢) بعدها في (ب): \"إلا\"، وهو خطأ. انظر: \"تفسير أبي السعود\" (٩/ ٩٤)، و\"روح المعاني\" (٢٨/ ٢٤٢).\n(^٣) انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩١).","vol":"9","page":53},{"text":"﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ مِن خَيرٍ وشرٍّ.\n﴿مَا﴾ مَوصُولةٌ مَنصوبةٌ بـ ﴿يَنْظُرُ﴾، يُقالُ: نظَرتهُ، بمَعنى: رأيتُهُ (^١)، ونَظرتُ إلَيهِ أعمُّ، والرَّاجعُ مِن الصِّلةِ مفعولُ ﴿قَدَّمَتْ﴾، وحذفُه مَفعُولًا شائعٌ.\nأو استِفهاميَّةٌ مَنصُوبةٌ بـ ﴿قَدَّمَتْ﴾؛ أي: يَنظُرُ أيَّ شيءٍ قدَّمتْ يَداهُ؟\nوقوُلهُ: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي﴾ بَعضُ المرتبِ على ما قَبلهُ، كما في قولهِ تَعالى: ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا﴾ [يوسف: ٣١]، والتَّقدِيرُ: فيُسرُّ (^٢) المُؤمنُ ويَقولُ الكَافرُ، وقَد نبَّهتُ فيما سَبق أنَّ هذهِ الواوَ تُسمَّى فَصِيحةً (^٣).\nفإنْ قُلتَ: لمَ خصَّ قولَ الكَافرِ بالذِّكرِ دُونَ المُؤمنِ عَلى عَكسِ ما تَقدَّمَ مِن تَخصِيصِ حالِ المُؤمنِ بالذِّكرِ حَيثُ قالَ: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾؟\nقُلتُ: دلَّ ذِكرُ الكَافرَ على غايةِ الخَيبةِ ونِهايةِ التحسُّرِ، ودلَّ حَذفُ قَولِ المُؤمنِ عَلى غايةِ النُّجحِ (^٤) ونهايةِ الفَرحِ بما لا يُحيطُ بهِ الوَصفُ.\n_________\n(^١) الذي في \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٢): (بمعنى: نظرت إليه). وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]: العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقرونا بذكر (إلى) وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان.\n(^٢) في (ع): \"والتقدير يقول فيه\".\n(^٣) وسميت بذلك لأنها أفصحت - أي: بينت وكشفت - عن المحذوف، ودلت عليه وعلى ما نشأ عنه، ولأنها أحيانًا تفصح عن جواب شرط مقدر. انظر: \"الكليات\" (ص: ٩٢٣)، و\"شرح التصريح على التوضيح\" (٢/ ١٨٦)، و\"النحو الوافي\" (٣/ ٦٣٦).\n(^٤) في هامش (ب): \"النجح الظفر\".","vol":"9","page":54},{"text":"﴿كُنْتُ تُرَابًا﴾ أي: حِينَ مِتُّ كما كان سَائرُ الحَيواناتِ؛ فإنَّ الإنسانَ مَخصُوصٌ مِن بينِها بالرُّوحِ الباقِي بعدَ المَوتِ، وهذا وَجهُ ما قِيلَ: يُحشَرُ سائِرُ الحَيواناتِ للاقتِصاصِ، ثُمَّ تُردُّ تُرابًا، فيودُّ الكافِرُ حَالها (^١)، لا ما تُوهِّمَ (^٢) مِن أنَّ كانَ بمَعنَى صارَ، واللهُ أعلمُ بالصَّوابِ.\n* * *\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٢٠٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٢٣١) - وصححه على شرط مسلم - عن أبي هريرة في قوله ﷿: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم، والدواب، والطير، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا، فذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا.\nوفي صحيح مسلم (٢٥٨٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء\"، وانظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٢).\n(^٢) في (ب): \"يتوهم\".","vol":"9","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-104>سُورَةُ النَّازِعَاتِ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)\n* * *\n\n<span id=\"aya-5713\"> </span>(١) - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾.\n﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾: مِن نَزعَ الشَّيءَ نَزعًا، إذا جَذبهُ عن مَقرِّهِ كنَزعِ القَوسِ عَن كَبدهِ.\n﴿غَرْقًا﴾ اسمٌ بمعنَى الإغراقِ، كالسَّلامِ بمعنَى التَّسليمِ، أو مَصدرٌ مَحذُوفُ الزَّوائدِ؛ يُقالُ: أغرَقَ النَّازعُ في القَوسِ: إذا استَوفى مدَّها (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5714\"> </span>(٢) - ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾.\n﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ مِن نَشطَ الدَّلوَ مِن البِئرِ: إذا أخرَجَها.\n\n<span id=\"aya-5715\"> </span>(٣) - ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾.\n_________\n(^١) زاد في (ع): \"وبه نستعين\".\n(^٢) في (ع): \"استوفى حدها\" وفي (ب): \"استوى في مدها\"، والمثبت من (م) و(ي)، وهو الموافق لما في \"الصحاح\" (مادة: غرق) و\"تفسير القرطبي\" (٢٢/ ٣٧) وزاد القرطبي: وذلك بأن تنتهي إلى العَقَب الذي عند النصل الملفوف عليه.","vol":"9","page":59},{"text":"﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ أصلُ السَّبحِ في المائع، وقَد يُستَعملُ في غيرهِ بطَريقِ الاستِعارةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5716\"> </span>(٤) - ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾.\n﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ عَدلَ هاهنا عن الواوِ إلى الفاءِ لتَرتُّبِ (^١) السَّبقِ عَلى السَّبحِ، والعُدولُ في قَولهِ تَعالى:\n* * *\n\n<span id=\"aya-5717\"> </span>(٥) - ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾.\n﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ أيضًا لذلك المَعنَى (^٢).\nأقسَمَ ﷾ بطَوائفِ المَلائكةِ التي تَجذبُ أروَاحَ الفُجَّارِ بشدَّةٍ وعُنفٍ لقوَّةِ تَعلُّقهم، وبالطَّوائفِ الَّتِي تَجذُبُ أرواحَ الأبرارِ بسُهولةٍ ولُطفٍ لقلَّةِ تعلُّقِهمْ، وبالطَّوائفِ التي تُسرعُ في مُضيِّها فتَسبقُ (^٣) إلى ما أُمِروا بهِ فتُدبِّرُ أمرًا مِن أُمورِ العِبادِ على ما رُسمَ لهم.\nأو بالنُّجومُ فإنَّها تنزعُ (^٤) مِن المَشرقِ إلى المَغربِ غَرقًا في النَّزع، بأنْ تَقطع ما\n_________\n(^١) في (ب): \"لترتيب\".\n(^٢) وانظر تفصيل المسألة ومناقشتها في \"تفسير الرازي\" (٣١/ ٣٣).\n(^٣) في (ع): \"فتستبق\".\n(^٤) في (ب): \"ينتزع\".","vol":"9","page":60},{"text":"بينَهما (^١) مِن المَسافةِ كُلِّها، وتَنشطُ مِن بُرجٍ إلى بُرجٍ، مِن نَشطَ الثَّورُ: إذا خَرجَ مِن بَلدٍ إلى بَلدٍ، ويَسبحُونَ في الفُلكِ فيَسبقُ بعضُها في السَّيرِ لكَونهِ أسرَعَ حركةً، فتدبِّر أمرًا نِيطَ بها: مِن اختِلافِ الفُصولِ، وتَقديرِ الأوقَاتِ.\nولمَّا كان في الحَركةِ الأُولى مَعنَى الاستِيفاءِ (^٢) ذُكرَ فيها النَّزعُ والإغراقُ، ومَن وَهَمَ أنَّ ذَلكَ لأنَّها قَسريةٌ فقَد وَهِمَ، لا يُقالُ: تَسامحَ في عِبارةِ القَسريَّةِ، فإنَّ المُرادَ معنَى العرَضيَّةِ؛ لأنَّ حَركاتِ النُّجومِ كلِّها عَرضيَّةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5718\"> </span>(٦) - ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾.\n﴿يَوْمَ﴾: مَنصُوبٌ بالجَوابِ المُضمَرِ (^٣)، وهُو: لتُبعثُنَّ (^٤)؛ لدِلالةِ ما بَعدهُ عَليهِ (^٥).\n﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ الرَّجفُ: حَركةُ الشَّيءِ مِن تَحتِ غَيرهِ بترديدٍ واضْطرابٍ.\n_________\n(^١) في (ب): \"فتقطع ما بينها\".\n(^٢) في (ع): \"الاستبقاء\".\n(^٣) في (ع): \"بجواب مضمر\".\n(^٤) في (ب): \"تبعثن\". وقد اختلف العلماء في جواب القسم، فقدره بعض نحاة الكوفة: لتبعثن ولتحاسبن، وقال بعض نحاة البصرة: هو قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ … ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾. انظر: \"تفسير الثعلبي\" (١٠/ ١٢٤).\n(^٥) قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت (يَوْمَ تَرْجُفُ) ظرفًا للمضمر الذي هو لتبعثن، ولا يبعثون عند النفخة الأولى؟ قلت: المعنى: لتبعثنّ في الوقت الواسع الذي يقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النفخة الأخرى. ودلّ على ذلك أنّ قوله: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ جعل حالًا عن الراجفة. ويجوز أن ينتصب ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ بما دلّ عليه ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾؛ أي: يوم ترجف وجفت القلوب. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٣).","vol":"9","page":61},{"text":"و﴿الرَّاجِفَةُ﴾: الأجرَامُ السَّاكنةُ الَّتِي تَرجُفُ حِينئذٍ مِن الأرْضِ والجِبالِ؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤].\n* * *\n\n<span id=\"aya-5719\"> </span>(٧) - ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾.\n﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾: هِي الزَّلزَلةُ الثَّانيةُ تَردَفُ الأُولى، فتَنشقُّ السَّماءُ وتنتثرُ (^١) الكَواكبُ،\nوالرَّديفُ: الكائن بَعدَ الأوَّلِ قَريبًا منهُ.\nوالفَرقُ بَينهُ وبَينَ التَّابعِ: أنَّ في التَّابعِ مَعنَى الطَّلبِ لمُوافقَتهِ الأوَّلَ دُونَ الرَّديفِ، وفي الرَّديفِ مَعنَى القُربِ دُونَ التَّابعِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5720\"> </span>(٨) - ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾.\n﴿قُلُوبٌ﴾ مُبتدأٌ؛ لأنها مُتخصِّصةٌ فإنَّ تَنكِيرها عِوضٌ عنِ المُضافِ إليهِ، كتَنكِيرِ ﴿كُلٌّ﴾ في قَولهِ تَعالى. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، والمَعنَى: قُلوبُ النَّاسِ، لا قُلوبُ الكفَّار (^٢)؛ لعمُومِ البَلوى بدِلالةِ قَولهِ تَعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ\n_________\n(^١) في (ع): \"وتنثر\"، وفي (ب) و(م) و(ي): \"وتنشر\"، والمثبت من \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٣)، و\"تفسير البيضاوي\" مع حاشية الشهاب (٨/ ٣١٣)، و\"روح المعاني\" (٢٨/ ٢٥٦).\n(^٢) وعند الرازي: هي قلوب الكفار، حيث قال: لم يقل اللّه تعالى: القلوب يومئذ واجفة، فإنه ثبت بالدليل أن أهل الإيمان لا يخافون، بل المراد منه قلوب الكفار، ومما يؤكد ذلك أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ وهذا كلام الكفار لا كلام المؤمنين، وقوله: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ لأن المعلوم من حال المضطرب الخائف أن يكون نظره نظر خاشع ذليل خاضع يترقب ما ينزل به من الأمر العظيم. انظر: \"مفاتيح الغيب\" (٣١/ ٣٥).","vol":"9","page":62},{"text":"لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] و: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢].\n﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مَنصوبٌ بقولهِ: ﴿وَاجِفَةٌ﴾ وهو خَبر. والوجيف: شدة الخفقان واضطراب القلب.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5721\"> </span>(٩) - ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾.\n﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ جُملةٌ ابتدائيَّةٌ أُخرَى، وإنَّما فُصِلتْ (^١) عمَّا قَبلَها؛ لقوَّةِ الاتَصَالِ.\nاعلَمْ أنَّ الإدرَاكَ صِفةُ القَلبِ بدِلالةِ قولهِ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، والبَصرُ مِن جُملةِ الآيةِ (^٢)، والخُشوعُ أيضًا صِفتُه والبصر مظهرُه (^٣)، يُقالُ: أخشَعَ فُلانٌ، إذا طَأطَأ رأسَهُ رامِيًا ببَصرِهِ إلى الأرْضِ، وهو خاشِعُ الطَّرفِ خاضِعُ العُنقِ، فإسنادُ الخُشوعِ (^٤) إلى البَصرِ مِن قَبيلِ إسنادِ الفِعلِ إلى آلتهِ، وإضافَةُ البَصرِ إلى القلبِ مِن قَبيلِ إضافةِ الآلةِ إلى صاحِبها، فلا حاجةَ إلى التَّقدِيرِ بل لا وَجهَ له.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5722\"> </span>(١٠) - ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾.\n﴿يَقُولُونَ﴾ أي: المُنكِرونُ للبَعثِ (^٥) بدِلالةِ الاستِفهامِ الإنكَاريِّ في قَولهِ:\n_________\n(^١) في (ب) و(م) و(ي): \"فصل\".\n(^٢) في (ب): \"الآفة\". والمثبت من باقي النسخ، ولعل الصواب: (الآلة) بدلالة اللحاق.\n(^٣) في (ب): \"والخشوع صفة والصفة مظهره\".\n(^٤) في (ب): \"الخضوع\".\n(^٥) في (ب): \"البعث\".","vol":"9","page":63},{"text":"﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾؛ أي: نُردُّ بعدَ المَوتِ إلى الحالةِ الأُولى؛ أي: الحياةِ؟ يُقالُ: رَجعَ في حَافرتهِ؛ أي: في طريقَتهِ الَّتِي جاء فيها فحَفرَها؛ أي: أثَّر فيها بمَشيهِ، جَعلَ أثرَ قَدميهِ حَفرًا، وتَوصيفُها بـ ﴿الْحَافِرَةِ﴾ بطَريقِ المَجازِ في النسبة (^١)؛ كقَولهِ: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]، أو عَلى تَشبيهِ القابلِ بالفاعِلِ (^٢)، ثُمَّ اتُّسعَ فيه فقيلَ لمن كانَ في أمرٍ فخَرجَ منهُ ثمَّ عادَ إلَيهِ: رَجعَ إلى حافِرتهِ؛ أي: إلى حالَتهِ الأُولى (^٣).\nوقُرئ: (في الحَفِرة) (^٤)، وهي بمعنى المَحفُورةُ (^٥)، وفيها نَوعُ تأيِيدٍ لما قُلنا: إنَّ أصلَ الحافِرةِ بمعنَى المَحفُورةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5723\"> </span>(١١) - ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾.\n﴿أَإِذَا﴾: مَنصوبٌ بمَحذُوفٍ تَقدِيرهُ: أئذا ﴿كُنَّا عِظَامًا﴾ نُردُّ ونُبعثُ، وقُرئ: ﴿إِذًا﴾ عَلى الخَبرِ (^٦).\n_________\n(^١) في (ب): \"التشبيه\".\n(^٢) قوله: \"تشبيه القابل بالفاعل\" هو على مذهب السكَّاكي من جعل أمثاله استعارة مكنية وتخييلية؛ لأنَّه بمعنى الطريق، وهي قابلة للحفر، فشبه القابل للفعل بمن يفعله؛ لتنزيله منزلته، فالاستعارة في الضمير المستتر، وإثبات الحافرية له تخييل على ما عرف من المذاهب فيه. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٨/ ٣١٤).\n(^٣) ومنها: رجع فلان على حافرته، إذا شاخ وهوم. انظر: \"أساس البلاغة\" (مادة: حفر).\n(^٤) نسيت لأبي حيوة وابن أبي عبلة وأبي بحرية. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦٨)، و\"المحتسب\" (٢/ ٣٥٠)، و\"البحر\" (٢١/ ٢١٢).\n(^٥) في (ب): \"وهو المحفورة\" بدل: \"وهي بمعنى المحفورة\".\n(^٦) قراءة ابن عامر ونافع والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ١٣٢ - ١٣٣).","vol":"9","page":64},{"text":"﴿نَخِرَةً﴾ يُقالُ: نَخرَ العَظمُ فهُو نَخِرٌ وناخِرٌ، كقَولكَ: طَمعَ فهو طَمِعٌ وطامِعٌ، والأولُ أبلغُ، والثَّاني أشكلُ (^١) لرُؤوسِ الآيِ، وقد قُرئَ بهما (^٢) رِعايةً لهُما.\nوهُو البالي الأجوَفُ الذي يمُرُّ به الرِّيحُ فيُسمعُ له نَخِيرٌ (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5724\"> </span>(١٢) - ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.\n﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ وُصفتِ الكرَّةُ بخُسرانِ أصحَابها مُبالغةً؛ أي: إنَّها إنْ صحَّتْ فنَحنُ إذًا خاسِرونَ لتكذِيبِنا بها، وهذا استِهزاءٌ مِنهُمْ (^٤).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5725\"> </span>(١٣) - ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.\n﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ مُتعلِّقةٌ (^٥) بمَحذُوفٍ (^٦)؛ أي: لا تَحسبُوا تِلكَ الكرَّةَ صَعبةً عَلى اللهِ فإنما هي ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ سَهلة هيِّنةٌ في قُدرتِهِ تَعالى.\nوالزَّجرةُ: الصَّرفةُ عن الشَّيءِ بالمَخافةِ، وهِي هاهنا بالصَّيحةِ لقولهِ تعالى:\n_________\n(^١) أي: أوفق انظر: \"روح المعاني\" (٢٨/ ٢٦٢). وكلمة \"الثاني\" سقطت من (ع) و(م) و(ي)، ووقع في (ع): \"أسكن\" بدل \"أشكل\".\n(^٢) قرأ بها عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ وحمزةُ والكسائي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢١٩).\n(^٣) في (ب): \"فتسمع له نخيرًا\".\n(^٤) حيث أبرزوا ما قطعوا بانتفائه واستحالته في صورة المشكوك المحتمِل للوقوع. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٨/ ٣١٤).\n(^٥) في (ب): \"متعلقة\".\n(^٦) يعني بالتعلُّقِ: التعلق من حيث المعنى، وهو العطفُ، انظر: \"الدر المصون\" (١٠/ ٦٧٣). وقال الشهاب: أي فيه مقدّر مرتبط به معنى. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٨/ ٣١٤).","vol":"9","page":65},{"text":"﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣].\n* * *\n\n<span id=\"aya-5726\"> </span>(١٤) - ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.\n﴿فَإِذَا هُمْ﴾: فاجَؤوا الحُصولَ ﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾؛ أي: وَجهِ الأرْضِ، فالعَربُ تسمي وَجهَ الأرضِ مِن الفَلاة: سَاهرةً؛ أي: ذاتَ سَهرٍ؛ لأَنَّه يُسهَر فيها خَوفًا (^١)؛ وفيهِ إشارةٌ إلى حصولهم فيها أحياءً.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5727\"> </span>(١٥) - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ إنْ كان أتاهُ (^٢) قبلَ ذَلك فمعناه: ألَيسَ قد أتاكَ؟ وإنْ كان لمْ يأتهِ فمَعناهُ: ما أتاك فأنا أُخبركَ بهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5728\"> </span>(١٦) - ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.\n﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: قد مرَّ تَفسيرهُ في سُورةِ طه (^٣).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5729\"> </span>(١٧) - ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.\n﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ على إرادةِ القَولِ، وقُرئ: (أنِ اذهَبْ) لِمَا في النِّداءِ مِن\n_________\n(^١) في (ع): \"لأنها تسهر خوفًا\"، وفي (ب): \"لأن فيها خوفًا\".\n(^٢) \"أتاه\" سقط من \"ب\".\n(^٣) عند قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢].","vol":"9","page":66},{"text":"مَعنَى القَولِ (^١)، كذا قِيلَ، وفيهِ: أنَّ بَينَ النِّداءِ المَذكُورِ وهذا المَقولِ (^٢) مِن الفَواصلِ المُصدَّرةِ بالقول في سُورةِ طه.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5730\"> </span>(١٨) - ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾.\n﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾؛ أي: هل لكَ رَغبة إلى أنْ تُطهَّرَ مِن دَنسِ الكُفرِ بالإيمانِ؟\nوقُرئ: ﴿تَزَكَّى﴾ بالتَّشدِيدِ (^٣).\nتَفصيل للقولِ (^٤) الليِّنِ الذي أمَرهُ بهِ في سُورةِ طه (^٥)، وهو على صيغةِ العَرضِ دونَ الأمرِ، والتَّرغِيبِ دُونَ التَّرهيبِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5731\"> </span>(١٩) - ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾.\n﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾: وأُرشِدَكَ إلى معرفةِ ربِّكَ فتَعرفَه ﴿فَتَخْشَى﴾ لأنَّ (^٦) الخَشيةَ بقدْرِ المَعرفةِ، قال اللهُ ﷾: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ أي: العُلماءُ بهِ.\nذَكرَ الخَشيةَ مكانَ التديُّنِ بدِينِ اللهِ تعالى لأنَّها مِلاكُ الأمرِ فيهِ.\n_________\n(^١) نسبت لعبد الله ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٥).\n(^٢) في (ع) و(م): \"القول\".\n(^٣) قرأ بتشديد الزاي ابن كثير ونافع، وباقي السبعة خفيفة الزاي. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢١٩).\n(^٤) في (ب): \"المقول\".\n(^٥) في هامش (ب): \"وهو: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ \".\n(^٦) في (ع): \"فإن\".","vol":"9","page":67},{"text":"<span id=\"aya-5732\"> </span>(٢٠) - ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾.\n﴿فَأَرَاهُ﴾ الفاءُ فَصيحةٌ؛ أي: فذَهبَ وبلَّغَ فأراه ﴿الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ هِي قَلبُ العَصا حيَّةً؛ لأنها كانَت المُقدِّمةَ والأصلَ، أو (^١) أرادَهما جَميعًا إلَّا أنَّهُ جَعلهُما واحدةً لأنَّ الثَّانِيةَ كأنَّها مِن جُملةِ الأُولى لكَونِها تابِعةً لها؛ لأنَّهُ كانَ يتَّقيها بيَدهِ، فقِيلَ لهُ: أدْخِل يَدكَ في جَيبكَ.\nأو المَجمُوعُ لأنَّهما باعتِبارِ الإعْجازِ والدِّلالةِ على صِدقهِ واحدٌ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5733\"> </span>(٢١) - ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾.\n﴿فَكَذَّبَ﴾ بموسى ﵇ ﴿وَعَصَى﴾ اللهَ بعدَ ظُهورِ الحقِّ، ووُجوبِ الطَّاعةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5734\"> </span>(٢٢) - ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾.\n﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، أي: تَولَّى عن مُوسَى ﵇ يَجتهدُ في مُكايَدتهِ لقَولهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، ويَجوزُ أنْ يَكونَ ﴿أَدْبَرَ﴾\n_________\n(^١) في (ب): \"إذا\"، وفي (م) و(ي): \"و\". والمثبت من (ع)، وهو الموافق لما في \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٥)، والكلام منه، لكن في سياق المؤلف تقديم وتأخير وإسقاط في بعض العبارات، وهذا نص \"الكشاف\": (… لأنها كانت المقدمة والأصل، والأخرى كالتبع لها؛ لأنَّه كان يتقيها بيده، فقيل له: أدخل يدك في جيبك. أو أرادهما جميعا، إلا أنه جعلهما واحدة؛ لأن الثانية كأنها من جملة الأولى لكونها تابعة لها).\n(^٢) في \"ع\": \"واحدة\". ولفظ البيضاوي ومنه استفاد المؤلف هذا الوجه الأخير: (… كالآية الواحدة).","vol":"9","page":68},{"text":"مُستَعارًا لمَعنى: أقبلَ؛ تَملِيحًا وتَنبِيهًا عَلى أنَّهُ كانَ إدبَارًا (^١).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5735\"></span><span id=\"aya-5736\"> </span>(٢٣ - ٢٤) - ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.\n﴿فَحَشَرَ﴾؛ أي: السَّحرةَ؛ لِمَا مرَّ مِن قولهِ تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾، والحَشرُ: الجَمعُ مِن كلِّ جِهةٍ، وقَد يَكونُ الجَمعُ بضمِّ جُزءٍ إلى جُزءٍ فلا يَكونُ حَشرًا.\n﴿فَنَادَى﴾ في مَحشرهِ ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي: أعلَى على كلِّ مَن يَلي أمرَكُم (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5737\"> </span>(٢٥) - ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.\n﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ النَّكالُ بمعنَى التَّنكِيلِ (^٣) مَصدر مؤكِّدٌ؛ أي: نكَّلَ اللهُ بهِ تَنكِيلًا في الآخِرةِ بالإحراقِ وفي الدُّنيا بالإغراق، أو مفعولٌ له؛ أي: للتَّنكِيل فيهِما.\nوعنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: نَكالَ كلِمتهِ الآخرةِ وهي هذهِ، وكَلمتِه الأُولى وهِي قَولهُ. ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] (^٤).\n_________\n(^١) أريد: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ يفعل، فوضع أَدْبَرَ موضع: أقبل، لئلا يوصف بالإقبال. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٦)، و\"روح المعاني\" (٢٨/ ٢٦٨).\n(^٢) قوله: \"على كل من يلي أمركم\" كذا في بعض نسخ البيضاوي بالجار المتعلق بأفعل التفضيل، وهو جائز، وفي نسخة: (مِن كل مَن يلي) بـ (مِن) التفضيلية وهي ظاهرة أيضًا، وفي بعضها: (كل من يلي .. الخ) بالنصب من غير جار، وَيرِدُ عليه: أن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول، فهو مفعول لمقدر؛ أي: علوت كل مَن .. الخ. انظر: \"حاشية الشهاب\" (٨/ ٣١٦).\n(^٣) كالسلام بمعنى التسليم. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٦).\n(^٤) رواه الطبري في \"تفسيره\" (٢٤/ ٢٠٣).","vol":"9","page":69},{"text":"والنَّكالُ عِقابٌ يُنكَّلُ بهِ عنِ الإقدامِ على سَببهِ لشدَّتهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5738\"> </span>(٢٦) - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ العِبرةُ للكُلِّ، وإنَّما خُصَّ به مَن يَخشَى لأنَّه هو المُنتفِعُ به.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5739\"> </span>(٢٧) - ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾.\nالخِطابُ في ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ لمُنكِري البَعثِ؛ أي: أأنتُمْ أصعَبُ خَلقًا وإنشاءً ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾.\nثُمَّ بيَّنَ كَيفَ خَلقَها فقال: ﴿بَنَاهَا﴾.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5740\"> </span>(٢٨) - ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾.\nثُمَّ بيَّنَ كيفيَّةِ البِناءِ فقال: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾، أي: مِقدارَها في جِهةِ العُلوِّ بأنْ يَجعلهُ مديدًا رفِيعًا.\n﴿فَسَوَّاهَا﴾: فعَدَّلها مُستوِيةً مَلساءَ لا فُطورَ فيها ولا تَفاوتَ، أو: فتمَّمها (^١) بما يَتِمُّ بهِ كمالُها وصَلاحُها؛ من التَّدوير والتَّزيين بالكَواكبِ وغَيرِ ذلك، مِن قولهم: سوَّى فلانٌ أمرَهُ، إذا أصلَحهُ.\n* * *\n_________\n(^١) في \"ع\": \"فتحها\".","vol":"9","page":70},{"text":"<span id=\"aya-5741\"> </span>(٢٩) - ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾.\n﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ غَطِشَ اللَّيلُ وأغطَشهُ الله كظلِمَ وأظلَمَه، ويُقال أيضًا: أغطَشَ اللَّيلُ، كما يُقال: أظلَمَ. والأوَّلُ منقولٌ مِن غَطِشَ (^١) والثَّاني بمعنى الصَّيرُورةِ.\n﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ الضُّحى: الضَّوءُ، لقَولهِ تَعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾؛ أي: ضَوئها. [وقولهم] (^٢): وَقت الضُّحَى، هُو وَقتُ إشرَاقِ ضَوءِ الشَّمسِ.\nوإضَافةُ اللَّيلِ والضُّحى إلى السَّماءِ؛ لأنَّهما يَحدُثانِ بحَركةِ الشَّمسِ فيها، ومَن قال: بحرَكتِها، فكأنَّهُ غَفلَ عَن قَولهِ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] فإنَّهُ صَريحٌ في أنَّ الشَّمسَ تتحرَّكُ في الفَلكِ لا بالفَلكِ كما زَعمتِ الفَلاسفةُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5742\"> </span>(٣٠) - ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾.\n﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾: بسَطَها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5743\"> </span>(٣١) - ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾.\n﴿أَخْرَجَ مِنْهَا﴾ حالٌ لإضمارِ: قد، كقَولهِ تَعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] (^٣).\n_________\n(^١) في \"ع\": \"أغطش\".\n(^٢) ما بين معكوفتين من \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٧).\n(^٣) بمعنى: قد حَصِرَت صدورهم. وكما تقول للرجل: أصبحتَ كثرت ماشيتك، تريد: قد كثرت ماشيتك. \"تفسير الطبري\" (١/ ٤٢٧).","vol":"9","page":71},{"text":"﴿مَاءَهَا﴾: عُيونَها المُتفجِّرةَ (^١).\n﴿وَمَرْعَاهَا﴾: رِعيَها (^٢)، والمَرعَى مُشتركٌ بَينهُ وبَينَ المَصدرِ والمَوضِعِ، ذَكرهُ في \"القَاموسِ\" (^٣).\nوأصلُ الرَّعيِ: حِفظُ الغَيرِ في أمرٍ يَعودُ بمَصلَحةٍ، ومنه: رَعيُ الغَنمِ، ورَعي الوالي الرَّعيَّةَ، ذَكرَه الرَّاغبُ (^٤)، فلا اختِصاصَ في المَرعَى للأنعَامِ؛ ولذلكَ قال:\n\n<span id=\"aya-5744\"> </span>(٣٢) - ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾.\n﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ الإرسَاءُ: الإثبَاتُ بالثقلِ، نَصبَ الأرضَ والجِبالَ بإضْمارِ دَحى وأرسَى على شَريطةِ التَّفسِيرِ، وقُرئا مَرفُوعَينِ على الابتداءِ (^٥).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5745\"> </span>(٣٣) - ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾.\n﴿مَتَاعًا﴾: تَمتِيعًا، مَفعولٌ لهُ (^٦).\n﴿لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾: ولمَواشِيكم، فَصَلَ بينهُ وبينَ الفِعلِ المُعلَّلِ بقَولهِ: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾؛ لأنَّهُ مما يَتوقَّفُ عليهِ التَّمتُّعُ بالماءِ والمَرعَى.\n_________\n(^١) في (ب): \"المنفجرة\".\n(^٢) بكسر الراء: الكلأ. من \"القاموس\".\n(^٣) انظر: \"القاموس\" (مادة: رعي).\n(^٤) انظر: \"تفسير الراغب\" (١/ ٢٨١).\n(^٥) نسبت للحسن وعمرو بن عبيد وأبي حيوة وابن أبي عبلة وأبي السمال. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦٨)، و\"المحتسب\" (٢/ ٣٥٠)، و\"البحر\" (٢١/ ٢١٧).\n(^٦) فعل ذلك تمتيعًا لكم ولأنعامكم، \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٧).","vol":"9","page":72},{"text":"لمَّا فَرغَ عن تَذكيرِ الحُجةِ للبعث رتَّبَ عليه الإخبارَ عما يكون عنه ذلك فقال:\n\n<span id=\"aya-5746\"> </span>(٣٤) - ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾.\n﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ هِي القِيامةُ، لطُمومِها على كلِّ هائلةٍ، وهي أكبرُ الطَّامَّاتِ.\nوقيل: النَّفخةُ الثَّانيةُ؛ فإنَّها كُبرى النَّفخَتينِ لعُمومِ أثَرِها، بخِلافِ الأُولى فإنَّ تأثِيرهَا في الأحياءِ وَقتئذٍ.\nوقِيلَ: السَّاعةُ التي يُساقُ فيها أهلُ الجنَّة إلى الجنَّة، وأهلُ النَّار إلى النَّار، ولا يُناسبُهُ التَّفريعُ عَلى ما تَقدَّمَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5747\"> </span>(٣٥) - ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾.\n﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ عندَ تَمثُّلِ الأعمالِ بصُورِها وهيئاتها على ما نَطقَ به الأحادِيثُ، وسيأتي تَفصيلهُ في سورةِ الزَّلزَلةِ (^١).\nوإنَّما قال: ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ لأَنَّه قد نَسيَها بطولِ العَهدِ وفَرطِ الغَفلةِ.\nوهُو (^٢) بَدلٌ مِن (إذا جاءت)، و﴿مَا﴾ مَوصُولة أو مصدريَّةٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5748\"> </span>(٣٦) - ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾.\n_________\n(^١) انظرها بأدلتها وشواهدها في تفسيره لقوله تعالى: (ليروا أعمالهم)، في الآية الرابعة من رسالته: \"شرح العشر في معشر الحشر\"، المطبوعة ضمن \"مجموع رسائل ابن كمال باشا\".\n(^٢) يعني: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٧).","vol":"9","page":73},{"text":"﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: أُظهرَت ﴿لِمَنْ يَرَى﴾، وهم الطَّاغونَ؛ لقولهِ تَعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩١].\nومَن قال (^١): إنَّهُ مِن الأفعالِ التي لا يُقدَّرُ لها مفعولٌ؛ أي: لكُلِّ ذِي بَصرٍ، والمُرادُ العُمومُ (^٢)، والمَعنَى أنَّها تُظهَرُ إظهارًا بيِّنًا لا يَخفَى عَلى أحدٍ فيَراها أهلُ السَّاهرةِ جميعًا= فكأنَّهُ غَفلَ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢].\nوقُرئَ: (وبرزَتْ) مُخفَّفةً (^٣)، و: (لمن رأى) (^٤)، و: (لمن تَرى) (^٥)، والضَّميرُ للجَحيمِ لقولهِ تَعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢].\n_________\n(^١) يعني به الزمخشري. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٨).\n(^٢) في هامش \"ب\": \"هَذا العُمومُ مُستفادٌ مِن لَفظِ (مَن) لأَنَّها مِن ألفاظِ العُمومِ، ولا دَخلَ لحَذفِ مَفعُولِ ﴿يَرَى﴾ في إفادةِ العُمومِ؛ لأنَّ المُستفادَ مِن حَذفِ المَفعُولِ عُمومُ المُفعولِ لا عُمومُ الفاعلِ، والمَقصُودُ هاهنا عُمومُ الفَاعلِ، أمَّا عَدمُ خَفائِها عَلى المُؤمِنينَ فلأنَّهمْ يَمرُّونَ عَليها حِينَ مُجاوزةِ الصِّراطِ؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ إلى قَولهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] فإنْ قيلَ: إنَّهُ تَعالى قالَ في سُورةِ الشُّعراءِ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠، ٩١] محض الغَاوينَ بتَبريزِها لهم، قُلنا: إنَّها بُرزتْ للغَاوينَ والمُؤمنونَ يَرونها أيضًا في المَمرِّ ولا مُنافاةَ بَينَ الأمرَينِ. شيخ زاده\".\n(^٣) قرئ مخففا مبنيا للمفعول وللفاعل، فالأولى نسبت لأبي نهيك وأبي السمال وهارون عن أبي عمرو، والثانية لزيد بن علي ومالك بن دينار وعائشة ﵂. انظر: \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٦٨)، و\"البحر\" (٢١/ ٢١٩).\n(^٤) نسبها الزمخشري لابن مسعود ﵁. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٦٩٨).\n(^٥) نسبت لعكرمة. انظر: \"المحتسب\" (٢/ ٣٥١). وأيضا هي قراءة من قرأ: ﴿وَبُرِّزَتِ﴾ مبنيا للفاعل كما قال أبو حيان. انظر: \"البحر\" (٢١/ ٢١٩).","vol":"9","page":74},{"text":"﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ ¶٧٩¶٣٧ <\n\n<span id=\"aya-5750\"> </span>(٣٧ - ٣٨) ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.\nوجَوابُ ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾ ﴿فَأَمَّا﴾؛ أي: فإذا جاءت الطامَّةُ فالأمرُ مُنقسِمٌ بَينَ الهالِكِ والنَّاجي.\nأو مَحذُوفٌ؛ أي: كان ما لا يَدخُلُ تَحتَ الوَصفِ، وقولُهُ: ﴿فَأَمَّا﴾ تفصيلٌ له وتَفسِيرٌ.\n﴿مَنْ طَغَى﴾: جَاوزَ الحدَّ حتى (^١) كَفرَ ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: اختارَها فانهمَكَ فيها ولم يَعمل للآخِرةِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5751\"> </span>(٣٩) - ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.\n﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾: هي مَأواه، لا على أنَّ اللَّامَ فيه سادٌّ مَسدَّ الإضَافةِ؛ لأنَّهُ عَلى المَذهبِ المَرجُوحِ (^٢)، بل لأنَّهُ استُغني عن الإضافةِ لحصولِها بالقَرينةِ لا بإدْخالِ اللَّامِ، ثم (^٣) أدخلَ اللَّامُ لأنَّهُ مُعيَّنٌ كما في قَولكَ: غُضَّ الطَّرفَ.\nو﴿هِيَ﴾ للفَصلِ وإفادَةِ التَّخصِيصِ، فيَرجعُ المَعنَى إلى أنَّ الطَّاغِي هي مَأواهُ لا مَكانٌ آخرُ.\n_________\n(^١) في (ب): \"فقد\".\n(^٢) هو مذهب كوفي، قال الفراء: والعربُ تجعل الألف واللام خَلفًا من الإضافة فيقولون: مررتُ عَلَى رجلٍ حَسَنَةٍ العَيْنُ قَبِيحٍ الأنفُ، والمعنى: حسنةٍ عَيْنُه قَبِيحٍ أنفهُ، ومنه قوله: ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، وأما البصريون فالتقدير عندهم: هي المأوى له. انظر: \"معاني القرآن\" للفراء (٢/ ٤٠٨)، و\"معاني القرآن\" للزجاج (٥/ ٢٨١).\n(^٣) في \"ع\": \"لأنَّه\".","vol":"9","page":75},{"text":"<span id=\"aya-5752\"> </span>(٤٠) - ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾.\n﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ ﴿مَقَامَ﴾ مُقْحممٌ للتَّعظِيمِ، كأنَّهُ قيلَ: حَضرةَ ربِّهِ، أو بمَعنَى: خافَ قِيامهُ عَليهِ (^١) وكونَه رَقيبًا، مِن قَولهِ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣].\n﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾؛ أي: النَّفسَ الأمَّارةَ بالسُّوءِ عن الهوى المرْدِي.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5753\"> </span>(٤١) - ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.\n﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ ليس له سواها مأوًى.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5754\"> </span>(٤٢) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: مَتى إثبَاتُها وإقامَتها؟ أي: مَتى يُقيمُها اللّهُ ويُثبِتها؟ أو: متى منتهاها (^٢) ومُستقرُّها؟ من مَرسَى السَّفينةِ، وهو حيث تَنتَهي إليه وتَستقرُّ فيهِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5755\"> </span>(٤٣) - ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾.\n﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ أي: في أيِّ شيءٍ أنت مِن أنْ تَذكُرَ وقتَها لهم؟ أي: ما أنت مِن ذِكرِها لهم وتَبيينِ وقتِها في شيءٍ؛ لأنَّ اللّه تعالى هو المستأثر (^٣) بعِلمِها.\n_________\n(^١) في (ع): \"قيام ربه عليه\".\n(^٢) في (ب) و(ع): غير واضحة، والمثبت من (م) و(ي).\n(^٣) في (ب): \"هو الذي استأثر\".","vol":"9","page":76},{"text":"قالت عَائشةُ ﵂: لمْ يزل يَسألُ رَسولُ اللّهِ عنِ السَّاعةِ حتَّى نَزلَ هَذا، [قال]: فانتَهى (^١).\nفهُو عَلى هذا تَعجُّبٌ مِن كثرةِ ذِكرهِ لها، كأنَّه قيل: في أيِّ شُغلٍ أنت مِن ذِكراها والسُّؤالِ عَنها؟ يعني: إنَّهمْ يُلحونكَ في السُّؤالِ عنها، يسألونك فلا تَزالُ تَتذكَّرُها (^٢) وتَسألُ عنها لحِرصكَ على جَوابهم.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5756\"> </span>(٤٤) - ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.\nثُم قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾؛ أي: لا يَنتهي عِلمُها إلَّا إلى رَبك، لا يَعلمُها أحدٌ إلَّا هو.\nوقيل: ﴿فِيمَ﴾ إنكارٌ لسؤالهم؛ أي: فيمَ هذا السُّؤالُ؟ ثُمَّ قيلَ: ﴿أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ يعنِي: إرسالُكَ وأنت خاتمُ الأنبياءِ المَبعُوثُ في نَسمِ السَّاعةِ (^٣) ذِكرٌ من ذِكراها؛ أي: علامةٌ مِن علاماتها فكفاهُم بذلك دليلًا على اقتِرابها، وباعِثًا عَلى\n_________\n(^١) رواه البزار في \"مسنده\" (٢٢٧٩) دون قوله: (فانتهى)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣٨٩٥) وما بين معكوفتين منه، كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ ﵂. قال في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٣٣): رواه البزَّار، ورجالُه رجالُ الصَّحيحِ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه فإنَ ابن عُيينةَ كان يُرسلُه بأخرة. قلت: رواه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (٢/ ٣٤٧) عن ابن عيينة عن الزهري عن عروة مرسلا، وفيه: (فانتهى عن السؤال). وفيه تفسير القائل: (فانتهى) في رواية الحاكم.\n(^٢) في (ع): \"تذكرها\"، وفي (م): \"تتذاكرها\".\n(^٣) تقدم عند تفسير: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قوله ﵊: \"بُعِثتُ في نسم الساعة\".","vol":"9","page":77},{"text":"الاستِعدادِ لها ووُجوبِ الحَذرِ مِن هولها، فلا معنى لسؤالهم عَنها.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5757\"> </span>(٤٥) - ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾.\n﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾: ما أنت إلَّا منذر مَن يَخشاها ويتَّقي أهوالها؛ أي: لستَ بمُعْلِمٍ وقتَها ولم تُبعثْ لذلك، بل لتُنذرَ مِن أهوالها، ويُناسبُه الإبهامُ وعَدمُ تَعيينِ الوقتِ، وقد مرَّ وَجههُ.\nوإنَّما قال تعالى: ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ (^١) لأنَّ المُنكِرَ لا يَتحقَّقُ في حقِّه الإنذار، وغَيرُه مُقرًّا كان أو مُتردِّدًا لا يَخلو عن خَشيةٍ.\nوقُرئ: ﴿مُنْذِرُ﴾ بالتَّنوينِ وهو الأصلُ (^٢)، والإضافةُ تَخفيفٌ (^٣)، وكِلاهُما صَحيحٌ؛ لأنَّهُ للحالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5758\"> </span>(٤٦) - ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.\n﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾؛ أي: السَّاعةَ.\n﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾؛ أي: في الدُّنيا، أو في القُبورِ.\n﴿إِلَّا عَشِيَّةً﴾؛ أي: عشيَّةَ يومٍ، على أنَّ التَّنكِيرَ بدلٌ من الإضافة.\n﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾ كان الأصلُ: إلَّا عَشيةَ يَومٍ أو ضُحاه؛ أي: ضُحى ذلك اليومِ، ولما\n_________\n(^١) كذا في النسخ، وهذه الجملة من آية أخرى تقدمت في هذه السورة، ولعله يريد: ﴿مَنْ يَخْشَاهَا﴾.\n(^٢) قراءة أبي جعفر من العشرة. انظر: \"النشر\" (٢/ ٣٩٨).\n(^٣) في \"ع\": \"للتخفيف\".","vol":"9","page":78},{"text":"اكتَفى عنِ المُضافِ إليه بالتَّنوينِ أُعيدَ الضَّميرُ إلى المُضافِ للمُلابسةِ؛ لكونِهما جُزئي نهارٍ واحدٍ.\nوالفائِدةُ في الإضافةِ: استِقصارُ المدَّةِ؛ أي: إنَّ مُدةَ لبثهم كأنَّها لم تَبلُغ يومًا ولكن ساعةً منه على ما ذُكرَ في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، والعُدولُ عنِ الأصلِ؛ لمُحافظةِ رُؤوسِ الآيِ.\nولكَ أنْ تقول: الأصلُ: إلا عشيَّتها أو ضُحاها، والضَّميرُ في المَوضِعينِ للسَّاعةِ، يعني: قَدْرَ عشِيَّتها أو ضُحاها، وكذا المُرادُ من النَّهارِ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]: نَهارَ السَّاعةِ، وأصلُهُ مِن نَهارِها، فأُبدلَ عن الضَّميرِ التَّنوينُ، واللّهُ أعلَمُ (^١). تمَّ بعونِ اللّهِ المُعينِ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) \"واللّه أعلم\" من (ع).\n(^٢) قوله: \"تم بعون المعين\" من (ب)، وقوله: \"واللّه أعلم\" من (ع). ووقع بعد هذا في (م) و(ي): \" ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور لهول ما يرون\". وزاد في (م): \"من تفسير القاضي في سورة يونس ﵇، وكل التحية والإكرام\".","vol":"9","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>سُورَةُ الطَّارِقِ</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (^١)\nانتِظامُ خَتمِ السُّورةِ السَّابقةِ ببَدءِ هذهِ السُّورةِ: أنَّهُ في ذِكرِ المَحفُوظِ، وهذا في ذِكرِ الحافِظِ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5932\"> </span>(١) - ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾.\n﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ أصلُ الطَّرقِ: الدَّقُّ، ومنهُ المِطرقةُ؛ لأنَّهُ يُدقُّ بها، والطَّريقُ؛ لأنَّ المارَّةَ تَدقُّها بأرجُلِها.\n﴿وَالطَّارِقِ﴾؛ أي: الآتي لَيلًا؛ لأنَّهُ يَحتاجُ إلى الدَّقِّ للتَّنبيهِ، وإطلاقهُ على النَّجمِ البادِي (^٣)\n_________\n(^١) زاد في \"ع\": \"وبه ثقتي\".\n(^٢) من قوله: \"انتظام ختم .. \" إلى هنا من (ع) و(ي). وقال البقاعي: لما تقدم في آخر البروج أن القرآن في لوح محفوظ؛ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء، أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين والمؤالفين. انظر: \"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور\" (٢١/ ٣٧٠).\n(^٣) في \"ع\": \"الساري\".","vol":"9","page":83},{"text":"ليلًا بطريقِ الاستِعارةِ، كالنَّجمِ للكوكبِ الطَّالعِ، فإنَّهُ يُقال لكُلِّ طالعٍ: نَجم؛ تَشبِيهًا بنَجمِ النبتِ (^١) إذا طَلعَ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5933\"></span><span id=\"aya-5934\"> </span>(٢ - ٣) - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾.\n﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ تفخيمٌ لشأنِ هذا المُقسمِ به، ولمَّا كان القصدُ بالإقسامِ به تعظيمه؛ لما فيه مِن عجيبِ القُدرة ولطيفِ (^٢) الحِكمة وبَديعِ الصَّنعة، مهَّدَ للمعنى المقصود بالإبهامِ والتَّبيين، فجاء بالوصفِ المُشتركِ بينه وبينَ غيره ثُمَّ فَسَّرهُ بقولهِ: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ زيادةً في تعظيمِ أمرِه.\nو﴿الثَّاقِبُ﴾: المُضيءُ كأنَّهُ يثقُبُ (^٣) الظَّلامَ بضوئهِ أو الفَلكَ فيَنفُذُ فيهِ، والمُرادُ: جِنسُ النَّجمِ، لا كَوكبُ الصُّبحِ بخصوصهِ كما قال الجوهرِيُّ (^٤)، ولا زحلُ بخُصوصهِ كما قال أبُو زيدٍ؛ إذ يأباهُ سببُ النُّزولِ.\nقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ أبا طَالبٍ كانَ عِندَ النَّبيِّ ﵇ فانحطَّ نَجمٌ، فامتَلأ ما ثَمَّ نُورًا، ففَزعِ أبو طالبٍ، وقال. أيُّ شيءٍ هذا؟ فقال ﵇: \"هَذا نَجمٌ رُميَ به، وهو آيةٌ مِن آياتِ اللّهِ\"، فعَجبَ أبو طالبٍ، فنزلتْ (^٥).\n_________\n(^١) سمِّيَ النَّبتُ أوَّلَ ما يطلُعُ نجمًا، وفي القرآنِ: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، وَقَدْ خُصَّ بالنّجم منه ما لا يَقُوم عَلَى ساقٍ، كَمَا خُصَّ القَائِمُ عَلَى السَّاقِ مِنْهُ بالشَّجَر. انظر: \"النهاية\" (مادة: نجم).\n(^٢) في (ب): \"أو لطيف\".\n(^٣) في (ع): \"يثقب الضوء\".\n(^٤) انظر: \"الصحاح\" (مادة: طرق).\n(^٥) ذكره البغوي في \"تفسيره\" (٤/ ٤٧٢) عن الكلبي، والقرطبي في \"تفسيره\" (٢٢/ ٢٠٢) عن أبي صالح عن ابن عباس، ويغلب على الظن أنه من رواية الكلبي، فيكون إما عن الكلبي كما عند =","vol":"9","page":84},{"text":"<span id=\"aya-5935\"> </span>(٤) - ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾.\n﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ قُرئَ: ﴿لَمَّا﴾ بالتَّشدِيدِ (^١) بمعنى: إلَّا، و﴿إِنْ﴾ نافِيةٌ.\nوبالتَّخفِيفِ على أنَّ (ما) صِلةٌ مُؤكِّدةٌ، و﴿إِنْ﴾ هي المُخفَّفةُ، واللَّامُ هي الفارقةُ، أو عَلى أنَّ اللَّامَ بمعنى: إلَّا، وأنَّ ﴿إِنْ﴾ نافِيةٌ، [و(ما) زائدة] (^٢)، كما في قوله:\nأمسَى أبانُ ذَليلًا بَعد عِزَّتهِ … وما أبانُ لمِن أعلاجِ سُودانِ (^٣)\nوعلى هذا تتَّحدُ القِراءتانِ في المَعنى، والجُملةُ عَليهِما جِوابُ القَسمِ، وتقديمُ الظَّرفِ للاختِصاصِ، والمَعنى: على كلِّ نفسٍ رقيبٌ مخصُوصٌ بحفظ (^٤) عملها خيرًا كان أو شرًّا، فلا مَساغَ لأنْ يُرادَ بالحافظِ هو اللّهُ تعالى؛ لعَدمِ اختصاصهِ بنفسٍ دونَ نفسٍ.\nوأمَّا حَملُ الحِفظِ على حِفظهِ عن اختِطافِ الشَّياطين وسائرِ الآفاتِ فيأباه الفاءُ التَّفرِيعيَّةُ في قَولهِ:\n_________\n= البغوي، أو عنه عن أبي صالح عن ابن عباس، والنتيجة واحدة، فالكلبي متروك. وذكره آخرون دون نسبة. انظر: \"أسباب النزول\" للواحدي (ص: ٤٧٦)، و\"الكشاف\" (٤/ ٧٣٤).\n(^١) هي قراءة عاصم وابن عامر وحمزة وباقي السبعة بالتخفيف. انظر: \"التيسير\" (ص: ٢٢١).\n(^٢) انظر: \"البحر\" (٢١/ ٣٠٩)، وما بين معكوفتين منه.\n(^٣) انظر: \"العين\" (٨/ ٣٩٧)، و\"مغني اللبيب\" (ص: ٣٠٦)، و\"شرح الكافية الشافية\" (١/ ٤٩٤)، و\"شرح الألفية\" للأشموني (١/ ٣٠٨)، وهو في رواية \"العين\": وإنْ أبانُ لَمِن أَعْلاجِ سوراء، ومعنى البيت: أن أبان أضحى ذليلًا بعد أن كان عزيزًا، ولا غرو في كونه ذليلا وهذا بسبب أصله.\n(^٤) في (ب)، و(م) و(ي): \"مخصوص به يحفظ\".","vol":"9","page":85},{"text":"<span id=\"aya-5936\"> </span>(٥) - ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾.\n﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ لمَّا أثبَتَ أنَّ عليهِ رقيبًا حثَّهُ على النَّظرِ في مبدأ نَشأتهِ (^١) حتَّى يَتحقَّقَ صحةَ إعادَتهِ لجزاء الأعمالِ، فلا يُملي على حافظهِ إلَّا ما يَسرُّه في عاقبتِهِ.\n\n<span id=\"aya-5937\"> </span>﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ استِئنافُ جوابٍ عنِ استفهامٍ مُقدَّرٍ؛ لانسِلاخِ ما قَبلهُ عن معنى الاستِفهامِ، والدَّافقُ في وَصفِ الماءِ على الإسنادِ المَجازيِّ، فإنَّ الدَّفقَ - وهو الصبُّ بدفعٍ - لصاحبهِ.\nوجُوِّزَ أنْ يكونَ معناه النِّسبةَ إلى الدَّفقِ كلابنٍ وتامِرٍ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5938\"> </span>(٧) - ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾.\nوالمُرادُ بالماءِ: المُمتزِجُ مِن النُّطفَتينِ؛ لقَولهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾؛ أي: صُلبِ الرَّجلِ؛ أي: ظَهرهِ، وتَرائبِ المَرأةِ وهِي عِظامُ صَدرِها: جمع تَريبةٍ (^٢).\nأصلُ الكَلامِ: يَخرجُ مِن الصُّلبِ والتَّرائبِ، ولمَّا كان فيه احتمالُ المجازِ بأنْ يكونَ الخُروجُ مِن أحدِهما ويُسندُ إليهما - كما في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]- زِيدَ عِبارةُ ﴿بَيْنِ﴾ الدَّالة على الشَّركةِ الحَقيقيَّةِ؛ دَفعًا لذلكَ الاحتِمالِ.\n_________\n(^١) في (ع): \"إنشائه\".\n(^٢) والتَّريبةُ ما فوقَ الثَّندُوتَيْنِ إلى التَّرْقُوتَيْنِ. العين (٨/ ١١٧).","vol":"9","page":86},{"text":"وقُرئَ: (الصَّلَب) بفتحتَينِ، و: (الصُلُب) بضمَّتينِ (^١)، وصالَب بفَتحِ اللَّامِ (^٢) * * *\n\n<span id=\"aya-5939\"> </span>(٨) - ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾.\nوالضَّميرُ في ﴿إِنَّهُ﴾ كما فُخِّمَ أوَّلًا بتَركِ الفاعِلِ في قولهِ: ﴿مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ﴾ - إذْ لا يَذهبُ الوَهمُ إلى غَيرهِ - فُخِّمَ بالإضمَارِ قَبلَ الذِّكرِ ثَانيًا، فأُكِّدَ التَّأكيدَ البَالغَ لفظًا لما أقامَ عليه البُرهان الوَاضح مَعنىً (^٣).\n﴿عَلَى رَجْعِهِ﴾: عَلى إعادَتهِ حيًّا بالبَعثِ بعدَ المَوتِ ﴿لَقَادِرٌ﴾ دلَّ التَّنكِيرُ على الكَمالِ كما في قَولهِ: لِأَفْقرَ مني إنني لفَقير (^٤)\n* * *\n\n<span id=\"aya-5940\"> </span>(٩) - ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.\n_________\n(^١) انظر القراءتين في \"المختصر في شواذ القراءات\" (ص: ١٧١)، و\"الكشاف\" (٤/ ٧٣٥).\n(^٢) لم أجدها في قراءة ولا لغة، وقد ذكر في المصدرين السابقين أربع لغات فيه: صُلْبٌ وصُلُبٌ وصَلَبٌ وصَالِبٌ.\n(^٣) انظر: \"روح المعاني\" (٢٨/ ٤٥٢)، وفيه: (والتأكيدُ البالغُ لفظًا لِمَا قام عليه البرهانُ الواضح معنًى).\n(^٤) البيت لقيس بن الملوح في ديوانه (ص: ١٤٠)، وورد في ديوان ابن الدمينة (ص: ٤٩)، قال الزمخشري: أراد: إنني لفقير بليغ الفقر، حقيق بأن أوصف به؛ لكمال شرائطه فيَّ. وقال الآلوسي: أراد: لبين الفقر، وإلّا لم يصح إيراده في مقابلة: لأفقر مني. انظر: \"الكشاف\" (٤/ ٢٣)، \"روح المعاني\" (٢٨/ ٤٥٢)، وصدره:\nلئن كان يُهدَى بردُ أنيابها العُلا","vol":"9","page":87},{"text":"﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ يُتعرَّفُ ويُميزُ (^١) ما طابَ مِنها وما خَبث، وهو ظرفٌ لـ ﴿رَجْعِهِ﴾.\nو﴿السَّرَائِرُ﴾: ما أُسِرَّ وأُخفِي من العقائدِ والنيَّاتِ والأعمالِ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5941\"> </span>(١٠) - ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.\n﴿فَمَا لَهُ﴾؛ أي: فما للإنسَانِ ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: مِن مَنعةٍ في نَفسهِ يَمتنعُ بهِ ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾ يَمنعُهُ، والنَّصرُ أخصُّ مِن المَعونةِ، لاختِصاصهِ بدَفعِ الضرِّ (^٢).\n* * *\n\n<span id=\"aya-5942\"> </span>(١١) - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾.\n﴿وَالسَّمَاءِ﴾ أقسَمَ بها ثانِيًا ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ الرَّجعُ: المَطرُ، سُمِّي بهِ تَفاؤلًا ليَرجعَ غيرَ مرَّةٍ، ويُناسبهُ المُبالغةُ المُستَفادةُ مِن إطلاقِ المَصدرِ على المَفعولِ، أو لأنَّهُ تعالى يُرجِعهُ وقتًا فوقتًا، أو لأنَّ السَّحابَ يحمِلهُ مِن الأرضِ ثُمَّ يُرجِعهُ إلَيها.\nوفي إسنادهِ إلى السَّماءِ يَكفِي نُزولُهُ مِن جِهتِها، فلا حاجةَ إلى صَرفِ لَفظِ (^٣) السَّماءِ عن مَعناها المُناسبِ لأنْ يُذكرَ في مُقابلةِ الأرضِ.\nوَيجوزُ أنْ يُرادَ بالرَّجعِ ما يغيبُ (^٤) ثُمَّ يَرجعُ إلى مَطلِعهِ مِن الشَّمسِ والقَمرِ والنُّجومِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ع) و(ي): \"ويتميز\".\n(^٢) في (ع): \"الضرر\".\n(^٣) في (ع): \"لفظة\".\n(^٤) في (ب): \"يصيب\".","vol":"9","page":88},{"text":"<span id=\"aya-5943\"> </span>(١٢) - ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾.\n﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾: ما يَتصدَّعُ عنهُ الأرْضُ مِن النَّباتِ والعُيونِ، أو الشَقُّ (^١) بهما.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5944\"> </span>(١٣) - ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾.\n﴿إِنَّهُ﴾ أي: القولُ المُتقدِّمُ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ بَينَ الحقِّ والبَاطلِ، والتجوُّزُ في الفصلِ عَقليٌّ لا لفظيٌّ، كما في العَدلِ في: رَجلٌ عَدلٌ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5945\"> </span>(١٤) - ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.\n﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ ولو كان الضَّميرُ للقُرآنِ لكانَ الُمناسبُ نَفيَ وجودِ الهَزلِ فيهِ حتَّى يَدلَّ على كَونهِ جِدًّا كلهُ.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5946\"> </span>(١٥) - ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾.\n﴿إِنَّهُمْ﴾ يَعني: أهلَ مكَّةَ، وإضْمارُهمْ قَبلَ الذِّكرِ لتَفخِيمِ شأنِهم في الاشتِهارِ بالوَصفِ الآتي ذِكرهُ بحَيثُ لا يَذهبُ الوَهمُ إلى غَيرهمْ عِندَ الإطْلاقِ.\n﴿يَكِيدُونَ﴾: يَعملون المَكائدَ في إبطالِ أمرِ اللهِ تعالى، وإطفاءِ نُورِ الحقِّ.\n﴿كَيْدًا﴾ الكَيدُ: تَوجيهُ المَكرُوهِ إلى شَخصٍ خُفيةً، والتَّنكِيرُ للتَّعظِيمِ.\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"انشق\".","vol":"9","page":89},{"text":"<span id=\"aya-5947\"> </span>(١٦) - ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾.\n﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ وأقابلُهم بكَيدٍ أعظَمَ مِن مكائدِهم، وهو استِدراجُهُ تَعالى لهم والانتِقامُ مِنهم مِن حيثُ لم يَحتسِبوا.\n* * *\n\n<span id=\"aya-5948\"> </span>(١٧) - ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾.\n﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾: لا تَدْعُ بهلاكِهمْ، ولا تَستعجِلْ به، فإنَّي (^١) قد وقَتُّ لهم وقتًا.\n﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾: إمْهالًا يَسيرًا، التَّكرِيرُ والمُخالَفةُ بَينَ اللَّفظِينِ في مهِّلْ وأمهِلْ، والتَّأكيدُ بـ ﴿رُوَيْدًا﴾ - وهو مَصدرُ أروَدَ يُرْوِدُ مصغَّرًا تَصغيرَ تَرخيم؛ إذ أصلُهُ: إروادًا - لزِيادةِ التَّمكِينِ (^٢) منهُ والتَّصبِيرِ (^٣).\nوالحمد للهِ تعالى وحده (^٤)\n* * *\n_________\n(^١) في (ب): \"فإنه\".\n(^٢) \"التمكين\" سقط من (ع)، وفي \"الكشاف\" (٤/ ٧٣٧): (التسكين).\n(^٣) في (ك) و(ي): \"والتصيير\".\n(^٤) قوله: \"والحمدُ للهِ تَعالى وَحدهُ\" من (ب)، وفي (ع): \"تمت\"، وفي (م): \"انتهى ما وجد من تفسير المرحوم العلامة ابن كمال باشا رحمه الله تعالى، وكان الفراغ من كتابته في ليلة يسفر صبحها عن يوم الثلاثاء ثاني شهر رجب الفرد الحرام من شهور سنة أربعين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، والحمد لله أولا وآخرا وظاهر أو باطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. بلغ مقابلة بحسب الطاقة عن أصله المنقول منه على ما في أصله من بعض التحريفات، مع إصلاح ما فيه من بعض الكلمات، والله الموفق للطاعات\".","vol":"9","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - الآحاد والمثاني، لابن لأبي عاصم، ت: باسم الجوابرة، دار الراية، ١٩٩١ م.\n٢ - إتحاف الخيرة، للبوصيري، ت: دار المشكاة للبحث العلمي، ط: دار الوطن للنشر ١٩٩٩ م.\n٣ - الأحاديث المختارة، للضياء المقدسي، ت: عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة ١٩٩٠ م.\n٤ - أحكام القرآن، للجصاص، ط: دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٣٥ م.\n٥ - أحكام القرآن، للكيا الهراسي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٣ م.\n٦ - الأحكام الوسطى من حديث النبي ﷺ، لعبد الحق لإشبيلي أبو محمد ابن الخراط، ت: حمدي السلفي - صبحي السامرائي، مكتبة الرشد، ١٤١٦ هـ، ١٩٩٥ م.\n٧ - إحياء علوم الدين، للغزالي، ط: دار المعرفة (بيروت).\n٨ - أخبار المدينة، لابن شبّة، ت: علي محمد دندل وياسين سعد الدين بيان. دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.","vol":"9","page":293},{"text":"٩ - أخبار مكة، للفاكهي، ت: عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مطبعة النهضة الحديثة ١٩٨٦ م.\n١٠ - أدب الدنيا والدين، للماوردي، ط: مصطفى البابي الحلبي ١٩٥٥ م.\n١١ - الأذكار، النووي، ت: عبد القادر الأرنؤوط، دار الملاح، ١٩٧١ م.\n١٢ - ارتشاف الضرب من لسان العرب، لأبي حيان، ت: د. رجب عثمان محمد ود. رمضان عبد التواب، نشر مكتبة الخانجي، بالقاهرة، ١٩٩٨ م.\n١٣ - الأزمنة والأمكنة، للمرزوقي، طبع على نفقة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني ١٩٦٨ م.\n١٤ - الأزهية في علم الحروف، لعلي بن محمد الهروي، ت: عبد المعين الملوحي، ط: مجمع اللغة العربية بدمشق ١٩٨١ م.\n١٥ - أساس البلاغة، للزمخشري، ط: مكتبة لبنان ناشرون.\n١٦ - أسباب النزول، للواحدي، ت: عصام بن عبد المحسن الحميدان ط: دار الإسلام، الدمام ١٤٢٠ هـ ١٩٩٢ م.\n١٧ - الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، الملّا علي القاري، ت: محمد الصباغ، دار الأمانة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٧١ م.\n١٨ - الأسماء والصفات، للبيهقي، ت: عبد الله الحاشدي، مكتبة الوادي جدة ١٩٩٣ م.\n١٩ - الاشتقاق، لابن دريد، ت: عبد السلام هارون، ط: مكتبة المثنى بغداد ١٩٧٩ م.","vol":"9","page":294},{"text":"٢٠ - الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر، ت: صغير محمد الأنصاري، ط: مكتبة مكة الثقافية - الإمارات العربية المتحدة ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م.\n٢١ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، تحقيق علي البجاوي، دار الجيل، بيروت ١٩٩٢ هـ.\n٢٢ - إصلاح المنطق، لابن السكيت، ت: أحمد شاكر وعبد السلام هارون، ط: دار المعارف بمصر.\n٢٣ - الأصمعيات، للأصمعي، ت: أحمد شاكر وعبد السلام هارون، ط: دار المعارف بمصر.\n٢٤ - الأصول في النحو، ابن السراج، ت: د. عبد الحسين الفتلي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٩٩٦ م.\n٢٥ - الأضداد، لابن الأنباري، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دائرة المطبوعات والنشر في الكويت ١٩٦٠ م.\n٢٦ - إعراب القرآن، لأبي جعفر النحاس، ت: د. زهير غازي زاهد، ط: عالم الكتب ١٩٨٨ م.\n٢٧ - الأعلام، للزركلي، دار الكتب للملايين.\n٢٨ - الأغاني، لأبي الفرج الأصبهاني، ط: مؤسسة جمال للطباعة والنشر، مصورة عن طبعة دار الكتب.","vol":"9","page":295},{"text":"٢٩ - أمالي ابن الشجري، ت: د. محمود الطناحي، ط: مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n٣٠ - الأمثال، لأبي عبيد، ت: عبد المجيد قطامش، ط: دار المأمون للتراث ١٩٨٠ م.\n٣١ - الإملاء، لأبي البناء العكبري، ط: دار الفكر بهامش الفتوحات الإلهية.\n٣٢ - الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال، ابن المنير، (بهامش الكشاف).\n٣٣ - الأنساب، للسمعاني، ت: المعلمي اليماني، ط: أمين دمج ١٩٨٠ م.\n٣٤ - الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي أوجبت الخلاف، للبطليوسي، ت: د. محمد رضوان الداية، ط: دار الفكر بدمشق، ودار الفكر المعاصر ببيروت.\n٣٥ - الأوسط، لابن المنذر، ت: د. أحمد حنيف، دار طيبة، الرياض ١٩٨٥ م.\n٣٦ - الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني، مكتبة المثنى، بغداد.\n٣٧ - البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان، ت: ماهر حبوش ورضوان عرقسوسي ومجموعة من الباحثين، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ هـ ٢٠١٤ م.","vol":"9","page":296},{"text":"٣٨ - البدور الزاهرة، لعبد الفتاح القاضي، دار الكتاب العربي، ط ١، ١٩٨١ م.\n٣٩ - البسيط في التفسير، لأبي الحسن الواحدي، أصل تحقيقه في (١٥) رسالة دكتوراة بجامعة الإمام محمد بن سعود، ثم قامت لجنة علمية من الجامعة بسبكه وتنسيقه، نشر: عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط أولى، ١٤٣٠ هـ.\n٤٠ - بغية الوعاة، للسيوطي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: عيسى البابي الحلبي ١٩٦٤ م.\n٤١ - بهجة المجالس، لابن عبد البر، ت: محمد مرسي الخولي، ط: دار الكتب العلمية.\n٤٢ - بيان الوهم والإيهام، لابن القطان، ت: د. الحسين سعيد، دار طيبة، الرياض، ١٩٩٧ م.\n٤٣ - البيان والتبيين، للجاحظ، ت: عبد السلام هارون، ط: مكتبة الخانجي بمصر ومكتبة المثنى ببغداد ١٩٦٠ م.\n٤٤ - تاج العروس، للزَّبيدي، طبعة وزارة الإرشاد (الكويت) وطبعة دار مكتبة الحياة (بيروت).\n٤٥ - تاريخ الطبري، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المعارف بمصر.","vol":"9","page":297},{"text":"٤٦ - التاريخ الكبير، للبخاري، ط: دار المعارف العثمانية، الهند ١٣٨٠ هـ.\n٤٧ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ط: القاهرة ١٩٣١ م.\n٤٨ - تاريخ خليفة بن خياط، ت: د. أكرم ضياء العمري، ط: مؤسسة الرسالة ودار القلم ١٩٧٧ م.\n٤٩ - تاريخ دمشق، لابن عساكر، نشر دار البشير (مصورة مخطوط)، ودار الفكر دمشق.\n٥٠ - تأويلات أهل السنة، للماتريدي، ت: فاطمة يوسف الخيمي، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت، ط ١، ٢٠٠٤ م.\n٥١ - التبيان، لأبي البقاء العكبري، ت: علي محمد البجاوي، ط: عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n٥٢ - تجريد أسماء الصحابة، للذهبي، ت: صالحة شرف الدين، ط: شرف الدين الكتبي، الكويت ١٩٧٠ م.\n٥٣ - التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، دار سحنون، تونس.\n٥٤ - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف، لجمال الدين الزيلعي، ت: عبد الله السعد، دار ابن خزيمة، الرياض، ط ١، ١٤١٤ هـ.\n٥٥ - التذييل والتكميل في شرح التسهيل، لأبي حيان، ت: حسن هنداوي، ط: دار القلم، دمشق.\n٥٦ - الترغيب والترهيب، للمنذري، ت: إبراهيم شمس الدين، ط: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ.","vol":"9","page":298},{"text":"٥٧ - تصحيح الفصيح، لابن دُرُسْتَوَيْه ابن المرزبان، ت: د. محمد بدوي المختون، ط: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n٥٨ - تفسير ابن أبي حاتم، ت: أسعد الطيب، مكتبة نزار الباز، مكة والرياض ١٩٩٩ م.\n٥٩ - تفسير ابن أبي زَمَنِين، لابن أبي زمين، ت: أبو عبد الله حسين بن عكاشة ومحمد بن مصطفى الكنز، ط: الفاروق الحديثة - مصر القاهرة، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٦٠ - تفسير ابن فورك، لأبي بكر محمد بن الحسن ابن فورك، ت: علال عبد القادر بندويش، ط: جامعة أم القرى - المملكة العربية السعودية، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n٦١ - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم، ط: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٦٢ - تفسير أبي الليث السمرقندي، ت: الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد الموجود ود. زكريا عبد المجيد النوتي، ط: دار الكتب العلمية ١٩٩٣ م.\n٦٣ - تفسير البغوي، ت: خالد العك ومروان سوار، دار المعرفة بيروت ١٩٨٦ م.\n٦٤ - تفسير البيضاوي، ت محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء","vol":"9","page":299},{"text":"التراث العربي، بيروت، طبعة أولى ١٤١٨ هـ وبهامش حاشية الشهاب، دار صادر بيروت.\n٦٥ - تفسير الثعلبي، ت: أبو محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ٢٠٠٢ م.\n٦٦ - تفسير الخازن، دار الفكر، دمشق، ١٩٧٩ م.\n٦٧ - تفسير الرازي، دار إحياء التراث العربي، بيروت طبعة ثالثة ١٤٢٠ هـ.\n٦٨ - تفسير الراغب الأصفهاني، لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى، ت: د. محمد عبد العزيز بسيوني، ط: كلية الآداب - جامعة طنطا، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م.\n٦٩ - تفسير السلمي، ت: سيد عمران، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ٢٠٠١ م.\n٧٠ - تفسير الطبري، ت: د. عبد الله التركي، دار هجر، مصر ٢٠٠١ م.\n٧١ - تفسير القرطبي، ت: رضوان عرقسوسي ماهر حبوش وعدد من الباحثين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n٧٢ - تفسير عبد الرزاق، ت: د. مصطفى مسلم محمد، مكتبة الرشد، الرياض ١٩٨٩ م.\n٧٣ - تفسير مقاتل، لأبي الحسن مقاتل بن سليمان، ت: عبد الله محمود شحاتة، دار إحياء التراث - بيروت، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م.","vol":"9","page":300},{"text":"٧٤ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، وزارة الأوقاف المغربية ١٩٦٧ م.\n٧٥ - تنزيه الشريعة المرفوعة، لابن عراق الكناني، ت: عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله محمد الصديق، ط: دار الكتب العلمية ١٩٧٩ م.\n٧٦ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للمزي، ت: د. بشار عواد، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٨٥ م.\n٧٧ - تهذيب اللغة، للأزهري، ت: عبد العظيم محمود ومحمد علي النجار، ط: الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n٧٨ - التيسير في القراءات السبع، لأبي عمرو الداني، ت: أوتوتريزل ط: دار الكتاب العربي ١٩٨٤ م.\n٧٩ - الثقات، لابن حبان، ت: محمد عبد المعين خان، ط: حيدرآباد، دار المعارف العثمانية ١٩٧٣ م.\n٨٠ - جامع البيان، أبو عمرو الداني، ت: د. محمد كمال عتيك، مديرية النشر والطباعة والتجارة، أنقرة، ط ١، ١٩٩٩ م.\n٨١ - الجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني مع شرحه النافع الكبير للكنوي، ط: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n٨٢ - الجامع الصغير، لمحمد بن الحسن الشيباني، ط: عالم الكتب، بيروت.","vol":"9","page":301},{"text":"٨٣ - جمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، المطبعة الأدبية بمصر ١٣١٧ هـ.\n٨٤ - الجهاد، لابن المبارك، ت: د. نزيه حماد، دار المطبوعات الحديثة، جدة.\n٨٥ - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، لأبي زيد عبد الرحمن الثعالبي، ت: الشيخ محمد علي معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، طـ؛ دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٨ هـ.\n٨٦ - الجواهر المضية في طبقات الحنفية، عبد القادر أبو محمد الحنفي، ت: عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م.\n٨٧ - حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي المسماة: عناية القاضي وكفاية الراضي، للشهاب الخفاجي، دار صادر، بيروت.\n٨٨ - حاشية القونوي، عصام الدين إسماعيل الحنفي، ت: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.\n٨٩ - حاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، محي الدين شيخ زاده، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٩٠ - حجة القراءات، لابن زنجلة، ت: سعيد الأفغاني، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٧٤ م.\n٩١ - الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، ت: عبد العال سالم مكرم، دار الشروق - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.","vol":"9","page":302},{"text":"٩٢ - الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي، د. بدر الدين قهوجي وبشير جويجاتي، ط: دار المأمون للتراث.\n٩٣ - حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني، مطبعة السعادة ١٩٧٤ م.\n٩٤ - الحماسة البصرية، للبصري، ط: عالم الكتب (بيروت).\n٩٥ - الحماسة الشجرية لابن الشجري، ت: عبد المعين الملوحي وأسماء الحمصي، منشورات وزارة الثقافة (دمشق) ١٩٧٠ م.\n٩٦ - خزانة الأدب، للبغدادي، ت: محمد نبيل طريفي أميل بديع يعقوب، ط: دار الكتب العلمية بيروت ١٩٩٨ م طبعة أولى.\n٩٧ - الخصائص، لابن جني، ت: محمد علي النجاري، ط: دار الكتب المصرية ١٩٥٢ م.\n٩٨ - خلق أفعال العباد، للبخاري، ط: مؤسسة الرسالة ١٤٠٤ هـ.\n٩٩ - الدر المصون، للسمين الحلبي، ت: د. أحمد محمد الخراط، ط: دار القلم ١٩٩٣ م.\n١٠٠ - الدر المنثور، للسيوطي، دار الفكر، بيروت ١٩٩٨ م.\n١٠١ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر العسقلاني، اعتنى به: عبد الله هاشم اليماني المدني، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، ١٩٦٤ م.\n١٠٢ - درة الغواص في أوهام الخواص، للحريري، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر.","vol":"9","page":303},{"text":"١٥٣ - دلائل النبوة، للبيهقي، ت: عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٥ م.\n١٠٤ - ديوان ابن الدمينة، ت: أحمد راتب النفاخ، ط: دار العروبة.\n١٠٥ - ديوان أبي العتاهية، ت: د. شكري فيصل، ط: مكتبة دار الملاح.\n١٠٦ - ديوان الأعشى الكبير، ت: محمد محمد حسين، مكتبة الآداب، القاهرة.\n١٠٧ - ديوان الفرزدق، ط: دار صادر.\n١٠٨ - ديوان النابغة الذبياني، ط: دار صادر.\n١٠٩ - ديوان الهذليين، للدكتور أحمد كمال زكي، ط: وزارة الثقافة في الجمهورية العربية المتحدة ١٩٦٩ م.\n١١٠ - ديوان امرئ القيس، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، ط: دار المعارف بمصر.\n١١١ - ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب، ت: د. نعمان محمد أمين طه، ط: دار المعارف بمصر.\n١١٢ - ديوان ذي الرمة، ت: د. عبد القدوس أبو صالح، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٩٣ م.\n١١٣ - ديوان طرفة بن العبد، طـ: دار صادر.\n١١٤ - ديوان عبد الله بن الزبعرى، ت: د. يحيى الجبوري، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٨٧ م.","vol":"9","page":304},{"text":"١١٥ - ديوان علي بن أبي طالب، ط: المكتبة الشعبية.\n١١٦ - ديوان علي بن الجهم، ت: خليل مراد، وزارة المعارف - السعودية، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n١١٧ - ديوان كعب بن مالك، ت: د. سامي المعاني، ط: عالم الكتب ١٩٩٧ م.\n١١٨ - ذخيرة الحفاظ، لابن طاهر المقدسي، ت: د. عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي، دار السلف، الرياض، ط ١، ١٩٩٦ م.\n١١٩ - ذيل الأمالي والنوادر، أبو علي القالي، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ١٩٨٠ م.\n١٢٠ - روح البيان، إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي، دار الفكر - بيروت.\n١٢١ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، للآلوسي، ت: ماهر حبوش ومجموعة من الباحثين، مؤسسة الرسالة الطبعة الأولى ٢٠١٠ م.\n١٢٢ - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لابن حبان، ت: محيي الدين عبد الحميد، ط: مطبعة السنة المحمدية، مصر ١٩٤٥ م.\n١٢٣ - زاد المسير، لابن الجوزي، ت: محمد زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، ط: المكتب الإسلامي، ١٩٦٨ م.","vol":"9","page":305},{"text":"١٢٤ - الزاهر في معاني كلام الناس، لابن الأنباري، ت: د. حاتم صالح الضامن، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٩٢ م.\n١٢٥ - الزهد الكبير، للبيهقي، ت: عامر حيدر، مؤسسة الكتب الثقافية ١٩٨٧ م.\n١٢٦ - الزهد، لعبد الله بن المبارك، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، ط: دار الكتب العلمية.\n١٢٧ - السبعة في القراءات، لابن مجاهد، ت: د. شوقي ضيف، ط: دار المعارف بمصر.\n١٢٨ - سمط اللآلي في شرح أمالي القالي، لأبي عبيد البكري الوزير، ت: عبد العزيز الميمني، ط: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٣٥٤ هـ - ١٩٣٦ م.\n١٢٩ - السنة، أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني، ت: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط: ١، ١٤٠٠ هـ.\n١٣٠ - سنن ابن ماجه، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار إحياء الكتب العربية القاهرة، ١٩٥٢ م.\n١٣١ - سنن الترمذي، ت: أحمد شاكر، المكتبة الإسلامية.\n١٣٢ - سنن الدارقطني، ت: شعيب الأرنؤوط وغيره، مؤسسة الرسالة ٢٠٠٤ م.\n١٣٣ - السنن الكبرى، للبيهقي، ط: الهند ١٣٥٢ هـ.","vol":"9","page":306},{"text":"١٣٤ - السنن الكبرى، للنسائي، ت: عبد المنعم شبلي، مؤسسة الرسالة ٢٠٠١ م.\n١٣٥ - سنن سعيد بن منصور، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، ط: دار الكتب العلمية بيروت ١٩٨٥ م.\n١٣٦ - السيرة النبوية، لابن هشام، ت: مصطفى السقا وغيره، ط: مصطفى البابي الحلبي ١٩٥٥ م.\n١٣٧ - شرح أبيات سيبويه، للسيرافي، ت: د. محمد علي سلطاني، ط: دار المأمون للتراث ١٩٧٩ م.\n١٣٨ - شرح أصول الاعتقاد، للالكائي، د. أحمد بن سعد حمدان الغامدي، ط: دار للنشر والتوزيع ١٩٩٥ م.\n١٣٩ - شرح الأشموني على ألفية مالك المسمى منهج السالك إلى ألفية ابن مالك، ت: محي الدين عبد الحميد.\n١٤٠ - شرح التسهيل لابن مالك، محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الأندلسي، ت: عبد الرحمن السيد - محمد المختون، الناشر: دار هجر.\n١٤١ - شرح التصريح على التوضيح، للجرجاويّ الأزهري، زين الدين المصري، ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n١٤٢ - شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات، لابن الأنباري، ت: عبد السلام محمد هارون، ط: دار المعارف.","vol":"9","page":307},{"text":"١٤٣ - شرح القصائد العشر، للتبريزي، ت: عبد السلام الحوفي، ط: دار الكتب العلمية ١٩٨٥ م.\n١٤٤ - شرح المفصل، لابن يعيش، المطبعة المنيرية.\n١٤٥ - شرح ديوان الحماسة، للتبريزي، ط: عالم الكتب بيروت.\n١٤٦ - شرح ديوان الحماسة، للمرزوقي، ت: أحمد أمين وعبد السلام هارون، ط: لجنة التأليف والترجمة والنشر ١٩٥١ م.\n١٤٧ - شرح شافية ابن الحاجب، لمحمد الرضي الإستراباذي، ت: محمد نور الحسن - محمد الزفزاف - محمد محيى الدين عبد الحميد، ط: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م.\n١٤٨ - شرح صحيح مسلم، للنووي، نشر المكتبة المصرية ومكتباتها.\n١٤٩ - شعب الإيمان، للحليمي، ت: حلمي محمد فوده، ط: دار الفكر ١٩٧٩ م.\n١٥٠ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ت: أحمد شاكر، ط: دار المعارف بمصر ١٩٦٦ م.\n١٥١ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، ت: محمد أمين قره علي وأسامة الرفاعي وجمال السيروان ونور الدين قره علي وعبد الفتاح السيد، ط: دار الوفاء دمشق.\n١٥٢ - الصاحبي في فقه اللغة العربية، لابن فارس، ت: أحمد حسن بسج، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.","vol":"9","page":308},{"text":"١٥٣ - الصحاح، للجوهري، ت: أحمد عبد الغفور عطار، ط: دار الكتاب العربي بمصر.\n١٥٤ - صحيح ابن حبان، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٣ م.\n١٥٥ - صحيح ابن خزيمة، ت: مصطفى الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي.\n١٥٦ - صحيح البخاري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n١٥٧ - صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العلمية، بيروت، ١٣٧٤ هـ.\n١٥٨ - الضعفاء، للعقيلي، ت: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية ١٤٠٤ هـ.\n١٥٩ - طبقات المفسرين، للداودي، ت: علي محمد عمر، نشر مكتبة وهبة (مصر) ١٩٧٢ م.\n١٦٠ - طرح التثريب في شرح التقريب، للعراقي، ط: الطبعة المصرية القديمة.\n١٦١ - العجاب في بيان الأسباب، لابن حجر العسقلاني، ت: عبد الحكيم محمد الأقيس، ط: دار ابن الجوزي ١٩٩٧ م.\n١٦٢ - العقد الفريد، لابن عبد ربه، دار إحياء التراث العربي بيروت طبعة ثالثة ١٩٩٩ م.","vol":"9","page":309},{"text":"١٦٣ - علل الحديث، لابن أبي حاتم الرازي، ط: مكتبة المثنى، بغداد ١٣٤٣ هـ.\n١٦٤ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، ت: خليل الميس، دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٣ م.\n١٦٥ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني، ت: محفوظ الرحمن السلفي، دار طيبة، الرياض ١٩٨٥ م.\n١٦٦ - العين، للخليل، ت: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي، ط: دار الهجرة (إيران قم) ١٤٠٥ هـ.\n١٦٧ - عيون الأخبار، لابن قتيبة، ط: دار الكتب العلمية بيروت ١٤١٨ هـ.\n١٦٨ - عيون المسائل، لأبي الليث السمرقندي، ت: د. صلاح الدِّين الناهي، ط: مطبعة أسعد، بغداد، ١٣٨٦ هـ.\n١٦٩ - غرائب التفسير وعجائب التأويل، لأبي القاسم برهان الدين الكرماني، ط: دار القبلة للثقافة الإسلامية - جدة، مؤسسة علوم القرآن - بيروت.\n١٧٠ - غريب الحديث، لإبراهيم الحربي، ت: د. سليمان العابد، ط: جامعة أم القرى، ١٩٨٥ م.\n١٧١ - غريب الحديث، لابن قتيبة، صنع فهارسه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٩٨٨ م.\n١٧٢ - غريب الحديث، لأبي عبيد، ت محمد عبد المعيد خان، مطبعة","vol":"9","page":310},{"text":"دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن، ط الأولى، ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n١٧٣ - غريب القرآن، لابن قتيبة، ت: السيد أحمد صقر، ط: دار الكتب العلمية ١٩٧٨ م.\n١٧٤ - غوامض الأسماء المبهمة، لابن بشكوال، ت: عز الدين السيد، ط: عالم الكتب، ١٩٨٧ م.\n١٧٥ - الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، ت: علي البجاوي، ط: عيسى البابي الحلبي ١٩٧١ م.\n١٧٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، المكتبة السلفية.\n١٧٧ - الفتح السماوي، لعبد الرؤوف المناوي، ت: أحمد مجتبى، ط: دار العاصمة - الرياض.\n١٧٨ - فتح القدير، لمحمد بن علي الشوكاني، ط: دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n١٧٩ - فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، الحسين بن محمد الطيبي، ت: مجموعة من المحققين، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٤ م.\n١٨٠ - فقه اللغة، للثعالبي، ت: د. فائز محمد، ود. إميل يعقوب، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٩٩٦ م.\n١٨١ - القاموس المحيط، للفيروزبادي، ت: مكتب التحقيق في مؤسسة الرسالة بدمشق ١٩٨٧ م.","vol":"9","page":311},{"text":"١٨٢ - قضاء الحوائج، لأبي بكر ابن أبي الدنيا، ت: محمد عبد القادر عطا، ط: مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م.\n١٨٣ - قوت القلوب في معاملة المحبوب، أبو طالب المكي، ت: د.\nعاصم إبراهيم الكيالي، ط: دار الكتب العلمية - بيروت لبنان، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.\n١٨٤ - الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف، لابن حجر، مصورة عن طبعة دار المعرفة (بيروت).\n١٨٥ - الكامل في الضعفاء، لابن عدي، ت: يحيى مختار غزاوي، ط: دار الفكر بيروت، ط ثالثة ١٤٠٩ هـ ١٩٨٨ م.\n١٨٦ - الكامل، للمبرد، ت: محمد الدالي، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٨٦ م.\n١٨٧ - الكتاب، لسيبويه، ت: عبد السلام هارون، ط: عالم الكتب.\n١٨٨ - الكشاف، للزمخشري، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، ط ثالثة ١٤٠٧.\n١٨٩ - كشف الخفا ومزيل الإلباس، للعجلوني، ت: أحمد القلاش، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٩٦ م.\n١٩٠ - الكليات معجم في المصطلحات، لأبي البناء الكفوي، ت: عدنان درويش - محمد المصري، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت.\n١٩١ - اللآلئ المصنوعة، للسيوطي، دار المعرفة، بيروت.\n١٩٢ - لسان الميزان، لابن حجر، مؤسسة الأعلمي، بيروت ١٣٩٠ هـ،","vol":"9","page":312},{"text":"مطبعة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، ط ١، ٢٠٠٢ م.\n١٩٣ - مجاز القرآن، لأبي عبيدة، ت: محمد فؤاد سزكين، ط: مؤسسة الرسالة.\n١٩٤ - المجالسة وجواهر العلم، للدينوري، ت: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن حزم، الرياض، ط ١، ١٩٩٨ م.\n١٩٥ - المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، لابن حبان، ت: محمود زايد، دار الوعي، حلب ١٩٣٦ م.\n١٩٦ - مجمع الأمثال، للميداني، ت: محيي الدين عبد الحميد، ط: مطبعة السنة المحمدية.\n١٩٧ - مجمع البيان، للطبرسي، ط: دار مكتبة الحياة، بيروت.\n١٩٨ - مجمع الزوائد، للهيثمي، ط: مكتبة القدسي، القاهرة ١٣٥٢ هـ.\n١٩٩ - مجمع الغرائب للفارسي - مخطوط.\n٢٠٠ - مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ت: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n٢٠١ - المحتسب، لابن جني، ت: علي النجدي ناصف ود. عبد الفتاح شلبي، ط: لجنة إحياء التراث الإسلامي (القاهرة) ١٩٦٩ م.\n٢٠٢ - المحرر الوجيز، لابن عطية، ت: عبد السلام عبد الشافي محمد، ط: دار الكتب العلمية ١٩٩٣ م.","vol":"9","page":313},{"text":"٢٠٣ - المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده، ت: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م.\n٢٠٤ - المحلى، لابن حزم، ت: أحمد شاكر، ط: إدارة الطباعة المنيرية ١٣٤٧ هـ.\n٢٠٥ - مختار الصحاح، الرازي، ت: حمزة فتح اللّه، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٤ م.\n٢٠٦ - مختصر الصواعق المرسلة، لابن قيم الجوزية، ت: سيد إبراهيم، دار الحديث، القاهرة، ط ١، ١٩٩٢ م.\n٢٠٧ - مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع، لابن خالويه، ط: مكتبة المتنبي.\n٢٠٨ - المخصص، لابن سيده، دار الفكر.\n٢٠٩ - مدارك التنزيل وحقائق التأويل، للنسفي، ت: يوسف علي بديوي، دار الكلم الطيب، بيروت ط: ١، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n٢١٠ - المدونة للإمام مالك، دار صادر بيروت.\n٢١١ - المراسيل، لابن أبي أحاتم، ت: أحمد الكاتب، دار الكتب العلمية، ت: شكر اللّه قوجاني، مؤسسة الرسالة ١٩٧٧ م.\n٢١٢ - المراسيل، لأبي داود، ت: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ١٤٠٨ هـ.","vol":"9","page":314},{"text":"٢١٣ - المزهر، للسيوطي، ت: عدد من الأساتذة، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n٢١٤ - المستدرك على الصحيحين، ت مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n٢١٥ - المستقصى في أمثال العرب، للزمخشري، ط: دار الكتب العلمية ١٩٧٧ م.\n٢١٦ - مسند أبي يعلى الموصلي، ت: حسين أسد، ط: دار المأمون للتراث، دمشق ١٩٨٤ م.\n٢١٧ - مسند أحمد بن حنبل، ت: شعيب الأرنؤوط ونعيم عرقسوسي وإبراهيم الزيبق وغيرهم، مؤسسة الرسالة.\n٢١٨ - مسند البزار، ت: محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، ١٩٨٨ م.\n٢١٩ - مسند الشاميين، للطبراني، ت: حمدي السلفي، مؤسسة الرسالة، ١٩٩٦ م.\n٢٢٠ - مسند الفاروق، لأبي الفداء ابن كثير، ت: عبد المعطي قلعجي، دار الوفاء - المنصورة، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n٢٢١ - مسند الفردوس، للديلمي، ت: السعيد زغلول، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٩٨٦ م.","vol":"9","page":315},{"text":"٢٢٢ - مشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب، ت: د. حاتم الضامن، ط: مؤسسة الرسالة ١٩٨٤ م.\n٢٢٣ - مصابيح السنة، لأبي محمد البغوي، ت: يوسف عبد الرحمن المرعشلي - محمد سليم إبراهيم سمارة - جمال حمدي الذهبي، ط: دار المعرفة، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٢٢٤ - المصنف، لابن أبي شيبة، ت: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد الرياض ١٤٠٩ هـ، وطبعة الشيخ محمد عوامة، شركة دار القبلة، مؤسسة علوم القرآن، ط ١، ٢٠٠٦ م.\n٢٢٥ - المصنف، لعبد الرزاق، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٩٧١ م.\n٢٢٦ - المطالب العالية، لابن حجر، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٢٧ - معالم السنن، للخطابي، المكتبة العلمية، حلب.\n٢٢٨ - معاني القراءات، لمحمد بن أحمد الأزهري الهروي، مركز البحوث في كلية الآداب - جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n٢٢٩ - معاني القرآن، للزجاج، ت: د. عبد الجليل عبده سلبي، دار الحديث، القاهرة، ط ١، ١٩٩٤ م.\n٢٣٠ - معاني القرآن، للفراء، ط: عالم الكتب ١٩٨٠ م.\n٢٣١ - معجم ابن الأعرابي، لأحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن الأعرابي،","vol":"9","page":316},{"text":"ت: عبد المحسن بن إبراهيم بن أحمد الحسيني، ط: دار ابن الجوزي، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n٢٣٢ - معجم الأدباء، لياقوت الحموي، ط: مصورة دار إحياء التراث العربي (بيروت).\n٢٣٣ - معجم الشعراء، للمرزباني، ت: عبد الستار أحمد فراج، منشورات مكتبة النوري (دمشق).\n٢٣٤ - المعجم الكبير، للطبراني، ت: حمدي السلفي، نشر وزارة الأوقاف العراقية، ١٩٨٣ م.\n٢٣٥ - معجم متن اللغة، لأحمد رضا، مكتبة دار الحياة، بيروت، ١٣٧٧ هـ.\n٢٣٦ - المُعرَّب، للجواليقي، ت: أحمد شاكر، ط: وزارة الثقافة (القاهرة) ١٩٦٩ م.\n٢٣٧ - معرفة القراء الكبار، للذهبي، ت: د. طيار آلتي قولاج، ط: استانبول ١٩٩٥ م.\n٢٣٨ - المغرب في ترتيب المعرب، للمطرزي، ت: محمود فاخوري، وعبد الحميد مختار، مكتبة أسامة بن زيد، حلب، ط ١، ١٩٧٩ م.\n٢٣٩ - مغني اللبيب، لابن هشام، ت: د. مازن المبارك ود. علي حمد الله، دار الفكر ١٩٩٢ م.\n٢٤٠ - المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصبهاني، ت: صفوان داودي، دار القلم، دمشق ١٩٩٢ م.","vol":"9","page":317},{"text":"٢٤١ - المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصبهاني، ت: صفوان داودي، دار القلم، دمشق ١٩٩٢ م.\n٢٤٢ - المفضليات، للمفضل الضبي، ت: أحمد شاكر وعبد السلام هارون، ط: دار المعارف، ١٩٦٤ م.\n٢٤٣ - مقاييس اللغة، لابن فارس، ت: عبد السلام هارون، دار الفكر.\n٢٤٤ - المقتضب، للمبرد، ت: محمد عبد الخالق عضيمة، ط: عالم الكتب (بيروت).\n٢٤٥ - المؤتلف والمختلف، للآمدي، ت: عبد الستار فراج، ط: عيسى البابي الحلبي ١٩٦١ م.\n٢٤٦ - المؤتلف والمختلف، للدارقطني، ت: موفق بن عبد اللّه، دار الغرب الإسلامي ١٤٠٦ هـ.\n٢٤٧ - موسوعة الحافظ ابن حجر الحديثية، الزبيري وآخرون، ت: وليد الزبيري - إياد القبسي - بشير القبسي - مصطفى بن قحطان الحبيب - عماد البغدادي، ط: دار الحكمة، ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م.\n٢٤٨ - الموضوعات، لابن الجوزي، ت: توفيق حمدان، دار الكتب العلمية ١٩٩٥ م.\n٢٤٩ - الموطأ، لمالك (برواية يحيى الليثي) ت: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار إحياء التراث، بيروت ١٩٨٥ م.\n٢٥٠ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، ت: رضوان عرقسوسي","vol":"9","page":318},{"text":"وغيره مؤسسة الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.\n٢٥١ - الناسخ والمنسوخ، لأبي جعفر النحاس، ت: د. سليمان اللاحم، مؤسسة الرسالة ١٩٩١ م.\n٢٥٢ - النحو الوافي، لعباس حسن، ط: دار المعارف - الطبعة الثالثة.\n٢٥٣ - نسب قريش، أبو عبد الله الزبيري، ت: ليفي بروفنسال، ط: دار المعارف، القاهرة.\n٢٥٤ - النشر في القراءات العشر، لابن الجزري، ت: علي محمد الضباع، ط: دار الكتب العلمية.\n٢٥٥ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، تصحيح محمد عوامة، دار القبلة، مؤسسة الريان، ط ١، ١٩٩٧ م.\n٢٥٦ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي، دار الكتاب الإسلامي، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n٢٥٧ - النكت والعيون، للماوردي، ت: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، ط: مؤسسة الكتب الثقافية ودار الكتب العلمية.\n٢٥٨ - النوادر والزيادات، لابن أبي زيد القيرواني، ت: عبد الفتاح الحلو، ط: دار الغرب الإسلامي، ط ١، ١٩٩٩ م.\n٢٥٩ - نواهد الأبكار وشوارد الأفكار، حاشية على تفسير البيضاوي لجلال الدين السيوطي، ط: جامعة أم القرى - كلية الدعوة وأصول الدين، المملكة العربية السعودية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٥ م.","vol":"9","page":319},{"text":"٢٦٥ - الهداية إلى بلوغ النهاية، لمكي بن أبي طالب، أشرف على تحقيقة د. الشاهد البوشيخي، نشر كلية الشريعة في الشارقة.\n٢٦١ - همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، للسيوطي، ت: عبد الحميد هنداوي، المكتبة التوفيقية مصر.\n٢٦٢ - الوحشيات، لأبي تمام، ت: عبد العزيز الميمني الراجكوتي، ط: دار المعارف، القاهرة.\n٢٦٣ - الوسيط، للواحدي، ت: عادل عبد الموجود وعلي معوض وأحمد صيرة وأحمد الجمل، دار الكتب العلمية، ١٩٩٤ م.","vol":"9","page":320}]}