{"ً":{"ٌ":984,"ٍ":"حكمة الإشراق في كتاب الآفاق - ضمن نوادر المخطوطات","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/nwdrmkht/","files":["01_14829.pdf","02_14830.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حكمة الإشراق في كتّاب الآفاق\n[مطبوع ضمن كتاب «نوادر المخطوطات»]\nالمؤلف: محمد مرتضى الزبيدي\nتحقيق: عبد السلام هارون\nالناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر\nالطبعة: الثانية، ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٢ م\nعدد الصفحات: ٥٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[حكمة الإشراق في كتاب الآفاق - مرتضى الزبيدي]\n\nصاحب الرسالة محمد مرتضى الحسينى الزبيدى، صاحب معجم «تاج العروس»، وكتب فيها عن الخطوط العربية وأدوات الكتابة، وأرخ لكبار الخطاطين.\n\n[نقلا عن مقدمة د حسين نصار ضمن سلسلة الذخائر]","ٓ":"1.0","ٔ":906,"ٕ":29,"ٖ":1770155342,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"السيد مرتضى الزبيدى","level":2,"page":4},{"title":"مقدمة المصنف","level":1,"page":14},{"title":"فصل فى ذكر من وضع الخط وأصله، ووصله وفصله","level":1,"page":16},{"title":"فصل فى فضل الخط وما قيل فيه","level":1,"page":18},{"title":"فصل فى القلم، وما لهم فيه من الحكم","level":1,"page":22},{"title":"فصل فى الدواة وصفتها وآلاتها","level":1,"page":25},{"title":"فصل فى المداد","level":1,"page":28},{"title":"فصل فى برى الأقلام","level":1,"page":30},{"title":"فصل فى النقط","level":1,"page":33},{"title":"فصل فى الشكل","level":1,"page":34},{"title":"فصل فى ذكر حروف المعجم وسرها فى تعيين العدد","level":1,"page":35},{"title":"فصل فى ذكر الكتبة الكرام","level":1,"page":36},{"title":"خاتمة","level":1,"page":49},{"title":"الأول: فى بيان أدب التلميذ مع الشيخ","level":2,"page":49},{"title":"الثانى: نصيحة لسائر الخطاطين","level":2,"page":49}],"ٛ":{"2,49":1,"2,50":2,"2,51":3,"2,52":4,"2,53":5,"2,54":6,"2,55":7,"2,56":8,"2,57":9,"2,58":10,"2,59":11,"2,60":12,"2,61":13,"2,62":14,"2,63":15,"2,64":16,"2,65":17,"2,66":18,"2,67":19,"2,68":20,"2,69":21,"2,70":22,"2,71":23,"2,72":24,"2,73":25,"2,74":26,"2,75":27,"2,76":28,"2,77":29,"2,78":30,"2,79":31,"2,80":32,"2,81":33,"2,82":34,"2,83":35,"2,84":36,"2,85":37,"2,86":38,"2,87":39,"2,88":40,"2,89":41,"2,90":42,"2,91":43,"2,92":44,"2,93":45,"2,94":46,"2,95":47,"2,96":48,"2,97":49,"2,98":50},"ٜ":{"2":[49,98]},"ٝ":["2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98"],"ٞ":{"2":[1],"4":[2],"14":[3],"16":[4],"18":[5],"22":[6],"25":[7],"28":[8],"30":[9],"33":[10],"34":[11],"35":[12],"36":[13],"49":[14,15,16]},"ٟ":[2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13]},"pages":[{"text":"حكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق\nجمع العبد الفقير إلى الله تعالى محمد مرتضى الحسيني عفى عنه بمنه آمين","vol":"2","page":49},{"text":"مقدمة\nوهذا كتاب في تاريخ الخط والخطاطين، هو امتداد لمؤلفات قديمة، من أشهرها كتاب أدب الكتاب لمحمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة ٣٣٦، وفصول طوال في فهرست ابن النديم المتوفى سنة ٣٨٥، وصبح الأعشى للقلقشندي المتوفى سنة ٨٢١.\nوقد ألف السيد مرتضى الزبيدي هذا الكتاب مشتملا على «فضيلة الخط والقلم وما جاء فيهما من الآثار، وما للحكماء فيهما من الأسرار، وبيان من وضع الخط أولًا وألف الحروف، وألبسها حلل التفصيل وأحلها في أحسن الظروف، ثم بيان الأجلة من الكتاب والأعيان من أهل الفن».\nوقد جعل هذه الرسالة هدية إلى خزانة نابغة الخط الأمير حسن أفندي الملقب بالرشدى (^١).\nوقسمها إلى عشرة فصول وخاتمة:\nالفصل الأول: في ذكر من وضع الخط وأصله، ووصله وفصّله.\nالفصل الثاني: في فضل الخط وما قيل فيه.\nالفصل الثالث: في القلم، وما لهم فيه من الحكم.\n_________\n(^١) هو حسن أفندي بن عبد اللّه، الملقب بالرشدى، الرومي الأصل، توفى في السنة التي توفى فيها الزبيدي. قال الجبرتى في ترجمته: «مولى على آغا بشير دار السعادة، المكتب المصري، اشتراه سيده صغيرا، وهذبه ودربه وشغله بالخط فاجتهد فيه، وجوده على عبد اللّه الأنيس، وكان ليوم إجازته محفل نفيس، جمع فيه المرءوس والرئيس، ثم زوجه ابنته وجعله خليفته ولم يزل في حال حياة سيده معتكفا على المشق والتسويد، معتنيا بالتحرير والتجويد إلى أن فاق أهل عصره في الجودة في الفن، … ولما توفى شيخ المكتبين المرحوم إسماعيل الوهبى جعل المترجم شيخا باتفاق منهم … وألف من أجله شيخنا السيد محمد مرتضى كتاب حكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق … ولم يزل شيخا ومتكلما على جماعة الخطاطين والكتاب، وعميدهم الذي يشار إليه عند الأرباب، نسخ بيده عدة مصاحف وأحزاب. وأما نسخ الدلائل فكثرتها لا تدخل تحت الحساب، إلى أن طافت به المنية طواف الوداع، ونثرت عقد ذلك الاجتماع. وبموته انقرض نظام هذا الفن». تاريخ الجبرتى ٢: ٢١١.","vol":"2","page":50},{"text":"الفصل الرابع: في الدواة وصفتها وآلاتها.\nالفصل الخامس: في المداد والحبر.\nالفصل السادس: في برى الأقلام.\nالفصل السابع: في النقط.\nالفصل الثامن: في الشكل.\nالفصل التاسع: في ذكر حروف المعجم وسرها في تعيين العدد.\nالفصل العاشر: في ذكر الكتبة الكرام، من لدن زمن النبي ﷺ إلى زمن المؤلف.\nثم الخاتمة وفيها فصلان:\nالأول: في أدب التلميذ مع الشيخ.\nالثاني: نصيحة لسائر الخطاطين.","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>السيد مرتضى الزبيدي</span>\nوالسيد مرتضى الزبيدي عالم لغوى جليل من علماء القرن الثالث عشر، أفرد له الجبرتى في تاريخه ترجمة نفيسة، آثرت أن أنقل جمهورها بلفظه ونسقه، حرصا على ما بها من تصوير كامل لحياة هذا الرجل، وصلاته برجال عصره.\nقال الجبرتى في ترجمته (^١):\nمات شيخنا علم الأعلام، والساحر اللاعب بالأفهام، الذي جاب في اللغة والحديث كل فج، وخاض من العلم كل لج، المذلّل له سبل الكلام، والشاهد له الورق والأقلام، ذو المعرفة والمعروف، وهو العلم الموصوف، العمدة الفهامة والرّحلة النسابة، الفقيه المحدّث اللغوي، النحوي الأصولىّ، الناظم الناثر الشيخ أبو الفيض السيد محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الشهير بمرتضى الحسيني الزّبيدى (^٢) الحنفي. هكذا ذكر عن نفسه ونسبه.\nولد سنة ١١٤٥ كما سمعته من لفظه، ورأيته بخطه.\nونشأ ببلاده وارتحل في طلب العلم وحج مرارا، واجتمع بالشيخ عبد اللّه السندي، والشيخ عمر بن أحمد بن عقيل المكي، وعبد اللّه السقاف، والمسند محمد ابن علاء الدين المزجاجى، وسليمان بن يحيى، وابن الطيب. واجتمع بالسيد عبد الرحمن العيدروس بمكة، وبالشيخ عبد اللّه ميرغني الطائفي في سنة ثلاث وستين ونزل بالطائف بعد ذهابه إلى اليمن ورجوعه في سنة ست وستين، فقرأ على الشيخ عبد اللّه في الفقه وكثيرا من مؤلفاته وأجازه. وقرأ على الشيخ عبد الرحمن العيدروس مختصر السعد، ولازمه ملازمة كلية، وألبسه (الخرقة)، وأجازه بمروياته، ومسموعاته. قال: «وهو الذي شوّقنى إلى دخول مصر بما وصفه لي من علمائها وأمرائها وأدبائها، وما فيها من المشاهد الكرام، فاشتاقت نفسي لرؤياها، وحضرت مع الركب، وكان الذي كان». وقرأ عليه طرفا من الإحياء، وأجازه بمروياته.\n_________\n(^١) انظر عجائب الآثار ٢: ١٩٦ - ٢١٠ في حوادث سنة ١٢٠٥. وقد لخص هذه الترجمة الشبلنجي في نور الأبصار ٢١٤، وعلى مبارك في الخطط التوفيقية ٣: ٩٣ - ٩٤.\n(^٢) نسبة إلى زبيد، بفتح الزاي، وهي مدينة مشهورة باليمن.","vol":"2","page":52},{"text":"ثم ورد إلى مصرفى تاسع صفر سنة ١١٦٧ وسكن بخان الصاغة، وأول من عاشره وأخذ عنه السيد على المقدسي الحنفي من علماء مصر، وحضر دروس أشياخ الوقت كالشيخ أحمد الملوى، والجوهري، والحفنى، والبليدى، والصعيدى، والمدابغى وغيرهم، وتلقى عنهم وأجازوه وشهدوا بعلمه وفضله وجود حفظه.\nواعتنى بشأنه «كتخدا عزبان (^١)». ووالاه بره حتى راج أمره وترونق حاله واشتهر ذكره عند الخاص والعام، ولبس الملابس الفاخرة وركب الخيول المسومة.\nوسافر إلى الصعيد ثلاث مرات واجتمع بأكابره وأعيانه وعلمائه، وأكرمه شيخ العرب همام، وإسماعيل أبو عبد اللّه، وأبو علي، وأولاد نصير، وأولاد وافى، وهادوه وبرّوه.\nوكذلك ارتحل إلى الجهات البحرية مثل دمياط ورشيد والمنصورة وباقي البنادر العظيمة مرارا حين كانت مزينة بأهلها، عامرة بأكابرها، وأكرمه الجميع، واجتمع بأكابر النواحي وأرباب العلم والسلوك، وتلقى عنهم وأجازوه وأجازهم، وصنف (عدة رحلات) في انتقالاته في البلاد القبلية والبحرية تحتوى على لطائف ومحاورات ومدائح نظما ونثرا لو جمعت مجلدا ضخما، وكناه سيدنا أبو الأنوار بن وفا (بأبى الفيض)، وذلك يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة ١١٨٢ وذلك برحاب ساداتنا بنى الوفا يوم زيارة المولد المعتاد.\nثم تزوج وسكن بعطفة الغسال مع بقاء سكنه بوكالة الصاغة، وشرع في (شرح القاموس) حتى أتمه في عدة سنين نحو أربعة عشر مجلدا سماه «تاج العروس» ولما أكمله (أولم وليمة حافلة) جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت بغيط المعدية وذلك في سنة ١١٨١ وأطلعهم عليه واغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه في علم اللغة، وكتبوا عليه تقاريظهم نثرا ونظما».\nثم ساق الجبرتى أسماء هؤلاء المقرظين، وبعض تقاريظهم، ثم قال:\n«ولما أنشأ محمد بيك أبو الذهب جامعه المعروف به بالقرب من الأزهر وعمل فيه خزانة للكتب، واشترى جملة من الكتب، ووضعها بها، أنهوا إليه شرح القاموس هذا وعرفوه أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها، وانفردت بذلك دون غيرها، ورغّبوه في ذلك فطلبه وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة، ووضعه فيها.\n_________\n(^١) معنى كتخدا: وزير الأمور الداخلية، كما جاء في تخليص الإبريز لرفاعة الطهطاوي ص ٧٢.","vol":"2","page":53},{"text":"ولم يزل المترجم يخدم العلم ويرقى في درج المعالي، ويحرص على جمع الفنون التي أغفلها المتأخرون، كعلم الأنساب والأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين. وألف في ذلك كتبا ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا، تجاه جامع محرم أفندي، بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفي، وذلك في أوائل سنة ١١٨٩، وكانت تلك الخطة إذ ذاك عامرة بالأكابر والأعيان، فأحدقوا به وتحبب إليهم واستأنسوا به وواسوه وهادوه، وهو يظهر لهم الغنى والتعفف، ويعظهم ويفيدهم بفوائد وتمائم ورقى، ويجيزهم بقراءة أوراد وأحزاب. فأقبلوا عليه من كل جهة، وأتوا إلى زيارته من كل ناحية، ورغبوا في معاشرته لكونه غريبا وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم، (ويعرف باللغة التركية والفارسية)، بل وبعض لسان الكرج، فانجذبت قلوبهم إليه، وتناقلوا خبره وحديثه.\nثم شرع في إملاء الحديث على طريق السلف في ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة. وكل من قدم عليه يملى الحديث المسلسل بالأولية، وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه، ويكتب له سندا بذلك وإجازة وسماع الحاضرين فيعجبون من ذلك.\nثم إن بعض علماء (الأزهر) ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة، فقال لهم:\nلا بد من قراءة أوائل الكتب، واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعدا عن الناس، فشرعوا في صحيح البخاري بقراءة السيد حسين الشيخونى، واجتمع عليهم بعض أهل الخطة والشيخ موسى الشيخونى إمام المسجد وخازن الكتب، وهو رجل كبير معتبر عند أهل الخطة وغيرها. وتناقل في الناس سعى علماء الأزهر مثل الشيخ أحمد السجاعى، والشيخ مصطفى الطائي، والشيخ سليمان الأكراشى وغيرهم للأخذ عنه، فازداد شأنه وعظم قدره، واجتمع عليه أهل تلك النواحي وغيرها من العامة والأكابر والأعيان، والتمسوا منه تبيين المعاني فانتقل من الرواية إلى الدراية، وصار درسا عظيما، فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية، وقد استغنى عنهم هو أيضا وصار يملى على الجماعة بعد قراءة شيء من الصحيح حديثا من المسلسلات أو فضائل الأعمال، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه ويتبعه (بأبيات من الشعر) كذلك، فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق في المدرسين المصريين.","vol":"2","page":54},{"text":"وافتتح درسا آخر في مسجد الحنفي، وقرأ الشمائل في غير الأيام المعهودة بعد العصر، فازدادت شهرته، وأقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته، لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم. ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم، وعملوا من أجله ولائم فاخرة، فيذهب إليهم مع خواص الطلبة والمقرئ والمستملى وكاتب الأسماء، فيقرأ لهم شيئا من الأجزاء الحديثية كثلاثيات البخاري أو الدارمي، أو بعض المسلسلات، بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده (وبناته ونسائه من خلف الستائر)، وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبي ﷺ على النسق المعتاد، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات، واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك: «صحيح ذلك». وهذه كانت طريقة المحدثين في الزمن السابق كما رأيناه في الكتب القديمة.\nيقول الحقير: إني كنت مشاهدا وحاضرا في غالب هذه المجالس والدروس، ومجالس أخر خاصة بمنزله ويسكنه القديم بخان الصاغة، وبمنزلنا بالصنادقية وبولاق وأماكن أخر كنا نذهب إليها للنزهة مثل غيط المعدية (والأزبكية) وغير ذلك.\nفكنا نشغل غالب الأوقات بسرد الأجزاء الحديثية وغيرها، وهو كثير، بثبوت المسموعات على النسخ وفي أوراق كثيرة موجودة إلى الآن.\nوانجذب إليه (بعض الأمراء الكبار) مثل مصطفى بيك الإسكندرانى، وأيوب بيك الدفتردار، فسعوا إلى منزله: وترددوا لحضور مجالس دروسه، وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال، واشترى الجواري، وعمل الأطعمة للضيوف، وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة. وحضر عبد الرزاق أفندي الرئيس من الديار الرومية إلى مصر وسمع به، فحضر إليه والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريري، فكان يذهب إليه بعد فراغه من درس شيخون ويطالع له ما تيسر من المقامات ويفهمه معانيها اللغوية.\nولما حضر محمد باشا عزت الكبير رفع شأنه عنده وأصعده إليه، وخلع عليه فروة سمور؛ ورتب له تعيينا من كلاره لكفايته، من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز، ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة، وغلالا من الأنبار، وأنهى إلى الدولة شأنه، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة وقدره مائة وخمسون نصفا فضة في كل يوم وذلك في سنة ١١٩١ فعظم أمره وانتشر صيته. وطلب إلى الدولة","vol":"2","page":55},{"text":"في سنة ٩٤ فأجاب ثم امتنع، وترادفت عليه المراسلات من أكابر الدولة وواصلوه بالهدايا والتحف والأمتعة الثمينة في صناديق. وطار ذكره في الآفاق، وكاتبه ملوك النواحي من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق وملوك المغرب والسودان وفزان والجزائر والبلاد البعيدة، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية، وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والأشياء الغريبة، وأرسلوا إليه من أغنام فزان وهي عجيبة الحلقة عظيمة الجثة، يشبه رأسها رأس العجل، وأرسلها إلى أولاد السلطان عبد الحميد فوقع لهم موقعا، وكذلك أرسلوا إليه من طيور الببغا والجواري والعبيد والطواشية، فكان يرسل من طرائف الناحية إلى الناحية المستغرب ذلك عندها، ويأتيه في مقابلتها أضعافها. وأتاه من طرائف الهند وصنعاء واليمن وبلاد سرت وغيرها أشياء نفيسة، وماء الكادى، والمربيات والعود والعنبر والعطر شاه بالأرطال، وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد.\nوربما اعتقدوا فيه (القطبانية العظمى) حتى إن أحدهم إذا ورد إلى مصر حاجا ولم يزره ولم يصله بشئ لا يكون حجه كاملا، فإذا ورد عليه أحدهم سأله عن اسمه ولقبه وبلده وخطته وصناعته وأولاده، وحفظ ذلك أو كتبه، ويستخبر هذا عن ذاك بلطف ورقة، فإذا ورد عليه قادم من قابل سأله عن اسمه وبلده فيقول له: فلان من بلدة كذا. فلا يخلو إما أن يكون عرفه من غيره سابقا، أو عرف جاره أو قريبه، فيقول له: فلان طيب؟ فيقول: نعم سيدي. ثم يسأله عن أخيه فلان وولده فلان وزوجته وابنته، ويشير له باسم حارته وداره وما جاورها، فيقوم ذلك المغربي ويقعد ويقبل الأرض تارة ويسجد تارة ويعتقد أن ذلك من باب الكشف الصريح. فتراهم في أيام طلوع الحج ونزوله مزدحمين على بابه من الصباح إلى الغروب، وكل من دخل منهم قدم بين يدي نجواه شيئا إما موزونات فضة أو تمرا أو شمعا، على قدر فقره وغناه وبعضهم يأتيه بمراسلات وصلات من أهل بلاده وعلمائها وأعيانها ويلتمسون منه الأجوبة، فمن ظفر منهم بقطعة ورقة ولو بمقدار الأنملة فكأنما ظفر بحسن الخاتمة، وحفظها معه كالتميمة، ويرى أنه قد قبل حجه وإلا فقد باء بالخيبة والندامة، وتوجه عليه اللوم من أهل بلاده، ودامت حسرته إلى يوم ميعاده. وقس على ذلك ما لم يقل.\nوشرع في شرح (إحياء العلوم) للغزالي، وبيض منه أجزاء وأرسل منها إلى الروم والشام والغرب ليشتهر مثل شرح القاموس ويرغب في طلبه واستنساخه.","vol":"2","page":56},{"text":"و(ماتت زوجته) في سنة ٩٦ فحزن عليها حزنا كثيرا، ودفنها عند المشهد المعروف بمشهد السيدة رقية وعمل على قبرها مقاما ومقصورة وستورا وفرشا وقناديل ولازم قبرها أياما كثيرة، وتجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون، ويعمل لهم الأطعمة والثريد والكسكسو والقهوة والشربات. واشترى مكانا بجوار المقبرة المذكورة وعمره بيتا صغيرا وفرشه وأسكن به أمها، ويبيت به أحيانا. وقصده الشعراء بالمراثي، فيقبل منهم ذلك ويجيزهم عليه. ورثاها هو بقصائد وجدتها بخطه بعد وفاته في أوراقه المتشتة، على طريقة شعر مجنون ليلى».\nوساق الجبرتى ست مقطعات للزبيدى في رثائها ثم قال: «ثم تزوج بعدها بأخرى وهي التي مات عنها وأحرزت ما جمعه من مال وغيره. ولما بلغ ما لا مزيد عليه من الشهرة وبعد الصيت وعظم القدر والجاه عند الخاص والعام وكثرت عليه الوفود من سائر الأقطار، وأقبلت عليه الدنيا بحذافيرها من كل ناحية، لزم داره واحتجب عن أصحابه الذين كان يلم بهم قبل ذلك إلا في النادر لغرض من الأغراض، وترك الدروس والإقراء واعتكف بداخل الحريم وأغلق الباب ورد الهدايا التي تأتيه من أكابر المصريين ظاهرة، وأرسل إليه مرة أيوب بيك الدفتردار مع نجله خمسين إردبا من البر، وأحمالا من الأرز والسمن والعسل والزيت وخمسمائة ريال نقود وبقج كساوى أقمشة هندية وجوخا وغير ذلك فردها، وكان ذلك في رمضان، وكذلك مصطفى بيك الإسكندرانى وغيرهما، وحضرا إليه فاحتجب عنهما ولم يخرج إليهما ورجعا من غير أن يواجهاه.\nولما حضر حسن باشا على الصورة التي حضر فيها إلى مصر لم يذهب إليه، بل حضر هو لزيارته وخلع عليه فروة تليق به، وقدم له حصانا معدودا مرخنا بسرج وعباءة، قيمته ألف دينار، أعده وهيأه قبل ذلك. وكانت شفاعته عنده لا ترد، وإن أرسل إليه إرسالية في شيء تلقاها بالقبول والإجلال وقبّل الورقة قبل أن يقرأها ووضعها على رأسه ونفذ ما فيها.\nوأرسل مرة إلى أحمد باشا الجزار مكتوبا وذكر له فيه أنه (المهدى المنتظر) وسيكون له شأن عظيم، فوقع عنده بموقع الصدق لميل النفوس إلى الأماني، ووضع ذلك المكتوب في حجابه المقلد به مع الأحراز والتمائم، فكان يسير بذلك إلى بعض من يرد عليه ممن يدعى المعارف في الجفور والزايرجات ويعتقد صحته بلا شك. ومن قدم عليه من جهة مصر وسأله عن المترجم فإن أخبره وعرّفه أنه اجتمع به وأخذ","vol":"2","page":57},{"text":"عنه وذكره بالمدح والثناء أحبّه وأكرمه وأجزل صلته، وإن وقع منه خلاف ذلك قطّب منه وأقصاه عنه وأبعده، ومنع عنه بره ولو كان من أهل الفضائل. واشتهر ذلك عند من عرف منه ذلك بالفراسة، ولم يزل على حسن اعتقاده في المترجم حتى انقضى نحبهما.\nواتفق أن مولاي محمد سلطان المغرب - ﵀ - وصله بصلات قبل انجماعه الأخير وتزهده، وهو يقبلها بالحمد والثناء والدعاء، فأرسل له في سنة ٢٠١ صلة لها قدر، فردّها وتورع عن قبولها وضاعت ولم ترجع إلى السلطان، وعلم السلطان ذلك من جوابه فأرسل إليه مكتوبا قرأته، وكان عندي ثم ضاع في الأوراق، ومضمونه العتاب والتوبيخ في رد الصلة، ويقول له: إنك رددت الصلة التي أرسلناها إليك من بيت مال المسلمين، وليتك حيث تورعت عنها كنت فرقتها على الفقراء والمحتاجين فيكون لنا ولك أجر ذلك، إلا أنك رددتها وضاعت. (ويلومه) أيضا على شرحه كتاب الإحياء ويقول له: كان ينبغي أن تشغل وقتك بشئ نافع غير ذلك، ويذكر وجه لومه له في ذلك وما قاله العلماء وكلاما مفحما مختصرا مفيدا. ﵀.\nوللمترجم من المصنفات خلاف شرح القاموس (^١) وشرح الإحياء (^٢) تأليفات كثيرة منها:\n١ - كتاب الجواهر المنيفة، في أصول أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ مما وافق فيه الأئمة الستة (^٣). وهو كتاب نفيس حافل رتبه ترتيب كتب الحديث من تقديم ما روى عنه في الاعتقاديات ثم في العمليات على ترتيب كتب الفقه.\n٢ - والنفحة القدسية، بواسطة البضعة العيدروسية، جمع فيه أسانيد العيدروس، وهي في نحو عشرة كراريس.\n٣ - والعقد الثمين، في طرق الإلباس والتلقين.\n٤ - وحكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق.\n_________\n(^١) طبعت خمسة أجزاء منه بالمطبعة الوهبية سنة ١٢٨٦. ثم طبع كاملا في عشرة أجزاء بالمطبعة الخيرية سنة ١٣٠٦.\n(^٢) طبع بفاس سنة ١٣٠٢ في ١٣ جزءا، ثم في الميمنية سنة ١٣١١ في ١٠ أجزاء.\nباسم «إتحاف السادة المتقين، بشرح أسرار إحياء علوم الدين».\n(^٣) طبع بالإسكندرية سنة ١٢٩٢ في جزءين.","vol":"2","page":58},{"text":"٥ - وشرح الصدر، في شرح أسماء أهل بدر، في عشرين كراسا، ألفها لعلى أفندي درويش.\nورسائل كثيرة جدا منها.\n١ - رفع نقاب الخفا، عمن انتمى إلى وفا وأبى الوفا.\n٢ - بلغة الأريب، في مصطلح آثار الحبيب (^١).\n٣ - إعلام الأعلام، بمناسك حج بيت اللّه الحرام.\n٤ - زهر الأكمام، المنشق عن جيوب الإلهام، بشرح صيغة سيدي عبد السلام.\n٥ - رشفة المدام المختوم البكري، من صفوة زلال صيغ القطب البكري.\n٦ - رشف سلاف الرحيق، في نسب حضرة الصديق.\n٧ - القول المثبوت، في تحقيق لفظ التابوت.\n٨ - تنسيق قلائد المنن، في تحقيق كلام الشاذلي أبى الحسن.\n٩ - لقط اللآلي، من الجوهر الغالي. وهي في أسانيد الأستاذ الحفنى، وكتب له إجازته عليها في سنة ٦٧ وذلك سنة قدومه إلى مصر.\n١٠ - النوافح المسكية، على الفوائح الكشكية.\n١١ - جزء في حديث «نعم الإدام الخل».\n١٢ - هدية الإخوان، في شجرة الدخان.\n١٣ - منح الفيوضات الوفية، فيما في سورة الرحمن من أسرار الصفة الإلهية.\n١٤ - إتحاف سيد الحي، بسلاسل بنى طي.\n١٥ - بذل المجهود، في تخريج حديث «شيبتنى هود».\n١٦ - المربى الكابلي، فيمن روى عن الشمس البابلي.\n١٧ - المقاعد العندية، في المشاهد النقشبندية.\n١٨ - رسالة في المناشى والصفين!\n١٩ - شرح على خطبة الشيخ محمد البحيرى البرهاني على تفسير سورة يونس.\n٢٠ - تفسير على سورة يونس مستقل، على لسان القوم.\n٢١ - شرح على حزب البر، للشاذلى (^٢).\n_________\n(^١) طبع في مصر سنة ١٣٢٦.\n(^٢) طبع بمطبعة السعادة سنة ١٣٣٣ في ٧٨ صفحة باسم «تنبيه العارف البصير. على أسرار الحزب الكبير».","vol":"2","page":59},{"text":"٢٢ - تكملة على شرح حزب البكري للفاكهى.\n٢٣ - مقامة سماها إسعاف الأشراف.\n٢٤ - أرجوزة في الفقه، نظمها باسم الشيخ حسن بن عبد اللطيف الحسنى المقدسي.\n٢٥ - حديقة الصفا، في والدي المصطفى. وقرظ عليها الشيخ حسن المدابغى.\n٢٦ - رسالة في طبقات الحفاظ.\n٢٧ - رسالة في تحقيق قول أبى الحسن الشاذلي: «وليس من الكرم» الخ.\n٢٨ - عقيلة الأتراب، في سند الطريقة والأحزاب، صنفها للشيخ عبد الوهاب الشربيني.\n٢٩ - التعليقة، على مسلسلات ابن عقيلة.\n٣٠ - المنح العلية، في الطريقة النقشبندية.\n٣١ - الانتصار، لوالدي النبي المختار.\n٣٢ - ألفية السند ومناقب أصحاب الحديث.\n٣٣ - كشف اللثام، عن آداب الإيمان والإسلام.\n٣٤ - رفع الشكوى، لعالم السر والنجوى.\n٣٥ - ترويح القلوب، بذكر ملوك بنى أيوب.\n٣٦ - رفع الكلل، عن العلل.\n٣٧ - مسامرة الحبيب. ذكره في تاج العروس في مادة (بزز) وقال:\n«ومنية البز بالفتح: قرية بمصر، وقد دخلتها وألفت فيها مسامرة الحبيب في ليلة واحدة».\n٣٨ - رسالة سماها قلنسوة التاج، ألفها باسم الأستاذ العلامة الصالح الشيخ محمد بدير المقدسي، وذلك لما أكمل شرح القاموس المسمى بتاج العروس، فأرسل إليه كراريس من أوله حين كان بمصر، وذلك في سنة ٨٢ ليطلع عليها شيخه الشيخ عطية الأجهورى ويكتب عليها تقريظا، ففعل ذلك وكتب يستجيزه، فكتب إليه أسانيده العالية في كراسة وسماها قلنسوة التاج (^١).\nوقد لخص الجبرتى هذه الرسالة. وذكر ما يتعلق بها، ثم ذكر أن للزبيدى أشعارا كثيرة، روى بعضا منها.\n_________\n(^١) بقي عليه مما لم يذكره «كتاب نشوة الارتياح، في بيان حقيقة الميسر والقداح».\nطبع في ليدن ١٣٠٣.","vol":"2","page":60},{"text":"ثم روى خبر وفاته بعد إصابته بالطاعون، وأن زوجته أخفت خبره حتى استولت على معظم ما ترك من نفائس، ودفن بقبر أعده لنفسه بجانب زوجته.\nثم قال في نعته:\n«وكان صفته ربعة نحيف البدن، ذهبي اللون، متناسب الأعضاء، معتدل اللحية، قد وخطه الشيب في أكثرها، مترفها في ملبسه، ويعتم مثل أهل مكة عمامة منحرفة بشاش أبيض، ولها عذبة مرخية على قفاه، ولها حبكة وشراريب حرير طولها قريب من فتر، وطرفها الآخر داخل طي العمامة، وبعض أطرافه ظاهر. وكان لطيف الذات، حسن الصفات، بشوشا بسوما، وقورا محتشما، مستحضرا للنوادر والمناسبات، ذكيا لوذعيا، فطنا ألمعيا».\nنسخة الأصل:\nهي نسخة نفيسة بمكتبة الأخ المحدث الجليل الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر مصورة من نسخة بخط المؤلف نفسه، تكرم حفظه اللّه بإعارتي إياها لنشرها.\nولهذه المصورة أخت بدار الكتب المصرية برقم ٢٧٩٩ تاريخ، صور معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية نسخة منها في القلم ٤٠٤.\nوهي تقع في ١٤ ورقة في كل صفحة منها ١٩ سطرا، وفي كل سطر نحو عشر كلمات مكتوبة بالخط الفارسي المعتاد. وبهامشها بعض إلحاقات وتصحيحات بقلم الزبيدي.\nوفيما يلي نصها:","vol":"2","page":61},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، وفضله على سائر الأجناس بالتمييز والتبيان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أرشد موجوداته وأسعد مخلوقاته سيد ولد عدنان، وعلى آله وصحبه وتابعيهم ما ترنمت البلابل بالألحان، وغردت سواجع الأطيار على فنن الأغصان.\nوبعد فإنه لما كانت صناعة الخط أنفع بضاعة للكتاب، وأوسع كفاية للطلاب في هذا الباب، وأشرف وسيلة للتقريب، وألطف وصيلة لتوسيع الرزق والترحيب، كما قال الشاعر:\nلا تعدُ عن حقِّ الكتابة إنَّها … مغنى الغنى ومفاتحُ الأرزاق\nواخشَ اليراعةَ وارجها فهي التي … عرفت بنفث السُّمِّ والدِّرياق\nوكان المتصف به جهينة الأخبار، وحقيبة الأسرار، وبحي العظماء، وكبير الندماء، وترجمان السلطان، وصندوق البيان، ألفت هذه الرّسالة مشتملة على فضيلة الخط والقلم، وما جاء فيهما من الآثار، وما للحكماء فيهما من الأسرار، وبيان من وضع الخط أولًا وألف الحروف وألبسها حلل التفصيل وأحلها في أحسن الظروف. ثم بيان الأجلة من الكتاب، والأعيان من أهل الفن بحسن النسق المستطاب.\nوقد جعلتها هدية إلى خزانة من نبغ فيه واشتهر كاشتهار الشمس في رابعة النهار (^١)، وهذب قواعده وأتقن مراتبه بحسن الضبط والاعتبار، جمال هذا الفن الذي فاق فيه وبرع، وجمع بين المتانة والحسن ما لم يسبق به فللّه\n_________\n(^١) كذا جاءت «رابعة» بالباء واضحة. ولها وجهها.","vol":"2","page":62},{"text":"ما جمع، فلو شاهده ابن هلال لأقر له بالإتقان، أو عاصره ياقوت لقال هذا إنسان عين الزمان، أو رآه الشّيخ (^١) لافتخر به في عصره، وأذعن أنه فريد مصره، المولي الكامل الماهر الكاتب، ذي الخط البديع المشرق كالكواكب، صاحب العرف الندي، الأمير حسن أفندي الملقب بالرشدي، جمل الله بجماله هذه الصناعة وأربابها، ويسّر له سبل الخيرات وفتح له أبوابها.\nفخذها جريدة مفيدة للمتدرب الكاتب، وخريدة منجية للمتعلم عن المتاعب، وسفينة جارية على مقاصد المتأملين فيها من كل باب، ودفينة رزينة لمن يتعرض في اقتناء الدر من مناهج الصواب، جريدة شحنت مسكًا زواياها، وحقة ملئت درًا خباياها، أمليتها من غرائب بنات الأفكار، ونوادر نتائج ثمرات الأخيار.\nوكلُّ سطرٍ من الياقوت زاد علًا … فلا تقيسوه بالمنحوت من حجر\nوكسرتها على عشرة فصول وخاتمة، وسميتها: «حكمة الإشراق، إلى كتاب الآفاق». وعلى الله توكلي وبه أستعين، في أمور الدّنيا والدّين.\n_________\n(^١) يعنى الشيخ حمد الله ابن الشيخ مصطفى الأماسي.","vol":"2","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>فصل في ذكر من وضع الخط وأصله، ووصله وفصَّله</span>\nيقال: إن أول من وضع الخط والكتب كلها آدم ﵇ قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في طين وطبخه، فلمّا أضلّ القوم الغرق أصاب كل قوم كتابهم.\nوقيل: أول من وضعه أخنوخ، وهو إدريس ﵇.\nوقيل إن نفيس (^١)، ونصر (^٢)، وتيما، ورومه، بنو إسماعيل، وضعوا كتابًا واحدًا وجعلوه سطرًا واحدا غير متفرق، موصول الحروف كلها، ثم فرقه نبت (^٣)، وهميسع وقيذار، وفرقوا الحروف وجعلوا الأشباه.\nوأما الخط العربي فأول من وضعه وألف حروفه ستة أشخاص من طسم، كانوا نزولا عند عدنان بن أدد، وكانت أسماؤهم: أبجد هوز حطى كلمن سعفص قرشت، فوضعوا الكتابة والخط على أسمائهم، فلما وجدوا في الألفاظ حروفًا ليست في أسمائهم ألحقوها بها، وسموها الروادف، وهي ثخذ ضظغ.\nوقيل: أول من وضع الخط العربي مرامر بن مرة (^٤) وقيل، عامر بن جدرة - وقد ذكر كلّا منهما صاحب القاموس - وقيل أسلم بن سدرة، وهم نفر من\n_________\n(^١) تسميه التوراة: «نافيش». تكوين ٢٥: ١٥.\n(^٢) كذا. وإنما هو «يطور». تكوين ٢٥: ١٥.\n(^٣) هو «نبايوت». وهو بكر إسماعيل. تكوين ٢٥: ١٣.\n(^٤) ويقال «ابن مروة». اللسان (مرر).","vol":"2","page":64},{"text":"بولان رسموه أحرفًا مقطعة، ثم قاسوه على هجاء السريانية، فوضع مرامر صوره، وعامر أعجمه، وأسلم وصل وفصل.\nوقال ابن خلكان (^١): والصحيح عند أهل العلم أن أول من خط هو مرامر بن مرة من أهل الأنبار، وقيل إنه من بني مرة. ومن الأنبار انتشرت الكتابة في الناس. قال الأصمعي: ذكروا أن قريشًا سئلوا: من أين لكم الكتابة؟ فقالوا: من الأنبار (^٢).\nوقال هشام بن محمد بن السائب: تعلم بشر بن عبد الملك الكتابة من أهل الأنبار وخرج إلى مكة وتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية. تعلم (^٣) منه حرب، ومنه ابنه سفيان، ومنه ابن أخيه سيدنا معاوية ﵁، ثم انتشر في قريش، وهو الخط الكوفي الذي استنبطت منه الأقلام التي هي الآن.\nوفيه كلام في الإعلام (^٤) للسهيلي، والمزهر للسيوطي، والأوليات للعسكري، وقد ذكرنا كلامهم في كتابنا «تاج العروس لشرح جواهر القاموس». فمن أراد الزيادة على ذلك فليراجعه.\n_________\n(^١) في الوفيات ١: ٣٤٦ في ترجمة علي بن هلال، المعروف بابن البواب.\n(^٢) الذي في الوفيات: «فقالوا من الحيرة. وقيل لأهل الحيرة: من أين لكم الكتابة؟\nفقالوا: من الأنبار».\n(^٣) كذا. بدون واو قبلها.\n(^٤) هو «التعريف والإعلام، فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام». وقد طبع في مصر بتصحيح محمود ربيع سنة ١٣٥٦. انظر منه ص ص ٤٠ - ٤١.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>فصل في فضل الخط وما قيل فيه</span>\nجاء في تفسير قوله تعالى: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ: انه الخط الحسن.\nوعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال: الخط.\nويروى في الخبر المأثور: من كتب بسم اللّه الرحمن الرحيم فحسّنه أحسن اللّه إليه. كذا في منهاج الإصابة للزّفتاوى.\nوفي شرعة الإسلام (^١): من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فجوده غفر الله له.\nوفي الجامع الصغير (^٢) من رواية سلمة (^٣): «الخطّ الحسنُ يزيد الحقَّ وضحا» وفيه أيضًا: «قيِّدوا العلم بالكتاب (^٤)»، قال شارحه المناوي (^٥): العلم يعقل ثم يحفظ، والنسيان كامن في القلب، فلخوف ذهاب العلم قيد بالكتابة.\nوجاء في حديث آخر: «حق الوالد على ولدهِ أن يعلمه الكتابة والسِّباحة والرِّماية، وأن لا يرزقهُ إلا طيِّبًا (^٦)». وفي رواية أخرى: «حقّ الوالد على\n_________\n(^١) شرعة الإسلام، للإمام الواعظ محمد بن أبي بكر المعروف بإمام زاده الحنفي، المتوفى سنة ٥٧٣.\n(^٢) الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١.\n(^٣) كذا بخطه. وفي الجامع الصغير ٤١٣٤ «أم سلمة». وأشار السيوطي إلى أنه حديث ضعيف. وروى الحديث منسوبا إلى علي في صبح الأعشى ٣: ٢.\n(^٤) الجامع الصغير ٦١٦٧ عن أنس وابن عمرو. وأشار إلى أنه حديث صحيح.\n(^٥) هو شمس الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف المناوي الشافعي المتوفى سنة ١٠٣٠.\nخلاصة الأثر ٢: ٤١٢. وقد طبع شرحه «التيسير» ملخص شرحه الكبير «فيض القدير» في مجلدين ببولاق سنة ١٢٨٦.\n(^٦) في الجامع الصغير ٣٧٤٢ من حديث أبي رافع، وقد أشار إلى أنه ضعيف.","vol":"2","page":66},{"text":"ولده أن يحسِّن اسمه، ويزوِّجه إذا أدرك، ويعلِّمه الكتاب (^١)». قال الشارح:\nيعني القرآن، ويحتمل إرادة الخط.\nوفي الحديث أيضًا، قال ﷺ لزيد بن ثابت - وهو أحد كتابه كما سيأتي -: «إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبيِّن السِّين فيه» (^٢).\nوذكر صاحب الشرعة أيضًا أنه ﷺ قال لمعاوية ﵁ وهو يكتب بين يديه. «ألقِ الدَّواةَ، وحرِّف القلم، وانصب الباء، وفرِّق السين، ولا تعوِّرِ الميم، وحسِّن الله، ومدَّ الرَّحمن، وجوِّد الرحيم.\nوقالوا: لما كانت الكتابة شريفة كان حسن الخط فيها فضيلة.\nوقال المأمون: لو فاخرتنا الملوك الأعاجم بأمثالها لفخرناها بما لنا من أنواع.\nالخط يقرأ بكل مكان، ويترجم بكل لسان، ويوجد مع كل زمان.\nوقال النظام: الخط أصل في الروح يظهر بآلة جسدانية (^٣).\nوقال بعض الحكماء (^٤): الخط سمط الحكمة، بها (^٥) يفصّل شذورها وينتظم منثورها.\nويقال: قريش أهل الله، لأنهم كتبة حسنة (^٦).\nوكان يقال: حسن الخط أحد اللسانين، كما قيل: قلّة العيال أحد اليسارين.\n_________\n(^١) في الجامع ٣٧٤٣ عن أبي هريرة. وذكر أنه ضعيف.\n(^٢) حديث ضعيف، كما في الجامع الصغير ٨٣٥.\n(^٣) صبح الأعشى: «الخط أصل الروح، له جسدانية في سائر الأعمال».\n(^٤) في صبح الأعشى ٣: ٢ أنه «جعفر بن يحيى».\n(^٥) كذا في الأصل. وفي صبح الأعشى: «وبه تفصل شذورها، وينتظم منثورها».\n(^٦) كذا. وفي أدب الكتاب للصولى ٢٨: «وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: «قريش أهل اللّه، وهم الكتبة الحسبة»: جمع كاتب وحاسب.","vol":"2","page":67},{"text":"وقال بعض العلماء (^١): الخط كالروح في الجسد، فإذا كان الإنسان جميلًا وسيمًا حسن الهيئة كان في العيون أعظم، وفي النفوس أفخم، وبضد ذلك تسأمه النفوس. فكذلك الخط إذا كان حسن الوصف، مليح الرصف، مفتح العيون، أملس المتون، كثير الائتلاف، قليل الاختلاف، هشت إليه النفوس واشتهته الأرواح، حتى إن الإنسان ليقرؤه - وإن كان فيه كلام دنئ، ومعنى ردئ - مستزيدًا منه ولو كثر، من غير سأم يلحقه ولا ضجر. وإن كان الخط قبيحًا مجته الأفهام، ولفظته العيون والأفكار، وسئمه قارئه وإن كان فيه من الحكمة عجائبها، ومن الألفاظ غرائبها.\nوقيل: إن وزن الخط مثل وزن القراءة، فأجود الخط أبينه، كما أن أجود القراءة أبينها (^٢).\nفحرفة أصول الخط وهندسته، وكيفيته وحقيقته، أشرف من عمله تقليدًا من غير تحقيق.\nقيل: وصف أحمد بن إسماعيل خطًا فقال: لو كان نباتًا لكان زهرًا، ولو كان معدنًا لكان تبرا، أو مذاقًا لكان حلوًا، أو شرابًا لكان صفوًا (^٣).\nوقال عمرو بن مسعدة: الخطوط رياض العلوم، وهي صورة روحها البيان، وبدنها السرعة، وقدمها التسوية، وجوارحها معرفة الفصول، وتصنيفها كتصنيف النغم واللّحون.\n_________\n(^١) انظر صبح الأعشى ٣: ٢٠ - ٢١.\n(^٢) صبح الأعشى ٣: ٢١.\n(^٣) أدب الكتاب للصولى ٤٥.","vol":"2","page":68},{"text":"وقيل: إن أحمد الخطوط رسمًا ما اعتدلت أقسامه، وانتصبت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده وحدوره (^١)، وتفتّحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وقدرت أصوله (^٢)، واندمجت وصوله، وتناسب دقيقه وجليله.\nولا يجمع في سطر بين مدتين ولا ياءين مردودتين، ويراعى مواضع الفصول والوصول، ولا تقطع كلمة بحرف يفرد في غير سطره.\n_________\n(^١) كذا. وفي أدب الكتاب ٥٠: «وضاهى صعوده حدوره».\n(^٢) كذا. وفي أدب الكتاب: «فصوله».","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>فصل في القلم، وما لهم فيه من الحكم</span>\nقيل: هو أول ما خلقه الله تعالى، وبذكره بدأ في القرآن، فقال تعالى:\nالَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. وقال تعالى: ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ فأبان ﷾ أن صناعة القلم أفضل الصّنائع (^١)، وأجلّ البضائع.\nقيل: لا يسمى قلمًا حتى يبرى، وإلا فهو قصبة. ولا يقال للرمح رمح إلا وعليه سنان، وإلا فهو قناة. ولا يقال مائدة إلا وعليها طعام، وإلا فهي خوان.\nولا يقال كأس إلا إذا كان فيه شراب، وإلا فهو زجاجة.\nوقال بعض ملوك اليونان (^٢): أمر الدنيا والدين واقع تحت شيئين: سيف وقلم، والسيف تحت القلم.\nقال أبو الفتح البستي:\nإذا أقسمَ الأبطالُ يومًا بسيفهم … وعدُّوه مما يكسبُ المجدَ والكرمْ\nكفى قلمَ الكتاب عزَّا ورفعةً … مدى الدَّهرِ أنَّ اللهَ أقسمَ بالقلم (^٣)\nوقال الإسكندر: ما أقرته الأقلام، لم تطمع في دروسه الأيام.\nوقيل: القلم لسان البصر، ومطيّة الفكر.\n_________\n(^١) الكلمة وردت قديما في التنبيه والإشراف للمسعودي ٥ وأخبار العلماء للقفطى ١٩٥ والدرر الكامنة ٣: ٤٢٠.\n(^٢) أدب الكتاب للصولى ٤٥. وفي صبح الأعشى ٢: ٤٤٧: «بعض حكماء اليونان».\n(^٣) صبح الأعشى ٢: ٤٤٥.","vol":"2","page":70},{"text":"وقال آخر: بالقلم تزف بنات العقول، إلى خدور الكتب.\nوقال العتابي: ببكاء الأقلام تضحك الصحف.\nوقال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة، ولا يمل الاستزادة، يسكت قائمًا وينطق سائرًا، في أرض بياضها مظلم، وسوادها مضئ.\nوقال أرسطاطاليس (^١): الكاتب العلة الفاعلية، والقلم العلة الآلية، والمداد العلة الهيولانية، والخط العلة الصورية، والبلاغة العلة الغائية.\nوقال إبراهيم بن العباس الصولي لكاتب (^٢): أطل خرطوم قلمك.\nفقال (^٣): أله خرطوم؟ قال: نعم وأنشد:\nكأنَّ أنوفَ الطَّير في عرصاتها … خراطيم أقلامٍ تخطُّ وتعجمُ\nوأما قدره وإمساكه وحالاته فقال الأستاذ ابن مقلة: أحسن قدود القلم أن لا يتجاوز به الشبر بأكثر من جلفته (^٤). قال الشاعر:\nله ترجمانٌ أخرسُ اللَّفظ صامتٌ … على قابِ شبرٍ بل يزيدُ على الشِّبر (^٥)\nوقال الشيخ محمَّد بن العفيف (^٦) رحمه الله تعالى: صنعة مسكه بالإبهام والوسطى، وتكون السبابة تمنعه من الميل والاضطراب، وتكون مبسوطة غير\n_________\n(^١) أدب الكتاب للصولى ٤٥ وصبح الأعشى ٤٤٨.\n(^٢) في صبح الأعشى ٢: ٤٥٩: «الكاتب».\n(^٣) في صبح الأعشى: «فقيل له».\n(^٤) في تاريخ بغداد ٥: ٢١٧ أن الجلفة فتحة رأس القلم. وكلام ابن مقلة تجده في صبح الأعشى ٢: ٤٥٤.\n(^٥) قبله في صبح الأعشى:\nفتى لو حوى الدنيا لأصبح عاريا … من المال معتاضا ثيابا من الشكر\n(^٦) الكلام باختصار في صبح الأعشى ٣: ٣٧.","vol":"2","page":71},{"text":"مقبوضة، لأن ببسط الأصابع يتمكن الكاتب من إدارة القلم. ولا يتكئ على القلم الاتكاء الشديد المضعف له، ولا يمسك الإمساك الضعيف فيضعف اقتداره في الخط، لكن يجعل الكاتب اعتماده في ذلك معتدلًا.\nوقال إسحاق بن حماد: القلم للكاتب، كالسيف للشجاع.\nوقال الضحاك بن عجلان: يا من تعاطى الكتاب، اجمع قلبك عند ضربك القلم، فإنما هو عقلك تظهره.\nوأما حاله في الصلابة والرخاوة فإنه تابع للصّحيفة، لأنها إذا كانت لينة احتاجت أن يكون في الأنبوب لين، وفي لحمه فضل، وفي قشره صلابة. وإن كانت صلبة احتاجت أن يكون في الأنبوب يبس وصلابة. قال: وعلة ذلك أن حاجته من المداد في الصحيفة الرخوة أكثر من حاجته إليه في الصحيفة الصلبة فرطوبته ولحمه يحفظان عليه غزارة الاستمداد، ويكون في الصحيفة الصلبة ما وصل إليها من القلم الصلب الخالي من المداد كافيًا (^١).\nوقال شيخ هذه الصناعة عماد الدين الشيرازي (^٢): أحمد الأقلام ما توسطت حالاته في الطول والقصر، والغلظ والرقة، فإن الرقيق الضئيل تجتمع عليه الأنامل فيبقى مائلًا إلى ما بين الثلاث، والغليظ المفرط لا تحمله الأنامل.\nوقال ابن الزيات (^٣): خير الأقلام ما استحكم نضجه وخف بزره، وبلغ أشدّه واستوى.\n_________\n(^١) صبح الأعشى ٢: ٤٥٥.\n(^٢) انظر صبح الأعشى ٢: ٤٥٤.\n(^٣) هو بعبارة أطول في صبح الأعشى ٢: ٤٥٣.","vol":"2","page":72},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>فصل في الدواة وصفتها وآلاتها</span>\nقال الحسن بن وهب (^١): سبيل الدواة أن تكون متوسطة في قدرها، لا باللطيفة فتقصر أقلامها وتقبح، ولا بالكثيفة فيثقل محملها.\nقال الفضل: ينبغي أن يتخذ من أجود العيدان وأرفعها ثمنًا كالآبنوس والساسم والصندل (^٢).\nوأما (الجونة) التي فيها حق المداد فينبغي أن يكون شكلًا مدور الرأس، تجتمع على زاويتين قائمتين، ولا يكون مربعًا على حال، لأنه إذا كان مربعًا يتكاثف المداد، فإذا كان مستديرا كان أنقى للمداد (^٣) وأسعد في الاستمداد.\nويجتهد في تحسينها وتجويدها وتصوينها.\nوأنشد المدائني (^٤):\nجوِّدْ دواتك واجتهد في صونها … إنَّ الدُّويَّ خزائن الآدابِ\nومن آلاتها (الليقة) ويكون من الحرير والقطن والصوف. وسمت العرب كل ذلك كرسفا.\nوقال بعضهم (^٥): من لم يحسن الاستمداد وبري القلم والشّقّ والقطّ\n_________\n(^١) انظر صبح الأعشى ٢: ٤٤٢.\n(^٢) صبح الأعشى ٢: ٤٤١.\n(^٣) في صبح الأعشى ٢: ٤٦٨: «أبقى للمداد».\n(^٤) في صبح الأعشى ٢: ٤٤٣: «وللّه در المدائني حيث يقول».\n(^٥) ذكر في صبح الأعشى ٢: ٤٥٦ أنه المقر العلائي ابن فضل اللّه.","vol":"2","page":73},{"text":"وإمساك الطومار، وقسمة حركة اليد حين الكتابة فليس هو من الكتابة في شيء.\nوقال ابن العفيف: من لم يدر وجه القلم وصدره وعرضه فليس هو من الكتابة في شيء (^١).\nوقال آخر (^٢): على حسب تمكن الكاتب من إدارة قلمه وسرعة يده في الدوران يكون صفاء جوهر حروفه (^٣).\nوإذا مد الكاتب فليكن القلم من أصابعه على صورة إمساكه له في حين الكتابة ولا يديره للاستمداد، لأن أحسن المذاهب فيه أن يكون من يد الكاتب على وضعه في الكتاب. ويحرك رأس القلم من باطن يده إلى خارجها، فإنه يمكنه معه مقام القلم على نصبته في الأصابع. ومتى عدل عن هذا لحقته المشقة في نقل نصبه الأصابع في كل مدة. وهذا من أكبر ما يحتاج إليه الكاتب، لأن هذا هو الذي عليه مدار جودة الخط، وقلما يدريك علم هذا إلا رؤيته من العالم الحاذق (^٤) بهندسة الخط، مع ما يكون معه من الأناة وحسن التأدية.\nقال بعض الكتاب: ويتعين على الكاتب أن يتفقد الليقة ويطيبها بأجود ما يكون، فإنها تتغير على طول المدى. وأنشد:\nمتظرِّف شهدت عليه دواته … إنّ الفتى لا كان غير ظريف\n_________\n(^١) صبح الأعشى ٢: ٤٦٤.\n(^٢) هو ابن العفيف كما في صبح الأعشى ٣: ٣٨.\n(^٣) الكلام التالي نسب في صبح الأعشى ٣: ٣٨ إلى الشيخ عماد الدين العفيف.\n(^٤) في صبح الأعشى: «وقلما يدرك علم هذا الفصل إلا العالم الحاذق».","vol":"2","page":74},{"text":"وكان بعض الكتّاب يطيّب دواته ببعض ما عنده من طيب نفسه، فسئل عن ذلك فقال: لأنا نكتب به اسم الله تعالى واسم نبيه ﷺ.\nوقال آخر: يتعين على الكاتب تجديد الليقة في كل شهر، وأن يطبق المحبرة حين فراغه لئلا يقع فيها ما يفسد الخط.\nوقال آخر (^١): ينبغي للكاتب أن لا يكثر الاستمداد، بل يمد مدًا معتدلًا، ولا يحرك الليقة من مكانها، ولا ينثر بالقلم (^٢) ولا يرد القلم إلى الليقة حتى يستوعب ما فيه من المداد، ولا يدخل منه الدواة كثيرًا بل إلى حد شقيه (^٣) لا يجاوز ذلك إلى آخر الفتحة.\nومن آلاتها (السكين) وهي المدية. قالوا: لا يستعمل لغير بري القلم.\nويستحب المبالغة في سقيها وحدها، ليتمكن من البري، فيصفو جوهر القلم ولا يتشظى قطته. وهي مسن الأقلام تشحذ بها إذا كلت، وتطلقها إذا وقفت وتلمها إذا تشعثت وأحسنها ما عرض صدره، وأرهف حدّه، ولم يفصل عن القبضة نصابه (^٤)، واستوى من غير اعوجاج. وكانوا يستحسنون العقابية (^٥)، وهي التي صدرها أعرض من بطنها.\nومن آلاتها (الملواق) لأنّه به تلاق الدواة وأحسن ما يكون من الآبنوس، لئلا يغيره لون المداد، ويكون مستديرًا مخروطًا، عريض الرّأس نحيفه.\n_________\n(^١) هو المقر العلائي، ابن فضل اللّه، كما في صبح الأعشى ٣: ٣٩.\n(^٢) صبح الأعشى: «ولا يعثر بالقلم».\n(^٣) صبح الأعشى: «شقة».\n(^٤) أدب الكتاب ١١٥.\n(^٥) انظر صبح الأعشى ٢: ٤٦٧.","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>فصل في المداد</span>\nوالحبر سمي مدادًا لأنه يمدّ القلم، أي يعينه. وإنما استعمل فيه السواد دون غيره لمضادته لون الصحيفة. وليس شيء من الألوان ضد (^١) لصاحبه إلا السواد والبياض.\nوقال آخر (^٢): صورة المداد في الأبصار سوداء، وفي البصائر بيضاء.\nوالمداد ركن من أركان الكتابة وعليه معول الكتاب (^٣). وأنشدوا في ذلك:\nربع الكتابةِ في سواد مدادها … والرُّبع حسنُ صناعة الكتَّاب\nوالرُّبع من قلمٍ سويٍّ بريهُ … وعلى الكواغدِ رابع الأسباب (^٤)\nونظر جعفر بن محمد إلى فتى على ثيابه أثر المداد وهو يستره منه، فقال له:\nيا هذا، إن المداد على الثياب من المروة (^٥).\nوقال ابن العفيف: شيئان لا يتم المداد إلا بهما، وهما العسل والصّبر. أمّا\n_________\n(^١) كذا في الأصل، على الوصفية. وفي صبح الأعشى ٢: ٤٧٣ «يضاد صاحبه كمضادة السواد للبياض.\n(^٢) في صبح الأعشى ٢: ٤٧٢: «بعض الحكماء».\n(^٣) في صبح الأعشى ٢: ٤٧٣: «وعليه مدار الربع منها».\n(^٤) صبح الأعشى ٢: ٤٧٣: «تسوى بريه». وكواغذ، وردت بالذال المعجمة.\nوالكاغد والكاغذ لغتان في الفارسية، وهو الورق الذي يكتب فيه. استينجاس ١٠٠٦ وفي صبح الأعشى: «كواغد» بالمهملة.\n(^٥) صبح الأعشى ٢: ٤٧٢.","vol":"2","page":76},{"text":"العسل فإنه يحفظه على مرور الأيام ولا يكاد يتغير عن حالته، وأما الصبر فإنه يمنع الذباب من النزول عليه.\nوقال بعض الأدباء: عطروا دفاتر الآداب بسواد الحبر (^١).\nوقال آخر (^٢): يبريق الحبر تهتدي العقول لخبايا الحكم، لأنه أبقى على الدّهر، وأنمى للذّكر، وأزيد للأجر.\n_________\n(^١) صبح الأعشى ٢: ٤٧٢.\n(^٢) هو فارس بن حاتم، كما في صبح الأعشى ٢: ٤٧٣.","vol":"2","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>فصل في بري الأقلام</span>\nحكى أن الضَّحاك كان إذا أراد أن يبرى قلمًا توارى بحيث لا يراه أحد ويقول: الخط كله للقلم (^١).\nوكان الأنصاري إذا أراد أن يبري فعل ذلك، وإذا أراد أن يقوم من الديوان قطع رؤوس الأقلام (^٢).\nوقالوا: تعليم البراية أكبر من تعليم الخط (^٣).\nوقال ابن العفيف: فساد البراية من بلادة السكين.\nوقال بعضهم (^٤): جودة البراية نصف الخط.\nوقيل: كان بعضهم (^٥) إذا أخذ الأنبوبة ليبريها تفرّس فيها قبل ذلك، وإذا أراد أن يقط توقف، ثم تحرى فتوقف، ثم يقط على تثبت.\nوروى بخط ابن مقلة: ملاك الخط حسن البراية. ومن أحسنها سهل عليه الخط، ومن وعى قلبه كثرة أجناس قط الأقلام كان مقتدرًا على الخط، ولا يتعلم ذلك إلا عاقل.\n_________\n(^١) في صبح الأعشى ٢: ٤٥٦ «القلم» .. والضحاك هذا هو الضحاك بن عجلان.\n(^٢) زاد في صبح الأعشى ٢: ٤٥٦: «حتى لا يراها أحد».\n(^٣) صبح الأعشى ٢: ٤٥٦.\n(^٤) هو المقر العلائي ابن فضل اللّه. صبح الأعشى ٢: ٤٥٦.\n(^٥) انظر صبح الأعشى ٢: ٤٦٢.","vol":"2","page":78},{"text":"وقال ابن هلال (^١): كل قلم تقصر جلفته فإن الخط يجيء به أوقص أي قصير العنق.\nوقال ابن البربري: إياك والخرق في البراية وترك التجويد لها، ومن فسدت آلته فسد عمله.\nوقال ابن العفيف (^٢) إذا طالت البراية جاء الخط بها أخف وأضعف وأحلى، وإذا قصرت جاء الخط أصفى وأثقل وأقوى.\nوأما صفة شقه فقال ابن هلال: يكون في وسطه، وليكن غلظ السنين جميعًا سواء. قال: ويجوز أن يكون الأيمن أغلظ من الأيسر ولا يكون العكس على حال (^٣).\nوأما قطه فهو على صفات: منها المحرف، والمستوي، والقائم، والمصوب.\nوأجودها المحرفة المعتدلة التحريف، وأفسدها المستوي، لأن المستوي أقل من المحرف تصرفًا. قاله ابن العفيف.\nقال عبد الحميد الكاتب لرغبان، وكان يكتب بقلمٍ قصير البراية: أتريد أن يجود خطك؟ قال: نعم. قال: فأطل جلفة قلمك، وأسمنها، وحرف القطة وأيمنها. قال رغبان: ففعلت ذلك فجاد خطي (^٤).\nوقال ابن مقلة لأخيه: إذا قططت القلم فلا تقطه إلا على مقط أملس صلب،\n_________\n(^١) هو أبو الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب المتوفى سنة ٤٢٣. وانظر صبح الأعشى ٢: ٤٥٩.\n(^٢) صبح الأعشى ٢: ٤٥٩.\n(^٣) صبح الأعشى ٢: ٤٦١.\n(^٤) صبح الأعشى ٢: ٤٥٩.","vol":"2","page":79},{"text":"غير مثلم ولا خشن، لئلا يتشظى القلم، واستحد السكين حدا، ولتكن ماضية جدًا؛ فإنها إذا كانت كالةً جاء الخط رديئًا مضطربا. وتضجع السكين قليلًا إذا عزمت على القط ولا تنصبها نصبا (^١).\nوقال ابن العفيف: يتعين أن يكون من عود صلب كالآبنوس والعاج، ويكون مسطح الوجه الذي يقطع عليه، ولا يكون مستديرا.\n_________\n(^١) صبح الأعشى ٢: ٤٦٣ مع اختصار.","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>فصل في النقط</span>\nهو الذي يستدل به على حروف المعجم، ويفصل به بينها، فتعرف به الباء من الثاء.\nويقال: أول من نقط المصاحف ووضع العربية أبو الأسود الدّئلى، من تلقين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁.\nقال ابن مقلة: وللنقط صورتان: أحدهما شكل مربع، والآخر شكل مستدير. وإذا كانت نقطتان على حرف فإن شئت جعلت واحدة فوق أخرى، أو جعلتهما في سطر معًا. وإذا كان بجوار ذلك الحرف حرف ينقط لم يجز أن تكون النقط إذا انشفعت إلا واحدة فوق أخرى. والعلة في ذلك أن النقط إذا كن في سطر وخرجن عن حروفهن وقع اللبس والإشكال، فإذا جعل بعضها على بعض كان على كلّ حرف قسطه من النقط، فزال الإشكال.","vol":"2","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>فصل في الشكل</span>\nقال بعض أهل اللغة: شكل الحروف مأخوذ من شكل الدابة، لأن الحروف تضبط به وتقيد، فلا يلتبس إعرابها، كما تضبط الدابة بالشكال.\nوقال بعضهم: حلوا غرائب الكلم بالتقييد، وحصنوها عن شبه التصحيف والتحريف.\nوهو ثلاث حركات: رفع ونصب وخفض. وأما الجزم فصورته بخلاف صور الحركات دائرة كلّها، كأنّهم يريدون بها الميم من اجزم، وحذفوا عرافة الميم استخفافًا.\nوقال ابن العفيف: إذا كان الحرف مفتوحًا منونًا فعلامته خطتان من فوقه وتكون بينهما كقدر واحدة منهما، وإذا كان مضمومًا منونًا فعلامته سين بغير عراقة، كأنك تريد أوّل «شديد» (^١). وإذا كان مجزوما فعلامته خاء بلا عراقة، كأنك تريد أول «خفيف». هذا مذهب الأستاذ أبي الحسن (^٢)، وعليه جملة أهل المشرق. وإذا كان مهموزًا فعلامته أن تثبت فوقه عينًا بلا عراقة وذلك لقرب مخرج الهمزة من العين.\nقال، ولا بد من تناسب الشّكل والنّقط وتناسب البياضات في ذلك (^٣).\n_________\n(^١) صبح الأعشى ٣: ١٦٣.\n(^٢) أبو الحسن علي بن هلال، المعروف بابن البواب. انظر ص ٧٦.\n(^٣) انظر صبح الأعشى ٣: ١٦٧.","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>فصل في ذكر حروف المعجم وسرها في تعيين العدد</span>\nقال كراع: إنما سميت الحروف المقطعات حروف المعجم لأنها كانت مبهمة حتى بينت بالنقط.\nقال بعض المنجمين: عدد حروف العربية ثمانية وعشرون حرفًا، على عدد منازل القمر. وغاية ما تبلغ الكلمة منها مع الحروف الزوائد التي تلحقها سبعة أحرف، على عدد الدراري السبعة.\nقال: وصور حروف الزيادة اثني عشر (^١) على عدد البروج الاثني عشر.\nوحروف الزيادة عشرة أحرف، يجمعها «سألتمونيها». وقد تقدم أن جملة الحروف ثمانية وعشرون حرفًا، فالذي تندغم لام التعريف فيها من هذه الحروف أربعة عشر حرفًا كالتي تخفى تحت الأرض من منازل القمر، وباقيها يظهر معه التعريف، وهي أربعة عشر حرفًا كالمنازل الظاهرة. وقد تقدم الكلام على أن حروف المعجم ثمانية وعشرون حرفًا مفردة، ويتركب منها اللام ألف، فذلك تسعة وعشرون حرفًا. ولها ثماني عشر (^٢) صورة، لأن ما اتفقت صورته فليس في ذكر شبهه فائدة، لأن ذكر أحد الصور (١) ينوب عن جميعها، كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء، وتتناهى هذه الصور الثمانية عشر (١) مفردة ومركبة، كما هو مبين في محلّه.\n_________\n(^١) كذا في الأصل.\n(^٢) كذا في الأصل. والوجه «ثماني عشرة».","vol":"2","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>فصل في ذكر الكتبة الكرام</span>\nمن لدن زمن النبي ﷺ إلى زماننا هذا، على نسق الترتيب وحسن التهذيب.\nفمن كتب له ﷺ وتشرف بخدمته بالكتابة الخلفاء الأربعة، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس بن شماس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسيّدى، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وغير هؤلاء كما هو مسطور في المواهب وكتب السيرة، ﵃ أجمعين.\nوكان ألزمهم بذلك وأخصهم به زيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان.\nثم انتهت جودة الخط وضرب جليله إلى الضحاك (^١)، وإسحاق بن حماد.\nفأخذ إبراهيم السجزي عن إسحاق ضرب الجليل، فاخترع منه أخف حركات وأحسن مزاوجات، فسماه قلم الثلثين. ثم اخترع من هذا القلم ما هو أخف منه وأجرى فسماه قلم الثلث.\nقال الشيخ عماد الدين محمد بن العفيف: بهذا القلم وقلم النسخ يعرف اقتدار الكاتب على صناعته.\nثم أخذ عن إسحاق يوسف واخترع قلمًا هزيلًا تامًا مفرط التمام مفتحًا، فأعجب ذا الرّئاستين الفضل بن سهل، فأمر بتحرير الكتب السلطانية به، وسمّى القلم الرّياسىّ (^٢).\n_________\n(^١) هو الضحاك بن عجلان، كان في أول خلافة بنى العباس، ابن النديم ١٠ وصبح الأعشى ٣: ١٢. وكان من أهل الشام.\n(^٢) صبح الأعشى: «قال بعض المتأخرين: وأظنه قلم التوقيعات».","vol":"2","page":84},{"text":"وكان وجه النعجة مقدمًا في قلم الجليل، وأبو زرجان (^١) مقدمًا في قلم النصف.\nوكان أحمد بن حفص (^٢) أحلى الكتاب خطًا في قلم الثلث.\nقال الوزير (^٣): معنى قول الكتاب قلم النصف والثلث والثلثين، إنما هو راجع إلى الأصل. وذلك أن للخط جنسين من الأربعة عشر (^٤) طريقة التي هي الأصول، هي له كالحاشيتين أحدهما قلم الطومار، وهو قلم مبسوط كله، ليس فيه شيء مستدير، وكثيرًا ما كتب به المصاحف المدنية القدم، وقلم آخر يسمى غبار الحلبة، وهو قلم مستدير كله ليس فيه شيءٌ مستقيم. فالأقلام كلها تؤخذ من المستقيمة والمستديرة نسبا مختلفة. فما كان فيه من الخطوط المستقيمة ما يوازى ما فيه من الخطوط المستديرة سمي قلم النصف. فإن كان الذي فيه من الخطوط المستقيمة الثلث سمي قلم الثلث. وإن كان فيه من الخطوط المستقيمة الثلثان سمي قلم الثلثين. فعلى هذا تتركب هذه الأقلام.\nوقد برع فيه حيون بن عمرو أخو الأحول، وكان أخط من أخيه.\nثم انتهت جودة الخط وحسنه وتحريره في رأس الثلاثمائة إلى الأستاذ في هذا الفن الوزير أبي علي محمد بن الحسن بن مقلة الكاتب، وفاته في سنة ٣٢٨، ثم إلى تلميذيه محمد بن أسد الغافقي ومحمد السمساني، وعنهما أخذ الأستاذ الكبير أبو الحسن علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب، وعنه أخذ محمد بن منصور\n_________\n(^١) صبح الأعشى: «وكان محمد بن معدان، يعنى المعروف بأبى ذرجان».\n(^٢) صبح الأعشى: «أحمد بن محمد بن حفص المعروف بزاقف».\n(^٣) الوزير أبو علي محمد بن مقلة. وزر للمقتدر، ثم للقاهر باللّه، ثم للراضى باللّه، وقد حدثت بينهما جفوة عاقبه فيها بقطع يده اليسرى، ثم أمر «يحكم التركي» بقطع لسانه، فقطع أيضا. وتوفى سنة ٣٢٨. وكانت ولادته سنة ٢٧٢.\n(^٤) كذا في الأصل، وفي صبح الأعشى ٣: ٤٨ «أن للخط الكوفي أصلين من أربع عشرة طريقة».","vol":"2","page":85},{"text":"ابن عبد الملك، وعنه الشيخة الكاتبة المحدثة زينب - ويقال أيضًا فاطمة - وهي ابنة الشيخ أبي الفرج، وتعرف بشهدة بنت الأبري (^١)، وقد ترجمها الحافظ الذهبي في تاريخه.\nوممن جود عليها الشيخ أبو الدر أمين الدين ياقوت بن عبد الله الموصلي الكاتب ويعرف أيضًا بالنوري، وبالملكي (^٢)، وبالشرفي، انتشر خطه في الآفاق، ولم يكن في آخر زمانه من يقاربه في حسن الخط ولا من يؤدي طريقة ابن البواب في النسخ مثله، مع فضل غزير. وكان مغرى بنقل صحاح الجوهري فكتب منها نسخًا كثيرة، كل واحدة في مجلد تباع كل نسخة بمائة دينار.\nوقد رأيت نسخةً منها بمصر. ووفاته سنة ٦١٨ بالموصل.\nوأما ياقوت الرومي ويعرف أيضًا بالحموي فإن وفاته سنة ٦٢٦ بحلب عن اثنين (^٣) وخمسين سنة.\nوممن كتب على ياقوت المذكور، أبو الحسن علي بن زنكى المعروف ب «الولىّ العجمي». ووجدت في تاريخ الحافظ السخاوي أن الولي العجمي أخذ عن شهدة الكاتبة من غير واسطة ياقوت.\nثم انتهت جودة الخط إلى الشيخ «عفيف الدين محمد الحلبي»، ويعرف أيضًا بالشيرازي. وعنه أخذ ولده «عماد الدين محمد»، وهو إمام النحاة والكتاب في زمانه.\nوممن كتب عليه الإمام العلامة شمس الدين «محمد بن علي بن أبي رقبة (^٤)».\n_________\n(^١) كذا ضبط في الأصل. وفي ترجمة «شهدة» من وفيات الأعيان بكسر الهمزة وفتح الباء.\n(^٢) نسبة إلى السلطان «ملكشاه أبى الفتح بن سلجوق»، كما في وفيات الأعيان.\n(^٣) كذا في الأصل.\n(^٤) في صبح الأعشى ٣: ١٤ «شمس الدين بن أبي رقيبة محتسب الفسطاط، وهو ممن عاصرناه».","vol":"2","page":86},{"text":"وعنه الإمام العلامة «أبو علي محمد بن أحمد بن الزفتاوي» المكتب (^١)، ولد سنة ٧٥٠ وسمع الحديث علي خليل بن طرنطاي (^٢)، وصنف في علم الخط «منهاج الإصابة» وانتفع به أهل مصر. وقد كتب عليه الحافظ ابن حجر، وكفى به شرفًا. مات سنة ٨٠٦، وكان رفيقه في الكتابة على شيوخه الإمام شهاب الدين غازي.\nوعنه تلميذه الإمام نور الدين الوسيمي، وعليه كتب الإمام زين الدين عبد الرحمن بن يوسف القاهري، المعروف «بابن الصّائغ» شيخ هذا الفن على الإطلاق، ولد بمصر سنة ٧٦٩ ولازم شيخه المذكور في إتقان قلم النسخ حتى فاق عليه، وأحب طريقة ابن العفيف فسلكها واستفاد فيها من أبي علي الزفتاوي المصري، وصارت للزين طريقة منتزعة من طريقتي ابن العفيف وغازي، كما وقع لغازي شيخ شيخه، فإنه كتب أولًا على ابن أبي رقبة شيخ الزفتاوي المذكور وتلميذ ابن العفيف ثم تحول غازي عن طريقة ابن العفيف شيخ شيخه إلى طريقة ولدها بينها وبين طريقة الولي العجمي، ففاق أهل زمانه في حسن الخط. وانتفع النّاس بابن الصّائغ طبقة بعد طبقة؛ ونسخ عدة مصاحف وغيرها من الكتب والعقائد، وصار شيخ الكتاب في زمانه، وشهد له الحافظ ابن حجر\n_________\n(^١) قال القلقشندي في شأنه وشأن تلميذه: «وصنف مختصرا في قلم الثلث مع قواعد ضمها إليه في صنعة الكتابة، أحسن فيه الصنيع، وبه تخرج صاحبنا الشيخ زين الدين شعبان ابن محمد بن داود الآثاري محتسب مصر. ونظم في صنعة الخط ألفية وسمها بالعناية الربانية في الطريقة الشعبانية، لم يسبق إلى مثلها. ثم توجه بعد ذلك إلى مكة، ثم إلى اليمن والهند، ثم عاد إلى مكة فأقام بها ونبغ».\nوإلى هنا تنتهى سلسلة الخطاطين عند القلقشندي. وما سيأتي امتداد لهذه السلسلة التي لم يدركها.\n(^٢) الدرر الكامنة ٢: ٨٩.","vol":"2","page":87},{"text":"بمهارته، وأثنى عليه في تاريخه. وقد سمع الحديث على الجمال الحلاوي. وفاته سنة ٨٤٥.\nثم انتهت جودة الخطّ وحسنه بعد ابن الصائغ وطبقته إلى قبلة الكتاب، وشيخ هذا الفن المستطاب، من سجدت لجلالته الأقلام، واتفق على تفضيله الخاص والعام، الإمام الأوحد، والهمام المفرد، مولانا شيخ المشايخ الشيخ حمد الله ابن الشيخ مصطفى الأماسي (^١)، المعروف «بابن الشيخ» تغمده الله برحمته.\nولد تقريبًا في سنة ٨٤٧ بعد وفاة ابن الصّائغ بسنتين أو ثلاثة، وهو الذي استنبط هذه السموت (^٢) المعروفة في زماننا من خطوط المتقدمين كما وقع لغيره ممن سبق ممن اخترع الطريقة بين الطريقتين، حتى برع كتاب زمانه، وفاق أهل عصره وأوانه. وكان والده رجلا صالحا مجازا في طريقة المشايخ السّهرورديّة، وقد حل نظره على ولده المذكور حتى فاق بالرتب العلية، وكفاه فخرًا أنه ليس على الأرض الآن سند يعتمد عليه إلا من طريقه، ولا طريقة يرغب إليها بين أهل الفن إلا من تحقيقه وتدقيقه.\nوكان ممن عاصره رجلان من كبار الكتبة في زمانهما، وهما «يحيى الرومي» و«علي بن يحيى». وفاة الأخير في سنة ٨٦٦.\nويقال إن الشيخ كتب على «خير الدين المرعشي» ووفاته في سنة ٨٩٦.\nوهو على «عبد الله الصيرفي»، وهو على «أحمد بن علي» المعروف بطيب شاه السّهروردىّ، وهو على «محمد البدشي العجمي»، وهو على «الولي العجمي».\nويقال إن الشيخ رحمه الله تعالى كتب بيده الشريفة أربعة وأربعين مصحفًا ونسخة من كتاب المصابيح للبغوي، وكتاب المشارق للصّغانى، كلاهما في جلد\n_________\n(^١) نسبة إلى «أماسية» من ولاية سيواس بتركيا.\n(^٢) جمع سمت، وهو الطريقة.","vol":"2","page":88},{"text":"الغزال، وكلا من سورة الأنعام والكهف والأدعية والأوراد مقدار ألف نسخة وجملة من الأدراج والطومار، وكان قد عرضت له وهو في الثامن والثمانين من عمره حادثة الرعشة في رأسه. وأما يده وقت الكتابة فلم ترتعش قط، حتى كان خطه في آخر عمره يضاهي خطه في شبابه. وقد خدمته الملوك ومسكوا له الدواة بين يديه، وأعطي من القبول والشهرة ما لم يعط أحد من قبله ولا من بعده. وكراماته شهيرة. وتوفي تقريبًا سنة ٩٥٧ عن مائة وعشرة سنة. ودفن بإسكدار في صفة مقابلة للتكية المعروفة بقراجا أحمد، وذلك في زمن السلطان أبي الفتح سليمان خان ابن سليم خان، رحمه الله تعالى (^١).\nثم انتهت جودة الخط وحسنه إلى تلامذته، وهم «محيي الدين جلال زاده» عاش مائة سنة وكتب سبعة وتسعين مصحفًا، و«جمال الدين الأماسي» وأخوه «عبد الله» عاش كل منهما ثمانين سنة. غير أن قواعد هؤلاء الثلاثة أكثر ميلًا إلى قواعد ياقوت المستعصمي.\nومن خواص تلامذة الشيخ ﵀ «حسام الدين خليفة» كان ماهرًا في الأقلام الستة والنسخ السادة. قلد طريقة شيخه حتى غلط كثير من المميزين والمشخصين في التمييز بين خطيهما. عاش سبعة وستين سنة، وكتب تسعة وثمانين مصحفًا.\nومنهم «شكر الله خليفة» كان ماهرًا في الأقلام الستة والنسخ السادة وكتب عدة مصاحف وأوراد.\n_________\n(^١) كتب المصنف بخطه على هامش النسخة ما نصه: «جلوس سلطان محمد خان غازي في سنة ٨٥٥ كان عمر الشيخ إذ ذاك تسعة سنوات. جلوس سلطان بايزيد ولى في سنة ٨٨٦ كان عمر الشيخ إذ ذاك أربعين سنة. جلوس سلطان سليم غازي في سنة ٩١٨ كان عمر الشيخ إذ ذاك اثنين وسبعين سنة. جلوس سلطان سليمان بن سليم في سنة ٩٢٦ ووفاته في ٢٢ .. سنة ٩٧٤».","vol":"2","page":89},{"text":"ومنهم «رجب خليفة» كان ماهرًا في الأقلام الستة والنسخ السادة، وكتب ثلاثة وتسعين مصحفًا وجملة من سورة الأنعام والأوراد.\nوكان في آخر عصر الشيخ من الماهرين في الخط رجل يسمى «أحمد أفندي قراحصارى» يقال إنه أجازه الشيخ بالكتبة، ولكنه في آخره مال على طريقة ياقوت وجمع بين الطريقتين، وكتب جملة من المصاحف والأوراد. توفى سنة ٩٦٣.\nومن خواص تلامذته «حسين چلبى خليفة»، أحيا طريقة شيخه وكتب عدة من المصاحف.\nثم جاء من بعده «دلي يوسف أفندي» فأجاد، لأنه جمع بين طريقة شيخه والطريقة الحمدية فصار مقبولا إلى الغاية، وكتب عدة مصاحف على هذه الطريقة.\nثم جاء من بعده «قره علي أفندي» ثم من بعده «تكنه جى حسن چلبى» ولم يشتهر بعده في هذه السلسلة أحد.\nوكان من الممتازين في عصر هؤلاء ولد الشيخ لصلبه الإمام الماهر الضابط «مصطفى دده» المعروف كأبيه بابن الشيخ، سماه أبوه باسم والده تبركا. وكان قد برع في حياة والده في حسن الخط وشهد له الأفاضل، وقد أجازه والده بالكتبة وكان ماهرًا في الأقلام الستة كأبيه، كتب عدة من المصاحف والأوراد والأدعية.\nمات عن أربعين سنة، ودفن عند والده بإسكدار.\nوممن كان في عصره من كبار تلامذة والده الإمام الماهر محمود أفندي الشهير ب «طنچانلى» كان مشهورًا بحسن التقليد للشيخ، كتب عدة من المصاحف الشريفة والأنعام والأذكار.\nوكان في عصره «عبد الكريم خليفة» المعروف بوقاية زاده، و«شكر اللّه","vol":"2","page":90},{"text":"خليفة» و«أحمد چلبى». وممن اشتهر في زمانهم «عبد الله أفندي القريمي» كتب على طريقة الشيخ مسارقة من خطوطه، لأنه يقال: إنه طلب التعليم والإجازة من الشيخ فلم يرض، واجتهد حتى صار متقنًا في الفن، وكتب عدة مصاحف وانتزع لنفسه طريقة منتزعة بين طريقة الشيخ وطريقة أحمد طيب شاه واخترع منهما نوعًا من الثلث، ولكن سقط مقامه بين الكتاب والبهاء، وصار من قبيل مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.\nوكان ممن أحيا طريقته من بعده رجل اسمه «أمر الله أفندي» فإنه قلده في طريقته المنتزعة مع ميله إلى الطريقة الحمدية كثيرًا، بدقة طبعه ولطافة فكره، فحسن الثناء عليه والقبول. وكتب بذلك عدة من المصاحف والأنعام والأذكار.\nثم انتهت جودة الخط بعد هؤلاء إلى الإمام الماهر «پير أفندي» وهو حفيد الشيخ، أجازه والده الدرويش محمد بالكتبة، وأحيا طريقة جدوده، مع ملازمة حدوده، وكتب عدة من المصاحف والأنعام.\nوكان ممن كتب عليه معاصرة الإمام الماهر «حسن أفندي» المعروف «بإسكدارى حسن چلبى»، تولى مشيخة السراي بعد شيخه، وكتب عدة من المصاحف والأنعام والأذكار.\nوعنه أخذ الإمام المجود والضابط «خالد أفندي» المعروف بالعزيز. أجاز له بالكتبة شيخه الإسكداري، وكتب عدة من المصاحف والأذكار، وسورة الأنعام.\nوكان في عصره من الماهرين «قره حسين أفندي» تولى مشيخة مكتب الآغا، وكتب عدة من المصاحف والأذكار، وكان موصوفًا بالجمال المفرط، وشهد له يعض تلامذته بالكرامة.","vol":"2","page":91},{"text":"ثم انتهت جودة الخط إلى الإمام الماهر الضابط المرحوم «درويش علي أفندي» الملقب بالشيخ الثاني، كتب أولًا على قره حسين أفندي المذكور، وبعد وفاته حصل التكميل والإجازة على يدي خالد العزيز. وكتب ثمانية وثمانين مصحفًا وجملة من سورة الأنعام والأوراد والأذكار. وخطه هو العمدة عليه في زماننا هذا. توفي سنة ١٠٨٦ عن سبعة وثمانين سنة. ومن كراماته أنه رفع إصبعه السبابة بعد موته عند قول المغسل بالشهادتين، وغسل بماء أغلي ببراية أقلامه (^١).\nوكان ممن عاصره من الخطاطين رمضان بن إسماعيل، يقال إنه كتب ثلاثمائة وستين مصحفًا، وجملة من سورة الأنعام والأذكار. وفاته في سنة ١٠٩٧.\nومن المعاصرين أيضًا علي أفندي نفسىزاده، وعمر بيك نصوح باشازاده، ومحمد أفندي الإمام، وعلى أفندي قاشقجىزاده، وأحمد أفندي قزقابان زاده، ومحمد أفندي نقاش زاده، وخليل أفندي الملقب بالحافظ، ومحمد أفندي عرب زاده المتوفى سنة ١١٢٢، ومحمد أفندي خواجة زاده. ويقال إن هذين الأخيرين أجاز لهما الدرويش علي.\nومنهم إسماعيل أفندي ترك، توفي غريقًا في البحر سنة ١٠٨٥. ويوسف أفندي المتوفى في سنة ١١١٩ وهذان الاثنان كانا بمصر.\nثم انتهت جودة الخط إلى (تلامذة درويش علي)، منهم مصطفى أفندي الأيّوبى المعروف بسيولجىزاده، وفاته في سنة ١٠٩٩.\n_________\n(^١) مثله ما روى في أخبار أبى الفرج ابن الجوزي، أنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول اللّه ﷺ فحصل منها شيء كثير، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك فكفت وفضل منها. انظر ترجمته في وفيات الأعيان (١: ٢٧٩).","vol":"2","page":92},{"text":"ومنهم إسماعيل أفندي خليفة المعروف بابن علي، كتب أربعة وأربعين مصحفًا، وكمل مصحف شيخه الثامن والثمانين، وهو آخر المصاحف التي مات وخلاه إلى سورة الأنعام، فكمله بخطه.\nومنهم أحمد أفندي قزانجىزاده كان مشهورًا بحسن التقليد لخط الشيخ، كتب تسعة عشر مصحفًا وعدة من سورة الأنعام والأذكار، توفي سنة ١١١٦.\nومنهم الإمام الماهر الضابط عثمان أفندي المعروف بالحافظ، الملقب بالشيخ الثالث، كتب جملة من المصاحف والأنعام والأوراد والأذكار، توفي سنة ١١١٢.\nومنهم أحمد أفندي المعروف بشيخ زاده، كتب سبعة عشر مصحفًا وجملة من سورة الأنعام والأذكار ودلائل الخيرات.\nومنهم فضل اللّه أفندي، وفاته في سنة ١١٠٧، كتب عدة من المصاحف والأوراد والأذكار.\nومنهم عنبر مصطفى آغا، كان متين اليد إلى الغاية، كتب عدة من المصاحف والأنعام، توفي سنة ١١١٧.\nومنهم الإمام الماهر عمر أفندي كاتب السراي. ومنهم جابىزاده محمد أفندي، وهما من جملة خلفائه.\nومن (معاصري هذه الطبقة) كوچك درويش على أفندي، وكوچك عرب زاده محمد أفندي، وأحمد أفندي الدرويش، وعبد الله أفندي الوفائي، وإبراهيم أفندي ابن رمضان، وعلي أفندي إمام أمير آخور.","vol":"2","page":93},{"text":"ومن خواص خلفاء الدرويش علي الإمام الماهر المجود الضابط، مجدد الرسوم الحمدية، في الديار المصرية، مولاه ومعتقه حسين أفندي الجزائري، لازم خدمة أستاذه حتى برع وفاق، كتب ربعة شريفة في ثلاثين جزءًا، ومصحفين شريفين أحدهما في الشام والثاني بمصر، وشرع في الثالث فبلغ إلى النصف منه ومات، فكمله فيما بعد المرحوم حسن الضيائي.\nوممن كتب على فضل الله أفندي محمد أفندي الشهري المعروف بالبستانجي.\nوممن كتب على عمر أفندي كاتب السراى صالح أفندي، المعروف بحمامجىزاده.\nومن كتب على أحمد أفندي شيخ زاده ولده الماهر الضابط إبراهيم أفندي شيخ زاده.\nثم انتهت جودة الخط إلى (تلامذة الجزائري)، منهم الإمام الماهر الضابط المجود سليمان أفندي الملقب بالشاكري.\nومنهم الإمام الماهر الضابط المجود السيد محمد بن إبراهيم المقدسي الملقب بالنوري.\nومنهم مصطفى أفندي خليفة، وقاسم أفندي، وغير هؤلاء.\nوقد جود الشاكري أيضًا في مبادئ أمره على محمد خواجه زاده، ومحمد الشهري البستانجي، وحافظ عثمان فالبستانجي كتب على فضل الله أفندي وحافظ عثمان كلاهما على الدرويش علي.\nفمن كتب على الشاكري الإمام الضابط المعمر حسن بن حسن المعروف","vol":"2","page":94},{"text":"بالضيائي، ولد سنة ١٠٩٨، وكتب في مبدأ أمره على والده ثم على شيخه السيد علي، وعلى صالح أفندي المعروف بحمامجىزاده، وأدرك الجزائري أيضًا بعد وفاة والده باثني عشر (^١) سنة، وكتب عليه من غير واسطة، وقد أجازه بالكتبة الشاكرى، وحمامجىزاده، الأخير عن عمر أفندي كاتب السراي عن الدرويش علي. كان ﵀ كثير الإتقان شديد الاحتراز، على نهج السلف الصالح في التحري والضبط في سائر ما يكتبه، كما هو مشاهد في خطوطه. توفى سنة ١١٨٢ عن أربع وثمانين سنة.\nوممن كتب على الشاكري الأستاذ الفاضل الماهر الضابط المجود الشيخ شهاب الدين أحمد الأفقم المكنى بأبي الإرشاد، وقد برع في الفنّ واجتهد حتّى فال الشهرة والقبول، وكتب عدة من نسخ الدلائل والأوراد والأذكار وغيرها.\nوفي الموجودين من تلامذته الآن مولانا السيد إبراهيم الرويدي الحسيني، المكنى بأبي الفتح الحمامي الوفائي، والشيخ أحمد المكنى بأبي العز، بارك الله في مدتهما، ونفع بهما المسلمين.\nوممن كتب على السيد محمد النوري رحمه الله تعالى خلق كثير على اختلاف الطبقات. وأجاز بالكتبة من لا يحصى.\nفمن أشهر تلامذته الإمام الماهر الضابط المرحوم عبد الله أفندي المولوي، الملقب بالأنيس رحمه الله تعالى، وقد جود أولًا على الشاكري وغيره، وكان تكميله وإجازته على يد السيد محمد النوري.\nومنهم الجناب المكرم الأمير إسماعيل أفندي الملقب بالوهبىّ، والجناب\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والوجه «باثنتي عشرة».","vol":"2","page":95},{"text":"المكرم الأمير أحمد أفندي الملقب بالشكري، بارك اللّه في مدّتهما ونفع بهما المسلمين.\nفممن كتب على الأنيس من طرزت هذا النبذة باسمه الشريف الضابط، الجناب المكرم، والملاذ المفخم، الأمير حسن أفندي تابع المرحوم الحاج علي آغا، وكيل دار السعادة، والملقب بالرشدي، أرشده الله لكل خير، وبارك في مدته وحياته، ودفع عنه كل ضير، فهو الذي أحيا هذه الطريقة، وجدد رسومها في الحقيقة، وأثنت عليه الألسن من كل جانب، وأعطى القبول والحب ونال أعلى المراتب، فالله تعالى يحرسه بعين عنايته، ويحمي فضله من عين الحسود ونكايته.","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>خاتمة</span>\nنسأل الله حسن الخاتمة، وفيها فصلان:\n\n<span data-type='title' id=toc-15>الأول: في بيان أدب التلميذ مع الشيخ</span>\nفاعلم أن الطالب لهذا الفن والراغب إليه لا بد له من شيخ يريه دقائق الفنّ ويحقّق له حقائقه، ويكشف له رموزه ويفتح له لغوزه ويقرب له رقائقه؛ فقد ورد في بعض الآثار، عن بعض الأخيار: «لولا المربي، ما عرفت ربي».\nفإذا يسر الله له الأستاذ فله معه شروط، منها حفظ مقامه في الغيبة والحضور على قدر الإمكان، فلا يرفع صوته على صوته، ولا يقول له من شيء قال: لم هذا؟\nفإن أشكل عليه شيء سأل بيانه بالأدب. ومنها عدم محادثة أحد بجانبه في حضرته إلّا في أمر ضرورىّ. ومنها أن لا يضحك في حضرة أستاذه إلا تبسمًا لمقتض. ومنها عدم مسابقة قوله، بل يسكت إلى أن ينتهي فيما يقوله. ومنها أن يجلس في حضرته كهيئة التشهد يسارق وجه أستاذه النظر. ومنها عدم مخاصمته لأحد من أتباع أستاذه ومن ينتسب إليه. ومنها حفظ متعلّقاته عن الجرأة عليها، فلا يلبس ثوبه ولا نعله، ولا يركب دابته، ولا يجلس على سجادته، ولا يشرب من الإناء الذي أعد له إلا أن يأذن له في شيء من ذلك. ومنها أن يداوم على الإدمان والاجتهاد فيما يقول له ويأمره به الأستاذ. فهذه آداب التلميذ مع الأستاذ، من ابتلى باختلال شيء منها تساهلًا أو غفلة لا يفلح أبدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>الثاني: نصيحة لسائر الخطاطين</span>\nقال الله تعالى في كتابه العزيز: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.\nوقد ذكر العارفون بهذا الفن أن من أكبر موجبات التكميل للطالب في هذا","vol":"2","page":97},{"text":"الفنّ ترك العرور في نفسه، وترك الترفع على أبناء جنسه، فإنه ربما اجتهد في الكتابة كثيرًا فيأتيه الشيطان فيوسوس له بالغرور، ويوقعه في الشرور، ومتى سلم من هذا يرجى له القبول، والرقي لمراتب الوصول. ومتى تساهل في أمر نفسه، وتكبر على أبناء جنسه، عوقب بالحرمان والوسواس، وسقط عن مرتبته التي كان فيها عند الله وعند الناس.\nنسأل الله العفو والرضا، والتجاوز عما مضى، إنه على كل شيء قدير، وبكل فضل جدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.\nأملي هذه الحروف على الاستعجال وصنوف الاشتغال، العبد المقصر المعترف بذنبه، الفقير محمد مرتضى الحسيني سامحه الله بمنه وكرمه، وذلك في مجالس آخرها ١٢ من شهر ذي الحجة الحرام ختام سنة ١١٨٤\nختمت بخير وعلى خير.\nآمين\nآمين\nآمين","vol":"2","page":98}]}