{"ً":{"ٌ":9850,"ٍ":"تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التاريخ/تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية - الشويعر - ط الجامعة الإسلامية","files":["49176.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية\nالمؤلف: محمد بن سعد الشويعر\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الثالثة، ١٤١٩ هـ\nعدد الصفحات: ١٣٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1431,"ٕ":25,"ٖ":1770155655,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الطبعة الثالثة","level":1,"page":2},{"title":"سبب التأليف","level":1,"page":3},{"title":"المقدمة","level":1,"page":30},{"title":"تمهيد","level":1,"page":31},{"title":"الوهابية أو الوهبية. . من هم؟ !","level":1,"page":50},{"title":"الاستعمار. . ومواجهة الدعوة","level":1,"page":55},{"title":"الدولة العثمانية.... والدعوة","level":1,"page":67},{"title":"شبهات الخصوم","level":1,"page":74},{"title":"عودة لإثارة الشبهات","level":1,"page":79},{"title":"خصوم الدعوة من داخل المنطقة","level":1,"page":82},{"title":"الهدف من التسمية","level":1,"page":88},{"title":"من نتائج الخصومة","level":1,"page":95},{"title":"وبعد","level":1,"page":105},{"title":"أولا: رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته","level":2,"page":108},{"title":"الملحق","level":1,"page":108},{"title":"ثانيا: رسالة لسليمان فيها البشارة برجوعه عن مذهب الأول","level":2,"page":113},{"title":"ثالثا: رسالة الشيخ محمد عبد الوهاب لأهالي المغرب","level":2,"page":118},{"title":"رابعا: دور الملك عبد العزيز في تصحيح الخطأ","level":2,"page":124},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":129}],"ٛ":{"1,7":2,"1,9":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,37":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,50":42,"1,51":43,"1,52":44,"1,53":45,"1,54":46,"1,55":47,"1,56":48,"1,57":49,"1,58":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131},"ٜ":{"1":[7,139]},"ٝ":[null,"1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"30":[3],"31":[4],"50":[5],"55":[6],"67":[7],"74":[8],"79":[9],"82":[10],"88":[11],"95":[12],"105":[13],"108":[14,15],"113":[16],"118":[17],"124":[18],"129":[19]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تصحيح خطأ تاريخي\nحول الوهابية\n\nتأليف\nد/محمد سعد الشّويعر","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة الطبعة الثالثة</span>\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين: أما بعد\nفإن الجامعة الإسلامية مؤسسة علمية وثقافية، تعمل على هدى الشريعة الإسلامية، وتقوم بتنفيذ السياسية التعليمية بتوفير التعليم الجامعي، والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي، والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها.\nلذا رأت طباعة هذا الكتاب القيم (تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية) لمعالي الدكتور محمد بن سعد الشويعر، وهو كتاب يطابق عنوانه يوضح خطأ تاريخيًا بسببه حصل التجني على شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ودعوته إلى التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، كما هي دعوة الرسل من أولهم إلى خاتمهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعليهم وسلم، وحصل سوء الفهم الذي استغله أعداء الإسلام والمسلمين للتفريق بينهم وتمزيق وحدتهم، فلعل هذا الكتاب القيم يسهم في إزالة اللبس وتصحيح مفاهيم خاطئة وكبت نوايا فاسدة.\nأدعو الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين وان يجزي مؤلفه خير الجزاء.\nوصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\n\nمدير الجامعة الإسلامية\nد. صالح بن عبد الله العبود","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>سبب التأليف</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد،\nكنت قد أخرجت كتابًا صغيرًا باسم تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية يقع في ١١٠ صفحات تقريبًا وطبع للمرة الأولى بتطوان بالمغرب عام ١٤٠٧ هـ وطبعته دار المعارف بالرياض الطبعة الثانية عام ١٤١٣ هـ، أوضحت فيه بأن خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأعداء دين الله الحق، من أرباب المصالح الدنيوية ممن يريدون إطفاء نور الله والتصدي لمن يريد أن يحقق التوحيد الذي أمر به الله وأرسل به رسله من أولهم إلى آخرهم: دعوة وتطبيقًا وتنقية من مداخل الشرك.\n\nفوجدوا دعوة خارجية أباضية في شمال إفريقيا نشأت في القرن الثاني الهجري باسم الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الخارجي الأباضي، ووجدوا فتاوى من علماء المغرب والأندلس ممن عاصرها أو جاء بعدها فأرادوا شيئًا عاجلًا يحقق الغرض وينهض الهمم لإسكات الدعوة الجديدة خوفًا من توسع الدائرة الإسلامية حيث قامت الدولة السعودية الأولى مناصرة للدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب - فتصافحت يدًا الإمامين: محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله في عام ١١٥٧ هـ على القيام بهذه الدعوة نصرة لدين الله وأداء لأمانة التبليغ.\n\nفوفق الله ولقيت الدعوة قبولًا وتأييدًا حيث امتدت إلى العام الإسلامي كله وتأثر بها العلماء من الحجاج وبدأوا في نشرها في بلادهم....\n\nفخاف المنتفعون دنيويًا من آثارها ووجدوا الضالة في الوهابية الرستمية، المدفون خبرها في سجلات التاريخ فنبشوا في فتاوى العلماء","vol":"1","page":9},{"text":"حولها وكانت فرصة بإلباس الثوب القديم للدعوة الجديدة ووجدت الإشاعة صدى في النفوس لأن أرباب المنافع الدنيوية جهدوا في التمويه والتشويه والناس عادة يتلقفون الكذب أكثر من اهتمامهم وتحريهم للصدق.\nولذ فإن للإشاعات دورًا كبيرًا في تغيير المفاهيم ووضع تصورات تغاير الواقع ... بحسن نية أو سوء فهم. وفي حدود عام ١٤٠٧ هـ كان نقاش علمي مع أحد علماء المغرب حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - حقق نتيجة مرضية وصحح مفهومًا تاريخيًا سائدًا وقد رغب إلى أكثر من أخ كريم ذكر سبب التأليف تلك الرسالة كتابيًا حيث ذكرتها لهم شفويًا لأنه أمكن في البلاغ ويطلع عليها أكبر عدد ممكن حيث تبقى حية لمن يريدها واستجابة لذلك أقول: -\n\nقد يكون من المناسب الاشتراك مع القارئ في السبب الذي من أجله كتبت: تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية، ولأن الله قد جعل لكل شئ سببًا فكان هذا الحوار الذي تولد عنه النقاش العلمي المقنع والحوار الهادئ المثمر هو السبب المباشر لكتابة هذه الرسالة.\n\n(ففي عام ١٤٠٧ هـ، كنت في مهمة لموريتانيا، ثم عرجّنا على السنغال، وكان خط سير الطيران ملزمًا لنا بالبقاء في المملكة المغربية ستة أيام.\n\nوفي أحد الأيام كنت في ضيافة أحد الأساتذة بإحدى الجامعات هناك، وأرمز له: بالدكتور عبد الله. وفي جلسة بمكتبته دارت أحاديث شتى، ومن محبته للملكة وحضور مؤتمرات عديدة بها، طرح عليّ هذا السؤال أمام الحاضرين، وعددهم يقارب الاثني عشر شيخًا من فضلاء البلاد هناك.\nقال إننا نحب المملكة، ونفوس المسلمين وقلوبهم تهفوا إليها، وبيننا","vol":"1","page":10},{"text":"وبينكم تقارب كبير وتفاهم بين القيادات، وإعجاب بما يؤديه حكام وعلماء المملكة من جهود مخلصة للإسلام والمسلمين، ولكن حبذا لو تركتم المذهب الوهابي الذي فرق بين المسلمين؟! .\nفأجبته: قد يكون علق بالذهن معلومات خاطئة، مأخوذة من غير مصدرها السليم، ولكن حتى تلتقي المفاهيم، نحب أن نطرح الموضوع بحضور الإخوة للنقاش العلمي المقرون بالبراهين.. ثم قلت: -\nولما كان كل إنسان ترتاح نفسه، ويطمئن قلبه، لما ألفه علماء بلده، فإنني في هذا الحوار لن أخرج عما في محتويات هذه المكتبة، التي تضمنا جدرانها الأربعة؛ لأنك كما تراني الآن لا أحمل كتابًا، ولم يخطر ببالي مثل هذا النقاش.\nولذا وقبل أن نبدأ: أرجو أن يكون نقاشنا بعيدًا عن التعصب والانفعال، أو طرح الآراء بدون دليل مقنع يعول عليه، لأن نشدان الحقيقة هو هدفنا، والامتثال لأمر الله وأمر رسوله هو غايتنا، ونصر الدين هو المؤمل من كل منّا.\nقال: أوافقك على هذا، وأصحاب الفضيلة المشايخ هم الحكم بيننا.\nقلت: رضيت بذلك، وبعد التوكل على الله أرجو أن تطرح أي مدخل للحوار.\nقال: خذ مثلًا ما ذكره الونشريسي في كتابه] المعيار [الجزء ١١، وهو قوله: سئل اللخمي: عن أهل بلد بنى عندهم الوهابيون مسجدًا، ما حكم الصلاة فيه؟. (١)\n_________\n(١) انظر (المعيار المعرب في فتاوى أهل المغرب) (١١/١٦٨) والسؤال في المعيار أوسع مما ذكر هنا.","vol":"1","page":11},{"text":"وللمعلومية: فإن كتاب] المعيار [هذا هو كتاب يجمع الفتاوى في الفقه المالكي، جمعه أحمد بن محمد الونشريسي، وطبع في ١٣ مجلدًا، وقد طبعته الحكومة المغربية وتوزع منه نسخ عن طريق الإهداء.\n\nبعد طرح السؤال، وإحضار الكتاب المذكور الجزء ١١، أجبته: بان الفتوى على هذا السؤال صحيحة، ونوافق اللخمي على ما جاء في فتواه.\nقال إذا اتفقنا على أن هذه الفرقة، وخطأ ما تسير عليه، خاصة وأن المفتي قال: هذه فرقة، خارجية ضالة كافرة، قطع الله دابرها من الأرض، يجب هدم المسجد، وإبعادهم عن ديار المسلمين.\nقلت: لم نتفق بعد ولا زلنا في بداية الحوار.. ولعلمك: فإن هذه الفتوى لها نظائر كثيرة قبل اللخمي وبعده، موجودة لدى علماء الأندلس، وفقهاء شمال أفريقيا، وهي مستمدة من حكم رسول الله في الخوارج، الذين قاتلهم علي بن أبي طالب في النهروان.\nوفي نقاشنا هذا، سوف نصل بإذن الله إلى تصحيح المفهوم التاريخي بين ما تعنيه هذه الفرقة، التي أفتى علماء الإسلام في الأندلس وشمال إفريقيا بشأنها، وبين التسمية التي ألصقت وصفًا مستهجنًا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ التصحيحية. هذا التصحيح لن يكون مقنعًا إلا بقرائن وبراهين مرضيّة عندكم، لأن رائدنا جميعًا الوصول إلى الحقيقة لذات الحقيقة.. والرأي الهادئ المقنع هو الذي تنجلي به الغشاوة وتصحح به المفاهيم.\nقال: كلنا نريد الوصول لهذه الحقيقة.. ثم قال: وبعد هذه الفتوى نريد أن تعطينا ما عندك، ونحن نستمع والإخوة يحكمون بيننا، ويصوبّون أو يخطئون ما يقال أو يعرض أمامهم.","vol":"1","page":12},{"text":"قلت:: سترون - إن شاء الله -، ما ينير الطريق لمن يريد الوصول للرأي الصائب، واستجلاء الأمر، ولهذا: نبدأ بما لدينا من أجزاء المعيار..\nولعلك تقرأ طرة الكتاب ليسمع الإخوة؟ .\nقال: تريد الفتوى حتى أقرأها أمامهم، أم أبدأ بما على الغلاف الخارجي من معلومات؟؟.\nقلت: بل الغلاف الخارجي.. أو الداخلي.. فهما سواء..\nفقرأ:] المعيار المعرب في فتاوى أهل المغرب [، تأليف: أحمد بن محمد الونشريسي المتوفى عام ٩١٤ هـ، بفاس بالمغرب.\nقلت لأكبر المشايخ سنًا، وهو شيخ وقور، هادئ الطبع، اسمه أحمد: يا شيخ أحمد سجل تاريخ وفاة الونشريسي.. فرصد ذلك عام ٩١٤ هـ.\nثم قلت: هل من الممكن إحضار ترجمة اللّخميّ؟ .\nقال: نعم.. ثم قام إلى رفّ من رفوف المكتبة فأحضر جزءًا من أحد كتب التراجم، وفيه ترجمة: علي بن محمد اللخمي، مفتي الأندلس وشمال إفريقيا، والترجمة طويلة، وفيها ثناء عليه وعلى علمه.. فقلت: إن بيت القصيد في نهاية الترجمة، فمتى توفي؟\nقال القارئ: وتوفي عام ٤٧٨ هـ (١) .\nفقلت للشيخ أحمد: اكتب تاريخ وفاة الشيخ علي اللّخمي، فكتبه في عام ٤٧٨ هـ.\n_________\n(١) (الحلل السندسية) ص: ١٤٢، و(الأعلام) للزركلي (٥/١٤٨)، وفي (الحلل السندسية) أنه توفي في صفاقص.","vol":"1","page":13},{"text":"فقال الدكتور عبد الله: هل تشك في علمائنا وفي فتاواهم؟ .\nقلت وما دليلك على هذا الشك؟ . ثم التفتّ إلى المشايخ.. وقلت: هل بدر مني ما يدعو إلى الشك الذي أوجب هذا القول؟. فكان الجواب بالإجماع: النفي.\nقلت: ولكي أنفي الشك عني، وعن علمائنا في بلادي، فإننا نحترمهم ونجلّهم، ونصوّب كل فتوى تصدر عنهم، يدعمها الدليل من الكتاب الكريم، والصحيح من سنة رسول الله. ولكن الوصول إلى ما بدأنا الحديث من اجله، مقرونًا بما يدعمه، يحتاج إلى شيء من الأناة والصبر.\nومن باب استعجال الجواب: أطرح على الجميع هذا السؤال: هل يمكن أن يفتي العلماء على معتقد لم يوجد صاحبه الذي ينسب إليه بعد، أو الحكم على ملّة من الملل لم تظهر بعد؟؟!! .\nقالوا جميعًا: لا.. ولم يعرف هذا، إلا ما جاء عنه إخبار من رسول الله. وهذا من معجزات النبوة، وفي الغالب يأتي الوصف دون المسمى.\nقلت موجهًا الكلام لمحدّثي: ألست تعتقد ويعتقد غيرك: أن الوهابية أول من أنشأها محمد بن عبد الوهاب في نجد؟ قال بلى.\nقلت: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عندما أفتى اللّخمي وغيره من علماء المالكية في الأندلس. وفي الشمال الإفريقي، كان أكثر من اثنين وعشرين من أجداده لم يولدوا بعد، باعتبار أن المتوسط لكل قرن ثلاثة جدود، كما أن بين وفاة عبد الوهاب بن رستم ووفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما يقرب من واحد وثلاثين جدًاّ، وعلماؤكم وعلماء المسلمين لا يعلمون الغيب، وننزههم عن الكهانة والسحر، وعن القول في أمر","vol":"1","page":14},{"text":"لا يعلمونه، قال تعالى ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيَّان يبعثون﴾ .\nقال: أوضح أكثر..!!\nقلت: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولد عام ١١١٥هـ، ومات سنة ١٢٠٦ هـ، وبينه وبين أحمد الونشريسي الذي ألف كتاب (المعيار)، ونقل الفتوى عن اللّخمي - كما مر بنا - مئتان واثنتان وتسعون سنة (٢٩٢) وفق تاريخ الوفاة، كما أن بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبين اللّخمي، وهو صاحب الفتوى سبعمائة وثمانية وعشرون عامًا (٧٢٨) وفق تاريخ الوفاة، وفق ما سجّل الشيخ أحمد لوفاة كل منهما.\nويقاس على هذا كل من أفتى من علماء الأندلس وشمال إفريقيا عن تلك الوهابية.\nقال: هل يمكن أن توضح أكثر لما تعني.. بدليل مقنع؟\nقلت: لم يهتم علماء شمال إفريقيا والأندلس، بالفتاوى عن الوهابية والتحذير منها، إلا لأنها موجودة عندهم بخلاف ديار المسلمين الأخرى، التي وضّح فرقها الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) (١) .\nوابن حزم في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) (٢) .\nوفي موضوعنا: ألا يوجد عندك كتاب: (الفرق الإسلامية في شمال إفريقيا)، الذي ألفّه الفرنسي: ألفرد بل، وترجمه للغة العربية: عبد الرحمن بدوي؟ .. وهو جزء واحد.\n_________\n(١) يراجع هذا الكتاب وهو جزءان، حيث لا توجد فيه فرقة باسم الوهابية.\n(٢) يراجع هذا الكتاب وهو ٤ أجزاء، حيث لا توجد فيه فرقة باسم الوهابية.","vol":"1","page":15},{"text":"قال: هاهو موجود.. ثم قام وأحضره.\nقلت فلنقرأ في آخره، حرف الواو.. فقرأ أحدهم: الوهبية أو الوهابية: فرقة خارجية أباضية أنشأها عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن رستم، الخارجي الأباضيّ، وسميت باسمه وهابية، الذي عطّل الشرائع الإسلامية، وألغى الحج، وحصل بينه وبين معارضيه حروب.. إلى أن قال: المتوفى عام ١٩٧ هـ، بمدينة تاهرت بالشمال الأفريقي، وأخبر بأن فرقته أخذت هذا الاسم؛ لما أحدثه في المذهب من تغيرات ومعتقدات، وكانوا يكرهون الشيعة قدر كراهيتهم لأهل السنة. وكان ألفرد هذا قد تحدث في كتابه المنوه عنه عن الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى وقت المؤلف في العصر الحاضر تقريبًا.\nوعبد الوهاب بن رستم قد اختلف في تاريخ وفاته، عند من كتب عنه، ويرى الزر كلي في (الأعلام): أن وفاته نحو ١٩٠ هـ.\nعند ذلك قلت له وللحاضرين: هذه هي الوهابية التي فرقت بين المسلمين، وصدرت بشأنها فتاوى من علماء وفقهاء الأندلس وشمال أفريقيا، كما تجدون في كتب العقائد عندكم، وهم محقون فيما قالوا عنها.\nأما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي ناصرها الإمام محمد بن سعود - رحمهما الله - السلفية التصحيحية، فهي ضد الخوارج وأعمالهم؛ لأنها قامت على كتاب الله وما صح من سنة رسوله، ونبذ ما يخالفهما وهم من أهل السنة والجماعة.\nوالشبهة التي انتشرت في بلاد الإسلام قد روجها أعداء الإسلام والمسلمين من مستعمرين وغيرهم لكي تبث الفرقة في صفوفهم، فقد كان","vol":"1","page":16},{"text":"المستعمرون يسيطرون على غالب العالم الإسلامي في ذلك الوقت، وهو وقت عنفوانهم، ويعلمون من واقع حروبهم الصليبية، أن عدوهم الأول في تحقيق مآربهم: الإسلام الخالي من الشوائب، وتمثله السلفية، ووجدوا ثوبًا جاهزًا ألبسوه هذه الدعوة تنفيرًا، وتفريقًا بين المسلمين - لأن مبدأهم فرق تسد - حيث أن صلاح الدين الأيوبي ﵀ لم يخرجهم من ديار الشام إلى غير رجعة، إلا بعد أن قضى على دولة الفاطميين العبيديين الباطنيين من مصر، ثم استقدم علماء من أهل الشام ووزعهم في الديار المصرية فتحولت مصر من التشيّع الباطني إلى منهج أهل السنة والجماعة، الواضح دليلًا وعملًا واعتقادًا.\nفالمستعمرون خافوا من إعادة الكرّة، بعدما رأوا دولة التوحيد السنّية، التي قادها الإمامان: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود، ثم من جاء بعدهما، تتسع أعمالهما،، ويكثر المستجيبون لما تهدف إليه هذه الدعوة، ومعلوم لديكم أن المستعمر ما دخل بلدة إسلامية إلا حاول إقصاء أهل السنة، وتقريب أهل الأهواء والبدع؛ لأنهم مطيته فيما يريد عمله في ديار الإسلام.\nكنت أعتقد أن هذا الجواب فيه إقناع.. لكن طرح أحدهم سؤلًا قال فيه: ألا يكون محمد بن عبد الوهاب قد أخذ منهج السابقين وأحياه من جديد واتبع طريقتهم؟!\nقلت: أولًا: لبعد الاتصالات بين المكانين فإن المعلومات لا تصل ولم يكن لدعوة عبد الرحمن بن رستم ذكر في تاريخ الجزيرة العربية، بل كما مر بنا، لم يكن لها تصنيف عند الدارسين والراصدين للملل","vol":"1","page":17},{"text":"والنحل والأهواء؛ كالشهرستاني وابن حزم، ولا في ردود ابن تيمية، وابن رستم مات قبل هؤلاء بزمن. مما يدل على أن دعوة عبد الوهاب بن رستم (الوهّابيّة) لم تتعدّ الشمال الإفريقي والأندلس قبل ضياعها.\nثانيا: أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تختلف عن دعوة جميع الفرق المخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله، لأنها دعوة تجديدية على منهج السلف الصالح، ولم يأت بشيء يخالف ذلك.\nثالثًا: تسمية الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب بـ (وهّابيّة) نسبة إليه خطأ لغوي، لأن والده لم يقم بها، وإلا لأشترك في هذه النسبة الوالد وأولاده، ومحمد واحد منهم لتصبح نسبة مشتركة.\nرابعًا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دعوته لا يوافق الإباضية في آرائهم، ولا غيرهم من الفرق التي ذمها علماء أهل السنة منذ نشأت في ديار المسلمين، وكتبه ورسائله توضح ذلك.\nخامسًا: أن ما نسب إليه من أمور، آتي لها بشواهد - إن رأيتم في الوقت متسعًا - من كلامه وكلام تلاميذه بالتبرئ مما نسب إليه كذبًا وزورًا، ويقول في كلامه: سبحانك ربي هذا بهتان عظيم. فكيف ينسب للإنسان شيء هو يتبرأ منه؟؟!\nلكن سوف نستكمل الحوار، ولعلنا نجد في هذه المكتبة - بحول الله - ما يزيل ما علق بالأذهان من شبهة، والحكمة ضالة المؤمن.\nقلت: ولعلنا نجد عندكم كتابًا تاريخيًا عن منطقتكم اسمه (تاريخ شمال أفريقيا) من تأليف أحد الغربيين في فرنسا.. واسم المؤلف: شارلي أندري، وقد ترجمه إلى اللغة العربية محمد مزالي رئيس وزراء تونس الأسبق، والبشير بن سلامة..","vol":"1","page":18},{"text":"قال الدكتور عبد الله: نعم موجود.. فأحضره وهو ثلاثة أجزاء.\nوباستعراض الفهارس: قرأنا في الجزء الثاني، عن ممالك الخوارج، ومن ضمنها مملكة تاهرت، التي هي الدولة الرستمية، حيث توسع المؤلف في الحديث عن معتقداتها واتساعها ومعالمها الحضارية، وتسميتها بالوهابية، نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، الذي خالف أهل ملته، كما أبان في عشر صفحات، بأن هذه الوهابية - الرستمية - تخالف أهل السنة في المعتقد (١) .\nثم قلت: ولعلك تحضر أيضًا كتاب: (المغرب الكبير، العصر العباسي) للدكتور: السيد عبد العزيز سالم، إن كان موجودًا في هذه المكتبة.\nقال: نعم موجود: ثم أحضره.\nفقرانا سويًا بعد إحضاره في الجزء الثاني عن الدولة الرستمية، في مدينة تاهرت في المغرب: أن عبد الرحمن بن رستم، وهو من أصل فارسي، عندما أحس بدنو أجله في عام ١٧١ هـ، أوصى لسبعة من خيرة رجال الدولة الرستمية، ومن بينهم ابنه عبد الوهاب، ويزيد بن فنديك: وقد بويع عبد الوهاب، مما ترتب عليه نشوء خلاف بينه وبين ابن فنديك.\nوقد انقسمت الإباضّية التي هي ديانة ابن رستم ومن معه، حيث نقلها من المشرق إلى المغرب إلى فرقتين: الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والنكارية، ودارت بين الطرفين معارك ومقاتل، تنهزم فيها النكارية، إلى أن قتل زعيمها: ابن قنديرة، وفي حالة ضعف من النكارية، انضموا إليهم الواصلية المعتزلة.\n_________\n(١) - انظر هذا الكتاب الجزء الثاني من ص ٤٠، ٥٠ وفي مواطن أخرى.","vol":"1","page":19},{"text":"ثم قال: وقد عزم عبد الوهاب هذا على حج في آخر حياته، إلا أن أتباعه نصحوه بالبقاء في (نفّوسه) خوفًا عليه من العباسين (١) .\nثم قلت: ولو رجعنا إلى كتاب ألفرد بل، عن الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي، من الفتح الإسلامي حتى اليوم..لوجدناه في موضع آخر يقول: الخوارج الوهبيين الذين سمّوا نسبة على عبد الله بن وهب الراسبي، الذي قاتله علي بن أبي طالب ﵁ في النهروان هم: خوارج أباضية، وعن انقسامهم قال: بأن أباضية المغرب، في تاهرت منهم، وهم الذين كانت ولتهم الرستمية في شمال إفريقيا، وكانوا أشد الفرق تعصبًا. واتباع عبد الوهاب بن رستم، الذي سميت فرقته بالوهابية نسبة إليه؛ لما أحدثه في المذهب من تغييرات ومعتقدات.\nوقد تحدث في هذا الأمر قرابة اثني عشرة صفحة، واخبر أنهم يكرهون أهل السنة (٢) .\nثم قلت: من هذا الرصد وغيره من كتب العقائد والسير، في تاريخ شمال أفريقيا، يبرز أمام طالب الحقيقة، ما حرص عليه الكاتبون من تفنيد لمعتقدات الخوارج الإباضية الرستميين، الذين منهم الوهابيون - نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم -، منذ خرجت هذه الفرقة بالقرن الثاني الهجري، حيث أكدت ذلك جميع المصادر.\nوالشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي قام بدعوته للقضاء على الشوائب التي أدخلت على الإسلام في صفائه ونقاوته رغبة منه في تصحيح العقائد وتنقيتها من مداخل والبدع مثلما سار من قبله دعاة منهم أحمد بن\n_________\n(١) - انظر هذا الكتاب ج ٢ ص ٥٥١ - ٥٥٧ طباعة دار النهضة العربية بيروت، وفيه معلومات أشمل عن عبد الوهاب هذا ودولته وذكر أن وفاته كانت عام ٢١١ هـ.\n(٢) - يراجع الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي ص ١٥٠.","vol":"1","page":20},{"text":"حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الشام والعز بن عبد السلام في مصر وغيرهم ... كلهم وغيرهم من أئمة الإصلاح والتجديد يخالفون ملل الخوارج وما يدعون إليه من معتقدات واعتزال وبدع تخالف ما درج عليه أهل السنة والجماعة وهذا مرصود في كتب: الملل والأهواء والنحل.\nفحصل بحمد الله الاقتناع خاصة بعد أن تردد اسم الوهابية في مصادرهم التاريخية والعقدية مرارًا مع إيضاح نماذج مما يدعون إليه.. لكنني أحببت ترسيخ هذا المفهوم عندهم بما لا يدع مجالًا للشك ولكي يستفيد منه من يطلع عند تدوينه وفقًا لكلام البلاغيين: زيادة المبنى، زيادة في تمكين المعنى.\nفقلت: ما رأيكم إذا اتسعنا مع المصادر وبرز أمامنا من الحقائق التاريخية زيادة عما ذكر ما يدل على أن علماءبلادكم وحكامها قد اهتموا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما حرص آل سعود على نشرها وتبلغها لحكام المسلمين بالمكاتبات وبعث المندوبين اقتداء بأسلافنا في أداء الأمانة وتبليغ ما قاموا من أجله أخذًا من قول الله سبحانه: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون﴾ (سورة الزخرف آية ٤٤) حيث قام حكام المغرب الأقصى وعلماؤه بالتقصي والمحاورة ثم اقتنعوا بسلامة هذه الدعوة.\nقالوا: نعم ... نريد المزيد، بالشئ المفيد، المقنع والموثق.\nقلت: سوف يكون ذلك إن شاء الله.\nثم قلت: لعلكم تعلمون أن الإمام سعود بن عبد العزيز - وهو الإمام الثالث من الدولة السعودية الأولى - قد بعث بعد ما دخل مكة في عام ١٢١٩ هـ رسائل شمال أفريقيا: تونس والمغرب الأقصى وغيرهم","vol":"1","page":21},{"text":"يشرح فيها حقيقة التوحيد وأصول الدين الذي جاء به الرسول محمد ﷺ صافيًا نقيًا من الأمور التي أدخلت عليه وبلغه للناس بصدق وأمانة، عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهي رسالة من ثلاث صفحات حسبما نشرتها مجلة ألمانية اسمها إسلاميكا \" islamiga \" مع دراسة باللغة الألمانية لما تعنيه الدعوة التي قاموا بها من أحد المستشرقين (١) .\nوكانت هذه الرسالة توضح بمحتواها ونصها العربي ما قام به الإمام سعود ووالده من قبل من عمل وفق أمر الله وأمر رسوله ﷺ بالدعوة إلى دين الله على نور من الله ليزيل ما قد يكون علق بالأذهان من أكاذيب قيلت عن الدعوة ونفاها الشيخ محمد بن عبد الوهاب قبل وفاته [١١١٥ - ١٢٠٦ هـ] وفي ردوده بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم وقبلنا كذب على صفوة الخلق عليه الصلاة السلام كما في رسالته ﵀ لعبد الله بن سحيم وهو من المعارضين له، وفي رسالته إلى عالم بغداد الشيخ عبد الرحمن السويدي رحمه الله تعالى: بعد أن بين لهذا الأخير عقيدته وما يدعوا الناس إليه من إخلاص العبادة لله تعالى وإنكار ما فشا في الناس من أمر الشرك من دعاء الأموات والالتجاء إليهم من دون الله تعالى قال: فقام بسبب هذه الدعوة من عارضنا في ذلك وافترى علينا الكذب - إلى أن قال: فإني ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من فرائض الله ونهيتهم عن الربا وشرب الخمر وأنواع المنكرات فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه لكونه مستحسنًا عند العوام فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد وأنهى عنه من الشرك ولبسوا على العوام: أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس وكبرت الفتنة جدًا وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن\n_________\n(١) - تراجع هذه المجلة المجلد ٧ عام ١٩٣٥ م.","vol":"1","page":22},{"text":"يحكيه عن أن يفتريه ومنها ما ذكرتم: أتى الكفر جميع الناس إلا من اتبعني وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ويا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟؟ !! .\nوبعد أ، عدد أمورًا كثيرة مما نسب إليه قال: والحاصل أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان وهذا لو خفي على غيركم ما خفي عليكم (١) .\n\nثم قلت: ومن رغبة الحكام والعلماء في المغرب التقصي نرى الحقيقة التالية:\n١- تأثر بهذه الدعوة واهتم بها وبمحتواها بعد الدراسة والعمق سلطان المغرب الأقصى: سيدى محمد بن عبد الله العلوي - جد الأسرة الحاكمة الآن:\nحيث قام بمحاربة البدع في بلاده كما حارب تشعب الطرق الصوفية ودعا إلى الاجتهاد وإلى انتشار السنة لأنه ذلك الوقت من أقوى الحكام المسلمين ولأن بلاده قد اكتوت بنيران: الباطنية العبيدية وأصحاب البدع مع تفشي الجهل والوهابية الرستمية الخارجية الباطنية علاوة على الغزو الصليبي للشمال الإفريقي بعد سقوط الأندلس في أيدي الإفرنج.\nوقد ذكر محمد جمعه في كتابه: انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أمورًا من أعمال سيدي محمد بن عبد الله العلوي، فيما يتفق\n_________\n(١) - انظر هذه الرسالة ورسالته ﵀ إلى عبد الله بن سحيم ورسالة ابنه عبد الله في تكذيبهم لما نسب إليهم كتاب: البيان والإشهار للشيخ فوزان الشابق ﵀ ط الأولى عام ١٣٧٢ هـ ص ٨٢ - ٨٤ ورسائل الشيخ طباعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بمناسبة اسبوع الشيخ ابن عبد الوهاب مجلد الرسائل الخامس.","vol":"1","page":23},{"text":"مع دعوة الشيخ محمد بن الوهاب وحرصهما على تنقية التوحيد من البدع والشرك مع الله (١)\nهذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان في كتابه: تاريخ أفريقيا الشمالية الذي ترجمه إلى اللغة العربية: محمد مزالي والبشير بن سلامه الذي مر بنا قبل قليل.\nفقرأنا في الجزء الثاني قوله: وكان سيدي محمد وهو التقي الورع علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتأييد آل سعود لها وقد أعجب بعباراتها وكان يؤثر عنه قوله \" أنا مالكي المذهب وهابي العقيدة \" وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية وتهديم بعض الزوايا (٢)\n\n٢- أما مؤرخ المغرب الأقصى: أحمد الناصري فإنه توسع في الجزء الثامن من كتابه التاريخي الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى - ولابد أن يكون موجودًا ضمن محتويات هذه المكتبة - فقال: نعم\nفلما أحضره فتحنا على أحداث عام ١٢٢٦ هـ فإذا هو يقول في هذا العام حج جماعة من المغاربة صحبه المولى إبراهيم بن السلطان المولى سليمان، سلطان المغرب، الذي خلف والده السلطان: سيدي محمد بن عبد الله العلوي، فقال ابنه المولى إبراهيم ومن معه ما رأينا من ابن سعود ما يخالف ما عرفناه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدنا منه ومن أتباعه ما به الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر وتنقية الحرمين من الآثام (٣) ثم قلت لهم: هل من شهد له وأتباعه\n_________\n(١) - يراجع هذا الكتاب طباعة دارة الملك عبد العزيز بالرياض.\n(٢) - تاريخ أفريقيا الشمالية المنوه عنه ٢: ٣١١.\n(٣) - الاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى للناصرى ٨: ١٢٠.","vol":"1","page":24},{"text":"المولى بن السلطان سليمان ومن معه من علماء بعد المناقشة في مكة أثناء الحج عام ١٢٢٦ هـ حيث قال الناصري عن الطريقة المتبعة الركب النبوي الذي جرت العادة بخروجه من فاس على هيئة بديعة الاحتفال وكانت الملوك تعتني به وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والتجار والقاضي وشيخ الركب وغير ذلك مما يضاهي ركب مصر والشام (١) .\nهذا الركب بعلمائه ووجهائه بعد مناقشته مع الإمام سعود والعلماء هل يتفق مع عبد الوهاب بن رستم الخارجي الأباضي، صاحب الوهابية الأساسية التي جاءت عنها الفتاوى أم أنها فردية من أعداء دين الإسلام وصدقها بعض المسلمين دون تمحيص ولا روية ولا رجوع للكتب التاريخية والعقدية الموثقة؟ !!\n\nقالوا جميعًا: نحن معك واقتنعنا ... لكن كيف غاب على الكثير من الباحثين ما رصد في مصادرنا مما لا يقبل الشك.\nقلت: ولكي أزيدكم ويستفيد منه من يطلع عليه من بعدنا فإن الناصري في تاريخه هذا قد غطى حيزًا كبيرًا من أخبار هذه الدعوة بأكثر من عشر صفحات وسوف أزيدكم من قوله وهو من المؤرخين الموثقين عندكم وتاريخه من مصادر بلادكم المهمة.\nقالوا: نعم\nقلت: يقول الناصري عن السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي الذي بويع في فاس في حدود عام ١٢٢٦ هـ وقد كان معاصرًا للإمام عبد الله بن سعود ووالده الإمام سعود بن عبد العزيز الذي دخل مكة المكرمة في المرة الأولى حاجًا عام ١٢١٤ هـ الموافق لعام ١٧٩٩ م بأنه أراد أن يتحقق من\n_________\n(١) - المصدر السابق ص ١٢١.","vol":"1","page":25},{"text":"ابن سعود وما يدعوا غليه فأرسل ابنه المولى إبراهيم في جماعة من علمائ المغرب وأعيانه ومعه جواب من ولاده فوصلوا الحجاز وقضوا المناسك وزاروا الروضة الشريفة كل هذا على الأمن والأمان والر والإحسان ثم أردف الناصري قائلًا: حدثنا جماعة وافرة ممن حج مع المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان - يعني الإمام سعود - ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر الحرام وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت بهما من غير نكير وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لآل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام معه الفقيه القاضي: أبو إسحاق الزرعي فكان من جملة ما قاله ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شئ رأيتمونا خالفناه من السنة وأي شئ سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا؟؟ .\nفقال له القاضي: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى فقال له: معاذ الله إنما نقول كما قال الإمام مالك ﵀: الإستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب.. فهل في هذا مخالفة؟ ! . قالوا: لا ... وبمثل هذا نقول أيضًا ثم قال القاضي الزرعي له: وبلغنا أنكم تقولون: بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم.... فلما سمع ذكر النبي لى الله عليه وسلم ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه وقال معاذ الله إنما نقول: إنه ﷺ حي في قبره وكذا غيره من الأنبياء حياة حياة فوق حياة الشهداء.\n\n٣- ثم في نهاية هذا الحديث قال الناصري: وأقول إن السلطان المولى سليمان ﵀ كان يرى شيئًا من ذلك ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها عن حال متفقرة الوقت - ويعني بهم رهينة الصوفية - وحذر","vol":"1","page":26},{"text":"فيها ﵁، من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها آداب زيارة الأولياء وحذر من غلو العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيرًا.\nكما قال: إن المولى سليمان قد حدد خطبة تحث على التوحيد ومحاربة البدع وأمر بتوزيعها على مساجد الجمعة كما أمر بإغلاق زوايا الصوفية (١)\nوبعد الحوار الذي دار في أمور كثيرة مما نسب لهم قال الناصري: ثم قال صاحب الجيش: هذا ما حدث به أولئك المذكورون سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ثم سألنا الباقي أفراد فاتقف خبرهم على ذلك (٢)\nثم قلت: هذه بعض الحقائق المقرونة بالحوار والرصد وكما وعدتكم بعدم الخروج عما هو محيط منطقتكم حيث نشأت الوهابية الحقيقة وحيث لبس عليكم وعلى من المسلمين أمر وحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي قام بنشرها آل سعود.\nوإلا فإن الشيخ محمد كما يتضح من رسائله وردود التي طبعتها جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كما مر بنا نماذج منها فيها نفي وتفنيد لما ألصق بدعوته من تهم وأكاذيب لم يقلها بل قد نفاها وكرر مرارًا القول: هذا بهتان عظيم (٣)\n_________\n(١) - الاستقصاء ج ٨ ص ١٢١ - ١٢٢.\n(٢) - المصدر السابق.\n(٣) - يراجع في هذا الجزء الخامس من مجموع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي نشرته جامعة الإمام وهو خاص بالرسائل والردود.","vol":"1","page":27},{"text":"فكيف يصدق العاقل ما قيل من أمور هو في حياته سمعها ونفاها كما نفاها تلاميذه من بعده. وهذا كتابه: كتاب التوحيد وشرحه فتح المجيد، وتيسير العزيز الحميد، اقرأوها بتمعن وتدقيق فإن رأيتم فيها شيئًا يخالف ما جاء عن رسول الله ﷺ فلكم الحق في التشكيك ومثل ذلك رسائله: ثلاثة الأصول وكشف الشبهات والقواعد الأربع وآداب المشي إلى الصلاة وغيرها.\n\n٤- أما الدكتور عباس الجراري وهو من هنا من المغرب - ولست أدري هل اطلعتم على محاضرته في عام ١٣٩٩ هـ بجامعة الرياض - جامعة الملك سعود حاليًا - التي قال فيها: إن التيار السلفي في المغرب قد ظهر مرة أخرى في بداية القرن الرابع عشر الهجري حيث وجه السلطان الحسن عام ١٣٠٠ هـ رسالة إلى الشعب المغربي وقد نوه عن هذا الناصري أيضًا كما حصل مثل ذلك عام ١١٨٥ هـ عندما أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد، الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الحصين، إلى والي مكة آنذاك لمناظرة علماء مكة فكان من علماء مكة المشايخ: يحيى بن صالح الحنفي، وعبد الوهاب بن حسن التركي مفتي السلطان، وعبد العزيز بن هلال، فتفاوضوا في ثلاث مسائل، وقت المناظرة ظهرت منها لهم الحقائق المقنعة بسلامة هذه الدعوة.\nثم قلت: إن علماء مكة ذلك الوقت عندهم شبهة كما هي لدى علماء المغرب وغيرهم حسبما يتردد من إشاعات وما يصلهم من أكاذيب وافتراءات ينشرها المغرضون.\nوبعد ما دخل الإمام سعود بن عبد العزيز مكة ثانية، جرت مناظرات واجابات على تساؤلات وكان من علماء نجد: الشيخ عبد العزيز الحصين، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، الذي عينه الإمام سعود قاضيًا","vol":"1","page":28},{"text":"ومفتيًا بمكة حتى توفي بمكة بعد ذلك فحصلت القناعة من علماء مكة وصدر بهذا وثيقة وقتها الجميع بنفي الشبهات والأكاذيب حول الدعوة وطبعت عدة مرات.\nثم في عهد الملك عبد العزيز بعد ما دخل مكة عام ١٣٤٣ هـ حصل مثل ذلك مما أوجد قناعة بسلامة منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.\n\nوأزيدكم علمًا بأن القباب المبنية على القبور في مكة هدمت أيام الشريف عون الرفيق ما عدا قبر السيدة خديجة في الفترة ما بين الدولة السعودية الثانية وقيام الملك عبد العزيز لإعادة الدولة السعودية في دورها الثالث كان ذلك الهدم بمشورة الشيخ أحمد بن عيسى وتأييد من الشريف وبعض علماء مكة مما على القناعة (١)\n\nثم قلت: أيها الاخوة مما دار من نقاش ومما مجدنا من نصوص نرى أن الوهابية لعيوبها نسبتها إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية خطأ محض وأن الوهابية التي أصدرت عنها الفتاوى في كتبهم لا علاقة لها بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا تقارب بينهما لأن الخطين المتوازيين لا يلتقيان.\nذلك أن الشيخ محمد وتلاميذه يمقتون الوهابية الرستمية كما مقتها علماؤكم من قبل ... لأن دعوة الشيخ محمد سلفية ولا يوجد فيها ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\nكما برز أمامنا: أن علماء المغرب برأوا علماء الدعوة وحكام آل سعود\n_________\n(١) - تراجع ترجمة الشيخ أحمد العيسى في كتاب ابن بسام علماء نجد خلال ستة قرون الجزء الأول.","vol":"1","page":29},{"text":"الذين ناصروها وإحياء لدين الله وتجديدًا لما اندثر من سنة رسول الله ﷺ وإماتة للبدعة عندما تناظروا معهم في حج عام ١٢٢٦ هـ وظهر لهم كذب ما نسب للشيخ والدعاة لدين الله وعلى هذا بان لنا أن أربعة من سلاطين المغرب الأقصى واهتموا بهذه الدعوة وتبنوا نشرها في بلادهم وهم: -\n\n١- المولى السلطان: سيدى محمد بن عبد الله العلوي الذي كان معاصرًا للإمام عبد العزز بن محمد وتبلغ رسالة الإمام سعود.\n٢- المولى السلطان: سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي أوفد العلماء مع ابنه المولى إبراهيم، وتناقش مع الإمام سعود بن عبد العزيز وعلماؤه مع علماء الدعوة.\n٣- المولى السلطان: إبراهيم بن سليمان بن محمد بن عبد الله العلوي الذي تسلم زمام الأمر بعد أبيه السلطان سليمان.\n٤- المولى السلطان: الحسن الأول في عام ١٣٠٠ هـ ووقته فترة بين الدولة السعودية الثانية والدور الثالث لهذه الدولة الذي قام به الملك عبد العزيز من خمسة شوال عام ١٣١٩ هـ.\n\nكما أن الدكتور محمد تقي الدين الهلالي - ﵀ - اهتم بهذه الدعوة وهو حسني من العائلة المغربية الحاكمة وقد كان تيجانيًا ثم لما عرف حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - حرص على نشرها في كل مكان ذهب إليه حتى أستقر آخر عمره في المغرب بفاس ثم تحول إلى الدار البيضاء حتى توفي ﵀ وقد ألف رسالة عن التيجانية وبطلانها ومثله الشيخ عبد الرحمن الإفريقي الذي كان سنغاليًا تيجانيًا فتركها وألف في ذمّ ما هم عليه.","vol":"1","page":30},{"text":"كما جرت كتابات عديدة عن محاكمة السلفية في المغرب وعن انتشارها وتأثر قادتها بعلماء الحجاز ونجد، من ذلك التاريخ حتى اليوم وقد رد الأستاذ أحمد العماري الذي حقق رسالة الوتري وقال: إن تحامله على السلفية تزمت شديد للطرقية على حساب السلفية والمحقق مغربيّ.\nثم قلت: أرجو أن يكون في ذلك مقنع كفاية وإن أردتم زيادة توضيحية أكثر سواء بنقل آراء العلماء من العالم الإسلامي أو بوجهات نظر وتحليل المستشرقين من بلاد الغرب الذين راقبوا الأحداث وتتبعوا مسيرة الدعوة فلا مانع.... لكن ذلك يحتاج إلى مصادر قد لا تتوفر هنا.\nلذلك اقتصرت على علماء المغرب وحكامهم لأن طارحي الشبهة الآن مغاربة حيث يسهل الرجوع للمصادر من هذه الكتبة وذلك أقرب إلى القناعة أخذًا من قول علي بن أبي طالب ﵁: خاطبوا الناس بما يعرفون حتى لا يكذب الله ورسوله.\n\nوقال صاحبنا: كل ما ذكرت مقنع وواقعي وأزال بحمد الله الشبهات التي كانت تثار فما رأي الاخوة قالوا: هذا صحيح ثم أردف قائلًا لكن كيف أن هذه الإجابات المقنعة بين أيدينا وسهلة التناول وغاب عنا استجلاؤها.\n\nقلت له: جوابه عندكم ... وطالب العلم مسئوليته أمام الله عظيمة فليس هو كالجاهل الذي يلقى إليه الأمر ويصدق إذ يجب أن لا يحكم طالب العلم على أمر إلا بعد البحث والاستقصاء فالعامي ونصف المتعلم إن وجد له عذر إلا أن طالب العلم والأستاذ الجامعي لا يعذران لأن كل منهما قدوة لغيره ولأن طلابه يأخذون عنه وينتظرون توجيهه وغزالة الشبهات من أمامهم","vol":"1","page":31},{"text":"قال: هل من الممكن أن تكتب بهذا الخصوص في صحيفة النور التي تصدر في تطوان بالمغرب مقالًا قلت: نعم.... ثم بعد أن عدت إلى المملكة بعثت لهم موثقًا بمصادره..\nوبعد أن نشر هذا المقال جاءتني رسائل إجابية وسلبية عن صدى ما نشر عن الوهابية ... فالذين تحدثت معهم رغبوا في زيادة المقالة حتى تصبح رسالة تضم معلومات أوسع ليمكن طبعها هناك.\n\nوقد استجبت وتم ذلك - بحمد الله - وحرصت على عدم الإطالة مع الإشارة للمصادر حتى يسهل على راغب الزيادة والحريص على توسيع المدرك معرفة الكتب المعينة له في إشباع رغبته.\nوقد طبعت هذه الرسالة للمرة الأولى في كتيب في تطوان بالمغرب في حدود عام ١٤٠٧ هـ كما طبعت ثانية بعد ذلك بعدة سنوات في الرياض عام ١٤١٣ هـ\nوما ذلك إلا أن أعداء الإسلام والراغبين في فرقة المسلمين وأصحاب المآرب الخاصة أعاذ الله المسلمين من شرهم قد وجدوا في الوهابية الرستيمة ثوبًا جاهزًا ألبسوه عاجلًا هذه الدعوة السلفية الصحيحة في مقصدها ودعوتها خوفًا من تجمع المسلمين ضدهم حيث يريدونهم مثل الجياع الذين يلاحقون من يطعمهم كالأيتام على مائدة اللئام.\n\nهذا من جانب وللتنفير وبث العداوات بين أبناء المسلمين من جانب آخر وليحققوا مآربهم بتوسيع دائرة الخلافات ولإثارة الشبهات في المجتمع الإسلامي.\n\nوقد كان من المصالح التي تحققت - بحمد الله - من هذه الرسالة بعد طبعها للمرة الثانية أن أكثر من شخص من المرموقين أخبرت عنهم بأنه","vol":"1","page":32},{"text":"قد مرت بهم مواقف في الجمهوريات الإٍسلامية المنفصلة عن الإتحاد السوفييتي بعد انحلال الشيوعية لأن فتوى انتشرت هناك مستغل مروجها حماسة السكان إسلاميًا وقصورهم في فهم العقيدة الصحيحة والمعارف الإسلامية تقول هذه الفتوى: إن قتل وهابي واحد أفضل من قتل مائة يهودي حتى صار السلفي لا يسير منفردًا.\nفجمع بعضهم ببعض العلماء وأئمة المساجد هناك أوضحوا لهم عن الوهابية الرستمية وعن حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفق ما جاء في هذه الرسالة فكان من ذلك جلاء للغشاوة وإزالة الشبهة بتصحيح المفهوم وقد ترجمت للغات المحلية هناك فنفع الله بها.\nوالذي يجب أن يدركه كل مسلم مخلص أن الأعداء لا يكلون ولا يملون من ترديد شبهاتهم ولكن المعرفة والتعليم ورد الأمور في دين الله إلى أصولها من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، الذين هما وصية رسول الله ﷺ، وأنهم إذا تمسكوا بهما لن يضلوا (١) وهما السلاح لمن يريد أن يجابه مكائد الخصوم وسموهم.\n\nكما أن الدارسين لهذه الدعوة خرجوا بنتيجة: -\n١- أنها ليست حزبًا له تنظيماته: وإنما هي تجديد لدين الله على خطى رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام وسلف هذه الأمة الأخيار.\n٢- أنها ليست مذهبًا يخالف به معتنقوه المذاهب الفقهية المعروفة.\n٣- أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب سلفي العقيدة شأنه شأن من يدعو إلى منهج السلف الصالح في كل عصر ومصر، يدعو إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له سبحانه.\n_________\n(١) - يراجع في هذا خطبة رسول الله ﷺ في حجة الوداع.","vol":"1","page":33},{"text":"٤- أما مذهبه في الفروع فهو على مذهب الإمام أحمد بن حنبل مثلما أن هناك أحنافًا سلفيون وشوافع سلفيون ومالكية سلفيون.\n\nوقد بان لنا من هذا الحوار أن أحد سلاطين المغرب وهو المولى السلطان: سيدي محمد بن عبد الله العلوي قال عن نفسه: \" أنا وهابي العقيدة مالكي المذهب \" (١) وهو لا يقصد الوهابية الرستمية وإنما يرد بذلك على من وصم دعوة التوحيد الخالص لله بهذا النعت.\nومثله قال: عمران بن رضوان، وهو من علماء بلدة لنجه بإيران في الجهة الشرقية من الخليج: أنا وهابي لما بلغته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو حنفي المذهب وقيل شافعي وقد مدحها بقصيدة منها هذا البيت:\nإن كان تابع أحمد متوهبًا ... فأنا المقر بأنني وهابي\nوالأمير الشيخ الصنعاني: محمد بن إسماعيل، وهو من اليمن وجيهًا وعالمًا ومع أن مذهبه الفقهي زيدي فإنه درس هذه الدعوة وأحبها ومدحها ومدح الشيخ بقصيدة بدأها بقوله: -\nسلام على نجد ومن حل في نجد وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي\nومثله الإمام الشوكاني من اليمن أيضًا. (٢) .\n\nوالشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ﵀ الذي مر بنا ذكره وهو من علماء المغرب وحسني ينتمي للعائلة المالكية يقول عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن قصيدة: -\n_________\n(١) - انظر تاريخ أفريقيا الشمالية لشارلي جوليان ترجمة محمد مزالي والبشير بن سلامة ٢: ٣١١.\n(٢) - يراجع في هذا ما ذكره الشيخ ابن سحمان في الدرر السنية وبها القصائد. وكتاب الدكتور عبد الله أبو داهش وهو من أدب الدعوة في جنوب الجزيرة - رسالة دكتوراه.","vol":"1","page":34},{"text":"نسبوا إلى الوهاب خير عبادة فياحبذا نسبي إلى الوهابي\nوقد استعنت بالله في إخراج هذه الرسالة المختصرة \" تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية \" حتى تسهل القراءة لأن المطولات في هذا العصر قد لا تقرأ إلا من ذوي الاختصاص وأرجو أن تتحقق منها الفائدة في إزالة اللبس وتنقشع الغشاوة التي أراد بها أعداء الإسلام والراغبون في الإضرار بالمسلمين بلبلة الأفكار وبث الفرقة ... لعل الله أن يصحح المفاهيم وينير الأذهان والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.\n\nد. محمد سعد الشويعر","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:\nفلقد كان بحمد الله لمقالي الذي نشرته منذ أربعة أعوام حول تصحيح مفهوم تاريخي أثر طيب، عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنه لا علاقة للوهابية الرستمية بالدعوة السلفية التي جددها الشيخ محمد ﵀.\nوقد كانت مبادرة من أستاذ كريم بإحدى جامعات المغرب الشقيق طالبًا المزيد من التفصيل لذلك الموضوع.\nوهذه الرسالة الموجزة ما هي إلا استجابة لمطلبه، وتوضيحًا لمكانة قادة وعلماء المغرب من الرغبة الأكيدة بالدفاع عن هذا الدين، وتحرى الأصوب فيما يتجهون إليه.\nوقد حاولت أن تكون وجهة النظر التي أطرح في هذا البحث مستندة على مصدر معتمد في نقل الأحداث. وقد حققت الطبعة الأولى من هذا الكتاب تجاوبًا حسنًا، ورغبة في استجلاء الحقيقة التي حرصت على تجليتها خدمة للعلم، وأداء للأمانة، وتأليفًا للقلوب في مسيرة الإسلام الخيرة التي رسم معالمها سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ قبل أربعة عشر قرنًا وتوفي بعد أن ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك. كما قال ﷺ وهأنذا أقدم للقارئ الكريم الطبعة الثانية مزادة ومنقحة جعل الله الحق رائدنا، والحقيقة منطلقنا، والألفة تجمعنا، والجنة مستقرنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\n\nمحمد الشويعر\nالرياض في ١٥/٥/١٤٠٩هـ","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تمهيد: </span>-\n\nإذ كان المثل يقول الناس أعداء ما جهلوا ... فإن بعض الناس أيضًا أعداء ما خالف شهواتهم وتعارض مع مصالحهم الشخصية.\n\nوالحكم الفصل فيما يجب أن ينطلق منه الفرد في رأيه وحكمه هو عرض الأمور على مصدر التشريع السماوي الذي لا يأتيه الباطل ولا يتطرق إليه الشك.\n\nوالمسلمون في كل مكان مأمورون قبل انطلاقهم نحو وجهة نظر معينة في أمور العقيدة وكل ما له صلة بالدين وقبل القدح أو المدح أن يرجعوا لمصدري التشريع في دينهم وهما:\nكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ.\nفمن أتى بشيء يخالفهما نبذ ومن سار وفقهما قولًا وعملًا أيد ونصر.\n\nهذا حكم فيما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم وهو الوعي والإدراك والتحليل والتأكيد بحيث لا يكون إمعة ينقل صدى الآخرين ويستغله أعداء دين الإسلام وهو لا يدري.\nوقصة بني المصطلق التي نزل بشأنها قرآن يتلى حيث يقول جل وعلا ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعتم نادمين﴾ (١) فيها درس عملي للفئة المؤمنة التي تحرص على دينها وعلاقاتها بإخوانها المؤمنين بأن تتوثق من كل إشاعة ترمي إلى خلخلة الصف وبذر الشحناء وإتاحة الفرصة للفرقة.\n_________\n(١) - سورة الحجرات آية رقم ٦.","vol":"1","page":39},{"text":"فما اكثر الأعداء الذين يحاولون الغرر بالمسلمين وإيجاد مبررات التخاذل لمباعدتهم عن حقيقة الإسلام وصفاءه وإدخال أشياء على المسلمين في دينهم هي من جذور طقوس الديانة اليهودية والنصرانية التي أفسدت حقيقة تلك الديانات السماوية من قبل بما دخلها من تبديل في محاولة دؤوبة لبثها في صفوف المسلمين عن طريق بعض عبادهم وعلمائهم.\nوهدفهم من هذا أن يتساووا معهم في المعصية والمخالفة ليسهل بذلك النفاذ إلى المجتمع ثم عن هذا الطريق إدخال أشياء تباعد المسلمين عن الإسلام ومع الزمن والتساهل تتسع الشقة ويكثر البعد فيصبح الإسلام غريبًا على أبنائه.\n\nيروى عن سفيان الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) ﵀ أنه قال: \"من فسد من علماء المسلمين ففيه شبه باليهود الذين معهم علم ولم يعملوا به ومن فسد من عباد المسلمين ففيه شبه بالنصارى الذين يعبدون الله على جهل وضلال\" نسأل الله السلامة والعافية (١) .\nومن هنا جاءت نقاوة الإسلام في التشريع وصفاؤه في العقيدة وسطًا في العمل ووسطًا في القول ووسطًا في الاعتقاد وقمة في العلاقة مع الله وقد جعل الله أمة الإسلام وسطًا بين الأمم في كل شئ قال تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا﴾ (٢)\n\nفأمة الإسلام وسط بين رهبانية النصارى وغلوهم في عيسى ﵇ اعتقادا وفي عبادتهم بالضلال والجهل واتباعهم لرجال الكنيسة بدون فهم أو مناقشة.\n_________\n(١) - بعضهم ينسبه لغياث بن عيينه ﵀.\n(٢) - سورة البقرة الآية ١٤٣ وراجع أقوال سيد قطب في الظلال على دلالة الوسط.","vol":"1","page":40},{"text":"وبين تحايل اليهود وكذبهم وادعائهم على الله جل وعلا وأنبيائه ﵈ بما تصف ألسنتهم وتعمدهم الضلال والإضلال وإخفائه للحقائق العلمية والعقيدة في الديانة التي جاءتهم من عند الله على ألسنة الأنبياء والرسل من باب الإفساد والمخالفة.\n\nوالتاريخ الإسلامي يشير إلى أن الجهل فشي في المجتمعات الإسلامية في نهاية الخلافة العباسية بعد ما كثرت العجمة وقل العلم وتأثر الناس بفلسفة الرومان وعلوم فارس والهند.\n\nوقبل ذلك وفي أثناءه كان التأثر في أطراف الدولة أكثر حيث نشأت فرق كثيرة لها معتقدات متباينة ونماذج شتى في الاتجاه والهدف وضع بذورها اليهودي عبد الله بن سبأ الذي أسلم مخادعة حتى وجد فرصة ملائمة لبث روح الفرقة بين المسلمين في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.\nونشأت أول فرقة باسم الفرقة السبأية وهو الذي أسسها.\n\nوقد تحدثت بعض الكتب كالملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيميه في فتاواه وكتبه عن تلك الفرق ومعتقداتها وكيفية نشأتها وما تخالف فيه أهل السنة والجماعة.\nويمتاز ابن تيميه ﵀ بالرد على بعض تلك الفرق والتنويه عن معتقدات أصحابها وأعمال البعض الآخر.\nومن يتبع الحركات الفكرية والعقيدة الإسلامية في العالم الإسلامي منذ ذلك التاريخ يلمس هذا جيدًا حيث برز الصراع الفكري في المجتمع على أعقاب تعلق بعض المسلمين بفلسفة اليونان وعلوم فارس والهند.","vol":"1","page":41},{"text":"والمجتمع الإسلامي لا يعدم وجود أناس يدركون ما تنطوي عليه تلك الأفكار وما يندس في ثناياها من معتقدات وافدة على عقيدة الإسلام الصحيحة النقية فيصححون لمن حولهم ما أدخل في بيئتهم وما يراد لعقيدتهم لأن جميع الملل والنحل في الأرض تريد أن تضل المسلمين عن دينهم الحق إن استطاعوا. قال تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ (١) .\n\nوهذه حكمة أرادها الله في صراع الحق بالباطل لتسترشد العقول وتتفهم الأفئدة فيرجع للصواب من الله به خيرًا لأن الحق واضح بالدليل النقلي والعقلي.\nوهذا جزء من مهمات الدعوة والتوضيح التي حمل بها بنوا إسرائيل وتخلوا عنها عنادًا ومكابرة فكان لزامًا على علماء المسلمين العارفين الخائفين من عقاب الله ونقمته الأنبراء لدعوة الناس إلى المنهج المحمدي في العقيدة والعبادة وتصحيح المفاهيم العقدية حسبما أمر الله في كتابه ودعا إليه نبيه الكريم ثم ما سار عليه أصحابه ومن تبعهم بإحسان امتثالًا وتطبيقًا.\nولا تعدم كل دعوة سليمة وصحيحة في كل زمان ومكان وجود أعداء وخصوم إما عن جهل أو لتعصب شخصي أو لمآرب خاصة ومصالح ذاتية \" فالهوى يعمي ويصم \" فيحرك تلك النوازع أمثال هؤلاء ليشهروا السلاح في وجه الإسلام علانية أو بالاستتار فيلصقوا التهم ضد الدعاة المخلصين ويستعينوا بالكذب والافتراء لبلبلة الأفكار ثم بوضع الألقاب المنفرة لنزع الثقة من هؤلاء الدعاة حتى يعمي الأمر على الغالبية\n_________\n(١) - سورة البقرة ٢١٧.","vol":"1","page":42},{"text":"العظمى من الناس وهم العامة الذين لا يقرؤون ولا يبحثون.\nودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية التصحيحية التي نبعت من وسط الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر في وقت كان المسلمون - لا في الجزيرة العربية وحدها بل في كل مكان أحوج ما يكونون إليها لإنقاذهم من الجهل الذي ران عليهم وتصحيح مفاهيمهم في أمور العقيدة والعبادات التي أشدها الجهل بأمور الدين والإقتداء بعلماء يجهلون أمور دينهم كما أخبر بذلك الصادق المصدوق فيما يخشاه على أمته من العلماء المضلين الذين يفتون بغير ما أنزل الله فيضلون ويضلون في قوله الكريم \" إن الله لا ينزع العلم بعد ما أعطاكموه انتزاعًا ولكن ينتزعه مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال فيستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون \" (١) .\n\nفقد جاءت دعوة الشيخ محمد لإزالة ما علق بتعاليم الإسلام من شوائب وتصحيح ما أدخل على التوحيد وخاصة توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات من مشاركة للمخلوق مع الخالق في صرف ما هو لله جل وعلا مقرونًا بالمخلوق في العمل والاعتقاد وتعطيل أسماء الله وصفاته جل وعلا أو نفيها والسير خلف تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان.\n\nفصار التوحيد بأقسامه الثلاثة: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات مشوبًا بما يكدره حيث دخل عليها في المعتقد ما يصرفها عن حقيقتها نظرًا للتأثر بالمعتقدات البعيدة عن المنهج الذي جاء به\n_________\n(١) - رواه البخاري عن عروة عن عبد الله بن عمرو بن العاص.","vol":"1","page":43},{"text":"المصطفى ﷺ ثم الإقتداء بأصحابها بعد أن بهرهم القول وأعجبهم المظاهر والدعوات لأمثال من قال الله فيهم ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ (١) .\nوما ذلك إلا لأن النفوس خليت من القاعدة المكينة وهو العلم والإدراك بما شرع الله لخلقه ومعرفة الحكمة من إيجادهم للحياة.\nلقد نشأ عن ذلك الضعف العلمي ونقص في الإدراك وتقليد للأمم الغلبة والمؤثرة فكثرت الطرق الصوفية التي بدأت برغبة دينية وحرص على التبتل والمحافظة على الإسلام فكانت بدايتها طيبة وهدفها نبيل.\n\nإلا أن الجهل ورغبة التوارث لهذه المكانة الاجتماعية التي جاءت باسم المنصب الديني قد جاء برجال لا علم عندهم ولا قدرة لديهم في فهم رأي الشريعة الإسلامية في كثير من الأمور وهذا ما كان يخشاه ﷺ على أمته.\n\nومن ينظر في إزالة الحجب ورفع التكاليف وأعمال المريدين والأقطاب عند الطرق الصوفية ويربط هذا بالغفران لدى النصارى ومكانة أصحاب الألقاب في الكنيسة وطقوس الميلاد وصكوك الغفران يرى أن أحدهما استمد من الآخر في هذه الجوانب وفي جوانب أخرى.\n\nولكي يعود للإسلام نقاوته وصفاؤه من كل شوائب دخيلة عن جهل أو تقليد سواء من الديانة اليهودية أو النصرانية أو من جذور الجاهلية فإنه\n_________\n(١) - سورة البقرة آية ٢٠٤ - ٢٠٥.","vol":"1","page":44},{"text":"لابد من الامتثال لأمر الله جل وعلا في مثل قوله سبحانه ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ (١) .\nوإن علماء المسلمين العارفين بأمور دينهم فهمًا حقيقيًا لهم الذين عليهم دور التوضيح والإرشاد والتوجيه والتبيين حسبما يأمرهم بهذا مصدر التشريع في الإسلام كتاب الله وسنة رسوله الأمين ﷺ الصحيحة الثابتة التي خدمنا فيها علماء الحديث المعروفون.\nوهذا ما يجب أن يعيه كل داعيه ويهتم به كل عالم من علماء المسلمين.\nوفي تاريخ الدعاة والمصلحين صفحات مشرقة نتيجة اهتمامهم وانطلاقهم في دعوة الناس من ذلك النبع الصافي الفياض والمعين الزاخر الذي لا ينضب.\n\nوالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ واحد من ذلك الجيش الذي انتهج طريقًا يتفق مع رسالة الصفوة الأولى من التابعين واتباعهم بإحسان للإصلاح والعم فقد أدرك ما يعيش فيه مجتمعه من صوفية متطرفة رغم وفرة العلماء وما سار عليه أبناء جلدته من تعلق بالقبور التي لا تنفع ولا تضر وتبرك بالأحجار الجامدة ووضع الكلام في غير محله.\n\nفكان الناس يتعقلون بتلك الجمادات طلبًا للنفع أو دفعًا للضر ونسوا أن الله هو النافع الضار القادر على كل شئ وإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم.\n_________\n(١) - سورة البقرة آية ١٢٠.","vol":"1","page":45},{"text":"لقد شق هذا الأمر عليه لما فيه من جرأة على الخالق بصرف القلب والعمل إلى غيره مع أنه هو المنعم والمتفضل سبحانه بكل شئ.\n\nويمكن وصف حالة المجتمع الإسلامي في كل مكان ذلك الوقت وليس في نجد وحدها بما قاله المؤرخ الأمريكي لوثروب ستودارد بمثل هذه الكلمات \" أما الذين غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة سجفًا من الخرافات وقشور الصوفية وخلت المساجد من أرباب الصلوات وكثر عدد الأدعياء الجهلاء وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التعاويذ ويوهمون الناس بالأباطيل والشبهات ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء وزينوا للناس الشفاعة من فناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى من كان يدعي الإسلام لغضب \".\nهذه - كما قال الشيخ عبد الله خياط إمام وخطيب الحرم المكي الشريف - شهادة حق من عدو منصف لم يعرف عنه الدخول في الإسلام يصف واقع الإسلام والمجتمع الإسلامي في القرن الثاني عشر الهجري وما وصل إليه من الانحطاط والتدني (١)\n\nويقول الأمير شكيب أرسلان عن هذا المؤرخ: لو أن فيلسوفًا من فلاسفة الإسلام أراد تشخيص حالة الإسلام في هذه القرون الأخيرة\n_________\n(١) - ضمن مقال نشر لفضيلته في عكاظ في شهر جمادى الأولى من عام ١٤٠٤ هـ وانظر كتاب الإمام محمد بن عبد الوهاب للأستاذ عبد الله بن رويشد ج ٢ ص ٢٤٥ - ٢٤٦ نقلًا عن كتاب \" حضارة العالم الإسلامي \".","vol":"1","page":46},{"text":"ما أمكنه يصيب المحز ويطبق المفصل، تطبيق هذا الكاتب الأمريكي استودارد.\n\nونجد والجزيرة العربية لم تكن تختلف عن ديار الإسلام في ذلك الوقت فقد تغلب الباطل على الحق في أكثر ديار الإسلام وكثرت البدع والخرافات فالعلماء موجودون ولكنهم لا يرشدون الناس للطريق الأقوم بل أضلوهم وأفسدوا عقائدهم.\n\nوقد ذكر المؤرخان النجديان: حسين بن غنام الإحسائي ثم النجدي المتوفى عام ١٢٢٥ هـ، وعثمان بن بشر المتوفى عام ١٢٩٠ هـ، نماذج مما آلت إليه حالة الناس في العقيدة والعبادة في البلاد الإسلامية والعربية وفي نجد بصفة خاصة باعتبارهما يعرفان عن كثب وعرفا واقع الناس وما هم فيه.\nفابن غنام عاصر الدعوة من بدايتها وأدرك دور الشيخ محمد ومكانته في نقل الناس من حال إلى حال وتفانيه في سبيل الدعوة. قد أحب هذه الدعوة وأرخ لها وانتقل من أجلها من بلدة الأحساء وسكن الدرعية، حيث توفي بها، نراه في كتابه التاريخي يصف البلاد العربية عامة ونجد بصفة خاصة ويضرب الأمثال بانحراف الناس إلى الوثنية بقبر زيد بن الخطاب الذي كان عليه قبة وله مزار في بلدة الجبيلة قرب الرياض إلى جانب قبور وقباب أخرى لبعض الصحابة الذين قتلوا في حروب الردة ثم ذكر ما كان يعتنق الناس عندها من الشرك بالله من دعاء ونذور وتبرك وتوسل من دون الله ولم يقتصر الأمر على القبور بل تعداها إلى الشجر والحجر والشياطين (١) .\n_________\n(١) - راجع تاريخ ابن غنام ج ١ ص ٥ - ١٨.","vol":"1","page":47},{"text":"ونأخذ من تاريخ ابن غنام الذي عاصر الأحداث وسجلها فكرة ومن تاريخ خلفه ابن بشر الذي أدرك كثيرًا من مجريات الأحداث بأن نجدًا قد نالها ما نالها من بلاد الإسلام من الانحراف والتدهور العقدي (١)، الذي يحركه أصحاب المصالح ومشايخ الطرق.\n\nومن هنا بدأت غيرة الشيخ محمد وتحركت همته للدعوة أداء لرسالة المعرفة وتنفيذًا لما يأمره به العلم حيث رأى أن العلم لا بد أن يقترن بالعمل وأن الأمانة توضيح ما خفي على الناس وما يجب عليهم عمله ويتحتم عليه تركه من أمور هي من الإسلام تركت وأشياء أدخلت عليه وسارت في حياة الناس على أنها من مستلزمات العقيدة أو جزء من أوامر الدين وهم لا يدركون الحقيقة.\n\nذلك أن العلماء المنتفعون أو الجهلة المتعالون ورجال الطرق الصوفية قد لبسوا الأمر وأفسدوا المعتقدات وصرفوا الناس عن الفهم الحقيقي لشرائع الإسلام ووجهوهم إلى ما يحلوا لهم في المكتسب الدنيوي والاستعلاء في السيادة.\nفكان يقينًا أن تلقى هذه الدعوة التصحيحية السلفية جحودًا ونكرانًا من المقربين العارفين وتوجسًا وخيفة من الآخرين المتطلعين وعداء من الخصوم وأرباب المصالح.\n\nومن هنا بدأت الاتهامات تتوافد والسهام تشرع والأفكار تعمل لحبك الأكاذيب واختراع الألقاب المنفرة.\n\nوهذا شئ ينتظر في كل أمر جديد وفكر مناهض لما ألفه الناس\n_________\n(١) - راجع تاريخ ابن بشر: عنوان المجد في تاريخ نجد ج ١ ص ٣٤ - ٣٥. ص ٤٤ -٤٥.","vol":"1","page":48},{"text":"وساروا عليه قولًا، وعملًا فقديمًا قال عرب الجاهلية للنبي ﷺ \" إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون \" (١) .\n\nلكنه غير مقبول بعد انتهاء فترة الاختبار وظهور الحجة الساطعة بعد البلوى والامتحان وبعد النقاش والحوار والمداولة والمجادلة.\n\nفقد أثبتت المراسلات الهادئة والكتابات الهادفة وآراء العلماء المتزنين الذين حاوروا في مكة مجموعة من علماء الدعوة بأن الإمام سعود بن عبد العزيز الذي سار على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم ينتهج أمرًا بدعًا ولم يخالف في دعوته ما صح عن رسول الله ﷺ وأن الشيخ محمدًا لم يستدل في كتبه بغير الآيات القرآنية الكريمات والأحاديث النبوية الصحيحة حسبما دار من حوله بين علماء مكة وعلماء نجد ذلك الوقت وبين ابن سعود وعلماء نجد من جانب وعلماء المغرب من جانب آخر عام ١٢٢٦ هـ كما رصد ذلك في تاريخ المغرب (٢) .\nوسوف أستعرض في هذا البحث أسماء بعض العلماء من نجد الذين ناوؤوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وخرجوا من نجد يحملون العداء للدعوة والكذب عليها وتشويهها أمام المسلمين فاقتنع بكلامهم ودعواهم البعيدون وتأثروا بمقالاتهم بينما لم يعرفوا عن الدعوة شيئًا من غير هذا الجانب ولم يدركوا سبب الافتراء عليها ومبررات الكذب والبهتان ضد الشيخ محمد ودعوته.\n_________\n(١) - سورة الزخرف آية ٢٣.\n(٢) - راجع في هذا الكتاب الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام ج ١٠ ص ٧٠ - ٧١، وكتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج ٨ ص ١٢٠ - ١٢٢. وانظر البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد الطبعة الأولى عام ١٢٤٤ هـ.","vol":"1","page":49},{"text":"وقد نلتمس لبعض العلماء في ديار الإسلام عذرًا إذ جاءهم أناس من أبناء المنطقة يجأرون إليهم ويصفون الدعوة بنعوت قد توافق أهواء في النفوس أثار بعضها أصحاب المصالح من الدول الاستعمارية ويحرك ذلك ما عرف لدى العلماء من حسد وتناحر وتعصب واختلاف.\n\nكما دفعني للحديث في هذا الموضوع: كتاب فقهي قديم على مذهب الإمام مالك له رغبة كبيرة في نفوس إخواننا المغاربة وقد طبع حديثًا في بيروت عن طريق دار الغرب الإسلامي اسم الكتاب \" المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء أفريقيا والأندلس والمغرب \". والمؤلف هو: احمد بن يحيى الونشريسي. وقد نشرته دار الغرب الإسلامي في بيروت عام ١٤٠١ هـ، ١٩٨١ هـ.\n\nلقد لفت نظري ما رأيت في الجزء ١١ ص ١٦٨ تحت عنوان سؤال جاء العبارة: كيف يعامل معتنقوا المذهب الوهابي؟؟!!\n\nوهو سؤال ملفت للنظر ومثير للانتباه خاصة وأن دعوة السيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الإصلاحية التجديدية المصححة لأمور العقيدة الإسلامية مما داخلها قد كادت لا تعرف إلا بهذا الاسم الذي أطلقه أعداؤها على هذه الدعوة ومن يتعاطف معها أو يسير على منوالها حتى ولو كان لا يعرف من هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا أين قامت دعوته؟؟!!\n\nهذا الاصطلاح جاء من باب التنفير حيث حركت ذلك اللقب ودعت إليه بعض الطرق الصوفية ومصالحها أو الرغبة في تفكيك المسلمين ومباعدتهم عن دينهم الحقيقي حسب منهج رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين.","vol":"1","page":50},{"text":"فوافق ذلك هوى في نفوس أعداء الدين الإسلامي الحريصين على تفكيك وحدة المسلمين وتفتيت ما بين أبناء الإسلام من أواصر ومحبة يدعو إليها دينهم وتهتم بها تعاليمه:\n﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون. يآيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم﴾ (١) .\n\" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر \" (٢) .\nوما ذلك إلا لإذكاء روح التناحر والبغضاء في صفوف المسلمين لأنهم أدركوا تأثير الكلمة فيما يتعلق بأمور الدين من جهة ومن أخرى فلأن نسبة الأمية آنذاك في العالم الإسلامي عالية جدًا فالناس لا يقرؤون ليعرفوا ولا يفهمون إلا ما يقال لهم عن طريق أناس نصبوا من أنفسهم علماء وهم أدعياء للعلم حيث توجههم السلطات ويرون أن ما خرج عن هؤلاء يجب أن يعتقده الناس رغم وجود أصوات تنادي بالحق وتدعوا إليه بسطًا وتوجيهًا ولكن عينهم بصيرة ويدهم قصيرة كما يقال.\n\nوقد ذكر الشيخ عبد الله عبد الغني خياط إمام وخطيب الحرم المكي الشريف في لمحاته التي تصدر كل ثلاثاء في جريدة عكاظ بأن الأستاذ احمد علي الكاظمي قد أورد في كتاب ألفه كلمة قصيرة عن ضابط بريطاني اسمه \" هارفورد برايجس \" كان يقيم في العراق كوكيل سياسي من سنة ١١٩٩ هـ إلى سنة ١٢٠٩ هـ وكان يعاصر الإمام محمد وكانت له صلات مع الأمير سعود بن عبد العزيز - الذي أصبح فيما بعد الحاكم الثالث للدولة السعودية الأولى بعد أن تولى الأمر بعد مقتل والده عام ١٢١٨ هـ - ولهذا الضابط\n_________\n(١) - سورة الحجرات آية ١٠.\n(٢) - حديث رواه الترمذي","vol":"1","page":51},{"text":"تاريخ موجز عن الوهابية - ونص الكلمة كالآتي: \" لقد أشاع الباب العالي أن ابن سعود كان يمنع الناس من زيارة المدينة المنورة ولكن الصحيح أنه كان يمنع الناس من ارتكاب أعمال الشرك أمام الروضة كما منع الناس من عبادة الأولياء \".\nوقد ظن البسطاء اعتمادًا على قول أصحاب النفوذ من ولاة وغيرهم أن الوهابية أو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية - كفر وأن من يسير عليها إنما هو كافر.\n\nولكن الصحيح الذي عرفه كل من اهتم بدراسة ذلك المعتقد أن الشيخ محمد وأتباعه يسيرون على نهج الكتاب والسنة في الأصول.\n\nأما في الفقه - وهو الاتجاه المذهبي - فوفق الفقه الحنبلي وليسوا مذهبًا خامسًا كما أطلقوا عليهم من باب التنفير لدى العامة والفقه الحنبلي قد انتقل إلى نجد قبل ولادة الشيخ محمد بأكثر من قرن أتى به الدارسون في مدرسة الصالحية بدمشق والدراسون في مصر وقبله كان السائد المالكي والحنفي.\n\nوقد صدق برخاردت في قوله: إن كل ما أشيع عن الوهابية سببه سوء فهم حقيقة الوهابية التي لم تكن إلا تطهيرًا داخليًا للإسلام.\n\nفهذه شهادة قررها من لا يتعرف بالإسلام كدين غير أنه منصف حكى الواقع الذي لا مرية فيه وقد قال بمثل هذا الرأي كل من: الأستاذ منح هارون في الرد على الكاتب الإنجليزي كونت ويلز والباحث الأمريكي لوثروب ستودارد في كتاب \" حاضر العالم الإسلامي \".\n\nوالمستشرق الألماني كارل بروكلمان في كتابه \" تاريخ الشعوب الإسلامية \" الذي تناول هذه الحركة بالدرس والتحليل في الجزء الرابع.\nوالمؤرخ الألماني داكوبورت فون ميكوس في كتابه \" عبد العزيز \" وصدر بألمانيا عام ١٩٥٣ م.","vol":"1","page":52},{"text":"والأستاذ ديلفرد كانتول في كتابه \"الإسلام في نظر الغرب\" وقد ألفه جماعة من المستشرقين.\nوالعالم الفرنسي برنارد لويس في كتابه \" العرب في التاريخ \".\nوالمستشرق النمساوي جولد زيهر في كتابه \" العقيدة والشريعة \".\nوالمستشرق الإنجليزي جب في كتابه \" المحمدية \".\nوالمستشرق الفرنسي سيديو في كتابه \" تاريخ العرب العام \".\nودائرة المعارف البريطانية التي جاء فيها \" الوهابية اسم لحركة التطهير في الإسلام والوهابيون يتبعون تعاليم الرسول وحده ويهملون ما سواها وأعداء الوهابية هم أعداء للإسلام الصحيح \" (١) .\n\nأما في بعض ديار الإسلام فهناك أصوات منصفة مسلمة قالت الحق لأنه الحق الذي يجب إبلاغه للناس عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل:\n- الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي في كتابه \" صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان\".\n- الشيخ محمود شكري الألوسي العراقي في كتاب ألفه عن تاريخ نجد.\n- الشيخ أحمد بن سعيد البغدادي - العراقي في كتابه \" نديم الأديب \".\n_________\n(١) - راجع كتاب محمد بن عبد الوهاب للأستاذ عبد الله ابن رويشد ج ٢ من ص ٣٤٥ - ٣٥٤ وفيه مقتطفات من كلام هؤلاء.","vol":"1","page":53},{"text":"الشيخ جمال الدين القاسمي، والشيخ عبد الرازق البيطار، والشيخ طاهر الجزائري، والشيخ محمد كامل القصاب في أرض الشام حيث درسها هؤلاء فأعجبوا بها ورأوا أنها على حق وصواب فنشروها في المجتمع الشامي مما دفع السلطات العثمانية إلى إحالة عميد الحركة الشيخ جمال الدين القاسمي إلى القضاء في عام ١٩٠٨ م وقد برأه القضاء.\nهذا إلى جانب آراء كثير من العلماء مثل:\nالسيد محمد رشيد رضا في كتابه \" محاورة المصلح والمقلد، وكتابه الآخر \" الوهابيون والحجاز \"، وما ينشره في مجلة المنار. ومحمد كرد علي، وشكيب أرسلان، وفيليب حتى، وأمين سعيد، وعلي الطنطاوي، والزركلي، ومحمد جميل بيهم، وعمر أبو النصر، وعبد المتعال الصعيدي في \" المجددون \"، وحامد الفقي في \" أثر الدعوة الوهابية \"، وعبد العزيز بكر في \" الأدب العربي وتاريخه \"، ومصطفى الحفناوي، والدكتور أحمد أمين في \" زعماء الإصلاح، ومحمد قاسم في \" تاريخ أوروبا ومناع القطان في دعوة الإسلام \"، وعبد الكريم الخطيب في \" محمد بن عبد الوهاب \"، ومحمد ضياء الدين في مجلة الإرشاد الكويتية رجب عام ١٣٧٣ هـ. والدكتور محمد بن عبد الله ماضي \" حاضر العالم الإسلامي \". وأحمد حسين في \" مشاهداتي في جزيرة العرب \" بعد أدى فريضة الحج عام ١٩٤٨ م (١٣٦٧ هـ) . والعقاد في \" الإسلام في القرن العشرين \"، وطه حسين في بحث نشره عام ١٣٥٤ هـ عن الحياة الأدبية في جزيرة العرب (١) . والشيخ أحمد بن حجر القاضي بقطر في كتابه \" الشيخ محمد بن عبد الوهاب \"، ومسعود الندوي في كتابه \" مصطلح مظلوم ومفترى عليه \"، والدكتور محمد جميل غازي في كتابه \" مجدد القرن الثاني عشر، وأمين\n_________\n(١) - راجع مقتطفات من هذه الأقوال في \" محمد بن عبد الوهاب \" لابن رويشد ج ٢ ص ٢٧٥ - ٣٦٠.","vol":"1","page":54},{"text":"سعيد في كتابه \" سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب \"، ومسلم الجهني في كتابه \" أثر حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العالم الإسلامي \" وغيرهم كثير جدًا.\nوإن ما يرى ويلمس عن تسمية الدعوة السلفية بالوهابية فهو مما أطلقه خصوم هذه الدعوة السلفية التصحيحية، التي نبعت من الجزيرة العربية غيرة على دين الله ولإزالة ما علق بتعاليم الإسلام من شوائب وما أدخل على التوحيد من مشاركة للمخلوق مع الخالق في صرف ما هو له جل وعلا مقرونًا بالمخلوق وفي هذا منافاة لمضمون الحديث القدسي الذي جاء فيه قول الله جل وعلا \" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه \" (١) .\n\nومن باب ربط السبب بالمسبب ومحاولة التصحيح لما علق بأذهان الناس عبر مدة زمنية طويلة نقول: إن أولئك الخصوم أعطوا هذه الدعوة اصطلاحًا في اللقب هو \" الوهابية \" من باب التنفير والتشويه وتلقفها من جاء بعدهم حيث إن أول من حرك ذلك الاصطلاح ودعي إليه أصحاب بعض الطرق الصوفية والدراويش التي أخطأت هي في فهم الدين الإسلامي على نقاوته وكما يجب أن يفهم ليتعبد الناس به خالقهم كما أمروا بذلك لأن الإسلام لا رهبانية فيه.\n\nوما ذلك إلا أن بعض القائمين على تلك الطرق يحكمون الجانب الذاتي فلا يهتمون إلا بما يتوفر لهم من مصالح ومكاسب دنيوية يخشون ضياعها ونسوا أن تعاليم الإسلام وشرائعه أسمى من ذلك وأن إخلاص العمل يجب أن يراد به الله جل وعلا وحده.\n_________\n(١) - اخرجه مسلم في باب ارياء عن زهير ابن حرب ص ٢٩١ الأحاديث القدسية.","vol":"1","page":55},{"text":"وسلاحهم في الوصول لما يريدون: التضليل على العوام والتلبيس أمام السلطة وتخويفها من هذا الصوت الجديد على مصالحها من باب استعدائها عليه.\n\nفتلقف ذلك أعداء الإسلام حيث لقي هوى في نفوسهم لحرصهم على تفكيك وحدة المسلمين وغرس بذور الشر بينهم لأنهم أدركوا ووعوا خطر ما ترمي إليه الدعوة الصحيحة لدين الإسلام وإذكاء الحماسة الدينية لدى المسلمين على مصالحهم وسيطرتهم على ديار الإسلام.\nوهذا الموضوع وإن كان قد كتب الناس فيه كثيرًا نسأل الله أن ينفع المسلمين بما كتب لهم وأن يعيد ضالهم إلى الطريق الأقوم فهو سبحانه القادر على ذلك.\n\nإلا أن الذي لفت نظري ودفعني للحديث في هذا الجانب هو ما وجدته في ذلك الكتاب الفقهي القديم على مذهب الإمام مالك ﵀ حيث أثار انتباهي كما قلت من قبل عنوان هذا السؤال: كيف يعامل معتنقوا المذهب الوهابي؟؟!! (١)\n\nوفي قراءتي لنص السؤال وجدته كما يلي:\n\nسئل اللخمي عن قوم من الوهبية سكنوا بين أظهر المسلمين زمانًا وأظهروا الآن مذهبهم وبنوا مسجدًا.. إلى آخر ما جاء في السؤال ... الذي ختمه بقوله: فهل لمن بسط الله يده في الأرض الإنكار عليهم وضربهم وسجنهم حتى يتوبوا من ذلك؟؟\n\nولما كان الجواب فيه قساوة وحدة ولم يفصل عن هذه الفرقة وما إذا كانت نسبة إلى عبد الله بن وهب الراسبي الخارجي المتوفي عام ٣٨ هـ في وقعة\n_________\n(١) - انظر ص ٢٠ من هذا البحث.","vol":"1","page":56},{"text":"النهروان مع علي بن أبي طالب ﵁ لأنه قد خرج عليه بعد التحكيم (١) أو نسبة إلى شئ آخر أيًا كان زمانه ومكانه.\n\nوأنه لم يشر فيه إلى شئ غير هذا بل إن أحد الاخوة من المغرب العربي قد فهم كما يتبادر للذهن لدى آخرين بأن المقصود من ذلك دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأن المعهود الذكرى يتغلب على ما يراد بحثه واستقصاؤه ومع هذا فإن صاحب هذا الفهم من ذوي العلم والمكانة حيث جرى معه حوار تراجع - بحمد الله - عن فهمه السابق بموجبه وهذه الرسالة استجابة لمطلبه.\nوقد يعذر هو غيره لأن الهجوم منصب على هذه الدعوة من كل جانب والدفاع عنها قليل ولأن هذه التسمية قد طغت وعمت وفتاوى علماء المغرب القديمة على الوهابية الرستمية الخارجية الأباضية تنفر الناس منها وتكفر أتباعها لما عرفوه عنها من مخالفة لأهل السنة والجماعة إذ قد أفتى غير اللخمي علماء آخرون كالشيخ السيوري.\n\nومن هنا فقد أحببت التثبت أولًا عمن يعني السائل والمجيب ثم إزالة ما في الأمر من لبس وجلاء ذلك الاشتباه الذي قد أدركه كثير من الناس من باب أمانة العالم وتوثيق المعلومات ولأن هذا اللبس قد امتدت بعض المفاهيم حوله وألبست ثوباُ جاهزًا على دعوة سلفية تباين ذلك الاتجاه وتخالفه.\n_________\n(١) - انظر الكامل لابن الأثير في حوادث عام ٣٨ هـ.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الوهابية أو الوهبية. . من هم</span>؟ !: -\n\nفي القرن الثاني الهجري وعلى يد عبد الوهاب بن رستم انتشرت في الشمال الإفريقي فرقة الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب هذا وهي فرقة متفرعة عن ألوهية الفرقة الإباضية الخارجية نسبة إلى مؤسسها الأصلي عبد الله بن وهب الراسبي وبعضهم يسميها الراسبية.\n\nولما كان أهل السنة بالمغرب كله يناوؤنها لأنها تخالفهم في هذا المعتقد وقد كفرهم كثير من علمائهم كما نلمس في فتاواهم القديمة.\n\nومن هنا أحببت التوثق من المصادر المهتمة بهذا ولذا فقد رجعت لترجمة حياة علي بن محمد اللخمي وهو الذي وجه إليه السؤال فإذا هو قد توفي عام ٤٧٨ هـ وأنه فقيه مالكي قيرواني الأصل توفى بسفاقس (١) .\n\nأما المؤلف أحمد بن يحيى الونشريسي فقد جاء على غلاف كل جزء من أجزاء المعيار - طرته - وتحت اسمه بأنه توفي بفاس عام ٩١٤ هـ.\n\nولما كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو صاحب الدعوة السلفية التصحيحية في نجد لم يكن قد ولد بعد حيث إن ولادته عام ١١١٥ هـ بالعينية وبدأ الدعوة مع الإمام محمد سعود بالدرعية منذ عام ١١٥٨ هـ.\nوعلى هذا فإن هذا الجواب الذي ترتب عن السؤال قد سبق ولادته بأكثر من ستمائة عام بالنسبة لوفاة المجيب وهو اللخمي وأكثر من مائتي عام بالنسبة لوفاة المؤلف الونشريسي.\n\nوكلا الأمرين يحدثان لبسًا لدى من يريد المقارنة ووضع الأمور في نصابها.\n_________\n(١) - انظر الحلل السندسية ص ١٤٣ والأعلام للزركلي ج ٥ ص ١٤٨.","vol":"1","page":58},{"text":"وهذا الأمر دفعني للبحث تأريخيًا في كتب المغرب عن أصل ذلك المذهب ومتى وجد لأن في الأمر لبسًا لابد من جلائه أما بمعرفة المقصود أو أن زيادة قد حصل في الكتاب لم يكن للمجيب والمؤلف ضلع فيها.\n\nخاصة وأن هذا السؤال وجوابه قد جاء في كلام الونشريسي مرة باسم الوهبية وأخرى بالوهابية ولم يعلق الناشر أو المحقق عليه بشيء مما يجعلني أعتقد أن كثيرًا من كتب المغاربة وخاصة منها ما يتعلق بالعقائد قد تعرض لمثل هذا بشيء من التوضيح في أماكن متفرقة.\n\nومن باب ربط الحوادث التاريخية بمصادرها وإشراك القارئ في قراءة ورصد ما تحفل به المصادر فإن الموضوع يحتاج إلى مراجعة تاريخية متفحصة لكي نعرف ما يحاول دسه أعداء الإسلام في تاريخ أمة الإسلام للتنفير من كل عمل تصحيحي عقدي في المجتمع الإسلامي لأنهم يعرفون حقيقة الإسلام وما يضفيه على أبنائه إذا ساروا على منهجه الصحيح جيدًا وما يعود على الأمة من ألفة ومحبة وترابط ولا تستطيع معه قوى الشر أن تنفذ لديار الإسلام أو تجد بين أبناء المسلمين مستقرًا أخذًا من حديث رسول الله لى الله عليه وسلم الذي قال فيه: \" أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وذكر منهن \" ونصرت بالرعب مسيرة شهر \" (١) .\n\nفلابد أن يجدوا منفذًا في ديار الإسلام للاستفادة من خيراتهم بالتركيز على كلمتهم المعهودة: فرق تسد. فسيادة أعداء الإسلام في ديار الإسلام وتمكنهم من التصرف في أمورهم واستثمار خيرات بلادهم والتسلط عليهم فكريًا كل هذا لا يتم إلا ببث الفرقة وإيجاد مسببات الشحناء ة وبذور الكراهية بين الأفراد والجماعات.\n_________\n(١) - متفق عليه.","vol":"1","page":59},{"text":"وأعداء الإسلام كالشيطان الذي يسترق السمع فإذا وجد كلمة بنى عليها كذبات كثيرة لإفساد ذات البين وبلبلة الأفكار.\n\nواستنتج هذا من بعض النصوص التاريخية والوقائع الزمنية التي وقع نظري على جزء منها تراءى أمامي أثناء البحث ما يلي عن الفرقة الوهابية التي بشمال أفريقيا:\n\n١) جاء في كتاب المعرب الكبير الجزء الثاني: العصر العباسي للدكتور السيد عبد العزيز سالم أن عبد الرحمن بن رستم الذي أسس الدولة الرستمية في مدينة تاهرت بالمغرب. عندما أحس بدنوا أجله في ١٧١ هـ أوصى بالأمر لسبعة من خيرة رجال الدولة الرستمية ومن بينهم ابنه عبد الوهاب ويزيد بن فنديك وقد بويع عبد الوهاب مما ترتب عليه نشوء خلاف بينه وبين ابن فنديك.\nوقد انقسمت الإباضية - التي هي ديانة ابن رستم ومن معه حيث نقلها من المشرق إلى المغرب - إلى فرقتين: الوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن ابن رستم، والنكارية، ودارت بيت الطرفين معارك ومقاتل تنهزم فيها النكارية إلى أن قتل زعيمها ابن قنديره وفي حالة ضعف من النكارية انضم إليهم الواصلية المعتزلة.\n\nوقد عزم عبد الوهاب هذا على الحج في آخر حياته إلا أن أتباعه نصحوه بالبقاء في \" نفوسة \" خوفًا عليه من العباسيين.\nوتوفي عبد الوهاب هذا الذي يعتبر مؤسس للدولة الرستمية ذات الاتساع في شمال إفريقيا عام ٢١١ هـ (١) .\n_________\n(١) - انظر هذا الكتاب ج ٢ ص ٥٥١ إلى ص ٥٥٧ طباعة دار النهضة العربية بيروت وفيه معلومات أشمل عن عبد الوهاب هذا ودولته.","vol":"1","page":60},{"text":"٢) أما المؤلف الفرنسي شارلي أندري فقد تحدث في كتابه \" تاريخ أفريقيا الشمالية \" تعريب محمد مزالي، والبشير بن سلامه عن مالك الخوارج ومن ضمنها مملكة تاهرت التي هي الدولة الرستيمة وقد أفاض في حديثه عن معتقداتها واتساعها ومعالمها الحضارية وتسميتها بالوهابية نسبة إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الذي خالف أهل ملته كما أبان بأنها تخالف أهل السنة في المعتقد (١) .\n٣) كما تحدث الفردبل في كتابه \" الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي \" من الفتح العربي حتى اليوم وقد ترجم هذا الكتاب عن الفرنسية عبد الرحمن بدوي في عدة مواضع وقال بأن الخوارج الوهبيين الذين سموا نسبة إلى عبد الله وهب الراسبي الذي قاتله الإمام علي بن أبي طالب ﵁ في النهروان هم خوارج أباضية.\n\nوعن انقسامهم أيضًا حيث قال: أباضية المغرب في تاهرت منهم وهم الذين كانت دولتهم الرستمية وكانوا أشد الفرق تعصبًا.\nثم قال عن أتباع عبد الوهاب بن رستم هذا الذي سميت فرقته بالوهابية نسبة إليه لما أحدثه في المذهب من تغيرات ومعتقدات: بأنهم أشد الأباضية تقوى وكانوا يكرهون الشيعة قدر كراهيتهم لأهل السنة (٢) .\nوالزركلي في الأعلام أخذ خلاصة من عشرة كتب تعرضت لسيرة الأباضية والدولة الرستمية في تيهرت بالجزائر ومما جاء في كلامه عنه بأن عبد الوهاب هذا ثاني الأئمة الرستميين من الأباضية فارسي الأصل كان مرشحًا للإمامة في حياة أبيه وجعلها أبوه شورى فوليها بعد وفاته بنحو شهر\n_________\n(١) - راجع الجزء الثاني من هذا الكتاب من ص ٤٠ إلى ص ٠ ومواطن أخرى.\n(٢) - انظر ص ١٥٠، ومن ص ١٤٠ إلى ص ١٥٢ من هذا الكتاب.","vol":"1","page":61},{"text":"سنة ١٧١ هـ واجتمع له من أمر الإباضية وغيرهم مالم يجتمع مثله لزعيم إباضي قبله وكان فقيهًا عالمًا شجاعًا يباشر الحروب بنفسه وله مواقف كثيرة مذكورة واستمر إلى أن توفى وفي تاريخ وفاته خلاف والزركلي يرجح أن وفاته ١٩٠ هـ (١) .\n\nومن هذه النبذة الصغيرة نستدل على أن هذه الفرقة قد رصد عنها أشياء كثيرة ليس من الفرنسيين وحدهم - بل من أبناء البلاد أيضًا منه جرى الاطلاع عليه وأكثره لم نطلع عليه.\n\nلأن عبد الوهاب الرستمي هذا قد جعل من تاهرت مركزًا فكريًا وفتح باب الجدل مع علماء السنة ثم الشيعة التي قامت دولتهم في نهاية القرن الثالث الهجري باسم الدولة الفاطمية حيث قضى عبد الله الشيعي في عام ٢٩٦ هـ على الرستمية (٢) .\n\nمما تتبلور عنه تفنيد معتقدات الرستميين التي تختلف مع ما يراه أهل السنة والجماعة وثبتت به الأحاديث الصحيحة.\n\nوهذا الحوار هو الذي تفتق عنه جذور عميقة عند علماء وفقهاء المغرب وحول هذه الفرقة ومعتقداتها.\nوقد استغل المستعمرون وأصحاب المصالح تلك الجذور في إذكاء العداوة بين أبناء المسلمين فيما بعد فألبسوا الثوب القديم بما فيه عيوب وما عليه من مثالب لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعوته الإصلاحية السلفية كما ألبسوا هذا الثوب لكل دعوة تدعوا إلى نقاوة الإسلام والإقتداء بالمسيرة الأولى في تبليغ دين الله الحق منذ قام بها رسول\n_________\n(١) - راجع الأعلام ج ٤ ص ٣٣٣ - ٤٣٣ ومن هامشه يتضح مراجعة لمن يرغب الإستزاده.\n(٢) - انظر البيان المغرب في أخبار الأندلس والمعرب ج ١ ص ١٩٧ وفيه سمي عبد الوهاب عبد الوارث.","vol":"1","page":62},{"text":"الله ﷺ وأصحابه من بعده مستغلين الحزازات ضد الدعوة الجديدة التي جاءت لإصلاح العقائد وإعادة الناس إلى منزلة الإسلام الأولى التي سار عليها الصفوة الأولى من أمة الإسلام مدة ثلاثة قرون لم تعرف الدخائل ولا البدع اللهم إلا فرقًا عرفت بمباعدتها للإسلام حيث قوتلت في وقائع كثيرة ابتداء من الإمام علي بن أبي طالب ﵁ الذي جرد سيفه لقتالهم اتباعًا لمنهج الرسالة المحمدية التي حاد عنها أولئك الذين خرجوا عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الاستعمار. . ومواجهة الدعوة: </span>-\n\nكما هي عادة أعداء الإسلام لا يدخلون في المواجهة مع الإسلام لمعرفتهم بعدم الصمود لأن حججهم واهية ولكنهم يستغلون فئات من المنتمين للإسلام ليجعلوهم جسورًا يعبرون منها لمآربهم ويضعون باسم الشبهات حيث أدرك الصليبيون والحاقدون على الإسلام من واقع مجريات الأمور في الأندلس وفي أرض الشام وفي حروب الدولة العثمانية مع أوروبا وغير ذلك من المواقف العديدة أن الإسلام الصافي من الشوائب والحريص أبناؤه على نشر دين الله وتخليص الأمم الأخرى مما يخالفه هو عدوهم الأول فلا يستطيعون مجابهته لأنه المنتصر إذًا فلابد من تشويه صورته وتفرقة أبنائه وإثارة الفتن والقلاقل في بيئته.\nأولًا: فالإنجليز مثلًا لمسوا آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية في أعظم مكان يعتزون باستعماره والاستيلاء على خبراته عندما تلقفها الهنود على يد الداعية الإسلامي: أحمد بن عرفان الشهير بأحمد باريلي، وأتباعه وفي حركات أخرى مثل \" الفراتفيين وتيتومان \" نزار علي (١) .\n_________\n(١) - انظر انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خارج الجزيرة العربية تأليف محمد كمال جمعة ص ٦٣ - ٨٧.","vol":"1","page":63},{"text":"تلك الدعوات التي ناوأت القاديانية الكافرة التي أرادها الإنجليز واجهة إسلامية تحقق مآربهم وينضوي تحتها من لا يعرف من الإسلام إلا اسمه.\n\nويظهر انزعاج الإنجليز وحرصهم على القضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي تمثل يقظة جديدة في الدين الإسلامي ودعوة إلى فهمه من مصادر الصافية: كتاب الله، وسنة رسوله محمد ﷺ، أنهم بذلوا جهودًا وأموالًا في هذا السبيل وقد أبانت رحلة \" سادلير\" الضابط البريطاني وقائد الفوج ٤٧ ومبعوث الحكومة البريطانية في الهند الذي قام برحلة شاقة من الهند إلى أن وصل الرياض ووقف على أطلال الدرعية التي هدمها إبراهيم باشا بناء على تخطيط اشترك في الإعداد له الإنجليز ليطمئن على تفتيت الحكومة الإسلامية التي تحركت في الجزيرة لإيقاظ المسلمين والقضاء على قاعدة الدعوة السلفية بنفسه لما أحدثته من خوف وقلق بداخل الحكومة الإنجليزية خوفًا على مصالحها وقد كان في رحلته هذه ضمن قافلة كبيرة أغلبها من الأتراك أبانت هذه الرحلة جانبًا مهمًا في التعاطف والحرص على القضاء على هذه الدعوة التي تمثل يقظة إسلامية توحد المسلمين كما أبانت عن حقد الإنجليز على الإسلام ذلك الحقد المخطط له من التبشير الكنسي الموجه بأفكار المستشرقين ودسائسهم.\nفقد مر بالدرعية متشفيًا في ١٣ أغسطس من عام ١٨١٩ م (١)، وبعد أن ارتاحت نفسه شد الرحال لاحقًا بإبراهيم باشا حتى أدركه في آبار علي، على مقربة من المدينة المنورة ليقدم له التهاني بهذا النصر مقرونة بهدايا حكومة الهند الشرقية (الحكومة البريطانية) (٢) هذا من جانب ومن جانب\n_________\n(١) - راجع رحلته ترجمة أنس الرفاعي وتحقيق سعود بن غانم العجمي ص ٨٥ - ٨٧، وص ٩٦ - ٩٩.\n(٢) - نفس المصدر من ص ١٠٥ - ١١٠، وص ١٥٦ - ١٥٩.","vol":"1","page":64},{"text":"آخر حتى يطمئن الحكومة البريطانية على نتائج القضاء على قادة هذه الدعوة وهدم وتدمير قاعدة الملك فيها وذلك عام ١٢٣٣ هـ لأن آثارها قد امتدت لمواطئ أقدام الإنجليز في ديار الإسلام في كل مكان.\n\nوكان سادلير يكرر عبارات التشفي والارتياح للقضاء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مثل قوله \" مع سقوط الدرعية وخروج عبد الله عنها يبدو أن جذور الوهابيين قد انطفأت فقد عرفت من كل البدو الذين قابلتهم في نجد أنهم سنيون وأنهم يداومون على الصلاة المفروضة حتى في السفر الطويل وتحت أقسى الظروف \" (١) .\n\nثم من باب التفرقة أيضًا في داخل البلد الواحد يقول \" إن البدو لم يثبتوا على الوهابية إلا مرغمين وذلك حين كانت الدعوة قوية وسهلت لهم سبل النهب \" (٢) .\n\nمع أن الدولة السعودية منذ أن قامت على ركيزة الدعوة إلى الله مع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عام ١١٥٨ هـ كانت تحكم شرع الله وتقطع يد السارق فأمنت الطرق لأن أول ما حاربته النهب والاعتداء على الناس أو أخذ أموالهم.\nوهذا وغيره من كلامه فيه تناقض وتشويه للحقيقة وخداع للناس بما يعطي من معلومات لأسباب جاءت في كتابه عندما تحدث عن قوة القواسم البحرية في الخليج والبحر العربي حتى وصلوا إلى بومباي في الهند وهاجموا سفنًا عديدة لحكومة الهند الشرقية وسفنًا حربية إنجليزية، والقواسم ممن أيد الدعوة السلفية فهم يعاضدونهم لأن مبادئ الدعوة السلفية تحض على\n_________\n(١) - نفس المصدر السابق ص ١٤٩.\n(٢) - انظر كتاب هذا ص ١٥١ - ١٥٣، وص ١٤٨.","vol":"1","page":65},{"text":"مقاومة السلطان الأجنبي لأنهم كفار لا يحق لهم بسط النفوذ على ديار الإسلام.\n\nولأن ولاية الكافر لا تجوز على المسلم فالمسلمون يجب أن يلوا أمورهم بأنفسهم ليحكموا شرع الله في بلادهم.\n\nوقد تحدث سادلير في كتابه هذا كثيرًا عن هذا الموضوع الذي أرق بريطانيا فتحدث مع إبراهيم باشا وحمل كتابًا من الإنجليز له بطلب التحالف ضد القواسم وعن دور بريطانيا في شرق الجزيرة العربية لمناوأة كل من يؤيد الدعوة السلفية التي أيقظت همة الناس وفتحت مغاليق أفكارهم وحركتهم من سبات عميق.\n\nوقد ظهرت همومه وسمومه ضد الإسلام والمسلمين في مواقف:\n١) بث العداء بين أهل اليمن ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كقوله ك وقد سقط آخر زعيم يمني وهابي خلال إقامة هذا الباشا - يعني خليل ياشا - وهذا الزعيم هو محمود ين محمد، والذي جئ به مكبلًا بالأغلال إلى حبك ومن هناك أرسل بسفينة إلى مصر ... إلى آخر حديثه عن اليمن (١) ومثل هذا ما هو إلا محاولة للتفرقة بين أبناء الأمة الواحدة كما قال عن عُمَان وأبناء الجزيرة العربية كلامًا يدعوا للفرقة بين أبناء الجزيرة جميعًا يربطهم الإسلام ويجمع شملهم مصدرًا التشريع فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ (٢) .\n٢) وصفه التساهل الديني بالتقدم الحضاري والمحافظة على شعائر الإسلام بالتناقض مع متطلبات النفس في مثل قوله: يصف بدو نجد: وهم\n_________\n(١) - انظر كتاب هذا ص ١٠٨.\n(٢) - انظر رحلته هذه: رحلة عبر الجزيرة العربية ص ١٤٩.","vol":"1","page":66},{"text":"حريصين جدًا على عباداتهم ولا يهملون أيًا من الصلوات المفروضة مهما كان المسير طويلًا في أسفارهم وتحت أشق أنواع الحرمان والعوز ويظهر التناقض الغريب عنده بمقارنة هؤلاء البدو مع الأتراك الذين يتسمون بثقافة روحية أكثر لكنهم لا يسمحون للدين أو للصلوات أن تتعارض مع راحتهم واطمئنانهم أبدًا (١) .\n٣) محاولة الحط من قدر أهل المدينة المنورة ووصفهم بنعوت كثيرة كالشحاذين والجشع وأن من حقهم - اعتقادًا - أن يكونوا متغطرسين وأنهم يعيشون على صداقات الحجاج إلى غير هذا مما ينبئ عن جذور صليبية. (٢) .\n٤) لكن الأغرب من ذلك أن يقول سادلير عن إبراهيم باشا:\nأبأنه تناول معه الطعام على الطريقة الإنجليزية وأنه تحدث معه عن رحلته وأعطاه الهدايا البريطانية والخطابات قبل دخوله المدينة للسلام على الرسول ﷺ وقدم له الشاي والدخان والسعوط والغلايين وفنجان القهوة يقدم في صحن مرصع بالألماس (٣) .\nب أنه ليس إلا ولد متبنى لمحمد علي وعندما ترعرع أمضى سنة كرهينة في استنبول ويقال أن إبراهيم باشا ولد بعد شهور قلائل من زواج والديه لكنه كان مفرطًا في إدمانه على الخمر وجلفًا مع المستخدمين عنده (٤) .\n_________\n(١) - انظر رحلته هذه ص ١١٦ - ١١٨.\n(٢) - انظر رحلته هذه ص ١٠٥، ص ١٠٦، ص ١٠٩، ص ١١٠.\n(٣) - نفس المصدر ص ١٣٧ وانظر بالتفصيل من ص ١٣٧ إلى ص ١٤٣\n(٤) - نفس المصدر ص ١٣٧ وانظر بالتفصيل من ص ١٣٧ إلى ص ١٤٣.","vol":"1","page":67},{"text":"ت وفي موطن آخر يقول: وكان يشرف على خدمة بعض المماليك فقط ولدى دخوله أرض (محمد) المقدسة صمم سعادته على اعتزال اللهو والمسكرات فأهدر كل ما كان مختزنًا عنده منها مما أتى به من القاهرة وكان ذلك قبل انطلاقه نحو المدينة (١) .\n\nثانيًا: والفرنسيون أيضًا لهم دور فقد أحسوا باهتمام الشمال الإفريقي بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحرصهم عليها في مثل:\n\n١) اهتمام سيدي محمد بن عبد الله العلوي، سلطان المغرب الأقصى بها حيث قام بمحاربة البدع والانحراف كما كان يحارب تشعب الطرق الصوفية ويدعوا إلى العودة إلى الاجتهاد وإلى السنة (٢) إلى جانب حرصه الشديد وحرص الدولة العلوية منذ أن قامت على محاربة النصارى وفي تعاطفهم مع الدعوة السلفية قوة تمتد إلى نفوذ الفرنسيين.\nهذا السلطان هو الذي وصفه المؤرخ الفرنسي شارلي جوليان بقوله: وكان سيدي محمد وهو التقي الورع على علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتأييد عائلة آل سعود لها وقد أعجب بعباراتها وكان يؤثر عنه قوله \" أنا مالكي المذهب وهابي العقيدة وقد ذهبت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين والمحللة لمذهب الأشعرية وتهديم بعض الزوايا (٣) .\n٢) كما أنه في عام ١٢٢٦ هـ حج جماعة من المغاربة صحبة المولى\n_________\n(١) - انظر كتاب انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص ٢٣٥ تأليف محمد جمعه كمال نشرته الدارة.\n(٢) - نفس المصدر السابق ص ١٥٠.\n(٣) - انظر كتابه: تاريخ أفريقيا الشمالية ج ٢ ص ٣١١.","vol":"1","page":68},{"text":"إبراهيم بن السلطان المولى سليمان سلطان المغرب ونقل عنهم صاحب كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى: أنهم ما رأوا من ابن سعود ما يخالف ما عرفوه من ظاهرة الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن أتباعه مآبه الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر وتنقية الحرمين من الآثام (١) .\n\n٣) رسالة بعث بها الإمام سعود بن عبد العزيز لأهل تونس يشرح فيها حقيقة التوحيد وأصول الدين وهي رسالة طويلة تقع في ثلاث صفحات مطبوعة كما جاءت في صحيفة ألمانية ضمن مقال طويل باللغة الألمانية لأحد المستشرقين عن الوهابية في المغرب أما الرسالة فقد كتبت باللغة العربية (٢) .\n٤) والسلطان سليمان بن محمد بن عبد الله الذي بويع في فاس عام ١٢٢٦ هـ كان معاصرًا للإمام عبد الله ابن سعود ووالده الإمام سعود بن عبد العزيز الذي دخل مكة عام ١٢١٧ هـ، الموافق لعام ١٨٠٢ م أراد أن يتحقق من ابن سعود وما يدعوا إليه فأرسل ابنه المولى إبراهيم في جماعة من علماء المغرب وأعيانه ومعه جواب من والده فوصلوا إلى الحجاز وقضوا المناسك وزاروا الروضة الشريفة كل هذا على ألمن والأمان والبر والإحسان ويقول في هذا الشيخ أحمد الناصري صاحب كتاب الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى من ص ١١٩ إلى ص ١٢٣: حدثنا جماعة وافرة من حج المولى إبراهيم في تلك السنة أنهم ما رأوا من ذلك السلطان - يعني ابن سعود - ما يخالف ما عرفوه من ظاهر الشريعة وإنما شاهدوا منه ومن\n_________\n(١) - انظر هذا الكتاب التاريخي في أحداث عام ١٢٢٦ هـ.\n(٢) - انظر صحيفة اسلاميكا ISLAMIGA وهي دورية ألمانية كما علق على الرسالة الكاتب بتشويه الدعوة بخلاف ما جاء في الرسالة وهذا غير مستغرب من المستشرقين - العدد الأول المجلد السابع عام ١٩٣٥ م ص ٧٢ وما بعدها.","vol":"1","page":69},{"text":"أتباعه غاية الاستقامة والقيام بشعائر الإسلام من صلاة وطهارة وصيام ونهي عن المنكر الحرام وتنقية الحرمين الشريفين من القاذورات والآثام التي كانت تفعل بع من غير نكير وأنه لما اجتمع بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب آل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام معه الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزرعي فكان من جملة ما قال ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شئ رأيتمونا خالفنا من السنة وأي شئ سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا؟ فقال له القاضي: بلغنا أنكم تقولون بالاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى. فقال له: معاذ الله إنما نقول كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب فهل في هذا مخالفة؟ قالوا: لا وبمثل هذا نقول أيضًا.\nثم قال له القاضي: وبلغنا عنكم أنكم تقولون بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم فلما سمع ذكر النبي ﷺ ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه. وقال: معاذ الله إنما نقول: إنه ﷺ حي في قبره وكذا غيره من الأنبياء حياة فوق حياة الشهداء.\nوفي نهاية ذلك الحديث قال المؤلف: وأقول إن السلطان المولى سليمان ﵀ كان يرى شيئًا من ذلك ولجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها عن حال متفقرة الوقت وحذر فيها ﵁ من الخروج عن السنة والتغالي في البدعة وبين فيها آداب زيارة الأولياء وحذر من غلو العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيرًا (١) .\n_________\n(١) - انظر انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمحمد كمال جمعه ص ٢٣٥ - ٢٣٧، وانظر الاستقصاء للناصري أيضًا ج ٨ ص ١٢٠ / ١٢٢.","vol":"1","page":70},{"text":"وينقل الأستاذ محمد كمال جمعه عن دائرة المعارف الإسلامية بأن المولى سليمان قد تأثر بعد عام ١٨١٠ م بالوهابية أو على الأصح بالدعوة السلفية التي قام بها السيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مما جعله يتخذ موقفًا صارمًا ضد المربوطية وهو اللقب الذي كان يطلق في المغرب على الصوفيين (١) .\n\n٥) كما ينقل عن الدكتور عباس الجراري في محاصرة ألقاها في عام ١٣٩٩ هـ بجامعة الرياض بأن هذا التيار السلفي في المغرب قد ظهر مرة أخرى في بداية القرن الرابع عشر الهجري حين وجه السلطان الحسن الأول سنة ١٣٠٠ هـ رسالة إلى الشعب المغربي (٢) .\n٦) وقد تحث أحمد بن حجر عن الحركة السنوسية التي أسسها محمد بن علي السنوسي في الجزائر وأنه تأثر بها عندما كان يطلب العلم في مكة وقت استيلاء آل سعود عليها وقد ابتدأ حركته الإصلاحية في الجزائر على ضوء تعاليم الإصلاح الديني الإسلامي الذي أضرم نارها في الجزيرة العربية محمد بن عبد الوهاب (٣) .\n\nثالثًا وفي مصر: يلمس من يقرأ تاريخ عبد الرحمن الجبرتي المتوفى عام ١٢٣٧ هـ المسمى عجائب الآثار في التراجم والأخبار في مثل قوله: ولغط الناس في خبر الوهابي واختلفوا فيه فمنهم من يجعله خارجيًا ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو عرضه. ثم أورد رسالة من رسائل الإمام سعود التي أرسل لشيخ الركب المغربي تتضمن دعوته وعقيدته وقد بين في تلك الرسالة أمور الدين مجملة وعرض لبيان الشفاعة وفتنة وتعظيم القبور\n_________\n(١) - نفس المصدر ص ٢٣٧.\n(٢) - انظر المصدر السابق ص ٢٣٧ - ٢٣٨ وفيه تفصيل أكثر والاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى ص ١١٩ - ١٢٣ ج ٨.\n(٣) - انظر كتاب محمد بن عبد الوهاب ص ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"1","page":71},{"text":"والنذور - أي للمقبورين - والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتخاذ الوسائط عند الله وأعقب ذلك بقوله: وعلى هذا أقول إن كان كذلك فهذا ما ندين لله به نحن أيضًا وهو خلاصة لباب التوحيد وما علينا من المارقين والمتعصبين وقد بسط الكلام في ذلك ابن القيم في كتابه \" إغاثة اللهفان \" والحافظ المقريزي في \" تجريد التوحيد \" والإمام اليوسي في \" شرح الكبرى \" وذكر كتبًا أخرى - كلها تدافع عن حقيقة التوحيد الصافي النقي الذي صلب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) .\nومن جانب آخر ذكر الجبرتي مطامع الإنجليز في الشمال الإفريقي المسلم عندما ذكر قصة الإنجليز مع أهل الجزائر لأن لهم صولة واستعدادًا ويغزون مراكب الإفرنج ويغنمون منهم مغانم ويأخذون منهم أسرى وتحت أيديهم أسرى كثير من الإنجليز وغيرهم فقد جاء الإنجليز بمراكبهم ومعهم مرسوم من السلطان العثماني ليفتدوا أسراهم بمال فأعطاهم أهل الجزائر ما يزيد عن الألف أسير ودفعوا عن كل أسير مائة وخمسين ريالًا فرنسيًا ورجعوا من حيث أتوا إلا أنهم بعد مدة رجعوا وبأيديهم مرسوم آخر يطلبون باقي الأسرى فامتنع حاكم الجزائر من ذلك وترددوا في المخاطبات وفي هذه الأثناء وصلت مراكب فأثاروا الحرب والضرب بطرائقهم المستحدثة فأحرقوا مراكب أهل الجزائر وقد أمد سلطان المغرب مولاي سليمان أهل الجزائر وبعث لهم مراكب عوضًا عن الذي تلف (٢) .\n_________\n(١) - انظر كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار ج ٣ ص ٢٦٩ - ٢٨٢ آخر حوادث صفر سنة ١٢١٨ هـ.\n(٢) - انظر عجائب الآثار للجبرتي ج ٤ ص ٢٧٦ - ٢٧٧ وفيه تفصيل أكثر مما أوردنا.","vol":"1","page":72},{"text":"رابعًا: الإيطاليون: أقلقهم ما قام به محمد بن علي السنوسي المولود في الجزائر عام ١٢٠٢ هـ من دعوة إصلاحية في ليبيا لإعادة الإسلام إلى صفائه ووضعه الصحيح في النفوس تطبيقًا وعملًا والوقوف ضد الإيطاليين الوافدين الذين لا يهمهم إلا استغلال خيرات البلاد والتفريق بين المسلمين (١) .\n\nكما أقلقهم تأثر الحجاج الصوماليون بها وامتدادها إلى القرن الإفريقي لقربهم من الجزيرة العربية وتأثر الحجاج المغاربة بها حيث نقلوا آثارها لبلادهم فقام فيهم مصلحون مجددون.\nخامسًا: والهولنديون حركهم ما لمسوه من اهتمام جديد من المسلمين الذين استولوا على ديارهم ويظهر ذلك واضحًا بالحرص على الولاء لعقيدة الإسلام في جزيرة سومطرة وجاوة وسولو بإندونيسيا مما وفد لتلك الديار مع الحجاج المتأثرين بما يجب أن ينقى به المجتمع الإسلامي وتصفى من شوائبه شعائر الإسلام بعد أن درس هؤلاء الحجاج دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية التجديدية واهتموا بها بعد أن اطمأنوا على سلامة منهجها في إصلاح العقيدة المستمد من كتاب الله ﷿ وسنة رسوله الكريم ﷺ، ولما فيها من صفاء الدعوة وسلامة الاتجاه والبعد عن الهوى وأنها لم تأت لمآرب ذاتية.\n\nفلذا نقلوا بقناعة لبلادهم حيث قامت دعوات متعددة مثل:\nالجمعية المحمدية في جاكرتا التي بدأت الدعوة بنبذ الشوائب والخرافات التي أدخلت على تعاليم الإسلام مما وقف حائلًا دون اتساع دعوة المستعمرين في تبني فئات إسلامية أو محسوبة على الإسلام تشجع الخرافة\n_________\n(١) - انظر تاريخ أفريقيا الشمالية ج ٢ ص ٢٢٠.","vol":"1","page":73},{"text":"وتنمي البدع في المجتمع الإسلامي مما يستفيد منه المستعمر بتغذية الطائفية وتذكية الفتن على مبدأ الاستعمار: فرق تسد.\n\nولقد بدأ هذا التأثر من عام ١٨٠٣ م الموافق لعام ١٢١٨ هـ عندما قامت حركة ضد الهولنديين استمرت ١٦ عامًا تغلبت فيها قوى الاستعمار على السلفيين الموحدين المتأثرين بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١) .\nهذا إلى جانب دول إسلامية عديدة انتقلت إليهم آثار الدعوة مع الحجاج الذين أعجبوا بها لما فيها من تخليص الإسلام من الشوائب التي أدخلت عليه وتخليص البلاد من المستعمر الجاثم عليها والحريص على إفساد عقيدة أهلها بما يشيعه من أعمال وما يتيحه من فرص للفساد والإفساد ولما يدعوا إليه المبشرون من رغبة في تحويل المسلمين إلى النصرانية وما يبثه الملحدون وأصحاب النزعات الأخرى من دعوة لترد المسلمين عن دينهم ومحاولة لإبعادهم عن صفائه ونقاوته التي تخاطب العقول المستنيرة.\n\nلذا كثرت الأصوات المستجيبة في كل مكان كالسودان ومصر والشام واليمن وأفغانستان وجزر الهند الشرقية ونيجيريا وبلاد الهوسا وبرنو وبلاد التكرور وغيرها مما ذكره كل من درس حياة الشيخ وأثرها في بلاد الشام لأنها أيقظت الهمم وحركت الناس من سباتهم وأوجدت يقظة فكرية ورغبة واسعة في إصلاح المجتمع الإسلامي بالدين السليم كما قال بذلك الإمام مالك ﵀ مما زلزل أقدام المستعمرين وحرك مشاعرهم ضد هذه الدعوة والمعتنقين لمبادئها.\n_________\n(١) - انظر كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأحمد بن حجر ص ١٠٦.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الدولة العثمانية.... والدعوة: </span>-\n\nإن تأثر بعض الأوروبيين وبعض الأتراك وجماعات من الأفارقة إلى جانب اهتمام مجموعة من المفكرين المسلمين بدعوة الشيخ في بلاد الشام والمغرب وحتى داخل تركيا وغيرها كل هذا أثار حفيظة الباب العالي وأرباب المصالح والمناصب الذين موهوا الحقيقة على العثمانيين واغتنموا بعض التصرفات من الأعراب في الحج فلبسوا الشبه للتنفير ضد هذه الدعوة لإثارة الحفائظ على من قام بها واختلاق أشياء لم يكن لها أساس من الصحة.\n\nوفي رسائل الشيخ محمد وإجابات تلاميذه نبين الجوانب الإيجابية والحرص من بعض المسلمين استجلاء حقيقة الدعوة من الشيخ نفسه بإرسال رسائل له أجاب عليها مثل:\n\n١- رسالة الشيخ محمد ﵀ إلى الشيخ فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام التي جاء فيها:\nفالسبب في المكاتبة أن راشد ابن عربان ذكر لنا عنك كلامًا حسنًا سر الخاطر وذكر عنك أنك طالب مني المكاتبة بسبب ما يجيك عنا من كلام العدوان من الكذب والبهتان وهذا هو الواجب من مثلك أنه لا يقبل كلامًا إلا إذا تحققه ثم بدأ يشرح له ما قيل ويوضح الحقيقة في ذلك وفق شرع الله وهدى رسوله الكريم تفنيدًا وشرحًا (١) .\n\n٢- رسالة الشيخ محمد ﵀ إلى عبد الرحمن السويدي علام من أهل العراق جاء فيها:\nفقد وصل كتابك وسر الخاطر جعلك الله من أئمة المتقين ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين وأخبرك أني ولله الحمد متبع\n_________\n(١) - انظر الرسالة كاملة في الجزء الخامس من مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الطبعة الأولى ص ٣٢ - ص ٣٣.","vol":"1","page":75},{"text":"ولست مبتدع عقيدتي وديني الذي أدين لله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة لكني بينت للناس إخلاص الدين لله ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم وعن اشتراكهم فيما يعبد الله من الذبح والنذور والتوكل والسجود وغير ذلك مما هو حق لله الذي لا يشرك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة (١) .\n\n٣- رسالة الشيخ محمد ين عبد الوهاب التي بعث إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام ويوضح لهم عن المعالم المهمة في دعوته ومما جاء فيها قوله:\nجرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين فلما كبر هذا على العامة لظنهم أنه تنقيص للصالحين ومع هذا نهيناهم عن دعواهم وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البنيان على القبور كبر على العامة جدًا وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب أخرى لا تخفى على مثلكم أعظمها اتباع هوى العوام مع أسباب أخرى فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين وأنا على غير جادة العلماء ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء يستحي العاقل من ذكرها وأنا أخبركم بما نحن عليه خبرًا لا أستطيع أن أكذب بسبب أن مثلكم لا يروج عليه الكذب على أناس متظاهرين بمذهبهم عند الخاص والعام فنحن ولله الحمد متبعون غير مبتدعين على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وحتى من البهتان الذي أشاع الأعداء أني أدعي الاجتهاد ولا أتبع الأئمة فإن بان لكم أن هدم البناء على القبور والأمر بترك دعوة الصالحين لما أظهرناه يخالف مذهب سلف الأمة.\n_________\n(١) - انظر الرسالة كاملة في الجزء الخامس من مؤلفات الشيخ محمد نشر جامعة الإمام بالرياض ص ٣٦ - ٣٨ وانظر الدرر السنية ج ١ ص ٥٤ - ٥٦.","vol":"1","page":76},{"text":"إلى أن قال: وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم على دين الله ورسولكم أني متبع لأهل العلم وما غاب عني من الحق وأخطأت فيه فبينوا لي وأنا أشهد الله أني أقبل على الرأس والعين والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل (١) .\n\n٤- ورسالته أيضًا إلى عالم من أهل المدينة وفيها يقول:\nالخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وسر الخاطر حيث أخبر بطيبكم فإن سألت عنا فالحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات وإن سألت عن سبب الاختلاف الذي هو بيننا وبين الناس فما اختلفنا في شئ من شرائع الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج وغير ذلك ولا في شئ من المحرمات الشيء الذي عندنا زين هو عند الناس زين (٢) .\nوغير ذلك من الرسائل حيث تخوفت منها الدولة العثمانية بقياداتها في العالم الإسلامي نتيجة الجهل وتعاونوا مع المستعمرين من اجل مصالحهم من جهة ومن أجل ضرب المسلمين بعضهم ببعض لتحقيق المآرب بإضعاف قوة المسلمين والقضاء على دعوة الإصلاح التي تؤلف بين القلوب وتجمع الشمل وتقضي على أسباب الفرقة بإتباع ما جاء به الرسول محمد ﷺ من عند ربه وما ذلك إلا من جهل هذه القيادات بما تنص عليه تعاليم الإسلام وخوفهم على مراكزهم ومصالحهم التي قدموها على حكم الله وأوامر رسوله ﷺ بإتباع الأهواء والرغبات.\n\nوبذلك يخرج العدو المستعمر هو الكاسب من جانب ومن جانب آخر فلأن المسلم لا يقبل ذلك المستعمر المخالف له في دينه أن يتدخل فيما\n_________\n(١) - انظر المرجع السابق ص ٤٠ - ٤٢.\n(٢) - انظر المرجع السابق ص ٤٤ - ٤٩ وفيها شرح كامل لمعتقد أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":77},{"text":"يتعلق بعقدته وإلا انكشفت النوايا وعادت الحروب الصليبية من جديد.\n\nولذا فإن هؤلاء الغربيين ولا يستبعد أن يكون من بينهم يهود يهمهم ضرب الإسلام كما هي مخططاتهم وأعمالهم منذ حل رسول الله صلى اله عليه وسلم في المدينة مهاجرًا والدارس يلمس مثل هذا الشعور لدى عبد الله بن أبي رأس المنافقين في المدينة وعبد الله ابن سبأ اليهودي الذي دخل الإسلام ليفسده من داخله وليشك ضعاف الفهم للإسلام في مكانته فكان أول من انشأ فرقة فيه عرفت باسم السبأية.\n\nكما نلمس هذا في دراسات المستشرقين الذين حاولوا تشويه صورة الإسلام في العصر الحديث للتنفير منه والدرس في فكره وتأريخه وغالبيتهم من اليهود.\n\nفقد بدأ هؤلاء جميعًا يقبلون صفحات التاريخ وينبشون الماضي علهم يجدون أشياء ترضى أصحاب الأهواء من أدعياء العلم الذين نصبهم المستعمر في مقامات إسلامية يستتر خلفهم ويزينون له ما يريد وأصحاب المصالح الذين باعوا أخراهم بعرض من الدنيا فهؤلاء جميعًا ينشدون غرضًا ويريدون تحقيق غاية.\nفأوهموا العامة وأنصاف المتعلمين الذين لا يقرؤون ولا يتعمقون وهم الغالبية العظمى في المجتمع الإسلامي ذلك الوقت بأن هذه الدعوة الجديدة التي تحركت في الجزيرة العربية ما هي إلا امتداد لتلك السابقة التي كانت في المغرب: فرقة الخوارج الأباضية التي تخالفكم معاشر المسلمين في المذهب والمعتقد.\n\nولكي تنطلي الحجة ويمر التمويه لفقوا أقاويل على الشيخ محمد واتباعه وأوضح ﵀ كذبها في رسائله العديدة وعرف هذا علماء","vol":"1","page":78},{"text":"المغرب في حوارهم عام ١٢٢٦ هـ عندما حج المولى أبو إسحاق إبراهيم بن السلطان المولى سليمان ﵀ ومعه مجموعة كبيرة من علماء المغرب لحوار الإمام سعود بن عبد العزيز ومناقشته فيما نسب إليهم وكان هذا بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بزمن.\n\nوقد سجلت تواريخ المغرب عن هذه الحادثة ما يثبت البراءة لهذه الدعوة السلفية من كل نسب إليها وقناعة علماء المغرب من سلامتها وصدقها حتى أن الإمام إبراهيم هذا اقتنع بها (١)\n\nوقد وجد هذا القول - أعني القدح في هذه الدعوة - صدى في نفوس راغبي الزعامة والتسلط باسم العلم والمعرفة ولدى أصحاب الأهواء والمصالح الظاهرة أيضًا.\n\nهذا من جانب ومن جانب آخر انطلت النسبة إلى عبد الوهاب - والد الشيخ محمد وهي نسبة غير صحيحة لأنه لم يكن هو صاحب الدعوة ولأنهم لو نسبوها للشيخ محمد لصارت محمدية ولا يتحقق لهم ما أرادوا لأن الدين الإسلامي كله يسمي الرسالة المحمدية نسبة إلى النبي محمد ﷺ الذي بلغها عن ربه.\nوالعامة لا تفرق بين هذا وذاك ولذا حرصوا أن يكون للاسم المراد إطلاقه صدى في نفوس الجماهير الذين هم قاعدتهم في التمويه والتلبيس وخلفية يموه بها على أنصاف المتعلمين.\n_________\n(١) - راجع سيرة المولى أبي إسحاق بن سليمان في تواريخ المغرب مثلًا: الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج ٨ ص ١٢٠ - ١٢٥ للناصري والإعلام بمن حل مراكش واغمات من الأعلام ج ١٠ ص ٦٨ - ٧٣.","vol":"1","page":79},{"text":"ظهر مثل هذا القول في تقارير وخطابات إبراهيم باشا التي كان يبعث بها لمحمد على بمصر وفي كتابات لبعض العثمانيين حيث بدأ إطلاق الألقاب التالية: الوهابية، الخوارج، المارقين من الدين (١) على دعوة الشيخ محمد والدولة السعودية من ذلك التاريخ.\n\nهؤلاء في مظهر عام اتفقوا جميعًا في اتجاه واحد للتلبيس على الناس في هذا الأمر والناس بطبيعتهم يتخوفون من كل جديد ويستنكرون ما جاء لمخالفة ما ساروا عليه. وخير شاهد في هذا ما نجده موضحًا في القرآن الكريم والسيرة النبوية العطرة من أمور كثيرة في موقف المعاندين للإسلام عندما جاء به محمد ﷺ من عند ربه داعيًا ومنقذًا.\n\nكما نلمس شاهدًا حيًا في عصرنا الحاضر عندما بدأ الشباب الإسلامي يهتم بدينه ويرجع لتعاليم ربه فيما أطلق عليه: الصحوة الإسلامية فقد بدأت صحف الغرب والشرق ووسائل إعلامه وجهود مفكريه تشوه الصورة وتنفر من الاتجاه وتصف هذا التحول الإسلامي بنعوت متعددة لكي يوجد حجاب يمنع المسيرة ويقضي على الحماسة.\nوالعامة في كل عصر ومكان وهم الجم الغفير يلجأون في مثل هذا الأمر إلى مصدر القوة لتوضيح لهم الأمر وتجلي الحقيقة لكن هذا المصدر في ذلك الوقت من علماء وأرباب مصالح أرادوا قلب الحقائق وتشويه\n_________\n(١) - راجع مثل هذه الوثائق: رسالة محمد على يعتذر للأتراك فيها عن القيام بحرب ابن سعود ص ٣٥٣ - ٣٥٥ ورسالة يوسف كبخ الخاصة بحرب آل سعود ص ٣٦٢ - ٣٧٠ وأمر تعيين يوسف ضبا باشا قائدًا عامًا للعساكر بالحجاز ص ٣٨١ - ٣٨٢ والملحق رقم ٧ ص ٣٨٣ - ٣٨٤. ورسالة إبراهيم باشا بعد حرب شقراء والتبشير بفتحها ص ٤٢٢ - ٤٤٤ وغير ذلك كثير. انظر كتاب الدولة السعودية للدكتور عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم في هذا وهو من مطبوعات جامعة الدول العربية ص ٣٤٩ - ٤٤٠.","vol":"1","page":80},{"text":"أصوات المستجيبين العارفين وذلك بإطلاق الشبهة واختلاق الآراء التي تلقفها العامة بالنشر والإذاعة من جانب ومن جانب آخر بالاستجابة للنداء بالوقوف ضد هذا الاتجاه الذي سموه للناس انشقاقًا في الدين وخروجًا على جماعة المسلمين وبدعًا في الدين بينما واقع الأمر عكس ذلك.\n\nوقد وجدت هذه الشبهة التي أطلقت صدى في نفوس أرباب المصالح والجاه لدى الباب العالي العثماني خوفًا على سمعة ومكانة الدولة ونفوذها بعد أن أثاروا حفيظة والدة أحد سلاطينهم على الإمام عبد الله بن سعود بعد انتصاره على جيوشهم في وادي الصفراء بين المدينة وينبع.\n\nوفي كثير من أقطار المسلمين بالتبعية حيث روجها أناس يأكلون أموال الناس بالباطل ويرضون بزعامات مؤقتة دينية ويتسلطون بها على الجهال الذين لا يدركون حقيقة دينهم ولا نوايا هؤلاء وما هم عليه وهذا ما كان يخشاه رسول الله ﷺ من زلة العالم والعلماء المضللين الذين يفتون بغير ما أنزل الله فيضلون ويضلون (١) .\n\nوقد ضرب هؤلاء جميعًا على الوتر الحساس في حياة الناس وهو الدين الذي تحتاجه النفوس وتتشوق إليه الأفئدة ولكنها تجهله حقيقة وتجهل المصادر التي يجب أن يؤخذ منها فتتبع كل ما يقال لها فيه.\nومن هذه الجذور بدأوا في التعاون لتشويه الدعوة التي كان من أهدافها توحيد كلمة المسلمين ونبذ الخرافات وتنوير الأذهان وتوجيه النفوس إلى العلم باعتباره مصدر الحقيقة حيث بلغ الأمر بالناس في الدرعية كما ذكر ابن غنام وابن بشر في تاريخها رغبة عارمة في النهل من\n_________\n(١) - من حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة وعروة.","vol":"1","page":81},{"text":"العلم ثم العمل المتواصل لكسب المعيشة فكان تلاميذ الشيخ يوزعون أوقاتهم بين العلم والعمل.\n\nمن بعد صلاة الفجر حتى ارتفاع الشمس للعلم ثم يتجهون لأعمالهم وفلايحهم حتى الظهر ليرتاحوا العمل من العصر حتى المغرب إلى العشاء جلسات علم واهتمام بالبحث عن المعرفة في الحلقات والنقاش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>شبهات الخصوم: </span>-\n\nوهذا مما دفع أيضًا بعض الأشخاص ممن تعارضت مصلحته الدنيوية مع دعوة الشيخ على مخالفة الشيخ ومحاولة التشهير به كذبًا وافتراء وأغلبهم من بني قومه فألصقوا بالشيخ ودعوته أشياء كثيرة طفق جاهًا في رسائله العديدة إلى التبرئ منها والدفاع عن سلامة المعتقد الذي ينادي به وأنه لم يخرج عن الكتاب والسنة وسوف يكون لنا مع بعض أولئك وقفة خاطفة ترشد طالب الحقيقة إلى بعض مواطن الداء.\n\nوإن من يقرأ ما كتبه خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عنها من افتراءات وأكاذيب فإنه لا شك سيلمس أن جميع ما أوردوه من شبهات وما اختلقوه من مجادلات لا أصل لها في أي مصنف مما كتبه ﵀ بل إن رسائله العديدة التي ملأت سفرًا كاملًا ورسائل وردود أولاده وأحفاده وتلاميذه من بعده وهي كثيرة وعديدة كلها كانت تنفي تلك الأقاويل وتتبرأ منها بأيمان صادقة ومثل هذه الرسائل والردود التي يجدها المتتبع لمسيرة هذه الدعوة والمنافحين عنها النافين للشبهات المطروحة من دون أصل ثابت منذ اقترانه بالعمل الجهادي السياسي وحتى اليوم.","vol":"1","page":82},{"text":"إننا عندما نعود إلى أصل تلك الشبهات فإننا سنراها لا تخرج عن:\n١- شبهات ذات جذور في الفرق السابقة ألصقوها بالشيخ محمد بن عبد الوهاب مع أن له رأيًا فيها هو رأي أهل السنة والجماعة حيث ينكر خروجها عن الصف الإسلامي كما أنكرها قبله شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في الشام والإمام الشاطبي في المغرب والعز بن عبد السلام في مصر سنة ٦٦٠ هـ.\n\n٢- وإما أشياء مختلقة لا أساس لها من الصحة ولم ترد في أصل مما نقل عن نصوص ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا في مؤلفات تلاميذه وأبنائه.\nوالمختلق لا حدود له وفيه تمويه على القارئ والسامع فقد أبانت رسائل الشيخ ضد هذا الشيء الكثير كما مر بنا في مقتطفات من أربع رسائل بعثها للآفاق (١) البراءة من كل ما نسب إليه وأنه محض افتراء لا أصل له عنده قولًا أو عقيدة خذ مثلًا قوله في إحدى رسائله لأهل القصيم وقد جاء فيها:\n\nثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم (٢) قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم والله يعلم أن الرجل افترى على أمورًا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي.\nفمنها قوله: أني مبطل كتب المذاهب الأربعة وإني أقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شئ وإني أدعي الاجتهاد وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمه وإني أكفر من يتوسل بالصالحين وإني\n_________\n(١) - من حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة وعروة.\n(٢) - انظر ص ٧٥ - ٧٧ من هذا الكتاب وأصول هذه الرسائل في الهوامش.","vol":"1","page":83},{"text":"أكفر البوصيري لقوله: يا اكرم الخلق وو إني أقول لو أقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت له ميزابًا من خشب وإني أحرم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمو إني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما وإني أكفر من حلف بغير الله وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي وإني أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميته روض الشياطين جوابي عن هذه المسائل أن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم وقبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور (١) .\n\n٣- ويدخل في هاتين الحالتين ظهور عجز من جادلوا أتباع الشيخ وأفحموهم ومن باب الرغبة في تغطية هذا العجز بدأوا ينالون من الشيخ ودعوته وهذا من باب التلبيس على الناس ذلك أنهم لو قالوا الحقيقة التي دارت في النقاش لانتهت مكانتهم ومصالحهم ولذا لم يبق أمامهم إلا قلب الحقيقة وتمويه النتيجة لأن ما جرى لم ينشر على الملأ.\n\n٤- وإما كلام مبتور من أصل كلامه ﵀ أو أقول مؤول على غير معناه مثل من يقرأ \" ويل للمصلين \" ويسكت عن إكمال الآية.\n\nويدخل في هذا قولهم: إن أتباع محمد بن عبد الوهاب ينكرون الصلاة على النبي ﷺ وينكرون رسالته مما لا يصدقه عاقل متبصر.\nولا أستبعد أن يكون جميع من كتب متهجمًا على الشيخ محمد ودعوته بأنه لم يقرأ واحدًا من كتبه سواء في التوحيد والعقيدة أو الفقه والأحكام أو التفسير والسيرة النبوية بل إنه لم يناقش رأيًا مما قال وإنما حركتهم\n_________\n(١) - واحد من أهل الرياض ناوأ الدعوة وخاصمها وصار يكتب في الآفاق يختلق ما لم يقله الشيخ.","vol":"1","page":84},{"text":"المصالح الدنيوية وأعماهم الهوى حيث وجدوها فرصة عاجله لأخذ عيوب الوهابية الرستمية، الخارجية الأباضية التي قال فيها علماء الإسلام ما قالوا ودار حولها في المغرب نقاش طويل وردود ومجادلات وتناولها علماء المغرب والأندلس في كتبهم بالردود والقدح كثيرًا لإلصاق تلك العيوب بالدعوة الجديدة بادئ ذي بدء.\n\nوقد استغل الخصوم قرابة في الاسم فطابقوا اللقب في الحالين وأطلقوا الأول على الثاني وأعطوا دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب اصطلاحًا جديدًا هو اسم لجذور عميقة في نفوس المسلمين في شمال أفريقيا بصفة خاصة وهو \"الوهبية أو الوهابية \" فوجدوا هذا ثوبًا جاهزًا ألبسوه دعوة الشيخ محمد للتنفير منها حيث أبرزوا عيوب السابقة والصقوها بدعوة الشيخ محمد.\n\nوالمغاربة ممن شهد لهم التاريخ بدور إيجابي في الوقوف ضد الدعوات المناهضة لأهل السنة: مع عبد الوهاب بن رستم هذا ثم مع الفاطميين العبيديين وغيرهم ثم بمناهضة المستعمر في بلادهم والوقوف ضد مطامعه.\n\nفألبس أعداء الإسلام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية ثوبًا مستعارًا من باب التنفير خوفًا من عودة المسلمين إلى المنهج المحمدي وبساطته واستمالة لقلوب المسلمين الذين ملوا الفرقة وأضناهم الخلاف فيكون في ذلك سبب لاتفاق الكلمة ونبذ الخلافات التي ينفذ منها الأعداء.\n\nلاسيما وأن صدورًا في العالم الإسلامي وخاصة في شمال أفريقيا قد انفتحت لهذه الدعوة واستجاب لها أصحابها لأنها بغية كل مسلم كما مر بنا نماذج من ذلك.","vol":"1","page":85},{"text":"فأقض ذلك مضاجع أصحاب المصالح وأرباب الأهواء والبدع وتعاموا عن الحقيقة حيث بذلوا جهودًا مضنية لطمسها وإلهاء الناس عنها وعن تتبع مصادرها بحثاُ واستقصاء.\nويتضح مثل ذلك في كتابة الباحثين الغربيين والمستشرقين من فرنسيين وإيطاليين وإنجليز وألمان عن الإسلام والمسلمين في شمال إفريقيا على وجه الخصوص وفي كل مكان بوجه عام وخاصة عند تعرضهم لليقظة الفكرية الجديدة في تاريخ الإسلام التي ترتبط دائمًا ومن الدراسات المنصفة بقيام السيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته وامتدادها للعالم الإسلامي لأنها جاءت في وقت الظلمة والجهل.\n\nففي الوقت الذي بدأ المسلمون يعون حقيقة الدعوة السلفية التي جددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأعادت للمسلمين يقظة فكرية عقدية في المنهج الإسلامي الصحيح والعقيدة الصافية السليمة لأنها لم تخرج بالإسلام عن نقاوته الأولى حيث سلك في هذا الدرب منحى المصلحين في تاريخ الإسلام المجددين لمنهج السلف الصالح كلما اندثر كابن تيمية أحمد بن عبد الحليم المتوفى بالشام عام ٧٢٨ هـ وابن قيم الجوزية المتوفى بدمشق عام ٧٥١ هـ والشاطبي المتوفى بغرناطة بالأندلس عام ٧٩٠ هـ والعز بن عبد السلام المتوفى بمصر وغيرهم كثير من علماء السلف.\nكما تحدث عن ذلك كثير من العارفين والمفكرين العرب والمسلمين وغيرهم. وقد أورد الأستاذ عبد الله بن سعد بن رويشد في كتابه الإمام محمد بن عبد الوهاب في التاريخ: حدود أربعين رأيًا تشيد بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودورها في تحريك اليقظة في نفوس المسلمين في كل مكان من المعمورة (١) .\n_________\n(١) - راجع هذه الرسالة كاملة في ج ٥ من مؤلفات الشيخ قسم الوسائل الشخصية ص ٨ - ١٣.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>عودة لإثارة الشبهات: </span>-\nدهمت العالم عامة والمسلمين بصفة خاصة المبادئ المنكرة من شيوعية ومأسونية ووجودية وعلمانية وإلحادية ولم يجد المسلمون مخرجًا يضئ لهم الطريق ومنفذًا يهربون منه إلى بر ألمان إلا بالإسلام الصافي النقي الخالص من الشوائب والدخائل.\n\nذلك أن أبناء المسلمين قد جبلهم الله على حب الولاء والاتجاه بالعقيدة إلى ما يوصل لله جل وعلا وهذه فطرة الله التي فطر البشر عليها وإن جذور الإسلام تجذبهم ورابطته تجمع بينهم فتتجاذب القلوب لتتقارب النفوس إلا أن جهات ذات أهداف متباينة وأحقاد دفينة تأتي مع بعدها عن العاطفة مع المسلمين لتستغل ذوي العقول الضعيفة والمآرب الوقتية والبضاعة المزجاة من العلم والمعرفة فتتحدث باسم العلم وتتزعم باسم الغيرة والمعرفة وهذا ما كان يخشاه رسول الله ﷺ على أمته من العلماء المضللين الذين يلبسون الأمور على الناس.\n\nألمس هذا عندما بدأت كتب تطبع وتوزع بالمجان مجددًا في إفريقيا وآسيا وأوروبا تعيد تلك الشبهات على المسلمين بعد أن كاد المسلمون ينسوا الماضي بأحقاده ويتآلفون من جديد على منهج كتاب الله وسنة نبيه الأمين ﷺ بعد أن عصفت بهم الفتن وأعمل الأعداء أيديهم في التخريب والإفساد وذلك من أجل تنقية الدين من الشوائب الدخيلة ذلك أن النصرانية الحاقدة واليهودية الماكرة قد حركتا الأعوان لأنهما بدأتا تفلسان في ديار الغرب فضلًا عن ديار الإسلام بعد أن تمرد عليهم أبناؤهم وشعروا بخواء أفكار أرباب تلك الدعوات ثم عندما رأوا أبناء المسلمين يتجهون للإسلام الصحيح في نقاوته","vol":"1","page":87},{"text":"حسبما حدثني أحد الدعاة في أفريقيا عن حرص الناس هناك وفي كل مكان على تتبع تعاليم الإسلام من مصادرها الصحيحة النقية.\nوكان مما حدثني به هذا الداعية أن أحد علمائهم مال مع تلك الكتب التي تطبع في دولة إسلامية وتوزع بعدة لغات وقد بدأ هذا الشيخ ينال من شخصية محمد بن عبد الوهاب ودعوته ويصفها بنعوت عديدة لتأثره بالكتب التي وصلته وألصقت بالدعوة الإصلاحية التي انتهجها الشيخ ومن جاء بعده سبهًا ة افتراءات.\n\nفقال له الداعية:\nهل قرأت للشيخ محمد بن عبد الوهاب شيئًا من كتبه؟ قال: لا ويكفي ما قيل عنه. وكان الداعية ذكيًا فأعطاه كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد أن نزع عنه غلافه وقال: أحب أن تقرأ هذا الكتاب وتعطيني رأيك فيه غدًا.\n\nوفي موعد اللقاء:\nأثنى ذلك العالم على هذا الكتاب وترحم على مؤلفه لما حوى من علم مستمد من كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ واتجاه رصين يحتاج إليه المسلمون في تصحيح معتقداتهم.\n\nفما كان منه إلا أعطاه نسخة أخرى منه وعليها الغلاف.\nوقال له:\nهذا هو الكتاب كاملًا ومؤلفه الشيخ محمد ين عبد الوهاب صاحب الدعوة الإصلاحية التجديدية السلفية كما ترى وبقية كتبه من هذا النوع.\n\nفما كان من ذلك العالم إلا أن قال:\nحسبنا الله ونعم الوكيل لقد أتهم الشيخ بما ليش فيه وما نقرؤه عنه يخالف ما يقوله هو في مؤلفه هذا إن هذا هو التوحيد الخالص الذي جاء به محمد بن عبد الله عليه الصلاة السلام ودعانا إلى التمسك به.","vol":"1","page":88},{"text":"ومنذ عشرات السنين حصلت قصة مماثلة في الهند فقد هدى الله عالمًا من علماء الهند بتوفيق من الله ثم بمناظرة مع شخص يسمى البكري في قضية مماثلة.\nهذه نظرة عامة يحسن بالمسلمين عمومًا الانتباه إليها وألا يجعلوا الآخرين يفرضون عليهم رأيًا بدون معرفة خفاياه فالرأي العلمي والحقيقة التي تتعلق بالعقيدة والدين يحسن بالمسلم العارف أن يبحث عنهما وينقب بنفسه عن كل ما يؤصلهما ويتوثق ويدقق حتى لا تزل قدمه بعد ثبوتها ويترتب على ذلك خلاف في الصف الإسلامي لا يستفيد منه سوى العدو الذي يبذل الشيء الكثير من جهده وماله وفكره وأعوانه لبث الفرقة وتشتيت الشمل بين أبناء المسلمين لأن مصالحه ومنافعه في هذه الفرقة وسيطرته ونفوذه في بذر الخلافات.\n\nوندعوا الله أن يجمع كلمة المسلمين وأن يؤلف بين قلوبهم في آخر الزمان كما ألف بينهم في أوله عندما قال الله لنبيه محمد ﷺ:\n﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم﴾ (سورة الأنفال آية ٦٣)\n\nواليهود والنصارى لن يرضوا عن المسلمين حتى يفسدوا عليهم دينهم ويجعلوهم في خلاف مستمر وتشاحن وتباغض كما أبان الله عنهم ذلك الشعور في محكم التنزيل عندما قال\n﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى﴾ (سورة البقرة آية ١٢٠)\n\nولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك ﵀ وأولها لم يصلح إلا بعقيدة الإسلام الصافية النقية وآخرها لن يصلح إلا بذلك.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>خصوم الدعوة من داخل المنطقة: </span>-\n\nجوبهت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أول ما جوبهت من داخل المنطقة التي انطلقت منها فوقف أمامها أناس ادعوا العلم وكانت لهم مصالح سوف تتأثر من معرفة الناس للحقيقة التي حرص الشيخ على إبانتها للناس مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.\n\nوالهوى دائمًا يعمي ويصم كما أن للحسد دورًا في تلك المجابهة كما يقول الشاعر العربي:\nحسدوا الفتى إذ لم يكونوا مثله ... فالقوم أعداء له وخصوم\nلقد بلغ من هؤلاء القوم أن انبروا لدعوة الشيخ بالحرج والكذب والافتراء.... ثم لخوفهم الذي اقلق راحتهم بدأوا يبثون الرسائل يمينًا وشمالًا من باب التنفير والكيد كما حصل من ابن سحيم وابن مويس وغيرهما ممن سوف نلم بذكرهم والإشارة لانتشار رسائلهم التي كشفها الشيخ محمد نفسه في الرسائل التي يبعث بها للآفاق داعيًا وموضحًا من جهة ومزيلًا لما علق بالأذان من أكاذيب وافتراءات من جهة أخرى.\nولن ندخل في تلك المنافحات والمراسلات ولكن يكفي أن نستشهد بالآية الكريمة\n﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ (سورة الرعد آية ١٧)\n\nلقد ذهب القوم جميعًا الناقد والمنقود والمفتري والمفترى عليه وأثبتت الأيام صدق إخلاص الشيخ محمد ﵀ حيث بقي صدى الدعوة بل ازداد وحرص الناس في كل مكان على تتبع كتبه ﵀ ودراستها كما عاد كثير من المناوئين إلى رشده بعدما استبان لهم سلامتها وصدق هدف","vol":"1","page":90},{"text":"الداعية لأن الحق أحق أن يتبع أما أولئك المناوئون فقد ماتت أسماؤهم ومات معها كل ما قالوه ولا يكاد الناس يعرفون عن أغلبهم إن لم نقل كلهم إلا من فحوى رسائل الشيخ محمد ﵀.\n\nهذا في الدنيا وأما في الآخرة فالجزاء عند الله جلت قدرته لأنه هو الذي يعلم السرائر وما تخفي الصدور.\n\nوقد اعتبر الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - ﵀ - خصوم الشيخ ثلاثة أقسام: -\n١- علماء مخرفون يرون الحق باطلًا والباطل حقًا ويعتقدون أن البناء على القبور واتخاذ المساجد عليها من دون الله والاستغاثة بها وما أشبه ذلك دين وهدى ويعتقدون أن من أنكر ذلك فقد أبغض الصالحين وأبغض الأولياء وهو عدو يجب جهاده.\n٢- وقسم آخر من المنسوبين للعلم: جهلوا حقيقة هذا الرجل ولم يعرفوا عنه الحق الذي دعا إليه بل قلدوا غيرهم وصدقوا ما قيل فيه من الخرافيين المضللين وظنوا أنهم على هدى فيما نسبوه إليه من بعض الأولياء والأنبياء ومن معاداتهم وإنكار كراماتهم فذموا الشيخ وعابوا دعوته ونفروا عنه.\n٣- وقسم آخر خافوا على المناصب والمراتب فعادوه لئلا تمتد أيدي أنصار الدعوة الإسلامية إليهم فتنزلهم عن مراكزهم وتستولي على بلادهم (١) .\n\nومن أبرز خصوم الدعوة الذين صاروا يكاتبون الآفاق ويفترون على\n_________\n(١) - انظر الإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته للشيخ ابن باز ص ٢٧ - ٢٨.","vol":"1","page":91},{"text":"الشيخ أشياء لم يقلها ثم لما ضاق بهم المكان وعرف الناس حقيقة دعوة الشيخ محمد واتبعوها لأنها دين الله الخالص، لم يسعهم إلا مغادرة الديار إلى أماكن أخرى ليوصلوا عملهم ويجدوا ميدانًا أرحب يصولون ويجولون فيه فموهوا على كثير من المسلمين واغتر بهم بعض العلماء هناك من دون روية أو تبصر.\n\nونذكر من أولئك بعض الأسماء باختصار:\n١- سليمان بن محمد بن سحيم الذي جاء ذكره في كثير من رسائل الشيخ بأنه يكتب للأمصار في النيل من الشيخ ومهاجمة دعوته حيث يصور للناس برسائله أشياء لم تقع من الشيخ وليس لها أصل، كان من علماء الرياض وبعد سقوط الرياض في يد الدولة السعودية الأولى غادر للأحساء ثم الزبير بالعراق وقد توفي هناك وفيها أولاده عام ١١٨١ هـ (١) .\n\nكما روى هذا العداء للدعوة من آل سحيم لعدة رجال وكلهم بيت علم ذلك الوقت في مدينة المجمعة وفي الرياض ولعل السر في هذا من حسد العلماء وغيرتهم لأن الشيطان حريص بدخول المنافذ على الإنسان مهما كانت.\n٢- محمد بن عبد الله بن فيروز النجدي أصلًا الأحسائي مولودًا، كان من العلماء الأعلام وقد اهتم به والي البصرة العثماني عبد الله أغا لما انتقل إليها وسكنها وبقي بها حتى آخر حياته عام ١٢١٦ هـ، حيث دفن بالزبير وقد خرج من الأحساء عندما أوشكت جيوش آل سعود أن تدخلها لأنه ناوأ\n_________\n(١) - انظر ترجمته عند ابن بسام في علماء نجد خلال ستة قرون ج ١ ص ٣٢٢ وتاريخ ابن غنام.","vol":"1","page":92},{"text":"الدعوة منذ بدايتها فوجد عند الوالي ما يعينه على تحريض السلطان العثماني بالقضاء على الدعوة وقمعها (١) وقد أيده في هذا المسلك بعض تلاميذه ماعدا: محمد بن رشيد العفالقي الذي هاجر للمدينة فلما دخلها الإمام سعود بن عبد العزيز أكرمه كعادته في إكرام العلماء وجعله على قضاء المدينة فأحب الدعوة السلفية وكان من دعاتها وظهرت جهوده في مصر بعد أن سكنها فأحبه الناس هناك وله دور كبير في تعريف الناس بالسلفية وتوفي بالقاهرة سنة ١٢٥٧ هـ (٢) .\n\n٣- محمد بن عبد الرحمن بن عفالق له مكانة علمية في الأحساء يرتاده طلاب العلم وقد توفي بالأحساء سنة ١١٦٣ هـ وقد أدرك أول دعوة الشيخ محمد - ﵀ - فعاداها وكتب إلى الشيخ رسالة يتحداه فيها بأن يبين له ما تحتوي عليه سورة العاديات من المجاز والاستعارة والكناية وغيرها من العلوم البلاغية، حيث صح في اعتقاده أن استحضار النكت البلاغية والاصطلاحات البيانية هي الوسيلة الوحيدة على تحقيق ما يجب لله تعالى على عباده من معرفته ومعرفة توحيده وإخلاص العبادة له كما قال الشيخ عبد الله بن بسام عند ترجمته لحياته (٣)\n٤- عبد الله بن عيسى المويسي قاضي حرمة الذي جاء ذكره في رسائل الشيخ كثيرًا فأخذ الشيخ محمد يحذر الناس منه ويبين أعماله وقد توفي ببلده عام ١١٧٥ هـ (٤) وذلك قيل انتشار الدعوة أو اتساع دائرتها في الجزيرة العربية.\n_________\n(١) - انظر ترجمته في علماء نجد لابن بسام ج ٣ ص ٨٨٢ - ٨٨٦ ورسالته في محاربة الدعوة في تاريخ ابن غنام وابن بشر.\n(٢) - انظر مشاهير علماء نجد لعبد الرحمن آل الشيخ ص ٢٢٨ ويسميه أحمد.\n(٣) - انظر علماء نجد خلال ستة قرون ج ٣ ص ٨٢٠.\n(٤) - نفس المصدر ج ٢ ص ٦٠.","vol":"1","page":93},{"text":"٥- عثمان بن عبد العزيز بن منصور الذي درس في العراق ومن أشهر مشايخه داود بن جرجيس، ومحمد بن سلوم الفرضي، وهما من أشد خصوم الدعوة وبين ابن جرجيس وعلماء نجد ردود ومنافرات حول هذه الدعوة قال ابن بسام في ترجمته: والمترجم له متردد في اتجاهه العقدي فمرة يوالي الدعوة السلفية وينتسب إليها وأخرى يبتعد عنها ويوالي أعداءها ولذا فإنه لما وصل نجدًا داود بن جرجيس الذي أخذ يقرر استحباب التوسل بالصالحين من الأموات والاستعانة بهم ونحو ذلك مما يخالف صافي العقيدة ناصره وصار يثني عليه ويمدح طرقته وقرظ كتابه وأثنى على نهجه بقصيدة بلغت ستة وثلاثين بيتًا وقد رد عليه بقصائد مماثلة بالوزن والقافية أكثر من سبعة علماء من نجد (١)\n\n٦- محمد بن عبد الله بن حميد المولود في عنيزة سنة ١٢٣٢ هـ ومفتي الحنابلة في مكة إلى أن توفي بالطائف سنة ١٢٩٥ هـ ذكر ابن بسام في ترجمته لحياته قائلًا: إن المترجم له بحكم وظيفته تبع الدولة العثمانية - مفتي الحنابلة بالحرم المكي - التي حابت العقيدة السلفية وبحكم وجود المترجم له بعد النكبة التي أصابت الدعوة السلفية في بلادها فقضت عليها وكثرت أعداءها والموالين لأضدادها وبحكم قراءته خارج نجد على علماء نذروا أنفسهم لمحاربة هذه الدعوة فإن هذه المؤثرات طبعته بطابعها الخاص وجعلت منه خصمًا لها وحليفًا لأعدائها (٢)\n٧- مربد بن أحمد التميمي الذي ناوأ الدعوة ثم سافر على اليمن سنة ١١٧٠ هـ وبدأ يبث التشويه لسمعة الدعوة ودعاتها والقائمين عليها وبقي هناك حوالي عشرة أشهر وفارقهم إلى الحجاز مع الحجاج.\n_________\n(١) - انظر متابه علماء نجد في ستة قرون ج ٣ ص ٦٩٦.\n(٢) - انظر علماء نجد في ستة قرون ج ٣ ص ٨٦٥ - ٨٦٦ وانظر مخطوطة ابن حميد \" السحب الوابلة على ضرائع الحنابلة \" حيث ضرب صفحًا عن علماء الدعوة وناصر خصومها.","vol":"1","page":94},{"text":"وقد قال عنه ابن بسام عند ترجمته: والقصد أن هذا الرجل وأمثاله ممن ناوأوا الدعوة الإصلاحية هم الذين شوهوا سمعتها وألصقوا بها الأكاذيب وزوروا عليها الدعاية الباطلة حتى اغتر بهم من لا يعرف حقيقتها ولا يخبر حالها فرميت بالعداء عن قوس واحد إما من الحاسدين الحاقدين وإما من المغرورين المخدوعين وإما من أعداء الإصلاح والدين حتى غزتها الجيوش العثمانية في عقر دارها فأوقفت سيرها وشلت نشاطها بالقضاء على دعاتها وإبادة القائمين عليها من ملوك الحكومة السعودية الأولى ورجال العلم من أبناء الشيخ محمد وأحفاده حتى شاء الله تعالى انبعاثها مرة أخرى هيأ الله لها البطل المغوار الإمام تركي بن عبد الله، الذي قاوم الجيوش التركية حتى طهر البلاد منها (١) ولا تزال بحمد الله في طريق آمن وممهد ومن أثرها الأمن الذي تنعم به البلاد في ظل تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة.\n\nوقال في نهاية ترجمته إنه عاد من الحجاز إلى بلده حريملاء ولكن الإمام محمد بن سعود تغلب عليه فهرب منها فلما وصل بلدة رغبة أمسكه أميرها علي الجريسي وقتله وذلك في عام ١١٧١ هـ (٢) .\n\n٨- وهناك علماء آخرون لم يعرف عنهم التحدي للدعوة لكنهم يميلون مع خصومها في البلاد التي انتقلوا إليها أمثال: محمد بن علي بن سلوم الفرضي الذي انتقل من سدير إلى الزبير بالعراق متعاطفًا مع شيخه محمد بن فيروز حيث توفي بالعراق هو وابناه عبد الرازق وعبد اللطيف اللذان أصبحا من أعلام علماء سوق الشيوخ والبصرة في وقتها.\nوإبراهيم بن يوسف الذي تعلم في دمشق م سكنها وكان له حلقة علم في الجامع الأموي وقتل في ظروف غامضة هناك عام ١١٨٧ هـ،\n_________\n(١) - انظر كتابه علماء نجد في ستة قرون ج ٣ ص ٩٤٩.\n(٢) - نفس المصدر ص ٩٥٠.","vol":"1","page":95},{"text":"وراشد بن خنين الذي انتقل من الخرج إلى الأحساء ومات هناك بغير عقب (١) .\n\nوغيرهم ممن جاء ذكرهم في رسائل الشيخ كابن إسماعيل وابن ربيعة وابن مطلق وابن عبد اللطيف وصالح بن عبد الله وغيرهم وقد بلغ ماجمع من رسائله التي توضح دعوته ﵀ والرد على ما قيل نحوها من افتراءات واحد وخمسون رسالة، وطبعت في ٣٢٣ صفحة ضمن مجلد واحد وهي ذات فائدة كبيرة لمن يريد التحقق عن كثب عن كنه الشيخ ودعوته ولا ريب أن كثيرًا من ناوأها عندما استبانت له الحقيقة رجع عن رأيه السابق لأن الحق أحق أن يتبع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>الهدف من التسمية: </span>-\n\nلئن كان مسعود الندوي - ﵀ - في كتابه \" محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه \" قد قال: إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسميتها بالوهابية ولكن أصحاب المطامع حاولوا ن هذه التسمية أن يبثوا أنها دين خارج على الإسلام واتحد الإنجليز والأتراك والمصريون فجعلوها شبحًا مخيفًا بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين ورأى الأوروبيون فيها خطرًا على مصالحهم ربطوا حبالها بالوهابية النجدية وإن ناقضتها (٢)\nفإن الشيخ أحمد بن حجر قاضي المحكمة الشرعية الأولى بقطر قد ربط افتراءات بعض المتكلمين الحنابلة السابقين بالافتراءات على الشيخ محمد\n_________\n(١) - في تراجم هؤلاء انظر السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لإبن حميد وعلماء نجد في ستة قرون لإبن بسام، وروضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين لمحمد بن عثمان القاضي.\n(٢) - انظر كتابه هذا ترجمة عبد العليم البستوي مراجعة وتقديم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي ص ١٦٥.","vol":"1","page":96},{"text":"لأن المخالفين لا ينقصون من قدر الآخرين إلا بالافتراء عليهم وكذلك المستعمر لا يجد طريقًا في القضاء على الحركات الإسلامية إلا بمثل هذا الأسلوب.\n\nوكان مما قاله الشيخ أحمد في كتابه \" نقض كلام المفترين الحنابلة السلفيين \":\n«ونسبوا إلى الشيخ وإلى أتباعه أنهم لا يجعلون للرسول ﷺ حرمة بل يقول أحدهم عصاي خير من الرسول. ولا يرون للعلماء ولا الصالحين مقامًا وينكرون شفاعة الرسول ﷺ ويحرمون زيارة القبور وقبور سائر المؤمنين ولا يرون الصلاة على الرسول ﷺ ولا يعتنون بكتب الأئمة بل يحرقونها ويتلفونها ولا يرون تقليدهم جائزًا ويكفرون المسلمين من قرون عديدة سوى من كان على معتقدهم ويحرمون قراءة المولد النبوي» (١) إلى غير ذلك من المزاعم.\n\nوالجواب أن هذه الأشياء المنسوبة إليهم كلها كذب لا نصيب لها من الصحة أبدًا وهذه كتبهم مطبوعة تباع وتوزع فمن أراد أن يعرف كذب هذه المزاعم فليقرأ كتبهم (٢) .\nومن هنا ندرك السر في الإصرار على لقب الوهابية وإشاعة أنهم مذهب خامس لأن علماء المغرب قد اكتووا بنار الوهابية الرستمية الخارجية الأباضية التي قامت هناك وأسسها عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم في آخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري ولديهم فتاوى حولها ومذهب أهلها كما أوضحنا من قبل.\nفهي ثوب جاهز ما على أعداء الدعوة إلا خلعه على هذه الدعوة الجديدة\n_________\n(١) - من المعلوم أن إقامة المولد النبوي وقراءة المولد على ما يفعله البعض تقربًا وتعبدًا بدعة، يراجع القول الفصل في مولد خير الرسل ﷺ للشيخ إسماعيل الأنصاري.\n(٢) - انظر كتابه هذا ص ٥٧ - ٥٨ إلى ص ١٠١ حيث يرد على تلك الشبه.","vol":"1","page":97},{"text":"من باب التنفير واختصار الطريق لأنه لا يخدم المستعمر في ديار الإسلام إلا أصحاب البدع والخرافات.\n\nأما العلماء من أصحاب المصالح فتمسكوا بما قيل من افتراءات وألصق من شبهات رغم أن الحوار والنقاش ينفي تلك التهم وأنها لا أساس لها من الصحة ويتبرأون منها وما ذلك إلا أن الهوى يعمي ويصم.\n\nولكي يؤكدوا صحة ما وضعوا من شبهات استغل أعداء الدعوة ما صار بين الشيخ محمد وأخيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب من خلاف بادئ الأمر حيث عارضه سليمان شأنه شأن طلبة العلم في منطقة نجد وخارجها عدم الاستجابة إلا بعد معرفة الحقيقة فإذا استبان الرشد رجعوا للحق مذعنين.\n\nوالشيخ سليمان أيضًا ممن اقتنع بحقيقة الدرب الذي سار فيه أخوه وسلامة المقصد فصار من مؤيديه بعد ذلك.\n\nنقول استغل الخصوم ذلك فألفوا رسالتين نسبتا إلى سليمان هذا هما \" الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية \" و\" فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب \"\n\nبينما المتتبعون للأمر ينفون ذلك عن سليمان وإنما قصد إلصاقها بسليمان لزيادة التنفير بأن أخاه سليمان وهو أقرب الناس أنكر عليه بينما واقع الحال أنه تابعه ووفد إليه معتذرًا في الدرعية.\nوكدليل آخر على كذب هذه المؤلفات وعدم صحة نسبتها لسليمان أن لقب الوهابية لم تتفتق عنه الحيلة إلا مع الحملات التركية المصرية بقيادة إبراهيم باشا على نجد وبعد موت الشيخ محمد بأكثر من عشرين سنة وبعد موت سليمان أيضًا. بدليل أن \" ني بور \" المعاصر الأوروبي للشيخ محمد لم يستعمل اصطلاح الوهابية أصلًا وقال مسعود الندوي عنه:\nويظهر من","vol":"1","page":98},{"text":"هذا اصطلاح الوهابية لم يكن معروفًا إلى ذلك الوقت ولكنه يسمي دعوة الشيخ بدين جديد New ﷺ eligion مع أنه في النهاية يعبر عن مذهب محمد بن عبد الوهاب الجديد بالمحمدية. وأن أول ذكر للوهابية جاء عند \" برك هارت \" الذي جاء الحجاز بعد استيلاء محمد علي في سنة ١٢٢٩ هـ كما جاء ذلك عند الجبرتي في تاريخه (١) .\n\nوكما جاء أيضًا في رحلة سادلير التي مر بنا ذكرها.\n\nوقرينة ثالثة فلو كان سليمان بن عبد الوهاب ممن رد على أخيه وناوأ الدعوة فإن اسمه سوف يتكرر في الردود وسيأتي له ذكر أسوة بأسماء من ناوأها ولو لفترة حيث الجدل والنقاش مستمر وإنما هو ثوب ألبس لسليمان هذا ولم يكن له، كما ألبست الدعوة اصطلاحًا لا يربطها به صلة، لتنافر ما بين دعوة الشيخ محمد والوهابية الرستمية الخارجية، من حيث المعتقد والمحتوى والمكان والطريقة والاستشهاد بالدليل الشرعي ولذا لم يرد له ذكر في ذلك مما يدل على براءته من ذلك.\nفالوهابية الرستمية تخالف معتقد أهل السنة والجماعة كما هو معروف عنهم من الدارسين لحالهم؟، بينما الشيخ كما يقول بنفسه في رسائله وتشهد به جميع كتبه وكتب أبنائه وتلاميذه: متبع وليس بمبتدع يسير وفق مذهب أهل السنة والجماعة ويدعو رأيه بالدليل الصحيح من كتاب الله الكريم وسنة رسوله المصطفى ﷺ وما انتهجه السلف الصالح من القرون المفضلة كما هو واضح القياس في جميع كتبه ورسائله.\nوقرينة رابعة: فإن مخالفة سليمان بن عبد الوهاب لأخيه كانت في بداية أمر الشيخ محمد، ووقتها لم تتعد الردود الكلام الشفوي والمراسلات\n_________\n(١) - راجع كتاب الندوي محمد بن عبد الوهاب ص ١٦٧ - ١٦٨.","vol":"1","page":99},{"text":"الصغيرة، وابن غنام ممن رصد ذلك بتاريخه وقد عاصرهما وتوفي بعدهما بزمن ولم يذكر من ذلك شيئًا رغم أنه ذكر المخالفين للشيخ. هذا من جانب ومن جانب آخر فإن كلمة الوهابية نسبة لوالدهما سويًا ولا يمكن أن يكون لسليمان الابتداع في إطلاقها لأنه لم يرد على والده من جهة ومن جهة أخرى فإنه يدرك أن النسبة خطأ لأنها من نسبة الشيء إلى غير أصله فال يمكن أن تقول للمكي إنه مدني ولا للمغربي أنه هندي وإن أطلقت تجاوزًا فهما يشتركان فيها، الراد والمردود عليها. وهذه لا تنطلي على سليمان بن عبد الوهاب إذا كان هو صاحب الرد حقيقة.\n\nوقرينة خامسة: أن الكاتبين عن الدعوة في وقتها حيث لفتت الأنظار من الغربيين وغيرهم مثل \" ني بور \" ممن عاصرها الذي وصل إلى الأحساء فقد كان يسميها المحمدية نسبة إلى محمد ابن عبد الوهاب وتارة يسميها الدعوة الجديدة. وهذان الاسمان لا يحققان الغرض المقصود باستثارة العامة و\" برك هارت \" الذي وصل الحجاز عام ١٢٢٩ هـ وقابل محمد علي وأثنى على هذه الدعوة ومكانتها العقدية وسلامتها من الشوائب وانتقد من يخافها فيما رصده برحلته. مما يبرهن على أن الحيلة قد تفتقت عن اسم يراد به الإثارة. ويعطي شرعية على تحريك الجيوش، وتجريد الحملات ضد هذه الدعوة بمثل هذا اللقب الجديد الذي لابد أن يكون له جذور تستولي على المشاعر وإثارة الحماسة.\n\nولذا سبقت هذه التسمية الحملات من أجل إرهاق الناس بالضرائب ودعوتهم للبذل والإنفاق كما ذكر الجبرتي في تاريخه من أقاويل عنهم بوجوب قتال الخوارج، وبأن الوهابية الأباضية الخارجية قد عادت للظهور فيجب بذل المستطاع لمحاربتها.","vol":"1","page":100},{"text":"هذا من أهم بواعث نفض الغبار عن ذلك اللقب الكامن في سجلات التاريخ ولذا فإنه قد كذب على سليمان بن عبد الوهاب تأليف هذه الرسالتين بعد موته بزمن. كما زيفت في الوقت الحاضر مذكرات \" همفر \" الذي قيل عنه بأنه جاسوس بريطاني وعن علاقته بالشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث لم يعرف لذلك أصل ولم يسمع بهذا الشخص من قبل.\n\nوهذا من الادعاءات التي لا برهان عليها أو دليل يؤيدها ... والكذب لا حدود له.\nوأعداء الإسلام يهتمون بإثارة مثل هذا لما فيه من بلبلة للأفكار وتحريك للفتن ونزع للثقة من كل داعية مخلص.\nوصحافة اليوم دليل قاطع على هذا المنهج في الإثارة وكثرة الافتراءات على كثير من الدول لأن منهجها يخالف الآخرين.\n\nذلك أن الدين الحق الصافي من الشوائب كلما برز وبدأ الناس يميلون إليه لما فيه من تخليص للنفوس والمجتمعات من السلبيات التي تدخل على دين الإسلام وهو منها براء، ينزعج أعداء الإسلام من ذلك العمل الذي يؤلف القلوب فيحركون أعوانهم لمباعدة هذا الاقتراب، كما تحس هذا عندما قام الفلسطينيون بانتفاضتهم بالحجارة والهتافات ... فقد انزعج اليهود من الدعوة للجهاد التي هتفت بها الأطفال ومن ترديدها لكلمة \" الله أكبر \" وأشاعوا في العالم بوسائل إعلامهم أن التمرد شيوعي ليصرفوا النظر عن الاتجاه الإسلامي الذي خشاه اليهود.. فما أشبه الليلة بالبارحة.\n\nوالأمثال في ذلك كثيرة في كل مكان وزمان: فهذا الوتري المولود بالمدينة عام ١٢٦١ هـ والذي رأى الأستاذ أحمد العماري الذي حقق رسالته في","vol":"1","page":101},{"text":"محاكمة السلفية الوهابية بالمغرب في تساؤلاته حول هذه الرسالة بما نصه:\nألا يكون الوتري أراد من مرافقته هاته ومحاكمته متابعة السلفية بالمغرب كما تابعها بالمشرق حسب الإشارات التي وردت عنده بالرسالة؟ لماذا يتحيز للسلطان التركي وللوالي على مصر ضد محمد بن عبد الوهاب فهل هو تزمت شديد للطرقية على حساب السلفية، أو توجد خلفيات أخرى وراء التحامل؟ نحاول أن نجيب على هذه الأسئلة من خلال عرض الأسباب التي جعلت الوتري يكتب رسالته (١)\nإذا فكل من كتب كان لسبب دفعه وهدف وجه إليه.\nفقد تأثر أمثال الوتري باهتمام أهل المغرب بالدعوة السلفية بعد أن وصلت رسالة الإمام سعود بن عبد العزيز في عام ١٢٢٥ هـ حيث عهد المولى سليمان العلوي للأديب السيد حمدون بن الحاج الفاسي الإجابة عليها وقد أرفق بالجواب قصيدة مدح فيها ابن سعود وقد أكد أبو عبد الله محمد الكنسوس أن حمدون بن الحاج أجاب ابن سعود ومدحه بأمر من السلطان سليمان وبرهن على ذلك بأمور مقنعة ثم ذكر المحقق بعضًا من هذه الميمية في مدح سعود ومنها:\nإن قمت فينا بأمر لم يقم أحد *** به فجوزيت ما يجزاه ذو نعم\nبقطع أهل الحروب بالحجاز بأن *** يقتلوا أو يصلبوا بلاوهم\n\nأو أن تقطع أيديهم وأرجلهم *** عن الخلاف أو أن ينفوا من أرضهم\n_________\n(١) - انظر ص ٤ من هذا التحقيق بمجلة كلية الآداب بفاس شعبة التاريخ عدد خاص سنة ١٤٠٦ هـ عام ١٩٨٥ م ويقع هذا التحقيق في ٤٦ صفحة، وقد دافع المحقق بإنصاف عن السلفية في المغرب.","vol":"1","page":102},{"text":"حتى جرى الماء في بلد الحجاز بأن *** طلعت سعد سعود غير ملتثم\nلاشيء يمنع من حج ومعتمر *** وزورة يكمل المأمول من حرم\nإذ عاد درب الحجاز اليوم سالكه *** أهنأ وأمن من حمامة الحرم\nمذُ لاح فيه سعود ماحيًا بدعًا *** قد أحدثتها ملوك العرب والعجم (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>من نتائج الخصومة: </span>-\nلقد كانت العيينة التي ارتبطت باسم الشيخ محمد وتحركت منها دعوته الأولى، قلعة علمية يرتادها طلاب العلم ورواد المعرفة ويجاورها من الشرق بلدة صغيرة اسمها الجبيلة وقد التصقتا الآن في مدينة واحدة (٢)\n\nوبالجبيلة كانت توجد قبور الصحابة رضوان الله عليهم الذين قتلوا في حروب الردة حيث قرب المكان من مواقع معارك اليمامة التي أعز الله فيها دينه بقتل مسيلمة الكذاب. ومع الجهل وطول الزمن وضعف العقيدة في النفوس اتخذ الناس عليهم المباني ونصبت القباب على قبر زيد بن الخطاب وبقية الصحابة فصارت النذور تقدم لهم والقرابين تدفع ضدهم وقصدهم الناس من دون الله.\n\nوالذي يرجع لمبدأ البناء على القبور في العالم الإسلامي يراه مرتبطًا بقيام دولة القرامطة في الجزيرة العربية والفاطميين في المغرب ثم في مصر\n_________\n(١) - نفس المصدر السابق ص ١٢. ويلاحظ أن بعض الأبيات لم يستقم وزنها.\n(٢) - تبعد عن الرياض ٤٠ كم من الجهة الشمالية الغربية.","vol":"1","page":103},{"text":"ولكن العلماء لا يحركون ساكنًا لأن جوهر العقيدة وهو المحرك لذلك قد ضعف بل بلغ الأمر إلى الجهة التي لا يوجد فيها أولياء يبنى على قبورهم كان الناس يبحثون عن شئ يتعلقون به كالشجر والحجر والمغارات وغيرها.\n\nومن يدرك من العلماء ضرر ما وقع فيه الناس من خلل وبعد عن العقيدة الصافية فإنه تنقصه الشجاعة في إظهار الأمر ولا يستطيع الجهر خوفًا من العامة التي تدعمها السلطة.\n\nلكن الشيخ محمد ﵀ أدرك هذا وهو لا يزال طالبًا إذ بدأ ينمي الشجاعة في نفسه ويوطنها على التحمل في سن مبكرة ويبين ما يحب إيجابه كلما عرض له مناسبة في مثل هذه المواقف.\n١- عندما كان يدرس في العيينة كان أحد أساتذته إذا أراد بدء درسه همهم بدعاء يستعين فيه بزيد بن الخطاب ويطلب منه المدد فكان محمد يرد بصوت خفيف لا يسمعه غير هذا الأستاذ لينبهه: الله أقدر من زيد.\nومع الزمن ترك الأستاذ تلك العادة ثم استدعاه ونصحه بالرفق فيما هو مقبل عليه مع الحلم في دعوة الناس لأن تغيير ما ألفه الناس وإن كان باطلًا يحتاج إلى علم مقرون بحلم وشجاعة.\n\n٢- وعندما كان يطلب العلم في مكة كان يجلس في حلقة أحد المشايخ الذي أعجب به وبذكائه وكان هذا الشيخ إذا قام من كرسيه بعد انتهاء الدرس يقول: يا كعبة الله. فأراد محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن يلفت نظر الشيخ وبرفق لهذا الخطأ العقدي. فجاء إليه يومًا مبكرًا وقبل وصول الطلاب وقال له: أريد أن أقرأ عليك شيئًا من حفظي في القرآن فرحب الشيخ بذلك: فقرأ عليه سورة قريش فلما وصل إلى الآية:","vol":"1","page":104},{"text":"﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ قرأها فليعبدوا هذا البيت فرد عليه الشيخ الخطأ وصحح له ولكنه أعادها ثلاثًا بنفس الخطأ فقال له الشيخ: أنت ذكي فلماذا كررت الخطأ وهذا لا يصح لأن العبادة لله لا للبيت فقال: يا شيخ معذرة فقد تأثرت بك. فقال عجيب وماذا قلت؟ فأخبره بما يقول كلما قام. قال الشيخ هذا خطأ وقد قلدت غيري فيه من دون روية واستغفر الله من ذلك. وأبطل هذه العادة. ثم قال له: سيكون لك شأن ولكن عليك بالتحمل والصبر.\n٣- أما في الزبير بالعراق فقد آذوه وطردوه لأنه أنكر عليهم التمسح والتوسل بقبر الزبير بن العوام الذي سميت البلدة باسمه.\n٤-وعندما كان يدرس تلاميذه في الدرعية التوحيد وأيقن أنهم قد أدركوا ذلك أراد اختبارهم وكان بعد صلاة الفجر فقال في أول الدرس لطلابه لقد سمعت ضجة ليلة البارحة في أحد أحياء المدينة وصباحًا فماذا ترون قد حصل؟ فاهتم التلاميذ بالمساهمة والحماسة إذ لعله سارق أو مجرم أو شخص يتعدى على أعراض الناس.\nوفي اليوم التالي: سألهم هل عرفتم الأمر وماذا ترون جزاءه. فقالوا: لم نعرف ولكن يجب أن يجازى بأقصى العقوبات الرادعة.\nفقال الشيخ محمد مهونًا الأمر أمامهم ليعرف نتائجه في نفوسهم: أما أنا فقد عرفت: ذلك أن امرأة نذرت أن تذبح ديكًا أسود للجن إن عوفي ابنها من مرض لم به وقد عوفي فتعاونت مع زوجها على ذبح الديك فهرب منهم وصاروا يلاحقونه من سطوح المنازل حتى أمسكوه وذبحوه بدون تسمية للجن كما أخبرها بذلك أحد المتعاطين للسحر.","vol":"1","page":105},{"text":"فهدأت ثائرة الطلاب. فلما رأى هذا منهم. قال: إنكم لم تعرفوا التوحيد الذي درستم. لما كانت المسألة جريمة يعاقب عليها الشرع بالحد الموضح نوعه في كتب الفقه أهمكم الأمر وتحمستم له ولما أصبح الموضوع يتعلق بالعقيدة هدأتم بينما الأول معصية أما الثاني فشرك والشرك يقول الله فيه ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (سورة النساء آية ٤٨)\nإذًا سنعيد دراسة التوحيد من جديد ثم جاءته فكرة إعداد كتاب التوحيد وتقريره على طلابه من تلك الحادثة.\n\nلقد نتج عن دعوة الشيخ أمور منها:\nبالنسبة لمن يريد أن يسترشد فإنه قد كتب بعضهم للشيخ مستوضحًا عما وصله من أخبار الشيخ ومستجلبًا للإجابة عن الشبهات التي نسبت للشيخ ووصل إليهم علمهم.\n\nورسائل الشيخ التي أشرنا إليها من قبل تنبئ عن ذلك ولذا فإن من فطنة الشيخ أن يخبرهم بأسماء من أشاعها من طلبة العلم في زمانه ويوضح لهم ما يجب عليهم.\nأما العلماء الذين يريدون الوصول للحقيقة فكانت كتاباتهم للشيخ تتسم بعمق النظرة وتركيز السؤال حيث يحكمون على الشيخ من إجابته المدعومة بالدليل الشرعي نقلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو عقلًا بما هو مدرك ومحسوس. وهؤلاء الطلاب في الغالب الأعم عندما يتبين لهم الحق يتبعونه ويركنون إليه وتعتبر بمثابة التعليم لهم والإرشاد كما في رسالته إلى","vol":"1","page":106},{"text":"محمد بن عيد من مطاوعة ثرمداء (١) ورسالته إلى البكيلي في اليمن (٢) ورسالته إلى عبد الله بن سحيم مطوع المجمعة (٣) وغيرها.\nأما الحكام الذين هدفهم حقيقة الدفاع عن دين الله ورد الشبهات التي تثار حوله فإنهم يتخذون المناظرة طريقًا للوصول للهدف ولا يجري المناظرة إلا من لديه استعداد بالرجوع للحق إذا استبان له كما حصل لهذه الدعوة مع علماء مكة التي جرت على إثرها مناظرة بين علماء مكة وعلماء من الدرعية منهم الشيخ محمد بن معمر، والشيخ عبد العزيز الحصين. وقد كانت النتيجة قناعة علماء مكة بسلامة منهج هذه الدعوة وصحة الخط الذي تسير فيه (٤) ومع ملوك المغرب فقد كتب الشيخ محمد رسالة لأهل المغرب (٥) ثم رسالة أخرى قال عنها أبو العباس الناصري في كتابه التاريخي \" الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى \" وفي هذه المدة أيضًا وصل كتاب عبد الله بن سعود الوهابي النابغ بجزيرة العرب، المتغلب على الحرمين الشريفين المظهر لمذهبه فيها إلى فاس المحروسة بكتاب لأن ابن سعود لما استولى على الحرمين بعث كتبه إلى الآفاق كالعراق والشام ومصر والمغرب يدعوا الناس إلى اتباع مذهبه والتمسك بدعوته ... ثم شكك المؤلف هل الرسالة أصلها لتونس حيث بعث مفتيها نسخة إلى فاس. أم أنها موجهة\n_________\n(١) - هي الرسالة الثالثة من رسائله ص ٢٤ - ٣٠ وأيضًا الرسالة الثانية من رسائله ص ١٦ - ٢١.\n(٢) - هي الرسالة الرابعة عشر من رسائله ص ٩٤ - ٩٨.\n(٣) - انظر مثلًا الرسالة ١١ ص ٦٢ - ٧٦، والرسالة ٢٠ ص ١٣٠ - ١٤٠.\n(٤) -راجع كتاب البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد الطبعة الأولى سنة ١٤٢٤ هـ.\n(٥) - هي الرسالة ١٧ من رسائله ص ١١٠ - ١١٥.","vol":"1","page":107},{"text":"للسلطان المولى سليمان العلوي بالقصد إلا أن نسخة منه وردت بواسطة علماء تونس (١) .\n\nومن باب الإيضاح: فإن هذه الرسالة قد بعثها الإمام سعود بن عبد العزيز بع أن استولى على المدينة في عام ١٢٢٠ هـ لأن الشيخ محمد قد توفي في عام ١٢٠٦ هـ\nوقد وجدت نسخة من هذه الرسالة منشورة باللغة العربية في صحيفة (اسلاميكا) الألمانية ISLAMICA العدد الأول المجلد السابع الصادر في عام ١٩٣٥ م ضمن مقال مطول باللغة الألمانية لأحد المستشرقين عن الوهابية بالمغرب.\nوهذه الرسالة لشرح حقيقة التوحيد وما تنطوي عليه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتقع في ثلاث صفحات (٢)\nولقد كان لهذه الرسالة صدى لدى حكام المغرب العلويين الذين قامت دولتهم لمحاربة النصارى والنهوض بالمغرب الأقصى منذ عام ١٦٣١ م الموافق لعام ١٠٤١ هـ (٣) .\nففي عام ١٢٢٦ هـ - يقول الناصري: - وجه السلطان المولى سليمان ﵀ ولده الأستاذ الأفضل المولى أبا إسحاق إبراهيم بن سليمان إلى الحجاز لأداء فريضة الحج مع الركب النبوي الذي جرت العادة بخروجه\n_________\n(١) - انظر الاستقصاء ٨ ص ١١٩ - ١٢٠.\n(٢) - انظر تلك المجلة حيث علق المستشرق على هذه الرسالة مشوهًا الدعوة بخلاف ما فيها من وضوح وأدلة.\n(٣) - راجع كتاب المغرب الكبير للدكتور جلال يحيى ج ٣ ص ٦٥ - ٦٦ ويرى صاحب الاستقصاء أنه عام ١٠٤٥ ج ٧ ص ١٥.","vol":"1","page":108},{"text":"من فاس على هيئة بديعة من الاحتفال ... وكانت الملوك تعتني بذلك وتختار له أصناف الناس من العلماء والأعيان والتجار والقاضي وشيخ الركب وغير ذلك مما يضاهي ركب مصر والشام وغيرهما فوجد السلطان ولده المذكور في جماعة من علماء المغرب وأعيانه مثل الفقيه العلامة القاضي أبي الفضل بن العباس بن كيران، والفقيه الشريف البركة المولى الأمين بن جعفر الحسني الرتبي، والعلامة الفقيه الشهير أبي عبد الله محمد العربي السواحلي وغيرهم من علماء المغرب (١) إلى أن قال: ولما اجتمع (٢) بالشريف المولى إبراهيم أظهر له التعظيم الواجب لأهل البيت الكريم وجلس معه كجلوس أحد أصحابه وحاشيته وكان الذي تولى الكلام عه الفقيه القاضي أبو إسحاق إبراهيم الزداغي فكان من جملة ما قال ابن سعود لهم: إن الناس يزعمون أننا مخالفون للسنة المحمدية فأي شئ رأيتمونا خالفنا من السنة وأي شئ سمعتموه عنا قبل اجتماعكم بنا فقال القاضي: بلغنا أنكم تقولون الاستواء الذاتي المستلزم لجسمية المستوى: فقال لهم: معاذ الله إنما نقول كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة فهل في هذا مخالفة؟ قالوا: لا. وبمثل هذا نحن أيضًا نقول ثم قال القاضي: وبلغنا أنكم تقولون بعدم حياة النبي ﷺ وحياة إخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم، فلما سمع ذكر النبي ﷺ ارتعد ورفع صوته بالصلاة عليه.\nوقال معاذ الله إنما نقول إنه ﷺ حي في قبره وكذا غيره من الأنبياء حياة فوق حياة الشهداء ثم قال القاضي: وبلغنا أنكم تمنعون من زيارته ﷺ وزيارة سائر الأموات مع ثبوتها في الصححاح التي لا يمكن إنكارها فقال معاذ الله أن ننكر ما ثبت في شرعنا وهل منعناكم أنتم لما\n_________\n(١) - انظر الاستقصاء لأخبار المغرب الأقصى ج ٨ ص ١٢٠.\n(٢) - الضمير في اجتمع يعود إلى ابن سعود.","vol":"1","page":109},{"text":"عرفنا أنكم تعرفون كيفيتها وآدابها وإنما نمنع منها العامة الذين يشركون العبودية بالألوهية ويطلبون من الأموات أن تقضي لهم أغراضهم التي لا تقضيها إلا الربوبية وإنما سبيل الزيارة الاعتبار بحال الأموات وتذكر مصير الزائر إلى ما صار إليه المزور ثم يدعو له بالمغفرة ويستشفع به إلى الله تعالى (١) ويسأل الله تعالى المتفرد بالإعطاء والمنع هذا قول إمامنا أحمد ابن حنبل ﵁ ولما كان العوام في غاية البعد عن إدراك هذا المعنى منعناهم سدًا للذريعة فأين مخالفة السنة في هذا القدر. ثم قال صاحب الجيش: هذا ما حدث به أولئك المذكورون سمعنا ذلك من بعضهم جماعة ثم سألنا الباقي أفرادًا فاتفق خبرهم على ذلك (٢) .\n\nثم قال المؤلف: وأقول بأن السلطان المولى سليمان ﵀ كان يرى شيئًا من ذلك ولأجله كتب رسالته المشهورة التي تكلم فيها على حال متفقرة الوقت وحذر فيها ﵁ من الخروج عن السنة وتغالي العوام في ذلك وأغلظ فيها مبالغة في النصح للمسلمين جزاه الله خيرًا (٣)\nوقد نشأ عن اهتمام ملوك المغرب بالاتجاه السليم في العقيدة لأنهم يبحثون عن الحكمة التي ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها أن رأينا منهم اهتمامًا كبيرًا بتنقية العقيدة:\n\n١- فهذا السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي وصفه المؤرخ\n_________\n(١) - ابن سعود لا يقول هذا، ولكن آفة الأخبار رواتها لأنه منفي فالاستشفاع بالميت إلى الله تعالى غير جائز سواء كان بطلب الدعاء منه أو غير ذلك لأن عمله انقطع إلا من ثلاث علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له أو صدقة جارية كما صح الحديث يرجع إلى التحقيق والإيضاح لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في آداب الزيارة.\n(٢) - الاستقصاء ج ٨ ص ١٢١ - ١٢٢.\n(٣) - نفس المصدر ص ١٢٣.","vol":"1","page":110},{"text":"الفرنسي شارلي جوليان في كتابه تاريخ إفريقيا الشمالية تعريب محمد المزالي والبشير بن سلامة بقوله: وكان سيدي محمد وهو التقى الورع على علم بواسطة الحجيج بانتشار الحركة الوهابية في الجزيرة العربية وتأييد عائلة آل سعود لها وقد أعجب بصرامتها وكان يؤثر عنه قوله: \" إني مالكي المذهب وهابي العقيدة \" ومضت به حماسته الدينية إلى الإذن بإتلاف الكتب المتساهلة في الدين حسب رأيه والمحللة لمذهب الأشعرية وتهديم بعض الزوايا مثل زاوية بوجاة (١)\nوقد توفي هذا السلطان في شهر رجب من عام ١٢٠٤ هـ (٢)\n\n٢- والسلطان سليمان التي مرت بنا مناظرته قد أحب هذه الدعوة وعمل جاهدًا على إصلاح وضع المغرب برسالته التي عمم وبمحاربته للطرق الصوفية المنحرفة \" المربوطية (٣) وكانت وفاته عام ١٢٣٨ هـ كما قال بذلك الناصري في كتابه الاستقصاء بعد أن أثنى على ديانته وسيرته وحرصه على محاربة الإلحاد والبدع (٤) .\n٣- والسلطان الحسن الأول في عام ١٣٠٠ هـ وجه رسالة إلى الشعب المغربي يودع فيها القرن. ويتحدث عن ضرورة الرجوع على الكتاب والسنة ومحاربة البدع ويرغب في حسن العقيدة كما قال بذلك الدكتور عباس الجراري في محاضرة ألقاها بجامعة الرياض سنة ١٣٩٩ هـ حيث قال: إنه عاش في السنوات الأولى لهذا القرن في المغرب مع الدعوة السلفية على أيد أحد كبار العلماء المحدثين المغاربة وهو الشيخ أبو شعيب الدكالي الذي أقام بمكة مدة تزيد على عشر سنين وقام بتدريس الحديث في الحرم\n_________\n(١) - انظر هذا الكتاب ج ٢ ص ٣١١.\n(٢) - انظر خبر وفاته في الاستقصاء ج ٨ ص ٦٥.\n(٣) - انظر كتاب انتشار دعوة الشيخ محمد لمحمد كمال جمعه ص ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٤) - راجع ج ٨ ص ١٦٤ - ١٦٦.","vol":"1","page":111},{"text":"المكي ثم عاد على المغرب حيث أصبح زعيمًا للحركة السلفية لمدة تزيد على ربع قرن وبشر بالفكرة السلفية وحارب البدع والضلالات (١) .\n\nهذا على جانب اهتمام المسلمين بها في كل مكان وتحقيق طلبة العلم من صدق الهدف وبعدها عن مسارب البدع والخرافات التي أنكرها علماء الإسلام في كل مكان.\n\nولقد زاد الأمر وضوحًا أن الناس في كل مكان ما كانوا ليقتنعوا إلا بما هو واضح يدعمه الدليل فوضح أمامهم أن محمد بن عبد الوهاب كغيره من الدعاة المصلحين جاء ليجدد الدعوة وينقي العقيدة من الفساد الذي أدخل عليها نتيجة الجهل أداء للأمانة ونصحًا للأمة ليعيد الناس بأعمالهم واعتقادهم إلى منهج السلف الصالح منذ عهد رسول الله ﷺ إلى نهاية القرن الثالث الهجري حيث بدأت البدع تدخل الصف الإسلامي نتيجة غلبة الأمم والتأثر بثقافات وأفكار الأمم والأخرى في معتقداتها ولضعف العلماء في أداء الأمانة.\nوتعتبر الدولة الفاطمية التي ناوأها أهل المغرب في القرن الرابع الهجري فاتجه شر في تاريخ البدع في المجتمع الإسلامي وقد أبان عن أعمالهم ابن عذارى المراكشي في تاريخه البيان المغرب في تاريخ الأندلس والمغرب وأتى بالشيء الكثير من سيرهم وأعمالهم حيث يرى أنهم ليسوا من نسل فاطمة الزهراء وإنما يعودون إلى اليهود وأنهم من اصل غير شرعي حيث اتصلوا بابن الحلاج وأخذوا عنه هذا المعتقد (٢)\n_________\n(١) - من أراد رسالته هذه فليرجع لكتاب الترجمانة الكبرى ص ٤٦٦ - ٤٧٠.\n(٢) - انظر نسبهم في البيان المغرب ج ١ ص ١٥٨ - ١٥٩ لابن عذارى.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>وبعد</span>\nفإذا كان الفقهاء ﵏ يقولون:\nالأصل براءة الذمة ورجال القانون في العصر الحاضر كلمتهم المعهودة تقول: المجرم برئ حتى تثبت إدانته، وأصدق من ذلك قول الله ﷿:\n﴿فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ (سورة الحجرات آية ٦)\nفإن من مهمات طالب العلم عدم الانسياق خلف كل قول من دون تحقيق أو تثبت لأن زلة العالم كبيرة وانسياقه خلف آراء أصحاب الأهواء يزري بمكانته ويقدح في عدالته فلقد جاء في الأثر: إذا جاءك الخصم قد فقئت عينه فلا تحكم له فلعل الآخر قد فقئت عيناه.\n\nذلك أن الخصومة في الرأي أو المعتقد أو الحقوق مداولة بين الطرفين فلا يصح أن يؤخذ الحكم من جانب ويترك الجانب الآخر وإلا أصبح في الحكم تحيز.\nوإصدار الحكم عدالة يجب التثبت منها والتروي في نتيجتها حتى لا تكون جائرة لأن منهجنا في الإسلام حفظ اللسان من الزلل والأعمال من الخطأ.\nوميزان ذلك الحفظ، عرض كل أمر على كتاب الله وسنة رسوله الكريم: ﴿فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول﴾ (سورة النساء آية ٥٩) والحق أحق أن يتبع.","vol":"1","page":113},{"text":"يقول عمر بن عبد العزيز - ﵀: -\nلأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة، هذا لرغبته ﵀ عدم إيجاد نفرة في المجتمع الإسلامي أفرادًا وجماعات\nولئن كانت هذه التسمية - الاصطلاحية - خطأ في النسبة والمعتقد كما كانت الآراء المنسوبة للشيخ محمد وأتباعه خطأ وتبرأوا من ذلك كتابة ومناقشة، فإن المتتبعين لذهه العقيدة السلفية هم أعرف بما تعنيه من دلالات واضحة من مصدري التشريع في دين الإسلام: كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﷺ ولذا لم يتبرموا من هذا اللقب لإدراكهم بأن ما قيل ما هو إلا محض افتراء لا يثبت بالنقاش والمحاورة فهم متبعون للمحجة البيضاء التي ترك سيدنا رسول الله ﷺ أصحابه عليها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وهي مأخوذة من قوله ﷺ وعمله وتقريره، وبعد التوثق من ذلك صحة وسندًا.\n\nفهذا عمران بن رضوان، وهو من مسلمي خارج الجزيرة، وعلماء بلدة لنجه، عندما بلغته هذه الدعوة وتحقق عنها مدحها بقصيدة جاء فيها هذا البيت (١) .\n\nإن كان تابع أحمد متوهبًا *** فأنا المقر بأنني وهابي\nوما ذلك غلا هذا اللقب كما قال العالم العراقي محمد بهجت الأثري: من وحي أعداء الإسلام، والذين كانوا يظنون أن العالم الإسلامي قد صار جثة هامدة لا حراك بها ولابد أن تكون الدول الاستعمارية هي الوارثة لأرضه وكنوزه ومعادنه وخيراته، فوضعت هذه الدعوة الجديدة التي انبعثت\n_________\n(١) - المذكور من علماء ووجهاء مدينة لنجد بإيران.","vol":"1","page":114},{"text":"من قلب جزيرة العرب مدوية لجمع شمل المسلمين وإنقاذهم من المهالك في ثورة الطائفية التي تزيد أرقام الطوائف رقمًا جديدًا أي عكست الحال فنبزتها بالوهابية وأذاعت هذا النبز الأنباء الذائعة الشهرة فتلقفته الأسماع ورددته الألسن وراق الدولة العثمانية هذا النبز فأجرته عل ألسنة الدراويش ومرتزقة طعام التكايا والزوايا من تنابلة السلطان وأفرطت في إلقاء الشبهات عليه وتشويهه ولا سيما بعد استفحال شأنه وقيام الدولة العربية الإسلامية في جزيرة العرب على أساسه وقواعده (١) .\nولقد رأيت من المناسبات أن أختم هذه الرسالة الموجزة بكتابين: أحدهما أرسله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب إلى ثلاثة من علماء المجمعة والآخر من الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأهل القصيم إلا أن تأريخهما بكل أسف لم يكن واضحًا. في هذا الكتاب يوضح الشيخ محمد منهجه في الدعوة حيث طلب مني بعض علماء موريتانيا ذلك عندما زرت بلادهم في شعبان عام ١٤٠٧ هـ وذلك من باب إفادة القارئ وفتح المجال أمامه ليستوثق بنفسه ويحكم ويوازن من غير أن يفرض عليه رأي لم يقتنع به وقد جعلتهما ملحقًا وما أردت إلا الإصلاح والتوفيق من الله العزيز الحكيم.\n_________\n(١) - انظر كتابه \" محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث \" ص ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الملحق: </span>-\nأولًا: -\nوإن من استكمال فائدة القارئ إيراد واحدة من رسائل الشيخ محمد التي بعث لأهل القصيم لما سألوه عن عقيدته للاطمئنان عن اتجاهه والرد عليه إذا كان مخالفًا لآراء العلماء لأن الناس هناك لم يستجيبوا لدعوته إلا بعد دراسة وتمحيص وهذا من مهمة العلماء في استجلاء الحقيقة ورد المعتدي ببصيرة وإدراك.\n\nوهذا هو نص هذه الرسالة ... ولها نظائر مع كل من سأله أو أشبه في أمره ... وتكون النتيجة الاستجابة لمن يريد الحق لأنهم لم يجدوا لدى الشيخ ما يخالف شرع الله أو يغاير ما عليه أعلام أمة الإسلام من المصادر الموثوقة.","vol":"1","page":116},{"text":"رسالة الشيخ إلى أهل القصيم\nلما سألوه عن عقيدته: (١)\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل بل أعتقد أن الله ﷾ ليس كمثله شئ وهو السميع العليم، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولأا ألحد في أسمائه وآياته ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى، بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفؤ له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل: وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال ﴿سبحن ربك رب العزة عما يصفون (وسلام على المرسلين﴾ (الصافات الآيات ١٨٠ - ١٨٢) الفرقة الناجية وسط باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية وهم في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج.\n_________\n(١) - نشرت هذه الرسالة في القسم الخاص للرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب تصنيف د. محمد بلتاجي. و. د. سيد حجاب والشيخ عبد العزيز الرومي وهي الرسالة الأولى ص ٧ - ١٣. نقلًا عن الدرر السنية ج ١ ص ٢٨ - ٣١.","vol":"1","page":117},{"text":"وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ إليه ويعود: وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده نبينا محمد ﷺ وأومن بأن الله فعال لما يريد ولا يكون شئ إلا بإرادته ولا يخرج شئ عن مشيئته وليس شئ في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره ولا محيد لأحد عن القدر المحدود ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.\nوأعتقد الإيمان بكل ما اخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فأومن بفتنة القبر ونعيمه وبإعادة الأرواح إلى الأجساد فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلًا تدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون وتنشر الدواوين فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.\n\nوأومن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة وماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه مرة لم يظمأ بعدها أبدًا وأومن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم.\n\nوأومن بشفاعة النبي ﷺ وأنه شافع وأول مشفع ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى كما قال تعالى ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (سورة الأنبياء آية ٢٨) وقال تعالى: ﴿ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (سورة البقرة آية ٢٥٥) وقال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (سورة النجم آية ٢٦) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون","vol":"1","page":118},{"text":"فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ (سورة المدثر آية ٤٨)\nوأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما موجودتان وأنهما لا يفنيان وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر في رؤيته.\nوأومن بأن نبينا محمدًا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ واذكر محاسنهم وأترضى عنهم واستغفر لهم وأكف عن مساويهم وأسكت عما شجر بينهم واعتقد فضلهم عملًا بقوله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ (سورة الحشر آية ١٠) وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء واقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئًا ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة أو نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام وأرى الجهاد ماضيًا مع كل إمام برًا كان أو","vol":"1","page":119},{"text":"فاجرًا وصلاة الجماعة خلفهم جائزة والجهاد ماض منذ بعث الله محمدًا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت له طاعته وحرم الخروج عليه وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا وأحكم عليهم بالدين وأكل سرائرهم إلى الله وأعتقد أن كل محدثة في الإسلام بدعة.\nواعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل يعمل، بالأركان واعتقاد بالجان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة.\nفهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي والله على ما نقول وكيل.\nثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم قد وصلت إليكم وأنه قبلها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم، والله يعلم أن الرجل افترى على أمورًا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي (فمنها) قوله: إني مبطل كتب المذاهب الأربعة وإني أقول أن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شئ وإني أدعي الاجتهاد وإني خارج عن التقليد وإني أقول إن اختلاف العلماء نقمة وإني أكفر من توسل بالصالحين وإني أكفر البوصيري لقوله يا أكرم الخلق وغني لو اقدر على هدم قبة رسول الله ﷺ لهدمتها ولو أقدر على الكعبة لأخذت ميزابها وجعلت لها ميزابًا من خشب وإني أحرم زيارة قبر النبي ﷺ وغني أنكر زيارة قبر الوالدين وغيرهما وإني أكفر من حلف بغير الله وإني أكفر ابن الفارض وابن عربي وإني","vol":"1","page":120},{"text":"أحرق دلائل الخيرات وروض الرياحين وأسميه روض الشياطين.\nجوابي عن هذه المسائل:\nأن أقول سبحانك هذا بهتان عظيم. وقبله من بهت محمدًا ﷺ أنه يسب عيسى بن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور قال تعالى: ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ (سورة النحل آية ١٠٥) بهتوه ﷺ بأنه يقول إن الملائكة وعيسى وعزيرًا في النار فأنزل الله في ذلك ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون﴾ (سورة الأنبياء آية ١٠١)\nوأما المسائل الأخر وهي أني أقول لا يتم إسلام الإنسان حتى يعرف معنى لا إله إلا الله وأني أعرف من يأتيني بمعناها وأني أكفر الناذر إذا أراد بنذره التقرب لغير الله وأخذ النذر لأجل ذلك وأن الذبح لغير الله كفر والذبيحة حرام. فهذه المسائل حق وأنا قائل بها ولي عليها دلائل من كلام الله وكلام رسوله ومن أقوال العلماء المتبعين كالأئمة الأربعة وإذا سهل الله تعالى بسطت الجواب عليها في رسالة مستقلة إن شاء الله.\nثم اعملوا وتدبروا قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة﴾ (سورة الحجرات آية ٦)\n\nثانيًا:\nقال صاحب كتاب مصباح الظلام بعد اعتراضه على نسب لسليمان بن عبد الوهاب من رد على أخيه هذا وقد من الله وقت تسويد هذا بالوقوف على رسالة لسليمان فيها البشارة برجوعه عن مذهبه الأول وأنه قد استبان له التوحيد والإيمان وندم على فرط من الضلال والطغيان وهذا نصها:","vol":"1","page":121},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nمن سليمان بن عبد الوهاب إلى الأخوان: حمد محمد التويجري وأحمد ومحمد ابنا عثمان بن شبانه (١) .\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأذكركم ما من الله به علينا وعليكم من معرفة دينه ومعرفة ما جاء به رسوله ﷺ من عنده وبصرنا به من العمى وأنقذنا من الضلالة وأذكركم بعد أن جيتونا في الدرعية من معرفتكم الحق على وجهه وابتهاجكم به وثنائكم على الله الذي أنقذكم وهذا دأبكم في سائر مجالسكم عندنا وكل من جاءنا بحمد الله يثني عليكم. والحمد لله على ذلك. وكتبت لكم بعد ذلك كتابين غير هذا أذكركم وأحضكم ولكن يا إخواني معلومكم ما جرى منا من مخالفة الحق واتباعنا سبل الشيطان ومجاهدتنا في الصد عن اتباع سبل الهدى.\nوالآن معلومكم لم يبق من أعمارنا إلا اليسير والأيام معدودة والأنفاس محسوبة والمأمول منا أن نقوم لله ونفعل مع الهدى أكثر مما فعلنا مع الضلال وأن يكون ذلك لله وحده لا شريك له لا لما سواه لعل الله يمحو عنا سيئات ما مضى وسيئات ما بقى.\nومعلومكم عظم الجهاد في سبيل الله وما يكفر من الذنوب وأن الجهاد باليد واللسان والقلب والمال وتفهمون أجر من هدى الله به رجلًا واحدًا.\nوالمطلوب منكم أكثر مما تفعلون الآن، وأن تقوموا لله قيام صدق وأن تبينوا للناس الحق على وجهه وأن تصرحوا لهم تصريحًا بينما بما كنتم عليه أولًا من الغي والضلال.\n_________\n(١) - انظر مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن ص ١٠٤ - ١٠٨.","vol":"1","page":122},{"text":"فيا إخواني الله الله. فالأمر أعظم من ذلك فلو خرجنا نجأر إلى الله في الفلوات وعدنا الناس من السفهاء والمجانين في ذلك لما كان ذلك بكثير منا.\nوأنتم رؤساء الدين والدنيا في مكانكم أعز من الشيخ والعوام كلهم تبع لكم. فاحمدوا الله على ذلك ولا تعتلوا بشيء من الموانع.\nوتعلمون أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن يرى ما يكره ولكن أرشدكم في ذلك إلى الصبر كما حكى عن العبد الصالح لقمان في وصيته لابنه فلا أحق من أن تحبوا لله وتبغضوا لله وتوالوا لله وتعادوا لله.\nوترى يعرض في هذا أمور شيطانية: وهي أن من الناس من ينتسب لهذا الدين وربما يلقى الشيطان لكم أن هذا ما هو بصادق، وأن له ملحظ دنيوي وهذا أمر ما يطلع عليه إلا الله فإذا أظهر أحد الخير فاقبلوا منه ووالوه فإذا ظهر من أحد شر وإدبار عن الدين فعادوه واكرهوه ولو أحب حبيب.\nوجامع الأمر في هذا: أن الله خلقنا لعبادته وحده لا شريك له ومن رحمته بعث لنا يأمرنا بما خلقنا له وبين لنا طريقه وأعظم ما نهانا عنه الشرك بالله وعداوة أهله وأمرنا بتبيين الحق وتبيين الباطل فمن التزم ما جاء به الرسول فهو أخوك ولو أبغض بغيض. ومن نكب عن الصراط المستقيم فهو عدوك ولو ولدك أو أخوك.\nوهذا شئ أذكركموه مع أني بحمد الله أعلم أنكم تعلمون ما ذكرت لكم ومع هذا فلا عذر لكم عن التبيين الكامل الذي لم يبق معه لبس وأن تذاكروا دائمًا في مجالسكم ما جرى منا ومنكم أولًا وأن تقوموا مع الحق أكثر من قيامكم مع الباطل فلا أحق من ذلك ولا لكم عذر لأن اليوم الدين والدنيا ولله الحمد مجتمعه في ذلك فتذاكروا ما كنتم فيه أولًا في أمور الدنيا من","vol":"1","page":123},{"text":"الخوف والأذى واعتلاء الظلمة والفسقة عليكم. ثم رفع الله ذلك كله بالدين وجعلكم السادة والقادة وذلك من آثار من دعوة شيخ الإسلام وعلم الهداة الأعلام.\nثم أيضًا مت من الله به عليكم من الدين انظروا إلى مسألة واحدة مما نحن فيه من الجهالة قبل انتشار الدعوة الإسلامية كون البدو تجري عليهم أحكام الإسلام مع معرفتنا أن الصحابة قاتلوا أهل الردة وأكثرهم متكلمون بالإسلام ومنهم من أتى بأركانه ومع معرفتنا أنه كذب بحرف من القرآن كفر ولو كان عابدًا وأن من استهزأ بالدين أو بشئ منه فهو كافر وأن من جحد حكمًا مجمعًا عليه فهو كافر إلى غير ذلك من الأحكام المكفرات وهذا كله مجتمع في البدو وأزيد ونجري عليهم أحكام الإسلام اتباعًا لتقليد من قبلنا بلا برهان.\n\nفيا إخواني تأملوا وتذكروا في هذا الأصل يدلكم على ما هو أكثر من ذلك وأنا أكثرت عليكم الكلام لوثوقي بكم إنكم ما تشكون في شئ فيما تحاذرون ونصيحتي لكم ولنفسي والعمدة في هذا أن يصير دأبكم في الليل والنهار وأن تجأروا إلى الله تعالى وأن يعيذكم من شرور أنفسكم وسيئات أعمالكم وأن يهديكم على الصراط المستقيم الذي عليه رسله وأنبياؤه وعباده والصالحون وأن يعيذكم من مضلات الفتن فالحق وضح وأبلولج وماذا بعد الحق إلا الضلال.\nفالله الله ترى الناس الذين في جهاتكم تبع لكم في الخير والشر فإن فعلتم ما ذكرت لكم ما قدر حد من الناس يرميكم بشر وصرتم كالأعلام هداية للحيران فإن الله ﷾ هو المسؤول أن يهدينا وإياكم سبل السلام.","vol":"1","page":124},{"text":"والشيخ وعياله وعيالنا طيبين ولله الحمد ويسلمون عليكم وسلموا لنا على من يعز عليكم والسلام. وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم. اللهم اغفر لكاتبها ولوالديه ولذريته ولمن نظر فيه فدعا له بالمغفرة وللمسلمين وللمسلمات أجمعين.\nثم ذكر أنهم أجابوه برسالة ينبغي أن تذكر لما فيها من جواب حسن ثم ذكرها بعد ذلك.","vol":"1","page":125},{"text":"ثالثًا:\nولعل مما يفيد في الموضوع إيراد رسالة كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ قبل وفاته لأهالي المغرب يوضح فيها ما يدعو إليه من إخلاص العبادة لله وتنقية التوحيد.... مما يفيد أن الجذور الحسنة والقناعة مهدت للاتفاق بين رأي الإمام إبراهيم بعد المناظرة بين علماء المغرب بزعامة المولى إبراهيم وبين علماء نجد برئاسة الإمام سعود بن عبد العزيز في مكة المكرمة عام ١٢٢٦ هـ وحصول القناعة بسلامة ما يدعا إليه ونفي الشبهات عن الشيخ محمد مما يتبرأ منه هو والعلماء بمكة وهذا نصها: -\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مصل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ولن يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئًا وصلي الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أما بعد.\nفقد قال الله تعالى ﴿قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين﴾ (سورة يوسف آية ١٠٨)\nوقال تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ (سورة آل عمران آية ٣١)\nوقال تعالى ﴿وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (سورة الحشر آية ٧)","vol":"1","page":126},{"text":"وقال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ (سورة المائدة آية ٣)\n\nفأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمه على لسان رسوله ﷺ وامرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف فقال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون﴾ (سورة الأعراف آية ٣)\nوقال تعالى ﴿وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون﴾ (سورة الأنعام آية ١٥٣)\n\nوالرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته تأخذ مآخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ أنه قال \" لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه \" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي.\nإذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله والتوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على الأعداء وقضاء","vol":"1","page":127},{"text":"الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماء وكذلك التقرب إليهم بالنذور وذبح القربان والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله.\nوصرف شئ من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك ولا يقبل من العمل إلا ما كان خاصًا كما قال تعالى: ﴿فأعبد الله مخلصًا له الدين (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من كاذب كفار﴾ (سورة الزمر آية ٢، ٣)\nفاخبر سبحانه أنه لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصًا لوجهه وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم عنده وأخبر أنه لا يهدي من كاذب كفار فكذبهم في هذه الدعوى وكفرهم فقال: (إن الله لا يهدي من كاذب كفار)\nوقال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ق أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ (سورة يونس آية ١٨)\n\nفأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم وذلك أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قل لله الشفاعة جميعًا﴾ (سورة الزمر آية ٤٤)","vol":"1","page":128},{"text":"فلا يشفع أحد إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (سورة البقرة آية ٢٥٥)\nوقال تعالى: ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولًا﴾ (سورة طه آية ١٠٩)\nوهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا من ارتضى﴾ (سورة الأنبياء آية ٢٨)\nوقال تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده غلا لمن ارتضى﴾ (سورة سبأ آية ٢٢، ٢٣)\nفالشفاعة حق ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ (سورة الجن آية ١٨)\nوقال: ﴿ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذًا من الظالمين﴾ (سورة يونس آية ١٠٦)\nفإذا كان رسول الله ﷺ وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله وصفوة الخلق محمد ﷺ لا يشفع ابتداء بل: \" يأتي","vol":"1","page":129},{"text":"فيخر ساجدًا فيحمده بمحامد يعلمه إياها ثم يقال ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع ثم يحد له حدًا فيدخلهم الجنة \" فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء.\n\nوهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين قد اجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على منهجهم.\n\nوأما ما صدر من سؤال الأنبياء والأولياء بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج والصلاة عندها واتخاذها أعيادًا وجعل السدنة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي ﷺ وحذر منها كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال \" لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان \" وهو ﷺ حمى جناب التوحيد أعظم حماية وسد كل طرق يوصل إلى الشرك فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضًا أنه بعث على بن أبي طالب ﵁ وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سواه ولا تمثالًا إلا طمسه ولهذا قال غير واحد من العلماء يجب هدم القبب المبنية على القبور لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ.\nفهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم وهو الذي ندعوا الناس إليه ونقاتلهم عليه بعد ما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممثلين لقوله ﷾: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ (سورة الأنفال آية ٣٩)","vol":"1","page":130},{"text":"فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسلف والسنان كما قال: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ (سورة الحديد آية ٢٥)\nوندعوا الناس إلى إقام الصلاة في الجماعات على الوجه المشروع وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج بيت الله الحرام ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كما قال: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأمروا بالمعرف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (سورة الحج آية ٤١)\n\nفهذا الذي نعتقد وندين لله به فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم له ما لنا وعليه ما علينا.\nونعتقد أيضًا أن أمة محمد ﷺ المتبعين لسنته لا تجتمع على ضلالة وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وصلي الله على محمد (١)\n_________\n(١) - اسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب: المجموع ج ٨ ص ١١٠ - ١١٥ الرسائل الشخصية وانظر أيضًا الدار السنية.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>رابعًا: دور الملك عبد العزيز في تصحيح الخطأ:</span>\nالملك عبد العزيز عندما دخل مكة المكرمة عام ١٣٤٣ هـ بعد سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية ثم بعد أن إنظوت المدينة وجده على لواء الدولة الجديدة بقيادة الملك عبد العزيز، وقامت أصوات أجنبية عديدة تتهمه بأمور عديدة هو منها براء.... فقالوا إن مذهبه وهابي وانه مذهب خامس وإنه امتهن قدسية الحرمين وأنهم ضربوا مسجد رسول الله ﷺ بالقنابل وانتهكوا الأعراض ولا يحبون النبي ولا يصلون عليه وغير هذا من الأكاذيب التي تكررت من قبل، فجاء مجموعة من علماء أهل الحديث وحجوا وزاروا مسجد الرسول، وبان لهم كذب تلك الادعاءات وقد عادوا إلى الهند ليردوا على الافتراءات وليبينوا حقيقة ما رأوا وعقدوا مؤتمرين ردًا على مؤتمر لكنؤ، ومؤتمر دلهي، وتحدثت الصحف التي في مقدمتها: أهل الحديث، وأخبار محمدي، وزمنيدار، عن حقيقة حال الملك عبد العزيز، وما أحدثه في الحرمين من إصلاحات مع اهتمامه بأمن الحجاج وراحتهم وسلامة عقيدته وحماسته لدين الله.\n\nولكي يوضح للمسلمين حقيقة العقيدة التي هو متمسك بها نراه يرسل الكتب ويتحدث في وفود الحجاج سنويًا وكان من كلامه ما جاء في خطابه الذي ألقاه في القصر الملكي بمكة يوم غرة ذو الحجة عام ١٣٤٧ هـ الموافق ١١ مايو عام ١٩٢٩ م بعنوان \" هذه عقيدتنا \" جاء فيها قوله: --\nيسموننا \" بالوهابيين \" ويسمون مذهبنا \" الوهابي \" باعتبار أنه مذهب خامس وهذا خطأ فاحش نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض.\nنحن لسنا أصحاب مذهب جديد أو عقيدة جديدة ولم يأت محمد","vol":"1","page":132},{"text":"بن عبد الوهاب بالجديد فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السلف الصالح.\nونحن نحترم الأئمة الأربعة ولا فرق عندنا بين مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وكلهم محترمون في نظرنا ونحن في الفقه نأخذ بالمذهب الحنبلي.\nهذه هي العقيدة التي قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يدعوا إليها وهذه هي عقيدتنا وهي عقيدة مبنية على توحيد الله ﷿ خالصة من كل شائبة منزهة عن كل بدعة فعقيدة التوحيد هذه هي التي ندعوا إليها وهي التي تنجينا مما نحن فيه من محن وأوصاب.\nأما التجديد الذي يحاول البعض إغراء الناس به بدعوى أنه ينجينا من آلامنا فهو لا يوصل إلى غاية ولا يدنينا من السعادة الأخروية.\n\nإن المسلمين في خير ما داموا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما هم ببالغين سعادة الدارين إلا بكلمة التوحيد الخالصة.\nإننا لا نبغي التجديد الذي يفقدنا ديننا وعقيدتنا وإنا نبغي مرضاة الله ﷿ ومن عمل ابتغاء مرضاة الله فهو حسبه وهو ناصره فالمسلمون لا يعوزون التجدد وإنما تعوزهم العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح.\nولقد ابتعدوا عن العمل بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فانغمسوا في حمأة الشرور والآثام فخذلهم الله جل شأنه ووصلوا إلى ما هم عليه من ذل وهوان ولو كانوا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لما أصابهم ما أصابهم من محن وآثام ولما أضاعوا عزهم وفخارهم.\n\nلقد خرجت وأنا لا أملك شيئًا من حطام الدنيا ومن القوة البشرية وقد تألب الأعداء علي ولكن بفضل الله وقوته تغلبت على أعدائي وفتحت كل هذه البلاد.","vol":"1","page":133},{"text":"إن المسلمين متفرقون اليوم طرائق بسبب إهمالهم العمل بكتاب الله وسن رسوله ﷺ ومن خطل الرأي الذهاب إلى أن الأجانب هم سبب هذه التفرقة وهذه المصائب إن سبب بلايانا من أنفسنا لا من الأجانب يأتي أجنبي إلى بلد ما فيه مئات الألوف بل الملايين من المسلمين فيعمل عمله بمفرده فهل يعقل أن فردًا في مقدوره أن يؤثر على ملايين من الناس إذا لم يكن له من هذه الملايين أعوان يساعدونه ويمدونه بآرائهم وأعمالهم؟؟! .\nكلا ثم كلا فهؤلاء الأعوان هم سبب بليتنا ومصيبتنا إن هؤلاء الأعوان هم أعداء الله وأعداء أنفسهم.\n\nإذًا فاللوم واقع على المسلمين وحدهم لا على الأجانب إن البناء المتين لا يؤثر فيه شئ مهما حاول الهدامون هدمه إذا لم تحدث فيه ثغرة تدخل فيها المعاول وكذلك المسلمون لو كانوا متحدين متفقين لما كان في مقدور أحد خرق صفوفهم وتمزيق كلمتهم.\n\nفي بلاد العرب والإسلام أناس يساعدون الأجنبي على الإضرار بجزيرة العرب والإسلام وضربها في الصميم وإلحاق الأذى بنا ولكن لم يتم لهم ذلك إن شاء الله وفينا عرق ينبض.\n\nإن المسلمين بخير إذا اتفقوا وعملوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ليتقدم المسلمون للعمل بذلك فيتفقون فيما بينهم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ وبما جاء فيها والدعوة إلى التوحيد الخالص فإنني حينذاك أتقدم وأسير وإياهم جنبًا إلى جنب في كل عمل يعملونه وفي كل حركة يقومون بها.\n\nوالله إنني لا أحب الملك وأبهته ولا أبغي إلا مرضاة الله والدعوة إلى","vol":"1","page":134},{"text":"التوحيد ليتعاهد المسلمون فيما بينهم على التمسك بذلك وليتفقوا فإنني أسير ووقتئذ معهم لا بصفة ملك أو زعيم أو أمير بل بصفة خادم (١)\n\nوفي ٢٣ المحرم عام ١٣٤٨ هـ الموافق أول يوليو عام ١٩٢٩ م جاء في أحد خطاباته:\n\nقد علمتم أن بعض الناس قد شذ عن طرق الهداية وتنكب الطريق المستقيم ووقع في أحابيل الشيطان بفعل الدسائس التي يكيدها بعض من يدعون الإسلام ويتظاهرون بالغيرة على الإسلام والله يشهد أن الدين منهم براء وبراء من أعمالهم لقد قلت وما زلت أقول:\nإنني لا أخشى من الأجانب قدر ما أخشى من بعض المسلمين فالأجانب أمرهم معروف وفي الاستطاعة الحذر منهم وفي الإمكان الاستعداد لصد هجماتهم وإحباط دسائسهم وأضف إلى ذلك أنهم لا يقدرون على محاربتنا باسم الإسلام أما بعض المسلمين فهم ما زالوا يكيدون لنجد وأهل نجد باسم الإسلام والمسلمين ويحاربون إخوانهم المسلمين باسم الإسلام منذ عصور.\n\nكانت الدولة العثمانية وقد كانت أقرب الناس بصفتها دولة الإسلام فحاربتنا باسم الإسلام والمسلمين محاربات شديدة وأحاطت بنا من كل جانب حاربنا مدحت باشا من جهات القطيف والأحساء وسيرت علينا من الحجاز واليمن قوات عظيمة وكذلك سارت جيوشها من الشمال فحاصرتنا من كل جانب للقضاء علينا وضربنا في الصميم حاربتنا باعتبار \" الوهابية \" مذهبًا جديدًا، وابن عبد الوهاب جاء ببدعة جديدة وأن \" الوهابيين \" تجب محاربتهم إلى غير ذلك من الأقوال المنمقة التي انطلت\n_________\n(١) - انظر المصحف والسف جمع مجد الدين القابسي ص ٥٥ - ٥٦.","vol":"1","page":135},{"text":"عل أصحاب العقول السذج من الدهماء فانخدعوا وأتعادوا لأقوالها ولكن الله نصرنا عليهم.\n\nوكذلك فعل غيرهم في هذا الزمان فحوصرنا من كل جانب وأرادوا القضاء علينا باسم الدين أيضًا ولكن الله نصرنا عليهم وجعل كلمته هي العليا وقد نصرنا الله بقوة التوحيد الذي في القلوب والإيمان الذي في الصدور ويعلم الله أن التوحيد لم يملك علينا عظامنا وأجسامنا وحسب بل ملك علينا قلوبنا وجوارحنا ولم نتخذ التوحيد آله لقضاء مآرب شخصية أو لجر مغنم وإنما تمسكًا به عن عقيدة راسخة وإيمان قوي ولتجعل كلمة الله هي العليا (١)\n\nولا يسعني بعد ذلك الجهد المتواضع إلا أن أسأل الله ﷾ أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجه الكريم وأن ينفع به طلاب العلم والمعرفة.\n\nوالحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(١) - انظر المصدر السابق ص ٥٨ - ٥٩.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المصادر والمراجع</span>\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - الأعلام، للزركلي.\n٣ - الأحاديث القدسية.\n٤ - الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، للناصري.\n٥ - الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام للعباس بن إبراهيم.\n٦ - الإمام محمد بن عبد الوهاب، لعبد الله بن سعد بن رويشد.\n٧ - المعيار المعرب، لأبي العباس الونشريسي.\nالبيان المغرب، في أخبار الأندلس والمغرب، لأبن عذاري.\n٩ - تاريخ إفريقيا الشمالية، تأليف: شارلي اندري، تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة.\n١٠ - الحلل السندسية.\n١١- الفرق الإسلامية في شمال افريقيا، تأليف: الفردبل ترجمة عبد الله بدوي.\n١٢ - المغرب الكبير، للدكتور عبد العزيز سالم والدكتور جلال يحيى.\n١٣ - الكامل، للمبرد.\n١٤ - الوهابيون والحجاز، لمحمد رشيد رضا.\n١٥ - رحلة سادلير، ترجمة انس الرفاعي.","vol":"1","page":137},{"text":"١٦ - الدرر السنية في الفتاوي النجدية، جمع سليمان بن سحمان.\n١٧ - الإمام محمد بن عبد الوهاب، دعوته وسيرته للشيخ عبد العزيز بن باز.\n١٨ - تاريخ نجد، للشيخ حسين بن غنّام، تحقيق الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والدكتور محمد أسد.\n١٩ - الدولة السعودية، للدكتور عبد الرحمن عبد الرحيم.\n٢٠ - عجائب الاثار في التراجم والأخبار، لعبد الرحمن الجبرتي.\n٢١ - مؤلفات ورسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، جمع ونشر جامعة الإمام - الرياض.\n٢٢ - محمد بن عبد الوهاب، لأحمد بن حجر آل طامي.\n٢٣ - مصباح الظلام للشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن بن حسن.\n٢٤ - عنوان المجد في تاريخ نجد، لابن بشر.\n٢٥ - محمد بن عبد الوهاب، داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث، لمحمد بهجت الأثري.\n٢٦ - البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد عن عقائد التوحيد الطبعة الأولى.\n٢٧ - محمد بن عبد الوهاب. مصلح مظلوم، تأليف مسعود الندوي.\n٢٨ - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد (مخطوط) .\n٢٩ - علماء نجد خلال ستة قرون، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام.\n٣٠ - في ظلال القرآن، لسيد قطب.","vol":"1","page":138},{"text":"٣١ - مجلة كلية الآداب بفاس (شعبة التاريخ) .\n٣٢ - جريدة \"عكاظ\".\n٣٣ - صحيفة (ISLAMIGA) الألمانية - مجلد ٧ عام ١٩٣٥.\n٣٤ - جامع الأصول في أحاديث الرسول لأبن الأثير.\n٣٥ - روضة الناظرين في مآثر علماء نجد وحوادث السنين لمحمد بن عثمان القاضي.\n٣٦ - الترجمانة الكبرى.\n٣٧ - رحلة بورك هارت لبلاد العرب.","vol":"1","page":139}]}