{"ً":{"ٌ":9874,"ٍ":"عالم الجن والشياطين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة - الأشقر","files":["3shiaden.pdf"]},"ّ":"الكتاب: عالم الجن والشياطين\nالمؤلف: عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي\nالناشر: مكتبة الفلاح، الكويت\nالطبعة: الرابعة، ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م\nعدد الصفحات: ١٨١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1203,"ٕ":1,"ٖ":1770155533,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الفصل الأول تعريف وبيان","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الثاني الجن مكلفون","level":1,"page":29},{"title":"الفصل الثالث العداء بين الإنسان والشيطان","level":1,"page":38},{"title":"الفصل الرابع","level":1,"page":75},{"title":"الفصل الخامس أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان","level":1,"page":104},{"title":"الفصل السادس الحكمة من خلق الشيطان","level":1,"page":132}],"ٛ":{"1,11":1,"1,12":2,"1,13":3,"1,14":4,"1,15":5,"1,16":6,"1,17":7,"1,18":8,"1,19":9,"1,20":10,"1,21":11,"1,22":12,"1,23":13,"1,24":14,"1,25":15,"1,26":16,"1,27":17,"1,28":18,"1,29":19,"1,30":20,"1,31":21,"1,32":22,"1,33":23,"1,34":24,"1,35":25,"1,36":26,"1,37":27,"1,38":28,"1,41":29,"1,42":30,"1,43":31,"1,44":32,"1,45":33,"1,46":34,"1,47":35,"1,48":36,"1,49":37,"1,53":38,"1,54":39,"1,55":40,"1,56":41,"1,57":42,"1,58":43,"1,59":44,"1,60":45,"1,61":46,"1,62":47,"1,63":48,"1,64":49,"1,65":50,"1,66":51,"1,67":52,"1,68":53,"1,69":54,"1,70":55,"1,71":56,"1,72":57,"1,73":58,"1,74":59,"1,75":60,"1,76":61,"1,77":62,"1,78":63,"1,79":64,"1,80":65,"1,81":66,"1,82":67,"1,83":68,"1,84":69,"1,85":70,"1,86":71,"1,87":72,"1,88":73,"1,89":74,"1,93":75,"1,94":76,"1,95":77,"1,96":78,"1,97":79,"1,98":80,"1,99":81,"1,100":82,"1,101":83,"1,102":84,"1,103":85,"1,104":86,"1,105":87,"1,106":88,"1,107":89,"1,108":90,"1,109":91,"1,110":92,"1,111":93,"1,112":94,"1,113":95,"1,114":96,"1,118":97,"1,119":98,"1,120":99,"1,121":100,"1,122":101,"1,123":102,"1,124":103,"1,127":104,"1,128":105,"1,129":106,"1,130":107,"1,131":108,"1,132":109,"1,133":110,"1,134":111,"1,135":112,"1,136":113,"1,137":114,"1,138":115,"1,139":116,"1,141":117,"1,143":118,"1,144":119,"1,145":120,"1,146":121,"1,147":122,"1,148":123,"1,149":124,"1,150":125,"1,151":126,"1,152":127,"1,153":128,"1,154":129,"1,155":130,"1,156":131,"1,169":132,"1,170":133,"1,171":134,"1,172":135,"1,173":136,"1,174":137,"1,175":138,"1,176":139,"1,177":140,"1,178":141,"1,179":142,"1,180":143,"1,181":144},"ٜ":{"1":[11,181]},"ٝ":["1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,141","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181"],"ٞ":{"1":[1],"29":[2],"38":[3],"75":[4],"104":[5],"132":[6]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الفصل الأول تعريف وبيان</span>\nالتعريف بعالم الجن والشياطين\nالجن عالم مستقل:\nالجن عالم غير عالم الإنسان وعالم الملائكة، بينهم وبين الإنسان قدر مشترك من حيث الاتصاف بصفة العقل والإدراك، ومن حيث القدرة على اختيار طريق الخير والشر، ويخالفون الإنسان في أمور أهمها أن أصل الجان مخالف لأصل الإنسان.\nلماذا سمّوا جنًّا:\nوسمو جنًّا لاجتنانهم، أي: استتارهم عن العيون، قال ابن عقيل: \" إنما سمّي الجن جنًّا لاجتنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، وسمّي المجنّ مجنًا لستره للمقاتل في الحرب \" (١) .\nوجاء في محكم التنزيل: (إنَّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) [الأعراف: ٢٧] .\nأصلهم وخلقهم\nالمطلب الأول\nأصلهم الذي منه خلقوا\nأخبرنا الله - جلّ وعلا - أن الجنّ قد خُلقوا من النار في قوله: (وَالْجَآنَّ خلقناه من قبل من نّار السَّموم) [الحجر: ٢٧]، وفي سورة الرحمن: (وخلق الجانَّ من مَّارجٍ من نَّارٍ) [الرحمن: ١٥] . وقد قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن وغير واحد في قوله: (مَّارجٍ من نَّارٍ): طرف اللهب، وفي رواية: من خالصه وأحسنه (٢): وقال النووي في شرحه على مسلم: \" المارج: اللهب المختلط بسواد النار \" (٣) .\nوفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (خلقتْ الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) (٤) .\nالمطلب الثاني\nابتداء خلقهم\nلا شك أن خلق الجن متقدم على خلق الإنسان؛ لقوله تعالى: (ولقد خلقنا\n_________\n(١) آكام المرجان في أحكام الجان: ص٧.\n(٢) البداية والنهاية: ١/٥٩.\n(٣) شرح النووي على مسلم: ١٨/١٢٣.\n(٤) صحيح مسلم: ٤/٢٢٩٤. ورقمه: ٢٩٩٦.","vol":"1","page":11},{"text":"الإنسان من صلصالٍ من حَمَإٍ مَّسنونٍ - والجآنَّ خلقناه من قبل من نَّار السَّموم) [الحجر: ٢٦-٢٧]، فقد نصّ في الآية أن الجان مخلوق قبل الإنسان. ويرى بعض السابقين أنهم خلقوا قبل الإنسان بألفي عام، وهذا لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة.\nالمطلب الثالث\nصفة خلقة الجن\nنحن لا نعرف من خلقتهم وصورهم وحواسهم إلا ما عرفنا الله منها، فنعلم أن لهم قلوبًا قال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنَّم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوبٌ لا يفقهون بها ولهم أعينٌ لا يبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ) [الأعراف: ١٧٩] .\nفقد صرح - ﵎ - بأن للجن قلوبًا، وأعينًا وآذانًا، وللشيطان صوتًا، لقوله تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) [الإسراء: ٦٤] . وثبت في الأحاديث أن للشيطان لسانًا، وأن الجان يأكلون، ويشربون، ويضحكون، وغير ذلك مما تجده مبثوثًا في هذا الكتاب.\nالمطلب الرابع\nأسماء الجن في لغة العرب وأصنافهم\nقال ابن عبد البر: \" الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان على مراتب:\n١- فإذا ذكروا الجن خالصًا قالوا: جنّي.\n٢- فإذا أرادوا أنه مما يسكن مع الناس، قالوا: عامر، والجمع: عمّار.\n٣- فإن كان مما يعرض للصبيان قالوا: أرواح.\n٤- فإن خبث وتعرض، قالوا: شيطان.\n٥- فإن زاد على ذلك، فهو مارد.\n٦- فإن زاد على ذلك وقوي أمره، قالوا: عفريت، والجمع: عفاريت \" (١) .\nوأخبرنا الرسول ﷺ أنّ (الجن ثلاثة أصناف: فصنف يطير في الهواء، وصنف حيّات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون) . رواه الطبراني، والحاكم، والبيهقي في الأسماء والصفات، بإسناد صحيح (٢) .\nإثبات وجود الجن\nالمطلب الأول\nلا مجال للتكذيب بعالم الجن\nأنكرت قلة من الناس وجود الجنّ إنكارًا كليًا، وزعم بعض المشركين: أن المراد بالجن أرواح الكواكب (٣) .\nوزعمت طائفة من الفلاسفة: أن المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواها الخبيثة، كما أن المراد بالملائكة نوازع الخير فيها (٤) .\n_________\n(١) آكام المرجان: ٨.\n(٢) صحيح الجامع: ٣/٨٥.\n(٣) مجموع الفتاوى: ٢٤/٢٨٠.\n(٤) مجموع الفتاوى: ٤/٣٤٦.","vol":"1","page":12},{"text":"وزعم فريق من المحْدَثين (بفتح الدال المخففة): أن الجن هم الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث.\nوقد ذهب الدكتور محمد البهي إلى: أن المراد بالجن الملائكة، فالجن والملائكة عنده عالم واحد لا فرق بينهما، ومما استدل به: أن الملائكة مستترون عن الناس، إلا أنه أدخل في الجن من يتخفى من عالم الإنسان في إيمانه وكفره، وخيره وشره (١) .\nعدم العلم ليس دليلًا:\nوغاية ما عند هؤلاء المكذبين أنه لا علم عندهم بوجودهم، وعدم العلم ليس دليلًا (٢)، وقبيح بالعاقل أن ينفي الشيء لعدم علمه بوجوده، وهذا مما نعاه الله على الكفرة: (بل كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه) [يونس: ٣٩] . وهذه المخترعات الحديثة التي لا يستطيع أحد أن يكابر فيها، أكان يجوز لإنسان عاش منذ مئات السنين أن ينكر إمكان حصولها لو أخبره صادق بذلك؟ وهل عدم سماعنا للأصوات التي يعج بها الكون في كل مكان دليل على عدم وجودها، حتى إذا اخترعنا (الراديو)، واستطاع التقاط ما لا نسمع بآذاننا صدقنا بذلك؟!\n\nيقول الأستاذ سيد قطب - ﵀ - في ظلاله متحدثًا عن النفر من الجن الذين صرفهم الله إلى رسوله، فاستمعوا منه القرآن.\n\" إنَّ ذكر القرآن لحادث صَرْفِ نفر من الجن ليستمعوا القرآن من النبي ﷺ، وحكاية ما قالوا وما فعلوا، هذا وحده كافٍ بذاته لتقرير وجود الجن، ولتقرير وقوع الحادث، ولتقرير أنّ الجن هؤلاء يستطيعون أن يستمعوا للقرآن بلفظه العربي المنطوق، كما يلفظه رسول الله ﷺ، ولتقرير أن الجن خلق قابلون للإيمان وللكفران، مستعدون للهدى وللضلال، وليس هنالك من حاجة إلى زيادة تثبيت أو توكيد لهذه الحقيقة، فما يملك إنسان أن يزيد الحقيقة التي يقررها سبحانه ثبوتًا.\nولكنّا نحاول إيضاح هذه الحقيقة في التصور الإنساني.\nإنّ هذا الكون من حولنا حافل بالأسرار، حافل بالقوى والخلائق المجهولة لنا كنهًا وصفةً وأثرًا، ونحن نعيش في أحضان هذه القوى والأسرار، نعرف منها القليل، ونجهل منها الكثير، وفي كل يوم نكشف بعض هذه الأسرار، وندرك بعض هذه القوى، ونتعرف إلى بعض هذه الخلائق تارة بذواتها، وتارة بصفاتها، وتارة بمجرد آثارها في الوجود من حولنا.\nونحن ما نزال في أول الطريق، طريق المعرفة لهذا الكون، الذي نعيش نحن وآباؤنا وأجدادنا، ويعش أبناؤنا وأحفادنا، على ذرة من ذراته الصغيرة؛ هذا الكوكب الأرضي الذي لا يبلغ أن يكون شيئًا يذكر في حجم الكون أو وزنه!\nوما عرفنا اليوم - ونحن في أول الطريق - يُعدّ بالقياس إلى معارف البشرية قبل خمسة قرون فقط عجائب أضخم من عجيبة الجن، ولو قال قائل للناس قبل خمسة قرون عن شيء من أسرار الذرة التي نتحدث عنها اليوم، لظنه مجنونًا، أو لظنوه يتحدث عما هو أشد غرابة من الجن قطعًا!\nونحن نعرف ونكشف في حدود طاقتنا البشرية، المعدة للخلافة في هذه الأرض، ووفق مقتضيات هذه الخلافة، وفي دائرة ما سَخّرَه الله لنا؛ ليكشف لنا عن أسراره، وليكون لنا ذلولًا، كيما نقوم بواجب الخلافة في الأرض، ولا تتعدى معرفتنا وكشوفنا في طبيعتها وفي مداها مهما امتد بنا الأجل - أي بالبشرية - ومهما سُخّر لنا من قوى الكون، وكُشِفَ لنا من أسراره - لا تتعدى تلك الدائرة؛ ما نحتاج إليه للخلافة في هذه الأرض، وفق حكمة الله وتقديره.\nوسنكشف كثيرًا، وسنعرف كثيرًا، وستتفتح لنا عجائب من أسرار هذا الكون وطاقاته، مِمّا قد تعدّ أسرار الذرة بالقياس إليه لعبة أطفال! ولكننا سنظل في حدود الدائرة المرسومة للبشر في المعرفة، وفي حدود قول الله سبحانه: (وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلًا) [الإسراء: ٨٥] قليلًا بالقياس إلى ما في هذا الوجود من أسرار وغيوب لا يعلمها إلا خالقه وَقَيّومه، وفي حدود تمثيله لعلمه غير المحدود، ووسائل المعرفة البشرية المحدودة بقوله: (ولو أنَّما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحر يمدُّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) [لقمان: ٢٧] .\nفليس لنا والحالة هذه أن نجزم بوجود شيء أو نفيه، وبتصوره أو عدم تصوره، من عالم الغيب والمجهول، ومن أسرار هذا الوجود وقواه، لمجرد أنه خارج عن مألوفنا العقلي، أو تجاربنا المشهودة، ونحن لم ندرك بعد كل أسرار أجسامنا وأجهزتها وطاقاتها، فضلًا عن إدراك أسرار عقولنا وأرواحنا!\nوقد تكون هنالك أسرار، ليست داخلة في برنامج ما يُكشَف لنا عنه أصلًا، وأسرار ليست داخلة في برنامج ما يُكْشَف لنا عن كنهه، فلا يُكْشَف لنا إلا عن صفته أو أثره، أو مجرد وجوده؛ لأن هذا لا يفيدنا في وظيفة الخلافة في الأرض.\nفإذا كَشَفَ الله لنا عن القدر المقسوم لنا من هذه الأسرار والقوى، عن طريق كلامه - لا عن طريق تجاربنا ومعارفنا الصادرة من طاقتنا الموهوبة لنا من لدنه أيضًا - فسبيلنا في هذه الحالة أن نتلقّى هذه الهبة بالقبول والشكر والتسليم، نتلقاها كما هي، فلا نزيد عليها، ولا ننقص منها؛ لأن المصدر الوحيد الذي نتلقّى عنه مثل هذه المعرفة لم يمنحنا إلا هذا القدر بلا زيادة، وليس هنالك مصدر آخر نتلقى عنه مثل هذه الأسرار! \".\n\nوالقول الحق أن الجن عالم ثالث غير الملائكة والبشر، وأنهم مخلوقات عاقلة واعية مدركة، ليسوا بأعراض ولا جراثيم، وأنهم مكلفون مأمورون منهيون.\n_________\n(١) تفسير سورة الجن: ص ٨.\n(٢) ليس لهم أن يحتجوا بما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان ينكر مخاطبة الرسول ﷺ للجن وتكليمهم له، فإن إنكاره هنا للمشافهة لا للجن، ومع ذلك فغير ابن عباس كابن مسعود - يثبت مشافهة الرسول ﷺ لهم. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.","vol":"1","page":13},{"text":"المطلب الثاني\nالأدلة الدالة على وجود الجن\n١- وجودهم معلوم من الدين بالضرورة:\nيقول ابن تيمية (١): \" لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن، ولا في أن الله أرسل محمدًا ﷺ إليهم، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجن. أمّا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فهم مقرّون بهم كإقرار المسلمين، وإن وجد فيهم من ينكر ذلك، كما يوجد في المسلمين من ينكر ذلك ... كالجهمية والمعتزلة، وإن كان جمهور الطائفة وأئمتها مقرّين بذلك.\nوهذا لأن وجود الجن تواترت به أخبار الأنبياء تواترًا معلومًا بالضرورة، ومعلوم بالضرورة أنهم أحياء عقلاء فاعلون بالإرادة، بل مأمورون منهيون، ليسوا صفات وأعراضًا قائمة بالإنسان أو غيره، كما يزعمه بعض الملاحدة، فلما كان أمر الجن متواترًا عن الأنبياء تواترًا تعرفه العامة والخاصة، فلا يمكن لطائفة من المنتسبين إلى الرسل الكرام أن تنكرهم \".\nوقال أيضًا: \" جميع طوائف المسلمين يقرون بوجود الجن، وكذلك جمهور الكفار كعامة أهل الكتاب، وكذلك عامة مشركي العرب وغيرهم من أولاد حام، وكذلك جمهور الكنعانيين واليونان من أولاد يافث، فجماهير الطوائف تقرّ بوجود الجن \" (٢) .\nوذكر إمام الحرمين: \" أن العلماء أجمعوا في عصر الصحابة والتابعين على وجود الجن والشياطين، والاستعاذة بالله تعالى من شرورهم، ولا يراغم هذا الاتفاق متدين متشبث بمسكة من الدين \" (٣) .\n٢- النصوص القرآنية والحديثية:\nجاءَت نصوص كثيرة تقرر وجودهم كقوله تعالى: (قل أوحي إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجن) [الجن: ١]، وقوله: (وأنَّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقًا) [الجن: ٦] . وهي نصوص كثيرة ذكرنا غالبها في ثنايا هذه الرسالة، وإن كانت كثرتها وشهرتها تغني عن ذكرها.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ١٩/١٠.\n(٢) مجموع الفتاوى ١٩/١٣.\n(٣) آكام المرجان: ص ٤.","vol":"1","page":14},{"text":"٣- المشاهدة والرؤية:\nكثير من الناس في عصرنا وقبل عصرنا شاهد شيئًا من ذلك، وإن كان كثير من الذين يشاهدونهم ويسمعونهم لا يعرفون أنهم جنّ؛ إذ يزعمون أنّهم أرواح، أو رجال الغيب، أو رجال الفضاء ...\nوأصدق ما يروى في هذا الموضع رؤية الرسول ﷺ للجن، وحديثه معهم، وحديثهم معه، وتعليمه إياهم، وتلاوته القرآن عليهم، وسيأتي ذكر ذلك في مواضعه.","vol":"1","page":15},{"text":"رؤية الحمار والكلب للجن:\nإذا كنا لا نرى الجن فإنّ بعض الأحياء يرونهم كالحمار والكلب، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا) (١) .\nوروى أبو داود عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار، فتعوذوا بالله، فإنهن يرون ما لا ترون) (٢) .\n\nورؤية الحيوان لما لا نرى ليس غريبًا، فقد تحقق العلماء من قدرة بعض الأحياء على رؤية ما لا نراه، فالنحل يرى الأشعة فوق البنفسجية، ولذلك فإنّه يرى الشمس حال الغيم، والبومة ترى الفأر في ظلمة الليل البهيم....\nالمطلب الثالث\nالرد على الذين يزعمون أن الجن هم الملائكة\nسبق أن ذكرنا الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ: (أن الملائكة خلقوا من نور، وأن الجن خلقوا من نار)، ففرق الرسول ﷺ بين الأصلين، وهذا يدل على أنهما عالمان لا عالمًا واحدًا.\nومن نظر في النصوص المتحدثة عن الملائكة والجن، أيقن بالفرق الكبير بينهما، فالملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، والجن يكذبون ويأكلون ويشربون، ويعصون ربهم، ويخالفون أمره.\nنعم هما عالمان محجوبان عنا، لا تدركهما أبصارنا، ولكنهما عالمان مختلفان في أصلهما وصفاتهما.\nالشيطان والجان\nالمطلب الأول\nالتعريف بالشيطان\nالشيطان الذي حدثنا الله عنه كثيرًا في القرآن من عالم الجنّ، كان يعبد الله في بداية أمره، وسكن السماء مع الملائكة، ودخل الجنة، ثمّ عصى ربه عندما أمره أن يسجد لآدم، استكبارًا وعلوًا، فطرده الله من رحمته.\nوالشيطان في لغة العرب يطلق على كل عاتٍ متمرد، وقد أطلق على هذا المخلوق لعتوّه وتمرده على ربّه (شيطان) . وأطلق عليه لفظ (الطاغوت): (الَّذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والَّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطَّاغوت فقاتلوا أولياء الشَّيطان إنَّ كيد الشَّيطان كان ضعيفًا) [النساء: ٧٦] . وهذا الاسم معلوم عند غالبية أمم الأرض باللفظ نفسه، كما يذكر العقاد في كتابه (إبليس)، وإنما سمي طاغوتًا لتجاوزه حده، وتمرده على ربه، وتنصيبه نفسه إلهًا يعبد.\nوقد يئس هذا المخلوق من رحمة الله، ولذا أسماه الله (إبليس) . والَبَلَس في لغة العرب: من لا خير عنده، وأبلس: يئس وتحيّر.\n_________\n(١) رواه البخاري: ٦/٣٥٠. ورقمه: ٣٣٠٣. ورواه مسلم: ٤/٢٠٩٢. ورقمه: ٢٧٢٩. وأبو داود في سننه. انظر صحيح سنن أبي داود: ٣/٩٦١. ورقمه: ٤٢٥٥.\n(٢) صحي سنن أبي داود: ٣/٩٦١. ورقمه: ٤٢٥٦.","vol":"1","page":16},{"text":"والذي يطالع ما جاء في القرآن والحديث عن الشيطان يعلم أنه مخلوق يعقل ويدرك ويتحرك و....، وليس كما يقول بعض الذين لا يعلمون: \" إنه روح الشّر متمثلة في غرائز الإنسان الحيوانية التي تصرفه - إذا تمكنت من قلبه - عن المثل الروحية العليا \" (١) .\nالمطلب الثاني\nأصل الشيطان\nسبق القول أن الشيطان من الجن، وقد نازع في هذه المسألة بعض المتقدمين والمتأخرين، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) [البقرة: ٣٤] . وهذه الآية وأمثالها يستثني الله فيها إبليس من الملائكة، والمستثنى لا يكون إلا من جنس المستثنى منه عادة.\nوقد نقلت لنا كتب التفسير والتاريخ أقوال عدد من العلماء، يذكرون أن إبليس كان من الملائكة، وأنه كان خازنًا للجنة، أو للسماء الدنيا، وأنه كان من أشرف الملائكة، وأكرمهم قبيلة.... إلى آخر تلك الأقوال.\nقال ابن كثير: \" وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما يقطع بكذبه؛ لمخالفته للحقّ الذي بأيدينا.\nوفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفّاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالبين، وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة، والعلماء، والسادة، والأتقياء، والبررة، والنجباء من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث، وحرروا وبينوا صحيحه، من حسنه، من ضعيفه، من منكره، وموضوعه، ومتروكه، ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين، والكذابين، والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال.\n_________\n(١) دائرة المعارف الحديثة: ص٣٥٧.","vol":"1","page":17},{"text":"كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي خاتم الرسل، وسيد البشر - ﷺ - أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس فيه \" (١) .\nوما احتجوا به من أن الله استثنى إبليس من الملائكة ... ليس دليلًا قاطعًا، لاحتمال أن يكون الاستثناء منقطعًا، بل هو كذلك حقا، للنصّ على أنّه من الجن في قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ...) [الكهف: ٥٠] .\nوقد ثبت لدينا بالنص الصحيح أن الجن غير الملائكة والإنس، فقد أخبر المصطفى ﷺ: (أن الملائكة خلقوا من نور، وأن الجن خلقوا من مارج من نار، وأن آدم خلق من طين) . والحديث في صحيح مسلم.\nقال الحسن البصري: \" لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين \" (٢) . والذي حققه ابن تيمية: \" أن الشيطان كان من الملائكة باعتبار صورته، وليس منهم باعتبار أصله، ولا باعتبار مثاله \" (٣) .\nهل الشيطان أصل الجن أم واحد منهم؟\nليس لدينا نصوص صريحة تدلنا على أن الشيطان أصل الجن، أو واحد منهم، وإن كان هذا الأخير أظهر لقوله: (إلاَّ إبليس كان من الجن) [الكهف: ٥٠] .\nوابن تيمية ﵀ يذهب إلى أن الشيطان أصل الجن، كما أنّ آدم أصل الإنس (٤) .\nالمطلب الثالث\nقبح صورة الشيطان\nالشيطان قبيح الصورة، وهذا مستقر في الأذهان، وقد شبه الله ثمار شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم برؤوس الشياطين، لما علم من قبح صورهم وأشكالهم (إنَّها شجرةٌ تخرج في أصل الجحيم - طلعها كأنَّه رُؤُوسُ الشَّياطين) [الصافات: ٦٤-٦٥] .\nوقد كان النصارى في القرون الوسطى يصورون الشيطان على هيئة رجل أسود ذي لحية مدببة، وحواجب مرفوعة، وفم ينفث لهبًا، وقرون وأظلاف وذيل (٥) .\nالمطلب الرابع\nالشيطان له قرنان\nفي صحيح مسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا تَحَرّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنّها تطلع بقرني شيطان) (٦) .\nوعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز الشمس، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب، ولا تَحَيُّنوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنّها تطلع بين قرني شيطان) (٧) .\nوالمعنى أن طوائف المشركين كانوا يعبدون الشمس، ويسجدون لها عند طلوعها، وعند غروبها، فعند ذلك ينتصب الشيطان في الجهة التي تكون فيها الشمس، حتى تكون عبادتهم له.\nوقد جاء هذا مصرحًا به في صحي مسلم، فقد سأل عمرو بن عبسة السلمي الرسول عن الصلاة. فقال ﷺ: (صل صلاة الصبح، ثم أقصر الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثمّ صلَّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة) .\nثم نهاه عن الصلاة بعد العصر (حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار) (٨) .\nوقد نهينا عن الصلاة في هذين الوقتين، والصحيح أن الصلاة في هذين الوقتين جائزة، إذا كان لها سبب كتحية المسجد، ولا تجوز بلا سبب كالنفل المطلق؛ لقوله ﷺ: (لا تَحَيّنوا)؛ أي لا تتقصدوا.\nومما ورد فيه ذكر قرن الشيطان حديث البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يشير إلى المشرق، فقال: (ها إنَّ الفتنة هاهنا، إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان) (٩) . والمراد بقوله: (حين يطلع الشيطان)؛ أي جهة الشرق.\nطعام الجن وشرابهم ونكاحهم\nالمطلب الأول\nطعامهم وشرابهم\nالجن - والشيطان منهم - يأكلون ويشربون، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - صل الله عليه وسلم - أمره أن يأتيه بأحجار يستجمر\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/٣٩٧.\n(٢) البداية والنهاية: ١/٧٩.\n(٣) مجموع الفتاوى: ٤/٣٤٦.\n(٤) راجع مجموع الفتاوى: ٤/٢٣٥، ٣٤٦.\n(٥) دائرة المعارف الحديثة: ٣٥٧.\n(٦) صحيح مسلم: ١/٥٦٧. ورقمه: ٨٢٨.\n(٧) رواه البخاري: ٦/٣٣٥. ورقمه: ٣٢٧٢، ٣٢٧٣. ورواه مسلم إلى قوله: (حتى تغيب): ١/٥٦٨. ورقمه: ٨٢٩.\n(٨) رواه مسلم: ١/٥٦٩، ورقمه: ٨٣٢.\n(٩) رواه البخاري: ٦/٣٣٦. ورقمه: ٣٢٧٩.","vol":"1","page":18},{"text":"بها وقال له: (ولا تأتيني بعظم ولا روثة)، ولما سأل أبو هريرة الرسول - ﷺ - بعد ذلك عن سرّ نهيه عن العظم والروثة، قال: (هما من طعام الجن، وإنّه أتاني وفد جن نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم: أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا) (١) .\nوفي سنن الترمذي بإسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تستنجوا بالروث، ولا بالعظام، فإنّه زاد إخوانكم من الجن) (٢) .\nوفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: (أتاني داعي الجن، فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن)، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علفٌ لدوابكم) . فقال رسول الله ﷺ: (فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم) (٣) .\nوكون الروث طعامًا للجن أو لدوابهم ليس العلة الوحيدة للنهي عن الاستنجاء بالروث، فقد ذكر الرسول ﷺ علة أخرى، فقد صرح بأن الروث رجس (٤) .\nوقد أخبرنا الرسول ﷺ أنَّ الشيطان يأكل بشماله، وأمرنا بمخالفته في ذلك، روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄: أنّ النبي ﷺ قال: (إذا أكل فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله) (٥) .\nوفي صحيح مسلم: (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء) (٦) . ففي هذه النصوص دلالة قاطعة على أن الشياطين تأكل وتشرب.\nوكما أن الإنس منهيون عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه من اللحوم،\n_________\n(١) رواه البخاري: ٧/١٧١. ورقمه: ٣٨٦٠. والطعم: الطعام. قال ابن حجر (فتح الباري: ٧/٧٣): \" في رواية السرخسي: (إلا وجدوا عليها طعامًا) .\n(٢) صحيح سنن الترمذي: ١/٨. ورقمه: ١٧.\n(٣) رواه مسلم: ١/٣٣٢. ورقمه: ٤٥٠. صحيح سنن الترمذي: ٣/١٠٤. ورقمه: ٢٥٩٥. إذا كنّا نهينا عن إفساد طعام الجن فيحرم علينا من باب أولى إفساد طعام الإنس.\n(٤) هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه: ١/٢٥٦. ورقمه: ١٥٦.\n(٥) رواه مسلم: ٣/١٥٩٨. ورقمه: ٢٠٢٠.\n(٦) صحيح مسلم: ٣/١٥٩٨. ورقمه: ٢٠١٨.","vol":"1","page":19},{"text":"فكذلك الجن المؤمنون جعل لهم الرسول ﷺ طعامًا كل عظم ذكر اسم الله عليه، فلم يبح لهم متروك التسمية، ويبقى متروك التسمية لشياطين كفرة الجن، فإن الشياطين يستحلون الطعام إذا لم يذكر عليه اسم الله، ولأجل ذلك ذهب بعض العلماء إلى أن الميتة طعام الشياطين؛ لأنه لم يذكر اسم الله عليها.\nواستنتج ابن القيم من قوله تعالى: (إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشَّيطان) [المائدة: ٩٠] أن المسكر شراب الشيطان، فهو يشرب من الشراب الذي عمله أولياؤه بأمره، وشاركهم في عمله، فيشاركهم في شربه، وإثمه وعقوبته.\nويدل على صحة استنتاج ابن القيم ما رواه النسائي عن عبد الله بن يزيد قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁: \" أما بعد: فاطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان؛ فإن له اثنين، ولكم واحد \" (١) .\nالمطلب الثاني\nتزاوج الجن وتكاثرهم\nالذي يظهر أن الجن يقع منهم النكاح، وقد استدل بعض العلماء على ذلك بقوله تعالى في أزواج أهل الجنة: (لم يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قبلهم ولا جانٌّ) [الرحمن: ٥٦] . والطمث في لغة العرب: الجماع، وقيل هو الجماع الذي يكون معه تدمية تنتج عن الجماع.\nوذكر السفاريني حديثًا يحتاج إلى نظر في إسناده، يقول: (إن الجن يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم، وهم أكثر عددًا) (٢) .\nوسواء أصح هذا الحديث أم لم يصح، فإن الآية صريحة في أن الجن يتأتى منهم الطمث، وحسبنا هذا دليلًا.\nوأخبرنا ربنا أن الشيطان له ذرية، قال تعالى مبكتًا عباده الذين يتولون الشيطان وذريته: (أفتتخذونه وذريَّته أولياء من دوني وهم لكم عدو) [الكهف: ٥٠]، وقال قتادة: \" أولاد الشيطان يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وهم أكثر عددًا \" (٣) .\nالمطلب الثالث\nدعوى بعض أهل العلم أن الجن لا يأكلون\nولا يشربون ولا يتناكحون\nوقد زعم قوم أن الجن لا يأكلون ولا يشربون، ولا يتناكحون، وهذا القول تبطله الأدلة التي سقناها من الكتاب والسنة.\nوذكر بعض العلماء أن الجن أنواع: منهم من يأكل ويشرب، ومنهم من ليس كذلك؛ يقول وهب بن منبه: \" الجنّ أجناس، فأمّا خالص الجن فهم ريح لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يموتون، ولا يتوالدون، ومنهم أجناس يأكلون، ويشربون، ويتوالدون، ويتناكحون، ويموتون، قال: وهي هذه السعالي والغول وأشباه ذلك \". أخرجه ابن جرير (٤) .\n_________\n(١) صحيح سنن النسائي: ٣/١١٥٤. ورقمه: ٥٢٧٥.\n(٢) رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في: العظمة، عن قتادة.\n(٣) لقط المرجان: ص٥١.\n(٤) لوامع الأنوار: ٢/٢٢٢.","vol":"1","page":20},{"text":"وهذا الذي ذكره وهب يحتاج إلى دليل، ولا دليل.\nوقد حاول بعض العلماء الخوض في الكيفية التي يأكلون بها، هل هو مضغ وبلع، أو تشمم واسترواح، والبحث في ذلك خطأ لا يجوز؛ لأنّه لا علم لنا بالكيفية، ولم يخبرنا الله ورسوله ﷺ بها.\nالمطلب الرابع\nزواج الإنس من الجن (١)\nلا زلنا نسمع أن فلانًا من الناس تزوج جنية، أو أن امرأة من الإنس خطبها جني، وقد ذكر السيوطي آثارًا وأخبارًا عن السلف والعلماء تدل على وقوع التناكح بين الإنس والجن (٢) . يقول ابن تيمية (٣): \" وقد يتناكح الإنس والجن ويولد بينهما ولد، وهذا كثير معروف \".\nوعلى فرض إمكان وقوعه فقد كرهه جمع من العلماء كالحسن وقتادة والحكم وإسحاق. والإمام مالك - ﵀ - لا يجد دليلًا ينهى عن مناكحة الجن، غير أنّه لم يستحبه، وعلل ذلك بقوله: \" ولكني أكره إذا وجدت امرأة حاملًا فقيل من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد \" (٤) .\nوذهب قوم إلى المنع من ذلك، واستدلوا على مذهبهم بأنّ الله امتنّ على عباده من الإنس بأنّه جعل لهم أزواجًا من جنسهم: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مَّوَدَّةً ورحمة ً) [الروم: ٢١] .\nفلو وقع فلا يمكن أن يحدث التآلف والانسجام بين الزوجين لاختلاف الجنس، فتصبح الحكمة من الزواج لاغية؛ إذ لا يتحقق السكن والمودة المشار إليهما في الآية الكريمة.\nوعلى كلٍّ فهذه مسألة يزعم بعض الناس وقوعها في الحاضر والماضي، فإذا حدثت فهي شذوذ، قلما يسأل فاعلها عن حكم الشرع فيها، وقد يكون فاعلها مغلوبًا على أمره لا يمكنه أن يتخلص من ذلك.\n_________\n(١) إن شئت التوسع في هذه المسألة فارجع إلى آكام المرجان: ص٦٦.\n(٢) لقط المرجان: ص٥٣.\n(٣) مجموع الفتاوى: ١٩/٣٩.\n(٤) آكام المرجان: ص٦٧.","vol":"1","page":21},{"text":"ومما يدل على إمكان وقوع التناكح بين الإنس والجن قوله تعالى في حور الجنة: (لم يَطْمِثْهُنَّ إنسٌ قبلهم ولا جانٌّ) [الرحمن: ٥٦]، فدلت الآية على صلاحيتهن للإنس والجن على حد سواء.\nأعمار الجن وموتهم\nلا شك أن الجن - ومنهم الشياطين - يموتون؛ إذ هم داخلون في قوله تعالى: (كلٌّ من عليها فانٍ - ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام - فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ٢٦-٢٨] .\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: (أعوذ بعزتك، الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) (١) .\nأما مقدار أعمارهم فلا نعلمها، إلا ما أخبرنا الله عن إبليس اللعين، أنه سيبقى حيًّا إلى أن تقوم الساعة: (قال أنظرني إلى يوم يبعثون - قال إنَّك من المنظرين) [الأعراف: ١٤-١٥] .\nأما غيره فلا ندري مقدار أعمارهم، إلا أنهم أطول أعمارًا من الإنس.\nومما يدّل على أنهم يموتون أن خالد بن الوليد قتل شيطانة العزى، (الشجرة التي كانت تعبدها العرب)، وأن صحابيًا قتل الجني الذي تمثل بأفعى، كما سيأتي بيانه.\nمساكن الجن ومجالسهم وأماكنهم\nالجن يسكنون هذه الأرض التي نعيش فوقها، ويكثر تجمعهم في الخراب والفلوات، ومواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل والمقابر، ولذلك - كما يقول ابن تيمية - يأوي إلى كثير من هذه الأماكن، التي هي مأوى الشياطين: الشيوخ الذين تقترن بهم الشياطين. وقد جاءت الأحاديث ناهية عن الصلاة في الحمام؛ لأجل ما فيها من نجاسة، ولأنها\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه: ٤/١٩٠٦. ورقمه: ٢٤٥١.","vol":"1","page":22},{"text":"مأوى الشياطين، وفي المقبرة؛ لأنها ذريعة إلى الشرك.\nويكثر تجمعهم في الأماكن التي يستطيعون أن يفسدوا فيها كالأسواق، فقد أوصى سلمان أصحابه قائلًا: \" لا تكونن، إن استطعت، أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشياطين، وبها ينصب رايته \" (١) .\nوالشياطين تبيت في البيوت التي يسكنها الناس، وتطردها التسمية، وذكر الله، وقراءة القرآن، خاصة سورة البقرة، وآية الكرسي منها، وأخبر الرسول ﷺ أن الشياطين تنتشر، وتكثر بحلول الظلام، ولذا أمرنا أن نكف صبياننا في هذه الفترة، وهو حديث متفق عليه.\nوالشياطين تهرب من الأذان، وفي رمضان تُصَفّد الشياطين.\nوالشياطين تحب الجلوس بين الظل والشمس؛ ولذا نهى الرسول ﷺ عن الجلوس بينهما، وهو حديث صحيح مروي في السنن وغيرها.\nدواب الجن ومراكبهم\nفي حديث ابن مسعود في صحيح مسلم: أنَّ الجن سألوا الرسول ﷺ الزاد، فقال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم) (٢) .\nفأخبر أن لهم دوابّ، وأن علف دوابهم بعر دواب الإنس.\nوأخبرنا ربنا أن للشيطان خيلًا يجلب بها على أعدائه من بني آدم قال تعالى: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) [الإسراء: ٦٤] .\nحيوانات تصاحبها الشياطين:\nمن هذه الحيوانات الإبل، يقول الرسول ﷺ: (إن الإبل خلقت\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه: ٤/١٩٠٦. ورقمه: ٢٤٥١.\n(٢) رواه مسلم: ٣/٣٣٢. ورقمه: ٤٥٠.","vol":"1","page":23},{"text":"من الشياطين، وإن وراء كل بعير شيطانًا) . رواه سعيد بن منصور في سننه بإسنادٍ مرسل حسن (١) . ومن أجل ذلك نهى الرسول ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل، فعن البراء بن عازب أن الرسول ﷺ قال: (لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين، وصلوا في مرابض الغنم، فإنها بركة) (٢) .\nوعن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ: (صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خلقت من الشياطين) (٣) .\nوهذه الأحاديث ترد على من قال: إنّ علة النهي عن الصلاة في مبارك الإبل نجاسة أبوالها وروثها، فالصحيح أن روث وبول ما يؤكل لحمه غير نجس.\n\nوقد تساءَل أبو الوفاء ابن عقيل عن معنى قول النبي ﷺ: (إن الكلب الأسود شيطان)، ومعلوم أنه مولود من كلب، و(أن الإبل خلقت من الشياطين) مع كونها مولودة من الإبل.\nوأجاب: أنّ هذا على طريق التشبيه لها بالشياطين، لأن الكلب الأسود أشرّ الكلاب وأقلعها نفعًا، والإبل تشبه الجن في صعوبتها وصولتها، كما يقال: فلان شيطان؛ إذا كان صعبًا شريرًا (٤) .\nويدل لصحة قول ابن عقيل أن الأحياء في عالمنا الأرضي مخلوقة من الماء، كما قال تعالى: (وجعلنا من الماء كُلَّ شيٍ حَيٍّ) [الأنبياء: ٣٠]، والشياطين مخلوقة من النار.\n_________\n(١) صحيح الجامع: ٢/٥٢.\n(٢) رواه أبو داود. انظر صحيح سنن أبي داود: ١/٣٧. ورقمه: ١٦٩.\n(٣) صحيح سنن ابن ماجة: ١/١٢٨. ورقمه: ٦٢٣.\n(٤) آكام المرجان: ص٢٢. لقط المرجان: ص٤٢.","vol":"1","page":24},{"text":"قدرات الجن وعجزهم\nالمطلب الأول\nما أعطاه الله للجن من قدرات\nأعطى الله الجنّ قدرة لم يعطها للبشر، وقد حدثنا الله عن بعض قدراتهم، فمن ذلك:\nأولًا: سرعة الحركة والانتقال:\nفقد تعهد عفريت من الجن لنبي الله سليمان بإحضار عرش ملكة اليمن إلى بيت المقدس في مدة لا تتجاوز قيام الرجل من جلوسه، فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك: (قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وَإِنِّي عليه لقويٌّ أمينٌ - قال الَّذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلمَّا رآه مستقرًّا عنده قال هذا من فضل ربي ...) [النمل: ٣٩-٤٠] .\nثانيًا: سبقهم الإنسان في مجالات الفضاء:\nومنذ القدم كانوا يصعدون إلى أماكن متقدمة في السماء، فيسترقون أخبار السماء، ليعلموا بالحَدَث قبل أن يكون، فلما بعث الرسول ﷺ","vol":"1","page":25},{"text":"زيدت الحراسة في السماء: (وأنَّا لمسنا السَّماء فوجدناها مُلِئَتْ حرسًا شديدًا وشهبًا - وأنَّا كنَّا نقعد منها مقاعد للسَّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رَّصدًا) [الجن: ٨-٩] .\nوقد وضح الرسول ﷺ كيفية استراقهم السمع، فعن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير.\nفيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء) (١) .\nخرافة جاهلية:\nومعرفة السبب الذي من أجله يرمي بشهب السماء قضى على خرافة كان يتناقلها أهل الجاهلية، فعن عبد الله بن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله ﷺ: (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا)؟\nقالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله ﷺ: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكنّ ربنا - ﵎ اسمه - إذا قضى أمرًا\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه: ٨/٥٣٨. ورقمه: ٤٨٠٠.","vol":"1","page":26},{"text":"سبّح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثمّ قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا؛ حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجنّ السمع، فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يَقْرِفون فيه ويزيدون) (١) .\nوقد يكون استراقهم السمع بطريق أهون عليهم من الطريق الأولى، وذلك بأن تستمع الشياطين إلى الملائكة الذين يهبطون إلى العنان بما يكون من أحداث قدرها الله، فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (الملائكة تتحدث في العنان - والعنان الغمام - بالأمر يكون في الأرض، فتستمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقرّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة) (٢) .\nثالثًا: علمهم بالإعمار والتصنيع:\nأخبرنا الله أنه سخر لنبيّه سليمان، فكانوا يقومون له بأعمال كثيرة تحتاج إلى قدرات، وذكاء، ومهارات: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السَّعير - يعملون له ما يشاء من مَّحاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدورٍ رَّاسِيَاتٍ) [سبأ: ١٢-١٣] .\nولعلهم قد توصلوا منذ القدم إلى اكتشاف مثل (الراديو والتلفزيون)، فقد ذكر ابن تيمية أن بعض الشيوخ الذين كان لهم اتصال بالجن أخبره وقال له: \" إن الجن يرونه شيئًا براقًا مثل الماء والزجاج، ويمثلون له فيه ما يطلب منه من الأخبار به، قال فأخبر الناس به، ويوصلون إليّ كلام من استغاث بي من أصحابي، فأجيبه، فيوصلون جوابي إليه \" (٣) .\nرابعًا: قدرتهم على التشكل:\nللجن قدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان، فقد جاء الشيطان المشركين يوم بدر في صورة سراقة بن مالك، ووعد المشركين بالنصر، وفيه أنزل: (وإذ زيَّن لهم الشَّيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من النَّاس وَإِنِّي جارٌ لكم) [الأنفال: ٤٨] .\nولكن عندما التقى الجيشان، وعاين الملائكة تتنزل من السماء، ولى هاربًا:\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/١٧٥٠. ورقمه: ٢٢٢٩. ومعنى يقرفون فيه أي الصدق بالكذب: يقذفون.\n(٢) رواه البخاري: ٦/٣٣٨. ورقمه: ٣٢٨٨.\n(٣) مجموع الفتاوى: ١١/٣٠٩.","vol":"1","page":27},{"text":"(فلمَّا تَرَاءتِ الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريءٌ منكم إِنِّي أرى ما لا ترون إني أخاف الله) [الأنفال: ٤٨] .\nوقد جرى مع أبي هريرة قصة طريفة رواها البخاري وغيره؛ قال أبو هريرة: (وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، قال: إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ: يا أبا هريرة، (ما فعل أسيرك البارحة؟)\nقال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: (أما إنه كذبك وسيعود)، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ: إنه سيعود، فرصدته، فجاءَ يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ؛ قال: دعني فإني محتاج، وعليّ عيال، لا أعود، فرحمته، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: (يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك؟) قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته، فخليت سبيله.\nقال: (أما إنه كذبك وسيعود)، فرصدته الثالثة، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم لا تعود، ثمّ تعود! قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قال: قلت: ما هنّ؟\nقال: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم) [البقرة: ٢٥٥] حتى تختم الآية؛ فإنّك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنّك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فقال لي رسول الله ﷺ: (ما فعل أسيرك البارحة؟) قلت: يا رسول الله زعم أنّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله، قال: ما هي؟ قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم) [البقرة: ٢٥٥] وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير.\nقال النبي: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟) قال: لا، قال: (ذاك شيطان) (١) .\nفقد تشكل هذا الشيطان في صورة إنسان.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٤/٤٨٦. ورقمه: ٢٣١١. ويرى بعض العلماء أن الحديث منقطع؛ لأنه لم يصرح بالسماع من شيخه عثمان بن الهيثم، والحديث وصله النسائي وغيره. انظر: فتح الباري: ٤/٤٨٨.","vol":"1","page":28},{"text":"وقد يتشكل في صورة حيوان: جمل، أو حمار، أو بقرة، أو كلب، أو قط، وأكثر ما تتشكل بالأسود من الكلاب والقطط. وقد أخبر الرسول ﷺ أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، وعلل ذلك بأن (الكلب الأسود شيطان) (١) . يقول ابن تيمية: \" الكلب الأسود شيطان الكلاب، والجن تتصور بصورته كثيرًا، وكذلك بصورة القط الأسود؛ لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة \".\nجنان البيوت:\nتتشكل الجان بشكل الحيات وتظهر للناس، ولذا نهى الرسول ﷺ عن قتل الحيات البيوت، خشية أن يكون هذا المقتول جنيًا قد أسلم، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (إنّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان) (٢) .\nوقد قتل أحد الصحابة حيّة من حيات البيوت، فكان في ذلك هلاكه، روى مسلم في صحيحه: أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجده يصلي، قال: (فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكًا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت، فإذا حيّة، فوثبت لأقتلها فأشار إليّ؛ أن اجلس، فجلست.\nفما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منّا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا فقال له رسول الله ﷺ: (خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة) .\nفأخذ الرجل سلاحه، ثمّ رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها\n_________\n(١) رواه مسلم: ١/٣٦٥. ورقمه: ٥١٠.\n(٢) رواه مسلم: ٤/١٧٥٦. ورقمه: ٢٢٣٦.","vol":"1","page":29},{"text":"الرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني.\nفدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فاضطربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتًا: الحية أم الفتى!\nقال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله يحييه لنا فقال: (استغفروا لصاحبكم)، ثم قال: (إنّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنّما هو شيطان) (١) .\nتنبيهات مهمة حول قتل حيات البيوت:\n١- هذا الحكم، وهو النهي عن قتل الحيوانات خاص بالحيات دون غيرها.\n٢- وليس كل الحيات؛ بل الحيات التي نراها في البيوت دون غيرها، أمّا التي نشاهدها خارج البيوت فنحن مأمورون بقتلها.\n٣- إذا رأينا حيات البيوت فنؤذنها؛ أي نأمرها بالخروج، كأن نقول: أقسم عليك بالله أن تخرجي من هذا المنزل، وأن تبعدي عنّا شرّك وإلا قتلناك. فإن رؤيت بعد ثلاثة أيام قتلت.\n٤- والسبب في قتلها بعد ثلاثة أيام أننا تأكدنا أنها ليست جنًّا مسلمًا، لأنها لو كانت كذلك، لغادرت المنزل، فإن كانت أفعى حقيقية فهي تستحق القتل، وإن كانت جنًّا كافرًا متمردًا فهو يستحق القتل؛ لأذاه وإخافته لأهل المنزل.\n٥- يستثنى من جنان البيوت نوع يقتل بدون استئذان، ففي صحيح البخاري عن أبي لبابة أن الرسول ﷺ قال: (لا تقتلوا الجِنَّان، إلا كلّ أبتر ذي طُفْيَتَيْن؛ فإنه يسقط الولد، ويذهب البصر، فاقتلوه) (٢) .\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/١٧٥٦. ورقمه: ٢٢٣٦.\n(٢) رواه البخاري: ٦/٣٥١. ورقمه: ٣٣١١.","vol":"1","page":30},{"text":"وهل كل الحيات من الجنّ أم بعضها؟ يقول الرسول ﷺ: (الحيّات مسخ الجنّ صورة، كما مسخت القردة والخنازير من بني إسرائيل) (١) .\nخامسًا: الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق:\nفي صحيحي البخاري ومسلم عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) (٢)، وفي الصحيحين عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ قالت: \" كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثمّ قمت فانقلبت، فقام معي ليقبلني (يردني) وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ: (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي)، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!! قال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا)، أو قال: (شيئًا) (٣) .\nالمطلب الثاني\nجوانب ضعف الجن وعجزهم\nالجن والشياطين كالإنس فيهم جوانب قوة، وجوانب ضعف، قال تعالى: (إنَّ كيد الشَّيطان كان ضعيفًا) [النساء: ٧٦]، وسنعرض لبعض هذه الجوانب التي عرفنا الله ورسوله بها.\nأولًا: لا سلطان لهم على عباد الله الصالحين:\nلم يعط الرَّب - سبحانه - الشيطان القدرة على إجبار الناس، وإكراههم على الضلال والكفر: (إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ وكفى بربك\n_________\n(١) رواه الطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، بإسناد صحيح، راجع الأحاديث الصحيحة: ١٠٤.\n(٢) صحيح البخاري: ١٣/١٥٩. ورقمه: ٧١٧١. ورواه مسلم: ٤/١٧١٢. ورقمه: ٢١٧٥.\n(٣) رواه البخاري: ٦/٣٣٦. ورقمه: ٣٢٨١.","vol":"1","page":31},{"text":"وكيلًا) [الإسراء: ٦٥] . (وما كان له عليهم من سلطانٍ إلاَّ لنعلم من يؤمن بالآخرة ممَّن هو منها في شكٍ) [سبأ: ٢١] .\nومعنى ذلك أن الشيطان ليس له طريق يتسلط بها عليهم، لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة، والشيطان يدرك هذه الحقيقة: (قال رب بما أغويتني لأزيننَّ لهم في الأرض ولأغوينَّهم أجمعين - إلاَّ عبادك منهم المخلصين) [الحجر: ٣٩-٤٠] .\nوإنما يتسلط على العباد الذين يرضون بفكره، ويتابعونه عن رضا وطواعية: (إنَّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاَّ من اتبَّعك من الغاوين) [الحجر: ٤٢] . وفي يوم القيامة يقول الشيطان لأتباعه الذين أضلهم وأهلكهم: (وما كان لي عليكم من سلطانٍ إلاَّ أن دعوتكم فاستجبتم لي) [إبراهيم: ٢٢] .\nوفي آية أخرى: (إنَّما سلطانه على الَّذين يتولَّونه والَّذين هم به مشركون) [النحل: ١٠٠] .\nوالسلطان الذي أعطيه الشيطان هو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزهم على الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه، كما قال تعالى: (ألم تر أنَّا أرسلنا الشَّياطين على الكافرين تؤزُّهم أزًا) [مريم: ٨٣]، ومعنى تؤزهم: تحركهم وتهيجهم.\nوسلطان الشيطان على أوليائه ليس لهم فيه حجّة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءَهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم، ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم بموافقته ومتابعته، فلما أعطوا بأيديهم، واستأسروا له، سُلّط عليهم عقوبةً لهم. فالله لا يجعل للشيطان على العبد سلطانًا، حتى يجعل له العبد سبيلًا بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذٍ له عليه تسلطًا وقهرًا.","vol":"1","page":32},{"text":"تسليطه على المؤمنين بسبب ذنوبهم:\nففي الحديث: (إن الله - تعالى - مع القاضي لم يَجُر، فإذا جار تبرأ منه، وألزمه الشيطان) . رواه الحاكم، والبيهقي بإسناد حسن (١) .\nويروي لنا أبو الفرج ابن الجوزي - ﵀ - عن الحسن البصري - ﵀ - قصة طريفة، وبغض النظر عن مدى صحتها فهي تصور قدرة الإنسان على قهر الشيطان إذا أخلصه دينه لله، وكيف يصرع الشيطان الإنسان إذا ضلّ وزاغ.\nيقول الحسن: كانت شجرة تعبد من دون الله، فجاء إليها رجل، فقال: لأقطعن هذه الشجرة، فجاء ليقطعها غضبًا لله، فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ قال: لأقطعنها.\nفقال له الشيطان: هل لك فيما هو خير لك؟ لا تقطعها، ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك. قال: فمن أين لي ذلك؟ قال: أنا لك. فرجع، فأصبح فوجد دينارين عند وسادته، ثمّ أصبح بعد ذلك، فلم يجد شيئًا. فقام غضبًا ليقطعها، فتمثل له الشيطان في صورته، وقال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى، قال: كذبت ما لك إلى ذلك من سبيل.\nفذهب ليقطعها، فضرب به الأرض، وخنقه حتى كاد يقتله، قال: أتدري من أنا؟ أنا الشيطان، جئت أول مرة غضبًا لله، فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين، فتركتها، فلما جئت غضبًا للدينارين سلطت عليك (٢) .\nوقد حدثنا الله في كتابه عن شخص آتاه الله آياته، فعلمها، وعرفها، ثمّ إنه ترك ذلك كله، فسلط الله عليه الشيطان، فأغواه، وأضله، وأصبح عبرة تروى، وقصة تتناقل: (واتلُ عليهم نبأ الَّذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشَّيطان فكان من الغاوين - ولو شئنا لرفعناه بها ولكنَّه أخلد إلى\n_________\n(١) انظر صحيح الجامع: ٢/١٣٠.\n(٢) تلبيس إبليس: ٤٣.","vol":"1","page":33},{"text":"الأرض واتَّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الَّذين كذَّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلَّهم يتفكَّرون) [الأعراف: ١٧٥-١٧٦] . وواضح أن هذا مثل لمن عرف الحق وكفر به كاليهود الذين يعلمون أن محمدًا مرسل من ربه، ثم هم يكفرون به.\nأما هذا الذي عناه الله هنا، فقال بعضهم: هو بلعام بن باعورا، كان صالحًا ثم كفر، وقيل: هو أمية بن أبي الصلت من المتألهين في الجاهلية، أدرك الرسول ﷺ، ولم يؤمن به حسدًا، وكان يرجو أن يكون هو النبي المبعوث، وليس عندنا نص صحيح يعرفنا بالمراد من الآية على وجه التحديد.\nوهذا الصنف (الذي يؤتى الآيات ثم يكفر) صنف خطر، به شَبَه من الشيطان؛ لأنّ الشيطان كفر بعد معرفته الحق، ولقد تخوف الرسول ﷺ هذا النوع على أمته، روى الحافظ أبو يعلى عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: (إن مما أتخوف عليكم رجلًا قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله انسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك) . قال: قلت: يا رسول الله: أيهما أولى بالسيف: الرامي أم المرمي؟ قال: (بل الرامي)، قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد (١) .\nثانيًا: خوف الشيطان من بعض عباد الله وهربه منهم:\nإذا تمكن العبد في الإسلام، ورسخ الإيمان في قلبه، وكان وقّافًا عند حدود الله، فإنّ الشيطان يفرق منه، ويفرّ منه، كما قال الرسول ﷺ لعمر بن الخطاب: (إن الشيطان ليخاف منك يا عمر) (٢)، وقال فيه أيضًا: (إني لأنظر إلى شياطين الجنّ والإنس قد فرّوا من عمر) (٣)، وفي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب: (والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلى سلك فجًا غير فجك) (٤) .\n_________\n(١) انظر تفسير ابن كثير: ٣/٢٥٢.\n(٢) صحيح سنن الترمذي: ٣/٢٠٦. ورقمه: ٢٩١٣.\n(٣) صحيح سنن الترمذي: ٣/٢٠٦. ورقمه: ٢٩١٤.\n(٤) رواه البخاري: ٦/٣٣٩. ورقمه: ٣٢٩٤.","vol":"1","page":34},{"text":"وليس ذلك خاصًا بعمر، فإن مَن قوي إيمانه يقهر شيطانه، ويذله، كما في الحديث: (إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر) . رواه أحمد. قال ابن كثير (١): بعد أن ساق هذا الحديث: \" ومعنى لينصي شيطانه: ليأخذ بناصيته، فيغلبه، ويقهره، كما يفعل بالعبير إذا شرد ثم غلبه \".\nوقد يصل الأمر أن يؤثر المسلم في قرينه الملازم له فيسلم، أخرج مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وقد وُكّل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: (وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) (٢) .\nثالثًا: تسخير الجن لنبي الله سليمان:\nسخر الله لنبيه سليمان - في جملة ما سخر - الجن والشياطين، يعملون له ما يشاء، ويعذب ويسجن العصاة منهم: (فسخَّرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب - والشَّياطين كل بنَّاءٍ وغوَّاصٍ - وآخرين مقرَّنين في الأصفاد) [ص: ٣٦-٣٨] .\nوقال في سورة سبأ: (ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السَّعير - يعملون له ما يشاء من مَّحاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدورٍ رَّاسياتٍ) [سبأ: ١٢-١٣] .\nوهذا التسخير على هذا النحو استجابة من الله لعبده سليمان حين دعاه\n_________\n(١) البداية والنهاية: ١/٧٣، وفي رواية أخرى: (لينضي شيطانه) أي يهزله ويجعله نضوًا أي مهزولًا لكثرة إذلاله له وجعله أسيرًا تحت قهره وتصرفه.\n(٢) رواه مسلم: ٤/٢١٦٧. ورقمه: ٢٨١٤.","vol":"1","page":35},{"text":"وقال: (وهب لي مُلكًا لاَّ ينبغي لأحدٍ من بعدي) [ص: ٣٥] . وهذه الدعوة هي التي منعت نبينا محمدًا ﷺ من ربط الجني الذي جاء بشهاب من نار، يريد أن يرميه في وجهه، ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ، فسمعناه يقول: (أعوذ بالله منك) ثم قال: (ألعنك بلعنة الله ثلاثًا)، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا.\nفلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله  لقد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا، لم نسمعك تقوله من قبل، ورأيناك بسطت يدك، فقال: (إن عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم اْردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة) (١) .\nوقد تكرر هذا أكثر من مرة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ قال: (إن عفريتًا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع عليّ الصلاة، وإن الله أمكنني منه، فَذَعَتُّهُ، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد، حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون، (أو كلكم)، ثمّ ذكرت قول أخي سليمان: (رب اغفر لي وهب لي مُلكًا لاَّ ينبغي لأحدٍ من بعدي)، فرده الله خاسئًا) (٢) . ومعنى يفتك: الفتك: الأخذ غفلة. وقوله: (ذعته)، أي: خنقته.\nكذب اليهود على نبي الله سليمان:\nيزعم اليهود وأتباعهم الذين يستخدمون الجن بوساطة السحر أن نبي الله سليمان كان يستخدم الجنّ به، وقد ذكر غير واحد من علماء السلف أنَّ سليمان لما مات كتبت الشياطين كتب السحر والكفر، وجعلتها تحت كرسيه، وقالوا: كان سليمان يستخدم الجن بهذه، فقال بعضهم: لولا أن هذا حق جائز لما فعله سليمان، فأنزل الله قوله: (ولمَّا جاءهم رسولٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم نبذ فريقٌ من الَّذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون) [البقرة: ١٠١]، ثم بين أنهم اتبعوا ما كانت تتلوه الشياطين\n_________\n(١) رواه مسلم: ١/٣٨٥. ورقمه: ٥٤٢.\n(٢) رواه البخاري: ٦/٥٤٧. ورقمه: ٣٤٢٣. ورواه مسلم: ١/٣٨٤. ورقمه: ٥٤١.","vol":"1","page":36},{"text":"على عهد ملك سليمان، وبرأ سليمان من السحر والكفر: (واتَّبعوا ما تتلوا الشَّياطين على مُلكِ سليمان وما كفر سليمان ولكنَّ الشَّياطين كفروا) [البقرة: ١٠٢] .\nرابعًا: عجزهم عن الإتيان بالمعجزات:\nلا تستطيع الجن الإتيان بمثل المعجزات التي جاءت بها الرسل تدليلًا على صدق ما جاءت به.\nفعندما زعم بعض الكفرة أن القرآن من صنع الشياطين قال تعالى: (وما تنزَّلت به الشَّياطين - وما ينبغي لهم وما يستطيعون - إنَّهم عن السَّمع لمعزولون) [الشعراء: ٢١٠-٢١٢] .\nوتحدى الله بالقرآن الإنس والجن: (قل لئِن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا) [الإسراء: ٨٨] .\nخامسًا: لا يتمثلون بالرسول ﷺ في الرؤيا:\nوالشياطين تعجز عن التمثل في صورة الرسول ﷺ في الرؤيا:\nففي الحديث الذي يرويه الترمذي عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ: (من رآني فإني أنا هو، فإنه ليس للشيطان أن يتمثل بي) (١) .\nوفي الصحيحين عن أنس قال: قال النبي ﷺ: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي) . رواه مسلم من رواية أبي هريرة. وفي صحيح البخاري: (وإن الشيطان لا يتراءَى بي) .\nوفيه من رواية أبي سعيد: (من رآني فقد رأى الحقّ، فإن الشيطان لا يتكونني) .\nوفي الصحيحين من رواية أبي هريرة: (ولا يتمثل الشيطان بي) .\nوفي صحيح مسلم من حديث جابر: (من رآني في المنام فقد رآني، إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي) . وفي رواية أخرى عن جابر: (فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي) (٢) .\nوالظاهر من الأحاديث أن الشيطان لا يتزيّا بصورة الرسول ﷺ الحقيقية، ولا يمنعه هذا من التمثل في غير صورة الرسول ﷺ والزعم بأنّه رسول الله، وهذا ما فقهه ابن سيرين ﵀، فيما نقله عنه البخاري (٣) .\nولذلك فلا يجوز أن يحتج بهذا الحديث على أن كل من رأى الرسول\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ٢/٢٦٠. ورقمه: ١٨٥٩.\n(٢) انظر أحاديث عدم قدرة الشيطان على التمثل بالرسول ﷺ في البخاري: ١٢/٣٨٣. وأرقامها: ٦٩٩٣-٦٩٩٧. وفي صحيح مسلم: ٤/١٧٧٥. وأرقامها: ٢٢٦٦-٢٢٦٨.\n(٣) صحيح البخاري: ١٢/٣٨٣.","vol":"1","page":37},{"text":"ﷺ في المنام أنّه رآه حقًّا، إلا إذا كانت صفته هي الصفة التي روتها لنا كتب الحديث. وإلا فكثير من الناس يزعم أنّه رآه على صورة مخالفة للصورة المروية في كتب الثقات.\nسادسًا: لا يستطيع الجن أن يتجاوزوا حدودهم في أجواز الفضاء:\nقال تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السَّماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاَّ بسلطانٍ) - فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان - يرسل عليكما شواظٌ من نَّارٍ ونحاسٌ فلا تنتصران) [الرحمن: ٣٣-٣٥] .\nفمع قدراتهم وسرعة حركتهم لهم حدود لا يستطيعون أن يتعدوها، وإلا فإنهم هالكون.\nسابعًا: لا يستطيعون فتح باب أغلق وذكر اسم الله عليه:\nروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان جنح الليل - أو أمسيتم - فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من الليل فحلوهم، وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًاَ مغلقًا) (١) .\nوفي لفظ لمسلم عن جابر: (غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحلّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناء) (٢) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/٣٥٠، ١٠/٨٨. ورقمها: ٣٣٠٤، ٥٦٢٣. ورواه مسلم: ٣/١٥٩٥. ورقمه: ٢٠١٢.\n(٢) صحيح مسلم: ٣/١٥٩٤. ورقمه: ٢٠١٢.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الثاني الجن مكلفون</span>\nتكليف الجن\nالمبحث الأول\nالغاية من خلقهم\nخلق الله الجن للغاية نفسها التي خلق الإنس من أجلها: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلاَّ ليعبدون) [الذاريات: ٥٦] .\nفالجن على ذلك مكلفون بأوامر ونواهٍ، فمن أطاع ﵁، وأدخله الجنة، ومن عصى وتمرد، فله النار، يدلّ على ذلك نصوص كثيرة.\nففي يوم القيامة يقول الله مخاطبًا كفرة الجن والإنس موبخًا مبكتًا: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصُّون عليكم آيَاتِي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرَّتهم الحياة الدُّنيا وشهدوا على أنفسهم أنَّهم كانوا كافرين) [الأنعام: ١٣٠] .\nففي هذه الآيات دليل على بلوغ شرع الله الجن، وأنه قد جاءهم من ينذرهم ويبلغهم.\nوالدليل على أنهم سيعذبون في النار قوله تعالى: (قال ادخلوا في أممٍ قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النَّار) [الأعراف: ٣٨]، وقال: (ولقد ذرأنا لجهنَّم كثيرًا من الجن والإنس) [الأعراف: ١٧٩]، وقال: (لأملأنَّ جهنَّم من الجنَّة والنَّاس أجمعين) [السجدة: ١٣] . والدليل على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنَّتان - فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ٤٦-٤٧] .\nوالخطاب هنا للجن والإنس؛ لأن الحديث في مطلع السورة معهما، وفي الآية السابقة امتنان من الله على مؤمني الجن بأنهم سيدخلون الجنة، ولولا أنهم ينالون ذلك لما امتن عليهم به.\nيقول ابن مفلح في كتابه الفروع: \" الجن مكلفون في الجملة إجماعًا، يدخل كافرهم النار إجماعًا، ويدخل مؤمنهم","vol":"1","page":41},{"text":"الجنة وفاقًا لمالك والشافعي ﵄ - لا أنهم يصيرون ترابًا كالبهائم، وإن ثواب مؤمنهم النجاة من النار، خلافًا لأبي حنيفة، والليث بن سعد ومن وافقهم \".\nقال: \" وظاهر الأول أنهم في الجنة كغيرهم بقدر ثوابهم، خلافًا لمن قال لا يأكلون ولا يشربون كمجاهد، أو أنهم في ربض الجنّة، حول الجنة كعمر بن عبد العزيز، قال ابن حامد في كتابه: \" الجن كالإنس في التكليف والعبادات \" (١) .\nوقد عقد الشبلي بابًا قال فيه: \" باب في أن الجن مكلفون بإجماع أهل النظر \". نقل فيه عن أبي عمر بن عبد البر: أن الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون لقوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان) [الرحمن: ١٣] . وقال الرازي في تفسيره: \" أطبق الكل على أن الجن كلهم مكلفون \".\nونقل الشبلي عن القاضي عبد الجبار قوله: \" لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في أنّ الجن مكلفون، وقد حكى عن بعض المؤلفين في المقالات أن الحشوية قالوا: إنهم مضطرون إلى أفعالهم، وأنهم ليسوا مكلفين \".\nقال: \" والدليل على أنهم مكلفون ما في القرآن من ذمّ الشياطين ولعنهم، والتحرز من غوائلهم وشرهم، وذكر ما أعد الله لهم من العذاب، وهذه الخصال لا يفعلها الله تعالى إلا لمن خالف الأمر والنهي، وارتكب الكبائر، وهتك المحارم، مع تمكنه من أن لا يفعل ذلك، وقدرته على فعل خلافه، ويدل على ذلك أيضًا أنه كان من دين النبي ﷺ لعن الشياطين، والبيان عن حالهم، وأنهم يدعون إلى الشر والمعاصي، ويوسوسون بذلك. وهذا كله يدل على أنهم مكلفون، وقوله تعالى: (قل أوحي إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجن) [الجن: ١] إلى قوله: (فَآمَنَّا به ولن نشرك بربنا أحدًا) [الجن: ٢] (٢) .\nتكليفهم بحسبهم:\nيقول ابن تيمية: \" الجن مأمورون بالأصول والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مماثلين للإنس في الحدّ والحقيقة؛ فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحدّ، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، وهذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين \" (٣) .\nكيف يعذبون بالنار وقد خلقوا من النار\nيورد بعض الناس شبهة فيقولون: أنتم تقرون أن الجن خلقوا من نار، ثمّ تقولون: إنّ كافرهم يعذب في نار جهنم، ومسترق السمع منهم يقذف بشهب من نار، فكيف تؤثر النار فيهم وقد خلقوا منها؟\nالجواب: أنّ الأصل الذي خلقوا منه النار، أمّا بعد خلقهم فليسوا كذلك، إذ أصبحوا خلقًا مخالفًا للنار، يوضح هذا أن الإنسان خلق من تراب، ثم بعد إيجاده أصبح مخالفًا للتراب، ولو ضربت إنسانًا بقطعة مشوية من الطين لقتلته، ولو رميته بالتراب لآذاه، ولو دفنته فيه لاختنق، فمع أنه من تراب إلا أن التراب يؤذيه، فكذلك الجن.\nقال أبو الوفاء ابن عقيل: \" أضاف الشياطين والجان إلى النار حسب ما أضاف الإنسان إلى التراب والطين والفخار، والمراد به في حق الإنسان أن أصله الطين، وليس الآدمي حقيقة، لكنه كان طينًا، كذلك الجان كان نارًا في الأصل \" (٤) .\nلا نسب بين الجن ورب العزة:\nهذا الذي ذكرناه من أن الجن خلق من خلق الله، وعباد من جملة عباده،\n_________\n(١) لوامع الأنوار البهية: ٢/٢٢٢-٢٢٣.\n(٢) غرائب وعجائب الجن، للشبلي: ص٤٩.\n(٣) مجموع الفتاوى: ٤/٢٣٣.\n(٤) لقط المرجان في أحكام الجان: ص٣٣.","vol":"1","page":42},{"text":"خلقهم لطاعته، وكلفهم بشريعته، يقضي على الخرافات التي تنشأ عن الانحراف في التصور، وعن ضمور العلم وكثرة الجهل، فمن ذلك ما شاع عند اليهود ومشركي العرب، من أن الله - تعالى وتقدس - خطب من سروات الجنّ وتزوج منهم، وكان الملائكة ثمرة هذا الزواج، وقد حكى الله هذه الخرافة وبين بطلانها: (وجعلوا بينه وبين الجنَّة نسبًا ولقد علمت الجنَّة إنَّهم لمحضرون - سبحان الله عمَّا يصفون - إلاَّ عباد الله المخلصين) [الصافات: ١٥٨-١٦٠] .\nقال ابن كثير عند تفسيره هذه الآيات: \" قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله - تعالى عما يقولون - فقال أبو بكر - ﵁ -: فمن أمهاتهنّ؟ قالوا: بنات سروات الجنّ. وبمثل قول مجاهد قال قتادة وابن زيد ...، وقال العوفي عن ابن عباس: زعم أعداء الله أنه - ﵎ - هو وإبليس أخوان، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا \" (١) .\nرسل الله إلى الجن\nبما أنهم مكلفون فلا بدّ أن يبلغهم الله وحيه، ويقيم عليهم الحجة، فكيف حصل ذلك؟ هل لهم رسل منهم، كما للبشر رسل منهم، أم أن رسلهم هم رسل البشر؟ .\nإن قوله: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم) [الأنعام: ١٣٠] يدلّ على أن الله أرسل إليهم رسلًا، ولكنها لم تصرح بأن هؤلاء الرسل من الجن أو من الإنس؛ لأن قوله: (منكم) يحتمل الأمرين؛ فقد يكون المراد أن رسل كل جنس منهم، وقد يراد أن رسل الإنس والجن من مجموعهما، فيصدق على أحدهما وهم الإنس. وقد اختلف في ذلك على قولين:\nالأول: أن للجن رسلًا منهم، وممن قال بهذا القول الضحاك، وقال ابن الجوزي: وهو ظاهر الكلام، وقال ابن حزم: \" لم يبعث إلى الجن نبي من الإنس ألبتّة قبل محمد ﷺ \".\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/٢٤.","vol":"1","page":43},{"text":"الثاني: أن رسل الجن من الإنس: قال السيوطي: \" جمهور العلماء، سلفًا وخلفًا، على أنه لم يكن من الجن قط رسول ولا نبي، كذا روي عن ابن عباس ومجاهد والكلبي وأبي عبيد \" (١) .\nومما يرجح أن رسل الإنس هم رسل الجن قول الجن عند سماع القرآن: (إنَّا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى) [الأحقاف: ٣٠]، ولكنه ليس نصًّا في المسألة.\nوهذه المسألة لا يبنى عليها عمل، وليس فيها نص قاطع.\nعموم رسالة محمد ﷺ\nإلى الإنس والجن\nرسولنا محمد ﷺ مرسل إلى الجنّ والإنس، يقول ابن تيمية (٢): \" وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، وسائر طوائف المسلمين: أهل السنة والجماعة، وغيرهم.\nيدل على ذلك تحدي القرآن الجن والإنس، (قل لئِن اجتمعت الإنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا) [الإسراء: ٨٨] .\nوقد سارع فريق من الجن إلى الإيمان عندما استمعوا القرآن: (قل أوحي إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجن فقالوا إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا - يهدي إلى الرشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحدًا) [الجن: ١-٢] .\nوهؤلاء الذين استمعوا القرآن وآمنوا هم المذكورون في سورة الأحقاف: (وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن يستمعون القرآن فلمَّا حضروه قالوا أنصتوا فلمَّا قضي ولَّوا إلى قومهم مُّنذرين - قالوا يا قومنا إنَّا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى مصدقًا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريقٍ مستقيمٍ -\n_________\n(١) لوامع الأنوار البهية: ٢/٢٢٣-٢٢٤، وانظر لقط المرجان: ٧٣.\n(٢) مجموع الفتاوى: ١٩/٩.","vol":"1","page":44},{"text":"يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذابٍ أليمٍ - ومن لاَّ يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلالٍ مُّبينٍ) [الأحقاف: ٢٩-٣٢] . استمعوا للقرآن، وآمنوا به، ورجعوا دعاة يدعون قومهم إلى التوحيد والإيمان، ويبشرونهم وينذرونهم.\nوقصة هؤلاء الذين استمعوا للرسول ﷺ يرويها البخاري ومسلم عن ابن عباس - ﵄ - قال: \" انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء.\nفانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن، استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: (إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا - يهدي إلى الرشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحدًا) [الجن: ١-٢] .\nفأنزل الله على نبيه (قل أوحي إليَّ أنَّه استمع نفرٌ من الجن) [الجن: ١]، وإنما أوحي إليه قول الجن \" (١) .\nوفود الجن الذين تلقوا العلم من الرسول ﷺ:\nتلك كانت بداية معرفة الجنّ برسالة محمد ﷺ، استمعوا لقراءَة القرآن بدون علم الرسول ﷺ، فآمن فريق منهم، وانطلقوا دعاة هداة.\nثمّ جاءَت وفود الجنّ بعد ذلك تتلقى العلم من الرسول ﷺ،\n_________\n(١) رواه البخاري: ١/٢٥٣. ورقمه: ٧٧٣. ورواه مسلم: ١/٣٣١، ورقمه: (٤٤٩) .","vol":"1","page":45},{"text":"وأعطاهم الرسول ﷺ من وقته، وعلمهم مما علمه الله، وقرأ عليهم القرآن، وبلغهم خبر السماء.... وكان ذلك في مكة قبل الهجرة.\nروى مسلم في صحيحه عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود، فقلتُ: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناهُ، فالتمسناهُ في الأودية والشعابِ، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال فبتنا بشر ليلة بات بها قومٌ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال: فقلنا: يا رسول الله! فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها قومٌ. فقال: (أتاني داعي الجنّ، فذهبتُ معه، فقرأتُ عليهم القرآن) . قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: (لكم كلُّ عظمٍ ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم؛ أوفر ما يكون لحمًا. وكل بعرةٍ علفٌ لدوابّكم) .\nفقال رسول الله ﷺ: (فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعامُ إخوانكم) (١) .\nومما قرأه عليهم سورة الرحمن، قال السيوطي: \" أخرج الترمذي، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: \" خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا فقال: (ما لي أراكم سكوتًا، لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد) (٢) .\nولم تكن تلك الليلة هي الليلة الوحيدة، بل تكرر لقاؤه ﷺ بالجنّ بعد ذلك، وقد ساق ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف - الأحاديث التي وردت بشأن اجتماعه ﷺ بالجن، وفي بعضها أن ابن مسعود كان قريبًا من الرسول ﷺ في إحدى تلك الليالي.\nوقد ورد في بعض الروايات في صحيح البخاري: أن بعض الجن الذين أتوه كانوا من ناحية من نواحي اليمن من مكان يسمى (نصيبين)، فقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (أتاني وفد نصيبين - ونعم الجن - فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا) (٣) .\n_________\n(١) رواه مسلم: ١/٣٣٢. ورقمه: ٤٥٠.\n(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي: ٧/٦٩٠.\n(٣) رواه البخاري: ٧/١٧١. ورقمه: ٣٨٦٠.","vol":"1","page":46},{"text":"دعوتهم الإنس إلى الخير وشهادتهم للمسلم\nومراتبهم في الصلاح والفساد\nوفي الأحاديث أن بعض الجن كان له دور في هداية الإنس، ففي صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب سأل رجلًا كان كاهنًا في الجاهلية عن أعجب ما جاءته به جنيته. قال: (بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت:\nألم تر الجنّ وإبْلاسها ××× ويأسها بعد إنْكاسها\nولحوقها بالقلاص وأحْلاسها (١)\nقال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ به صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، قال: فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نَشِبنْا أن قيل: هذا نبي \" (٢) .\nقال ابن كثير في تفسير سورة الأحقاف بعد أن ساق هذا الحديث: (هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر - ﵁ - بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ﵁، وسائر الروايات تدل على أن الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه، والله أعلم، ثم قال: وهذا الرجل (الكاهن) هو سواد بن قارب) .\nوسيأتي الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ بأن قرينه من الجن أسلم،\n_________\n(١) الإبلاس: اليأس، والحزن، والانكسار. والإنكاس: الضعف، والهوان، والقلاص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، والحلس: ما يوضع فوق ظهر الدابة كالسرج.\n(٢) صحيح البخاري: ٧/١٧٧. ورقمه: ٣٨٦٦.","vol":"1","page":47},{"text":"فلا يأمره إلا بخير.\nوقد قال أبو سعيد الخدري لأبي صعصعة: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنّه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنّ ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة)، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (١) . فقد أخبر أن الجن يشهدون يوم القيامة لمن يسمعون صوت أذانه.\nوهم في الصلاح والفساد مراتب:\nفمنهم الكامل في الاستقامة والطيبة وعمل الخير، ومنهم من هو دون ذلك، ومنهم البله المغفلون، ومنهم الكفرة، وهم الكثرة الكاثرة.\nيقول الله سبحانه في حكايته عن الجن الذين استمعوا إلى القرآن: (وأنَّا منَّا الصَّالحون ومنَّا دون ذلك كنَّا طرائِق قددًا) [الجن: ١١]؛ أي منهم الكاملون في الصلاح، ومنهم أقل صلاحًا، فهم مذاهب مختلفة، كما هو حال البشر.\nويقول الله عنهم: (وأنَّا منَّا المسلمون ومنَّا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحرَّوا رشدًا - وأمَّا القاسطون فكانوا لجهنَّم حطبًا) [الجن: ١٤-١٥]؛ أي: أنّ منهم المسلمين، والظالمين أنفسهم بالكفر، فمن أسلم منهم، فقد قصد الهدى بعمله، ومن ظلم نفسه، فهو حطب جهنم.\nطبيعة الشيطان وهل يمكن أن يسلم\nأعطى الله الجنّ القدرة على الإيمان والكفر، ولذلك كان الشيطان عابدًا مع الملائكة ثم كفر.\nفلما تحوّل إلى الكفر، ورضي به، وأصبح محبًا للشرّ، طالبًا له، يتلذذ بفعله والدعوة إليه، ويحرص عليه بمقتضى خبث نفسه، وإن كان موجبًا لعذابه:\n_________\n(١) رواه البخاري: ٢/٨٨. ورقمه: ٦٠٩.","vol":"1","page":48},{"text":"(قال فبعزَّتك لأغوينَّهم أجمعين - إلاَّ عبادك منهم المخلصين) [ص: ٨٢-٨٣] .\nوهذا يكون في الإنسان، فالإنسان إذا فسدت نفسه أو مزاجه، يشتهي ما يضره، ويلتذ به، بل يعشق ذلك عشقًا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله، وحسبك أن تتأمل في حال شارب الخمر وشارب الدخان، فإنّ هذين المشروبين يقتلان شاربيهما، ويفتكان بهما، ولا يستطيعان منهما خلاصًا إلا بشق الأنفس.\nهل يمكن أن يسلم الشيطان؟\nالشيطان الأكبر الذي هو إبليس لا يمكن أن يسلم لخبر الله فيه أنه سيبقى على الكفر، أما غيره فالذي يظهر لنا أن الشيطان يمكن أن يسلم، بدليل أن شيطان الرسول ﷺ أسلم (١)، إلا أنّ بعض العلماء يرفض ذلك ويقول: إن الشيطان لا يكون مؤمنًا، منهم شارح الطحاوية ووجه قوله: (فأسلم)؛ أي فانقاد واستسلم (٢) .\nوبعض العلماء يرى أن الرواية (فأسلمُ) برفع الميم، أي فأنا أسلمُ منه، ومع أن شارح الطحاوية يرى أنّ رواية الرفع تحريف للفظ، إلا أن النووي في شرحه على مسلم قال: \" هما روايتان مشهورتان \" وعزا إلى الخطابي أنّه رجح رواية الضم، وحكى عن القاضي عياض أنه اختار الفتح، وهو اختيار النووي (٣) .\nوممن يرى أن الشيطان يمكن أن يسلم ابن حبان، قال معلقًا على الحديث: \" في هذا الخبر دليل على أن شيطان المصطفى ﷺ أسلم، حتى إنه لم يكن يأمره إلا بخير، إلا أنّه كان يسلم منه وإن كان كافرًا \".\nوما ذهب إليه شارح الطحاوية من أنّ الشيطان لا يكون إلا كافرًا فيه نظر، فإن كان يرى أن الشيطان لا يطلق إلا على كافر الجن، فهذا صحيح، وإن كان يرى أن الشيطان لا يمكن أن يتحول إلى الإسلام، فهو بعيد جدًا، والحديث حجّة عليه، وحسبنا أن نعلم أن الشيطان كان مؤمنًا ثمّ كفر، وأن الشياطين مكلفون بالإيمان، معذبون على كفرهم، فالإيمان والكفر حالتان تعتوران هذا المخلوق كالإنسان.\n_________\n(١) الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ أن الله أعانه على شيطانه فأسلم، فلا يأمره إلا بالخير، رواه مسلم في صحيحه: ٤/٢١٦٨. ورقمه: ٢٨١٤.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية: ص٤٣٩.\n(٣) شرح النووي على مسلم: ١٧/١٥٨.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الثالث العداء بين الإنسان والشيطان</span>\nالمبحث الأول\nأسباب العداء وتاريخه وشدة هذا العداء\nالعداء بين الإنسان والشيطان عداء بعيد الجذور، يعود تاريخه إلى اليوم الذي صور الله فيه آدم، قبل أن ينفخ فيه الروح، فأخذ الشيطان يطيف به، ففي صحيح مسلم عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ قال: (لما صوّر الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يُطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف، عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك) (١) .\nفلما نفخ الله في آدم الروح، وأمر الملائكة بالسجود لآدم، وكان إبليس يتعبد الله مع ملائكة السماء، فشمله الأمر، ولكنه تعاظم في نفسه واستكبر، وأبى السجود لآدم: (قال أنا خيرٌ منه خلقتني من نَّارٍ وخلقته من طينٍ) [الأعراف: ١٢] .\nلقد فتح أبونا آدم عينيه، فإذا به يجد أعظم تكريم، يجد الملائكة ساجدين له، ولكنّه يجد عدوًا رهيبًا يتهدده وذريته بالهلاك والإضلال.\nوطرد الله الشيطان من جنة الخلد بسبب استكباره، وحصل على وعد من الله بإبقائه حيًّا إلى يوم القيامة: (قال أنظرني إلى يوم يبعثون - قال إنَّك من المنظرين) [الأعراف: ١٤-١٥]، وقد قطع اللعين على نفسه عهدًا بإضلال بني آدم: (قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم - ثُمَّ لآتِيَنَّهُم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شَمَآئِلِهِمْ ولا تجد أكثرهم شاكرين) [الأعراف: ١٦-١٧] .\nوقوله هذا يصور مدى الجهد الذي يبذله لإضلال بني آدم، فهو يأتيه من كل طريق، عن اليمين وعن الشمال، ومن الأمام ومن الخلف؛ أي من جميع الجهات، قال الزمخشري\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/٢٠١٦، ورقمه: ٢٦١١.","vol":"1","page":53},{"text":"في تفسير هذه الآية: \" ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم، وتسويله لهم ما أمكنه وقدر عليه كقوله: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك) [الإسراء: ٦٤] (١) .\nتحذير الرحمن من الشياطين:\nوقد أطال القرآن في تحذيرنا من الشيطان لعظم فتنته، ومهارته في الإضلال، ودأبه وحرصه على ذلك: (يا بني آدم لا يفتننَّكم الشَّيطان) [الأعراف: ٢٧] .\nوقال: (إنَّ الشَّيطان لكم عدٌّ فاتَّخذوه عدوًّا) [فاطر: ٦]، وقال: (ومن يتَّخذ الشَّيطان وليًّا من دون الله فقد خسر خسرانًا مُّبينًا) [النساء: ١١٩] . وعداوة الشيطان لا تحول ولا تزول؛ لأنه يرى أن طرده ولعنه وإخراجه من الجنة كان بسبب أبينا آدم، فلا بدّ أن ينتقم من آدم وذريته من بعده: (قال أَرَأَيْتَكَ هذا الَّذي كرَّمت عَلَيَّ لئِن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأَحْتَنِكَنَّ ذريَّته إلاَّ قليلًا) [الإسراء: ٦٢] .\nوأرباب السلوك اعتنوا بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، ولكنهم قصّروا في التعرف على عدوهم اللدود.\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ٢/٧١.","vol":"1","page":54},{"text":"أهداف الشيطان\nالمطلب الأول\nالهدف البعيد\nهناك هدف وحيد يسعى الشيطان لتحقيقه في نهاية الأمر، هو أن يلقي الإنسان في الجحيم، ويحرمه من الجنّة، (إنَّما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السَّعير) [فاطر: ٦] .\nالمطلب الثاني\nالأهداف القريبة\nذلك هو هدف الشيطان البعيد، أما أهدافه القريبة فإنها كثيرة منها:\n١- إيقاع العباد في الشرك والكفر:\nوذلك بدعوتهم إلى عبادة غير الله، والكفر بالله وبشريعته: (كمثل الشَّيطان إذ قال للإنس اكْفُرْ فلمَّا قال إني بريءٌ منك) [الحشر: ١٦] .\nوروى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: (يا أيها الناس، إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتهم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا) (١) .\n٢- إيقاعهم في الذنوب والمعاصي:\nفإذا لم يستطع إيقاعهم في الشرك والكفر، فإنه لا ييأس، ويرضى بما دون ذلك من إيقاعهم في الذنوب والمعاصي، وغرس العداوة والبغضاء في صفوفهم، ففي سنن الترمذي: (ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلادكم هذه أبدًا، ولكن ستكون له طاعة فيما\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/٢١٩٧. ورقمه: ٢٨٦٥.","vol":"1","page":55},{"text":"تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به) (١) .\nوفي صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) (٢)؛ أي بإيقاع العداوة والبغضاء بينهم، وإغراء بعضهم ببعض، كما قال تعالى: (إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم منتهون) [المائدة: ٩١] .\nوهو يأمر بكل شر: (إنَّما يأمركم بالسُّوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [البقرة: ١٦٩] .\nوخلاصة الأمر: أن كل عبادة محبوبة لله بغيضة إلى الشيطان، وكل معصية مكروهة للرحمن محبوبة للشيطان.\n٣- إيقاعهم في البدعة:\nوهي أحب إلى الشيطان من الفسوق والمعاصي؛ لأن ضررها في الدين، قال سفيان الثوري: \" البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها \" (٣) .\n٤- صدّه العباد عن طاعة الله:\nوهو لا يكتفي بدعوة الناس إلى الكفر والذنوب والمعاصي، بل يصدهم عن فعل الخير، فلا يترك سبيلًا من سبل الخير، يسلكه عبد من عباد الله إلا قعد فيه، يصدّهم ويميل بهم، فعن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟! فعصاه، فأسلم.\nثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟ وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول (٤) . فعصاه، فهاجر.\nثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال؟! فعصاه، فجاهد.\nفمن فعل ذلك، كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة، ومن قتل، كان حقًّاَ على الله أن يدخله الجنّة،\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ٢/٢٣٠. ورقمه: ١٧٥٣.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/٢٧. ورقمه: ١٠.\n(٣) غرائب وعجائب الجن، للشبلي: ص ٢٠٦.\n(٤) الطول: الحبل الطويل، يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس ليدور فيه، ويرعى ولا يذهب لوجهه.","vol":"1","page":56},{"text":"وإن غرق، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابته، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة) (١) .\nومصداق ذلك في كتاب الله ما حكاه الله عن الشيطان أنه قال لرب العزة: (قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم - ثُمَّ لآتِيَنَّهُم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شَمَآئِلِهِمْ ولا تجد أكثرهم شاكرين) [الأعراف: ١٦-١٧] .\nوقوله: (لأقعدنَّ لهم صراطك) أي: على صراطك، فهو منصوب بنزع الخافض، أو هو منصوب بفعل مضمر، أي: لألزمنّ صراطك، أو لأرصدَنّه، أو لأعوجنه.\nوعبارات السف في تفسير الصراط متقاربة، فقد فسر ابن عباس: بأنه الدين الواضح، وابن مسعود: بأنه كتاب الله، وقال جابر: هو الإسلام، وقال مجاهد: هو الحق.\nفالشيطان لا يدع سبيلًا من سبل الخير إلا قعد فيه يصد الناس عنه.\n٥- إفساد الطاعات:\nإذا لم يستطع الشيطان أن يصدهم عن الطاعات، فإنه يجتهد في إفساد العبادة والطاعة، كي يحرمهم الأجر والثواب، ومن ذلك أن الصحابي عثمان بن أبي العاص أتى إلى النبي ﷺ فقال: \" إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلبِسها عليّ \".\nفقال رسول الله ﷺ: (ذلك شيطان يقال له: خِنْزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا) . قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني \" (٢) .\nفإذا دخل العبد صلاته أجلب عليه الشيطان يوسوس له، ويشغله عن\n_________\n(١) صحيح سنن النسائي: ٢/٦٥٧. ورقمه: ٢٩٣٧.\n(٢) رواه مسلم: ٤/١٧٢٨. ورقمه: ٢٢٠٣.","vol":"1","page":57},{"text":"طاعة الله، ويذكِره بأمور الدنيا؛ ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) (١) .\nدفع الشيطان الإنسان للمرور بين يدي المصلي:\nعن أبي صالح السمّان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم الجمعة يصلي إلى شيء يستُرهُ من الناس، فأراد شابٌّ من بني أبي مُعيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغًا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد، ثم دخل مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: مالك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستُرهُ من الناس فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله، فإنما هو شيطان) (٢) .\nوالمراد بقوله: (فإنما هو شيطان)؛ أي فعله فعل شيطان كما يقول ابن حجر العسقلاني.\nإلا أن ابن حجر ذكر احتمالًا آخر أصح من الأول، فإنه قال: (ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل على ذلك الشيطان، وقد وقع في رواية الإسماعيلي: (فإن معه الشيطان)، ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر بلفظ: (فإن معه القرين) (٣) .\nكل مخالفة للرحمن فهي طاعة للشيطان:\nيقول تعالى: (إن يدعون من دونه إلاَّ إناثًا وإن يدعون إلاَّ شَّيطانًا مَّريدًا - لَّعنة الله وقال لأتَّخذنَّ من عبادك نصيبًا مَّفروضًا) [النساء: ١١٧-١١٨] . فكل من عبد غير الله من صنم أو وثن، أو شمس وقمر، أو هوى، أو إنسان، أو مبدأ، فهو عابد للشيطان، رضي أم أبى؛ لأن الشيطان هو الآمر بذلك والمرغب فيه، ولذلك فإن عبّاد الملائكة يعبدون الشيطان في الحقيقة: (ويوم يحشرهم جميعًا ثمَّ يقول للملائكة أهؤلاء إيّاكم كانوا يعبدون - قالوا سبحانك أنت وليُّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجنَّ أكثرهم بهم مُّؤمنون) [سبأ: ٤٠-٤١] . يعني أن الملائكة لم تأمرهم بذلك، وإنما أمرتهم بذلك الجن، ليكونوا عابدين للشياطين الذين يتمثلون لهم، كما يكون للأصنام شياطين.\nالخلاصة:\nوالشيء الذي نخلص إليه أن الشيطان يأمر بكل شرّ، ويحث عليه، وينهى عن كلّ خير، ويخوف منه؛ كي يرتكب الأول، ويترك الثاني.\nكما قال تعالى: (الشَّيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مَّغفرةً منه وفضلًا) [البقرة: ٢٦٨] . وتخويفه إيانا الفقر بأن يقول:\n_________\n(١) رواه البخاري: ٢/٨٤. ورقمه: ٦٠٨. وانظر رقم: ١٢٢٢، ١٢٣١، ١٢٣٢. ورواه مسلم: ١/٢٩١. ورقمه: ٣٨٩.\n(٢) رواه البخاري: ١/٥٨٢. ورقمه: ٥٠٩.\n(٣) فتح الباري: ١/٥٨٤.","vol":"1","page":58},{"text":"إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، والفحشاء التي يأمرنا بها: هي كل فعلة فاحشة خبيثة من البخل والزنا وغير ذلك.\n٦- الإيذاء البدني والنفسي:\nكما يهدف الشيطان إلى إضلال الإنسان بالكفر والذنوب، فإنه يهدف إلى إيذاء المسلم في بدنه ونفسه، ونحن نسوق بعض ما نعرفه من هذا الإيذاء:\nأ- مهاجمة الرسول ﷺ:\nذكرنا في غير هذا الموضع الحديث الذي يخبر فيه الرسول ﷺ بمهاجمة الشيطان له، ومجيء الشيطان بشهاب من نار ليرميه في وجه الرسول ﷺ.\nب- الحلم من الشيطان:\nللشيطان قدرة على أن يرى الإنسان في منامه أحلامًا تزعجه وتضايقه، بهدف إحزانه وإيلامه.\nفقد أخبر الرسول ﷺ: أن الرؤى التي يراها المرء في منامه ثلاثة أنواع، فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (الرؤيا ثلاث: فبشرى، من الرحمن، وحديث نفس، وتخويف من الشيطان) .\nوفي رواية عن عوف بن مالك: (إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان؛ ليحزن بها ابن آدم) (١) .\nوفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها، وليحدّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره) (٢) .\nج- إحراق المنازل بالنار:\nوذلك بوساطة بعض الحيوانات التي يغريها بذلك، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن الرسول ﷺ قال: (إذا نمتم فأطفئوا سُرُجكم، فإن الشيطان يدلّ مثل هذه (الفأرة) على هذا (السراج) فيحرقكم) (٣) .\n_________\n(١) رواهما ابن ماجة. انظر صحيح ابن ماجة: ١/٣٤٠. ورقمهما: ٣١٥٤-٣١٥٥.\n(٢) رواه البخاري: ١٢/٣٦٩. ورقمه: ٦٩٥٨.\n(٣) صحيح سنن أبي داود: ٣/٩٥٨. ورقمه: ٤٣٦٩.","vol":"1","page":59},{"text":"د- تخبط الشيطان الإنسان عند الموت:\nوقد كان الرسول ﷺ يستعيذ من ذلك فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من التردي، والهدم، والغرق، والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرًا، وأعوذ بك أن أموت لديغًا) (١) .\nهـ- إيذاؤه الوليد حين يولد:\nفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (كلّ بني آدم يمسّه الشيطان يوم ولدته أمّه إلا مريم وابنها) (٢) .\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن الحجاب) (٣) .\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها) (٤) .\nوالسبب في حماية مريم وابنها من الشيطان استجابة الله دعاء أم مريم حين ولدتها: (وإنَّي أعيذها بك وذريتها من الشَّيطان الرَّجيم) [آل عمران: ٣٦] . ولذا فإن أبا هريرة قرأ هذه الآية بعد روايته للحديث السابق (٥) .\nفلما كانت أم مريم - ﵍ - صادقة في طلبها استجاب الله لها، فأجار مريم وابنها من الشيطان الرجيم.\nوممن أجاره الله أيضًا عمار بن ياسر، ففي صحيح البخاري: أن أبا الدرداء سأل علقمة، وكان من أهل الكوفة، فقال: \" أفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه ﷺ؟ \" قال المغيرة: \" الذي أجاره الله على لسان نبيه ﷺ يعني عمارًا \" (٦) .\nومرض الطاعون من الجن:\nأخبر الرسول ﷺ أن (فناء أمته بالطعن والطاعون؛ وخز أعدائكم من الجنّ، وفي كلّ شهادة) (٧)،\n_________\n(١) صحيح سنن النسائي: ٣/١١٢٣. ورقمه: ٥١٠٤.\n(٢) رواه مسلم: ٤/١٨٣٨. ورقمه: ٢٣٦٦.\n(٣) رواه البخاري: ٦/٣٣٧. ورقمه: ٣٢٨٦.\n(٤) رواه البخاري: ٦/٤٦٩. ورقمه: ٣٤٣١.\n(٥) انظر صحيح البخاري: ٦/٤٦٩. ورقمه: ٣٤٣١. وصحيح مسلم: ٤/١٨٣٨. ورقمه: ٢٣٦٦.\n(٦) صحيح البخاري: ٦/٣٣٧. ورقمه: ٣٢٨٧. وانظر أيضًا: ٧/٩٠. ورقمه: ٣٧٤٢-٣٧٤٣.\n(٧) صحيح الجامع الصغير: ٤/٩٠. وانظر إرواء الغليل: ٦/٧٠، ورقمه: ١٣٦٧.","vol":"1","page":60},{"text":"وفي مستدرك الحاكم: (الطاعون وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة) (١) .\nوما أصاب نبي الله أيوب كان بسبب الجن كما قال تعالى: (واذكر عبدنا أيُّوب إذ نادى ربه أنَّي مَسَّنِيَ الشَّيطان بنصبٍ وعذابٍ) [ص: ٤١] .\nز- بعض الأمراض الأخرى:\nقال ﷺ للمرأة المستحاضة، وهي حمنة بنت جحش: (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان) (٢) .\nح- مشاركته لبني آدم في طعامهم وشرابهم ومسكنهم:\nومن الأذى الذي يجلبه الشيطان للإنسان أن يعتدي على طعامه وشرابه فيشركه فيهما، ويشركه في المبيت في منزله، ويكون ذلك منه إذا خالف العبد هدي الرحمن، أو غفل عن ذكر الله، أمّا إذا كان ملتزمًا بالهدى الذي هدانا الله إليه، لا يغفل عن ذكر الله، فإن الشيطان لا يجد سبيلًا إلى أموالنا وبيوتنا.\nفالشيطان لا يستحل الطعام إلا إذا تناول منه أحد بدون أن يُسَمّي، فإذا ذكر اسم الله عليه، فإنّه يحرم على الشيطان، روى مسلم في صحيحه عن حذيفة، قال: \" كنا إذا حضرنا مع النبي ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ، فيضع يده، وإنّا حضرنا معه مرة طعامًا، فجاءَت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يدفع، فأخذ بيده \".\nفقال رسول الله ﷺ: (إنّ الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ليستحلّ بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحلّ به، فأخذت بيده، والذي نفسي بيدي إن يده في يدي مع يدها) (٣) .\nوقد أمرنا الرسول ﷺ أن نحفظ أموالنا من الشيطان وذلك بإغلاق\n_________\n(١) راجع إرواء الغليل: ٦/٧٠.\n(٢) صحيح سنن أبي داود: ١/٥٦. ورقمه: ٢٦٧، وصحيح سنن النسائي: ١/٤٠، ورقمه: ١١٠. ولفظ النسائي: (إنما هي ركضة من الشيطان) .\n(٣) رواه مسلم: ٣/١٥٩٧. ورقمه: ٢١٧.","vol":"1","page":61},{"text":"الأبواب، وتخمير الآنية، وذكر اسم الله؛ فإن ذلك حرز لها من الشيطان، ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (أغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأوكوا قربكم، واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم، واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا عليها شيئًا، وأطفئوا مصابيحكم) (١) .\nويشرب الشيطان مع الإنسان إذا شرب واقفًا، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ رأى رجلًا يشرب قائمًا، فقال له: (قِهْ)، قال: لمه؟ قال: (أيسرك أن يشرب معك الهر؟) قال: لا، قال: (فإنه قد شرب معك من هو شرّ منه الشيطان) (٢) .\nوكي تطرد الشياطين من المنزل لا تنس أن تذكر اسم الله عند دخول المنزل، وقد أرشدنا الرسول ﷺ لذلك، حيث يقول: (إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإن دخل، فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإن لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء) (٣) .\nط- مس الشيطان للإنسان (الصرع):\nيقول ابن تيمية (٤): \" دخول الجن في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة والجماعة، قال الله تعالى: (الَّذين يأكلون الرِّبَا لا يقومون إلاَّ كما يقوم الَّذي يتخبَّطه الشَّيطان من الْمَسِّ) [البقرة: ٢٧٥]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) (٥) .\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: \" قلت لأبي: إن أقوامًا يقولون:\n_________\n(١) رواه مسلم: ٣/١٥٩٤. ورقمه: ٢٠١٢.\n(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: ج١، ورقم الحديث: ١٧٥. وقال فيه الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد ثقات. مجمع الزوائد: ٣/٧٩.\n(٣) رواه مسلم: ٣/١٥٩٨. ورقمه: ٢٠١٨.\n(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٢٤/٢٧٦.\n(٥) صحيح البخاري: ٦/٣٣٦. ورقمه: ٣٢٨١. ورواه مسلم: ٤/١٧١٢. ورقمه: ٢١٧٥.","vol":"1","page":62},{"text":"إن الجني لا يدخل في بدن المصروع، فقال: يا بني يكذبون، هذا يتكلم على لسانه \".\nيقول ابن تيمية: \" هذا الذي قاله مشهور، فإنّه يصرع الرجل، فيتكلم بلسان لا يعرف معناه، ويُضْرب على بدنه ضربًا عظيمًا، لو ضرب به جمل، لأثر به أثرًا عظيمًا، والمصروع مع هذا لا يحس الضرب، ولا بالكلام الذي يقوله، وقد يُجَرّ المصروعُ، وغير المصروع، ويجر البساط الذي يجلس عليه، ويحول الآلات ... ويجري غير ذلك من الأمور من شاهدها أفادته علمًا ضروريًا، بأن الناطق على لسان الإنس، والمحرك لهذه الأجسام، جنس آخر غير الإنسان \".\nويقول ﵀ \" وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن في بدن المصروع وغيره، ومن أنكر ذلك، وادعى أن الشرع يكذب ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك \".\nوذكر أنّ ممن أنكر دخول الجن بدن المصروع طائفة من المعتزلة، كالجبائي وأبي بكر الرازي (١) .\nوسنحاول أن نلقي مزيدًا من الضوء على هذا الموضوع فيما بعد.\nقائد المعركة في الصراع\nالدائر بين عالم الشياطين وعالم البشر\nإبليس هو الذي يخطط للمعركة مع بني الإنسان ويقودها، ومن قاعدته يرسل البعوث والسرايا في الاتجاهات المختلفة، ويعقد مجالس يناقش جنوده وجيوشه فيما صنعوه، ويثني على الذين أحسنوا وأجادوا في الإضلال وفتنة الناس.\nروى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: (إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول:\n_________\n(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٩/١٢.","vol":"1","page":63},{"text":"فعلت كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعت شيئًا. قال: ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال: فيدنو منه، ويقول: نعم أنت) (١) .\nوفي صحيح مسلم عن أبي سعيد أن الرسول ﷺ قال لابن صائد وقد لقيه في بعض طرق المدينة؛ (وكان يشك ﷺ أنّه الدجال): (ما ترى)؟ قال: أرى عرشًا على الماء، فقال رسول الله ﷺ: (ترى عرش إبليس على البحر) (٢) .\nوالشيطان له خبرة طويلة مديدة في مجال الإضلال، ولذلك فإنّه يجيد وضع خططه، ونصب مصايده وأحابيله، فهو لم يزل حيًّا يضل الناس منذ وجد الإنسان إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة: (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون - قال فإنَّك من المنظرين - إلى يوم الوقت المعلوم) [الحجر: ٣٦-٣٨] .\nوهو دؤوب على القيام بالشر الذي نذر نفسه له، لا يكل ولا يمل، ففي الحديث: (إن الشيطان قال: وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) . رواه أحمد والحاكم بإسناد حسن (٣) .\nجنود الشيطان من الجن والإنس:\nوالشيطان له فريقان من الجنود: فريق من الجان، وفريق من بني الإنسان.\nوقد سبق ذكر حديث إرساله سراياه من الشياطين لإضلال الناس، وفي القرآن: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ...) [الإسراء: ٦٤] فله جنود يهاجمون راكبين راجلين، يرسلهم على العباد، يحركونهم إلى الشر تحريكًا: (ألم تر أنَّا أرسلنا الشَّياطين على الكافرين توزُّهم أزًّا) [مريم: ٨٣] .\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/٢١٦٧. ورقمه: ٢٨١٤.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/٢٢٤١. ورقمه: ٢٠٢٥.\n(٣) صحيح الجامع الصغير: ٢/٧٢.","vol":"1","page":64},{"text":"لكل إنسان قرين:\nوكل إنسان له شيطان يلازمه لا يفارقه، كما في حديث عائشة عند مسلم: أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلًا، قالت: فغرت عليه، فجاء، فرأى ما أصنع، فقال: (ما لك يا عائشة؟ أغرت؟) فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال ﷺ: (أقد جاءك شيطانك) . قالت: يا رسول الله، أو معي شيطان؟ قال: (نعم)، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: (نعم)، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: (نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم) (١) .\nوروى مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وقد وُكّلَ به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة)، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: (وإياي، إلا أنّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) (٢) .\nوفي القرآن: (ومن يعش عن ذكر الرَّحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرينٌ) [الزخرف: ٣٦]، وفي الآية الأخرى: (وقيَّضنا لهم قرناء فزيَّنوا لهم مَّا بين أيديهم وما خلفهم) [فصلت: ٢٥] .\nوللشيطان أتباع من الإنس اتخذوه وليًّا، يسيرون على خطاه، ويرضون بفكره، مع أنه العدو الأول الذي يسعى في إهلاكهم، وقبيح بالإنسان العاقل أن يتخذ عدوه وليًّا: (أفتتخذونه وذريَّته أولياء من دوني وهم لكم عدوٌّ بئس للظَّالمين بدلًا) [الكهف: ٥٠] .\nولقد خسروا باتخاذه وليًا خسرانًا مبينًا: (ومن يتَّخذ الشَّيطان وليًّا من دون الله فقد خسر خسرانًا مُّبينًا) [النساء: ١١٩] . خسروا لأن الشيطان سيدسّي نفوسهم ويفسدها، ويحرمهم من نعمة الهداية، ويرمي بهم في الضلالات والشبهات: (والَّذين كفروا أولياؤهم الطَّاغوت يخرجونهم\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/٢١٦٨. ورقمه: ٢٨١٥.\n(٢) رواه مسلم: ٤/٢١٦٨، ورقمه: ٢٨١٤.","vol":"1","page":65},{"text":"من النُّور إلى الظُّلمات أولئك أصحاب النَّار هم فيها خالدون) [البقرة: ٢٥٧]، وخسروا لأنه سيقودهم إلى النار: (إنَّما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السَّعير) [فاطر: ٦]، وهؤلاء أولياء الشيطان يتخذهم الشيطان مطية وجنودًا، ينفذ بهم مخططاته وأهدافه.\nكيده وخذلانه لأوليائه:\nيتولى كثير من الناس الشيطان، ولكنه يكيد لهم ويوردهم الموارد التي فيها هلاكهم وعطبهم، ويتخلى عنهم، ويسلمهم، ويقف يشمت بهم، ويضحك منهم، فيأمرهم بالقتل والسرقة والزنا، ويدلُّ عليهم، ويفضحهم، فعل ذلك بالمشركين في معركة بدر، عندما جاءَهم متمثلًا في صورة سراقة بن مالك، ووعدهم بالنصر والغلب: (وقال لا غالب لكم اليوم من النَّاس وإني جارٌ لَّكم) [الأنفال: ٤٨]، فلما رأى عدو الله الملائكة نزلت لنصرة المؤمنين، ولى هاربًا وأسلمهم، كما قال حسان بن ثابت:\nدلاهم بغُرُور ثمّ أسلمهم ××× إن الخبيث لمن والاه غرارُ\nوكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها، فإنه أمره بالزنا، ثمّ بقتلها، ثمّ دلّ أهلها عليه، وكشف أمره لهم، ثمّ أمره بالسجود له، فلما فعل فرّ عنه وتركه، كما سيأتي بيانه.\nوفي يوم القيامة يقول لأوليائه بعد دخوله ودخولهم النار: (إِنِّي كفرت بما أشركتمون من قبل) [إبراهيم: ٢٢]، فأوردهم شرّ الموارد، ثمّ تبرأ منهم كل البراءةَ.\nوستأتي قصة ذلك يدّعي أنّه عالم روحاني، وكيف تخلت عنه الشياطين بعد أن بلغ مبلغًا كبيرًا من الشهرة، فأصبح حائرًا لا يدري ما يفعل.","vol":"1","page":66},{"text":"الشيطان يجند أولياءَه لخدمته ومحاربة المؤمنين:\nالناس فريقان: أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان. وأولياء الشيطان هم الكَفَرَة على اختلاف مللهم ونحلهم: (إنَّا جعلنا الشَّياطين أولياء للَّذين لا يؤمنون) [الأعراف: ٢٧] .\nوالشيطان يسخّر هؤلاء لتضليل المؤمنين بما يلقونه من الشبه: (وإنَّ الشَّياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنَّكم لمشركون) [الأنعام: ١٢١] .\nوما هذه الشبهات التي يقوم بها المستشرقون والصليبيون واليهود والملحدون إلا من هذا القبيل.\nويدفع الشيطان أولياءَه لإيذاء نفوس المؤمنين: (إنَّما النَّجوى من الشَّيطان ليحزن الَّذين آمنوا) [المجادلة: ١٠] . فقد كان يدفع المشركين للتناجي حين وجود المسلمين على مقربة منهم، فيظن المسلم أنه يتآمرون عليه ...\nبل يدفعهم إلى حرب المسلمين وقتالهم: (الَّذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والَّذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشَّيطان إنَّ كيد الشَّيطان كان ضعيفًا) [النساء: ٧٦] .\nوهو دائمًا يخوف المؤمنين أولياءَه: (إنَّما ذلكم الشَّيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مُّؤمنين) [آل عمران: ١٧٥]، وأولياؤه جمع كبير: (ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنَّه فاتَّبعوه إلاَّ فريقًا من المؤمنين) [سبأ: ٢٠] .\nأساليب الشيطان في إضلال الإنسان (الجزء الأول)\nلا يأتي الشيطان إلى الإنسان ويقول له: اترك هذه الأمور الخيرة، وافعل هذه الأمور السيئة؛ كي تشقى في دنياك وأخراك؛ لأنه لو فعل ذلك","vol":"1","page":67},{"text":"فلن يطيعه أحد، ولكنه يسلك سبلًا كثيرة، يغرر بها بعباد الله.\n١- تزيين الباطل:\nهذا هو السبيل الذي كان الشيطان، ولا يزال، يسلكه لإضلال العباد، فهو يظهر الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، ولا يزال بالإنسان يحسن له الباطل، ويكرهه بالحق، حتى يندفع إلى فعل المنكرات، ويعرض عن الحق، كما قال اللعين لربّ العزة: (قال رب بما أغويتني لأزيننَّ لهم في الأرض ولأغوينَّهم أجمعين - إلاَّ عبادك منهم المخلصين) [الحجر: ٣٩-٤٠] .\nيقول ابن القيم في هذا الصدد: \" ومن مكايده أنه يسحر العقل دائمًا حتى يكيده، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله، فيزين له الفعل الذي يضره، حتى يخيل إليه أنّه أنفع الأشياء، وينفره من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له، حتى يخيل له أنّه يضره، فلا إله إلا الله، كم فتن بهذا السحر من إنسان! وكم حال به بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان! وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة! وكم بهرج من الزيوف على الناقدين، وكم روج من الزغل على العارفين!\nفهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم من سبل الضلال كل مسلك، وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك، وزين لهم عبادة الأصنام، وقطيعة الأرحام، ووأد البنات، ونكاح الأمهات، ووعدهم بالفوز بالجنات، مع الكفر بصفات الرب تعالى وعلوه وتكلمه بكتبه ووضعهم ذلك في قالب التنزيه، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قالب التودد إلى الناس، وحسن الخلق معهم، والعمل بقوله: (عليكم أنفسكم) [المائدة: ١٠٥]، والإعراض عما جاء به الرسول ﷺ في قالب التقليد، والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم، والنفاق والإدهان في دين الله في قالب","vol":"1","page":68},{"text":"العقل المعيشي الذي يندرج به العبد بني الناس \" (١) .\nوبهذا السبيل كاد إبليس اللعين آدم ﵇؛ إذ زين له الأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، فما زال به يزعم له أن هذه هي شجرة الخلد، وأن الأكل منها يجعله خالدًا في الجنة، أو ملكًا من الملائكة، حتى أطاعه، فخرج من الجنة.\nوانظر إلى أولياء الشيطان اليوم كيف يستخدمون هذا السبيل في إضلال العباد.\nفهذه الدعوات إلى الشيوعية والاشتراكية....، يزعمون أنها هي المذاهب التي تخلص البشرية من الحيرة والقلق والضياع والجوع، ... وهذه الدعوات التي تدعو إلى خروج المرأة كاسية عارية باسم الحرية، وتدعو إلى هذا التمثيل السخيف الذي تداس فيه الأعراض والأخلاق، وتنتهك فيه الحرمات باسم الفن.\nوتلك الأفكار المسمومة التي تدعو إلى إيداع المال في البنوك بالربا؛ لتحقيق الأرباح باسم التنمية والربح الوفير.\nوتلك الدعوات التي تزعم أن التمسك بالدين رجعية وجمود وتأخر، والتي تسم دعاة الإسلام بالجنون والعمالة لدول الشرق والغرب ... إلخ.\nكل ذلك امتداد لسبيل الشيطان الذي كاد به آدم منذ عهد بعيد، وهو تزيين الباطل وتحسينه، وتقبيح الحق وتكريه الناس به: (تالله لقد أرسلنا إلى أممٍ من قبلك فزيَّن لهم الشَّيطان أعمالهم) [النحل: ٦٣] .\nوهو - والله - سبيل خطر؛ لأن الإنسان إذا زين له الباطل فرآه اندفع بكل قواه؛ لتحقيق ما يراه حقًا، وإن كان فيه هلاكه: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالًا - الَّذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدُّنيا وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا) [الكهف: ١٠٣-١٠٤] .\nوهؤلاء يندفعون لصدّ الناس عن دين الله ومحاربة أولياء الله، وهم\n_________\n(١) إغاثة اللهفان: ١/١٣٠.","vol":"1","page":69},{"text":"يظنون أنفسهم على الحقّ والهدى، (وإنَّهم ليصدٌّونهم عن السَّبيل ويحسبون أنَّهم مهتدون) [الزخرف: ٣٧] .\nوهذا هو السبب الذي من أجله آثر الكفار الدنيا، وأعرضوا عن الآخرة، كما قال تعالى: (وقيَّضنا لهم قرناء فزيَّنوا لهم مَّا بين أيديهم وما خلفهم) [فصلت: ٢٥] . فالقرناء هم الشياطين، زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروها، ودعوهم إلى التكذيب بالآخرة، وزينوا لهم ذلك حتى أنكروا البعث والحساب والجنّة والنار.\nتسمية الأمور المحرمة بأسماء محببة:\nومن تغرير الشيطان بالإنسان وتزيينه الباطل أن يسمّي الأمور المحرمة، التي هي معصية لله، بأسماء محببة للنفوس خداعًا للإنسان وتزويرًا للحقيقة، كما سمّى الشجرة المحرمة بشجرة الخلد، كي يزين لآدم الأكل منها: (قال يا آدم هل أدلُّك على شجرةٍ الخلد ومُلكٍ لا يَبْلَى) [طه: ١٢٠] .\nيقول ابن القيم: \" ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها، فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقمة الراحة، وسموا الربا بالمعاملة، وسموا المكوس بالحقوق السلطانية ... \".\nواليوم يسمون الربا الفائدة، والرقص والغناء والتمثيل وصناعة التماثيل فنًا.\n٢- الإفراط والتفريط:\nيقول ابن القيم في هذه المسألة: \" وما أمر الله - ﷿ - بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما تقصير وتفريط، وإما إفراط وغلوّ، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنّه يأتي إلى قلب العبد فيشامّه، فإن وجد فيه فتورًا وتوانيًا وترخيصًا أخذه من هذه الخطة، فثبطه وأقعده، وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى","vol":"1","page":70},{"text":"ربما ترك العبد المأمورَ جملة.\nوإن وجد عنده حذرًا وجِدًّا، وتمشيرًا ونهضة، وأيس أن يأخذه من هذا الباب، أمره بالاجتهاد الزائد، وسوّل له أن هذا لا يكفيك، وهمتك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، وأن لا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تفتر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات، فاغسل أنت سبعًا، وإذا توضأ للصلاة، فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدي، فيحمله على الغلو والمجاوزة، وتعدي الصراط المستقيم، كما يَحْمِلُ الأول على التقصير دونه وألا يقربه.\nومقصوده من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم: هذا بألا يقربه ولا يدنو منه، وهذا بأن يجاوزه ويتعداه، وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجي من ذلك إلا علم راسخ، وإيمان وقوة على محاربته، ولزوم الوسط. والله المستعان \" (١) .\n٣- تثبيطه العباد عن العمل ورميهم بالتسويف والكسل:\nوله في ذلك أساليب وطرق، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم (القافية: مؤخر الرأس)، إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة، عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله، انحلت عقدة، فإن توضأ، انحلت عقدة، فإن صلى، انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) (٢) .\nوفي البخاري ومسلم: (إذا استقظ أحدكم من منامه فتوضأ، فليستثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه) (٣) .\nوفي صحيح البخاري: أن الرسول ﷺ ذكر عنده رجل نام ليلة حتى أصبح، فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) (٤) .\n_________\n(١) الوابل الصيب: ص١٩.\n(٢) رواه البخاري: ٣/٢٤. ورقمه: ١١٤٣.\n(٣) صحيح البخاري: ٦/٣٣٩. ورقمه: ٣٢٩٥. ورواه مسلم: ١/٢١٣. ورقمه: ٢٣٨، واللفظ للبخاري.\n(٤) رواه البخاري: ٣/٢٨. ورقمه: ١١٤٤.","vol":"1","page":71},{"text":"وهذا الذي ذكرناه تكسيل وتثبيط من الشيطان بفعله، وقد يثبط الإنسان بالوسوسة، وسبيله في ذلك أن يحبب للإنسان الكسل، ويسوّف العمل، ويسند الأمر إلى طول الأمل، يقول ابن الجوزي في هذا: (كم قد خطر على قلب يهودي ونصراني حبّ الإسلام، فلا يزال إبليس يثبطه، ويقول: لا تعجل وتمهل النظر، فيسوفه حتى يموت على كفره، وكذلك يسوف العاصي بالتوبة، فيعجل له غرضه من الشهوات، ويمنيه الإنابة، كما قال الشاعر:\nلا تعجل الذنب لما تشتهي ××× وتأمل التوبة من قابل\nوكم من عازم على الجدّ سوفه! وكم ساع إلى مقام فضيلة ثَبّطه! فلربما عزم الفقيه على إعادة درسه، فقال: استرح ساعة، أو انتبه العابد في الليل يصلي، فقال له: عليك وقت، ولا يزال يحبب الكسل، ويسوف العمل، ويسند الأمر إلى طول الأمل.\nفينبغي للحازم أن يعمل على الحزم، والحزم تدارك الوقت، وترك التسويف، والإعراض عن الأمل، فإنّ المخوف لا يؤمن، والفوات لا يبعث، وسبب كل تقصير، أو ميل إلى شرّ طول الأمل، فإن الإنسان لا يزال يحدّث نفسه بالنزوع عن الشر، والإقبال على الخير، إلا أنه يَعِدُ نفسه بذلك، ولا ريب أنه من أمّل أن يمشي بالنهار سار سيرًا فاترًا. ومن أمل أن يصبح عمل في الليل عملًا ضعيفًا، ومن صوّر الموت عاجلًا جدّ ...\nوقال بعض السلف: أنذركم (سوف)، فإنها أكبر جنود إبليس، ومثل العامل على الحزم والساكن لطول الأمل، كمثل قوم في سفر، فدخلوا قرية، فمضى الحازم، فاشترى ما يصلح لتمام سفره، وجلس متأهبًا للرحيل، وقال المفرط: سأتأهب فربما أقمنا شهرًا، فضرب بوق الرحيل في الحال، فاغتبط المحترز (المتوقي الحازم)، وتحير الأَسِفُ المفرط.\nفهذا مثل الناس في الدنيا، منهم المستعد المستيقظ، فإذا جاء ملك الموت لم يندم، ومنهم المغرور المسوّف يتجرع مرير الندم وقت الرحلة. فإذا كان في الطبع حب التواني","vol":"1","page":72},{"text":"وطول الأمل، ثم جاء إبليس يحث على العمل بمقتضى ما في الطبع، صعبت المجاهدة، إلا أنه من انتبه لنفسه علم أنه في صف حرب، وأن عدوّه لا يفتر عنه، فإن فتر في الظاهر، بطّن له مكيدة، وأقام له كمينًا \" (١) .\n٤- الوعد والتمنية:\nوهو يعد الناس بالمواعيد الكاذبة، ويعللهم بالأماني المعسولة؛ كي يوقعهم في وهدة الضلال: (يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشَّيطان إلاَّ غرورًا) [النساء: ١٢٠] .\nيعد الكفرة في قتالهم المؤمنين بالنصر والتمكين والعزة والغلبة، ثم يتخلى عنهم، ويولي هاربا: (وإذ زيَّن لهم الشَّيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من النَّاس وَإِنِّي جارٌ لكم فلمَّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إِنِّي برئٌ منكم) [الأنفال: ٤٨] .\nويعد الأغنياء الكفرة بالثروة والمال في الآخرة بعد الدنيا، فيقول قائلهم: (ولئِن رُّددتُّ إلى رَبِّي لأجدنَّ خيرًا منها منقلبًا) [الكهف: ٣٦]، فيدمر الله جنته في الدنيا، فيعلم أنّه كان مغرورًا مخدوعًا.\nويشغل الإنسان بالأماني المعسولة، التي لا وجود لها في واقع الحياة، فيصده عن العمل الجاد المثمر، ويرضى بالتخيل والتمني، وهو لا يفعل شيئًا.\n٥- إظهار النصح للإنسان:\nيدعو الشيطان المرء إلى المعصية، يزعم أنه ينصح له ويريد خيره، وقد أقسم لأبينا على أنه ناصح له: (وقاسمهما إِنِّي لكما لمن النَّاصحين) [الأعراف: ٢١] .\n_________\n(١) تلبيس إبليس: ٤٥٨.","vol":"1","page":73},{"text":"وقد روى وهب بن منبه هذه القصة الطريفة عن أهل الكتاب (١)، نسوقها لنعلم أسلوبًا من أساليب الشيطان في إضلاله العباد، وكي نحذر نصحه، ونخالفه فيما يدعونا إليه.\nيقول وهب: \" إن عابدًا كان في بني إسرائيل، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان في زمانه ثلاثة إخوة، لهم أخت، وكانت بكرًا، ليس لهم أخت غيرها، فخرج البعث على ثلاثتهم، فلم يدروا عند من يخلفون أختهم، ولا من يأمنونه عليها، ولا عند من يضعونها.\nقال: فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل، وكان ثقة في أنفسهم، فأتوه فسألوه عن أن يخلفوها عنده، فتكون في كنفه وجواره إلى أن يرجعوا من غزاتهم، فأبى ذلك عليهم، وتعوذ بالله منهم ومن أختهم، قال: فلم يزالوا به حتى أطاعهم. فقال: أنزلوها في بيت حذاء صومعتي. فأنزلوها في ذلك البيت، ثم انطلقوا وتركوها.\nفمكثت في جوار ذلك العابد زمنًا ينزل إليها بالطعام من صومعته، فيضعه عند باب الصومعة، ثم يغلق بابه ويصعد إلى الصومعة، ثم يأمرها فتخرج من بيتها، فتأخذ ما وضع لها من الطعام، قال: فتلطف له الشيطان، فلم يزل يرغبه في الخير، ويعظم عليه خروج الجارية من بيتها نهارًا، ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها، فلو مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم أجرًا. قال: فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها، ووضعه على باب بيتها، ولم يكلمها.\nقال: فلبث على هذه الحال زمانًا، ثم جاءَه إبليس فرغّبه في الخير والأجر وحضه عليه، وقال: لو كنت تمشي إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك، فلم يزل به حتى مشى إليها بالطعام، ثم وضعه في بيتها، فلبث على ذلك زمانًا.\n_________\n(١) هذه القصة وأمثالها من الإسرائليات لا تصدق ولا تكذب، ويجوز التحديث بها يقول الرسول ﷺ: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) .","vol":"1","page":74},{"text":"ثم جاءه إبليس فرغّبه في الخير وحضّه عليه، فقال: لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك، فإنها قد استوحشت وحشة شديدة، فلم يزل به حتى حدثها زمانًا يطّلع إليها من فوق صومعته.\nثم أتاه إبليس بعد ذلك، فقال: لو كنت تتنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتحدثها، وتقعد هي على باب بيتها، فتحدثك كان آنس لها. فلم يزل به حتى أنزله وأجلسه على باب صومعته يحدثها وتحدثه، وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها، فلبثا زمانًا يتحدثان.\nثم جاءَه إبليس فرغبه في الأجر والثواب فيما يصنع بها، وقال: لو خرجت من باب صومعتك، ثم جلست قريبًا من بيتها، فحدثتها كان آنس لها، فلم يزل به حتى فعل. فلبثا زمنًا على ذلك.\nثم جاءه إبليس، فقال: لو دخلت البيت معها فحدثتها، ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن بك، فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدثها، نهارها كله، فإذا مضى النهار صعد صومعته.\nثم أتاه إبليس بعد ذلك، فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها، فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه، ويسول له حتى وقع عليها، فأحبلها فولدت له غلامًا، فجاء إبليس فقال: أرأيت إن جاء إخوة الجارية، وقد ولدت منك فكيف تصنع؟ لا آمن عليك أن تفتضح أو يفضحوك، فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها، ففعل.\nفقال له: أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها وقتلت ابنها، خذها واذبحها، وادفنها مع ابنها، فلم يزل به حتى ذبحها، وألقاها في الحفرة مع ابنها، وأطبق عليهما صخرة عظيمة، وسوّى عليهما، وصعد إلى صومعته يتعبد فيها، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، حتى أقبل إخوتها من الغزو، فجاؤوا فسألوه عنها، فنعاها لهم، وترحم عليها وبكاها. وقال: كانت خير امرأة، وهذا قبرها، فانظروا إليه. فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم، وترحموا","vol":"1","page":75},{"text":"عليها، فأقاموا على قبرها أيامًا، ثمّ انصرفوا إلى أهاليهم.\nفلما جنّ عليهم الليل، وأخذوا مضاجعهم، جاءَهم الشيطان في النوم على صورة رجل مسافر، فبدأ بأكبرهم، فسأله عن أختهم، فأخبره بقول العابد وموتها وترحمه عليها، وكيف أراهم موضع قبرها فأكذبه الشيطان. وقال: لم يصدقكم أمر أختكم إنه قد أحبل أختكم وولدت منه غلامًا، فذبحه وذبحها معه فزعًا منكم، وألقاهما في حفيرة احتفرها خلف باب البيت الذي كانت فيه عن يمين من دخله، فإنكم ستجدونها كما أخبرتكم هناك جميعًا. وأتى الأوسط في منامه، فقال له مثل ذلك. ثم أتى أصغرهم، فقال له مثل ذلك.\nفلما استيقظ القوم، أصبحوا متعجبين مما رأى كل واحد منهم، فأقبل بعضهم على بعض يقول كل واحد منهم: لقد رأيت الليلة عجبًا، فأخبر بعضهم بعضًا بما رأى.\nفقال كبيرهم: هذا حلم ليس بشيء، فامضوا بنا ودعوا هذا عنكم، قال أصغرهم: والله لا أمضي حتى آتي هذا المكان، فأنظر فيه. قال: فانطلقوا حتى أتوا البيت الذي كانت فيه أختهم، ففتحوا الباب، وبحثوا الموضع الذي وصف لهم في منامهم، فوجدوا أختهم وابنها مذبوحين في الحفيرة، كما قيل لهم، فسألوا عنها العابد فصدّق قول إبليس فيما صنع بهما، فاستَعْدَوْا عليه ملكهم، فأنزل من صومعته، وقدّم ليصلب.\nفلما أوثقوه على الخشبة، أتاه الشيطان، فقال له: قد علمت أني أنا صاحبك الذي فتنتك بالمرأة، حتى أحبلتها، وذبحتها وابنها، فإن أنت أطعتني اليوم، وكفرت بالله الذي خلقك وصوّرك، خلصتك مما أنت فيه، فكفر العابد، فلما كفر بالله تعالى، خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه \" (١) .\nوهذه القصة يذكرها المفسرون عند قوله تعالى: (كمثل الشَّيطان إذ قال للإنسان اكفر فلمَّا كفر قال إنَّي بريءٌ منك) [الحشر: ١٦]،\n_________\n(١) تلبيس إبليس: ص ٣٩.","vol":"1","page":76},{"text":"ويذكرون أن المعنيّ بالإنسان هذا العابد وأمثاله. والله أعلم.\n٦- التدرج في الإضلال:\nومن القصة السابقة نعلم أسلوبًا من أساليب الشيطان في الإضلال، وهو أن يسير بالإنسان خطوة خطوة، لا يكل ولا يملّ، كلما روّضه على معصية ما، قاده إلى معصية أكبر منها، حتى يوصله إلى المعصية الكبرى، فيوبقه ويهلكه، وتلك سنة الله في عباده، أنهم إذا زاغوا سلط عليم الشيطان، وأزاغ قلوبهم: (فلمَّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم) [الصف: ٥] .\n٧- إنساؤه العبد ما فيه خيره وصلاحه:\nومن ذلك ما فعله بآدم، فما زال يوسوس له حتى أنساه ما أمره به ربّه: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فَنَسِيَ ولم نجد له عزمًا) [طه: ١١٥]، وقال صاحب موسى لموسى: (فإني نسيت الحوت وما أَنسَانِيهُ إلاَّ الشَّيطان أن أذكره) [الكهف: ٦٣] .\nونهى الله رسوله أن يجلس هو أو واحد من أصحابه في المجالس التي يستهزأ فيها بآيات الله، ولكن الشيطان قد ينسي الإنسان أمر ربه، فيجالس هؤلاء المستهزئين: (وإذا رأيت الَّذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتَّى يخوضوا في حديثٍ غيره وإمَّا ينسينَّك الشَّيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظَّالمين) [الأنعام: ٦٨] .\nوطلب نبي الله يوسف إلى السجين الذي ظنّ بأنه سينجو من القتل، ويعود لخدمة الملك أن يذكره عند مليكه، فأنسى الشيطان هذا الإنسان أن يذكر لملكه نبي الله يوسف، فمكث يوسف في السجن بضع سنين: (وقال للَّذي ظنَّ أنَّه ناجٍ منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشَّيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [يوسف: ٤٢] .","vol":"1","page":77},{"text":"وإذا تمكن الشيطان من الإنسان تمكنًا كليًا، فإنه ينسيه الله بالكلية: (استحوذ عليهم الشَّيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشَّيطان ألا إنَّ حزب الشَّيطان هم الخاسرون) [المجادلة: ١٩] . وهؤلاء هم المنافقون، كما دلت عليه الآية السابقة لهذه الآية. وسبيل التذكر هو ذكر الله؛ لأنه يطرد الشيطان: (واذكر ربَّك إذا نسيت) [الكهف: ٢٤] .\n٨- تخويف المؤمنين أولياءَه:\nومن وسائله أن يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا سبحانه عن هذا فقال: (إنَّما ذلكم الشَّيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مُّؤمنين) [آل عمران: ١٧٥] .\nوالمعنى: يخوفكم بأوليائه، قال قتادة: \" يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مُّؤمنين)، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم \".\n٩- دخوله إلى النفس من الباب الذي تحبه وتهواه:\nيقول ابن القيم في هذا الموضوع: \" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، حتى يصادف نفسه ويخالطها، ويسألها عمّا تحبه وتؤثره، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب، وكذلك عَلّم إخوانه وأولياءَه من الإنس، إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضًا أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوونه، فإنّه باب لا يخذل عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره، فالباب عليه مسدود، وهو عن طريق مقصده مصدود \" (١) .\n_________\n(١) إغاثة اللهفان: ١/١٣٢.","vol":"1","page":78},{"text":"ومن هاهنا دخل الشيطان على آدم وحواء كما قال تعالى: (وقال ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشَّجرة إلاَّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) [الأعراف: ٢٠] . يقول ابن القيم: \" فشام عدو الله الأبوين، فأحس منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم، فعلم أنّه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنّه لهما لمن الناصحين، وقال: (ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشَّجرة إلاَّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) [الأعراف: ٢٠] \".\n١٠- لقاء الشبهات:\nومن أساليبه في إضلال العباد زعزعة العقيدة بما يلقيه من شكوك وشبهات، وقد حذرنا الرسول ﷺ من بعض هذه الشبهات التي يلقيها، ففي حديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله وليْنتهِ) (١) .\nولم يسلم الصحابة - رضوان الله عليهم - من شبهاته وشكوكه، وجاء بعضهم إلى الرسول ﷺ يشكون ما يعانونه من شكوكه ووساوسه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ إلى النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به! قال: (أو قد وجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان) (٢) .\nوصريح الإيمان دفعهم وسوسة الشيطان وكراهيتهم واستعظامهم لها، وقد سئل الرسول ﷺ عن الوسوسة فقال: (تلك محض الإيمان) (٣) .\nوانظر إلى شدّة ما كان يعانيه الصحابة من شكوكه، روى أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه - يعرض بالشيء - لأن يكون حممة أحبّ إليه من أن يتكلم به، فقال: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) (٤) .\nومن جملة ما يلقيه في النفوس مشككًا ما حدثنا الله عنه في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نَبِيٍّ إلاَّ تمنَّى ألقى\n_________\n(١) رواه البخاري: ٦/٣٣٦. ورقمه: ٣٢٧٧. ورواه مسلم: ١/١٢٠. ورقمه: ١٣٤.\n(٢) رواه مسلم: ١/١١٩. ورقمه: ١٣٢.\n(٣) رواه مسلم: ١/١١٩. ورقمه: ١٣٣.\n(٤) صحيح سنن أبي داود: ٣/٩٦٤. ورقمه: ٤٢٧١.","vol":"1","page":79},{"text":"الشَّيطان في أمنيَّته فينسخ الله ما يلقي الشَّيطان ثمَّ يحكم الله آياته والله عليم حكيم - ليجعل ما يلقي الشَّيطان فتنةً للَّذين في قلوبهم مرضٌ والقاسية قلوبهم وإنَّ الظَّالمين لفي شقاق بعيدٍ - وليعلم الَّذين أوتوا العلم أنَّه الحقُّ من ربك فيؤمنوا به فَتُخْبِتَ له قلوبهم وإنَّ الله لهاد الَّذين آمنوا إلى صراطٍ مستقيمٍ) [الحج: ٥٢-٥٤] .\nوالمراد بالتمني هنا حديث النفس، والمراد أن النبي ﷺ كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول: لو سألت الله - ﷿ - أن يغنمك ليتسع المسلمون، أو يتمنى إيمان الناس جميعًا.... فينسخ الله ما يلقيه الشيطان بوسواسه في أمنية النبي ﷺ، وذلك بتنبيهه إلى الحق، وتوجيهه إلى مراد الله ...، وما قيل من أن مراد الآية أن الشيطان يدخل في القرآن ما ليس منه ففيه بعد، ويرده أن الرسول ﷺ معصوم في التبليغ.\nيقول شقيق، مبينًا بعض الشبهات التي قذفها الشيطان في نفس الإنسان: ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم، فأقرأ: (وإني لغفَّارٌ لمن تاب وآمن وعمل صالحًا ثمَّ اهتدى) [طه: ٨٢]، وإما من خلفي فيخوفني الضيعة على من أخلفه، فأقرأ: (وما من دابَّةٍ في الأرض إلاَّ على الله رزقها) [هود: ٦]، ومن قبل يميني، يأتيني من قبل النساء، فأقرأ: (والعاقبة للمتَّقين) [الأعراف: ١٢٨]، ومن قبل شمالي، فيأتيني من قبل الشهوات، فأقرأ: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) [سبأ: ٥٤] .","vol":"1","page":80},{"text":"أساليب الشيطان في إضلال الإنسان (الجزء الثاني)\n١١-١٤- الخمر والميسر والأنصاب والأزلام:\nقال تعالى: (إنَّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشَّيطان فاجتنبوه لعلَّكم تفلحون - إنَّما يريد الشَّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدَّكم عن ذكر الله وعن الصَّلاة فهل أنتم مُّنتهون) [المائدة: ٩٠-٩١] .\nوالخمر: كل ما يسكر، والميسر: القمار، والأنصاب: كل ما نصب كي يعبد من دون الله، من حجر، أو شجر، أو وثن، أو قبر، أو علم. والأزلام: القداح كانوا يستقسمون بها الأمور؛ أي: يطلبون بها علم ما قسم لهم.\nوهذه قد تكون أقداحًا أو سهامًا أو حُصَيّات أو غير ذلك، يكون مكتوبًا على واحد منها أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، فإذا شاء أحدهم زواجًا أو سفرًا أو نحو ذلك، أدخل يده في الشيء الذي فيه هذه القداح أو السهام، فإن خرج الذي فيه الأمر بالفعل فعل، وإن خرج الآخر ترك.\nفالشيطان يحض الناس على هذه الأربع؛ لأنها ضلال في نفسها، وتؤدي إلى نتائج وخيمة، وآثار سيئة، فالخمر تفقد شاربها عقله، فإذا فقد عقله فعل الموبقات، وارتكب المحرمات، وترك الطاعات، وآذى عباد الله.\nذكر ابن كثير في تفسيره عن عثمان بن عفان قال: \" اجتنبوا الخمر، فإنها أمّ الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غويّة، فأرسلت إليه جاريتها أن تدعوه لشهادة، فدخل معها، فطفقت كلما دخل بابًا تغلقه دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام، وباطية خمر.\nفقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكن دعوتك لتقع عليّ، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس، فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدًا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه \" (١) .\n_________\n(١) رواه البيهقي، وصحح ابن كثير إسناده.","vol":"1","page":81},{"text":"وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص: أن رجلًا من الأنصار صنع طعامًا لبعض الصحابة، ثمّ سقاهم خمرًا قبل أن ينزل تحريمها، فلما سكروا تفاخروا، فتعاركوا، وأصاب سعد بن أبي وقاقص من هذا العراك أذى، فقد ضربه أحدهم بلحي بعير، فأصاب أنفه، فأثر فيه أثرًا صاحبه طيلة حياته (١) .\nوتقدم أحدُ الصحابة يصلي بالناس وهو سكران، قبل نزول تحريم الخمر فقرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون) فأنزل الله: (لا تقربوا الصَّلاة وأنت سكارى حتَّى تعلموا ما تقولون) [النساء: ٤٣] (٢) .\nوقد رأينا الرجل الذي بلغ من الكبر عِتّيًا عندما يشرب الخمر يتصرف تصرفات المجانين، ويضحك منه الكبار والصغار، ويفترش الطريق تدوسه الناس بأقدامها.\nوالميسر مرض خطير كالخمر، إذا تأصل في نفس الإنسان صعب الشفاء منه، وهو سبيل لضياع الوقت والمال، والميسر ينشئ الأحقاد، ويدفع الحرام.\nوالشيطان يدعو إلى إقامة النصب كي تتخذ بعد ذلك آلهة تُعبد من دون الله، وقد انتشرت عبادة الأنصاب قديمًا وحديثًا، والشياطين تلازم هذه الأصنام، وتخاطب عبادها في بعض الأحيان، وتريهم بعض الأمور التي تجعل عابديها يثقون بها، فيقصدونها بالحاجات، ويدعونها في الكربات، ويستنصرون بها في الحروب، ويقدمون لها الذبائح والهدايا، ويرقصون حولها ويطربون، ويقيمون لها الأعياد والاحتفالات، وقد أضلّ بهذا الكثير، كما قال إبراهيم داعيًا ربه: (واجنبني وبني أن نَّعبد الأصنام - رب إنهنَّ أضللن كثيرًا من النَّاس) [إبراهيم: ٣٥-٣٦] .\nولا تزال عبادة القبور منتشرة بين المسلمين، يقصدونها بالدعاء والألطاف والذبائح ... وانتشرت بدعة جديدة اليوم - يضحك بها الشيطان على بني الإنسان - تلك هي نصب الجندي المجهول، يزعمون أنه رمز الجندي المقاتل، ويكرمونه بالهدايا\n_________\n(١) راجع: الدر المنثور، للسيوطي: ٣/١٥٨.\n(٢) راجع روايات الحديث في الدر المنثور: ٧/٥٤٥.","vol":"1","page":82},{"text":"والورود والتعظيم، وكلما زار البلاد التي فيها مثل هذه النصب زعيم، جاء هذا النصب وقدم له هدية، وكل هذا من عبادة الأنصاب، التي هي من عمل الشيطان.\nالاستقسام بالأزلام:\nالأمور المستقبلية من مكنون علم الله، ولذلك شرع لنا الرسول ﷺ الاستخارة، إذا أردنا سفرًا أو زواجًا أو غير ذلك، نرجو من الله أن يختار لنا خير الأمور.\nوأبطل الاستقسام بالأزلام، فإن السهام والقداح لا تعلم أين الخير ولا تدريه، فاستشارتها خلل في العقل، وقصور في العلم.\nومثل ذلك زجر الطير: كان من يريد سفرًا، إذا خرج من بيته، ومرّ بطائر زجره، فإن تيامن، كان سفرًا ميمونًا، وإن مرّ عن شماله، كان سفرًا مشؤومًا ...، وكل ذلك من الضلال.\n١٥- السحر (١):\nومما يضل به الشيطان أبناء آدم السحر، فهم يعلمونهم هذا العلم، الذي يضر ولا ينفع، ويكون هذا العلم سبيلًا للتفريق بين المرء وزوجه، والتفريق بين الزوجين: يعدّه الشيطان من أعظم الأعمال التي يقوم بها جنوده كما سبق أن ذكرنا.\nقال تعالى: (وما كفر سليمان ولكنَّ الشَّياطين كفروا يعلمون النَّاس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحدٍ حتَّى يقولا إنَّما نحن فتنةٌ فلا تكفر فيتعلَّمون منهما ما يفرقُون به بين المرء وزوجه وما هم بضآرّين به من أحدٍ إلاَّ بإذن الله ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاقٍ ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) [البقرة: ١٠٢] .\nهل للسحر حقيقة؟\nاختلف العلماء في ذلك فمن قائل: إنّه تخييل لا حقيقة له: (فإذا حبالهم\n_________\n(١) بسط القول في السحر في مؤلف مستقل أ. د. عمر الأشقر عنون له بعنوان: عالم السحر والشعوذة.","vol":"1","page":83},{"text":"وعصيُّهم يخيَّل إليه من سحرهم أنَّها تسعى) [طه: ٦٦]، ومن قائل: إن له حقيقة كما دلت عليه آية البقرة، والصحيح أنّه نوعان: نوع هو تخييل، يعتمد على الحيل العلمية وخفة الحركة، ونوع له حقيقة، يفرق به بين المرء وزوجه، ويؤذى به ...\nسحر اليهود للرسول ﷺ:\nروى البخاري عن عائشة ﵂ قالت:\n\" سَحَر رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زُريَق له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ، يُخيّل إليه أنه يفعل الشي وما فعله.\nحتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة - وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: (يا عائشة، أشعرتِ أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه (١)؟ أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ.\nفقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب (٢) . قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مُشط ومُشاطة (٣) وجُفّ طلع نخلة ذكر (٤) .\n_________\n(١) أي أجابني فيما طلبته.\n(٢) أي مسحور.\n(٣) المشاطة: شعر سقط من الرأس بعد تسريحه.\n(٤) جف طلع نخلة، أي: غشاء الطلع.","vol":"1","page":84},{"text":"قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان.\nفأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأنّ رؤوس نخلها رؤوس الشياطين) .\nقلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا، فأمر بها فدُفنت) (١) .\nولا يقال: إن سحر الرسول ﷺ يوجب له لبسًا في النبوة والرسالة؛ لأن أثر السحر لم يتجاوز ظاهر الجسم الشريف، فلم يصل إلى القلب والعقل. فهو كسائر الأمراض التي قد تعرض له، والتشريع محفوظ بحفظ الله تعالى، قال الله تعالى: (إنَّا نحن نزَّلنا الذكر وإنَّا له لحافظون) [الحجر: ٩] .\n١٦- ضعف الإنسان:\nفي الإنسان نقاط ضعف كثيرة، هي في الحقيقة أمراض، والشيطان يعمق هذه الأمراض في نفس الإنسان، بل تصبح مداخله إلى النفس الإنسانية، ومن هذه الأمراض: الضعف، واليأس، والقنوط، والبطر، والفرح، والعجب، والفخر، والظلم، والبغي، والجحود، والكنود، والعجلة، والطيش، والسفه، والبخل، والشح، والحرص، والجدل، والمراء، والشك، والريبة، والجهل، والغفلة، واللدد في الخصومة، والغرور، والادعاء الكاذب، والهلع، والجزع، والمنع، والتمرد، والطغيان،\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١٠/٢٢١. ورقمه: ٥٧٦٣.","vol":"1","page":85},{"text":"وتجاوز الحدود، وحب المال، والافتتان بالدنيا.\nفالإسلام يدعو إلى إصلاح النفس، والتخلص من أمراضها، وهذا يحتاج إلى جهد يبذل، كما يحتاج إلى صبر على مشقّات الطريق.\nأمّا اتباع الهوى، وما تميله النفس الأمارة بالسوء، فإنه سهل ميسور، فالأول مثله مثل من يصعد بصخرة إلى أعلى الجبل، ومثل الثاني كمن يهوي من أعلى الجبل إلى أسفله، ولذلك كانت الاستجابة للشيطان كثيرة، وَوَجد دعاة الحق صعوبة، وأي صعوبة في الدعوة إلى الله تعالى.\nونحن نسوق إليك بعض كلام السلف؛ لنوضح كيف يستغل الشيطان نقاط الضعف في الإنسان.\nحكى المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه قال: \" ذكر لي أن الشيطان الوسواس ينبعث في قلب ابن آدم عند الحزن والفرح، فإذا ذكر الله خنس\" (١) .\nوقال وهب بن منبه: \" قال راهب للشيطان وقد بدا له: أي أخلاق ابن آدم أعون لك عليهم؟ قال: الحدّة (صفة تعتري الإنسان كالغضب)، إن العبد إذا كان حديدًا، قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة \" (٢) .\nويذكر ابن الجوزي أيضًا عن ابن عمر: \" أن نوحًا سأل الشيطان عن الخصال التي يهلك بها الناس، فقال: الحسد والحرص \".\nوليس بعيدًا عنّا ما فعله الشيطان بيوسف وإخوته، وكيف أوغر صدور الإخوة على أخيهم، وقد قال يوسف: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نَّزغ الشَّيطان بيني وبين إخوتي) [يوسف: ١٠٠] .\n١٧- النساء وحب الدنيا:\nوقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه ما ترك بعده فتنة أشد على الرجال من النساء، ولذلك أمرت المرأة بستر جسدها كله إلا الوجه والكفين، وأمر\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١٧/٤٢٣.\n(٢) تلبيس إبليس: ٤٢.","vol":"1","page":86},{"text":"الرجال بغض أبصارهم، ونهى الرسول ﷺ عن الخلوة بالمرأة، وأخبر أنّه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان) (١) .\nونحن اليوم نشاهد عظم فتنة خروج النساء كما وصفهم الرسول ﷺ كاسيات عاريات، قامت مؤسسات في الشرق والغرب تستخدم جيوشًا من النساء والرجال لترويج الفاحشة بالصورة المرئية، والقصة الخليعة، والأفلام التي تحكي الفاحشة وتدعو لها!\nأما حبّ الدنيا فهو رأس كل خطيئة، وما سفكت الدماء، وهتكت الأعراض، وغصبت الأموال، وقطعت الأرحام، ... إلا لأجل حيازة الدنيا، والصراع على حطامها الفاني، وحرصًا على متعها الزائدة.\n١٨- الغناء والموسيقى:\nالغناء والموسيقى طريقان يفسد الشيطان بهما القلوب، ويخرب النفوس، يقول ابن القيم: \" ومن مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب بها عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكرًا وغرورًا، وأوحى لها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجورًا.... \" (٢) .\nومن عجب أن بعض الناس، الذين يدّعون التعبد، يتخذون الغناء والرقص والتمايل طريقًا للتعبد، يتركون السماع الرحماني، ويذهبون إلى السماع الشيطاني، وقد عدّ ابن القيم (٣) لهذا السماع بضعة عشر اسمًا: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنى، وقرآن\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ١/٣٤٣. ورقمه: ٩٣٦. وقوله: استشرفها، أي: زينها في نظر الرجال.\n(٢) إغاثة اللهفان: ١/٢٤٢.\n(٣) إغاثة اللهفان: ١/٢٥٦.","vol":"1","page":87},{"text":"الشياطين، ومنبت النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والسمود.\nوأطال النفس في بيان تحريمه، وما فيه من زور وبهتان، فراجعه إن شئت.\nالجرس مزامير الشيطان:\nأخبرنا الرسول ﷺ أن: (الجرس مزامير الشيطان) . رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة (١) . ولذا فإن الملائكة (لا تصحب رفقة فيها كلب ولا جرس) . رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة (٢) .\n١٩- تهاون المسلمين في تحقيق ما أمروا به:\nإذا التزم المسلم بإسلامه فإن الشيطان لا يجد سبيلًا لإضلاله والعبث به، فإذا تهاون وتكاسل في بعض الأمور، فإن الشيطان يجد فرصة، قال تعالى: (يا أيَّها الَّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّةً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌ مُّبينٌ) [البقرة: ٢٠٨] .\nفالدخول في الإسلام في كل الأمور هو الذي يخلص من الشيطان، فمثلًا إذا كانت صفوف المصلين مرصوصة، فإن الشياطين لا تستطيع أن تتخلل المصلين، فإذا تُركت فُرجٌ بين الصفوف، فإن الشياطين تتراقص بين صفوف المصلين؛ ففي الحديث: (أقيموا صفوفكم، لا تتخللكم الشياطين كأنّها أولاد الحَذَف) . قيل يا رسول الله: وما أولاد الحذف؟ قال: (سود جُرد بأرض اليمن) . رواه أحمد والحاكم بإسناد صحيح (٣) .\nوفي الحديث الآخر: (أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فوالذي نفسي بيده، إني لأرى الشيطان بين صفوفكم كأنها غنم عُفْر) . رواه أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح (٤) .\nكيف يصل الشيطان بوسوسته إلى نفس الإنسان\nالمطلب الأول\nالوسوسة\nالشيطان يستطيع أن يصل إلى فكر الإنسان وقلبه بطريقة لا ندركها، ولا نعرفها، يساعده على ذلك طبيعته التي خلق عليها، وهذا هو الذي نسميه بالوسوسة، وقد أخبرنا الله بذلك إذ سماه: (الوسواس الخنَّاس - الَّذي يوسوس في صدور النَّاس) [الناس: ٤-٥] . قال ابن كثير في تفسيره:\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٣/١٦٧٢. ورقمه: ٢١١٤.\n(٢) صحيح مسلم: ٣/١٦٧٢. ورقمه: ٢١١٣.\n(٣) صحيح الجامع: ١/٣٨٤. وأولاد الحَذف: الغنم الصغار، والمراد الشياطين، فإنها تدخل في أوساط الصفوف كأولاد الحذف. جُرد، أي: ليس على جلدها شعر.\n(٤) صحيح الجامع: ١/٣٨٤.","vol":"1","page":88},{"text":"(الوسواس الخنَّاس): الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن الرسول ﷺ قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) (١) .\nوبهذه الوسوسة أضل آدم وأغواه بالأكل من الشجرة: (فوسوس إليه الشَّيطان قال يا آدم هل أدلُّك على شجرةٍ الخلد وملكٍ لا يبلى) [طه: ١٢٠] .\nوقد تتمثل الشياطين في صورة بشر، وقد يحدّثون الإنسان، ويُسمِعونه، ويأمرونه، وينهونه، بمرادهم ... كما سيأتي بيانه.\n_________\n(١) مشكاة المصابيح: ١/٢٦. ورقمه: ٦٨.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الرابع</span>\nتمثل الشياطين\nأحيانًا تأتي الشياطين لا بطريق الوسوسة؛ بل تتراءى له في صورة إنسان، وقد يسمع الصوت، ولا يرى الجسم، وقد تتشكل بصور غريبة ... وهي أحيانًا تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها، فتزعم أنها من الملائكة، وأحيانًا تسمي نفسها برجال الغيب، أو تدعي أنها من عالم الأرواح....\nوهي في كل ذلك تحدث بعض الناس، وتخبرهم بالكلام المباشر، أو بوساطة شخص منهم يسمى الوسيط، تتلبس وتتحدث على لسانه، وقد تكون الإجابة بوساطة الكتابة ...\nوقد تقوم بأكثر من ذلك، فتحمل الإنسان، وتطير به في الهواء، وتنقله من مكان إلى مكان، وقد تأتي له بأشياء يطلبها، ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين، الذين يكفرون بالله ربّ الأرض والسماوات، أو يفعلون المنكرات والموبقات....\nوقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضلّ الناس وأفسقهم، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئًا كثيرًا، لا مجال لتكذيبه والطعن فيه؛ لبلوغه مبلغ التواتر.\nفمن ذلك ما ذكره ابن تيمية عن الحلاج قال: \" وكان صاحب سيمياء وشياطين تخدمه أحيانًا، كانوا معه (بعض أتباعه) على جبل أبي قبيس، فطلبوا منه حلاوة، فذهب إلى مكان قريب، وجاء بصحن حلوى، فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن، حمله شيطان تلك البقعة \".","vol":"1","page":93},{"text":"قال: \" ومثل هذا يحدث كثيرًا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني، ونح نعرف كثيرًا من هؤلاء في زمننا وغير زمننا، مثل شخص هو الآن (في زمن ابن تيمية) بدمشق، كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق، فيجيء من الهواء إلى طاقة البيت، فيدخل وهم يرونه، ويجيء بالليل على باب الصغير (باب من أبواب دمشق الستة التي كانت يومئذ)، فيعبر منه هو ورفيقه، وهو من أفجر الناس.\nوآخر كان بالشوبك (قلعة حصينة في أطراف الشام) من قرية يقال لها: الشاهدة، يطير في الهواء إلى رأس الجبل والناس يرونه، وكان شيطان يحمله، وكان يقطع الطريق.\nوأكثرهم شيوخ الشرّ، يقال لأحدهم: (البوشي أبي المجيب) ينصبون له خركاه في ليلة مظلمة، ويصنعون خبزًا على سبيل القربات، فلا يذكرون الله، ولا كتاب فيه ذكر الله، ثم يصعد ذلك البوشي في الهواء وهم يرونه، ويسمعون خطابه للشيطان، وخطاب الشيطان له. ومن ضحك أو سرق من الخبز ضربه الدف، ولا يرون من يضرب به.\nثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه، ويأمرهم بأن يقربوا له بقرًا وخيلًا وغير ذلك، وأن يخنقوها خنقًا، ولا يذكرون اسم الله عليها، فإذا فعلوا قضى حاجتهم \".\nويذكر ابن تيمية أيضًا عن \" شيخ أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط الصبيان، وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان، فيقول لي: فلان ابن فلان نذر لك نذرًا، وغدًا نأتيك به، فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر، ويكاشفه هذا الشيخ الكافر \".\nويذكر عن هذا الشيخ أنه قال: \" وكنت إذا طلب مني تغيير مثل (اللادن)","vol":"1","page":94},{"text":"(صمغ يستعمل عطرًا ودواء) أقول: حتى أغيب عن عقلي، وإذا باللادن في يدي أو في فمي، وأنا لا أدري من وضعه.\nقال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور.\nقال: فلما تاب هذا الشيخ، وصار يصلي ويصوم، ويجتنب المحارم، ذهب الكلب، وذهب التغيير، فلا يأتي باللادن ولا غيره.\nويحكى عن شيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس، فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون إبراءَه، فيرسل إلى أتباعه، فيفارقون ذلك المصروع، ويعطون الشيخ دراهم كثيرة، وكان أحيانًا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس، حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة، فيطلب الشيخ من شياطينه تينًا فيحضرونه له، فيطلب أصحاب الكوارة التين، فيجدونه قد ذهب.\nويذكر عن آخر أنه كان مشتغلًا بالعلم فجاءَته الشياطين وأغوته، وقالوا له: نحن نسقط عنك الصلاة، ونحضر لك ما تريد، فكانوا يأتونه بالحلوى، حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه، وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان \" (١) .\nوبين شيخ الإسلام بعض طرق الشيطان في الإغواء، فقال (٢): \" أنا أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الشجر والحجر، وتقول: هنيئًا لك يا ولي الله، فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك، وأعرف من يقصد صيد الطير، فتخاطبه العصافير وغيرها، وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنسان ويخاطبه بذلك.\nومنهم من يكون في البيت وهو مغلق، فيرى نفسه خارجه، وهو لم يفتح، وبالعكس،\n_________\n(١) جامع الرسائل لابن تيمية: ص١٩٠-١٩٤.\n(٢) مجموع الفتاوى: ١١/٣٠٠.","vol":"1","page":95},{"text":"وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة يتصورون بصورة صاحبه، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله \".\nويقول ﵀: \" وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له: أنا من أمر الله، ويعده بأنه المهدي الذي بشر به الرسول ﷺ، ويظهر له الخوارق، مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينًا أو شمالًا ذهب حيث أراد، وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي، أو نومه، أو ذهابه، حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله إلى مكة وتأتي به، وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة، وتقول له: هؤلاء الملائكة الكروبيون جاؤوا لزيارتك، فيقول في نفسه: كيف تصوروا بصورة المردان؟ ! فيرفع رأسه فيجدهم بلحى، ويقولون له: علامة أنك المهدي أنك تنبت في جسدك شامة، فتنبت ويراها، وغير ذلك، وكله من مكر الشيطان \" (١) .\nوبين ﵀ \" أن أهل الضلال والبدع الذين فيهم زهد وعبادة على غير الوجه الشرعي، ولهم أحيانًا مكاشفات وتأثيرات، يأوون كثيرًا إلى مواضع الشياطين التي نُهي عن الصلاة فيها؛ لأن الشياطين تتنزل عليهم بها، وتخاطبهم الشياطين ببعض الأمور كما تخاطب الكهان، وكما كانت تدخل في الأصنام، وتكلم عابدي الأصنام، وتعينهم في بعض المطالب كما تعين السحرة، وكما تعين عباد الأصنام وعباد الشمس والقمر والكواكب، إذا عبدوها بالعبادات التي يظنون أنها تناسبها، من تسبيح لها ولباس وبخور وغير ذلك؛ فإنه قد تنزل عليهم شياطين يسمونها روحانية الكواكب، وقد تقضي بعض حوائجهم \" (٢) .\nالذين تخدمهم الشياطين يتقربون إليها بالمعاصي:\nهؤلاء الذين يزعمون الولاية - والحقيقة أن الشياطين تخدمهم - لا بدّ أن\n_________\n(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: ١١/٣٠٠.\n(٢) مجموع الفتاوى: ١٩/٤١.","vol":"1","page":96},{"text":"يتقربوا إلى الشياطين بما تحبه من الكفر والشرك؛ كي يقضوا بعض أغراضه، ويذكر ابن تيمية (١): أن كثيرًا من هؤلاء يكتبون كلام الله بالنجاسة، وقد يقلبون حروف كلام الله ﷿، إمّا حروف الفاتحة، وإما حروف (قل هو الله أحد)، وإما غيرهما - ويذكر أنهم قد يكتبون كلام الله بالدم أو بغيره من النجاسات، وقد يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان، أو يتكلمون بذلك.\nفإذا قالوا أو كتبوا ما ترضاه الشياطين، أعانتهم على بعض أغراضهم: إما تغوير ماء من المياه، وإما أن يحمل في الهواء إلى بعض الأمكنة، وإما أن يأتيه بمال من أموال بعض الناس، كما تسرقه الشياطين من أموال الخائنين، ومن لم يذكر اسم الله عليه، وتأتي به، وإما غير ذلك.\nرجال الغيب:\nيذكر شارح الطحاوية: \" أن من الشياطين ما يسميه الناس رجال الغيب، وأن بعض الناس يخاطبونهم، وتحصل لهؤلاء خوارق يزعمون بها أنهم أولياء الله، وأن بعض هؤلاء يعين المشركين على المسلمين، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين، لكون المسلمين عَصَوْا \".\nويعقب شارح الطحاوية على ذلك قائلًا: \" هؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين، وذكر أنّ الناس من أهل العلم في رجال الغيب ثلاثة أحزاب:\n١- حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم، أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم، خضعوا لهم.\n٢- وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثَمّ في الباطن طريقًا إلى الله غير طريقة الأنبياء.\n٣- وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليًا خارجًا عن دائرة الرسول، فقالوا:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ١٩/٣٥.","vol":"1","page":97},{"text":"يكون الرسول هو محمدًا للطائفتين. فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه \".\nثم قال مبينًا حقيقة هؤلاء وأتباعهم: \" والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالًا، كما قال تعالى: (وأنَّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقًا) [الجن: ٦]، وإلا فالإنس يؤنسون، أي يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنس أحيانًا، لا يكون دائم الاحتجاب عن أبصار الإنس، ومن ظنهم من الإنس فمن غلطه وجهله \".\nثم بين أن السبب في الاختلاف فيهم وفي افتراق هذه الأحزاب الثلاثة عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، وبيّن أنه يجب عرض أفعال الناس وأقوالهم وحالهم على الكتاب والسنة، فما وافقهما كان صالحًا، وما خالفهما كان غالطًا، ومهما فعل الإنسان وتبدى من حاله لا يكون مؤمنًا ولا وليًا لله - وإن طار في الهواء، ومشى على الماء ما لم يكن ملتزمًا بالكتاب والسنة (١) .\nفلا بد أن يكون عند العبد الميزان الذي يفرق به بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، والصالحين والطالحين، وإلا ضّل وزاغ، وظن أعداء الله أولياءَه، هذا الميزان هو الكتاب والسنة، فإذا كان العبد ملتزمًا بهما فنعم، وإلا فإنّه ليس على شيء، ولو رأيناه يحي الأموات، ويحول المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة.\nيقول ابن تيمية: \" ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل، ومن لم ينوّر الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن، لم يعرف طريق المحق من المبطل، والتبس عليه الأمر والحال، كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وإنما هم كذابون \" (٢) .\nوقد ألف ابن تيمية كتابًا عظيمًا، إذا عرفته، تبين لك الفارق الكبير بين\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٥٧١-٥٧٢.\n(٢) جامع الرسائل: ص١٩٧.","vol":"1","page":98},{"text":"أولياء الرحمن وأولياء الشيطان بحيث لا يشتبه عليك بعد ذلك أمر أولياء الشيطان، وقد أسماه \" الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان \".\nلا تسخر الجن لأحد بعد نبي الله سليمان:\nاستجاب الله لنبيه سليمان، ووهب له ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فإذا حصل طاعة من الجن لأحد من الإنس، فلا يكون على سبيل التسخير، وإنما برضى الجني، وهل يجوز ذلك؟\nيقول ابن تيمية (١): \" الجن مع الإنس على أحوال: فمن كان من الإنس يأمر الجن بما أمر الله به ورسله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه، ويأمر الإنس بذلك، فهذا من أفضل أولياء الله تعالى، وهو في ذلك من خلفاء الرسول ﷺ ونوابه.\nومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له، فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم، وينهاهم عما حرّم عليهم، ويستعملهم في مباحات له، فيكون بمنزلة الملوك، الذين يفعلون مثل ذلك، وهذا إذا قدّر أنه من أولياء الله، فغايته أن يكون في عموم أولياء الله مثل النبي الملك مع العبد الرسول، كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nومن كان يستعمل الجنّ فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك، وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليهم بغير القتل، كتمريضه وإنسائه العلم، وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة، كجلب من يطلب منه الفاحشة، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثمّ إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص: إما فاسق، وإما مذنب غير فاسق.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ١١/٣٠٧.","vol":"1","page":99},{"text":"وإن لم يكن تام العلم بالشريعة، فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات، مثل أن يستعين بهم على الحج، أو يطيروا به عند السماع البدعي، أو أن يحملوه إلى عرفات، ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة، ونحو ذلك، فهذا مغرور قد مكروا به \".\nالمطلب الثالث\nتحضير الأرواح\nانتشر في عصرنا القول بتحضير الأرواح، وصدّق بهذه الفِرية كثير من الذين يعدّهم الناس عقلاء وعلماء.\nوتحضير الأرواح المزعوم سبيله ليس واحدًا، فمنه ما هو كذب صراح، يستعمل فيه الإيحاء النفسي، والمؤثرات المختلفة، والحيل العلمية، ومنه ما هو استخدام للجنّ والشياطين.\nوقد كشف الأستاذ الدكتور محمد محمد حسين في كتابه (الروحية الحديثة) كثيرًا من خداع هؤلاء وتزويرهم للحقيقة، فهم لا يجرون تجاربهم كلها إلا في ضوء أحمر خافت، هو أقرب إلى الظلام، وظواهر التجسيد، والصوت المباشر، ونقل الأجسام، وتحريكها تجرى في الظلام الدامس، ولا يستطيع المراقب أن يتبين مواضع الجالسين، ولا مصدر الصوت، ولا يستطيع كذلك أن يميز شيئًا من تفاصيل المكان، كجدرانه أو أبوابه أو نوافذه.\nوتكلم الدكتور محمد عن (الخباء) وهو حجرة جانبية معزولة عن الحاضرين أو جزء من الحجرة التي يجلسون فيها تفصل بحجاب كثيف، وهذا المكان المنفصل معدّ لجلوس الوسيط الذي تجرى على يديه ظواهر التجسد المزعوم. ومن هذا المكان المحجوب بستار يضاف إلى حجاب الظلام السابق تخرج الأرواح المزعومة متجسدة، وإليه تعود بعد قليل، ولا يسمح للحاضرين بلمس الأشباح.","vol":"1","page":100},{"text":"ويرى الدكتور أن الروحيين لا يعْدِمون في مثل هذا الجو المظلم قوالب علمية يصبون فيها حيلهم.\nوالتدليس على الناس بالحيل طريقة قديمة معروفة، يضلّ بها شياطين الإنس عباد الله، يطلبون الوجاهة عند الناس، كما يطلبون مالهم، فقد ذكر ابن تيمية (١) عن فرقة في عصره كانت تسمى (البطائحية): أنهم كانوا يدّعون علم الغيب والمكاشفة، كما يدعون أنهم يرون الناس رجال الغيب، ثم كشف شيئًا من دجلهم، فقد كانوا يرسلون بعض النساء إلى بعض البيوت يستخبرون عن أحوال أهلها الباطنة، ثم يكاشفون صاحب البيت بما علموه، زاعمين أن هذا من الأمور التي اختصوا بالاطلاع عليها.\nووعدوا رجلًا - كانوا يمنونه بالملك - أن يروه رجال الغيب، فصنعوا خشبًا طوالًا، وجعلوا عليها من يمشي كهيئة الذي يلعب بأكر الزجاج، فجعلوا يمشون على جبل المزة، وذلك المخدوع ينظر من بعيد، فيرى قومًا يطوفون على جبل، وهم يرتفعون عن الأرض، وأخذوا منه مالًا كثيرًا، ثم انكشف له أمرهم.\nودلسوا على آخر كان يدعى (قفجق)، إذ أدخلوا رجلًا في القبر يتكلم، وأوهموه أن الموتى تتكلم؛ وأتوا به إلى مقابر باب الصغير إلى رجل زعموا أنه الشعراني الذي بجبل لبنان، ولم يقربوه منه، بل من بعيد، لتعود عليه بركته، وقالوا: إنه طلب منه جملة من المال، فقال (قفجق): الشيخ يكاشف وهو يعلم أن خزائني ليس فيها هذا كله، وتقرب قفجق، وجذب الشعر، فانقلع الجلد الذي ألصقوه على جلده من جلد الماعز.\nوقد بين الدكتور محمد محمد حسين أن الوسيط - وهو شخص يزعم أهل هذا المذهب الروحيون أن فيه استعدادًا فطريًا يؤهله لأن يكون أداة يجري عن طريقها التواصل - غالبًا ما يكون دجالًا كبيرًا، وغشاشًا مدلسًا، وبين كيف أن كثيرًا من هؤلاء الوسطاء لا يكون على خلق ولا دين، بل إن الروحانيين لا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ١١/٤٥٨.","vol":"1","page":101},{"text":"يشترطون في الوسيط شيئًا من ذلك، وقد ذكر حادثة جرت معه شخصيًا تبين له بعد تحقيق منه في الموضوع أن الوسيط كان دجالًا كاذبًا.\nوبين كيف أن بعض الحضور يكونون متواطئين مع المحضرين، وكيف يحترس في انتقاء الذين يسمح لهم بحضور مثل هذه الجلسات، وكيف يعللون إخفاقهم إذا وجد في الحضور بعض الأذكياء النبهاء.\nوقد أفاض الدكتور محمد محمد حسين في الكشف عن الطريق الأولى التي يزعم الروحانيون أنهم يحضرون بها الأرواح، وهي طريق الدجل والكذب، واستعمال المؤثرات النفسية والحيل العلمية.\nوأشار مجرد إشارة إلى الطريق الثانية وهي استخدام الجن، وأرى أن غالب الدعوات التي يزعم أصحابها تحضير الأرواح هي من هذا القبيل.\nتحضير الأرواح دعوة قديمة:\nدعوى تحضير الأرواح ليست جديدة، بل هي قديمة، وقديمة جدًا، وقد نقلنا فيما سبق كيف كان بعض الناس يتصلون بالجن، بل حفظت لنا كتب الثقات أن بعض الناس كانوا يزعمون أن أرواح الموتى تعود إلى الحياة بعد الموت، يقول ابن تيمية: \" ومن هؤلاء (أي أهل الحال الشيطاني من الكفرة والمشركين والسحرة ونحوهم) من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء بعد الموت يكلمهم، ويقضي ديونه، ويرد ودائعه، ويوصيهم بوصايا، فإنهم يأتيهم تلك الصورة التي كانت في الحياة، وهو شيطان تمثل في صورته، فيظنونه إياه \" (١) .\nتجربة معاصرة:\nهذه تجربة حصلت مع الكاتب أحمد عز الدين البيانوني، ذكرها في كتاب\n_________\n(١) جامع الرسائل: ص١٩٤-١٩٥.","vol":"1","page":102},{"text":"الإيمان بالملائكة، حرصت على نقلها بنصها في هذا الموضوع يقول الكاتب:\n\" لقد شغل (استحضار الأرواح) المزعوم أفكار الناس في الشرق والغرب، فكُتبت فيه مقالات، بلغات مختلفات، نُشرت في مجلات عربية وغير عربية، وألفت فيه مؤلفات، وبحث فيه باحثون، وجربه مجربون، اهتدى بعد ذلك العقلاء منهم إلى أنه كذب وبهتان، ودعوة إلى كفر وطغيان.\nإن استحضار الأرواح، الذي يزعمه الزاعمون، كذبٌ ودجل وخداع، وما الأرواح المزعومة إلا شياطين تتلاعب بالإنسان، وتخادعه.\nوليس في استطاعة أحد أن يستحضر روح أحد؛ فالأرواح بعد أن تفارق الأجساد، تصير إلى عالم البرزخ.\nثم هي إما في نعيم وإما في عذاب، وهي في شغل شاغل عما يدعيه مستحضرو الأرواح.\nوقد دُعيتُ أنا إلى ذلك، من قبل هذه الأرواح، وجربته بنفسي تجربة طويلة، وظهر لي أنه كذب ودجل وخداع، علي أيدي شياطين تتلاعب، غرضهم من ذلك تضليل الناس وخداعهم، وموالاة من يواليهم.... \".\nبدء التجربة:\nويتابع أحمد عزّ الدين كلامه قائلًا:\n\" عرفت منذ أكثر من عشر سنوات تقريبًا رجلًا، يزعم أنه يستخدم الجن في أمور صالحة في خدمة الإنسان، وذلك بوساطة وسيط من البشر.\nويزعم أنه توصّل إلى ذلك بتلاوات وأذكار طويلة، قضى فيها زمنًا طويلًا، دلّه عليها بعض من يزعم أنه على معرفة بهذا العلم!\nجاءني الوسيط ذات يوم يبلغني دعوة فلانٍ وفلانة من الجن، لحديث هامّ، لي فيه شأن عظيم.\nفذهبت في الموعد المحدد، متوكلًا على الله، فرحًا بذلك، لأطلع","vol":"1","page":103},{"text":"في هذه التجربة على جديد \".\nكيف بدأت المخادعة؟\n\" من أول أساليب الخداع التي سُلكت معي، أن طريقة الاستحضار، استغفار وتهليل وأذكار، مما يجعل الإنسان لأول وهلة، يظن أنه يتحدث مع أرواح علوية صادقة طاهرة.\nدخلت بيت الوسيط، وخلونا معًا في غرفة، وجلس هو على فراش، وبدأنا - بدلالته طبعًا نستغفر ونهلل - حتى أخذته إغفاءة، فَأضجعته أنا على فراشه، وسجيته بغطاء، كما علمني أن أفعل، وإذا بصوت خافت، يسلم صاحبه عليّ، ويظهر حفاوته بي وحبه، ويعرفني بنفسه، إنه مخلوق، يزعم أنه ليس من الملائكة، ولا من الجنّ، ولكنه خلق آخر، من نوع آخر، وُجد بقوله تعالى \" كن \" فكان.\nوهذا على زعمه أنّ الجن لا يصدرون إلا عن أمره، وأن بينه وبين الله تعالى في تلقي الأوامر خمس وسائط فقط، خامسهم جبريل ﵇.\nوأخذ يثني عليّ، ويقول: إنهم سيقطعون كل علاقة لهم بالبشر، وسيكتفون بلقائي، لأني على زعمهم صاحب الخصوصية في هذا العصر، وموضع العناية من الله تعالى، وأن الله تعالى هو الذي اختارني لذلك.\nووعدني بوعود رائعة، فيها العجب العجاب.\nواستسلمت لهذه التجربة الجديدة، والدعوة الخادعة، متوكلًا على الله ﷿، سائلًا الله تعالى أن يعصمني من الزلل، وأن يهديني إلى الحقّ المبين، مستضيئًا بنور العلم، سالكًا سبيل الاستقامة، والحمد لله تعالى.\nولما انقضى اللقاء الأول، دعاني إلى لقاء آخر، في موعد آخر، ثم دلني هو نفسه على تلاوة خاصة؛ لإيقاظ الوسيط من غيبوبته.\nوكان ذلك، وجلس الوسيط، وعرك عينيه، كأنه انتبه من نوم عميق،","vol":"1","page":104},{"text":"ولا علم له بشيء مما جرى.\nورجعت في الموعد المحدد أيضًا، وتم بيننا بعد لقاءات مدة طويلة، وفي كل لقاء، تتجدد الوعود الحسنة، ويوصف لي المستقبل الرائع الذي ينتظرني، والنفع العظيم الذي تلقاه الأمة على يديّ.\nتطور الموضوع:\nوتطور الأمر، فأخذ كثير من الأرواح يزورونني في كل لقاء، بمقدمات من الأذكار، وبغير مقدمات، فقد أكون مع الوسيط على طعام، أو على تناول كأس من الشاي، فتأخذه الإغفاءة المعهودة، فيميل رأسه إلى الأمام، وتلتصق ذقنه بصدره، ويحدثني الزائر الذي يزعم أنه من الملائكة، أو من الجن، أو من الصحابة، أو من الأولياء، حديثًا يغلب عليه طابع الاحترام والإجلال، والتبرك بزيارتي، وتبشيري بالمستقبل الزاهر المبارك، ثم ينصرف، ويجيء غيره وغيره ... \".\nمن الزائرون؟\n\" زارني فيما زعموا أفراد من الملائكة، وأفراد من الجن، وأبو هريرة ﵁ من الصحابة، وطائفة من الأولياء، أمثال أبي الحسن الشاذلي ﵁، وطائفة من أهل العلم والفضل، المشهود لهم بالعلم والولاية، أمثال الشيخ أحمد الترمانيني رحمه الله تعالى، وبعض من أدركتهم من أهل العلم والفضل، ثم أدركتهم الوفاة، ومنهم والدي رحمه الله تعالى.\nوبشروني بزيارة والدي إياي، في وقت عينوه، وانتظرت الموعد بلهف، ولما كان الموعد المنتظر، كلفوني أن أقرأ سورة «الواقعة» جهرًا، فقرأتها، ولما فرغت من قراءَتها، قالوا:\nسيحضر والدك بعد لحظات، فاسمع ما يقول، ولا تسأله عن شيء!!! \".","vol":"1","page":105},{"text":"بدء انتباهي:\n\" وبعد دقائق جاءني، جاء من يزعم أنه أبي، فسلم علي، وأظهر سروره بلقائي، وفرحه بي على صلتي بهذه الأرواح، وأوصاني أن أعتني بالوسيط وأهله! وأن أرعاه رعاية عطف وإحسان، إذ لا مورد له من المال إلا من هذا الطريق.\nوختم حديثه بالصلاة الإبراهيمية، وأنا أعلم أنه رحمه الله تعالى، كان شديد الولع بالصلاة على النبي ﷺ، ولا سيما الإبراهيمية.\nوكان من العجب أن لهجة المتحدث شبيهة إلى حدّ ما بلهجة الوالد. ثم سلم وانصرف.\nوأخذت أتسائل في نفسي: لم أوصوني أن لا أسأله عن شيء؟ !\nفي الأمر سر ولا شك!\nالسر الخفي الذي انكشف لي آنذاك، أنه ليس بوالدي، ولكنه قرينه من الجن، الذي صحبه مدة حياته، فجاءني يمثل لي صوته، ويتشبه بخصوصية من خصوصياته.\nأوصوني أن لا أسأله عن شيء؛ لأن القرين من الجن، مهما عرف من شأن والدي وحفظ من أحواله، فلن يستطيع أن يحفظ كل جزئية يعرفها الولد من أبيه، فحذروا أن أسأله عن شيء من ذلك، فلا يجيبني، فيفتضح الأمر.\nثم سلكوا معي في لقائي مع الآخرين، أن لا يعرفوني بأسمائهم إلا عند انصرافهم، فيقول أحدهم: أنا فلان، ويسلم، وينصرف على الفور.\nوفي ذلك من السر ما ذكرت: فلو أخبرني واحد منهم عن نفسه، وهو مشهود له بالعلم، فبحثت معه في إشكال علمي، لعجز عن الجواب،","vol":"1","page":106},{"text":"وانكشف الأمر.\nوقد أتاني آتٍ مرة يناقشني في إباحة كشف وجه المرأة، وأنه ليس بعورة، فرددت عليه، ورد عليّ ردًا ليس فيه رائحة العلم، واحتدم الجدال بيننا.\nفقلت له: وماذا تجيب عن أقوال الفقهاء الذي قالوا:\nإن وجه المرأة عورة، أو يجب ستره خشية الفتنة؟\nوانتهى الجدال إلى غير جدوى، ثم أخبرني أنه الشيخ أحمد الترمانيني، وانصرف.\nفانكشف لي أنه الكذب لا شك فيه، لأن الشيخ المذكور من كبار فقهاء الشافعية، والسادة الشافعية يقولون: المرأة كلها عورة، ولو عجوزًا شمطاء.\nفلو أنه كان هو الشيخ المذكور، وانكشف له من العلم جديد، وهو في عالم البرزخ، لأخبرني بذلك، وأرشدني إلى دليله.\nولكنه الكذب والخداع، وإرادة التضليل. وأبى الله تعالى - والحمد لله - إلا هداي، وثباتي على الحق والهدى.\nفكشفُ المرأة وجهها، ولا سيما في هذا الزمان الفاسد والمجتمع المريض، أمر لا يُقره ذو عقل ودين \".\nانكشاف الحقيقة!\n\" ولم تزل تنكشف لي الحقيقة على وجهها مرة بعد مرة، وفي تجربة بعد تجربة، حتى تحقق عندي أن الأمر كله كذب وبهتان، ودجل وطغيان، لا أساس له من تقوى، ولا قائمة له على دين.\nفالوسيط الذي يعتنون بشأنه، ويوصون بحسن رعايته وإكرامه، تارك صلاة، ولا يأمرونه بها.","vol":"1","page":107},{"text":"وهو يحلق لحيته، ولا يأمرونه بإِطلاقها.\nثم هو يأكل أموال الناس بالباطل، وبالوعود الخادعة، ولا مورد له إلا من هذا الطريق الخبيث.\nجاءني رجل بعدما عرف صلتي بهذا الوسيط، يشكو إليّ أنه خدعه، فأخذ منه ثلاثمائة ليرة سورية، وهو فقير، وفي أشد الحاجة إليها.\nفألزمت الوسيط بردّها إليه، فاستجاب لذلك حرصًا منه ومن شياطينه على بقاء صلتي بهم.\nوالوسيط وأسرته تقوم حياتهم على الكذب في أكثر شؤونهم) .\nالخاتمة:\nوختم الشيخ أحمد عز الدين كلامه على هذه التجربة بقوله:\n\" حاولت هذه الأرواح بعدما انكشف لي أمرها أن تسلك معي مسلك التهديد، فلم يزلزل ذلك من قلبي شيئًا، والحمد لله.\nوقد كنت كتبت في هذه المدة الطويلة مما حدثوني به ما ملأ دفترين كبيرين، جمعت فيهما أكثر ما حدثوني به.\nولما ظهر الباطل ظهورًا لا يحتمل التأويل، قطعت الصلة بهم، وحكمت عليهم بما حكمت، وأحرقت الدفترين اللذين امتلأا بالكذب والخداع.\nفهذه الأرواح التي تدّعي أنها أرواح رجال من الصحابة والأولياء والصالحين، كلها شياطين، لا ينبغي لمؤمن عاقل أن ينخدع بها.\nوجميع الصور التي اعتادها مستحضرو الأرواح كذب وباطل.\nسواء في ذلك طريقة الوسيط التي ذكرتها وجربتها، وطريقة المنضدة والفناجين التي ذكرها لي بعض من جربها، ووصل إلى النتيجة التي وصلت إليها.\nومن عجيب الأمر أني قرأت بعد ذلك كتبًا مؤلفةً في هذا الموضوع،","vol":"1","page":108},{"text":"فإذا بالمجربين العاقلين وصولوا إلى مثل ما وصلت إليه، وحكموا على تلك الأرواح، أنها قرناء بني آدم من الجن، كما هداني الله تعالى إلى ذلك من قبل، والحمد لله.\nوقد أديت بكلمتي هذه النصح الواجب، والله الهادي والموفق \".\nخطر هذه الدعوات:\nهذه الدعوات التي تزعم أن بإمكانها تحضير الأرواح اتخذها شياطين الجن والإنس سبيلًا لإفساد الدين، فهذه الأرواح التي تُحضّر، وهي في الحقيقة شياطين تتكلم بكلام يحطم الدين وينسفه، وتقر مبادئ ومثلًا جديدة تعارض الحق كل المعارضة، ففي واحدة من هذه الجلسات زعمت الروح (الشيطان) على لسان الوسيط أن جبريل قد حضر هذه الجلسة، ولما كان الحضور لا يعرفون جبريل قالت: \" ألا تعرفون جبريل الذي كان ينزل بالقرآن على محمد؟ ! إنه يبارك هذا الاجتماع \".\nوينقل الدكتور محمد محمد حسين عن مجلة (عالم الروح) من مقال لها بعنوان (حديث الروح الكبير هوايت هوك) ما يأتي: (يجب أن نتحد في هذه الحركة، في هذا الدين الجديد، يجب أن تسودنا المحبة، ويجب أن تكون لنا قدرة على الاحتمال والتفاهم ...\nرسالتي (المتحدث هنا الروح أي الشيطان) أي أواسي المحروم، وأساعد الإنسان على تحرره في نفسه من الله تعالى، (وصدق وهو كذوب فهذه رسالته، أي يجعله يكفر بالله) الإنسان إله مكسو بعناصر الأرض (هكذا ينفخ في الإنسان، ويكذب عليه ليضله)، وهو لن يدرك ما في مقدوره ما لم يحس بجزئه الملائكي الإلهي ...، الروحية ستكون أقدر من غيرها على تأسيس دين جديد واسع للعالم كله \".\nوينقل عن هذه المجلة أيضًا تعريفًا بالمنظمة التي أسست لهذه الغاية \" إن هذه المنظمة ستكون لكل البشرية، وعن طريقها سوف يوضح لنا سكان العالم الروحي طريقة جديدة للحياة، ويعطوننا فكرة جديدة عن الله ومشيئته،","vol":"1","page":109},{"text":"إنهم سوف يأتون لنا بالسلام والطمأنينة الروحية وبسعادة النفس والقلب، سوف يحطمون الحواجز بين الشعوب والأفراد، وبين العقائد والأديان (هكذا) ... إنّ العضوية في هذه المنظمة بدون نظر للوطن أو اللون أو الدين أو المذهب السياسي \".\nوقد تزعم الأرواح أنها مرسلة من عند الله، فالدكتور محمد محمد حسين يذكر أن محمد فريد وجدي نقل عن هذه الأرواح (الشياطين) قولها: \" نحن مرسلون من عند الله كما أرسل المرسلون قبلنا، غير أن تعاليمنا أرقى من تعاليمهم، فإلهنا هو إلههم، إلا أن إلهنا أظهر من إلههم، وأقل صفات بشرية وأكثر صفات إلهية ...، لا تخضع لأي عقيدة مذهبية، ولا تقبل بلا بصر ولا روية تعاليم لا تستند إلى العقل \".\nوهم يزعمون أنّ الرسل والأنبياء ما هم إلا وسطاء على درجة عالية من الوساطة، وأن المعجزات التي جرت على أيديهم ليست إلا ظواهر روحية، كالظواهر التي تحدث في حجرة تحضير الأرواح، ويزعمون أنهم يستطيعون أن يعيدوا أحداث ما نسب للمسيح عن طريق الأرواح.\nوقد قامت بعض الصحف بحملة دعائية كبيرة، زعمت أن أحد محضري الأرواح في أمريكا يستطيع أن يقوم بمثل معجزات المسيح، فهو يعيد البصر إلى الأعمى، والنطق إلى الأبكم، والحركة للمشلول، بقي أن تعلم أن الطبيب المزعوم طفل في العاشرة من عمره يدعى (ميشيل) . وعندما يأتيه المريض يضع أنامله عليه، ويتمتم ببعض الأدعية والكلمات فتحدث المعجزة. ويقولون: إن هذا الطفل ورث الموهبة الروحانية عن والده، وهو لا يتقاضى شيئًا من المال عما يقوم به من أعمال (١) .\nووراثة هذا الطفل الأعمال من أبيه تذكرنا بقصة تروى في بعض نواحي فلسطين، يقول الرواة: إن أحد الرجال الذين كانوا يظهرون الصلاح والتقى، كان يفعل عجبًا، فقد كان - في ذلك الوقت الذي لم تظهر فيه الطائرة والسيارة -\n_________\n(١) ملحق جريدة القبس الكويتية: ١٧/١٠/١٩٧٧م.","vol":"1","page":110},{"text":"ينطلق إلى الحج في ليلة عرفة، فيشهد ذلك اليوم مع الحجيج، ويسلمهم رسائل من أقاربهم وذويهم، ويأخذ منهم رسائل إلى أقاربهم وذويهم، ويعود في الليلة الأخرى، وكان كثير من الناس يعتقد فيه الصلاح والخير، على الرغم من أنه ما كان يقوم بمناسك الحج، ولا يمكث في منى المدة المقررة، ولا يرمي الجمرات.\nثم شاء الله أن يكشف باطله، ويظهر أمره للناس، فعندما جاءَه الموت استدعى ابنه الأكبر، وأخبره أن جملًا سيأتيه ليلة عرفة، ويحمله إلى عرفات في كل عام، ولما جاء الجمل وركبه الابن، وسار مسافة وقف، وتحدث إلى الابن وأخبره أنه شيطان، وأن أباه كان يعبده، ويسجد له، وفي مقابل ذلك يخدمه مثل هذه الخدمات، ولما رفض الابن السجود له، واستعاذ بالله منه، تركه في الصحراء، وقدر الله له الرجوع، وكشف حقيقة أبيه الكافر.\nوقد أشار إلى هذه القصة البيانوني في كتابه (الملائكة) بأخصر مما أثبتناه هنا.\nهل يمكن استحضار الأرواح؟\nلقد وضعت مجلة (سينتفيك أمريكان) جائزة مالية ضخمة لمن يقيم الحجة على صدق الظواهر الروحية، ولا تزال الجائزة قائمة لم يظفر بها أحد على الرغم من انتشار الروحيين ونفوذهم وبراعتهم في أمريكا، وقد ضم إلى هذه الجائزة جائزة أخرى تبرع بها الساحر الأمريكي دننجر للغرض نفسه، ولم يظفر بها أحد أيضًا.\nحكم الشريعة في تحضير الأرواح:\nما موقف الإسلام من إمكان إحضار روح المتوفى؟ إن التأمل في النصوص التي وردت في هذا تجعل الباحث يعطي حكمًا جازمًا أن ذلك مستحيل، فقد أخبرنا الله أن الروح من عالم الغيب الذي لا سبيل إلى إدراكه: (ويسألونك عن الرُّوح قل الرُّوح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلاَّ قليلًا) [الإسراء: ٨٥] .\nوأخبر الحقّ - ﵎ - أنه يتوفى الأنفس، وأنه يمسك النفوس عند موتها: (الله يتوفَّى","vol":"1","page":111},{"text":"الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك الَّتي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمّىً) [الزمر: ٤٢] .\nوقد وكّل الله بالأنفس ملائكة يعذبونها إن كانت شقية كافرة، وينعمونها إن كانت صالحة تقية.\nوقد بين لنا الرسول ﷺ كيف يقبض ملك الموت الأرواح وما يفعل بها بعد ذلك.\nوالأرواح إذا كانت مُمْسكة عند ربها وكل الله بها حفظة أقوياء مهرة، فلا يمكن أن تتفلت منهم، وتهرب لتأتي إلى هؤلاء الذين يتلاعبون بعقول العباد.\nوبعض هؤلاء يزعم أنه حضّر روح عبد من عبيد الله الصالحين من الأنبياء والشهداء، فكيف يتركون جنان الخلد إلى حجرة التحضير المظلمة، فقد أخبرنا الله أن الشهداء أحياء عند ربهم: (ولا تحسبنَّ الَّذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: ١٦٩] .\nوقد بين الرسول ﷺ (أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءَت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل) . رواه مسلم في صحيحه (١)، فكيف يزعم دجالو العصر أنهم يحضرون أرواح هؤلاء؟ كيف؟ (كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلاَّ كذبًا) [الكهف: ٥] .\nشبهة وجوابها:\nيقولون: فكيف تعللون معرفة الأرواح بأخلاق وأعمال الرجل الذي تزعم أنها كانت تسكنه؟\nقلنا: هذا الذي يزعم أنه روح إنما هو شيطان، ولعل هذا الشيطان هو القرين الذي كان يلازم الإنسان، وقد ذكرنا النصوص التي تدلّ على أن لكل إنسان شيطانًا، فهذا القرين الملازم للإنسان يعلم عنه الكثير من أخلاقه وعاداته وصفاته، ويعرف أقاربه وأصدقاءه.\n_________\n(١) مشكاة المصابيح: ٢/٣٥١. ورقمه: ٣٨٠٤.","vol":"1","page":112},{"text":"فعندما يُخْتَبَرُ ما أسهل أن يجيب؛ لأنه على علم ودراية، فإن قيل: كيف تفسرون الإجابات العلمية التي قد نحصل عليها من الأرواح؟ نقول: سبق أن بينا أن الشياطين والجن لديهم القدرات العلمية التي تمكنهم من الإجابة والإفادة.\nولكنها إفادة تحمل في طياتها الإضلال العظيم، فهم لا يفيدوننا إلا بمقدار، كي نثق بهم، ثم يوجهوننا الوجهة الضالة السيئة، التي توبقنا في دنيانا وأخرانا.\nتخلي الشياطين عن أتباعها:\nهؤلاء الذين يُدعون بالروحانيين، ويزعمون أنهم يحضرون الأرواح ويعالجون بها كاذبون، وما هذه الأرواح إلا شياطين، وقد تتخلى الشياطين عن هؤلاء فتذلهم وتخذلهم، نشرت جريدة القبس الكويتية (١) مقالًا جاء فيه: \" بريطانيا بأسرها تتحدث هذه الأيام عن العالم الروحاني (بيتر غودوين) الذي كان يتمتع بمواهب (روحانية) خارقة، يستطيع بوساطتها أن يشفي المرضى من الأمراض المستعصية، ويكشف الأشياء المفقودة، ويسخر الأرواح لخدمة الإنسان.\nوكان (بيتر غودوين) يتمتع بقدرة فريدة يستطيع بوساطتها أن يوجد في أكثر من مكان في وقت واحد، فقد كان يشاهده أصدقاؤه في لندن مثلًا، ويشاهده آخرون في اللحظة نفسها في ليفربول، وآخرون في مانشستر، بينما يؤكد فريق رابع أنه لم يكن في هذا المكان ولا ذلك، وإنما كان يجلس في منزله بين زوجته وأولاده.\nوأحيانًا كانت أجساده الأثيرية المختلفة تتجمع في مكان واحد، فيكون جالسًا بين أصدقائه مثلًا، وفجأة ... تدخل عليهم جميع شخصياته الأخرى ... وتشاركهم الجلسة ... فتأتي شخصيته الثانية والثالثة، والرابعة والخامسة،\n_________\n(١) ملحق جريدة القبس، تاريخ ١٢/٦/١٩٧٨م.","vol":"1","page":113},{"text":"ويصبح (بيتر غودوين) عبارة عن خمس شخصيات تجالس الحضور، وتتحدث إليهم، أو تتحدث بعضها مع بعض ...، بينما يكون الجميع مبهورين ...، وفجأة خسر (بيتر غودوين) كلّ شيء وتحول إلى إنسان عادي، ولم يعد قادرًا على شفاء المرضى، ولا اكتشاف الأشياء المفقودة، ولاكشف المستقبل، ولا تسخير الأرواح لخدمة الناس.\nوقد بدأت مأساة (غودوين) في السنة الماضية عندما حاول استغلال المواهب التي منحت له لتحقيق مكاسب مادية ...، وهو ينظر الآن إلى الماضي القريب ويقول: إن ما حدث لي لم يكن في الحسبان، فقد غضبت الأرواح مني، وسلبتني بركتها.","vol":"1","page":114},{"text":"المطلب الرابع\nالجن وعلم الغيب\nشاع لدى كثير من الناس أن الجنّ يعلمون الغيب، ومردة الجن يحاولون أن يؤكدوا هذا الفهم الخاطئ عند البشر، وقد أبان الله للناس كذب هذه الدعوى، عندما قبض روح نبيه سليمان، وكان قد سخر له الجن يعملون بين يديه بأمره، وأبقى جسده منتصبًا، واستمر الجنّ يعملون، وهم لا يدرون بأمر وفاته، حتى أكلت دابة الأرض عصاه المتكئ عليها، فسقط، فتبين للناس كذبهم في دعواهم، أنهم يعلمون الغيب: (فلمَّا قضينا عليه الموت ما دَلَّهُمْ على موته إلاَّ دابَّة الأرض تأكل منسأته فلمَّا خرَّ تبيَّنت الجنُّ أن لَّو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) [سبأ: ١٤] .\nوقد سبق القول كيف أنهم كانوا يسترقون خبر السماء، وكيف زيد في حراسة السماء بعد البعثة، فقلما يستطيع الجن استراق السمع بعد ذلك.\nالعرّافون والكهان:\nوبذلك يعلم عظم الخطأ الذي يقع فيه عوام الناس باعتقادهم أن بعض البشر كالعرافين والكهان يعلمون الغيب، فتراهم يذهبون إليه يسألونهم عن أمور حدثت من سرقات وجنايات، وأمور لم تحدث مما سيكون لهم ولأبنائهم، ولق خاب السائل والمسؤول، فالغيب علمه عند الله، لا يظهر الله عليه إلا من شاء من رسله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا - إلاَّ من ارتضى من رَّسولٍ فإنَّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا - ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيءٍ عددا) [الجن: ٢٨] .","vol":"1","page":118},{"text":"والاعتقاد بأن فلانًا يعلم الغيب اعتقد آثم ضال، يخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تجعل علم الغيب لله وحده.\nإما إذا تعدى الأمر إلى استفتاء أدعياء الغيب، فإن الجريمة تصبح من العظم بمكان، ففي صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيءٍ، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (١) .\nوتصديق هؤلاء كفر، ففي السنن ومسند أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: (من أتى كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد برئ مما أنزل على محمد) (٢) .\nقال شارح العقيدة الطحاوية: \" والمنجم يدخل في اسم (العراف) عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه \"، ثم قال: فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسؤول؟ \" ومراده إذا كان السائل لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، وإذا كان الذي يصدق الكاهن والعراف يكفر بالمنزل على الرسول ﷺ، فكيف يكون حكم الكاهن والعراف؟\nسؤال العرافين والكهنة على وجه الامتحان:\nيرى ابن تيمية أن سؤال الكهنة، بقصد امتحان حالهم، واختبار باطنهم، ليميز صدقهم من كذبهم، جائز، واستدل بحديث الصحيحين: أن النبي ﷺ سأل ابن صياد، فقال: (ما ترى؟) فقال: يأتيني صادق وكاذب، قال: خلط الأمر عليك. قال النبي ﷺ: (إني قد خبأت لك خبيئًا)، قال: هو الدخ، قال النبي ﷺ: (اخسأ، فلن تعدو قدرك) (٣) . فأنت ترى أن الرسول ﷺ سأل هذا المدّعي، ليكشف أمره، ويبين للناس حاله.\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/١٧٥١. ورقمه: ٢٢٣٠.\n(٢) مشكاة المصابيح: ٢/٥٢٥. ورقمه: ٤٥٩٩.\n(٣) رواه البخاري: ٦/١٧٢. ورقمه: ٣٠٥٥. ورواه مسلم: ٤/٢٢٤٤. ورقمه: ٢٩٣٠.","vol":"1","page":119},{"text":"المنجمون:\nوصناعة التنجيم التي مضمونها: الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، أو التمزيج بين القوى الفلكية والقوابل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب والسنة؛ بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى: (ولا يفلح السَّاحر حيث أتى) [طه: ٦٩] . وقال تعالى: (ألم تر إلى الَّذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطَّاغوت) [النساء: ٥١] . قال عمر بن الخطاب: الجبت السحر (١) .\nتعليل صدق المنجمين والعرافين في بعض الأحيان:\nقد يزعم قائل أن العرافين والكهنة والمنجمين يصدقون أحيانًا، والجواب: أن صدقهم في كثير من الأحيان يكون من باب التلبيس على الناس، فإنهم يقولون للناس كلامًا عامًا يحتمل وجوهًا من التفسير، فإذا حدث الأمر، فإنه يفسره لهم تفسيرًا يوافق ما قال.\nوصدقهم في الأمور الجزئية إما أنه يرجع إلى الفراسة والتنبؤ، وإما أن تكون هذه الكلمة الصادقة مما خطفه الجن من خبر السماء. ففي الصحيحين عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال: (ليسوا بشيء) . قالوا: يا رسول الله، إنهم يحدثوننا بالشيء فيكون حقًا! فقال رسول الله ﷺ: (تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقذفها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة) (٢) .\nوإذا كانت القضية التي صدق فيها من الأمور التي حدثت كمعرفته بالسارق، أو معرفته باسم الشخص الذي يقدم عليه لأول مرة وأسماء أبنائه وأسرته، فهذا قد يكون بحيلة ما، كالذي يضع شخصًا ليسأل الناس، وتكون عنده وسيلة لاستماع أقوالهم قبل أن يمثلوا بين يديه، أو يكون هذا من فعل الشياطين، وعلم\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٥٦٨. وراجع في علم النجوم، أبجد العلوم لصديق حسن القنوجي: ص ٥٤٢.\n(٢) جامع الأصول لابن الأثير: ٥/٦٣.","vol":"1","page":120},{"text":"الشياطين بالأمور التي حدثت ووقعت ليس بالأمر المستغرب.\nالكهنة رسل الشياطين:\nيقول ابن القيم (١): \" الكهنة رسل الشيطان؛ لأن المشركين يهرعون إليهم، ويفزعون إليهم في أمورهم العظام، ويصدقونهم، ويتحاكمون إليهم، ويرضون بحكمهم، كما يفعل أتباع الرسل بالرسل، فإنهم يعتقدون أنهم يعلمون الغيب، ويخبرون عن المغيبات التي لا يعرفها غيرهم، فهم عند المشركين بهم بمنزلة الرسل، فالكهنة رسل الشيطان حقيقة، أرسلهم إلى حزبه من المشركين، وشبههم بالرسل الصادقين، حتى استجاب لهم حزبه، ومثل رسل الله بهم لينفر عنهم، ويجعل رسله هم الصادقين العالمين بالغيب، ولما كان بين النوعين أعظم التضاد قال رسول الله ﷺ: (من أتى عرافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٢) .\nفإن الناس قسمان: أتباع الكهنة، وأتباع الرسل، فلا يجتمع في العبد أن يكون من هؤلاء وهؤلاء، بل يبعد عن الرسول ﷺ بقدر قربه من الكاهن، ويُكَذّبُ الرسول بقدر تصديقه للكاهن.\nأقول: ومن يدرس تواريخ الأمم يعلم أن الكهان والسحرة كانوا يقومون مقام الرسل، ولكنهم رسل الشياطين، فالسحرة والكهنة كانت لهم الكلمة المسموعة في أقوامهم، يحلون ويحرّمون، ويأخذون المال، ويأمرون بأنواع من العبادة والطقوس ترضي الشياطين، ويأمرون بقطيعة الأرحام، وانتهاك الأعراض، وقد بين العقاد شيئًا من ذلك في كتابه المسمى بـ (إبليس) .\nواجب الأمة نحو هؤلاء:\nما يدعيه المنجمون، والعرافون، والسحرة، ضلال كبير ومنكر لا يستهان به، وعلى الذين أعطاهم الله دينه، وعلمهم كتابه وسنة نبيه أن ينكروا هذا الضلال بالقول، ويوضحوا هذا الباطل بالحجة والبرهان، وعلى الذين\n_________\n(١) إغاثة اللهفان: ١/٢٧١.\n(٢) رواه بهذا اللفظ أحمد: ٢/٤٢٩ والطبراني في الأوسط: (١٤٥٣) ورواه أبو داود: ٤/٢٢٥ رقم: (٣٩٠٤)، والترمذي: ١/١٦٤ رقم: (١٣٥)، وابن ماجة: ١/٢٠٩ رقم: (٦٣٩)، والدارمي: ١/٢٠٧ رقم (١١٣٦) بلفظ: (من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد) .","vol":"1","page":121},{"text":"في أيديهم السلطة أن يأخذوا على أيدي هؤلاء الذين يدّعون الغيب من العرافين والكهنة وضاربي الرمل والحصى، والناظرين في اليد (والفنجان)، وعليهم أن يمنعوا نشر خزعبلاتهم في الصحف والمجلات، ويعاقبوا من يتظاهر ببضاعته وضلالاته في الطرقات، وقد ذمّ الله بني إسرائيل لتركهم التناهي عن المنكر: (كانوا لا يتناهون عن مُّنكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة: ٧٩] .\nوفي السنن عن النبي ﷺ برواية الصديق - ﵁ - أنه قال: (إن الناس إذا رأوا منكرًا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه) . رواه ابن ماجة والترمذي وصححه (١) .\nالمطلب الخامس\nالجن والأطباق الطائرة\nكثر الحديث في هذه الأيام عن الأطباق الطائرة، فلا يكاد يمر أسبوع إلا ونسمع أن شخصًا أو عدة أشخاص رأوا طبقًا طائرًا، رأوه في الجوّ محلقًا، أو على الأرض جاثمًا، أو رأوا مخلوقات مخالفة لشكل الإنسان تخرج منه، ووصل الأمر إلى الادعاء بأن بعض هذه المخلوقات طلبت إلى بعض الناس مصاحبتها إلى الطبق، وأجرت فحوصًا عليه.\nولا يدعي هذه الدعوى أناس مغمورون فحسب، بل يزعم ذلك رجال بارزون أمثال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه يعتقد أنّه لمح شيئًا طائرًا لم يتعرف على ماهيته في سماء ولاية جورجيا عام ١٩٧٣.\nوهو يبدي اهتمامًا خاصًا بالمخلوقات الأخرى التي بدأت تغزو الأرض، فقد أمضى الرئيس الأمريكي (كما نشرت الصحف) أمسية يناقش أحد العلماء المقتنعين بأن الإنسان ليس المخلوق الوحيد في الكون، وكان يرافق الرئيس كارتر (فرانك برس) مستشاره للشؤون العلمية، وبعد ذلك شاهد كارتر داخل المرصد القومي أفلامًا توجز آخر ما توصلت إليه الأبحاث حول المخلوقات التي تعيش خارج نطاق الأرض، وقام بعرض هذه الأفلام\n_________\n(١) مشكاة المصابيح: ٢/٦٤٣. ورقمه: ٥٤١٢.","vol":"1","page":122},{"text":"(كارل ساجان)، مدير معمل الدراسات الكونية بجامعة (كورنل)، الذي ترجع إليه دائمًا وكالة الفضاء الأمريكية في الأمور المتعلقة بالمخلوقات التي تعيش خارج نطاق كوكب الأرض (١) .\nوينسب ملحق صحيفة الهدف الكويتية الصادر بتاريخ ٢٣/٣/٧٨ إلى الرئيس الصيني الأسبق (ماوتسي تنغ) أنه كان يؤمن بوجود مخلوقات غيرنا في الكواكب الأخرى.\nويذكر كاتب المقال أن حوالي ٦١% من الشعب الأمريكي مقتنعون بذلك، وتزعم الصحف الأمريكية أن قرابة نصف مليون أمريكي شاهدوا هذه الأطباق، وبعض هؤلاء استطاعوا أن يتصلوا بهم اتصالًا مباشرًا.\nوقد أخرج السينمائي الأمريكي (ستيفن سبيلبرغ) (فيلمًا) سينمائيًا بعنوان (مواجهة من النوع الثالث) بلغت تكاليفه اثنين وعشرين مليونًا من الدولارات الأمريكية.\nوقد وضع الفيلم بعد تجميع المعلومات من الذين شاهدوا الأطباق الطائرة، أو اتصلوا بها.\nوقد عرض الفيلم لأول مرة في البيت الأبيض، وكان الرئيس الأمريكي أول مشاهديه.\nوبعد خروج هذا الفيلم اقتنعت وكالة الفضاء الأمريكية بضرورة البحث في هذا المجال، وخصصت مليون دولار لأبحاث عام ١٩٧٩، وقد أطلقت على المشروع السري اسم (سيتي) . ويتلخص في إطلاق أجهزة خاصة للفضاء الخارجي؛ للبحث عن رسائل لاسلكية قادمة من كواكب أخرى.\nويمكننا بعد هذا العرض أن نقرر ما يأتي:\n١- لا مجال للتكذيب بوجود مخلوقات غريبة غير الإنسان، إذ تواترت\n_________\n(١) راجع جريدة السياسة الكويتية العدد (٣٣٩٩٩): ٥/١٢/٧٧.","vol":"1","page":123},{"text":"الرؤية من عشرات الألوف بل مئات الألوف، وقد تابعتُ ما قيل في هذا الموضوع فترة طويلة، فكنت أجد مقالًا كل أسبوع تقريبًا أو أكثر أو أقل حول رؤية جماعة أو شخص لشيء من هذا (١) .\n٢- احتار الناس في تفسير حقيقة هذه الأطباق، وحقيقة المخلوقات التي تستخدمها، خاصة أن سرعة هذه الأطباق خيالية تفوق سرعة أي مركبة اخترعها الإنسان.\n٣- أكاد أجزم بأن هذه المخلوقات هي من عالم الجن الذي يسكن أرضنا هذه، والذين تحدثنا عنهم فيما سبق، وبينا ما لديهم من قدرات وإمكانات تفوق قدرة البشر، ولقد أعطوا سرعة تفوق سرعة الصوت والضوء، كما أعطوا القدرة على التشكل، وهم يستطيعون أن يتمثلوا للإنسان في صور وأشكال مختلفة.\nوبذلك يتبين لنا فضل الله علينا إذ عرفنا بهذه الحقائق، خاصة ونحن نشعر بالحيرة والقلق لدى الذين لا يعلمون ما علمناه، وبذلك نوفر طاقاتنا العقلية وقدراتنا العلمية وأموالنا؛ كي نوجهها وجهة نافعة.\nوقد يتساءل بعضنا عن السرّ في ظهور هذه الأطباق في أيامنا هذه، وعدم ظهورها في العصور الخالية، فالجواب أن الجن يلبسون لكل عصر لبوسه، وهذا العصر عصر التقدم العلمي، ولذلك فإنهم يضللون البشر بالطريقة التي تثير انتباههم، وتشد نفوسهم، والناس اليوم يتطلعون إلى معرفة شيء عن الفضاء الواسع، وعن إمكانية وجود مخلوقات غيرهم فيه.\n\nوقد تحدثنا في كتابنا «عالم الملائكة» عن تنزل الملائكة لقراءة القرآن، وأن بعض الصحابة رأى ظلة فيها مثل المصابيح، وتنزل الملائكة على هذا النحو ليس قصرًا على عهد النبوة.\n_________\n(١) وآخر ذلك ما حدث في الكويت، فقد قرر أكثر من شخص أنه رأى طبقًا طائرًا، وقد نشرت الصحف الكويتية النبأ في حينه.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الخامس أسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان</span>\nأولًا: الحذر والحيطة:\nهذا العدو الخبيث الماكر حريص على إضلال بني آدم، وقد علمنا أهدافه ووسائله في الإضلال، فبمقدار علمك بهذا العدو: أهدافه ووسائله والسبل التي يضلنا بها تكون نجاتنا منه، أما إذا كان الإنسان غافلًا عن هذه الأمور فإن عدوه يأسره ويوجهه الوجهة التي يريد.\nوقد صور ابن الجوزي هذا الصراع بين الإنسان والشيطان تصويرًا بديعًا حيث يقول: \" واعلم أن القلب كالحصن، وعلى ذلك الحصن سور، وللسور أبواب وفيه ثلم (١)، وساكنه العقل، والملائكة تتردد على ذلك الحصن، وإلى جانبه ربض (٢) فيه الهوى، والشياطين تختلف إلى ذلك الربض من غير مانع، والحرب قائمة بين أهل الحصن وأهل الربض، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم.\nفينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وكل بحفظه وجميع الثلم، وألا يفتر عن الحراسة لحظة، فإن العدو لا يفتر. قال رجل للحسن البصري: أينام إبليس؟ قال: لو نام لوجدنا راحة.\nوهذا الحصن مستنير بالذكر مشرق بالإيمان، وفيه مرآة صقيلة يتراءى فيها صورة كل ما يمرّ به، فأول ما يفعل الشيطان في الربض إكثار الدخان، فتسودّ حيطان الحصن، وتصدأ المرآة، وكمال الفكر يرد الدخان، وصقل الذكر يجلو المرآة، وللعدو حملات، فتارة يحمل فيدخل الحصن، فيكر عليه الحارس فيخرج، وربما دخل فعاث، وربما أقام لغفلة الحراس، وربما\n_________\n(١) الثلمة في السور: الموضع المتهدم منه.\n(٢) الربض: المكان الذي يُؤوى إليه.","vol":"1","page":127},{"text":"ركدت الريح الطاردة للدخان، فتسود حيطان الحصن، وتصدأ المرآة فيمر الشيطان ولا يدري به، وربما جرح الحارس لغفلته، وأسر واستخدم، وأقيم يستنبط الحيل في موافقة الهوى ومساعدته \" (١) .\nثانيًا: الالتزام بالكتاب والسنّة:\nأعظم سبيل للحماية من الشيطان هو الالتزام بالكتاب والسنة علمًا وعملًا، فالكتاب والسنة جاءا بالصراط المستقيم، والشيطان يجاهد كي يخرجنا عن هذا الصراط قال تعالى: (وأنَّ هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبعوه ولا تتَّبعوا السُّبل فتفرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لعلَّكم تتَّقون) [الأنعام: ١٥٣] .\nوقد شرح الرسول ﷺ هذه الآية فعن عبد الله بن مسعود قال: \" خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، ثمّ قال: (هذا سبيل الله) ثمّ خط خطوطًا عن يمينه وشماله وقال: (هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) وقرأ: (وأنَّ هذا صراطي مستقيمًا فاتَّبعوه) [الأنعام: ١٥٣] . رواه الإمام أحمد والنسائي والدارمي (٢) .\nفاتباع ما جاءنا من عند الله من عقائد وأعمال وأقوال وعبادات وتشريعات، وترك كل ما نهى عنه، يجعل العبد في حرز من الشيطان، ولذلك قال ﷾: (يا أيَّها الَّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّةً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مُّبينٌ) [البقرة: ٢٠٨] .\nوالسلم: هو الإسلام. وقيل طاعة الله، وفسره مقاتل بأنه العمل بجميع الأعمال ووجوه البر، وعلى ذلك فقد أمرهم بالعمل بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام ما استطاعوا، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، فالذي يدخل في الإسلام مبتعد عن الشيطان وخطواته، والذي يترك شيئًا من الإسلام فقد اتبع بعض خطوات الشيطان، ولذلك كان تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، أو الأكل من المحرمات والخبائث،\n_________\n(١) تلبيس إبليس: ٤٩.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/٥٨. ورقمه: ١٦٦. وقال محقق المشكاة: وإسناده حسن.","vol":"1","page":128},{"text":"كل ذلك من اتباع خطوات الشيطان التي نهينا عنها: (يا أيَّها النَّاس كلوا ممَّا في الأرض حلالًا طيبًا ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مُّبين) [البقرة: ١٦٨] .\nإن الالتزام بالكتاب والسنة قولًا وعملًا يطرد الشيطان ويغيظه أعظم إغاظة، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا قرأ ابنُ آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، (وفي رواية أبي كريب: يا ويلي) أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنّة وأُمرتُ بالسجود فأبيت، في النار) (١) .\nثالثًا: الالتجاء إلى الله والاحتماء به:\nخير سبيل للاحتماء من الشيطان وجنده هو الالتجاء إلى الله والاحتماء بجنابه، والاستعاذة به من الشيطان، فإنه عليه قادر. فإذا أجار عبده فأنى يخلص الشيطان إليه، قال تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين - وإمَّا ينزغنَّك من الشَّيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنَّه سميع عليم) [الأعراف: ١٩٩-٢٠٠] .\nوقد أمر الله رسوله ﷺ بالاستعاذة بالله من همزات الشياطين وحضورهم: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشَّياطين - وأعوذ بك رب أن يحضرون) [المؤمنون: ٩٧-٩٨] .\nوهمزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم، فالله يأمرنا بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة؛ إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم، لشدة العداوة بينه وبين آدم.\nيقول ابن كثير في تفسيره: \" والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شرّ كل ذي شرّ ...، ومعنى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)؛ أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني ودنياي،\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/٨٧. ورقمه: ٨١.","vol":"1","page":129},{"text":"أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفّه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجنّ؛ لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه \" (١) .\nوقد كان ﷺ يكثر من الاستعاذة بربه من الشيطان بصيغ مختلفة، فكان يقول بعد دعاء الاستفتاح في الصلاة: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)، روى ذلك أصحاب السنن الأربعة وغيرهم عن أبي سعيد (٢) .\nمواضع الاستعاذة:\n١- الاستعاذة عند دخول الخلاء:\nوكان إذا دخل الخلاء يستعيذ من الشياطين ذكورهم وإناثهم، كما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء، قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) (٣) .\nوفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) (٤) .\n٢- الاستعاذة عند الغضب:\nعن سليمان بن صُرَد قال: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا، قد احمرّ وجهه، فقال النبي ﷺ: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) . رواه البخاري ومسلم (٥) .\nوقد علَّم الرسول ﷺ أبا بكر إذا أصبح وإذا أمسى أن يقول: (اللهم فاطر السماوات\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/٢٨.\n(٢) حديث صحيح، انظر تخريجه، وكلام الشيخ ناصر الدين الألباني عليه في إرواء الغليل: ٢/٥١. ورقمه: ٣٤١.\n(٣) رواه البخاري: ١/٢٤٢. ورقمه: ١٤٢، ورواه مسلم: ١/٢٨٣. ورقمه: ٣٧٥.\n(٤) صحيح سنن أبي داود: ١/٤. ورقمه: ٤.\n(٥) مشكاة المصابيح: ١/٧٤٣. ورقمه: ٢٤١٨.","vol":"1","page":130},{"text":"والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلا أنت، ربّ كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شرّ الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجره إلى مسلم) (١) . رواه الترمذي.\n٣- الاستعاذة عند الجماع:\nوحثنا على الاستعاذة حين يأتي الرجل أهله، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدًا) . متفق عليه (٢) .\n٤- الاستعاذة عند نزول وادٍ أو منزل:\nوإذا نزل المرء واديًا أو منزلًا، فعليه أن يستعيذ بالله، لا كما كان يفعل أهل الجاهلية يستعيذون بالجن والشياطين، فيقول قائلهم: أعوذ بزعيم هذا الوادي من سفهاء قومه، فكانت العاقبة أن استكبرت الجن وآذتهم، كما حكى الله عنهم ذلك في سورة الجن: (وأنَّه كان رجالٌ من الإنس يعوذون برجالٍ من الجن فزادوهم رهقًا) [الجن: ٦]؛ أي الجن زادت الإنس رهقًا.\nوقد علمنا الرسول ﷺ كيف نستعيذ بالله عندما ننزل منزلًا فعن خولة بنت حكيم: أن النبي ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا نزل منزلًا قال: أعوذ بكلمات الله التامة من شرّ ما خلق، لم يضره في ذلك المنزل شيء، حتى يرتحل منه) . رواه ابن ماجة بإسناد صحيح (٣) .\n٥- التعوذ بالله من الشيطان عند سماع نهيق الحمار:\nيقول الرسول ﷺ: (إذا نهق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم) . رواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد صحيح (٤)، وقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الحمار إذا نهق فإنه يكون قد رأى شيطانًا (٥) .\n٦- التعوذ حين قراءَة القرآن:\nقال تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم - إنَّه ليس له سلطان على الَّذين آمنوا وعلى ربهم يتوكَّلون) [النحل: ٩٨-٩٩] .\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ٣/١٧٢. ورقمه: ٢٧٩٨.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/٧٣٢. ورقمه: ٣٤١٦.\n(٣) صحيح سنن ابن ماجة: ٢/٢٧٣. ورقمه: ٢٨٥٧.\n(٤) راجع صحيح الجامع: ١/٢٨٦.\n(٥) الحديث رواه البخاري ومسلم. انظر: مشكاة المصابيح: ١/٧٤٣. ورقمه: ٢٤١٩.","vol":"1","page":131},{"text":"وقد بين ابن القيم الحكمة في الاستعاذة بالله من الشيطان حين قراءَة القرآن، فقال:\n١- \" إن القرآن شفاء لما في الصدور يذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمره الشيطان فيها، فأمر أن يطرد مادة الداء، ويخلي منه القلب، ليصادف الداء محلًا خاليًا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل:\nأتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ××× فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا\nفيجيء هذا الدواء الشافي إلى القلب، وقد خلا من مزاحم ومضاد له، فينجع فيه.\n٢- ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أنّ الماء مادة النبات، والشيطان نار يحرق النبات أولًا فأولًا، فكلما أحسّ بنبات الخير من القلب، سعى في إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله - ﷿ - منه، لئلا يفسد عليه ما يحصل له بالقرآن.\nوالفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها.\n٣- ومنها: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن، وتستمع لقراءته، كما في حديث أسيد بن حضير لما كان يقرأ ورأى مثل الظلة فيها المصابيح، فقال ﵊: (تلك الملائكة)، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه، حتى يحضره خاص ملائكته، فهذه منزلة لا يجتمع فيها الملائكة والشياطين.\n٤- ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل","vol":"1","page":132},{"text":"انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع في القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.\n٥- ومنها: أن القارئ يناجي الله تعالى بكلامه، والله أشد أذنًا للقارئ الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته، والشيطان إنما قراءَته الشعر والغناء، فأمر القارئ أن يطرده بالاستعاذة عند مناجاة الله تعالى واستماع الربّ قراءَته.\n٦- ومنها: أن الله سبحانه أخبر أنّه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ...، فإذا كان هذا مع الرسل عليهم الصلاة والسلام فكيف بغيرهم. ولهذا يغلط الشيطان القارئ تارة، ويخلط عليه القراءَة، ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءَة، لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعها له.\n٧- ومنها: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه، فهو يشتد عليه حينئذ؛ ليقطعه عنه \" (١) .\n٧- تعويذ الأبناء والأهل:\nعن ابن عباس ﵄ قال: كان الرسول ﷺ يعوذ الحسن والحسين: (أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) . ويقول: (إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق) . رواه البخاري (٢) .\nقال أبو بكر ابن الأنباري: \" الهامة: واحد الهوام، ويقال: هي كل نسمة تهم بسوء، واللامة: الملمة، وإنما قال: لامة ليوافقه لفظ هامة، فيكون أخف على اللسان \" (٣) .\nخير ما يتعوذ به المتعوذون:\nوخير ما يتعوذ به المتعوذون سورتا الفلق والناس، فقد أمر الرسول ﷺ عبد الله بن خبيب أن يقرأ: (قل هو الله أحد)، والمعوذتين حين يمسي، وحين يصبح، ثلاثًا. وقال له: (يكفيك الله كل شيء) .\nوفي رواية أخرى أمره بقراءَة المعوذتين، ثم قال له: (ما تعوذ الناس بأفضل منهما) .\nوفي بعض الروايات: أن هذه القصة كانت مع عقبة بن عامر. وفي رواية أن الرسول ﷺ قال لابن عابس الجهني: (إن أفضل ما تعوذ به المتعوذون المعوذتان) . وقال الرسول ﷺ في بعض روايات حديث عقبة: (ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما) (٤) .\n_________\n(١) إغاثة اللهفان: ١/١٠٩.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/٤٨٨. ورقمه: ١٥٣٥.\n(٣) تلبيس إبليس: ٤٧.\n(٤) انظر هذه الأحاديث في صحيح سنن النسائي: ٣/١١٠٤ -١١٠٧. وأرقامها: ٥٠١٧-٥٠٢٩.","vol":"1","page":133},{"text":"كيف تصنع بالشيطان إذ سوّل لك الخطايا؟\nحكي عن أحد علماء السلف أنه قال لتلميذه: \" ما تصنع بالشيطان إذا سوّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده.\nقال هذا يطول، أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها، أو منعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده جهدي وأرده. قال: هذا أمر يطول، ولكن استعن بصاحب الغنم يكفّه عنك \" (١) .\nوهذا فقه عظيم من هذا العالم الجليل، فإن الاحتماء بالله، والالتجاء إليه، هو السبيل القوي الذي يطرد الشيطان ويبعده، وهذا ما فعلته أم مريم إذ قالت: (وإني أعيذها بك وذريتها من الشَّيطان الرَّجيم) [آل عمران: ٣٦] .\nلماذا لا يذهب الشيطان عندما يستعيذ منه الإنسان؟\nيقول بعض الناس: إننا نستعيذ بالله، ومع ذلك فإننا نحس بالشيطان يوسوس لنا، ويحرضنا على الشر، ويشغلنا في صلاتنا.\nوالجواب: أن الاستعاذة كالسيف في يد المقاتل، فإن كانت يده قوية، أصاب من عدوه مقتلًا، وإلا فإنه قد لا يؤثر فيه، ولو كان السيف صقيلًا حديدًا.\nوكذلك الاستعاذة إذا كانت من تقيّ ورع كانت نارًا تحرق الشيطان، وإذا كانت من مخلط ضعيف الإيمان فلا تؤثر في العدو تأثيرًا قويًا.\nقال أبو الفرج ابن الجوزي ﵀: \" واعلم أن مثل إبليس مع المتقي والمخلط، كرجل جالس بين يديه طعام ولحم، فمرّ به كلب، فقال له: اخسأ، فذهب. فمرّ بآخر بين يديه طعام ولحم فكلّما أخسأه (طرده) لم يبرح. فالأول مثل المتقي يمر به الشيطان، فيكفيه في طرده الذكر، والثاني مثل المخلط لا يفارقه الشيطان لمكان تخليطه، نعوذ بالله من الشيطان \" (٢) .\nفعلى المسلم الذي يريد النجاة من الشيطان وأحابيله أن يشتغل بتقوية إيمانه،\n_________\n(١) تلبيس إبليس: ٤٨.\n(٢) تلبيس إبليس: ٤٨.","vol":"1","page":134},{"text":"والاحتماء بالله ربه، والالتجاء إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nرابعًا: الاشتغال بذكر الله:\nذكر الله من أعظم ما ينجي العبد من الشيطان، وفي الحديث: أن الله أمر نبي الله يحي أن يأمر بني إسرائيل بخمس خصال، ومن هذه: (وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدّو في أثره سراعًا، حتى إذا أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله) .\nيقول ابن القيم (١): \" فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجًا بذكره، فإنّه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل، وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى، انخنس عدو الله وتصاغر، وانقمع، حتى يكون كالوَصع [طائر أصغر من العصفور]، وكالذباب، ولهذا سمي (الوسواس الخناس)؛ لأنه يوسوس في صدور الناس، فإذا ذكر الله خنس، أي كف وانقبض. وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس \".\nويقول ابن القيم: \" الشياطين قد احتوشت العبد وهم أعداؤه، فما ظنك برجل قد احتوشه أعداؤه المحنقون عليه غيظًا، وأحاطوا به، وكل منهم يناله بما يقدر عليه من الشرّ والأذى، ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله ﷿ \".\nثم ساق - ﵀ - حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، وكنا في صفّةٍ بالمدينة، فقام علينا وقال: (إنّي رأيت البارحة عجبًا: رأيت رجلًا من أمتي أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه برّه بوالديه، فرد ملك الموت عنه.\nورأيت رجلًا قد بسط عليه عذاب\n_________\n(١) الوابل الصيب: ص٦٠.","vol":"1","page":135},{"text":"القبر، فجاءه وضوؤه، فاستنقذه من ذلك.\nورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله ﷿، فطرد الشياطين عنه.\nورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته، فاستنقذته من أيديهم.\nورأيت رجلًا من أمتي يلتهب - وفي رواية: يلهث - عطشًا، كلما دنا من حوض منع وطرد، فجاءه صيام شهر رمضان، فأسقاه وأرواه.\nورأيت رجلًاَ من أمتي ورأيت النبيين جلوسًا حِلَقًا حِلَقًا، كلما دنا إلى حلقة طرد، فجاءه غسلُهُ من الجنابة، فأخذ بيده، فأقعده إلى جنبي.\nورأيتُ رجلًا من أمتي، بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن يساره ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو متحيّر فيها، فجاءه حجة وعمرته، فاستخرجاه من الظلمة، وأدخلاه في النور.\nورأيت رجلًا من أمتي يتقي بيده وهج النار وشرره، فجاءته صدقته، فصارت سترة بينه وبين النار، وظللت على رأسه.\nورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءته صلته لرحمه فقالت: يا معشر المسلمين، إنه كان وصولًا لرحمه فكلموه، فكلمه المؤمنون، وصافحوه وصافحهم.\nورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الزبانية، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فاستنقذه من أيديهم، وأدخله في ملائكة الرحمة.\nورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على ركبتيه، وبينه وبين الله ﷿ حجاب، فجاءه حُسن خلقه، فأخذ بيده، فأدخله على الله ﷿.\nورأيت رجلًا من أمتي قد ذهبت صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله ﷿، فأخذ صحيفته، فوضعها في يمينه.\nورأيت رجلًا من أمتي خفّ ميزانه فجاء أفراطه (١)، فثقلوا ميزانه.\nورأيت رجلًا من أمتي قائمًا على شفير جهنم، فجاءه رجاؤه في الله ﷿، فاستنقذه من ذلك ومضى.\nورأيت رجلًا من أمتي قد أقوى في النار، فجاءته دمعته التي بكى من خشية الله ﷿ فاستنقذته من ذلك.\nورأيت رجلًا من\n_________\n(١) جمع فرط، والمراد به: من مات له من الأطفال.","vol":"1","page":136},{"text":"أمتي قائمًا على الصراط يرعد كما ترعد السّعَفة في ريح عاصف، فجاءه حُسْنُ ظنهِ بالله ﷿، فسَكن رعدَتَهُ ومضى.\nورأيت رجلًا من أمتي يزحفُ على الصراط، ويحبوا أحيانًا، ويتعلق أحيانًا، فجاءته صلاته، فأقامته على قدميه، وأنقذته.\nورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، فغلقت الأبواب دونه، فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله، ففتحت له الأبواب، وأدخلته الجنة) .\nرواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الترغيب في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية)، وبنى كتابه عليه وجعله شرحًا له، وقال: هذا حديث حسن جدًا، رواه عن سعيد بن المسيب: عمرو بن آزر، وعلي بن زيد بن جدعان، وهلال أبو جبلة. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، يعظم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه.\nوالمقصود منه قوله ﷺ: (ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله ﷿، فطرد الشيطان عنه) فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري (١) .\nوقوله فيه: (وآمركم بذكر الله ﷿، وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو، فانطلقوا في طلبه سِراعًا، وانطلق حتى أتى حصنًا حَصينًا، فأحرز نفسه فيه) .\nفكذلك الشيطان لا يحرز العباد أنفسهم منه إلا بذكر الله ﷿، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا خرج من بيته فقال: بسم الله، توكلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هُدِيت وكفُيتَ ووُقِيتَ، فيتَنَحّى له الشيطان، ويقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدِي وكُفي ووُقي؟) . رواه أبو داود، وروى الترمذي إلى قوله: (له الشيطان) (٢) .\nوصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت\n_________\n(١) الوابل الصيب: ص١٤٤.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/٧٤٩. ورقمه: ١٤٤٢.","vol":"1","page":137},{"text":"له حرزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي) . متفق عليه (١) .\nوقال أبو خلاد المصري: من دخل في الإسلام، دخل في حصن، ومن دخل المسجد، فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة يذكر الله ﷿ فيها، فقد دخل في ثلاثة حصون.\nوفي صحيح البخاري، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: \" ولاّني رسول الله ﷺ زكاة رمضانَ أن احتفظ بها، فأتاني آتٍ، فجعل يَحْثُوا الطعام، فأخذته، فقال: دعني فإني لا أعود.... \". فذكر الحديث، وقال: فقال في الثالثة: \" أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، إذا أويتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها إلى آخرها، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح \" فخلى سبيله، فأصبح، فأخبر النبي ﷺ بقوله، فقال: (صَدَقَكَ، وهو كذوب) .\nوذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أوى الإنسانُ إلى فراشه، ابتدرهُ ملكٌ وشيطانٌ،\n_________\n(١) مشكاة المصابيح: ١/٧٠٨. ورقمه: ٢٣٠٢.","vol":"1","page":138},{"text":"فيقول الملكُ: اختم بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإذا ذكر الله، ثم نام، بات الملك يكلؤه.\nوإذا استيقظ، قال الملك: افتح بخير، وقال الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي ردَّ علي نفسي، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فإن وقع عن سريره فمات دخل الجنة) .\nرواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة \" (١) .\nوفي الصحيحين عن ابن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: (لو أن أحدكُم إذا أراد أن يأتي أهلَهُ فقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطانَ، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك لا يضرهُ شيطانٌ أبدًا) (٢) .\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/١٢٠. أقول: وصوابه السامي بالسين.\n(٢) رواه البخاري: ١٣/٣٧٩. ورقمه: ٧٣٩٦. ورواه مسلم: ٢/١٠٥٨. ورقمه: ١٤٣٤.","vol":"1","page":139},{"text":"وقد ثبت في «الصحيح» أن الشيطان يهرب من الأذان.\nقال سهيل بن أبي صالح: \" أرسلني أبي إلى بني حارثة ومعي غلام - أو صاحب لنا - فناداه منادٍ من حائط باسمه قال: وأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئًا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنّ الشيطان إذا نودي بالصلاة، ولى وله حصاص) (١) .\n_________\n(١) رواه مسلم: ١/٢٩٠. ورقمه: ٣٨٩.","vol":"1","page":141},{"text":"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر ببين المرء ونفسه....) (١) .\nروى الإمام أحمد أن أبا تميمة سمع أحد الصحابة يحدث أنه كان رديف رسول الله ﷺ قال: عثر بالنبي ﷺ حماره، فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ: (لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله تصاغر، حتى يصير مثل الذباب) . قال ابن كثير (٢): تفرد به أحمد، وإسناده جيد.\n\nخامسًا: لزوم جماعة المسلمين:\nومما يبعد المسلم عن الوقوع في أحابيل الشيطان أن يعيش في ديار الإسلام،\n_________\n(١) رواه البخاري: ٢/٤٨. ورقمه: ٨٠٦. وانظره أيضًا برقم: ١٢٢٢، ١٢٣١، ١٢٣٢، ٣٢٨٥. ورواه مسلم: ١/٢٩٠. ورقمه: ٣٨٩.\n(٢) مسند الإمام أحمد: ٥/٥٩، البداية والنهاية: ١/٦٥.","vol":"1","page":143},{"text":"ويختار لنفسه الفئة الصالحة التي تعينه على الحق، وتحضّه عليه، وتذكره بالخيرات، فإن في الاتحاد والتجمع قوة وأي قوة، عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، فكان مما قال: (عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد..) (١) .\nوالجماعة جماعة المسلمين، وإمام المسلمين، ولا قيمة للجماعة في الإسلام ما لم تلتزم بالحق: الكتاب والسنة، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية) (٢) .\nوروى أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبي سفيان أنه قام فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال: (ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة) (٣) .\nسادسًا: كشف مخططات الشيطان ومصائده (٤):\nعلى المسلم أن يتعرف على سبله ووسائله في الإضلال، ويكشف ذلك للناس، وقد فعل ذلك القرآن، وقام بهذه المهمة الرسول ﷺ خير قيام، فالقرآن عرفنا الأسلوب الذي أغوى الشيطان به آدم. والرسول ﷺ كان يعرف الصحابة كيف يسترق الشيطان السمع، ويلقي بالكلمة التي سمع في أذن الكاهن أو الساحر ومعها مائة كذبة، يبين ذلك لهم كي لا ينخدعوا بأمثال\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ٢/٢٣٢. ورقمه: ١٧٥٨.\n(٢) صحيح سنن أبي داود: ١/١٠٩. ورقمه: ٥٤١.\n(٣) صحيح سنن أبي داود: ٣/٨٦٩. ورقمه: ٣٨٤٢.\n(٤) إذا رغبت في الوقوف على تفاصيل مخططات الشيطان ومكائده ومصائده، وكيف ألبس على الناس دينهم في العقائد والعبادات والمعاملات، وكيف تلاعب باليهود والنصارى والمجوس وعباد الأوثان - فلا غنى لك عن قراءة كتابين: الأول: تلبيس إبليس، لابن الجوزي، الثاني: إغاثة اللهفان، لابن القيم.","vol":"1","page":144},{"text":"هؤلاء، وبين لهم كيف يوسوس لهم ويشغلهم في صلاتهم وعبادتهم، وكيف يحاول الشيطان أن يوهمهم بأن وضوءهم قد فسد، والأمر ليس كذلك، وكيف يفرق بين المرء وزوجه، وكيف يوسوس للمرء، فيقول له: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟\nأسلحة المؤمن في حربه مع الشيطان\nسابعًا: مخالفة الشيطان:\nيأتي الشيطان في صورة ناصح يحرص على الإنسان كما سبق، فعلى المرء أن يخالف ما يأمر به، ويقول له: لو كنت ناصحًا أحدًا لنصحت نفسك، فقد أوقعت نفسك في النار، وجلبت لها غضب الجبّار، فكيف ينصح غيره من لا ينصح نفسه.\nيقول الحارث بن قيس: \" إذا أتاك الشيطان وأنت تصلي، فقال: إنك ترائي فزدها طولًا \" (١) . وهذا فقه جيد منه، ﵀.\nوإذا علمنا أنّ أمرًا ما يحبّه الشيطان، ويتصف به، فعلينا أن نخالفه، فمثلًا الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويأخذ بشماله، لذا وجبت علينا مخالفته. روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: (ليأكل أحدكم بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله) (٢) .\nوالشيطان يشاركنا في الشرب إذا شربنا، ونحن وقوف، ولذا أرشدنا الرسول ﷺ إلى الشرب ونحن جلوس.\nورغّبنا الرسول ﷺ في القيلولة، معلّلًا ذلك بأن الشياطين لا تقيل، (قيلوا، فإنّ الشياطين لا تقيل) . رواه أبو نعيم في الطبّ، بإسناد حسن (٣) .\nوحذرنا القرآن من الإسراف، وقد عدّ المبذرين إخوان الشياطين، وما ذلك إلا لأن الشياطين تحب إضاعة المال وإنفاقه في غير وجهه.\nومن الإسراف الإكثار من الأثاث والفراش الذي لا لزوم له،\n_________\n(١) تلبيس إبليس: ٣٨.\n(٢) صحيح سنن ابن ماجة: ١/٢٢٥. ورقمه: ٢٦٤٣.\n(٣) صحيح الجامع: ٤/١٤٧.","vol":"1","page":145},{"text":"روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ ذكر الفرش فقال: (فراش للرجل، وفراش لامرأته، وفراش للضيف، والرابع للشيطان) (١) .\nومن هذا المنطلق أمرنا الرسول ﷺ بأن نميط الأذى عن اللقمة التي تسقط من أحدنا، ولا نتركها للشيطان، عن جابر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند طعامه، فإذا سقطت اللقمة، فليمط ما كان بها من أذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان، فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة) (٢) .\nمراكب الشيطان:\nهذه الخيول والدواب التي يقامر عليها ويراهن عليها تعدّ من مراكب الشياطين، يقول الرسول ﷺ: (الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن؛ فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه، وروثه، وبوله في ميزانه، وأمّا فرس الشيطان، فالذي يقامر أو\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٣/١٦٥١. ورقمه: ٢٠٨٤. وصحيح سنن أبي داود: ٢/٧٨٠. ورقمه: ٣٤٨٩.\n(٢) صحيح مسلم: ٣/١٦٠٧. ورقمه: ٢٠٣٣.","vol":"1","page":146},{"text":"يراهن عليه، وأما فرس الإنسان، فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من الفقر) . رواه أحمد بإسناد صحيح (١) .\nالعجلة من الشيطان:\nمن الصفات التي يحبها الشيطان العجلة؛ لأنها توقع الإنسان في كثير من الأخطاء، يقول الرسول ﷺ: (التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان) . رواه البيهقي في شعب الإيمان بإسناد حسن (٢) . فعلينا أن نخالف الشيطان في ذلك، ونتبع ما يرضي الرحمن، ولذلك قال الرسول ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) (٣) .\nالتثاؤب:\nومما يحبه الشيطان من الإنسان التثاؤب؛ ولذا أمرنا الرسول ﷺ بكظمه ما استطعنا، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءَب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان) (٤) . وذلك لأن التثاؤب علامة الكسل، والشيطان يعجبه ويفرحه من الإنسان كسله وفتوره؛ إذ بذلك يقل عمله وبذله الذي يرفعه عند ربه.\nثامنًا: التوبة والاستغفار:\nومما يواجه به العبد كيد الشيطان أن يسارع بالتوبة والأوبة إلى الله إذا أغواه الشيطان، وهذا دأب عباد الله الصالحين، قال تعالى: (إنَّ الَّذين اتَّقوا إذا مسَّهم طائفٌ من الشَّيطان تذكَّروا فإذا هم مُّبصرون) [الأعراف: ٢٠١] .\nوقد فسر الطائف بالهمّ بالذنب، أو إصابة الذنب، وقوله: (تذكَّروا) أي عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا، وأنابوا، واستعاذوا بالله، ورجعوا إليه من قريب. (فإذا هم مُّبصرون) أي قد استقاموا وصحوا\n_________\n(١) صحيح الجامع: ٣/١٣٧.\n(٢) صحيح الجامع: ٣/٥٧.\n(٣) رواه مسلم في صحيحه: ١/٤٨-٤٩. ورقمه: (١٧)، (١٨) .\n(٤) رواه البخاري: ٦/٣٣٨. ورقمه: ٣٢٨٩. ورواه مسلم: ٤/٢٢٩٣. ورقمه: ٢٩٩٤. واللفظ للبخاري. ورواه الترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي: ٢/٣٥٥. ورقمه: ٢٢٠٦.","vol":"1","page":147},{"text":"مما كانوا فيه. وهذا يدل على أن الشيطان يكاد يجعل الإنسان في عماية لا يرى الحق ولا يبصره بما يلقيه عليه من غشاوة، وما يغشي به القلب من الشبهات والشكوك.\nوأخبرنا الرسول ﷺ أن الشيطان قال لرب العزة: (وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الربّ: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني) . رواه أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه (١) .\nهذه حال عباد الله: الرجوع من قريب، والتوبة والإنابة إلى الله، ولهم في ذلك أسوة بأبيهم آدم، فإنه لما أكل من الشجرة، تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وتوجه آدم وزوجه إلى الله قائلين: (ربَّنا ظلمنا أنفسنا وإن لَّم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين) [الأعراف: ٢٣] .\nأما أولياء الشيطان فهم كما قال الله فيهم: (وإخوانهم يمدُّونهم في الْغَيِّ ثمَّ لا يقصرون) [الأعراف: ٢٠٢] .\nوالمراد بإخوانهم هنا: إخوان الشياطين من الإنس كقوله: (إنَّ المبذرين كانوا إخوان الشَّياطين) [الإسراء: ٢٧]، وهم أتباعهم والمستمعون لهم، القابلون لأوامرهم يمدونهم في الغيّ: أي بالتزيين والتحسين للذنوب والمعاصي، بلا كلل ولا ملل. كقوله: (ألم تر أنَّا أرسلنا الشَّياطين على الكافرين تؤزُّهم أزًّا) [مريم: ٨٣] .\nتاسعًا: أزل اللبس والغموض الذي يدخل الشيطان منه إلى النفوس:\nلا تقف مواقف الشبهة، وإذا حدث ذلك فَوَضّحْ للناس حالك، حتى لا تدع للشيطان فرصة الوسوسة في صدور المسلمين، ولك أسوة في رسول الله ﷺ في هذا.\nروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا، فأتيته\n_________\n(١) صحيح الجامع: ٢/٧٢.","vol":"1","page":148},{"text":"أزوره ليلًا فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليَقْلبني (١)، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال رسول الله ﷺ: (على رسلكما، إنها صفية بنت حيي)، فقالا: سبحان الله، يا رسول الله!! قال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًا)، أو قال: (شيئًا) (٢) .\nقال الخطابي: \" في هذا الحديث من العلم استحباب أن يحذر الإنسان من كل أمر من المكروه مما تجري به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس بإظهار البراءَة من الريب \".\nويحكى في هذا عن الشافعي ﵁ أنه قال: \" خاف النبي ﷺ أن يقع في قلوبهما شيء من أمره فيكفرا، وإنما قاله ﷺ شفقة منه عليهما لا على نفسه \" (٣) .\nومما أرشدنا الله إليه القول الحسن مع الآخرين حتى لا يدخل الشيطان بيننا وبين إخواننا، فيوقع العداوة بيننا والبغضاء، قال تعالى: (وقل لعبادي يقولوا الَّتي هي أحسن إنَّ الشَّيطان ينزغ بينهم) [الإسراء: ٥٣] .\nوهذا أمر تساهل فيه بعض الناس، فتراهم يقولون الكلام الموهم الذي يحتمل وجوهًا عدة بعضها سيِّء، وقد يرمي أحدهم أخاه بألفاظ يكرهها، ويناديه بألقاب يمقتها، فيكون ذلك مدخلًا للشيطان، فيفرق بينهما، ويحل العداء محل الوفاق والألفة.\nالنفس البشرية في معترك الصراع:\nفي ختام هذا الفصل أحب أن أثبت مبحثًا مهمًا من كلام ابن القيم صوّر فيه - ﵀ - حقيقة الصراع وطبيعته، يقول ابن القيم ما ملخصه: \" اختار الله الإنسان من بين خلقه فكرمه واصطفاه، وجعله محلًا للإيمان والتوحيد والإخلاص والمحبة والرجاء، وابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوه إبليس، لا يفتر عنه \" (٤) .\nثم يقول ابن القيم ما نصه: \" فهو (أي الشيطان) يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه وطبعه، فتميل نفسه معه؛ لأنه يدخل عليها بما تحب، فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد: ثلاثة مسلطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وطرهم، والجوارح آلة منقادة، فلا يمكنها إلا الانبعاث، فهذا شأن هذه الثلاثة، وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أمروا وأين يمموا.\nهذا مقتضى حال العبد، فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بجند آخر، وأمدّه بمدد آخر، يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل عليه كتابه، وأيده بملك كريم يقابل عدوه الشيطان، فإذا أمره الشيطان بأمر، أمره الملك بأمر ربّه، وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك، فهذا يلم به مرة، وهذا مرة، والمنصور من نصره الله ﷿، والمحفوظ من حفظه الله تعالى.\nوجعل الله له مقابل نفسه الأمارة نفسًا مطمئنة، إذا أمرته النفس الأمارة بالسوء، نهته عنه النفس المطمئنة، وإذا نهته الأمارة عن الخير، أمرته به النفس المطمئنة، فهو يطيع هذه مرة، وهذه مرة، وهو الغالب عليه منهما، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهرًا لا تقوم معه أبدًا.\nوجعل له مقابل الهوى الحامل له على طاعة الشيطان والنفس الأمارة نورًا وبصيرة، وعقلًا يرده عن الذهاب مع الهوى، فكلما أراد أن يذهب مع الهوى، ناداه العقل والبصيرة والنور: الحذر الحذر، فإن المهالك والمتالف بين يديك، وأنت صيد الحرامية، وقطّاع الطريق، إن سرت خلف هذا الدليل.\nفهو يطيع الناصح مرة، فيبين له رشده ونصحه، ويمشي خلف دليل الهوى مرة، فيقطع عليه الطريق، ويؤخذ ماله، وتسلب ثيابه، فيقول: ترى من أين أتيت؟\nوالعجب أنه يعلم من أين أُتي، ويعرف الطريق التي قطعت عليه، وأخذ فيها، ويأبى إلا سلوكها، لأنّ دليله تمكن منه، وتحكم فيه، وقوي عليه، ولو أضعفه بالمخالفة له، وزجره إذا دعاه، ومحاربته إذا أراد أخذه، لم يتمكن منه، ولكن هو مكنه من نفسه، وهو أعطاه يده.\nفهو بمنزلة الرجل يضع يده في يد عدوه، فيباشره ثم يسومه سوء العذاب، فهو يستغيث فلا يغاث، فهكذا يستأسر للشيطان والهوى ولنفسه الأمارة، ثم يطلب الخلاص، فيعجز عنه.\nفلما أن بُلي العبد بما بُلي به، أعين بالعساكر والعدد والحصون، وقيل: قاتل عدوك وجاهده، فهذه الجنود خذ منها ما شئت، وهذه الحصون تحصن بأي حصن شئت منها، ورابط إلى الموت، فالأمر قريب، ومدة المرابطة يسيرة جدًا، فكأنك بالملك الأعظم وقد أرسل إليك رسله، فنقلوك إلى داره، واسترحت من هذا الجهاد، وفرق بينك وبين عدوك، وأطلقت في دار الكرامة تتقلب فيها كيف شئت، وسجن عدوك في أصعب الحبوس وأنت تراه.\nفالسجن الذي كان يريد أن يودعك فيه قد أدخله وأغلقت عليه أبوابه، وأيس من الروح والفرج، وأنت فيما اشتهت نفسك، وقرّت عينك، جزاءً على صبرك في تلك المدة اليسيرة، ولزومك الثغر للرباط، وما كانت إلا ساعة ثمّ انقضت، وكأن الشدة لم تكن.\nفإن ضعفت النفس عن ملاحظة قصر الوقت وسرعة انقضائه، فليتدبر قوله ﷿: (كأنَّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاَّ ساعةً من نَّهار) [الأحقاف: ٣٥] وقوله ﷿: (كأنَّهم يوم يرونها لم يلبثوا إلاَّ عشيَّةً أو ضُحَاهَا) [النازعات: ٤٦]، وقوله ﷿: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين - قالوا لبثنا يومًا أو بعض يومٍ فَاسْأَل العادين - قال إن لبثتم إلاَّ قليلًا لو أنَّكم كنتم تعلمون) [المؤمنون: ١١٢-١١٤]، وقوله تعالى: (يوم ينفخ في الصُّور ونحشر المجرمين يومئذٍ زرقًا - يتخافتون بينهم إن لبثتم إلاَّ عشرًا - نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقةً إن لبثتم إلاَّ يومًا) [طه: ١٠٢-١٠٤] .\nوخطب النبي ﷺ أصحابه يومًا، فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال، وذلك عند الغروب قال: (إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه) . رواه أحمد في المسند، والترمذي في سننه، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nفليتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، وليعلم أي شيء حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي من الدنيا بأسرها، ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بحظ خسيس لا يساوي شيئًا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئًا موفورًا وأكمل منه، كما في بعض الآثار: \" ابن آدم، بع الدنيا بالآخرة تربحهما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تخسرهما جميعًا \".\nوقال بعض السلف: \" ابن آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج، فإن بدأت بنصيبك من الدنيا، أضعت نصيبك من الآخرة، وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة، فزت بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا \".\nوكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول في خطبته: \" أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثًا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادًا يجمعكم الله - ﷿ - فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشقي عبد أخرجه الله - ﷿ - من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السماوات والأرض.\nوإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباقٍ، وشقاوة بسعادة، ألا ترون أنكم في أصلاب الهالكين، وسيخلفه بعدكم الباقون؟ ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديًا رائحًا إلى الله قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسّد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟ \".\nوالمقصود أن الله - ﷿ - قد أمد العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود، والعدد، والأمداد، وبين له بماذا يحرز نفسه من عدوه، وبماذا يَفتَكّ نفسه إذا أسر.\nوقد روى الإمام أحمد ﵁ - والترمذي، من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: (إنّ الله - ﷾ - أمر يحي ابن زكريا ﷺ بخمس كلماتٍ: أن يعمل بها، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كادَ أن يُبطئ بها، فقال له عيسى ﵇: إن الله - تعالى - أمركَ بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمرَهُم، فقال يحي: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي وأعذب، فجمع يحي الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشرف، فقال: إن الله - ﵎ - أمرني بخمس كلمات أن أَعمَلَهُنّ، وآمركُم أن تعملُوا بهن) .\nوخامس هذه الخمسة التي أمرهم بها الذكر، (وآمركم أن تذكروا الله تعالى فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا، حتى أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى) . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nومما أمرهم به في الحديث الصلاة: (آمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت) . والالتفات المنهي عنه في الصلاة قسمان؛ أحدهما: التفات القلب عن الله ﷿ إلى غير الله تعالى. والثاني: التفات البصر. وكلاهما منهي عنه. ولا يزال الله مقبلًا على عبده ما دام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه. وقد سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاسٌ يَخْتلِسُهُ الشيطانُ من صلاة العبد) (٥) .\nوفي أثر: يقول الله تعالى: (إلى خير مني، إلى خير مني؟) . ومثل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه مثلُ رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا، وقد انصرف قلبه عن السلطان، فلا يفهم ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظنّ هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقّه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مبعدًا قد سقط من عينيه؟ .\nفهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحيى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه. وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، قال حسان بن عطية: إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض، وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله ﷿، والآخر ساهٍ غافل. فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب، لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا، فما الظن بالخالق ﷿؟\nوإذا أقبل على الخالق ﷿، وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس، والنفس مشغوفة بها، ملأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد ألهته الوساوس والأفكار، وذهبت به كل مذهب؟\nوالعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربه وأغيظه للشيطان، وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنّيه وينسيه، ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهوّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها فيتركها.\nفإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بنيه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة، ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة، وأيس منها، فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله ﷿، فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه ﷿ بقلبه في صلاته؛ فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تخف عنه بالصلاة، فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها، وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه.\nفهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا وراحة وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينيه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجنٍ وضيقٍ حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم: (يا بلالُ أرِحنا بالصلاةِ)، ولم يقل: أرحنا منها، وقال ﷺ: (جُعِلت قُرة عيني في الصلاةِ) . فمن جعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟\nوقد روي أن العبد إذا قام يصلي، قال الله ﷿: \" ارفعوا الحجب، فإذا التفت، قال: أرخوها \"، وقد فُسِّر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله ﷿ إلى غيره، فإذا التفت إلى غيره، أرخى الحجاب بينه وبين العبد، فدخل الشيطان، وعرض عليه أمور الدنيا، وأراه إياها في صورة المرآة، وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت، لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله - تعالى - وبين ذلك القلب، وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب، فإن فر إلى الله تعالى، وأحضر قلبه فر الشيطان، فإن التفت حضر الشيطان، فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة.\nكيف يجعل المصلي قلبه حاضرًا في الصلاة؟\nوإنما يقوى العبد على حضوره في الصلاة واشتغاله فيها بربه ﷿، إذا قهر شهوته وهواه، وإلا فقلب قد قهرته الشهوة، وأسره الهوى، ووجد الشيطان فيه مقعدًا تمكن فيه، كيف يخلص من الوساوس والأفكار؟ !\nوالقلوب ثلاثة: قلب خالٍ من الإيمان وجميع الخير، فذلك قلب مظلم قد استراح الشيطان من إلقاء الوساوس إليه؛ لأنه قد اتخذه بيتًا ووطنًا، وتحكم فيه بما يريد، وتمكن منه غاية التمكن.\nالقلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان، وأوقد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هناك إقبال وإدبار، ومجالات ومطامع، فالحرب دول وسجال.\nوتختلف أحوال هذا الصنف بالقلة والكثرة، فمنهم مَنْ أوقات غلبته لعدوه أكثر، ومنهم مَنْ أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم من هو تارة وتارة.\nالقلب الثالث: قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس لاحترق به، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم، فلو دنا منها الشيطان يتخطاها لرجم فاحترق، وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن، وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء، والسماء متعبد الملائكة، ومستقرّ الوحي، وفيها أنوار الطاعات، وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة، والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئًا إلا خطفة.\nوقد مثّل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت:\nبيت الملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره.\nوبيت للعبد فيه كنوز العبد، وذخائره، وجواهره، وليس جواهر الملك وذخائره.\nوبيت خال صفر لا شيء فيه، فجاء اللص يسرق من أحد البيوت، فمن أيها يسرق؟\nفإن قلت: من البيت الخالي، كان محالًا؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يسرق، ولهذا قيل لابن عباس ﵄: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟\nوإن قلت: يسرق من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإن عليه من الحرس واليزَك (٦) ما لا يستطيع اللص الدنو منه، كيف وحارسه الملك بنفسه، وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث، فهو الذي يشن عليه الغارات.\nفيلتأمل اللبيب هذا المثال، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله.\nفقلب خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه، واتخذه سكنًا ومستقرًا، فأي شيء يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟\nوقلب قد امتلأ من جلال الله - ﷿ - وعظمته ومحبته ومراقبته والحياء منه، فأي شيطان يجترئ على هذا القلب؟ وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق؟ وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخطفة ونهب يحصل له على غرة من العبد وغفلة لا بد له منها، إذ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو والذهول وغلبة الطبع.\nوقلب فيه توحيد الله تعالى، ومعرفته، ومحبته، والإيمان به، والتصديق بوعده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها، ودواعي الهوى والطبع.\nوقلب بين هذين الداعيين؛ فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة والمحبة لله تعالى وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الشيطان والهوى والطباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويعطي الله النصر من يشاء: (وما النَّصر إلاَّ من عند الله العزيز الحكيم) [آل عمران: ١٢٦] . وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل إليه الشيطان، فيجد سلاحه عنده، فيأخذه ويقاتل به، فإن أسلحته هي الشهوات والشبهات والخيالات والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فيدخل الشيطان فيجدها عتيدة، فيأخذها ويصول بها على القلب، فإن كان عند العبد عدة عتيدة، من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإذا أذن العبد لعدوه، وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومكنه من السلاح يقاتله به، فهو الملوم.\nفنفْسك لُم ولا تَلُم المطايا ××× ومُت كمدًا فليس لك اعتذارُ \"\nعلاج الصرع\nتحدثنا في ما مضى أن الشيطان قد يصيب الإنسان، وهو ما نسميه الصرع أو مس الجن، وسنحاول أن نبين أسباب الصرع وعلاجه:\nأسباب الصرع:\nبيّن ابن تيمية (٧): \" أن الصرع للإنس قد يكون عن شهوة وهوى وعشق، كما يتفق للإنس مع الإنس ...، وقد يكون - وهو\n_________\n(١) ليردني إلى منزلي.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/٣٣٦. ورواه مسلم: ٤/١٧١٢. ورقمه: ٢١٧٥. واللفظ لمسلم.\n(٣) تلبيس إبليس: ٤٦.\n(٤) الوابل الصيب: ص٢١.\n(٥) رواه البخاري: ٢/٢٣٤. ورقمه: ٧٥١.\n(٦) يزك ويسك (بالتركية): بمعنى المنع والحظر والزجر.\n(٧) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٩/٣٩.","vol":"1","page":149},{"text":"الأكثر - عن بغض ومجازاة، مثل أن يؤذيهم بعض الإنس، أو يظنوا أنهم يتعمدون أذاهم إما ببول على بعضهم، وإمّا بصب ماء حار، وإما بقتل بعضهم، وإن كان الإنس لا يعرف ذلك، وفي الجن جهل وظلم، فيعاقبونه بأكثر مما يستحقه، وقد يكون عن عبث منهم وشرّ بمثل سفهاء الإنس \".\nواجبنا تجاه هؤلاء:\nذكرنا أن الجن عباد مأمورون متعبدون بالشريعة، فإذا استطاع المسلم أن يصل إلى مخاطبتهم، كما يحدث مع الجني الذي يصرع الإنسان، وجب القيام بذلك.\nفإذا كان صرع الجني للإنسي من الباب الأول (عن شهوة وهوى)، فهو من الفواحش التي حرمها الله تعلى على الإنس والجن، ولو كانت برضا الطرف الآخر، فكيف مع كراهته، فإنّه فاحشة وظلم. فيخاطب الجن بذلك، ويعرفون أن هذا فاحشة محرمة، أو فاحشة وعدوان؛ لتقوم الحجة عليهم بذلك، ويعلموا أنه يحكم فيهم بحكم الله ورسوله الذي أرسله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن.\nوما كان من الثاني (إيذاء بعض الإنس لهم)، فإن كان الإنسي لم يَعْلَمْ، فيخاطبون بأن هذا لم يعلم، ومن لم يتعمد الأذى لا يستحق العقوبة، وإن كان قد فعل ذلك في داره وملكه عرفوا بأنها ملكه، فله أن يتصرف فيها بما يجوز، وأنتم ليس لكم أن تمكثوا في ملك الإنس بغير إذنهم، بل لكم ما ليس من مساكن الإنس كالخراب والفلوات ...\nويقول ابن تيمية (١): \" والمقصود أن الجن إذا اعتدوا على الإنس، أخبروا بحكم الله ورسوله، وأقيمت عليهم الحجة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، كما يفعل بالإنس؛ لأن الله يقول: (وما كنَّا معذبين حتَّى نبعث رسولًا) [الإسراء: ١٥]، وقال:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ١٩/٤٢.","vol":"1","page":150},{"text":"(يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصُّون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا) [الأنعام: ١٣٠]؟\nالنهي عن قتل حيَّات البيوت:\nيقول ابن تيمية: \" ولهذا نهى النبي ﷺ عن قتل حيّات البيوت حتى تؤذن ثلاثًا \"، وقد سبق ذكر النصوص المبينة لذلك، وقد ساق ابن تيمية تلك النصوص، ثمّ بين السبب الذي من أجله نهى عن قتل جنان البيوت فقال: \" وذلك أن قتل الجن بغير حق لا يجوز، كما لا يجوز قتل الإنس بلا حق، والظلم محرم في كل حال، فلا يحلّ لأحد أن يظلم أحدًا، ولو كان كافرًا، بل قال تعالى: (ولا يجر منَّكم شَنَآنُ قومٍ على ألاَّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتَّقوى) [المائدة: ٨] .\nفإذا كانت حيات البيوت قد تكون جنًّا فتؤذن ثلاثًا، فإن ذهبت وإلا قتلت، فإنها إن كانت حية قتلت، وإن كانت جنية، فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حيّة تفزعهم بذلك، والعادي هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره ولو كان قتلًا، وأما قتلهم بدون سبب يبيح ذلك، فلا يجوز \".\nسب الجان وضربهم:\nوذكر ابن تيمية أن واجب المؤمن نصرة أخيه المظلوم، وهذا المصروع مظلوم، ولكن النصرة يكون بالعدل كما أمر الله، فإذا لم يرتدع الجني بالأمر والنهي والبيان، فإنّه يجوز نهره وسبه وتهديده ولعنه، كما فعل الرسول ﷺ مع الشيطان عندما جاء بشهاب ليرميه في وجه الرسول ﷺ فقال ﵇: (أعوذ بالله منك، ألعنك بلعنة الله ثلاثًا) .\nوذكر أنه قد يحتاج في إبراء المصروع ودفع الجني عنه إلى الضرب، فيضرب ضربًا كثيرًا جدًّا، والضرب إنما يقع على الجني، ولا يحسه المصروع، حتى يفيق المصروع، ويخبره أنه لم يحس شيئًا من ذلك، ولا يؤثر في بدنه،","vol":"1","page":151},{"text":"ويكون قد ضرب بعصا قوية على رجليه نحو ثلاثمائة أو أربعمائة ضربة أو أكثر أو أقل، بحيث لو كان على الإنسي لقتله، وإنما هو على الجني، والجني يصيح ويصرخ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة، ويذكر ابن تيمية أنه فعل هذا وجربه مرات كثيرة، يطول وصفها.\nأقول: وقد يستغل الضرب فيمن يظن أن فيه صرع وهو ليس كذلك، فيكون فيه هلاك المضروب، ولذلك ينبغي تجنبِه.\nالاستعانة على الجان بالذكر وقراءَة القرآن:\nوخير ما يستعان به على الجني الذي يصرع الإنسان ذكر الله وقراءَة القرآن، ومن أعظم ذلك قراءَة آية الكرسي، (فإن من قرأها لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح) . كما صح الحديث بذلك.\nيقول ابن تيمية (١): \" ومع هذا فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة أن لها من التأثير في دفع الشياطين وإبطال أحوالهم ما لا ينضبط من كثرته وقوته، فإن لها تأثيرًا عظيمًا في دفع الشياطين عن نفس الإنسان وعن المصروع، وعمن تعينه الشياطين، مثل أهل الظلم والغضب، وأهل الشهوة والطرب، وأرباب سماع المكاء والتصدية، إذا قرئت عليهم بصدق، دفعت الشياطين، إذ كانت الشياطين يوحون إلى أوليائهم بأمور يظنها الجهال من كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هي من تلبيسات الشياطين على أوليائهم المغضوب عليهم والضالين \".\nطرد الرسول ﷺ للجن من بدن المصروع:\nفعل ذلك الرسول ﷺ أكثر من مرة، فعن أم أبان بنت الوازع بن زارع ابن عامر العبدي، عن أبيها، أن جدها الزارع انطلق إلى رسول الله ﷺ، فانطلق معه بابن له مجنون، أو ابن أخت له.\nقال جدي: فلما قدمنا على رسول الله قلت: إن\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ١٩/٥٥.","vol":"1","page":152},{"text":"معي ابنًا لي، أو ابن أخت لي مجنون، أتيتك به فتدعو الله له، قال: (ائتني به) فانطلقت إليه، وهو في الركاب، فأطلقت عنه، وألقيت عنه ثياب السفر، وألبسته ثوبين حسنين، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ.\nفقال: (أدنه مني، واجعل ظهره مما يليني) . قال: فأخذ بمجامع ثوبه من أعلاه وأسفله، فجعل يضرب ظهره، حتى رأيت بياض إبطيه، ويقول: (اخرج عدو الله، اخرج عدو الله) .\nفأقبل ينظر نظر الصحيح، ليس بنظره الأول. ثم أقعده رسول الله ﷺ بين يديه، فدعا له، فمسح وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه. رواه الطبراني (١) .\nوفي المسند أيضًا عن يعلى بن مرّة قال: \" لقد رأيت من رسول الله ﷺ ثلاثًا ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي.\nلقد خرجت معه في سفر، حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامراة جالسة معها صبي لها، فقالت يا رسول الله: هذا الصبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال: (ناولينيه)، فرفعته إليه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر (فاه)، فنفث فيه ثلاثًا، وقال (بسم الله، أنا عبد الله، اخسأ عدو الله)، ثم ناولها إياه، فقال: (القينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل) قال: فذهبنا، ورجعنا، فوجدناها في ذلك المكان، معها ثلاث شياه، فقال: (ما فعل صبيك؟)، فقالت: والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئًا حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: (انزل خذ منها واحدة، ورد البقية) (٢) .\nوعن عثمان بن أبي العاص؛ قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف، جعل يعرض لي شيء في صلاتي، حتى ما أدري ما أُصلي، فلما رأيت ذلك، رحلت إلى رسول الله ﷺ. قال:\n(ابْنُ أَبِي العاصِ؟) قلت: نعم: يا رسول الله! قال: (ما جاء بك؟)، قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلواتي، حتى ما أدري ما أصلي. قال: (ذلك الشيطانُ. فادْنُهْ) فدنوت منه. فجلست على صدور قدمي. قال، فضرب صدري بيده، وتفل في فمي، وقال: (اخرُجْ. عَدُوّ الله!) ففعل ذلك ثلاث مرات. ثم قال: (الحق بعَمَلكَ) (٣) .\nوإذا ابتلي المصروع، ولم يجد علاجًا فصبر على بلواه، فإن له عند الله أجرًا عظيمًا، ففي صحيح البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي عطاء بن أبي رباح: (قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) . فقالت: أصبر. فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها \".\nحدثنا محمدٌ أخبرنا مخلدٌ عن ابن جريج أخبرني عطاء: أنه رأى أم زفر، تلك المرأة الطويلة السوداء، على ستر الكعبة (٤) . وذكر ابن حجر أن هذه المرأة قالت: \" إني أخاف الخبيث أن يجردني \" (٥) .\nفالرسول ﷺ أخرج الجني بالأمر والنهر واللعن، ولكن هذه لا تكفي وحدها، فإنّ لقوة الإيمان وثبات اليقين وحسن الصلة بالله أثرًا كبيرًا في هذا، يدلك على ذلك ما سنورده في الواقعة التالية.\nالإمام أحمد يأمر الجني بالخروج فيستجيب:\nروي أنّ الإمام أحمد كان جالسًا في مسجده، إذ جاءَه صاحب له من\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٩/٢. وقال الهيثمي فيه: وأم أبان لم يرو عنها غير مطر. وذكر الهيثمي الحديث من رواية أحمد في مسنده بأخصر مما ذكره الطبراني. وقال: فيه هند بنت الوازع لم أعرفها، وبقية رجاله ثقات.\n(٢) رواه أحمد في مسنده: ٤/١٧٠، وروى الدارمي، (١/١٥. ورقمه: ١٧) هذه القصة بلفظ مقارب عن جابر ﵁.\n(٣) صحيح سنن ابن ماجة: ٢/٢٧٣. ورقمه: ٢٨٥٨.\n(٤) صحيح البخاري: ١٠/١١٤. ورقمه: ٥٦٥٢.\n(٥) فتح الباري: ١٠/١١٥.","vol":"1","page":153},{"text":"قبل الخليفة المتوكل، فقال:\nإن في بيت أمير المؤمنين جارية بها صرع، وقد أرسلني إليك، لتدعو الله لها بالعافية.\nفأعطاه الإمام نعلين من الخشب، وقال:\nاذهب إلى دار أمير المؤمنين، واجلس عند رأس الجارية، وقل للجني: قال لك أحمد: أيما أحب إليك: تخرج من هذه الجارية، أو تصفع بهذا النعل سبعين؟\nفذهب الرجل ومعه النعل إلى الجارية، وجلس عند رأسها، وقال كما قال له الإمام أحمد.\nفقال المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة لأحمد، لو أمرنا أن نخرج من العراق لخرجنا منه، إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء، ثم خرج من الجارية، فهدأت، ورزقت أولادًا.\nفلما مات الإمام، عاد لها المارد، فاستدعى لها الأمير صاحبًا من أصحاب أحمد، فحضر، ومعه ذلك النعل، وقال للمارد: أخرج وإلا ضربتك بهذا النعل.\nفقال المارد: لا أطيعك ولا أخرج، أما أحمد بن حنبل، فقد أطاع الله فأمرنا بطاعته.\nما ينبغي أن يكون عليه المعالج:\nوينبغي للمعالج أن يكون قوي الإيمان بالله معتمدًا عليه، واثقًا بتأثير الذكر وقراءَة القرآن، وكلما قوي إيمانه وتوكله قوي تأثيره، فربما كان أقوى من الجني فأخرجه، وربما كان الجني أقوى فلا يخرج، وربما كان","vol":"1","page":154},{"text":"المخرج للجني ضعيفًا، فتتقصد الجن إيذاءَه، فعليه بكثرة الدعاء والاستعانة عليهم بالله، وقراءَة القرآن، خاصة آية الكرسي.\nالرقى والتعاويذ:\nيقول ابن تيمية رحمه الله تعالى (١): \" وأما معالجة الموضوع بالرقى، والتعويذات فهذا من وجهين:\nفإن كانت الرقى والتعاويذ مما يعرف معناها، ومما يجوز في دين الإسلام أن يتكلم به الرجل، داعيًا الله، ذاكرًا له، ومخاطبًا لخلقه، ونحو ذلك، فإنه يجوز أن يرقي بها المصروع، ويعوذه، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ قال: (اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى: ما لم يكن فيه شرك) (٢)، وقال: (من استطاع منكم أن ينفع أخيه فلينفعه) (٣) .\nوإن كان في ذلك كلمات محرمة، مثل أن يكون فيها شرك، أو كانت مجهولة المعنى، يحتمل أن يكون فيها كفر، فليس لأحد أن يرقي بها ولا يعزم، ولا يقسم، وإن كان الجني قد ينصرف عن المصروع بها، فإنّ ما حرمه الله ورسوله ضرره أكثر من نفعه.\nوذكر في موضع آخر (٤): \" أن أرباب العزائم الشركية كثيرًا ما يعجزون عن دفع الجني، وكثيرًا ما تسخر منهم الجن إذا طلبوا منهم قتل الجني الصارع للإنس أو حبسه، فيخيلوا إليهم أنهم قتلوه أو حبسوه، ويكون ذلك تخييلًا وكذبًا.\nاسترضاء الجن:\nوبعض الناس يحاولون استرضاء الجني الذي يصرع الإنسان بالذبح له، وهذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وروي أنه نهى عن ذبائح الجن.\nوقد يزعم بعض الناس أن هذا من باب التداوي بالحرام، وهذا خطأ\n_________\n(١) مجموع الفتاوى: ٢٤/٢٧٧.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/١٧٢٧. ورقمه: ٢٢٠٠.\n(٣) صحيح مسلم: ٤/١٧٢٧. ورقمه: ٢١٩٩.\n(٤) مجموع الفتاوى: ١٩/٤٦.","vol":"1","page":155},{"text":"كبير، فالصواب أن الله لم يجعل الشفاء في شيء من المحرمات، وعلى القول بجواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخمر، فلا يجوز أن يستدل بذلك على الذبح للجني؛ لأن التداوي بالمحرمات فيه نزاع لبعض العلماء، أمّا التداوي بالشرك والكفر، فلا خلاف بين العلماء في تحريمه، ولا يجوز التداوي به باتفاق.\n\nوفي الختام أحب أن أنبه أن ليس كل صرع فهو من الجان، فمنه ما هو أمراض عارضة لها أسبابها التي قد يعلمها الأطباء، وقد لا يعلمونها، وهذا لا ينفي معالجة أمثال هؤلاء بالقرآن والرقى، فالقرآن والرقى لها أثر في الشفاء من جميع الأدواء.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل السادس الحكمة من خلق الشيطان</span>\nالشيطان منبع الشرور والآثام، فهو القائد إلى الهلاك الدنيوي والأخروي، ورافع الراية في كل وقت ومكان، يدعو الناس إلى الكفران، ومعصية الرحمن، فهل في خلقه من حكمة؟ وما هذه الحكمة؟\nأجاب عن هذا السؤال ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (١): \" في خلق إبليس وجنوده من الحكم ما لا يحيط بتفصيله إلا الله \".\nفمن ذلك:\n١- ما يترتب على مجاهدة الشيطان وأعوانه من إكمال مراتب العبودية:\nفمنها أن يكمل لأنبيائه وأوليائه مراتب العبودية بمجاهدة عدو الله وحزبه، ومخالفته ومراغمته في الله، وإغاظته وإغاظة أوليائه، والاستعاذة به منه، واللجوء إليه أن يعيذهم من شرّه وكيده، فيترتب على ذلك من المصالح الدنيوية والأخروية ما لم يحصل بدونه ... والموقوف على الشيء لا يحصل بدونه.\n٢- خوف العباد من الذنوب:\nومنها خوف الملائكة والمؤمنين من ذنبهم بعدما شاهدوا من حال إبليس ما شاهدوه، وسقوطه من المرتبة الملكية إلى المنزلة الإبليسية يكون أقوى وأتم، ولا ريب أن الملائكة لما شاهدوا ذلك، حصلت لهم عبودية أخرى للرب تعالى، وخضوع آخر، وخوف آخر، كما هو المشاهد من حال عبيد الملك إذا رأوه قد أهان أحدهم الإهانة التي بلغت منه كل مبلغ، وهم يشاهدونه، فلا ريب\n_________\n(١) شفاء العليل: ص٣٢٢.","vol":"1","page":169},{"text":"أن خوفهم وحذرهم يكون أشد.\n٣- جعله الله عبرة لمن اعتبر:\nومنها أن الله جعله عبرة لمن خالف أمره، وتكبر عن طاعته، وأصرّ على معصيته، كما جعل ذنب أبي البشر عبرة لمن ارتكب نهيه، أو عصى أمره، ثم تاب وندم ورجع إلى ربه، فابتلى أبوي الجن والإنس بالذنب، وجعل هذا الأب عبرة لمن أصرّ وأقام على ذنبه، وهذا الأب عبرة إن تاب ورجع إلى ربه، فلله كم في ضمن ذلك من الحكم الباهرة، والآيات الظاهرة.\n٤- جعله فتنة واختبارًا لعباده:\nومنها أنّه محك امتحن الله به خلقه، ليتبين به خبيثهم من طيبهم، فإنه - سبحانه - خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها السهل والحزن، والطيب والخبيث، فلا بد أن يظهر ما كان في مادتهم، ففي الحديث عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جمع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود، والسهل والحزن، والطيب والخبيث) . رواه أحمد والترمذي وأبو داود (١) .\nفما كان في المادة الأصلية فهو كائن في المخلوق منها، فاقتضت الحكمة الإلهية إخراجه وظهوره، فلا بدّ إذًا من سبب يظهر ذلك، وكان إبليس محكًّا يميز به الطيب من الخبيث، كما جعل أنبياءه ورسله محكًّا لذلك التمييز، قال تعالى: (مَّا كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتَّى يميز الخبيث من الطَّيب) [آل عمران: ١٧٩]، فأرسل رسله إلى المكلفين، وفيهم الطيب والخبيث، فانضاف الطيب إلى الطيب، والخبيث إلى الخبيث.\nواقتضت حكمته البالغة أن خلطهم في دار الامتحان، فإذا صاروا إلى دار القرار يميز بينهم، وجعل لهؤلاء دارًا على حدة، ولهؤلاء دارًا على حدة، حكمة بالغة، وقدرة باهرة.\n_________\n(١) مشكاة المصابيح: ١/٣٦. ورقمه: ١٠٠.","vol":"1","page":170},{"text":"٥- إظهاره كمال قدرته سبحانه بخلق الأضداد:\nومن هذه الحكم أن يظهر كمال قدرته بخلق الأضداد، مثل جبريل والملائكة وإبليس والشياطين، وذلك من أعظم آيات قدرته ومشيئته وسلطانه؛ فإنه خالق الأضداد كالسماء والأرض، والضياء والظلام، والجنة والنار، والماء والنار، والحر والبرد، والطيب والخبيث.\n٦- الضد يظهر حسنه الضد:\nومن هذه الحكم أنَّ خلق أحد الضدين من كمال حسن ضده، فإنَّ الضد إنما يظهر حسنه بضده، فلولا القبيح لم تعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم يعرف قدر الغنى.\n٧- الابتلاء به إلى تحقيق الشكر:\nومن هذه الحكم أنه سبحانه، يحبّ أن يشكر بحقيقة الشكر وأنواعه، ولا ريب أن أولياءَه نالوا بوجود عدو الله إبليس وجنوده، وامتحانهم به من أنواع شكره، ما لم يكن ليحصل لهم بدونه، فكم بين شكر آدم وهو في الجنة، قبل أن يخرج منها، وبين شكره بعد أن ابتلي بعدوه، ثم اجتباه ربه، وتاب عليه وقبله.\n٨- في خلق إبليس قيام سوق العبودية:\nومنها أن المحبة والإنابة والتوكل والصبر والرضا ونحوها أحب العبودية إلى الله سبحانه، وهذه العبودية إنما تتحقق بالجهاد وبذل النفس لله، وتقديم محبته على كل ما سواه فالجهاد ذروة سنام العبودية، وأحبها إلى الرب سبحانه، فكان في خلق إبليس وحزبه قيام سوق هذه العبودية وتوابعها التي لا يحصي حكمها وفوائدها، وما فيها من المصالح إلا الله.","vol":"1","page":171},{"text":"٩- وترتب على ذلك ظهور آياته وعجائب قدرته:\nومن هذه الحكم أن في خلق من يضاد رسله ويكذبهم ويعاديهم، من تمام ظهور آياته، وعجائب قدرته، ولطائف صنعه ما وجوده أحب إليه وأنفع لأوليائه من عدمه، كظهور آية الطوفان، والعصا، واليد، وفلق البحر، وإلقاء الخليل في النار، وأضعاف ذلك من آياته، وبراهين قدرته، وعلمه، وحكمته، فلم يكن بُدّ من وجود الأسباب التي يترتب عليها ذلك.\n١٠- الخلق من النار آية:\nومن هذه الحكم أن المادة النارية فيها الإحراق والعلو والفساد، وفيها الإشراق والإضاءَة والنور، فأخرج منها - سبحانه - هذا وهذا، كما أنّ المادة الترابية الأرضية فيها الطيب والخبيث، والسهل والحزن، والأحمر والأسود والأبيض، فأخرج منها ذلك كله حكمة باهرة وقدرة باهرة، وآية دالة على أنه (ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير) [الشورى: ١١] .\n١١- ظهور متعلقات أسمائه:\nومن هذه الحكم أن من أسمائه الخافض الرافع، المعزِّ المذِّل، الحكم العدل، المنتقم، وهذه الأسماء تستدعي متعلقات يظهر فيها أحكامها، كأسماء الإحسان والرزق والرحمة ونحوها، ولا بدّ من ظهور متعلقات هذه وهذه.\n١٢- ظهور آثار تمام ملكه وعموم تصرفه:\nومن هذه الحكم أنه سبحانه الملك التام الملك، ومن تمام ملكه عموم تصرفه وتنوعه بالثواب والعقاب، والإكرام والإهانة والعدل، والفضل والإعزاز والإذلال، فلا بدّ من وجود من يتعلق به أحد النوعين، كما أوجد من يتعلق به النوع الآخر.","vol":"1","page":172},{"text":"١٣- وجود إبليس من تمام حكمته تعالى:\nومن هذه الحكم أن من أسمائه الحكيم، والحكمة من صفاته - سبحانه - وحكمته تستلزم وضع كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه، فاقتضت خلق المتضادات، وتخصيص كل واحد منها بما لا يليق به غيره من الأحكام والصفات والخصائص، وهل تتم الحكمة إلا بذلك؟ فوجود هذا النوع من تمام الحكمة، كما أنه من كمال القدرة.\n١٤- حمده تعالى على منعه وخفضه:\nومنها أن حمده - سبحانه - تام كامل من جميع الوجوه، فهو محمود على عدله ومنعه، وخفضه ورفعه، وانتقامه وإهانته، كما هو محمود على فضله وعطائه، ورفعه وإكرامه، فله الحمد التام الكامل على هذا وهذا، وهو يحمد نفسه على ذلك كله، ويحمده عليه ملائكته، ورسله وأولياؤه، ويحمده عليه أهل الموقف جميعهم، وما كان من لوازم كمال حمده وتمامه، فله في خلقه وإيجاده الحكمة التامة، كما له عليه الحمد التام، فلا يجوز تعطيل حمده، كما لا يجوز تعطيل حكمته.\n١٥- وبخلقه يظهر الله لعباده حلمه وصبره:\nومنها أنه - سبحانه - يحب أن يظهر لعباده حلمه وصبره، وأناته، وسعة رحمته، وجوده، فاقتضى ذلك خلق من يشرك به، ويضاده في حكمه، ويجتهد في مخالفته، ويسعى في مساخطه، بل يشبهه ﷾، وهو مع ذلك يسوق إليه أنواع الطيبات، ويرزقه، ويعافيه، ويمكن له من أسباب ما يلتذ به من أصناف النعم، ويجيب دعاءَه، ويكشف عنه السوء، ويعامله من بره وإحسانه بضد ما يعامله هو به من كفره وشركه وإساءَته، فلله كم في ذلك من حكمة وحمد.\nويتحبب إلى أوليائه ويتعرف بأنواع كمالاته، كما في الصحيح عن","vol":"1","page":173},{"text":"أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم) . متفق عليه (١) .\nوفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأمّا شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد) . رواه البخاري (٢) .\nوهو سبحانه مع هذا الشتم له، والتكذيب له، يرزق الشاتم المكذب، ويعافيه، ويدفع عنه، ويدعوه إلى جنته، ويقبل توبته إذا تاب إليه، ويبدله بسيئاته حسنات، ويلطف به في جميع أحواله، ويؤهله لإرسال رسله، ويأمرهم أن يلينوا له القول، ويرفقوا به.\nقال الفضيل بن عياض: \" ما من ليلة يختلط ظلامها إلا نادى الجليل - ﷻ - مَن أعظم مني جودًا، الخلائق لي عاصون، وأنا أكلؤهم في مضاجعهم، كأنهم لم يعصوني، وأتولى حفظهم، كأنهم لم يذنبوا، أجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء.\nمن ذا الذي دعاني فلم ألبه؟ من ذا الذي سألني فلم أعطه؟\nأنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومني الكرم، ومن كرمي أني أعطي العبد ما سألني، وأعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أني أعطي التائب كأنه لم يعصني، فأين عني يهرب الخلق، وأين عن بابي ينتحي العاصون؟ \".\nوفي أثر إلهي: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي) .\nوفي أثر حسن: (ابن آدم ما أنصفتني: خيري إليك نازل، وشرّك إلي صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي، وأنت فقير إلي، ولا يزال المَلَكُ الكريم يَعْرُج إلي منك بعمل قبيح) .\n_________\n(١) مشكاة المصابيح: ١/١٤. ورقمه: ٢٣.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/١٤. ورقمه: ٢٠.","vol":"1","page":174},{"text":"وفي الحديث الصحيح: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم) .\n١٦- خلق الله خلقه بحيث يظهر فيهم أحكام أسمائه وصفاته وآثارها:\nفالله سبحانه لكمال محبته لأسمائه وصفاته اقتضى حمده، وحكمته أن يخلق خلقًا يظهر فيهم أحكامها وآثارها، فلمحبته للعفو خلق من يحسن العفو عنه، ولمحبته للمغفرة خلق من يغفر له، ويحلم عنه، ويصبر عليه، ولا يعاجله، بل يكون يحب أمانه وإمهاله.\nولمحبته لعدله وحكمته خلق من يظهر فيهم عدله وحكمته، ولمحبته للجود والإحسان والبر خلق من يعامله بالإساءَة والعصيان، وهو سبحانه يعامله بالمغفرة والإحسان، فلولا خلقه من يجري على أيديهم أنواع المعاصي والمخالفات، لفاتت هذه الحكم والمصالح وأضعافها وأضعاف أضعافها، فتبارك الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، ذو الحكمة البالغة، والنعم السابغة، الذي وصلت حكمته إلى حيث وصلت قدرته، وله في كل شيء حكمة باهرة، كما أن له فيه قدرة قاهرة وهدايات.\n١٧- ما حصل بسبب وجود الشيطان من محبوبات للرحمن:\nفكم حصل بسبب هذا المخلوق البغيض للرب، المسخوط له من محبوب له ﵎، يتصل في حبه ما حصل به من مكروه، والحكيم الباهر الحكمة هو الذي يحصل أحب الأمرين إليه باحتمال المكروه الذي يبغضه ويسخطه، إذا كان طريقًا إلى حصول ذلك المحبوب. ووجود الملزوم بدون لازمه محال.\nفإن يكن قد حصل بعدو الله إبليس من الشرور والمعاصي ما حصل، فكم حصل بسبب وجوده، ووجود جنوده من طاعة هي أحب إلى الله وأرضى له من جهاد في سبيله، ومخالفة هوى النفس وشهوتها له، ويحتمل المشاق والمكاره في محبته ومرضاته، وأحبّ شيء للحبيب أن","vol":"1","page":175},{"text":"يرى محبّه يتحمل لأجله من الأذى والوصب ما يصدق محبته.\nمن أجلك قد جعلت خدي أرضا ××× بغيتي للشامت والحسود حتى ترضى\nومن أثر إلهي: (بغيتي ما يتحمل المتحملون من أجلي)، فالله ما أحب إليه احتمال محبيه أذى أعدائه لهم فيه، وفي مرضاته، وما أنفع ذلك الأذى لهم، وما أحمدهم لعاقبته، وماذا ينالون به من كرامة حبيبهم وقربه قرة عيونهم به، ولكن حرام على منكري محبة الرب تعالى أن يشموا لذلك رائحة، أو يدخلوا من هذا الباب، أو يذوقوا من هذا الشراب.\nقل للعيون العمي للشمس أعين ××× سواك يراها في مغيب ومطلع\nوسامح بؤسًا لم يؤهل لحبهم ××× فما يحسن التخصيص في كل موضع\nفإن أغضب هذا المخلوق ربه، فقد أرضاه فيه أنبياؤه ورسله وأولياؤه، وذلك الرضا أعظم من ذلك الغضب، وإن أسخطه ما يجري على يديه من المعاصي والمخالفات، فإنّه سبحانه أشدّ فرحًا بتوبة عبده من الفاقد لراحلته، التي عليها طعامه وشرابه، إذا وجدها في المفاوز المهلكات، وإن أغضبه ما جرى على أنبيائه ورسله من هذا العدو اللعين، فقد سرّه وأرضاه ما جرى على أيديهم من حربه ومعصيته ومراغمته وكبته وغيظه، وهذا الرضا أعظم عنده وأبرّ لديه من فوات ذلك المكروه المستلزم لفوات هذا المرضي المحبوب.\nوإن أسخطه أكل آدم من الشجرة، فقد أرضاه توبته وإنابته، وخضوعه وتذلله بين يديه وانكساره له.\nوإن أغضبه إخراج أعدائه لرسوله ﷺ من حرمه وبلدته ذلك الخروج، فقد أرضاه أعظم الرضا دخوله إليها ذلك الدخول.\nوإن أسخطه قتلهم أولياءه وأحبابه، وتمزيق لحومهم، وإراقة دمائهم، فقد أرضاه نيلهم الحياة التي لا أطيب منها، ولا أنعم، ولا ألذّ في قربه وجواره.\nوإن أسخطه معاصي عباده، فقد أرضاه شهود ملائكته وأنبيائه ورسله","vol":"1","page":176},{"text":"وأوليائه سعة مغفرته وعفوه وبرّه وكرمه وجوده والثناء عليه بذلك، وحمده وتمجيده بهذه الأوصاف التي حمده بها والثناء عليه بها، أحب إليه، وأرضى له من فوات تلك المعاصي، وفوات هذه المحبوبات.\nواعلم أن الحمد هو الأصل الجامع لذلك كله، فهو عقد نظام الخلق والأمر، والرب تعالى له الحمد كلّه بجميع وجوهه واعتباراته وتصاريفه، فما خلق شيئًا، ولا حكم بشيء إلا وله فيه الحمد، فوصل حمده إلى حيث وصل خلقه وأمره، حمدًا حقيقيًا يتضمن محبته والرضا به وعنه، والثناء عليه، والإقرار بحكمته البالغة في كل ما خلقه وأمر به، فتعطيل حكمته غير تعطيل حمده ... فكما أنه لا يكون إلا حميدًا فلا يكون إلا حكيمًا، فحمده وحكمته كعلمه وقدرته، وحياته من لوازم ذاته، ولا يجوز تعطيل شيء من صفاته وأسمائه ومقتضياتها وآثارها، فإن ذلك يستلزم النقص الذي يناقض كماله وكبرياءه وعظمته.\n١٨- محبته سبحانه أن يكون ملاذًا ومعاذًا لأوليائه:\nوفي هذا يقول ابن القيم: \" كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها أنّه يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم، ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه:\nيا من ألوذ به فيما أؤمله ××× ومن أعوذ به مما أحاذره\nلا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ××× ولا يهيضون عظمًا أنت جابره\nولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله.\nوالمقصود أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به مماليكه، وأن يعوذوا به، كما أمر رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه، وبذلك يظهر تمام نعمته على عبده إذا أعاذه وأجاره من عدوه، فلم يكن إعاذته","vol":"1","page":177},{"text":"وإجارته منه بأدنى النعمتين، والله تعالى يحب أن يكمل نعمته على عباده المؤمنين، ويريهم نصره لهم على عدوهم، وحمايتهم منه، وظفرهم به، فيا لها من نعمة كمل بها سرورهم ونعيمهم، وعدل أظهره في أعدائه وخصمائه.\nوما منهما إلا له فيه حكمة ××× يقصر عن إدراكها كل باحث\nالحكمة في بقاء إبليس إلى آخر الدهر:\nتحدث ابن القيم، ﵀، عن ذلك في (شفاء العليل) (١) ووضحه، فمن ذلك:\n١- امتحان العباد:\nفمما ذكره رحمه الله تعالى: أنّ الله جعله محكًّا ومحنة يخرج به الطيب من الخبيث، ووليّه من عدوه، ولذا اقتضت حكمته إبقاءَه ليحصل الغرض المطلوب بخلقه، ولو أماته لفات ذلك الغرض، كما أن الحكمة اقتضت بقاء أعدائه الكفار في الأرض إلى آخر الدهر، ولو أهلكهم ألبتة لتعطلت الحكم الكثيرة في إبقائهم، فكما اقتضت حكمته امتحان أبي البشر، اقتضت امتحان أولاده من بعده به، فتحصل السعادة لمن خالفه وعاداه، وينحاز إليه من وافقه وولاه.\n٢- وأبقاه مجازاة له على صالح عمله السابق:\nومنها أنه لما سبق حكمه وحكمته أنه لا نصيب له في الآخرة، وقد سبق له طاعة وعبادة، جزاه بها في الدنيا بأن أعطاه البقاء فيها إلى آخر الدهر، فإنه سبحانه لا يظلم أحدًا حسنة عملها، فأمّا المؤمن، فيجزيه بحسناته في الدنيا والآخرة، وأمّا الكافر، فيجزيه بحسناته ما عمل في الدنيا، فإذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له شيء، كما ثبت هذا المعنى في الصحيح عن النبي ﷺ.\n٣- أملى له ليزداد إثمًا:\nوبقاؤه إلى يوم القيامة لم يكن كرامة في حقه، فإنّه لو مات كان خيرًا له،\n_________\n(١) شفاء العليل: ٣٢٧.","vol":"1","page":178},{"text":"وأخف لعذابه، وأقل لشره، ولكن لما غلظ ذنبه بالإصرار على المعصية ومخاصمة من ينبغي التسليم لحكمه، والقدح في حكمته، والحلف على اقتطاع عباده، وصدهم عن عبوديته، كانت عقوبة الذنب أعظم عقوبة بحسب تغلظه، فأبقي في الدنيا، وأملى له ليزداد إثمًا، على إثم ذلك الذنب، فيستوجب العقوبة التي لا تصلح لغيره، فيكون رأس أهل الشرّ في العقوبة، كما كان رأسهم في الشر والكفر. ولما كان مادة كل شر فعنه تنشأ، جوزي في النار مثل فعله، فكل عذاب ينزل بأهل النار يبدأ فيه، ثم يسري منه إلى أتباعه عدلًا ظاهرًا وحكمة بالغة.\n٤- وأبقاه ليتولى المجرمين:\nومن حكم إبقائه إلى يوم الدين أنّه قال في مخاصمته لربّه: (أرأيتك هذا الذَّي كرَّمت عَلَيَّ لئن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريَّته إلاَّ قليلًا) [الإسراء: ٦٢] . وعلم الله - سبحانه - أن في الذرية من لا يصلح لمساكنته في داره، ولا يصلح إلا لما يصلح له الشوك والروث أبقاه له، وقال له بلسان القدر: هؤلاء أصحابك وأولياؤك، فاجلس في انتظارهم، وكلما مرّ بك واحد منهم فشأنك به، فلو صلح لي ما ملكتك منه، فإني أتولى الصالحين، وهم الذين يصلحون لي، وأنت ولي المجرمين من الذين غنوا عن موالاتي وابتغاء مرضاتي، قال تعالى: (إنَّه ليس له سلطان على الَّذين آمنوا وعلى ربهم يتوكَّلون - إنَّما سلطانه على الَّذين يتولَّونه والَّذين هم مشركون) [النحل: ٩٩-١٠٠] .\nفأما إماتة الأنبياء والمرسلين، فلم يكن ذلك لهوانهم عليه، ولكن ليصلوا إلى محل كرامته، ويستريحوا من نكد الدنيا وتعبها ومقاساة أعدائهم وأتباعهم، وليحيا الرسل بعدهم، يري رسولًا بعد رسول، فإماتتهم أصلح لهم وللأمة، أما هم فلراحتهم من الدنيا، ولحوقهم بالرفيق الأعلى في أكمل لذة وسرور، ولا سيما أنه قد خيرهم ربهم بين البقاء في الدنيا واللحاق به.\nوأمّا الأمم فيعلم أنهم لم يطيعوهم في حياتهم خاصة، بل أطاعوهم بعد مماتهم، كما أطاعوهم في حياتهم، وأن أتباعهم لم يكونوا يعبدونهم، بل يعبدون الله بأمرهم ونهيهم،","vol":"1","page":179},{"text":"والله هو الحي الذي لا يموت، فكم في إماتتهم من حكمة ومصلحة لهم وللأمة. هذا وهم بشر، ولم يخلق الله البشر في الدنيا على خلقة قابلة للدوام، بل جعلهم خلائف في الأرض، يخلف بعضهم بعضًا، فلو أبقاهم لفاتت المصلحة والحكمة في جعلهم خلائف، ولضاقت بهم الأرض، فالموت كمال لكل مؤمن، ولولا الموت لما طاب العيش في الدنيا، ولا هناء لأهلها بها، فالحكمة في الموت كالحكمة في الحياة.\nإلى أي مدى نجح الشيطان في إهلاك بني آدم؟\nعندما رفض الشيطان السجود لآدم، وطرده الله من رحمته وجنته، وغضب عليه ولعنه، أخذ على نفسه العهد أمام ربّ العزة بأن يضلنا ويغوينا، ويعبدنا لنفسه: (لَّعنة الله وقال لأتَّخذنَّ من عبادك نصيبًا مَّفروضًا - ولأضلَّنَّهم ...) [النساء: ١١٨-١١٩]، (قال أرأيتك هذا الَّذي كرَّمت عليَّ لئن أخَّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكنَّ ذريَّته إلاَّ قليلًا) [الإسراء: ٦٢] .\nفإلى أي مدى حقق الشيطان مراده من بني الإنسان؟\nإن المسرّح نظره في تاريخ البشرية يهوله ما يرى من ضلال الناس، وكيف كذبوا الرسل والكتب، وكفروا بالله ربهم، وأشركوا به مخلوقاته، قال تعالى: (وما أكثر النَّاس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: ١٠٣]، ولذا حق عليهم غضب الله وانتقامه: (ثمَّ أرسلنا رسلنا تترا كلَّ ما جاء أمَّةً رَّسولها كذَّبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا وجعلناهم أحاديث فبعدًا لقومٍ لا يؤمنون) [المؤمنون: ٤٤] .\nوفي الحاضر حيثما نظرنا أبصرنا أولياء الشيطان تعج بهم الحياة يرفعون رايته، وينادون بمبادئه، ويعذبون أولياء الله، ويدلنا على مدى تحقيق الشيطان لمراده، أن الله يأمر آدم يوم القيامة أن يخرج من ذريته بعث النار، فلما يستفسر","vol":"1","page":180},{"text":"عن مقدار هذا البعث يقول له: تسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، وفي رواية: تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة (١) .\nوبذلك يصدق ظنه في هذه الذرية التي لم تعتبر بما جرى لأبيها، ولا بما جرى لأسلافها، ويبقى هذا اللعين يقودها إلى هلاكها، بل أحيانًا تسابقه إلى الجحيم.\nوما أقبح أن يصدق ظن العدو في عدوه: (ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنَّه فاتَّبعوه إلاَّ فريقًا من المؤمنين) [سبأ: ٢٠] . قبيح الإنسان أن يتحقق فيه ظن الشيطان، فيطيع هذا العدو، ويعصي ربّه. ولقد بلغ الأمر حدًّا لا يوصف ولا يتصور، فهذه طائفة في العراق وفي جهات أخرى تطلق على نفسها: عباد الشيطان، وبعض الكتاب نراهم يحلفون (بحق الشيطان)، فما أعجب أمرهم!\nلا تفكر بكثرة الهالكين:\nحريّ بالعاقل اللبيب أن لا يغتر بكثرة الهالكين، فالكثرة ليس لها اعتبار في ميزان الله، إنما الاعتبار بالحقّ ولو قَلّ عدد متبعيه.\nفكن من أتباع الحق الذين رضوا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، الذين عرفوا الشيطان وأتباع الشيطان، فحاربوهم بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، وقبل ذلك بالالتجاء إلى الرحمن، والتمسك بدينه.\n(يا أيَّها الَّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافَّةً ولا تتَّبعوا خطوات الشَّيطان إنَّه لكم عدوٌّ مبين - فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أنَّ الله عزيز حكيم) [البقرة: ٢٠٨-٢٠٩] .\nنسأل الله أن يجعلنا بمنه وكرمه من الذين دخلوا في السلم دخولًا كليًا، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\n_________\n(١) الحديث رواهما البخاري وغيره. صحيح البخاري: ١١/٣٨٧، ٣٨٨ وراجع مؤلف أ. د. عمر الأشقر: الجنة والنار، ص٧٦.","vol":"1","page":181}]}