{"ً":{"ٌ":986,"ٍ":"تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/tzkeer/tzkeer.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار\nالمؤلف: عبد الرزاق بن فاضل الربيعي\nالناشر: بدون\nالطبعة: الثانية، ١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م\nعدد الصفحات: ١٢٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1195,"ٕ":23,"ٖ":1780758881,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الطبعة الثانية","level":1,"page":4},{"title":"المقدمة","level":1,"page":5},{"title":"الفصل الأول الترغيب في ذكر الله والترهيب من الغفلة عنه","level":1,"page":8},{"title":"المبحث الأول الحث على ذكر الله -﷿-","level":2,"page":8},{"title":"المطلب الأول: الأمر بالإكثار من الذكر","level":3,"page":8},{"title":"المطلب الثاني: فضائل ذكر الله -﷿-","level":3,"page":11},{"title":"المطلب الثالث: الذكر من صفات الأنبياء الأخيار والصالحين الأبرار","level":3,"page":16},{"title":"المبحث الثاني الترهيب من الغفلة عن ذكر الله -﷿-","level":2,"page":18},{"title":"الفصل الثاني الجلوس في مكان الصلاة","level":1,"page":22},{"title":"المبحث الأول المكث في مكان الصلاة بعد أدائها","level":2,"page":22},{"title":"المطلب الأول: فضل المكث في مكان الصلاة بعد أدائها","level":3,"page":22},{"title":"المطلب الثاني: الحث على الذكر والمكث في مكان أداء صلاة الصبح","level":3,"page":25},{"title":"مسألة: هل الجلوس في مكان الصلاة يشمل المسجد كله","level":4,"page":28},{"title":"مسألة: هل الخروج من المسجد للوضوء يقطع حكم الجلوس","level":4,"page":29},{"title":"المبحث الثاني الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة الأخرى واستماع العلم","level":2,"page":30},{"title":"المطلب الأول: فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة","level":3,"page":30},{"title":"المطلب الثاني: فضل استماع الدروس والمواعظ في المساجد","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثالث فضل محبة المساجد والبقاء فيها","level":2,"page":40},{"title":"المطلب الأول: مكانة المساجد وشرف منزلتها","level":3,"page":40},{"title":"المطلب الثاني: فضل محبة المساجد والبقاء فيها","level":3,"page":41},{"title":"المطلب الثالث: فضل إقامة حلقات القرآن في المسجد والجلوس فيها","level":3,"page":44},{"title":"الفصل الثالث الأذكار المشروعة بعد الصلاة وثوابهن","level":1,"page":47},{"title":"تمهيد","level":2,"page":47},{"title":"المبحث الأول الأذكار الواردة بعد الصلاة","level":2,"page":48},{"title":"المطلب الأول: الاستغفار والدعاء بعده","level":3,"page":48},{"title":"المطلب الثاني: التهليل وصيغه الواردة","level":3,"page":49},{"title":"المطلب الثالث: ذكر عظيم يقال عند النوم وعقب الصلوات","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الرابع: الباقيات الصالحات وصيغها وثواب كل منها","level":3,"page":51},{"title":"المبحث الثاني مسائل تتعلق بالتسبيح","level":2,"page":56},{"title":"المطلب الأول: تنويع الأذكار","level":3,"page":56},{"title":"المطلب الثاني: التسبيح بأنامل اليد اليمنى","level":3,"page":57},{"title":"المطلب الثالث: جواز التسبيح باليدين وتفضيل اليمين","level":3,"page":59},{"title":"المطلب الرابع: التسبيح بالمسبحة","level":3,"page":60},{"title":"المطلب الخامس: الشك في عدد التسبيحات","level":3,"page":61},{"title":"المبحث الثالث: الآيات الوارد قراءتها بعد الصلاة","level":2,"page":62},{"title":"المطلب الأول: قراءة آية الكرسي وثواب المداومة على ذلك","level":3,"page":62},{"title":"المطلب الثاني: فضل آية الكرسي والانتفاع بقراءتها وتفسيرها","level":3,"page":64},{"title":"أولا: فضل آية الكرسي والانتفاع بقراءتها","level":4,"page":64},{"title":"ثانيا: تفسير آية الكرسي","level":4,"page":67},{"title":"المطلب الثالث: قراءة الإخلاص والمعوذتين","level":3,"page":71},{"title":"المطلب الرابع: فضل الإخلاص والمعوذتين والانتفاع بقراءتهن","level":3,"page":74},{"title":"أولا: فضل سورة الإخلاص","level":4,"page":74},{"title":"ثانيا: فضل المعوذتين والانتفاع بقراءتهن","level":4,"page":79},{"title":"ثالثا: فضل الثلاث السور والانتفاع بقراءتهن","level":4,"page":82},{"title":"المطلب الخامس: تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين","level":3,"page":85},{"title":"أولا: تفسير سورة الإخلاص","level":4,"page":85},{"title":"ثانيا: تفسير سورة الفلق","level":4,"page":86},{"title":"ثالثا: تفسير سورة الناس","level":4,"page":87},{"title":"المبحث الرابع: الدعاء بعد الصلوات","level":2,"page":89},{"title":"المطلب الأول: الأدعية الواردة عن النبي ﷺ بعد الصلاة","level":3,"page":89},{"title":"المطلب الثاني: مسائل تتعلق بالدعاء بعد الصلاة","level":4,"page":93},{"title":"المسألة الأولى: حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة باستمرار","level":5,"page":93},{"title":"المسألة الثانية: الدعاء بغير العربية","level":5,"page":93},{"title":"المسألة الثالثة: حكم الدعاء الجماعي بعد الصلاة","level":5,"page":94},{"title":"تفصيل لابن القيم بشأن الدعاء بعد الصلاة","level":5,"page":96},{"title":"المبحث الخامس بيان ما يزاد بعد صلاتي الفجر والمغرب من الدعاء والذكر","level":2,"page":98},{"title":"المطلب الأول: ما يزاد بعد صلاتي الفجر والمغرب","level":3,"page":98},{"title":"المطلب الثاني: ما يزاد بعد صلاة الفجر","level":3,"page":100},{"title":"المطلب الثالث: ما يزاد بعد صلاة المغرب","level":3,"page":103},{"title":"المبحث السادس الذكر بعد النوافل","level":2,"page":104},{"title":"المطلب الأول: هل يقال بعد النوافل كما يقال بعد الفرائض","level":3,"page":104},{"title":"المطلب الثاني: الذكر بعد الوتر","level":3,"page":105},{"title":"الفصل الرابع مسائل مهمة للمأمومين والأئمة","level":1,"page":108},{"title":"المطلب الأول: الجهر بالذكر بعد الصلاة","level":2,"page":108},{"title":"المطلب الثاني: حكم الذكر الجماعي أدبار الصلوات","level":2,"page":114},{"title":"المطلب الثالث: مسح الوجه بعد السلام","level":2,"page":115},{"title":"المطلب الرابع: حكم المصافحة بعد الصلاة","level":2,"page":116},{"title":"المطلب الخامس: النهي عن الانصراف قبل تسليم الإمام","level":2,"page":116},{"title":"المطلب السادس: كراهة الخروج من المسجد قبل انصراف الإمام","level":2,"page":118},{"title":"ختام المجالس","level":1,"page":121},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":123}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,104":104,"1,105":105,"1,106":106,"1,107":107,"1,108":108,"1,109":109,"1,110":110,"1,111":111,"1,112":112,"1,113":113,"1,114":114,"1,115":115,"1,116":116,"1,117":117,"1,118":118,"1,119":119,"1,120":120,"1,121":121,"1,122":122,"1,123":123},"ٜ":{"1":[1,123]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123"],"ٞ":{"4":[1],"5":[2],"8":[3,4,5],"11":[6],"16":[7],"18":[8],"22":[9,10,11],"25":[12],"28":[13],"29":[14],"30":[15,16],"34":[17],"40":[18,19],"41":[20],"44":[21],"47":[22,23],"48":[24,25],"49":[26],"50":[27],"51":[28],"56":[29,30],"57":[31],"59":[32],"60":[33],"61":[34],"62":[35,36],"64":[37,38],"67":[39],"71":[40],"74":[41,42],"79":[43],"82":[44],"85":[45,46],"86":[47],"87":[48],"89":[49,50],"93":[51,52,53],"94":[54],"96":[55],"98":[56,57],"100":[58],"103":[59],"104":[60,61],"105":[62],"108":[63,64],"114":[65],"115":[66],"116":[67,68],"118":[69],"121":[70],"123":[71]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"تذكير الأخيار\nبفضائل المُكث في مكان أداء الصلاة\nوقراءة الأذكار\nتأليف\nعبد الرزاق بن فاضل الربيعي\nغفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين","vol":"1","page":1},{"text":"كل الحقوق محفوظة\nالطبعة الثانية\n١٤٤٣ هـ - ٢٠٢٢ م","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nقال ابن بطال ﵀: فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطَّها الله عنه بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] \" (^١).\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٩٥) ط ٢ لمكتبة الرشد ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٣ م.","vol":"1","page":3},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الطبعة الثانية</span>\nالحمد لله الذي بيده التدبير، ومنه العون والتيسير، وأشهد أن لا إله إلا الله العليُّ الكبير، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، البشيرُ النذير، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله الكرماء وأصحابه الرحماء، صلاةً مستمرةَ الدوم، جديدةً على مرِّ الليالي والأيام ....\nأما بعد\nفهذه الطباعة الثانية من رسالة (تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار) ولا تختلف عن الطبعة الأولى إلا باستدراك يسير في الترتيب، وتعديل في مسألة: زيادة \"رب الملائكة والروح\" بعد صلاة الوتر، فقد رأيت أن أكتفي بنقل فتوى اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز - ﵀ -، وكذلك كلام الشوكاني - ﵀ -.\nوالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\n\nالخميس/ ١٤ شعبان ١٤٤٣\nالذخيرة/ حرسها الله، وسائرَ بلاد المسلمين = آمين.","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي أمرَ بالذِّكر كثيرًا، أحمده عدد خلقه صغيرًا أو كبيرًا. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وَعَدَ الذاكرين والذاكرات، بالمغفرة وعظيم الحسنات. وأشهد أن محمدًا عبدُه الشكور، ونبيُّه المُشَّفع في يوم النشور، الذاكرُ لربه في العشي والبكور. صلوات الله وسلامه عليه، عدد ما تحرَّكت بالذكر الشفاه، ونطقت به الأفواه.\nأما بعد\nفإنَّ في قراءة الأذكار بعد الصلاة أجرٌ كبير، وفضلٌ وفير، ومتابعةٌ للبشير النذير، واستجلابٌ لمرضاة العليِّ الكبير؛ ولذلك قال ابن القيم ﵀ في فضل الذكر عمومًا: إن العطاء والفضل الذي رُتِّب عليه لم يُرَتَّبْ على غيره من الأعمال\" (^١).\nبل إنَّ الجلوس وحده فيه فوائد، والذكر مع الجلوس له عوائد، وأيُّ عوائد؛ تستغفر لمن يجلس الملائكة، وتدعو له بالمغفرة والتوبة من الذنوب المهلكة.\nوأكثر الناس لا يجلسون بعد الصلاة للأذكار، واعتادوا التَّعجُّل في\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص/ ١٠١). ط؛ الأوقاف القطريةـ ١٤٣٧ هـ ــ ٢٠١٦ م.","vol":"1","page":5},{"text":"الخروج باستمرار، فيتركون الصواب، ويفوتهم الثواب.\nفلأجل نيل ذلك الثواب، والحرص على تلك الأسباب، التي توصل إلى مرضاة ربِّ الأرباب، رأيت أن أكتب في هذا الباب، ما يُبَشِّرُ أولي الألباب، ويدعو المُعرِضين إلى العودة والإناب، عن عادة السَّرَعَان (^١)، إلى عادة أهل الذكر والاطمئنان.\nفجمعتُ من الأدلة والآثار، ما يبين فضل الأدعية والأذكار، التي تقال بعد الصلاة باستمرار، وتجعل أهل الفقر والإعسار، ينافسون أهل السعة واليسار. ونقلتُ بعض الفتاوى المهمة، المتعلقة بالذكر بعد الصلاة للمأمومين والأئمة.\nوأرجو لمن قرأها أنْ يُغيِّرَ من نفسه، ويقرأَ منها على جلسائه وبني جنسه، في الدروس واللقاءات، والخطب والمحاضرات، وأن نتواصى بهذا الأمر في المنشورات والتغريدات، والوسائل المتنوعات، لنحظى بالفضائل المذكورة، في السطور المزبورة.\n_________\n(^١) قال النووي: \"السَّرَعَان\" هم المسرعون إلى الخروج. والسرعان - بفتح السين والراء - هذا هو الصواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٥٧٣).","vol":"1","page":6},{"text":"وينبغي لكلِّ عاقل أنْ يحرص على العمل بالفضائل، وأن يكثر من القربات والنوافل، حتى يلتحقَ بركب الأبرار، ويرقى منازل الأخيار، لاسيما وباب الأذكار، أسهل في الأداء، وأعظم في الثواب والجزاء.\nويجدر بكل محب للسنة أنْ لا يُفوِّت العمل بما بلغه من فضائل الأعمال، وكريم الخصال، بل يعمل بقدر ما يستطيع منها، ولا يكون من الذين يهجرونها ويغفلون عنها.\nقال النووي ﵀: اعلم: أنه ينبغي لمن بلغه شيءٌ من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرَّة، ليكون من أهله، ولا ينبغي أنْ يتركه مطلقًا، بل يأتي بما يتيسر منه، لقوله ﷺ في الحديث المتَّفَق على صحته (^١): \"وإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ\" (^٢).\nوقد سميت هذه الرسالة (تذكير الأخيار بفضائل المكث في مكان أداء الصلاة وقراءة الأذكار)، واحتوت الرسالة على مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة، وفهرست. فأسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين المخبتين، وأن يثبتنا على الحق المبين، و-ﷺ- على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧).\n(^٢) كتاب الأذكار للنوي (ص/ ٣٥). ط ١ الأوقاف القطرية. ١٤٣٦ هـ/ ٢٠١٥ مـ.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الفصل الأول الترغيب في ذكر الله والترهيب من الغفلة عنه</span>\nوفي هذا الفصل مبحثان:\n\n<span data-type='title' id=toc-4>المبحث الأول الحث على ذكر الله -﷿</span>-\nوفي هذا المبحث ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>المطلب الأول: الأمر بالإكثار من الذكر</span>\nقال الله -﷿-: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ [البقرة: ٢٠٠].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾ [الأحزاب: ٤١].\nعن عبد الله بن عباس ﵄، فِي قَوْلِهِ ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾","vol":"1","page":8},{"text":"[الأحزاب: ٤١]. يَقُولُ: لَا يَفْرِضُ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهْلَهَا فِي حَالِ عُذْرٍ غَيْرِ الذِّكْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، قَالَ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]. بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَفِي السَفَرِ وَالْحَضَرِ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالسَّقَمِ وَالصِّحَّةِ، وَالسِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَالَ: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]. فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ؛ صَلَّى عَلَيْكُمْ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: فقيَّد الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظةٍ خلا فيها العبد عن ذكر الله ﷿ كانت عليه لا له، وكان خُسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله ﷿\" (^٢).\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٠٦) [الأحزاب: ٤١]. ط ٢ دار الكتب العلمية، ١٤١٨ هـ ــ ١٩٩٧ م.\n(^٢) الوابل الصيب (ص/ ٨٩). ط الأوقاف القطرية، ١٤٣٧ هـ ــ ٢٠١٦ م.","vol":"1","page":9},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ [الأعراف: ٢٠٥].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ [الأنفال: ٤٥].\nوقال تعالى عن زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران: ٤١].\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: \"لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ\" (^١).\nوعن الحارث الأشعري -﵁-، أن نبي الله -ﷺ- قال: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَمَرَ\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٣٧٥) وابن ماجه (٣٧٩٣) وابن حبان في صحيحه (٨١٤)، وصححه الألباني في صحح الترغيب (١٤٩١). وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ٩٣).","vol":"1","page":10},{"text":"يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵉ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، … وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ كَثِيرًا، وَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي أَثَرِهِ، فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا فَتَحَصَّنَ فِيهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ ﷿\" (^١).\nوقال عبد الله بن أبي الهذيل: إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا على الخلاء\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-6>المطلب الثاني: فضائل ذكر الله -﷿</span>-\nقال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧١٧٠) والترمذي (٢٨٦٣). وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١٤٩٨). وكذلك صححه الوادعي في الصحيح المسند من دلائل النبوة رقم (٤٦٠).\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٥٩). وذكره ابن القيم في الوابل الصيب (ص/ ١٦٤).","vol":"1","page":11},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾ [الكهف: ٢٤].\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].\nوقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].\nقال ابن القيم ﵀: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا\" (^١). ثم أورد الحديث التالي:\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص/ ٩٦).","vol":"1","page":12},{"text":"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً\" (^١).\nوعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ\" (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: \"سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ\". قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥).\n(^٢) رواه البخاري (٦٤٠٧).\n(^٣) رواه مسلم (٢٦٧٦).","vol":"1","page":13},{"text":"وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ\". قَالُوا: بَلَى. قَالَ: \"ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى\" (^١).\nوعن معاذ بن جبل -﵁- قال سألتُ النَّبيَّ ﷺ: أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ تعالى؟ قال: \"أن تموتَ، ولِسانُك رَطْبٌ مِنْ ذِكرِ اللهِ\" (^٢).\nوعن معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ\" (^٣). وعند الطبراني: قيل: ولا الجهادُ\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٣٧٧) وابن ماجه (٣٧٩٠) وأحمد (٢١٧٠٤). وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (٢٢٠٩).\n(^٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٨١٨)، وحسنه ابن حجر في الفتوحات الربانية (١/ ٢٥٧) والألباني في صحيح الترغيب (١٤٩٢).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند (٢٢٠٧٩) واللفظ له، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٠٠٦٥) والطبراني في الأوسط (٢٢٩٦). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٦٤٤). وحسن إسناده ابن حجر في بلوغ المرام رقم (١٣٣٣)، وراواه مالك موقوفًا (٥٦٤).","vol":"1","page":14},{"text":"في سبيلِ اللهِ؟ قال: ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلا أن يضربَ بسَيْفِه حتى ينقطعَ\" (^١).\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁-، أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ فَقَالَ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: سَأَلْتَ عَمَّا سَأَلْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَبْلِكَ؛ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ رَوْحُكَ فِي السَّمَاءِ، وَذِكْرُكَ فِي الْأَرْضِ\" (^٢).\nوقال أبو بكر -﵁-: ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ\" (^٣).\nوكان ابن تيمية ﵀ يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك؛ فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢٢٩٦) وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٤٩٧). من حديث جابر ﵁.\n(^٢) رواه أحمد (١١٧٧٤). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٥٤٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٨): رجاله ثقات.\n(^٣) رواه أحمد (١٥٦١٤).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٠/ ٨٥).","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type='title' id=toc-7>المطلب الثالث: الذكر من صفات الأنبياء الأخيار والصالحين الأبرار</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].\nوعن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"سأَل موسى ربَّه عن ستِّ خِصالٍ، كان يظُنُّ أنَّها له خالصةٌ والسَّابعةُ لم يكُنْ موسى يُحِبُّها، قال: يا ربِّ أيُّ عبادِك أتقى؟ قال: الَّذي يذكُرُ ولا يَنسى. قال: فأيُّ عبادِك أهدى؟ قال: الَّذي يتَّبِعُ الهُدى. قال: فأيُّ عبادِك أحكَمُ؟ قال: الَّذي يحكُمُ للنَّاسِ كما يحكُمُ لنفسِه. قال: فأيُّ عبادِك أعلَمُ؟ قال: عالمٌ لا يشبَعُ مِنْ العِلمِ؛ يجمَعُ عِلمَ النَّاسِ إلى عِلمِه. قال: فأيُّ عبادِك أعَزُّ؟ قال: الَّذي إذا قدَر غفَر. قال: فأيُّ عبادِك أغنى؟ قال: الَّذي يَرضى بما يُؤتَى. قال: فأيُّ عبادِك أفقَرُ؟ قال: صاحبٌ","vol":"1","page":16},{"text":"منقوصٌ\" (^١).\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ- \"ثلاثةٌ لا يرُدُّ اللهُ دعاءَهم: الذاكرُ اللهَ كثيرًا، ودعوةُ المظلومِ، والإمامُ المُقسِطُ\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن حبان في صحيحه (٦٢١٧) وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٣٥٠) وشعيب الأرناؤوط في تخريج صحيح ابن حبان (٦٢١٧).\n(^٢) رواه البزار (٨٧٥١) والطبراني في الدعاء (١٣١٦) والبيهقي في شعب الإيمان (٥٨٨) باختلاف يسير، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢١١).","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الثاني\nالترهيب من الغفلة عن ذكر الله -﷿</span>-\nقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].\nوقال الله -﷿-: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].\nعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ","vol":"1","page":18},{"text":"حَسْرَةً\" (^١).\nوفي لفظ عند الترمذي: \"مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ\".\nوعن أبي هريرة -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: \"أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ\" (^٢).\nوعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ورضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ، لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ\" (^٣).\nوقال ابن عباس ﵄: الشيطانُ جاثِمٌ على قلبِ ابنِ آدمَ؛ فإذا\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٤٨٥٥) والترمذي (٣٣٨٠). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٥٠٨)، وقال الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١٣٢٨): حسن على شرط مسلم.\n(^٢) رواه الترمذي (٢٣٢٢) وابن ماجه (٤١١٢)، وحسنه ابن القيم في عدة الصابرين (١/ ٢٦٠) والألباني في الصحيحة رقم (٢٧٩٧).\n(^٣) رواه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤)، وحسنه المناوي في تخريج أحاديث المصابيح (٢/ ٢٦٩).","vol":"1","page":19},{"text":"ذَكَر اللهَ خَنَسَ، وإذا غَفَل وَسْوَسَ\" (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرِك الذِّكرُ صَدِئ، فإذا ذُكِرَ جلاه.\nوصدأُ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر؛ فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصداؤه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أَظْلَم، فلم تظهر فيه صور الحقائق كما هي عليه.\nفإذا تراكم عليه الصدأ واسْوَدَّ، ورَكِبَهُ الرَّانُ، فسَدَ تصوُّره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا؛ وهذا أعظم عقوبات القلب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا في آخر كتاب التفسير، بصيغة التمريض قبل حديث (٤٩٧٧) بنحوه، وأخرجه موصولًا أبو داود في الزهد (٣٣٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٩١٩) واللفظ لهما. وصححه الألباني في تخرجي مشكاة المصابيح (٢٢٢١).","vol":"1","page":20},{"text":"وأصلُ ذلك من الغفلة، واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨] \" (^١).\n_________\n(^١) الوابل الصيب (ص/ ٩٢).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>الفصل الثاني\nالجلوس في مكان الصلاة</span>\nإن الجلوس بعد الصلاة في مكان أدائها فيه أجر كبير، وثواب وفير، بشرطين اثنين: أحدهما: اجتناب الحدث الذي ينقض الطهارة، والثاني: البعد عن الأذية باللسان أو باليد لأي أحد، فمن جلس ذلك الجلوس فإن الملائكة تستغفر له بمجرد جلوسه، أمَّا إذا رافق جلوسه ذلك قراءةٌ للأذكار الواردة، فإن فيها فضائل وفوائد زائدة، والأحاديث بها مستفيضةٌ واردة.\nوهذا الفصل هو المقصد من تأليف الرسالة، وقد حوى هذا الفصل عدة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-10>المبحث الأول\nالمكث في مكان الصلاة بعد أدائها</span>\nوفي هذا المبحث عدة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-11>المطلب الأول: فضل المكث في مكان الصلاة بعد أدائها</span>\n- عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:","vol":"1","page":22},{"text":"\"لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُهَا، وَلَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ\" (^١).\nقال المباركفوري، ﵀: قوله: \"اللهم اغفر له اللهم ارحمه\" بيان لقوله: \"تصلي\". أي: تقول: اللهم اغفر له … إلخ. والفرق بين المغفرة والرحمة؛ أنَّ المغفرة ستر الذنوب، والرحمة إفاضة الإحسان إليه. \"ما لم يحدث\" من الإحداث، أي: ما لم يبطل وضوءه. وفي الحديث بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد أو تحول إلى غيره، كذا في عمدة القاري\" (^٢).\nوقال السفاقسي: الحدَث في المسجد خطيئة يُحرَمُ به المُحْدِثُ استغفارَ الملائكة، ولمَّا لم يكن للحدث فيه كفارة ترفع أذاه كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه؛ عوقب بحرمان الاستغفار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة (^٣).\nقال ابن بطال ﵀: فمن كان كثير الذنوب وأراد أن يحطَّها الله عنه بغير تعب؛ فليغتنم ملازمة مكان مصلاه بعد الصلاة، ليستكثر من دعاء\n_________\n(^١) رواه البخاري (٤٤٥) ومسلم (٦٤٩) والترمذي (٣٣٠) واللفظ للترمذي.\n(^٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي حديث (٣٣٠).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":23},{"text":"الملائكة واستغفارهم له، فهو مرجو إجابته، لقوله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] \" (^١).\nوقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى قَوْلَهُ: \"مَا لَمْ يُحْدِثْ\". إِلَّا الْإِحْدَاثَ الَّذِي يَنْقُضُ الْوُضُوءَ\" (^٢).\nوقد ذكرَ اللهُ تعالى استغفارَ الملائكة للمؤمنين من حيث العموم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [سورة غافر: ٧].\nقال مُطرِّفُ بن عبد الله: وجدنا أَنْصَحَ عبادِ الله لعبادِ الله الملائكة، ووجدنا أغشَّ عبادِ الله لعبادِ الله الشيطان، وتلا هذه الآية (^٣).\nوقال يحيى بن معاذ الرازي لأصحابه في هذه الآية: افهموها، فما في العالم جُنَّةٌ أرجى منها، إنَّ مَلَكًا واحدًا لو سأل الله أن يغفرَ لجميعِ المؤمنين لغفر\n_________\n(^١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٢/ ٩٥) ط ٢ لمكتبة الرشد ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٣ م.\n(^٢) الموطأ (٤٤١).\n(^٣) تفسير القرطبي [غافر: ٧].","vol":"1","page":24},{"text":"لهم، كيف وجميعُ الملائكة وحملةُ العرشِ يستغفرون للمؤمنين (^١).\nوقال خَلَفُ بنُ هشامٍ البزَّارُ القارئُ: كنت أقرأ على سُلَيْمِ بنِ عيسى فلمَّا بلغت: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكى ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله، نائمًا على فراشه والملائكة يستغفرون له\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-12>المطلب الثاني: الحث على الذكر والمكث في مكان أداء صلاة الصبح</span>\nعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ\". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ\" (^٣).\nقال الطيبي ﵀: أي: ثم صلى بعد أن ترتفع الشمس قدر رمح، حتى يخرج وقت الكراهة، وهذه الصلاة تسمى صلاة الإشراق، وهي أول صلاة\n_________\n(^١) تفسير القرطبي [غافر: ٧].\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) رواه الترمذي (٥٨٦)، والبغوي في شرح السنة (٧١٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (٥٨٦) وابن عثيمين كما في مجموع فتاوى ابن عثيمين (١٤/ ٢٩٩)، وابن باز كما في مجموع فتاوى ابن باز (٢٥/ ١٧١).","vol":"1","page":25},{"text":"الضحى. وقال المباركفوري ﵀ معقبًا على الطيبي: قلت: وقع في حديث معاذ: (حتى يسبح ركعتي الضحى). وكذا وقع في حديث أمامة وعتبة بن عبد (كانت) أي: المثوبة (قال) أي: أنس: قال رسول الله ﷺ: (تامة تامة تامة) صفة لحجة وعمرة، كررها ثلاثًا للتأكيد، وقيل: أعاد القول لئلا يتوهم أن التأكيد بالتمام وتكراره من قول أنس. قال الطيبي: هذا التشبيه من باب إلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا أو شبه استيفاء أجر المصلي تامًّا بالنسبة إليه باستيفاء أجر الحاج تامًّا بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام إشارة إلى المبالغة، كذا في المرقاة\" (^١).\nوعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً \" (^٢).\nـ وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي حديث رقم (٥٨٦).\n(^٢) رواه أبو داود (٣٦٦٧) وأحمد (٢٢١٨٥) بنحوه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٥)، والوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين رقم (١٠٦).","vol":"1","page":26},{"text":"صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا\" (^١).\nقال النووي ﵀: قوله: \"تطلع الشمس حسَنًا\" هو بفتح السين وبالتنوين أي: طلوعا حسَنًا، أي: مرتفعة. وفي لفظٍ لمسلم عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوِ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ\" (^٢).\nوقال النووي ﵀: اعلم أنَّ أشرف أوقات الذكر في النهار؛ الذكر بعد صلاة الصبح\" (^٣).\nوقال ابن القيم ﵀: حضرت شيخ الاسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلامًا قريبًا من هذا.\nوقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلامًا هذا معناه\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦٧٠).\n(^٢) قال النووي: وفيه جواز الضحك والتبسم، كما في شرح صحيح مسلم حديث رقم (٦٧٠).\n(^٣) كتاب الأذكار للنووي (ص/ ١٤٧).\n(^٤) الوابل الصيب (ص/ ٩٦).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>مسألة/ هل الجلوس في مكان الصلاة يشمل المسجد كله</span>\nسُئل ابن عثيمين ﵀: إذا جلس المصلي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ثم تنقل من مصلاه، هل يكتب له أجر حج وعمرة؟\nفأجاب: إذا جلس الإنسان في مصلاه ينتظر طلوع الشمس، ثم يصلي ركعتين، لكنه قام من مكانه إلى مكان آخر لاستماع الذكر، أو لتنشيط نفسه عن النوم، فلا بأس؛ لأن المصلى واحد. (^١).\nوقال الحافظ بن حجر ﵀: قوله: \"في مصلاه \" أي: في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمِرًّا على نية انتظار الصلاة كان كذلك. (^٢).\n_________\n(^١) المصدر: سلسلة لقاءات الباب المفتوح (لقاء الباب المفتوح [٤]).\n(^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٢/ ١٣٦). عند شرح حديث رقم (٦٤٧).","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>مسألة/ هل الخروج من المسجد للوضوء يقطع حكم الجلوس</span>\nجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: من جلس في مصلاه بعد أداء صلاة الفجر يذكر الله حتى طلعت الشمس ثم أحدث فخرج من المسجد ليتوضأ ثم رجع بعد وضوئه لمصلاه من قريب ولم يطل مكثه خارج المسجد فصلى ركعتين بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، فإن خروجه ذلك لا يؤثر ولا يمنع من حصوله على الثواب العظيم المترتب على تلك العبادة إن شاء الله تعالى وهو إدراك حجة وعمرة تامتين والفوز بجنته\" (^١).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجموعة الثانية (٦/ ١٥٠).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المبحث الثاني\nالجلوس في المسجد لانتظار الصلاة الأخرى واستماع العلم</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-16>المطلب الأول: فضل انتظار الصلاة بعد الصلاة</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه سلم: \"أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ \" قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: \"إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\" (^١).\nقال أبو الوليد الباجي ﵀: وأما انتظار الصلاة بعد الصلاة فهو أن يصلي في جماعة ثم يجلس في مصلاه ينتظر الصلاة التي تليها. وقوله ﷺ: \"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\" يعني أنه من الرباط المُرَغَّب فيه؛ لأنه قد ربط نفسه على هذا العمل وحبس نفسه عليه، ويحتمل قوله ﷺ:\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦٤٩).","vol":"1","page":30},{"text":"\"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\" التفضيل لهذا الرباط على غيره من الرباط في الثغور، ولذلك قال ﷺ: \"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\" يريد أنه أفضل أنواعه، ولذلك يقول القائل: جهاد النفس هو الجهاد، يريد أنه أفضل. ويحتمل أن يريد أنه الرباط الممكن المتيسر. وقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: إن ذلك من ألفاظ الحصر وإنما تكرر قوله: \"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\" على معنى التعظيم لشأنه. ويحتمل أن يكون كرر ذلك على عادته ﷺ في تكرار كلامه ثلاثًا إلا أنه لا يخلو في ذلك من فائدة التعظيم والإفهام أو غيرهما (^١).\nوعن أنس ﵁ قال: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: \"أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ\". قَالَ الْحَسَنُ البصري ﵀: وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ\" (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ\". قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ:\n_________\n(^١) المنتقى شرح موطأ مالك، عند حديث رقم (٤٤٥).\n(^٢) رواه البخاري (٦٠٠) ومسلم (٦٤٠)، وقول الحسن في البخاري وليس في مسلم.","vol":"1","page":31},{"text":"يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ\" (^١).\nقال المباركفوري ﵀: قوله: \"لا يزال أحدكم في صلاة\" أي: في ثواب صلاة لا في حكمها؛ لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة\" (^٢).\nوعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَال: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: \"أَبْشِرُوا، هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى\" (^٣).\nقوله: \"وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ\" في الصحاح: التعقيب في الصلاة: الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو مسألة، وفي الحديث: \"من عقب في الصلاة فهو في الصلاة\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢١٥).\n(^٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي حديث (٣٣٠).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٨٠١) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦).\n(^٤) مختار الصحاح (ص/ ٢١٣) مادة: &gt;عقب&lt;.","vol":"1","page":32},{"text":"وقال السيوطي: التعقيب في المساجد: انتظار الصلوات بعد الصلاة\" (^١).\nوعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"صَلَاةٌ فِي إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ\" (^٢).\nقال المباركفوري ﵀: قوله: \"صلاة في إثر صلاة\" أي: صلاة تتبع صلاة وتتصل بها فرضًا أو سنةً أو نفلًا. \"لا لغو بينهما\" أي: ليس بينهما كلام باطل، ولا لغط. واللغو: اختلاط الكلام. \"كتاب في عليين\" أي: مكتوب ومقبول تصعد به الملائكة المقربون إلى عليين لكرامة المؤمن وعمله الصالح. قاله المُناوي\" (^٣).\nوعن أبي هريرة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ كَفَارِسٍ اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كَشْحِهِ، تُصَلِّي عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُومَ، وَهُوَ\n_________\n(^١) حاشية السندي على ابن ماجه رقم (٨٠١). وفيها معنى (قَدْ حَفَزَهُ) أي: أعجله النفَس. (قد حَسَرَ) أي: كشف.\n(^٢) رواه أبو داود (١٢٨٨) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٣٨٣٧).\n(^٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود حديث رقم (١٢٨٨). والحديث غير واضح في انتظار الصلاة ولكن يُفهم منه فضل تتابع أداء الصلاة وأن انتظار الصلاة في مكانها سبب لتحقيق شرط اجتناب اللغو.","vol":"1","page":33},{"text":"فِي الرِّبَاطِ الْأَكْبَرِ\" (^١).\nفائدة/ قال ابن رجب -﵀-: ويدخل في \"الجلوس في المساجد بعد الصلوات\": الجلوس للذكر والقراءة وسماع العلم وتعليمه ونحو ذلك، لا سيما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس؛ فإن النصوص قد وردت بفضل ذلك، وهو شبيهٌ بمن جلس ينتظر صلاة أخرى، لأنه قد قضى ما جاء المسجد لأجله من الصلاة وجلس ينتظر طاعة أخرى\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-17>المطلب الثاني: فضل استماع الدروس والمواعظ في المساجد</span>\nفي بعض المساجد يُلْقِي الإمامُ أو غيرُه درسًا أو موعظة بعد الصلاة، وهذا من نعم الله العظيمة على المتكلم والسامع، فينبغي للمسلم حضورها والحرص عليها، وقد وردت أدلة كثيرة تبيّن فضل الجلوس في هذه\n_________\n(^١) رواه أحمد (٨٦٢٥) والطبراني في الأوسط (٨١٤٤) وحسنة شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (٨٦٢٥). وفي مختار الصحاح (ص/ ٢٧٠): الكشح: بوزن الفَلْس، ما بين الخاصرة إلى الضِّلَعِ الخلفي. مادة (ك ش ح).\n(^٢) تفسير ابن رجب (٢/ ١٦٩)، عند الحديث عن سورة [ص].","vol":"1","page":34},{"text":"المجالس، وسأكتفي بذكر شيء يسير منها للتذكير بفضلها والحث على ملازمتها، فمن تلك الأدلة:\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي صلى الله عليه سلم قال: \"لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللهَ ﷿ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ\" (^١).\nوعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ\". قَالَ: \"فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا\". قَالَ: \"فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ - مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ\" قَالَ: \"فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ \". قَالَ: \"فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ، مَا رَأَوْكَ\". قَالَ: \"فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ \". قَالَ: \"يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا\". قَالَ: \"يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ \" قَالَ: \"يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ\". قَالَ: \"يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ \". قَالَ: \"يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٧٠٠).","vol":"1","page":35},{"text":"رَبِّ مَا رَأَوْهَا\". قَالَ: \"يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ \". قَالَ: \"يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً\". قَالَ: \"فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ \". قَالَ: \"يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ\". قَالَ: \"يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ \". قَالَ: \"يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا\". قَالَ: \"يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ \". قَالَ: \"يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً\". قَالَ: \"فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ\". قَالَ: \"يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ\" (^١).\nوفي آخر لفظ مسلم: \"فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ، فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ؛ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٤٠٨) ومسلم (٢٦٨٩).\n(^٢) صحيح مسلم (٢٦٨٩).","vol":"1","page":36},{"text":"قال العلماء: معناه على جميع الروايات: أنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، إنما مقصودهم حلق الذكر (^١).\nوقال النووي ﵀: في هذا الحديث فضيلةُ الذكر، وفضيلة مَجَالِسِهِ، والجلوسِ مع أهله، وإن لم يشاركهم، وفضلُ مجالسة الصالحين وبركتهم، والله أعلم (^٢).\nوعن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا لَمْ يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ\" (^٣).\n_________\n(^١) المنهاج شرح مسلم بن الحجاج، عند حديث رقم (٢٦٨٩).\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) رواه ابن ماجه (٢٢٧) وأحمد (٨٦٠٣) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦١٨٤).","vol":"1","page":37},{"text":"قال السندي ﵀: قوله: \"مَنْ جَاءَ مَسْجِدِي هَذَا\" أراد مسجده، وتخصيصه بالذكر إما لخصوص هذا الحكم به، أو لأنه كان محلا للكلام حينئذ وحكم سائر المساجد كحكمه، قوله: \"بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ\" وجه مشابهة طلب العلم بالمجاهد في سبيل الله أنه إحياء للدين وإذلال للشيطان وإتعاب النفس وكسر ذرى اللذة، كيف وقد أُبيح له التخلف عن الجهاد فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. قوله: \"وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ\" أي: ممن لم يأت الصلاة كما تقدم، قوله: \"فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ\" أي: بمنزلة من دخل السوق لا يبيع ولا يشتري، بل لينظر إلى أمتعة الناس فهل يحصل له بذلك فائدة؟ فكذلك هذا، وفيه: أن مسجده ﷺ سوق العلم فينبغي للناس شراء العلم بالتعلم والتعليم\" (^١).\n_________\n(^١) حاشية السندي على ابن ماجه، حديث رقم (٢٢٧).","vol":"1","page":38},{"text":"وقال أبو بكر بن عبد الرحمن القرشي المخزومي المدني التابعي، أحد الفقهاء السبعة: مَنْ غَدَا أَوْ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ؛ لِيَتَعَلَّمَ خَيْرًا أَوْ لِيُعَلِّمَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَجَعَ غَانِمًا (^١).\nوعن شَهْر بْن حَوْشَبٍ قال: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، لَا تَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَتُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَتُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَلَا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ، وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَةِ. وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، إِنْ تَكُ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ فَيُصِيبَكَ بِهَا مَعَهُمْ. وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، إِنْ تَكُ عَالِمًا لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا زَادُوكَ غَيًّا - أَوْ: عِيًّا - وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ بِسَخَطٍ فَيُصِيبَكَ بِهِ مَعَهُمْ. (^٢).\n_________\n(^١) موطأ مالك (٤٤٣).\n(^٢) سنن الدارمي (٣٩٣).","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type='title' id=toc-18>المبحث الثالث\nفضل محبة المساجد والبقاء فيها</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-19>المطلب الأول: مكانة المساجد وشرف منزلتها</span>\nـ قال الله ﷿: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور: ٣٦].\nقال البغوي ﵀: والبيوت: هي المساجد، قوله: ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال الحسن: أي: تُعظَّم، أي: لا يذكر فيه الخنا من القول. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عباس ﵄: يُتلى فيها كتابه. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ أي: يصلي ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أي: بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات؛ فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما\" (^١).\nـ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) تفسير البغوي [سورة النور: ٣٦].","vol":"1","page":40},{"text":"\"أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا\" (^١).\nقال النووي ﵀: قوله: \"أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا\" لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى. وقوله: \"وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا\" لأنها محل الغش والخداع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه. والمساجد: محل نزول الرحمة، والأسواق ضدها\" (^٢).\nوعن ابنِ عبَّاسٍ ﵄، قالَ: المساجدُ بيوتُ اللَّهِ في الأرضِ؛ تضيءُ لأهلِ السَّماءِ، كما تضيءُ نجومُ السَّماءِ لأهلِ الأرضِ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-20>المطلب الثاني: فضل محبة المساجد والبقاء فيها</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ،\n_________\n(^١) رواه مسلم (٦٧١).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج حديث رقم (٦٧١).\n(^٣) مجمع الزوائد للهيثمي (٢/ ١٠) وقال: رجاله موثوقون.","vol":"1","page":41},{"text":"وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ\" (^١).\nقال النووي ﵀: قوله: \"وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ\". معناه: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد\" (^٢).\nـ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ، كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ\" (^٣).\nقال السندي ﵀: قوله: \"ما تَوَطَّنَ\" أي: التزم حضورها. \"إِلَّا تَبَشْبَشَ\" أصله: فرح الصديق بمجيء الصديق، واللطف في المسألة والإقبال، والمراد هاهنا: تلقيه ببره وتقريبه والكرامة\" (^٤).\nوعن معمر، عن صاحب له أن أبا الدرداء -﵁-، كتب إلى سلمان -﵁-: أن يا أخي اغتنم صحتك وفراغك، قبل أن ينزل بك من البلاء ما لا يستطيع\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (١٠٣١).\n(^٣) رواه ابن ماجه (٨٠٠) وصححه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١٢٥٣).\n(^٤) حاشية السندي على ابن ماجه حديث رقم (٨٠٠).","vol":"1","page":42},{"text":"العباد رده، واغتنم دعوة المبتلى، ويا أخي ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إِنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُمْ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ\" (^١).\nوعن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ ﷿\" (^٢). وعند ابن حبان بلفظ: &gt;ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ على اللهِ إنْ عاش رُزِق وكُفي وإنْ مات أدخَله اللهُ الجنَّةَ&lt;.\n_________\n(^١) جامع معمر بن راشد رقم (٢٠٠٢٩) والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٦٥٧) والديلمي في الفردوس (٦٦٥٥) باختلاف يسير واللفظ من جامع معمر، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ١٧٦)، والألباني في الصحيحة (٢/ ٣٣٤)\n(^٢) رواه أبو داود (٢٤٩٤) وابن حبان (٤٩٩) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٠٥٣).","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>المطلب الثالث: فضل إقامة حلقات القرآن في المسجد والجلوس فيها</span>\nإن الذين يجلسون في حلقات التحفيظ مساءً - طلابًا ومعلمين - يكادون ينفردون بالأجر المذكور في حديث أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"لَأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً\" (^١). إذ قلَّ أنْ يجلس أحد من بعد صلاة العصر إلى قُبيل المغرب إلا هم. وحلقات التحفيظ عمومًا فيها فضائل كثيرة، وأجور عظيمة، منها ما ورد في الأدلة التالية:\nعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ\" (^٢). قال النووي ﵀:\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٣٦٦٧) وأحمد (٢٢١٨٥) بنحوه. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٦٥)، والوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين رقم (١٠٦).\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٩٩).","vol":"1","page":44},{"text":"قيل: المراد بالسكينة هنا: الرحمة، وهو ضعيف؛ لعطف الرحمة عليه، وقيل: الطمأنينة والوقار، وهو أحسن، وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد، وقوله ﷺ: \"وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ؛ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ\" معناه: من كان عمله ناقصا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغي ألا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء، ويقصر في العمل\" (^١).\nوعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ فَقَالَ: \"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ \" فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: \"أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ\" (^٢). قال\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، حديث رقم (٢٦٩٩).\n(^٢) رواه مسلم (٨٠٣). ومعنى: (يغدو) أي: يذهب في الغدوة، وهي أول النهار، و(بطحان): بضم الباء وإسكان الطاء: موضع بقرب المدينة. (أو العقيق) قيل: أراد العقيق الأصغر وهو على ثلاثة أميال أو ميلين من المدينة، وخصهما بالذكر لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة. (كوماوين) تثنية كوماء قُلبت الهمزة واوًا، وأصل الكوم: العلو. أي: فيحصل ناقتين عظيمتي السنام، وهي من خيار مال العرب (زهراوين) أي: سمينتين مائلتين إلى البياض من كثرة السمن (بغير إثم) كسرقة وغصب سمى موجب الإثم إثما مجازا (ولا قطع رحم) أي: بغير ما يوجبه، وهو تخصيص بعد تعميم= عون المعبود (١٤٥٦).","vol":"1","page":45},{"text":"العظيم آبادي ﵀: والحاصل: أنه ﷺ أراد ترغيبهم في الباقيات وتزهيدهم عن الفانيات، فذِكْرُه هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى فهم العليل، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن يُقابَل بمعرفة آية من كتاب الله تعالى أو بثوابها من الدرجات العلى\" (^١).\nوقال ابن عباس ﵄: مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتَذَاكَرُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا أَظَلَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي بِهِ الْعِلْمَ سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ\" (^٢).\n_________\n(^١) عون المعبود شرح سنن أبي داود (١٤٥٦).\n(^٢) سنن الدارمي (٣٥٧). والأدلة في هذا المعنى كثيرة، وفيما ذكُر كفاية إن شاء الله، إذ المقصود التذكير بفضلها، والحث على المداومة عليها، وليس المراد الاستقصاء والجمع، فذلك في بابه.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>الفصل الثالث\nالأذكار المشروعة بعد الصلاة وثوابهن</span>\n<span data-type='title' id=toc-23>تمهيد</span>\nقال النووي ﵀: أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ في أنواعٍ منه متعددةٍ\" (^١).\nعن عُقْبَةَ بن عامر ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: \"ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ\" (^٢). فكونهم عجبوا من سرعته، فيه دليل على أنه كان ﷺ من عادته أن يجلس بعد الصلاة فيقرأ الأذكار، ولذلك لما عجبوا من سرعته رجع وبيَّن لهم سبب سرعته ـ\nفائدة/ قال ابن حجر ﵀: قوله: (يحبسني) أي: يشغلني التفكر فيه عن\n_________\n(^١) كتاب الأذكار (ص/ ١٤١).\n(^٢) رواه البخاري (٨٥١).","vol":"1","page":47},{"text":"التوجه والإقبال على الله تعالى. وفهم منه ابن بطال معنى آخر، فقال فيه: إنَّ تأخير الصدقة تحبس صاحبها يوم القيامة\" (^١). وفي هذا الفصل عدة مباحث:\n\n<span data-type='title' id=toc-24>المبحث الأول\nالأذكار الواردة بعد الصلاة</span>\nوالأذكار الواردة عن النبي -ﷺ- بعد الصلاة كثيرة، وتقسيمها تحت المطالب التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-25>المطلب الأول: الاستغفار والدعاء بعده</span>\nعنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ\". قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الِاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ\" (^٢).\n_________\n(^١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٨٥١).\n(^٢) رواه مسلم (٥٩١).","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-26>المطلب الثاني: التهليل وصيغه الواردة</span>\nالأولى: عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\" (^١).\nالثانية: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ\". وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٢٩٢) ومسلم (٥٩٣).\n(^٢) رواه مسلم (٥٩٤).","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>المطلب الثالث: ذِكرٌ عظيم يُقال عند النوم وعقب الصلوات</span>\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: \"مَنْ قَالَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا عَدَدَ الشَّفْعِ، وَالْوِتْرِ، وَكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الطَّيِّبَاتِ الْمُبَارَكَاتِ، ثَلَاثًا، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلُ ذَلِكَ، كُنَّ لَهُ فِي قَبْرِهِ نُورًا، وَعَلَى الْجِسْرِ نُورًا، وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا، حَتَّى يُدْخِلْنَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ\" (^١).\n_________\n(^١) رواه ابن أبي شيبة ﵀ في \"مصنفه\" (٢٩٢٥٦)، وذكره السيوطي في جامع الأحاديث، وحسَّن إسناده. وقال المتقي الهندي في كنز العمال (٢/ ٦٤١): سنده حسن.\nوقد سألتُ شيخنا نور الدين السُّدعي - وفقه الله ـ، عن هذا الأثر فأجاب كِتابةً: الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد رجاله ثقات موقوفًا على ابن عمر. وذكر بعضهم بأن محمد بن عبد الرحمن يرويه عن طيسلة، ولم ينص أحد على سماعه منه، لكنه عاصره وأمكن لقاؤه له، فالحديث متصل على شرط مسلم، وحصل خلاف في تعيين طيسلة هل هو ابن مياس الذي وثقه ابن معين أم هو غيره. وقد حسن الموقوف صاحب كنز العمال. وأما المرفوع فذكره ابن رجب رحمه الله تعالى في شرح البخاري بصيغة: \"روي\" التي تشير إلى ضعف الحديث وعدم ثبوته. أهـ. ثم استأذنته في كتابة هذا الجواب في هذا البحث فأذن لي، جزاه الله خيرًا.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type='title' id=toc-28>المطلب الرابع: الباقيات الصالحات وصيغها وثواب كلٍ منها</span>\nالأولى:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ (^١) مِنَ الْأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ. قَالَ: \"أَلَا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إِلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ\".\nفَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: \"تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ\" (^٢).\n_________\n(^١) الدثور: جمع دثر بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة؛ وهو المال الكثير. كما في كتاب الأذكار للنووي (ص/ ١٤٣).\n(^٢) رواه البخاري (٨٤٣) ومسلم (٥٩٥).","vol":"1","page":51},{"text":"الثانية:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ\". وَقَالَ، تَمَامَ الْمِائَةِ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\" (^١).\nوعَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَيِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَدَّثَتْهُ، عَنْ إِحْدَاهُمَا، أَنَّهَا قَالَتْ: أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبْيًا، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُخْتِي وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَأْمُرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنَ السَّبْيِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ، لَكِنْ سَأَدُلُّكُنَّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ مِنْ ذَلِكَ: تُكَبِّرْنَ اللَّهَ عَلَى إِثْرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\". قَالَ عَيَّاشٌ: وَهُمَا\n_________\n(^١) رواه مسلم (٥٩٧).","vol":"1","page":52},{"text":"ابْنَتَا عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ (^١).\nوقد استدلَّ العلماء بهذا الحديث على أن المحافظة على الأذكار فيه قوة للبدن، ويدل عليه حديث أذكار النوم، وفيه: \"فهو خير لكما من خادم\" (^٢). وشهدت على صحة ذلك التجارب.!\nالثالثة:\nعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ؛ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً\" (^٣).\nالرابعة:\nعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّحَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. قَالَ: فَرَأَى رَجُلٌ\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٢٩٨٧) وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٦٠٧).\n(^٢) رواه البخاري (٣٧٠٥) ومسلم (٢٧٢٧).\n(^٣) رواه مسلم (٥٩٦).","vol":"1","page":53},{"text":"مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْمَنَامِ. فَقَالَ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُسَبِّحُوا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوا اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nقَالَ: فَاجْعَلُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا التَّهْلِيلَ مَعَهُنَّ. فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ فَقَالَ: \"افْعَلُوا\" (^١). ومعنى قوله: \"فَاجْعَلُوا خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا التَّهْلِيلَ مَعَهُنَّ\". أي: قولوا: \"لا إله إلا الله\" خمسًا عشرين مرة، و\"سبحان الله\" خمسًا وعشرين مرة، و\"الحمد لله\" خمسًا وعشرين مرة، و\"الله أكبر\" خمسًا وعشرين مرة، فيصير مجموعها كلها مئة.\nالخامسة:\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"خَصْلَتَانِ - أَوْ خَلَّتَانِ - لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ. وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٤١٣) وأحمد (٢١٦٥٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٣٤١٣).","vol":"1","page":54},{"text":"وَثَلَاثِينَ، فَذَلِكَ مِائَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ\". قال: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ.\nقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ: \"يَأْتِي أَحَدَكُمْ - يَعْنِي الشَّيْطَانَ - فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ، وَيَأْتِيهِ فِي صَلَاتِهِ فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا\" (^١).\nوقوله: \"فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللِّسَانِ\" أي: تلك العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس \"خمسون ومائة\" أي: في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة، أي: مائة وخمسون حسنة \"باللسان\" أي: بمقتضى نطقه في العدد \"وألف وخمسمائة في الميزان\" لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعودة في الكتاب والسنة (^٢).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٥٠٦٥) والترمذي (٣٤١٠) والنسائي (١٣٤٨) وابن ماجه (٩٢٦) وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٦٠٦).\n(^٢) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، حديث رقم (٣٤١٠).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>المبحث الثاني\nمسائل تتعلق بالتسبيح</span>\nوهذه المسائل مهمة وتكثر الحاجة إليها، وتم إيرادها في أربعة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-30>المطلب الأول: تنويع الأذكار</span>\nقال ابن عثيمين بعد أن ذكر صيغ التسبيح: هذه كلها وردت عن النبي ﷺ، فبأيها جاء الإنسان أداه ذلك، والأحسن إذا كان الإنسان يحفظها جيدًا أن يقول هذا مرة وهذا مرة\" (^١).\nوقال أيضًا ﵀: واعلم أن تنوع العبادات والأذكار من نعمة الله - ﷿ - على الإنسان؛ وذلك لأنه يحصل بها عدة فوائد، منها: أن تنوع العبادات يؤدي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذكر؛ فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحد صار يأتي به بدون أن يحضر قلبه، فإذا تعمد وقصد تنويعها، فإنه بذلك يحصل له حضور القلب. ومن فوائد تنوع العبادات: أن الإنسان قد يختار الأسهل منها والأيسر لسبب من الأسباب، فيكون في ذلك تسهيل عليه. ومنها: أن في كل نوع منها ما ليس في الآخر، فيكون في ذلك\n_________\n(^١) سلسلة فتاوى نور على الدرب &gt; الشريط رقم [٣١٩].","vol":"1","page":56},{"text":"زيادة ثناء على الله -﷿-\" (^١).\nوفي تنويع الأذكار: عمل بالسنة، وتثبيت للعلم، وتنشيط لمؤديها، ورجاء نيل الثواب الوارد في بعضها دون بعض، وكذلك تفاوت الدعاء فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>المطلب الثاني: التسبيح بأنامل اليد اليمنى</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: هل الرسول ﷺ كان يسبح الله ﷿ بيده اليمنى فقط أو باليد اليسرى، في حديث كان النبي ﷺ يسبح بيده، في حديث آخر كان ﷺ يسبح بيمينه هل هذان الحديثان صحيحان أم لا؟\nج: أمر الله تعالى في كتابه بالتسبيح وحثت السنة الثابتة عليه، وبينت فضله مطلقًا ومقيدًا بزمن أو حال، أما كونه باليد أو بأناملها، فقد روى في ذلك الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن يسيرة بنت ياسر ﵂- وكانت من المهاجرات- قالت قال لنا رسول الله ﷺ: \"يا نساء المؤمنات عليكن بالتهليل والتسبيح والتقديس ولا تغفلن فتنسين الرحمة واعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات مستنطقات\" (^٢). وروى\n_________\n(^١) سلسلة فتاوى نور على الدرب &gt; الشريط رقم [٣١٩].\n(^٢) رواه أبو داود (١٥٠١) والترمذي (٣٥٨٣) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٠٨٧).","vol":"1","page":57},{"text":"الترمذي من طريق الأعمش عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح (^١)، ورواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح (^٢). قال ابن قدامة: (بيمينه). من هذا يتبين للسائل ألفاظ الروايات التي روي بها هذا الحديث، وليس بينها تناف، بل بعضها مجمل وبعضها مبين مفسر، ويشهد لاختيار التسبيح باليمين عموم حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعجبه التيمن ما استطاع في طهوره وتنعله وترجله وفي شأنه كله (^٣). رواه أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، والأمر في ذلك واسع، ولا حرج في استعمال أنامل اليدين جميعًا كما هو ظاهر من حديث يسيرة المتقدم، ولكن استعمال أنامل اليد اليمنى في ذلك أفضل لما تقدم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم\" (^٤).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٤٨٦) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣٤٨٦).\n(^٢) رواه أبو داود (١٥٠٢) والنسائي (١٣٥٥). وصححه الألباني في صحيح النسائي (١٣٥٤).\n(^٣) راه البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨).\n(^٤) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١٠٥).","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>المطلب الثالث: جواز التسبيح باليدين وتفضيل اليمين</span>\nس: أيهما أفضل: التسبيح باليد اليمنى أم الشمال؟\nج: الأفضل أن يكون ذلك باليمين؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يعقد التسبيح بيمينه، ولعموم حديث عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) (^١)، ويجوز ذلك باليدين جميعًا لأحاديث وردت في ذلك. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).\nوسُئل ابن عثيمين ﵀: ما حكم عقد التسبيح باليسرى مع اليمنى؟ يقولون: أنه لم يثبت عن النبي ﷺ التسبيح باليسرى، فهل هذا صحيح؟\nفأجاب الشيخ: نعم، هذا صحيح، لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يسبح باليسرى، وإنما جاء عنه أنه كان يعقد التسبيح بيمينه، ولكن مع هذا لا ينكر على من سبح باليسرى، وإنما يقال: إن السنة الاقتصار على التسبيح باليمنى (^٣).\n_________\n(^١) راه البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨).\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١٠٧).\n(^٣) المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب= الشريط رقم [٢٨].","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>المطلب الرابع: التسبيح بالمسبحة</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: التسبيح بعد الصلاة بالمسبحة أو باليد أيهما أفضل؟ وما الذي كان عليه -ﷺ-؟\nج: التسبيح باليد أفضل ولم يثبت عن النبي -ﷺ- أنه اتخذ لنفسه مسبحة يسبح الله بها فيما نعلم، والخير كل الخير في اتباعه.\nوقد سُئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فأجاب بما نصه:\n(أما التسبيح بما يجعل في نظام من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه ومنهم من لم يكره، وإذا أُحسِنَتْ فيه النية فهو حسن غير مكروه، أما اتخاذه من غير حاجة أو إظهاره للناس، مثل تعليقه في العنق أو جعله كالسوار في اليد أو نحو ذلك - فهذا إما رياءً للناس، أو مظنة المراءاة ومشابهة المرائين من غير حاجة؛ فالأول محرم، والثاني أقل أحواله الكراهة، فإن مراءاة الناس في العبادات المختصة كالصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن من أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].","vol":"1","page":60},{"text":"وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-34>المطلب الخامس: الشك في عدد التسبيحات</span>\nس: أحيانا أشك حين التسبيح في أنني نقصت أو زدت عن ٣٥ مرة فهل هذا جائز؟\nج: إذا شككت في عدد التسبيح مثلًا، فابْنِ على الأقل، فإذا شككت في أنك سبحت ثلاثين أو إحدى وثلاثين فاعتبرها ثلاثين، لأن الأصل العدم حتى يثبت أنك سبحت. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١١١).\n(^٢) المصدر السابق (٧/ ١١٢).","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>المبحث الثالث: الآيات الوارد قراءتها بعد الصلاة</span>\nجاء الحث على قراءة بعض الآيات والسور عقب الصلوات، وهي معروفة لدى عامة المسلمين، ولكن هذا تذكير بأدلة قراءتها وثواب المداومة على ذلك، ومَنْ علِمَ الثواب عظمُت نيته، وإذا عظُمت النية عظُم الأجر، وهذا من الفروق بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، والعلم بهذا من الفقه في الدين، وفي حديث معاوية -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (^١).\nوقد وردت آثار فيها قراءة آيات كثيرة، ونكتفي بذكر ما صح من تلك الآثار تحت المطالب التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-36>المطلب الأول: قراءة آية الكرسي وثواب المداومة على ذلك</span>\nآية الكرسي/ قال الله -﷿-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣١١٦) ومسلم (١٠٣٧).","vol":"1","page":62},{"text":"إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].\nعن أبي أُمامةَ صُدَيِّ بنِ عَجْلان الباهليِّ ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"من قرأ آية الكرسي في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنَعْهُ من دُخُولِ الجنةِ إلَّا أنْ يمُوتَ\" (^١).\nوعن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيّ فِي دُبُرِ الصّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ فِي ذِمّةِ اللّهِ إلَى الصّلَاةِ الْأُخْرَى\" (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: وقد رُوي هذا الحديث من طرق إذا نضم بعضها إلى بعض مع تبايُن طرقها واختلافِ مَخَارجها؛ دلَّت على أن الحديث له أصلٌ\n_________\n(^١) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٠) وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (٦٤٦٤)، وحسَّنه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين رقم (٤٧٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني (٣/ ٨٣) (٢٧٣٣)، من حديث الحسن. وحسنه الدمياطي في المتجر الرابح (٢٣٢)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٥١)، والسيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٦٩). والمنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٣٧٤).","vol":"1","page":63},{"text":"وليس بموضوع.\nثم قال: وَبَلَغَنِي عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْعَبّاسِ ابْنِ تَيْمِيّةَ قَدّسَ اللّهُ رُوحَهُ أَنّهُ قَالَ: مَا تَرَكْتُهَا عَقِيبَ كُلّ صَلَاةٍ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المطلب الثاني: فضل آية الكرسي والانتفاع بقراءتها وتفسيرها</span>\n<span data-type='title' id=toc-38>أولًا: فضل آية الكرسي والانتفاع بقراءتها</span>\nعنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ \". قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ \". قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: \"وَاللَّهِ، لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ\" (^٢).\nقال العلماء: إنما تميزت آية الكرسي بكونها أعظم آية؛ لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية، والحياة والعلم والملك والقدرة والإرادة، وهذه السبعة أصول الأسماء والصفات، والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) زاد المعاد (١/ ٢١٢).\n(^٢) رواه مسلم (٨١٠) وأبو داود (١٤٦٠).\n(^٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٨١٠).","vol":"1","page":64},{"text":"وفي آية الكرسي أنواعٌ من الفصاحة وعلم البيان، منها: حسنُ الافتتاح، لأنها افتُتِحتْ بأجلِّ أسماء الله تعالى، وتكرار اسمه تعالى ظاهرًا ومضمرًا في ثمانية عشر موضعًا، والإطناب بتكرار الصفات\" (^١).\nوقد صحت البشارة لقارئ آية الكرسي بحفظ الرحمن، والتحصُّن من الشيطان:\nعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ \". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ\"\nقال: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: دَعْنِي، فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا\n_________\n(^١) صفوة التفاسير [سورة البقرة: ٢٥٥].","vol":"1","page":65},{"text":"أَعُودُ. فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ \". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ\". فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ.\nقَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ.\nفَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ \". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: \"مَا هِيَ؟ \". قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ","vol":"1","page":66},{"text":"وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ \". قَالَ: لَا. قَالَ: \"ذَاكَ شَيْطَانٌ\" (^١).\nقال ابن حجر ﵀: وفيه فضل آية الكرسي وفضل آخر سورة البقرة، وأن الجن يصيبون من الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ثانيًا: تفسير آية الكرسي</span>\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: هَذِهِ الْآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عَشْرِ جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ فَقَوْلُهُ:\n١ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ.\n٢ - ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أَيِ: الْحَيُّ فِي نَفْسِهِ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا الْقَيِّمُ لِغَيْرِهِ. وَكَانَ عُمَرُ يَقْرَأُ: ﴿الْقَيَّامُ﴾ فَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا، وَلَا قَوَامَ لَهَا بِدُونِ أَمْرِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الرُّومِ: ٢٥].\n٣ - وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أَيْ: لَا يَعْتَرِيهِ نَقْصٌ وَلَا غَفْلَةٌ وَلَا\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٣١١) تعليقًا، وصححه الالباني في صحيح الترغيب والترهيب (٦١٠).\n(^٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (٢٣١١).","vol":"1","page":67},{"text":"ذُهُولٌ عَنْ خَلْقِهِ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ شَهِيدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَمِنْ تَمَامِ الْقَيُّومِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَعْتَرِيهِ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أَيْ: لَا تَغْلِبُهُ سِنَةٌ وَهِيَ الْوَسَنُ وَالنُّعَاسُ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنَ السِّنَةِ.\n٤ - وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إِخْبَارٌ بِأَنَّ الْجَمِيعَ عَبِيدُهُ وَفِي مُلْكِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مَرْيَمَ: ٩٣ - ٩٥].\n٥ - وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وَهَذَا مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ ﷿ أَنَّهُ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: \"آتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَخِرُّ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ\" قَالَ: \"فَيَحِدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ\".","vol":"1","page":68},{"text":"٦ - وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، دَلِيلٌ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ: مَاضِيهَا وَحَاضِرِهَا وَمُسْتَقْبَلِهَا كَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤].\n٧ - وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أَيْ: لَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ ﷿ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ إِلَّا بِمَا أَطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طَهَ: ١١٠].\n٨ - وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ\".\nوَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: الْكُرْسِيُّ تَحْتَ الْعَرْشِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ، وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ.\nوَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ بُسِطْنَ ثُمَّ وُصِلْنَ بَعْضُهُنَّ إِلَى بَعْضٍ مَا كُنَّ فِي سِعَةِ الْكُرْسِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْحَلْقَةِ","vol":"1","page":69},{"text":"فِي الْمَفَازَةِ. وذكر ابن كثير أقوالًا كثيرة، ثم قال: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْكُرْسِيَّ غَيْرُ الْعَرْشِ، وَالْعَرْشَ أَكْبَرُ مِنْهُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْآثَارُ وَالْأَخْبَارُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\n٩ - وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥] أَيْ: لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يُكْرِثُهُ حِفْظُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِمَا وَمَنْ بَيْنَهُمَا، بَلْ ذَلِكَ سَهْلٌ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لَدَيْهِ، وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، الرَّقِيبُ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، فَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا حَقِيرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَوَاضِعَةٌ ذَلِيلَةٌ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، مُحْتَاجَةٌ فَقِيرَةٌ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ الْفَعَّالُ لَمَّا يُرِيدُ، الَّذِي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. وَهُوَ الْقَاهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْحَسِيبُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الرَّقِيبُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ.\n١٠ - قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وَكَقَوْلِهِ: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالُ﴾ [الرَّعْدِ: ٩]. ثم قال ابن كثير ﵀: وَهَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ؛ الْأَجْوَدُ فِيهَا طَرِيقَةُ السَّلَفِ الصَالِحٍ: إِمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ\" (^١).\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٥١ ــ ٣٥٣) [البقرة: ٢٥٥]. تنبيه: الترقيم من عندي ليسهل ضبط الجمل وحفظ معانيها، وليس موجودًا في التفسير.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>المطلب الثالث: قراءة الإخلاص والمعوِّذتين</span>\nسورة الإخلاص\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾\nسورة الفلق\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾\nسورة الناس\nبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾\nعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ","vol":"1","page":71},{"text":"وَسَلَّمَ أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ\" (^١).\nويدخل في المعوذات عند الإطلاق سورة الإخلاص، وهذا ما فهمه البخاري ﵀، حيث بوَّب في صحيحه: [باب فضل المعوذات] وأورد في هذا الباب حديثين:\nالأول/ عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ\" (^٢).\nالثاني/ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ\" (^٣).\nفدل هذا التبويب وإيراد الحديثين على دخول سورة الإخلاص في لفظ المعوذات. بل إن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٥٢٣) والترمذي (٢٩٠٣) والنسائي (١٣٣٦)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٥٢٣).\n(^٢) رواه البخاري (٥٠١٦) ومسلم (٢١٩٢).\n(^٣) رواه البخاري (٥٠١٧)","vol":"1","page":72},{"text":"وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا اشْتَكَى، كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ (^١). فقولها هذا يبين أن إطلاق لفظ المعوذات في حديث الرقية السابق يدخل فيه سورة الإخلاص.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀: المراد بأنه كان (يقرأ بالمعوذات) أي: السور الثلاث، وذكر سورة الإخلاص معهما تغليبًا لما اشتملت عليه من صفة الرب، وإن لم يصرح فيها بلفظ التعويذ\" (^٢). فيستفاد استحباب قراءة المعوذتين والإخلاص عقب كل فريضة مرة مرة (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٧٤٨).\n(^٢) فتح الباري (٩/ ٦٢).\n(^٣) وأما تكرار قراءة هذه السور ثلاثًا بعد الفجر والمغرب فلم أجد دليلًا على ذلك بعد البحث.\nوالاستحبابُ حكمٌ شرعي يحتاج إلى دليل. وأما فتوى بعض كبار العلماء بذلك فقد وجهها بعض العلماء كالشيخ سليمان الرحيلي وفقه الله في مقطع صوتي&gt;موجود في اليوتيوب&lt; بأن ذلك منهم من باب تداخل العبادات؛ حيث يجمع في نيته أن يقرأهن من أذكار الصباح والمساء وأذكار بعد الصلاة. ثم بين الشيخ سليمان أن الأفضل: قراءتهن مرة مرة على أنهن من أذكار بعد الصلاة، ثم يقرأهن من ثلاث مرات صباحًا ومساءً على أنهن من أذكار الصباح والمساء. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-41>المطلب الرابع: فضل الإخلاص والمعوذتين والانتفاع بقراءتهن</span>\n<span data-type='title' id=toc-42>أولًا: فضل سورة الإخلاص</span>\nـ حُبُّها سبب لنيل محبة الله: عَنْ عَائِشَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: \"سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ \". فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: \"أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ\" (^١).\nقال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له؛ محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه، لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده\" (^٢).\nـ سبب لدخول الجنة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ\n_________\n(^١) رواه البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣).\n(^٢) فتح الباري (٧٣٧٥).","vol":"1","page":74},{"text":"مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا تَقْرَأُ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: \"يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ؟ وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ \" فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ: \"حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ\" (^١).\n_________\n(^١) رواه البخاري تعليقًا (٧٧٤). ووصله الترمذي (٢٩٠١). وقال الألباني في أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٠): هو على شرط مسلم.","vol":"1","page":75},{"text":"وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"وَجَبَتْ\". قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: \"الْجَنَّةُ\" (^١).\nقال أبو الوليد الباجي ﵀: قوله: فَسَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يحتمل أن يكون في غير صلاة، وقوله ﷺ: \"وَجَبَتْ\". يحتمل أن يريد بذلك تنبيه أبي هريرة ومن كان معه على فضلها وكثرة الثواب لقارئها\" (^٢).\nوعن مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ\". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁:\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٢٨٩٧) والنسائي (٩٩٤). وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٨٩٧). وحسنه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١٤٢٦).\n(^٢) المنتقى شرح موطأ مالك، حديث رقم (٥٥٨).","vol":"1","page":76},{"text":"إِذَنْ نَسْتَكْثِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"اللَّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ\" (^١).\nـ تعدل ثلث القرآن: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ\" (^٢).\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"احْشُدُوا؛ فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ\"، فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ثُمَّ دَخَلَ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنَ السَّمَاءِ، فَذَاكَ الَّذِي أَدْخَلَهُ، ثُمَّ\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٥٦١٠)، والطبراني في الأوسط (٢٨١). وحسنه لغيره الألباني في الصحيحة (٥٨٩).\n(^٢) رواه البخاري (٧٣٧٤).","vol":"1","page":77},{"text":"خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: \"إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ\" (^١).\nقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا عَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ هَذَا الِاسْمِ، الَّذِي هُوَ (الصَّمَدُ) فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَكَذَلِكَ (أَحَدٌ). وَقِيلَ: إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ أَثْلَاثًا؛ ثُلُثًا مِنْهُ أَحْكَامٌ، وَثُلُثًا مِنْهُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ، وَثُلُثًا مِنْهُ أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ، وَقَدْ جَمَعَتْ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أَحَدَ الْأَثْلَاثِ، وَهُوَ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ. وَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. \"إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ\" (^٢). وَهَذَا نَصٌّ؛ وَبِهَذَا الْمَعْنَى سُمِّيَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه مسلم (٨١٢).\n(^٢) رواه مسلم (٢٦٠).\n(^٣) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢٢١) [سورة الإخلاص].","vol":"1","page":78},{"text":"وعن أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ\" (^١).\nقال المازري ﵀: قيل: معناه: أن القرآن على ثلاثة أنحاء؛ قصص، وأحكام، وصفات لله تعالى، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ متمحضة، فهي ثلث، وجزء من ثلاثة أجزاء، وقيل: معناه: أن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثواب قراءة ثلث القرآن بغير تضعيف\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>ثانيًا: فضل المعوذتين والانتفاع بقراءتهن</span>\nعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \" (^٣).\nوعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: اتَّبَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ، فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ سُورَةَ هُودٍ، وَسُورَةَ يُوسُفَ. فَقَالَ: \"لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \" (^٤).\nوعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦٠).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٢/ ١٩٩)، حديث رقم (٢٥٩).\n(^٣) رواه مسلم (٨١٤).\n(^٤) رواه النسائي (٩٥٣). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٥٢١٧).","vol":"1","page":79},{"text":"وَسَلَّمَ فِي نَقْبٍ مِنْ تِلْكَ النِّقَابِ، إِذْ قَالَ: \"أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ \". فَأَجْلَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَرْكَبْ مَرْكَبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا تَرْكَبُ يَا عُقْبَةُ؟ \". فَأَشْفَقْتُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَنَزَلَ، وَرَكِبْتُ هُنَيْهَةً وَنَزَلْتُ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا أُعَلِّمُكَ سُورَتَيْنِ مِنْ خَيْرِ سُورَتَيْنِ قَرَأَ بِهِمَا النَّاسُ؟ \". فَأَقْرَأَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَتَقَدَّمَ فَقَرَأَ بِهِمَا، ثُمَّ مَرَّ بِي فَقَالَ: \"كَيْفَ رَأَيْتَ يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ؟ اقْرَأْ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ\" (^١).\n_________\n(^١) رواه أبو دواد (١٤٦٢) والنسائي (٥٤٣٧) واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٦٢).","vol":"1","page":80},{"text":"وعن ابْنِ عَابِسٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: \"يَا ابْنَ عَابِسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ - أَوْ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ - بِأَفْضَلِ مَا يَتَعَوَّذُ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟ \". قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ\" (^١).\nوعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَالْأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، وَيَقُولُ: \"يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا\". قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَؤُمُّنَا بِهِمَا فِي الصَّلَاةِ\" (^٢).\nوعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ، وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا؛ أَخَذَ بِهِمَا، وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه النسائي (٥٤٣٢) وأحمد (١٧٣٨٩) وصححه الألباني في صحيح النسائي (٥٤٤٧).\n(^٢) رواه أبو دواد (١٤٦٣). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٤٦٣).\n(^٣) رواه الترمذي (٢٠٥٨) والنسائي (٥٤٩٤) وابن ماجه (٣٥١١). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٩٠٢).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-44>ثالثًا: فضل الثلاث السور والانتفاع بقراءتهن</span>\nعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ فِي غَزْوَةٍ، إِذْ قَالَ: \"يَا عُقْبَةُ، قُلْ\". فَاسْتَمَعْتُ، ثُمَّ قَالَ: \"يَا عُقْبَةُ، قُلْ\". فَاسْتَمَعْتُ، فَقَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ فَقَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. فَقَرَأَ السُّورَةَ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾. وَقَرَأْتُ مَعَهُ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾. فَقَرَأْتُ مَعَهُ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: \"مَا تَعَوَّذَ بِمِثْلِهِنَّ أَحَدٌ\" (^١).\nوعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁، قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: \"يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ\". قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: \"يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، أَمْلِكْ لِسَانَكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ\". قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لِي: \"يَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، أَلَا أُعَلِّمُكَ سُوَرًا مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَا فِي الزَّبُورِ، وَلَا فِي\n_________\n(^١) رواه النسائي (٥٤٣٠). وصححه الألباني في صحيح الجامع (٧٩٥٠).","vol":"1","page":82},{"text":"الْإِنْجِيلِ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهُنَّ، لَا يَأْتِيَنَّ عَلَيْكَ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأْتَهُنَّ فِيهَا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ \". قَالَ عُقْبَةُ: فَمَا أَتَتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأْتُهُنَّ فِيهَا، وَحُقَّ لِي أَنْ لَا أَدَعَهُنَّ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\" (^١).\nوعَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ؛ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا، قَالَ: فَأَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ: \"قُلْ\"، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: \"قُلْ\"، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا قَالَ: \"قُلْ\"، فَقُلْتُ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٤٥٢) وصححه الألباني في الصحيحة (٦/ ٨٥٩).\n(^٢) رواه الترمذي (٣٥٧٥) وأبو داود (٥٠٨٢) والنسائي (٥٤٢٨). وصححه النووي في الأذكار (١٠٧)، والألباني في صحيح الجامع (٤٤٠٦).","vol":"1","page":83},{"text":"ــ الرقية بهن: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا\" (^١).\nوفي لفظ لمسلم: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي\" (^٢).\nـ قراءتهن عند النوم: عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا اشْتَكَى، كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٥٠١٦) ومسلم (٢١٩٢).\n(^٢) صحيح مسلم (٢١٩٢).\n(^٣) رواه البخاري (٥٧٤٨).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>المطلب الخامس: تفسير سورة الإخلاص والمعوذتين</span>\n<span data-type='title' id=toc-46>أولًا: تفسير سورة الإخلاص</span>\nقال السعدي ﵀: أَيْ: قُلْ قَوْلًا جَازِمًا بِهِ، مُعْتَقِدًا لَهُ، عَارِفًا بِمَعْنَاهُ، ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَيْ: قَدِ انْحَصَرَتْ فِيهِ الْأَحَدِيَّةُ، فَهُوَ الْأَحَدُ الْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ، الَّذِي لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتُ الْكَامِلَةُ الْعُلْيَا، وَالْأَفْعَالُ الْمُقَدَّسَةُ، الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا مَثِيلَ.\n﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَيِ: الْمَقْصُودُ فِي جَمِيعِ الْحَوَائِجِ. فَأَهْلُ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مُفْتَقِرُونَ إِلَيْهِ غَايَةَ الِافْتِقَارِ، يَسْأَلُونَهُ حَوَائِجَهُمْ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فِي مَهَمَّاتِهِمْ، لِأَنَّهُ الْكَامِلُ فِي أَوْصَافِهِ، الْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، الْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ، الرَّحِيمُ الَّذِي كَمُلَ فِي رَحْمَتِهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَهَكَذَا سَائِرُ أَوْصَافِهِ، وَمِنْ كَمَالِهِ أَنَّهُ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لِكَمَالِ غِنَاهُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا","vol":"1","page":85},{"text":"أَحَدٌ﴾ لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، ﵎. فَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>ثانيًا: تفسير سورة الفلق</span>\nقال السعدي ﵀: أَيْ: قُلْ مُتَعَوِّذًا ﴿أَعُوذُ﴾ أَيْ: أَلْجَأُ وَأَلُوذُ، وَأَعْتَصِمُ ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ أَيْ: فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَفَالِقُ الْإِصْبَاحِ. ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، مِنْ إِنْسٍ، وَجِنٍّ، وَحَيَوَانَاتٍ، فَيُسْتَعَاذُ بِخَالِقِهَا، مِنَ الشَّرِّ الَّذِي فِيهَا، ثُمَّ خَصَّ بَعْدَ مَا عَمَّ، فَقَالَ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أَيْ: مِنْ شَرِّ مَا يَكُونُ فِي اللَّيْلِ، حِينَ يَغْشَى النَّاسَ، وَتَنْتَشِرُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ، وَالْحَيَوَانَاتِ الْمُؤْذِيَةِ. ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أَيْ: وَمِنْ شَرِّ السَّوَاحِرِ، اللَّاتِي يَسْتَعِنَّ عَلَى سِحْرِهِنَّ بِالنَّفْثِ فِي الْعُقَدِ، الَّتِي يَعْقِدْنَهَا عَلَى السِّحْرِ.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٢/ ١٣٠٨) [سورة الإخلاص]. تنبيه: اخترت تفسير السور الثلاث من تفسير السعدي طلبًا للاختصار؛ فإنه اختصر تفسيرهن من غير غموض في المعنى، ولم يسهب في ذكر الروايات وأسباب النزول.","vol":"1","page":86},{"text":"﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ وَالْحَاسِدُ: هُوَ الَّذِي يُحِبُّ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ فَيَسْعَى فِي زَوَالِهَا بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ، فَاحْتِيجَ إِلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ، وَإِبْطَالِ كَيْدِهِ، وَيَدْخُلُ فِي الْحَاسِدِ: الْعَايِنِ، لِأَنَّهُ لَا تَصْدُرُ الْعَيْنُ إِلَّا مِنْ حَاسِدٍ شِرِّيرِ الطَّبْعِ، خَبِيثِ النَّفْسِ، فَهَذِهِ السُّورَةُ، تَضَمَّنَتِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشُّرُورِ، عُمُومًا وَخُصُوصًا. وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ يُخْشَى مِنْ ضَرَرِهِ، وَيُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهُ وَمِنْ أَهْلِهِ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-48>ثالثًا: تفسير سورة الناس</span>\nقال السعدي ﵀: وَهَذِهِ السُّورَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِرَبِّ النَّاسِ وَمَالِكِهِمْ وَإِلَهِهِمْ، مِنَ الشَّيْطَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الشُّرُورِ كُلِّهَا وَمَادَّتِهَا، الَّذِي مِنْ فِتْنَتِهِ وَشَرِّهِ، أَنَّهُ ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، فَيُحَسِّنُ لَهُمُ الشَّرَّ، وَيُرِيهِمْ إِيَّاهُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، وَيُنَشِّطُ إِرَادَتَهُمْ لِفِعْلِهِ، وَيُثَبِّطُهُمْ عَنِ الْخَيْرَ، وَيُرِيهِمْ إِيَّاهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ، وَهُوَ دَائِمًا بِهَذِهِ الْحَالِ يُوَسْوِسُ وَيَخْنَسُ، أَيْ: يَتَأَخَّرُ إِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ وَاسْتَعَانَ عَلَى دَفْعِهِ.\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٢/ ١٣٠٨) [سورة الفلق].","vol":"1","page":87},{"text":"فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ وَيَسْتَعِيذَ وَيَعْتَصِمَ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ. وَأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ، دَاخِلُونَ تَحْتَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْمُلْكِ، فَكُلُّ دَابَّةٍ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. وَبِأُلُوهِيَّتِهِ الَّتِي خَلَقَهُمْ لِأَجْلِهَا، فَلَا تَتِمُّ لَهُمْ إِلَّا بِدَفْعِ شَرِّ عَدُوِّهِمُ، الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَقْتَطِعَهُمْ عَنْهَا وَيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِنْ حِزْبِهِ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ، وَالْوَسْوَاسُ كَمَا يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ \" (^١).\n_________\n(^١) تفسير السعدي (٢/ ١٣٠٩) [سورة الناس].","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>المبحث الرابع: الدعاء بعد الصلوات</span>\nوفي هذا المبحث مطلبان مهمان:\n\n<span data-type='title' id=toc-50>المطلب الأول: الأدعية الواردة عن النبي ﷺ بعد الصلاة</span>\nـ عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ، يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ، أَوْ تَجْمَعُ عِبَادَكَ\" (^١).\nقال القاضي: يحتمل أن يكون التَّيامُن عند التسليم، وهو الأظهر؛ لأن عادته ﷺ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه. قال: وإقباله ﷺ يحتمل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل\" (^٢).\nـ وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٠٩).\n(^٢) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٧٠٩).","vol":"1","page":89},{"text":"وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ\" (^١). وبوَّب له أبو داود: بَابٌ: مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا سَلَّمَ.\nقال ابن القيم ﵀: هذا قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ الطّوِيلِ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي اسْتِفْتَاحِهِ ﵊ وَمَا كَانَ يَقُولُهُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ فِيهِ لَفْظَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنّ النّبِيّ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ بَيْنَ التّشَهّدِ وَالتّسْلِيمِ، وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ.\nوَالثّانِي: كَانَ يَقُولُهُ بَعْدَ السّلَامِ، وَلَعَلّهُ كَانَ يَقُولُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَاللّهُ أَعْلَمُ\" (^٢).\nـ وعَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: \"يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ\".\nفَقَالَ: \"أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى\n_________\n(^١) رواه مسلم (٧٧١) بروايتين إحداهما قبل السلام والثانية بعد السلام. ورواه أبو داود (١٥٠٩).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٢٠٧). فصل: فيما كان يقوله بعد انصرافه من الصلاة، وجلوسه بعدها.","vol":"1","page":90},{"text":"ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ\". وَأَوْصَى بِذَلِكَ مُعَاذٌ الصُّنَابِحِيَّ، وَأَوْصَى بِهِ الصُّنَابِحِيُّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ - الراوي عن الصُّنابِحِي ـ\" (^١).\nقال ابن القيم ﵀ - بعد أن أورد حديث معاذ المذكور -: وَدُبُرُ الصّلَاةِ يَحْتَمِلُ قَبْلَ السّلَامِ وَبَعْدَهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا يُرَجّحُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ السّلَامِ، فَرَاجَعْته فيه، فقال: دُبُرُ كُلّ شَيْءٍ منه، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ\" (^٢).\nـ وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَا: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ الْمُكَتِّبُ الْغِلْمَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ\" (^٣).\nـ وعن مسْلِم ابْن أَبِي بَكْرَةَ - أَنَّهُ كَانَ سَمِعَ وَالِدَهُ يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ\". قال: فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِهِنَّ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنَّى عُلِّمْتَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ، سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِهِنَّ\n_________\n(^١) رواه أبو داود (١٥٢٢) والنسائي (١٣٠٣) وصححه الألباني في الكلم الطيب (١١٥). والوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١١٠٧).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ٢١٣).\n(^٣) رواه البخاري (٢٨٢٢) والترمذي (٣٥٦٧) واللفظ له.","vol":"1","page":91},{"text":"فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، فَأَخَذْتُهُنَّ عَنْكَ. قَالَ: فَالْزَمْهُنَّ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ\" (^١).\nـ وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: ما دنوت من رسول الله ﷺ في دبر مكتوبة ولا تطوع إلا سمعته يقول: \" اللهم اغفِرْ لي ذنوبي وخطايايَ كلَّها، اللهم أَنعِشْني (^٢) واجبُرْني، واهدِني لصالحِ الأعمالِ والأخلاقِ؛ فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرفُ سيِّئَها إلا أنت\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه النسائي (٥٤٦٥) وأحمد (٢٠٤٠٩). وصحح إسناده الألباني في صحيح النسائي (٥٤٨٠).\n(^٢) في مختار الصحاح (ص/ ٣١٤): &gt;نعشه الله&lt; أي: رفَعَه. وقال العلامة ابن قُرْقُول في مطالع الأنوار (٤/ ١٨٤): &gt;نَعَشَه&lt; أي: رفَعَه.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٣٦) رقم (٧٨١١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة رقم (١١٦) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١٢٦٦). وأورده النووي في كتاب الأذكار (ص/ ١٤٥) رقم (١٩٢).","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type='title' id=toc-51>المطلب الثاني: مسائل تتعلق بالدعاء بعد الصلاة</span>\nوتحت هذا المطلب عدة مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-52>المسألة الأولى/ حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة باستمرار</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: رفع اليدين بالدعاء بعد الصلوات الخمس هل ثبت رفعها من النبي ﷺ أم لا، وإذا لم يثبت هل يجوز رفعهما بعد الصلوات الخمس أم لا؟\nج: لم يثبت عن النبي ﷺ فيما نعلم أنه رفع يديه بعد السلام من الفريضة في الدعاء، ورفعهما بعد السلام من صلاة الفريضة مخالف للسنة.\nوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-53>المسألة الثانية/ الدعاء بغير العربية</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز له الدعاء باللغة الإنجليزية؟\nج: يجوز للشخص أن يدعو الله جل وعلا باللغة التي يعرفها من لغة عربية\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١٠٤).","vol":"1","page":93},{"text":"أو إنجليزية أو أوردية أو غيرها من اللغات؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-54>المسألة الثالثة/ حكم الدعاء الجماعي بعد الصلاة</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: قراءة الفاتحة والدعاء جماعة خلف الصلاة المكتوبة هل هو سنة أم بدعة؟\nج: خير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وقد تلقى خلفاؤه وأصحابه هديه ﷺ وعملوا به ونقلوه إلى من بعدهم، وكان هديه ﷺ أنه يذكر الله ويدعوه بمفرده، ولم يكن ﷺ يطلب أحدًا من الصحابة أن يجتمع معه ويدعو هو ومن معه جماعة، وما يفعله بعض الناس من قراءة الفاتحة والدعاء جماعة بعد الصلاة من البدع. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" خرجه مسلم في صحيحه (^٢)،\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١١٣).\n(^٢) صحيح مسلم (١٧١٨).","vol":"1","page":94},{"text":"وأصله في الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^١)، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، كما قال ذلك الإمام مالك بن أنس ﵀ وغيره من أهل العلم. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).\nوفي سؤال آخر: ما حكم الدعاء بعد الصلاة مع الإمام؟\nج: الدعاء بعد الصلاة مع الإمام بصوت جماعي، أو الإمام يدعو والمأمومون يؤمنون على دعائه ذلك - بدعة لا يجوز. أما دعاء كل شخص لنفسه منفردًا وبلا رفع صوت فلا بأس به.\nوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٣).\n_________\n(^١) البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨).\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١٢١).\n(^٣) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، المجموعة الثانية (٢/ ٢١٩).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>تفصيل لابن القيم بشأن الدعاء بعد الصلاة</span>\nقال ابن القيم ﵀: وَأَمّا الدّعَاءُ بَعْدَ السّلَامِ مِنْ الصّلَاةِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ أَوْ الْمَأْمُومِينَ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَصْلًا وَلَا رُوِيَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا حَسَنٍ.\nوَأَمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِصَلَاتَيْ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ وَلَا أَرْشَدَ إلَيْهِ أُمّتَهُ وَإِنّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ رَآهُ مَنْ رَآهُ عِوَضًا مِنْ السّنّةِ بَعْدَهُمَا، وَاللّهُ أَعْلَمُ\nوَعَامّةُ الْأَدْعِيَةِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالصّلَاةِ إنّمَا فَعَلَهَا فِيهَا وَأَمَرَ بِهَا فيها، وهذا هو اللّائِقُ بِحَالِ الْمُصَلّي، فَإِنّهُ مُقْبِلٌ عَلَى رَبّهِ يُنَاجِيهِ مَا دَامَ فِي الصّلَاةِ فَإِذَا سَلّمَ مِنْهَا انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْمُنَاجَاةُ، وَزَالَ ذَلِكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْقُرْبُ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَتْرُكُ سُؤَالَهُ فِي حَالِ مُنَاجَاتِهِ وَالْقُرْبِ مِنْهُ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، ثُمّ يَسْأَلُهُ إذَا انْصَرَفَ عَنْهُ؟! وَلَا رَيْبَ أَنّ عَكْسَ هَذَا الْحَالِ هُوَ الْأَوْلَى بِالْمُصَلّي، إلّا أَنّ هَاهُنَا نُكْتَةً لَطِيفَةً؛ وَهُوَ أَنّ الْمُصَلّيَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَذَكَرَ اللّهَ وَهَلّلَهُ وَسَبّحَهُ وَحَمِدَهُ وَكَبّرَهُ بِالْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ عَقِيبَ الصّلَاةِ اُسْتُحِبّ لَهُ أَنْ يُصَلّيَ عَلَى النّبِيّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَيَكُونُ دُعَاؤُهُ عَقِيبَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الثّانِيَةِ، لَا لِكَوْنِهِ دُبُرَ الصّلَاةِ.\nفَإِنّ كُلّ مَنْ ذَكَرَ اللّهَ وَحَمِدَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَصَلّى عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ","vol":"1","page":96},{"text":"وَسَلّمَ اُسْتُحِبّ لَهُ الدّعَاءُ عَقِيبَ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ (^١) مرفوعًا إلى النبي ﷺ: \"إذَا صَلّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِ اللّهِ وَالثّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمّ لِيُصَلّ عَلَى النَبِيّ ﷺ ثُمّ لِيَدْعُ بِمَا شَاءَ\" (^٢).\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٤٧٧) وأبو داود (١٤٨١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٤٨).\n(^٢) زاد المعاد (١/ ١٨١ ـــ ١٨٢).","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>المبحث الخامس\nبيان ما يُزاد بعد صلاتي الفجر والمغرب من الدعاء والذكر</span>\nويشتمل هذا المبحث على ثلاثة مطالب:\n\n<span data-type='title' id=toc-57>المطلب الأول/ ما يُزاد بعد صلاتي الفجر والمغرب</span>\nعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ - تابعي ـ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْحِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ يُدْرِكُهُ إِلَّا الشِّرْكَ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ\" (^١).\n_________\n(^١) رواه أحمد (١٧٩٩٠) وعبد الرزاق (٣١٩٢) والنسائي في السنن الكبرى رقم (١٠٠٤٩). وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٧) وشعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (١٧٩٩٠). وقال الألباني في تمام المنة (٢٢٨): له شواهد تقويه مع كل الزيادات. وحسنه ابن حجر في الأمالي الحلبية (١/ ٤٩).","vol":"1","page":98},{"text":"وعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَالَ: \"إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلِ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا\". أَخْبَرَنِي أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ: أَسَرَّهَا إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَا إِخْوَانَنَا\" (^١).\nوقال ابن عثيمين ﵀: أما في صلاة المغرب وصلاة الفجر فإنه ورد أنه يقول بعدها عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وكذلك يقول: ربي أجرني من النار (سبع مرات) (^٢).\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٥٠٧٩)، وأحمد (١٨٠٥٤)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠٠٤٩) وابن حبان في صحيحه (٢٠٢٢)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (٧٢٣)، وحسنه ابن حجر العسقلاني كما في نتائج الأفكار (٢/ ٣٢٩)، وقال ابن باز في فتاوى نور على الدرب (٩/ ٥١): لا بأس به.\n(^٢) سلسلة فتاوى نور على الدرب &gt; الشريط رقم [١٠٥].","vol":"1","page":99},{"text":"وقال أيضًا في إجابة على سؤال آخر ـ: في المغرب يُزاد، وفي الفجر أيضًا يزاد: التهليل عشر مرات، وكذلك: ربي أجرني من النار، سبع مرات\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-58>المطلب الثاني/ ما يُزاد بعد صلاة الفجر</span>\nعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ يُسَلِّمُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا\" (^٢). قوله: (نافعًا) أي: بالعمل به فيكون حجة لي لا عليَّ (طيِّبًا) أي: حلالًا، وحمْلُه على المستلذّ بعيدٌ هاهنا، إلا أن يحمل على رزق الآخرة لا رزق الدنيا\" (^٣).\nوعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ:\nلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ\n_________\n(^١) سلسلة فتاوى نور على الدرب، الشريط رقم [٤٥].\n(^٢) رواه بن ماجه (٩٢٥) وأحمد (٢٦٥٢١) والنسائي في السنن الكبرى (١٠٠٤٠) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٧٦٢). وحسنه ابن حجر العسقلاني في نتائج الأفكار (٢/ ٣٢٩).\n(^٣) حاشية السندي على ابن ماجه (٩٢٥).","vol":"1","page":100},{"text":"سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي حِرْزٍ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الشِّرْكَ بِاللَّهِ\" (^١).\nتنبيه/ لفظة: \"وهو ثان رجليه\" ضعفها بعض العلماء (^٢).\nوعلى القول بصحتها فقد رأى بعض العلماء أن المراد منها بقاء المصلي في مكان صلاته، سواء غير جلسته أم لم يغيرها، كما في الفتوى التالية.\nس: من قال قبل أن ينصرف أو يثني رجليه\" -كما جاء في الحديث-: \"لا إله\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٤٧٤) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٢). وقال المنذري: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما. كما في الترغيب والترهيب (١/ ٢٢٣). وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٣١٩): له شاهد.\n(^٢) كان الألباني ﵀ يضعفها في المجلد الأول من الصحيحة رقم (١١٤) حيث قال: فهذا القيد: \"وهو ثان … \" لا يصح في الحديث لأنه تفرد به شهر بن حوشب، وقد اضطرب في إسناد الحديث وفي متنه اضطرابًا كثيرًا. ثم صححها في الصحيحة برقم (٢٦٦٤) حيث قال: وفي الحديث شهادة قوية لحديث شهر بن حوشب الذي فيه هذه الجملة: \"وهو ثان رجليه\"، وكنت لا أعمل بها لضعف (شهر) حتى وقفت على هذا الشاهد.","vol":"1","page":101},{"text":"إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير بعد المغرب والفجر\" … إلى آخر الحديث. والحديث الآخر الوارد عن النبي ﷺ: \"أنه كان يلتفت بعد أن يقول: اللهم أنت السلام\". هل هذا خاصٌ بالإمام، أم بالإمام والمأموم والمنفرد؟\nفأجاب الشيخ ابن عثيمين ﵀: الإمام لا يبقى متوجهًا إلى القبلة إلا بقدر الاستغفار ثلاثًا، واللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. فإذا قال الإمام: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، فلينصرف، وذلك لأن المأمومين مربوطون به، فقد قال النبي ﷺ: \"لا تسبقوني بالانصراف\" وإذا كانوا مربوطين به فلا ينبغي له أن يبقى فيسجن الناس، بل يقول بقدر ما كان النبي ﷺ، ثم ينصرف، هذا هو السنة في حق الإمام. أما المأموم فإذا انصرف إمامه فله أن ينصرف، وأما ما جاء في الحديث: \"قبل أن يثني رجليه\". فالمعنى: أنه إذا قال ذلك وهو في مكانه سواءٌ ثنى رجليه اتباعًا للسنة كالإمام أم لا\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر: سلسلة اللقاء الشهري &gt; اللقاء الشهري [٣٦].","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-59>المطلب الثالث/ ما يُزاد بعد صلاة المغرب</span>\nوعَنْ عُمَارَةَ بْنِ شَبِيبٍ السَّبَئِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ عَلَى إِثْرِ الْمَغْرِبِ بَعَثَ اللَّهُ مَسْلَحَةً يَحْفَظُونَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ مُوجِبَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ مُوبِقَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ بِعَدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ مُؤْمِنَاتٍ\" (^١). وقد تقدم دليل هذا الذكر في حديث آخر، وأعدت إيراده لوروده بلفظ المغرب منفردًا، وللتأكيد على فضله وبيان ثوابه، وزيادة ذكر حراسة الملائكة لقائله.\n_________\n(^١) رواه الترمذي (٣٥٣٤)، والنسائي في الكبرى (١٠٤١٣). وحسنه ابن حجر العسقلاني في نتائج الأفكار (٣/ ١٦)، وصححه الدمياطي في المتجر الرابح (٢٢٥). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (٤٧٣). وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type='title' id=toc-60>المبحث السادس\nالذكر بعد النوافل</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type='title' id=toc-61>المطلب الأول/ هل يقال بعد النوافل كما يقال بعد الفرائض</span>\nسُئل ابن عثيمين ﵀: الاستغفار بعد الصلاة؛ هل هو عام في جميع الصلوات الفرض والنفل، أم هو خاص بالفرائض فقط؟\nفأجاب ﵀: الذي يظهر لي من السنة أن الاستغفار واللهم أنت السلام ومنك السلام. وبقية الأذكار إنما تكون في الفريضة فقط؛ لأن الذين صلوا مع النبي ﷺ صلاة الليل لم يذكروا أنه فعل ذلك بعد أن ختم صلاته، لكن جاء حديث ورد عن النبي ﷺ إذا سلم من الوتر أن يقول: سبحان الملك القدوس. ثلاثة مرات يمد صوته في الثالثة (^١).\n_________\n(^١) المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب &gt; الشريط رقم [٢٣٩].","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>المطلب الثاني/ الذكر بعد الوتر</span>\nعن أبي بن كعب ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات، كان يقرأ في الأولى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]. وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]. وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ عِنْدَ فَرَاغِهِ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُطِيلُ فِي آخِرِهِنَّ (^١).\nوفي لفظ لأحمد: أنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾. وَكَانَ إِذَا سَلَّمَ قَالَ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\"، ثَلَاثًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْآخِرَةِ (^٢).\n_________\n(^١) رواه أبو دواد (١٦٩٩) والنسائي (١٧٠١) وأحمد (٢١١٤٢). وصححه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (٨٩٠) من حديث عبد الرحمن بن أبزى.\n(^٢) المسند (١٥٣٥٨).","vol":"1","page":105},{"text":"وبوب ابن حبان ﵀ في صحيحه بقوله: ذكر ما يستحب للمرء أن يسبح الله جلَّ وعلا عند فراغه من وتره\" (^١).\nوقال ابن قدامة ﵀: يستحب أن يقول بعد وتره: \"سبحان الملك القدوس\". ثلاثًا، ويمد صوته بها في الثالثة (^٢). وقال النووي ﵀: يستحب أن يقول بعد الوتر ثلاث مرات: \"سبحان الملك القدوس\" (^٣).\nوقال الشوكاني ﵀: وبعد السلام \"سبحان الملك القدوس\" ثلاث مرات، يمد صوته ويرفعه في الثالثة، \"رب الملائكة والروح\". الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والدارقطني كما قال المصنف ﵀\" (^٤).\nوسُئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما يقول المصلي بعد انتهائه من صلاة الوتر؟\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان (٢/ ٢٠٢).\n(^٢) المغني (٢/ ١٢٢).\n(^٣) المجموع شرح المهذب (٤/ ١٦)، وينظر تحفة المحتاج (٢/ ٢٢٧).\n(^٤) تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين (ص/ ١٩٨).","vol":"1","page":106},{"text":"فأجابت: روى أبو داود والنسائي رحمهما الله عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا سلم في الوتر قال: \"سبحان الملك القدوس\" وفي رواية النسائي \"سبحان الملك القدوس\" ثلاث مرات يطيل في آخرهن. ورواه النسائي في الكبرى بإسناد جيد بلفظ \"يمد صوته في الثالثة ويرفع\" من حديث عبد الرحمن بن أبزى ﵁، ورواه الدارقطني ﵀ بإسناد جيد بلفظ: «سبحان الملك القدوس [رب الملائكة والروح] \" (^١).\nوبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر أخبار الناقلين لخبر أبيّ بن كعب في الوتر، برقم (١٦٩٩)، وأبو داود مختصرًا، كتاب الوتر، باب في الدعاء بعد الوتر، برقم (١٤٣٠)، والدارقطني (٢/ ٣١)، وما بين المعقوفين للدارقطني، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (١/ ٢٧٢). ونقل الشوكاني صحته عن العراقي وغيره، انظر تحفة الذاكرين (١٢٨).\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١٨٦).","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>الفصل الرابع\nمسائل مهمة للمأمومين والأئمة</span>\nيحتوي هذا الفصل على مسائل هامة تتعلق بالدعاء والأذكار عقب الصلوات، وتشمل الأئمة والمأمومين، وتم ترتيبها تحت المطالب الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-64>المطلب الأول/ الجهر بالذكر بعد الصلاة</span>\nعن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: \"كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ\" (^١).\nوعنه بلفظ: كَانَ يُعْلَمُ انْقِضَاءُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ\" (^٢). قال المباركفوري: أي: بعد الصلاة، وفي الرواية الآتية \"بالذكر\" وهو أعم من التكبير والتكبير أخص وهذا مفسر للأعم\" (^٣).\nوسُئلت اللجنة الدائمة: ما حكم رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة (صلاة\n_________\n(^١) رواه البخاري (٨٤١) ومسلم (٥٨٣).\n(^٢) سنن أبي داود (١٠٠٢) وصححه الألباني في صحح أبي داود (١٠٠٢).\n(^٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود حديث رقم (١٠٠٢).","vol":"1","page":108},{"text":"الفريضة)، وهل يعم جميع الصلوات أم في صلوات معينة، وهل يكره إذا كانت هنالك جماعة أخرى أو أفراد يصلون؟\nج: يشرع رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المكتوبة، لما ثبت من حديث ابن عباس ﵄ قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ. وأنه قال أيضا: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (^١)، ولو وجد أناس يقضون الصلاة سواء كانوا أفرادًا أو جماعات وذلك في جميع الصلوات الخمس المفروضة.\nوبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).\nوورد في ضمن سؤال آخر: وما حكم جهر الصوت بالدعاء وقراءة القرآن؟ فأجابت اللجنة: أما رفع الصوت بالدعاء وقراءة القرآن بصفة جماعية فهذا لم يرد عنه ﷺ ولا عن صحابته، وفعله بدعة، أمَّا إذا دعا الإنسان لنفسه أو قرأ لنفسه جهرًا فلا شيء فيه، إذا لم يتأذ به غيره، وهكذا الدعاء الذي يؤمن عليه كدعاء القنوت.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨٤١) ومسلم (٥٨٣) وأبو داود (١٠٠٣).\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء&gt; الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، (٧/ ١١٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^١).\nوسُئل ابن باز ﵀: ما حكم الذكر الجماعي بعد الصلاة على وتيرة واحدة كما يفعله البعض وهل السنة الجهر بالذكر أو الإسرار؟\nج: السنة الجهر بالذكر عقب الصلوات الخمس وعقب صلاة الجمعة بعد التسليم لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ، قال ابن عباس ﵄: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته\" (^٢). أما كونه جماعيًا بحيث يتحرى كل واحد نطق الآخر من أوله إلى آخره وتقليده في ذلك فهذا لا أصل له بل هو بدعة، وإنما المشروع أن يذكروا الله جميعًا بغير قصد لتلاقي الأصوات بدءًا ونهاية\" (^٣).\nوسُئل ابن عثيمين ﵀: هذا مستمع للبرنامج يقول: إنه إمام في أحد المساجد، وبعد التسليم أقوم بالورد أو أسبح بالطريقة المشروعة بصوتٍ مرتفع، فأنكر عليَّ بعض العامة ذلك بقولهم: إنك قد تشوش على الذين\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء&gt; الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، (٧/ ١١٥).\n(^٢) رواه البخاري (٨٤١) ومسلم (٥٨٣).\n(^٣) الدرر الثرية من الفتاوى البازية (ص/ ١٨٠).","vol":"1","page":110},{"text":"فاتتهم الصلاة فما حكم هذا مأجورين؟\nفأجاب الشيخ: رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المكتوبة مشروع، لما صح في البخاري عن ابن عباس ﵄، قال: كان رفع الصوت بالذكر حين يفرغ الناس المكتوبة على عهد النبي ﷺ؛ لكن إذا كان يصلي إلى جنبك شخص، وخفت أن تشوش عليه برفع الصوت، فالأفضل ألا تفعل؛ لأن النبي ﷺ خرج إلى أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة، فقال: \"لا يجهر بعضكم على بعضٍ في القراءة، أو قال في القرآن\" (^١)؛ ولكن هذا إذا كان إلى جنبك، أما إذا كان بعيدًا عنك، فالغالب أنك لا تشوش عليه، لا سيما إذا كانت الأصوات متداخلة كلهم يرفعون أصواتهم، فإنها إذا كانت متداخلة لا يحصل فيها تشويش، التشويش إنما يحصل إذا كان إلى جنبك مباشرة، أو إذا كان هناك أصواتًا متميزة جهورية، وأما إذا تداخلت الأصوات؛ فلا تشويش\" (^٢).\nوسُئل أيضًا: فضيلة الشيخ - حفظك الله ـ: جاءت السنة بمشروعية رفع الذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل:\n_________\n(^١) رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٣/ ٢٧) وصححه الألباني في إصلاح المساجد (٢٦٤) ورقم (٧٤)، وذكر له شاهدًا قويًا في السلسلة الصحيحة (١٦٠٣).\n(^٢) المصدر: سلسلة فتاوى نور على الدرب &gt; الشريط رقم [١٩٦].","vol":"1","page":111},{"text":"(اللهم أنت السلام)، ونحوه، أو أنه يعم جميع الذكر من التسبيح، والتهليل، والتكبير؟\nج: يعم الجميع، يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة: الاستغفار، وقول: (اللهم أنت السلام) والتسبيح، والتهليل، وقد ألف - أظنه الشيخ/ سليمان بن سحمان ﵀ - رسالة، وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا. وهذا هو الصحيح، لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك، وقد فاته شيء من الصلاة، وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه، فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - خرج على الصحابة، وهم يصلون، ويجهرون بالقراءة، ويشوش بعضهم على بعض، فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه. وأما إذا لم يكن هناك تشويش، فالمشروع هو رفع الصوت. السائل: ألا يحصل تشويش إذا رفعوا أصواتهم؟\nالشيخ: إذا كانوا كلهم ما فاتهم شيء من الصلاة، وكانوا يذكرون الله جميعًا لا يحصل تشويش أبدًا، كما أنهم يقرءون القرآن قبل الصلاة، كلهم يرفع صوته فلا يحصل تشويش.\nالسائل: والإمام عندما يرفع صوته؟\nالشيخ: نقول: إذا رفع صوته، وهم يسمعون، ليرفعوا أصواتهم مثله،","vol":"1","page":112},{"text":"وسبب التشويش أن بعض الناس يكره هذا بقلبه، تعرف أن القلب إذا اشتغل يتشوش، لكن لو كانوا مطمئنين بهذا، وقد قبلته نفوسهم قبولًا تامًا لم يحصل تشويش إطلاقًا.\nالسائل: لكن السنة أن يجهر به!\nالشيخ: السنة أن يجهر، ولكن إذا كان إمامًا فينبغي أن يبلغ المأمومين قبل ذلك، ويقول: يا إخوان: السنة هي الجهر\" (^١).\nفائدة/\nقال النووي ﵀ عند شرح حديث ابن عباس: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ\" (^٢). قال: هذا دليل لما قاله بعض السلف أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير والذكر عقب المكتوبة، وممن استحبه من المتأخرين ابن حزم الظاهري. ونقل ابن بطال وآخرون أن أصحاب المذاهب المتبوعة وغيرهم متفقون على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير، وحمل الشافعي رحمه الله تعالى هذا الحديث على أنه جهر وقتًا يسيرًا حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائمًا، قال:\n_________\n(^١) المصدر: سلسلة لقاءات الباب المفتوح &gt; لقاء الباب المفتوح [٦٢]\n(^٢) رواه البخاري (٨٤٢) ومسلم (٥٨٣).","vol":"1","page":113},{"text":"فاختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إمامًا يريد أن يتعلم منه فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه، ثم يسر، وحمل الحديث على هذا\" (^١). نقلت قول النووي من باب الفائدة، وليُعلم أنه يوجد قول آخر في المسألة.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>المطلب الثاني/ حكم الذكر الجماعي أدبار الصلوات</span>\nقالت اللجنة الدائمة - في ضمن جواب على سؤال ـ: وهكذا أداء الصلاة عليه ﷺ، أو الذكر بصوت جماعي بدعة لا أصل لها، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" (^٢). متفق على صحته، وفي رواية لمسلم ﵀ عن النبي ﷺ أنه قال: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^٣). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\" (^٤).\n_________\n(^١) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. كِتَابٌ: الْمَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ. باب: الذكر بعد الصلاة.\n(^٢) البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨).\n(^٣) صحيح مسلم (١٧١٨).\n(^٤) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، برئاسة بن باز ﵀ = الفتوى رقم (١٩١٨٤).","vol":"1","page":114},{"text":"وسُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀، السؤال التالي: فضيلة الشيخ! قلتم: إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، ولكن إن أدى هذا إلى أن يكون الذكر جماعيًا بين المصلين فهل يجوز؟\nفأجاب: أنا في الواقع لم أقل: يجوز، بل قلت: إنه من السنة، يعني: الأفضل، فإنه من السنة ولا شك. وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛ لأن الرسول ﵊ وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، كلُّ يذكر على نفسه لكنهم يجهرون\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-66>المطلب الثالث/ مسح الوجه بعد السلام</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: هل يسن مسح الوجه بعد السلام؟\nج: لا يسن ذلك، ولا نعلم وروده عن النبي ﷺ قولًا ولا عملًا، ولم يعرف عن أصحابه فيما نعلم ﵃، والخير كل الخير في الاتباع والشر في الابتداع. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).\n_________\n(^١) المصدر: سلسلة لقاءات الباب المفتوح &gt; لقاء الباب المفتوح [٦٢].\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ٧٢).","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-67>المطلب الرابع/ حكم المصافحة بعد الصلاة</span>\nسُئلت اللجنة الدائمة: ما حكم المصافحة للمصلي والسلام على الإمام وعلى صاحب اليمين وصاحب اليسار؟\nج: إن لم يكن صافحه عند لقائه إياه قبل الصلاة صافحه بعد السلام منها، سواء كانت فريضة أم نفلًا، وسواء كان عن يمينه أو يساره لكن يكون في الفريضة بعد الأذكار المشروعة بعدها، أما سلام المأمومين على الإمام بعد الفراغ من الصلاة فلا نعلم أنه ورد فيه شيء خاص به. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-68>المطلب الخامس/ النهي عن الانصراف قبل تسليم الإمام</span>\nعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي\" (^٢).\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ١٢٢).\n(^٢) رواه مسلم (٤٢٦) والنسائي (١٣٦٣) وأحمد (١١٩٩٧).","vol":"1","page":116},{"text":"قال النووي ﵀: قَوْله ﷺ: \"لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالِانْصِرَافِ\" فِيهِ تَحْرِيم هَذِهِ الْأُمُور وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَالْمُرَاد بِالِانْصِرَافِ: السَّلَام\" (^١).\nوسُئلت اللجنة الدائمة: يقال لا تسبق الإمام بالركوع ولا السجود ولا الانصراف، فإذا كان القصد من الانصراف هو الخروج فماذا نعمل إذا كان الإمام يتأخر في المسجد؟\nج: المراد بالانصراف فيما ذكر الخروج من الصلاة بالسلام، لا الخروج من المسجد، فلا يجوز للمأموم أن يسلم قبل سلام إمامه ولا معه، بل يسلم بعده، أما الخروج من المسجد فللمأموم أن يخرج منه قبل خروج الإمام. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم (^٢).\n_________\n(^١) شرح مسلم عند حديث رقم (٤٢٦).\n(^٢) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. الرئيس/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (٧/ ٧٠).","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>المطلب السادس/ كراهة الخروج من المسجد قبل انصراف الإمام</span>\nـ عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ\" (^١).\nقال الطيبي ﵀: وعِلَّة نهيه ﷺ أصحابه عن انصرافهم قبله أن يذهب النساء اللاتي يصلين خلفه، وكان النبي ﷺ يثبت في مكانه حتى ينصرف النساء ثم يقوم ويقوم الرجال\" (^٢).\nـ وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَهُوَ يَمْكُثُ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، قَالَتْ: نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالِ\" (^٣).\nقال ابن حجر ﵀: وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور.\n_________\n(^١) رواه أبو داود (٦٢٤) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٢٤).\n(^٢) عون المعبود شرح سنن أبي داود (٦٢٤).\n(^٣) رواه البخاري (٨٧٥).","vol":"1","page":118},{"text":"وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت.\nومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط أنْ لا يستحب هذا المكث، وعليه حمل ابن قدامة حديث عائشة ﵁: أنه ﷺ كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام\" أخرجه مسلم. وفيه أن النساء كن يحضرن الجماعة في المسجد\" (^١).\nوقال الإمام الشافعي ﵀: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وأن يؤخر ذلك حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحب إليَّ له\" (^٢).\nوقال ابن قدامة ﵀: ويستحب للمأمومين أن لا يثبوا قبل الإمام، لئلا يذكر سهوًا فيسجد\" (^٣).\nوقال ابن عثيمين ﵀ عند مسألة كراهية مكث الإمام بعد الصلاة\n_________\n(^١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري عند حديث رقم (٨٤٩).\n(^٢) كتاب الأم (١/ ١٥١).\n(^٣) المغني (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":119},{"text":"مستقبل القبلة في مكان صلاته: لأنَّ المأمومينَ منهيون أنْ ينصرفوا قبل انصرافِ الإِمامِ، فإذا بقي مستقبلَ القِبْلة كثيرًا حَبَسَ النَّاسَ\" (^١).\nوالمسألة فيها خلاف يدور بين الجواز والكراهة، والشاهد من ذِكرها أن الانصراف بعد الصلاة مباشرة غير محمود، ويكفي أنه محل خلاف إلا لحاجة، وأما لغير حاجة فإنه خلاف الأولى بلا ارتياب، عند أولي الألباب.\n_________\n(^١) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٤/ ٢٢٢).","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type='title' id=toc-70>ختام المجالس</span>\nعن عائشة ﵂ قالت: ما جلَس رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم مجلِسًا، ولا تلا قُرْآنًا، ولا صلَّى صلاةً، إلَّا ختَم ذلكَ بكلِماتٍ، قالَتْ: فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أراك ما تجلِسُ مجلِسًا ولا تتلو قُرْآنًا، ولا تُصلِّي صلاةً، إلَّا ختَمْتَ بهؤلاءِ الكلِماتِ، قال: \"نَعم، مَنْ قال خيرًا خُتِمَ له طابَعٌ على ذلكَ الخيرِ، ومَن قال شرًّا، كُنَّ له كفَّارةً: سُبحانَكَ وبحمدِكَ، لا إلهَ إلَّا أنتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ\" (^١).\nوعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا، أَوْ صَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ، فَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ عَنِ الْكَلِمَاتِ، فَقَالَ: \"إِنْ تَكَلَّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابِعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لا إله إلَّا أنتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ\" (^٢).\nقال السندي ﵀: قوله (إن تكلم) أيّ أحد أو متكلم (بخير) قبل هذا الذكر، ثم ذكر هذا الذكر عقبه كان هذا الذكر (طابعًا) بفتح الباء، أي:\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص/ ٧٣) وصححه الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين رقم (١٥٩٨).\n(^٢) رواه أحمد (٢٤٤٨٦) والنسائي (١٣٤٤) وصححه الألباني في صحيح النسائي (١٣٤٣).","vol":"1","page":121},{"text":"خاتمًا، وكسر الباء لغة (عليهن) أي: على تلك الكلمات التي هي خير، إذ الغالب أن الخير يكون كلمات متعددة، فلذلك جمع الضمير، وفيه ترغيب إلى تكثير الخير وتقليل الشر؛ حيث اختير في جانبه الأفراد، وإشارة إلى أن جميع الخيرات تثبت بهذا الذكر إذا كان هذا الذكر عقبها، ولا تختص هذه الفائدة بالخير المتصل بهذا الذكر فقط، والمراد أنه يكون مثبتًا لذلك الخير رافعًا إلى درجة القبول أمثاله عن حضيض الرد (كفارة له) أي: مغفرة للذنب الحاصل فيستحب للإنسان ختم المجلس به، أي مجلس كان، والله تعالى أعلم\" (^١).\nويمكن أن نفهم من قول عائشة ﵂: كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا، أَوْ صَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ. - وذكرتهن -؛ أن هذا الذكر يقال عقب الفراغ من قراءة الأذكار بعد الصلاة.\n_________\n(^١) حاشية السندي على النسائي عند حديث رقم (١٣٤٤).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-71>الخاتمة</span>\n١ - أوصيكمُ يا معشرَ الإخوانِ … بالذِّكر للرحمنِ كلَّ أوانِ\n٢ - فالذكرُ سهلٌ والأجورُ كثيرةٌ … والوعدُ في القرآنِ بالغُفْرانِ\n٣ - وتريَّثوا بعد الصلاة لتقرأوا … ما صحَّ من ذكرٍ ومن قُرآنِ\n٤ - إنَّ التسابُقَ للخروجِ مَذمَّةٌ … إلَّا لِمَشغولٍ بأمرٍ ثانِ\n٥ - فَلْنَستَعِنْ باللهِ ﷻ … ولْنَبْتَعِدْ عن عادةِ السَّرَعانِ\n٦ - فالمؤمنون قلوبُهمْ في راحةٍ … عند الدُّعا والذكرِ للرحمنِ\n٧ - يا ربِّ وفِّقْنَا وأَصلِحْ شَأننا … بالذكرِ أكرِمْنَا مع اطمئنانِ\n٨ - واغفر لنا يا ربّ كل خطيئةٍ … منّا فأنتَ اللهُ ذو الإحسانِ\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أنْ لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.","vol":"1","page":123}]}