{"ً":{"ٌ":9897,"ٍ":"السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["9897/158128.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها\nالمؤلف: عبد الرحمن على الحجى\n(أستاذ التاريخ الإسلامي والأندلسي)\nالناشر: دار ابن كثير - (دمشق، بيروت)\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\nعدد الصفحات: ٤٥٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1379,"ٕ":24,"ٖ":1770155627,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"[المدخل]","level":1,"page":1},{"title":"الإهداء","level":1,"page":2},{"title":"ملاحظات","level":1,"page":4},{"title":"تقديم","level":1,"page":5},{"title":"تمهيد وتنجيد","level":1,"page":6},{"title":"المبحث الأول السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها","level":1,"page":19},{"title":"* استهلال وإطلال وإجلال:","level":2,"page":20},{"title":"* التخصص العام والدقيق:","level":2,"page":21},{"title":"* المقوم الأول المهم:","level":2,"page":21},{"title":"* اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها:","level":2,"page":22},{"title":"* السيرة مرآة ومهماز:","level":2,"page":24},{"title":"* مصادر دراسة السيرة:","level":2,"page":25},{"title":"* صلحاء الأمة وحماتها:","level":2,"page":27},{"title":"* كتابة السيرة الشريفة:","level":2,"page":28},{"title":"* العيش في جو السيرة عمقا وتعلقا:","level":2,"page":30},{"title":"* كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ:","level":2,"page":33},{"title":"* دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها:","level":2,"page":34},{"title":"* دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم:","level":2,"page":40},{"title":"* أسلوب هذه الدراسة:","level":2,"page":41},{"title":"* أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة:","level":2,"page":43},{"title":"* السيرة وكتابة التاريخ:","level":2,"page":43},{"title":"* السيرة وجيل الصحابة:","level":2,"page":44},{"title":"* هذه الدراسة والكتابة:","level":2,"page":45},{"title":"المبحث الثاني السيرة النبوية الشريفة استمرار مواكب وقواعد فهم ثاقب","level":1,"page":48},{"title":"* الحب الواضح المتجدد:","level":2,"page":48},{"title":"* الخلوص في التوجه، والنقاء في التلقي:","level":2,"page":50},{"title":"* سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة:","level":2,"page":52},{"title":"* السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حية:","level":2,"page":53},{"title":"* معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوقها ومعالمها:","level":2,"page":54},{"title":"* تحقق الإسلام بالسيرة:","level":2,"page":55},{"title":"* القدوة المثالية الواقعية:","level":2,"page":58},{"title":"* نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنة رسوله:","level":2,"page":60},{"title":"* قادة الأمة والسيرة:","level":2,"page":61},{"title":"* واجبات محببة كريمة، وثمار مباركة طيبة:","level":2,"page":62},{"title":"* علماء الأمة هم حماتها، وبناة حضارتها:","level":2,"page":64},{"title":"* جمال أمثلة صياغة الحياة وتفرد وعمق صبغتها:","level":2,"page":65},{"title":"* علماء الموائد:","level":2,"page":66},{"title":"* السنة وكتابة السيرة:","level":2,"page":67},{"title":"* من يكتب السيرة؟","level":2,"page":68},{"title":"* إرهاصات:","level":2,"page":73},{"title":"* أدلة إيضاح وإفصاح:","level":2,"page":73},{"title":"* جيلنا والاهتمام بالسيرة:","level":2,"page":78},{"title":"* واجب العناية بالسيرة:","level":2,"page":80},{"title":"المسلم ودراسة السيرة:","level":2,"page":81},{"title":"المبحث الثالث السيرة النبوية الشريفة جمال نماذجها وشمول فضائلها","level":1,"page":84},{"title":"* موقع السيرة النبوية من التاريخ:","level":2,"page":84},{"title":"* الصحابة والاقتداء بالسيرة:","level":2,"page":84},{"title":"* الخيرية والجيل المثال:","level":2,"page":85},{"title":"* السيرة موئل ومنهل:","level":2,"page":90},{"title":"* السيرة بناء وارتقاء:","level":2,"page":92},{"title":"* مدلولات فريدة جديدة:","level":2,"page":95},{"title":"* ثمار أغنت ميادينها:","level":2,"page":98},{"title":"* عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية:","level":2,"page":99},{"title":"* الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية:","level":2,"page":101},{"title":"* الصحابة والولاء للإسلام:","level":2,"page":106},{"title":"* أسلموا وأهلهم أعداء:","level":2,"page":107},{"title":"* الإيمان وتكاليف تربيته:","level":2,"page":113},{"title":"* رهافة الثمرة الإيمانية:","level":2,"page":120},{"title":"* إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة:","level":2,"page":125},{"title":"* دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير:","level":2,"page":129},{"title":"* مدى عناية الرسول ﷺ بالصحابة:","level":2,"page":134},{"title":"* العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون:","level":2,"page":136},{"title":"* تفقد الرسول ﷺ أصحابه وحبهم له:","level":2,"page":139},{"title":"* النساء وفرض الحجاب:","level":2,"page":141},{"title":"* جيل الصحابة والإقبال على أمر الله:","level":2,"page":143},{"title":"* قصة تحريم الخمر:","level":2,"page":145},{"title":"* الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام:","level":2,"page":167},{"title":"* حضور مشاهد الغابرين:","level":2,"page":175},{"title":"* المؤمنون والمعاندون وغيرهم:","level":2,"page":181},{"title":"* لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين:","level":2,"page":182},{"title":"* معاني الأحداث السالفة:","level":2,"page":189},{"title":"* القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه:","level":2,"page":192},{"title":"* أجواء السيرة العبقة:","level":2,"page":197},{"title":"* الصحابة وسبل الارتقاء:","level":2,"page":197},{"title":"* القرآن والسيرة:","level":2,"page":204},{"title":"* بين الدرجة والنوع:","level":2,"page":206},{"title":"* تذوق الصحابة نعمة الوحي، وافتقادها لدى انقطاعها:","level":2,"page":209},{"title":"* شواهد وفرائد صحابية:","level":2,"page":210},{"title":"* الرخص أم العزائم:","level":2,"page":211},{"title":"* السيرة مدد وحياة:","level":2,"page":219},{"title":"الثمار الطيبة الطعوم:","level":2,"page":219},{"title":"* الإضافة وحديث القرآن:","level":2,"page":220},{"title":"* الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرف المشرق:","level":2,"page":222},{"title":"* الصحابة فخر الميادين، ازدحمت بهم الساحات:","level":2,"page":223},{"title":"* السيرة والتابعون وتابعوهم:","level":2,"page":226},{"title":"* الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول ﷺ مقتدون:","level":2,"page":227},{"title":"* حب متوارث طهور:","level":2,"page":229},{"title":"* عناية الأجيال بالسيرة:","level":2,"page":231},{"title":"* وضوح أحداث السيرة:","level":2,"page":235},{"title":"* البشارات بالرسالة الخاتمة:","level":2,"page":237},{"title":"* عالمية الدعوة الإسلامية:","level":2,"page":238},{"title":"* السيرة ونسج المثال:","level":2,"page":241},{"title":"* السيرة ونفس المسلم:","level":2,"page":242},{"title":"* تفسير السيرة ومكانتها:","level":2,"page":242},{"title":"* المبحث الرابع ولادة الرسول الكريم ﷺ ولادة تتبعها ولادة","level":1,"page":245},{"title":"* فاتحة وافتتاح:","level":2,"page":245},{"title":"* هذا الاحتفال:","level":2,"page":245},{"title":"* أهمية المناسبات:","level":2,"page":246},{"title":"* مولد واقتران:","level":2,"page":247},{"title":"* تفكر وتفكر:","level":2,"page":249},{"title":"* الإسلام وحده هو الشرف:","level":2,"page":251},{"title":"* معنى الاحتفال بالمولد الشريف:","level":2,"page":251},{"title":"* هيمنة القرآن وإمامة الإسلام:","level":2,"page":252},{"title":"* يا حسرة على العباد:","level":2,"page":253},{"title":"* ولادة وولادة:","level":2,"page":254},{"title":"المسلم قوي بهذا الدين:","level":2,"page":256},{"title":"* أمة القرآن عودي للقرآن:","level":2,"page":257},{"title":"* الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية:","level":2,"page":258},{"title":"* المثل والأمثلة:","level":2,"page":259},{"title":"* الشرود عن منهج الله هو الدمار:","level":2,"page":260},{"title":"* النجاة بهذا الدين وحده:","level":2,"page":262},{"title":"* مهمة المسلم وآفاقه وقوته:","level":2,"page":263},{"title":"* كيف السبيل؟","level":2,"page":264},{"title":"* أداء حق أمانة الدعوة:","level":2,"page":264},{"title":"المبحث الخامس ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة","level":1,"page":267},{"title":"* المولد الميمون: المناسبة والاحتفال:","level":2,"page":267},{"title":"* مدلول حادثة الفيل:","level":2,"page":268},{"title":"* عالمية الدعوة الإسلامية:","level":2,"page":269},{"title":"* السمو بالاستمرار والاتصال:","level":2,"page":270},{"title":"* صورة مضيئة يهبها الإيمان:","level":2,"page":272},{"title":"* السهمي في بلاط كسرى:","level":2,"page":273},{"title":"معجزة نبوية شاهدة:","level":2,"page":274},{"title":"المبحث السادس الهجرة النبوية بين الفداء والبناء","level":1,"page":282},{"title":"* مؤشرات ومبشرات:","level":2,"page":282},{"title":"* محنة ومنحة:","level":2,"page":284},{"title":"* من الجاهلية إلى الإسلام:","level":2,"page":285},{"title":"* العزيمة وقيام الحياة الإسلامية:","level":2,"page":290},{"title":"* فطنة المسلم وتضحيته:","level":2,"page":294},{"title":"* النور وراء الظلمة:","level":2,"page":295},{"title":"* عجائب الإسلام وفرائده:","level":2,"page":296},{"title":"* هذه أخلاق القرآن:","level":2,"page":297},{"title":"* تعدد دروب النفس:","level":2,"page":297},{"title":"* الهجرة والأخذ بالأسباب:","level":2,"page":298},{"title":"* لقاء الهجرة والنصرة:","level":2,"page":302},{"title":"المبحث السابع الهجرة (النبوية) قائمة ودائمة","level":1,"page":309},{"title":"* مناسبات وأحفال:","level":2,"page":309},{"title":"* بين العلم والعمل:","level":2,"page":310},{"title":"* الجيل المسلم والسيرة:","level":2,"page":310},{"title":"* الهجرة والدولة:","level":2,"page":311},{"title":"* الهجرات الثلاث:","level":2,"page":311},{"title":"* إقامة الحياة الإسلامية:","level":2,"page":313},{"title":"* الخلوص الكامل لله:","level":2,"page":315},{"title":"* الإسلام هجرة وبيعة:","level":2,"page":316},{"title":"* الإسلام وطن وقومية:","level":2,"page":317},{"title":"* الهجرة هجرة ونصرة:","level":2,"page":320},{"title":"* الحق قادم بأهله:","level":2,"page":322},{"title":"المبحث الثامن الهجرة (النبوية) بيع وبيعة","level":1,"page":326},{"title":"* بداية وافتتاح:","level":2,"page":326},{"title":"* الإسلام كبرى النعم:","level":2,"page":326},{"title":"* ولادة الإنسان الجديد:","level":2,"page":327},{"title":"* دعوة اليقظة والارتقاء:","level":2,"page":329},{"title":"* تقدم الركب الميمون:","level":2,"page":330},{"title":"* حمل الراية المباركة:","level":2,"page":332},{"title":"* ذلك الجيل الفريد:","level":2,"page":334},{"title":"* قوة التضحية والفداء:","level":2,"page":336},{"title":"إنها بيعة دائمة، وعهود قائمة.","level":2,"page":337},{"title":"* الإقبال خفافا وثقالا:","level":2,"page":337},{"title":"* لقاء الهجرة والنصرة:","level":2,"page":340},{"title":"* واجب الشباب الطلاب:","level":2,"page":342},{"title":"* تضحيات فائقة رائقة:","level":2,"page":344},{"title":"المبحث التاسع حقائق الهجرة (النبوية) ودعائمها","level":1,"page":347},{"title":"* مناسبات ذات دلالة:","level":2,"page":347},{"title":"* قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى:","level":2,"page":348},{"title":"* التسخير لهذا الدين:","level":2,"page":349},{"title":"* الهجرة حب وحفظ:","level":2,"page":349},{"title":"* النصر حليف الإيمان:","level":2,"page":350},{"title":"* عجائب هذا التاريخ:","level":2,"page":352},{"title":"* الإسلام ارتقاء وشموخ:","level":2,"page":353},{"title":"* الإسلام تعامل وأخلاق:","level":2,"page":354},{"title":"* الإسلام شفاء وبناء:","level":2,"page":356},{"title":"وماذا بعد؟ خاتمة ونتيجة وعبر مستفادة!!","level":1,"page":405},{"title":"المصادر والمراجع","level":1,"page":405},{"title":"للمؤلف","level":1,"page":405},{"title":"الفهارس العامة","level":1,"page":405},{"title":"فهرس الآيات","level":2,"page":405},{"title":"فهرس الأحاديث والآثار النبوية","level":2,"page":417},{"title":"فهرس الشعر","level":2,"page":424},{"title":"فهرس الأعلام","level":2,"page":429},{"title":"فهرس الأماكن والبقاع","level":2,"page":435},{"title":"فهرس القبائل والجماعات","level":2,"page":438},{"title":"فهرس الموضوعات","level":2,"page":440}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,9":5,"1,11":6,"1,12":7,"1,13":8,"1,14":9,"1,15":10,"1,16":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,250":243,"1,251":244,"1,252":245,"1,253":246,"1,254":247,"1,255":248,"1,256":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,322":312,"1,323":313,"1,324":314,"1,325":315,"1,326":316,"1,327":317,"1,328":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,336":326,"1,337":327,"1,338":328,"1,339":329,"1,340":330,"1,341":331,"1,342":332,"1,343":333,"1,344":334,"1,345":335,"1,346":336,"1,347":337,"1,348":338,"1,349":339,"1,350":340,"1,351":341,"1,352":342,"1,353":343,"1,354":344,"1,355":345,"1,357":346,"1,358":347,"1,359":348,"1,360":349,"1,361":350,"1,362":351,"1,363":352,"1,364":353,"1,365":354,"1,366":355,"1,368":356,"1,369":357,"1,371":358,"1,372":359,"1,373":360,"1,374":361,"1,375":362,"1,376":363,"1,377":364,"1,378":365,"1,379":366,"1,380":367,"1,381":368,"1,382":369,"1,383":370,"1,384":371,"1,385":372,"1,386":373,"1,387":374,"1,388":375,"1,389":376,"1,390":377,"1,391":378,"1,392":379,"1,393":380,"1,394":381,"1,395":382,"1,396":383,"1,397":384,"1,398":385,"1,399":386,"1,400":387,"1,401":388,"1,402":389,"1,403":390,"1,404":391,"1,405":392,"1,406":393,"1,407":394,"1,409":395,"1,410":396,"1,411":397,"1,412":398,"1,413":399,"1,415":400,"1,416":401,"1,417":402,"1,418":403,"1,419":404,"1,421":405,"1,422":406,"1,423":407,"1,424":408,"1,425":409,"1,426":410,"1,427":411,"1,428":412,"1,429":413,"1,430":414,"1,431":415,"1,432":416,"1,433":417,"1,434":418,"1,435":419,"1,436":420,"1,437":421,"1,438":422,"1,439":423,"1,440":424,"1,441":425,"1,442":426,"1,443":427,"1,444":428,"1,445":429,"1,446":430,"1,447":431,"1,448":432,"1,449":433,"1,450":434,"1,451":435,"1,452":436,"1,453":437,"1,454":438,"1,455":439,"1,456":440},"ٜ":{"1":[4,456]},"ٝ":["1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,317","1,318","1,319","1,320","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,368","1,369","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"5":[4],"6":[5],"19":[6],"20":[7],"21":[8,9],"22":[10],"24":[11],"25":[12],"27":[13],"28":[14],"30":[15],"33":[16],"34":[17],"40":[18],"41":[19],"43":[20,21],"44":[22],"45":[23],"48":[24,25],"50":[26],"52":[27],"53":[28],"54":[29],"55":[30],"58":[31],"60":[32],"61":[33],"62":[34],"64":[35],"65":[36],"66":[37],"67":[38],"68":[39],"73":[40,41],"78":[42],"80":[43],"81":[44],"84":[45,46,47],"85":[48],"90":[49],"92":[50],"95":[51],"98":[52],"99":[53],"101":[54],"106":[55],"107":[56],"113":[57],"120":[58],"125":[59],"129":[60],"134":[61],"136":[62],"139":[63],"141":[64],"143":[65],"145":[66],"167":[67],"175":[68],"181":[69],"182":[70],"189":[71],"192":[72],"197":[73,74],"204":[75],"206":[76],"209":[77],"210":[78],"211":[79],"219":[80,81],"220":[82],"222":[83],"223":[84],"226":[85],"227":[86],"229":[87],"231":[88],"235":[89],"237":[90],"238":[91],"241":[92],"242":[93,94],"245":[95,96,97],"246":[98],"247":[99],"249":[100],"251":[101,102],"252":[103],"253":[104],"254":[105],"256":[106],"257":[107],"258":[108],"259":[109],"260":[110],"262":[111],"263":[112],"264":[113,114],"267":[115,116],"268":[117],"269":[118],"270":[119],"272":[120],"273":[121],"274":[122],"282":[123,124],"284":[125],"285":[126],"290":[127],"294":[128],"295":[129],"296":[130],"297":[131,132],"298":[133],"302":[134],"309":[135,136],"310":[137,138],"311":[139,140],"313":[141],"315":[142],"316":[143],"317":[144],"320":[145],"322":[146],"326":[147,148,149],"327":[150],"329":[151],"330":[152],"332":[153],"334":[154],"336":[155],"337":[156,157],"340":[158],"342":[159],"344":[160],"347":[161,162],"348":[163],"349":[164,165],"350":[166],"352":[167],"353":[168],"354":[169],"356":[170],"405":[171,172,173,174,175],"417":[176],"424":[177],"429":[178],"435":[179],"438":[180],"440":[181]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[المدخل]</span>\nقال الله تعالى في القرآن الكريم:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] .\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٨- ٢٩]","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الإهداء</span>\nهذا الكتاب أهديه إلى حضرة جناب المصطفى الحبيب رسول الله ﷺ، وأنا أرجو الله ﷿ القبول، إن شاء الله ﷾.\nكانت كلمات الإهداء شعرا. وقد جرت قصيدته هذه على اللسان، سليقة وانسيابا متناغما، والشكر والحمد لله رب العالمين.\nيا سيدي يا أسوتي ... هذا الكتاب هديتي\nالله أنزل شرعه ... أكرم بها من شرعة\nأوحى إليك مبلّغا ... أنت الأمين لأمّتي\nبعثت للناس بها ... طول الزمان وهجرة\nبعثت فيها منذرا ... ومبشّرا بالنّصرة\nجاهدت فيها دائما ... لم تعتذر من هجعة\nكلّ السنين حميتها ... وبذلت كلّ المهجة\nوفي المسالك تلتقي ... في سوقهم ومجنّة\nوالصحب حولك جدّهم ... بادي الوفا وأصالة\nأمحمد أنت الذي ... أنقذتنا من تيهة\nكلّ الرسالة صنتها ... أدّيتها بأمانة\nوحملتها في مهجة ... وحميتها بالمقلة\nوبالنفيس فديتها ... أرخصتها سالفة\nالله أرسل نعمة ... أنعم بها وهديّة\nقرآنه ضرب الدّجى ... طاو له للظّلمة\nوالناس قد أحيوا بها ... فكانوا خير أمّة\nلا يعرفون بدونها ... جاءتهم وبسمحة","vol":"1","page":5},{"text":"كانوا شراذم قبلها ... وحربهم لقبيلة\nلكنهم قاموا دعاة ... ولوحدة في دعوة\nصاروا نجوما في الورى ... منذ اهتدوا بشريعة\nأهل الحضارة والنّهى ... بالعدل فتح سريرة\nونحن جيل يقتدي ... برسولنا ووراثة\nعلى خطاك سيرنا ... مهما بدا من قسوة\nونبتغي الله به ... أسعد بها تضحية\nلنرضي فيه ربّنا ... وبسعدها بشرية\nسعد الذين تجمعوا ... في منهج ووضيئة\nفيه السعادة كلّها ... وهو أسّ حضارة\nهذا النبيّ وصوته ... متجلجلا في آية\nفأقبل تراه ماثلا ... متحركا في سيرة\nفرح الزمان بسعده ... ليضيء كلّ مسيرة\nبغداد المحروسة- العامرية المعمورة- المضيفة المشهورة\nالخميس: ٦ رجب الخير ١٤١٨ هـ (٦/ ١١/ ١٩٩٧ م)","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>ملاحظات</span>\nتمثل النجمة (*) في الاستشهاد بالآيات الكريمة بداية الآية الكريمة ونهايتها. وإذا لم توضع هذه النجمة (*)، فذلك يعني أن الاستشهاد يشير إلى جزء من الآية الكريمة.\nكانت طريقة الإشارة في المصادر والمراجع- بالنسبة للجزء والصفحة- عدم ذكر كلمة جزء أو صفحة، بل يوضع خط مائل بين رقم الجزء ورقم الصفحة. فمثلا (٣/ ٤) تعني الجزء الثالث الصفحة ٤.\nوبالنسبة لكتب الحديث الشريف التي ترقم أحاديثها، كثيرا ما يذكر رقم الحديث الشريف وبعده خط مائل (/) ثم الجزء. مثلا (٤٩٦٤/ ٣) يشير الرقم الأول- قبل الخط المائل- إلى رقم الحديث الشريف والرقم (٣) - بعد الخط المائل- يشير إلى الجزء.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقديم</span>\nسنوات كثيرة مرت تناهز أو تجاوز العقدين، وأنا أنادي بشعارات علمية لازمة، منها أن يعتبر التاريخ الإسلامي مادة شرعية تدرّس، واحدة من هذه المواد في أيّ موقع منها، لا سيما السّيرة النبوية الشّريفة، على صاحبها الصلاة والسلام. كما جرى النداء والعمل حثا، لاعتبار هذه السيرة المطهرة على صاحبها الصلاة والسلام- مادة أثيرة في كافة المراكز العلمية والمؤسسات، لا سيما الجامعات؛ لتكون ليس فقط مادة مستقلة بل ومتطلبا جامعيا. ولعل ذلك يتحقق يوما ما بعون الله تعالى وفضله.\nهذا مهمّ جدا، ومن المهمّ كذلك: أن تقدّم هذه السيرة المطهرة بثوبها الزاهي الجليل، وبالأسلوب البحثي الجميل، وبالعلم الكريم الدليل، فهي مبدأ تاريخنا، هذا التاريخ الإسلامي وشرفه وتاجه.\nوها أنا اليوم أقدّم هذه الدراسة- باكورة مؤلفات في موضوعها، لما يتلوها من بحوث ودراسات ومؤلفات، إن شاء الله تعالى- صالحة لكل مستوى، ومهمة لكل دارس، وأساسية لكل متمرس. وأرى ذلك لزاما أبديه، وواجبا أقضيه، وعملا أتعبد الله تعالى به، راجيا منه القبول، وأن يجعل- سبحانه- موضعه الإقبال ونفعه عميما. وأقدّمه هنا في بحوث أو مؤلفات متتابعة- إن شاء الله تعالى- كل منها على نسق، حتى يتم كل جانب منها بما يؤهله، شمولا وسعة وعمقا، بعونه ومنّه، وهو على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تمهيد وتنجيد</span>\nالسيرة النبوية الشّريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- هي التي أقامت مباني هذا الدين- الذي أنزله الله تعالى، وحيا أمينا صادقا على رسوله محمد بن عبد الله ﷺ- وبه أتمّ نعمته على خلقه، على قواعده الإيمانية بالله تعالى ورسالته الخاتمة، عقيدة وعبادة وشريعة. ورسمت تعاليم الإسلام في الواقع: سلوكا وتعاملا، بذلا وتضحية، احتمالا وفداء.\nوهي ثمرة بناء الإسلام- قرآنا وسنّة وسيرة- وأقامت الإنسان والحياة على قواعده المتينة الرصينة الأمينة. ذلك من أجل إقامة المجتمع الفاضل والحياة الإنسانية الكريمة، في واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، تبقى دليل الإنسانية ونهجها الميمون الفريد نحو الحياة المرجوة التي أرادها الله لعباده؛ لترسيخ معنى العبودية لله تعالى وحده، وإنجاز الفتوحات المتنوعة في آفاق النفس، وميادين الحياة، وإعمار المجتمع، بصيغة كريمة إنسانية فاضلة، لا يدركونها- صيغة وصبغة ورفعة- إلا به وحده.\nولقد قدّمت السيرة النبوية الشريفة القرآن الكريم- كتاب الله تعالى- شرحا موضّحا بالبيان والتفصيل في السّنة النبوية المطهرة، وبالسلوك والتمثيل في واقع الحياة، في كل إطار وفي أي مجال وحال، في السيرة النبوية العطرة.\nوكما أن كلّ ما في القرآن الكريم يشير ويؤكد ويعلن أنه من عند الله تعالى، وحيا منزّلا منه سبحانه على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ﷺ، الصادق المصدوق «١»، الذي تلقاه من ربه العظيم الجليل سبحانه. وبهذا\n_________\n(١) الصادق المصدوق: وصف للرسول الكريم ﷺ. وهو تعبير كثر وروده عند رواة","vol":"1","page":11},{"text":"كله تماما تتضح نبوته ورسوليته ورسالته من خلاله، مضيئة كالشمس رخية كالنسيم رحبة كالفضاء وكالسماء. والله تعالى يقول: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ [الشعراء: ١٩١- ١٩٧] .\nويقول ﷾: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢] .\nوالرسول الكريم ﷺ يقول: «ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» .\n_________\nالأحاديث النبوية الشريفة، وعموم الصحابة الكرام ومن بعدهم على مدار الأجيال، ونحن والحمد لله إلى يوم الدين. البخاري، رقم (٣٠٣٦) . وكتاب العلم، باب: قول المحدث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا. «الصادق»: الصادق في قوله. «المصدوق»: المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم، وكذلك المصدّق فيه. مسلم، رقم (٢٦٤٣) .\n(١) البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل، رقم (٤٦٩٦)، مسلم، رقم (١٥٢) . جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ، (٨/ ٥٣٣، رقم ٦٣٣٣) . «آمن عليه البشر»: أي كل نبي بعثه الله تعالى أعطاه من الآيات والدلائل الواضحة والمعجزات (من خوارق العادات) التي تظهر صدقه، فتقتضي الإيمان به. «أتيته»: أراد القرآن الكريم الذي خص به رسول الله ﷺ التي أعطاها الله للرسول الكريم ﷺ هي القرآن الكريم الموحى به من الله تعالى لفظا ومعنى، وهو المعجزة الكبرى الباقية إلى يوم القيامة، يستمر الإيمان به من غير المسلمين فيؤمنون به ويدخلونه- على مر العصور ومن كل الأقوام، بجانب كل المعجزات الآخرى الكثيرة المتنوعة. «وحيا»: والوحي هنا هو القرآن الكريم، فإنه ليس من كتب الله المنزلة كان معجزا إلا القرآن الكريم.","vol":"1","page":12},{"text":"فالقرآن الكريم كتاب الله تعالى المبارك، وشرعه المبين، وحبله المتين، أنعم به على البشرية جمعاء، فضلا منه ومنّة؛ ليبلّغه الرسول الكريم ﷺ إلى الناس كافة، رسالة ربانية لا غنى لأهل الأرض عنها في كل ديارهم وأعصارهم ومرتقياتهم. ولا تستريح البشرية- كما استراحت ورأت في جولة سبقت- إلا في ظله. وتلك تجربة وخبرة وشهادة، تكفيها لأخذه واعتماده والعمل به، مكتفية به وحده ومستغنية به عما سواه، حتى لو فاتتها معرفة ذلك، من خلال القرآن والسنة المطهرة والسيرة النبوية الشريفة.\nوحين تتخذه البشرية منهجا تتعامل به في كل جوانب حياتها، ستنال السيادة والتكريم في الدنيا والسعادة الدائمة في الآخرة. ويوم تدركه وتعرفه وتفقهه لا ترتضي- ذاتيا، ولا يصحّ لها- أن تلتفت لغيره وبطبيعتها، اعتمادا على نظرية (أو حقيقة) التقابل والتواصل والتكامل، أو التوافق والترافق والتعانق. عندها يسقط وتسقط كل ما عداه من البرامج البشرية، والمناهج الأرضية، والمبادئ الوضعية؛ إذ لا يجب أن يحكّم المسلم في حياته كلها غير ما أنزله الله سبحانه، ولا يقبل التحاكم إلى ما يضعه الإنسان، مهما كان.\nوهذا هو مفهوم العبودية لله تعالى، ومعنى شهادة ألاإله إلّا الله، الذي دعا إليه كافة الأنبياء (﵈)، واستمر الرسول الكريم ﷺ يجاهد من أجلها عقودا، تثبيتا وتوكيدا وتحديدا بأمانة.\nوالله تعالى يقول في سور متعددة مثل الأنعام والأعراف وهود اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وكما يقول الرسول ﷺ: «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء أخوة، أبناء علّات، أمهاتهم شتّى، ودينهم واحد» «١» .\n_________\n(١) رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها [سورة مريم، ١٦]، رقم (٣٢٥٩) . ومسلم: رقم (٢٣٦٥) . جامع الأصول، (٨/ ٥٢٣، رقم ٦٣٢١) . «أولى الناس»: أخص الناس به وأقربهم إليه، لأنه بشّر به. «أولاد علات»: الأخوة لأب واحد، من أمّهات مختلفة. والمعنى: أن","vol":"1","page":13},{"text":"وكم من مرة حدّث القرآن الكريم، من خلال حشد ضخم من الآيات الكريمات عن الغائب عن علم الإنسان وإدراكه وآفاقه، أي عن الغيب الكائن في التاريخ والحياة، وغاب عن علم الإنسان وعن الغيب الذي سيكون في الدنيا والآخرة سواء. وكلها حقائق منظورة، والتي ستقع مثلما وقعت، فضلا عما فيه من أمور كونية ونفسية وعلمية، وغيرها كثيرة مجهولة، مما لم يدرك بعضه الإنسان إلا بعد قرون وأجيال، ومنه لا يزال خارج دائرة إدراكه، كالذي هو خارج دائرة علمه غيبا. بل ما أكثر ما حدّث القرآن الكريم عن بواطن النفوس، وأعماق السرائر، ومكنونات الضمائر، وحتى بما هو مجهول للشخص والأشخاص أنفسهم. فلنبحث كل هذا في القرآن الكريم، ونقرأه من جديد.\nكل ذلك وأمثاله يدعو بقوة كلّ إنسان- فضلا عن المسلم- أن يتبع كتاب الله في حياته، ويأخذ به، وردا وإصدارا، وبه تكون النجاة لا بغيره في الدنيا والآخرة. والله تعالى يقول في كتابه العزيز القرآن الكريم: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .\nوكما هو الأمر هكذا بالنسبة للقرآن الكريم، فإنّ كلّ ما في السيرة الشريفة- والسّنّة الصحيحة كذلك، بعد بيان القرآن الكريم له، تجده ممهورا بطابع النبوة، وختمها الرسالات- يدل على أنه ﷺ نبيّ كريم ورسول خاتم، بدعوة الله العالمية إلى أهل الأرض أجمعين وإلى يوم الدين.\nولقد أنزله الله تعالى محتويا كلّ أمورهم التي ترفعهم وتقودهم نحو الحياة الكريمة والحضارة الرشيدة، وإلى رضا الله تعالى والسعادة في الدنيا والآخرة.\n_________\nشرائعهم متفقة في الأصول (مختلفة في الفروع) . «شتى»: متعددة. «دينهم واحد»: دين التوحيد. ويشير هذا إلى أن النسب الحقيقي هو نسب العقيدة والإيمان، وبه وحده لا بغيره يكون التفاضل والقبول والقرب من الله تعالى.","vol":"1","page":14},{"text":"وهذا معلم واحد من معالم هذا الدّين الواضحة، دين أهل الأرض أجمعين، حالا واستقبالا، مثلما هو معلم من معالم السيرة النبوية الشريفة، ومعالمها كثيرة وقوية بينة باهرة، متلألئة مناراتها.\nمثلما تلمسه وتراه وتشهده في سيرة الصحابة الكرام﵃ أجمعين- الذين دانوا بالعبودية الكاملة لله رب العالمين في أكمل صورها، وهم يبقون نموذجا للأجيال وعلى مدار التاريخ. فعن عبد الله بن مسعود (٣٢ هـ) ﵁: (أن الله تعالى بعد أن اختار محمدا ﷺ وبعثه برسالته، إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمدا ﷺ فبعثه برسالته وانتخبه بعلمه، ثم نظر في قلوب الناس بعده فاختار الله له أصحابا، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيّه ﷺ) «١» .\nوالكل مقتد برسول الله ﷺ، الذي إن غاب اليوم عنا شخصه الكريم ووجوده الحي الوضئ وجسده الشريف، فهو باق محفوظ ماثل وقائم، بتوجيهاته وسلوكه ومواقفه وآفاق تربيته وجهاده وعبادته ودعائه، في البيت والمسجد والحياة، حربا وسلما في الرضا والغضب والانتصار والانكسار وفي دلائله وشمائله، حية متحركة متعطرة تفوح بالمسك قويا، عبقة تنشر الطيب، كأنك تراه وتشهده وترقبه أمامك قائما. وتلك هي السيرة النبوية الشريفة بشمولها وكمولها ومضامينها.\nنستبين ذلك أيضا جليا من حياة الصحابة الكرام، بكل جوانبها ونواحيها وميادينها، ونراه ظاهرا جاهرا ومنظورا في سيرتهم المقتداة والمقتدية بالنبي الكريم ﷺ، مهما تفاوتوا- وهم يتفاوتون- في الخير والبرّ والنصرة، لكنهم اغترفوا من هذا النبع الصافي المبارك الكريم؛ ولذلك استحقوا الأوصاف الكريمة التي وصفهم الله تعالى بها في قرآنه العظيم،\n_________\n(١) حياة الصحابة، الكاندهلوي، (١/ ٤٦) .","vol":"1","page":15},{"text":"ومنها كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] . فكلمة «كنتم» خاصة في أصحاب محمدا ﷺ وكل من صنع صنيعهم بأداء شرط الله منها «١» .\nولعل الواقع نفسه يشير إلى أبعد من ذلك، حيث يستبين أيضا في هذا المضمار المتسع أن الله تعالى قد صرّف السيرة النبوية الشريفة، آخذا بها في ماجريات (مجريات) السّيرة ومجاليها. وهي رعاية أخرى يتمّها ويتولاها ويقودها، فتسير الأحداث والأمور والناس فيما يريد الله، فكانوا دوما يقومون بما يقومون به، ومن ورائهم القدرة الإلهية وإرادتها، لتجري بنسقها الذي تضمنته، لتكون مثالا يقتدى، ودليلا يحتذى، وبها يهتدى، لكل السائرين والسالكين درب الإيمان بالله تعالى والعاكفين على دعوته، في كل زمان ومكان في كل أحوالهم ومجاليهم، أو المجاوزين لها مسلمين وغير مسلمين. فالأولون يرون فيها طريقهم وبها وحدها يهتدون، والآخرون يرون الحقائق ماثلة قوية ساطعة، فلعلهم يحسنون التعامل معها، فيهرعون إلى أحضانها ينعمون بظلالها. وفي حياة الصحابة الكرام دليل على ما أقول.\nوإن الصيغ المثبتة عن الصحابة الكرام لتشي- أي: تعلن وتعلم- بقوة لا تقاوم، لتعلنها مدوّية عن روعة هذا الدين؛ كيف وماذا صنع الإسلام بهؤلاء وبأهله كافة، حيث أخذهم من سفوح الجاهلية ووهادها السحيقة بكل ضلالاتها وانحرافاتها والتواآتها- ليرفعهم إلى أعلى القمم الفاضلة، يمكن أن يرتفع إليها إنسان، لا يرتفع إليها إلا بهذا الدين، وبكل جوانبها، بتوازن وانسجام واكتمال. وهو أمر معجز في حقيقته، يشير إلى معجزة الإسلام نفسه في وجه آخر جديد، والتي يمكن أن تتكرر بعواملها.\nفالقرآن الكريم بيننا وقد حفظه الله تعالى، نصّا كاملا، وحسّا عاملا،\n_________\n(١) حياة الصحابة (١/ ٤٥- ٤٦) .","vol":"1","page":16},{"text":"وسيرة رسول الله ﷺ قائمة. فهو ﷺ الإنسان النبي، والنبي الإنسان، ورسول الله الخاتم. ولا فصل بين كل ذلك. ولا يجوز غير هذا الفهم، ولا تتم له حياة في دائرته بحال وبأي اعتبار ومن أي منظار، حتى لكثير من غير المسلمين، ممن كانت لهم رؤية صحيحة، ولو بعضها، فكيف بالمسلمين؟ بل كيف يصحّ له إسلام بدون ذلك؟\nولو أنصف، حتى غير المسلمين نساء ورجالا ومن كل قوم وملة كانوا، لأحبوه كما لم يحبوا أحدا غيره، ووقروه، وأدنوه من نفوسهم، سواء قادهم ذلك إلى الإسلام- وغالبا ما يقود، والمفروض أن يقود، وذلك أتم وأشم- أو لم يتم.\nوهذا الذي مضى كله واضح تمام الوضوح في القرآن الكريم والسّنّة النبوية والسيرة الشريفة. وهما لا بد أن يكونا المصدر الأساس لهذه السيرة الشريفة، كتابة ودراسة وتدريسا. ولا علمية ولا منهجية ولا موضوعية بدون ذلك أبدا أبدا. بل منها يجب أن تبدأ دراسة ذلك كله، كما يجب أن يا بنى بها المنهج السليم لدراسة التاريخ الإسلامي وغيره من تواريخ الأمم الآخرى، ويكون عليه الاعتماد في قضية تفسير التاريخ بشكل شامل عام، لتجنب الوقوع في التّيه، أو الخروج منه، الذي أدخلتنا فيه التفاسير المبتسرة الفجة السطحية، والتي مازالت التعديلات والترقيعات والتجميلات تدخل عليها وهي تزداد تشويها، به أو بغيره أو بنفسه. والله تعالى يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء: ١٨] .\nولقد كان هؤلاء الصحابة الكرام الصورة الوضيئة العجيبة التي رسمها القرآن الكريم، بأسلوبه البديع المعجز. إنه كلام الله الذي أراده سبحانه أن يكون معجزة هذا الدين الخالدة الدائمة على مدار الأجيال. أولئك الأخيار الأفذاذ والنماذج المثال، الذين صعدوا ذلك المرتقى العال، فكانت سموّا في الحياة، تحقّق في هذه النماذج القمة الفريدة السعيدة، التي ما كان لها أن تعرفها أبدا- فضلا عن ارتيادها- إلا بهذا الدين الذي أراده الله تعالى","vol":"1","page":17},{"text":"للبشرية، ولا يقبل من أحد دينا غيره، ولا انتماء سواه.\nوالصحابة الكرام هم الجيل المثال الفريد، الذي تربّى على مائدة القرآن الكريم، وقادهم لذلك محمد بن عبد الله الرسول الأمين ﷺ الذي علمه الله تعالى، وأعدّه، وأدّبه للقيام بهذه الدعوة، مما هو واضح من الإشارات والبشارات، حتى قبل النبوة بل وأسبق منه، ومن كل ما يحيط به. أما النبوة منذ تلقيها- فذلك واضح كل الوضوح في القرآن والسّنّة والسيرة.\nفكان هؤلاء الصحابة هم أنفسهم كذلك القدوة، والذين كان الإيمان بالله تعالى ودعوته ونبيه ﷺ في قلوبهم أعظم من الجبال، حتى في ضحكهم ومرحهم ومزاحهم «١» . فالاقتداء- إذا- بالرسول ﷺ وبالذين اتبعوه من المهاجرين والأنصار وغيرهم هو طريق الهداية.\nفالرسول ﷺ هو نبيّ الله، اختاره الله لدعوته الكريمة. وكان هؤلاء الصحابة الذين عاشوا معه، وتربوا على الإسلام بين يديه بشرا ترقّى، يوم اقتدوا به، واستجابوا لدعوة الله على يديه، وعضّوا عليها بالنواجذ، مما يشير إلى الاقتداء بهم. ونتعلّم منهم كيف تلقوا هذا الدين، واستجابوا له، وارتقوا به ببشريتهم، لنأخذ نحن به مثلهم مقتدين بهم بعد الرسول الكريم ﷺ. وهم خير الأصحاب الذين تلقّوا عنه مباشرة، معتمدين في ذلك كله على القرآن الكريم والسّنّة الصحيحة والسّيرة الشريفة، متلمّسين كيف أن كلّ ذلك تحول في حياتهم إلى واقع عملي قوي ملموس. وفي ذلك يقول عبد الله بن عمر ﵄ (٧٤ هـ): (من كان مستنّا فليستنّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمّة، أبرّها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلّها تكلّفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبّهوا بأخلاقهم وطرائقهم؛ فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على\n_________\n(١) حياة الصحابة (١/ ٤٨) .","vol":"1","page":18},{"text":"الهدى المستقيم والله ربّ الكعبة) «١» .\nوبذلك كانوا هداة هذه الأمة والإنسانية، ومبلغي دعوة الله إليهم، حملوها أمانة وصيانة وديانة، بعد رسول الله ﷺ، دعوة وسلوكا وحياة.\nملؤوا الدنيا ضياء وهداية وعدلا، فكانوا ينابيع صافية يستقي منها الآخرون.\nمن الوجوه المصابيح الذين هم ... كأنهم من نجوم حية صنعوا\nأخلاقهم نورهم من أي ناحية ... أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا\nوقد وصفهم أحد التابعين مبيّنا بعض أوصافهم، وهو التابعي الجليل مسروق بن الأجدع (٦٣ هـ ٦٨٣ م): (شاممت أصحاب محمد ﷺ فوجدتهم أشبه بالإخاذ، تكفي الإخاذة الراكب، وتكفي الإخاذة الراكبين، وتكفي الإخاذة الفئام من الناس، والإخاذة لو صدر عنها الناس جميعا لكفتهم) «٢» .\nفلنحاول العيش ابتداء- ولو لحظات، وحتى من بعيد- بقربهم، نتذوق ما تذوقوه، ونرى حلاوة الإيمان الذي يعمر القلوب، ويأخذ إلى باحة الإسلام ومجاليه وميادينه. وبذلك يكون إعادة الموكب الكريم، وتنطلق به الحياة، مستقيمة رضية وضيئة. وبها يرى الناس عجائب هذا الدين ومعجزاته، مما لم يخطر لهم على بال. فهل نطيق عن ذلك انفكاكا منها، أو ابتعادا عنها، أو إهمالا لها؟\nولعلك وجدت بعض ذلك في أتباع الأنبياء السابقين- صلوات الله وسلامه عليهم- كالحواريّين. ويقول الرسول الكريم ﷺ: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته\n_________\n(١) حياة الصحابة (١/ ٤٦) . ولعبد الله بن مسعود (كلام قريب من هذا. جامع الأصول، (١/ ٢٩٢) . «المستن»: الذي يعمل بالسنة.\n(٢) «شاممت»: عرفت. «الإخاذ»: جمع إخاذة، وهي غدير الماء. «الفئام»: الجماعة من الناس.","vol":"1","page":19},{"text":"ويقتدون بأمره ...» «١» .\nلكن الصحابة الكرام- وكلهم عدول- أولياء الله تعالى وأصفياؤه وخيرته من خلقه، بعد أنبيائه ورسله، خير من الحواريين «٢» . ولقد جاء هذا الوصف على لسان بعض النصارى الذين أسلموا في عهد النبي ﷺ.\nولقد كرّم الله صحابة الرسول الكريم ﷺ في آياته الكثيرة «٣»، مما يعرفه المسلم، الأمر الذي يدعو إلى توقيرهم وتقديرهم ومحبتهم جميعا، وهو شأن كل المسلمين، لا ينفكّ عنهم، ولا يتحول، ولا يستبدل.\nومن صفة صحابة رسول الله ﷺ- في القرآن الكريم، والكتب السّابقة- مما يجعل البشارة بهم ثابتة مع البشارة برسول الله ﷺ، ما ذكره الله تعالى في القرآن الكريم: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٨- ٢٩] «٤» .\nكذلك ذكر الله تعالى في آية أخرى، أنّ صفة الرسول الكريم ﷺ ونعته\n_________\n(١) رواه مسلم: كتاب الإيمان- باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان رقم (٥٠) .\n(٢) تفسير القرطبي (١٦/ ٢٩٩) .\n(٣) حياة الصحابة (١/ ٣٥- ٤٠) .\n(٤) المعنى: هذا الوصف الوارد في الآية الكريمة، إنه لمحمد ﷺ بأنه رسول الله. ووصف الصحابة الكرام بهذه الصفات. وكل تلك الصفات مذكورة في التوراة والإنجيل، ومبشّر فيهما بالرسول الكريم ﷺ وبالصحابة. وما دام أن الله قد ذكر ذلك في القرآن الكريم (وقل مثل هذا في السنة الصحيحة الثابتة)، فهو لا بدّ حقا مذكور فيهما، مهما بلغ التحريف والإخفاء والادعاء. ولا نحتاج بعده إلى أي دليل- مهما كان- والأمور كلها تستمد الدليل من القرآن الكريم.","vol":"1","page":20},{"text":"يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: ١٥٦- ١٥٧] .\nوبعض هذه الصفات التي وصف الله تعالى بها الرسول الكريم ﷺ في القرآن العظيم، منها: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٥- ٤٧]، وردت في الكتب السابقة، منها التوراة والإنجيل، كما أشارت إليه الآيات السابقة. روى البخاري أن عبد الله بن عمرو بن العاص حين سئل عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: (أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] . وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر (ويصفح)، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا) «١» .\n_________\n(١) البخاري: رقم (٢٠١٨)، ورقم (٤٥٥٨) . «حرزا للأميين»: حصنا للعرب (ولغيرهم)، وقد بعثه الله فيهم منهم أولا، فدعاهم إليه أولا. «سخاب»: رفع صوته على الناس. «يقيم به الملة العوجاء»: ينفي الشرك عنها ويثبت التوحيد فيها. «غلف»: غطتها ظلمة الشرك، فهي به مغلفة مظلمة قاتمة.","vol":"1","page":21},{"text":"هذه السيرة الشريفة التي عاشت الصورة القرآنية، وائتسى بها الصحابة الكرام خير ائتساء، فكانوا خير مؤتسين لأحسن أسوة، تبقى النموذج الأفضل والقدوة الأمثال لبني الإنسان، وخصوصا للمسلمين في كل وقت وحال. استمدت كلّ ما فيها من هذا الدين الذي أوحاه الله تعالى إلى الرسول الكريم ﷺ ليكون المبلّغ بالنص، تشرحه السّنّة، وتمثيله بالسيرة.\nوهذه السيرة الشريفة مليئة بالذخائر والكنوز واللآلئ والدرر، ولا بد من الغوص وراء أصدافها الحافظة لها، واستخراج دررها الفريدة من داخلها. عجائبها غزيرة، وعقودها باهرة، أتت بالعجائب والنجائب والمراتب في كل باب، وأنتجت الفتوحات متنوعات في كل درب، وقدمت الصيغ الإنسانية التي تربت على مائدة القرآن الكريم، في أحضانها وأجوائها في كل موقع وصوب وحدب، مقتدية في ذلك كله بالرسول الكريم ﷺ، كيف وقد جاء للتطبيق العملي القائم في الحياة الواقعية والمجتمع، بلا تجاهل ولا تماهل ولا تساهل أبدا بحال؟!\nذلك لأنها مستمدّة وقائمة على القرآن الكريم. فهي عجب من عجائبه، ومعجزات من إعجازاته؛ التي لا تفنى ولا تنضب. ويبقى لكل زمان وأحد وجيل كذلك، ما ادّخره الله ﷾ له برحمته.\nومن هنا فلا بدّ من منهجية جديدة مستقلة ومتساوقة ومتعانقة مع هذا التاريخ الإسلامي وبقيته وتوابعه، ابتداء من السيرة النبوية الشريفة، فهي تاجه الرفيع، وعزه المنيع، وقوامه البديع.\nوقد احتوت السيرة الشريفة ذلك كلّه، ولذلك فكلما عاشها الإنسان، وعاشت به، عرفها أكثر، وأدركها أعمق، واقترب من مضامينها وأسرارها، وأحسن التعبير عنها وتمثّلها، بمقدار العيش فيها، قدرا ومقدارا وإصرارا.\nوأحسّ- والحمد لله وبفضله- أنني كل يوم أتقدم وأتفهم وأتعلم","vol":"1","page":22},{"text":"لاستشراف هذه المعاني والمشاهد والأجواء في هذا المجال وفي غيره سواء بسواء، متعرّفا على جديد من ذلك كله، وأقطف مزيدا من ثمارها الكريمة، فهما وإدراكا وتحصيلا، وكلما تفيأت ظلالها كلما أدركت أبعادها، واقتربت، ووعيت من آفاقها، دراسة ومتابعة وتعمقا.\nوكل هذا نعمة ومنّة وبركة من الله تعالى رب العالمين، فالحمد لله على نعمه الكثيرة، ونسأله سبحانه الدوام وحسن الختام في ظل الإسلام.\nوالحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الأول السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها</span>\n* استهلال وإطلال وإجلال\n* التخصص العام والدقيق\n* المقوم الأول المهم\n* اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها\n* السيرة مرآة ومهماز\n* مصادر دراسة السيرة\n* صلحاء الأمة وحماتها\n* كتابة السيرة الشريفة\n* العيش في جو السيرة عمقا وتعلقا\n* كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ\n* دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها\n* دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم\n* أسلوب هذه الدراسة\n* أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة\n* السيرة وكتابة التاريخ\n* السيرة وجيل الصحابة\nهذه الدراسة والكتابة","vol":"1","page":25},{"text":"السيرة النبوية ظلالها وآفاق دراستها\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-7> استهلال وإطلال وإجلال:</span>\nهذه مباحث وفصول في سيرة الرسول ﷺ تقدّم تصورا، وترسم منظرا، تكاد ترقبه وتشهده، حتى لكأنك ترى أحداثه، متحركة أمامك ماثلة نصب بصرك.\nوبتمعّنك فيها، تتبيّن من خلالها حياة الرسول الكريم، والنبي العظيم ﷺ قائدنا وقدوتنا وأسوتنا إلى خيري الدنيا والآخرة.\nتتبين حياة رائعة، وسيرة ساطعة لامعة متماسكة، ترى فيها الكمال الإنساني بالرسالة الربانية، حمّلها إياه الله ﷾ المنعم الرحيم بعباده؛ لهداية البشرية الى طريق الخير الوحيد والسعادة الفريدة والحضارة الإنسانية الأكيد.\nفهي تظهر أهميتها، ودقائق تفاصيلها، وفقهها المتعمق، للعمل بها، والاستظلال بظلها. وهي حصيلة أصيلة، وخبرة مستنيرة، ومتعلّق عاشق، قام بتدريسها لقرابة ثلاثين دورة تدريسية جامعية- سنوية أو فصلية- في العديد من الجامعات في البلاد العربية.\nوهي تطبيق لمنهج، ودراسة لأحداث، واستقراء لمضامين، ضمّها هذا الجهد في كتاب، مقدّمة لدراسات تالية، ترى هذه المعاني أكثر نورا، وأشد ظهورا، وأشمل حبورا.\nتراها روائع ومواقع، تنصهر في كتاب جامعي شامل- إن شاء الله تعالى","vol":"1","page":26},{"text":"وبعونه- تقرّبا إليه، وحبّا لرسوله الكريم ﷺ وخدمة لهذا الدين، من خلال رعاية تاريخه، وبيان حقائقه المنيرة.\nأستهلّ ذلك بهذا المبحث الأول، عن (السيرة النبوية الشريفة- ظلالها وآفاق دراستها) تتلوها مباحث أخرى، إن شاء الله تعالى وبفضله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-8> التخصص العام والدقيق:</span>\nحقيقة إنّ تخصّصي الدقيق هو التاريخ الأندلسي، وليس السيرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام، لكن دراسة السيرة والبحث فيها وهي فخر وشرف- هواية قديمة، وما زالت جديدة ومتجددة والحمد لله وهي كذلك مستمرة إن شاء الله تعالى- بجانب كونها جزآ من التاريخ الإسلامي، التخصّص العام.\nولكن طول صحبتي للسيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وعمق محبتي لها- والحمد لله- وكثرة قراآتي فيها، ومجموعة كتاباتي عنها، والإعداد، وجمع المعلومات لأجلها، كل ذلك يجعلها كالتخصص الدقيق، فشكرا وحمدا لله رب العالمين.\nوإذا كان موضوع التخصص- رغم أهميته- طريقا وعاملا للكتابة والبحث والدراسة، لكنه- وبالنسبة للتاريخ الإسلامي والدراسات الإسلامية ليس المقوّم الأول، الذي لولاه لما كان لهذا التخصص تلك الأهمية، أو المستوى، أو نوع النّتاج.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-9> المقوّم الأول المهم:</span>\nوأعني بالمقوم الأول- لكل دراسة، لا سيما في فروع الدراسات الإسلامية، وأخصّ التاريخ الإسلامي، وبالذات السيرة النبوية الشريفة- حسن التوجه إلى الله ﷾، والارتباط به عقيدة وعبادة، وشريعة","vol":"1","page":27},{"text":"وسلوكا، يكون مستمدا على الدوام، من هذا النهر الفياض، الذي يملأ الحياة بكل جوانبها خيرا وبركة، فيوفر ذلك صحّة في القصد، وصفاء في الفهم، ودقة في التصور، وجودة في الاستكناه والاستجلاء، وبغير ذلك فالدراسة هزيلة بخيلة نحيلة، وشاحبة ناحبة، وأمرها يغيض ولا يفيض، ينحدر نضوبها، ويتبعثر هروبا، ثم تذهب أدراج العواصف هشيما تذروه الرياح.\nوإذا كانت بداية الاهتمام بالسيرة هواية- وما زالت- محببة إلى النفس، وسلوى وقوة لها وأنسا، وغذاء وإطرابا لأركانها، وندى وظلالا تستظل أفياءها، فإنها قد تعمّقت بمرور السّنين وتوالي تدريسها، حتى أصبحت تخصّصا آخر، بعد أن جرى الاستمرار في هذا الاهتمام، وتدريسها في الجامعات لأكثر من بلد، ولما يزيد على خمسة عشر عاما، أكثرها ذات فصلين.\nثم فوق ذلك، إن لكل أمر دوافع، ودوافع هذه الدراسة تنبع من عقيدتنا الإسلامية، فان معرفة السيرة الشريفة تاريخا وتفسيرا والتزاما، والسنة المطهرة حديثا وفعلا وتقريرا، مهمة أساسية؛ إذ أنها ترتبط بعقيدة المسلم، وهي جزء من إسلامه. وعلى هذا النسق يجب أن تكون دراستها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-10> اتساع السيرة النبوية والاقتداء بها:</span>\nفدراسة السيرة النبوية الشريفة- والتاريخ الإسلامي عموما- بالنسبة لكل مسلم، مهمة أساسية، وإذا كان ذلك مهما لغير المتخصصين والباحثين في أية صيغة وهدف- دراسة وقراءة وحديثا وتدريسا وكتابة عن السيرة الشريفة، فلا بد من العيش في موكبها والسعي لمثلها، فهي لأهل التخصص وأمثالهم أهمّ وألزم وأوجب وأرغب، متابعة وتجلية وحثا وتأليفا، بصيغة تتناسب- قوة ودقة- وموقعها ذاك.\nوإني كلما سرت، وتقدمت في المتابعة، وتعمقت فيها، فرحت","vol":"1","page":28},{"text":"بالجديد، كما اكتشفت جهلي بالكثير والكثير منها ومن جوانبها، وازددت علما ومعرفة وفقها وإقبالا وتعمقا.\nوالذي يتولى القراءة والدراسة لها- فضلا عن التأليف فيها- لا بد أن يقوم بكل ذلك، اقتداء واهتداء، وتقرّبا إلى الله، تمثّلا والتزاما وسلوكا، وارتقاء بإنسانيته، وإعلاء لتقواه.\nفالسيرة النبوية الشريفة وصاحبها ﷺ الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة، واتّباعها ملزم للمسلم لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] .\nوهذا كله يقوم على المحبة المتشوقة المتعطشة، إلى حدّ كان بعض الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- يتحرّون اتّباع الرسول ﷺ في المندوبات والنوافل والأمور الاعتيادية، تقرّبا الى الله ﷾، وحبّا بالرسول الكريم ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] .\nبل إن عبد الله بن عمر بن الخطاب﵄- الصحابي الجليل (٧٤ هـ ٦٩٣ م)»\n، كان يتحرى أن يتمثّل أسلوب الرسول الكريم ﷺ وأحواله ومشيته، ويترسّم مواطئ أقدامه، في طرقات المدينة وخارجها وغيرها، بل لعله يدفع ناقته لتنطلق في طريق سلكته القصواء، ناقة\n_________\n(١) عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر (﵄)، انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ٣/ ٩٥٠ (رقم ١٦١٢) . أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ٣/ ٣٤٠ (رقم ٣٠٨٠) . الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر، ٢/ ٣٤٧ (رقم ٤٨٣٤) . سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي، ٣/ ٢٠٣ (رقم ٤٥) . شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي، ١/ ٣١٠. الوافي بالوفيات، الصفدي، ١٧/ ٣٦٢ (رقم ٢٩٧) . الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، ٤/ ١٤٢. أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، علي وناجي الطنطاويين، ٤٣١ وبعدها. عبد الله بن عمر (الصحابي المؤتسي برسول الله ﷺ)، سلسلة أعلام المسلمين رقم (٦)، محيي الدين مستو (١٢٩- ١٣٣) .","vol":"1","page":29},{"text":"رسول الله ﷺ آملا أن (لعل خفّا يقع على خف) «١» . وكان يقول: (بعث الله نبيّه ونحن أجفى الناس، فنصنع كما صنع رسول الله ﷺ) «٢» .\nوكم حبّب إليّ أخوة كرام- لا سيما من طلبة درّستهم السيرة النبوية الشريفة- أن أكتب السيرة بنفس الطريقة التي أدرّسهم بها، يوم كانوا طلابا يحضرون ويجلسون في قاعات ومدرجات الجامعة، للاستماع الى فصول من السيرة الشريفة. وها أنذا أبدأ اليوم «٣» (وقد بدأت ذلك بشكل محدود نحو سنة ١٩٨١ م)، مسرورا ومتشرفا ومتشوقا ومتبرعا ومهتديا ومقتديا، إن شاء الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-11> السيرة مرآة ومهماز:</span>\nوالحق أن (أو كأن) الله تعالى، أراد لهذه السيرة الشريفة أن تكون نموذجا، ولأن هذا الدين اكتمل تطبيقا، بكل شمول وكمال وجمال، لكافة الأعمار والمراحل والأشخاص، نساء ورجالا وأطفالا، فردا وجماعة، ومجتمعا ودولة، صغرت أو كبرت، في السلم والحرب. والجميع أصبح مجتمعا، فيه من غير المسلمين، أو هو خاصّ للمسلمين، تعاملوا مع غير المسلمين داخل المجتمع المسلم وخارجه، ودعوهم ملوكا وشعوبا وزعماء، كل ألوان التعامل في حالاتهم جميعا، في الاضطهاد، ومخلصين\n_________\n(١) حياة الصحابة، محمد يوسف الكاندهلوي (٢/ ٣٧٤- ٣٧٥) . أخبار عمر، (٤٣٨) . عبد الله بن عمر (١٣٠) .\n(٢) حياة الصحابة (٢/ ٣٧٥) .\n(٣) تشير هذه البداية إلى ما بعد سنة (١٩٨١ م)، حيث كتب أصل هذا البحث، الذي نشر في مجلة منار الإسلام (التي تصدرها شهريا وزارة الأوقاف في أبو ظبي)، العدد الرابع، السنة السابعة، ربيع الثاني ١٤٠٢ (فبراير ١٩٨٢) . وهنا الآن فقد نقح وحسن وزيد متضاعفا مرات عن مقداره ذاك، حتى لكأنه بحث جديد، ومثل هذا شمل المباحث الآخرى المماثلة في بقية هذا الكتاب، وبعضها قد زيد إلى بضع عشرة مرة من أصل البحث، مثل المبحث الثالث.","vol":"1","page":30},{"text":"أو مخادعين، جادين أو لاهين لاعبين.\nوبذلك فالمسلمون يجدون في السيرة الشريفة، في كل الظروف ما يرتوون منه وينظرون فيه، علاجا وغذاء وارتقاء؛ لأنها صورة هذا الدين، ووحي الله المنزّل على رسوله الكريم ﷺ قرآنا عمليا في واقع الحياة، وتلك إرادة الله وحكمته.\nإن السيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- مستودع مترع، متكامل شامل. فهي مليئة بكل هذا، كأن الله تعالى أراد- بعد أن كانت للإسلام صورة طبق الأصل في كل حال- أن تكون قدوة في كل شيء للناس، في كل جيل وحال، لتكون معالم عامة وعلاجا ومثالا وأسوة لكل أحد، وهي في الحق كذلك. فهي مستودع غنيّ بكل ذلك، بما مرّ به ويمرّ.\nلقد هيأ الله تعالى لهذا الدّين- في كل العصور وفي عصرنا- من خدمه بكل سبيل، وخدم أحداثه وسيرة نبيه ﷺ بكل تفاصيلها ودقائقها وجوانبها.\nوالحمد لله تعالى أن اعتنت الدراسات الحديثة، ورعت، وخدمت السيرة النبوية الشريفة والسنة المطهرة، سواء بتحقيق ونشر مؤلفات السلف الأمهات عنها، أو بالتأليف الكثير المتنوع فيها، وجيّده غير قليل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-12> مصادر دراسة السيرة:</span>\nوكتب السنة المطهرة- وأولها الحديث الشريف- مصدر ثرّ أصيل، بعد القرآن الكريم. وإن قول رسول الله ﷺ في حجّة الوداع شامل للتأليف والكتابة، للدعوة والقدوة: «فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد» «١» .\nفالقرآن الكريم ملئ بأحداث السيرة وأحوالها وأخبارها، وهو الحقّ\n_________\n(١) مجموعة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة، محمد حميد الله، (٣٦٢) .","vol":"1","page":31},{"text":"المبين، والصدق الأصيل المتين، أصدق وأوثق وأحق كتاب على الأرض وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١- ٤٢] .\nثم كتب السنة المطهرة والسيرة الشريفة، وبعدها المؤلفات الأمهات، والأصول الموثوقات، وهي كثيرة شاملة، توفر فيها الحفظ والصدق والرواية والدراية والرعاية والدراسة، وهي خاضعة للموازين الدقيقة في التمحيص، متنا وسندا.\nوالتاريخ الإسلامي- ابتداء من السيرة الشريفة، التي تلاحمت مع الحديث الشريف وعموم السنة المطهرة- نشأ ونشأت في أحضان السنة وعلومها، ذات الشروط الدقيقة، والتي قامت لخدمتها عدة علوم وثيقة «١» . ولفهم هذه الحقيقة الكبرى يمكن- بسهولة- أن تراجع أمهات الكتب الموثقة في التاريخ الإسلامي.\n_________\n(١) ويمكن فهم بعض جوانب هذه الحقيقة الكبرى من المقارنة بين أمهات كتب التاريخ الإسلامي لمؤرخينا الثّقات- بعد معرفة طريقتهم، وأسلوب تدوينهم، واحتمالهم عبء الرواية في جهودهم- وبين المؤلفات التاريخية لآية أمة أخرى في أي عصر من العصور وحضارة من الحضارات حتى العصر الحاضر، سواء في سرد تاريخهم، أو الكتابة عن تواريخ الأمم الآخرى، لا سيما الإسلامية. وانظر ما يفعله كثرة من المستشرقين في الدسّ والتحريف قصدا وعمدا وعملا، مع سبق إصرار وترتيب مجهد، بل من أجل ذلك اهتموا بالدراسات الإسلامية وألفوا فيها، خاصة أساتذة الجامعات وزعماء ورعاة الكنيسة فيهم، وكثرة من الأساتذة هم كنسيون. والفرق بين مؤرخينا وهؤلاء يكاد يتعانق والفرق بين سيرتهما وتدينهما وعقيدة كل منهما. وهو فرق بين أهل الحق والباطل. فالأوائل يستمدون من الإسلام، وانظر ما قالوا في تواريخ الأمم الآخرى وكيف أنصفوهم، على علم ودراسة أمينة. وبالإمكان أن يكون هذا موضوع بحث مستقل، وراجع ما قدم الآخرون من تاريخنا، رغم وضوحه وتوفر مراجعه وتساوقه مع الحقائق ومع الدلائل والفضائل. ورغم ادعائهم العلمية والموضوعية والمنهجية البحثية التي يزعمون نسبتها إليهم، فكتاباتهم أشبه بالأساطير، لا يعرفون صدقا، ولا يتحرون عدلا، ولا ينصفون حقا، بل على العكس تماما يتعمّدون الإساءة والتشويه. ولكن لا غرابة، فكل ينفق مما عنده، وما أكثر أتباعهم!. راجع: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي (٢٧) وبعدها.","vol":"1","page":32},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-13> صلحاء الأمة وحماتها:</span>\nوإنّ الذين خدموا هذا الأمر، هم من خيار الأمة الإسلامية وصالحي أجيالها وأعلامها ورجالها ونسائها، خلقا ومكانة، وأعلاهم ذكاء، وأعرفهم صدقا، والتزاما، وتضحية، وفداء، وأكرم عند الناس حالا ومالا ونفسا، وكان هذا عندهم بمنزلة الجهاد.\nومثلما كانت هذه الصفات ضرورية وأساسية للمسلم، عضوا في المجتمع والأسرة وفردا في الحياة، مشغولا بإعلائها، كان كلّ ذلك لازما بجانب مواصفات إضافية، إلى هذه الأساسية- تكون جميعا مرجوة ومطلوبة وملزمة للتأليف والكتابة.\nومثلما كان الالتزام بالسلوك الإسلامي ومواصفاته خصيصة أولى أساسية لازمة لازبة، كذلك كان توفّر العلم والمعرفة العميقة الجادة الغزيرة الوفيرة قاعدة قرينة بداهة؛ ليكون كلّ على علم وأهلية للتخصّص الذي يعمل فيه، وكلاهما لا غنى عنهما بحال، إلّا أن الأولى هي الأرضية الصّلبة تقوم عليها القاعدة العلمية الأصيلة القوية المتينة.\nوانعدام تلك الخصيصة الأساس قد يعصف بما عداها، ويورث ضررا، ويوقع خطرا، يودي بصاحبها وبالآخرين وبالعلم نفسه. كما إن انعدامها يجعل المواصفات التالية والباقية منفردة لا قيمة لها، ولو ملك صاحبها أي مقدار، ولا يكون في العداد، على عكس اليوم. ولأمور بسيطة جرّح البعض ابن إسحاق (١٥١ هـ ٧٦٨ م)، وهو تابعيّ ثقة صدوق، ومؤلّفه الشهير (السيرة النبوية) خير دليل «١» .\n_________\n(١) انظر: الطبقات الكبرى (٧/ ٣٢١) . تاريخ بغداد (١/ ١٣٩، ٢١٤) . وفيات الأعيان، ابن خلكان (٤/ ٢٧٦، رقم ٦١٢) . سير أعلام النبلاء، الذهبي (٧/ ٣٣) .","vol":"1","page":33},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-14> كتابة السيرة الشريفة:</span>\nإن كتابة السيرة الشريفة- على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ السلام- وقراءتها، ثمرة لتطبيق وأسوة لحياة. ولا يتولى كتابتها وتدريسها إلا أهل هذا اللون من الفهم والاتجاه. ولا بد من النظر إلى السيرة الشريفة في كل ذلك، باستيعاب ليس عقليا فحسب، بل كيانيا متلاحما، يهيمن ويستبطن ويجنّد كافة الجوانب والطاقات، ويستأهلها ويؤهّلها في الإنسان، للتلقي الفاضل؛ لأن الإسلام خاطبها، واهتم بكافة الجوانب في هذا الإنسان، وتناولها، واعتمدها.\n_________\nوله: تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٢) . وله: العبر (١/ ٢١٦) . شذرات الذهب، ابن العماد (٢/ ٢٣٥) . الوافي بالوفيات (٢/ ١٨٨) . الأعلام (٦/ ٢٨) . ولقد أثنى العديد على ابن إسحاق. وقد وصف بأنه بحر في معرفته بالسيرة النبوية الشريفة- على الرسول الصلاة والسلام- وإنه أمير المؤمنين في الحديث، ووثقه العديد من العلماء، وإن لم يعتبره بعضهم حجة في الحديث الشريف. ويقول الذهبي (تاريخ الإسلام، حوادث وفيات ١٤١- ١٦٠، ص ٥٩١): (الذي استقر عليه الأمر أن ابن إسحاق صالح الحديث وأنه في المغازي أقوى منه في الأحكام) . أي: إنه مؤرخ ومحدّث وليس فقيها، مع علمه بالحديث، وتحريه له، واستفادته منه، واقتفائه رواياته، واعتماده عليه، فهو محدّث ومؤرخ، استفاد من كل ذلك في كتابته سيرة الرسول ﷺ. ويقول الحافظ ابن كثير (٧٧٤ هـ) في البداية والنهاية (١٠/ ١٠٩): (صاحب السيرة النبوية التي جمعها وجعلها علما يهتدى به وفخرا يستجلى به، والناس كلهم عيال عليه في ذلك كما قال الشافعي وغيره من الأئمة) . ويقول ابن خلكان (٦٨١ هـ) في وفيات الأعيان، ٤/ ٢٧٦: (وكان محمد المذكور ثبتا في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته فيها) . وقال ابن العماد الحنبلي (١٠٨٩ هـ) صاحب شذرات الذهب (٢/ ٢٣٥)، بأنه: (كان بحرا من بحور العلم، ذكيا، حافظا، طلّابة للعلم، أخباريا، نسابة، علامة ... لا تجهل أمانته (إمامته) ووثقه الأكثرون في الحديث) . ولقد روى له أكثر أهل الصحاح. انظر مقدمة السيرة النبوية الشريفة لابن هشام. والسيرة النبوية، أبو شهبة (١/ ٣٠) .","vol":"1","page":34},{"text":"فلا بدّ من توفر التلقي، بكل هذه الوسائل التي تعهّدتها السيرة، ليصفو العطاء زلالا، بالتلازم والاستواء والوفاء.\nفالسيرة الشريفة بفصولها، هي قصة الهداية الإنسانية والإنسان المثال، قصة الإنسان في هذه الأرض وقصة حضارته، قصة السعادة في الدارين، وقصة الموكب السّائر نحو الله بمنهجه ﷾، عبر القرون والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وكذلك قصة ما يحفّ ذلك كله من طبيعة وحقيقة ووسائل الصراع بين الحق والباطل، حتى يبقى الأخير أسيرا ومنهزما حسيرا، مثلما هي كذلك تحمل كيفية الإيصال والإبلاغ للحق، والإقامة والإدامة والبناء خلال الأجيال. فيبقى الإنسان سيدا في الدنيا وسيدا في الآخرة، حين يتأهّل بمنهج الله تعالى، استحقاقا للخلافة في أرض الله تعالى، بل وكذلك حتى يلقاه ﷾.\nفالإسلام وحده- من خلال السيرة الشريفة والاقتداء بها- رفع الإنسان، وأهّله لكلّ ذلك. وعندها وبه- لا بغيره- يستطيع أن يا بني الحضارة الفاضلة والإنسانية الكريمة. والإسلام يفعل كلّ ذلك وأمثاله وغيره دوما، وقد فعل.\nرفع الإسلام قدر الإنسان، وحقّق إنسانيته، بعد أن طهّر نفسه من الأرجاس، وابتناها على الإيمان المستنير بالله وحده لا شريك له، ﷾.\nفحرّرها من كل ألوان العبوديات والوثنيات والجاهليات، في العقيدة والعبادة والنوايا والأقوال والأفعال، وفي أمور الحياة كافة، وخلوص ذلك كله لله تعالى وحده جلت قدرته، وأعلى مكانتها بذلك، فتحقّقت إنسانيتها المؤمنة المطمئنّة، الراضية بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.\nوبه استحق الخلافة في أرض الله، يرعاها بدين الله القويم، وينيرها بمنهجه، ويسير به مضيئا، ويتحرك مشرقا، ويحمل راياته، داعيا له بلسانه، متحركا به بسلوكه. يرى ويعلم أنّ تلك مهمته، إنقاذ البشرية وهدايتها. وهكذا كان المسلمون، لا سيما الصحابة الكرام ومن بعدهم.","vol":"1","page":35},{"text":"ولعله قد مرت بك أقوال وموقف ربعي بن عامر الصحابي الجليل (أو التابعي) «١»، التي كانت وخاطب بها رستم قائد الفرس في مقابلته له قبل معركة القادسية (١٥ هـ) حين سأله عما جاء بهم، فقال ربعي: (الله ابتعثنا لنخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه، ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله، قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) «٢» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-15> العيش في جو السيرة عمقا وتعلّقا:</span>\nولكل ذلك متطلبات ومواصفات. وإن أيّة دراسة لا تقرأ القرآن الكريم سواء ما يتعلق بالسيرة وغيرها- وما يخص السيرة والدعوة، ولا تعيشها وتعايشها وتحملها، في النفس والفكر والسلوك والحياة، وتتفاعل معها، لا تستطيع أن تتقدم وتتقوم بصورة حسنة. ولا بد من أجل ذلك من تذوّقها وفهمها؛ لأنها ليست مسألة عقلية فحسب، بل تتولى الكيان الإنساني بكافته، منيرة الإيمان.\nفالمؤرخ المسلم، التقي الورع المتعلم الفقه المتفتح اللّقن الفهم، المزود بكل ذلك، وبالمؤهلات العلمية اللازمة، والإمكانيات البحثية المطلوبة، أقدر وأعمق وأدق وأصدق وأحق، على تناول السيرة النبوية\n_________\n(١) الإصابة (١/ ٥٠٣)، رقم (٢٥٧٢) .\n(٢) البداية والنهاية، ابن كثير (٧/ ٣٩) . الكامل في التاريخ، ابن الأثير (٢/ ٣٢٠) . القادسية، أحمد عادل كمال (١٠٦) . انظر كذلك: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين (١٢٧) . حياة الصحابة (١/ ٢٢٠، ٣/ ٦٩٠) . (حيث أورد تفصيلات وأمثلة أخرى) . قارن: حياة الصحابة (١/ ٤٥) وبعدها.","vol":"1","page":36},{"text":"الشريفة، وعموم التاريخ الإسلامي، بل وآمن وأضمن وأطمن على كتابة تواريخ الأمم الآخرى وأي تاريخ آخر، بل وعلى أية معرفة وتعامل واشتغال في حقل علمي ودراسي، وغيره من حقول الحياة الإنسانية وحضارتها وجوانبها.\nوهذا ماض وكامن في كلّ دراسة وتدريس، كما هو محفوظ ومعروف وموروث في كل بحث وتأليف وتحقيق، في نتاج علمائنا، ومهما تفاوتوا فيه فهم على هذا الطريق، نشأة وتربية وأداء وخدمة وكتابة وسعيا ووعيا متعمقا.\nوهاتان الصفتان لازمتان متلازمتان لهذا المؤرخ، وهذا اللون من الدراسات والكتابات التاريخية وغيرها، ولا سيما السيرة النبوية الشريفة.\nفالأولى منهما: الصفات والمواصفات النوعية، أي: التقوى والورع والفقه والولاء والالتزام بالإسلام والوفاء بكل مستلزماته، وأداء كافة مقتضياته، إيمانا بعقيدته، وقياما بعباداته، وولاء لشريعته، وأخذا بخلقياته- قولا وعملا- وأداء لنصرته، وحضورا لخدمته، مضامين وميادين.\nوالثانية: القيام بحق العلم وحيازة مؤهلاته وإمكانياته، والتمكن في معانيه، والأخذ بأسبابه ووسائله.\nفهذه المواصفات: النوعية والعلمية، كل منها أساسيّ وضروريّ، سواء بسواء. فالمؤهّل النوعي والعلمي كلاهما كان وراء هذا النّتاج الجمّ الكريم الجليل والعمل النوعي والعلمي الباهر المتسع في التأليف التاريخي وغيره، ابتداء من السّنّة المطهرة والسيرة الشريفة، وكافة الميادين الآخرى.\nولا بدّ أن تكون هناك مواصفات مطلوبة، لكل عمل خيّر منير، معتبرة ومعترفة، للقيام بهذا العمل العلمي الجدير، شبيهة بالصفات المطلوبة فيمن يدوّن السّنّة النبوية المطهرة- ومنها الحديث الشريف- أو يؤخذ عنه. وهكذا علت الثقة بعلمائنا الأفاضل وسلفنا الصالح من قبل كلّ أحد، وبأعمالهم","vol":"1","page":37},{"text":"الإنسانية، لا سيما السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وعموم التاريخ الإسلامي.\nوإن هؤلاء لم يعتكفوا على الكتابة بل- بجانب التأليف والتدريس- خاضوا الحياة، وحملوا إليها معانيها علما وعملا. وكنت تجدهم في المقدمة وقت الشدائد، وفي القيادة في المعامع، وفي ساحات الجهاد كانوا يحثون الناس، وهم أول الشهداء في الميادين.\nوإن الأمر الأساسي الوجيه في ذلك، قراءتها بهذا الشكل، وصياغتها، وتقديمها من خلال رؤيتها في النفس، تشقّق وتفتّق ينابيع الإيمان. وكم من غير المسلمين وباطلاعهم على ذلك تأثروا فأسلموا!\nوالذين يعيشون في أجواء السيرة الشريفة، فقها وسلوكا، هم أقدر الناس على تصوّرها والتعبير عنها، وأصبر وأخلص على تقصّي أخبارها، وفهم دقائقها، وتتبع نصوصها، واستخلاص عبرها، والعيش بمعانيها، وحبّهم في التجول بين بساتينها ورياضها. وهم أفضل منهجية وإدراكا وربطا وتقويما، وأعمق رؤية، والأمر في ذلك مطّرد.\nومن هنا فالذين عبّروا خير تعبير: هم الذين عاشوا في ظلالها، ونشهد كل هذا، مشمولا به كل المعاني الإسلامية؛ ولذلك نجد هذا الأمر شائعا عند السلف والخلف، قدماء ومحدثين، وحتى يوم الدّين.\nولقد فتح الله عليهم جميعا بفهم كريم؛ لذا- وكمثال سالف للعصر- كان ما كتبه علماء الأمة وشهداء الجهاد، أمثال: أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي الأندلسي (٦٣٤ هـ ١٢٣٧ م) الذي كان من كبار أئمة الحديث الشريف والسيرة النبوية، وله كتاب (الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء)، وغيره من شهداء العصور وشهوده عميقا، سواء ما يتعلّق بالتفسير، أو السيرة النبوية الشريفة، قويا ومعبرا، وهو قائم على تلك المواصفات، من الفهم العميق، والحفظ الدقيق، والعيش السليم، وأخذ النفس بمنهاج الله تعالى الكريم، والتضحية من أجل ذلك","vol":"1","page":38},{"text":"وافتدائه. ومن هنا نلحظ هذا الأمر لدى السّلف الصّالح واضحا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-16> كتابة السيرة بين الفقه والتاريخ:</span>\nولدينا في السيرة، والتاريخ الإسلامي عموما، كتب كثيرة، يكاد كلّ مؤلفيها- وهم من السلف- أن يكونوا على علم بالإسلام جيد وممتاز، كذلك التزامهم به، ومنهم من كانوا في الأصل هم فقهاء، وكتبوا في التاريخ. وان كان المؤرخون هم من أهل الفقه في الدّين، وكان من هؤلاء الفقهاء. وهم مثل كثير غيرهم في معرفة الخير وتحرّيه، إلا أنهم أكثر علما، وأشد تماسكا والتزاما، أجدر من كتب السيرة، وأجدى علما وعملا. فهم أفضل من كتب التاريخ الإسلامي، لا سيما السيرة النبوية الشريفة لالتزامهم الدائم بالإسلام، وتوطين أنفسهم على معانيها، وإدراك مراميها، والعيش في أجوائها، شدة ورخاء، منشطا ومكرها.\nوهذا الإيمان والالتزام يفتّق المضامين، وينبّع المعاني، وينبّه إلى المكامن، وينبّت المفاهيم، ويفتّح المغاليق، ويعمّق الوعي، ويوضّح التصورات، ويشدّ الالتزام، نحو السيرة وبلاغها وتوضيحها وتسديدها وفقهها، تعمقا وتفهما وعملا، دواما وتماما.\nوكثير من كتبة التاريخ الإسلامي اليوم لا يفقهون الإسلام، إن لم يكونوا يعادونه، ويعرفون عنه تلفيقات مزوّرة، يردّدونها بعد أن تلقوها، وصورا شائهة شائنة التقطوها احتطابا، واعتبروها هي حقائقه، أضعفت ولاءهم وأركست مفاهيمهم، وطمست ضياءه عندهم، وغيّبت بهجته وحجبت بهاءه أمامهم وأودت بمناراته وفتوحاته لديهم. فهم من الناحية العلمية البحتة لا يصلحون لذلك، فضلا عما يمكن أن يتصفوا به من التّحيّز، وعدم الأمانة، وامتلاكهم واحتوائهم الرطانة اللغوية والخلقية والعلمية.\nولكن- لا سيما بالنسبة للسيرة- فقد توفرت- والحمد لله- مجموعة من المؤلفات الحديثة، أغنت الكثير من جوانبها، وتوفرت لها من المصادر","vol":"1","page":39},{"text":"الأمهات في السيرة الشريفة نفسها، فضلا عن كتب السنة، وأولها الحديث الشريف، ما أغنى مادتها. وذلك فضل من الله ندعوه أن يأخذ مداه إلى تنوير الكتابة في بقية مراحل التاريخ الإسلامي وقضاياه، الذي غدا اليوم ضرورة ملحّة أشدّ الإلحاح.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-17> دراسة وكتابة السيرة الشريفة وآفاقها:</span>\nولا بدّ من خدمة التاريخ الإسلامي عموما، والسيرة النبوية خصوصا، بشكل مجوّد، محبّب رصين كريم، والانتفاع بكل ما كتب ويكتب فيها من الجيد الأمين الأصيل، ولمختلف المراحل والجوانب والأحجام والتفاصيل، وبأسلوب يقود إلى تثبيت المعاني الفاضلة وتحبيبها وتقريبها، والاجتذاب؛ لترتقي بها إلى آفاقها الرحيبة الوسيعة المضيئة الطاهرة الباهرة النادرة، حتى تستنير، وترتفع، وتستقيم على الطريق.\nفمن المهمّ جدا فهم السيرة، وتدبّرها، والكتابة عنها، وتوعية الناس بها، ليس في المناسبات فحسب، بل على الدوام، وذلك جزء من مقتضيات الإسلام، ولا سيما في هذا العصر.\nومن المهمّات التي تجتهد هذه الدراسة أخذ نفسها بها- وهي تحيا بها بفضل الله- ألا تنوي شرح السيرة الشريفة- منهجية دراستها وعرض أحداثها- أفكارا ونظرات مجردة، بعيدة عن حركتها وتفاعلها وصيغها وصورها ومواكبها العلمية العالية، فهي تقدّمها نابعة من سيرها ومعتركها ومواقعها، حيّة متلاحمة لصياغة الحياة الجديدة، تبنيها وتحميها، آخذة بتفاصيلها هي نفسها في عرض الأمور، وسوق الصيغة المناسبة من رؤيتها، معاني حية في الحياة، وتسجيل حركتها بهذا الدين وحمله في قلبها ونفسها تعض عليه بنواجذها، سائرة في موكب النور وطريق البناء- بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ وسيرته- يقود موكبه المنير، أسوة حسنة، وقدوة كريمة.\nوهذه الدراسة تنظر وترقب تلك المواكب وهي تشيد وتبني وسط","vol":"1","page":40},{"text":"المعترك العاصف، وتقارع كلّ عنيد بليد أو مديد، تعطي وتبذل وتجاهد وتضحي، قوية بهذا الدّين، أبية في كنف الله، أمينة على دعوته، جادّة في خدمة وتثبيت معالمه وأعلامه؛ لتصيغ وتصبغ حركة الحياة البشرية به، وتقود تيارها، وتعلي إنسانيتها- التي كرّمها الله- بمضامينه. تفي بذلك وتلتزم من أول يوم أعلنت عن نفسها، بإبلاغ التوحيد في العقيدة، وإفراد الله سبحانه بالربوبية والألوهية والحاكمية، بقيادة هذا الدين، سارت به على مدار الأجيال.\nكلّ ذلك تقدّمه- هذه الدراسة- موضحة بالأمثلة والشواهد والأحداث، في كل المراحل والمناهل والمواقع والأمثال والأحوال والأهوال، تحسّه وتلمسه وتنظر أحدهم، من الصحابة الكرام- كما وصفوا- بأنه قرآن يمشي على الأرض «١»، مقتديا برسول الله ﷺ الذي «كان خلقه القرآن» «٢» . ولقد غدا المسلم كله لهذا الدين، وأسلم زمامه له ذلولا، بحب وشوق وإقبال سبّاق.\nتمر بتلك المعاني تعبّر عنها الوقائع والتصرفات للجميع، جيلا بأكمله، نساء ورجالا، وشيوخا وأطفالا وعجزة، ويسرهم البذل، ويحزنهم ألا تكون الفرصة مهيّأة، والوقت سانحا وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] . ويتقدمون في أشد الأمور صعوبة، في المعارك للموت في سبيل الله، يتنافسون فيه ويتسابقون إليه. وكم منهم حين\n_________\n(١) مرت عليّ هذه العبارة خلال قراآتي، لكني لم أجد مكانها الآن، لكن هذا الفهم من المصادر الآخرى والمراجع التي تتحدث عن صفة الصحابة الكرام. وقبل كل ذلك ما وصفهم الله تعالى به في القرآن الكريم، ثم ما جاء من فضائلهم في صحيح البخاري وغيره. انظر مثلا: حياة الصحابة (١/ ١٠، ٣٧- ٤٠، ٤٥ ٤٩) .\n(٢) أخرجه مسلم (٧٤٦، ١/ ٥١٣) .","vol":"1","page":41},{"text":"يقتل في سبيل الله يقول: (الله أكبر، فزت وربّ الكعبة) «١» . وهذا الوصف والحال شمل كل ذلك الجيل الكريم الفريد.\nوهذا التعبير- الذي يشير إلى السرور والفرح للموت في سبيل الله- ذكر لأكثر من صحابي، في أكثر من موقع ومناسبة، منها حادثة بئر معونة (صفر ٤ هـ) . وكان عدد الصحابة سبعين راكبا من القرّاء، وهم من خيار المسلمين «٢»، ذهبوا إلى أهل نجد، وذلك بعد أن قدم على رسول الله ﷺ أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة، فعرض عليه ﷺ الإسلام ودعاه إليه، فلم يسلم، ولم يبعد عن الإسلام، وقدّم لرسول الله ﷺ هدية، فقال ﷺ: «فإني لا أقبل هدية مشرك» «٣» . وعرض على الرسول الكريم ﷺ أن يرسل عددا من الصحابة لدعوة أهل نجد إلى الإسلام، فخاف ﷺ أهل نجد، لكن أبا براء تعهّد بإجارتهم وحمايتهم.\nفبعث ﷺ هؤلاء النفر، وجعل عليهم المنذر بن عمرو «٤» (وهو من\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع وبئر معونة، رقم (٣٨٦٤/ ٤) . كذلك: السيرة النبوية، ابن هشام (٣/ ١٨٧) . السيرة النبوية، الذهبي (٢٣٥- ٢٤١) . حياة الصحابة (١/ ٥٢٩، ٢/ ٢٤٥، ٣/ ٥٤٨، ٥٩٥- ٥٩٦) .\n(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع وبئر معونة، أرقام (٣٨٦٠ ٣٨٦٥) .\n(٣) حياة الصحابة (٢/ ٢٤٥) وحولها أمثلة عن هذا الأمر. وهذه المسألة متكررة، ولها شواهد كثيرة، هي وأمثالها. زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية (٥/ ٧٨- ٧٩) .\n(٤) المنذر بن عمرو الخزرجي الأنصاري: شهد بيعة العقبة الكبرى، وكان نقيب بني ساعدة هو وسعد بن عبادة، كما شهد بدرا واحدا، واستشهد يوم بئر معونة (وهي سرية القراء) . وكان عددهم سبعين، وكان في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة (أو لعله أولها)، على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة الشريفة. وكان المنذر أمير هذه السرية. وسمّي «المعنق ليموت»، لما روي عن رسول الله الكريم ﷺ أنه قال فيه لمّا بلغه استشهاده: «أعنق ليموت» . أسد الغابة (٥/ ٢٦٩) . الاستيعاب (٤/ ١٤٩٥) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٤، ٤٤٩، ٤٦٦، ٤٩٥، ٥٠٦، ٦٩٦،","vol":"1","page":42},{"text":"النقباء الاثني عشر) . ومنهم الحارث بن الصّمّة «١» وحرام بن ملحان «٢» خال أنس بن مالك- وعروة بن أسماء بن الصّلت السّلمي «٣» ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي «٤» وعامر بن فهيرة «٥» - مولى أبي بكر الصديق﵁ في رجال من خيار المسلمين، ونزلوا بئر معونة بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم. فذهب حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ﷺ إلى\n_________\n٣/ ١٨٤- ١٨٥، ١٨٩) . سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي (٦/ ٩١) وبعدها.\n(١) الحارث بن الصّمّة الأنصاري: وكان قد سار مع الرسول الله ﷺ إلى بدر فكسر بالرّوحاء، فرده ﷺ وضرب له بسهمه وأجره، وشهد معه أحدا، وبايع رسول الله ﷺ يومئذ على الموت، واستشهد يوم بئر معونة. وفيه يقول الشاعر يوم بدر:\nيا ربّ إن الحارث بن الصّمّه ... أهل وفاء صادق وذمّه\nأقبل في مهامه ملمّه ... في ليلة ظلماء مدلهمّه\nيسوق بالنبي هادي الأمّه ... يلتمس الجّنة فيما ثمّه\nالاستيعاب (١/ ٢٩٢) . أسد الغابة (١/ ٣٩٨) . سيرة ابن هشام (٣/ ١٨٤) . السيرة النبوية، ابن كثير (٣/ ١٤٢) . سبل الهدى والرشاد (٦/ ٩٤، ٩٨) . الوافي بالوفيات (١١/ ٢٥١) (رقم ٣٦٧) . وكان حين بقي وحده أخذ يقاتل القوم حتى استشهد، بعد أن قتل أربعة منهم، وما استطاعوا قتله إلا بعد أن (شرعوا له الرماح فنظموه فيها) . سبل الهدى والرشاد (٦/ ٩٤) .\n(٢) سبل الهدى والرشاد (٦/ ٩٣، ٩٨) . السيرة النبوية، ابن كثير (٣/ ١٤٠) . أسد الغابة (١/ ٤٧٣) . الوافي بالوفيات (١١/ ٣٣٠) (رقم ٤٨٨) .\n(٣) سيرة ابن هشام (٣/ ١٩٤) . حياة الصحابة (١/ ٥٢٧) . أسد الغابة (٤/ ٢٦) .\n(٤) أسد الغابة (١/ ٢٠٣، ٥/ ٢٩٩) . سبل الهدى (٦/ ٩٩) .\n(٥) عامر بن فهيرة: مولى أبي بكر الصديق وأعتقه. أسلم قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقد أسلم وهو مملوك، وكان حسن الإسلام، وعذّب في الله، فاشتراه أبو بكر الصّدّيق وأعتقه. وكان يرعى الغنم لأبي بكر في ثور، يروح بها على رسول الله ﷺ وأبي بكر في الغار. وكان في الهجرة رفيق رسول الله ﷺ وأبي بكر، وأردفه أبو بكر في الهجرة إلى المدينة. وشهد بدرا وأحدا، ثم استشهد يوم بئر معونة. الاستيعاب (٢/ ٧٩٦) . أسد الغابة (٣/ ١٣٦) . الإصابة (٢/ ٢٥٦)، رقم (٤٤١٥) . سبل الهدى (٦/ ٩٣، ٩٥، ٩٧) . السيرة النبوية، ابن كثير (٣/ ١٤٠- ١٤١) . سيرة ابن هشام (٣/ ١٨٦) . الوافي بالوفيات (١٦/ ٥٨٠) رقم (٦١٨) .","vol":"1","page":43},{"text":"عامر بن الطّفيل، فلم ينظر فيه، وعدا غيلة وغدرا على حرام وقتله. وهو ممن قال العبارة المذكورة، بل ونضح الدم على وجهه ورأسه «١» . وبذلك أسلم قاتله، بعد أن عرف معنى عبارته، ورأى ثباته، وشوقه الأكيد للاستشهاد في سبيل الله.\nوممّن قال العبارة أيضا أميرهم المنذر بن عمرو، وهو الملقّب (المعنق ليموت) وقد صار له لقبا بعد استشهاده.\nولما استصرخ عامر بن الطفيل رئيس المشركين بني عامر، رفضوا الاستجابة له وفاء بالعقد والجوار، فاستصرخ قبائل بني سليم، فاستجابوا له: رعل وعصيّة وذكوان. فجرى قتال شديد استشهد فيه كل أولئك الصحابة- رضوان الله عليهم- غير اثنين، وظلّ الرسول الكريم ﷺ يدعو عليهم شهرا في صلاة الغداة (الفجر) .\nوكان هؤلاء السّبعون من الأنصار (أو أغلبهم من الأنصار، وفيهم العديد من المهاجرين) من القراء «٢» . وقد أورد البخاري ومسلم خلاصة عن هذه الحادثة كما يرويها أنس بن مالك قال: جاء ناس إلى النّبي ﷺ، فقالوا: أن ابعث معنا رجالا يعلّمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار، يقال لهم القرّاء- فيهم خالي حرام- يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلّمون. وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصّفّة والفقراء.\nفبعثهم النبي ﷺ، فعرضوا لهم فقتلوهم، قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا:\nاللهم بلّغ عنا نبينا أنّا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا. وأتى رجل حراما\n_________\n(١) البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع وبئر معونة، رقم (٣٨٦٥) . حياة الصحابة (١/ ٥٢٩) . الوافي بالوفيات (١١/ ٣٣٠) رقم (٤٨٨) .\n(٢) القراء: هم حفظة القرآن الكريم، يحتطبون نهارا، ويتدارسون القرآن، ويتهجّدون ليلا، ويطعمون أهل الصّفّة، ويلبّون سراعا داعي الجهاد. السيرة النبوية، أبو شهبة (٢/ ٢٣٩) .","vol":"1","page":44},{"text":"- خال أنس- من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه. فقال حرام: فزت وربّ الكعبة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إنّ إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا:\nاللهم بلّغ عنا نبيّنا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا «١»» «٢» .\nأي تكافل هذا، وأي ترابط، وأي نصرة! لا يمكن أبدا أن تكون إلا بهذا الدّين، حيث استجاب هؤلاء هذا اللون من الاستجابة القوية، فكانوا ممن شملهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠]، وكانوا به الجيل المثال.\n_________\n(١) رواه الشيخان (البخاري ومسلم)، متفق عليه. البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب من ينكب في سبيل الله، رقم (٢٦٤٧)، واللفظ لمسلم: صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم (٦٧٧)، رقم حديث الباب (٢٩٧/ ١، ١٤٧/ ٣) . مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٥٥، ٢٧٠) . رياض الصالحين (٥٠٦) .\n(٢) وأما أهل الصّفّة أو أصحاب الصفة، فهم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ أضياف الإسلام، لم يأووا إلى أهل ولا مال، يبيتون في مسجده ﷺ فينزلون صفة المسجد النبوي. وهو موضع مظلّل في مؤخرة مسجده ﷺ، يسكنه غرباء وفقراء المهاجرين إلى المدينة، ممن لم يكن لهم منزل يسكنونه. وكانوا أربعمئة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل (تفسير القرطبي، ١٢/ ١٦٨) . يخرجون في كل غزوة. وكان الرسول ﷺ يدعوهم في الليل. فيفرقهم على أصحابه، وتتعشّى طائفة منهم معه ﷺ. ومنهم الصحابي الشهير أبو هريرة (حياة الصحابة، ١/ ٨١، ٣٢٧) . وأبو ذر الغفاري (حياة الصحابة، ٢/ ١٩٧) . وكان ﷺ يشرف على إطعامهم ورعايتهم بنفسه، وإذا حضر طعام يطعمهم ويسقيهم، وهو آخرهم (حياة الصحابة، ١/ ٣١٥، ٢/ ١٩٦، ٣/ ١٨٠)، حتى استقامت أحوالهم، وذهب عنهم فقرهم بفضل هذا الدّين العظيم وسيرة الرسول ﷺ التي أقامت ذلك المجتمع الفاضل، وربّت ذلك الجيل الفريد، وقدمت تلك الصور الإنسانية الفاضلة. وقد يكون بلغ عددهم في وقت أربعمئة. وأخرج البخاري أن أبا هريرة قال: رأيت سبعين من أصحاب الصّفّة، ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء. قد ربطوا في أعناقهم. فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته. البخاري: كتاب أبواب المساجد، باب: نوم الرجال في المسجد، رقم (٤٣١) .","vol":"1","page":45},{"text":"ولا بدّ لمن يريد أن يقيم مجتمع الإسلام أن يرتقي إلى هذا المستوى بالعمل قبل الكلام، وعلى هذا سارت أجيال الأمة في عصورها فارتقت، وكانت مثالا.\nومن عون الله تعالى ونصره للمؤمنين أن أهلك أعداء الإسلام؛ الذين يظنون أنهم قادرون عليه، فأذهبهم، ونصر عبده وأعزّ جنده «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-18> دوام حفظ الله سبحانه لأهل دعوته ونوعيتهم:</span>\nوهكذا صرف الله عدوّ دينه ونبيّه والمسلمين، فأنزل بهم عقوبة يستحقونها. فانظر روعة هذا الدين ونصرة الله لأهله المخلصين، ونصرتهم له ولبعضهم، وحبهم لذلك كله، واسترخاص النفس من أجله «٢» .\n_________\n(١) وأما ما كان من أمر عامر بن الطفيل أنه أتى النبي ﷺ بعد ذلك، وقال له: ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم» قال عامر: أتجعل لي الأمر- إن أسلمت- من بعدك؟ فرفض ﷺ ذلك (حياة الصحابة ٣/ ٥٤٨) . وقدّم عامر ثلاثة أشياء عرضها على الرسول ﷺ: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر (الحضر المدن) أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان (البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع، رقم ٣٨٦٠ وبعده) . فلما خرج من عند رسول الله ﷺ تهدده فردّ ﷺ عليه بقوله: «يمنعك الله» . وذهبت كلّ محاولاته هباء، مع رفيق له كان معه هو أربد بن قيس، كانا يريدان الغدر برسول الله ﷺ يريدان قتله. عامر يشاغل الرسول الكريم ﷺ. فقال عامر للرسول الكريم ﷺ: يا محمد خالّني (كلمني منفردا)، قال ﷺ: «لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له» . وجعل عامر يكرّر طلبه والرسول الكريم ﷺ يجيبه نفس الجواب. ثم حماه الله ﷾ منهما، وصرفهما عنه. ودعا عليهما الرسول الكريم ﷺ، فقتل الاثنان، هلكا في الطريق. أربد بصاعقة. أما عامر فأصابته آلام فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية. ثم ركب فرسه، ومات عليها راجعا. انظر تفاصيل ذلك: سيرة ابن هشام، (٣/ ٥٦٨) . زاد المعاد (٣/ ٦٠٣- ٦٠٥) . سبل الهدى (٦/ ٥٥٠- ٥٥٣) .\n(٢) راجع: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي (٥٦) . حيث تجد أمثلة أخرى كثيرة.","vol":"1","page":46},{"text":"ثم لاحظ حبّهم لبعض، وكيف أن الرسول ﷺ رفض هدية المشرك وكيف رفض حلفا مع من يريد أن يسلم لمصلحة، معتمدا- في ذلك كلّه- على الله تعالى، رافضا كل تهديد، ومتأكّدا من نصر الله لأهل دعوته الذين يخلصون له، متوجّهين إليه وحده، ولا يخافون لومة لائم. أليس في ذلك عبرة ودرس وتذكرة؟\nوكم من أطفال الصحابة- دون الخامسة عشرة- تقدّم للمعارك، ولما ردّهم رسول الله ﷺ- لصغر سنّهم- بكوا، يريدون الموت في سبيل الله «١» . وقل مثل ذلك في النساء والشيوخ «٢» .\nوهكذا كان كلّ الجيل المثالي الفريد، جيل الصحابة الكريم الذين رباهم رسول الله ﷺ بيده، ونشّأهم على مائدة القرآن، بالوحي الرباني، قرآنا وسنّة وسيرة، فكانوا الجيل القدوة حتى لا يكون الأمر متمثّلا في أفراد متناثرين، هنا وهناك. فهم جيل كلهم كذلك، وليس فيهم غيرهم «٣» . ففي صلح الحديبية (السنة السادسة للهجرة) بايع جميع الصحابة- وعددهم ألف وخمسمئة- رسول الله ﷺ على الموت وعلى ألا يفرّوا «٤»، مع أنّهم لم يأتوا مستعدّين للحرب، لا نفسيا ولا حربيا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-19> أسلوب هذه الدراسة:</span>\nوبمثل هذا الأسلوب في العرض والدراسة- من شرح مقترن بالأمثلة الحية- تمرّ أمامك أحداث السيرة الشريفة بقوتها وحقيقتها ووضوحها، حتى لكأنك تراها ماثلة أمامك، رأي عين مثولا، تقرأ معانيها، سلوكا واضحا\n_________\n(١) السيرة النبوية، ابن هشام (٣/ ٦٦) .\n(٢) السيرة النبوية، ابن هشام (٣/ ٩٠، ٩٧- ٩٩) .\n(٣) راجع: التاريخ الأندلسي (١٢١- ١٢٢) .\n(٤) البخاري: كتاب الجهاد، باب البيعة في الحرب ألا يفروا وقال بعضهم على الموت، رقم (٢٧٩٨، ٢٨٠٠) . وكتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية، رقم (٣٩٣٦) .","vol":"1","page":47},{"text":"وقوة شماء، في سيرة مباركة تقوم على الإيمان بالإسلام، عقيدة وعبادة وشريعة- علما وعملا- ترقبها عن كثب وتشاهدها، إنسانا يتحرّك بهدي هذا الدين، متفاعلة مع الحياة تصبغها وتصيغها على منهجها في كل ركن وجانب وموقع. وهي تقوم بذلك طاعة لله تعالى، في الحرب والمحراب وفي المسجد والسوق والحياة مع الناس، في أسرتها ومع نفسها ومع مجتمعها، مع عدوّها وأخيها، مثلما هي كذلك مع الله ﷾، تطيعه وتتحرّى دينه- قرآنا وسنّة وسيرة- في المنشط والمكره والعسر واليسر، في السرّ والعلانية «١» . وبه قامت وعليه تربّت في معترك الحياة، تؤمن به، وتتشرف بنوره، وتأخذ بتعاليمه في كلّ حين.\nوتلك هي دوافع هذه الدراسة، ومقوماتها، ومنهجيتها التي تتبناها وتعتمدها، فإنّ دراسة السيرة الشريفة، وعلى هذه المنهجية الحيّة المتفاعلة الداعية للأخذ بها، ضرورية لازمة، وقضية حاسمة حازمة، لا غنى عنها ولا بديل ولا تحويل.\nوليست دراسة السيرة كمالية، أو نافلة، أو قضية دراسية أو علمية، بل هي أساسية، مهما كان تخصّص المسلم ونوع اهتماماته. ندرسها لنقتدي بها ونهتدي، ونستظل بظلّها في التطبيق العملي الذي تتجلّى فيه نصوص القرآن الكريم والدعوة الإسلامية، مشاهد ووقائع حيّة نابضة، ومتحرّكة مؤثرة. وأهمية ذلك بمقدار الاهتمام والتفاعل مع مضامينها وما يقرّ في القلوب وبمقدار الأخذ به. وكلّ ذلك علامة على تجدّد الأمة المسلمة التي لا تموت، إن شاء الله تعالى وبنعمته سبحانه، ما دامت ملتزمة بذلك، ولا بدّ ان يقيّض الله من يأخذ بها، ويرعاها، ويحميها، بل هي دواما تماما في ولادة مستمرة.\n_________\n(١) البخاري: كتاب الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار، رقم (١٨) . مجموعة الوثائق السياسية، (٤٨، ٥٠) . السيرة النبوية، الذهبي (٢٩٢، ٢٩٨) . إمتاع الأسماع (١/ ٣٦) . حياة الصحابة (١/ ٢٤٥) .","vol":"1","page":48},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-20> أثر السيرة في المجتمع قوة ودعوة:</span>\nإنّ قنوات السيرة وأشعتها مبثوثة في التاريخ الإسلامي بطوله، وحتى الوقت الحاضر- وإن تفاوتت- وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. مبثوثة في واقع الحياة، ومدوّنة محفوظة موثقة في مصادرها الأمينة. وطالما كانت السيرة مثار اهتمام وانتباه زائد مركّز، وكلما هبطت بالأمة الأثقال، رفعت عن المسلمين الآثام.\nوكم من مطّلع من غير المسلمين على السّيرة، قادته أحداثها وأحوالها وآفاقها، إلى الإيمان بصاحبها ﷺ نبيّا ورسولا. فانتقل إلى الإسلام، وأقبل عليه مؤمنا به، وقد رضي بالله تعالى ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.\nوالسيرة ميدان للتربية على الإسلام، من خلال التاريخ؛ لأنّ الإعجاب بالشيء الكريم، والموقف المحمود، والمشهد المحبوب- فطرة أصيلة متفتحة- يقود للأخذ بذلك الشيء سريعا، خاصّة إذا كان متمثّلا بإنسان وفي نفس السّن المبكر بشكل أكثر. ولا بدّ من الإعجاب بالسيرة خلال الاطلاع عليها، فنرى الإسلام كما أنزله الله تعالى وأوحى به، متمثّلا في إنسان وأعني به: أناسي- وأول ذلك بصاحبها ﷺ وبالذين ربّاهم على يديه بهذا الدين العظيم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-21> السيرة وكتابة التاريخ:</span>\nولمنزلة السّيرة، نرجو أن يشتدّ ويزداد الاهتمام بها، ويتمّ افتتاح المراكز لخدمتها. وفي ظل وخدمة السيرة النبوية الشريفة، تكون كتابة التاريخ الإسلامي. وحبذا لو تقوم بذلك مؤسسة مخلصة متخصّصة. كما نرجو أن ترعاها جامعاتنا، وتتولى أداء واجبها نحوها في ذلك، بجعلها متطلبا جامعيا، حيث قد تردّد الكلام حول هذا الموضوع في أكثر من جامعة. بل لقد أبان بعضها أنها تنوي افتتاح معهد، أو مركز، أو قسم","vol":"1","page":49},{"text":"للعناية بالسيرة النبوية الشريفة، كتابة ودراسة وتدريسا، والمرجو ألّا يكون ذلك- وأمثاله جد كثر- تخديرا وتدويرا وتحريرا، ليكون أبعد من سراب.\nوالطاهر أنه لا يعدو ذلك- وهو ما انتهت إليه فعلا، بل قد يزيد في الواقع المشهود- حيث إنّ هذا التأميل مضى عليه ما يقارب من خمسة عشر عاما أو يزيد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-22> السيرة وجيل الصّحابة:</span>\nودراسة السّيرة تظهر روعة المجتمع المسلم؛ الذي تربى جديّا بكتاب الله تعالى، على يدي صاحب السّيرة الشّريفة ﷺ وعليها.\nوإنك لتدرك أنّ ذلك الجيل كان متميّزا متفرّدا، جديدا على كلّ أحد غيره، بل وعلى نفسه وأهله وكل من حوله، وواجد ذلك فيهم، ليس في مواقف فردية أو شخصيات معدودة فحسب، لكن تجده لكلّ منهم عمل اليوم والليلة، وتجد مجموع الأمة كذلك في جيل كامل، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا.\nولكنّ هذا العمل الجماعي والاشتمالي للجيل، وثباته على ذلك المنهج- بعد البناء الفردي- كان ثمرة هذه التربية الفردية المستقلة المترابطة المتعادلة المتقنة المعميقة الأصيلة، بمنهج الله ودعوته وبيدي الرسول ﷺ وسنّته وسيرته. وفي ظلال سيرته المحفوظة الباقية بين أيدينا- بكلّيتها وشمولها ودقائقها- مصورة، بشكل رائع مشهود. ومن ذلك التّربّي الفردي، قام المجتمع، نتيجة لابتناء الفرد لها، والتربية المتفاعلة العميقة، وفي الممارسة الميدانية مع تعاليم القرآن الكريم، يرعاها هادي الإنسانية وحاديها رسول الله ﷺ.\nفإنّ التربية في المعترك والميدان، تصفّي النفس والفهم والاتجاه، وتركّز قوة النفس والنية والخلوص لله تعالى، وتجعل المسلم مجاهدا في كلّ ميدان، وهو صاحب التّبعات. والمؤمنون هم بناة الحياة، يعطونها المعنى","vol":"1","page":50},{"text":"الوضئ الذي كرّمه الله به، وإلا فهي حيوانية تقود إلى الشّقوة في الدارين.\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ... وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ... فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى [طه: ٩٩- ١٢٧] .\nوليس كالإيمان بالله تعالى ودينه وحب نبيه ﷺ موقظ للإنسان، وهذا ما يجب أن تسعى إليه العناية بالسيرة النبوية الشريفة، دراسة وتدريسا، قراءة وتحديثا، بحثا وتصنيفا، كتابة وتأليفا وتقديما.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-23> هذه الدراسة والكتابة:</span>\nواليوم لأول مرّة- والحمد لله ﷾، وهذه من نعمه الكثيرة، ومنها كذلك تدريس السيرة الشريفة- أتولّى كتابة السيرة الشريفة، وإعداد جوانب منها في كتاب مستقل. وهو شرف وفضل من الله، أرجو أن يديمه، ويتمّه، ويجعله كتابة منهجية متصلة متكاملة، بجدّ وحدّ معقول ومأمول من الاستيعاب والاستحباب والاستطياب.\nومصادر الكتابة بعد ذلك كلّه، تتطلّب دراسة القرآن الكريم مع التوقف والتركيز والتعمق في مواقع متعددة منه، وكتب السّنّة المطهرة، والسيرة الشريفة، وكتب التاريخ الإسلامي بأنواعه، سواء من كتب التاريخ الإسلامي العام، وكتب التاريخ الإسلامي الخاصّ، التي تنفرد بالحديث عن السّيرة","vol":"1","page":51},{"text":"بكلّ جوانبها. وهي كثيرة متعدّدة، سواء تتناول ما يتعلّق بالأحداث والوقائع أو المغازي والسيرة أو الفضائل والشّمائل والدّلائل (المعجزات) أو الصّفات (الآداب) والخصائص أو المراسلات والعلاقات الاجتماعية والدولية سلما وحربا، وبناء المجتمع وتربية أفراده على المعاني، عقيدة وعبادة وشريعة وأخوة ومحبة وتضحية، والارتقاء به وحضارته وأمته، ونصرة الحق ومقاومة الظلم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، وعلاج مشكلاته وإبعاد آفاته، وتقويم اعوجاجه والانتصار للحق، والخلوص لله تعالى والعمل على تقواه وطلب رضاه، وحمله رايات الإسلام نشرا وبرّا.\nمثلما كذلك الاهتمام بالأحوال المتنوعة الخاصة والعامة، في المواضيع الاجتماعية والإدارية والإنسانية والحياتية الحقة الكثيرة المتنوعة، كل ذلك مهمّ تمام الأهمية، وأكبرها تماما.\nأرجو الله تعالى أن يوفّق له، بكتابة ممتزجة متناسقة مستوعبة مستقصية، على خير ما يرضي الله تعالى، ويليق بسيرة هذا الرسول الكريم ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي مدحه الله تعالى في قرآنه الكريم وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . فصلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.\nإن تمّ ذلك، فهو توفيق من الله أي توفيق، أدعوه تعالى أن يأخذ اليد بسهولة ويسر، ولو كان المعبر إليه مكلفا، من الجهد والوقت والسهر والنظر والصبر والاحتمال، لكنه كله يهون. وما من موضوع- بعد القرآن الكريم كتاب الله تعالى- أولى منها ذلك كله، أو أكثر منه.\nوجعله الله متوّجا بالأجر، مقرّبا إليه وحده سبحانه، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة إليه جدير، وبأوفق صورة من ذلك خبير.","vol":"1","page":52},{"text":"المبحث الثاني السيرة النبوية الشريفة استمرار مواكب وقواعد فهم ثاقب\n* الحب الواضح المتجدد\n* الخلوص في التوجه والنقاء في التلقي\n* سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة\n* السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حيّة\n* معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوقها ومعالمها\n* تحقق الإسلام بالسيرة\n* القدوة المثالية الواقعية\n* نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنّة رسوله ﷺ\n* قادة الأمة والسيرة\n* واجبات محبّبة كريمة، وثمار مباركة طيبة\n* علماء الأمة هم حماتها وبناة حضارتها\n* جمال أمثلة صياغة الحياة، وتفرّد وعمق صبغتها\n* علماء الموائد\n* السنّة وكتابة السيرة\n* من يكتب السيرة؟\n* إرهاصات\n* أدلة إيضاح وإفصاح\n* جيلنا والاهتمام بالسيرة\n* واجب العناية بالسيرة\n* المسلم ودراسة السيرة","vol":"1","page":53},{"text":"السيرة النبوية استمرار مواكب وقواعد فهم ثاقب عاش الصّحابة الكرام ﵃ معاني السيرة الشريفة، وبها تربوا، فكانوا يقبسونها، ويسيرون على هداها، ويلجؤون لصاحبها ﷺ.\nوهم يحيون معه ويلازمونه، ولا يفتؤون يأخذون منه ويقتدون به، في أمور حياتهم- صغيرها وكبيرها- الفردية والأسرية والاجتماعية والإدارية والتعبدية والنفسية والخلقية، وفي مهامهم وذوات نفوسهم، سلما وحربا، في المنشط والمكره، والعسر واليسر، غضبا ورضا، غنى وفقرا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-25> الحب الواضح المتجدّد:</span>\nالسيرة النبوية الشريفة تبيّن هذا بوضوح، بسلوك الصحابة الذي يظهر مقدار حبّهم للإسلام ولرسوله ﷺ.\nوكل ذلك جار، وهو عمل اليوم والليلة، سواء في استشارته ﷺ واللجوء إليه، أو في تحرّي أمور الدين. يستفتونه، ويقتدون به، ويهتدون بهديه؛ ليأخذوا بها، التزاما وحرصا ومحبّة. وكله نابع من الإسلام وشريعته، قرآنا وسنّة- وحي الله تعالى- أخلاقا وتعاليم وسلوكا، وتنظيما وتعاملا، لا ينفكون عنها، ولا يرتضون غيرها بديلا ولا عنها تحويلا.\nرافقوه ﷺ في كلّ أحواله، خاصها وعامها، خفيّها وجليّها، مع أسرته وخارجها، وصحبوه في سيرته، فتربّوا عليها بيديه وأمام ناظريه وبإشرافه،","vol":"1","page":54},{"text":"في كلّ أحوالهم، يغترفون منها، نهلا وعلّا، ويستضيؤون بها ترحالا وحلّا.\nوكلما ألمّ بهم أمر هرعوا إليه، يستظلّون ويستفتون، في كل أمورهم، دقيقها وعظيمها، تمثّلوها ومثّلوها، بل اقتدوا به حتى في مشيته وجلسته، وكل حركاته وسكنته ونومه ويقظته، وذلك كلّه عبادة. وجعلوه أسوة وقدوة، وأحبّوه حبّا عظيما، حتى أكثر من النفس والمال والولد. وبذلك يكتمل إيمان المسلم، والله تعالى يقول في القرآن الكريم: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٢٤] .\nوكذلك يقول عز من قائل: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:\n٦] .\nفلا يكتمل إيمان المسلم حتى يكون كذلك، وكما قال الرسول ﷺ:\n«ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله (﷿) ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحبّ المرء لا يحبه إلا لله (تعالى)، وأن يكره أن يعود في الكفر (بعد أن أنقذه الله منه) كما يكره أن يقذف في النار» «١»، وفي معناه أيضا: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» «٢»، وورد عنه ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» «٣» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب: حلاوة الإيمان، رقم (١٦/ ١) . ومسلم: كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهنّ وجد حلاوة الإيمان، رقم (٤٣/ ١) . المسند، (٣/ ١٠٣، ١١٤، ١٧٤) . جامع الأصول (١/ ٢٣٧) .\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٢٨٩) . الأربعون النووية، الحديث (٤١) . سير أعلام النبلاء (١٩/ ١٣٧) .\n(٣) التفسير (٥/ ٢٨٢٨) .","vol":"1","page":55},{"text":"ولما قال عمر ﵁: يا رسول الله! والله لأنت أحبّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال ﷺ: «لا يا عمر، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» قال: يا رسول الله! والله لأنت أحبّ إليّ من كلّ شيء حتى من نفسي، فقال ﷺ: «الآن يا عمر» «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-26> الخلوص في التوجه، والنقاء في التلقّي:</span>\nوالسيرة هي التي احتوت الصيغ العملية للإسلام كله، قرآنا وسنّة، وبكل قواعدهما وأسسهما وأجوائهما، شمولا للحياة، وبناء عليها.\nولمّا بعث رسول الله ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، في السنة التاسعة للهجرة، أوصاه بالأخذ بكتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ والاستمداد منهما.\nفلقد ورد عن معاذ أنه قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال:\n«كيف تقضي إذا عرض لك قضاء»؟ قال: قلت: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله»؟ قال: فبسنّة رسول الله، قال: «فإن لم تجد في سنّة رسول الله»؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو (لا أقصّر) . قال:\nفضرب رسول الله ﷺ صدري، وقال: «الحمد الله الذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» «٢» .\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٣٦) .\n(٢) رواه أبو داود (رقم ٣٥٩٢، ٣٥٩٣)، كتاب الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء. والترمذي (رقم ١٣٢٧، ١٣٢٨)، كتاب الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي. جامع الأصول (١٠/ ١٧٧) . انظر كذلك: البخاري: كتاب المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع (رقم ٤٠٨٦- ٤٠٨٨/ ٤) . وكان رسول الله ﷺ حين أرسل معاذا إلى اليمن في هذه المهمة خرج يودّعه ويوصيه ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال: «يا معاذ! إنك عسى ألّا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمرّ بمسجدي هذا أو قبري» . فبكى معاذ جشعا لفراق رسول الله ﷺ. وقد حدث هذا فعلا، (إذ لم يزل في اليمن حتى توفي","vol":"1","page":56},{"text":"فاستقى المسلمون من هذه الينابيع، عقيدة وعبادة وشريعة وتعاليم صافية نقيّة، وأسّسوا أنفسهم وفكرهم وحياتهم عليها، بحيث إنّ الرسول الكريم ﷺ غضب يوما، وحتى تغيّر وجهه، حين رأى شيئا من التوراة بيد عمر بن الخطاب، ففهم عمر ذلك، وقال: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، فسرّي عن رسول الله ﷺ وقال: «وإنه والله لو كان موسى حيّا بين أظهركم ما حلّ له إلّا أن يتبعني» «١» (من عدة أحاديث) . وفي حديث آخر: «لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلّا اتّباعي» «٢» وفي رواية أخرى أنّ عمر بن الخطاب قال للرسول الكريم ﷺ:\nإنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال:\n«أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتّباعي» «٣» .\nولقد عاش جيل الصحابة﵃- على الإسلام، قرآنا وسنّة وسيرة، ومثّلوها في كلّ أعمالهم وأمورهم، وحافظوا عليها وحفظوها،\n_________\nرسول الله ﷺ) . أسد الغابة (٥/ ١٩٥) . «الجشع»: الجزع لفراق الإلف. ثم التفت فأقبل بوجهه ﷺ نحو المدينة فقال: «إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا» . المسند (٥/ ٢٣٥) . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٨) . السيرة النبوية، ابن كثير (٤/ ١٩١- ١٩٤) . الاستيعاب (٣/ ١٤٠٢- ١٤٠٧) (رقم ٢٤١٦) . وتجد في هذا المصادر معلومات وافية عن معاذ بن جبل الصحابي الجليل والعالم النبيل والمجاهد الكريم، أعلم الأمة بالحرام والحلال، والذي يكون (إمام العلماء يوم القيامة برتوة أو رتوتين، والذي كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ [النحل: ١٢٠] في تعليمه للخير والائتمام به وطاعته لله ﷿، ﵁ وأرضاه، وجمعنا به في مستقر رحمته، تحت راية الرسول الكريم ﷺ، آمين. الأساس في السنة (٤/ ٢٠١٥) . أسد الغابة (٥/ ١٩٦- ١٩٧) .\n(١) مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٦٥) . سنن الدارمي (١/ ١١٥) .\n(٢) التفسير (١/ ٤٣٩) .\n(٣) مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٨٧) . «التّهوّك»: التحير أو التهور، والوقوع في الشيء بلا مبالاة.","vol":"1","page":57},{"text":"بكل طريقة وبسلوكهم، معبّرين عن صدقهم، وحبهم لها ولصاحبها ﷺ.\nمثلما ورثوها وبثّوها وربّوا جيلهم عليها موكبا وراية، تعبيرا وهداية، عبادة ورعاية، كتابة وعناية، رواية ودراية، بناء وإعلاء، تتلقّاها الأمة جيلا بعد جيل، وهكذا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-27> سبل التعبير عن السيرة النبوية الشريفة:</span>\nكان التعبير عن السيرة النبوية الشريفة ﷺ؛ لعهد الرسالة المباركة والصحابة الكرام والأجيال التي تلتهم، - وإلى أن يشاء الله، في وراثة هذه الأرض ومن عليها- بكل سبيل ميمون.\nوكذلك كان تماما الهدف منها، الحرص على تدوين أخبارها ودراستها وتحليلها، من كلّ جوانبها، بعمق وفقه وإقبال وتفتّح واحتمال، في ميادين مدرسة حياتية، يتبنّون معالمها، ويتجوّلون في مرابعها، وبأعلامها يحدون، وبعلامتها يهتدون، وفي دروبها يتواثبون.\nوكان حرصهم على ذلك أعلى من أي شيء يملكونه، وأغلى من حياتهم، بل هي كذلك لها فداء، فباركهم الله، وبارك أعمارهم وجهودهم وجهادهم وكافة أعمالهم.\nكان ذلك ثمرة لماجرياتها، وتحليلا لصفائها، وفقها لدروسها وعبرها، وتدقيقا لأخبارها، وتعميقا لمعانيها في النفوس، واستنباطا من آفاقها، بشمول وثقوب رأي.\nوإنما عبّروا عن معانيها بكل ذلك؛ لأن السيرة النبوية الشريفة- مع السّنّة المطهرة، بجانب كونها المصدر الثاني للتشريع، بعد القرآن الكريم- هي كذلك إيضاح وبيان للإسلام كله. ولقد عرضها القرآن الكريم بصيغة مشاهد وشواهد، في الآفاق والأعماق، موكبا سائرا في الحياة، يواكبه المسلم على الدوام ويشهده؛ ليستمده في حاله وماله، بفهم ثاقب، وفكر نيّر، وقلب مستيقظ، ونفس مطمئنّة إلى الله تعالى، ومتّجهة إليه على الدوام.","vol":"1","page":58},{"text":"فالسيرة النبوية الشريفة شرح عمليّ، وتصوير للقرآن الكريم والإسلام كله، وإمحاض حق أكيد لمضامينه النقية المليئة بالخيرات.\nوهكذا يتم بناء الحياة الإسلامية بكل جوانبها وقممها، يقوم عليها كل مسلم- نساء ورجالا- يشيدها حضارة ونضارة، يصونها ويحميها ويعليها.\nويمتد بها آفاقا وأعماقا، تنطلق طلائعها المباركة محمولة، علما وعملا، نورت مجتمعه وربت أرضه وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: ٧٧] .\nفتحملها دعوة وسلوكا ورحمة تمضي بها إلى الآخرين، تقدّمها نقية حيّة إلى أهل الأرض أجمعين وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء:\n١٠٧] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-28> السيرة النبوية مشاهد عملية ومواقف حيّة:</span>\nوالسيرة النبوية الشريفة- مقتداة في كل الأحوال والتعامل، ومع كل الظروف والقضايا والأوضاع والألوان- قيادة وجندية، حاكما ومحكوما، فردا وأسرة، مجتمعا ودولة، بكل مهامها الداخلية والخارجية والبناء الاجتماعي للحال والاستقبال. فكانت السيرة النبوية الشريفة هي الصورة والمشاهد والمقاصد والمراصد والمواقف، أقامتها تعاليم الإسلام في القرآن الكريم والسّنّة المطهرة.\nوالسيرة النبوية الشريفة رسم للإسلام، بأحلى الألوان، وأندى الأنغام، سمتا عمليا قام على البناء الإنساني المثال، المتعدد الجوانب والشامل لمكوناته، ليثمر سيرة وسلوكا، حسبما أراده الله تعالى في قرآنه الكريم، وبينته السّنّة النبوية المطهرة. أوحى الله تعالى الى رسوله الكريم ﷺ هذا القرآن العظيم بنصّه ومعناه؛ حرفا حرفا، وكلمة كلمة، وآية آية، وسورة سورة.\nكلها كاملة صحيحة، وحقيقة مجتمعة، وصدق وحق مبين. وثم بما أوحاه الله تعالى إليه من سنّة وتوجيه وتصويب وتسديد في السيرة، وتشريع ودعوة إليه.","vol":"1","page":59},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-29> معرفة دلائل السيرة المتفردة من خلال تفوّقها ومعالمها:</span>\nكلّ ذلك رسمت السيرة معالمه واضحة، ماثلة للإنسان النبي الرسول ﷺ ليكون قدوة تقتفى في كل جوانبها، باطنها وظاهرها، وكل أفعالها وأقوالها وأمثالها وتقريراتها ومواقعها ومواقفها، وكل أطوار الدّعوة وأحوالها، والدولة ومسؤولياتها والتزاما لها ومواجهاتها ومتطلباتها. وكان ذلك توجيها من الله تعالى ووحيا وأمرا، يجعله وسيرته ﷺ وكل حياته، أسوة حسنة، وقدوة كريمة. مثلما كان القرآن الكريم والسنّة المطهرة تعليمات وتشريعا وأوامر، أنزلها الله، وأرادها أن تكون مثالا وملجأ وصيغا عملية يتبعها الناس، ويقتدون بها، إيمانا وقربى لله ﷾.\nيقول ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ): (إنّ سيرة محمد ﷺ لمن تدبّرها تقتضي تصديقه ضرورة، وتشهد له بأنه رسول الله ﷺ حقّا، فلو لم تكن له معجزة غير سيرته ﷺ لكفى) «١» .\nوالسّيرة النّبوية- في ذاتها- واحدة من مجموعة أدلّة على نبوّته ﷺ. ولا يرتقي أحد إلى شيء من هذه الآفاق إلّا بالاقتداء بها، سواء من ناحية معرفتها، أو الأخذ بها، والعمل بمقتضياتها. وهو أمر لا يكون البتة للوصول الى بعض هذا المستوى، والارتقاء بالمعرفة، وتوفّر هذه الصّياغات- إلا باتّباع هذه الشّريعة التي أرسله الله ﷾ بها.\nوالحياة كلها- بكلّ خبراتها وأفكارها وخلقياتها، ماضيا وحاضرا ومستقبلا- على ذلك دليل من الأدلة.\nإنّ الاقتداء بالرسول الكريم ﷺ واتّباع سيرته الشّريفة الفاضلة الكاملة، التي جعلها الله ﷾ نموذجا عاليا كاملا وشاملا لشرعه البارّ الكريم المنير، على مدار التاريخ، وتتابع الأعوام، وتعاقب الأجيال، حتى\n_________\n(١) الفصل في الملل والنحل، ابن حزم (٢/ ٩٠) . كذلك له: جوامع السيرة (٦) (المقدمة) .","vol":"1","page":60},{"text":"يرث الله الأرض ومن عليها، هي وحدها سفينة النجاة وموئل الحياة وجمال الحقيقة، هداية وسيادة وسعادة، ولا بديل في كل حال ومال. وفي هذا يقول ابن حزم الأندلسي: (من أراد خير الآخرة، وحكمة الدنيا، وعدل السيرة، والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها، واستحقاق الفضائل بأسرها، فليقتد بمحمد رسول الله ﷺ وليستعمل (وليعتمد) أخلاقه وسيره ما أمكنه) «١» .\nوالإسلام في ذاته- قرآنا وسنّة وسيرة- ملئ بالمعجزات الواضحات المتنوعات، في كل أمر وقضية وحدث، بل هو نفسه يصنع المعجزات، ويضع الإنسان في أماكن فريدة ويحقق كل جديد، لا يخطر على بال أحد بحال، بله أن يعرفه أو يحققه، وصولا إلى موقع فيه أو جلوسا لدى ملتقياته، فضلا عن تواجده عند مرتقى من مرتقياته، أو وقوفا قرب أيّة قمّة من قممه، أو اعتلاء شامخاتها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-30> تحقّق الإسلام بالسيرة:</span>\nفالسيرة النبوية الشريفة، شرح عملي عميق في واقع الحياة، وتصوير للقرآن الكريم والإسلام كله، في ميادينها كافة، وإمحاض مخلص وأصيل وتطبيقي وحقيقي وصادق وناطق، أكيد وسديد وجديد؛ لمضامين هذا الشرع الحنيف، بقرآنه الكريم- كما أنزله الله ﷾ وأراده- وبسنّته الصحيحة المطهرة.\nوكان من لطف الله تعالى أن الذي أراده الله من هذا الدّين، أسلوبا ووضوحا وثبوتا وشمولا وسعة وامتدادا، كله قد تم وقام في الحياة عمليا وقويا ومهيبا في عهد النبي ﷺ، كيلا يفتقد أيّ أحد القدوة والمثل\n_________\n(١) الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ابن حزم (٢٤) . كذلك له: جوامع السيرة (٦) (المقدمة) (٧- ١٤، ٤٠- ٤٤) .","vol":"1","page":61},{"text":"والمثال، في أي موضوع في دعوة ونبوّة ورسالة إلهية، هي خاتم النبوات، ودعوة هي أكرم الدعوات، ورسالة هي آخر الرسالات.\nوما دامت هي كذلك، فلا بدّ أنها تحتوي على كل ما تحتاجه البشرية لسعادة الدّارين، في كل زمان ومكان. وتجد- بالأخذ بها- برد الظّلال النّديّة، تحميها من حر الهجير، وتلف الشرود، وتيه الانحراف. وتحسّ بالأنس إلى جوارها من موحشات الحياة، وتفرح بإنسانيتها، وتنجو بها من التشتّت والتّفتّت، وتسعد بورودها، وتنعم بحضارتها الفريدة، ملتصقة بها، محافظة عليها. وتلجأ إليها دوما، وتحيا بها دون تراخ أو انفكاك، وفيها تجد الحل الجميل الكريم كلما عنّت لها مشكلات، أو واجهتها صعوبات، لا تبحث في ذلك عن غيرها، ولا في إصلاح حالها من خارجها. وكذلك تحيا بها في كل أحوالها لتأخذ في طريق الحضارة الإنسانية الفاضلة الكريمة، ترتقي بها في سلّمها الكريم، وآفاقها الرحيبة الوضيئة والروحية المتكاملة القوية.\nولعلّ الأبيات الآتية تعتبر تعبيرا لهذا المعنى:\nيا مسلمون ألا أقبلوا ... نحو الرسول وهلّلوا\nفهتافه كلّ الورى ... درب الحقيقة ماثل\nلتحكّموا شرع الهدى ... فالأرض منه تنهل\nاسقوا العطاش مرامهم ... إذ هم بهذا يمتلوا\nولوحده ريّ النعيم ... وبغيره لا تأملوا\nوإذا اكفهرّت غبرة ... واسودّ جوّ ممحل\nوإذا اضمحلّت خضرة ... إذ زال عنها آمل\nأو أقفرت من بلدة ... قد غاب عنها سائل\nلا تبحثوا عن غيره ... كلا، عداه قوّل\nوما دامت أيضا هي كذلك، فلا بدّ أن تكون من الشمول والاكتمال وعلو المثال ما يحقق كلّ ذلك بأفضل حال، في كل الأجيال، مهما بلغوا من","vol":"1","page":62},{"text":"العلم والرقي والتقنيات، بل يكون ذلك عندها أوضح تأكيد لحاجتها إليه.\nوهي تجتذب دوما كلّ أحد. وفيها ما لا يملكه الإنسان ولا يعرفه ولا يصل إليه. إذ بها وحدها يستغني ويغتني ويستعلي عن كل ما عداها، ويستصغر ما سواها، معتزا فخورا مبرورا، مدركا للنعمة، ومقبلا عليها، وبه لا بغيره كانوا الأمة الخيّرة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .\nيجد كل ذلك في الكتاب مسطورا، حفظه الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] . مثلما حفظ السّنّة والسيرة. كما يجده في الحياة منظورا بصيغته العلمية والعملية، كاملة متكاملة شاملة، يقتدي بها وينسج على منوالها، في مجتمع أقامه الرسول الكريم ﷺ بهذا الدين العظيم، وهو الذي (كان خلقه القرآن) «١» .\nجرى ذلك بوحي الله تعالى وأمره وفضله وقدرته وإرادته ورحمته، ممثّلا في ذلك الجيل المقتدي به والمهتدي بهديه. وقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: ٢٣] .\nوالرسول الكريم ﷺ يقول: «أما بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» «٢» .\n_________\n(١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (٧٤٦/ ١) . ونصّه: (فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن) . ثم انظر البخاري: كتاب الأدب، باب: الكنية للصبي (رقم ٥٨٥٠) حيث روى أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ أحسن الناس خلقا. ومثله في مسلم: كتاب الآداب، باب استحباب تحنيك المولود (٢١٥٠/ ٣) .\n(٢) رواه البخاري (بأقل منه، وزيادة): كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (رقم: ٦٨٤٩) . جامع الأصول (١/ ٢٨٩) .","vol":"1","page":63},{"text":"ذلك الجيل الخيّر الذي كان وصفا آحادهم فيه بأنه (كان قرآنا يمشي على الأرض) . وكيف لا يكونون كذلك، وهم الذين قد استحقّوا وصف الله تعالى لهم، ومن ماثلهم من الأجيال بعدهم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .\nوهذه وحدها هي الخيرية المؤكّدة، وبمواصفاتها الملتزمة.\nثم استحقّوا وصف الرسول الكريم ﷺ «خير أمتي (الناس) قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» «١» . وكذلك وصفه ﷺ لهم يوم الحديبية: «أنتم (اليوم) خير أهل الأرض» «٢» .\nفالقدوة لكلّ أحد متوفرة فيه، مرسومة معالمها، واضحة الدّلالة، قوية الأصالة، مرتبطة ومعبرة أكرم تعبير، ومتّجهة أفضل اتجاه وأصفاه، ومستمدة من الشّريعة الإسلامية أقوم استمداد، ملتزمة إلى أبعد حدود الالتزام، وأعلاه.\nيجري ذلك، ويتمّ في إنسانية كريمة مكرمة، ربانية الوجهة مثالية الواقع عالية واعية، رسمتها السيرة النبوية الشريفة، لتتحف بها الإنسان، صورة مثلى، وسيرة عليا، ونموذجا حيّا فريدا، وقدوة متّبعة، يسير اتباعها في ركبها، علهم يقتربون من آفاقها، وابتغاء العيش في أجوائها، وهو ميسّر الأسباب بفضل الله تعالى ومنّته، لمن نوى وأراد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-31> القدوة المثالية الواقعية:</span>\nفكانت سيرة الرسول الكريم ﷺ رسما قويا، للنبوة الخاتمة، والرسالة الأخيرة الخيّرة الدائمة، والدين الحق اللازم، والصورة الأخيرة للإسلام؛\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور (رقم: ٥٢٠٨) . كذلك: أعلاه، ٤٧.\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية (رقم: ٣٩٢٣) .","vol":"1","page":64},{"text":"الذي أراده الله رحمة للعالمين، وحمله سيّد المرسلين ﷺ إلى الناس أجمعين، في تطبيق معبر، أكرم تعبير، وأفضله، وأوسعه، وأشمله، مما لا يماثله إنسان، بل الجميع لا بدّ أن يقتدي به، ليحيا في ظل شرع الله تعالى الظليل.\nوفي هذا الاتجاه الذي سبق، يرد وصف عائشة (﵂) للرسول الكريم ﷺ في فهمها العملي، وفقهها العميق، ورؤيتها الثاقبة، والبصر الواضح، والنظر الكاشف، والبناء القويّ المكين، حين سئلت عن خلق رسول الله ﷺ فأجابت بأنه (كان خلقه القرآن) .\nكل ذلك يقوم على وحي الله تعالى- إلى نبيه الكريم ﷺ- القرآن العظيم ثم السّنّة المطهرة، يدفعه ويوسعه ويمثله ويتمثله ويشرحه ويقدمه للبشرية كلها رسول الله ﷺ قياما بأمر الله تعالى.\nوما دامت السيرة الشريفة هي تطبيق للإسلام- قرآنا وسنّة- وأنها تتسع لكل أمور الحياة، ويجد فيها كل أحد حاجته واستقامته وسعادته، للاقتداء بها في كل حال، لذلك المجتمع المسلم، لا بدّ- وهو كذلك دوما- أن يكون معها، وبها يقوم لزاما.\nومن هنا فإن الأمة المسلمة، بكلّ أجيالها وطوال عصورها وفي كافة بقاعها كانت كذلك. وكانوا لا ينفكون يلجؤون إليها، ووقت الشدائد والأزمات كل يجد فيها ضالته، كما وجد فيها استقامته ورقيه وسعادته.\nفهي مرآة ومحثّ وحاد للناس، يتخذونها، ويقتدون بها ويهتدون للسّير في طريق الله المنير؛ الذي أراده ﷾ لخلقه أجمعين.\nوما دامت الأمة المسلمة تحيا بها، وتستظل بأفيائها، وتدعو إلى مثلها، فمن الطبيعيّ إذا ألا تفتأ تعتني بها بكل أسلوب، بجانب هذا الأمر.\nوليس يحدث ذلك في دراستها وفهمها فحسب، بل والنظر والاستنباط والكتابة والتأليف فيها، يستخرجون من جواهرها وأجوادها وكرائمها لآلئ جديدة فريدة؛ بأصدافها الغنية بمكنوناتها الجديدة المجيدة الوحيدة. وهي","vol":"1","page":65},{"text":"هكذا دوما تزخر بها، وتذخر، وتفخر، يشدّون بها الأمة إلى دينها، ويجدّدون أمره وأمرها، ويثيرون معانيها حية في نفوسهم. فهو ﷺ خير أسوة والقدوة المثال لكل قدوة بعده ومثال غيره، وهو معنى قول الله تعالى:\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] . ومع وفرة التأليف لدى السّلف في السيرة النبوية الشريفة بكافة جوانبها ومضامينها ومجاليها، فقد أبقوا للخلف الكثير والكثير جدا.\nلتسر هذه تربية عميقة، وتروية بالغة، وقاعدة دفّاعة صلبة، وجذورا غائرة، في الجيل المثالي والمثيل، الذي تنظر إليه الأمة الإسلامية، في أجيالها التالية؛ ولذلك وصفه الرسول الكريم ﷺ- خير القرون- بذلك الجيل المثال العال- وما يليها، تسري روحها كل أحد، بما تمثّل به من حقائق الإسلام.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-32> نعمة حفظ الله تعالى لكتابه وسنّة رسوله:</span>\nومن لطف الله تعالى ورحمته لهذه الأمة الخيرة- بالتزامها المؤمن بدين الله، والمعتز بمنهجه وحده، خلوصا وإخلاصا- ولأهل هذه الأرض، أن حفظ الله تعالى كتابه الكريم المنزل، وقيض من يخدم ويدوّن ويحمي ويحفظ سنّة نبيه ﷺ المطهرة، ويسجل كلّ تفاصيل ودقائق وحقائق وأنفاس سيرته النبوية الشريفة ﷺ.\nوكلما عاشت الأمة المسلمة في كل الدائرة المنيرة، اتّسمت بالخيرية استمدتها صافية من هذا المنهج، وارتوتها زلالا من النبع الأصيل- كانت بها حقيقة ولها دقيقة وفيها متمتعة، وستبقى الأمة المسلمة تعيش كذلك، إن شاء الله، مهما تفاوت الأمر، وتردّد.\nوكلما انحرفت، إليها تؤول، وكلما التاث أمرها إليها تفيء، ومهما ألمّ بها، بنورها تجدّد، وعلى طريقها تردّد. وما أكثر ما حدث ويحدث","vol":"1","page":66},{"text":"ذلك، وتلك سنّة الله التي لا تتغير وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٦٢] .\nولكن كلما تغيب تشرق من جديد هذه الروح، تقدّم ذلك بصفات أفراد قادة، مجهولين أو ظاهرين، أو جنودا يعومون أو ينغمرون، يدعون إلى الله فيتكوّن التيار، تتدفق منه الأنهار، صافية منسابة، تحمل الخير إلى الأرض لتغرسها فيجتنى منها أحلى الثمار، ينعم بها كلّ أحد بلا استثناء، كما جرى ويجري في التاريخ البعيد والقريب، وهو أمر واضح معروف ومشهود.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-33> قادة الأمة والسّيرة:</span>\nوأسفرت الأمة الإسلامية بقادة من كلّ لون، وأزهرت بهم الحياة، حكاما وعلماء وقادة وبناة وقضاة ودعاة، من هذا اللون يبنون في ظلال هذه المعاني. هؤلاء القادة من كل لون، هم القادة الحقيقيون.\nوالعلماء كانوا بالقيادة أملا وعملا، وللمجتمع موئلا وللجماهير حداة ومثلا، وفي الميادين والملمّات كان أحدهم فارسا وبطلا. والعلماء والقضاة والفقهاء منائر هذه الأمة وماثرها ومفاخرها ومعالمها وحماتها.\nومن النكبات أن تصاب هذه الأمة في علمائها، ولذلك فهم بالذات دوما كانوا- ويكونون- الهدف، يطلبهم الأعداء؛ لأنّهم حداة مواكب الخير في طريق الله المنير، ورعاة مراكب النجاة في ظلمات البحر الكبير، بما حافظوا كلمة الله تعالى، يبينونها للناس، ويحملونها في نفوسهم التي استرخصوها، جهادا وجلادا، لرفع راياته خفاقة لتبيّنه للناس.\nوالأمة عرفت قدرهم، وأسلمت مقودها لزمامهم، وملّكت أزمّتها أيديهم، أطاعتهم وأعطتهم ووقفت معهم، وما أكثر الأمثلة على ذلك! امتلأت بها بطون الكتب وسجلّات أيامه الغابرات والحاضرات، وكذلك المستقبلات، إن شاء الله ﷾ وبعونه. كان ذلك واضحا وخالصا","vol":"1","page":67},{"text":"وحثيثا لإعلاء كلمة الإسلام في كل عصر ومكان. وفي مختلف الظروف احتملوا الأعباء، وصبروا على البلاء، وتقدّموا لا يأبهون لطغيان العملاء، رفعوا أيديهم الأمينة القوية عالية يحملون اللواء.\nونتيجة لهذا الحرص على كل معاني الإسلام وتمثيله، وطاعة لله تعالى وعبادة له، كان مثله حرصهم على جمع السيرة وكتابتها، وتدقيق أخبارها، والسعي لتدوين وجمع كل ما يتعلق بها.\nولا يستطيع خدمة السيرة النبوية الشريفة وإتقان هذه الخدمة وإحسان تصويرها وتسطيرها، بشكل أصيل ودقيق وعميق، إلا من كان كذلك.\nيفعلونه حبا لله تعالى وتقربا إليه وطاعة، وحبا لرسوله الكريم ﷺ، وبه يقتدون. وهم الذين تقدموا لكل واجب، خدمة وتضحية، ومنها الحفاظ على دين الله ﷾- بكل طريق- وعلى سنّة رسول الله ﷺ وسيرته، بكل ما تقتضيه، ومنه النهوض لدراستها، ونقلها، والكتابة فيها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-34> واجبات محبّبة كريمة، وثمار مباركة طيبة:</span>\nوكانت تلك هي الكتابات الجيدة المعتمدة المعتدة الموثقة الباقية، لا يعرفون غيرها، وحسب ما توفر لهم من الإمكانيات، وجعلوا من تلك الكتابات الجيدة- للسيرة الشريفة وغيرها- العامل المنير الخير، مهمة أساسية للمسلمين، لتربيتهم على معاني الإسلام، وهي القصد القصيد منها.\nإنّ الذين كتبوا في السيرة الشريفة، وعموم التاريخ الإسلامي، كانوا يعتبرون ذلك واجبا إسلاميا، وهو عليهم فريضة ووسيلة إبلاغ. وكانوا يبتغون الأجر والقربى بها عند الله تعالى، وهي عبادة.\nوكانت متنوعة الثمار، وما كان لله فهو مبارك كثير الثمار، طيبة الأشجار، زاهية الأزهار، بعضها محسوب ومرقوب ومرغوب، وبعضها غير مرقوب ولا محسوب، وهو كذلك طيب ومطلوب. بذور تلقى إلى","vol":"1","page":68},{"text":"أرض خصباء تملأ الأجواء بكل نماء والعطر والحناء، تقوى وتأبى على كل التواء وعناد وأهواء.\nولعلّ من تلك البركة الربانية والعناية الإلهية والرعاية؛ التي أرادها الله، والهداية التي اقتضتها حكمته، والحماية التي توفرت، والهمة القوية الواعية التي امتلكوها وقدّموها، أن المكتبة الإسلامية- وإن أصابها الكثير من الكوارث والنوازل- مما بعضه يمحقها؛ وقد بقي الكثير الكثير من النتاج الإسلامي العزيز الغزير عبر القرون والشجون ذات العداء واللأواء، خلال الجسور والطرق والمعابر والحمائل، غير المنقطعة في كل الظروف، وبرغمها فهي متينة أمينة، ليصل إلينا. وأحيانا على خيط رفيع لا يحتمل مثله، لولا لطف الله الذي به كان هذا النتاج، أقوى من كل القوى المحيطة المتلهفة على طمسه، بل وتغييبه وإتلافه.\nفكان عمل أولئك المسلمين كله لله تعالى، حصولا للأجر، وأداء للواجب، وإبراء للذمة، وقياما بالدعوة، وحملا للمهمة، وتقديما لواجبها؛ بإقدام وتضحية وتفضيل، وعند الله الجزاء. فالخلوص أساسيّ، ومسارب التأثير والأجر متعددة، وبعضها محسوب، وبعضها غير محسوب.\nإنّ طبيعة الإسلام تنمّي الطاقة وتفتقها، وتفتح آفاقا نفسية وتبني وتزيد كل قابلية، وتؤسّسها وتنميها. ومنذ عرف المسلم الإسلام اعتناقا واقتناعا، بات في جهاد بالنفس والمال، وإنفاق وعمل غير كليل، ودأب دائم وأصيل.\nوالإسلام وحده الذي يا بني الحياة بدقة وأصالة، ويعطيها بلا بديل، غير ما عند الله تعالى من رضا وقربى وحسنى وأجر وثواب إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا [الإنسان: ٩] جعله بعيدا عن أنانية أو نفعية شنشنة بني البشر- يتقدّم للعطاء، ويعمل للبناء. فهو ابن الحياة البارّ، يبنيها بصادق العمل، ويزيّنها بسلوكه الباسم الكريم.","vol":"1","page":69},{"text":"وهكذا تكون حياة المسلم الحق، يدّخر الخير والحبّ، ليا بني مجتمعه النظيف، بإيمان عميق، وطاعة وتحرّ واقتداء، يمنحه قوة عجيبة؛ ليقوم على نفس متجدّدة متولدة، نورانية كالضياء باهية كالماء، صافية هي كالهواء العليل، نديّة قوية تحمل اللواء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-35> علماء الأمة هم حماتها، وبناة حضارتها:</span>\nوعلماء هذه الأمة الإسلامية الخيرة الخيرية، أنصع وأروع وأقوم وأكرم من في المجتمع النظيف الكريم، وأكبرها طاقة، وأوسعها إقداما، وأمضاها جهادا، وأرغبها في التضحية والفداء. وإنه لمن المستغرب حقّا كيف يمكن أن يجمع المسلم بين التزامه بالإسلام وبين المعاني والمسالك والظواهر والدوافع التي لا تمت له، تلك التي لا تفتأ تقتل فيه الروافد وتمنع إنبات البذور وإثمار الأشجار، وتحجب عن نفسه وفكره وتصوره ومسلكه حقائق الإسلام الخيرة. كما تلمس لدى البعض ممّن حملوا العلم في أزمان مضت- كعلماء بني إسرائيل، وأمثالهم من الأمم الآخرى- وفي هذا الزّمان الذي نحياه.\nوطوال عمر الحضارة الإسلامية، لم تصف هؤلاء- الأدعياء البؤساء- بالعلم، لكنهم غمروا فلا يظهرون، واندحروا فما يتقدمون. ومهما يكن من أمر فهم عند الله تعالى لا يزنون، بل آثمون ومحاسبون.\nوفي هذا العصر نلمح ذلك من بعض من حملوا العلم، من الذين شغلتهم مصالح دنياهم وشخصهم ومطامعهم ومنافعهم وأنانيتهم وماليتهم وشهرتهم، عن رضا الله تعالى، وعن حسابات الآخرة، وموازين الشريعة.\nهؤلاء لا يؤتمنون على كتابة السيرة النبوية الشريفة وبقية التاريخ الإسلامي، ولا أي من فروع الدراسات الإسلامية، تأليفا أو دروسا أو تحاضرا أو مجالسا أو تقديما أو شرحا أو تناظرا منها.","vol":"1","page":70},{"text":"فلا بدّ بعد النصيحة- إن لم يستفيقوا، أو يستقيموا- أن ينبذوا، وتعرف أقدارهم، بعد ما خابوا أو فشلوا، في مواقف كانت تنتظر، ممن حمل علمهم. ولا يغير من الأمر ندبهم وبكاؤهم، إلا أن يعلنوا توبتهم عن مقالهم وإدانتهم لذلك الماضي الثقيل الذليل؛ الذي يرفضه الإسلام، وأن تظهر لهم مواقف كريمة مخلصة خالصة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-36> جمال أمثلة صياغة الحياة وتفرّد وعمق صبغتها:</span>\nوإن الذين صاغوا الحياة الإسلامية، وحموا الإسلام، وحملوا دعوته، هم الذين دوّنوا هذه العلوم، واعتنوا ببناء الحياة على الإسلام، قرآنا وسنّة- حديثا وسيرة وشمائل- وفقها وشريعة. وكان في هذا- كل منهم- على ثغرة في العلم والعمل. وهما في ضمير المسلم وحياته متلازمان، وما عرفوا العلم إلا كذلك ولكليهما. بل هم الذين رفعوا راية الجهاد والاستشهاد، كانوا أمثلة في الحياة والممات. والاطلاع على السيرة النبوية الشريفة يقدم الأمثلة الفرائد والشواهد الشواهق في كل الميادين، سلما وحربا، نساء ورجالا وأطفالا، وعجائز وشيوخا.\nوالحياة الإسلامية مليئة بأولئك الذين خدموا السّنّة والسيرة النبوية كلهم بالاقتداء، وبثّوها بالتدريس، ودوّنوها بالتأليف. وهناك العديد من علماء السيرة المشهورين الذين عرفوا بذلك، سواء أفردوها بالتأليف، أو ضمن مؤلّف عام، أو خصّوا الحديث عنها في جانب من جوانبها، تفصيلا أو اختصارا، أو مبثوثة هنا وهناك من مؤلفاتهم. وإن كثرة منهم من علماء الحديث ورواته والفقهاء والعلماء، في مشرق العالم الإسلامي ومغربه سواء. والأمثلة على ذلك كثيرة.\nفمنهم ابن حزم الأندلسي (٤٥٦ هـ) وأبو عمر يوسف بن عبد البرّ (٤٦٣ هـ) وأبو علي الصّدفي- الذي استشهد سنة (٥١٤ هـ) - وأبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي- الذي استشهد سنة (٦٣٤ هـ) - وكل هؤلاء","vol":"1","page":71},{"text":"أندلسيون. والشيخ ولي الله الدهلوي الهندي (١١٧٦ هـ) والإمام المجاهد الشهيد أحمد بن عرفان الهندي (١٢٤٦ هـ) .\nفهؤلاء وأمثالهم، من قوافل كثيرة، طوال العصور والأجيال، هم بناة الحياة الكريمة الفاضلة. فكم لهم من وقفة للحقّ ناهضة، وللخير هارعة؛ بذلا للمال وإقداما بالنفس في كل حال. وكم في ذلك من بطولات وفروسيات حقة. وآخرون كثيرون قطّعت أجسامهم فما بدّلوا، وانفصلت أعضاء من أبدانهم فما تركوا ميدانهم، وأثخنت جوانبهم جراحات غائرة، وهم مقبلون وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] .\nتلك بعض نوادر الذين تربّوا على الإسلام في جوّ السيرة النبوية الشريفة، واغتذوا من ينابيعها الصافية الزّلال، ونموا في أحضانها الحنون، وجلسوا إلى مائدتها الطيبة الزاهية العبقة، في عصرها وما تلاها من عصور، وحتى يومنا هذا وما يتلوه ويتلوه.\nوالأخيار هم في كل مكان، وهم الأمناء على كل شيء، مما يخصّ هذه الأمة، وهم حماة شريعتها يفتدونها، ويتولون شؤونها، ويرعون أمورها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-37> علماء الموائد:</span>\nأما علماء الموائد والموالد والمصائد أو المناكب أو المصاعب أو المصائب؛ الذين حازوا علما اتّجروا به، بل ونادوا عليه بيعا وشراء، مبخوسا ومنقوصا، وتقرّبوا به إلى حاكم أو سلطان، أو تاجروا به بين الناس؛ الذين يصدرون الفتاوى ويبيعونها، فليسوا بالعلماء المعدودين المؤتمنين الموثوق بهم.\nألا ما أرخصهم، وأرخص الثمن الذي باعوا به علمهم، وادّعوا على الله ما لم ينزّل به سلطانا، في كلامهم ومواقفهم، وفشلوا في سلوكهم الذي أخزاهم في الدنيا مثل الآخرة، ليسوا هم بعلماء، بل هم حلفاء السوء،","vol":"1","page":72},{"text":"وأجراء الطواغيت، وخدمة الباطل، ومطايا المنافع. هم أبعد الناس عن استحقاق لقب العلم والعلماء، فلا بدّ أن ينبذوا.\nفإن فشلوا هم في تمكين هذه الدعوة من نفوسهم، وإظهار صورها في حياتهم، فالله تعالى لا يبارك لهم عملا ولا قولا، مهما ادعوا، وتباكوا، وعلت أصواتهم، وبحّت حناجرهم لتعويض ما فاتهم، إلّا أن يتوبوا توبة نصوحا، تجدد لهم مواقفهم المأمولة من علمهم. وما عدا ذلك فلا ينفعهم، مهما اتسعت دروسهم، وزادت مؤلفاتهم. وهؤلاء غير أمناء على الشريعة وحقائقها، ولا يصلحون لكتابة أي شيء إسلامي أو تاريخه، والسيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وكل أمور الإسلام، أكرم من أن يكتب فيها هؤلاء وأمثالهم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-38> السّنّة وكتابة السّيرة:</span>\nوفي أضواء قواعد تدوين الحديث الشريف، وأحضان مناهجه العلمية، كانت كتابة السيرة الشريفة ونشأتها وامتدادها وتدريسها ومؤلفاتها، وكذلك عموم التاريخ الإسلامي.\nومن هنا تأتي الدعوة إلى كتابة السيرة على قواعد علوم السنّة والحديث.\nوكم من المحدّثين أنفسهم هم الذين تولوا ذلك! ومن السيرة الشريفة نشأت كتابة التاريخ الإسلامي، وفي حضنها نبتت، وفي ظلال السّنّة المطهرة قامت، وابتدأت، وسارت كريمة عزيزة قوية أبية متقدمة.\nوإن الذين خدموا هذه الأمور- ومنها التأليف في السيرة النبوية الشريفة- كانوا أوفى الناس وأبرّهم، وكانوا في المجتمع أعلاما وأذكياء وأبطالا ومربين، طبعوا بكلّ ذلك حياتهم.\nلقد عوّدنا هؤلاء أنهم كانوا يموتون في الجهاد، ويقدمون على الاستشهاد، ويدعون الله تعالى أن يموتوا شهداء، أو في مدينة رسول الله","vol":"1","page":73},{"text":"ﷺ: (اللهم موتة في سبيلك، أو في مدينة رسولك) «١» .\nأو إن بعضهم كان يجلب له شيء منها، أو ثوب يأخذه بنفسه، أو يوصيه ويغسله بماء زمزم يدّخره، أو يجمع فيه تراب غبار الجهاد؛ ليكون كفنا يتبرك فيه.\nوقيادة العلماء للحياة والمجتمعات، ورفع راية الجهاد والبذل والفداء، قضية معروفة في كل العصور، وكم في عصرنا الحاضر على ذلك من شاهد وشهيد!\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-39> من يكتب السيرة</span>؟\nوكل هؤلاء العلماء الأفاضل، والفقهاء الأماثل، والمجاهدين البواسل؛ الذين كتبوا في السيرة كتبا مستقلة، أو فصولا فيها، أو تناولوا أي جانب منها، استقلالا أو اشتمالا، هم المرجوّة والمندوبة نتاجاتهم لهذا العمل وأمثاله من الأعمال؛ التي تليق بهم، ويليقون بها، بجدارة واستحقاق.\nهؤلاء وأمثالهم، هم أقدر على كتابة السيرة، وأولى بها، وأحفظ لها، وأعمق فقها، وأروع تصوّرا. وهم الذين يجيدونها ويفهمونها ويحسنون روايتها ودرايتها، وهم مؤتمنون عليها، موثّقون فيها، متعمّقون في أغوارها، متفهمون ومتمثلون مراميها، يمكنهم أن يرسموها بكل سبيل، بعد ما نجحوا في رسمها سلوكا وبأكبر دليل.\nورسم السيرة النبوية بالسلوك هو المبتغى والهدف مما يتعلق بهذا الأمر وغيره من أمثاله، ولذلك فحين سئلت عائشة (﵂) عن رسول الله ﷺ وأخلاقه قالت: (كان خلقه القرآن) .\n_________\n(١) الأمثلة كثيرة جدا ووفيرة حول هذا الموضوع. انظر مثلا: تاريخ عمر بن الخطاب ﵁، ابن الجوزي (٢٣٦) . كذلك: التاريخ الأندلسي (١٢٨) .","vol":"1","page":74},{"text":"أما الذين يعادون الإسلام، أو يوالونه اسما ومهنة، أو تخصّصا، أو تاريخا، أو جغرافية، وينحرفون عنه، تأويلا أو تبريرا، فهؤلاء يرمى نتاجهم؛ لأنه سموم، أو شموم تثقل، لا يعتمد عليها، ولا يؤخذ منها، أو يغدو غير ذي جدوى ولا جدير بالاعتبار.\nولا مانع من الاطلاع عليها ومتابعة تراكماتها؛ لمعرفة ما يقولون، لكفّ أذاهم، وردّ شبهاتهم، مثل كتابات المستشرقين، أساتذة هؤلاء؛ الذين كانوا تلاميذا أشدّ منهم على السّيرة الشريفة والتاريخ الإسلامي والقضايا الإسلامية. وأحيانا بجهل، ووقاحة، وادعاء أشد وأنكى؛ لذلك آن الأوان- وقبل الآن- لإحلال غيره من كلّ نتاج، نقيّ اليد والوجهة والسلوك.\nبل حتى المخلصين الحريصين، وربما متفقهين، إن لم يكونوا كما وصفت المسألة وتبينت وثبتت، فليس لهم ولا بهم حاجة أن يكلّفوا أنفسهم هذا العناء؛ لأنهم لا يجيدون ذلك، ولا يمكن تقديم الصورة الكريمة اللازمة، وليس جديرا، إذ قد فاتتهم شروط أخرى لازمة ومهمة، لا تقلّ أهمية عن المعرفة والفقه فيها، بل قد تزيد عليها مرات.\nحين يكون السلوك الإسلاميّ سطحيا، والاهتمام بالظواهر لا يتعداه، فسيجلب ذلك انحطاط الحقائق عمدا أو سهوا أو ضعفا أو عجزا وهزيمة.\nوإغماض أو إغماط الوقائع مهما كانت جهيرة منيرة- ويكون بدون جهل- فهذا نفاق وخداع ودغدغة، رغم الصيحات يكون عند أهله وعند أصحابه أسلوبا عاما في تناول الأشياء. وهذا يخصّ- من السلف- الحكّام والمسؤولين، وممن حملوا العلم، وملؤوا مراكزه بغير حقّ، وهم جهلة مهما شغلوا من المناصب حتى العلمية وذات الأهمية، توجيها وتنفذا وتنفيذا.\nوالخلقية الإيمانية مسألة كلّية، كما أنّ الإنسان وإن تخصصت أجهزته البدنية فهي لا تنقطع، ومثله كذلك هذه الأمور: «ألا وإن في الجسد مضغة","vol":"1","page":75},{"text":"إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» «١» .\nفهؤلاء الذين حملوا العلم ولم يقدّروه قدره، وابتغوا به الدنيا، وخافوا لومة اللائمين من عباد الله، لا يصلحون للتوجيه والكتابة، والله تعالى محاسبهم ومجازيهم، وعلمهم وحذلقتهم وفيهقتهم لا تنفعهم شيئا، بل هي حجّة عليهم، ومجلبة لغضب الله تعالى وسخطه وعذابه الذي يستحقونه لهم، ولا تنفعهم أحبولات صيحات المدافعين بالانتفاع بعلمهم دون فعلهم، فعلمهم مثل فعلهم غير مقبول وحجّة عليهم، والله تعالى معذّبهم به، كما ورد في القرآن الكريم، والحديث الشريف.\nفالله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ [الصف: ٢- ٤] .\nولقد اعتبر الرسول الكريم ﷺ المسلم مفلسا إذا لم يلتزم بالخلق الإسلامي، وإن صام وصلى، وجعلهم أبعد الناس عنه ﷺ يوم القيامة.\nبينما جعل الملتزمين أحبّهم إليه، وأقربهم منه ﷺ في يوم القيامة «٢» . وفي ذلك أيضا يقول الشاعر الفقيه:\nوعالم بعلمه لم يعملن ... معذّب من قبل عبّاد الوثن\nإنّ الذين يمكن أن يكتبوا السيرة النبوية الشريفة، والتاريخ الإسلامي، ويؤلفوا في العلوم الإسلامية عامة- والتاريخ الإسلامي واحد منها- لا بدّ أن يكونوا ممن وصف الله بأنهم لا يخافون في الله لومة لائم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه (رقم: ٥٢) . ومسلم: كتاب المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩/ ٣) .\n(٢) رواه الترمذي: كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في معالي الأخلاق، رقم (٢٠١٨) .","vol":"1","page":76},{"text":"عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:\n٥٤] . كما جعل الرسول الكريم ﷺ الجهاد ذروة سنام الإسلام «١»، وأقوى تضحية له.\nوكان أحدهم يدعو الله- بتواضع- أن يوفّقه لخدمة هذا الدين، ويعتبر ما يكتبه يدّخر له به الأجر عند الله تعالى مدخرا، وأن يكون عمله لله خالصا، وأن مداد العلم الذي يكتب به بالقلم مثل نزيف جرح طاهر في ميدان الجهاد يجري منه الدم.\nوهكذا كان العلماء في كلّ عصر، تتساوى عندهم الحياة والممات، ويقدّمون ما هو أنفع لدين الله، ويفضّلون الحياة أو الموت، أيهما أفضل لخدمة هذا الدين سواء بسواء. وإذا كان الموت كذلك، فهم يقبلون عليه، ويطلبونه، ويعتبرونه الفوز والطريق إلى الجنة (احرص على الموت توهب لك الحياة) «٢» .\nوهذا لا يمكن أن يكون إلا بتربية ومجاهدة وعيش مع القرآن الكريم وسيرة رسول الله ﷺ وسنّته المطهرة، بإيمان، وحب يملؤه، وينعشه، ويحييه، ويحرّكه، ويطير به في الآفاق العليا، سامية كالسماء.\nوهؤلاء العلماء عوّدونا أنهم كانوا يتبركون بالكتابة في الإسلام، ودراسة القرآن الكريم، والكتابة في سيرة الرسول ﷺ، وسنّته المطهرة.\nولذلك كان الإمام البخاري (٢٥٦ هـ ٨٧٠ م) ﵀، بعد ما يدوّن كل حديث، يصلي ركعتين لله تعالى شكرا «٣»، على أنه أنهى واجبا تعبديا، وأنجز مهمة إسلامية، يتقرّب بها إلى الله ﷾ في خدمة حديث رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) رواه الترمذي: كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة، رقم (٢٦١٦) .\n(٢) حكمة قالها أبو بكر الصديق ﵁. أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي (٣٠٠) .\n(٣) وفيات الأعيان، ابن خلكان (٤/ ١٩٠) . وعبارة البخاري: (ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين) .","vol":"1","page":77},{"text":"ولا فرق كبير- إن وجد ذلك- بينه وبين السيرة الشريفة؛ التي كانت جزآ من السنّة المطهّرة، وهي متداخلة معها، أو مستوعبة لها باعتبار.\nإن كتابة السيرة الشريفة لا بد أن يتولاها الذين تمثّلوها؛ ليقدّموها للجيل، نقية حية متمثّلة، يتعلّمونها، وينقلونها صورا مسطرة وقائمة في الحياة، ابتداء من نفوسهم.\nوالذين فشلوا في تمثيلها، وتصويرها في حياتهم، بجانب عدم أمانتهم فيها، ولا شجاعتهم في التحدث بمواقفها، ويؤوّلون أحداثها، ويفسّرونها لتبرير مواقفهم؛ فإنهم سيلوون أعناق الأحداث والنصوص بعد ما لووا أعناقهم، وليلووا أعناق الآخرين. وهم بعد ذلك أو قبله لا يستطيعون الغور في معانيها، وفهم مضامينها، وتصوّر مراميها، والوصول إلى أعماق مدلولاتها القريبة، فضلا عن البعيدة.\nولا بدّ لكتابتها من استيعاب ذلك قولا وعملا، ثم كتابة وتدريسا وتحديثا تأليفا ومتابعة، أو تقديما وتعميقا. وحصول هذا اللون من الفهم الجدير أو الجديد- أحيانا- المنير من بركات الالتزام، وامتداد طبيعته، وقوة مرتكزاته، ومؤهّلات صدق الإقبال عليه.\nوإنّ الله تعالى يقيّض في كلّ عصر من يتولى هذا الأمر بحقّه، بل قد كتب في ذلك غير المسلمين، من أمثال أحد المؤلفين الأمريكيين الذي ألف كتابا عن مئة من الأعلام في التاريخ أثّروا في الحياة، وما زال أثره في البشرية أكثر وأكبر، فاختار أولهم رسول الله ﷺ.\nوكذا فإنّ من غير المسلمين من يعينون أحيانا على بيان حقائق الإسلام وسيرة رسول الله ﷺ ويعجبون بها، مما يعتبر ذلك للإسلام نصرة وعونا في نشر الإسلام، وإن لم يسلموا لأي سبب- أو هم أضمروا إسلامهم- ولعل ذلك باب لإسلامهم، فيما بعد.","vol":"1","page":78},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-40> إرهاصات:</span>\nألا يمكن اعتبار مثل هذه الأمور- رغم وضع المسلمين وحالهم- علامات تشير إلى مستقبل هذا الدّين؟! وإن هذه المواقف، ممن ليسوا مسلمين من بلدان التقدم العلمي والعمران المدني، وهم من علية القوم فيهم، إنها إرهاصات لمستقبل الإسلام، تذيب جدران الشرك والوثنية وبعضها بأيدي أهلها وبلادها- لتفتح الباب أمام الدعوة الإسلامية إلى بيانه، والاقتناع به، واعتناقه؟!\nوكم كان هذا طريقا لاعتناق الإسلام فيهم، مثلما جرى مع العديد من الأدباء والكتاب الأوربيين والغربيين والشرقيين؛ الذين ألّف كلّ منهم كتابا بلغته عن الرسول ﷺ فاعتنق الإسلام.\nإن الدعوة الإسلامية اليوم هي دعوة العصر، رغم كل القيود والسدود والاضطهاد والمطاردة، في الداخل والخارج، ومهما تكاثروا عليها، وما ذلك إلا لشعورهم بأنها كذلك. والعمالات المتنوعة التي تملّكت القوى والوسائل لترى ازدهارها واندحارها هي، أمام هذه الدعوة الكريمة بقوة الإيمان القوي المتدفق المتجدّد الوضئ.\nقارن بين وضع دعوة الإسلام اليوم وقبل نصف قرن أو يزيد، حتى ليصبح أمر الإسلام هو الوحيد، تطارد دعوته فلول الظلام، وهي في عنفوانها، وهو مجرد مأسور أعزل، لينتصر بعون الله سبحانه تعالى، والأدلة حولنا تكثر وتزيد.\nوانظر إلى ما يجري في العالم شرقه وغربه من عجز أنظمته عن حلّ مشاكل الحياة الإنسانية، والارتقاء بها إلى الآفاق الكريمة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-41> أدلة إيضاح وإفصاح:</span>\nوقل مثل ذلك في الغرب بما ادعاه، وإن كانت هنالك فروق ...","vol":"1","page":79},{"text":"الغرب وحضارته مهدّدة اليوم بالانهيار؛ الذي بدت نذره واضحة لكثير من زعمائه وعلمائه وعقلائه، سواء السياسيين والاجتماعيين والعلميين؛ الذين ما فتئوا يحذّرونه من ذلك، مثلما حدث لحضارات أسلافها وامبراطوريات أمثالها، مما عدّ أكبر إمبراطوريات التاريخ العتيدة وحضاراتها، كاليونانية (الإغريقية) ووريثتها الإمبراطورية الرومانية (شرقا وغربا) ثم الفارسية.\nوالحضارة الحالية تجري مجراها، ومهما امتلكت من إيجابيات- قد تؤجّل انهيارها- لكنها في النهاية لا تستطيع الإفلات من مصيرها المحتوم.\nفهي تحمل في طياتها عوامل الانهيار والاندثار، ويوم تذهب- بإرادة الله تعالى- لا تخلّف وراءها غير سجلّات التاريخ التي دوّنت أخبارها، كما جرى لمن مضى وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد: ٦] «١» .\nإن للحياة سننا ونواميس وقوانين، خلقها ويجريها الله سبحانه بإرادته، بلا تبديل ولا تحويل فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: ٤٣] وهذه السّنن الإلهية هي التي لها وحدها الحتمية.\nوكم من أمم في التاريخ سادت بقوتها، وتغلبت بأجنادها، وتحكّمت بسطوتها وتسلّطها، لقرون عدة، ثم لم يبق منها غير أخبارها وآثارها، بل وربما أساطيرها، وحسبها ذلك وزيادة.\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] .\nوظنّي أنّ أحد أسباب غلبة هذه الحضارات الجاهلية المعاصرة، وتوليها\n_________\n(١) «المثلات»: (جمع: مثلة): العقوبات المثكّلات، وهي العقوبة الفاضحة التي تجعل من تقع عليه مثالا يرتدع به غيره.","vol":"1","page":80},{"text":"الزّمام اليوم، وتحكّمها في الرقاب- إن لم يكن كلها- هو الغياب الإسلامي، يواجهها، ويظهر عوارها وعورها، وينهيها؛ لذلك فهي تحارب الإسلام بكل قواها، وبكافة الأساليب الخفية والجلية، وتتعاون في ذلك متحالفة، واقفة في وجهه، وهو ما نشاهده من هذا التقارب والتالف بل والامتزاج، هو كالزواج بعقد سفاح- بين الصهيونية العالمية والصّليبية العالمية.\nوذلك كله تراه رغم تناقضاتها وعداواتها وتناحرها، فالكفر ملّة واحدة؛ لأن ظهور الإسلام، وقيام مجتمعه وحضارته يعجل بها- كما جرى لأمثالها- بل ويعمل لتواريها- لعجزها وضعفها أمامه- فلا تثبت له فواق زمن، وبذلك تغدو كأمس الدابر، أو تصبح أثرا بعد عين.\nوغير بعيد عنا أخبار ما جرى لأكبر إمبراطوريتين في العالم يومها (الرومانية- الرومية- والفارسية الساسانية)، وكيف واجههما الإسلام في عين الوقت، في العقد الثاني من الهجرة النبوية الشريفة، بحفنة من جند الله الأخيار، فزالتا من على وجه الأرض وإلى الأبد. وتلك سنّة الله في مصارع الضالين، ونصره المؤمنين بدعوته أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ «١» [الرعد: ٤١] .\nوقد أخبر الرسول الكريم ﷺ قبل حدوث ذلك كله وببضع سنين، بما علّمه الله سبحانه، وأوحاه إليه، يوم لم يكن في الأفق ما يدعو له أو يشير إليه، حتى لقد تعجّب فرحا متأكدا موقنا من سمعه من الصحابة الكرام ﵃ أجمعين، حين قال ﷺ: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده! لتنفقنّ كنوزهما\n_________\n(١) التفسير، ٣/ ٢٠٦٥.","vol":"1","page":81},{"text":"(لتنفقنّ كنوزهما) في سبيل الله» «١» .\nوتفهم من هذا الحديث الشريف أمور كثيرة، منها: أنه بمجئ الإسلام أو قيامه تزول وتذهب وتندثر كلّ جاهلية مهما كانت، ومنها أنه حين يقوم الإسلام لا يبقى أمامه عند المواجهة لا كسرى ولا قيصر- وقد ذهبا نهائيا- كناية عن زوال الظلم والظالمين والقائمين به وعليه، وكل العتاة والبغاة والطواغيت. وذلك آت بعون الله، وكائن بإذنه سبحانه، وتلك من مهمات هذا الدين الإسلامي الذي لا بد أن يتحقق به ذلك، وهذه بعض ما أراده الله ﷾.\nوكان الذي جرى لتلك الإمبراطوريتين بما لم يكن ليخطر على بال أحد في العالم- يومها ولا اليوم أو غدا- لهم ولا من حولهم، لولا أنه قد حدث فعلا بشكل لا مجال لإغفاله أو إهماله أو تجاهله، سواء في إمكانية وقوف هؤلاء الأخيار من جند الله الأبرار، أو زوال أولئك الضالين المضلّين، وبهذه السرعة المذهلة، مما يعتبر واحدة من معجزات هذا الدين- أو عليها مسحة منه- بانت في تلك الفتوحات وفي ذلك الزمان على يد أولئك الذين تربّوا على مائدة القرآن الكريم في ظلّ السّيرة النبوية الشريفة، ومقتدين بصاحبها ﷺ.\nوهؤلاء الأعداء يعرفون جيدا صدق هذا الدين وحقيقته وأحقيته الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] لذلك هم يستميتون في حربه، فهم ما فتئوا كلما استطاعوا لذلك سبيلا- مهما تبدلت الأساليب- يقفون حائلا دون قيام أهله وأبنائه به، ويقاعدون لهم كل مرصد؛ لمنعهم من صراط الله المستقيم، يرتجفون أن يجتمع عليه وبه الأفاضل العماليق أو العمالقة، كما يسمّونهم؛ لذلك فهم يعملون- حسب تعبيرهم- على عدم إيقاظ العملاق وإبقائه نائما،\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب الخمس، باب: قوله ﷺ: (أحلت لكم الغنائم)، رقم (٢٩٥٣) . ومسلم: رقم (٢٩١٨، ٢٩١٩) . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٤) .","vol":"1","page":82},{"text":"ويا ليت المسلمين يعلمون ما جاء- مثلا- في تقرير اللورد «كامبل» عضو مجلس اللوردات البريطاني، سنة (١٩٠٧ م) مما يعتبر في وقت جدّ مبكر، لم يدركه جمهرة وكثرة كاثرة من المسلمين، حتى بعد هذا التاريخ ببضعة عقود، إن كانوا أدركوه الآن.\nفالإسلام هو الدين الوحيد، والمنهج الفريد، والشرع القديم الجديد، الذي يمكن أن يرتقي بالإنسان- كل إنسان، أراد ذلك، وعمل له بشرطه- وينقذه من شقوته النّكدة، وبؤسه الخانق المقيم، وضياعه المتواصل.\nلذلك أراده الله سبحانه وأبقاه وحفظه- بروعته- متولّيا بقوته العمل والقيادة مع جميع الأحوال، ولكلّ الأقوام والشعوب والأمم- بكل أجناسها وانتما آتها وعقائدها- في كل زمان ومكان، ومع كافة مراقي تحصيلهم، ودرجة علمهم، ومستوى معايشهم، فهو- بما أودع الله فيه، وجعله آخر الأديان، وخاتمة الشرائع، وسيد المناهج- قويّ بذاته وطبيعته، يتقدّم بنفسه بلا سيف أو مدفع لما فيه من التوافق المعشق والترافق المتدفق والتنادي أو التّداعي المتألّق، ولاستقامته المتيسّرة مع الفطرة الإنسانية وتساوقه معها بل واشتياقها له- ومع حقائق الحياة، ونواميس الوجود.\nفهو يلبّي ببساطة وعمق وسهولة كل حاجات الجسم والعقل والروح، والعمران المادي والمعنوي والروحي، والتقدم لكافة البيئات المتنوعة، وحاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة واستعلاء، من شعوب رعاة الكلأ، وساكني الخيام إلى سكنة ناطحات السحاب، وما يجدّ لأي أحد من جديد الأسباب. وهذا للأسف الشديد ما لا يدركه- كله أو بعضه- إلا القليل من أهله وأبنائه، وأدركه بوضوح كل أو جلّ أعدائه؛ لذلك هم يخافونه، ويخشون تقدّمه، وسيادته، وإقبال الناس عليه.\nولذلك فإنّ هذا محسوب لديهم- في مجمل الأحوال، وعلى الدوام، وفي كل اتجاه- في غاية الدقة والعناية والاهتمام، مهما تظاهروا بغيره أو برروا من سيره أو عظموا- مداراة- من أمره، لا ينفكّون من ذلك بحال.","vol":"1","page":83},{"text":"فإنّ ذكرى تلك الفتوحات وتذكّرها- وهم لم ينسوها- مؤلمة مفهمة مرعبة، يعملون ويجنّدون ويضحّون كيلا تتكرر، وليس ذلك فحسب، بل وعلى طمس حقائقها، وتشويه أخبارها، وحجب وقائعها الناطقة، وللمسلمين بالذات، لتحذف من مذكراتهم وذاكرتهم.\nفهم يجهدون في تصغير شأن أولئك الأبرار؛ الذين اقتدوا بصاحب السيرة الشريفة «١» ﷺ لئلا يتأثر بها من يتأثر، فيكون الذي ممكن أن يكون به. كما عرف في أوائل الدعوة الإسلامية وما بعدها في أكثر من بلد ومع أكثر من قوم، مما هو مدوّن في محفوظات التاريخ الإسلامي ومؤلفاته، معروفا وماثلا للعيان، ومحفوظا في الخواطر والنفوس والأفكار والأذهان وفي كل مكان؛ ولهذا فهم يعملون أيضا على تشويه التاريخ الإسلامي بكل سبيل قديم وجديد، مما تبتكره عبقرياتهم الشريرة، والأخيرة، أو الأجيرة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-42> جيلنا والاهتمام بالسيرة:</span>\nولقد كان الاهتمام بالسيرة النبوية الشريفة، وكذلك عموم السنة المطهّرة في العصور المديدة، والأجيال المتتابعة، والمواقع المتنوعة- مهما تفاوت\n_________\n(١) الأمثلة كثيرة، تلك التي تبين نوعية أولئك الأبرار وفهمهم وقوتهم التي بناها هذا الدين، فكانوا تلك الصناعة العجيبة الفريدة الجديدة، فأتوا هم بالعجائب. وأحد هذه الأمثلة، والذي سبق ذكره: أنه حين ذهب وفد المسلمين قبل القادسية سنة (١٥ هـ) لمواجهة رستم قائد الفرس، فخرجوا وذهب ربعي بن عامر ليكلّمه، وجرت بينهما محادثة طويلة منها: قال رستم: ما جاء بكم؟ قال ربعي: (الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا. ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله) . قال رستم: وما موعود الله؟ قال: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) . الكامل في التاريخ، ابن الأثير (٢/ ٣٢٠) .","vol":"1","page":84},{"text":"الوضع- ركنا مهما في معرفة المسلم بدينه، ومحثا كريما مصورا لتعاليمه، ومتمثّلا لشريعته، مثلما هو تحرك دعوي، ونهضة إسلامية تحثّ على التمسك والالتزام والتجديد.\nكان الاهتمام بالسيرة موطنا للكتابة فيها، والتفنّن في الاستنباط من معانيها، وبثّا لمعاني الإسلام من خلالها، وغرسا لمضامين الشريعة في نفوس الناس.\nومن هنا فلا بدّ لأهل هذا الجيل- مثلما لسلفه الصالح من الأجيال السابقة ومن أجياله اللاحقة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- من اعتبار السيرة الشريفة، فهما عميقا، واهتداء وثيقا، واقتداء شاملا دقيقا، مرتكزا أساسيا أصيلا في بناء حياته الإسلامية، بها يحيا، وعليها يا بني، ولها يقوم. ينطلق في الحياة على هداها، آخذا بمضامينها، متعلقا بحقائقها، بتحرّ ومحبة وعشق، تظهر آثاره في بنائهم الإيماني الراسخ على عقيدة لا إله إلا الله، توحيدا لله خالصا وعبادة له بشرعه- قرآنا وسنّة وسيرة- أداء صافيا حيّا متوجها لله سبحانه، في كل الشعائر التعبدية وفي كل أحواله، في مسالكهم وتعاملهم وأخلاقياتهم كافة. وهي أخلاق لا إله إلا الله، التي جاهد لها الرسول الكريم ﷺ أكبر الجهاد، وصبر أشد الصبر، واحتمل جميع ألوان العذاب وأشكال العناء، حتى أقام ذلك المجتمع المثال بالجيل الفريد على القرآن الكريم والسنّة المطهرة. والأمثلة والشواهد ما أكثرها وأوفرها وأشهرها، من ذلك ما يعبّر عنها ﷺ بقوله: «لقد أوذيت في الله ﷿ وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليّ ثالثة من بين يوم وليلة ومالي ولعيالي طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال» «١» .\n_________\n(١) الترمذي (٤/ ٥٥٦) . مسند الإمام أحمد (٣/ ١٢٠، ٢٨٦) . ابن ماجه (١/ ٥٤) (رقم: ١٥١) . سيرة ابن كثير (١/ ٢٧٢) . حياة الصحابة (١/ ٢٦٤) .","vol":"1","page":85},{"text":"والأمة المسلمة في أيامنا بأشد الحاجة أن تقف في ظلال هذه السيرة الشريفة، تستلهم معانيها، وتتفهم مضامينها، وتستروح نسمات الخير في جوّها، كما تتنسّم عبيرها الفيّاح.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-43> واجب العناية بالسيرة:</span>\nوالعناية بالسيرة الشريفة ودراستها ومعرفتها مهمة جميع المسلمين، لا سيما من لهم إمكانية العناية بها بأي شكل، تأليفا وإخراجا. ولا بدّ أن تكون هذه العناية- وعلى هذا المنوال- أساسية، لكل أنواع الدارسين.\nومن المهم إنشاء مركز أو مؤسسة لهذا الأمر، وحبذا لو استنبتت بعض الجامعات- جادة مهتمة مخلصة- رغبة وهمّة، في إقامة مثل هذا المركز للسيرة النبوية الشريفة، بل وإفراد كرسي فيها يتولّى شؤونها، ويقوم على خدمتها. ومن الغريب ألا تفعل ولا واحدة أي شيء منه، وقد تهيأت كل الأسباب، وبأنواعها كافة.\nولا بدّ أن يواكب هذا الأمر ضرورة، نشر وطبع ودراسة المصادر الأمهات، لتكون أساس النهضة الإسلامية قائمة على العلم والمعرفة الحقة، وتصبح ركنها الركين، وموئلها الهانئ الأمين.\nأما تفاهات المستشرقين وربائبهم، فموطنها المهملات المحروقة الممزوقة، وليس بالضروري القصد رميها بأوراقها التي كتبت عليها، ولكن رميها ورفضها بزحف الحق المقام على الدراية والرواية، وإظهار بطلانها أمام انبلاج الحق الواضح (الحق أبلج والباطل لجلج) .\nولقد آن لهؤلاء وأسيادهم أن يقرؤوا ما أنتجته وتكتبه الأقلام الخيّرة، لعلهم يفيقون ويؤمنون. وإن تفاهات المنهجية الغربية والشرقية في هذا المجال، وكلها- شرقية وغربية- شرقية، من الصّراعات والحتميات والمراحل والمجاهل، يفرضون ظلمة الجهل والجهالة على نور الإيمان،","vol":"1","page":86},{"text":"ستنهزم أمام الخير والمنهجية الحقّة، والحقائق العلمية، والدراسات الأمينة، إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>المسلم ودراسة السيرة:</span>\nودراسة سيرة الرسول الكريم ﷺ بالنسبة للمسلم- من مصادرها الأولية ومراجعها- ضرورة شرعية، يترسّمها في كل أحواله، عقيدة وعبادة، بلا مغالاة ولا مداناة، ليكون إنسانا ربانيّا في كافة أوقاته، وقضاياه، وأموره كلها. وأول مصادرها تماما: القرآن الكريم والسنة الصحيحة.\nوبالنسبة لغير المسلمين لا بد من تقديمها بشكل حقيقي واضح مشرق منير- وهي بوقائعها وحقائقها كذلك- فهو المثل الإنساني الأعلى ﷺ.\nوالسيرة النبوية الشريفة متداخلة مع كل ما ومن صحب وعايش الرسول الكريم ﷺ. وواجب المسلمين اليوم تقديمها بأسلوب شيّق وصادق وجميل وجذّاب، للمسلمين وغير المسلمين- بالعربية وغيرها- تقرّبا إلى الله تعالى، ودعوة لدينه، وتنفيذا لأمره، وإحقاقا لشرعه.\nاللهم تولّنا بعونك، وكن أنت مولانا، وتقبّل أعمالنا، واجعلنا مترسّمين لقرآنك العظيم وسنّة نبيك ورسولك الكريم ﷺ. واجعل ذلك كله لنا شرعة وحبّا وعشقا وقوة وقدوة ومنهجا، وفي سبيلك مباركة ومقبولة وخالصة لوجهك الكريم، واجعل القرآن الذي أنزلته عليه ربيعا لقلوبنا، وسيرة الرسول ﷺ قدوتنا، إنك سميع ومجيب، آمين.","vol":"1","page":87},{"text":"المبحث الثالث السيرة النبوية الشريفة جمال نماذجها وشمول فضائلها\n* موقع السيرة النبوية من التاريخ\n* الصحابة والاقتداء بالسيرة\n* الخيرية والجيل المثال\n* السيرة موئل ومنهل\n* السيرة بناء وارتقاء\n* مدلولات فريدة جديدة\n* ثمار أغنت ميادينها\n* عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية\n* الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية\n* الصحابة والولاء للإسلام\n* أسلموا وأهلهم أعداء\n* الإيمان وتكاليف تربيته\n* رهافة الثمرة الإيمانية\n* إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة\n* دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير\n* مدى عناية الرسول ﷺ بالصحابة\n* العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون\n* تفقد الرسول ﷺ أصحابه وحبهم له\n* النساء وفرض الحجاب\n* جيل الصحابة والإقبال على أمر الله","vol":"1","page":89},{"text":"* قصة تحريم الخمر\n* الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام\n* حضور مشاهد الغابرين\n* المؤمنون والمعاندون وغيرهم\n* لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين\n* معاني الأحداث السالفة\n* القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه\n* أجواء السيرة العبقة\n* الصحابة وسبل الارتقاء\n* القرآن والسيرة\nبين الدرجة والنوع\n* تذوق الصحابة نعمة الوحي وافتقادها لدى انقطاعها\n* شواهد وفرائد صحابية\n* الرخص أم العزائم\n* السيرة مدد وحياة\n* الثمار الطيبة الطّعوم\n* الإضافة وحديث القرآن\n* الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرف المشرق\n* الصحابة فخر الميادين ازدحمت بهم الساحات\n* السيرة والتابعون وتابعوهم\n* الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول ﷺ مقتدون\n* حب متوارث طهور\n* عناية الأجيال بالسيرة\n* وضوح أحداث السيرة\n* البشارات بالرسالة الخاتمة\n* عالمية الدعوة الإسلامية\n* السيرة ونسج المثال\n* السيرة ونفس المسلم\n* تفسير السيرة ومكانتها","vol":"1","page":90},{"text":"السيرة النبوية الشريفة جمال نماذجها وشمول فضائلها\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-46> موقع السيرة النبوية من التاريخ:</span>\nتعتبر السيرة النبوية الشريفة، هامة التاريخ الإسلامي وتاجه وضياؤه وقلادته. وإذا كان التاريخ الإسلامي- ولا سيما بإضاآته المتفردة وصفحاته الجميلة الملتزمة- زهرة الحياة الإنسانية ووجهها المشرق وتاريخها المنير، فإن السيرة النبوية الشريفة تاج الحياة الإنسانية وزبدة تاريخها الرفيع في العصور طرا، ولدى الأمم كافة. ومن الواجب أن تعطى من الأهمية- ومن قبل المسلمين أولا- القدر الذي يتناسب وتلك المكانة اللائقة بها، رعاية واهتماما وتأليفا وتوقيرا وإقبالا مثلما اقتداء واهتداء. وكان من الجودة اعتبار فهم القصد من إطلاق مصطلح السيرة مجردا ومطلقا، بأنه السيرة النبوية الشريفة. إشارة إلى أن سيرة الرسول الكريم ﷺ هي المثال المقتدى في السّير الإنسانية بل ولسير الأنبياء جميعا، عليهم الصلاة والسلام.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-47> الصحابة والاقتداء بالسيرة:</span>\nوإذا كان الصحابة الكرام قد عايشوا رسول الله ﷺ وصاحبوه وتابعوه واتبعوه، وحرصوا أشد الحرص على لقائه، أخذا عنه وتحريا لسيرته، وكل ما يصدر عنه، اقتداء به، وإن ذلك عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى، فإنهم قد حافظوا على كل ذلك وبذلوا غاية الجهد في حفظه ونقله، وفي نفوسهم وسلوكهم، قبل نقله إلى الآخرين رواية ودراية. وكان السلوك- عملا،","vol":"1","page":91},{"text":"قرين العلم، لا يفترقان- من أو أكبر وسائل النقل والتوريث علما، مما يورثونه، أداء لوظيفتهم، في الإرث والتوريث، تلقيا وتلقينا «وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر. (ومن سلك طريقا يطلب به علما سهّل الله له طريقا إلى الجنة)» «١» .\nلقد هيأ الله تعالى الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- ليحافظوا دين الله تعالى، حفظ نصوصه وفهم مضمونه وتطبيق مفهومه والعمل لتنفيذه وتمثيله والجهاد لإقامته والحرص على نقله وبثه والدعوة إليه بالقول والعمل.\nوتوفرت فيهم كل المواصفات، فاستحقوا وصف الله تعالى لهم* كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] الذي شملهم ومن ماثلهم من الأجيال التالية، ونقلوه إليها. وتوفر فيهم من يمد أروقته وينقلها ويوصلها لمن تلاهم جيلا بعد جيل، في العصور المتتالية المتتابعة والبلدان المتنوعة حتى يوم الدين.\nوهكذا ورثت الأمة عن الصحابة دينهم وسّنّة وسيرة نبيهم ﷺ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-48> الخيرية والجيل المثال:</span>\nويبقى الصحابة الكرام هم الجيل المثال الذين استحقوا الخيرية والأسبقية والأفضلية، التي وردت في القرآن الكريم وحديث الرسول ﷺ.\nوهم قدوة هذه الأمة بعده ﷺ. وبهم كانت متوارثة في الأمة إلى يوم الدين.\n_________\n(١) رياض الصالحين (٥٢٦) رقم (١٣٨٨) . والزيادة من البخاري: كتاب العلم، باب العلم قبل القول والعمل. وأخرجه أبو داود، رقم (٣٦٤١- ٣٦٤٣) . والترمذي، رقم (٢٦٨٢) (وفيهما مثال في فضل الرحلة لخدمة الحديث الشريف، وحديث واحد) . وانظر: مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، رقم (٢٦٩٩) .","vol":"1","page":92},{"text":"وهم الذين حملوا الإسلام وأبلغوه، ونقلوا الأمم إلى الإسلام «١» ونشروه وعلّموه وحموه، وحملوه في سلوكهم ونفوسهم وصدورهم هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: ٢٨- ٢٩] «٢» . فأيّا منهم تنظر إليه، ترى فيه الآفاق العجيبة والنفس القوية الرحيبة.\nفلقد روي عن عبد الله بن عمر (٧٤ هـ- ٦٩٣ م) قوله في الصحابة الكرام- وهو منهم- يبين نوعيتهم ومكانتهم من الإسلام وحرصهم على اتّباع النبي ﷺ. فلتقتد الأمة بهم، خلف نبينا الكريم ورسولنا العظيم ﷺ. وهو يحث على الأخذ بما كانوا عليه من ذلك الاتّباع والالتزام، الذي شملهم بذلك وصف الخيرية، ومن سلك مسلكهم وعمل عملهم والتزم بهدي الرسول الكريم ﷺ فوفّاها حقّها وأدى مطلوبها وحمل رسالتها. فيقول ﵁: «من كان مستنا فليستنّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا خير هذه الأمة، أبرّها قلوبا وأعمقها علما وأقلّها تكلّفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد ﷺ كانوا على الهدى المستقيم والله ربّ الكعبة» «٣» .\nوحين سئل ابن عمر إن كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون، قال: (نعم\n_________\n(١) انظر: التاريخ الأندلسي (١٧٣) .\n(٢) وانظر: حياة الصحابة (١/ ٣٥، ٤٥، ٣٠١) .\n(٣) سبق ذكره، ص ١٨. انظر: حلية الأولياء (١/ ٣٥) . حياة الصحابة (١/ ٤٦) . أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، (٤٥٠) .","vol":"1","page":93},{"text":"والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال) «١» . كان إيمانهم غامرا وعملهم باهرا وجهادهم موّارا، لا يقف ولا يهدأ ولا يعبأ.\nويشاركهم في ذلك علماء الأمة وأجيالها، التي تلقت ذلك كله بالقبول التام والحب والجد والعمل والصدق والإخلاص، أمانة صانتها وافتدتها، وأفنت ما عندها وأنفقته طائعة راغبة لحفظه وبثّه، لا تألو في ذلك جهدا ولا توفر طاقة ولا تدّخر مكنة. إلا أنه يبقى للصحابة الكرام شرف لا ينال ولا يطال بحال، هو شرف الصحبة والسبق والمستوى، لا سيما من كان في ذؤابتها منهم، مثل المهاجرين والأنصار، فغدا ذلك هو الشرف وهو النسب وهو الميزان. والصحابة هم الذين بلغوا- بهذا الدين- قمة إنسانية سامقة، فكانوا الجيل الفريد السعيد. كيف لا والرسول ﷺ فيهم يدعوهم ويربيهم على كتاب الله، الذي كان له مثالا، قدوة عالية وأسوة حسنة. والله تعالى يقول: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد: ٨- ١٠] .\nوهم الذين أثنى الله عليهم بقوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح: ١٨] . وكان هذا في أولئك الذين بايعوا الرسول ﷺ في صلح الحديبية في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة، وكان عددهم ألفا وخمسمئة (خمس عشرة مئة)، جاؤوا للعمرة وغير مستعدين- من كل ناحية- للمواجهة والقتال. ومع ذلك بايعوه ﷺ جميعا، على الموت وعلى أن لا يفرّوا. حقا إنه الجيل الفريد؛ الذين استحقوا هذه المكانة من الله تعالى،\n_________\n(١) انظر: حلية الأولياء (١/ ٣١١) . حياة الصحابة (١/ ٤٨) .","vol":"1","page":94},{"text":"وكانوا- أهل الحديبية- جديرين بها وبوصف الرسول ﷺ لهم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» «١» .\nولعل وصفهم هذا غير قاصر على زمانهم بل كذلك شامل لكل زمان ومكان وإنسان، بعد منزلة الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام. فهنيئا لهم تلك الصحبة والمكانة. والرسول ﷺ بيّن ذلك في أحاديث كثيرة، جملة وتفصيلا. ودعا إلى محبتهم والاقتداء بهم والأخذ عنهم. فهم الحفظة والأمنة، على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.\nوانظر ما ورد في كتب الحديث الشريف في مناقب وفضائل الصحابة الكرام، من ذلك يقول الرسول ﷺ «لا تسبّوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «٢» .\nفإذا كان هذا موجّها للصحابة أنفسهم، فكيف بمن بعدهم؟\nفلينظر كل هؤلاء الذين يتقوّلون على الصحابة الكرام ﵃ أو ينالون منهم أو يتهجمون عليهم. فماذا يكونون هم إذا، الذين يفعلون ذلك؟\nوالله تعالى قد رضي عنهم وأثنى عليهم في أكثر من موضع من القرآن الكريم، ووقرهم رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة. إذا فما الذي يتبعونه في إسلامهم، وهم من أي نوع من المؤمنين المسلمين؟ أم أنهم في أية قافلة يلتحقون ويسيرون وينتمون؟ «٣» .\nوإن كان لمن بعدهم أيضا، شرف الاتباع والاقتداء والأخوّة، التي بينها\n_________\n(١) سبق ذكره أعلاه، ص ٦٤. أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (٣٩٢٣) انظر كذلك: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٩٢) .\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم (٣٤٧) . وأخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ﵃، رقم (٢٥٤٠) . ويرد ذكره أدناه.\n(٣) انظر كذلك على سبيل المثال الواضح: سورة التوبة (١٠٠)، سورة الفتح (١٨)، سورة الحشر (٨- ١٠) .","vol":"1","page":95},{"text":"الرسول ﷺ ويا له من شرف، حين قال يوما لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم؟» . قالوا: الملائكة. قال: «وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» . قالوا: فالأنبياء. قال: «وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» . قالوا: فنحن. قال: «وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟\nولكن أعجب المؤمنين إيمانا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها» «١» . ونحن إن شاء الله من هؤلاء، والحمد لله رب العالمين على نعمة هذا الدين. ولقد اعتبر ﷺ الأجيال المؤمنة التالية للصحابة بأنهم إخوانه، فنعمت هذه الأخوة وكرمت ونفست.\nفلقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى البقيع فقال:\n«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنّا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد» قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلا له خيل غرّ محجّلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «فإنهم يأتون غرّا محجّلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض» «٢» .\nفالصحابة الكرام كانوا مثلا يهتدى بهم ويقتدى، بعد رسول الله ﷺ، تربوا على كتاب الله فهو نور وهدى لهم ولأهل الأرض أجمعين، وهو الحق الذي تتبين آياته في كل حين. بلّغه رسول الله ﷺ أفضل بلاغ وأدّاه خير أداء وجاهد له أعظم جهاد تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤)\n_________\n(١) التفسير (٦/ ٣٤٨٣) .\n(٢) رواه مسلم: كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرّة، رقم (٢٤٩) . انظر: رياض الصالحين (٤٢٩- ٤٣٠)، رقم (١٠٢٩) . ودّ رسول الله ﷺ رؤية إخوانه- ونحن منهم، إن شاء الله تعالى- في الدنيا. ولئن فاتنا هذا في الدنيا، فنرجو رؤيته واللقاء به والاجتماع تحت رايته في الآخرة، إن شاء الله. الغرّة: بياض في وجه الفرس. والتحجيل: بياض في قوائمه. الدّهم: السود. البهم: لا يخالط لونهم لونا آخر غير السواد.","vol":"1","page":96},{"text":"لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة: ٤٣- ٥٢] .\nوالله تعالى هيأ الرسول الكريم ﷺ- القدوة والأسوة النبوية- وأعده من كل ناحية، للاحتمال والاكتمال والتلقي للوحي الأمين. وهو أمر صعب يعرف عنه من اطلع كيف كان حاله ﷺ حين يتلقى الوحي.\nثم وجّهه﷾- بكل الأحوال، يوحي إليه ويسدده ويثبته وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا [الإسراء: ٧٣- ٧٥] .\nوهكذا يثبّته الله ﷻ ويؤهله، فيرتقي بالاحتمال يمده به﷾- والاصطبار والكشف، مما لا يفعله إلا نبي ولا يستطيعه غيره، بتأييد الله له ومدده. كل ذلك وهو يقوى ويزداد ويثبت باستمرار.\nوعلى هذا المنهاج ربّى ﷺ صحابته الكرام، بالوحي الإلهي وبما أنعم الله عليه بالمعرفة والإعداد والعلم النوراني والوحي الرباني. وكان يعلّم الصحابة الكرام بالتمرين والممارسة المتلاحمة الدائمة والمباشرة والتدريب، وفي ميدان الحياة ومعتركها، ممارسة واحتمالا وتفاعلا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-49> السيرة موئل ومنهل:</span>\nومثلما نجد في سيرة الرسول الكريم ﷺ القدوة والأسوة، فلقد كانت من الرحابة غدت بها متّسعا لكل ما نريد من أمور الإسلام في الحياة، على مدى العصور والأجيال، في كافة الأحوال. وهكذا أحس الصحابة وفهموا، وكانوا يلجؤون إليه ﷺ ويجدون عنده الراحة والأمان والأمل والحل والفضل والقوة والقدوة، ينهلون منها وبها يرتقون، وكأنهم يحيون معه في عالم آخر رفيع يستمدون منه، لينطلقوا في الحياة بها عاملين، تكون","vol":"1","page":97},{"text":"لهم السيرة مددا في جنبات الحياة ودروبها، وشعلة منيرة، يستضيئون بها ويفيئون إليها ويستريحون. ويوما قال الصحابة لرسول الله ﷺ، مما يدل على الرهافة والتعلق والحساسية: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره. قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربّنا في السر والعلن. قال: «ليس ذلك النفاق» «١» .\nوكان هؤلاء الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- القدوة، يورثونها لمن بعدهم، ينشرون عطرها ويفيضون شذاها، وربّ العزة يقول في وصفهم:\nوَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] . ويقول كذلك: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [الحشر: ٨- ١٠] . فكانوا بها يرتفعون وبمؤونتها يتغذّون، لينطلقوا في الحياة بقوتها متجددة. وكذلك الأجيال التالية- ونحن منهم بعون الله تعالى وفضله- وكل من يأتي يستمد من هذا النبع الكريم.\nوهكذا كان الرسول ﷺ يتعهدهم ويرعاهم ويرتفع بهم. فلقد ورد عن حنظلة الكاتب «٢»، أحد الصحابة الكرام، ومن كتّاب النبي ﷺ، أنه قال:\nكنا عند النبي ﷺ فذكّرنا الجنة والنار حتى كأنا رأي العين، فقمت إلى أهلي وولدي فضحكت ولعبت، فذكرت الذي كنا فيه، فخرجت فلقيت أبا بكر\n_________\n(١) مسند أبي بكر البزار.\n(٢) عن حنظلة هذا (حنظلة بن الربيع الأسيدي) انظر: الاستيعاب، (١/ ٣٧٩)، رقم (٥٤٨) . أسد الغابة، (٢/ ٦٥) . الإصابة، رقم (١٨٥٩) ويرد هذا بتفصيل أكثر.","vol":"1","page":98},{"text":"﵁ فقلت: نافقت يا أبا بكر! قال: وما ذاك؟ قلت: نكون عند النبي ﷺ يذكّرنا الجنة والنار كأن رأي العين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا، فقال أبو بكر: إنّا لنفعل ذلك. فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك فقال: «يا حنظلة، لو كنتم عند أهليكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي الطريق. يا حنظلة، ساعة وساعة ... ولو كنتم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها» «١» .\nومثل هذا كان مع أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إنّا إذا كنا عندك رقّت قلوبنا وزهدنا في الدنيا ورغبنا في الآخرة، فقال ﷺ:\n«لو تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لزارتكم الملائكة ولصافحتكم في الطريق، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون حتى تبلغ خطاياهم عنان السماء، فيستغفرون الله فيغفر لهم على ما كان منهم ولا يبالي» «٢» . وهذا يشير إلى الآفاق التي يحيا بها الصحابة الكرام وتساميها، يرتقون فيها، بيد الرسول ﷺ يرفعهم إليها بهذا الدين، ليستمروا عليها في حياتهم ما داموا يستمدون منها. وهم دوما يقتدون بهذا النبي الكريم والرسول العظيم ﷺ. وهذا وحده لا يكون إلا بنبوة ورسالة من الله تعالى إلى خلقه، يحملها من يختاره بحكمته، فاختار محمدا ﷺ واصطفاه ليكون الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة لأهل الأرض أجمعين. إنه سيد الأنبياء والمرسلين وقائد البشرية إلى طريق الله المنير.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-50> السيرة بناء وارتقاء:</span>\nوكان الصحابة الكرام يترقّون ويرتقون في سلّم الهداية ويرفلون في نعمة\n_________\n(١) حياة الصحابة، (٣/ ٥٠)، (٣٢٠) رواه مسلم وآخرون.\n(٢) حياة الصحابة، (٣/ ٣٢٠) . وتجد تمام الحديث في مسند الإمام أحمد، ٢/ ٣٠٤- ٣٠٥.","vol":"1","page":99},{"text":"منهج الله تعالى، بعد أن أنقذهم الله ﷾ بالإسلام من شفا جرف هار، ورفعهم من سفح الجاهلية ومستنقعها ليسمو بهم إلى القمم العالية التي أرادها الله للإنسان بهذا الدين على يد المصطفى ﷺ. واقرأ معي- إن شئت- قول الله جلت قدرته وتباركت أسماؤه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران: ١٠٣- ١٠٤] .\nودوما كان الصحابة يذكرون الله تعالى ويشكرونه أن أنقذهم من الجاهلية التي عاشوها «١»، ليضعهم في أعلى قمة عرفها الإنسان. وهذا لا يتم إلا بالإسلام وحده الذي أنعم الله به عليهم ورعاهم به وأكرمهم وكرّمهم.\nولقد ورد عن ربيعة بن كعب الأسلمي «٢» أنه قال: كنت أبيت عند رسول الله ﷺ، فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» . فقلت: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أو غير ذلك؟» . قلت: هو ذاك.\nقال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود» «٣» .\nانظر ماذا سأل ربيعة رسول الله ﷺ، سأله لآخرته، والرسول الكريم ﷺ يعرف أن هذا السؤال بحاجة إلى استعداد، لا بد من توفره لمن يسأله، لا مجرد التمني؛ لأن المسلم يحس بمسؤوليته ويقدم لها مستلزماتها ويرتقي\n_________\n(١) انظر كذلك في وصف تلك الجاهلية: سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٨٩) .\n(٢) ربيعة بن كعب بن مالك (٦٣ هـ) صحابي جليل من أصحاب الصّفّة (عنهم انظر، أعلاه) ومن أهل المدينة. كان يلزم النبي ﷺ في السفر والحضر، وصحبه قديما. انظر: الاستيعاب، (٢/ ٤٩٤)، رقم (٧٦٥) . أسد الغابة، (٢/ ٢١٦)، رقم (١٦٦٠) . الإصابة، (١/ ٥١١) رقم (٢٦٢٣) . تخريج الدلالات السمعية، (٦٩- ٧٠) . حياة الصحابة، (٢/ ٦٠٥)، (٦٦٩- ٦٧١) . زاد المعاد، (١/ ٢٣٦) .\n(٣) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، رقم (٤٨٩) . وانظر: زاد المعاد، (١/ ٢٣٦) . التفسير، (٢/ ٧٠٠) . حياة الصحابة (٢/ ٦٠٥) .","vol":"1","page":100},{"text":"بنفسه لاستعداداتها، حتى يكون أهلا لاستحقاقاتها. والرسول ﷺ يعرف أصحابه وعنهم، أكثر مما يعرفون هم عن أنفسهم «١» . وكان يدلّهم ﷺ على الطريق، وأن التقرب إلى الله لا بد من العمل له، احتمالا وإقبالا وبذلا، يقوم على صدق النية والإخلاص الأكيد الكامل لله رب العالمين. وخلوص المسلم، بكل ما لديه همة ومكنة ووجهة، له ﷾ متجردا وفرحا، بما يؤديه ويقدمه. وعند ذاك يعينه الله ويقويه ويستجيب له، وفي الحديث الشريف أن يدعو المسلم الله ربه وهو موقن بالإجابة «٢» .\nوعلى ذلك، ولأن هذا الرجاء من ربيعة مطلب أساس يتمناه، فهو لا يستبدله ولا يريد غيره، بل أكده لرسول الله ﷺ وأنه مستعد لتكاليفه التي تهون، ليتحقق له رجاؤه. فلم يكن حرصه على صحبة رسول الله ﷺ ذات حدود، محبة عظيمة لا مثيل لها، في صدقها وعمقها وقوتها. وكذلك يحبهم رسول الله ﷺ الذي كان يؤثرهم على نفسه ويقدم أمورهم ويرعاهم وفتقدهم ويتفقدهم ويحملهم، معينا على ذلك الارتقاء في سلّم الإيمان، ليصلوا باستعداداتهم الإيمانية التي بناها لهم بالإسلام وحده إلى قممه العالية ما استطاعوا.\nولذلك بيّن ﷺ لربيعة، كيف يمكنه أن تستمر الصحبة من الدنيا إلى الآخرة، وهو أمر كان يشغلهم بعد ما عرفوه وقدروه وذاقوا طعمه في الدنيا، فحرصوا عليه وغدا لهم شغلهم الشاغل «٣»، فقال له ﷺ: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» . إذا حتى يدعو الله له ويستجيب لسؤاله، عليه أن يعين هو نفسه رسول الله ﷺ على تحقيق هذا المطلب بكثرة السجود لله رب العالمين.\nوالرسول ﷺ- رغم كثرة عبادة الصحابة- كان ﷺ أكثرهم عبادة\n_________\n(١) التفسير، (٢/ ٦٩٨) .\n(٢) بمعناه، ولعله أثر.\n(٣) انظر: التفسير (٢/ ٧٠٠) .","vol":"1","page":101},{"text":"وسجودا، فهو أعرفهم بالله ﷾. وهكذا كان ﵊ في كل الأمور عالي الآفاق، بعيد الأغوار، وفير الأذكار.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-51> مدلولات فريدة جديدة:</span>\nفي قصة ربيعة مدلولات متعددة، كلها ذات معان رفيعة، ولكني أبرز هنا اثنين منها، هما:\n١- شمول وعمق ودقة معرفة الرسول الكريم ﷺ بنفوس أصحابه، واستعداداتها ومداخلها ودواخلها وإمكانياتها ونوافذها ومقدار إقبالها، مثلما تشمل رعايتها وتربيتها ومعاونتها لتحقيق مستويات متراقية في تسلق وارتقاء واعتلاء قمم التقدم المتعالية في سلّم الإسلام. والأمر كذلك في أخذ هؤلاء الأصحاب الكرام بخير وأكرم وأفعل الأساليب للوصول إلى ذلك، بأبرك سبيل وأروع ثمرة وأزهى غرس، في تعميق الرغبة للاستمرار في هذا الاتجاه، وذلك اعتمادا على بنائهم الإيماني الرباني الذي شاده الإسلام وبوحي الله تعالى في قرآنه المنزل ثم بجهاد وجهد رسول الله ﷺ. فكانت الإشارة والتلميح والنظرة كافية لتفعل ما لا يفعله المجهود الضخم والقوة الآمرة والقوانين الساهرة «١» .\n_________\n(١) وهذا واضح في الأفراد والجماعات والتجمعات. والأمثلة لكل هذا كثيرة جدا، فالسيرة أحداث ومواقف وأخلاق وتعامل وبذل والتزام بالإسلام كله وفي كل الأحوال والدوائر. ولقد ورد ويرد بعض هذه الشواهد. خذ مثلا تعيير أبي ذر بلالا الحبشي ﵁ بأمه السوداء، وماذا قال له رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية ...» . رواه البخاري: كتاب الإيمان. باب المعاصي من أمر الجاهلية، رقم (٣٠) . كذلك: أرقام (٢٤٠٧)، (٥٧٠٣) . ومسلم: رقم (١٦٦١) . وأبو داود، رقم (٥١٥٧) . والترمذي، رقم (١٩٤٥) . ومسند الإمام أحمد، (٥/ ١٦١) . وهو حديث حسن صحيح. وبالمناسبة فقد كان لعبد الله بن عمر بن الخطاب﵄- ابن اسمه بلال،","vol":"1","page":102},{"text":"وهذا هو البناء العميق القوي المؤمن بالله ورسوله ودعوته، الذي أقامه الإسلام، يحافظ عليه صاحبه ويستمر في إعلائه ذاتيا، فتأتي ثماره في الحياة بكل أحواله، صورا جاهرة بارّة ناطقة، فتراه سلوكا ظاهرا وضيئا متلألئا. وهكذا يستمر ويقوى ويشتد عوده ثم يعلو وبشكل متواصل، بحرص من ذات النفس، ويقدّم بقوة عطاءه واضحا في مسالك الحياة ودروبها، وفي كل مجال، ليصبح لهم سمة خلقية، حتى غدوا يأخذون بالعزائم مع وجود الرّخص. فكانت حياتهم بناء وإعلاء وعطاء، تتناسب والمهمة التي أرادها الله ﷾ لهذا الإنسان، وبه يحققونه. وهي الخلافة في الأرض، لبنائها وعمارتها وإنارتها كلها، بشرع الله الذي أنزله على رسوله الكريم محمد بن عبد الله ﷺ، مقتدين به آخذين بسنته الكريمة. وكل يوم يزداد ذلك ويتضح ويتقدم، وكان يتم جميعا في هذا الجو الكريم وفي المعترك والمواجهة ومضطرب الأحداث.\n٢- بهذا البناء الإيماني الرباني الوحيد، أصبحت نفوسهم كلما وصلت\n_________\nفمدحه أحد الشعراء بقوله: وبلال عبد الله خير بلال. فقال عبد الله بن عمر للشاعر: كذبت، بل: وبلال رسول الله ﷺ خير بلال. سير أعلام النبلاء (١/ ٣٤٩) . ولهذه مدلولات كثيرة. وانظر عبد الله بن عمر حين علم ما قاله ﷺ فيه عن طريق أخته أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵃ حيث قال ﷺ: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي بالليل» . فما ترك صلاة الليل (التهجد) حتى وفاته (فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا) . البخاري، (٣٥٣٠) . هذه الشواهد للأفراد، أما الجماعات فما أكثرها، لأنها تتكون من هؤلاء الأفراد. وانظر مثلا في الهجرة والمهاجرين والنصرة والأنصار واستجابة المسلمين ومواجهاتهم، بل وإقدامهم وبذلهم وتضحياتهم- أفرادا وجماعات- في المعارك والفتوحات وهروعهم للمعاونات. يتعاونون في كل الأحوال والتجمعات على الخير والطاعة والاستجابة، للنساء والرجال والأطفال. خذ مثلا استجابتهم في فعل الأمر بالمعروف والانتهاء عن النواهي. من ذلك ما فعلت النساء المسلمات حين نزلت آية الحجاب (سورة النور، ٣١) وما فعل الرجال حين نزلت آية تحريم الخمر (سورة المائدة، ٩٠- ٩١) . وسيأتي شرح ذلك بتفصيل إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":103},{"text":"إلى قمة، نظرت وتطلعت إلى التي تليها لتعتليها. وتلك طبيعة الإسلام وصياغته التي اصطبغت بها كل تصرفاتهم، شأن كل من يقبل على هذا الدين، الذي لا يقبل الله ﷾ من أحد دينا غيره، متوكلا على الله ﷻ، ملتزما بشرعه العظيم مقتديا بنبيه الكريم ﷺ. ولكن بالاتجاه الرباني الذي يريده الإسلام والذي كلما تقدّمت فيه تقوى أكثر، آخذا بأسباب الترقي فيه، باتساعه الذي لا حدود له.\nوكان هذا الترقي- في سلّم الإيمان- النبع الذي جرى عذبا زلالا نقيا إلى التابعين ومن بعدهم، وسيبقى- إن شاء الله- إلى يوم الدين. والكل كان مهتما بدراسة ومعرفة السيرة الشريفة ويستقون منها. وتجد آثارها وثمارها ماثلة في حياتهم، ابتغاء رضوان الله تعالى وثوابه وجنته تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] .\nفهم لذلك يعملون ويجتهدون ويجدّون في هذا الاتجاه، وهو كل همهم لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: ٨] . فكان هو بناؤهم ورّثوه لمن بعدهم من الأجيال التالية.\nوهذه التربية والبناء جعلت سمتهم الذاتية بهذه المعاني عالية جدا، إلى حد أن الخليفة عمر بن الخطاب- مثلا﵁ يقول: (لو عثرت بغلة بالعراق لرأيتني مسؤولا عنها أمام الله تعالى لم لم أسوّ لها الطريق) . ومع ذلك فحين طعن قال لابنه عبد الله: خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب، لعل الله يرحمني وويل لأمي إن لم يرحمني الله ﷿، وأنشد:\nظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلّها وأصوم «١»\nإذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول هذا ويعتبر نفسه مقصرا، فما الذي نقوله نحن إذا، وما موقفنا؟ وقل معي:\n_________\n(١) الاستيعاب، (٣/ ١١٥٧) . أسد الغابة، (٤/ ١٧٧) .","vol":"1","page":104},{"text":"أما أنا ماذا أقول ... وكل أعمالي ذبول\nكيف أنا ماذا أقول ... ومحمد نعم الرسول\nنفسي فداك عزيزة ... وقليلة أبا البتول\nولو ملكت مئاتها ... فهي للدين تؤول\nهذي بضاعتي وضراعتي ... وبالشفاعة للقبول\nحبّي لكم متواصل ... وجذوره فيه الشّمول\nالله يعلم كنهه ... عشق عذراء دلول\nوخطى الشريعة سرتها ... قدميّ للحمل ذلول\nإنه العشق الأصيل ... وذاك يكفي أن أقول\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-52> ثمار أغنت ميادينها:</span>\nوظني أن الذي كان يتولى من الصحابة الكرام أمرا من أمور المسلمين- أو مهمة أو تكليفا- سليمة كانت أو حربية أو إدارية، يقوم به وهو يحيا بهذا البناء ويتعامل معه ويخوض ميدانه، في كل مرة جديدة. ويذهب إليه ويتعامل مع قضاياه ويسلك فيه مسالكه الواقعية التطبيقية، فتظهر فيه الآثار والثمار الطيبة لتلك التربية الفريدة والبناء المتنور والغرس الضارب الجذور إلى أبعد الأعماق. فيظهر كل ذلك بثماره في الميدان الجديد والمعترك الموكول، فتتمثل في تصرفاته، صيغا رائعة جديدة وصورا باهرة فريدة.\nعرفت من خلال التكليف بتلك المهمة التي بها ظهرت نوعية بنائه سلوكا، وأكسبته دراية وتعلية وتربية ليرتقي إلى قمة أخرى.\nوأرى أن الميدان نفسه ليس هو الذي أكسبه ذلك، ولكن كان هو المناسبة التي ظهر فيها هذا النوع الفريد، بهذا الموقف النادر. وهكذا كانت المهمة الجديدة- التي قد تكون جديدة وأكثر صعوبة مما ألفه- مظهرة مواصفات تلك التربية وصيغتها الكريمة. وهذا يعني أيضا أن الشعور بالمسؤولية والقيام بالتكاليف تستدعي ما يناسبها علوا وقوة وهمة. استجابة","vol":"1","page":105},{"text":"مع نوعية تلك المضامين والمضامير والمفاهيم الكامنة في ذلك البناء.\nمتناسبا مع تقديم تلك التكاليف والقيام بالواجبات الموكلة إليه، بأحسن نوعية من المستوى في التربية التي بها يستشعر المسؤولية ويستجيش المشاعر ويستدعي الطاقة بتمامها، حضورا أمام الله تعالى، مستمر التمرس والتمرن والتدرب على ارتقائها لقمّة أخرى. وهذا يشير إلى أن ذلك البناء كان من القوة بحيث يحتمل أية مهمة جديدة وتكليف قادم وعمل مرغوب لخدمة هذه الوجهة، مهما يتطلب من الهمة والقوة والمواصفات. ويجعله يحافظ ويلتزم بمستوى يبقي ذلك الواجب يؤدى بنفس تلك الصيغة والنموذج والمعدن.\nوهذا يعني أن الذين يتولون المهمات العامة- في هذا البناء والأجواء والمجتمع- تظهر فيهم تلك المواصفات، بصيغ تحافظ على النوعية، في مستواها الجديد مهما كانت مغرياتها وأثقالها وصعوباتها. وتظهر- رغم ذلك كله- أكثر قوة وازدهارا وإبهارا، كلما كانت أكبر وأشد وأقوى. وانظر إلى كل من تولى من الصحابة الكرام- ومن بعدهم لقرون، وحتى الوقت الحاضر، ودوما هي كذلك- مهمة في الحياة الإسلامية. وهي جميعا لها صيغها الإسلامية وتعليماتها وآدابها، فيأخذ بها.\nوكلما علت، تكثر فيها المواقف الأقوى والأعلى والأسمى، وتظهر وتبدي دقتها وترقيها، وتحرّج صاحبها ومحاسبته نفسه ومراقبة ذلك كله.\nومن هنا ورد عن بعض الصحابة إنهم كانوا يتركون الكثير من الحلال خشية الوقوع في الحرام.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-53> عصر النبوة وامتلاء ميادينه بالأعلام العالية:</span>\nوانظر عصر النبوة الشريفة كيف امتلأ بالأعلام، وليس كأي أعلام. فهم أعلام في المجتمع المسلم، فكيف في غيره، في كافة الميادين، مما يعتبر إلى هذا اليوم- ويبقى بعده كذلك- وسيبقون مثالا يحتذى حتى عند غير","vol":"1","page":106},{"text":"المسلمين. وكانوا قبل الإسلام مغمورين خائفين ضالين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٢- ١٠٣] .\nفهذا هو الجيل القرآني الفريد. ما كان أحد يحسّ بهم أو يحسب لهم حسابا، أي حساب، أو يسمع لهم صوتا. لكنهم بهذا الدين وحده غدوا القادة، لهم المحبة والتقدير والإعجاب حتى من عدوهم، فملؤوا سمع الدنيا وبصرها.\nفحازوا أعلى مكانة وارتقوا أشرف قمة، بعد أن كانوا لا يحيون إلا في تيه المنحدرات المظلمة. تم كل ذلك بهذا الدين وحده ولا يتم بغيره. والله تعالى يقول: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الأنبياء: ١٠] «١» .\nوحين قدم عمر الشام واستقبله القادة المسلمون (وهم من الصحابة، العرب) وقد «عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع خفيه فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره. فقال له أبو عبيدة: لقد صنعت اليوم صنعا عظيما عند أهل الأرض. فصك في صدره وقال: أوّه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله» «٢» .\nوإذا كان الإنسان المسلم من هذه النوعية، تظهر مكنوناته في المواقف والمواقع والمسؤولية، بما يتناسب ويتواكب معها من المراتب بعلوه وبفنونها ويعطوها السّمة الجديدة والصيغة الحميدة والصبغة الفريدة، بل ويفوقها.\n_________\n(١) الذكر هنا: الشرف. وانظر أدناه، ص ١٩٨.\n(٢) البداية والنهاية، ابن كثير، (٧/ ٦٠) . أخبار عمر، (٣١٦- ٣١٧) . تاريخ عمر بن الخطاب، ابن الجوزي، (١٧٤- ١٧٥) . مختصر منهاج القاصدين، (٢٤٩- ٢٥٠) .","vol":"1","page":107},{"text":"فإن العكس كذلك، إذا تولى وتولاها تظهره على حقيقتها في التدلي والتدني والتخلي، مهما ادعى وسعى وحمل لافتات العلم، فأين الثرى من الثريا؟\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-54> الحضارة والأصالة الإسلامية في الدعوة الربانية:</span>\nاستعرض ما تعرف من الصور المتردية قديما وحديثا. أما قديما فترد في هذا الفصل بالذات نماذج منها، حكاها الله ﷾ في القرآن الكريم. وحديثا أمامك هذه الحضارة أو المدينة المعاصرة. وانظر إلى حياتهم ومجتمعاتهم وتعاملهم، لا سيما من الداخل، كما يفعل أهل النظر الثاقب. ولو عرفت حالهم لجانبتهم وحذرتهم وتجنبتهم لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا [الكهف: ١٨] .\nفهذه المدنية التي ادعت التحضر والإنسانية والديمقراطية، لا تملك من ذلك مصداقية، حتى لو وجدت بعض الظواهر والمظاهر العابرة؛ لأن ما تدعيه ليس أصلا فيها، بل هو سطحي، طالما تلوثه وتحتال عليه وتمرغه، ولا يسعها غير ذلك ولا تتوقعه، فتلك طبيعتها الحقيقية وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ [إبراهيم: ٢٦] .\nوهذا بظهور ومنظور المجتمع المسلم، المسلم حقا، كما يريده الله تعالى.\nعلما أننا لا ننكر- بل نعرف ونقدّر تماما- الجهد العلمي الكبير الذي بذلته هذه الحضارة والنتائج التي وصلت إليها والثمار التي جنتها. وإن كان كل ذلك تم لها بعد اتصالها بالعالم الإسلامي، يوم استقام له الأمر بهذا الدين، رغم النكبات والنكسات والانحسارات التي ألمت به.\nوإن هذه الحصيلة التي وصلت إليها هذه الحضارة الحديثة كانت بدوافع نفعية بعيدة عن دين الله. ولذلك كان اقتباسها من العالم الإسلامي بعيدا عن مضامينه ومعانيه وأصوله من العقيدة الإسلامية والشريعة الربانية؛ لذلك كانت بلا جذور ولا قيم منظورة أو غير منظورة، لأنها بلا رقابة من قبلها ومن قبلها لله ﷾، مما جعلها تستبد وتغر وتتجبر بهذه النتائج","vol":"1","page":108},{"text":"التي مكنتها في ميدان، خلا من منافس لوقت ما.\nوترانا للأسف الشديد- مع كل ذلك- نستعين بأهلها ونطمئن إليهم ونترجاهم لمعاونتنا ونتوادد أو نتودد إليهم ونخنع لهم، على ادعاء أننا نعمل باستقلالية تكافئية لا خوف منها على مصالحنا. ونجري معهم الصداقات آمنين، رغم ما يكنونه للإسلام وأهله من حقد دفين وعداء غائر ورغبة في الانتقام الذي لا يبقي ولا يذر. يجري ذلك مع كل التحذيرات التي وعاها السلف الصالح وجهلها أو تجاهلها أو أهملها الخلف. ورغم الأمثلة والشواهد والأحداث التي ما فتئت تشرح ذلك دون توقف، من أقدم الأوقات وأول المواجهات على مدار التاريخ وحتى الوقت الحاضر، هي دائرة في مدارها مهما تبرقع ذلك كله وأمثاله.\nوفي القرآن الكريم آيات كثيرة ساقها الله ﷾ لنعيها ونتفهمها ونعمل بها. فيقول الله ﷾: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: ١١٨- ١١٩] .\nوحين نقارن أي وضع في أي من الحضارات- قديمها وحديثها، لا سيما المعاصرة منها- فإن هذه المقارنة لا تتم مقابل أوضاعنا الحالية بأي مقدار أو اعتبار أو منظار، لكنها تتم مع الحياة الإسلامية ماضيا ومستقبلا، إن شاء الله تعالى.\nإلّا أن هذه الحضارة أو المدنية المعاصرة- من الناحية الآخرى- كثيرا جدا ما استثارت في الإنسان حيوانيته، من كافة النواحي البشرية، وأخذت به إلى درك بعيد جدا عن إنسانيته، التي أرادها الله له أن تتحقق بهذا الدين.\nواستقرار واستمرار حالها المتردي تماما، لا بد أن يكون لها مثل هذه الثمار","vol":"1","page":109},{"text":"المرة الشؤوم، ما دامت بعيدة عن دين الله وشرعه. وسيبقى الأمر كذلك ما بقي هذا حالها، وهي تنتظر مصيرها الذي تحتمه سنن الله تعالى في مصائر الضالين، والتي بيّنها الله تعالى في القرآن العظيم ووضحها الرسول الكريم ﷺ في سنته المطهرة وسيرته الشريفة. تلك سنة الله التي لا تحيد. وهذه السنن هي التي لها الحتمية والوحيدة في نواميس هذا الكون والخليقة.\nإن كل التقنيات التي أبدعتها هذه الحضارة المعاصرة وأنجزتها تعتبر مهمة جدا ونافعة ومفيدة، لكن وجهها الآخر أنها ربما تكون أحد أسباب تحطيم البشرية ولهذه الحضارة نفسها والإجهاز على مستقبلها والإتيان على سعادتها؛ بما لديها من أساليب التدمير التي لا ترعى ولا ترعوي ولا تهتدي. وهذه هي طبيعة الجاهليات، القديمة والحديثة والمعاصرة وكل الجاهليات، ما قبل التاريخ وما بعد التاريخ وكل تاريخ، لأي قوم انتسبت وعلى أي أرض قامت وأي عصر تواجدت. وهي أيضا سلاح للتسلط والتحكم والعبث بالإنسان والمجتمع والعيث بالحياة وأهلها.\nوانظر ماذا يفعلون بنا وبغيرنا من البلاد الإسلامية، وقد فعلوا. حتى لقد أصبحت وكأن هذه الأفاعيل والأضاليل والمجاهيل سمة من سماتها ونتاج من نتاجاتها وأصل فيها لا تنفك عنها. ذلك لأنها لا تستمد تواجدها من أي قيم فاضلة تقوم على رضا الله تعالى وطاعته بشرعه المنير، بل من المصلحية والنفعية والأنانية، بحقدها الدفين وعدائها الشديد والاستصغار للآخرين وتسخيرهم لها. ومن لا يخضع لذلك فله الهلاك والتدمير. أمور عبر عنها الآخرون الذين ارتضوها وتابعوها وساروا في ركابها. وما يجري لنا مما ترتكبه فينا وفيما حولنا، لا يحتاج إلى مزيد من الأدلة.\nانظر إليها كيف تجمعت بكل شقاواتها وشقائها وضغائنها على المسلمين وكل عالمهم هذا وذاك وهنا وهناك واليوم وغدا. وهذا يؤكد تماما أن الضلال عن طريق الله تعالى وهديه المنير لا يقود إلا إلى الهلاك في الدنيا والآخرة سواء، ولا بديل. وهو واضح مؤكد في القرآن الكريم. رأيناه","vol":"1","page":110},{"text":"ونراه في تاريخ الأمم والشعوب، قديما وحديثا ودواما، خلال الأحداث وعلى تتابع الأجيال.\nولا يغير من الواقع شيئا، أن تفعل كل ذلك وتستثيره باسم العناوين التي تبنتها والشعارات والأسماء التي تزيّت بها وقبعت وراءها لتسوق كل أنواع الأنانيات إلينا ولغيرنا- وكان ذلك شأنها- بمراكبها التي صنعتها أو التي استأجرتها ومولتها، أطلقتها علينا حمما حارقة وألسنة نزقة وسهاما خارقة، مهما ادعت وتظاهرت وتباكت، فذلك ستار لا بد لها، نفاقا وإغراقا وإغداقا.\nفإلى متى نبقى نسير معهم- أو خلفهم- ونستدلهم على أمورنا، بل نتعرف طريقنا بهم؟ وهم الذين يريدون لنا الضّياع. فهل نبقى نستنصحهم حتى يوصلونا إلى الهاوية؟ عندها نجلس نولول ونندب وننتحب نادمين، ولات ساعة مندم.\nفما ينفعنا حتى لو عضضنا حتى العظم أو القضم أصابعنا، حسرة وألما وندما، كما جرى لنا في الحربين العالميتين، من خدعهم، أفرادا أو جماعات أو من دولهم. ولقد جربنا وعودهم المخادعة التي صدقناهم بها وغدراتهم البارعة. وكم ركنا إلى رباياهم (جمع: ربيئة طليعة)، أمثال: لورنس العرب «١» والحاج عبد الله فيلبي «٢» الذي كان مثل آخرين\n_________\n(١) هو) (الشهير: لورنس العرب (١٨٨٨- ١٩٣٥ م) . ضابط وكاتب بريطاني، قاتل في صفوف العرب (المسلمين) في الحرب العالمية الأولى، مشاركا في قيادة الثورة العربية الكبرى (١٩١٦- ١٩١٨ م) ضد الدولة العثمانية المسلمة (الأتراك) في الحجاز وفلسطين.\n(٢) هو: هـ. سنت جون فيلبي ١٩٦٠ -١٨٨٥) (PHILBY (H.ST.JOHN) م) الشهير: الحاج عبد الله فيلبي!!؟ الذي ادعى الإسلام وعاش يخدم بريطانيا منذ أيام الحرب العالمية الأولى في العراق والبلاد العربية لا سيما الجزيرة العربية. وقد توزع هو ولورنس وغيرهم الأدوار لخدمة بريطانيا، وكل بأسلوب. قارن: المستشرقون، (٢/ ١١٦) .","vol":"1","page":111},{"text":"تظاهروا بالإسلام، ابتداء من ابن السوداء حبر يهود عبد الله بن سبأ إلى كثير من المعاصرين من الغربيين. وقل مثل ذلك في تجمعاتهم ودول حلفائهم.\nوهذه معاهدة سايكس- بيكو «١» السرية شاهدة.\nولقد بلغت سياسة الغافلة أو التغرير ليس فقط أننا صادقناهم وتابعناهم، بل رضينا أن نقف معهم أو بل دونهم- وهم الأعداء- ضد إخوتنا المسلمين (العثمانيين)، كي يعطونا حقوقنا!! كيف ذلك؟ وهُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤] «٢» . واليوم منا من يقوم لهم بما يريدون ويتمنون وزيادة، بل وأكثر مما يرغبون!!؟\nوكل مرة نجرب ونعود نجرب. وهكذا وهكذا، حتى يظهر المستور وينكشف المخبوء وينجلي المضمور. ومع ذلك ترانا حولهم ندور! فما يمكن أن نسمي ذلك؟ أهو ... أم هو ... أم ماذا؟\nإن مقتضى الأخذ بالإسلام أن يكون الولاء له صافيا وكاملا وخالصا، وينبذ كل صلة أخرى، ونعرف هؤلاء. ولا يعني ذلك أننا نعلن الحرب عليهم، دون سبب بين، بل الواجب ألّا نثق بنواياهم، ولا نواليهم أو نعتمد عليهم في أمورنا، وإن تعاملنا معهم، فهذه المعرفة لا تفارقنا. والسيرة\n_________\nولقد ذكر لي والدي- رحمة الله عليه- أنه رأى- وهو يافع- قبيل أو خلال (أثناء) الحرب العالمية الأولى، أكثر من واحد من الإنجليز قدموا إلى مدينتنا- المقدادية (شهربان)، ديالى- على أنهم مسلمون. وأحدهم أقام في مسجد المدينة وأقبل الناس عليه فرحين بإسلامه، وكان يعرف العربية. ولما وصل الإنجليز- وكان لهم ربيئة (مقدمة لقومه للهجوم) - ترك المكان فجأة، فما عرفوا عنه شيئا واختفى سريعا. والظاهر أنه كان ضابطا، مقدمة لقومه.\n(١) وهي المعاهدة السرية التي عقدت بين بريطانيا وفرنسا عام (١٩١٦ م) على توزيع البلاد العربية وجعلها مناطق نفوذ لهم، مكافأة (أو معاقبة) على وقوف العرب (المسلمين) مع الحلفاء (الأعداء المشركين) ضد الدولة العثمانية المسلمة.\n(٢) أَنَّى يُؤْفَكُونَ: كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل.","vol":"1","page":112},{"text":"النبوية الشريفة مليئة بالعظات الموجّهة الغنية في كل هذه الأمور وغيرها.\nفانظر وقارن واقتد بحنكة وحكمة تليق بالمسلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-55> الصحابة والولاء للإسلام:</span>\nكان الولاء للإسلام واضحا في سلوك الصحابة الكرام، لا يعرفون غيره، وعلى أساسه توزن الأمور وتتخذ المواقف وتتجه النصرة مهما كانت.\nبه يقيسون كل الأمور، يهرعون إلى كل ما يرضي الله تعالى وحسب شرعه، يتحرونه ويقبلون عليه. وكان بناء كل فرد في المجتمع على هذه الأسس الرصينة الصّلبة البالغة، وفي النهاية المجتمع كله كذلك، وفي أشد الأمور وأصعبها وأكثرها تضحية وبذلا.\nفانظر كيف قاتل المسلمون (العرب) المشركين (العرب)، وكان فيهم إخوانهم بل وآباؤهم وأهلوهم، ومع ذلك كانت المواجهة واضحة والمفاصلة مكشوفة والمقاتلة شديدة. والمسلمون لا يفعلون ذلك جهلا بأي معنى كريم- وهم أهله وأولى به من كل أحد- بل على العكس، المسلم من أحفظ أناس للرّحم وكل صلة كريمة وكافة الروابط الخيرة البرّة. لكن تلك كلها مرتبطة بميزان الإسلام وحده وشرعه ومفاهيمه، وإن كان أحدهم ليتمنى أن يهتدي هؤلاء جميعا، كما رجا أبو حذيفة متألما عند مقتل أبيه كافرا في بدر: عتبة بن ربيعة. إذ كان يأمل بإسلامه (ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ... كنت أرجوه له) «١» . وأبو حذيفة هذا هو زوج سهلة «٢» بنت سهيل بن عمرو\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٦٤٠- ٦٤١) . أسد الغابة، (٦/ ٧١- ٧٢) . قارن: سير أعلام النبلاء، (١/ ١٦٥) .\n(٢) أسد الغابة، (٧/ ١٥٤- ١٥٥) . وأبو هاشم (أخ لأبي حذيفة) بن عتبة أخو مصعب لأمه: سير أعلام النبلاء، (١/ ١٦٦) .","vol":"1","page":113},{"text":"(المستحاضة) . أسلمت قديما وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة وولدت فيها ابنهما محمدا.\nودعوة الآخرين إلى الإسلام وهدايتهم هو هدفهم، بعد ما هداهم الله تعالى له الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] .\nلكنهم حين أصروا على مقاتلتهم واجهوهم.\nفإذا ما أخذنا الصور الفردية، فمع كل فرد من الصحابة الكرام صورة في هذا وموقف وشاهد، مثلما في كل الأمور الآخرى، تجدهم دائما عندها.\nلأنها جميعا تصدر من هذا البناء، البناء الذي هو الأساس في قيام هذا المجتمع المثال بهذا المنهج الرباني الكريم. وهو لا يأتي إلا بالخير في أي حال ووضع وموقف أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] .\nونأتي الآن لتقديم بعض الأمثلة المعبرة عن هذا المعنى، واجعلها للجميع أفرادا وجماعات ومجتمعات ودولة، سلما وحربا وفي كل حال، ومهما كانت تفوّت من منافع أو تقدّم لهم من مغريات أو إغراآت الآخرين لهم أو تغريرهم بهم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-56> أسلموا وأهلهم أعداء:</span>\nفكم من المسلمين- نساء ورجالا- أسلموا، ولهم من أسرتهم- ربما آباؤهم وإخوانهم- من أكبر أعداء الإسلام ومحاربيه، ويقودون ذلك ضد كل من أسلم. ونال هؤلاء الذين أسلموا منهم أشد أنواع النكال والتعذيب والحرمان. وكان هؤلاء المسلمون- فوق ذلك كله- يدعون أهليهم إلى دين الله تعالى. من أمثال: حنظلة الغسيل (غسيل الملائكة وشهيد أحد) بن أبي","vol":"1","page":114},{"text":"عامر الفاسق. فكان أبوه هذا الفاسق يوم أحد مع المشركين «١» وابنه حنظلة يقاتل المشركين- ومعهم والده- ناصرا دعوة الله تعالى، حتى استشهد فيها، ومن أوائلهم.\nوعبد الله (الابن) بن عبد الله بن أبيّ بن سلول الخزرجي، كان أبوه رأس النفاق في المدينة المنورة، وبه عرف. أما ابنه (عبد الله الابن) فكان من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيّره النبي ﷺ وسماه عبد الله. واستمر هذا يجاهد مع الرسول الكريم ﷺ، واستشهد يوم اليمامة «٢»، في قتال مسيلمة الكذاب. ومن مواقفه (الابن) أنه وقف ضد أبيه حين عاد المسلمون من غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، التي حدثت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة «٣» .\nكذلك أخته رملة بنت عبد الله بن أبي بن سلول الأنصارية وأبوها رأس المنافقين، أسلمت وبايعت الرسول الكريم «٤» ﷺ. وكذلك أختها جميلة بنت أبي بن سلول، وكانت زوج حنظلة الغسيل «٥» .\n_________\n(١) كان هذا الفاسق يسمى في الجاهلية الراهب، وقد حسد- مع ابن سلول- رسول الله ﷺ على ما منّ الله به عليه. وأما حنظلة فهو من سادات المسلمين وفضلائهم. وسار للجهاد إلى أحد صباح ليلة عرسه فاستشهد فيها فغسلته الملائكة، فأصبح هذا اسما عرف به ويدل عليه. أسد الغابة، (٢/ ٦٦- ٦٧) .\n(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٢١) . ولعبد الله الابن مواقف كثيرة رائعة رائقة. انظر: أسد الغابة، (٣/ ٢٩٦- ٢٦٨) .\n(٣) هناك نقاش في تحديد تاريخ هذه الغزوة، والذي يبدو أن التاريخ المذكور يكون هو الصحيح الذي اعتمده العديد، وأن معركة الخندق كانت بعدها، حيث جرت في شوال السنة الخامسة للهجرة. سبل الهدى، (٤/ ٥٠٢- ٥٠٣) . زاد المعاد، (٣/ ٢٥٦- ٢٦٩) . قارن: سيرة ابن هشام، (٣/ ٢١٤، ٢٨٩) . الذي جعل المريسيع في شعبان السنة السادسة للهجرة واتفق على تاريخ الخندق شوال السنة الخامسة للهجرة.\n(٤) أسد الغابة، (٧/ ١١٧) . والأمثلة في هذا كثيرة ووفيرة جدا، من الرجال والنساء.\n(٥) أسد الغابة، (٧/ ٥١) .","vol":"1","page":115},{"text":"وأبو جندل من المسلمين الأوائل. وأبو سهيل بن عمرو، الذي كان خطيب قريش وفصيحهم ومن أشرافهم، أسلم فيما بعد، يوم فتح مكة (٨ هـ) «١»، واستشهد يوم اليرموك (١٥ هـ) «٢» . وكان رئيس وفد مفاوضي قريش في صلح الحديبية، في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة «٣» . وسهلة- كما سبق ذكره- أخت أبي جندل بنت سهيل بن عمرو كذلك، وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة «٤»، وأخوها عبد الله بن سهيل بن عمرو، من فضلاء الصحابة، أسلم قديما في مكة وهاجر إلى الحبشة واضطرّ أن يكتم إسلامه، وخرج إلى بدر مع المشركين، فانحاز إلى رسول الله ﷺ «٥» .\nوهذه الظاهرة- إسلام أفراد من أسرة عرفت بعداوتها للإسلام- تشمل النساء كذلك، رغم صعوبة ذلك على المرأة. فأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي أسلمت بمكة قديما، وقد صلّت القبلتين وبايعت رسول الله ﷺ «٦» . وهاجرت إلى رسول الله ﷺ عام الحديبية، وسارت من مكة إلى المدينة ماشية (نحو ٥٠٠ كم)، فسار أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة خلفها ليردّاها، فمنعها الله تعالى منهما. وكانت كل أسرتها تحارب الإسلام أقسى الحرب، ولا سيما أبوها كان من أكبر أعداء الإسلام طوال العهد المكي، فاذى رسول الله ﷺ أشد الإيذاء، وخرج في بدر مع المشركين يحارب الله ويحارب رسوله وقتل فيها في (١٧) رمضان السنة الثانية للهجرة الشريفة «٧» .\nوهذه أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، المهاجرة إلى الحبشة، زوج رسول الله ﷺ، ورضي الله عنها، أسلمت قديما بمكة\n_________\n(١) أسد الغابة، (٦/ ٥٤) .\n(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ١٩٤) .\n(٣) زاد المعاد، (٣/ ٢٨٦- ٣١٥) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٣٠٨) وبعدها.\n(٤) سبل الهدى، (٥/ ٥٧) وبعدها، (١٤٨) .\n(٥) أسد الغابة، (١/ ٢٧١) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٧٦) .\n(٦) أسد الغابة، (٧/ ٣٨٦) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٧٦) .\n(٧) سيرة ابن هشام، (١/ ٧٠٨) .","vol":"1","page":116},{"text":"وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها، الذي توفي هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ. عقد ﷺ عليها سنة ست بعد الحديبية وهي بالحبشة. أسلمت وكانت أسرتها تحارب الإسلام، حتى أبوها، وإلى أن أسلم في فتح مكة، في شهر رمضان السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة.\nوانظر موقفها من أبيها يوم جاء إلى المدينة بعد صلح الحديبية ليؤكده، لنقض قريش العهد جهارا نهارا «١» . ورفض المسلمون جميعا التحدث معه، حينما لا حظوا أن الرسول ﷺ أعرض عنه. وذهب إليها يستنجد بها، فلم تستقبله يومها فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ، طوته دونه. فقال:\nيا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟ قالت: بل فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ «٢» .\nوفي معركة أحد (منتصف شوال السنة الثالثة للهجرة الشريفة) كان الذي يحمل لواء رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وهو من بني عبد الدار «٣» .\nوالمشركون يحمل رايتهم بنو عبد الدار «٤»، وفيهم من إخوة مصعب.\nواستشهد مصعب في أحد «٥» .\nكان مصعب أترف (أرق) وأنعم وأعطر غلام في مكة يضرب به المثل في لبسه ودلاله، حتى في الذي كان يستعمله «٦»، فكان فتى مكة جمالا\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (٢/ ٣٩٥) .\n(٢) سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٢٢- ٢٢٣) . سيرة ابن هشام، (٢/ ٣٩٦) .\n(٣) أسد الغابة، (٥/ ١٨٢، ١٨٤) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٧٣) . جمهرة أنساب العرب، (١٢٦) . الاستيعاب، (٤/ ١٤٧٥) . وكان مع مصعب أخوه أبو الروم، قديم الإسلام ومن مهاجرة الحبشة واستشهد في اليرموك (١٥ هـ) .\n(٤) سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٨) . مغازي الواقدي، (١/ ٢٩١) .\n(٥) سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٨) . مغازي الواقدي، (١/ ٢٩١) .\n(٦) الاستيعاب، (٤/ ١٤٧٤) . أسد الغابة، (٥/ ١٨٢) . سير أعلام النبلاء، (٦/ ١٤٧) .","vol":"1","page":117},{"text":"وتيها «١» . وقال فيه رسول الله ﷺ، إذ وقف عليه حين رآه في ميدان المعركة يوم أحد، وهو منجعف (مصروع) على وجهه شهيدا «٢»، بعد أن استشهد، وكان لا يملك غير بردة (نمرة) لا تكفيه غطاء، إذا غطّي رأسه خرجت رجلاه وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه «٣»، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة ولا أحسن لمة منك، ثم أنت (اليوم) شعث الرأس في بردة» «٤» .\nدقق في حياته، أسلم بعد ذلك الترف كله، الذي كان يتمناه الآخرون، إعجابا بجماله ومكانته وغناه، حرم وسجن ثم هاجر إلى الحبشة الهجرتين وعاد إلى مكة متابعا جهاده. «كان من فضلاء الصحابة وخيارهم، ومن السابقين إلى الإسلام. أسلم ورسول الله ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرا، فبصر به عثمان بن طلحة العبدري يصلي، فأعلم أهله وأمه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسا إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد من الحبشة إلى مكة، ثم\n_________\n(١) نفسه.\n(٢) أسد الغابة، (٥/ ١٨٣- ١٨٤) . طبقات ابن سعد، (٣/ ١٢١) .\n(٣) أخرجه البخاري (رقم ١٢١٧، ورقم ٣٨٥٤) عن خباب بن الأرت، قال: (هاجرنا مع النبي ﷺ ونحن نبتغي وجه الله، فوجب (فوقع) أجرنا على الله، فمنا من مضى أو ذهب، لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يترك إلا نمرة (بردة- ثوبا)، كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطيّ بها رجلاه خرج رأسه. فقال النبي ﷺ: «غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر» . أو قال: «ألقوا على رجليه الإذخر» . ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) . البردة: كساء صغير مربع، وقد يكون مخطط، يلتحف به. جمعها: برد وبرد (أما البريد، فجمعها: برد) . النمرة: كساء فيه خطوط بيض وسود، جمعها: نمار. يهدبها: يجتنيها ويقطفها. انظر: الاستيعاب، (٤/ ١٤٧٥) . مغازي الواقدي، (١/ ٣١٠) . أسد الغابة، (٥/ ١٨٣) . سير أعلام النبلاء، (١/ ١٦٤- ١٤٨) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٦٤، ٩٨، ١٦٤) . طبقات ابن سعد، (٣/ ١٢١) .\n(٤) مغازي الواقدي، (١/ ٣١١) . قارن: طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٧) .","vol":"1","page":118},{"text":"هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى ليعلّم الناس القرآن، ويصلي بهم» «١» .\nوكان مصعب خلال ذلك كله مثالا في الصبر والاحتمال والتضحية والإقدام والإقبال والأخلاق وقلة الخلاف «٢» .\nكان أول المهاجرين إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى (الصغرى) وعودة الأنصار الاثني عشر المبايعين إلى المدينة في ذي الحجة السنة الحادية عشرة للبعثة الشريفة. وقد أرسله النبي ﷺ إليهم (أو معهم) وإلى المدينة، حيث «بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى، يفقّه أهلها ويقرئهم القرآن (ويعلّمهم الإسلام)، ويفقههم في الدين» «٣» . فكان منزله على أسعد بن زرارة «٤» . وكان مصعب إنما يسمى بالمدينة المقرئ. يقال: «إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة.\nوأسلم على يده العديد، منهم ثلاثة من أئمة الأنصار وسادتهم وأعلامهم، كلهم من بني عبد الأشهل الأوسيين «٥»، وهم عبّاد بن بشر «٦»، وأسيد بن حضير «٧»، وسعد بن معاذ «٨» . وكفى بذلك فخرا وأثرا في الإسلام» «٩» .\nوعاد مصعب إلى مكة مع السبعين الذين وافوا يومها رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الثانية (الكبرى) في ذي حجة السنة الثانية عشرة للبعثة الشريفة.\nوكان مصعب أول من زار رسول الله ﷺ قبل أهله، فما كان ليبدأ بأحد قبل\n_________\n(١) أسد الغابة، (٥/ ١٨١) . الاستيعاب (٤/ ١٤٧٤) . طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٦) .\n(٢) انظر: طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٦) .\n(٣) سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٤) .\n(٤) عن أسعد بن زرارة، انظر: سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٩٩) .\n(٥) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٣٧) .\n(٦) نفسه.\n(٧) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٤٠) .\n(٨) سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٧٩) . انظر: أدناه، ص ٢٢١ وبعدها.\n(٩) أسد الغابة، (٥/ ١٨١) . سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٤) .","vol":"1","page":119},{"text":"رسول الله ﷺ. فسرّ به وبما حمل إليه من الأخبار في إسلام الأنصار «١» . ثم عاد إلى المدينة لهلال ربيع النبوي (الأول)، وذلك قبل مقدم رسول الله ﷺ باثنتي عشرة ليلة «٢» . واستمر في المدينة يعمل لخدمة الإسلام، لم يدع فرصة لذلك. وشهد كل المشاهد مع رسول الله ﷺ. وفي بدر، كان لواء رسول الله ﷺ الأعظم يومئذ- لواء المهاجرين- مع مصعب بن عمير «٣» .\nوكذلك الأمر كان في أحد «٤»، يقاتل بها حتى سقط. ولما أخذها أخوه أبو الروم «فلم يزل في يده حتى دخل به المدينة حين انصرف المسلمون» «٥» .\nوكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم «٦» (أخت مصعب) زوج الحجاج بن علاط السّلمي، أقبلت على هذا الدين العظيم دين الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-57> الإيمان وتكاليف تربيته:</span>\nالمسلم- ولا سيما جيل الصحابة الكرام- يظهر جوهره ناصعا متلألئا فريدا، كلما كلفته وأسندت إليه تبعة وعركته المراتب. فكأن هذه التكاليف\n_________\n(١) طبقات ابن سعد، (٣/ ١١٨- ١١٩) .\n(٢) نفسه.\n(٣) طبقات ابن سعد، (٢/ ١٤) . مغازي الواقدي، (١/ ٥٦، ٥٨) . سيرة ابن هشام، (١/ ٦٤٦) . ويذكر ابن هشام هنا: أن أبا عزيز (أخو مصعب، لأبيه وأمه) كان صاحب لواء المشركين، وقع أسيرا بيد المسلمين. ولما رآه مصعب قال لآسره: تمسّك بفديته فإن أمه ذات متاع. فقال له: يا أخي أهذه وصاتك بي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك. سيرة ابن هشام، (١/ ٦٤٥) .\n(٤) سيرة ابن هشام، (٣/ ٧٣) . مغازي الواقدي، (١/ ٢٢١، ٢٢٥) .\n(٥) مغازي الواقدي، (١/ ٢٣٩) .\n(٦) مغازي الواقدي، (٢/ ٧٠٢) . والحجاج هذا أسلم والرسول ﷺ في خيبر، سيرة ابن هشام، (٣/ ٣٤٥- ٣٤٧) . كنت قد اطلعت في أحد المصادر التي تذكر أن أم شيبة أخت مصعب، ثم وجدت في سيرة ابن هشام (٣/ ٣٤٥) أن ابن إسحاق يجعل أم شيبة زوجة للحجاج هذا، لكنها ليست أخت مصعب. ولا يمكنني التأكد من ذلك؛ لبعد المصادر عن متناول يدي الآن.","vol":"1","page":120},{"text":"تتيح له مجال المران على القوة وتدربه على التعامل بتربيته وتثبت فاعليته ما أخذ به نفسه، حتى لكأنه كان ينتظره ويريده ويبحث عنه ويترقبه، بشوق يجد فيه ضالته. واستعداده في ذاته لا حدود له. وهو أكثر إقداما كلما كان أعلى وأقوى وأخطر، ومهما أحاطت به الأخطار من كل نوع، والمغريات وحتى الشهوات، شهوات النفس الفطرية. حيث إن هذه تربت بهذا الدين واستقامت واعتلت مقاعد وقواعد الإيمان النقي التقي الأصيل والأبي السّني القوي بالله تعالى ودعوته وبنبيه الكريم ﷺ.\nولقد كان الرسول الكريم ﷺ يكلف الصحابة الكرام ويحملهم جميعا، وبشكل طبيعي وبإنسانيته وانسيابه المتساوق. فتراهم يقبلون متلهفين ويقبلون. فكان ذلك أحد أساليب التربية الجادة العميقة والتعليمية المتريثة المترتبة والتقوية المتثبتة.\nفكان يكلف المسلمين، بشكل قوي ومكلف ومجهد. ولولا تلك التربية بهذا الدين، لما كان ممكن أن يستجيب أحد منهم ولا فرد واحد، بينما الذي يحدث أنه لا يتخلف أحد منهم، ومع التخيير، كما حدث في غزوة عبد الله بن جحش (رجب- شعبان سنة ٢ هـ) .\nبل ويستجيبون وهم في حالة لا ينتظر معها الاستجابة من أي أحد، لكنهم جميعا سارعوا بفرح وعزم وحرص، كما حدث في غزوة حمراء الأسد (١٦ شوال السنة الثالثة للهجرة)، في اليوم التالي ليوم أحد وجراحهم ما زالت بدمائها تسيل. ولم يخرج فيها إلا من كان في أحد. ولم يسمح ﷺ لأحد غيرهم بالخروج، وقد أرادوا فردّوا. وكان ﷺ في مقدمتهم، رغم ما حدث له يوم أحد.\nبل كانوا إذا ندبوا لشيء يقدّمون أكثر مما يطلب منهم، مثلما جرى في الهجرة والنصرة والمؤاخاة. بل العقبة يتقدمون إلى قمة نافلة، بل لم يطلب منهم فيها شيء. كما حدث في بيعة العقبة الكبرى في السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية الشريفة- بجانب فرحهم بأعبائها التي تقتضي أن يقدّموا أموالهم فداء","vol":"1","page":121},{"text":"وأشرافهم أشلاء- حيث بعد هذه البيعة في مكة (منى) أرادوا مقاتلة قريش فمنعهم الرسول الكريم ﷺ إذ لم يكن قد أذن بالقتال.\nفالإيمان بالله تعالى ودعوته بطبيعته، يستجيش كل الطاقات الإنسانية بأعلى صياغة وأنقاها وأجودها، يغذيها ويقويها ويعليها لتقوم، وينشطها على شرعه بمنهجه الفريد الجديد ويوفرها ويولدها.\nفإن الله تعالى لا يأخذ أهل الغواية والضلال والشرك إلا بعد أن يظهر الحق أوضح ما يكون لكل أحد، وتظهر حجته كاملة قوية لهم ولا يبقى إلا العناد. فإذا ما أعرضوا أخذهم وخذلهم وهزمهم.\nوكان هذا الجيل وأمثالهم إذا استعدّوا لشيء وقالوه أعلنوه، لا ينكصون عنه أبدا بل يزيدون. وهذه إحدى صور الوفاء عند المسلم، الذي لا ننتظر غيره، مثلما لا ننتظر من غيرهم إلا الغدر والنكث والخلف إن لم يكن الاعتداء. ولا يعرفون غيره، وإن وفّوا فلمصلحة. وإنّ بعض مظاهر الوفاء التي تبدو على غير المسلمين ليس لها أصالة أو حقيقة أو جذور، ولذلك توقع الغدر، فهم حسب أهوائهم وعداوتهم وولاآتهم ومصالحهم. وهذا التاريخ الإسلامي منذ أيام الرسول الكريم ﷺ وإلى ذهاب خلافة الإسلام (العثمانية) - بدايات القرن العشرين- كله وفاء، لكن ائتوني بحادثة وفاء واحدة لدى أمم الحضارة، فيها وفاء حقيقي أصيل ملتزم.\nأما التاريخ الحديث الذي نذكره، فكل يوم ترى على مسارحهم جديدا من هذه الصور الكالحة الفاضحة الموبوءة. ولكنهم يسيرون بكبرهم وتجاوزاتهم، التي غاب من أمامه أهل الإيمان والجهاد والفداء، بل وحكموا بالزيف والخديعة والادعاء. كما وجدوا أمامهم غفلة وأهواء ومظاهر خادعة. وسلوك الإنسان دليل على نوعيته وحقيقته ومعتقده. ومن هنا قال الرسول الكريم ﷺ: «الدين المعاملة» «١»، أي: من ثماره حسن\n_________\n(١) مشهور، رواه العديد.","vol":"1","page":122},{"text":"المعاملة للجميع. وقال ﷺ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «١» .\nفابتداء من معاهدة سايكس- بيكو وما تلاها وحتى اليوم، سيبقى الأمر كذلك حتى يأتي أمر الله تعالى، يوم تأتي أجناد الخير الأطهار ورايات الحق المنير ومواكب الدعوة المباركة إن شاء الله تعالى، غير بعيد في الآفاق.\nوكان من أساليب تربية الرسول الكريم ﷺ للصحابة، ارتقاء بهم لتأدية المهمات الإيمانية- ودوما كلها كذلك- والتزاماتها، باستيعاب واستيفاء واهتمام، يفرحون بها ويتقدمون لها ويقبلون عليها، متنافسين مسارعين متكاثرين لإنجازها، أنه ﷺ يبدأ بنفسه الشريفة، بل وبأشق الأجزاء والمراحل والأعباء منها، يحثهم ويندبهم ويشجعهم لها، وهو في مقدمتهم جميعا. وربما يكلفهم بأمر أو يسأل القيام به بشكل عام، ويتولى ذلك من يستعد. وقد تكون شروط، كما جرى في أحد وإعطاء السيف لأبي دجانة. وقد يؤجّل من يتقدم، كما جرى للزبير بن العوام في الخندق، وقد يختار من يريد، كما جرى لحذيفة بن اليمان في الخندق وكذلك لعلي بن أبي طالب في خيبر.\nوفي دراستنا لهذه السيرة الشريفة نحاول أن نستشف ونكتشف ونتفهم ونتعلم ذلك، فيما نراه ونشهده ونلحظه، ونحاول أن نكتشف ما هو مثل المجاهل المتنوعة.\nوهذا الالتزام الإسلامي والترقي في سلّم منهجه وتربيته كانت وهي غير مرتبطة بأي اعتبار إلا طاعة الله تعالى: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٢» . و«اسمعوا وأطيعوا ولو إلى عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» «٣» .\n_________\n(١) رواه أحمد والترمذي.\n(٢) رواه الإمام أحمد.\n(٣) ورد بصيغ متنوعة عند البخاري ومسلم وغيرهما.","vol":"1","page":123},{"text":"وهذا أبو بكر حين تولى الخلافة واستعد لقتال المرتدين، أبى عليه بعض الصحابة، فقال كلمته المشهورة: (والله لأقاتلنهم وحدي ما استمسك السيف بيدي، أو ينقص هذا الدين وأنا حي) «١» .\nوكنت في أشد المواقف وأصعبها، التي ممكن أن تغلب النفس على ما فيها واعتادته أيام الراحة والسلم والهدوء، أيام الحروب والشدائد وكذلك الإغراء، تراهم يلتزمون بدون أية رقابة، بلا رقابة. إنها رقابة الله تعالى التي تقود النفس (جميعها) إلى رقابة الذات.\nفكان ذلك الجيل القرآني عجبا من أعاجيب هذا الدين، في قوته والتزامه وفي وفائه لله تعالى. وكأنه كلما تقدم ويتقدمون في الحياة يزدادون التزاما وحفاظا وتمكينا لما تعلموه وتربوا عليه وعيّشوه في نفوسهم، حتى بعد وفاة الرسول ﷺ. ولذلك لا تكاد تجد أحدا من الصحابة الكرام قد تهاون- حتى بعد وفاة الرسول ﷺ- فضلا عن أن يكون قصر أو انحرف. وهذا معلم من معالم السيرة النبوية الشريفة وعجيبة أخرى من عجائبها وعجائب هذا الجيل القرآني الفريد.\nوالسيرة أمامنا نستقي منها مطلوبنا وقياسنا، آثار الإسلام في ذلك الجيل القرآني الفريد، ونقتفيه ونأخذ منه ونجعله المثال في الحياة وحمله هذه الأمانة وأدائها، وكذلك في دراسته السيرة الشريفة وآثاره. نرى ذلك في شرائحها المتنوعة، ومنها نستنبط رسم الصورة نتطلع إليهم، مقياسا وميزانا ومثالا، فيما يمكن أن يعود إليه المسلم من الترقي والإقدام والالتزام بهذا الدين ومنهجه الحكيم.\nوالآن- بعد هذا التجوال في مرابع السيرة الشريفة ورياضها- نعود لنبني عليه. إنه كلما تقدم أحد في الحياة وتقدم لأمور المسؤولية تظهر قوته\n_________\n(١) أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي (١٦٣) .","vol":"1","page":124},{"text":"ونوعيته وتربيته السنية السوية القوية. وعليه فإن العلماء والقادة والخلفاء تظهر نوعيتهم وهم في الموقع والموقف أكثر، مثلما تظهر ببهائها كلما كبرت هذه المسؤولية، مهما كانت إغراآتها وانبهاراتها ومثقلاتها. ولا يفلح في ذلك أبدا إلا الفالحون المفلحون الذين تولوا كتاب الله تعالى، وجعلوه منهجا وحيدا لهم في حياتهم، إيمانا واحتسابا، واستقبلوا السنة الصحيحة منبعا وسيرته ﷺ، موئلا وقدوة.\nوانظر إذا إلى كل من تولى مسؤولية لترى كيف عمل العجائب التي لا تتم إلا بهذا الدين، أفرادا كانوا أو جماعة أو مجتمعا، جنودا وقادة حكاما ومحكومين، نساء ورجالا وأطفالا وشيوخا صغارا وكبارا، حيثما أتيتهم، مكلّفين من أحد أو متطوعين، مهمات علمية أو سلمية أو حربية. وقد تجدهم بحال لم يمكن أن تعرف أو حتى تتوقعه منهم قبل توليهم. انظر أبا عبيدة والهدية التي أتته من الروم- خلال فتح الشام- فرفضها، إلا أن يعطى أفراد الجيش مثلها!!! وانظر القادة والعلماء والخلفاء كانوا وقّافين في كل أحوالهم عند كتاب الله تعالى.\nوهؤلاء الخلفاء الراشدون مثلا ظهرت قوتهم في الأخذ بهذا الدين أكثر والارتقاء إلى قمم جديدة بعد توليهم الخلافة. وإذا كان ما يزال الحديث مستتبعا عن عمر، فانظر صنائعه في رعايته الناس وتواضعه وإحساسه بالمسؤولية عنهم- أمام الله تعالى- إلى حدّ أن علي بن أبي طالب- الذي كان أحد مستشاريه- قال له يوما: يا أمير المؤمنين لقد أتعبت الخلفاء من بعدك.\nانظره (عمر) كيف يرفض إلا أن يحمل هو نفسه الطحين للمرأة وأولادها الجائعين، قائلا لعامله: أأنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ ثم لا يتركهم إلا بعد أن يراهم قد أكلوا وشبعوا. بل إنه منع ابنه عبد الله بن عمر أن يرعى إبله- مثل غيره من عموم الناس- في مراعي الدولة، فقد يكون يجوز أكثر مما له من ذلك لأنه ابن الخليفة.\nوكانت خشية الله تعالى وعقابه وطلب رضاه ماثلا أمامهم حيا في","vol":"1","page":125},{"text":"نفوسهم، نديا في وجدانهم، وقدوتهم في ذلك كله رسول الله ﷺ، الذين كانوا ملازمين له ﷺ، باذلين غاية الجهد في كل شيء لتحري سيرته ﷺ في كل الأمور، ويأتون منها ما استطاعوا.\nوكان ﷺ في كل أمر يبدأ بنفسه، ولا يميزها في الواجبات، بل ويحمّلها أكثر، في العبادة والقيادة بالأعمال والأعباء. والقصص كثيرة جدا إلى حدّ أنه توفي ﷺ ولم يشبع آله من لحم وخبز، وكان يمر الشهر والشهران وما يشعل في بيت رسول الله ﷺ نار. وحين لحق ﷺ بالرفيق الأعلى كانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (أقل من مئة كيلو غرام) «١» طعاما لأهله يأكلونه.\n_________\n(١) رواه البخاري، عن أنس بن مالك. انظر: السيرة النبوية، الذهبي، والسيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٦٥٢) . وتكمن في هذه الحادثة لفتة بارعة وناصعة وفذلكة رائعة ومعنى إضافي كريم. ذلك أن يهوديا يقرض رسول الله ﷺ كيسا من شعير ويرتهن مقابل ذلك درعه ﷺ لديه، ولا بد أن اليهودي هو الذي طالب به من الرسول الكريم ﷺ الذي يعرف صدقه وأمانته ونبوته، وهو يفعل ذلك رغم ثقته المؤكدة بالإسلام ورسوله الكريم ﷺ والمسلمين. فاقرأ قول الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] . الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ٢٠] . واليهود جميعا- وأهل الكتاب- يعرفون ذلك عن كثب ومن كتبهم وبالتجربة الواضحة المتكررة البديهية، الذي منه أن اليهود لم يكونوا مضطهدين في المجتمع الإسلامي المدني، بل لهم الأمن والحرية، وهو أمر ممتد على مدار التاريخ الإسلامي. فإنه بكل حرية طلب هذا الرهان- ولا أدري تماما لأي سبب فعله- وممن؟ من رسول الله ﷺ، وأعطيه، كما أراده. وهذا كله يشير إلى نوعية الحياة التي كان يحياها هو وأمثاله وكل غير المسلمين في المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، رغم مواقف اليهود العدائية من الإسلام وأهله ورسوله ﷺ. فأين الذين يولولون متخوفين ومحذرين من حكم الإسلام على غير المسلمين فيه. لكنهم لا يفعلون ذلك اهتماما- ولا حتى حمية- بغير المسلمين (وما كان لهم) وما عهدناه منهم، بل عداوة للإسلام نفسه من خلال إثارة هذه الشبهات، أحبولة من أحابيلهم- وهم معادنها- حربا لكل أمل إسلامي ولمسيراته وانتصاراته من أن تحوز الحياة وتوجهها وتقيم مجتمعه الفاضل الإنساني النبيل.","vol":"1","page":126},{"text":"يا لله على هذا الدين العظيم ومنهجه الكريم وهذا النبي الذي أعده الله وهيأه ورباه ليكون قدوة القدوات، الذي ربّى بمنهج الله تعالى وكتابه الكريم ذلك الجيل القرآني الفريد. وكان ﷺ قدوة متميزة وأسوة حسنة وقمة في كل شيء، واقفا على القمم كلها يرنو إليه الجميع ليسيروا خلفه مقتدين به ﷺ.\nوسيبقى قدوة لكل الأجيال، والتي به فقط تفلح وليس بغيره مهما ادعت، إلا بالاقتداء به، ليكونوا قدوة للآخرين. وهذا ما يحتاجه كل جيل وجيلنا الحاضر هو أحوج ما يكون إليه.\nوهكذا كان جيل الصحابة الذي يبقى هو الآخر مثالا للأتباع الأبرار والجنود الأخيار والأمة الأطهار، بحسن اقتدائهم بالرسول ﷺ الذي تمثل بأحسن صيغة وأرقى صبغة وأبهر مثال، لكتاب الله وأمره والأخذ بمنهجه.\nفكانوا خير القرون ونعم من أخذ بمنهج الله تعالى، وأجود من تابع خطوات هذا النبي ﷺ. جزاه الله خير ما يجزي نبيا عن أمته، وجعلنا من خيرة الأتباع في هذا الجيل، إن شاء الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-58> رهافة الثمرة الإيمانية:</span>\nوهذه الرهافة المؤمنة الربانية بلغت من الدقة والرقة والعمق إلى أنهم كانوا يتهمون أنفسهم لأدنى تقصير أو بدون تقصير، والشواهد كثيرة جدا.\nخذ مثلا ما رواه الصحابي الجليل عن نفسه حنظلة بن الربيع الأسيدي (٥٠ هـ) المعروف بحنظلة الكاتب- وكان من كتاب الرسول ﷺ «١» - قال:\nلقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى\n_________\n(١) زاد المعاد، (١/ ١١٧) . ولقد سبقت الإشارة إليه قريبا باختصار. أعلاه، ص ٩٨.","vol":"1","page":127},{"text":"مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، قلت:\nنافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ: «وما ذاك؟» قلت:\nيا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة» «١» .\nوحين أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢]، تحرّج بعض الصحابة في حالهم، خوفا من أن يكونوا مشمولين بذلك. كان منهم أبو بكر وعمر «٢» .\n_________\n(١) سبق ذكره أعلاه، ص ٩٧- ٩٩. أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر، رقم (٢٧٥٠) . والترمذي: كتاب صفة القيامة، باب (٥٩)، رقم (٢٥١٤) . وانظر كذلك: أسد الغابة، (٢/ ٦٥)، رقم (١٢٨٠) . الاستيعاب، (١/ ٣٧٩)، رقم (٥٤٨) . حياة الصحابة، (٣/ ٥٠)، (٣٢٠) . الوافي بالوفيات، (١٣/ ٢٠٩) . ومثله ورد عن أبي هريرة ﵁. حياة الصحابة، (٣/ ٣٢٠) . حتى كأنا رأي عين (بالرفع): كأنا بحال من يراها بعينه، (وبالنصب): نراها رأي عين. عافسنا: عالجنا أمورنا واشتغلنا بمعاشنا وتابعنا أعمالنا. والضيعات: جمع ضيعة، وهي المعاش من مال أو حرفة أو صناعة. وكان حنظلة معتزلا الفتنة حتى مات سنة (٥٠ هـ) ولما توفي حنظلة جزعت عليه امرأته فنهاها جاراتها وقلن لها: إن هذا يحبط أجرك، فقالت:\nتعجبت دعد لمحزونة ... تبكي على ذي شيبة شاحب\nإن تسأليني اليوم ما شفني ... أخبرك قولا ليس بالكاذب\nإنّ سواد العين أودى به ... حزن على حنظلة الكاتب\nوهذا يعبر عن مدى حب هذه المرأة المسلمة لزوجها وحسن العلاقة بينهما وعمق المحبة التي قامت في بيت بني على تقوى الله تعالى ومنهجه وطاعته.\n(٢) البخاري: كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحجرات، رقم (٤٥٦٤) .","vol":"1","page":128},{"text":"أما ثابت بن قيس بن شمّاس، خطيب الأنصار «١»، فقد اتهم نفسه واعتبر أنه من أهل النار وقعد في بيته حزينا، ولكن الرسول الكريم ﷺ افتقده، فسأل عنه وعرف أمره، فطمأنه وأخبره أنه من أهل الجنة.\nهؤلاء الصحابة الكرام- وهم خير القرون- رباهم الإسلام هذه التربية الفذة، نقلهم وأدخل الإيمان عليهم من جميع المنافذ، سكب معانيه في نفوسهم، فظهرت شاهدة شاهرة شاخصة، سلوكا رفيعا يعبر عن المعاني الإسلامية. وهذا واضح في الأسلوب القرآني وطريقة تعبيره ومنهجه التربوي الفريد، الذي به ربى الرسول الكريم ﷺ هؤلاء الأصحاب، نساء ورجالا وأطفالا.\nوكثيرا ما نجد القرآن الكريم يقارن ويقابل ويواجه حالات هذا المستوى أمام ما تؤدي إليه مباعدة منهجه ومصير الضلال الذي ينتظر أهله من الخسران في الدنيا والآخرة، مجلّلا بالخزي والعذاب في نار جهنم، بشكل يكون التقابل متزاحما. فكلما ارتفع المؤمنون إلى مستوى التربية العجيب يظهر في الجانب الآخر المستوى المتدني التعيس البئيس، لمن جافى شرع الله تعالى وجانب الأخذ به والبعد عنه مهما كانوا وبلغوا. ويجعل ذلك طبيعيا- وتلك سنة الله تعالى في الفلاح والخسران- مثلما مقابل خسارة الدارين للكفر- والعياذ بالله- طبيعته الدنسة المركسة المفلسة، بعيدة عن الله تعالى، وهو غاية التردي والشقوة والمرارة. فإن الإيمان بالله تعالى ودينه يأخذ أصحابه إلى قمة فريدة من الرقة والرقي والقرب من الله تعالى والأنس بشرعه في الدنيا\n_________\n(١) البخاري، نفسه، رقم (٤٥٦٥) . مسند الإمام أحمد، (٣/ ١٣٧) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٠٩) . كان ثابت بن قيس من نجباء الصحابة، شهد أحدا وبيعة الرضوان، وكان جهير الصوت خطيبا بليغا. وهو الذي خطب مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فقال: نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا، فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: رضينا. سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٠٩) . وكانت له مواقف في الرهافة، ذكرتها مصادر ترجمته.","vol":"1","page":129},{"text":"والآخرة، والتنعم بجواره يوم القيامة. وبه ربحوا الدنيا والآخرة، مقابل خسارة الدارين للكافرين. وإننا دوما لنحمد الله تعالى على نعمة هذا الدين.\nتلمس هذا واضحا في مواقع متعددة من القرآن الكريم، فالكافرون لا يكادون يحسون بذلك بما جنوه، فهم لا يريدونه، وغرتهم دنياهم بطرا وكبرا ووهما، مهما بلغ فعلهم وعنادهم واستكبارهم، ظنوا السراب ماء.\nأما المؤمنون فقد ارتقوا بهذا الدين وحده في سلم الإنسانية، حين ارتقوا في سلم الإيمان بالله تعالى والعمل بشرعه، إيمانا واحتسابا، وأحسوا ببرد هذا الإيمان الذي ملأ نفوسهم وحياتهم، وملك تصرفاتهم، فلا عيش لهم بدونه.\nوهذا يعني أن تفوق هذه المعاني الإيمانية وظهورها- لمن فاته أن يدركها في نصوصها- أن يراها ماثلة في حياة أهلها، وهو من واجباتهم، لا يتكلفونها أو يفتعلونها أو يدّعونها. والمؤمنون دوما تظهر عليهم معاني الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو طبيعتهم وواجبهم ومهمتهم، فإن حياتهم باستمرار تكون ترجمة قوية لها.\nوهؤلاء المؤمنون بالإسلام ودعوته الكريمة، أصبحت هي كل حياتهم، وعاشوا بها ولها وفيها، حتى إنهم رغم طاعتهم المعهودة والتزامهم وإقبالهم يحسون بالتقصير، ويجدون المتعة الحقة والأنس الحبيب والسعادة الكبرى بالقرب منه، يرجون رحمة الله تعالى وعفوه، تقربا إليه وحده. ويتطلعون إلى الكمال أو استكمال المؤهلات ليستحقوا تمام العبودية لله تعالى، ساعين إلى جنة عرضها السموات والأرض متنعمين بثواب من الله على تقواهم وحسن اتباعهم وطاعتهم إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤- ٥٥] «١» .\nلكنهم مع كل هذه الاستجابة والإقبال والاتّباع تراهم- لهذا البناء الكريم خائفين، رغم هذا التوجه، مقابل الآخرين المعرضين، لاهين مع ما هم\n_________\n(١) «نهر»: السعة والضياء، والنّهر: (نهر الماء) .","vol":"1","page":130},{"text":"فيه من غضب الله تعالى، ببعدهم عن شرعه المبين الذي تراهم فرحين بتقلبهم وتقبلهم الانحدار في هذا التّيه المنكود المشقي المزري.\nوهذا التقابل يرسم مشهدا حيا ماثلا يبين الفرق الهائل المتقابل بين الذين آثروا رضا الله تعالى والجنة، وبين الذين عمدوا، فأخذوا طريق عصيان الله تعالى، فحازوا غضبه والنار.\nفبينما أنت تقرأ عن الضالين: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: ٥٣- ٥٦] . إذا بك تقرأ بعدها مباشرة عن المؤمنين السعداء: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون:\n٥٧- ٦١] . فهؤلاء متعلقون أشد التعلق وبشوق عميق ورغبة جامحة جدّ شديدة وإقبال عجيب على الله تعالى. وهم- ومع كل ما يقومون به ويؤدونه ويسارعون فيه- تراهم خائفين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] .\nفهؤلاء المؤمنون بالله وحده لا شريك له الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا لا شبيه له ولا نظير ولا كفء، ويؤمنون بكتبه، وآخرها القرآن الكريم، المكلفون بالعمل بما فيه، وبرسله وخاتمهم محمد بن عبد الله ﷺ، الذي أرسله الله ﷾ بهذا الدين، وهم مأمورون بمحبته واتباعه والاقتداء به. وهم قائمون بكل ذلك، ومع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من عذاب الله تعالى خائفون وجلون، فجمعوا مع الإحسان الشفقة. فعن عائشة أم المؤمنين﵂- أنها قالت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله ﷿؟ قال: «لا يا بنت الصّديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم","vol":"1","page":131},{"text":"ويتصدق، وهو يخاف الله ﷿» «١» .\nفهذا هو ذلك الجيل القرآني الفريد الذي تربى بهذا الدين، على يد الرسول الكريم ﷺ. وهم وأمثالهم أقاموا دين الله تعالى وحموه وحملوه ونشروه وأقاموا وثبّتوا أعلامه في واقع الحياة. فكان يظهر أثره وثمره وجماله فيهم وفي الأجيال التي تلتهم، يتطلعون إلى الأعلى والأفضل والأرقى لما عند الله تعالى. وانظر ما يقوله عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ) - معبّرا عن ذلك- بعد أن تولى الخلافة: (إنّ لي نفسا توّاقة لم تتق إلى منزلة فنالتها، إلا تاقت إلى ما هو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم تاقت إلى الجنة) «٢» . وها هو يخاطب نفسه بهذا البيت من الشعر «٣»:\nتجهّزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-59> إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة:</span>\nولقصة ربيعة الآنفة- بمضامينها الشاملة ومدلولاتها الفاضلة ولمساتها المتوثبة المحببة، نحو القمم المنيرة، سنلمح لبعضها الآخر- أمثلة متعددة متزاحمة تتجه بها نحو هذا الفهم، وتقود إلى هذا الوضوح، وتكشف الآفاق السامية، تلوح نحو معرفة الرسول الكريم ﷺ بأصحابه إلى هذا الحد، وفي كل الأوقات والأحوال والمناسبات. وهو يعيش معهم دوما ليس من ناحية\n_________\n(١) أخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب (٢٤) من سورة المؤمنون، رقم (٣١٧٥) . ورد الكلام بصيغة الجمع: «هم الذين يشربون الخمر ويسرقون ...»، (٥/ ٣٠٦- ٣٠٧) . التفسير، (٤/ ٢٤٧٢) .\n(٢) سيرة عمر بن عبد العزيز، (٦٣) . كذلك: شذرات الذهب، (٢/ ٧) . الطبقات الكبرى، (٥/ ٤٠١) . سير أعلام النبلاء، (٥/ ١٣٤) .\n(٣) القاموس المحيط، (٦٥٢) .","vol":"1","page":132},{"text":"الكينونة أو التواجد الزماني والمكاني والإنساني، بل في نفوسهم وذواتهم ووجدانهم وكيانهم جميعا، بكل مشمولاتها ومحتوياتها ومكوناتها، حتى وهو غائب عنهم. وكذلك بالنسبة له ﷺ حتى وهم غائبون عنه. فهو يتولى رعايتهم وتوجيههم وتربيتهم، حتى وهو يعمل معهم، وحتى في الحالات التي لا تدع لصاحبها مجالا لآخرين، كالمعارك. تجد ذلك مركّزا وواضحا ومقصودا، حتى كأنها كانت مناسبات يراد منها ذلك ويعمد له، يتعامل معهم فيها أفرادا وجماعات كل حسب استعداده، لكن يرتفع بالجميع، فيوجهه حسب استعداده وطاقته وحاجته، لكن الجميع بنفس الاتجاه.\nوهم مهما ارتقوا يجدونه ﷺ قدوتهم وأسوتهم، وهو كذلك دوما.\nفكأني ألمحهم موكبا متقدما نحو القمم متتابعين متعلقين برسول الله ﷺ، بحب لا نظير له، وإحساس فريد متوثب، بأجمل المشاعر، واقتداء مهيب.\nوانظر مثلا قصة أصحاب يوم الرجيع (صفر السنة الرابعة للهجرة) «١» .\nالعشرة (أو الستة) الذين أخذوا غدرا وخديعة ولؤما من قبيلتين عربيتين، هما: عضل والقارة، قتلوا أكثرهم وباعوا الآخرين لأهل مكة، فقتلا في يوم واحد شهيدين، انتقاما لمعركة بدر. هما: خبيب بن عدي وزيد بن الدّثنّة. فلما قدّموا زيدا (أو خبيبا) «٢» ليقتلوه صبرا، صلبا ورميا مشدودا على الخشب، سألوه إن يقبل أن يكون عند أهله ويكون محمد ﷺ يقتل مكانه، فقال: (والله ما أحب أنّ محمدا ﷺ الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي) . فقالوا: ما رأينا من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. أما خبيب فلما هددوه بالقتل إن لم يرجع عن الإسلام- نعوذ بالله العظيم- قال: (إن قتلي في الله قليل) «٣» .\n_________\n(١) البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع، رقم (٣٨٥٨) .\n(٢) سيرة ابن هشام، (٣/ ١٧٢- ١٨٣) . سبل الهدى: (٦/ ٦٧- ٧٤) .\n(٣) سبل الهدى: (٦/ ٧٠) .","vol":"1","page":133},{"text":"إن بناء الرسول الكريم ﷺ- كما أدّبه الله تعالى ورباه وأعده- أحد الأدلة على نبوته، وما أكثرها وأوفرها وأظهرها. فهو بذاته في سيرته الشريفة دون أي دليل آخر، بمستواه ونوعيته ومثاليته، دليل أي دليل «١» .\nوتسير في عين الاتجاه من قصة ربيعة قصة حارث بن مالك الأنصاري الآتي ذكرها «٢» . وحب الصحابة هذا لرسول الله ﷺ وتمتعهم بحلاوة هذه الصحبة الكريمة جعلهم يفكرون ويرغبون ويطمعون ألا تنقطع، وأن تبقى موصولة حتى يوم القيامة، بل وفيها كذلك. والحق إنه أفق عظيم في عمق هذا الحب وصدقه وقوته التي عبق طيبها فملأ آفاق الحياة والنفوس والوجدان، ويشغلهم المحافظة عليها واستمرارها، ينعمون بها في الدنيا والآخرة. فيستجيب الله تعالى لهم حاثا على الأخذ بكل سبب يديم لهم متعة هذه الصحبة الكريمة وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء: ٦٩- ٧٠] .\nورغم معرفة الصحابة الكرام﵃- أنه سيفارقهم، لكونه بشرا إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠]، فما كانوا ليحتملوه بل حتى كأنهم لا يريدون وقوعه، أو كأنهم لا يكادون يريدون تصوره. وقد وجه الله ﷾ الأذهان إلى ذلك مبكرا، لما يعلمﷻ وعم نواله- من شدته عليهم «٣» . ولعل كل هذا الأمر- بأحداثه\n_________\n(١) انظر ما قاله ابن حزم الأندلسي: أعلاه، ٦٠- ٦١.\n(٢) التفسير: (٣/ ١٤٧٨) . المعجم الكبير، الطبراني، (٣/ ٢٦٦) . أسد الغابة، (١/ ٤١٤) . الإصابة، (١/ ٢٨٩) . حياة الصحابة، (٣/ ٢٣) . وتجد في حياة الصحابة (٣/ ٢٤- ٢٥) أمثلة أخرى عن معاذ بن جبل وسويد بن الحارث وأصحابه.\n(٣) انظر: مثلا ما فعله سعد بن معاذ (٥ هـ) في معركة بدر. وما فعلته تلك المرأة الدينارية (من بني دينار، الأنصارية)، حين سمعت بما جرى لرسول الله ﷺ في معركة أحد.","vol":"1","page":134},{"text":"المتعددة المتوالية المتعانقة- كان تهيئة لهذا الحدث الجلل، وهو أرحم الراحمين.\nجرى ذلك إذا لتوضيحه من خلال ماجريات (مجريات) أحداث السيرة النبوية الشريفة وجريانها في نهرها الزلال وموكبها المنير وخطها المرسوم لتحقيق أهدافها التي صرفها الله؛ لتكون موطن العبرة والتربية والتوجيه الدائم. من ذلك ما جرى في معركة أحد، وما أنزل الله تعالى فيها «١» . ثم تلميحاته الكثيرة ﷺ لفرد- كما لا حظنا في قصة معاذ وهو يودعه لليمن- أو لجمع «٢»، أو أكثر، أو الجم الغفير في حجة الوداع.\nومع ذلك لم يتحملوا خبر موته ﷺ، كما جرى لعمر بن الخطاب وآخرين. وكلهم كان حزنه غامرا، حيث قال أنس بن مالك عن النبي ﷺ:\n(شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قطّ كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات، فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات) «٣» .\n_________\nرغم علمها أنه قد أصيب فيها زوجها وأخوها وأبوها، مع رسول الله ﷺ بأحد. فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ، قالوا: خيرا يا أم فلان بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه أنظر إليه، حتى إذا رأته، قالت: كل مصيبة بعدك جلل (تريد صغيرة هينة) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٩) . سيرة الذهبي، (المغازي) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٢٠٤) . وانظر كذلك: موقف سعد بن الربيع في أحد. سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٤) . سيرة الذهبي، (المغازي) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٢١٢) .\n(١) سورة آل عمران: (١٤٤) .\n(٢) البخاري، رقم (٣٨١٦) .\n(٣) أخرجه البخاري: فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب مقدم النبي ﷺ وأصحابه. زاد المعاد، (٣/ ٥٥) . سيرة ابن كثير، (٥/ ٥٤٤) . وشبيه بذلك ما قاله أبو سعيد الخدري. وكان إدراك أم أيمن (الحبشية) رائعا. انظر: التفسير، (٦/ ٣٩٣٨) . سيرة ابن كثير، (٤/ ٤٦) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٢٦) .","vol":"1","page":135},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-60> دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير:</span>\nحتى لقد بلغت رهافة الحس ورقة الشعور وسمو النفس عند الصحابة أنهم مهما ارتقوا يجدون أنفسهم مقصرين وعملهم زهيدا، ومهما قدموا يحسبون أنهم مقلّون، ومهما أحسنوا البلاء والفداء والأداء للإسلام وهو كبير، في نفسه وحتى بالنسبة لمستوياتهم العالية، يجدونه صغيرا في جنب الله تعالى (رغم) وهم فيه أقوياء أشداء وأصلاء. وتلك طبيعة الإسلام وبناؤه وتربيته التي أقاموا أنفسهم بها وعليها. وقد استمدوا طبيعتهم من طبيعة الإسلام، يعبّرون عنه في أعلى المستويات. لا تغرهم الدنيا، وقد أتتهم، لا تغريهم ولا تلهيهم. فهم لديهم الاستعداد أن يفعلوا كل شيء مهما كان صعبا وشاقا ومكلفا، وكأنهم يتنافسون فيه. كل ذلك وهم يقدّمونه لله تعالى، يطلبون رضاه وحسن ثوابه والجزاء الكريم لديه.\nوكان ﷺ يعرفهم جميعا ويعرف كلّا منهم، بمفرده ومدى استعداده.\nولذلك كانت مطالب الصحابة الكرام ﵃ أخذ هذا الاتجاه، ليست عابئة بغيرها أو ما دونها، بل بلغت حدا فريدا ومستوى عجيبا وقمة شاهقة. ومهما كانت تكاليفها وشدتها ومشقتها، تجد لديهم الحضور والسرور والإقبال «١» وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] «٢» . ورغم معرفة الصحابة الكرام ﵃ أنه لو طلب منهم ذلك لفعلوه. وحين نزلت هذه الآية الكريمة قال رجل (لم تذكر الرواية اسمه): (لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا) .\nانظر لهذا الاستعداد في العمل والاستجابة وكذلك في الفهم. وحين بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال\n_________\n(١) التفسير، (٢/ ٦٩٢) .\n(٢) انظر: التفسير، (٢/ ٦٩٧) وبعدها. تفسير الطبري، (٨/ ٥٢٦)، (٥/ ١٦٠) .","vol":"1","page":136},{"text":"الرواسي» . وأشار الرسول الكريم ﷺ بمناسبة نزول هذه الآية إلى عدد من الصحابة أنهم سيفعلون ذلك، ذكر منهم ابن أم عبد (عبد الله بن مسعود) .\nوهذا يشير إلى معرفة الرسول الكريم ﷺ العميقة الدقيقة الوثيقة بالصحابة الكرام، معرفة نفوسهم بكل أبعادها وأمجادها واستعداداتها. وهو موضوع مهم «١» .\nوعبد الله بن رواحة الذي بلغ من طاعته أنه كان قادما إلى المسجد والرسول ﷺ يخطب، فسمعه يقول: «اجلسوا» فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ ﷺ من خطبته. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «زاده الله حرصا على طواعية الله ورسوله» «٢» .\nوهذا الاستعداد لتحمل الأمر الشاق كهذا، كان متوفرا لدى صحابة رسول الله ﷺ، ولكن الله تعالى عافاهم وعافانا من مثل هذه التكاليف.\nوثمارها واضحة في السيرة الشريفة بكل وضوح، سلما وحربا وبذلا وإقداما والتزاما وتضحية بالنفس.\nومعلوم ما جرى للمسلمين يوم أحد، الذي كان يوم السبت للنصف من شوال السنة الثالثة للهجرة، حيث رجع الرسول الكريم ﷺ مساءه إلى المدينة، وقد أصيب المسلمون فيها بما لم يصابوه في أية معركة أخرى في حياة الرسول الكريم ﷺ، بما ناله من الأذى الشديد «٣»، وسالت الدماء ثم ما وقع من القتل في المسلمين. وفيها قتل عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء ﵁. ومثّل بالعديد منهم، ولم يمثّل من المسلمين أحد.\nوانظر قصة المرأة الدينارية، استشهد اعزّ الناس إليها: أبوها وأخوها\n_________\n(١) التفسير، (٢/ ٦٩٨) وبعدها.\n(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٣٢) .\n(٣) سيرة ابن هشام، (٣/ ٨٥- ١٠١) . (٣/ ٧٩- ٨٦) وبعدها، (١٢١) وبعدها.","vol":"1","page":137},{"text":"وزوجها، وهي تقول: كيف رسول الله ﷺ، فقالوا لها: هو بخير كما تحبين. فقالت: أرونيه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تريد صغيرة. وآخرون أصيبوا بعشرات الضربات من ضربات الحرب، وهم يقاتلون مستمرين في القتال، من مثل سعد بن الربيع «١» . وأنس بن النضر (عم أنس بن مالك، خادم النبي ﷺ، وبه سمّي) «٢»، قاتل حتى قتل، فوجد به فوق ثمانين ضربة. وبذلك يقول أنس: (لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ (تسعين) ضربة فما عرفته إلا أخته، عرفته ببنانه) . وانظر ما فعلت نسيبة ودعوتها «٣» .\nوحين تقرأ سيرة أي صحابي وصحابية تجد كل قضاياهم مع رسول الله ﷺ ومقدمة أمامه، بطاقاتهم. فكانوا يبايعونه على كل شيء، وفي المعارك على الموت وعلى ألّا يفروا، حتى وهم على غير استعداد مادي ونفسي ومعنوي، كما حدث في صلح الحديبية.\nومثلما كان هذا يتم في حياة الرسول الكريم ﷺ كان كذلك بعد وفاته ﵊، كما حدث في معركة اليرموك (١٥ هـ) وفي غيرها من أمثالها وهي كثيرة وجد وفيرة. وكذلك بعدها خلال التاريخ وعلى مدار الأحداث وكل المواجهات بين المسلمين وأعدائهم من كل جنس.\nيتبين لنا من خلال هذه النماذج الفرائد والقصص الكرائم والأحداث المحامد- بوفرتها وكثرتها وغزارتها- أن الصحابة الكرام كانوا يلجؤون إلى رسول الله ﷺ ويهرعون (يهرعون) إليه، ليجدوا عنده برد النّفس الحنون وأنس الرفيق الأثير ونسيم الراحة الظليل في كل ما يشغلهم، مهما كان، وحسب هذا البناء، كما يجدون بقربه الأمان، وطلباتهم وحاجاتهم استزادة لها.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣١٨) .\n(٢) أسد الغابة، (١/ ١٥٥) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٨٣)، الإصابة (١/ ١٣٢) .\n(٣) سبل الهدى، (٤/ ٢٩٨) .","vol":"1","page":138},{"text":"من هذا قصة ذلك السّكوني الذي حضر ضمن وفد قومه الذين قدموا من اليمن إلى المدينة المنورة- على صاحبها الصلاة والسلام- عام الوفود السنة التاسعة للهجرة، بصدقات أموالهم. فأكرم رسول الله ﷺ وفادتهم وقضى حوائجهم. لكن هذا الغلام الذي خلّفه قومه على رحالهم- وهو أحدثهم سنّا كانت له حاجة أخرى. وحينما جاؤوا إلى وداع رسول الله ﷺ سألهم- كعادته ﷺ- إن كانوا خلّفوا أحدا؟ فذكروا الغلام، فقال ﷺ: «أرسلوه إلينا» . فأقبل الغلام إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني امرؤ من بني أبذى، يقول: من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم. فاقض حاجتي يا رسول الله، قال: «وما حاجتك؟» قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإني والله ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل الله ﷿ أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي، فقال رسول الله ﷺ وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم. ثم وافوا رسول الله ﷺ في الموسم بمنى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، فقال رسول الله ﷺ: «ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟» قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قطّ، ولا حدّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها. ولا التفت إليها، فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا» . فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «تشعّب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله ﷿ في أيها هلك» . قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق. فلما توفي رسول الله ﷺ ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به،","vol":"1","page":139},{"text":"فكتب إلى زياد بن لبيد الأنصاري البيّاضي يوصيه به خيرا «١» .\nقصة أخرى- وهذه وأمثالها كثيرة- شبيهة بقصة هذا الغلام السّكوني اليماني، تلك هي قصة بشر وأبيه معاوية بن ثور بن عبادة البكّائي، من بني عامر بن صعصعة (عداده في أهل الحجاز)، في وفد بني البكّاء القادمين على رسول الله ﷺ سنة تسع للهجرة. وهم ثلاثة نفر: معاوية هذا وهو سيدهم، وهو يومئذ ابن مئة سنة، ومعه ابنه بشر. وكان برّا بأبيه الذي طلب من النبي ﷺ أن يمسح وجهه، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أتبرّك بمسّك، وقد كبرت وابني هذا برّ بي فامسح وجهه «٢» . وكان معهما الفجيع بن عبد الله جندح بن البكّاء وعبد عمرو بن كعب بن عبادة، وهو الأصم. فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزل وضيافة وأجازهم ورجعوا إلى قومهم.\nوكان معاوية قال لابنه بشر يوم قدم وله ذؤابة: إذا جئت رسول الله ﷺ فقل له ثلاث كلمات لا تنقص منهن ولا تزد عليهن، قل: السلام عليك يا رسول الله، أتيتك يا رسول الله لأسلّم عليك، ونسلم إليك وتدعو لي بالبركة. قال بشر: ففعلتهن، فمسح رسول الله ﷺ على رأسي ودعا لي بالبركة وأعطاني أعنزا عفرا. وبهذا افتخر محمد بن بشر بن معاوية، فقال:\nوأبي الذي مسح النبيّ برأسه ... ودعا له بالخير والبركات\nأعطاه أحمد- إذ أتاه- أعنزا ... عفرا ثواجل لسن باللّجبات\nيملأن رفد الحي كلّ عشية ... ويعود ذاك الملء بالغدوات\nبوركن من منح وبورك مانح ... وعليه مني ما حييت صلاتي «٣»\n_________\n(١) زاد المعاد، (٣/ ٦٥١) . الطبقات الكبرى، (١/ ٣٢٣) .\n(٢) هذه رواية ابن كثير، سيرة ابن كثير، (٤/ ١٧٥) . انظر كذلك عنها: سبل الهدى، (٦/ ٤٢٦) . الطبقات، (١/ ٣٠٤) . ولعلها مختصرة. ويذكر أن أهل هذا الوفد كانوا ثلاثين. كما أنّ هناك تفصيلات أخرى سترد فيما بعد.\n(٣) أسد الغابة، (١/ ٢٢٥)، رقم (٤٤١) . الإصابة، (٣/ ٤٣٠- ٤٣١)، رقم","vol":"1","page":140},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-61> مدى عناية الرسول ﷺ بالصحابة:</span>\nهكذا كانت عناية الرسول الكريم ﷺ بهؤلاء الصحابة الكرام، به يقتدون، وإليه يهرعون وعنده يجدون التوجيه، فترتاح قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وتقرّ عيونهم. يجدون عنده الاستجابة والعناية والحنو الغامر، فينطلقون إلى الحياة عاملين أقوياء. بل إن العناية النبوية كانت تفوق كل تصور، حتى العناية بالأسماء- إذا كانت- يغيّر الجاهلية منها إلى الصيغ الإسلامية، كما رأينا آنفا بالنسبة لعبد عمرو الأصم، وسبق عند عبد الله ذي البجادين حين كان اسمه عبد العزى فغيره ﷺ. وهذه كثيرة جدا. بل إنه ﷺ كان نفسه يتفقدهم ويسألهم عما يشغلهم، ويعرض عليهم ما يقربهم ويراه مهما لهم، وما عليهم أن يكون لهم.\n_________\n(١٠٥٩) . كذلك المصادر المذكورة في الحاشية السابقة. والوفد المذكور- وسيدهم معاوية البكائي- أقام أياما في المدينة المنورة في ضيافة رسول الله ﷺ، ثم عادوا موفورين. فكانت بركات مسحة النبي ﷺ أن السّنة (القحط) تصيب بني البكاء، ولا تصيب آل معاوية. الإصابة، (١/ ٧٥٣)، رقم (٢١٢) . أما عبد عمرو الأصم فقد سماه الرسول الكريم ﷺ عبد الرحمن «وكتب له بمائه الذي أسلم عليه بذي القصّة (موضع قرب المدينة) . وكان عبد الرحمن من أصحاب الظّلة يعني الصّفة صفة المسجد» . طبقات ابن سعد، (١/ ٣٠٥) . سبل الهدى، (٦/ ٤٢٧) . الإصابة، (٢/ ٣٦٢)، رقم (٤٩١٤) . «أعنز»: جمع عنز، وهي الأنثى من المعز، والظباء (ظبي غزال) . وذكر أن عدد هذه الأعنز كان سبعا. الاستيعاب، (١٤١٣)، رقم (٢٤٣٠) . «عفر»: جمع عفراء، وهي البيضاء. «ثواجل»: عظيمات البطون (من اللبن) . وهي جمع مفردها: ثجلاء، وليس نواجل (كما ورد عند بعضهم) . سبل الهدى، (٦/ ٤٢٦) . طبقات ابن سعد، (١/ ٣٠٤) . سيرة ابن كثير، (٤/ ١٧٥) . فإن نواجل جمع مفردها نجلاء: الواسعة. «اللّجبات»: القليلات اللبن، وهي جمع مفردها لجبة، وهي الشاة قلّ لبنها. والمعنى: أن هذه الأعنز لسن قليلات اللبن، بل هن عظيمات البطون ممتلآت باللبن (الحليب) . «رفد» (رقد) القدح الضحم. «الغدوات»: جمع مفردها: الغداة (الغدوة): وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس.","vol":"1","page":141},{"text":"ولربيعة بن كعب الأسلمي الأنصاري نفسه قصة أخرى توضح ذلك، وهي مثال له وشاهد، وتحمل معاني جمة كريمة عالية متنوعة. يقول ربيعة: كنت أخدم رسول الله ﷺ فقال: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» قلت: والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحبّ أن يشغلني عنك شيء، فأعرض عني، فخدمته ما خدمته، ثم قال لي الثانية:\n«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني، والله لئن قال: تزوّج لأقولنّ: نعم، يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال:\n«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال: «انطلق إلى آل فلان- حيّ من الأنصار، كان فيهم تراخ عن النبي ﷺ- فقل لهم: «إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوّجوني فلانة»، لامرأة منهم.\nفذهبت فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة، فقالوا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته، فزوجوني وألطفوني وما سألوني البيّنة.\nفرجعت إلى رسول الله ﷺ حزينا فقال لي: «ما لك يا ربيعة؟» . فقلت:\nيا رسول الله أتيت قوما كراما فزوجوني وأكرموني وألطفوني وما سألوني بيّنة، وليس عندي صداق. فقال رسول الله ﷺ: «يا بريدة الأسلمي، اجمعوا له وزن نواة من ذهب»، قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا لي فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب بهذا إليهم فقل:\nهذا صداقها»، فأتيتهم فقلت: هذا صداقها، فرضوه وقبلوه، وقالوا:\nكثير طيب. قال: ثم رجعت إلى النبي ﷺ حزينا، فقال: «يا ربيعة ما لك حزين؟» فقلت: يا رسول الله ما رأيت قوما أكرم منهم، رضوا بما أتيتهم وأحسنوا، وقالوا: كثير طيب، وليس عندي ما أولم، قال: «يا بريدة اجمعوا له شاة» قال: فجمعوا لي كبشا عظيما سمينا، فقال لي رسول الله","vol":"1","page":142},{"text":"ﷺ: «اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام»، قال: فأتيت إليها فقلت لها ما أمرني به رسول الله ﷺ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير، لا والله إن أصبح لنا طعام غيره، خذه. فأخذته فأتيت به النبي ﷺ وأخبرته بما قالت عائشة، فقال: «اذهب بهذا إليهم فقل:\nليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا»، فذهبت إليهم وذهبت بالكبش ومعي أناس من أسلم، فقلت: ليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا، فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه، فأصبح عندنا خبز ولحم، فأولمت ودعوت رسول الله ﷺ «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-62> العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون:</span>\nقصة ربيعة هذه الآخرى «٢»، مليئة كذلك بالمعاني القوية، ذوات الإضاءة الناصعة، وهي عديدة، منها:\nالتدليل والتأييد والتأكيد لمعرفة الرسول الكريم ﷺ بالصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- بدقائق أحوالهم وأغوار نفوسهم وبما هو يصلح لهم دنيا وأخرى، كما بينه ربيعة نفسه بقوله: (والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني) . بل وتصل هذه المعرفة الكريمة إلى أنه ﷺ يعرفهم معرفة تتجاوز كثيرا معرفتهم لأنفسهم «٣»، وكذلك في مقدار الاهتمام\n_________\n(١) مسند الإمام أحمد، (٤/ ٥٤) . كذلك: المعجم الكبير، الطبراني، (٥/ ٥٩)، رقم (٤٥٧٨) . حياة الصحابة، (٢/ ٦٦٩- ٧٠٠) . «تراخ»: كانوا يأتونه قليلا. «ألطفوه»: قدموا له الهدايا. «بريدة بن الحصيب الأسلمي»: زعيم قبيلة أسلم. أسد الغابة، (١/ ٢٠٩) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٦٩) . طبقات ابن سعد، (٤/ ٢٤١) . وفي قصة زواج جليبيب ما هو شبيه بهذه. انظر حياة الصحابة، (٢/ ٦٧١) .\n(٢) سبق ذكر أمور متعددة عن ربيعة بن كعب. انظر: أعلاه، ص ١٠٠- ١٠٢، ١٣٢.\n(٣) وانظر كذلك: التفسير، (٢/ ٦٩٩) .","vol":"1","page":143},{"text":"بها وطريقة أخذها لخيري الدنيا والآخرة، وللارتقاء بكل ذلك بأفضل أسلوب وأجمل رعاية وأجود طريقة، تأخذ بالنفوس إلى المعاني الكريمة وإدراك المرامي السليمة وبناء واستخراج كوامنها الحرة. وكان هذا عاما للفرد منهم بكل أحواله، ولجميعهم بكل تنوعاتهم، ولكل أمور حياتهم وبكافة أحوالهم. فكان اهتمامه ﷺ بكل فرد منهم وبجميعهم في مجمل شؤونهم دون استثناء. حتى لقد كان يشعر أحدهم أنه ﷺ يخصه بهذا الاهتمام المركز الأصيل.\nأليست هذه وحدها توضيحا وتوكيدا وتدليلا على النبوة الكريمة؟ التي أعدها الله تعالى وأوحى إليها هذا الدين، نعمة منه على الإنسان، ساكن هذه الأرض. فكرّمه وجعله فيها خليفة يحكم بشرعه سبحانه. وهذه علامة ومؤهل وشرط لهذه الخلافة الأرضية. والسيرة كلها على ذلك دليل وأن هذا وأمثاله لا يكون إلا بنبوة اختارها الله وأوحى إليها الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم، المهيمن على الحياة بكل ما فيها والمتضمن لخير منهاج ملئ بالمعجزات في كل اتجاه، تتبدى في كل يوم منها جديد، مدخر لكل الأجيال، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكل جيل قسطه الذي قد كان قدّره الله تعالى لهم منه، معجزات لا تنفد تتحرر ولا تتأخر. فهذا القرآن الذي قد جعله الله تعالى «لا تنتهي عجائبه»، كما وصفه الرسول الكريم ﷺ في حديث شريف طويل «١» . هو وحده القائم على سعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة.\nصيغة التكافل القوية الكريمة العاملة، التي أتمت وأنجزت وحلت بسرعة وسهولة ويسر هذه المشكلة التي كان يراها ربيعة- وحق له ذلك، وهي كذلك تماما- غير قابلة التنفيذ.\n_________\n(١) للأسف حيث مصادري ليست معي، وأنا أكتب هذه الفقرة- وبعض التتمات الآخرى- في صنعاء اليمن (الأحد- الإثنين، ذو الحجة (١٤، ١٤١٨ هـ ٥- ٦/ ٤/ ١٩٩٨) .","vol":"1","page":144},{"text":"اهتمام الرسول الكريم ﷺ المتسع بأمور الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- والسعي لإدراكها وتذكيرهم بها والعمل على إنجازها، بهذا الشكل المتعاون، بقيادته ورعايته ﷺ، بل ومشاركته، رغم حالة الزهادة وقلة ما عنده من الزاد في بيته، وكرمه به، ووضوح حاجته الشديدة وأهله إليه.\nسرعة استجابة أهل البنت لأمر رسول الله ﷺ وفرحهم بذلك واعتبارهم له بركة ونعمة وكرم، ساقه الله إليهم على يد النبي الكريم ﷺ الحبيب الأثير ﷺ ففرحوا به شاكرين ملبين متعجلين، مما جعلهم ليس فقط لا يسألونه عن شيء، بل هم يقدمون- ما ليس عليهم- الهدية على ذلك.\nأضف إلى ذلك: سرعة الاستجابة من الجميع وتعجل التنفيذ، مما يجعل أي مشكلة تحل- في هذا المجتمع- دون تأخير أو تقصير ولا تبرير، وكل ذلك يجري في الأمور المهمة.\nوهناك حقوق لا تسقط، ولها موقعها الاجتماعي، والنّفس الإنساني والجمال الحياتي، تلك التي يهتم بها الإسلام ويدعو إليها ويثبتها حقوقا في الحياة؛ لما تحمله من معان كريمة وأثر في المجتمع والحياة، وإن كانت خفية أو خفيفة رديفة، لكنها مؤثرة فوارة دوارة، أخرجها وأنضجها وأدرجها، فلا يدعها تهمل تحت أي مبرر أو حجة أو حال، وعلى قدر الاستطاعة، تعبيرا عن الاهتمام ودليلا على الفرح وأداء لحقوق، وبإمكانياته ومكنتها وحدودها، ودون مغالاة، حتى مع توفر ملبّياتها ومغنياتها ومتطلباتها، تجري بسمته وتدور مع شرعه وتحيا بصبغته. تلك هي الفرحة بهذه المناسبة أن تكون سعيدة ومجيدة وحميدة: الزواج وتقديم مستلزماته وأداء حق الزوجة والإعلان عن الفرحة، تعريفا بها وارتفاعا بقدرها وتكريما لمعانيها في تكريم الزوجة، شريكة ورفيقة درب.\nوقد تكون هناك أمور أخرى في هذه القصة التي جرت في ظل هذا الدين الذي ربى هؤلاء النفر المثال بيد رسول الله الكريم ﷺ. فكانت هذه الرعاية التي أظهرت عمليا تعاليم الإسلام والحرص على ممارستها في الواقع","vol":"1","page":145},{"text":"ورسم النماذج الفذة للحياة الكريمة السعيدة- دنيا وأخرى- تبقى مثالا للأجيال.\nوهي تبين كذلك هذا السلوك العملي- المشارك من الجميع- في هذه الحادثة وغيرها، هو مقتضى الأخذ بهذا الدين. وهكذا يتم بناؤه ويكون إعلاؤه وتثبيت شواهده وأعلامه وأفهامه في الحياة لتكون القدوة والمثال والدليل على الطريق، وليس غيره طريق، وهي من معالم الطريق، الطريق الوحيد المنير. ولكن هل يمكن إدراك أي شيء من ذلك إلا بهذا الدين؟ ذلك هو ما على مسلمة اليوم إدراكه والأخذ بأسبابه والعض عليها بالنواجذ. وهذا ما تهدف إليه كتابة هذه السيرة الشريفة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-63> تفقد الرسول ﷺ أصحابه وحبّهم له:</span>\nكان ﷺ يتفقد أصحابه الكرام دوما﵃- بعد الصلوات وغيرها ولا سيما بعد صلاة الصبح، «وكان رسول الله ﷺ إذا صلّى الصبح انصرف، فيتصفح وجوه أصحابه ينظر إليهم» «١» . كما جرى لعبد الله ذي البجادين المزني، الذي أسلم بعد فتح مكة، والذي جرّده عمه- وكان في حجره- من كل شيء، حتى جرده من ثوبه، بسبب إسلامه، فلم يأبه لذلك. فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين، فاتّزر نصفا وارتدى نصفا، ثم أصبح فصلى مع رسول الله ﷺ الصبح. فلما صلّى رسول الله ﷺ تصفح الناس ينظر من أتاه- كان ﷺ يفعله دوما- فرآه رسول الله ﷺ فقال: «من أنت؟» قال: أنا عبد العزى، فقال: «أنت عبد الله ذو البجادين، فالزم بابي»، فلزم باب رسول الله ﷺ «٢» . فخرج مع رسول الله ﷺ في جيش\n_________\n(١) مغازي الواقدي، (٣/ ١٠١٣، ١٠٢٨) . كذلك: ٣/ ٢٢٨) .\n(٢) أسد الغابة، (٣/ ٢٢٨) . «والبجاد»: الكساء الغليظ الجافي. سيرة ابن هشام، (٣/ ٥٢٧- ٥٢٨) .","vol":"1","page":146},{"text":"العسرة. ولعله كان دليلا في هذه الغزوة، فتوفي في تبوك «١» (رجب- أو بعده- السنة التاسعة للهجرة)، بعد إسلامه بقليل!\nأما الصحابة الكرام﵃- فكان حبهم للرسول الكريم ﷺ يتجاوز كل أنواع الحب ودوافعه وتعبيراته. وكل حياتهم على ذلك دليل.\nعلما أن هذا الوضع الشرعي الذي يستدعيه الانتماء لهذا الدين لا بد أن يتجاوز مقداره ومستواه ونوعيته حب النفس والأهل والولد، كما مر بيانه.\nولكن هذا كان في نفوسهم حاضرا ومتدفقا وفعالا في واقع الحياة العملية لا يفتعلونه ولا ينبع من شعور إجباري أو دنيوي أو مشوب، بل هو حب مشبوب كانت نفوسهم متوازية متلازمة مع هذا، وهو ثمرة الصدق في الاتّباع لهذا الدين الإلهي ومنهجه الفريد الوحيد.\nكان أحدهم يتمنى أن يفدي نفسه له ﷺ، ويجد في ذلك حلاوة ومتعة لا تعدلها متعة ولا تقدّم عليها، بل إن أحدهم ليستقل نفسه في هذا.\nوكل أحداث السيرة الشريفة كذلك، في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي السلم والحرب تعبر عن ذلك أقوى تعبير. وخذ في ذلك مثلا ما جرى في غزوة أحد المشهودة.\nوهذا الاستعداد المتقابل والتهيؤ المتواصل والتنامي المتماثل يجري في كل الأمور، وجرى لدى هؤلاء الأصحاب. وأقصد من ذلك أن تربية هؤلاء الأخيار على دين الله تعالى جعل نفوسهم مستعدة للامتثال، إلى حد أنها تمارس هذا المستوى ربما قبل نزول الأمر به من الله تعالى والكف عن المناهي قبل النهي بذلك فيها. حتى لتكاد نفوس هؤلاء الصحابة الكرام تطلب ذلك وتستشرفه وتتوق إليه قبل نزول الأمر فيه أو النهي عنه من الله تعالى، ويتولاه الرسول الكريم ﷺ. وهذا يمثل أحد معالم وميزات ومتفردات التربية القرآنية التي قد أرادها الله تعالى لأهل هذه الدعوة الربانية الكريمة التي لا تصلح\n_________\n(١) سبل الهدى، (٥/ ٦٦١) .","vol":"1","page":147},{"text":"الحياة إلا بها. وهي- إن شاء الله تعالى- مال أهل هذه الأرض.\nومهما حاول الأعداء الذين حاربوا وما زالوا يحاربون هذه الدعوة الكريمة فإن أمرها لابد قادم وقائم وغالب إن شاء الله تعالى وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-64> النساء وفرض الحجاب:</span>\nومثال ذلك ما جرى في موضوع الأمر بفرض الحجاب للنساء، فمما رواه البخاري- رحمه الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة﵂- أنها قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١] . شققن مروطهنّ فاختمرن بها) «١»، كذلك روي عنها في وصف المؤمنات: (كن نساء المؤمنات (نساء من المؤمنات) يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفّعات بمروطهن ثم ينقلبن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنّ أحد من الغلس) «٢» .\nكذلك أثنت عائشة﵂- على نساء الأنصار بمثل ذلك.\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التفسير (سورة النور)، باب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ رقم (٤٤٨٠- ٤٤٨١) . كذلك: رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ (٤/ ٣٥٧)، رقم (٤١٠٢) . جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ، (٢/ ٢٨٠)، رقم (٧٣٢)، (١٠/ ٦٤٤)، رقم (٨٢٦٣) . «الخمر»: جمع خمار (بزنة كتاب كتب) . وهو غطاء الرأس. «الجيوب»: جمع جيب، وهو شق الثوب من ناحية الرأس (ما يظهر منه الصدر) . «المروط»: جمع مرط، وهو الإزار، ما يؤتزر به وتتلفع به المرأة (تغطي به رأسها) . وقد يقال: تلفعت المرأة بمرطها.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، رقم (٥٥٣) . كذلك: أرقام (٣٦٥، ٨٢٩، ٨٣٤) . وأخرجه مسلم، رقم (٦٤٥) . «الغلس»: ظلمة آخر الليل. انظر: تفسير القرطبي، (١٢/ ٢٣٠) . (تفسير آية الحجاب، في سورة النور، ٣١) .","vol":"1","page":148},{"text":"وهذا يعني أن جميع النساء المسلمات هن كذلك، ولكن لكل وصف مناسبته، عند ذكر هؤلاء أو هؤلاء.\nروى أبو داود عن عائشة أم المؤمنين﵂- أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لمّا نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز فشققنهنّ فاتّخذنه خمرا «١» . وفي نفس المعنى كذلك روت صفية بنت شيبة عن أم المؤمنين أم سلمة﵂- قالت: لما نزلت يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] . خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية «٢» .\nكذلك روت صفية بنت شيبة هذه عن عائشة، قالت: بينما نحن عند عائشة، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة﵂-: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار،\n_________\n(١) رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] . (٤/ ٣٥٦)، رقم (٤١٠٠) . انظر: جامع الأصول، (١٠/ ٦٤٣)، رقم (٨٢٦٣) . روته عن عائشة ﵂ الصحابية صفية بنت شيبة. انظر في ترجمتها: أسد الغابة، (٧/ ١٧٢)، رقم (٧٠٥٨) . الإصابة، (٤/ ٣٤٨)، رقم (٦٥٠٧) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٥٠٧)، رقم (١١٨) . حجوز وحجز: جمع، مفردها: جمع، مفردها: حجزة، بوزن حجرة، وهي معقد الإزار وموضع التكة من السروال، يقال: احتجز الرجل أو احتجزت المرأة بالإزار: إذا شده على وسطه أو شدته على وسطها. وصفة الاختمار: أن تضع المرأة الخمار على رأسها فترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر. وكانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدّامها، فأمرن بالاستتار. والخمار للمرأة كالعمامة للرجل. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (٨/ ٤٩٠) . جامع الأصول، (٢/ ٢٨٠- ٢٨١) (الحاشية)، رقم (٧٣٢) . التفسير (٤/ ٢٥١٣)، الأساس في التفسير، (٧/ ٣٧٦٠)، وهذه الأخبار تشير إلى سرعة المبادرة بالامتثال.\n(٢) سنن أبي داود، نفسه، رقم (٤١٠١) . كذلك: جامع الأصول، (١٠/ ٦٤٥)، رقم (٨٢٦٤) .","vol":"1","page":149},{"text":"أشدّ تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. لما نزلت في سورة النور:\nوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته.\nفما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحّل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه. فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهنّ الغربان) «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-65> جيل الصحابة والإقبال على أمر الله:</span>\nوهكذا تلقّى جيل الصحابة الكرام كل الأوامر والنواهي والتوجيهات.\nرغم أن الذي كان يحدث يعدّ أمرا فريدا، يصعب تصديق حدوثه لولا أنه قد حدث فعلا؛ فإن المسحة المعجزة التي تزينه والنسمة العالية التي توصله والقوة الإيمانية الربانية التي تحمله، هي من آثار الإعجاز في هذا الدين- قرآنا وسنة وسيرة- الذي نجده مبثوثا قويا شامخا في فعال أولئك الصحب الكرام، في كل أحوالهم، من الغضب والرضا والعسر واليسر والمنشط والمكره، وفي كل جوانب الحياة وأمورها وتعاملها، في السلم والحرب في الفقر والغنى والسراء والضراء وفي النصر والهزيمة. وإن كان لا هزيمة في مثل هذا البناء، في الحياة وتكاليفها أو في المعارك مع كل الأقوام الآخرى، التي عرف أهلها بالشجاعة. وهم الذين تصدوا ابتداء لحرب المسلمين، مغرورين بكل ما لديهم- وحق ذلك لهم- فهزموا، بفضل الله تعالى جميعا.\nولكن أية هزيمة، ما توقعوها وما سبق أن عرفوها. هزائم تتلوها هزائم، حتى استقاموا أو تركوا أو بادوا.\n_________\n(١) فتح الباري، كتاب التفسير، باب وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، (٨/ ٤٨٩- ٤٩٠)، رقم (٤٧٥٨- ٤٧٥٩) . وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين. انظر: البخاري، (٥/ ١٩٥١، ١٩٥٥) . ابن ماجه، (١/ ٢١١)، رقم (٦٢٤) .","vol":"1","page":150},{"text":"وإن إعجابنا بذلك الجيل الفريد الجديد السعيد، في الفتوحات المعروفة- مثلا- المؤهّلة لهذا، حق وواجب وطبيعي، ولكن فتوحاتهم متوالية متتابعة متصاحبة، في كافة ميادين الحياة، ثمرة هذا الغرس الإيماني والمنهج الإلهي والتربية الربانية، الذي يؤتي أكله كل حين بإذن الله ربه ﷾: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] . وهذا يتم في كل وقت يؤخذ به شرع ومنهج الله تعالى، كما أخذه الصحابة الكرام، ليتكرر في كل جيل ومع أي أحد في كل زمان ومكان وإنسان.\nتلك النماذج والنوعية والمثالية كانت بهذا الدين، وتكون متكررة حين الأخذ به، حيث إن الإسلام جاء لأهل الأرض، بشمولها وشمول حياتهم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن بشرعه نصا ومعنى وتطبيقا كاملا. كما تم في ذلك الجيل الكريم جيل الصحابة الحبيب، الذي حاز الخيرية الشاملة، لهم ولكل من يماثلهم في أي جيل من أي الأمم والشعوب.\nفكان تلقيهم الأوامر الشرعية- وفي أشق الأمور- تلقيا متعاليا متواليا ومتعانقا، مع كل ما يرضي الله تعالى وبينه لهم رسوله ﷺ. وما كان ذلك ليحدث لولا البناء بهذا الدين وعلى قواعده المتينة المتفردة المتجددة، لكل طاقة ومولّدة لها. وحتى لو عرفوه أو بعضه- وهو لا يكون- ما كان ليحدث ولو جزء منه بحال، إلا بهذا الدين.\nومع ذلك فالعجب فوق هذا العجب كله، أن تكون الاستجابة جماعية لا نعرف فيها شذوذا لأحد. وكان كل أحد منهم رقيبا. ليس فقط على نفسه، ولكن كذلك على أهله ومجتمعه وكل من حوله، وبافاق لا مثيل لها، بل لا يعرفها أحد ولا يفتكر فيها أو يتخيلها، فضلا عن أن تكون صورا في الحياة ماثلة قائمة راسخة. بل إنه مهما كان تعلقهم بالأمر فإن استجابتهم للقيام به تتسم بلهفة التنفيذ والحرص عليه والسرعة في الاستجابة المتابعة","vol":"1","page":151},{"text":"الواعية الشمول، والذهاب إلى أبعد حد فيه وأجمل أخذ له. بل قد يسري هذا فيما لم يرد فيه أمر، حين يعرفون أنه لخدمة هذا الدين وتقربا إلى الله رب العالمين ﷾. فهم يسارعون إليه بأعلى مقدار من الاستجابة، لا تخلو من ذهاب إلى أبعد مدى يجاوز المطلوب، ولكنه يتمشى مع الروحية الجميلة الأمينة النزيهة لبناء النفس المسلمة، الذي أقامه هذا الدين، بعد أبعاده وأمدائه ومشمولاته المتلقاة جميعا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-66> قصة تحريم الخمر:</span>\nكل ذلك يتبين في المثال التالي الذي جرى في حياتهم، وفي قضية كانت قبل الإسلام راسخة بتقاليدها الجاهلية وعاداتها المتأصلة القديمة الموروثة، مما يعتبر مسلكا عاما شاملا ومحمودا في مألوفات جاهليتهم ومن مفاخرها.\nوما كان لهم القيام بالإقلاع عنه- وبهذا النوع العجيب- لولا هذا الدين. ذلك هو قصة تحريم الخمر وكيفية استجابة الصحابة الكرام له ونوعيتها، وذلك في أواخر السنة الثالثة للهجرة وبعد معركة أحد، التي جرت في منتصف شوال منها.\nلقد كان تعاملهم مع الخمر واستعمالهم له وتناولهم إياه مسألة عامة يمارسها الجميع بشكل يفوق ممارسة العالم المتحضر اليوم له، شرقا وغربا. والذي للأسف قد سرت عدواه وتسربت إلى بلداننا الإسلامية، وبشكل مرعب ومخيف ومحزن، فنسأل الله العافية.\nويبدو أن شيوع استعمال الخمر- وغيرها من المنكرات، القديمة والجديدة سواء- سمة بارزة، وظاهرة مميزة، ومعلم لازم لكل جاهلية وعلى مدار التاريخ، قديمه وحديثه ومعاصره. وكل هذه الجاهليات تمارسه وهي في أوج جاهليتها، كالمجتمع الروماني والفارسي والجاهلية العربية والجاهلية العلمية المعاصرة.\nوللمقارنة العابرة في موضوع الخمر في العصر الحاضر، وبعد أن تبين","vol":"1","page":152},{"text":"بالعلم والواقع والرؤية آثاره المدمرة للإنسان نفسه ومجتمعه وأجياله، لم تفلح أية دولة ولا نظام ولا تربية حتى بالتخفيف أو التخفف منه، رغم الوسائل المتقدمة والإمكانيات الضخمة التي تحوزها والجهود الكبيرة. ليس ذلك فقط- ومع بذل المحاولات في بعضها وبشكل جاد- نرى هذه الظاهرة تتسع وتزداد، أفقا وعمقا. وتنتشر وعلى وضع مخيف ويزداد المعاقرون لها، بل وبين الناشئة والمراهقين والفتيان بل والصغار من الذكور والإناث.\nولقد حاولت الحد منها أو منعها عدة دول غربية في أوربا وأمريكا وغيرها، كالسويد والولايات المتحدة والهند كذلك، ففشلت تمام الفشل.\nكانت هذه بدافع دنيوي طبعا، ولما لمست من آثاره المدمرة، ليس على الجيل المعاقر له بل على نسله، فضلا عن الأمراض والآثار الاجتماعية والخلقية والإنتاجية. لقد حاولت أمريكا وفشلت، بعد أن سنّت قانونا سنة (١٩١٩ م)، واستمرت تعمل به طوال أربعة عشر عاما، ثم اضطرت إلى إلغائه والتخلي عنه، أمام الفشل الذريع المريع المذهل، الذي ربما أتى بعكس الرجاء منه، وبعد أن أنفقت مئات الملايين من الدولارات والجنيهات وأعدم بسببه المئات من الرجال وسجن مئات الآلاف منهم. كان الفشل الغريب- وليس بغريب- هو الحصيلة الواضحة من ورائه. وهذا في كل الأمور يتكرر وفي كل محاولات الإصلاح الجادة ينظر. وفي عالم المخدرات وتجاراتها نرى كم من محاولات بذلت في كثير من دول العالم، في مصر والغرب وأمريكا اللاتينية ولكن لا فائدة. وحتى لو أمكن تحقيق شيء فهو بالحديد والنار، وليس عن اقتناع أو استجابة، من المعاقرين له والمتاجرين به ومن معهم. وذلك لأنهم أخطؤوا الطريق، ربما اختيارا أو إصرارا أو جهلا أو تجاهلا وازدراء. وهذا الغرب أمامنا ومحاولاته في علاج أنواع الفساد الذي يستشري فيه. وكل يوم يزداد هذا كما يزداد فشله في علاجها، وفي تقابل مطّرد.\nويعتبر هذا في الميزان الإسلامي ساذجا وفجا وعبيطا، ليس فقط لأنه","vol":"1","page":153},{"text":"عالج القضية أجزاء وتفاريق ومن السطح، مقطوعة عن كلياتها وأمهاتها وارتباطاتها، بل يعتبر أسلوبا تائها لا يوقع الإنسان ولا يرفعه ولا يورثه إلا مزيدا من السقوط في التّيه، حين يكون بعيدا عن الله تعالى. وهو مظهر بوضوح عبث محاولات الإصلاح بغير منهج الله تعالى.\nوقل مثل ذلك في كل المحاولات بأنواع أساليبها وتعدد ميادينها. بل هو طبيعي لا تنتظر غير ذلك منه، مثلما هو طبيعي بالنسبة للإسلام، لا تنتظر منه إلا ذلك التفرد العجيب المميز.\nخذ كذلك الظواهر المتنوعة المعاصرة، حتى في البلدان التي بلغت شأوا بعيدا في مضمار التقدم المدني والعلمي والتقني ومعالجاتها التي ظنت- وللأسف ظننا معهم- رقيها وسبقها وتفردها، فما حصدت إلا الذّبول والنّكول والتّدني في جميع القضايا الإنسانية، وما يخص المرأة وما يخص الظواهر الجديدة كالإيدز، بسبب البعد عن منهج الله تعالى.\nإن الخمر- كالميسر، كبقية الملاهي- ثم كالجنون بما يسمونه (الألعاب الرياضية) والإسراف في الاهتمام بمشاهدها ... كالجنون بالسرعة ... كالجنون بالسينما ... كالجنون بالمودات والتقاليع ...\nكالجنون بالمصارعة والملاكمة ... كالجنون بمصارعة الثيران ...\nكالجنون ببقية التفاهات التي تغشى البشرية، حتى لتكاد أن تصبح كالقطعان بل قل كالأنعام في بعض الأحيان في مواقع وبلدان في الجاهلية الحديثة اليوم، جاهلية الحضارة الصناعية والتقنية والعلمية المترهّلة.\nإن هذه كلها ليست إلا تعبيرا عن الخواء الروحي من التربية الحقة والعجز والهزيمة أمام تحقيق أي لون من الإصلاح والوصول لعلاج الفاسدات والمفسدات، لتفلس أمامها، الأمر الذي ينقلب أحيانا إلى مماشاتها بل والأخذ بها. بل وأحيانا- تلك وهناك- الفقر المدقع من الإيمان أولا ومن الاهتمامات الكبيرة- نتيجة لذلك- التي تستنفد الطاقة ثانيا. وهي ليست إلا إعلانا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقة أو الحاجة أو الرغبة الفطرية","vol":"1","page":154},{"text":"بطريقة سويّة. ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ، كما يقودان إلى كل أنواع ذلك الجنون وغيره. وهما الخواء والإفلاس وما يتبعهما، بذاتهما- اللذان يقودان، كما يتم، والعياذ بالله ونسأل الله العافية، إلى الجنون المعروف، وإلى المرض النفسي والعصبي والشذوذ. بل يذكر أن للخمر (والتدخين) علاقة بالعقم!!!\nلكن انظر الذي حققه الإسلام في هذا الشأن وفي غيره من كل شؤون الحياة، حققه ويحققه بكلمات الله تعالى المعجزة، بلاغة وأثرا وتفردا.\nإنها لم تكن مجرد كلمات- كما قد يظن- إنها كلمات الله ﷾، وهي التي حققت تلك المعجزة الفريدة. إنه كان بالمنهج الرباني، منهج هذه الكلمات، متنه وأصله، منهج من صنع رب الناس لا من صنع الناس. وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج لا تؤدي إلى كثير أو كبير أو جدير، بل إلى الهزيل لا بل إلى التأذي والتردي والتدني البعيد، لا بل إلى التدمير المحقق والخطير.\nإنه ليست المسألة أن يقال كلام، فالكلام كثير. وقد يكتب فلان أو غيره من الفلاسفة والمفلسفين أو من الشعراء أو من المفكرين أو حتى من السلاطين! قد يكتب كلاما ملفقا أو مزوقا أو ملقنا- استعارة أو تجارة أو شطارة، من يده أو يد غيره- قد يكتب كلاما مهما أو منمقا جميلا يبدو أنه يؤلف منهجا أو مذهبا أو فلسفة «١» ... ولكن ضمائر الناس تتلقاه بلا سلطان\n_________\n(١) لقد توفرت كل هذه الأنواع وغيرها، مما قد لا يؤمن بها حتى مدّعيها أو مستأجريها، من الأقاويل المصنعة أو المصطنعة. نراه في عصرنا وحوالينا خاصة، لمواجهة الإسلام ومحاربته ورده. يريدون غلبته بما ملكوا من القهر والنهر والنحر، وبما أعدوا من أسباب القوة الغشوم، مما يشير إلى رعبهم من الإسلام، حين يأتي فارسه وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] . ولكن حين ذاك لا ينفع ما لديهم، فيهربون باحثين عن ملجأ ويتمنون النجاة، لعلهم يعثرون على مخبأ ما، ولات ساعة مهرب.","vol":"1","page":155},{"text":"لأنه ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:\n٤٠] «١» .\nفمصدر الكلمة هنا هو الذي يمنحها السلطان، سلطان العليم الرحمن الرحيم الحكيم القادر الكريم المتفرد. وهي كلمة- فوق ذلك- تستكمن في ذاتها أسرارا من القوة والفاعلية والبركة المؤثرة، بجعل أثرها معجزا، لا يدرك بحال.\nبينما مناهج البشر جميعا تفتقد كل هذا فلا تقود إلا إلى التردي، وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور ومحدودية وغموض وعجز.\nفمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج، غير منهج العليم الخبير؟ وأن يشرّعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلّاق القدير؟\nمتى ومتى؟ متى ينتهون عن هذا الغرور؟؟!\nلكني أقول: إنه لا يتم شيء من ذلك إلا يوم يتم- بقدر الله تعالى- لأهل هذه الدعوة الكريمة أن يقيموا منهج الله في الأرض، فيراه الآخرون حقيقة واقعة، يرون آثارها ويألفون منارها ويتذوقون ثمارها. وهو ما جرى واضحا في السيرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام. حيث أقبلوا عليها واستظلوا بظلها وتفيّؤوا أشجارها واجتنوا ثمارها الطيبة، عبقت بألوان الطّعوم.\nرغم أنهم حاربوه طويلا بكل سبيل دون هوادة، وبأكثر من ذلك. ولكن حين رأوه في الحياة قائما، هرعوا إليه مؤمنين به، يتسابقون ويتنافسون في\n_________\n(١) انظر: التفسير، (٢/ ٦٦٧) .","vol":"1","page":156},{"text":"خدمته غير مدخرين لطاقة. فأصبح أشدّ الأعداء من أبر الأبناء، وهذا من معجزات الإسلام لا يستطيعه غيره بحال «١» .\nومن الملاحظ أن كثيرا من هذه الأنظمة الوضعية الأرضية البشرية- شرقا وغربا، التي تحاول عمل شيء في هذا المضمار، وهي لا تزيدها إلا سوآ فوق سوئها وترديا إلى جانب ترديها وعبئا مع ثقلها- لم تحقق شيئا في أي من هذه المضامير والضمائر والمضامين، وحتى التي رفعت لها الرايات وادّعت سبقها وتفردها متّهمة غيرها. وكانت أفشل من غيرها- كل الأنظمة الوضعية ومن تلك التي قامت على أنقاضها ووصفتها بأشنع الاتهامات، بل حتى صار الناس يترحمون على تلك والتي هم أنفسهم كانوا يتمنون زوالها:\nربّ يوم بكيت منه فلما ... تولى بكيت عليه\nومن العجيب- أو ليس بعجيب- أن كل هذه الأنظمة والأوضاع الجاهلية تحارب دين الله تعالى- بزعامة الصهيونية والصليبية والعلمانية- وتتحد عليه، وهي متعادية متحاربة متوالية، جمعها الهدف والمهمة والمركبة الواحدة، التي اصطنعتها من أجل ذلك، فصارت عليه إلبا واحدا، لحسابها أو لحساب غيرها. بل إن بعض الأوضاع ادّعت تقدمها وقوتها وتفردها في المناهج الإصلاحية وتحت هذه الشعارات- ليس فقط حاولت وفشلت ولا أهملت فحسب، بل كأنها تدعو إلى الفساد والإفساد والخروج عن طاعة الله تعالى، وإن تزيت به- لكنها تتعامل في الواقع بمقولة تستنكرها في الظاهر، هي: (إثابة المسيء وعقوبة المحسن) .\n_________\n(١) يبدو أن كثيرا من الأوضاع في العالم اليوم تفرض القوى العالمية- الصهيونية والصليبية والعلمانية (اللادينية) - عليها توجيهات معينة وتملي إرادتها المحددة. وهذا يجري في بقاع كثيرة من العالم، شرقا وغربا. حتى ليظهر- أحيانا- أنه لا تكاد تفلت منها- إن فلتت بحال- إلا القلة، وأن هذه القوى تريد الإطباق على الجميع. ونحن نسأل الله العافية من ذلك وأمثاله، بالاعتصام بمنهج الله القويم.","vol":"1","page":157},{"text":"أمور لو تدبّرها حكيم ... إذا لنهى وهيّب ما استطاعا «١»\nوهذا كله مما يجعل النداء إلى دين الله قائما ولازما على أهله، معلنين الدعوة إلى هذا الخير والاستقامة والصلاح، الذي لا يتم إلا بهذا الدين وحده، ولا طريق له إلا من هذا الدين فهو وحده الطريق. وهو أقصر الطرق وأصدقها وأنجاها، فضلا عن كونه أجودها وأبركها وأحلاها. فإن تقوى الله وحدها والأخذ بمنهجه- عقيدة وعبادة وشريعة- هي دوما وحدها الكفيلة بإصلاح القلوب وإنارة النفوس وتعمير الحياة. وهذه التقوى لله تعالى والأخذ بشرعه تقوم على الأساس الأمين والركن الركين وهو لا إله إلا الله، بشمول معناها وعمق مبناها ودليل محتواها. وهي دعوة جميع الرسل، عليهم الصلاة والسلام. والرسول الكريم ﷺ دعا إليها طول عمر النبوة المنيرة الخيّرة المباركة.\nوخلال الدعوة المكية كانت الدعوة إليها باعتبارها الأساس الذي يقوم عليها البناء الإسلامي كله. وكانت خلالها هي القضية الوحيدة التي يعمل لها، ويجاهد لأجلها وينادي داعيا إليها «٢» .\nمن ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله ﷺ بصر عيني بسوق ذي المجاز (يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله) يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «٣» .\n_________\n(١) هذا البيت من قصيدة في الحكمة للقطامي (نحو ١٣٠ هـ) . «تدبرها»: نظر في عواقبها. «نهى»: انتهى عن فعلها. «هيّب»: خوّف الآخرين منها وحذّرهم إيّاها.\n(٢) انظر: التفسير، (٢/ ٩٧٣، ٩٨٧) .\n(٣) المسند، (٣/ ٤٩٢)، (٤/ ٣٤١) . المعجم الكبير، الطبراني، (٥/ ٦١)، رقم الحديث (٤٥٨٢) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٥١٦)، رقم (١٢٤) . حياة الصحابة، (١/ ١٠٧) . سيرة ابن هشام، (١/ ٤٢٣) . (ويذكر منى بدلا من المجاز، لقربها منها. ولعل رؤية ربيعة للرسول ﷺ تكررت في عدة أماكن لقرب منازلهم من هذه الأمكنة المرتادة، للحج أو التجارة والمشاركة في هذه الأسواق) . سيرة ابن كثير،","vol":"1","page":158},{"text":"ولا بد قبل بيان سرعة استجابة الصحابة الكرام والمسلمين والهروع لتنفيذه، أن يعرف موقع شيوع الخمرة في الجاهلية العربية. أقول: لقد كان تعلق العرب بالخمر- قبل الإسلام، لا سيما في المدن مكة (وقريش) والمدينة وغيرها- ربما أكثر من تعلق المدمنين اليوم في الحضارة المعاصرة أو الجاهلية المعاصرة. وربما استعاض أولئك العرب بها عن الماء لأيام.\nويلحظ أن هذه الأمور- كالخمر- هي من معالم الجاهلية وعلاماتها وعاداتها- وكل جاهلية- كما نشهده اليوم في الحضارة (الغربية) المعاصرة، شرقا وغربا. والبلاد الإسلامية كثيرا ما تقلدهم في ذلك وفي غيره، وكأنها زاد تقدّم وحضارة حقّة.\nكما لا بد من ملاحظة أن الذين أدركوا في الغرب خطورة الخمرة وأثرها السيىء وأضرارها المتنوعة، البدنية والعقلية والنفسية، وعلى النسل، وكذلك الاجتماعية والخلقية والحضارية. رغم ذلك فهم يعاقرونها صبوحا\n_________\n(١/ ٤٦٢) . وذكر مثل هذا المشهد أو الموقف آخرون مثلما ذكره ربيعة بن عباد. زاد المعاد، (٣/ ٣٩، ٥٦٦- ٥٦٧) . أسد الغابة، (٣/ ٤٩) . السيرة النبوية، الذهبي، (١٥١) . (والذهبي يروي دعوة التوحيد: «لا إله إلا الله تفلحوا» مكررة) . ذو المجاز: من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، يقع شمال عرفة. وكات تأتي أهميته بعد سوق مجنّة، وهذا بعد عكاظ. «وكانت العرب إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوال ثم تنتقل إلى سوق مجنة فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة، ثم تنتقل إلى سوق ذي المجاز فتقيم فيه إلى أيام الحج» . مراصد الاطلاع، (٢/ ٩٥٣) . والظاهر أن سوق ذي المجاز كان أقرب هذه الأسواق لمكة، حيث هو آخر الأسواق، لتواجدهم فيها، وفيها كانت إجازة الحاج، ولعله كان أقرب الأسواق لمنازل ربيعة بن عباد. وقد كان بلال الحبشي لدى أوائل الهجرة إلى المدينة يتشوق إلى هذه الأماكن ويقول:\nألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل\nوهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل\nرواه البخاري، رقم (١٧٩٠) . ومسلم، رقم (١٣٧٦) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٥٤) .","vol":"1","page":159},{"text":"وغبوقا «١»، بل وحتى الأطباء الذين يعرفونها أكثر من غيرهم وينصحون الناس بالكف عن تناولها. وهذا يعني أنه لا المعرفة وحدها ولا القناعة بحالها ولا التقنيات بمفردها تكفي للإقبال أو الإدبار، ولا تصلح للبناء والتربية والاستقامة، لانقطاعها عن النفس، بانقطاعها عن منهج الله تعالى.\nومن هنا كان لا بد أن تفشل كل المبادئ الوضعية وفلسفاتها وأنظمتها ونظرياتها، التي يضعها البشر للبشر، والذي يمثل صيغة من صيغ الخروج عن الفطرة، بخروجها من العبودية لله تعالى والاستبداد بسلطان ليس لهم، هو سلطان الله تعالى، الذي اعتدوا عليه. ولا نذهب بعيدا، والحاضر على ذلك دليل، أي دليل. خذ مثلا وشاهدا وما أكثرها. فما أكثر النظريات الحديثة في مختلف الميادين، التي لو صدقت فلا تصلح لذلك. وقد بدا ليس فقط فشلها بل كذبها وسقوطها وبطلانها.\nفهي تنهزم أمام الواقع والحقائق والعلم. وتلحظ هذه الهزائم حتى في مواطنها، فيما قاله العديد من العلماء الذين ما يزالون- لا سيما عندنا- يحتلون منصات التقدم العلمي، من أمثال: دارون وفرويد ودوركايم وهكسلي ونيتشه وكنت وبرجسون وغيرهم كثير.\nوسيأتي يوم- إن شاء الله- تبدو فيه كل هذه الفلسفات والنظريات والمذاهب جاهلية، ننظر إليها كما ننظر إلى الجاهليات السابقة ومعبوداتها، إلى حد تثير الدهشة، كيف قبلها الناس في جيل وارتضوها وعاشوها؟ وكما أن الظّلمة لا تعرف لتهجر وتنبذ إلا حين يشع النور، أعني نور الله تعالى، يعرف به الإنسان الطريق صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .\nوكما حدث أيام الرسول ﷺ حين أسلم من أسلم، وقد حمد الله تعالى\n_________\n(١) «الصبوح»: ما يشرب (أو يحلب) صباحا. «الغبوق»: مثل ذلك مساء.","vol":"1","page":160},{"text":"على الإسلام بعد الجاهلية: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .\nلقد حدثت الاستجابة لتحريم الخمر لدى الجيل الخيّر، والانتهاء منه، مثلما حدث في موضوع الحجاب، الذي تستبين من خلاله طاعة النساء كلهن، وهن جزء من المجتمع الإسلامي والجماعة المسلمة ونصفه. وكيف أيضا فرح الرجال بتنفيذه. وفي تحريم الخمر كذلك كانت نفس الاستجابة.\nوالحق أننا لا ننتظر إلا هذه الصورة الفريدة. لأن الإسلام هو الذي يصلح القلوب التي منها يأتي كل الصلاح «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» «١» .\nومع ما كان للخمر من مكانة في نفوس أولئك القوم ومن تعلّق شديد ومعاقرة متسعة. انظر كيف كانت استجابتهم- بعد أن تربوا على الإسلام- للإقلاع عنها وعدم التعامل معها أو التداول بها أو التمثل بالأقاويل فيها، بأي شكل وحال. ما كان أحد يتصور- بدون الإسلام- أن يقلع أحد منهم عنها، فضلا عن أن يكون بالشكل الذي تم به، بعد ذلك التعلق الشامل والمعايشة الدائمة والإدمان الشنيع، إلى حدّ كانت من مفاخرهم في نواديهم ومجالسهم وشعرهم كذلك.\nفالآيات الكريمة والأمثلة الواضحة والروايات المتعددة كلها تبين وتؤكد وتؤيد بشكل شامل، على تغلغل هذه الظاهرة- معاقرة الخمرة- في المجتمع الجاهلي. وكانت هي والميسر الظاهرتين البارزتين المتداخلتين في تقاليد هذا المجتمع.\nفماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة؟ ماذا صنع\n_________\n(١) رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢) . ومسلم، رقم (١٥٩٩) . انظر: أعلاه، ص ٧٥ وبعدها.","vol":"1","page":161},{"text":"لمكافحة هذه الآفة، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقم واع أبدا؟\nماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة، تتعلق بها تقاليد اجتماعية، كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟\nلقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن! وعلى مراحل، وفي رفق وتؤدة. وكسب المعركة، دون حرب ودون تضحيات ودون إراقة دماء. والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها، وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين- حين سمعوا آية التحريم- فمجّوها من أفواههم ولم يبلعوها!!\nلقد اتبع الإسلام- وهو دين الله تعالى- أسلوب التدرج أمام هذه القضية. علما أن هذا مرتبط بنوع البناء والتربية الربانية للجماعة المسلمة، وما كان يثمر أبدا، لا هذا ولا غيره بدون هذه القاعدة الإسلامية الصّلبة.\nولقد كان للتحريم مراحل سبقت ومهدت له، حتى بات المسلمون هم أنفسهم يطلبون البيان الشافي في هذا ويستعدون، بل ويتمنون تحريمها.\nوهذه السّمة والعلامة والاتجاه هو ما أسميه الاستعداد المسبق المتقابل الذي يجعل النفس المسلمة ذاتها- بتربيتها- تطلب الوقوف عند الصيغ الإسلامية قبل الأمر بها، فإذا ما جاء ذلك الأمر كان التنفيذ سريعا. وهذا ما يجعله ترنو إليه بما تربت عليه قبل الأمر به، وعند ذلك يكون سبّاقا في قبوله وانطلاقه له، بل وفرحا بالأخذ به حريصا عليه، ومن فوق هذا الأفق الكريم المتسامي في امتثاله.\nجرى لتحريم الخمر ثلاث أو أربع مراحل، وذلك بعد بناء هذه النفس المسلمة ومجتمعها على كلمة التوحيد الخالص لله تعالى في العقيدة والعبادة والشريعة، وهو معنى ومحتوى ومقتضى كلمة «لا إله إلا الله»، الكلمة التي لا يقدّم عليها شيء ولا يفوقها ولا يقوم قبلها. وكل أمر يا بنى عليها، بعد قيامها في النفس.","vol":"1","page":162},{"text":"١- آية في سورة النحل وهي مكية: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: ٦٧] «١» .\nوهذه الآية لا تحرّم الخمر ولكنها تشير إلى أن الخمر (السّكر) ليس رزقا حسنا والرزق الحسن غيره. والآية تصف الواقع في ذلك الوقت من أنّ الخمر تؤخذ من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيها نص بحلّها. ولكن ذلك ممكن أن يعتبر إشارة إلى اتجاه تحريمها والتمهيد له.\n٢- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] «٢» .\nوهذه الآية الكريمة تبين أن إثم الخمر- كالميسر (القمار) - أكبر من النفع فيه. وليس في هذا حل لها، وهو ما لا يوجد في القرآن مثله. وهذا يعتبر تلميحا- أكبر من الآية السابقة- إلى التقليل من التعامل بها. وهو تمهيد أكبر لتحريمها، وهو تدرج لتحريمها.\n٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] «٣» .\nوهذه الآية الكريمة تعتبر حلقة أخرى في خطوات تحريم الخمر. حيث تضيّق أوقات شربها وتحدده، فلا يشربها قبل الصلاة لخمسة أوقات، حتى يعرف المسلم ماذا يقول في صلاته. فلم يبق إلا وقت قليل لمعاقرتها. وبعد نزول هذه الآية الكريمة كان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي:\n«ألا لا يقربنّ الصلاة سكران» .\n٤- ثم يأتي الأمر الجازم بتحريمها (مع الميسر)، نصا قاطعا أقوى من\n_________\n(١) تفسير القرطبي، (١٠/ ١٢٧) . التفسير (٤/ ٢١٨١) .\n(٢) تفسير القرطبي، (٣/ ٥١) . التفسير، (١/ ٢٢٩) .\n(٣) تفسير القرطبي، (٥/ ٢٠٠) . التفسير، (٢/ ٦٦٢- ٦٦٨) .","vol":"1","page":163},{"text":"لفظ التحريم، حيث قرنها بتحريم الأنصاب والأزلام، أي الشرك بالله تعالى، نعوذ بالله منه.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠- ٩١] «١» .\nكان هذا الأمر الإلهي- بالانتهاء عن الخمر- تحريما قاطعا حازما شديدا، ومع ذلك فقد استجاب المسلمون له أروع استجابة، مستريحة وفرحة متلهفة. تم ذلك وكأنه كان أملهم ومأربهم ومطلبهم. ذلك هو ثمر هذا البناء الرباني الكريم على منهج الله تعالى. وهذا هو الفرق بينه وفي علاجه للنفس الإنسانية والمجتمع والحياة وبين كل ما عداه من المناهج الوضعية الأرضية الجاهلية غابرا وحاضرا ومستقبلا.\nانظر كيف تمت هذه المعجزة المتفردة، التي لا نظير لها في تاريخ البشرية، ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والتقنيات والتنظيمات والتنظيرات والإجراآت والإصلاحات، في أي مكان ولا في أي زمان ولا لدى أي إنسان؟\nلقد تمت المعجزة؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته\n_________\n(١) تفسير القرطبي، (٥/ ٢٠٠)، (٦/ ٢٨٥) . التفسير، (٢/ ٩٧٣- ٩٧٩) . «الأنصاب»: جمع مفردها: النّصب النّصب: ما ينصب ليعبد من دون الله. أو هي الأصنام أو حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح. «الأزلام»: جمع مفردها الزّلم: وهي السهام التي كانوا يستقسمون بها، إذا أرادوا أمرا فيأتمرون بها. تفسير القرطبي، (٦/ ٥٧) . أو هي القداح (الأقداح) مفردها القدح. يستعمل لنفس الغرض، أو هي قداح الميسر. تفسير القرطبي، (٦/ ٥٨) . البخاري: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: ٩٠] . التفسير، (٤/ ١٦٨٧) . رجس: نجس مستقذر أو إثم فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟: هي حرمة مشددة، وهي صيغة الاستفهام الإنكاري. وهو من أبلغ ما ينهى به ووعيد شديد زائد على معنى انتهوا. لذلك فهم قالوا في الامتثال: انتهينا. تفسير القرطبي، (٦/ ٢٩٢) . فهو تحريم قاطع مؤكد نهائيا تماما.","vol":"1","page":164},{"text":"الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله- سبحانه وتبارك وتعالى- فيها حضورا لا تملك الغافلة عنه لحظة من زمان. أخذها جملة لا تفاريق وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة.\nلقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغا تملؤه بنشوة الخمر وخيالات السكر وما يصاحبهما من مفاخرات وخيلاء وادعاء، تذهب في الهواء. ملأ فراغها باهتمامات، منها: نقل هذه البشرية الشاردة كلها من تيه الجاهلية الأجرد وهجيرها المتلظي وظلامها الدامس وعبوديتها المذلة وضيقها الخانق إلى رياض الإسلام البديعة وظلاله الندية ونوره الوضئ وحريته الكريمة وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة!\nملأ فراغها بالإيمان، وبهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج.\nفلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر، تحلق بها في خيالات كاذبة وسراب خادع وأوهام مضحكة، تتراءى متوثبة متأهبة. فأين هي من تلك الأحاسيس الرضية، ترفّ بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضئ وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها وترفض خمارها (آلامها وآثارها) وصداعها وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية!\nلقد استنقذ هذا الإيمان بكل إحساساته وموراته وتدفقاته الفطرة من ركام الجاهلية. وفتحها بمفاتيحها الذي لا تفتح بغيره، وتمشي في حناياها وأوصالها وفي مسالكها ودروبها، ينشر النور والحياة والنظافة والطهر واليقظة والهمة والاندفاع للخير الكثير والعمل الكبير والخلافة في الأرض؛ بأصولها التي قررها العليم الحكيم الخبير، وعلى عهد الله وشرطه وعلى هدى ونور منه.\nتم هذا بكل يسر وسهولة وشمول، رغم ما مر بنا من تعلقهم الزائد بالخمر قبل الإسلام- وفي الإسلام- حتى كان تحريمها. كانوا يعاقرونها بهذه الممارسة الشرهة الشاملة، إلى حدّ كانت الخمرة مادة فخرهم وأدبهم وشعرهم، مثلما هي مادة نواديهم ومجالسهم وأسمارهم. كما كان أدواتها","vol":"1","page":165},{"text":"وتقاليدها ومصطلحاتها، وأصبح الخمر أحد أهم أغراضهم الشعرية.\nوإنك لتجد ذلك في العديد من معلقاتهم، التي هي مستجاد شعرهم، ومستجاد الشاعر عندهم. وكانت- فوق ذلك كله- تقليدا اجتماعيا مرتبطا بجذور حياتهم الاقتصادية والتجارية، فهي قوام تجارتهم «١» .\nوقل مثل ذلك في الميسر الذي بلغ من ولوعهم به وتعلقهم بممارسته حدّا «كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حريبا سليبا ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاء، فنهى الله عن ذلك وقدّم فيه، والله أعلم بالذي يصلح خلقه» «٢» .\nلقد بلغ من شيوع تجارة الخمرة ورواجها وإلفتهم لها أن كلمة التجارة غدت مرادفة لتجارة الخمر وبيعه. وفي ذلك يقول شاعرهم لبيد بن ربيعة بن مالك- قبل إسلامه طبعا- في معلقته «٣»:\nقد بتّ سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها\n_________\n(١) كانت الخمر تصنع في المدينة- طبعا قبل تحريمها- من خمسة أشربة، من التمر (والعنب) والعسل والحنطة والشعير والذرة، وليس فيها شراب العنب. البخاري، رقم (٤٣٤٠) . التفسير: (٤/ ١٦٨٩) .\n(٢) تفسير الطبري، (٧/ ٣٥) . «حريبا»: مسلوب المال الذي يعيش به. وهذا يشير أيضا إلى هبوط قيمة الإنسان عندهم، والمرأة طبعا أكثر.\n(٣) لبيد بن ربيعة بن مالك العامري: شاعر مخضرم، أسلم سنة (٩ هـ) . وهو من فحول الشعراء والفرسان الشجعان المخضرمين المعمرين، وأحد أصحاب المعلقات السبع. كان هو المقصود بقول رسول الله ﷺ: «أصدق كلمة قالها الشاعر، كلمة لبيد، ألا كلّ ما خلا الله باطل..» البخاري، رقم (٣٦٢٨) . «سامرها»: سامرا فيها. «غاية تاجر»: راية تاجر يبيع الخمر، ينصبها علامة عليها وعلى جودتها. «رفعت»: رفعت الراية أو ثمن الخمر. «عز مدامها»: غلا ثمنها وهي معتقة. يريد أنه سهر تلك الليلة، فإذا تاجر (بائع خمر) رفع راية (غاية)، علامة بائع الخمر الجيد، فاشتراها، رغم ارتفاع ثمنها.","vol":"1","page":166},{"text":"ويقول المنخّل اليشكري «١» (نحو ٢٠ ق. هـ):\nولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير\nفإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسّدير\nوإذا صحوت فإنني ... ربّ الشّويهة والبعير\nوشعراء آخرون كثيرون تناولوا هذا الاتجاه بشعرهم «٢» .\nومع كل ذلك كانت استجابتهم في الإقلاع عنها عجيبة من عجائب هذا الدين، وكله عجائب، عجبا مستمدا من هذا المنهج الإلهي وقائما على هذه التربية الربانية الفريدة ومتيقظا بالصدق الأمين في الله تعالى.\nوانتهى المسلمون كافة، وأريقت زقاق الخمر وكسرت دنانها في كل مكان، بمجرد سماع الأمر. ومج الذين كانت في أفواههم جرعات من الخمر ما في أفواههم- حين سمعوا الأمر- ولم يبلعوها وهي في أفواههم وهم شاربون. ولم يتم ذلك عن طريق سيطرة الدولة وتقنيناتها وتقنياتها وإشرافها ورقابتها، بل تم بسلطان القرآن الكريم، وما أعظمه من سلطان «٣» .\nالظاهر أن كثرة من الصحابة الكرام كانوا يعاقرون الخمر، قبل تحريمها، مما يدل على شيوعها وتمكن هذه العادة وتأصل هذا التقليد.\nفعمر بن الخطاب- مثلا- ممن كان يعاقرها، منذ جاهليته. وهو الذي يقول في قصة إسلامه: (كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أصبها وأشربها. وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزوّرة ...\nفقلت في نفسي: فلو أني جئت فلانا الخمّار، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي\n_________\n(١) التفسير، (٢/ ٦٦٤) .\n(٢) انظر في ذلك: التفسير، (٢/ ٦٦٣) وبعدها.\n(٣) التفسير، (٢/ ٦٦٦) .","vol":"1","page":167},{"text":"أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت ...) «١» .\nولكنه ظل يشربها في الإسلام- مثل غيره- فلما نزلت آية البقرة (٢١٩) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. ولما نزلت آية النساء (٤٣): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. قال: اللهم بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر. حتى إذا نزلت آية التحريم التي في المائدة (٩٠- ٩١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٢» . قال: - وقال المسلمون جميعا- انتهينا انتهينا «٣» ! وانتهى وانتهوا منها جميعا، وإلى غير رجعة.\nوروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا ...»» .\nوهكذا رويت أخبار عن عديد من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار، أنهم كانوا يعاقرونها، مثل سعد بن أبي وقاص «٥» .\nوروي عن الصحابي الجليل أنس بن مالك، ﵁ قال: (فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟\nفقالوا: وما ذاك؟ قال: حرّمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل) «٦» . ولقد ورد الخبر\n_________\n(١) سبل الهدى، (٧/ ٣٣) . التفسير، (٢/ ٦٦٤) .\n(٢) تفسير الطبري، (٧/ ٣٣) . التفسير، (٢/ ٦٦٤) .\n(٣) تفسير الطبري، (٧/ ٣٣) وحولها.\n(٤) التفسير، (٢/ ٦٦٥) . كذلك: تفسير الطبري، (٥/ ٩٥) .\n(٥) تفسير الطبري، (٧/ ٣٤) .\n(٦) رواه البخاري: كتاب التفسير (المائدة)، رقم (٤٣٤١) . «أهرق»: اسكب.","vol":"1","page":168},{"text":"بكلمات أخرى عن أنس أيضا، يقول: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي:\n«ألا إنّ الخمر قد حرّمت» . قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها.\nفخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة ...) «١» .\nإن امتثال الصحابة الكرام في الانتهاء عن تناول الخمر- وبهذا الشكل القوي- لهو معجزة من معجزات الإسلام، إذ استجابوا بشكل كامل وجماعي، وأراقوا ما لديهم منه، ولم يؤجلوا ولم يبيعوا ما لديهم منه لغيرهم، حتى لغير المسلمين، بل ولم يعطوه لأحد «٢» . فما أن سمعوا بالخبر- مجرد الخبر- من رجل مسلم حتى نفذوه قبل أن يستفسروا، حتى قالوا انتهينا يا رب «٣» .\nوانظر هذه الصورة التي يذكرها الإمام ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) في تفسيره (جامع البيان عن تأويل القرآن) . فيروي عن الصحابي الجليل\n_________\n«القلال»: جمع قلّة، وهي الجرة التي يقلها- أي: يحملها- القوي من الرجال. «عنها»: عن تحريم الخمر. «راجعوها»: أي لم يرجعوا إلى شرب الخمر، «أو»: لم يرجعوا إلى النبي ﷺ ليتأكدوا منه خبر التحريم (ويبدو هذا أرجح) . وهذا يدل على صدق المسلمين فيما ينقلون وثقتهم بعضهم ببعض، وأنهم أتقياء في هذا وغيره. وهذا أمر طبيعي.\n(١) رواه البخاري: كتاب المظالم، باب: صب الخمر في الطريق، رقم (٢٣٣٢) . ومسلم، رقم (١٩٨٠) . أبو طلحة بن سهل الخزرجي النجاري (٥١ هـ) زوج أم سليم (الرّميصاء) الأنصارية النجارية الخزرجية (١/ ٣٠٤) . أسد الغابة، (٧/ ٣٤٥) .\n(٢) حرم الإسلام التعامل به بأي حال وعدم المشاركة بأي أمر يتعلق به. انظر: الأساس في التفسير، (٣/ ١٥٠٧- ١٥٠٨) . روى الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: «لعنت الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها» . المسند، (٢/ ٩٧) . التفسير، (١/ ٣١٦) . الأساس في التفسير، (٣/ ١٥٠٦) .\n(٣) تفسير الطبري، ٧/ ٣٣) .","vol":"1","page":169},{"text":"بريدة بن الحصيب الأسلمي (٦٣ هـ) «١» . أنه قال: (بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية لنا ونحن نشرب الخمر حلّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: ٩٠]، إلى آخر الآيتين فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: وبعض القوم شربته في يده، وقد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا! «٢» .\nوما عرف عن أحد من الصحابة أنه شرب خمرا أبدا، بعد ذلك بحال.\nفالحمد لله رب العالمين.\nوهكذا اندثرت هذه الممارسات والتقاليد الغائرة في جاهليتهم، وحتى في إسلامهم قبل التحريم، وفي لمح البصر. انتهت تلك من حياتهم، بعد ما أحبوها، وبعد التحريم أحبوها تحريمها وما أحبوها. وأصبحت من المنكر حتى ذكرها في أحاديثهم، مجرد ذكرها في مدح أو تمنّ أو تسلّ.\nوظني أن هذا هو سبب سجن عمر بن الخطاب للشاعر أبي محجن الثقفي (٣٠ هـ) «٣»، لا لأنه شرب الخمر بل لأنه قال الشعر فيها وحسب.\nوهناك حادثة مشابهة، ذلك أن النّعمان بن عديّ بن نضلة القرشي العدوي (نحو ٣٠ هـ)، صحابي من مهاجرة الحبشة، ومن الولاة، وهو شاعر. ولّاه عمر على ميسان (كورة واسعة بين البصرة وواسط) . وهو الوحيد الذي ولّاه عمر من قومه (بنو عديّ)، لما يعرف من صلاحه. ولمّا\n_________\n(١) انظر في ترجمته: سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٦٩) . وأعلاه، ص ١٤٢- ١٤٣.\n(٢) تفسير الطبري، (٧/ ٣٤) وبعدها.\n(٣) انظر ترجمته في العديد من كتب الصحابة.","vol":"1","page":170},{"text":"أبت زوجته الخروج معه كتب إليها بأبيات، منها:\nإذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلّم\nلعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم\nولما بلغ ذلك عمر كتب إليه:\n(بسم الله الرّحمن الرّحيم. حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: ١- ٣] .\nأما بعد فقد بلغني قولك:\nلعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم\nوايم الله إنه ليسوؤني، فأقدم فقد عزلتك) .\nفلما قدم عليه قال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قطّ، وإنما هو شعر طفح على لساني (وما كان إلا فضل شعر وجدته) وإني لشاعر.\nفقال عمر: إني لأظنّك صادقا، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا.\nفنزل البصرة فلم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات «١»، ﵄.\nجرى ذلك في تحريم الخمر الذي كان من مفاخرهم المعدودة في المعاقرة لها صباح مساء، ما إن تقارب بطونهم أن تخلوا منها حتى يترعوها من جديد. وبلغ الأمر حدا أنّ مدار الكثير من أشعارهم (ديوانهم) لأكبر شعرائهم من أصحاب المعلقات وغيرهم «٢»، كانت في المفاخرة والمعاقرة هذه المشاربة، والتي غدت- بعد الفخر بها- بهذا الدين وبنائه القوي الأمين الرباني الرصين، من أكبر العيوب والآثام لديهم، وهي أم الخبائث «٣» .\n_________\n(١) أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، (١٥٧- ١٥٨) .\n(٢) سبق ذكر ذلك.\n(٣) كما جاء وصفها في حديث شريف.","vol":"1","page":171},{"text":"وإذا نظرنا بعض أشعارهم في ذلك نستدل على أن الإسلام صنع إنسانا جديدا وحياة جديدة ومجتمعا فريدا، في كل مبانيه الحياتية والإنسانية والحضارية في الأنفس والحياة والآفاق.\nإن أخذنا الجدي العملي المتمكن بالإسلام يرينا بشكل أدق وأوفق وأبعد حقيقته، ويعمق أكثر فهمنا له، ويبصرنا زيادة بأسراره التي أودعها الله إياه مليئة، يدلنا على طريق الخير السليم القويم، وهو وحده يفعل ذلك. ولكن هذه ثمرة طبيعية مؤكدة، لا يرد غيرها. ولكنه الأساس لأنه يحقق غاية الوجود الإنساني في العبودية الحقة لله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] . وهي قوام كل إصلاح وبداية الاستقامة فيها وموئل الإنسانية الكريمة.\nوالمرجو أن يرى المسلم- مسلم اليوم قبل غيره- ذلك، ليدرك بوضوح عظمة هذا الدين. وهو المستوى اللازم للقيام به والانتماء إليه والسير في موكبه الكريم، ليحقق في نفسه وفي ما حوله وفي الحياة ما يراد منه. ويدرك هو وغيره المنقذ والموجه والمسعد دنيا وأخرى، الذي يتناسب مع الإنسان الذي خلقه الله تعالى وجعله خليفة في أرضه وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] . وهو هذا الدين وحده. وسيبقى هذا الإنسان ضائعا بدونه أبدا. فلا يفلح في إصلاح الإنسان إلا الدين الذي أنزله الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] .\nفالحياة كلها- قديما وحديثا، لا سيما عصرنا- خير دليل على ذلك.\nوإن هذا الدين يقود إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن يقود إلى خيريهما غيره.\nإنه هو الذي أراده الله ﷾ أن يكون كذلك. وبه وحده تعرف حقّ الله تعالى والاستئناس بالعبودية له سبحانه. ثم إنه به يعرف معنى الألوهية والربوبية والحاكمية، وهو ما على الإنسان أن يعرفه ويؤديه ويقوم به؛ ولذلك أرسل الله تعالى الأنبياء، وآخرهم محمد رسول الله ﷺ؛ الذي بعثه الله تعالى بالرسالة الخاتمة الشاملة. فما من حجّة بعد ذلك لأحد","vol":"1","page":172},{"text":"رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ١٦٥] «١» . وبيّن لهم وأراهم الصيغ الحقة التي لا بد أن تصطبغ بها أعمالهم، خلوصا لله تعالى، إيمانا واحتسابا صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .\nوإذا كانت هناك دول- مثل الولايات المتحدة الأمريكية- ذات إمكانيات ضخمة حاولت منع الخمر، واستعملت كل وسائل الإعلام والإبلاغ والإقناع، ثم فشلت، فألغت المنع، وأعادت إباحتها، فلماذا منعت وتكلفت، ولماذا أباحت من جديد؟ وهذا يجعل الفرق واضحا- وهو أحد وجوهه- بين الإسلام وغيره، لا يدع مجالا للادعاآت والأوضاع. ليس فقط في مقدرتها وصدقها، ولكن كذلك في نوع المنهج وتوجهه وأحقيته.\nمهما ادعت هذه الحضارة التي تحمل من الأدواء والفساد والإفساد ما يقود إلى دمارها، كما سبقت الإشارة إليه.\nوالواقع الحالي يجعل ادعاآت هذه الحضارة الحديثة وأمثالها وغيرها- وكل تقدم أو منجزات بعيدة عن منهج الله تعالى، قانونا لا يتبدل- يجعلها عديمة القيامة خالية الأهمية خاوية المصداقية، أدركت ذلك أو لم تدركه، الأمر الذي يتيح القول في أن الفساد والشرور والمعاصي مدمرة للحياة الإنسانية مبيدة لحضارتها، بل عقبة كأداء ضروس عبوس في طريق كل إصلاح وبأي ميزان. ولكن الأشد منه أن يكون هذا ملفوفا بلفائف مدّعاة تجعل من ذلك الشر خيرا، إيهاما وإرغاما وانتقاما.\nوهذا ما يجري في الحضارة المعاصرة وتوابعها، وهي سمة من سماتها، الأمر الذي يجعل سوس الفساد والنخر يستمر في فعله وآثاره حتى يتهدم الهرم الضخم- في شكله وهيئته- فجأة، قشة أمام الأعاصير تذروها\n_________\n(١) انظر: التفسير، (٢/ ٨٠٥- ٨١٢) .","vol":"1","page":173},{"text":"الرياح أو هشيما تأكله النار فيصبح المحذور منظورا، حين لا ينفع الندم والادعاء التبريري، من عدم الوعي المفتعل. عندها يكتبون عن عودة الوعي واللاوعي ويرون أنفسهم صغارا بعد أن خدعوها، وحتى لو عاقبوها حقيقة، إن كانوا صادقين.\nولكن تلك سنّة الله التي تجنبوها وعقّوها، بفجاجة وغرور صبياني.\nأعرضوا عن سنن الله في الأنفس والآفاق والوجود، جهلوها وتجاهلوها واستجهلوها. وما يصيبهم- حاضرا ومستقبلا، مثلما حدث ماضيا ودوما- هو بعض آثار وموجبات ومعطيات سنن الله تعالى في عقاب المكاذبين، كما سنراه في مصارع الغابرين، حين الحديث عنها، يوم ضحكت عليهم شياطين الإنس والجن.\nوعلى أي من هذه الاعتبارات والمهمات والمفهومات، فلا منجاة ولا حق ولا استقامة إلا بهذا الدين. نهر زلال موفور ومتوفر لكل أحد، وللإنسان أنزله الله ﷾ الرحمن الرحيم، فليغترف منه من يشاء ما شاء كيف يشاء، وبشرطه وحدوده ومقتضياته وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١٠٩- ١١١] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-67> الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام:</span>\nلقد غدا مجتمع الصحابة كلّه هكذا يترقى كل يوم في سلّم الإيمان، متقدما نحو قممه التي لا تدرك إلا بهذا الدين. وهذا المجتمع غدا كله ماثر","vol":"1","page":174},{"text":"وكرائم ومحامد. ومن هنا كان الرسول الكريم ﷺ يدع القادمين إلى المدينة المنورة يقيمون فيها أياما- مسلمين وغير مسلمين- ليروا وليشاهدوا نوعية هذا المجتمع الرباني الذي أنشأه الإسلام ونشّأه بهذا القرآن. فهو تربية وإخراج، كما قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .\nكانت إقامة القادمين إلى المدينة المنورة مقصودة، على ما يبدو، ولمدة كثرت أو قلت، وتكون على الأغلب نحو ثلاثة أيام.\nوتبين من خلال متابعاتي في السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- أن الذي يأتي إلى المدينة من غير المسلمين- بأي دافع وسبب- لا أحد من الصحابة يشرح له الإسلام على الإطلاق، ولم يوجّه الرسول الكريم ﷺ أحدا ليقوم بذلك، بل لعل التوجيه ألا يفعله أحد.\nوأفهم منه أن يترك القادم هو نفسه يتولى معرفة الإسلام من خلال ما يراه من سلوك أهله وأخلاقهم وتعامل مجتمعهم، وذلك يكفيه وزيادة، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك كله. كما أن الشرح قد يشير- مما يشير إليه- إلى إجبار القادم- بشكل ما- على قبول الإسلام، الذي لا يكون إلا بالقبول الذاتي القلبي الأصيل. يلزم به نفسه ويفرح بأخذه منهجا ويا بني حياته عليه.\nوهو بهذا يسعى إليه ولو على حياته. وهذا ما يريده الإسلام، وهو الذي رأيناه من هؤلاء الذين يصرون عليه ويأتون إلى المدينة معتمدين متعمدين محتملين حتى من أهليهم فارين إلى مدينته ومجتمعه ونبيه ﷺ.\nوبهذا انتشر الإسلام. وهذا يدل دلالة واضحة قوية جادة على نوعية المجتمع المسلم وقوة التزامه وشمول إقباله على منهج هذا الدين.\nفأينما يلتفت القادم لا يرى إلا عجبا في هذا الدين وماذا صنع بأهله، إذ أخذهم إلى قممه السامقة وأجوائه العبقة ومجتمعه الكريم الذي صاغه هذا المنهج الرباني الوضئ الجديد الفريد.","vol":"1","page":175},{"text":"وإن قصة جبلة بن الأيهم، ملك الغساسنة- الذي أصر الخليفة عمر بن الخطاب على تنفيذ العدل فيه، فهرب وعاد، ثم ندم «١» - لتمثّل دلالة طبيعية معتادة على الإسلام في كل شيء، والذي يقدّم ميزانه دوما على كل اعتبار، دون أي حسابات غير حساب موازينه من منهج الله المنير والسعي لرضاه سبحانه. ولا يجب أن ننتظر منه غيره، مثلما لا ينتظر مثله من أي توجّه أو منهج- إن صح ذلك- أو نظام. بل إنه لمن العبث والضياع والتيه انتظار ذلك من غيره، بل لا نتوقع مطلقا إلا عكسه تماما. أمّا ندم جبلة فلا بد أنه أدرك روعة هذا الإسلام ومحاسنه وتفرده التي حجبت أو تأخرت أو غلبت رؤيتها غروره وزعامته وجاهليته. وقد فات الأوان، إلا لو أنه أقبل من جديد بقوة وثبات وإقدام يعلن موقفه، دون تردد، ولا سيما وهو غارق بدنياه بترفها وأبهتها ونعيمها الزائف الزائل الغرور.\nأما موعد شرح الإسلام فكان يتم للمسلمين وللقادمين مسلمين أو بعد أو يدخلوه مؤمنين، أفرادا أو جماعات أو أفواجا.\nفكان بقاء القادمين إلى مجتمع المدينة لمدة، ليشهدوا هذا المجتمع القرآني الفريد وليعرفوا من خلال نوعيته هذا المجتمع الذي رباه الإسلام ونشّأه، وأخرجه الله تعالى إلى الحياة مثالا، بهذا الدين العظيم. وكيف وماذا صنع بهم، فكانوا ولادة جديدة للإنسان الفاضل الذي أخذ بهذا المنهج الفريد، المنهج الرباني الوحيد الذي يمكنه أن يصل بالإنسان- فردا ومجتمعا ودولة- إلى هذا الأفق السامي الوضئ، وبه وحده يكون. فكانوا يندهشون مأخوذين بهذا الإنسان الجديد، فيأتي إلى الإسلام فرحا طائعا ويصبح من خيرة أبنائه بعد ما كان من ألد أعدائه، بل ويندم على زمن من عمره أنفقه، معاديا للإسلام أو بعيدا عنه، يحاول ملافاته بمضاعفة جهده واجتهاده وجهاده، مثلما جرى لكثيرين، منهم: الحارث بن هشام بن\n_________\n(١) أخبار عمر (١٩٣- ١٩٧) .","vol":"1","page":176},{"text":"المغيرة «١» أخو أبي جهل، فرعون هذه الأمة وعدوها اللدود.\nفيندفع هذا المسلم الجديد بهذا المنهج الجديد يحمله بين أضلعه، منطلقا به في الحياة يمثله في كل أحواله وتعامله. وقد يكون حرصه على خدمته أكثر قوة من شدته في عداوته له، والأمثلة كثيرة. وكم من أحد أو جمع جاؤوا ليوقعوا بالمجتمع وأهله وينالوا منه، بل ويتامروا على نبيه ﷺ ليقتلوه، فيعودون مسلمين، يعملون للإسلام بكل ما يملكون وبكل طاقتهم.\nجرى ذلك لعديد: من مثل:\n١- ثمامة بن أثال «٢» ملك اليمامة «٣»، الذي بعد أن كان يقاتل الرسول ﷺ قبل إسلامه، لكنه بعد إسلامه غدا يقاتل أعداء الإسلام حتى لو كانوا من قومه وعشيرته (بنو حنيفة) . وكان ممن ثبت على الإسلام أيام الرّدّة بل وقاتلهم، حتى ضد من ارتد من قومه من المرتدين وقاتلهم، ومنهم مسيلمة الكذاب، حتى مكّن الله منه وتم القضاء عليه والحمد لله.\n٢- كذلك قصة إسلام عمير بن وهب، الذي أتى إلى المدينة بعد معركة بدر، رمضان السنة الثانية للهجرة. وكان يريد الفتك برسول الله ﷺ، بحجة فداء ابنه من الأسر، وكان قد حضر بدرا مع المشركين هو وابنه وهب، فنجا هو وأسر ابنه. وتعهد له ابن عمه صفوان بن أمية بن خلف أن يكفل عياله\n_________\n(١) انظر ترجمته: أسد الغابة، (١/ ٤٢٠)، رقم (٩٧٩) . الإصابة، (١/ ٢٩٣)، رقم (١٥٠٤) . سير أعلام النبلاء، (٤/ ٤١٩)، رقم (١٦٧) .\n(٢) انظر ترجمته: وقصة إسلامه: البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال، رقم (٤١١٤) . مسلم: رقم (١٧٦٤) . أبو داود: رقم (٢٦٧٩) . أسد الغابة، (١/ ٢٩٤)، رقم (٦١٩) . الاستيعاب، (١/ ٢١٣)، رقم (٢٧٨) . الإصابة، (١/ ٢٠٣)، رقم (٩٦١) . طبقات ابن سعد، (٥/ ٤٠١)، زاد المعاد، (٣/ ٢٢٧) . الوافي، رقم (٣٤) .\n(٣) «اليمامة»: منطقة في نجد، وتقع فيها الرياض، وتسمى العارض، ومن مدنها: العيينة والدّرعيّة.","vol":"1","page":177},{"text":"ودينه وجهازه ليذهب إلى المدينة لقتل رسول الله ﷺ، بسيف مسموم مصقول مشمول. ولكن الرسول ﷺ كان يحدثه في المسجد- وعمير يخفي نيته- كشف له، بما أوحى الله إليه، اتفاقه مع صفوان في الحجر (في الكعبة) فقال ﷺ: «تحمّلت له بقتلي على أن يعول بنيك ويقضي دينك، والله حائل بيني وبينك!» . قال عمير: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.\nيا رسول الله، كنا نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر، والحمد لله الذي ساقني هذا المساق، وقد آمنت بالله ورسوله. ففرح المسلمون حين هداه الله «١» .\n٣- وشبيه بذلك إسلام نوفل بن الحارث بن عبد المطلب «٢» . وهو ابن عمّ رسول الله ﷺ. أسر يوم بدر كافرا، ولما فداه عمّه العباس أسلم. وكان أسنّ إخوته (أبو سفيان وربيعة) ومن سائر من أسلم من بني هاشم.\nولقد ذكرت في إسلامه رواية أخرى أراها أجود، وقد رواها حفيده عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر، قال له رسول الله ﷺ: «افد نفسك» . قال: ما لي مال أفتدي به. قال ﷺ: «افد نفسك برماحك التي بجدّة» فقال: والله ما علم أحد أن لي بجدّة رماحا، بعد الله غيري، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح «٣» .\n_________\n(١) أسد الغابة، (٤/ ٣٠٠- ٣٠١) . كذلك: الاستيعاب، (٣/ ١٢٢١)، رقم (١٩٩٧) . سبل الهدى، (٤/ ١١٠) . مغازي الواقدي، (١/ ٦٢)، (١٢٥- ١٢٧) . الإصابة، (٣/ ٣٦)، رقم (٦٠٥٨) .\n(٢) أسد الغابة، (٥/ ٣٦٩)، رقم (٥٣١٠) . الاستيعاب، (٤/ ١٥١٢)، رقم (١٥٤٢)، رقم (٢٦٤٢) . الإصابة، (٣/ ٥٧٧)، رقم (٨٨٢٦) . سير أعلام النبلاء، (١/ ١٩٩) . الخلفاء الراشدون، الذهبي، (١٥٥) . طبقات ابن سعد، (٤/ ٤٤- ٤٧) . سبل الهدى، ٤/ ١٠٥.\n(٣) أسد الغابة، (٥/ ٣٦٩) . كذلك: الاستيعاب، (٤/ ١٥١٢) . طبقات ابن سعد، (٤/ ٤٦) .","vol":"1","page":178},{"text":"ورجع إلى مكة ثم هاجر هو والعباس إلى رسول الله ﷺ أيام الخندق.\nوشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف وثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ وأعان يومها بثلاثة آلاف رمح.\nوهكذا ترى بوضوح كبير أن أكثر الصحابة حاربوا الإسلام أولا أشد الحرب، ثم أسلم من أسلم منهم بعد ذلك، فكان أحدهم يتمنى أن يفدي الإسلام وقرآنه ورسوله ﷺ بنفسه وماله وأهله، وهو بذلك سعيد.\nوكان أحدهم لا يود إلا أن يموت شهيدا في سبيل الله؛ ولذلك فإن خالد ابن الوليد بن المغيرة الذي سماه الرسول ﷺ بعد معركة مؤتة (٨ هـ) «سيف من سيوف الله» «١» . قال حين حضرته الوفاة: (لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني (جسدي) موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم. ثم ها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من (لا إله إلا الله) وأنا متترّس بها) «٢» .\nوكان حريصا أشد الحرص على الشهادة في سبيل الله، فيقول: (ما أدري من أي يوم أفر: يوم أراد الله أن يهدي لي فيه شهادة، أو يوم أراد الله أن يهدي لي فيه كرامة) «٣» . وقال أيضا (عند الوفاة): (ما من ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محبّ (أو أبشّر فيها بغلام) أحبّ إليّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية (من المهاجرين) أصبّح فيها العدوّ (فعليكم بالجهاد) «٤» .\n_________\n(١) البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب خالد، رقم (٣٥٤٧) . الاستيعاب، (٢/ ٤٢٩)، رقم (٦٠٣) .\n(٢) الاستيعاب، (٢/ ٤٣٠)، رقم (٦٠٣) . أسد الغابة، (٢/ ١١١) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٧١، ٣٨٢) .\n(٣) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٧٥) .\n(٤) سير أعلام النبلاء، نفسه. الإصابة (١/ ٤١٤) .","vol":"1","page":179},{"text":"وقال أيضا عند الوفاة: (لقد طلبت القتل مظانّه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتّها وأنا متترّس، والسماء تهلّني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال:\nإذا متّ، فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله) «١» .\nانظر إلى هذا التحول العجيب، فبعد ذلك العداء المتناهي يصبح لا همّ له في حياته إلا خدمة هذا الدين؛ الذي غدا عنده أغلى من حياته، وخير ما يفرحه خدمته والعمل له وبه والجهاد بكل الطاقة الإيمانية الجديدة في سبيل الله بل أصبح يتبرك حتى بشعر من رسول الله ﷺ. وذلك أن أبا سليمان خالد بن الوليد افتقد يوم اليرموك قلنسوته «٢»، فبحثوا عنها فلم يجدوها.\nواستمر البحث حتى وجدوها، فإذا هي خلقة (خلقة بالية) فقال:\n(اعتمر رسول الله ﷺ في حجة الوداع فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته الكريمة الشريفة فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر) «٣» .\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٨١) . الإصابة (١/ ٤١٤) . أسد الغابة، (٢/ ١١١) .\n(٢) وهو لباس للرأس متنوع الأشكال والألوان.\n(٣) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٧٤- ٣٧٥) . الإصابة، (١/ ٤١٤) . وكان هذا في عمرة حجة الوداع، التي كانت رابع عمرة من عمر الرسول الكريم ﷺ. انظر: صحيح البخاري، كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي ﷺ، رقم (١٦٨٥- ١٦٨٩) . كذلك صحيح مسلم، كتاب الحج، باب عدد عمر النبي ﷺ وزمانهن، رقم (١٢٥٣) . وفي هذه المعركة (اليرموك، ١٥ هـ) من فتوحات الشام، عزل عمر بن الخطاب خالد ابن الوليد عن القيادة وتولاها أبو عبيدة بن عامر بن الجراح، فلم يخبر خالدا إلا بعد المعركة. وهنا موقف فريد من الاثنين، حيث يقول خالد: إن الأمر عنده سواء أن يكون قائدا أو جنديا، لأنه يقاتل في سبيل الله تعالى. وأبو عبيدة لا يخبره إلا بعد انتهاء المعركة، بينما الأمر بذلك وصله قبل المعركة!!! ولكن عزل خالد لأسباب رفيعة أصيلة وكريمة غير التي يرددها الجهلة والحاقدون","vol":"1","page":180},{"text":"وهذا ما فعله الإسلام بأتباعه يكسبهم طاقات جديدة، وينمي ما لديهم باتجاه العمل لله تعالى وطلب ثوابه وجنته. وعلى ذلك ففي معركة مؤتة (٨ هـ) وقد آلت قيادة الجيش الإسلامي بالافه الثلاثة التي واجه جيش الروم بالافه المئة بمشيئة الله على أقل تقدير أو يزيدون، وبعد مقتل القادة الثلاثة، وتولي خالد القيادة، فيحارب ببطولة الإسلام الجديدة الوليدة الفريدة، وينسحب بعد أن تدقّ (تكسر) بيده تسعة أسياف، فما بقي في يده إلا صفيحة يمانية «١» .\nبهذا الدين غدا خالد بن الوليد علما في الحياة الإسلامية، عرفه المسلمون وغير المسلمين. فهو منا موضع التقدير والحب والاقتداء، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.\n_________\nوالأعداء. وإن موقف كل من خالد وأبي عبيدة (أمين هذه الأمة) في الفتوحات الإسلامية وفي الجبهة الغربية (الشام) له أمثلة متعددة في تاريخ الفتوحات الإسلامية- ثمرة البناء الكريم بالمنهج الرباني بهذا القرآن، وعلى يد الرسول الكريم ﷺ- منها موقف في جبهة الفتوحات الإسلامية في الشرق (العراق وفارس) بين المثنى بن حارثة وسعد بن أبي وقاص، قبل القادسية سنة (١٥ هـ) . وقد مرّ بنا موقف النعمان بن عديّ العدوي. ولقد جعل خالد تنفيذ وصيته إلى الخليفة عمر (سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٨٢) . الإصابة (١/ ٤١٥) . وتوفي خالد سنة (٢١ هـ) وعمره دون الخمسين عاما، مجاهدا في سبيل الله وقائدا وعاملا للإسلام، وطلب الشهادة فلم يرزقها، وندبه المسلمون وحزنوا عليه، حتى قال عمر: «ما على نساء آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة» . سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٨١، ٣٨٣) . «النقع»: التراب على الرؤوس، و«اللقلقة»: الصراخ. وندبته أمه وهي تقول:\nأنت خير من ألف ألف من القو ... م إذا ما كبّت وجوه الرجال\n(١) رواه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة، رقم (٤٠١٧- ٤٠١٨) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٧٥) . الإصابة، (١/ ٤١٤) . أسد الغابة، (٢/ ١١٠) . «والصفيحة اليمانية» . سيف عريض النصل (الحديدة) من صنع اليمن.","vol":"1","page":181},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-68> حضور مشاهد الغابرين:</span>\nفي تاريخ البشرية العام أمثلة وفيرة معروفة. وفيما قصه الله تعالى في القرآن الكريم خير بيان، فيه العبرة الواسعة المشهودة، تزوّد الإنسان- في كل جيل- بالخبرة المؤكدة الحقة إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران:\n٦٢] . مثلما فيها الأخبار الصادقة كل الصدق. فالقرآن الكريم أصدق مصدر في الوجود، وأصدق كتاب بكل ما فيه وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١- ٤٢] . فهو الصدق الوحيد: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧] . وهم الذين عليهم الانتفاع بها، حاضرة أمام الأنظار ماثلة لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١] .\nومنذ خلق الله الإنسان على هذه الأرض جعل الحق والباطل، والصراع بينهما قائم. وكان دوما بين الأنبياء﵈- وأتباعهم جبهة واحدة ضد الباطل وكل من قاده واستغواه. والحق يتمثل فقط في اتّباع منهج الله تعالى وحده، والباطل يجتمع فيمن رفضه وعاداه وحاربه.\nويتخذ الباطل صيغا متنوعة، حكاما ومن تابعهم من المحكومين وغير المحكومين من أي مكان، جمعتهم اتجاهاتهم أو منافعهم أو مصالحهم، ومهما كانت دوافعهم وانتما آتهم وتناقضاتهم، مثلما حدث مثلا في معركة الخندق (الأحزاب) في مواجهة الدعوة الإسلامية ومجتمعها ونبيها ﷺ، وذلك في شوال السنة الخامسة للهجرة. وقد ذكر القرآن الكريم هؤلاء وهؤلاء مثلما ذكر أقوامهم ومواقفهم وأحداث الاتّباع والامتناع.\nأما المحاربون لدين الله، فقد ضرب الله تعالى الأمثلة لها، أفرادا أو أقواما أو شعوبا، ولكن دوما كان النصر للمؤمنين بالله ودعوته، مهما ادعى أولئك وجادلوا وما حكوا وعاندوا.\nفالأفراد من أمثال فرعون وهامان وقارون، وثلاثتهم متعاونون على الإثم","vol":"1","page":182},{"text":"والعدوان، مجتمعون على الباطل والكفر، تجبرا وتكبرا وتطاولا إلى حد التأله في مواجهة دعوة الله تعالى التي بعث بها موسى وأخوه هارون ﵉.\nفرعون: (مصري قبطي)، وهو حاكم مصر الطاغي المستبد المتأله.\nويمثل بوضوح سلطان الحكم المتجبر الذي يحارب الله ودعوته وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٨- ٤٠] .\nهامان: (مصري قبطي)، وهو- على ما يبدو- كبير وزراء فرعون ووزير مكائده ومعاونه في حربه لدعوة الله تعالى. وقد أوكل فرعون إليه أمورا كثيرة، ويبدو منها العسكرية وأمور الهندسة المعمارية. وهو يمثل سلطان المنصب والعلم وربما المال وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٦]، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ [القصص: ٨] . ولعل هامان كان على علم بهندسة البناء أو يتولى الإشراف عليها وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر: ٣٦] .\nقارون: أما قارون فهو ليس مصريا وليس من قوم فرعون أو هامان، وإنما من قوم موسى ومن أعوان فرعون. وهو يمثل سلطة المال والعلم وتسلطهما وسطوتهما بالباطل لمحاربة الحقّ، الذي يريده الله تعالى والذي بعث به موسى وأخاه هارون ﵉، ودعوته وأتباعه إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] «١» .\n_________\n(١) «المفاتح»: تعني الخزائن والكنوز نفسها، وهي طبعا غير المفاتيح، وهي العدد التي","vol":"1","page":183},{"text":"وهؤلاء الثلاثة جمعتهم مواجهة دعوة الله تعالى التي كلّف بها موسى وهارون﵉- وإن اختلفت أقوامهم وانتما آتهم. واستمر الصراع الدامي المتنوع الطويل «١» بين الحق الذي أراده الله تعالى وبين الباطل وجنوده. وانتهى- كما هي سنة الله تعالى- بنصره عباده المؤمنين بدعوته العاملين بها ولها وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غافر: ٢٣- ٢٧] .\nهذه الآيات الكريمة من سورة غافر، التي فيها نماذج أخرى كثيرة.\nولعل فرعون يعتبر نموذجا لسلطان الحكم وطغيانه وجبروته المتأله. وهامان وهو وزير فرعون المدبر لمكائده- نموذجا لسلطان العلم والمنصب.\nوقارون نموذجا لسلطان الثروة والعلم قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨] .\nوكل هذه النماذج بات أصحابها جميعا معا في جبهة واحدة ضد الإيمان. والكفر ملة واحدة، مهما كان بينهم من التناقضات- وما أكثرها- والعداوات- وما أشدها- والحزازات- وما أعمقها وأعرقها- كما نلمسه اليوم في المعسكرات التي اتحدت ضد الإسلام. وهي ربما لم تتحد عمرها يوما ولا مرة واحدة إلا في هذا.\nفليس هناك إذا إلا معسكران: معسكر الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو\n_________\nتفتح بها هذه الخزائن.\n(١) ذكر أن مدة بقاء موسى في مصر- وهو يواجه فرعون وملأه بهذه الدعوة الربانية- كانت ثلاثة وعشرين عاما. انظر: التفسير، (٣/ ١٣٦٦) .","vol":"1","page":184},{"text":"الإسلام بمعناه الشامل. وهو دين الله الواحد الذي دعا إليه كافة الأنبياء﵈- وحمل صورته الأخيرة العامة الشاملة الكاملة الدائمة اللازمة الخيرة محمد رسول الله ﷺ، إلى البشرية كافة في كل زمان ومكان وإلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد دينا غيره. وهو الدين الذي بشّر به ووصى كلّ الأنبياء﵈- أقوامهم بالإيمان به واتّباعه. والآيات القرآنية الكريمة في ذلك كثيرة وواضحة وملزمة ومفهمة.\nفالإيمان هو الآصرة الحقة والصلة الموثقة والوشيجة المرتجاة دوما، تجمع أهلها على شرع الحق ودعوته الأمينة ودينه المتين. ولذلك فإن مؤمن آل فرعون، وهو ليس من قوم موسى﵇- إلا أنه آمن به ووقف معه ومع المؤمنين من بني إسرائيل ضد فرعون وحزبه وجنده وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: ٢٨] .\nومن هنا فعقاب فرعون قد انصب عليهم جميعا.\nوهكذا دوما يكون الإيمان بالله تعالى ومنهجه الكريم، وهو الآصرة الحقة الثابتة الصادقة. ثم إن الله سبحانه أخذ هؤلاء الظلمة ونصر عباده المؤمنين.\nوكلّا أخذ الله بذنبه وبما يستحق من العذاب في الدنيا، وفي الآخرة أشد وأخزى وأنكى. وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٣٩- ٤١] «١» .\n_________\n(١) وَما كانُوا سابِقِينَ: لم يكونوا فائتين أو فالتين من أمر الله الذي لا بد أن يدركهم.","vol":"1","page":185},{"text":"فإن عبادة الله تعالى واتّباع دعوته والاقتداء بنبيه ﷺ هو الملجأ الحقيقي. وقوة الله تعالى هي القوة الحقيقة الحقة القوية العدل، وهي الوحيدة المتصرفة في هذا الوجود، وما عداها من قوة الخلق فهو الهزيل الواهن الضعيف كبيت العنكبوت. من يحتمي بها فهي خيوط واهية، سريعا ما تذهب وتزول ويبور صاحبها ويهلك. فالعاقل والعالم والفاهم لا يجب أن تخدعه قوة في الأرض وتصرعه وتصرفه عن دين الله تعالى- وهو الحق الوحيد السديد الأكيد الجدير- مهما بلغت، حكما وسلطانا وطغيانا، علما ومالا ومنصبا، وكلها سراب خادع وكلها قبض ريح، وبناء واقع وخيط واهن لا ينفع المتعلق به بشيء أبدا، لا يلبث أن يهوى، بل حتى من نفسه أحيانا، أو أحايين.\nوانظر إلى سحرة فرعون، وهم كهنة معابده الذين كانوا يزاولون السحر، كما هو الحال في الأديان الوثنية والمنحرفة والمتحرفة والمفتعلة.\nوظني أنهم من قوم فرعون (مصريون أقباط)، وليسوا من قوم موسى﵇- بني إسرائيل. ولكن هؤلاء السحرة وقد رأوا الحق وعرفوه، وهم أهل السحر وأساتذته وأدرى بخدعه وبألاعيبه وبخلوه من الحقائق، رأوا أن ما جاء به موسى هو الحق الأكيد، فلا بد إذا أن يكون نبيا مرسلا من الله تعالى، ففتح الله قلوبهم له، فامنوا به واحتملوا ما يأتي من وراء ذلك.\nولكن الروعة في قوة الحق المتمثل في رسالة الله تعالى التي انتزعتهم من وحل الباطل والكفر والضلال والغواية وأخذتهم من وهادها وإغراآتها ومنافعها ومناصبها ورفعتهم إلى قمة الإيمان. وهنا- في رسالة موسى، ﵇- إنهم قبل ساعات كانوا مع فرعون يناصرونه ويتقربون إليه بخدمته\n_________\n«الحاصب»: الريح التي فيها حصباء (صغار الحجارة)، وهي لقوم لوط ولعاد (قوم هود) . «الصيحة»: التي أخذت منهم الأصوات والحركات، وهم أهل مدين وثمود (قوم صالح) . «والخسف»: الذي وقع بقارون. «والغرق»: يعني قوم نوح، وفرعون وهامان وجنودهما.","vol":"1","page":186},{"text":"وطاعته ويرجون المكانة عنده والمكافأة منه والرضا من قبله، بتنفيذ مؤامرته وتمرير باطله. فما أن رأوا الحق الإلهي قائما بأدلته ضاربا بجذوره ثابتا في واقعه، حتى آمنوا وكانوا بذلك ضد فرعون، وأنهم آمنوا جميعا وناصروا الحق الذي جاء به موسى الرسول﵇- من عند الله تعالى، وبهمة جديدة لديها من القوة، علوا وسموا وقمة لا تكون إلا بدين حق من الله ﷾.\nوكم من حادثة في سيرة رسول الله ﷺ- وبعضها مرّ بنا- تجعل العدو الذي يتامر على الإسلام وأهله ونبيه الكريم ﷺ عندما يرى الآيات يتحول حالا إلى دين الله، متخليا عن كل ما عداه، غير هياب ولا مرتاب ولا مبال لما يأتي به هذا الانتماء. ولعل قصة سحرة فرعون لبيان حقائق ومعان كثيرة، بها أراد الله تعالى أن تبين للناس في دعوة الإسلام، ومنها هذه النماذج، التي لا تبالي بأي أذى في سبيل الله حين تتبين لهم حقائق هذا الدين.\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١١٣- ١٢٨] .","vol":"1","page":187},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-69> المؤمنون والمعاندون وغيرهم:</span>\nإنه حين تقوم العقيدة بالله تعالى مستوية، وتستيقن وتستعلن حقيقة الإيمان الحق بدعوة الله تعالى غائرة في النفس، لا بد أن تستعلي على كل قوة في الأرض وتستهين بكل بأس، مهما تجبر وتنمر وتبختر واحتمى ببيوت العنكبوت وتترس بخيوطها، حماية له ووقاية لمن معه أمام قدرة الله تعالى وناموسه. علما أن الباطل- وذلك دينه وشنشنته- حين يداري أتباعه، فإنه لا يفعل ذلك محبة لهم أو اهتماما بهم أو رعاية لصلة معهم، بل هم أرخص ما يكونون عنده وأدنى من آخرين، بل كل الآخرين لديه أقل مما يتصورن.\nإنما فقط ليقفوا معه معاونين له على باطله وليستعملهم، مواجهة للحق الإلهي، تحقيقا لماربه واستمرارا في سلطانه وتثبيتا لحكمه. ولذلك إذا لم يؤدوا هذا له، تراه- وقد رأيته في فرعون- هو نفسه ينقلب عليهم أو يقلب لهم ظهر المجن- كما يقولون- وينيلهم أقسى أفانين العذاب وأشد ألوان التنكيل وأبعد مدى في الانتقام، حتى لكأنه يقول لهم: لم إذا قربتكم وقدمت لكم وأعطيتكم، فترقيتم وأثريتم وتنعمتم، وكل ذلك من يدي، واليوم تنكرونها. فكيف إذا وقد جاوزوا ذلك وأصبحوا في جبهة الحق الذي يحاربه. وتلمّس ذلك بوضوح باهر، فيما أوقعه فرعون بالسحرة الذين آمنوا، من التقتيل والتنكيل والانتقام الفظيع المريع السريع.\nوالواضح من طريقة القرآن الكريم المعجزة في التعبير والتصوير للمعاني أن فرعون نفّذ تهديده فيهم وقتلهم جميعا، مثلما فعلوا- وبنفس أسلوب التعبير والتصوير للقرآن المعجز- بمؤمن آل فرعون. لكنهم- وكل المؤمنين بدعوة الله تعالى ورسالته- ثبتوا أقوياء وقاموا بسلاء ورضوا أولياء- إن شاء الله تعالى- خلال المواجهة والأذى.\nوهذا ما يجري وجرى لمن رفعه اليقين بهذا الدين إلى أن يكون من أتباع الأنبياء﵈- الذين لا يعرفون الخنوع ولا الخضوع. كيف وقد امتلأت قلوبهم بالإيمان بالله وحده وأنست بمعرفته واطمأنت إلى جواره.","vol":"1","page":188},{"text":"وغدت هذه الأمور واضحة للمؤمنين بدعوة الله وعلى يد الرسول الكريم محمد ﷺ، الذي بعثه الله تعالى بهذا الدين رحمة للعالمين، بما رباهم عليه القرآن الكريم بهذه المعاني المشهودة في تاريخ الأنبياء (﵈) ومنهم قصة موسى (﵇) وفرعون. وهكذا القصص الآخرى التي أراد الله تعالى أن يتعلم المسلمون منها تثبيتا لقلوبهم وتسرية عنهم وتسلية لهم، ليحتملوا ألوان الاضطهاد على يد أعداء الله تعالى. وهو ما جرى لسحرة فرعون الذين آمنوا بموسى (﵇) وما يجري دوما مع الأنبياء (﵈) وأتباعهم، حين غمر الإيمان قلوبهم، ونوّر بصائرهم، وأحيا نفوسهم.\nومنه ما جرى- ويجري دوما- لأتباع هذا الدين الذي بعث الله به محمدا ﷺ، ابتداء من العهد المكي، ومنذ أول يوم آمنوا به ومن أول عهدهم بها هناك، لا يفزعون ولا يتزعزعون، حتى النساء والإماء والعبيد، مثلما الأغنياء المتقدمين والمتمكنين سواء بسواء. ثم الأنصار، من بيعات العقبة الثلاث، وآخرها بيعة العقبة الكبرى، فور إسلامهم وأداء البيعة للنبي ﷺ على نصرته. وذلك «حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله»»\n. وكذلك المهاجرون في العهدين المكي والمدني وبعدهما، ولصحابة رسول الله ﷺ طوال حياتهم وأجيال ممن تلتهم وتتلوهم من الأمة المسلمة، إن شاء الله تعالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-70> لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين:</span>\nفالإسلام والأمة المسلمة حيثما بعث الله الأنبياء والرسل (﵈)، لا سيما منذ بعث الله خليله إبراهيم (﵇) وهو أبو الأنبياء جميعا (﵈) وأتباعه هم المسلمون، وصّاهم بذلك، وهي وصية\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٨) .","vol":"1","page":189},{"text":"جميع الأنبياء (﵈) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ\n[الحج: ٧٧- ٧٨] .\nوهذه الأمة كانت على منهج واحد هو منهج الله تعالى، على تتابع الأجيال وتوالي الرسالات حتى انتهت إلى خاتمهم محمد ﷺ، وأتباعه هم الذين حملوا هذه الأمانة وتحملوا مسؤوليتها وقبلوا وأدوا تبعتها، ما دامت تقوم بها بكامل احتشادها واستعدادها وإعدادها. ويوم تتخلى عن ذلك فتكون في ذيل القافلة، أو دون ذلك، فهي- عند ذلك- آخر الأمم، لا في العير ولا في النفير.\nوقد مرت بالأمة في تاريخها أوقات من ذلك، لكنها بعودتها لمعاني هذا الدين وتجديد نفسها وإحياء مضامينه في حياتها تعود لمكانتها الكريمة وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] .\nوالطريق واضح والعودة دوما ممكنة ووعد الله قائم، بشروطه وحدوده ومستلزماته، أداء ووفاء وإقبالا. وليس منه الترامي هنا وهناك، مثلما حدث أحيانا في الماضي، منها أيام الطوائف في الأندلس في القرن الخامس الهجري. مثلما ليس منها التفلت والوقوع في المهاوي السحيقة الغارقة المغرقة، والانتساب للشرق أو للغرب، على فضلات شطائر مسمومة مدسوسة لا تجدي نفعا ولا تقيم وضعا، لا تسمن ولا تغني من جوع، أو فلم يرفع بهذا رأسا «١» .\n_________\n(١) من حديث الرسول الكريم ﷺ، هو: قال ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا،","vol":"1","page":190},{"text":"وإن الانتساب لهذه وتلك مدفوعة بأي شعار وادعاء وانتماء، وهم يعرفون أنها لا تبقي ولا تذر من الحق شيئا، حتى لو كانوا مخلصين، بعد أن جربنا كل تلك الشعارات والولاآت والانتما آت، وقد تملكت هذه كل أسباب القوة والأزمة والكلمة، فلم تثمر إلا أشد الثمار مرارة، دونها مرارة الحنظل الصحراوي المكتمل.\nوقد حذرنا الله تعالى أقوى تحذير من كل ذلك، وأن أية دعوة (أو دعوى) غير دعوة الله تعالى هي جعل أو وضع للأمة في قافلة الأنعام، إن لم يكن أبعد من ذلك. والرسول ﷺ حذرنا من ذلك التفلت من دعوة الله أشد التحذير ووصفها بأنها منتنة وجاهلية ووثنية، وجعلها في أكثر من مناسبة تحت قدميه الشريفتين، كما قال ذلك مثلا في حجة الوداع: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي (هاتين) موضوع» «١» .\nولكنهم ومع ذلك مازال أناس ماضين فيه لا ينفكون عنه، يحملون الأمة وراءهم بالسياط، إن لم يتم ذلك بالاختيار. وهم دعاة على أبواب جهنم «٢»، ولا ينفعهم عند الله ما يدعون من الصلة بالإسلام.\n_________\nوأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» . رواه البخاري: كتاب العلم، باب فضل من علم وعلّم، رقم (٧٩) . ورواه مسلم: كتاب الفضائل، باب مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم، رقم (٢٢٨٢) . وانظر البخاري: كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، رقم (٦١١٧، ٦١١٨) .\n(١) سنن أبي داود، كتاب المناسك (الحج)، باب صفة حجة النبي ﷺ، رقم (١٩٠٥)، (٢/ ٤٦١) . كذلك: مسند الإمام أحمد، (٥/ ٧٣) «ألا وإن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة» (من خطبة الوداع)، (٢/ ١٠٣) «ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإني قد أمضيتهما لأهلها» (يوم فتح مكة) .\n(٢) من حديث الرسول الكريم ﷺ رواه البخاري، ونصه كما يرويه حذيفة بن اليمان، ﵁، فيقول: (كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن","vol":"1","page":191},{"text":"والواقع يشهد على تلك الآثار المرّة الناقعة الصارفة التي أورثتها هذه التوجهات، مشبوهة أو غير مشبوهة، صدرت عن جهل أو غفلة أو موجة.\nفالإسلام ليس تراثا عربيا ومحمد ﷺ لم يكن قائدا عربيا، بل للأمة الإسلامية. حمل الرسالة الإسلامية إلى الناس كافة، ليست خاصة بهم.\nويدخل في هذه الأمة كل من اتبع دينه من أي جنس وبلد وقبيل. ويخرج منها كل من ليس كذلك دوما.\nوكل من ابتعد عنها أو واجهها أو حاربها فليس منها في شيء، فلا أنساب ولا أصلاب، حتى لو كان ذؤابتها ورأسها وأقحاحها. وهذا واضح جدا ليس فقط من نصوص الإسلام- قرآنا وسنة وسيرة- بل وكذلك حتى روحه العام وطبيعته وتاريخه. ووضوحه ليس بحاجة إلى دليل.\nوليس يصحّ في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\nولا ينكره إلا المماحكون الذين يريدون- متعمدين- إشاعة غير\n_________\nالشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم» . قلت: وهل بعد ذلك من خير؟ قال «نعم، وفيه دخن» . قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر» . قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها» قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا» . فقلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» . قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» . كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٤١١) . وانظر كذلك: رقم (٣٤٠٨) . وحديث آخر يرد في هذا المعنى، رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات. رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة. لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها. وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا» . كتاب الجنة، باب النار والجنة، رقم (٢١٢٨) . كذلك: مسند الإمام أحمد، (٢/ ٣٥٦، ٤٤٠) .","vol":"1","page":192},{"text":"الإسلام. وهم بذلك يريدون تحقيق أهداف معادية وصرف الناس عن دين الله، مهما ادعوا العلم وغيره. وهم بجانب ذلك إنهم يحجّرون واسعا، فهم يريدون سلخ الأمة من دينها، وليس حبا فيما يدعون إليه، بل ليختفوا وراءه، بل حربا للإسلام.\nوالعجيب أن هذا الاتجاه ينمو ويعمل له ويصر عليه في البلدان الإسلامية، ولا سيما بين البلدان العربية، وذلك لتشتيتها وقطع انتمائها لهذا الدين والقضاء على مصدر سعادتها وقوتها وعزتها.\nوكان على أعداء الإسلام من منصرين (مبشرين) ومستشرقين ومستعمرين (هوية الجميع واحدة) يبحثون عن شيء يصرفون به المسلمين عن دينهم، فتقدم أفراد من المسلمين بإهدائهم بغيتهم بإيجاد تيار آخر غير إسلامي- وإن ألبسوه مضطرين، لا مفر- ثوبا مرقعا ممزعا وموزعا يحمل طلاء مدّعى أنه إسلامي، وليس كذلك أبدا. وبدلا من أن نهدي العالم إلى هذا الدين ليهتدوا به ويسعدوا ويحضّروا، أهداهم هؤلاء سلاحا لحرب الإسلام نفسه، واستعمال ألفاظ وكلمات ومصطلحات لإخفاء الحقائق- وما تخفى أبدا- لإفراغها من مضامينها وجعلها بعيدة عن معانيها ومدلولاتها الحقة، في خلط عجيب وغريب مفضوح، ادعاء ودعاية ورواية وبأي ألفاظ، ترقيعا وتمييعا وترويعا.\nوفي معركة بدر (١٧ رمضان السنة الثانية للهجرة) قاتل المسلمون المشركين العرب، الذين قتل منهم سبعون، من زعمائهم من قريش وسادة مكة مثل أبي جهل، فرعون هذه الأمة «١» .\nكما أنه ﷺ وصف أسارى بدر من المشركين (العرب) الذين وقعوا في أسر المسلمين (العرب) يوم بدر بأنهم نتنى (جيف) . وكان عددهم سبعين مثل عدد قتلاهم- فيهم أشراف قريش وزعماؤهم- قومه ﷺ- ولكنهم كفرة\n_________\n(١) سبل الهدى والرشاد، (٤/ ٧٧، ٧٩- ٨٠) .","vol":"1","page":193},{"text":"مشركون، من أمثال سهيل بن عمرو «١»، بل كان فيهم من أبناء عمومته ﷺ من بني هاشم من أمثال عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب «٢» من بني هاشم ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب «٣» . بل كان في هؤلاء الأسارى أبو العاص بن الربيع صهر رسول الله ﷺ وختنه، زوج زينب﵂- كبرى (أكبر) بناته، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد أم المؤمنين﵂- زوج بل أول زوجات الرسول الكريم ﷺ، لأمها وأبيها «٤» . ومع كل ذلك فقد وصف الرسول الكريم ﷺ هؤلاء الأسرى في بدر بأنهم جميعا جيف، بقوله: «لو كان المطعم بن عديّ حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» «٥»، والنتانة هذه معنوية بسبب\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٦٤٩) .\n(٢) سير أعلام النبلاء، (١/ ٢١٨) . أسد الغابة، (٤/ ٦٣) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٣) .\n(٣) سير أعلام النبلاء، (١/ ١٩٩) . أسد الغابة، (٥/ ٣٦٩) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٣) . وأسلم بعد فداء نفسه، وهاجر إلى المدينة أيام الخندق. وسبق تفصيل كيفية إسلامه.\n(٤) سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٣٠) . أسد الغابة، (٦/ ١٨٥)، (٧/ ١٣٠) . سيرة ابن هشام، (١/ ٦٥١) . وأسلم أبو العاص بن الربيع قبل الحديبية، وكان الرسول ﷺ قد فرق بينهما، فهي لم تعد- بعد الإسلام- تحل له، إذ هي مسلمة وهو كافر مشرك. ولكنها عادت إليه بعد إسلامه قبل الحديبية. سيرة ابن هشام، (١/ ٦٥٧) . وانظر المصادر المذكورة آنفا في نفس هذه الحاشية.\n(٥) رواه البخاري: كتاب الخمس، باب ما منّ النبي ﷺ على الأسارى، رقم (٢٩٧٠) . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء، (٣/ ٩٥) . أسد الغابة، (٣/ ٣٢٣) . وكان المطعم ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي (من عمومة رسول الله ﷺ. وهو أحد الذين قاموا بنقض صحيفة القطيعة (المقاطعة» . سيرة ابن هشام، (١/ ٣٧٥) . وكان يحنو على أهل الشعب، وأجار رسول الله ﷺ حين رجع من الطائف ليدخل مكة، وقد منعه أهلها منها! فأجاره. ومات المطعم قبل بدر بعدة شهور وله نيف وتسعون سنة. ولم ينس رسول الله ﷺ له تلك اليد، حاشاه فهو سيد الأوفياء. سيرة ابن هشام، (٣/ ٣٨١) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٩٥) . أسد الغابة، (١/ ٣٢٣) . وابنه جبير بن مطعم بن عدي، أسلم بين الحديبية وفتح مكة. الإصابة، (١/ ٢٦٦)،","vol":"1","page":194},{"text":"كفرهم، فهم كذلك جميعا أحياء وأمواتا.\nومما ينسجم ذكره مع هذه الوجهة ذلك أنه في معركة الخندق (الأحزاب) شوال السنة الخامسة للهجرة حاول بعض فرسان قريش اقتحام الخندق فأمكن عدد منهم ذلك، فقتل من قتل وهرب الباقون طالبين النجاة.\nوكان ممن قتل عمرو بن عبد ودّ العامري، وهو من فوارس العرب وشجعانهم وأبطالهم المعلمين.\nفلما بارزه علي بن أبي طالب﵁ وكرم الله وجهه- قتله، وحمل الزبير بن العوام (حواري رسول الله ﷺ) على نوفل بن عبد الله حتى شقه باثنين وكاد يقتل فرسه بنفس الضربة. فقيل له: يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: والله ما هو السيف، ولكنها الساعد «١» . وكان رسول الله ﷺ قد دعا له ولسيفه من قبل، فبارك الله تعالى له ذلك.\nوبقيت الجثتان (عمرو بن عبد ود ونوفل بن عبد الله) أياما فأرسل المشركون يريدون جثة عمرو بن عبد ود وعرضوا ثمنا ضخما لذلك، فقال لهم ﷺ: «لا خير في جيفته ولا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجيفة (الجثّة) خبيث الدية» . فلم يقبل منهم شيئا، وقال ﷺ مثل ذلك حين طلبوا جثة نوفل مقابل دية، فقال: «إنه خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه» «٢» .\n_________\nرقم (٤٥٧٣) . ولكن الإسلام كان يدق قلبه، من بعد بدر حين ذهب إلى المدينة لفداء بعض أسارى بدر، حيث سمع الرسول الكريم ﷺ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور. ويأتي على هذا المنوال منع أم المؤمنين رملة أم حبيبة (بنت أبي سفيان) أباها من الجلوس على فراش رسول الله ﷺ يوم جاء إلى المدينة ليؤكد ويمد العقد لصلح الحديبية وقالت له: (هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس) قالت ذلك لأبيها!!!\n(١) سبل الهدى، (٤/ ٥٣٥) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٥١) .\n(٢) سبل الهدى، (٤/ ٥٣٦) .","vol":"1","page":195},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-71> معاني الأحداث السالفة:</span>\nإن هذا الاستعراض أو التطواف الطويل في الأحداث السابقة للدعوة الإسلامية التي ذكرها القرآن الكريم ورأينا معانيها مستمرة، يحياها المسلمون واقعا، بما علمهم الله تعالى، وهي تظهر أثر الإيمان بهذا الدين واضحا، والأديان السابقة بصفائها، من قبل أتباعها. وهو الفرقان الواضح الذي يفرق بين الحق والباطل، وإنه هو الذي يميز الإنسان. وفيه وحده النجاة والسعادة، وهو الذي يعلي قدر الإنسان، وما عداه يهبط به أسفل سافلين، والإيمان يرفعه إلى عليين. ومن هنا فإن الله تعالى قصّ علينا أحوال السابقين ممن آمنوا بدعوة الله تعالى والذين واجهوهم ومصائرهم.\nوإن الإيمان العملي بدين الله وحده هو الذي ينجي الإنسان ويرفع قدره ويقربه من الله تعالى ويسعده في الدارين. وبه يكون الإنسان الكريم الذي عرف ربّه، ليكون العبد الفاضل المترقي الذي أدى واجبه نحو ربه وسلك سبيله ووفى حقه، حري برحمة الله في الدنيا وبجنته في الآخرة. أما الذين جانبوه وأهملوه وحاربوه عمرهم ولم يتوبوا فليس لهم إلا البوار والعقوبة والنار وبئس القرار.\nولا بد للمؤمن أن يحتمل من أجل نصرة هذا الدين كلّ شيء، حتى يتحقق بإذن الله تعالى النصر لأهل دعوته. وهي سنة جارية وماضية ودائمة، ضرب الله تعالى لها الأمثلة في القرآن الكريم للاقتداء بها، فتعلمها المسلمون وعاشوها ومارسوها صابرين وبها سعداء فرحين.\nوهكذا ضرب الله لنا هذه الأمثلة في القرآن الكريم، ولأنبياء كثيرين آخرين (غير موسى عليه وعليهم السلام) في مواجهة المكابرين من أقوامهم ومواجهتهم لهم وحربهم بمختلف الأساليب. ثم إن الله تعالى أخذ هؤلاء الطغاة: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر: ٤١- ٤٣] .","vol":"1","page":196},{"text":"نوح ﵇ وقومه «١»، فكان الطوفان.\nهود ﵇ وقومه «٢» عاد وهلاكهم.\nصالح ﵇ وقومه «٣» ثمود وهلاكهم.\nإبراهيم ﵇ «٤» أبو الأنبياء ﵈ وأبو نبينا محمد رسول الله ﷺ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧] .\nوإبراهيم (﵇) هو الذي واجهه أولا أهل بابل (أو أور) ذات الآلهة الكبيرة، وكبيرها مردوك، وملكهم الطاغية النمرود.\nلوط ﵇ وقومه «٥»، وعقاب الله لهم.\nشعيب ﵇ وأهل مدين «٦» وهلاكهم.\nوبهذه الأمثلة وغيرها من الصيغ والشواهد الواضحة في دعوة الله تعالى يتبين نتيجة اتّباعها لدعوة الله تعالى ونصرهم على عدوهم، كما يتبين مصائر\n_________\n(١) [العنكبوت: ١٤- ١٥] . كذلك [يونس: ٧١- ٧٣] . وردت هذه الأمور والحديث عن الأنبياء في سور متعددة من القرآن الكريم، وكل مرة بما يناسبها وبالجانب المتعلق بالشاهد، وبالأسلوب المتناسق معها، بل وحتى طريقة التعبير وإظهار العبرة منها. كما رأينا في الحديث عن فرعون في سورة القمر حين أجمل الله تعالى قصته، بما يتبين كما في الآية السابقة حسب المقام والمناسبة.\n(٢) [العنكبوت: ٣٨] . منازل عاد (قوم هود) في الأحقاف جنوب الجزيرة العربية قرب حضرموت. أما منازل ثمود (قوم صالح) في الحجر شمال الجزيرة العربية قرب وادي القرى. وادي القرى اليوم هو وادي العلا. يبعد عن المدينة المنورةﷺ على صاحبها- نحو (٣٥٠ كم) شمالا. ومر رسول الله ﷺ عليها في مسيره إلى غزوة تبوك، سنة (٩ هـ) .\n(٣) [سورة العنكبوت: ٣٨] .\n(٤) [سورة العنكبوت: ١٦- ٢٧] .\n(٥) [سورة العنكبوت: ٢٨- ٣٥] .\n(٦) [سورة العنكبوت: ٣٦- ٣٧] .","vol":"1","page":197},{"text":"أعدائها وأخذهم وخذلانهم بفضل الله تعالى في الدنيا، والخزي والندامة والعذاب يوم القيامة. وتلك سنة الله تعالى، أن ينصر المسلمين ويأخذ الكافرين أخذا قويا.\nوالإسلام دين الله الواحد الذي أرسل به أنبياءه﵈- وكلفهم بحمله إلى البشرية. فهم ذلك الرهط الكريم رعاة الموكب الإيماني الرباني.\nإذ الإسلام هو إسلام النفس والحياة والمجتمع كله لله تعالى ولأمره وشرعه.\nوكان آخر قادة هذا الموكب الكريم وخاتم الرسالات هو محمد بن عبد الله ﷺ عبد الله ورسوله. وكل الأنبياء﵈- وأتباعهم صفتهم الإسلام وهم المسلمون. وهو أمر ماض في الحياة ولا يكون إلا بدعوة الله تعالى، ودعوته لا تكون إلا إسلاما كليا لله تعالى ودعوته الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨] «١» . فلا يقبل الله غيرها. وهو أمر دائم وقائم ودائر، مثلما كان قديما فهو كذلك حديثا، غابرا وحاضرا ماضيا ومستقبلا.\nوهذا البيان القوي المعجز الذي جعل الله به هذا القرآن في أحواله وجوانبه ومحتوياته، كذلك في وضوحه وظهوره واستمراره، يواجه الله تعالى به العرب الذين هم أول من واجه الدعوة الإسلامية ونبيها محمدا ﷺ.\nوهو بيان كذلك، كما في آيات كثيرة «٢»، أنه الشرف وحده والرفعة هو منبعها والسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة.\nلكنهم- يا للأسف والحسرة والغرابة- واجهوا الإسلام وحاربوه، وعملوا بكل ما لديهم من مال وجهد وخبرة في حربه. فالقرآن الكريم كتاب الله المبين، الذي أوحاه إلى مصطفاه ﷺ، عرض عليهم في سورة العنكبوت\n_________\n(١) «السّلم»: الإسلام. والخطاب للمؤمنين جميعا بدين الله تعالى أن يعملوا بشرعه كله، دون استثناء، لا من الشرع ولا من المؤمنين.\n(٢) اقرأ الآيات الكريمة في سورة الزخرف، (٤٤) . وسورة المؤمنون، (٧١) . وكذلك سورة الأنبياء، (١٠) . وانظر أعلاه، ص ١٠٧.","vol":"1","page":198},{"text":"- وسور أخرى كثيرة- مصائر الغابرين المكاذبين الذين حاربوا بقوة دعوة الله وآذوا أنبياءه. وكانت أمامهم ماثلة ديار بعض تلك الأقوام الذين أهلكهم الله تعالى بذنوبهم، يشهدونها خاوية على عروشها ويمرون باثارها وبقاياها وأطلالها، ويعرفون مواقعها. فهو سبحانه يحدثهم عن أخبارها ليزدجروا ويعتبروا فيهتدوا وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:\n٤] «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-72> القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه:</span>\nوبعد فهذا الاستعراض لمصائر ومصارع المكاذبين ومشاهدهم البائسة الماثلة أمامهم التي بينها الله تعالى لهم، يخاطبهم- بهذا القرآن الكريم- ومتوجها إليهم بالخطاب محذّرهم مصيرا كهذه المصائر، فكفار أهل مكة وقريش والعرب وغيرهم على الدوام ليسوا خيرا من كفار تلك الأقوام الغابرة الذين ترون مصارعهم شاهدة، وهم لا ينكرونها. إذا فأفيقوا وتداركوا واسعوا للنجاة والسعادة في الدارين والاستقامة باتّباعكم لهذا النبي الكريم ﷺ وأنتم تعرفون صدقه وأمانته واستقامته، الذي جاءكم- من عند الله تعالى بهذا الدين الحق الصدق الجد، وكتابه القرآن الكريم.\nوأنتم ترون حقيقة النّذر فيما سبقكم من أقوام، مثلما ترون من حقيقته وإعجازه وصدقه وتشهدون به وتقرونه وتلمسونه في كل جانب وقضية وموضوع، وإن الكفرة لا بد أن يهزموا أمام المؤمنين بهذا الدين. فإن النصر لا محالة وبالتأكيد ولا مفر- بعون الله تعالى، وحسب سنة الله وإرادته ووعده للذين اتّبعوا شريعته وأحبوها أكثر من أنفسهم، وهي نفيسة، قدموها رخيصة ولم يدخروا شيئا دونها.\n_________\n(١) وفي هذه السورة الكريمة كذلك العديد من صيغ الدعوة العظيمة العاملة الماثلة الفاضلة وأخبار أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام أجمعين.","vol":"1","page":199},{"text":"وقد حدث هذا في معركة بدر الكبرى (١٧ رمضان السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة) . وهو أمر دائم، فالله ﷾ ينزل نصره على أوليائه، ما داموا على شريعته قائمين، ويجعل ويحلّ الهزيمة على أعدائه، مهما ومن كانوا وما ادعوا وما تبجحوا وأظهروا أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٣- ٤٥] «١» .\nوجاء في التنذير والتنبيه والتحذير- بعد تلك الأمثلة والشواهد والمشاهد في سورة العنكبوت للعرب أنفسهم من قريش وأهل مكة والجزيرة وغيرهم- المخاطبين بذلك أولا، ويشمل كل أحد مثلهم- إن هم حاربوا هذا الدين وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: ١٨- ٢٠] .\nومن حكمة الله تعالى ونعمته ومنّته أن لم يكن المحق والسحق والدمار للمعاندين في أمر هذه الدعوة الكريمة، الذي كان مصير أمثالهم في دعوات الله السابقة؛ لأن هذا دين الله العام لأهل الأرض أجمعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وهي كذلك رحمة منه، لحكمة يريدها وهو بها عليم.\nولكن جهاد المؤمنين بها، صابرين على كل أنواع الأذى والاضطهاد والتعذيب، حتى نصر الله تعالى نبيه ﷺ وجنده ودعوته بهؤلاء المؤمنين\n_________\n(١) انظر تفاصيل ذلك كما رواها البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، باب قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، رقم (٤٥٩٤- ٤٥٩٦) . علما أن سورة القمر هي مكية ونزلت قبل الهجرة بعدة سنوات. ولم يفهم جمهرة الصحابة الكرام- إن لم يكن كلهم- فهم الواقع العملي لمعنى هذه الآيات إلا عندما نصرهم الله ﷾ في بدر أو عند ما كان رسول الله ﷺ في ميدان المعركة وقبل ابتدائها يتلو هذه الآية الكريمة، كما أشير إلى ذلك في البخاري في الهامشة الحالية توا.","vol":"1","page":200},{"text":"الذين اتبعوه في كل الأحوال، وفي حرب أعدائهم بهذا الدين وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:\n٦٢- ٦٤] .\nفالله ﷾ يذكّر العرب- وغيرهم- الذين حاربوا الإسلام، بمصارع العصاة والعتاة والبغاة من الكفرة المتألهين والظلمة المتجبرين والفسقة المتبخترين، من الغابرين وعلى مدار القرون السابقة للدعوة الإسلامية ويدعوهم إلى الاعتبار، بعد أن تبين لهم أن هناك قوة واحدة هي قوة الله تعالى الذي أراد بالعباد خيرا بإرسال الأنبياء﵈- التي كانت هذه الدعوة الكريمة خلاصتها وخاتمتها وكمالها في هذا القرآن الكريم، أنزله على محمد ﷺ إمام الأنبياء وسيد المرسلين﵈- وبيّن لهم من خلال الآيات في الكتاب- وهو الصدق الأكيد الذي وحده يحمل الحقيقة الوحيدة الأكيدة الرشيدة- ومن خلال واقع الحياة المشهود، مع أن أولئك القوم أو الأقوام كانوا أقوى منهم وأمضى وأعلى، عبرة وتذكرة وتنبيها: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [غافر: ٢١- ٢٢] «١» .\n_________\n(١) وسورة غافر من السور التي تعالج قضية الحق والباطل والإيمان والكفر والضلال والعلو والتجبر في الأرض، وتقدم الأمثلة الكثيرة لدعوة الله تعالى وأحوال أنبيائه (﵈) وما لقوه من أقوامهم، وما كانت مصائرهم النكدة البائسة التسعة، مقابل أهل الإيمان الذين نصرهم الله تعالى، وكيف نجا ونصر وأعز أولياءه وأهلك أعداءه، ليري ﷾ أهل مكة وقريشا والعرب والعالم في ذلك العصر وفي كل العصور مصير كل فئة، ليتعظوا ويعتبروا ويهتدوا بهذا الدين الكريم.","vol":"1","page":201},{"text":"وهكذا يضرب الله تعالى الأمثلة في القرآن الكريم للإيمان بدعوته وجبهة الحق والمؤمنين به في عصور سبقت، سواء ممن نصر من الأنبياء﵈- في وقتهم أو بعدهم، من النساء والرجال. فزوجة فرعون المتأله كانت مؤمنة، وسحرة فرعون كانوا له ومعه، لكنهم لما رأوا الحق فاجتذبهم وأراد الله كرامتهم، آمنوا واحتملوا تهديد فرعون وتخويفه وتنكيله بهم- وقد أعلمهم به- لكنهم آثروا الحق الذي أنزله الله ورغبوا بما عنده تعالى من الأجر والثواب والجنة فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه: ٧٠- ٧٦] .\nوهكذا يستعرض لنا القرآن الكريم هذه الصور والصيغ والمشاهد بأسلوبه المعجز وتعبيره المتفرد وكلمات الله القوية- وتلك حقيقتها وطبيعتها وأحقيتها المؤكدة المتجددة المتفردة- في هذا البيان لدعوات الله السابقة، منذ البداية وحتى نوح﵇- إلى إبراهيم- أبي الأنبياء﵇- وموسى، أنبياء. ثم داود وسليمان، أنبياء وملوكا. ثم بأقوام آخرين من المؤمنين بالله تعالى والعاملين بمنهجه الآخذين بكلمته. فذو القرنين «١» كان ملكا مؤمنا صالحا. وقصة الفتية المؤمنين أصحاب الكهف «٢»، وأصحاب الأخدود «٣» . وكلها أمثلة على مواجهة الإيمان الأعزل للكفر المدجج\n_________\n(١) [سورة الكهف: ٨٣- ٩٨] .\n(٢) [سورة الكهف: ٩- ٢٢] .\n(٣) [سورة البروج] .","vol":"1","page":202},{"text":"المتجبر. ولكنها مع ذلك تنتهي بانتصار الإيمان الصادق بدعوة الله تعالى.\nويد الله تعالى القادرة دوما مع عباده المؤمنين، ما داموا آخذين بمضامينه وعاملين بمحتوياته مجاهدين له، وهم يرفضون ما عداه، وتلك هي سنة الله.\nوالمثال الواقع المتواتر المشهود وبأجلى الصيغ وأعلاها وأحلاها تجده في الإسلام ودعوته التي حملها محمد ﷺ وجاهد له ومن معه، أعلى ما يكون الجهاد، مقبلين على الله تعالى يتسابقون في الأخذ بشرعه والتزام طاعته، يتقربون بذلك له راغبين برضاه ﷾ وبجنته.\nوهذا بعض ما يجعل دراسة السيرة الشريفة مهمة وواجبا إيمانيا ينبغي على المسلم الاهتمام به، إذ من خلالها ندرك حقيقة هذا الأمر وصدقه ووضوحه، كما ندرك تماما واقعه وواجبه وطريقه، ليبقى ماثلا للناس، ضمن سلسلة الدعوة إلى الله في عقدها الكريم، وأن هذا سنة الدعوات في المواجهة بين المؤمنين بالله ودعوته وبين الكافرين بها، ويكون الصراع وتقوم المواجهات وتقدم التضحيات. فإذا ما صدق أهل الدعوة وأدوا ما عليهم وثبتوا عليها، تمتد إليهم يد الله ﷾ القاهرة بالعون والتأييد والنصر، ويذهب الكفر وأهله.\nوذلك حسب سنن الله تعالى من أخذ المؤمنين بالأسباب، فينصرهم على عدوهم، ما داموا لا يدخرون وسعا، بإقبال بيّن وصدق واضح وفداء أكيد، في موعد وحال يقدره الله ﷾. وهذا ما يجعل أمر الدعوة إلى الله في كل مراحلها، ولا سيما سيرة الرسول ﷺ، ضرورة لازمة لمن التحق بموكب هذه الدعوة الكريمة ويعمل على نصرتها في كل أحواله.\nوإذا كنا نرى اليوم ضعفا في ذلك، فلا بد أن يهيئ الله تعالى لدينه من ينصره، إنه على ما يشاء قدير، وإنه بالغ أمره، وهو الغالب بقوته وقدرته وحكمته.","vol":"1","page":203},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-73> أجواء السيرة العبقة:</span>\nفي هذه الأجواء العبقة الندية الرخية بايات الله تعالى ووحيه ورعايته لأهل دعوته، كان ﷺ يربي الصحابة الكرام، مما علمه الله وأوحاه إليه وأعدّه له. ويأخذ بأيديهم- حسب أحوالهم واستعدادهم ونوعياتهم- إلى الأرقى والأعلى والأوفى، في سلّم الإسلام والقرب من الله تعالى ورضاه، برفق وحكمة ودراية بهم. وكان ﷺ يتولى ذلك وهم يتربون على مائدة القرآن الكريم وينهلون من ينبوعه الصافي الزّلال المثال وبه يرتقون، مقتدين برسول الله ﷺ.\nفكانت مجرد الإشارة تكفيهم للقيام بكل عمل وواجب ومهمة، مهما كانت شاقة وبالإشارة، بل لمجرد معرفتهم أو ملاحظتهم أو إحساسهم بتوجيه الرسول الكريم ﷺ في أي أمر من الأمور أو برغبته أو تفضيله له. فإن ذلك يقربهم إلى الله أكثر وبه يحصلون على رضاه ﷾ وبالجنة، يستجيبون له، بجد وفرح وإقبال.\nفانظر إلى عبد الله بن عمر، ما إن سمع قول النبي ﷺ فيه: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي بالليل» «١»، فكان لا ينام من الليل إلا قليلا (يتهجد)، حتى وفاته (﵁) .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-74> الصحابة وسبل الارتقاء:</span>\nوكان ﷺ دوما يأخذ بأيديهم ويرتقي بهم، يسألهم أو يسألونه، بعد ما\n_________\n(١) رواه البخاري، رقم (٣٥٣٠)، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أخته حفصة بنت عمر بن الخطاب (﵃) أم المؤمنين (زوج الرسول الكريم ﷺ) . انظر كذلك: سير أعلام النبلاء، (٣/ ٢١٠) . أسد الغابة، (٣/ ٣٤١) . وكان عبد الله بن عمر يحب ابنه سالما هذا فيلام عليه فيقول (سير أعلام النبلاء، (٤/ ٤٦٠»:\nيلومونني في سالم وألومهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم","vol":"1","page":204},{"text":"رباهم على الإيمان القوي العميق بالله رب العالمين ودينه العظيم ونبيه الكريم. وعلموا أن لهذا الدين والإيمان به حقيقة يجدونها في أنفسهم، تجعل كلماته أجزاء من أبدانهم بل تفتدى لها أبدانهم. تتحول إلى عمل ماض وصوت جهير وإصرار مضئ، في واقع الحياة. آثاره تجول وتصول، وثماره تنادي وتقول، تفصح عن حقيقته وتؤكد وجودها. وعبروا عنه صورا متلألئة، ف «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» «١» .\nومهما كانت تكاليف هذا العمل يجري ذلك ويتم بدون موازنات أو حسابات أو أي اعتبارات، تترجح عندها الأمور الدنيوية. بل هي لا ترد في هذه الحسابات ولا وزن لها في كفته، بل هي تفتدى من أجل الحصول على رضا الله تعالى، بطاعته وطاعة رسوله ﷺ في رفع شأن هذا الدين وإعلاء كلمة الله في كل موطن، مهما كانت التكاليف وغلت التضحيات.\nويوم مرّ الحارث بن مالك الأنصاري «٢» برسول الله ﷺ قال له: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: «انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟»، فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا.\nوكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال ﷺ: «يا حارث، عرفت فالزم» ثلاثا «٣» .\nفحقيقة الإيمان بهذا الدين، آثار واضحة وثمار جلّى ناضجة، يراها كل\n_________\n(١) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك. وانظر: التفسير، (٣/ ١٤٧٤) .\n(٢) عنه انظر: الإصابة، (١/ ٢٨٩)، رقم (١٤٧٨)، (١/ ٣٨٨)، رقم (٢٠٥٥) الطبراني، (٣/ ٢٦٦) . أسد الغابة، (١/ ٤١٤) . حياة الصحابة، (٣/ ٢٣) . وانظر كذلك: التفسير، (٣/ ١٤٧٨) .\n(٣) حياة الصحابة، (٣/ ٢٣) . التفسير، (٣/ ١٤٧٨) .","vol":"1","page":205},{"text":"أحد، لا تحتاج إلى دليل، فهي الدليل الذي يبهر كلّ ناظر، يدهشه ويجذبه.\nلذلك فإن حارث طلب إلى الرسول الكريم ﷺ أن يدعو له بالشهادة، فقال: يا نبي الله، ادع الله بالشهادة، فدعا له. فنودي يوما: يا خيل الله اركبي، فكان أول فارس ركب وأول فارس استشهد «١»، ﵁ وأرضاه.\nوهكذا كان رسول الله ﷺ يرعاهم في كل الأمور، فردا فردا، وأسرة أسرة، وجماعة جماعة. يوجههم وهو معهم، يعاونهم ويرشدهم.\nفكانوا يلجؤون إليه في كل ما يعتملون ويواجهون ويأملون «٢» - نساء\n_________\n(١) الإصابة، (٣/ ٢٤) . وحياة الصحابة، (٣/ ٢٤) .\n(٢) انظر مثلا: البخاري رقم (١٢٣٩)، ورقم (٥١٥٣) وما قبله. ومسلم رقم (٢١٤٤)، كل ذلك عن أبي طلحة الخزرجي الأنصاري النّجّاري (زيد بن سهل، ٣٤ هـ أو ٥١ هـ) العقبي النقيب البدري، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان من الشجعان الرماة، وكان جهير الصوت، وعن ذلك قال رسول الله ﷺ: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة (مئة)» . سيرة ابن هشام، (١/ ٤٥٧) . أسد الغابة، (٢/ ٢٨٩)، (٦/ ١٨١) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٧) . وزوجته أم سليم بنت ملحان النجارية الأنصارية، أم أنس بن مالك، وكانت صدرا في العاقلات المجاهدات بأسرهن. أسد الغابة، (٧/ ٣٤٥)، رقم (٧٤٧١) . ولما رغب أبو طلحة الزواج منها قالت له: (أما إني فيك لراغبة، وما مثلك يردّ، ولكنك كافر، فإن تسلم فذلك مهري، لا أسألك غيره، فأسلم، وتزوجها. فقالوا: فما سمعنا بمهر كان قط أكرم من مهر أم سليم: الإسلام) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٩) . نجد أنفسنا واقفين مع أبي طلحة أمام قضيتين فيهما غموض: الأولى: في سنة وفاته (سنة ٣٤ هـ) أو قبلها أو سنة (٥١ هـ)، الفارق كبير. فعلى الأول (٣٤ هـ) في خلافة عثمان (٢٣- ٣٥ هـ) وعلى الثاني (٥١ هـ)، لعل وفاته إذا في غزوة لفتح القسطنطينية سنة (٥١ هـ) . وكان من المشاركين فيها الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي توفي هناك، حيث قد وصى أن يؤخذ جثمانه إلى أقصى مكان داخل أرض العدو ليدفن فيها، فدفنوه عند أسوار القسطنطينية. سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٠٢ ٤١٣) . مسند الإمام أحمد، (٥/ ٤١٩) . وهذا الاستنتاج ينسجم مع رغبته (أبو طلحة) في الخروج للجهاد استجابة للآية الكريمة انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا [التوبة: ٤١] .","vol":"1","page":206},{"text":"ورجالا- حتى خصوصياتهم وزواجهم وكل قضاياهم دوما «١» .\nفكان ﷺ لكل واحد منهم أكثر من أب وأم وأخ، يبذل من خاصة نفسه ولا يبقي لنفسه- إن بقي- إلا بعد أن يكتفي الآخرون، يعطي من كل ما عنده لدينهم ودنياهم، من ماله وتوجيهه وحبه الذي لا ينضب، والذي تجاوز أصحابه إلى أتباعه وإخوانه في كل جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولأهل الأرض أجمعين. فهو النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وهو رسوله إلى الناس كافة.\nوكان ﷺ يمضي مع صحابته في الأمر حتى ينجزه، ويسعى معه أو قبله لذلك، حتى يصل به إلى النهاية بعون الله. وهو ﷺ الذي يبدأ بإثارة الكلام عن قضية أحدهم، ويسأل عنها، ليسعى قبل صاحبها في حلّها وإنجازها، مهما كانت ضخمة وصعبة، يبحث عن طريق لحلها، ويتولى شأنها بنفسه، وهو القصد من سؤاله. وفي كل مسألة نماذج وشواهد كثيرة وفيرة غزيرة.\nومرة جاءه أعرابي، وقد أقيمت الصلاة، فأخذ الأعرابيّ ثوبه ﷺ وقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أنساها، فقام معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبل فصلى «٢»، فأي اهتمام هذا؟!!\nوقد جرى ذلك مع كل واحد من صحابته- نساء ورجالا، صغارا\n_________\nفغزا البحر فمات، فأيهما أكثر احتمالا؟ الثانية: قصة إسلامه، فروايات تذكر أنه عقبي نقيب، وهي نفسها حين تتحدث عن زواجه بأم سليم، مما يفهم منه أنه أسلم بعد الهجرة الشريفة إلى المدينة المنورة قبل بدر أو بعدها. وقبل هذا لا نجد له مشاهدات أو مشاهد في معترك الأحداث. وبعد (٣٤ هـ) لا نجد له أمثالها!!\n(١) حياة الصحابة، (٢/ ٦٦٩) وما بعدها.\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة، رقم (٦١٦، ٦١٧) . ومسلم، (٣٧٦) . (وفيه جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه) . فتح الباري، (٢/ ١٢٤) . السيرة النبوية، الندوي، (٣٨٥) .","vol":"1","page":207},{"text":"وكبارا، أطفالا وشيوخا- مرات ومرات مع كل منهم، أو كثير، مهمات تنوعت ومهما اقتضت واشتدت. بل هو ﷺ الذي يقترح ويحث على إنجاز الرغبات وتوفير الضرورات وتحقيق آمال البركات «١» .\nولقد كان ربيعة بن كعب الأسلمي يخدم الرسول ﷺ متطوعا وحريصا، ويعتبر ذلك عبادة، ويكلف نفسه ما لا يكلف به أحدا، ويسعى به فرحا «٢» .\nما أجمل وأروع هذا الدين وأعظم خلق وفضل نبيه الكريم ﷺ. هذا الدين الذي اختار الله ﷾ له هذا النبي العظيم، ورباه وأدبه وأعده على ما يريده ﷾ من الخلق والفضل والعبودية لله. ذلك لكي يكون أهلا لحمل دعوة الله المباركة ووحيه المنزل على قلب هذا النبي الكريم والرسول العظيم ﷺ، قرآنا وسنة وسيرة. وبهذا تكون تربية أتباعه من الصحابة الكرام ومن تبعهم إلى يوم الدين. ويكون ذلك إعدادا فريدا يتناسب وهذا المنهج الرباني نفسه، ويسمو بهم إلى قمة عالية لا تدانيها أية من الواجهات والتربيات والمفهومات من كافة النواحي، نوعا ودرجة وطبيعة.\nتراها كذلك وهي ترتقي في سلّم الصعود نحو القمم تتسامى، وغيرها يترنح في وهاد المستنقعات، لتظهر بوضوح حقيقة هذا المنهج وقوته ومصداقيته وروعته وفعاليته ومصدريته.\nيرى ذلك في اتباعه، ويكون البناء عاليا والتأثير واضحا والأخذ به شاملا. وبلغ ذلك البناء إلى حد من التأثير والإثمار أن وجد الصحابة الكرام في تكاليفهم وبذلهم عبادة، بها يفرحون وعليها يقبلون وعلى الوفاء بها يصرون ولأجلها يسهرون وفي سبيلها يبذلون ولإعلائها يضحّون بكل ما يملكون، والنفس عندهم من أجلها قليلة. وهم يفعلون ذلك إيمانا واحتسابا وقربى. كيف لا والرسول الكريم ﷺ قدوتهم وأسوتهم، وكان يجد راحته\n_________\n(١) انظر: البخاري، رقم (١٢٣٩، ٥١٥٣) وقبلها.\n(٢) ربيعة بن كعب الأسلمي. انظر: هنا، (ص ١٠٠- ١٠٤، ١٣٢، ١٤٢- ١٤٦، ٢٠٩ وبعدها) .","vol":"1","page":208},{"text":"في العبادة. فهو الذي كان يقول لبلال في وقت الصلاة: «أرحنا بها يا بلال» أو: «يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها» «١»، ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم النساء والطّيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة» «٢» .\nولقد قال الرسول الكريم ﷺ يوما لربيعة: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» قلت: لا والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج، وما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء!! فأعرض عني، ثم قال لي الثانية: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: ما أريد أن أتزوّج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عني. ثم رجعت إلى نفسي فقلت:\nوالله لرسول الله ﷺ أعلم مني بما يصلحني في الدنيا والآخرة، والله لئن قال لي ألا تزوج؟ لأقولن: نعم يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال لي:\n«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال: «انطلق إلى آل فلان- حي من الأنصار، كان فيهم تراخ «٣» عن رسول الله ﷺ- فقل لهم:\nإن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة»، لامرأة منهم.\nفذهبت إليهم فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني، فقالوا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته، فزوّجوني وألطفوني وما سألوني البينة «٤» .\nوهكذا تمضي القصة وتتعدى ذلك إلى معاونته ﷺ لربيعة في تهيئة كل متطلبات الزواج، بل حتى القران والوليمة، يحث المسلمين على إنجاز ذلك له ومعاونتهم إياه، بل وإعداد مقتضيات العرس والوليمة التي يحثّ\n_________\n(١) رواه أبو داود، رقم (٤٩٨٥، ٤٩٨٦) . وورد في مسند الإمام أحمد، (٥/ ٣٦٤، ٣٧١) . زاد المعاد، ١/ ٢٦٥) .\n(٢) مسند الإمام أحمد، (٣/ ١٢٨)، (١٩٩)، (٢٨٥) . حياة الصحابة، (٣/ ٨٩) . زاد المعاد، (١/ ٢٦٥)، (٣/ ٢٥٠)، (٣٣٦) .\n(٣) «كان فيهم تراخ»: كانوا يأتونه قليلا.\n(٤) حياة الصحابة، (٢/ ٦٦٩- ٦٧٠) . «ألطفوه»: قدموا له الهدايا وسرّوا به.","vol":"1","page":209},{"text":"عليها الإسلام ورسوله ﷺ ودعوة الآخرين إليها «١» .\nهكذا كان الرسول ﷺ يرعى أصحابه، وهكذا أحبوه أكثر من أنفسهم، وهكذا يكتمل الإيمان «٢» . ونحن إن فاتنا مكانة الصحبة وشرفها فنجتمع وإياهم معه في الجنة- إن شاء الله ﷾ وبفضله- وتحت لواء الرسول الكريم ﷺ ونسأله- وهو العلي القدير- صحبته في الآخرة في الجنة، كما كان الصحابة يسألونه ذلك.\nإن نكن لم نر النبيّ فإنّا ... قد تبعنا سبيله إيمانا\nوالحق أن هذا أفق عجيب ونظر ثقيب وتعلق باهر ومستوى نادر وإيمان متنور وعقل متفكر. ويبدو أن عددا كبيرا من الصحابة- إن لم يكن كلهم- قد حضر عندهم هذا التصور، كما في القصة السابقة وقصص أخرى، منها ما يشير إلى أنهم لا يحتملون ولا يتصورون فراقه. ومن ذلك ما يروى أنه جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون فقال له النبي ﷺ: «يا فلان ما لي أراك محزونا؟» فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال: «ما هو؟»، قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك. فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية الكريمة: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء: ٦٩- ٧٠] . فبعث النبي ﷺ فبشره «٣» .\nوكلما ارتقى الصحابة الكرام أفقا جديدا، وجدوا سعة في حياة الرسول الكريم ﷺ وآفاقا لا زالت بعيدة، وكانوا أكثر إدراكا لها وأحدّ نظرا وبعدا\n_________\n(١) حياة الصحابة، (٢/ ٦٧٠- ٦٧١) . مرت القصة مفصلة.\n(٢) سبق ذكره. التفسير، (٢/ ٦٩٩) .\n(٣) سبق ذكره. التفسير (٢/ ٦٩٩) .","vol":"1","page":210},{"text":"لمداها. هكذا في كل الصفات المتنوعة التي أرادها وأدارها الإسلام ودعا إليها وربى أتباعه عليها.\nفالقدوة والأسوة النبوية عميقة الغور، مثلما هي سامقة الآفاق دانية القطوف. والله تعالى أعد الرسول الكريم ﷺ ليرى كلّ أحد الإسلام نموذجا في الأرض، يصيغه إنسانا بشرا، ارتقى بهذا الدين العظيم، أنزله الله تعالى وأعده له وأدبه به ودعا الآخرين إليه، فرباهم بمنهجه، بتوجيه الله ﷾ وتسديده بالوحي الأمين، قرآنا وسنة وتوجيها بالسيرة النبوية الشريفة.\nوهكذا فالسيرة الشريفة بحاجة إلى فهم متسع متفتح أصيل عميق متجدد.\nفلا يمكن أن يغور إليها إلا الذي أحبها وتعلق بها وعاش معانيها، وانطوى على هوى مكين، يغدو به وكأنه يرى رسول الله ﷺ ويصحبه في حياته.\nصورة متحركة أمامه، يراه فيقتدي به، وهو الذي رباه الله وأحسن أدبه وتوجيهه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-75> القرآن والسيرة:</span>\nوإننا نجد ذلك في معاني الإسلام وفهم القرآن الكريم وعمليته وصدقه وأصالته ومناسبته للإنسان، وحياته وتكوينه وطبيعته. فهو يا بني الإنسان بناء لا يصح لغيره ولا يكون، ويرقى به إلى المستوى المثالي، تراه في واقع الحياة. فهو الذي يربيه ويرتقي به، بصيغة مثالية واقعية أو واقعية مثالية، جرت في الحياة، ليس في أفراد- وفي جماعة فحسب- ولكن في مجتمع متكامل في كافة شؤونه وأحواله، باطنا وظاهرا، انطلق بذلك البناء حريصا على معانيه وحارسا لمبانيه، يؤثره على كل ما عداه، بإقبال وانشراح.\nمجتمع كان كل أفراده كذلك. كان القرآن يربيهم وينشئهم وينشّئهم أمة كريمة. وهو أمر ما كان إلا به ولا يكون البتة إلا معه.\nومن هنا نجد الوفرة من السيرة النبوية في القرآن الكريم، نفسر القرآن","vol":"1","page":211},{"text":"بها ونفهمها، وندلها بها في التطبيق والعمل. وهكذا نفهمه ونفهمها. بل ويمضي الفهم والتربية والعمل والتخلق والتطبيق والاستبدال، وتتعمق كل الأمور وتستغرق كافة الجوانب.\nإن توالي الآيات الكريمة ينزّلها الله ﷾ على رسوله الكريم ﷺ ذاكرا حقائق الأحداث وخوافيها، مما هو في ضمير الناس- مسلمين ومشركين- مما يجهله الرسول الكريم ﷺ نفسه، ولم يتنبه أو يراه أي أحد ذو صلة بالأمر، يظهر خفاياها وبواطنها وما غاب منها، بل وينبه لنتائجها استقبالا، ويبين حقائق الأشياء والأحداث والأحياء وطواياها ويوضحها.\nفالقرآن الكريم يتنزل تشريعا وهداية وتربية، مثلما يبين حقائق الأحداث ومراميها، بدقائقها وحقائقها، مرئيّها ومخفيّها، واقعها ومستقبلها، مثلما ينبه إلى أبعادها ويشير إلى نواياها ومخططاتها، فيما لو حدثت. ويظهر نفوس أهليها وما انطوت عليه، وما تتولد منه، لو استمرت على منوالها، وذلك بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين. ويظهر حقيقة الحادثة وظرفها وآثارها الدفينة، آنا ومستقبلا، في صيغة شاملة وصورة كاملة. يضعها أمام الرسول ﷺ والمسلمين ويبين دروبها في النفس والتواآتها وسيرها في منحنياتها، وما ترنو إليه وتطلبه وتريده وترغبه، وبيان الأطراف وما أضمرت والنفس وما نوت والحقيقة وما تثمر وأثمرات، مما قد لا يدركها صاحبها وتغيب عن طالبها، يجهلها كلّ أحد، حتى الذين عايشوها.\nوهذا بجانب إخبار الغيب في الأمور ماضيا ومستقبلا، وما التبس أو غاب حاضرا، مبينا آثار ذلك في كلتا الحالتين، جهلا بها أو معرفة لها، والحث على بيان طريق علاجها والموقف المناسب لها ووضع قواعدها، ليكون كل ذلك عاما وشاملا لكل زمان ومكان، مثلما هو التشريع القرآني شامل للحياة لمن وجههم الله تعالى في زمانهم. آياته تترى على الرسول الكريم ﷺ، تربيهم على يديه وترفعهم إلى أعلى الآفاق أمام عينيه، ليبقى ذلك ملجأ لكل أحد ومطلبا لكل ساع في شرع الله في دربه الكريم.","vol":"1","page":212},{"text":"وهكذا تتكامل حقائق السيرة المذكورة في القرآن الكريم بعمقها وصدقها، بإخبارها عن غيبها وحاضرها معلومها ومجهولها غيبا وشهادة، في كل الأحوال، مثلما يبين ﷻ ما يصلح لهذا الإنسان من تشريع وتوجيه يكون دائما على مدى الحياة ويجعل الإنسان في وضعه الطبيعي الذي أراده الله له وخلقه من أجله وأعده لبناء الحياة الفاضلة، مستديرا بنفسه كما استدارت الحياة والكون على وضعها وفلكها ومسارها يوم خلق الله السموات والأرض.\nوهكذا تتعانق في القرآن الكريم موضوعات السيرة الشريفة مع موضوعاته الآخرى كالتشريع وغيره ليبقى كلها مرتبطا بالإنسان في كل زمان ومكان يريده ويطلبه ويرغبه، ليا بني حياته بهذا وذاك. وكل هذا لا غنى للإنسان- وطبعا للمجتمع المسلم- عن كل ما في القرآن الكريم، فكله دائم وصالح وضروري لإقامة الحياة الإنسانية بدروبها وفروعها وجوانبها. وهذا الفهم بحاجة إلى دراسة مستقلة فتح الله به وأنا أراجع هذا المبحث لتقديمه إلى الطباعة «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-76> بين الدرجة والنوع:</span>\nوعلى كل أحد يريد أن يقيم مجتمع الإسلام، أن ينحو هذا المنحى وينظر إلى هذه الآفاق، يرتقي بها فهما وعمقا، حبا وصدقا، علما وعملا، ليقترب- مقتديا برسول الله ﷺ- من مستوى أولئك الصحب الكرام. فهو وإن تخلف عنهم في الدرجة، لا يحب أن يتخلف أو يختلف عنهم في النوعية.\nولهذا أسبابه وعزمه وعزائمه وجدّه وإقباله، بحيث هؤلاء يتنسّمون وينسمون\n_________\n(١) كان ذلك أثناء مراجعة المبحث، بعد كتابته، وتنقيحه، لرفعه إلى ضربه على الكومبيوتر، مساء الثلاثاء (٢٧/ ٢/ ١٩٩٠) . وهذا يشير إلى المتابعات المتكررة والمراجعات الكثيرة وتوالي إعادة النظر الدائم للكتابة المتأنية، ابتداء من (١٩٨١ م) وحتى اليوم (١١/ ٤/ ١٩٩٨) حيث أجهزه للطباعة وإن كان أحيانا وكثيرا على تتابع أو تراخ لوقت ما. وأعتبر هذا أطروحتي الأولى، أو الآخرى على أقل تقدير.","vol":"1","page":213},{"text":"روائع السيرة ويشفّون عنها ويشفون بها ويشون بها ويتمثلون روائعها، ينشرون شذاها وينثرون عبقها، تحبّهم كلما اقتربت منهم، تعرفهم بمواقفهم في كل الميادين، يقعون في النفس موقع التقدير حتى لو كانوا آخر الأفواج.\nلا يشقى بهم جليس بل يجد فيهم الأنس الأنيس وينتشي البئيس.\nفما الذي يدعو إذا إلى محبة بلال وسمية «١» وياسر وغيرهم، وهم حتى\n_________\n(١) لقي هؤلاء وغيرهم كثيرا من العنت والإرهاق والتعذيب المتنوع المتكاثر والاضطهاد الكبير المريع، وكل المسلمين في العهد المكي. وأصروا بعناد قوي وواجهوا المشركين وأعلنوا إسلامهم وجاهروا به وأبوا إلا الإعلان عموما، رغم أن الدعوة كانت سرية. أما بلال الحبشي، بلال الخير (٢٠ هـ)، فهو مؤذن الرسول ﷺ أذّن في حياته ﷺ حضرا وسفرا، وأذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة. أسلم قديما، فكان أحد أول سبعة أظهروا الإسلام: رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد (وذكر خبّاب بدل المقداد)، سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٤٧) . أسد الغابة، (٤/ ١٣٠)، (٧/ ١٥٢) . سيرة ابن هشام، (١/ ٣١٨، ٦٣٢) . وكانت الدعوة الإسلامية في بداية العهد المكي سرّية، لكن بلالا أظهر الإسلام وأعلنه. وكان عبدا لأمية بن خلف، وكان يعذبه بوضع صخرة عظيمة على صدره في الرمضاء وهو صابر محتسب ويقول: أحد أحد حتى اشتراه أبو بكر وأعتقه. ولذلك يقول عمر بن الخطاب: (أبو بكر سيّدنا وأعتق سيدنا) يعني بلالا. البخاري: فضائل الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح، رقم (٣٥٤٤) . حضر المشاهد (المعارك الغزوات) كلها مع رسول الله ﷺ، روى له أصحاب الصحاح الستة عشرات الأحاديث. وبعد وفاة الرسول ﷺ ذهب إلى الشام للجهاد وفيها كانت وفاته. وحين حضرته الوفاة كان يقول: (غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه، وافرحتاه) . انظر: الطبقات الكبرى، (٣/ ١٦٩) . سيرة ابن هشام، (١/ ٣٣٩) . الإصابة، (١/ ١٦٥)، رقم (٧٣٦) . الاستيعاب، (١/ ١٧٨)، رقم (٢١٣) . الوافي بالوفيات، (١٠/ ٢٧٦)، رقم (٤٧٧٦) . سيرة الذهبي، (٢١٧) . أما سميّة (نحو ٧ ق. هـ ٦١٥ م) وزوجها ياسر وابنهما عمار فقد عذّبوا كثيرا وفيهم قال الرسول ﷺ: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» . (سبق ذكره أعلاه)، ثم قتل أبو جهل سمية بأن طعنها بحربة في موطن العفة منها، فكانت أول شهيدة (شهيد) في الإسلام ثم استشهد زوجها ياسر، وهو يعذب بيد المشركين غرقا. أما عمار فعذب","vol":"1","page":214},{"text":"لم يورّثوا علما ولم يرووا سنة إلا في حدود، ومنهم من استشهد مبكرا جدا، مقبلا ومقدما، يقبلون على الإسلام ويتمثلونه بتوازن واتزان.\nولا بد لكل هذه أن تكون بارزة ظاهرة في تولي عملية البناء ورعايتها في الحديث عن الجماعة المؤمنة التي تريد وتعمل و«تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع، التي غلبت عليها الجاهلية، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة!» «١» .\nوهكذا كلما مضيت وعشت، فهمت وتقويت واقتربت واستنتجت وتمثلت وانطلقت. وكلما زاد إيمان الشخص دقّ نظره وثقب بصره وعلا إدراكه، وكان فهمه أعمق وآفاقه أوسع وعمله أشجع. والصحابة الكرام كانوا يزاولون القرآن الكريم، ذوقا وإدراكا، ويعيشونه عملا وواقعا.\nوورد عن عبد الله بن مسعود «٢» أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم القرآن\n_________\nكثيرا ثم قال كلمة لإرضاء قريش وندم عليها، لكن الرسول ﷺ طمأنه. انظر: أسد الغابة، (٤/ ١٢٩)، (٥/ ٤٦٧)، (٧/ ١٥٢) . الأعلام، (٣/ ١٤٠)، (٥/ ٣٦)، (٨/ ١٢٨) . الوافي بالوفيات، (١٥/ ٤٥٧)، رقم (٦١٧) .\n(١) التفسير، (٣/ ١٤٧٨) .\n(٢) عبد الله بن مسعود (٣٢ هـ ٦٥٣ م) من أجلّاء الصحابة وأكابرهم ونجبائهم، فضلا وعقلا وقربا من رسول الله ﷺ. وهو من أهل مكة ومن السابقين إلى الإسلام وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله ﷺ الأمين وصاحب سره ورفيقه في حلّه وترحاله وغزواته. وقال ﷺ: «استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل» . وحين سئل حذيفة عن رجل قريب السمت والهدي من النبي ﷺ ليأخذوا عنه، قال: (ما أعرف أحدا أعرف سمتا وهديا ودلّا (شكلا وشمائل) بالنبي ﷺ من ابن أم عبد (ابن مسعود» . (البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن مسعود ﵁، رقم (٣٥٤٩، ٣٥٥١» . أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها، وشهد فتوح الشام. روى عنه كثير من الصحابة والتابعين. وكان يقول: (أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة ... والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل. وما أحد أعلم","vol":"1","page":215},{"text":"الكريم فيقرئهم العشر آيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل به جميعا «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-77> تذوّق الصحابة نعمة الوحي، وافتقادها لدى انقطاعها:</span>\nوالصحابة الكرام بجانب حيازتهم للصحبة وتشرفهم بها، كان ذلك ممدودا ومواكبا وحيويا، لنزول القرآن الكريم وترادف الوحي الذي به كانت تلك النعمة وكل النعم الآخرى، يرونه ويعيشونه ويحيون به. وكان كل ذلك فعالا في حياتهم عاملا في بنائهم فاصلا في مهماتهم، جمعوا به كل المفاخر وأقاموا كل العمائر وحازوا كل الماثر، بحيث إنه يوم توفي الرسول الكريم ﷺ منتقلا إلى الرفيق الأعلى، أحس المسلمون بفقدان ما تمتعوا به في تلك المدة التي قضوها مع رسول الله ﷺ وعرفوا مذاقها ووجدوا حلاوتها، فافتقدوا الوحي بانتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.\nفلقد ذهب أبو بكر وعمر﵄- إلى أم أيمن «٢» يزورونها،\n_________\nبكتاب الله مني، ولو أعلم أحدا تبلّغنيه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته) . وورد عن النبي ﷺ أنه قال: «من أحبّ أن يسمع القرآن غضا فليسمعه من ابن أم عبد» . وقد عاش عمره يعلّم القرآن الكريم وأمور الإسلام للناس في أكثر من مكان لا سيما في الكوفة. ثم عاد إلى المدينة المنورة حيث توفي فيها (٣٢ هـ)، ودفن بالبقيع ﵁ وأرضاه. انظر: الإصابة، (٢/ ٣٦٨)، رقم (٤٩٥٤) . الاستيعاب، (٣/ ٩٨٧، ٩٩٤)، رقم (١٦٥٩) . الوافي بالوفيات، (١٧/ ٦٠٤)، رقم (٥١٥) . الأعلام، (٤/ ١٣٧) . سيرة ابن هشام، (١/ ٣٣٦) . شرح الخشني، (١/ ٣٨٨) .\n(١) انظر: تفسير القرطبي، (١/ ٣٩) . التفسير، (٤/ ٢٢٥٣) . حياة الصحابة، (٣/ ١٧٦) .\n(٢) أم أيمن (بركة) حاضنة الرسول ﷺ وكان يقول عنها: «أم أيمن أمي بعد أمي» . شهدت أحدا وخيبر مع رسول الله ﷺ وكانت تسقي الماء وتداوي الجرحى. الإصابة، (٤/ ٤٣٢)، رقم (١١٤٥) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٢٢٣) . الوافي بالوفيات، (١٠/ ١١٨)، رقم (٤٥٧٥) . أسد الغابة، (٧/ ٣٠٣) . الاستيعاب، (٤/ ١٧٩٣)، رقم (٣٢٥٢) . زاد المعاد، (١/ ٨٣) .","vol":"1","page":216},{"text":"كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟\nأما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء.\nفهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها «١» .\nلكن آثار هذه المدة العجيبة التي لا يكاد العقل يتصورها، لولا أنها وقعت حقا، تبقى تعمل في حياة البشر في كل زمان ومكان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها «٢» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-78> شواهد وفرائد صحابية:</span>\nومنهج هذا الدين أنه يأخذ بصاحبه وتابعه دوما إلى الارتقاء، فردا وجماعة، مجتمعا ودولة، حاكما ومحكوما؛ لأنه يقوم على الصدق في الصلة بالله تعالى ويبحث عن رضاه، بكل طريق ويضحّي ويعطي، قبل أن يأخذ، إن كان يأخذ.\nوجواذب الإقدام لهذه الآفاق ونوافذه كامنة متوافرة. وهذا علامة صدق ودليل إخلاص. وأهله يقبلون على الأقوم والأقوى والأجود، حتى لو كان ذلك مغلفا مثقلا؛ لأن الهدف يصبح هو الارتقاء الذي يبذل له ما عداه، ولا يستطيع أن يرتقي في تلك الآفاق من أثقلته الدنيا بأي مقدار، والله تعالى يقول في القرآن الكريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: ٣٨- ٣٩] .\n_________\n(١) انظر: التفسير، ٦/ ٣٩٣٧- ٣٩٣٨) . وقد أخرجه مسلم، رقم (٢٤٥٤) .\n(٢) انظر: التفسير، (٦/ ٣٩٣٧- ٣٩٣٨) .","vol":"1","page":217},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-79> الرخص أم العزائم:</span>\nومن هنا فإن الحياة الإسلامية، لا سيما مجتمع الصحابة الكرام، ملئ بالعزائم الغالية، موار بالعظمات العاليات. دعائمه ذلك البناء الرصين، قام على شرع الله المبين، قدوتهم ومربيهم محمد ﷺ الذي اختاره الله تعالى لتولي هذه المهمة، أدّبه ورباه وأعدّه، فهو يعلمه ويوحي إليه ويوجهه «١» .\nوحتى وقت الشدائد والمازق، قلّ جدا وندر- حتى بعد عهد الصحابة الكرام- من أخذ منهم بالرخصة. فكلهم كانوا يأخذون بالعزيمة- رغم وجود الرخصة- وذلك من شدة حبهم لله تعالى ولرسوله الكريم ﷺ، ذلك الحب الرائق المترقرق والاقتناع البليغ المتدفق والحيوية الفعالة، في ذلك الحب الذي أخذ بهم إلى تلك الآفاق وأجلسهم أو أوقفهم على تلك القمم. وهم يسعون للارتقاء في مسعاهم طبيعة، لرضا الله تعالى والقرب منه، وهم طليعة البشرية ورواد الحياة السعيدة الفريدة، مقتدين بالرسول الكريم ومهتدين بهديه ﷺ.\nوقد فهموا معنى قوله ﷺ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن\n_________\n(١) هذه هي مباني الإسلام الفذة الرائعة في تلك الأحوال والظروف، وفي كل الظروف. وهكذا فالإسلام لا يعبر عن مستواه قياسا إلى غيره بل مستواه المتميز واضح وملحوظ، أمام كل أحد وفي كل العصور والأمكنة ولا يقاس بما حوله ولا يعتمد تقدمه على أي ظروف، لكن لا بد من شروط في أتباعه ليقيموا الحياة الإسلامية فيأتي بالعجائب في أي ظروف مهما تملك أهل العصر والمصر. ويوم انطلق المسلمون بهذا الدين ينشرونه انطلقوا وهم لا يملكون مما عند الآخرين من تقدم مدني أو علمي، وفي ذلك عبرة وحكمة أرادها الله تعالى، للبشرية جمعاء. وهكذا فالإسلام عظيم ودوما هو الموئل والمنهج والطريق للإنسانية، لإقامة حياتها الفاضلة وحضارتها الإنسانية، على غير مثال ونسق. فإنه دين الله الذي ارتضاه للعالمين حتى يوم الدين. ولا يقبل من أحد غيره. فلا يلحقه أحد أو منهج. وهو مستقل وثابت وسامق، في كل وقت، وينشئ الحياة الفاضلة الكريمة، ابتداء وانفرادا وتميّزا.","vol":"1","page":218},{"text":"تؤتى عزائمه» «١» . إن هذه الرخص رخص العبادة، أما في الحياة والمواقف فالعزيمة أولى وأدعى وأجدى. وإن الذين بنوا الحياة الإسلامية هم أهل العزائم، في كل موطن وموقع، في البذل والتضحية والإقدام عليها، حبا ورضا وقربى. ويوم يكثر الأخذ بالرخص في أمور الحياة وتحقيق معاني الإسلام فيها، فقد تردت الأمور ونصل بها إلى أضعف الإيمان، الذي هو الاستنكار القلبي. وحتى هذا يصبح في خطر إذا جرى الاستمرار على الرخص والتّرخّص فيها. والرسول ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «٢» .\nفالأخذ بالعزيمة هو طبيعة الحياة الإسلامية وسمتها المتميّز، ونهرها الجاري. وهو زلال متدفق متدافع متسارع. وإن الأخذ بالعزيمة عبادة، وأحد ثمارها الطيبة، ولا انفصام بينهما، يجري بها للتقرب إلى الله تعالى.\nوإن النظرة في سيرة الرسول ﷺ تنير هذا البصر والبصيرة وتبني هذا الفهم وتطلق المسلم قويا في الحياة أبيا نقي النفس عالي الهمة.\nوفي العهد المكي من أول يوم كان ﷺ إصراره على الدعوة وحملها وإبلاغها لا حدود له.\nفأي شيء تذكره في حياته تجدها من هذا النوع وعلى نفس النسج، مهما كانت الشدائد والصعوبات والقوى الباغية. ولا بد أنه قد مرّ بك ماذا قال لعمه أبي طالب حين بدا وكأنه يتخلى عنه بقوله له: يا بن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أن عمّه خاذله ومسلمه وضعف عن نصرته، فقال ﷺ: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي، (٥/ ٣٥٦) . وكذلك رواه البيهقي. وقد رواه الإمام أحمد بلفظ آخر: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» . المسند، (٢/ ١٠٨) . وكذلك رواه البيهقي.\n(٢) رواه مسلم، رقم (٤٩) . وأبو داود، (١١٤٠) و(٤٣٤٠) . والترمذي، (٢١٧٢) . وانظر: رياض الصالحين، (١٢٥) .","vol":"1","page":219},{"text":"في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» «١» .\nوهذا تصوير لحقيقة هذا الدين والإصرار عليه، من الهادي القدوة والأسوة- صلوات الله وسلامه عليه- روحا استرضعها الصحابة واستنبتوها، شجرة باسقة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تعرف غير هذا اللون من الثمار دائما، ومع كل الظروف.\nوقال ﷺ مثل ذلك في المدينة، بعد أن نصره الله وأقام دولة الإسلام وحكّم شريعة الله، حيث بها قام مجتمع فاضل كريم، أيام الحديبية (٦ هـ) حين تعنتت قريش وركبت رأسها: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم، دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش. فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» «٢» .\nوبذلك تسمو الحياة الإنسانية وتتأكد معالمها وتشرق لوامعها. بل إننا لنجد في التضحيات والإقدام تمتلئ الساحات، يتنافسون فيها ويقدمون، كلما زاد الخطر وأقبلت الشدائد واعتركت المعامع، تكاثر الناس بالمواقف الشوامخ، حتى لنرى عجبا من التصرفات والأعمال، ما يظهر معادنهم الباهرة وشواهدهم النادرة، وفي شكل متسع ونوعية تعبر عن ذلك البناء الفرد أو المتفرد، تربّوا على مائدة القرآن، مقتدين برسول الله ﷺ فهما وعملا.\nفهم كما وصفهم الرسول الكريم ﷺ «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٢٦٦) . سيرة ابن هشام (بشرح الخشني، (١/ ٣٢٩- ٣٣٠» . سيرة الذهبي، (١٤٩) .\n(٢) سيرة ابن هشام، (٣/ ٣٠٩) . «السالفة»: صفحة العنق: وهي كناية عن القتل.","vol":"1","page":220},{"text":"عند الطمع» «١» . كيف وكان الرسول ﷺ يفعل ذلك، وهو الذي كان يبدأ بنفسه في الملمات والتضحيات.\nوانظر إلى سعد بن معاذ «٢»، ماذا يقول لرسول الله ﷺ في معركة بدر:\n(فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته\n_________\n(١) انظر: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، (٧٢) . وهذا الوصف قاله ﷺ أساسا في الأنصار.\n(٢) سعد بن معاذ الأوسي الأشهلي الأنصاري (٥ هـ) من مشاهير الصحابة وأبطالهم، سيد الأوس، وحامل لوائهم يوم بدر. وحضر أحدا والخندق التي استشهد من أثرها بسهم أصابه فيها، بعد غزوة بني قريظة بليال، وبعد أن نزل بنو قريظة على حكمه، وبعد الخندق بشهر. ويروى عن عائشة ﵂ أنه كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن- بعد النبي ﷺ- أفضل منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعبّاد بن بشر. وقال ﷺ في حلّة رآها سيراء (بدلة أو بردة جميلة): «لمنديل من مناديل سعد في الجنة خير منها» . ورد بعدة ألفاظ أخرجه مسلم، رقم (٢٤٦٨- ٢٤٦٩) . والترمذي، رقم (١٧٢٣) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٩٢) . انظر: أعلاه، ص ١١٩. أسلم على يد مصعب بن عمير بين العقبة الأولى والثانية، ودعا قومه إلى الإسلام فأسلموا جميعا نساء ورجالا (انظر: أعلاه، ص ١١٩)، إلا الأصيرم الذي أسلم يوم أحد، وشهدها واستشهد فيها، فحاز الكثير بالعمل أو الوقت القليل حيث إنه ضحى بنفسه في سبيل الله. وكان سعد بن معاذ من أعظم الناس بركة في الإسلام، سمعته أمّه يردد في معركة الخندق منشدا:\nلبّث قليلا يلحق الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل\nفقالت أمه: الحق يا بني فقد تأخرت. انظر: البخاري، كتاب المغازي، باب مرجع النبي ﷺ من الأحزاب، رقم (٣٨٩٥ و٣٨٩٦)، (٤/ ١٥١١) . الإصابة، (٢/ ٣٧)، رقم (٣٢٠٤) . الاستيعاب، (٢/ ٦٠٢)، رقم (٩٥٨) . أسد الغابة، (٢/ ٣٧٤)، رقم (٦١٥) . سير أعلام النبلاء، (١/ ٢٨١) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٢٢٦- ٢٢٧) . الوافي بالوفيات، (١٥/ ١٥٢)، رقم (٢٠٤) . الأعلام، (٣/ ٨٨) .","vol":"1","page":221},{"text":"لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله» «١» . فسّر رسول الله ﷺ بذلك ونشّطه وقال: «سيروا وأبشروا فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله كأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» «٢» .\nثم عبّر سعد عن حب المسلمين والأنصار الذين يتحدث بلسانهم للرسول ﷺ واستعدادهم للبذل في سبيل الله وأن من تخلف منهم كان بسبب عدم توقعهم قتالا فقال: (يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعدّ عند ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الآخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك) «٣»، فأثنى عليه رسول الله ﷺ ودعا له بالخير، ثم بني لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه.\nوهكذا استحقت هذه النوعية نصر الله تعالى في بدر، أول لقاء بين المسلمين والمشركين، ورغم التفاوت الذي ما كان يظن أحد أن تدور الدائرة عليهم. أتى نصر الله الذي كانت ثقة الرسول ﷺ به والمسلمين عالية جدا وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:\n١٢٣] .\nوهكذا سمى الله ﷾ يوم بدر يوم الفرقان وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:\n٤١] . وهذا هو الحق المبين الذي عاشه المسلمون وأدركوه.\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (١/ ٦١٥) (سيرة ابن هشام شرح الخشني، ٢/ ٣٠٦) . وانظر: زاد المعاد، (٣/ ١٧٣) . مغازي الذهبي، (١٠٧) .\n(٢) سيرة ابن هشام، (١/ ٦١٥) .\n(٣) سيرة ابن هشام، (١/ ٦٢٠- ٦٢١) . سيرة ابن هشام شرح الخشني، (٢/ ٣١٣) .","vol":"1","page":222},{"text":"ولم يكن الصحابة الكرام يأخذون بالرخصة في أي من هذه الأمور وأمثالها دوما، وعلى ذلك سرت الحياة الإسلامية وسارت مواكبها. ورغم ضعف المسلمين في مكة وقلة عددهم وشدة الاضطهاد عليهم فلم يأخذوا بالرخصة عموما، طيلة العهد المكي، الذي نعرف مقدار ونوعية الاضطهاد فيه للمسلمين، من قبل قريش وصدهم عن سبيل الله، ورفض أهل مكة والعرب من حولها لهذه الدعوة المباركة، رغم إعجازها وبيانها وصدق الرسول ﷺ المعروف عندهم قبل النبوة، بحيث إنهم هم الذين سمّوه «الصادق الأمين»، وحكّموه جميعا راضين، في أكبر حدث كادت تسيل فيه الدماء، يوم الحجر الأسود، وكان سنه ﷺ خمسا وعشرين سنة.\nوما كانوا ينكرون صدقه أبدا. ولشدة ثقتهم به وتأكدهم من أمانته وصدقه أنهم كانوا يضعون أماناتهم عنده، وهم يحاربونه ويحاربون رسالة الله التي أنزلها عليه ليبلغا للعالمين. فتراهم يسعون لقتله بكل سبيل. كما يعلمون صدق المسلمين في حملها ويرون آثارها عليهم خيرا وبركة واستقامة ظاهرة متجلجلة.\nفمضت قريش بعيدا في اضطهادها إلى القتل بالسلاح والقتل بالجوع والتعذيب الوحشي. واجه المسلمون كل ذلك بالعزيمة القوية التي تهد الجبال، وأعظم وأكبر من الجبال الراسيات «١» .\nكل هذا والإسلام في أوله لم تكتمل آياته ولم تتم شريعته ولم تظهر عظيم صوره وبليغات ماثره ولوامع جوامعه ولم تر أمجاده الواسعة وكل معجزاته الرائعة ولم يسجل بعد بواهر انتصاراته المتقدمة ولم يقم مجتمعه المتلاحم ودولته العظيمة وتتبين مفاخر حياته. ولكن الانتصار بدأ وسار موكبه المبارك الميمون لحظة استقرت عقيدته، عقيدة التوحيد «لا إله إلا الله» ومستلزماتها «محمد رسول الله» واستقامت على الهدى خطواته.\n_________\n(١) انظر: أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر، (٤٥١) .","vol":"1","page":223},{"text":"وكلمة التوحيد خير ما قاله الرسول الكريم ﷺ والأنبياء﵈- قبله «١»، وذلك أساس دعوة الإسلام ودعوات الأنبياء. وكان ﷺ في العهد المكي يلاقي الناس ويلتقي في أسواقهم وهو ينادي بهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلّا الله تفلحوا» «٢» .\nوهذه المواجهة الصريحة المعلنة كانت في أشد ما يكرهون، لكنها النبوة والرسالة الحقة، وهي من أدلتها ومستلزماتها وأصولها ومقوماتها التي لا تصح بدونها، ولا يقبل الله عملا إلا بها.\nولقد صدق المسلمون في حملها واستعدوا لأعبائها وأخذوا بالعزيمة، بالإيمان بها. وإن علموا الرخصة في ذلك بشروطها وضرورتها، والله تعالى يقول: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦] .\nوقد أتاح لهم ذلك لكنهم أخذوا بالعزيمة. وهذا بلال «٣» العبد الحبشي- الذي أعتقه فيما بعد أبو بكر الصديق، والذي قال فيه عمر بن الخطاب:\n(أبو بكر سيدنا وأعتق سيّدنا) «٤» - كان عبدا لأمية بن خلف يعذبه تعذيبا يفري صاحبه، وكان بإمكانه أن ينجو من ذلك بكلمة يقولها بفمه، إرضاء لقريش، لكنه على العكس كان يكرر دوما- وهم يعذبونه- ويصرخ بها في\n_________\n(١) معنى حديث شريف رواه الترمذي وآخرون. ونصه: «خير ما قلت أنا والنبيون (من) قبلي لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير» .\n(٢) سبق ذكره أعلاه، ص ١٥٨- ١٥٩. وانظر: الإصابة، (١/ ٥٠٩) (ترجمة ربيعة بن عباد رقم ٢٦١٠) . حياة الصحابة، (١/ ١٠٧)، وقبلها وبعدها. سيرة ابن هشام، (١/ ٤٣٣) (سيرة ابن هشام، شرح الخشني، ٢/ ٧٤) .\n(٣) سبق الحديث عنه. انظر: أعلاه، ص ٢١٤ (حاشية) .\n(٤) أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب بلال بن رباح، رقم (٣٥٤٤)، (٣/ ١٣٧١) .","vol":"1","page":224},{"text":"وجوههم: (أحد أحد)، وأنه لو يعرف كلمة في الإسلام تقال أشد منها عليهم لقالها.\nوكذلك آل ياسر الذين قال فيهن رسول الله ﷺ: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «١» . سميّة وزوجها ياسر وابنهما عمار. كان الأبوان أول الشهداء في الإسلام إذ قتلت سمية بطعنة رمح، في موطن العفة، من أبي جهل. وهي تعلم أنه سيفعل ذلك بها. وكان يمكن أن تبقي على حياتها مسلمة مؤمنة بكلمات يرميها لسانها عليهم. واستشهد ياسر تحت التعذيب.\nوفي العهد المدني ترى جميع الصحابة- نساء ورجالا- أبطالا عظاما.\nانظرهم كيف فعلوا وهم يمتطون قمم العزائم. وذلك لا يحدث ولا جزء منه إلا بهذا الدين الذي نرجو أن تعود صيغه وفيرة منيرة، لتحرر الإنسان من العبودية لغير الله وتعبّده لله رب العالمين، وتحمل راية هذا الدين تطوف بها جنبات الأرض الواسعة.\nانظر ماذا فعل حبيب بن زيد الأنصاري «٢» الذي أرسله رسول الله ﷺ رسولا إلى مسيلمة الكذاب باليمامة. فكان مسيلمة إذا قال له: أتشهد أن محمدا رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، وإذا قال له: أتشهد أني رسول الله؟\nقال: أنا أصم لا أسمع. فعله مرارا، فقطعه مسيلمة عضوا عضوا ومات شهيدا ﵀ «٣» . لا يزيده على ذلك إذا ذكر له رسول الله ﷺ آمن به وصلّى عليه، وإذا ذكر له مسيلمة قال: لا أسمع «٤» . وكان دمه يسيل ويسأله فيجيب نفس الجواب إلى آخر رمق به، وهو ثابت على ذلك. رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه.\n_________\n(١) سبق ذكره، ص ٢١٤، وانظر: حياة الصحابة، (١/ ٢٩١) .\n(٢) انظر: الإصابة، (١/ ٣٠٦)، رقم (١٥٨٤) . الاستيعاب، (١/ ٣٢٨) .\n(٣) التفسير، (٤/ ٢١٩٦) . سيرة ابن هشام، (١/ ٤٦٦- ٤٦٧) (شرح الخشني، ٢/ ١٢٠) .\n(٤) سيرة ابن هشام، (١/ ٤٦٦- ٤٦٧)، (شرح الخشني، ٢/ ١٢٠) .","vol":"1","page":225},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-80> السيرة مدد وحياة:</span>\nوظلت السيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- تحمل الحياة الإسلامية بامتدادها، وتغذيها بروحها، وتقويها بمضامينها. يتوالى ظهورها، وتتجدد حقائقها، كلما تأكدت هذه التربية الفذة، في كل العصور وحتى العصر الحاضر، في الوقائع في العالم الإسلامي: في فلسطين والسويس وأفغانستان وغيرها، وفي كل المواقع. وإن جميع التحركات الخيرة والتجمعات الفاضلة والانبعاثات الوضيئة في عالمنا- بعد أن تهالكت الخلافة الإسلامية العثمانية وتهاوت وذهبت- كانت تنبع من هذا الفيض الكريم في كل العالم الإسلامي ومنها البلاد العربية.\nوهذا هو الأمل أن يتجدد ويقوم على عزيمة أهل الإيمان، يبنون من جديد الحياة الإسلامية، ويبذلون ويتقدمون. وهذا ما لا تقيمه الرخص بل تقيمه العزائم. ولا يجب أن يحدث العكس، بأن تؤخذ بالعزيمة في العبادة والرخصة في الحياة، بل الأصل: الرخصة في العبادة والعزيمة في الحياة.\nوالبوادر ظاهرة، والخير قادم، والموكب يتهيأ للمسير. ولابد أن تنطلق القافلة وتسير- إن شاء الله ﷾، بعد أن تصفو الأمور، وقد جرى ويفهم الناس حقيقة الإسلام. وقد ذهبت كل تلك الشعارات الخادعة، وانهارت مبانيها المتداعية التي حمتها القوى الباغية العميلة ظاهرا وباطنا داخلا وخارجا في أي موطن وموقع، وفي العديد من عالمنا المتسع، واضحا أو خفيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>الثمار الطيبة الطّعوم:</span>\nوهكذا كان الصحابة الكرام وبناؤهم ثمرا طبيعيا لمنهج الإسلام- قرآنا وسنة وسيرة- وصورة واضحة لتعاليمه، قدوتهم في ذلك خير خلق الله ورحمته المهداة إلى العالمين. فهو ﷺ دائما الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة للمسلمين جميعا في كل العصور، ابتداء من الصحابة الكرام، ومن أكبرهم","vol":"1","page":226},{"text":"وأعلاهم وأقربهم، كيف لا وهو إمام الأنبياء وسيد المرسلين. وقد ربى أصحابه ويربي إخوانه التابعين في كل الأجيال- مقتدين به ﷺ- على مائدة القرآن الكريم، كتاب الله المبين الذي أنزله نورا وهدى للعالمين.\nرأينا ذلك تماما لدى الصحابة الكرام، نساء ورجالا، أغنياء وفقراء، كبراء وإماء. واقرأ- إن شئت- هنا تراجم الصحابة الكرام، تجدهم أهل مواقف للحق، لا يعرفون إلّا بها ولا يعرفون إلا بها. وأي مواقف تكون على منهج الإسلام! فأي قمم شواهد ارتقوها، وأي ذرا شواهق وقفوا عليها، وكأنهم ينادون البشرية ويدلّونهم ليذهبوا إليها، يترفقون بهم. ويقودهم لذلك معلم الإنسانية ورحمة الله إليهم وإلى البشرية كافة محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله ﷺ.\nفمن سمع واستجاب ارتفع، ومن أعرض وقع. وانظر تصوير رسول الله ﷺ البليغ لذلك، كيف لا، والله قد رباه ورعاه وأدبه وأعدّه ووجّهه، والوحي يتنزل عليه، ويرشده ويسدده ويوجّهه، فيقول ﷺ: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبّهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون (تفلّتون) من يدي» «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-82> الإضافة وحديث القرآن:</span>\nإن شخصا يقوم بكل ذلك، ينشئ أمة مثالا من عدم، ويهيب بها وفية، لتكون قائدة رائدة- في ذلك الزمان والوسائل- للبشرية كلها، وتدير دفة التاريخ وتحوز مقوده وتحوّل مجراه وتستديره إلى حاله يوم خلق الله\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي، (١٤/ ١٢٢)، (٢٠/ ١٦٥) . وقد أخرجه البخاري. روى أبو هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقحّمون فيها» . كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، رقم (٦١١٨)، (٥/ ٢٣٧٩) .","vol":"1","page":227},{"text":"السموات والأرض «١»، وتملك الزمام وتسيّر موكب الإنسانية وتنشر آثارها وتقدم ثمارها لكل أهل الأرض، تابعها وغيره. وما زال المستقبل لها- إن شاء الله تعالى- بجولات وصولات قادمات. تلك طبيعتها وطبيعة الحياة وحاجة الإنسان، وتقوم بتلك الإنجازات والفتوحات، لا شك أنه نبي من عند الله ورسول منه ﷾. وهو خاتمهم- الأنبياء والرسل، ﵈- به ﷺ ختم الله النبوات والرسالات، هيأه وأعده لهذه المهمة، أوحى إليه وسدده وأعانه ونصره ونشر دينه وأجرى المعجزات على يديه.\nوالقرآن الكريم هو معجزة هذا الدين الكبرى الدائمة الباقية المتجددة المبينة المهيمنة الأكيدة، كل يوم تظهر من جوانبه أعاجيب ومعجزات وآيات جديدة. والقرآن الكريم وحي الله وهداه، بكل حروفه وكلماته وآياته، نصا ومعنى وترتيبا، تشرحه وتوضحه السنة المطهرة وتنشره السيرة النبوية الشريفة.\nوإن نبيا يحمل هذا المنهج الإلهي، الذي أنزله الله تعالى هدى ونورا للبشرية، وينفذه ويقيم به مجتمعا مثالا، تطبق فيه كل تلك المعاني الموحى بها والتعاليم التي أنزلها الله تعالى في ذلك الزمان بأحواله ووسائله، وتنشر دعوته وتنصر، ويقبل عليها الناس وتقيم مجتمعا مثالا لوقتهم وللأجيال التالية بعدها وهم ثلّة ضعيفة صغيرة كان يسخر منها «٢» ومن أهدافها. وكان أهل الدعوة في ضيق لا يدعو للأمل- لولا نصر الله- إلى درجة أن أحد أوائل المسلمين وهو خباب بن الأرت «٣» جرى معه مثل هذا، فيحدثنا عنه بقوله:\n_________\n(١) مقتبس مما قاله الرسول الكريم ﷺ في خطبة حجة الوداع: «أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض» . مجموعة الوثائق السياسية، (٣٦٥) .\n(٢) سيرة ابن هشام، (١/ ٣١٣، ٣٢٠، ٣٥١) . شرح الخشني، (١/ ٣٨٧، ٣٩٦، ٤٣١) .\n(٣) خبّاب بن الأرت (٣٧ هـ ٦٥٧ م) كان في الجاهلية قينا (عبدا أو حدادا)، يعمل السيوف بمكة. أسلم قديما، فهو من السابقين الأولين للإسلام. قيل: سادس ستة،","vol":"1","page":228},{"text":"شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟\nفقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصرفه عن ذلك، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «١» .\nلا شك أنه الدين الذي أوحاه الله وارتضاه ﷾ للعالمين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-83> الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرّف المشرق:</span>\nتلك إرادة الله ورحمته ونعمته على أهل الأرض أجمعين، أنزل كتابا وأحل حلالا وحرم حراما، وبين طريق الهداية وجعله نورا وارتضاه، بهذه النعمة الكريمة: الشريعة التي لا مفر للإنسان من الأخذ بمنهجها، ضرورة ولزاما وحتما وطبيعة، طوعا أو كرها. فمن لم يقبل عليه طائعا لا بد أن سيضطر لأخذه راغما.\n_________\nومن أول من أظهر الإسلام. عذبه المشركون، فكان ممن عذّب في الله وصبر على دينه. هاجر إلى المدينة، وكان من فضلاء الصحابة المهاجرين الأولين. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ. وقال فيه علي بن أبي طالب ﵁: (رحم الله خبابا، أسلم راغبا وهاجر طائعا وعاش مجاهدا) . وسأل عمر بن الخطاب ﵁ خبابا عما لقي من المشركين فقال: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري. فنظر فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل. قال: لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها، فما أطفاها إلا ودك ظهري. روى عنه العديد وروي له اثنان وثلاثون حديثا. الإصابة، (١/ ٤١٦)، رقم (٢٢١٠) . الاستيعاب، (١/ ٤٢٣) . الوافي بالوفيات، (١٣/ ٢٨٧)، رقم (٣٤٨) .\n(١) سبق ذكره. أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٤١٦)، (٣/ ١٣٢٢)، ورقم (١٣٩٨)، (٦/ ٢٥٤٦) .","vol":"1","page":229},{"text":"وإذا كان الرسول الكريم ﷺ القدوة المثلى والأسوة الحسنى في كل ذلك لمن كان معه ولمن يأتي بعده- طول الحياة وحتى يوم الدين- فإن المجتمع الذي أنشأه بوحي الله ودعوته وبمنهج الإسلام وشريعته وتوجيه الله تعالى ووحيه، كان المثال والقدوة لكل ما يليه من الأجيال والمجتمعات في حياة الإنسان التي تريد السعادة وتأخذ بمنهج الله تعالى في جولات وصولات حاضرات وقادمات، حالا ومستقبلا إن شاء الله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩]، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] .\nوليس أصح القول أن إنسانا بهذا الدين يستغني عن كل ما عداه فحسب، بل الصحيح الدقيق أنه لا يصلح حاله بسواه ولا يستقيم أمره إلا إياه، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وأول هذه الأمة ومجدها ونسبها إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله للعالمين، وأرسل به محمدا ﷺ ليختم به الرسالات والأنبياء والمرسلين، ويبقى هو الدين المرتضى والمبتغى والمجتبى. فتاريخ الإسلام بدايتها، والإسلام نسبها، والرسول ﷺ قائدها، فلا يصلحها غيره. ومن الأولى ألّا يصلح غيره غيرها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-84> الصحابة فخر الميادين، ازدحمت بهم الساحات:</span>\nفأولئك الصحابة الكرام استوعبوا واستجابوا، عرفوا بهذا الدين قدر الأمور فكانوا عندها. قدروا الله حق قدره وعرفوا مكانة الرسول ﷺ ونعمة هذا الدين ومنحوا ذلك كل ما عليهم نحوها. فكانوا قمة الإنسانية المؤمنة والجيل الذي لا يتكرر أو إلا بصعوبة بالغة وعصبة (سائغة) وبيعة زاكية، نوعا ودرجة وعددا، وبهذه السعة والأفق والكثرة، وملؤوا الميادين في كل العلوم والفنون. ومن تلك القلة كانت الأعلام الكثيرة، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا وشيبا وشبانا.\nوالأعلام- كثرة ونوعا ودرجة- دليل أبلغ دليل، موضوع بحاجة إلى","vol":"1","page":230},{"text":"دراسة متأنية. فظهرت نوعيات عجيبة ارتقى بهم المجتمع بالإسلام.\nوكم من أحد لم يكن له شأن، كان به عظيما، ليس لأنه عاش قبله في مجتمع قهره فقط وألغى إنسانيته فحسب، بل هو نفسه لم يكن فيه من عوامل الارتفاع. رفعه الإسلام وأصبح من الأئمة والأعلام، إلى حد أنه جعل من الأعمى إنسانا رائدا وقائدا، له مواقف، مثل ابن أم مكتوم «١»، وهو أعمى، كانت بيده راية المسلمين في القادسية ويقاتل أعداء الله. وهذا وأمثاله، ومن هذا النوع وغيره وفي المواقف العجيبة غير المنتظرة، امتلأت الحياة الإسلامية بالأمثلة المتزاحمة المتلاحمة. كلها وكلهم ما زالوا مضرب المثال في كل الأحوال، ونعمل على النسج على المنوال.\nكان كل منهم علما حيث وضعته ملأ الحياة مواقف وشواهد وأمثلة ونماذج فريدة، فظهرت تلك القيادات، في أي موطن وضعتها برزت وأدهشت. وانظر إلى نوعياتهم وأخذهم الأزمة وما أنجزوا من فتوحات مدهشة لكل من اطلع عليها، وما زالت روعتها وقد أتت بالعجائب التي لا تتكرر إلا بهذا الدين الذي به تحقق المعجزات.\nففي نفس الوقت الذي كانت جيوش الفاتحين، من الصحابة الكرام ومن معهم من التابعين، كانوا يطرقون أبواب أكبر امبراطوريتين في العالم (المعروف)، تحكمانه وتتحكمان بمصائره وتتصرفان في شؤونه، وهما: الامبرطورية الرومية في الغرب والامبراطورية الفارسية في الشرق، بين كسرى وقيصر.\n_________\n(١) عمرو بن قيس بن أم مكتوم (٢٣ هـ ٦٤٣ م) . وقيل اسمه عبد الله. وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين ﵂. صحابي شجاع، كان ضريرا أسلم بمكة. وهو من المهاجرين الأوائل إلى المدينة. قدم إليها مع مصعب بن عمير (قبل وصول الرسول ﷺ مهاجرا إليها) . وكان يؤذن لرسول الله ﷺ في المدينة مع بلال. واستخلفه ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة، يصلي بالناس في عامة غزواته. وكان يحمل راية المسلمين في القادسية (١٥ هـ) ويقاتل وعليه درع!!! توفي بالمدينة. وهو المذكور في سورة عبس. سير أعلام النبلاء، (١/ ٣٦٠) . الاستيعاب، (٢/ ٥٠١) . الإصابة، (٢/ ٥٢٣)، رقم (٥٧٦٤) .","vol":"1","page":231},{"text":"ففي عين الوقت التي كانت هذه الجيوش الإسلامية الفاتحة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح (والقادة الآخرين: خالد بن الوليد وأمراء الأجناد) بأعدادها القليلة (٢٤ ألفا) تنازل جموع الروم بأعدادها الكبيرة (نحو ١٥٠ ألفا) وعدتها الوفيرة بقيادة ماهان (باهان) الأرمني وسقلاب (الرومي) وجبلة بن الأيهم العربي (ملك الغساسنة) في اليرموك (خامس رجب، ١٥ هـ) كانت جيوش المسلمين الفاتحة كذلك القليلة (ثلاث وثلاثون ألفا) تواجه جموع الفرس كثيرة العدة والعدد (١٢٠ ألفا، غير الاحتياط أو التبع نحو ٨٠ ألفا) بقيادة رستم في القادسية (آخر شوال، سنة ١٥ هـ) (ومعه جالنوس ومهران وبيرزان وبهمن جاذويه وهرمزان، وقتلوا عدا الأخير) .\nوكتب الله ﷾ النصر الكبير للمسلمين في كليهما «١» .\nوهذا التسامي والتمايز والانتصار، مع التفاوت بكل ألوانه ومعداته لصالح الأعداء، مثله كان في كل ميادين الحياة، أظهره المسلمون وانتصروا بالإسلام وحده وتمكنوا فيه يوم التزموا به، امتدادا للنوعية التي رباها رسول الله ﷺ، وكانت هي القدوة لغيرها من بعده. هي وهم ودوما يقتدون في أخذهم بهذا الدين وتعبيد أنفسهم لله رب العالمين، مقتدين برسوله الأمين ﷺ.\nوكانت تلك العصبة التي ضحّت وأقدمت للحفاظ على هذا الدين وحمله علما وعملا، وحرصت عليه وعضّت عليه بالنواجذ، وصلوا القمم التي يمكن أن يصلها الإنسان، لا يصلها إلا بهذا الدين، ليس فردا بل ومجتمعا.\nوتلك من معجزات الإسلام. وإنا لنجد ذلك ممتدا خلال العصور والأفراد. والمجتمعات الإسلامية لم تحرم منها في أي عصر ومصر.\nوالقوى المعاصرة شرقا وغربا وامتداداتها، سماسرة وعملاء، يعرفون ذلك. فهم يمكرون ويبكّرون دوما بضرب أية محاولة وأية حركة تسعى لبعث إسلاميّ جديد، تريد إعادة إنشاء هذا اللون من الأجيال والمجتمعات وتعيد\n_________\n(١) البداية والنهاية. الخلفاء الراشدون، الذهبي، القادسية.","vol":"1","page":232},{"text":"هذه الصولة إلى ميادين الحياة وإقامة أي مجال لمثل تلك الجولة، فيغلقون عليه الطرق ويسدون الأبواب، يمارسون كل سبيل مهما كان، لا يرعون في ذلك قانونا ولا يعرفون إلّا ولا يحفظون ذمة. فليعرف أهل هذا الدين وحماته وجنده ماذا يفعلون ومتى يصنعون وكيف يسلكون.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-85> السيرة والتابعون وتابعوهم:</span>\nفكان توريث السيرة جزآ من هذه الوراثة الفاضلة التي لم يتعلق بغيرها، وأنفقوا أعمارهم وبهاءهم وذكاءهم، واعتصروا طاقاتهم لأجلها، جهادا من أنواع الجهاد.\nكذلك حافظت الأجيال التالية على هذا الأمر، وحرصت عليه، ورغبت في إتمام ما يمكن أن ينقصها فوت الصحبة لرسول الله ﷺ. فاجتمعت لديها الشمول في المعلومات والأخبار والأقوال والسلوك والشمائل من منابعها، صبّت في نهر السيرة، بفضل كافة أولئك الذين أنفقوا كل شيء من أجل جمع معلوماتها والتحقق منها وإسناد أخبارها وأقوالها. وابتدعوا لذلك علوما وأفانين، اعتبرت الأمة الإسلامية بها رائدة.\nلقد كان اهتمام الصحابة بالسيرة الشريفة المطهرة عجيبا وعظيما ومتزايدا. ولم يكن هؤلاء التابعون وتابعوهم بكل أجيالهم وحتى اليوم والحمد لله، وسيبقى كذلك دائما وأبدا، بفضل الله تعالى- بعيدا أو أقل من اهتمام الصحابة الكرام بهذا الأمر ولا أدنى محبة للسنة المطهرة والسيرة الشريفة وتعلقا بها وسعيا لمعرفتها وجهدا لتدوينها وهمة للمحافظة عليها- كتابة ودراسة وتدريسا- وبذلا للسير وراء مادتها. مثلما كان الصحابة يحرصون على ذلك في حياة الرسول الكريم ﷺ صحبة ونقلا وتناقلا، أو بعد وفاته تثبيتا وتأكيدا وتحققا. ولأن الصحابة عاشوها وكان مصدرهم لمعرفتها تلك الصحبة، وغدوا هم مصدرها للأجيال والتاريخ. والقرآن الكريم طبعا هو المنبع، جرى نهره الزلال الصافي الأصيل إلى النفوس، برعاية السنة","vol":"1","page":233},{"text":"النبوية المطهرة والسيرة النبوية الشريفة، تبينها وتوضحها وتمثلها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-86> الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول ﷺ مقتدون:</span>\nولو أخذت أيّة شريحة من الأحداث والأشخاص تجد عجبا، وفي أشد الأوقات وأصعب الأمور والوقائع، ومع ذلك نجد الرسول الكريم ﷺ أولهم وأكثرهم وأبعدهم احتمالا من أشدهم، وهذا في كل الصفات. فكان رسول الله ﷺ أسرعهم وأنجدهم وأشجعهم وأكرمهم وأورعهم وأعبدهم لله رب العالمين. ويروى عن أنس بن مالك ﵁ قوله: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا وقد سبقهم إلى الصوت (وقد استبرأ الخبر) وهو على فرس لأبي طلحة ﵁ عري، ما عليه سرج، في عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء وجدناه لبحرا» «١»، فكان بعد ذلك لا يجارى!!!\n_________\n(١) أخرجه الشيخان (البخاري ومسلم) . البخاري: كتاب الهبة، باب من استعار من الناس الفرس، رقم (٢٤٨٤)، (٢/ ٩٢٦) . ومسلم: رقم (٢٥٢٦) . كذلك: الترمذي، أرقام (١٦٨٥- ١٦٨٧) . (جامع الأصول، رقم ٨٨١٨، ١١/ ٢٤٧) . انظر: حياة الصحابة، (٢/ ٦٠٩) . تجد هناك أمثلة كثيرة، حيث يتحدث العديد من الصحابة عن صفات رسول الله ﷺ والتي منها في الغزوات. فيروي العديد منهم قولهم: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ. وعند أحمد والبيهقي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ، وكان أشد الناس بأسا. كما كان أقربهم إلى العدو. انظر: البداية والنهاية، (٦/ ٣٧) . حياة الصحابة، (٣/ ٦١٠) . «لبحر (بحر)»: واسع الجري. «استبرأ الخبر»: كشفه وحقق أمره. وكانت هذه الفرس لأبي طلحة. وهو زيد بن سهل الأنصاري (٣٤ هـ) . وهو زوج أم سليم أم أنس بن مالك، وكان مهرها إسلامه. شهد العقبة الثانية (وكان أحد نقباء الأنصار الاثني عشر) وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان يعد من خيار المسلمين، معروف المواقف والمحبة لرسول الله ﷺ. وكان راميا شديد النزع. وكان","vol":"1","page":234},{"text":"ففي الخندق كان الصحابة رضوان الله عليهم- مهاجرين وأنصارا- يحفرون الخندق (شوال السنة الخامسة للهجرة) حول المدينة المنورة وينقلون التراب على متونهم، في غداة باردة، فرأى ﷺ ما بهم من النّصب والجوع والبرد، قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة» «١»، فقالوا مجيبين له مرتجزين مرددين:\nنحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا\nكانوا يقومون بكل ذلك وهم مجهدون. وكان مأكلهم بشعا ومنتنا والقوم جياع، مرت ثلاثة أيام لم يذوقوا ذواقا. ورأى الصحابة بالنبي ﷺ خمصا شديدا، وهو ينقل من تراب الخندق، وكان عمره المبارك نحو ثمان وخمسين سنة، والغبار يلفّه حتى أتمه. فأقبلت العرب بقيادة قريش في عشرة آلاف.\nوالمسلمون لا يتجاوزوا الثلاثة آلاف. ونصر الله النبي ﷺ ومن معه. فكان ﵊ يقول، ويهتف: «لا إله إلّا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وغلب (وهزم) الأحزاب وحده فلا شيء بعده» «٢» .\nفي هذا الجو الرعيب الرهيب الكئيب، المحاط بالبرد والجوع والخوف، كان الصحابة أقوياء، يعملون في تلك الظروف، ونصرهم الله على عدوهم. وفي كل ذلك كان ﷺ أكثرهم عملا وتحملا وإقداما. فهو\n_________\nيجثو بين يدي رسول الله ﷺ في الحرب ويقول: نفسي لنفسك الفداء ووجهي لوجهك الوقاء، ثم ينثر كنانته بين يديه. وكان جهير الصوت (صيّتا) . وفي الحديث: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل» . وكان ردف رسول الله ﷺ يوم خيبر. وعاش بعد رسول الله ﷺ يسرد الصوم حتى وفاته بالشام وهو ابن سبعين سنة. وإنه ركب البحر غازيا فمات شهيدا ﵁ وعن الصحابة أجمعين. سبق الحديث عن أبي طلحة مع ذكر المصادر. انظر: أعلاه، ص ٢٠٦- ٢٠٧.\n(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وهي الأحزاب، أرقام (٣٨٧١ ٣٨٧٤) . كذلك: البخاري، أرقام (٣٨٧٨- ٣٨٨٠) . وفي رواية يرد (الإسلام):\nنحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا\n(٢) البخاري، رقم (٣٨٨٨) . انظر: أدناه، ص ٣٧١.","vol":"1","page":235},{"text":"دائما، وفي كل شيء ووقت وظرف، خير قدوة وأسوة لأشدهم وأقواهم، فكان يغمرهم بمحبته ويرفع من هممهم ونفسياتهم ويبعث فيهم روحا متفتحة مقبلة. وكانوا هم يقتدونه ويحبونه ويتبعونه ويفتدونه ويؤثرونه ويطيعونه، ويسرعون متسابقين لطاعته.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-87> حبّ متوارث طهور:</span>\nهذا الحب والتضحية والالتزام ورّثه الصحابة الكرام لمن بعدهم. فلقد قال محمد بن كعب القرظي «١»: إن رجلا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان «٢»: يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال:\nفقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا! «٣» .\nفكيف لا يفعل المسلمون ذلك وأكثر منه. إنه الحب العميق الذي لم\n_________\n(١) هو أبو حمزة بن كعب (١٠٨ هـ) من بني سليم القرظي (من بني قريظة) ثم الأوسي (من حلفاء الأوس)، الكوفي (ولد ونشأ فيها) ثم المدني. كان أبوه كعب من سبي بني قريظة (الذين استحيوا إذ وجدوا لم ينبتوا (صغارا غير محاربين) . الاستيعاب، (٣/ ١٣١٧)، رقم (٢١٩٤) . أسد الغابة، (٤/ ٤٧٩) . الإصابة، (٣/ ٢٩٧)، رقم (٧٤١٤) . ومحمد هذا تابعي، عالم بالتفسير ومن الأئمة فيه، الإمام العلامة الصادق، كان كبير القدر، موصوفا بالعلم والورع والصلاح. سير أعلام النبلاء، (٥/ ٦٥) . البداية والنهاية، (٩/ ٢٥٧) . عبر الذهبي، (١/ ١٢٤)\n(٢) حذيفة بن اليمان (٣٦ هـ)، هو وأبوه من سادات الصحابة المهاجرين، وهو من الولاة الشجعان الفاتحين، وصاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين. ولاه عمر المدائن، وطلب ما يكفيه من القوت. وأقام هناك وأصلح البلاد. وروى له أصحاب الصحاح الستة (٢٢٥) حديثا. انظر: الاستيعاب، (١/ ٣٣٤)، رقم (٤٩٢) . أسد الغابة، (١/ ٤٦٨)، رقم (١١١٣) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٣٦١) .\n(٣) سيرة ابن هشام، (٣/ ٢٣١- ٢٣٢) .","vol":"1","page":236},{"text":"يحدث أن أحدا أحب أحدا مثلما أحب الصحابة محمدا ﷺ «١» . وهكذا الأجيال التالية حتى يوم الدين، ونحن منهم إن شاء الله رب العالمين.\nبل إن آخرين وإن لم يسلموا أعظموه وتمنوا أن يخدموه، ومنهم من أسلم حين سمع أخباره. وكثير من الأحبار والرهبان وحتى من ملوكهم، من عملوا ذلك. كما فعل هرقل (قيصر الروم)، الذي وجه إليه رسول الله ﷺ كتابه، بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة يدعوهم للإسلام.\nفلقد روي عن عبد الله بن عباس﵄- أنه أخبر أن رسول الله ﷺ كتب إلى هرقل (قيصر الروم) يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي (نحو ٤٥ هـ) فقرئ الكتاب لهرقل، وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين. و: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] «٢»» .\nوقد سأل هرقل عن صفات الرسول الكريم الحبيب ﷺ وأمور دعوته، فعلم أنه النبي الحق وقال: «وهذه صفة النبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ... فيوشك أن يملك موضع قدمي هذين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت (عن) قدميه» «٣» .\n_________\n(١) سبق ذكره حين الحديث عن خبيب بن عدي.\n(٢) وأول الآية الكريمة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ.\n(٣) أخرجه البخاري: باب بدء الوحي، كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (٧) . كتاب الجهاد، باب دعاء النبي ﷺ إلى الإسلام والنبوة، رقم (٢٧٨٢)، (٣/ ١٠٧٤- ١٠٧٦) . ومسلم: رقم (١٧٧٣/ ٣) . حياة الصحابة، (١/ ١٣٤) . والمراد بالأريسيين: الأتباع من رعاياه والأتباع من أهل مملكته. وتجد في هذا الخبر","vol":"1","page":237},{"text":"وملوك آخرين قالوا شبه مقالته من أمثال النجاشي ملك الحبشة، وقريب من ذلك «باذان» ملك اليمن الفارسي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-88> عناية الأجيال بالسيرة:</span>\nوعلى ذلك اعتنى السلف بالسيرة النبوية الشريفة اعتناء الطاعة لله والمحبة فيه واعتناء الذي يتعبد الله تعالى بذلك.\nفلقد ورد عن زين العابدين «١» علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلّم السورة من القرآن) «٢» . وكذلك ينقل عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ﵁ قوله: (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول يا بنيّ هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها) «٣» . وكذلك الإمام محمد «٤» بن مسلم بن شهاب الزّهري عالم الحجاز والشام، ومن أقدم من اعتنى بجمع السيرة،\n_________\nقول هرقل: (ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ) .\n(١) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٤ هـ ٧١٢ م) ﵁، من سادات التابعين، أمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك فارس، مولده ووفاته بالمدينة المنورة، كان يقوت نحو مئة بيت سرا، فافتقد ذلك بعد موته. انظر سير أعلام النبلاء، (٤/ ٣٨٦) . البداية والنهاية، (٩/ ١٠٣) . وفيات الأعيان، (٣/ ٢٦٦) .\n(٢) السيرة النبوية، أبو شهبة، (١٠/ ٨) .\n(٣) البداية والنهاية، (٣/ ٢٤٢) . والذكر هنا يعني: الشرف.\n(٤) محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري (١٢٤ هـ ٧٤٢ م) من أعلام التابعين، رأى عشرة من الصحابة، وحفظ علم الفقهاء السبعة. فهو تابعي من أهل المدينة. كان يحفظ ألفين ومئتي حديث، نصفها مسند. وهو من أول من دون الحديث، وكان أعلم بالسنة في زمانه وأحد أكابر الحفاظ والفقهاء. كتب عمر بن عبد العزيز عنه إلى الآفاق: (عليكم بابن شهاب هذا فإنكم لا تلقون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه) . انظر: سير أعلام النبلاء، (٥/ ٣٣٦) . البداية والنهاية (٩/ ٣٤٠) . وفيات الأعيان، (٤/ ١٧٧) .","vol":"1","page":238},{"text":"ولعله بسيرته- المفقودة أكثرها- يعتبر من أول المؤلفين في السيرة النبوية الشريفة في الإسلام، يقول: (في علم السيرة علم الدنيا والآخرة) «١»، جعلها علما قائما بذاته.\nوهكذا هذه الكلمات كانت تعبيرا عن حقائق قائمة، ورثت تنفيذها وتطبيقها الأجيال التالية التي جعلت مكتبة السيرة النبوية عامرة مثل مكتبة السنة المطهرة، وكلاهما يتعانقان ويتداخلان. لقد كان هذا الاهتمام بالغا وشاملا ومتواصلا لأنه عبادة وللعبادة، ولمعرفة الإسلام كافة، بتطبيقاته العملية في الحياة بكل ميادينها وأمورها ومراميها.\nفالصحابة مثلما لم تتغير مستوياتهم بل تأكدت وتثبتت واجتهدت، يتبعه ونبع منه أنه لم يتغير تحريهم وتعلقهم ونوعيتهم وآفاقهم.\nوانظر ما فعله عقبة بن عامر الجهني «٢» (٥٨ هـ ٦٧٨ م) الذي رحل من المدينة المنورة إلى مصر ليتحقق من أحدهم حديثا عنده من رسول الله ﷺ، فأتى واليها مسلمة «٣» . فلما دعاه للراحة، قال لمسلمة: إني لم آتك زائرا، جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ (سمعته أنا وأنت): «من علم\n_________\n(١) انظر: البداية والنهاية، (٣/ ٢٤٣) . السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، (١/ ٨) .\n(٢) عن عقبة بن عامر الجهني، انظر: الإصابة، (٢/ ٤٨٩)، رقم (٥٦٠١) . أسد الغابة، (٤/ ٥٣) . رقم (٣٧٠٥) . سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٦٧) . وهو من مشاهير الصحابة، وكان رديف النبي ﷺ. ولي مصر (٤٤- ٤٧ هـ)، وولي غزو البحر، وكان عالما مقرئا فصيحا شجاعا فقيها فرضيا راميا كاتبا شاعرا كبير الشأن. وهو أحد من جمع القرآن الكريم. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين كثيرين.\n(٣) وهو الصحابي الجليل مسلمة بن مخلّد (٦٢ هـ ٦٨٣ م) . تولى إمارة مصر سنة (٤٧ هـ) إلى وفاته (وهو أول من جعل بنيان المنار في المساجد سنة ثلاث وخمسين) . المنار: أي التي هي محل التأذين في المنائر. عنه انظر: الاستيعاب، (٣/ ١٣٩٧)، رقم (٢٤٠٣) . أسد الغابة، (٥/ ١٧٤)، رقم (٤٩١٧) . سير أعلام النبلاء، (٣/ ٤٢٤) .","vol":"1","page":239},{"text":"من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة»؟ قال: نعم، قال: لهذا جئت. ثم عاد لتوه إلى المدينة «١» .\nومثل هذا متكرر في الصحابة ومن بعدهم. فعل ذلك جابر بن عبد الله ابن عمرو بن سلمة الأنصاري «٢» . وكذلك فعله أبو أيوب الأنصاري «٣»، إذ قدم من المدينة إلى مصر لأخذ حديث عند صحابي آخر هناك ثم رجع إلى المدينة على راحلته قبل أن يحل رحله «٤» . والأمثلة في ذلك كثيرة «٥» .\nوالصحابة قد ورّثوا هذا وغيره، مما تعلموه من رسول الله ﷺ، إلى من تلاهم من الأجيال. حيث ظلت كلماته ﷺ ترن في آذانهم وصورته لا تفارقهم، والقرآن الكريم وسنته وسيرته ﷺ في صدورهم تملأ نفوسهم وتعمّر قلوبهم. وعلى دربهم- في كل ذلك- سار التابعون ومن بعدهم.\nفدوّنت كل ذلك وكانت مقوّما من مقومات الحياة الإسلامية، لمجتمع الأمة وحضارتها، يرتقي الناس عندها ويمتازون بها ويتبارون فيها، وفي حلبتها يتسابقون، تعلما وتمسكا واقتداء وخبرة، يبذلون ما اكتسبوه من علمها، ويتعبون لاقتنائه ويقدّمونه لكل أحد وينادون عليه بسلوكهم وحسن\n_________\n(١) حياة الصحابة، (٣/ ١٩٨) .\n(٢) جابر بن عبد الله بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري (٧٤ هـ) . من مشاهير الصحابة وأحد المكثرين من الرواية. روى له أصحاب الصحاح الستة (١٥٤٠) حديثا. شهد- هو وأبوه- العقبة الثانية، وأبوه أحد الاثني عشر نقيبا. وشهد هو مع رسول الله ﷺ أكثر من عشر غزوات. رحل إلى مصر والشام، من أجل حديث رسول الله ﷺ، واشترى بعيرا واشتد رحله وسار لأكثر من شهر من أجل ذلك، ثم عاد إلى المدينة، وكانت له في مسجد رسول الله ﷺ حلقة علم. راجع: الإصابة، (١/ ٢١٣)، رقم (١٠٢٦) سير أعلام النبلاء، (٣/ ١٨٩) . حياة الصحابة، (٣/ ١٩٦) .\n(٣) عن أبي أيوب، انظر: سير أعلام النبلاء، (٢/ ٤٠٢) .\n(٤) مسند الإمام أحمد، (٤/ ١٥٣) . سير أعلام النبلاء، «٣/ ٤٢٥) . حياة الصحابة، (٣/ ١٩٨) .\n(٥) انظر: أضواء على الحضارة والتراث، لكاتب هذه السطور.","vol":"1","page":240},{"text":"الأسوة وصدق القدوة، وروعة المتابعة وحرص الانتهاج.\nوهذا أمر لا يختص بعصر دون غيره. والمسلم الآن بحمد الله مستريح، أن لم يحدث أي تفلّت لشيء مما يتعلق بتلك السيرة، فكان تسجيلا شاملا كاملا لكل ما صدر عن رسول الله ﷺ. كأنه تسجيل يكاد أن يبلغك صوته، بل ترى كذلك صورته، ضمّ كلّ الدقائق والأحوال والأحداث، وكأنه شمل الزمن بكل لحظاته في نبوته الشريفة ﵊.\nوهو أمر مستمر، بعد أن قيض الله لهذه السيرة من يحفظها، حتى في جزئياتها، في ليل أو نهار في يقظة أو منام في سلّم أو حرب، وعلى كل اجتماع وطعام وانفراد أو انقياد، في كل الملتقيات، السكون والحركة والسكوت والكلام، حتى في بيته وخاصة نفسه وحاله وخصوصيات تصرفاته وأنواع رغباته وألوان عباداته ودعواته، وكافة أخلاقياته العطرة وشمائله الخيرة وعموم سيرته النيرة، مع كل أحد وفي كافة الأحوال، وفي تعاملاته مع الجميع في البيت مع أهله وفي الحياة مع صحبه وفي اللقاآت مع القادمين والذاهبين ومع المتوجهين إلى الأقوام والشعوب والجماعات والزعماء والرؤساء والملوك في كافة مقاماتهم ومواقفهم وأوضاعهم، طاعة لله بشرعه الذي أرسله الله ﷾ به، وهو له خير قدوة، عبادة لله تعالى ومحبة فيه وسعيا لمرضاته.\nوفي كل الأحوال لا تكاد تترك لحظة من ليل أو نهار، طوال تلك الأعوام الكريمة المضيئة الوضيئة الثلاثة والعشرين، عمر النبوة الشريف المبارك والمباركة، والرسالة الفاضلة والوحي المترادف والصلة المستمرة بالله رب العالمين «١» .\n_________\n(١) جرت العناية بالتأليف في السيرة النبوية الشريفة، باتساعها وشمولها وأبعادها، في كل العصور. وقد ضمت المؤلفات في كل هذه الجوانب واعتنت بها، ودققت بعمق واضح فيها.","vol":"1","page":241},{"text":"ويمكن على ذلك القول: إن هذه الصورة مستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. صورتان متقابلتان، كأنهما واحدة: صورة الصحبة وصورة القدوة والأسوة. فطوال العصور الإسلامية عاصر المسلمون الرسول الكريم ﷺ وصاحبوه.\nالصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- صاحبوه صحبة زمانية ومكانية، روحية ونفسية، وتلقوا عنه سماعا ورؤية ورواية، ففازوا بشرف الصحبة الذي لا شرف غيره بعده يدانيه، ويعلي هذه الصحبة وشرفها الإسلام الذي كانت به هذه الصحبة وشرفها الرفيع الفريد.\nولقد جاء في صحيح البخاري قول الرسول الكريم ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» .\nوهي جزء من شرف الإسلام كله لا يصح بدونه، والذين أتوا من بعدهم صاحبوه ﷺ صحبة عملية، صاحبوه في سيرته ﷺ علما وعملا وتأليفا في السيرة والسنة، يفهمون الكثير من أمور القرآن من خلالها، كما يفهمون السيرة من خلال القرآن الكريم. فهما طريقان متعاونان متعانقان ملتقيان.\nيؤدي كل منهما إلى الآخر، توافقا وتطابقا وتكاملا «٢» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-89> وضوح أحداث السيرة:</span>\nولعل من لطف الله تعالى: أن حياة رسول الله ﷺ قبل النبوة، كانت\n_________\n(١) التفسير، (٣/ ١٥٧٥)، (٦/ ٣٤٨٤) . رواه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا»، رقم (٣٤٧٠)، (٣/ ١٣٤٣) . ومسلم: أرقام (٢٥٤٠- ٢٥٤١) . كذلك. زاد المعاد، (٣/ ٤١٦) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٤٣١) . وسبق ذكره.\n(٢) هذا الموضوع بحاجة إلى بحث مستقل نجد في كثير من كتب السنة المطهرة والحديث الشريف مادة طيبة عن السيرة الشريفة. انظر: السيرة النبوية، أبو شهبة، (١/ ٢٧) .","vol":"1","page":242},{"text":"معروفة ليس فيها مجهول، يعرفها قومه وأهل بلده، منذ صغره، وبتفاصيل كثيرة، بل وبكل تفاصيلها.\nفهي واضحة مكشوفة مرئية بسهولة- ولذلك حكمة- وليس فحسب، كي لا يكون الرسول الخاتم والنبي الكريم ﷺ مجهولا، مما قد يثير شيئا من التّقوّل، وعلى غير أساس، لكنها بجانب ذلك كانت- بفضل الله تعالى ورعايته وتوجيهه- واضحة ملموسة، بطهارتها وصونها وتمايزها ومغايرتها لما ألف قومه، كي لا يكون فيها مجال للمتقولين، أو حجة للمتعللين، أو مدخل للطاعنين، بل تكون موضعا للمتيقنين، وهي دليل قوي بليغ مكين، مؤكد صدق نبوته. وهي أيضا أحد الأدلة، على أن يد الله كانت ترعاه، إعدادا لحمل هذه الرسالة الخاتمة إلى أهل الأرض أجمعين. وليس في عصره فحسب ولكن في كل العصور، إلى يوم الدين. فلا بد أن تكون كل هذه الأمور متوافرة متضافرة، بما يتناسب وهذه الرسالة الخاتمة الشاملة الكاملة، المتفردة الدائمة المهيمنة دوما.\nبحيث تكون كل أدلتها واضحة ويجد الجميع في كل العصور الأدلة القوية على كل اعتبار وأي اتجاه، بحيث لا تبقى في أي مسألة حجة لمعتذر بلغته رسالته أن يمتنع من الالتحاق بها، ويجد لذلك عذرا. وهذا طبعا بجانب الإسلام نفسه، وحيث كانت السيرة واحدة من ثمراته الطيبة. وكل ما فيه- ابتداء من القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ إلى حياته وسيرته وكل شمائله، كلها ليس فقط مجتمعه بل حتى كل واحدة بمفردها- تقود لذلك وتدل عليه بقوة ووضوح. والإسلام جاء بالأدلة المتنوعة العريضة تمتلك النفوس وتشملها، مهما كانت نوازعها ومنازعها.\nوإن موقع مثل هذه الرسالة بحاجة إلى كل تلك العناية الإلهية، والله تعالى أحكم وأعلم وأكرم وأرحم. وهذا أمر امتازت به هذه الرسالة الإسلامية الربانية، حتى على غيرها من رسالات الله. وهي خاتمها ومهيمنة عليها وناسخة لها، تدعو كل أهل الأرض للإيمان بها، يؤمن بها كل أحد،","vol":"1","page":243},{"text":"ويدعو أهل الرسالات السابقة. وهم أولى أن يؤمنوا بها، والرسول الكريم ﷺ يقول: «أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علّات، ليس بيني وبينه نبي» وكذلك: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-90> البشارات بالرسالة الخاتمة:</span>\nفهي الرسالة الباقية الخالدة على مر الزمان قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ\n[الأعراف: ١٥٨] .\nلقد بين الله ذلك في القرآن الكريم، وكلمته هي القول الفصل الأخير.\nوبذلك أخبرت رسل الله بما أوحى ﷾ إليهم، مبلغين عن الله تعالى. وقد بين الله في القرآن الكريم أن رسل الله جميعا﵈- بشّروا به وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] . ولقد ورد عنه ﷺ أنه قال:\n«أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ...» «٢» . فالله تعالى يقول في القرآن الكريم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] . وكما يقول الله تعالى أيضا في القرآن الكريم: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ\n_________\n(١) سبق ذكره أعلاه، ص ١٣. رواه البخاري، رقم (٣٢٥٨- ٣٢٥٩) . ومسلم، رقم (٢٣٦٥) .\n(٢) مسند الإمام أحمد، (٤/ ١٢٧، ١٢٨) . سبل الهدى، (١/ ١١٢- ١١٣) . طبقات ابن سعد، (١/ ١٤٩) . ورد في بعض الأقوال، أنه ﷺ: ترنيمة أو أنشودة داود ﵇؟","vol":"1","page":244},{"text":"إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: ٦]، وقال ﷾: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:\n١٠٥] . ووردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-91> عالمية الدعوة الإسلامية:</span>\nولا بد لمثل هذه الرسالة الربانية، والعناية الإلهية بها، باكتمالها وبالبشارات أن تسبقها، وأنها ليست فقط خاتمة كونها الأخيرة بل لأهل الأرض ودائمة. وهي باعتبارها نعمة، على أهل الأرض أن يسلكوا سبيلها ولا يقبل الله غيرها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣] . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران:\n١٩] .\nولذلك فإن الرسول ﷺ بعث بكتبه وسفرائه إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، في وقت مبكر، وكان ذلك مقدمة وإشارة وإيضاح لما سيكون بعده، ولقيام مواكب الفتح الإسلامي.\nومن هؤلاء الرسل حاطب بن أبي بلتعة (٣٠ هـ) رسول رسول الله ﷺ إلى المقوقس حاكم مصر بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، ونصه:\n«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم (وأسلم) يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فعليك إثم القبط قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا\n_________\n(١) السيرة النبوية، الذهبي، (٤٢) . وانظر: السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، (١/ ١٧٨)، (٢٤٧- ٢٥٤) . تحفة الأريب، (٢٥٦، ٢٦٧) . السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٢٤٨) . قصص الأنبياء، (٤٤١) وبعدها. وانظر: أعلاه تجد تفصيلات أوسع ونصوصا أكثر وشرحا أوفر.","vol":"1","page":245},{"text":"نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤]» «١» .\nوكان مما قاله حاطب للمقوقس مما يشير إلى وضوح البشارة عنده برسول الله ﷺ في الإنجيل: (ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركت هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به) «٢» .\nكل ذلك واضح، وأقر به، ولكن أهل الدعوة أولى بالكتابة عن هذه السيرة وكل متعلقاتها، وهذه القضية منها، وهم أمناء عرفوا بذلك. فإذا كانوا أمناء على حقوق غيرهم فهم على هذا آمن. وهو أمر متصل بالله تعالى، وهم يخافونه ويتقونه ويبحثون عن رضاه. فإنهم أهل الموضوعية الحقة، بكل مواصفاتها وجلائها وجلالتها وضيائها. رواه الصحابة، وهم أمناء شهداء عيان لجوانب السيرة كافة، وهي عملية، والأقوال صورة لها.\nوإبراز الجانب العملي في السيرة وفي حياة المسلمين، إن هو إلا مواكبة لآفاق السيرة في حقائقها ووقائعها وفي عرضها والاستواء معها، في دراستها وفهم مضامينها ومكنوناتها وموقعها. فهي سيرة تحمل معنى السلوك العملي والتطبيق للتعليمات والتعين للآيات وطريقة السير في الحياة بهذا الدين، وهي بجانب كونها السيرة العملية للأقوال، فهي تشمل أكبر الخير.\nولو أخذنا السّنة فهي تشمل القول والعمل والتقرير، بل السيرة لتتسع- وإن اتسعت لها ولغيرها السنة- لكنها أحيانا لتتسع حتى لعلها تزيد جانبا أو\n_________\n(١) زاد المعاد، (٣/ ٦٩١)، مجموعة الوثائق السياسية، (١٣٥- ١٣٦) . حياة الصحابة، (١/ ١٤٠) .\n(٢) زاد المعاد (٣/ ٦٩١) . أسد الغابة، (١/ ٤٣١- ٤٣٣)، رقم (١٠١١) . السيرة النبوية، الندوي، (٢٥٢- ٢٥٤) .","vol":"1","page":246},{"text":"أكثر على السنة من بعض الوجوه، فإن تداخلت فهي لها جوانب أخرى.\nوكذلك الصحابة كانت أفعالهم أكثر من أقوالهم. إن المكانة التي يمثلها بلال تقوم على المواقف والفعال، نحبها ونتأثر بها وعلى دربها نسير إن شاء الله تعالى. ويوم وقف عثمان بن عفان ﵁ على المنبر أرتج عليه لكنه قال وقتها: (أنتم إلى إمام فعّال أحوج منه إلى إمام قوّال) ثم نزل.\nفكل ذلك يقوم على العمل بالإسلام الذي جاء لأجله. فتقوم الحياة الإنسانية على عقيدته وشريعته ومنهجه، وتتحقق صورتها في الحياة والواقع، عملية تراها وتحياها وتلمسها وتحسها وتعايشها ناطقة معبرة.\nمثلما تقدّم تلك للأمور والحياة جديتها ومصداقيتها وقيمة ما فيها، كما هي تعطي للإنسان صورته الحقة الكريمة اللائقة وتقويه في حسن التعبير ودقته وجديته، وتنقذه مما دونها.\nولقد يدخل الجنة أكثر من واحد، ولم يركع لله ركعة، منهم الأصيرم، الذي استشهد في معركة أحد «١» . فإن تحويل المعلومات الإسلامية- بعد الإيمان بها- إلى صورة عملية هي الهم الأكبر والأهم في الأمر وإعطائه القيامة والوضع الحقيقي والجدية والقوة. إن التلقي العملي، منه تستنبط الأحكام، ومنها الرؤية لطبيعة المعلومات ونوعيتها وتطبيقها.\nفكان المسلم لا يستمر في تعلم جديد، إلا بعد العمل بما سبقت معرفته، وتحول علمه إلى كتلة من العمل في كل حال، به يتحرك وله يغضب ومن أجله يفرح ويحزن ويحيا ويموت. وقد نقل العديد من المفسرين عن الصحابة الكرام أنهم كانوا إذا تعلموا آيات من القرآن الكريم وعلموا ما فيها يعملون بها تنفيذا، ثم بعدها يحفظون غيرها، وهكذا (تعلّمنا القرآن والعمل به) «٢» .\n_________\n(١) سيرة ابن هشام، (٣/ ٩٠) .\n(٢) سبق ذكره. تفسير القرآن، الطبري، (١/ ٣٦) .","vol":"1","page":247},{"text":"إن استعراضك للسيرة الشريفة إنما هي لرؤية المشاهد متسلسلة الحلقات متصلة، من العمل الجاد والمصابرة والجهاد والبذل والاستشهاد والمواجهة والثبات، أمام كل ألوان الاضطهاد والصعوبات والمشاكل والقدرات والمؤامرات، والاستعلاء بهذا الدين عن كل التّرّهات والوهدات.\nفكان الصحابة هم الجيل القدوة وكان الرسول ﷺ القدوة لهم في ذلك كله، القدوة المثلى والأسوة الحسنى والجانب العملي هو مثاله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] . وهكذا يقوم الأمر على أسس ومقومات ودعائم ويؤدّى بصيغ معروفة ويتميز بصفته الجميلة الجليلة. يقوم على الإيمان بالله تعالى ومحبته وطلب رضاه، فتكون الانطلاقة الصحيحة في الحياة في خطى ثابتة وفي درب سليم مأمون. وهذا ما نجده في السيرة النبوية الشريفة في الحياة الإسلامية ومجتمعها، وهي أفضل صورة اقتدت بالرسول الكريم ﷺ لتبقى حياة ذلك المجتمع والجيل قدوة لما يتلوها من أجيال في كل العصور والمواقع والمناطق، تحبه وتحييه وتنظر نحوه، تبقى تهتف إليه وتعمل لبلوغه واللحاق بأهله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-92> السيرة ونسج المثال:</span>\nوتبقى السيرة الشريفة المثال الموحى به، لم ينسج على منوال، وهو في غاية الكمال. والعلماء جعلوا العلم، غير كاف وحده، شرطا لتولي المسؤوليات، ولا بد من التقوى والورع. والإسلام يوجب صفات، منها:\nالإحسان لكل أحد حتى مع العدو، ويطلب منه عدم مواجهة السوء بمثله بل بالحسن. ويرفض من المسلم صفات كالكذب والجبن والبخل والغدر والخيانة والفرار من لقاء العدو (الفرار يوم الزحف) والتخلف عن نصرة الإسلام وأهله. فتجد المسلم دوما أقرب إلى الصدق والشجاعة والكرم والوفاء والأمانة والقيام للعدو والإقدام لنصرة الإسلام وأهله. وإن تفاوتوا","vol":"1","page":248},{"text":"في ذلك، لكنهم لا يهبطون عن الحد الأدنى. والأحاديث الشريفة كثيرة في بيان صفات تلازم المؤمن، وعكس لغيره كالمنافقين. ولقد تواترت الأحاديث الشريفة في ذلك. والرسول ﷺ يشير في بعضها إلى أن «المؤمن إذا حدّث صدق وإذا وعد وفّى وإذا اؤتمن أدى ...» «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-93> السيرة ونفس المسلم:</span>\nوهذه السيرة تملأ نفس المسلم بالمحبة لله تعالى وقرآنه وشرعه ومنهجه ولرسوله ﷺ وسنته وسيرته الشريفة. يهتم بكل ذلك ويسلك كل سبيل، ليس فقط للأخذ به والتمسك والالتزام والدعوة إليه وبما يخدمها وينشرها ويعرّف بها، وهو من الدعوة وإليها.\nوللدعوة وسائل منها التأليف والكتابة، في كل تلك الأمور وغيرها، مما يتعلق بالإسلام، باعتبارها دين وعبادة ومحبة وعشقا وتعبدا ورقة، بل وقبل ذلك الالتزام والوقوف عند حدود الله تعالى وسنة الرسول الكريم ﷺ.\nوالكتابة والتأليف من هذا الحرص المشوق، ومنه الكتابة في السيرة التي تنبع من هذا الاتجاه، الكتابة بمحبة وهيبة وتقوى وخشية لله ﷾ ومحبة للرسول الكريم ﷺ تملأ النفس، قربى وعبادة لله ﷻ «٢» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-94> تفسير السيرة ومكانتها:</span>\nالسيرة هي التفسير الواقعي العملي المثالي الشامل الكامل للقرآن الكريم وبكل شروحه وتفصيلاته وبياناته «٣» .\n_________\n(١) مأخوذ بمؤداه ومعناه.\n(٢) مهما كتب المسلمون (وغيرهم) ففيها دوما مجال للجديد.\n(٣) لا بد لمن يتولى الكتابة في السيرة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي عموما أن يحوز مؤهلات متنوعة، منها- وليست وحدها- العلمية والتخصصية والتعبدية. انظر: كتاب: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، وكتاب: تاريخنا من يكتبه، وكتاب:","vol":"1","page":249},{"text":"السيرة منها جرت واستمدت سيرة التاريخ الإسلامي، بها موضوعات هذا التاريخ أولها السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وهي جماله وكماله وتاجه، مثلما هي مهيمنة عليه وصفحة البدء الناصعة فيه.\nوحافظ عليها المسلمون وحفظوها، تفتحت لها نفوسهم، وبالإسلام، وبدفعها الميمون فتحوا العالمين.\nوالحمد لله في البدء والختام، وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم السلام.\n_________\nأضواء على الحضارة والتراث، لكاتب هذه السطور.","vol":"1","page":250},{"text":"* المبحث الرابع ولادة الرسول الكريم ﷺ ولادة تتبعها ولادة\n* فاتحة وافتتاح\n* هذا الاحتفال\n* أهمية المناسبات\n* مولد واقتران\n* تفكر وتفكر\n* الإسلام وحده هو الشرف\n* معنى الاحتفال بالمولد الشريف\n* هيمنة القرآن وإمامة الإسلام\n* يا حسرة على العباد\n* ولادة وولادة\n* المسلم قويّ بهذا الدين\n* أمة القرآن عودي للقرآن\n* الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية\n* المثل والأمثلة\n* الشرود عن منهج الله تعالى هو الدمار\n* النجاة بهذا الدين وحده\n* مهمة المسلم وآفاقه وقوته\n* كيف السبيل\n* أداء حق أمانة الدعوة الإسلامية الكريمة","vol":"1","page":251},{"text":"ولادة الرسول الكريم ﷺ ولادة تتبعها ولادة\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-96> فاتحة وافتتاح:</span>\nالحمد لله رب العالمين، هدانا لدينه القويم، وشرّفنا بدعوة الإسلام العظيم، حملها إلينا خاتم الأنبياء والمرسلين؛ الذي أرسله الله إلينا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله ﷺ إلى الخلق أجمعين، رحمة مهداة، ونعمة مسداة، بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض كافة، وحمّله إبلاغ هذه الرسالة المباركة إليهم جميعا، فأحسن إبلاغها، فأدّاها نعم الأداء، وجاهد فيها حقّ الجهاد، لا يهدأ ولا يلين.\nوبكتاب الله وهدي رسول الله ﷺ تربّى ذلك الجيل القرآني الفريد؛ الذي أقام دولة الإسلام، ورّثوها لمن بعدهم، وحملها المسلمون- ويحملونها- جيلا بعد جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-97> هذا الاحتفال:</span>\nوحين نحتفل «١» اليوم بمولد هذا الرسول الكريم ﷺ إنما لنستحثّ أنفسنا، وندعوها إلى السير على الطريق، طريق الله المنير وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] وأنه المحجة البيضاء التي تركنا عليها\n_________\n(١) ألقيت منذ سنوات في حفل جامعي (جامعة الإمارات)، ثم رتبت وزيدت، فتضاعفت.","vol":"1","page":252},{"text":"رسول الله ﷺ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-98> أهمية المناسبات:</span>\nإنه لا يليق بالمسلم أن يعرف من هذا الدين مناسباته. ومن لا يتذكرون إسلامهم إلا في المناسبات، ليسوا أهلا لنصرته ودعوته، لكن المرجوّ أن تكون هذه المناسبات وقفة لإعادة النظر وإعمال الفكر؛ أن تكون نفحة تغسل الآثام، وتحرك النفوس للتوجّه إلى دين الله، والأخذ بكتاب الله، واتباع هدي رسول الله ﷺ. ولا يجب أن يشغلهم عنه أيّ شيء مهما كان، كما لا يصح أن يغنيهم عنه- أيّ غنى- أيّ منهج، مهما ادّعى وتبجح، فمنهج الله تعالى هو عدتهم وعدّة الإنسانية جميعا في كل العصور، وهو المنهج الوحيد الذي يجلب لها في الدنيا سيادة، وفي الآخرة سعادة.\nوحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى، وتشرئب إلى هذا الأفق، تكون في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله، مصدرا ومرجعا ومنهجا، يعيش معه صاحبا كريما ناصحا أمينا، نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن.\nوما كان لهذه المناسبات من مكانة تربّعت عليها؛ إلّا لفقر في نفوس المسلمين، وخواء في أحوالهم وأفعالهم وتمسّكهم، وإلّا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته، مثلما يحيا بفكره وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم ومع رسول الله ﷺ في سنّته وسيرته.\nوكلّ ذلك حيّ في ضميره، تماما كما هو حيّ في سلوكه، وحبّ رسول الله ﷺ وطاعته، عقيدة وعبادة. وهي من حب الله وطاعته ودينه وشريعته.\n_________\n(١) المعنى مأخوذ من حديث شريف للرسول الكريم ﷺ رواه العديد، منهم الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) .","vol":"1","page":253},{"text":"وبذلك يعلن محبة الخير للناس، ويعمل على دعوتهم بقوله وفعله، ولا خير إلّا بهذا الفهم والمسلك. وما كان المسلم يكره من المخالفين إنسانيتهم، بل يكره باطلهم وفسادهم. وإن ما وهبهم الله من نعم الدنيا برحمته، وفتح من إمكانيات بحكمته، لا يغنيهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل الأمر أشد وأكبر. وكلّ ذلك حجّة عليهم، إذ كان لا بدّ أن يكون سببا لإدراكهم حكمة الله في الإنسان والحياة واستيعابها، فلا ينصرفون عن حكمه وشرعه، بل يقبلون عليه، وفيه وحده النجاة والسعادة في الدارين.\nفَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ «١» [المؤمنون: ٥٣- ٦١] .\nوهكذا لقد وقف رسول الله ﷺ يوما- في أوائل الدعوة المكية- يعلن لمن حوله حقائق هذه الدعوة العالمية، وديمومتها، وصدقها، وأحقيتها، فقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله! لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم. والله الذي لا إله إلا هو! إني رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس كافة. والله! لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوآ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا» «٢» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-99> مولد واقتران:</span>\nولد رسول الله ﷺ عام الفيل، الذي تعرفون- أيها الأخوة- قصّته\n_________\n(١) التفسير (٤/ ٢٤٧١) وبعدها.\n(٢) سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٣٢) .","vol":"1","page":254},{"text":"وخبره. وقد استنتج واستنبع الدارسون- قدماء ومحدثون- من ماجرياته الكثير من هذا الاقتران، بين الحادثة والمولد، وما زال فيها متسع.\nفليس هذا الاقتران محض اتفاق، أيّ اتفاق، لكنه إشارة من الله تعالى لهذه الولادة الكريمة، وما جرى فيها من معان، كان منها التكريم لتلك الولادة، والتنويه بها، وإظهار مكانتها، والإعلاء لشأنها وما تنتظرها.\nفاحتملت قصة الفيل فضيلة النصر الذي أراده الله، وتمّ بمعجزة منه ﷾، سنّة خارقة.\nفإن الله ناصر دينه وحام حماه، وإن الدين الذي سيتّخذ- بإرادة الله ﷾- من الكعبة قبلة، ومن مكة حضانة، ومن مواقعها وحيا، سيتولاه ويتولاها الله بنصره، وستبقى قبلة يحميها الله من الآثمين، وينقذها من الوثنيين وأوثانهم؛ لتفئ إلى دين الله، وذلك بشارة أو إشارة إلى نبوة هذا الرسول الوليد، والوليد الرسول ﷺ.\nوإنّ أهل الدّين مهما ظنوا أو تخلّوا عن دين الله، فسنن الله في نصره كثيرة، سنّة معتادة جارية أو سنّة خارقة، فكلّها سنن من خلق الله معجزة، يجريها كيف يشاء، فإذا انحرفوا أو تخلّوا عن دعوته أو دولته أو عبادته وطاعته، وأحاط الخطر بهذا الدّين، فإن الله تعالى يتولى نصره بدونهم.\nوحتى لو أهمله أهله، فهو في رعاية الله ﷾، يتولّى حمايته، رغم إعراضهم وإهمالهم. والنّصر كلّه من عند الله الجليل ﷾، بهم أو بغيرهم أو بدونهم، فهو العليّ القدير سبحانه، ناصر دينه، فلله تعالى سنن وحكم.\nوهذا تنبيه إلى أولئك الذين عبدوا الأصنام المتعددة. وهم قد أدركوا حوادث الفيل والطير والأبابيل وحجارة السّجّيل «١»؛ زمانا، وشاهدوها عيانا. وكان عليهم- وهم من ورثة دين إبراهيم، ﵇، وادّعوا\n_________\n(١) اقرأ سورة الفيل، وهي سورة مكية.","vol":"1","page":255},{"text":"فضيلة الأهلية لذلك، فسمّوا أنفسهم الحمس «١» - أن يتبصّروا في حكمتها، ويدركوا أبعادها، بأي مقدار، ففيها التنبيه الذي يجعلهم- لو عقلوه- أقرب إلى دين الله الواحد، وأسهل في التخلي عن تلك الأصنام، وأقبل وأميل إلى الخروج من حياة الجاهلية للدخول في دين الله، وليكونوا في إحساس من نعمة الله عليهم، تجعلهم أسرع استجابة إلى الله ﷾، وما أنزل جلّت قدرته من دين، وأرسل من رسول ﷺ، لا أن يواجهوه ويكونوا من ألدّ أعدائه، فلا أقلّ من أن يدعوا رسول الله ﷺ ويخلّوا بينه وبين الناس.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-100> تفكر وتفكر:</span>\nولكن للأسف لقد كان الأمر على غير هذا السبيل؛ الذي كان التفكير فيه أن يكون أصيلا بعيدا عن التنكّر، وبذلك الشكل العنيد.\nوحين قام فيهم رسول الله ﷺ يدعوهم بكتاب الله ﷾، وكان فيهم معروفا وبينهم موصوفا، تنكروا له، وحاربوه وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: ١٩] .\nفكانت لهم- ولكل أحد بعدهم- عبرة، من أن أيّ قوم، وأهل أيّ دين، إذا تنكروا وتمردوا وجهلوا وضلوا ورفضوا أو أعرضوا عن نصرته أو حاربوه، فإن الله ناصره، يهيّئ من ينصره أو ما ينصره.\nوإن إقرارهم- بأيّ مقدار- بأحقيقته وواقعيته وتخلّفهم عن نصرته، لن ولا ولم تغن عنهم من الله شيئا، وقد تضعهم في صفّ أعداء الله، فليس في دين الله أنصاف، ولا في حياة المسلم مساومة ولا متاركة ولا إجازة، وإننا\n_________\n(١) «الحمس»: جمع أحمس، وهو الصّلب المتشدّد في الدين والقتال. وهو لقب أطلقته قريش في الجاهلية على نفسها، وانضمت فيه إليهم قبائل أخرى؛ لزعمهم أنهم أهل الحرم، فخصّوا أنفسهم بشعائر ومشاعر، أخذا وتركا أو حلّا وحرمة. فأباحوا لأنفسهم- ومن التحق بهم- ترك الوقوف في عرفة والإفاضة فيها. راجع السيرة النبوية، ابن هشام (١/ ١٩٩) وبعدها. أدناه، ص ٣٩٠.","vol":"1","page":256},{"text":"لا نجد في دين الله موطنا للمبرقعين والمرقّعين والأدعياء والمدّعين.\nإن الله تعالى لا يقبل من المسلم إلا الإسلام الخالص والتوجّه الكامل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً «١» [البقرة: ٢٠٨] .\nوالذين يعدون أنفسهم مسلمين لا بد أن تكون كلّ حياتهم على نهج هذا الدين، لا يرضون به بديلا ولا عنه تحويلا، ولا في جزء من جزئياته، وذلك شأن كلّ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا «٢» .\nولا يظن أحد أنه إذا ما تخلى عن دين الله- كائنا من كانت مكانته أو مقداره أو قوته- أنه يؤخّر ولادة الحياة الإسلامية، وإقامة دولة القرآن. فأن فعل أو بدا له، فقد توهّم السّراب ماء وأضلّ نفسه وخسر. إن نور الله لا يحجبه الضالون، ولا يوقفه التائهون، ولكن لله سننا ماضية، ولكل شيء عنده أجل مقدور ومعلوم، ويأتي نصره بتقدير منه ﷾.\nولله تعالى في كونه وخلقه ودعوته وجنده سنن. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: ٣٨] وعند الله الحساب وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: ٣٨] فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ [المؤمنون: ٤١- ٤٢] .\nفلو أعرض أهل الأرض جميعا عن دين الله- وهم عند ذلك الخاسرون، في الدنيا والآخرة- فإن الله تعالى سيسخّر كلّ شيء، وسيشقّق الأرض لتخرج الأبطال، من النساء والرجال والولدان والأطفال- لو اقتضى الأمر ذلك، وأراده الله ﷾- يحملون الراية في كتيبة خضراء، يفتدون هذا\n_________\n(١) «السلم»: يعني الإسلام.\n(٢) من حديث شريف رواه: مسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد في المسند (٤/ ٣٣٧، ٥/ ٣٦٧) . ونص الحديث عنده: «ما من عبد مسلم يقول ثلاث مرات حين يمسي أو يصبح: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، إلا كان حقا على الله ﷿ أن يرضيه يوم القيامة» .","vol":"1","page":257},{"text":"الدين منذ البداية، ينظّفون الأرض من أوضارها، ويطهرونها من أدناسها.\nولكل حادثة رواية، ولكل طاغية باغية نهاية. وذلك وعد الله ﵎: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-101> الإسلام وحده هو الشرف:</span>\nإنه لاستشراف وشرف أن يقف المسلم هذا الموقف الطاهر وبالقلب العامر- في أية مناسبة كانت- يدعو إلى الله ويعاهده، متكلما أو مستمعا، يدعوه بقلبه وبفعله وبنيته وبحياته وبقلمه وعلمه، أن يعمل لهذا الدّين، ويكون في عداد المجاهدين، يعتبر نفسه في سبيل الله جنديا، ويرضى أن يكون لدينه برهانا.\nوالمسلم الذي يتجه إلى القرآن، محبّا لله ورسوله ﷺ، حبّا يملك عليه نفسه، ويملأ به رأسه، ويحرّك حسّه ويجعل له بأسه وجهده وجهاده، يصبح الإنسان الحيّ، حيّا في الدنيا بالحق والنور، وحيّا في الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩] .\nفدعوة الله تعالى هي الحياة الحقّة في الدنيا ويوم الدين، وما عدا هذه الدعوة هو الموت الأكيد أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٢] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-102> معنى الاحتفال بالمولد الشريف:</span>\nإننا حين نحتفل بمولد رسول الإنسانية، وقائد البشرية ﷺ فذلك يسلمنا إلى ألانرضى بغيره قائدا وزعيما، ولا نعيش بدونه هاديا أمينا، مبلّغا عن","vol":"1","page":258},{"text":"الله تعالى هذه الرسالة، وداعيا لكتاب الله القرآن الكريم، وعند ذلك يحق لنا الهتاف بزعامة رسول الله ﷺ رسولا نبيا، حبّا وطاعة، ويتوجّب اتّباعه، عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتعبّد الله بذلك، ﷾، وجل جلاله، وعمّ نواله، وعزّت قدرته.\nإنّ احتفالنا بمولد رسول الله ﷺ، باعتبار نبوّته؛ التي كانت ولادته لها وما تلاها إعدادا لحملها، واستعدادا لإبلاغها، كان ذلك في علم الله؛ الذي اصطفاه، وأعدّه سبحانه؛ ليحمل هذه الرسالة، ويتلقّى عن ربّه قرآنا، معجزة الله الخالدة، يجاهد فيه، ويقيم دولة القرآن، ربّى عليه الأجناد، وعبّد لله العباد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-103> هيمنة القرآن وإمامة الإسلام:</span>\nفحقّ لهم- ولنا ولكل المسلمين في كل زمان ومكان- أن يهتفوا بإمامة القرآن وهيمنته، كتابا هاديا، ودستورا مضيئا، لا نفرّط فيه، ولا نتحوّل عنه.\nوعلى ذلك تربّى صحابة رسول الله الكرام ﷺ وورّثوه للأجيال التالية، وما زال- وسيبقى بعون الله تعالى- هذا القرآن، وهو كتاب الإنسانية، نفتديه على الدوام، وهو الذي آمنت به الجنّ إذ سمعته قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [الجن: ١- ٢] . فهو كتابنا، وهو قرآننا، إماما وهاديا، نفتديه على الدوام.\nوتتتابع في حمله الشعوب والأمم، وتتلاحم في أمّته، فتحيا به الأجيال، متحضّرة سعيدة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وسارت أمة القرآن تحميه، وتفديه، وتستلهمه، وتستهديه في دولة القرآن.\nوحين ضعف الأخذ به، والالتزام بأحكامه، ضعف حال أهله بنفس المقدار، حتى دالت هذه الدولة- بعيدا أو غير بعيد- بعوامل داخلية وخارجية، ولحكمة أرادها الله تعالى، وهو الحكيم العليم.","vol":"1","page":259},{"text":"لا نريد من مسلمة اليوم- في أية بقعة من بقاعهم- لا سيما الناطقين بالعربية- باعتبار معرفتهم لهذا القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة الشريفة، وشريعة هذا الدين، لمعرفتهم وفهمهم لغته- أن يكونوا آخر الركب التحاما بدعوة الإسلام، كما لا نريد أن يكون- هم وغيرهم وكل أمته إسلامهم باهتا، أو نائما، أو غائبا، فسيوقفهم الله ﷾، وسيسألهم عن كل ذلك، ويجزيهم بما يستحقون وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] .\nإنّ أمّة تملك كتاب الله، كيف تهمله؟!\nكيف يشغلها عنه شاغل، أو يحول بينها وبينه حائل؟!\nإنها مدعوّة لتعيد قراءته، إن كانت قد قرأت، تقرؤه بكلّ حواسها ومشاعرها وبكل كيانها، تتذوقه، وتتفهمه، وتتمثله، وتأخذه شاملا، وتقبل عليه بكليتها، وتتعبّد الله به، باتخاذه منهجا، والاستمداد منه شريعة.\nفلا يصحّ للمسلم أن يحفظ هذا الكتاب في السطور أو الصدور، ولا يكون عنده حيّا في الشعور، ولا أن يحمله أوراقا ويهمله أخلاقا، أو يعرفه كلاما ويتركه أحكاما.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-104> يا حسرة على العباد:</span>\nإن الذي يهمل القرآن الكريم، ثم يذهب ليستجدي فتات القوانين، كمن يعاف الحلال الطيب في داره إلى جنبه، ويبحث عن اللحم الحرام! وكمن يملك الماء الزلال ويتركه ويهمله؛ ليرتاد آسن المستنقعات! وكمن عنده كنوز المال الحلال وخزائن الثروات، ثم يطلب الرّبا، به يقتات! فيهلك نفسه ويهلك من معه، نعوذ بالله، ووقانا منه.\nكيف يحدث ذلك أم كيف يكون؟! وماذا يقول المسلم أمام هذا الشجن","vol":"1","page":260},{"text":"والشّجون؟!! فاقرأ معي قول الله ﷾ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «١» [البقرة: ٢٧٥] .\nيا حسرة على العباد! بأيديهم كتاب الله ﷾، فيه شفاء من كلّ داء، وصحة في كل ميدان، وتقدم نحو أرقى أفق وسعادة في الدارين، ويبحثون عند أهل الأدواء- في الدنيا والآخرة- ما يشفيهم. والوضع الطبيعي أن يتولّوا- هم حفظة وحملة وأهل هذا الكتاب الرباني الكريم- علاج أهل الأدواء. وعلى ذلك فعند أهله المسلمين وحدهم- بهذا الكتاب الكريم- العلاج، أنزله الله شفاء وضياء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء: ٨٢] وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-105> ولادة وولادة:</span>\nوحين نحتفل بولادة الرسول الكريم ﷺ إنما نحتفل بنبوته ورسالته ودعوته وبنزول القرآن عليه؛ الذي كان نزوله من عند الله سبحانه، رحمة منه ﷿، ونعمة، ومنّة مباركة، فهو بداية الولادة المحتفى بها؛ ولادة الإنسان القرآني الرباني.\nحمل هذا القرآن إلى الإنسان والإنسانية؛ في نوعيتها الجديدة، وولادتها الجديدة، ذلك المولود العظيم والنبيّ الكريم ﷺ الذي نحتفي اليوم بولادته، وبهذه الدعوة كانت ولادات الحيوات الفاضلة (جمع حياة) والحضارة الرافلة، بتعاليم هذا القرآن، وبمنهج الإسلام وشريعته كانت ولادة الإنسان الجديد.\nوعندها ابتدأ الطريق لولادة الإنسان الجديد والحضارة الفريدة، ولادة الحياة الإسلامية، وقيام الدولة القرآنية.\n_________\n(١) انظر: التفسير (١/ ٣١٨- ٣٣٣، ٤٧٢- ٤٧٨، ٢/ ٨٠٣، ٢٧٧١- ٢٧٧٢) .","vol":"1","page":261},{"text":"فنزول القرآن الكريم هو بداية المولد بعد المولد، مولد الإنسان الربّاني الذي تربّى بهذا القرآن. ومع أن الله تعالى أراد لدينه النصر ووعد به، لكنه جعل ذلك حسب سننه الحكيمة التي وضعها، وكان هذا واضحا ومستيقنا لرسول الله ﷺ، بما أوحاه الله إليه، وقد علّمه للمسلمين الذين وعوه، لكنهم جاهدوا معه حق الجهاد، وكان أحدهم يستقلّ نفسه في سبيل الله، حتى إن المسلم ليتمنى أن يستجمع عمره لينفقه في أي حدث أو موقف أو حال أو معركة، دفاعا عن الإسلام، وتحقيقا لنصرته، وطلبا للشّهادة في سبيل الله ﷾.\nومع أنّ ذلك كان واضحا، ومع أن المسلمين جميعا كانوا على يقين من تحقيق وعد الله بالنصر، إلا أنّهم أيضا كانوا على يقين وقناعة مما عليهم أن يقدّموه في سبيل الله، عشقا حقا، وغراما صدقا وفداء ووفاء وإقبالا وتنافسا، ليقوم المجتمع الإسلامي، ويا بنى وجوده، وتقوم دولة الإسلام، وترتفع راية القرآن، وعند الله خير الجزاء في الجنان إلى جوار الرحمن ﷾. فإنّ تلك سنّة الله، وهي كذلك تماما تحقيق لمقتضيات الإيمان، ونصرة لدولة القرآن، وتقديم لافتداء العاشق الولهان.\nفما كان يفكر أحدهم في النكوص؛ الذي ليس هو من صفات المؤمن، ولا ينظر أبدا في التّراجع، وقد برّأهم الله من ذلك. وهم الذين اجتنبوا السبع الموبقات، ومنها التّولّي يوم الزّحف «١» .\nفكان الإقبال كاملا، والمحبة عميقة، تدفع المؤمن ليطير إلى كل أفق كريم، وسط الأعاصير يزاحمها، وفوق الأمواج يعلوها، ويمتطيها، وبين الأسنّة يقارعها، ونحو القمم يجاورها ويحاورها.\n_________\n(١) من حديث شريف رواه البخاري (رقم ٢٦١٥) ونصه: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .","vol":"1","page":262},{"text":"الهول في دربي وفي هدفي ... وأظل أمضي غير مضطرب\nما كنت من نفسي على خور ... أو كنت من ربي على ريب\nما في المنايا ما أحاذره ... الله ملء القصد والأرب «١»\nولا بدّ للأمل من عمل، يتجه به المسلم إلى الله تعالى العزيز الكريم، وإن المسلم لا يستمدّ أمله مما حوله كثرة وقلة، وإنما يستمدّ ذلك من الإيمان بالله سبحانه، مصدر القوى ومنزل النصر من خلال التمسّك بحقيقة هذا الدين. كما يستمدها مما أودع الله ﷻ فيما أنزله من منهج كريم وعظيم، وهذه هي بكل وضوح حقيقة هذا الدين. وكذلك من الاقتداء بسيّد الأنبياء، وإمام المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ وعليهم جميعا، وبعد ذلك السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>المسلم قويّ بهذا الدين:</span>\nوكان هذا هو الأمل بنصر الله، وعليه يقوم، وبه يحيا شعور المسلمين، يوم كانوا قلّة مطاردة مضطهدة. مثلما كانوا يوم قامت دولتهم، دولة الإسلام. وحتى يوم قامت لم تكن تملك شيئا في مادياتها، وغير مادياتها، بجانب الدول الآخرى وإمكانياتها. وكان الحديث في غير دولة القرآن، عن مقارعة تلك الدول، أشدّ إيغالا من الخرافة المغرقة.\nفأقبلوا على دين الله لا يخافون على شيء، ولا يخشون من شيء، وآجالهم وأرزاقهم وحياتهم بيد الله، وقد جاء في معنى الحديث الشريف:\n«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب» «٢» .\nوكذا زيّنوا حياتهم بدين الله، وأعدّوا أنفسهم ليوم لقائه في الآخرة،\n_________\n(١) هذه الأبيات الثلاثة من قصيدة للشاعر المسلم الكريم عمر بهاء الأميري.\n(٢) التمهيد، ابن عبد البر (١/ ٢٨٤) .","vol":"1","page":263},{"text":"باذلين الحياة من أجله، وإن استقلّوها.\nوفي معركة اليمامة حين اشتدّت الحرب، وتكاثر العدو على المسلمين، صاح أبو حذيفة في المسلمين: (يا أهل القرآن زيّنوا القرآن بالفعال) . وفيها صاح سالم مولى أبي حذيفة؛ الذي وصفه رسول الله ﷺ بقوله: «إنّ سالما شديد الحب لله»، وهو فارسيّ من إصطخر، ومن المهاجرين، وكان يحمل رايته- راية المسلمين- في تلك المعركة، صاح قائلا: (بئس حامل القرآن أنا إن لم أقتل في سبيل الله)، فحفر له حفرة، ووقف فيها يقاتل.\nفقطعت يده اليمنى ثم اليسرى، واعتضد الراية حتى استشهد «١» .\nإنّ ما يسكبه الإيمان بالله تعالى ودعوته، وكل مقتضيات هذا الإيمان، من قوة في النفس، وما يفتّق فيها من طاقة، وما يحبوها من بركة ويبوّئها من مكانة رفيعة، لأمر فوق التصوّر. إنه ينابيع كلمات الله تتفجر لتكون مثالا، مزيدا لا ينال، ولا يطلب إلا بهذا الدين وحده، كوّنه الإسلام، ويكونه الآن وعلى الدوام، بنوره في أكثر من مكان، في الدعوة الإسلامية العامرة، وهي تسعى لإقامة دولة القرآن، ومن أجل ذلك تسعى وتجاهد وتبذل وتضحي، وتقارع الظلم والظالمين، وتطارد البغي والباغين؛ لتغرس الخير والنور والحق المبين، وهذا ما نلحظه من خلال التاريخ الإسلاميّ كله، وعلى مداراته المتتابعة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-107> أمّة القرآن عودي للقرآن:</span>\nفيا أمة القرآن! عودة إلى هذا القرآن، وهو الذي جعل الله القضية الأساسية الكبرى فيه: الألوهية والعبودية. الألوهية الحقة بخصائصها في الربوبية، والقوامة، والحاكمية، والعبودية الكاملة التي تعبّد الناس لإلههم الحق﷾- في كل حال ومال.\n_________\n(١) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (١/ ١٦٩) .","vol":"1","page":264},{"text":"وكلّ الأمور الآخرى في القرآن الكريم هي من مقتضيات هذه القضية الأساسية الكبرى (الألوهية الحقة الواضحة، والربوبية الكاملة، والعبودية الخالصة)، والله تعالى يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] .\nوبذلك ترقّت الأمة المسلمة في سلّم المكانة العالية الزاهية، وفي قمم العظمة الإنسانية الكريمة، بتباشير مستقبل البشرية المنير، ولادة الرسول ﷺ، وتبعتها ولادة الإنسانية الفاضلة بهذا القرآن الكريم؛ الذي أنزل الله تعالى عليه، وأمره بإبلاغه للناس كافة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-108> الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية:</span>\nوحياة الإنسان والإنسانية على الأرض- وفي البشرية أجمعين، بدون ذلك- يصيبها في هذه الحياة البوار والدمار، ويورّثها في الآخرة الخسار.\nفحياة البشر لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة الكبرى، في اعتقادهم وتصورهم، في حياتهم وواقعهم، لا تستقيم إزاء الكون الذي يتعاملون مع أحيائه وأشيائه. إذ حين يضطرب تصورهم لحقيقة الألوهية والربوبية والعبودية، يؤلّهون الأحياء والأشياء، ولا تستقيم إزاء بعضهم البعض بدون استقامة هذه الحقيقة في كل جنبات الحياة، ابتداء من ذات الإنسان.\nوإن إنسانية الإنسان وكرامته وحريته الحقة الكاملة، لا يمكن أن تتحقق في ظلّ اعتقاد أو نظام أو مبدأ- مهما كان- لا يفرد الله ﷾ بالألوهية وبالربوبية، بل ويشرد عن العبودية.\nوواقع البشر خلال تاريخه يثبت هذه الحقيقة ويصدّقها، فما من مرة انحرف الناس عن الدينونة لله وحده، ودانوا لغيره بالاعتقاد والشعائر أو الأحكام والشرائع، إلا وفقدوا بذلك إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم.\nوإن الذين شردوا من العبودية لله وقعوا في شقوة العبودية لغيره، والتي أكلت إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم. مهما اختلفت الأنظمة والقوانين،","vol":"1","page":265},{"text":"شرقية أو غربية، مستوردة أو محلية. مهما ظنّوا فيها، أو ادعوا لها، لكن واقع الحياة كان كفيلا بكشف وهمهم ووهنهم، وبيان زيفهم وبعدهم، وربما ردّهم إلى الحق وسار أمامهم بوضوح كامل على الجادّة، بعد أو قبل فوات الأوان.\nلقد تبين لفرعون ضلاله، وقد أغرقه الله، وأعلن إيمانه بعد ما رأى مصيره غرقا، وقد فات أوانه، غفلة واستكبارا، وكان بإمكانه أن يدرك ذلك، ويتدارك أمره، قبله وأبكر منه، وضوحا واستجابة: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ [يونس: ٩٠- ٩٢] .\nلكنّ الذين أسلموا متأخرين قبل فوات الأوان، حازوا خير هذا الدين، والإسلام يجبّ ما قبله، فعوّضوا عما فات، والأمثلة كثيرة جدا «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-109> المثل والأمثلة:</span>\nففي معركة أحد، والمسلمون بقيادة رسول الله ﷺ متّجهون إلى المعركة، فتح الله قلب أصيرم (واسمه: عمرو بن ثابت بن وقش) - من بني عبد الأشهل- للإسلام، فأسلم، وعلم أن المسلمين ذهبوا للجهاد، فحمل سيفه في الحال، ولحق بهم مجاهدا، وقاتل حتى قتل، ووجد في الرّمق الأخير «٢»، ودهش لرؤيته الأنصار، لما يعرفون من كفره وصدّه، فقالوا:\n_________\n(١) انظر ما فعله مثلا: الحارث بن هشام وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل؛ بعد إسلامهم المتأخر، وقد حاربوا الإسلام قبل ذلك طويلا وضاريا وشاملا. انظر: الاستيعاب (١/ ٣٠٣، ٣٦٢، ٣/ ١٠٨٢) . أسد الغابة (١/ ٤٢٠، ٢/ ٤٥، ٧٠- ٧٣) . سير أعلام النبلاء (٤/ ٤١٩، ٣/ ٤٤- ٥١، ١/ ٣٢٣) .\n(٢) السيرة النبوية، ابن هشام (٣/ ٩٠) .","vol":"1","page":266},{"text":"والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ فسألوا فأخبرهم الخبر، وإنه حين ذكر أمره لرسول الله ﷺ قال: «إنه لمن أهل الجنة» . وهكذا رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، وكان إقدامه واستشهاده. ذلك هو مقتضى الصدق في هذا الدّين، وقضى شهيدا، فكان هو الذي دخل الجنة، ولم يركع لله ركعة.\nولدينا العديد من هذه النماذج الفذة، وغيرها الكثير والكثير جدا، تلك صنعها هذا الدين، دين الله الحق لأهل الأرض أجمعين، ولا يمكن أن تكون إلا به- وبه وحده- وهو أمر طبيعيّ.\nوفي معركة اليرموك (١٥ هـ) جرى مثل ذلك، حين أقبل إلى معسكر المسلمين «جرجة» أحد قادة الروم ليعلن إسلامه، ودخل المعركة إلى جانب عكرمة، وتعاهدا- مع آخرين كثير- على الموت في سبيل الله، فاستشهدا جميعا «١» . وهكذا وهكذا كثير، ووفير، وجدير.\nفليلتحق المسلمون بركب الإسلام المنير عاملين بجديّة أكثر، يزداد القريب قربا، ويقترب البعيد، كما يفوز بالخير ولا يفوته، ويحظى برضا الله ﷿ وجنته، إن شاء الله ﷾.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-110> الشرود عن منهج الله هو الدمار:</span>\nلقد هربت أوربا من شريعة الله، ومنه ﷾. وحين هربت من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف، وثارت على دين الله ﷾، ظن الناس هناك أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم ومصالحهم وحياتهم وسعادتهم، في ظلّ الأنظمة الفردية الديمقراطية؛ بما صاغوه، ووفّروه، ثم في ظلّ الأنظمة التفردية المستبدة الطاغوتية الجماعية، فلم يجدوا إلا الخيبة، والفشل الذّريع، والتغرير، والتدمير، وكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وانتقلوا من الوهم إلى السّراب\n_________\n(١) البداية والنهاية، ابن كثير (٧/ ١٢- ١٣) .","vol":"1","page":267},{"text":"والأساطير. وسيبقى الإنسان كذلك حتى يعود إلى دين الله تعالى، ففيه وحده النجاح الأكيد الجديد، دنيا وأخرى، سيادة وسعادة.\nوقد أغرتهم بذلك تلك الأشكال، وغرّتهم تلك المنتجات والإمكانيات، إلا أنّ الأمر انتهى إلى الرأسمالية الطاغية، بتشكيلاتها المختلفة، ولا فتاتها التي تحولت إلى خيالات وأوهام، فوقعوا في عبودية ذليلة، عبودية البشر للبشر، كثرة ساحقة خضعت لأقلية طاغية، تملك رأس المال، وتملك كل المؤسسات، وإن وضعت عليها اللافتات المزوّقة، والشعارات المنمّقة.\nوهرب فريق منهم من تلك الأنظمة الفردية وأجهزتها؛ التي يطغى فيها رأس المال والطبقة، إلى الأنظمة الجماعية، فاستبدلوا طبقة بطبقة أعتى.\nوبعد أن كانت تبعيتهم لأصحاب رؤوس الأموال ومؤسساتهم، غدت للدولة التي تملك المال والسلطان، فكانوا كذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار الأشد قسوة ولظى، بعد تلك المعاناة.\nوسواء انتهت هذه السلسلة أو ما زالت فيها بقية، يدفعها الضلال والكبرياء إلى الشرود عن الله ﷾، والتمسك بالجاهلية، فسيبقى الإنسان خاسرا مسحوقا، مادام في معزل عن الله ومنهجه، ومهما كان في مستوى فلا يقارن مع منهج الله تعالى، ومهما بلغ تقدمه من كل نوع؛ ولذلك أنزل الله شرعه العظيم الذي لا يكون أفضل له فحسب، بل لا يكون بدونه أبدا.\nوفي كل مرة- لكل إنسان، وفي كل حال أو وضع أو نظام- دان فيه البشر للبشر، دفعوا له ضرائب فادحة، أنفسهم وكرامتهم وحياتهم وسعادتهم ودنياهم وأخراهم. إنه لا بدّ من عبودية لله تعالى، والأخذ بكل منهجه لكل الحياة الإنسانية، وهذا مما تحمله العبودية لله تعالى، وبها وحدها- يعرف الإنسان نفسه، ويجد حريته، ويحظى بإنسانيته وسعادته، فإن لا تكن لله وحده تكن لغيره، مما عداه، من حجر أو شجر أو شهوة أو هوى أو بشر أو وجهة، من أي نوع كانت وتكون.","vol":"1","page":268},{"text":"والعبودية لله وحده تطلق الناس أحرارا أبرارا شرفاء أعلياء، والعبودية لغير الله تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وسعادتهم، ثم تأكل حتى مصالحهم المادية. وإن هذه القضية لا تتعلق فقط بعبادة الأصنام والأوثان في الجاهليات، حتى القديمة، لكنها تتعلق بكل ألوان الجاهليات، وحتى الحديثة والمعاصرة والمستقبلة، وإن ادعت الحتميات والتقدميات وامتلكت التقنيات وكل الإنجازات، ورفعت الشعارات والعبارات، فإن جاهليات ما قبل التاريخ، وجاهليات التاريخ، وجاهلية القرن العشرين، وكل جاهلية، تقوم على أساس من تعبيد العباد للعباد تتردّى بالإنسان، وتذهب سعادته، وتأكل إنسانيته وكرامته، وهذه- لا غيرها- هي الجاهلية، مهما لبست والتبست وتنوعت وتشكلت واستخفت وأخفت أو أظهرت. وهذه القضية لا تتعلق بالمسلمين وحدهم بل بالبشرية كلها، بكل أجيالها وأجناسها وأحوالها وأوضاعها.\nومثلما لا يغني عن المسلمين مجرد الانتساب، مثلما لا يغني عنهم الخلط والمزج بين الإسلام وغيره، للتمويه والتذويب أو لما سوى ذلك، فإن الله ﷻ لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-111> النجاة بهذا الدّين وحده:</span>\nومن أجل إخراج الناس من تلك الجاهليات، وكل الجاهليات في كل العصور والمواقع، أيّ شكل أخذت، وأيّ زي ارتدت، من أجل إخراجهم من كل ذلك، وتعبيدهم لله رب العالمين، من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد، وأية عبادة أخرى، إلى عبادة الله تعالى، جاءت رسالات الله، وبعث بها أنبياءه ورسله ﷺ لتنظيم الحياة الإنسانية وانتظامها، كريمة فاضلة مرتوية ناهلة مؤمنة بربها بعمق أصيل، وسائرة في الموكب المنير.","vol":"1","page":269},{"text":"والأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- أخوة، هدفهم واحد، ومهمتهم واحدة، ودينهم واحد، وربهم واحد، بعثهم الله حكمة ورحمة وفضل ونعمة على الإنسانية، يرعون ركبها المتحضّر الفاضل، يقودها ذلك الرهط الكريم من الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام.\nوكان خاتمها تلك الرسالة الدائمة الباقية، رسالة الإسلام، وهدي القرآن، حملها رسول الله ﷺ الذي نحتفل اليوم بمولده، وذلك واضح في القرآن الكريم المنزّل على رسوله الأمين ﷺ، والذي فهمه وعاشه أولئك الصّحب الكرام، ومن تبعهم ووالاهم في كلّ جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والرسول الكريم ﷺ يقول: «الأنبياء أخوة لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-112> مهمّة المسلم وآفاقه وقوّته:</span>\nفحين سأل قائد الفرس في القادسية (١٥ هـ) رستم رئيس وفد المسلمين إليهم ربعي بن عامر عن الذي جاء بهم، قال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله) . فقال رستم: (وما موعود الله)؟\nفقال ربعي: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) «٢» .\nوتحقيق هذا الهدف يناسبه البذل وعدم البخل بكل شيء، واسترخاصه، حتى لو كانت النفس، وذلك كان واضحا بالعمل عند المسلمين.\n_________\n(١) سبق ذكره: أعلاه، ص ١٣، ٢٤٤. رواه البخاري، رقم (٣٢٥٩)، ومسلم رقم (٢٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٤٠٦، ٤٣٧) .\n(٢) تكرر ذكره آنفا: أعلاه، ص ٣٦، ٨٤. البداية والنهاية، ابن كثير (٧/ ٣٩) . القادسية: أحمد عادل كمال (١٠٦) .","vol":"1","page":270},{"text":"ولقد ربّى رسول الله ﷺ أصحابه على ذلك، وكان لهم مثالا وقدوة، وفي كل شيء، مستعليا وزاهدا في كلّ ما حوله، إلا فيما يرضي الله تعالى، ويقرّب إليه أكثر، وهكذا عاش ﷺ وصحبه المجاهدون الكرام.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-113> كيف السبيل</span>؟\nوعلى مسلمة اليوم أن ينهجوا نهجه ﷺ في نفوسهم وفي حياتهم، ابتداء من ذواتهم، عاملين على نصرة الإسلام. وإنّ الله سينصر هذا الدين، وينصر أهله، ويقيّض من ينصره، وتلك سنة الله ﷾ في خلقه دواما.\nوإن كنّا على يقين نشهد ونرى في نفوسنا وتصوّراتنا وعقيدتنا، مؤمنين أن دين الله منتصر، وأن فارس الإسلام قائم، وموكبه المنير قادم، ولكنه لا بد من تضحيات، ولا بد من بذل صادق يقدّمه المسلمون.\nكل ذلك يقوم على فهم رائق للإسلام، بكل ما يحتويه ويشمله، ولا تصفو المسيرة إلا بصفاء الفهم، وخلوص الإقبال على الله تعالى، بهمّة وحكمة وحنكة وكياسة، يوفره العيش في هذا الدين، تتفتح به المغاليق في النفس والحياة بكل مجاليها وأحوالها على الدوام.\nوهذا هو السبيل الذي لا بدّ من سلوكه، تقبل عليه النفس بلا تخفف، وتؤدي حقّه بلا تكلّف، بل إنها لتعشق ذلك، وتندفع نحوه، وتسرّ بما تقدمه، أكثر من ذلك الذي تدّخره وتوفره.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-114> أداء حق أمانة الدعوة:</span>\nفإذا كان للحمل ولادة والولادة قادمة، لا بدّ لها من مخاض، ولا بدّ للمخاض من آلام- سنّة الله وحكمته- يتحملها المسلم بنفس راضية، وروح وفيّة قوية، حتى لو كانت الولادة تورث الموت وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .","vol":"1","page":271},{"text":"ولا بد- بعون الله ﷾ وفضله- أن تشرق الأرض مرة أخرى بنور الله المبين، ويهتف أهل الأرض أجمعين بالألوهية والربوبية والعبودية لله ﷿ وحده ﷾، ونبوة الرسول الكريم ﷺ قائدا وزعيما، وبالقرآن الكريم دستورا وكتابا مبينا، وبالجهاد سبيلا، مهما تحلّك الظلام، وتجهم الطغاة والطّغام، إن شاء الله تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥- ١٦] .\nاللهم انصر جندك، وأعل راية شريعتك، وأظهر دينك، واجعله ضياء ونورا لنا في الدنيا والآخرة، وأسكنّا جنتك تحت لواء محمد بن عبد الله رسولك ﷺ، وأنعم علينا بالنظر إلى وجهك الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] اللهم آمين.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":272},{"text":"المبحث الخامس ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة\n* المولد الميمون: المناسبة والاحتفال\n* مدلول حادثة الفيل\n* عالمية الدعوة الإسلامية\n* السمو بالاستمرار والاتصال\n* صورة مضيئة يهبها الإيمان\n* السهمي في بلاط كسرى\n* معجزة نبوية شاهدة","vol":"1","page":273},{"text":"ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة الحمد لله رب العالمين؛ الذي أرسل محمدا ﷺ لنا ولأهل الأرض أجمعين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا.\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-116> المولد الميمون: المناسبة والاحتفال:</span>\nإنه لجميل حقا جدا- لا سيما في مثل هذا العصر، الذي جهل الكثير من المسلمين من دينهم غير قليل، علما وعملا- أن يلتئم جمع، ويقام حفل «١»، في المناسبات الإسلامية الميمونة المتعددة المتنوعة.\nومنها مولد الرسول الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ليتم- من خلالها- التذكير بالمعاني الإسلامية، وتأكيد أبعادها في نفوس المسلمين، ودعوتهم في السير عليها، والأخذ بمضامينها، والعيش بتوجيهاتها، ويلتزمون بها في كل حال، ولا يتفلّتون منها، ولا يتلفّتون إلى أيّ من غيرها مهما كانت.\nفليس غير الشريعة الإسلامية تكون أو تصلح لهم- أو لغيرهم- طريقا كريما بارّا، فهم يواصلون المسيرة عليها؛ على الطريق المنير وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] .\nوإنه لمن الممكن اعتبار مولد الرسول الكريم ﷺ أكبر إرهاص مبكّر بقرب نبوته، ولادة اقترنت بها أحداث منبّهة قاطعة، مثل حادثة الفيل، في\n_________\n(١) ألقيت- منذ سنوات- في حفل جامعي (جامعة الإمارات)، ثم نقحت ورتبت وزيدت، فتضاعفت.","vol":"1","page":274},{"text":"العام الذي حمل هذا الاسم، وأضحى تاريخا- عند العرب قبل الإسلام- شهيرا، بحدث غير اعتيادي، استمروا يذكرونه ويتذكرونه مع استعماله وبدونه؛ ولذلك أهمية كبرى، ولعل فيه حكمة. على أن هذا الحدث- ذا السّنة الخارقة- يبقى معروفا ومذكورا، لمن شهده أو سمع به، مثولا في الذاكرة والخاطرة، مثلما لمن كان ناظره. وفيه كانت هذه الولادة الكريمة الميمونة المباركة لأهل الأرض أجمعين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-117> مدلول حادثة الفيل:</span>\nويمثل عام الفيل حادثة تعلن بقوة، تحفر في الحياة مشاهد لا تنسى، إشارة تضمّ إلى البشارات السابقة، والإشارات المتنوعة عن الإسلام، وبداية نزول القرآن، وبداية الوحي بهذا الدين، واختيار رسول الله ﷺ ليحمل رسالة الله الخاتمة إلى أهل الأرض أجمعين «١» .\nوهذه الحادثة تشير إلى المولد الذي سيحملها، ويحمله من اختاره الله تعالى لذلك، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، لتشير إلى اقتراب موعد نزول القرآن على محمد ﷺ بعد أن يبلغ الأربعين من عمره الكريم الشريف الأمين، والمبارك الخير الميمون، موعد ولادة الإنسانية الفاضلة على درب الهدى والنور.\nفكانت ولادته ﷺ وما جرى فيها، تأكيدا وتذكيرا لأهل الكتاب ولغيرهم، وتقديما مبينا لما مرّ بهم من بشارات أوحى بها الله ﷾ إلى أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام- ولغيرهم ممن له بذلك صلة وعلم، لعلهم يعتبرون.\nوكانت الولادة الكريمة تنبيها وتقديما مبينا؛ لأهل مكة والجزيرة العربية وغيرهم، لأهمية ذلك، حازمة ولازمة، تصديقا وتوثيقا، مؤشّرا بقرب موعد انبلاج الفجر، وسطوع النور على أهل الأرض أجمعين. كتاب من الله\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ٢٢) .","vol":"1","page":275},{"text":"مبارك مبين، بعث به محمدا ﷺ هاديا ومبلغا وداعيا وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-118> عالمية الدعوة الإسلامية:</span>\nفالإسلام دعوة الله ﷾ لأهل الأرض جميعا- بألوانهم وانتما آتهم وولاآتهم- أن يؤمنوا به، ويكونوا من أهله، من بلغه منهم.\nوتلك طبيعة هذا الدين، وحقيقته الواضحة، بكل إيحاآته ومدلولاته ودلالاته، فضلا عن آياته إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: ٢٧- ٢٩] «١» .\nبل إن من الجن- حين سمعته- لم تملك إلا أن آمنت به قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [الجن: ١- ٢] .\nإذ تبدأ الإنسانية المسير في الطريق الخير البار، يظلّلها الأمان، فتنجو من الضّياع، وتتجنب الهاوية، وتأمن الخسران، وتستقيم على درب الخير والنور، وحيدا قويما، بعد أن تلوذ في ظل شريعة الله ﷾.\nإن الاحتفال بمولده ﷺ باعتبار نبوته ورسالته، وإن هذا المولد الكريم كان علامة مولد جديد للإنسانية؛ ليبدأ عنده موكب الإنسان الجديد؛ بالمسير نحو الخير في الطريق الإنساني الفريد، طريق الله الرحمن الرحيم ﷾. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] .\nوهذه الجموع المحبّة تحتفل بذلك، ولا نحتفل باعتبار المولد تأريخا تراثيا أو تقاليد، لنا فيها عادات وارتباطات قديمة متناقلة عابرة، ولكن نحتفل به باعتبار المولد الكريم إشارة إلى هذا الحدث: نزول القرآن الكريم\n_________\n(١) سورة التكوير من السور المكية المبكرة.","vol":"1","page":276},{"text":"العظيم ومقدمة له، ودافعا إلى الأخذ بالإسلام عقيدة وشريعة، عبادة وطاعة والتزاما وحركة، ودعوة متجددة حية، ومنهجا فاضلا، وأسلوبا فذا فريدا لكل أمر، يمد بالحياة، ويباركها، ويعليها، ويرفع من شأنها.\nإننا كذلك لا نريد من هذه الاحتفالات، أن تكون ميدانا لعروض خطابية، وكلمات تلوكها الألسن، ثم يخرج كلّ ليمارس ما كان عليه؛ في حياته وفكره ونظره وتصوره وعقله وقلبه عن الإسلام.\nوسيكون من يفعل ذلك مخدوعا، لو أقنع نفسه ليكون بهذه المثابة، وغرّته كلماته، فصدق لسانه، وترك كيانه.\nوهو مخدوع كذلك، ولو حاز الرضا والتزكية من الآخرين: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: ٢٨] . ولا يزحزح تبعاته أنملة، ولا يقدمه في مضمار الخير خطوة، بل لا بد أن يرتقي في سلّم الخير، وتتسامى نفسه شيئا فشيئا، أو دفعة تقوم على الحق تأخذ به، وتحميه، ولا يمكن لأحد أن يقوم على الحق أو يحميه إلا بعد أن يقيم نفسه عليه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ [يونس: ٣٥- ٣٦] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-119> السموّ بالاستمرار والاتصال:</span>\nوحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى وقتها، عندئذ تتفتح أمامه أبواب الخير، من خلال هذه الأحفال وغيرها، وتشرئب إلى هذا الأفق، فتكون بعد ذلك في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله مرجعا يعيش معانيه، صاحبا كريما، وأنيسا حميما، وناصحا أمينا نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن، ويستهديه على الدوام.\nوما كانت لهذه المناسبات من مكانة، ومعوّل، ومؤمّل، تربّعت عليها بهذا الحجم والمقدار- لا يهمل المسلم مناسبة يفترصها- إلا لفتور وفقر في","vol":"1","page":277},{"text":"نفوس المسلمين- كثرة منهم- وخواء في أفعالهم وتمسكهم، وإلا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم، وهو بين يديه، ميسّر مفسّر واضح موضّح، ومع رسول الله ﷺ وسيرته الشريفة الواضحة، وسنّته العطرة مهيأة جاهزة مدروسة، وهو ﷺ مع علم المسلم القليل وصلته اليسيرة، حيّ في ضميره وقلبه، مثلما هو حيّ في سلوكه. وكيف لا يكون المسلم كذلك وحب رسول الله ﷺ دين، وطاعته عقيدة وعبادة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] .\nلا نريد من مسلمة اليوم- في أي بقعة من بقاعهم- أن يكونوا آخر الركب إلماما والتحاقا بدعوة الإسلام؛ التي تتفتح أزاهير أتباعها في مواطن هي لها اليوم، أو محسوبة عليها، وفي مواطن أخرى جديدة كانت لها أو لم تكن ... إنه دين الله، ومال الإنسانية لا بد إليه.\nكما لا نريد أن يكون إسلام مسلمة اليوم باهتا أو نائما أو غائبا، إذ سيوقفهم الله، ويسألهم عن كل ذلك، ويجزيهم بما يستحقون: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] .\nولا يصحّ أن يكتفي المسلم بإسلامه، اسما وموطنا وتأريخا، أو لا يكون ولاؤه الكامل له في كل الأمور، فهو يأخذ من هنا وهناك، في كل أحواله، أو لا يرتبط بالإسلام إلا في دوائر ضيقة، يمدّ يده إلى تيارات أخرى يعبّ من مجاريها.\nفهو كمن يعاف الحلال الطيب في داره إلى جنبه، ليبحث على اللحم الحرام.\nوكمن يملك خزائن المال الحلال، ثم يأكل السحت الحرام وبه يقتات، من أكله الربا وألوان المحرمات والمظالم والاحتيال «١» الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] .\n_________\n(١) قد سبقت الإشارة لهذا المعنى مع زيادة.","vol":"1","page":278},{"text":"فالإسلام هو الحصن الحصين، ومنه وحده نستمد التقنين في كل الأمور، وعلى شريعته نبني الحياة الخيرة المتحضرة وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] فكيف نتّجه إلى من كان علينا أن نؤويه ونهديه؛ بإذن الله ﷾، إلى شريعته الغراء البيضاء النقية، والنبي ﷺ يقول: «أحبّ الدين إلى الله الحنيفيّة السّمحة» «١» .\nويحي على ساسة القانون ويحهم ... على جهود أضاعوها وما وجدوا\nوبين أيديهم القرآن يوردهم ... أسمى المناهج والأحكام لو وردوا\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-120> صورة مضيئة يهبها الإيمان:</span>\nلقد وهب الإيمان بهذا الدين، بكليته وبأعماق المسلم وكيانه، حياة جديدة، أطلقت يده في الحياة سيدا فاضلا يرعاها، ويا بني عمرانها، ويحقق إنسانيته، ارتفاعا بها، وإعلاء لشأنها، وإضاءة لطاقاتها، فكان أحدهم ويكون به على الدوام- عجيبا في كل نواحي الحياة. اللهم اجعلنا منهم، بعونك ولطفك ومنّك.\nولقد طفحت صفحات الحياة الإسلامية صورا، ما كانت لأمة غيرها، وما عرفتها- ولن تعرفها- أية حضارة أخرى. وهي ما زالت، وستبقى نابضة بالحياة نبوضها بطبيعة البناء الذي قامت عليه، وتتغذاه على الدوام.\nوهنا نضع واحدة من تلك الأحاديث المضيئة تروي معاني الخير، رسمت في مشهد فاضل مضيء تنادي وتندب وتدعو وتقود وتدفع وتحرك بقوة إلى هذا السلوك.\n_________\n(١) رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب الدين يسر. انظر: أسد الغابة (١/ ٨٨) . سير أعلام النبلاء (١/ ١٥٨) .","vol":"1","page":279},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-121> السّهمي في بلاط كسرى:</span>\nولقد سمعت في الهجرة الشريفة «١» جزآ من قصة ذلك الأعرابي الذي وطئت قدماه بلاط الروم عبد الله بن حذافة السّهمي «٢» (نحو ٣٣ هـ) الذي وطئ كذلك بلاط كسرى، حيث أرسله رسول الله ﷺ إلى إمبراطور الدولة الفارسية كسرى أبرويز (خسرو الثاني) «٣» بن هرمز بن أنوشيروان، برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، وهذا نصّها:\n«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله.\nوأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ [يس: ٧٠] .\nفأسلم تسلم فإن أبيت فإنّ إثم المجوس عليك» «٤» .\nحملها ابن حذافة حتى وصل بها بلاط الفرس. وحين دخل ابن حذافة هذا، بشملته الرقيقة، وعباءته الصفيقة؛ إلى بلاط كسرى ذي الفخفخة والأبّهة والزهوّ المترف المتأله، كان ابن حذافة بإيمانه- الذي تقدم به، ورفعه مكانة عالية، استصغرت كل ذلك- أكبر من كل الجاهليات ومن كل الجبابرة، وأكبر من كل بلاط، مهما كانت فخامته وضخامته، وتجبر بجيشه وحاشيته وحرسه، وبدا في أبّهته وفخفخته، بترفه وطغيانه المتأله المبهور المغرور، مثلما استقر عليه حال بلاط كسرى، لكن ابن حذافة كان أقوى من\n_________\n(١) انظر: أدناه، ٢٩٩. والإشارة هنا حسب ترتيب الإلقاء يومها.\n(٢) سير أعلام النبلاء (٢/ ١١) . الاستيعاب (٣/ ٨٨٨) . أسد الغابة (٣/ ٢١١- ٢١٢) .\n(٣) زاد المعاد (١/ ١٢١) . السيرة النبوية، الندوي (٢٥٦) . الاستيعاب (٣/ ٨٨٩) . أسد الغابة (٣/ ٢١٢) .\n(٤) رواه البخاري: أرقام (٦٤) (٢٧٨١) (٤١٦٢) (٦٨٣٦) . ومسلم: رقم (١٧٧٤) . انظر: مجموعة الوثائق السياسية (١٤٠) .","vol":"1","page":280},{"text":"كل ذلك؛ لأنه امتلأ بالإسلام، واتصل بالله، مصدر العزة والقوة والهداية وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:\n٨] .\nكان ابن حذافة عالي الهامة، مشدود القامة، تملأ نفسه معاني الإيمان، وتعليه حياة وكلمات الإسلام، ورفض أن يسلّم الرسالة إلّا لكسرى نفسه، يدا بيد، تنفيذا لأمر رسول الله ﷺ، إلى كسرى نفسه؛ الذي أبى أولا، كبرياء وجهالة، إلا بوسيط، لكنه استجاب أمام الإصرار.\nوما أن قرئت له سطورها الأولى حتى غضب واستشاط، لكنه استمعها كاملة، ومزّق رسالة رسول الله ﷺ راميا إياها في وجه ابن حذافة، وأسمعه كلمات التهديد والوعيد الأجوف الأضعف المنهوك «١» .\nوعاد ابن حذافة مسرعا إلى رسول الله ﷺ يحمل هذا الخبر، فلم يزد رسول الله ﷺ أن قال: «مزّق الله ملكه» . وفي رواية: «اللهم مزّق ملكه» «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>معجزة نبوية شاهدة:</span>\nهذا مشهد من مشاهد تلك الحادثة، لكن المشهد الثاني فيها يبهرك ويبدهك ويفجؤك، ذلك أنّ كسرى بطغيانه وضلاله وجاهليته لم ير أنه من الممكن أن يدعوه أحد إلى حقّ، أو يسمعه كلمة العدل، أو يقدم له صيغة أو\n_________\n(١) ككل متجبر ضللّيل وغشوم مستهتر متأله ومغرور كفور، نعوذ بالله تعالى مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غافر: ٢٧] .\n(٢) انظر: البخاري، كتاب: المغازي، باب: كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، رقم (٤١٦٢) . المسند (١/ ٢٤٣، ٣٠٥) (قديمة)، رقم (٢١٨٤ و٢٧٨٠/ ٤) (جديدة) . زاد المعاد (١/ ١٢١) . سير أعلام النبلاء (٢/ ١١- ١٢) . الاستيعاب (٣/ ٨٨٨) . أسد الغابة (٣/ ٢١١- ٢١٢) .","vol":"1","page":281},{"text":"صبغة صدق، إذ قد أعلن ألوهيته أو كاد، وأطاعه الناس الذين أضلّهم، مثلما فعل ويفعل أمثاله. وقد حكى الله ﷾ في القرآن المجيد عن فرعون مثل ذلك، فقال عز من قائل: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ [الزخرف: ٥٤] .\nفكتب في الحال إلى ملك اليمن باذان، عامله هناك، أن يرسل إلى محمد ﷺ من يأتيه به أسيرا مقيدا. فأطاعه باذان، وأرسل هذا في الحال وزيره مع أخيه إلى المدينة المنورة؛ ليقودا- في زعمهم- رسول الله ﷺ كيما يحضره أمام كسرى ليحاسبه ويعاقبه، في زعمه!!!\nوكذلك الطغاة الذين أحلّوا أنفسهم في العباد مقام الألوهية والاستبداد، وجعلوا رغباتهم وأهواءهم وأوامرهم بديل مقام شريعة الله، واستلبوا حق الحاكمية في أرض الله؛ التي لا تكون إلا لله رب العالمين، فاعتدوا على سلطان الله، وتحكّموا في رقاب خلقه. ولقد قصّ الله ﷾ علينا من ذلك في القرآن الكريم أكثر من مثال، والأمثلة كثيرة ووفيرة جدا.\nكان النصر في تلك المواجهات لجند الله، فالله تعالى لا يتخلى عن جنده، وهو معهم يرعاهم بعنايته ونصره، بعد ما أخذوا بشرعه وأمره.\nولما وصل رسولا باذان إلى المدينة المنورة طلب إليهما رسول الله ﷺ أن يمكثا فيها يوما أو أكثر، وهكذا كأني برسول الله ﷺ يفعل ذلك ليبلّغهم دعوة الله، ويدعوهم إلى رسالته السامية الخالدة، ويعلمهم إياها، يرونها خلقا وسلوكا، مثلما يسمعونها كلمات تنفرج عنها الشفاه.\nثم أخبرهما ﷺ بمعجزة، وربما في نفس اللحظة التي تمّت فيها تلك الحادثة أو قريبا منها، فأخبرهما ﷺ بأنه في هذه الليلة- وكانت ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة من السنة السابعة للهجرة، بعد غروب الشمس بست ساعات «١» - قتل كسرى أبرويز بيد ابنه شيرويه (قباز)، فدهشا\n_________\n(١) السيرة النبوية، ابن كثير (٣/ ٥١٠) . السيرة النبوية، الندوي (٢٥٦- ٢٥٧) . السيرة","vol":"1","page":282},{"text":"بهذا الخبر، وحملاه إلى الملك باذان، ورأيا- وفد باذان- أن تنفيذ ما أراده كسرى أخرف من خرافة، أو خرافة الخرافة.\nفعادا بهذا الخبر في رسالة حمّلهما إياها رسول الله ﷺ وهما ما يكادان يصدّقان، فأنهيا به إلى باذان الذي كان يتطلع إلى معرفة رسول الله ﷺ وأخباره، ويبحث صدق دعوته، فجاءه، وفاجأه الدليل.\nيالله! إنها لمعجزة تدعوهم وأمثالهم ليعيدوا النظر في مواقفهم، لا سيما إذا سلمت الفطر- ولو بعض السلامة- من التهتك والتحطم والتلوث، بل لتزيل ما عليها من صدأ، تطرقها طرقا، تزيل عنها الصدأ، وتثيرها إثارة تبهرها، تحكها وتدفعها إلى الإدراك، تستدرك ما فات وتلتزم الطريق، طريق الله المنير وشرعه الجديد الفريد.\nوبينما هم يتعجبون ويستنطقون، إذا ببريد فارس يأتي إلى باذان لينهي إليهم الخبر كاملا بمقتل كسرى أبرويز على يد ابنه، مثلما كان مدونا في رسالة رسول الله ﷺ وبنفس التحديدات التي فاه بها ﵊، فأسلم باذان والعديد ممن معه ومنهم أخته وأفراد كثيرون من أسرته.\nوهكذا إذا ظنّ الضالون والظالمون والطغاة والعتاة والمتألهون والجبابرة المنكرون أنهم قادرون على دين الله وجند الله، يأتيهم أمر الله وقضاؤه من حيث لا يحتسبون ولا يظنون، ويأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلا يفلت أحد من قبضته، وهو مصير الطغاة في كل حين. فليحتفظ وليتيقظ كل أحد، وطريق التوبة مفتوح لمن أراد.\nفليكن الاحتفال بمولد رسول الله ﷺ احتفال النفوس باستقبال حياة جديدة والسير على طريق الإسلام، حثيثا قويا ملتزما واعيا متفهما جريئا مصمما شجاعا باذلا، متمثلا لشرع الله وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥] .\n_________\nالنبوية، أبو شهبة (٢/ ٣٦٠- ٣٦١) .","vol":"1","page":283},{"text":"والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين، ونرجو الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، ويجعلنا من جنود محمد ﷺ الأمين آمين آمين.","vol":"1","page":284},{"text":"المبحث السادس الهجرة النبوية بين الفداء والبناء\n* مؤشرات ومبشرات\n* محنة ومنحة\n* من الجاهلية إلى الإسلام\n* العزيمة وقيام الحياة الإسلامية\n* فطنة المسلم وتضحيته\n* النور وراء الظلمة\n* عجائب الإسلام وفرائده\n* هذه أخلاق القرآن\n* تعدد دروب النفس\n* الهجرة والأخذ بالأسباب\n* لقاء الهجرة والنّصرة","vol":"1","page":285},{"text":"الهجرة النبوية بين الفداء والبناء الحمد لله رب العالمين الهادي الرحيم «١»، أرسل النبي الخاتم رحمة مهداة، فالصلاة والسلام على هذا الرسول الأمين، صاحب الهجرة، وحامل لواء الدعوة، ومبلغ الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض أجمعين. فتح الله به آذانا صمّا، وعيونا عميا، وقلوبا غلفا «٢»، فكانوا الهداة، وكانوا الرعاة، وكانوا الدعاة، وخير أمة أخرجت للناس، بما عملت بشرع الله، فاجعلنا اللهم منهم بعونك ولطفك.\nإنه لسنة حسنة أن تحتفل جامعتنا بهذه المناسبة الإسلامية الكريمة، ذات الدّلالة الرائعة المتفردة- كأخوات لها كثيرات- نبتت في جو الإسلام، وارتوين به، واستمددن سمته وصبغته صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .\nوالمرجو أن تمتد هذه السّنّة لتحتضن كلّ المناسبات الإسلامية، متعالية ومتجاوزة حدود الرسمية إلى الذاتية الخيرة، اعتزازا بها، وفرحا بوقتها، واحتفالا بمناسبتها.\n_________\n(١) ألقيت في قاعة الاحتفالات الكبرى بكليات البنين بجامعة الإمارات، بمناسبة الاحتفال بالهجرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- ربيع النبوي (الأول) سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م) . وألقيت مرة أخرى، في كليات الطالبات- في نفس الموسم- بعد تغيير يناسب مخاطبة المرأة؛ ولذلك فالأمثلة كثيرة، منها ما تخص المرأة، ثم أدمجت الصيغتان- لتقدم هنا- بعد تنقيح وتحسين وزيادات وإضافة الهوامش والعناوين الفرعية.\n(٢) مقتبس من حديث أخرجه البخاري: كتاب: البيوع، باب: كراهية السخب في السوق، رقم (٢٠١٨) . وكتاب التفسير، باب إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥]، رقم (٤٥٥٨) وقد سبق ذكره آنفا، أعلاه، ص ٢١.","vol":"1","page":286},{"text":"وهذا يجعلها تسمو على مجرد حفل ينفضّ بعد حين، واجتماع ينتهي في ساعات. بل المرجو أن يمضي أثره- إن شاء الله- لليوم والغد، لهنا وهناك، ندخر به عند الله أجرا وذخرا يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨- ٨٩] .\nفلا تتحول الهجرة وأمثالها إلى مناسبات تذكر، أو احتفالات تقام، أو كلمات تلقى. فليس الإسلام شعارات ترفع، أو عبارات تسمع، ولا شيء بعد ذلك. وبه يكون حجة علينا أمام الله، ومسؤوليتنا في الجامعة أكبر ...\nمسؤولية الجامعة- ككل- باعتبارها أداة توجيه، ومسؤولية كلّ فرد فيها باعتبار موقفه وموقعه ومكنته. بل لا بد من استنبات بذوره- وبشكل مطرد- ورعاية شجره، ليأتينا بيانع ثمره. وعندها سنقول: يا ريح الإيمان هبّي، خيرا وبركة ونعمة، وفتوحا في كل ميدان، وتقدما كريما فريدا، وهجرة إلى الله وطاعة.\nوعلى هذا الأساس سيكون لهذا الاحتفال، والاحتفالات الإسلامية الآخرى، مدلول يجعل اهتمامنا بها جيدا، يفوق أية مناسبة أخرى. وعندها سوف لا يقف الأمر بحدودها، بل ستتّسع هذه السنّة لتتبنى كل قضية إسلامية والمعاني الإسلامية، في كل اتجاه. والجودة: أن تسير الجامعة- بأركانها- على هذا الطريق، يكون لها طابعا ودليلا وهاديا. وعندها لا تكون هذه المناسبات الرافد الوحيد لإمداد المسلم في حياته، والتامه في أجوائها متعطرا بالإسلام، وإلا فإن آثاره تنتهي عما قريب، ليبقى حالنا ماثلا بانتظار مثيله.\nلقد آن الأوان، لمن تعلق بصاحب الهجرة﵊- وبنيها وأتباعها، ليجعلهم أسوة وقدوة، بقيادة رسول الله ﷺ. وحقيقة التعلق بصاحب الهجرة، اتخاذه أسوة، فهو قائدنا، ولا قيادة قبلها ولا بعدها ولا غيرها، فإننا نحتفل بالرسول الكريم ﷺ وصحبه، شعورا منّا بالارتباط بهم، وذلك يحثنا على السير في الطريق الذي ساروه.","vol":"1","page":287},{"text":"والهجرة والاحتفال بها، موسم إسلامي، جرى التنازل عن كثير من معانيها، فنزلت حالنا عن آفاقها، لكن الخير كل الخير في الأخذ بمنهج الإسلام وحده، واتّباع نبيه الكريم ﷺ وأمته الربانية المؤمنة إلى يوم القيامة.\nومثل هذا الاحتفال محطة وواحة؛ للترميم والمداواة والتجديد والترشيد في كافة الأحوال، تركن إليها كلما تكشف غطاء الحنين، واقتربت تقتبس الضياء، وأحست شدّتها اللاهثة عطشا فلا ماء، إلّا من هذا المورد الصافي الزلال الأصيل، لكن متى تأتي هذه الأمة لترتوي فتصح، وتسمو، فتفلح؟\nوكان رسول الله ﷺ ينادي في المواسم قائلا: «أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» . فالفلاح في الدارين، بهذا الدين وحده؛ لتكون كل حياتها خضرة نضرة، تعمر الدنيا والآخرة، وتفوز برضوان الله والجنة.\nليست الهجرة الشريفة حدثا ظاهريا، ولا قضية منقطعة؛ لظاهرة مبتورة، فهي فداء وعطاء ... كانت إحدى ثمار مقدمات ومقومات، هي التي فعلت، فكانت الهجرة التي استجاب المسلمون لأمرها سراعا، بحب وفرح، ولو طلب منهم أيّ شيء لتنافسوا في تقديمه.\nوالاتجاه في الهجرة هو الاتجاه الإسلامي في تناول الأمور، القائم على الإيمان والحب والفداء، والأخذ بكل الأسباب- سنّة الله تعالى- معتمدين عليه سبحانه. وبه قامت دولة الإسلام الأولى وما تلاها وما بعدها، والفتوحات الإسلامية وحضارتها. ووصلنا الإسلام؛ الذي قصرنا فيه، ولعل الكثير من الأسباب والنتائج والآثار معروفة ومشهودة واضحة.\nوحين يكون احتفالنا بهذه الصفة الصافية، متجهين بالنية إلى الله، فهو عبادة، ولا نحتاج إلى زيادة في التحضير والإنفاق، غير اتجاه القلب إلى الله ليتم لنا ذلك إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) سبق ذكره. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٣) . حياة الصحابة (١/ ٩٨، ١٠٧) .","vol":"1","page":288},{"text":"وفي هذه المناسبة يتاح المجال لزيادة المعرفة أو الجديد فيها، ولا تخلو إن شاء الله- من تجديد بعض ما هرم وشاب في مثل هذه الأجواء. وهي أحد أعيادنا الكثيرة، نحتفل بها لما فيها من حكمة ومعنى، نرجو الفائدة منها متنوعة، نرمم ونداوي ونعالج ونجدد ونقيم ونبني بشحنات (شحن) الإيمان الصافي الزلال القوي الأبيّ الفعال، كيما يأتي- بعد المخاض- المولود الجديد، ويتجدد القديم؛ لجعل مولد التحرك والاتصال أصيلا يستمد من المصدر، من منهج الله تعالى، وشرعه المبارك الميمون. وهو أمر يدعو إلى قيام التربية والتوجيه عليه.\nوإنه لشرف كبير أن نقوم جميعا بكل ذلك، وإنه لموقف مشرّف كريم، ونحن اليوم نقف في أعقاب عام ذهب ودّعناه، وأبواب عام جديد استقبلناه، ونحن كذلك الآن على أعتاب قرن هجري جديد، نودّع القرن الرابع عشر الهجري لنستقبل تاليه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-124> مؤشرات ومبشرات:</span>\nهذا القرن الذاهب تميّز بأمرين مهمين، فيما يتعلق بالإسلام: نكبات ودعوات. نكبات أصيب بها المسلمون كما لم يصابوا في غيره، من ذهاب دولتهم، وإبعاد عن الحياة شريعتهم، وتوزعهم إلى شعوب مقطعة الأوصال، افترست نفوس أبنائها وأفكارهم، زاد مسموم، واستبدت بهم رياح هوجاء، تكاد تسقطهم في هاوية سحيقة.\nإن المسلم- كما تعلمنا من الصحابة الكرام- يرفض الموضوعات الأرضية، ولا يخدعه بريقها، والهالات التي حولها، والأضواء المحيطة بها، ولا ترديه المبادئ الوضعية، مهما تمكنت من بطشه، وتحكمت في عيشه، أو أحكمت من أمره ترهيبا، أو ألهته بشراسة أو أطعمته من الترهات، أو فتنته، وخدعته ترغيبا. وهو- من باب أولى- لا يجعل من هذه الأجواء له مثالا. وأية استجابة لذلك تنتج بعدا عن الإسلام.","vol":"1","page":289},{"text":"وإن التربية على العيش مع القرآن الكريم ومع سيرة رسول الله ﷺ ولو بدون حفظ النصوص- رغم أهميتها، وهي على العاشق سهلة ميسورة، يندفع لها- تجعل المسلم في حرز حصين، أمينا في السير على الدرب الأمين.\nولكم نزلت نكبات بالأمة المسلمة: أمة محمد ﷺ، وا أسفاه على أمة محمد، وكم وجدنا من يلوّح لها رافعا غير كتاب الله، فيا حوبتاه! فجاءتها وفاجأتها وفجعتها المصائب والهزائم والمناكر، فيا ضيعتاه!\nنكبات: كان الأمر سيكون أشد وأبعد وأنكد لولا أن الله تعالى لطف في ظاهرة هذا القرن الثانية، وهو وعده الكريم، أن يقيّض لهذا الدين- في أرجاء العالم الإسلامي الوسيع- دعاة افتدوه بكل ما يملكون، استمدوا كيانهم من الإسلام، وحياتهم من حياته، وصدروا عن منبعه، ووردوا مشربه، على طريق أولئك الصحب الكرام؛ الذين كانت كل حياتهم جهادا مضيئا على الدوام.\nوبذلك كانت الهجرة وكافة الأمجاد، كانوا في كل سعيهم ومعاركهم يتجهون إلى الله، ويعملون لرضاه، ويشتاقون إلى جنته والاستظلال بظله حبا فيه، مع ما هيأ الله في تلك الجنة- للمؤمنين بدعوته- من متع ونعم، هي لهم متاحة مباحة، جزاء وثوابا. كلهم سعوا إلى رضا الله، ونعمة النظر إلى وجهه الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] .\nفلقد اشتاقوا إلى الجنة، لا إلى أطيارها وأزهارها ولا إلى أنهارها وثمارها فحسب، بل قبل ذلك اشتاقوا أكثر وأكثر إلى رضا الله، في دار المقامة عنده، وصحبة النبي ﷺ وصحبه: ركضا إلى الله بغير زاد، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «١» [آل عمران: ١٤٨] .\nلم يأت دين الله إلا ليستمر هذا الموكب الفاضل المنير، برعاية الأنبياء\n_________\n(١) التفسير (١/ ٤٨٩) .","vol":"1","page":290},{"text":"والرسل الكرام، وورثه سيدهم وسيدنا رسول الله- عليه وعليهم الصلاة والسلام- حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-125> محنة ومنحة:</span>\nفكانت الأولى من الظاهرتين في هذا القرن محنة مرعبة، وكانت الثانية منحة مخصبة. الأمل- بفضل الله ووعده- أن تنمو هذه الشجرة لتؤتي ثمارها يانعة في هذا القرن الخامس عشر؛ الذي قد يتم أمر الله فيه؛ في أي مكان من أرض الله. وهي كلها موطن لدعوته، وعلى أيدي أي شعب من شعوبه، أو أمة من أممه. وهم جميعا مكلفون بها، ويسعون بها ولها إذ بلغتهم هذه الدعوة وليست هي على أحد حكرا، والأمل بعون الله أن نحتفل- من مدّ الله في عمره، أو جيل من أجياله بقيام دولة الإسلام- كما نحتفل نحن اليوم بالهجرة التي كانت بداية للتاريخ الإسلامي، بقيام مجتمعه ودولته، راجين الله تعالى مشاهدتها، والتمتع بقيامها.\nولهذا الاقتران مدلول وأي مدلول، يرى الناظر المتبصر ذلك، من خلال الركام. والله إني لأراها سافرة جاهرة باهرة، حتى لو تخلى عنها الناس أجمعين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤] وذلك مقتضى الإيمان، وهكذا كان الأوائل.\nوعرفوا ذلك من أول يوم أنبأ الله نبيه الكريم ﷺ، وقص عليه، وعلى المؤمنين أخبار الرسل والمؤمنين من قبله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٤- ٨] فكان ﷺ والمؤمنون في قمة العذاب والإعراض الذي يكفي بعضه- لولا النبوة الكريمة بتأييد الله ومدده وتنزيله- لتوريث النكوص، والإلقاء في اليأس القاتل مدفونا دفينا تحته.","vol":"1","page":291},{"text":"إنها النبوة، وفي كل خطوة من الدعوة- بله المعجزات- عليها دليل، فكانت الأمور عندهم واضحة، ومثالهم رسول الله ﷺ. فمعرفتهم بالطريق ووعوراته ومتطلباته مقننة، والتهيؤ للسير فيه والافتداء بكل شيء، حتى ليغدو كل عزيز في سبيل الله رخيصا، وبذلك قام البناء، وتنزّل الله ﷾ عليهم بالنصر المبين في كل حين.\nوهو أمر واضح يقينا وتعيينا، وعلى أساسه كانت الخطى، يشق الموكب طريقه وسط الظلمات الحالكات، لا في مكة وحدها أو الجزيرة، بل في العالم أجمع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-126> من الجاهلية إلى الإسلام:</span>\nفالجاهلية غائرة متمكنة بظلماتها وانحرافاتها وتعبّدها لغير الله تعالى، في العقيدة والعبادة والحياة. عبّدوا أنفسهم لحجر أو شجر أو بشر، وإن اختصت- بتفاوت الديار- في ألوان من هذه أو تلك. ويقول رسول الله ﷺ:\n«إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» «١» .\nوفي وسط هذا الضلال الشامل بدأ الزمان يدور باسم الله وبدعوته؛ ليستقر عما قريب على الهيئة والحالة التي أرادها الله لها، ولاستحقاق الخلافة بأرض الله بشرعه الكريم، كان ذلك حين جلجل صوت الوحي بقراءة أول آيات من كتاب الله تنزّل بها الروح الأمين من عند الله تعالى على قلب محمد ﷺ، فكتبت فيه ليبدأ الإشعاع الرباني من غار حراء، وليرتفع بها صوت النبي ﷺ عاليا مدويا في جنبات مكة وطرقاتها، وتردّده أحياؤها، ثم بعد ثلاث سنوات نادى على جبل الصفا بأعلى صوته، امتثالا لأمر الله:\n_________\n(١) من حديث شريف، أخرجه مسلم: كتاب: الجنة، باب: الصفة التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم (٢٨٦٥) . مسند الإمام أحمد (٤/ ١٦٢) .","vol":"1","page":292},{"text":"فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] فناداهم ﷺ: «أيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» .\nفأقام النبي ﷺ- والمسلمون في مكة- يرتاد تواجد الأقوام وتجمعاتهم ومجتمعاتهم، في منازلهم ومساكنهم وأسواقهم ومجالسهم ومواسمهم، وكافة مواقعهم، ثلاثة عشر عاما، يحفر في الأرض المصخرة، جرّب كلّ تلك المواقع، وكان يعرض نفسه على كل أحد، يسأل من يؤويه، وينصره\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب: التفسير (الشعراء)، باب: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، رقم (٤٤٩٢) . ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، رقم (٢٠٨) . مسند الإمام أحمد (١/ ٢٨١، ٣٠٧) جديدة: (٤/ ٣٢٩، رقم ٢٥٤٤، ٥/ ١٧- ١٨) رقم (٢٨٠١) . والترمذي: التفسير، سورة المسد، رقم (٣٣٦٣) . جامع الأصول (٢/ ٢٨٦)، رقم (٧٣٩) وبعدها. الأساس في السنة (١/ ٢٣٥- ٢٣٩) رقم (٨٧- ٩٠) . حياة الصحابة (١/ ٩١) . سيرة ابن كثير (١/ ٤٥٥- ٤٦٩) . وتكاد كل هذه تورد وتؤيد وتبين أن هذه الحادثة كانت بمناسبة نزول آية (آيات) الشعراء: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٤- ٢١٦] . إلا أنّ ابن إسحاق في سيرته الشهيرة (سيرة ابن هشام) - وهو يقدّم ملخصا جيدا لبدايات الدعوة الإسلامية في عهدها المكي- يبين وكأن آية سورة الحجر [رقم ٩٤- ٩٥] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ نزلت أولا، ثم آيات سورة الشعراء. فيقول ابن إسحاق: (ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدّث به. ثم إن الله ﷿ أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن ينادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه؛ وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره، واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين- فيما بلغني- من مبعثه؛ ثم قال الله تعالى له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. (سيرة ابن هشام، ١/ ٢٦٢- ٢٦٣) . وانظر: من معين السيرة (٤٣- ٤٥) . وعلى كل حال فلعلّ هذا الأمر وموقفه قد تكرر، كما يقول البعض. انظر: جامع الأصول (٢/ ٢٨٦- ٢٨٧) (الهامش) . من معين السيرة، نفسه.","vol":"1","page":293},{"text":"ليبلّغ رسالات ربه سبحانه «١» .\nاستمر ذلك كله، حتى كانت تباشير الهجرة تدق الطريق، حين بدأ دخول مجموعات من أهل المدينة في هذا الدين، خلال السنوات الأربع الأخيرة من مكوثه ﷺ في مكة، أو التي أسلم من أهلها خلال ذلك نفر قليل، رأوا كل شيء في جنب الله زهيدا. تربّوا جميعا- رجالا ونساء وولدانا، فقراء وأغنياء وعبدان- على ذلك صناعة، وأتقنوه بضاعة، بشكل متفرد في تاريخ الإنسان، تفرّد الإسلام الذي رباهم على شرع الله وعلى يدي رسول الله ﷺ؛ الذي كان أكثرهم تحملا وصبرا. وليس ذلك في العذاب والصدود فحسب، ولكن في الصبر عليه، والأمل بنصر الله من غير حدود.\nألم تروه، متوسّدا برده﵊- في ظل الكعبة، وقد جاءه خبّاب بن الأرتّ «٢» يشكوه- مع آخرين- شدّة العذاب، ليدعو الله للمسلمين بالنّصرة.\nيقول خبّاب: أتيت النبي ﷺ وهو متوسّد برده (بردة له) في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلنا له:\nيا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو الله لنا؟! فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم (لقد كان الرجل فيمن قبلكم) يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض (حفرة) فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على (مفرق) رأسه فيشقّ (فيجعل) نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون\n_________\n(١) زاد المعاد (٣/ ٤٥) . حياة الصحابة (١/ ٩٨- ١١٠) .\n(٢) خباب بن الأرت: كان قينا (حدادا) يعمل السيوف في الجاهلية، ولما جاء الإسلام كان من أوائل من أسلم، فهو قديم الإسلام وممن عذّب كثيرا جدا في الله، وصبر على دينه. وبعد الهجرة إلى المدينة المنورة جاهد جهادا كريما، فهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد (المعارك والغزوات) مع الرسول ﷺ. انظر: الاستيعاب (٢/ ٤٣٧)، رقم (٦٢٨) . أسد الغابة (٢/ ١١٤) رقم (١٤٠٧) . سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٢٣) .","vol":"1","page":294},{"text":"لحمه وعظمه، فما يصدّه (يصرفه) ذلك عن دينه. والله! ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «١» .\nوبعد أن يئست قريش من الإغراء والمداراة، وعرض عليه زعماؤها كل ألوان الإغراء: المال والرئاسة والملك «٢»، كانت قريش كل يوم تزداد كبرياء وتعنتا في تعذيب المسلمين، الذي لم يكن القتل أشدّها إيلاما، وكانوا لا يتزحزحون، بالحق- خلال كل ذلك- ينطقون، وتمسكا يزدادون إيمانا.\nفمن ضرب وجه حتى ضاعت معالمه، وأبو بكر ﵁ لا يسأل إلا عن رسول الله ﷺ فور ما أفاق «٣»؛ وأتلفت صخور ثقيلة صدور المؤمنين، وتنطلق من أفواههم: أحد أحد «٤»، مدوية قوية، مؤمنة بالله، تغدق عليهم ندى الإيمان، وترشق الكافرين بحمم النيران؛ وسلخت شمس الرمال الحامية ظهور الكثير، وكان الإيمان حجابا رطّب الظهور «٥»؛ ومزقت السياط مشدودا بالحبال «٦»، رجلا مقيدة، وعند الله الجزاء؛ وأطلعت عين مؤمنة بضربة مشرك جلّله صغار العصيان للواحد الديان، فأجاب عثمان بن مظعون متفاخرا معتزا بالله: (والله إن عيني الصحيحة، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله) «٧» .\n_________\n(١) أخرجه البخاري: أرقام (٣٤١٦، ٣٦٣٩، ٦٥٤٤) . أعلاه، ٢٢٨- ٢٢٩.\n(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٣١٣) .\n(٣) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٩- ٣١٠) . حياة الصحابة (١/ ٢٨٠) .\n(٤) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٢٩- ٣٤٠) . حياة الصحابة (١/ ٢٨٨- ٢٩٠) .\n(٥) أسد الغابة (٢/ ١١٥) . الإصابة (١/ ٤١٦)، رقم (٢٢١٠) . الوافي بالوفيات (١٣/ ٢٨٧) .\n(٦) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣١٧) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٤٨، ٤٠٩) . سيرة الذهبي، (٢١٧- ٢١٨) .\n(٧) سيرة ابن هشام (١/ ٣٧١) . أسد الغابة (٣/ ٥٩٩) . حياة الصحابة (١/ ٢٨٠، ٢٨٨، ٢٩٠، ٣٠٠) .","vol":"1","page":295},{"text":"كانوا مؤمنين بصدق وعد الله، وإن لم يدركوا نصره، لكن النصر كان في النفس قائما، وفي العين ماثلا، يعيشونه حقيقة واقعة، هو أن يعيش المسلم بهذا الدين، يجاهد في سبيله، مادام فيه نفس يتردد، وآل ياسر- قلبي على آل ياسر- «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «١» .\nفاستشهد غرقا بالماء شيخا كبيرا، ياسر أبو عمار. وسبقته إلى رحاب الله في جنة الخلد، زوجته سميّة بحربة فاجر أثيم وكافر لئيم، أبو جهل، طعنها في مقتل، في قبلها، في موطن العفة منها.\nوكل يوم تشتد المحنة ضيقا، لم يفلت منها أحد من المسلمين، كل قريش تقوم بذلك، متعاونة في كل اتجاه، لم يصدهم كل ما يعرفونه عن رسول الله ﷺ، وموقفهم منه، ودعوته لهم لينالوا خيري الدنيا والآخرة، فيجبهونه والمسلمين بتلك الأساليب التي هي أشد على النفس في كل الظروف، وبلغت إحدى كبر وأكبر عتواتها في المقاطعة «٢»؛ التي قاسى المسلمون فيها ثلاث سنوات من الحصر والجوع، ما نال منه أوفر القسط رسول الله ﷺ. فشدّ حجرين تحت الحزام إلى جانب ما يرى من شدة حال المسلمين. والنساء باكيات لا سيما على أطفالهن، إذ لم يجدن بعض الحليب يرضعنهم به.\nوهل يتدفق بالحليب ثدي أم لا تجد طعاما فهي خاوية!!؟ وهم متعلقون بالدعوة وداعيها أكثر من تحقيق الرغبة في ملء البطون، وقد اختاروا هذا الطريق اختيارا، فكان مدد الدعوة أعلى وأقوى من كل مدد، ماديا ونفسيا، من الله رب العالمين.\nما أعجب هذا الإيمان بالله تعالى ودعوته ونبيه، انظر كيف يجعل صاحبه\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١/ ٤٠٩- ٤١٠) (فهناك تخريجه) . حياة الصحابة (١/ ٢٩٢) .\n(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠، ٣٧٤) وبعدها. سيرة الذهبي (٢٢١) وبعدها. زاد المعاد (٣/ ٢٩- ٣١) .","vol":"1","page":296},{"text":"مليئا بالشوق لخدمته، ابتداء من دائرة النفس الإنسانية، بأن تجدها به سلوكا أسنى، ثم يأتي العمل على نشره. ويوم تخلو النفس من هذه المعاني والسلوك من صورها، فإن العمل أو الدعوة تصبح أمرا دنيويا لمصلحة أو منفعة، وهو أمر يرفضه الإسلام. فالإيمان بهذا الدين الكريم يشعر صاحبه بالتوق والشوق والتعطش له.\nومن فقه المسلمين الأوائل، والمرأة المسلمة بالذات، في الهجرة، كما هي في الحياة الإسلامية، جنّدت نفسها مهاجرة ومحضّرة ومدبّرة، افتدت ذلك بنفسها. وهي مهمة تتكامل مع جهود الرجل، أو تنفرد بإجادتها في الهجرة وغيرها لخدمة الإسلام في كل ميدان وآن، ولدينا من هذا قمم عالية وأعلام هادية. فخديجة وسميّة وأم سلمة وعائشة وأسماء ونساء المقاطعة وأم معبد وغيرهن ما أكثرهن.\nجزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد\nهما نزلا بالبر وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمد\nوكم شاركن في بناء الدولة بعد الهجرة، وانتصرن لله ورسوله، فكن مثالا وأيّ مثال!\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-127> العزيمة وقيام الحياة الإسلامية:</span>\nالأخذ بالعزيمة شأن ذلك الجيل القرآني، ومن سار على نهجهم ونهل كما نهلوا- من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. لقد أخذ أكثرهم بالعزيمة «١»، ولديه متسع في الأخذ بالرخصة ... وخدمة الإسلام تحتاج إلى العزائم والأخذ بها، لا تقدّم عليها دنيا المال والمناصب والشهرة وغيرها. ومن مقتضى الصدق في الإيمان بالله تعالى ودعوته والجدية فيه: ظهور ذلك بوضوح تام ظاهر، سلوكا قراءة وأخلاقا.\n_________\n(١) مرت أمثلة كثيرة على هذا الأمر الواضح. انظر أعلاه: ٢١٨.","vol":"1","page":297},{"text":"إن الكفر والشرك- والعياذ بالله- مرض يسد منافذ النفس، ويبيد رغباتها الفطرية، فهم- ككل إنسان- عطاش لدعوة الله بالفطرة، والماء قريب، خلقه الله للارتواء، وهم يرفضونه، ويجعلون حربهم لتياره الكاسح، بقوته الذاتية المستمدة من الله تعالى، ويذيقون أهله كل فنون المواجهة والتعذيب، ترطبت به نفوسهم، وبللت أرواحهم ينبوع (وينابيع) الإيمان من غير نضوب.\nوالمرأة المسلمة كانت قوية صلبة، رغم ما يعرف عن جنسها من رقة لا تتحمل، إلا أنها أعطت صورة الإيمان بدعوة الله تعالى، إذا استقرت في قلب إنسان. فكم تحملت وبذلت المرأة المسلمة من كل لون بنفسها أو بأولادها أو بالأعزة عليها، وهذا يسري في كل آن، وكانت خلال القرون تجاهد في أكثر من ميدان، وأكبرها تنشئة الأبناء في محاضن القرآن.\nأيتها المرأة المسلمة! يا شقّ النفس المؤمنة! اكتحلت بك العيون، والفرح بمواقفك، أغلقت على الدموع الجفون. فروعة كل أحد مستمدة من هذا الدين ليس الرجال فقط، بل المؤمنات الفضليات، وكذلك الأطفال، بنين وبنات، ارتضوا جميع الأحوال، ولو أن يهلكوا عيانا لأمر الله، كما استسلم إسماعيل﵇- فاستعلوا على كل محرم، وانشغلوا بذكر الله، وعملوا لرضاه. فكل شيء لشرع الله مبذول، في السلم والحرب والسلامة والسامة، وطلب الجنة، بعد الدنيا، وكيف ينام طالبها «١»، أو يركن لدنيا راغب فيها، فإن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة «٢»؟!\n_________\n(١) معنى حديث شريف.\n(٢) حديث رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة، باب: (١٨)، رقم (٢٤٥٠) وتمامه: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» . انظر: جامع الأصول (٤/ ٩) رقم (١٩٨١) . «أدلج»: سار أول الليل، من الإدلاج. والمراد هاهنا (التشمير في أول الأمر، فإن","vol":"1","page":298},{"text":"تبدل في حياتهم كل شيء، مذ بدعوة الله كانت ولادة الإنسان الجديد.\nغدا المسلم عبدا لله- بعد الأصنام- متوجها إليه عارفا طريقه. باعوا أنفسهم إيمانا، وارتبطوا بشرعه، تعبّدوا له، بعد العبودية لغيره، تابوا عن الفواحش، وعشقوا الفضائل الربانية.\nوبهذا التكوين الجديد الذي استهل الفداء طريقا، قائما على الإيمان بالله والحب فيه: حب دعوته وحب رسوله ﷺ وحب المؤمنين وحب مستقبل الإسلام، يفعل ما يريده غير سائل عن لونه أو كنهه ولا مبال بضخامته وعتوه، يدور مع القرآن حيث دار «١»، لا يريده في غير ذلك الاتجاه، ولا يتهاون في إدارته، يتنازل عن كل شيء له، ولا يتنازل منه بأي مقدار لشيء.\nبهذه الروح كانت تلك الأمور، وكانت الهجرة، وكانت الدولة، وكانت الفتوحات والحضارة والحياة الكريمة الفضلى والمثل العليا الكبرى والبطولات الفذة القصوى.\nألم يأتكم خبر عبد الله بن حذافة السّهمي «٢»، حين وقع في أسر الروم- في خلافة عمر بن الخطاب ﵁- واستقدمه القيصر هرقل ليعرض عليه- ترغيبا وترهيبا- ليترك دين الإسلام. فقال- أخذا بالعزيمة دون الرخصة، ودولة الإسلام قائمة- (والله لو ملكتني ملك العرب والعجم ما تركت دين الله (دين محمد) طرفة عين) . ولما قتلوا أمامه بعض أسرى المسلمين رميا بالزيت المغلي إرهابا، لعله يضعف، وجيء به يبكي استبشروا، وسألوه إن كان يبكي ضعفا ويوافق؟ فلم يتغير جوابه، أو يتزحزح من موقعه. إذا لماذا كان يبكي؟ قال: (أبكي لأني لا أملك غير\n_________\nمن سار من أول الليل كان جديرا ببلوغ المنزل في وقت مبكر) .\n(١) من حديث شريف.\n(٢) أسد الغابة (٣/ ٢١٢- ٢١٣) . سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤- ١٥) . ويذكر صاحب الاستيعاب (٣/ ٨٩١) أن أسره كان سنة (١٩) للهجرة النبوية الشريفة في خلافة عمر.","vol":"1","page":299},{"text":"نفس واحدة إذا استشهدت انقطع جهادي في سبيل الله، وكنت أتمنى أن لي بكل شعرة في بدني نفسا تموت الواحدة تلو الآخرى في سبيل الله) .\nفلا عجب، ألم يقل رسولنا وقائدنا وقدوتنا وزعيمنا ومعلمنا وهادينا، ولا زعيم لنا غيره ولا نبي بعده ﷺ: «ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» «١» .\nوحين اشترت قريش في مكة أسيرا مسلما خبيب بن عديّ «٢»، في السنة\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب: الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان، رقم (٣٦) . وورد عنده بأطول من هذا: كتاب: الجهاد، باب: تمني الشهادة، رقم (٢٦٤٤) . ونصّه: «والذي نفسي بيده! لولا أنّ رجالا من المؤمنين، لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده. لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» . أدناه، ص ٤٠٦.\n(٢) خبيب بن عدي الأنصاري: أوسي من بني النجار، شهد بدرا وأحدا. وهو أحد العشرة أو الستة- الذين بعثهم إليهم رسول الله ﷺ إلى قبائل عضل والقارة، في أواخر السنة الثالثة للهجرة أو أوائل الرابعة- وهو الأرجح- بعد أحد. وكان أميرهم عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح، جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه. هذا ما تقوله بعض المصادر، وهو يعني أن عمر بن الخطاب تزوج بنت عاصم بن ثابت. لكن الذي يبدو أن أم عاصم بن عمر بن الخطاب هي جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، أي: أن أم عاصم بن عمر بن الخطاب هي أخت عاصم بن ثابت، وليست ابنته. انظر: التاريخ الأندلسي (١٨٩)، حيث تجد التفاصيل. قدم المدينة المنورة رهط من هذه القبائل وسألوا رسول الله ﷺ: (يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلّموننا شرائع الإسلام) (سيرة ابن هشام، ٣/ ١٦٩. حياة الصحابة، ١/ ٥٢١) . فبعث ﷺ هؤلاء الصحابة الكرام، فخرجوا مع القوم. والصحابة هم: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن البكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، وخبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة بن معاوية، وعبد الله بن طارق. وهذا في حالة كونهم ستة نفر، كما يقول ابن إسحاق (السيرة ٣/ ١٦٩) . لكن آخرين يقولون إنهم عشرة نفر ستة من المهاجرين وأربعة من الأنصار (مغازي الذهبي، ٢٣٠) . فخرجوا مع القوم حتى إذا وصلوا ماء الرجيع (بين عسفان ومكة بناحية الحجاز) (وعسفان: مدينة تبعد\nنحو (١٣٠) كيلومتر (كيلا) شمال مكة باتجاه المدينة المنورة) غدروا بهم، واستصرخوا عليهم قومهم، فأحاط بهم نحو مئة أو يزيد، بأسلحتهم. فلم يستسلم الصحابة، وجرى قتال، ولم يكن معهم غير سلاح الراكب (السيوف في القرب جمع قراب)، ولم يكن معهم سلاح المحارب، فقتل سبعة من الصحابة، منهم أميرهم، ثم قتل آخر، وبقي اثنان: خبيب بن عدي، وزيد بن الدّثنة. فأخذوهما إلى مكة، وباعوهما لمن يطلب الثأر منهما في قتلى بدر، فسجنا، وكان خبيب في بيت امرأة، رأت منه عجبا فأسلمت. ثم جيء بهما، فقتلا صبرا (قتل محبوسا محكوما، وليس في حرب) في يوم واحد. ولما أرادوا قتل خبيب قال لهم: ذروني أركع ركعتين، فتركوه، ولم يطل فيهما، قائلا: (لولا أن تظنوا أنّ ما بي جزع لطوّلتها) . فكان أول من صلب في الإسلام، وأول من سنّ الركعتين لكل مسلم قتل صبرا. وحين رفعوه على الخشبة قال: (اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا) (سيرة ابن هشام، ٣/ ١٧٣) . ثم أنشد شعرا، وهو المذكور أعلاه، وهو في المصادر أطول.\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\nفلست بمبد للعدو تخشّعا ... ولا جزعا إني إلى الله مرجعي\nفو الله ما أرجو إذا متّ مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nثم سألوه (هو أو زيد): أتحبّ أن محمدا ﷺ عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنت في أهلك؟ فقال: (والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي) . فعجبوا من ذلك وقالوا: ما رأينا أحدا يحبّ صاحبه كما يحبّ هؤلاء محمدا. (سيرة ابن هشام، ٣/ ١٧٢. حياة الصحابة ١/ ٥٢١، ٥٢٣) . ثم قتلا، رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما وأرضاهما. (أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب: هل يستأسر الرجل، رقم ٢٨٨٠. كذلك رقم: ٣٨٥٨، ورقم ٦٩٦٧) . سيرة ابن هشام، (٣/ ١٦٩- ١٨٣) . زاد المعاد (٣/ ٢٤٤، ٢٤٦) . الإصابة (١/ ٤١٨) رقم (٢٢٢٢) . وعند الذهبي تلخيص جيد لحادثة يوم الرجيع (أو سرية الرجيع، أو ماء الرجيع) ذلك الذي وقع في صفر من السنة الرابعة للهجرة الشريفة حين الحديث عن خبيب يقول: شهد أحدا، وكان فيمن بعثه النبي ﷺ مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبا، وزيد بن الدّثنّة، فباعوهما بمكة، فقتلوهما بمن قتل النبي ﷺ من قومهم (في المعارك والحرب) وصلبوهما","vol":"1","page":300},{"text":"الثالثة- أو الرابعة- للهجرة، أعدمته رميا بالنبال جنبا. ولما قدّموه إلى القتل، صلّى ركعتين، فكان أول من صلاهما في هذا الموقف، ولما رفعوه على الخشب سألوه إن كان يرضى أن يطلق سراحه مقابل وضع الرسول ﷺ مكانه فقال: (والله ما أرضى أن أكون عند أهلي ومحمد ﷺ يشاك بشوكة في قدمه) «١» . فعجبت قريش من ذلك، وقال قائلهم: ما رأينا أحدا يحبّ صاحبه كما يحب هؤلاء محمدا.\nألم يتربّى خبيب في مدرسة النبوة، يتغذى بايات الله تملأ قلبه، وهو يسمعها بصوت النبي ﷺ، ويسمعه وهو يردد: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما» «٢» . ولما رفعوه على الخشبة كان يقول: (اللهم إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا) «٣» . ثم ردّد أبياتا من الشعر، بينما النبال تمزّق جسمه:\nفلست بمبد للعدو تخشّعا ... ولا جزعا إني الى الله مرجعي\nولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-128> فطنة المسلم وتضحيته:</span>\nفلا تركن لذلك أو تستمرئه، وإن قصرت لفترة، فهي تعرف طريق التوبة سراعا، بل إنها تجاهد في الله لا تنثني ولا تنحني ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ\n_________\nبالتنعيم) . سير أعلام النبلاء (١/ ٢٤٦) (وانظر الهامش عنده) . كذلك طبقات ابن سعد (٢/ ٥٥- ٥٦)، مغازي الواقدي (١/ ٣٥٤)، سيرة ابن كثير، (٣/ ١٢٣- ١٣٤) . وغيرهم كثير.\n(١) سيرة ابن هشام (٣/ ١٧٢) . حياة الصحابة (١/ ٥٢٣- ٥٢٤) .\n(٢) رواه الإمام أحمد (٣/ ٢٠٧، ٢٧٨) .\n(٣) سيرة ابن هشام (٣/ ١٧٣) . سير أعلام النبلاء (١/ ٢٤٨) . سيرة ابن كثير (٣/ ١٣٠) .","vol":"1","page":302},{"text":"قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤] . وإنّ للمسلم من إيمانه مولّدا حيا، ومنبعا للوعي، ومجددا للتوبة، في التوجه إلى الله رب العالمين، وتغيير المنكر وإنكاره، ولو بالقلب، الذي هو أضعف الإيمان. فأين نضع ما هو أدنى من ذلك؟ وهل وراءه من إيمان حبة خردل؟ والرسول ﷺ يقول:\n«والذي نفسي بيده! لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ الله عليكم ذلّا لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم» «١» . ويقول ﷺ في حديث آخر: «وليقذفنّ الله في قلوبكم المهابة من صدور أعدائكم، ويقذف في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» «٢» .\nفهذه النوعية من الناس حاملة الإيمان، ورافعة راية القرآن، مستعدة للتضحية من أجل الإسلام، بالمال والفلذ والنفس والأهل والولد، في كل الأحوال، وعلى طول الزمان، تتوارثه الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-129> النور وراء الظلمة:</span>\nوحين ظهر عقم مكة عن احتضان هذه الدعوة- بعد تلك السنين- هيأ الله لدعوته مستقرا جديدا، فكانت البيعات الثلاث- لأهل المدينة- المعروفة التي بايع فيها مجموعة من أهل المدينة في السنة الثالثة عشرة من النبوة، على طاعة الله ورسوله والموت في سبيله.\nفكانت بيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول الحق، وعدم الخوف في الله\n_________\n(١) أخرجه العديد بتنوع. انظر: الترمذي (رقم ٢١٦٩/ ٤) . سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٩٨) .\n(٢) جزء من حديث شريف تجده كاملا في: أبو داود، كتاب: الملاحم، باب: تداعي الأمم، رقم (٤٢٩٧)، باب: الأمر والنهي، أرقام (٤٣٣٦، ٤٣٣٨- ٤٣٤١، ٤٣٤٤، ٤٣٣٥- ٤٣٣٧) .","vol":"1","page":303},{"text":"لومة لائم، وعلى نصرة الرسول ﷺ إذا قدم عليهم المدينة فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وعلى نهكة الأموال، وقتل الأشراف. قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال ﷺ: «الجنة»، قالوا:\nربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل «١» .\nوبهذا البناء كانت الهجرة، الحدث التاريخي الفريد، والرحلة الأرضية الكبرى، بعد الإسراء والمعراج الرحلة الكونية والعلوية العظمى.\nوظهرت في الهجرة البطولات الفريدة من كل لون في مستوى غامر، أظهرت عمق إيمانهم، وشدة حبهم، وشمول فدائهم. ولم يكن أحدهم يخشى على نفسه أو غيره إلا مستقبل الإسلام، وحماية رسول الله ﷺ، ومن هنا لم يبال أحدهم بشيء.\nواستغرقت مراحل الهجرة حوالي ثلاثة شهور، هاجر في نهايتها رسول الله ﷺ يصحبه أبو بكر الصديق ﵁ الذي بكى من الفرح، وعن ذلك تقول عائشة﵂-: (فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ) «٢» .\nانطلق ﷺ مستخفيا ومستبقيا عليّا ﵁ في فراشه؛ لتطمئن قريش وفتيانها الأربعون المحيطون بالدار ليقتلوه، ببقاء الرسول ﷺ فيه، في الدار- ولكي يعيد الأمانات إلى أهلها «٣»، وهو الأولى والأهم، وهذا أمر عجيب. ولعل هذا هو السبب الوحيد تماما لإبقائه، وما عداه كان من بركات هذه الدعوة الكريمة، ورعاية الله تعالى لها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-130> عجائب الإسلام وفرائده:</span>\nوهذا أمر غريب وعجيب: في سلّم التعجب والإعجاب وفرائد\n_________\n(١) التفسير (١/ ٣٠، ٣/ ١٥٧١- ١٥٧٢، ٦/ ٣٥٦٠) . مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٠) .\n(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٣٦- ٣٣٧) .\n(٣) سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٣٨) .","vol":"1","page":304},{"text":"الأخلاق، ألّا تجد قريش أكثر أمانة وصدقا وثقة من رسول الله ﷺ تضع عنده أماناتهم، وهم يقاتلونه ويحاربون دينه والمؤمنين به، ويحضّرون لقتله، ويعدّون لإبادة دينه، ولا يخشون على أماناتهم وهي عنده؟! إنه حقا لأمر فريد، جدّ فريد وجديد.\nإنه لأمر عجيب من الناحيتين: من ناحية الكفار، أنهم يفعلون ذلك، ولا يجد هذا الصدق والتفرد في الفضائل التي كانت بدعوة الله، فلا يفتحون لها القلوب، ومن أن رسول الله ﷺ وهو يراهم كذلك، ويؤدي لهم أماناتهم، وهذه أكبرهما وأعجبهما، ومن أجله استأمنوه، وإلى هذا الحد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-131> هذه أخلاق القرآن:</span>\nفتلك أخلاق القرآن، وهو أمر لا يمكن أن نجده في غيره، وشتان بين هذه وتلك: الإيمان والكفر. وهذا فيه دليل على أمر آخر مهم، هو أن قريشا كلها- أو أكثر منها، ومنهم أولئك الذين كانوا يحاربونه- كانوا متأكدين من صدقه في الحياة، ومن صدق نبوته، ومع ذلك فلا يؤمنون به، فهم الذين أطلقوا عليه قبل النبوة (الصادق الأمين)، وهو حجّة عليهم.\nوحين سأل أحدهم أبا جهل: أمحمد صادق أم كاذب؟ قال له: ويحك إن محمدا لا يكذب قط «١» . ثم هم لا يؤمنون قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-132> تعدد دروب النفس:</span>\nويأتي من ذلك شيء: هو أن القناعة العقلية وحدها لا تكفي دائما لقبول الحق والخير، وإذا كفت فكفايتها باردة أو هامدة؛ لأن الإنسان متعدد\n_________\n(١) تفسير الطبري (٧/ ١٨٢) (الجديدة، ١١/ ٣٣٣) . (٢/ ١٠٧٥) . خلال تفسير الآية الكريمة: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .","vol":"1","page":305},{"text":"المكونات العاملة الحيوية المتحركة، كان العقل واحدا منها، فالله خالق الإنسان، وعالم به أنزل شرعه للعناية بكل المكونات، ليكون الإنسان الرباني الذي أراده الله تعالى بهذه المقومات والشريعة، وبذلك يتجه إلى الله بقوة وحرارة لا يلوي على شيء. وعلى التربية والمهتمين بها أن يلحظوا هذا الأمر الأساسي الخطير في عملية التوجيه والتعليم، وأن يقوم هذا على دين الله ﷾.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-133> الهجرة والأخذ بالأسباب:</span>\nأعدّ الرسول ﷺ عدّته للهجرة بعد أن أمره الله بها، ووضع خطتها، وكانت في غاية الإحكام والدقة ونهاية الحيطة، بتوجيه الله له، ووحيه الأمين، في أمور شرحها وبيانها وذكر معجزاتها يطول، منها: أنه بدل أن يتجه الركب المبارك إلى الشّمال اتجه إلى الجنوب- محفوفا بعناية الله- ملاحقا من قوى الكفر، تبتغي قتله، معلنة عن جائزة ضخمة؛ لمن يأتي به حيا أو ميتا. وأعدت أربعين شابا لقتله، في خطّة عنيفة مخيفة وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» [الأنفال: ٣٠] . فخرج ﷺ من بينهم- بقدرة الله- في الليل، واتّجه إلى دار أبي بكر الصديق ﵁، حيث خرجا ليلا من هناك، من خوخة في ظهر دار أبي بكر، مبتدئين هذه الرحلة المباركة الكريمة من هناك «٢» .\nأن تنشغل قريش كلّها وأهل مكة، وتبذل لذلك، وتحضّر، وتخطط، فذلك دليل- وهو حال متكرر- أن أهل الباطل- أفرادا وهيئات ودولا ومعسكرات وجهات ومؤسسات وأحزابا- إذا حاربوا الحق، وهم يحاربونه\n_________\n(١) التفسير (٣/ ١٥٠١) .\n(٢) البخاري رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤/ ٣) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . وانظر: سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد (٣/ ٣٣٨) .","vol":"1","page":306},{"text":"دوما- يلجؤون إلى كل الوسائل، دون النظر إلى صلتها بمثل أو قانون أو عرف، حتى تلك التي وضعوها، أو ادّعوا التعامل معها. وهكذا دينهم وديدنهم، في كل الأمور، لا ترتبط بشيء غير مصلحتهم. وكلما يدّعون، أو يضعون من قوانين إنما هي لحماية هذه المصلحة، ويوم تعوّقها يدوسونها، ومع كل ذلك إذا فشلوا في شيء لمصلحتهم اتبعوا سبيل القتل والإبادة، لا يصدّهم عن ذلك وأكثر منه شيء.\nوهكذا فعلت قريش، ودبّرت له، رغم أنهم يتعاملون مع رسول الله ﷺ المعروف لديهم، وهو يدعوهم إلى الله، ودعوته الحقة الخيرة، يفعلون ذلك ظنا أنهم يقضون على هذه الدعوة المباركة، وهيهات!\nتقع المدينة المنورة بما يزيد على (٤٥٠) كم شمال مكة المكرمة، لكن الركب الميمون- ركب الإنسانية، الذي يضمّ أو يحمل مستقبلها، كما أراد الله الكريم الرحيم لها- اتجه نحو الجنوب، حيث وصل غار ثور- بعد خمس كيلومترات من المسير- في الليل من يوم الخميس. فدخلا ذلك الغار في أعلى الجبل، والطريق إليه وعر شديد. وبعد ثلاثة أيام- قضوها في انتظار أن يخف الطلب، وفي إعداد للزاد والأخبار رائع جميل- بدأ الركب الميمون السير الحثيث- بدليل مكيث- ليلة الإثنين «١» متّجها نحو المدينة المنورة، في رحلة مباركة تحمل هداية الإنسانية، التي أرادها الله ﷾.\nحاز آل أبي بكر عظيم الشرف في الهجرة، إلى ما حازوه من قبل ومن بعد، فعائشة وأسماء ذات النّطاقين تكفّلتا بالطعام، وعبد الله الشاب الثّقف اللّقن (الحاذق اللّماع الفطن) «٢» ينقل أخبار قريش، ويبيت عند الغار ليصبح في مكة وكأنه نائم فيها، وراع يتولّى السير خلفه كيلا يعرف له\n_________\n(١) انظر: المسند (١/ ٢٧٧) (جديدة رقم ٢٥٠٦/ ٤) . سبل الهدى (٣/ ٣٦٠، ٣٧٧) .\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٦) .","vol":"1","page":307},{"text":"أثر «١»، ومطاردة وصلت أبواب الغار، فكان أبو بكر يرى أقدامهم، ولا يرونه؛ فقال: لو أن أحدا نظر إلى موضع قدمه لأبصارنا. فقال له ﷺ: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا» «٢» .\nفحماهما الله من كيدهم، وعاد المطاردون بعدما صدّتهم- بإرادة الله- أصناف من الحيوان الضعيف، قام مقام الجيش الكثيف، فارتدوا خائبين إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التّوبة: ٤٠] .\nوبعد أيام ثلاثة جاء عامر بن فهيرة، يخدمهم، ويعاونهم في الطريق «٣» . وأقدم الدليل في المساء بجملين (وثالث له) . فسار بهما ممعنا في الجنوب أيضا، ثم اتجه غربا نحو ساحل البحر الأحمر، مصعّدا شمالا إلى المدينة المنورة، في طريق غير معروفة. واستمر الركب يغذّ السير طوال الليل وشطر النهار، كي يبتعد عن مكامن الطلب والمطاردة، القادمة من مكة وما حولها. خطا ذلك بخطوات سريعة في جنح الظلام. وبعد بذل غاية الطاقة، وفي الساعات الحرجة، أو التي تنعدم فيها فعالية الجهد الإنساني، وقد بذل الجهد الماثل في تحقيق شيء، تتولّى العناية الإلهية الإحاطة بها كما هي منذ البداية، تغشاه وترعاه، فكيف وهنا دعوة ونبوة ورسالة؟!\nولقد كان رسول الله ﷺ يحوز كامل الاطمئنان، وهو في قمة الخطر،\n_________\n(١) أخرجه البخاري، نفسه. سيرة ابن هشام، نفسه.\n(٢) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، رقم (٣٤٥٢- ٣٤٥٣) . زاد المعاد (٣/ ٥٣) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٠) .\n(٣) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤) . إمتاع الأسماع (١/ ٤٢) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٧- ٤٨٨) . زاد المعاد (٣/ ٥٥) . سيرة الذهبي (٣٢٦) .","vol":"1","page":308},{"text":"وغمرته المحدقة المبيدة. أليست تلك واحدة من علامات النبوة؟! بل وسراقة الذي جاء يطاردهم، طمعا في جائزة قريش، فلما ساخت فرسه لأكثر من مرة سقط من عليها في الثالثة، على أن رسول الله ﷺ محفوظ، وتحوّل من مطارد لهما طامع بالجائزة إلى راغب بوعد، يعمّي الأنظار، ويكتم الأخبار، والوعد أمان وإيمان، بشّره ﷺ بأن الله سيفتح على المسلمين، ويلبس سراقة تاج كسرى وأسورته «١» . أليس هذا خيال!؟ لا بل واقع. ويتمّ الله فتح أكبر دولتين في العالم فارس والروم، ويلبس سراقة في خلافة عمر أسورة كسرى وتاجه، ذلك على ملأ من الصحابة. وقال عمر:\n(الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه، وألبسهما سراقة بن جعشم الأعرابي) «٢» .\nمعجزتان في معجزة: الأولى: إخبار عن الغيب، بوحي الله، والثانية: إتمام هذا الأمر، وهو ما أخبر الله به نبيّه، وعرفه سراقة في يوم تمامه. فيا للفرحة والقوة! إنها النبوة الكريمة.\nولم يكن رسول الله ﷺ طول الطريق خائفا، فلقد كان يقرأ القرآن، ويكثر من الدعاء، ذلك غاية الاطمئنان، وأعلى درجات الإيمان «٣» .\nواستمر الركب الكريم أكثر من أسبوع حتى وصل المدينة المنورة في قباء، يوم الإثنين من شهر ربيع النبوي (الأول) . وأقام فيها أربعة أيام، أسّس أول مسجد في الإسلام «٤» . ثم انتقل إلى داخل المدينة المنورة؛ التي\n_________\n(١) حياة الصحابة (٢٦١- ٢٦٢) . تاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون) (٢٩٥) .\n(٢) حياة الصحابة، نفسه، تاريخ الإسلام، نفسه. السيرة النبوية، أبو شهبة (١/ ٤٩٣- ٤٩٥) .\n(٣) انظر: البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم (٣٦٩٤/ ٣) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٩- ٤٩٠) . حياة الصحابة (١/ ٣٤١- ٣٤٢) .\n(٤) سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٣- ٤٩٤) . قارن: الفصول في سيرة الرسول ﷺ، ابن كثير (١١٧- ١١٨) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٢) .","vol":"1","page":309},{"text":"انتشر فيها الإسلام، حتى لم يخل دار من قائل لا إله إلا الله محمد رسول الله «١»، مستعدّين للفداء، حتى ولو كانوا مقاطع في ذلك البناء، أولئك الذين أحبّوه على البعد قبل الرؤية، مثلما أحببناه في غير رؤية في هذه الحياة إلا رؤية الصورة الواضحة في السلوك والسيرة، وفي القدوة والعشيرة، رؤية العاشق الولهان، فهو حيّ في النفوس والقلوب، راجين أن يجمعنا الله به يوم الدينونة عند الله الواحد الديان «٢» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-134> لقاء الهجرة والنّصرة:</span>\nكان أولئك في المدينة- قادمين ومقيمين أو مهاجرين وأنصار- أمضّهم الشوق، وحرّقهم العشق، يرنون إلى الأفق كل يوم؛ لتكتحل العيون برؤية الحبيب، فما أن رأته من بعيد حتى هتفت بنشيد الحبّ الوفي الأصيل ...\nكان يوما للمسلمين مشهودا، أفضل يوم فرح رأته، إنه يوم رؤية الحبيب «٣»، مقترنا- لأول مرة- ومعلنا إقامة بناء المجتمع المسلم، يحكمه شرع الله في كل أمره، ويتوجّه إلى الله في كافة شؤونه ... وأقام دولة الإسلام التي نبذت حكم الجاهلية، وحكمت بالشريعة الربانية أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .\nإنها بداية جديدة لجهاد مضن طويل، تحمّلوا فيه التضحيات لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، وبنفس نوع البناء وبكل ألوان الفداء، وهكذا المسلم يعيش في فداء وبناء، يقوم كله على بناء النفس المسلمة بدعوة الله، متجها إلى رب السماء، يحكم نفسه بشرعه، لا يرضى بذلك بديلا، ولا عنه تحويلا، حتى يظهر أمر الله، أو يهلك دونه، وهذا هو العهد الدائم\n_________\n(١) سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٧، ٥٠٠) .\n(٢) انظر: البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة، رقم (٣٧٠٩- ٣٧١٠) .\n(٣) انظر: السيرة النبوية، الندوي (١٦٨- ١٧٠) .","vol":"1","page":310},{"text":"للمسلم، في بشارة رسول الله ﷺ. وهو أمر ترخص له النفوس، وتقدّم الغروس، كل الغروس.\nوفي هذا بيان واعتبار على أن المسلم يأخذ بالأسباب، كأكثر ما يأخذها إنسان بأقصى الجهد، ثم ينتظر نصر الله. فلا إعداده يدعوه إلى أن يركن إلى نفسه، ولا توكّله على الله يهمله الأسباب، فكلاهما من أمر الله وسنّة الله (قدر الله وسنّته) . وهو في كلتا الحالتين مؤمن بالله تعالى، متوكل عليه، وهما جميعا لا يعملان بمعزل عن إرادة الله ورعايته، بل بهما لا بغيرهما تقوم المسيرات وتحدى القوافل.\nفكانت الهجرة، وكانت النصرة، وكل ما يتصل به، ويمتّ إليه، فاحتضن الأنصار المهاجرين، وبذلوا لهم- باصرة الدين- بعزة وفرح، فلم تبق مشكلة، وحلّت كلّ معضلة. كان بعضها يمكن أن يعوّق استمرار الطريق، لكن- بفضل الله- قام ذلك المجتمع الفريد، وأول دولة حكمت بشرع الله، بقيادة الرسول ﷺ. فكان قيامها يوما من أكبر أيام الله، اعتبر بداية التاريخ الإسلامي.\nإنه لجميل، أن نلتقي على هذه المعاني في حفل جليل، تكثر المعاني الكريمة وتتحدد، وتتزاحم الفكر، وتنهمر العبر، فنحن أمام حدث عظيم، كان له ما بعده، نستمدّ منه التعبير عن عظمة الإسلام. وليس من فوائده إكثار المعرفة والاستفادة من المعلومات فحسب، بل- وكذلك- هذا اللقاء للتناجي المتفتح المتوجّه إلى الله. وسواء تقدّم في هذا الحفل أفكار جديدة أو معلومات فريدة، فذلك مهمّ، ولا يقل عنه أهمية- إن لم يزد، بل هو- أن تنتعش الروح، وتنتشي النفس، وتطرق المغاليق من الأبواب، فتفتحها، أو تفتح نافذة فيها، تدخل منها نسمات الحياة، فيهبّ قويا لهذا الدين، عاملا لخدمته إن شاء الله ﷾.\nوفي مثل هذه المناسبة المباركة، تحدث مثل هذه الآثار، والأبواب مفتوحة، ورحاب الله واسعة، وأجواء رحمته طيبة قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ","vol":"1","page":311},{"text":"أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] .\nوالمسلمون اليوم يتلفتون- في موسم الهجرة وأمثاله- بحثا عن معانيها، وما هي ببعيدة، ليجدوها في دفتي الكتاب. وكم هزلت قلوب، حين أوصدت الأبواب. فحين تفتح الأبواب وتقبل مرتوية، ترتقي في سلم الفضيلة. بل إن البشرية لتتلفت بحثا عن قيادة رشيدة، قيادة إسلامية، يعرف إنسانها ربّه. وقيادة منهج كريم يملك أن يحقق للإنسان إنسانيته ويهبه حضارته ويقيم خلافته، وهو الأمر الذي تتحقق ويتحقق بالإسلام وحده.\nوكأن الله تعالى، قد وهب للإنسان وعلّمه، لينتج هذه الحضارة الحديثة، التي ضلت الطريق، أن يعوا درسا كبيرا: أنه ليس من شيء يغني عن شرع الله، والحاضر خير دليل، فحياة الإنسان اليوم تراب، ينتظر المطر قبل الاحتراق، وهو على شفا الارتطام، في هوّة تخنقه، يبحث عن كوة نور. وما كان لأمة أن تلد ذلك، وهي لا تنتظر ولا تأمل، بل تسير في عين الاتجاه، تفخر بباطلها، وتدّعي على الحق برهانا، معتدية على سلطان الله الكريم ﷾.\nوهذا دليل آخر على أن الرقيّ البعيد عن الله، يورث مزيدا من الانحراف، مما يجعل التوجه إلى الله بشرعه ضرورة وحتمية، أوثق من كل الحتميات المدّعاة جزافا.\nولذلك كانت حضارة اليوم صخرية الطبيعة، عقيمة الرحم، وإن لجأت إلى الأنابيب، لكنها سوف لا تلد المولود الكريم، ما دامت شاردة عن الله تعالى.\nفالهجرة حدث فريد في التاريخ الإسلامي، وتاريخ النبوات كذلك، فليس له مثيل، مثلما أراد الله لهذا الدين أن يكون متميزا في كل شيء، دين يلقى هذه الصعوبة في مكة، كان الأمل- في العوامل الظاهرة- أن يستجيب أهلها، أكثر بمراحل، مما فعلوا. ولكنها كانت كالصخر أو أشد، إذ أن","vol":"1","page":312},{"text":"معدل من أسلم (وكلهم نحو ٣٠٠ مسلم خلال العهد المكي كله، ثلاثة عشر عاما) كان بمعدل حوالي اثنين في كل شهر، وهذا لم يشكّل يأسا لأحد من المسلمين، بل وكأنه كان للصبر مددا. ولكن مدده طاعة الله ورضاه، من غير استكثار لكل تضحية، وما نال المسلمين في سبيل ذلك. وكان الأمل دوما في الله غير منقطع، كما كان ورأيناه في أحداث الهجرة كذلك.\nوالدعوة الإسلامية على الدوام لا تقف، فإن لم تتقدم اليوم فغدا، أو لم يستجب لها هؤلاء القوم، فغيرهم. فإذا عقمت أرض فعداها، ولا تدري من أين يأتي الفرج، لكنه دوما من المؤمنين قريب، ما دام متوجها إلى الله، كالماء يحمل الحياة، وقد ترفضها أرض فلا يتغير، ولا بد أن يشق طريقه مهما كانت العراقيل.\nلقد كان الأمل في المدينة أن أول من يؤمن فيها من ساكنيها هم اليهود، وهم أهل كتاب. لكنهم رفضوا حسدا، وهم يعلمون صدق هذا الدين وكتابه ونبيّه ﷺ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ٢٠] .\nوتصوّر الهجرة ألوانا كثيرة من أحوال الدعوة والدعاة، بقيادة النبي الكريم ﷺ كيلا ييأس الدعاة، إذا ما نظروا إليه وهو نبيّ، فكيف بغيره؟ وإذا ما أغلقت قلوبهم فتحت أخرى، أو تصخّرت أرض تمهدت غيرها. كما أنه ليس من الضروري توفر عوامل معينة تقرّب من الدين أو تبدو كذلك وتوفر العلم به وغير ذلك، مدعاة لهؤلاء أن يؤمنوا فلا يفعلون، كيلا يكون الدين حكرا على أحد، فقد يؤمن البعيد دون القريب أو الضعيف دون القوي، فمن التحق بهذا الدين نال الشرف، وليس الشرف بالادّعاء، إنما بالانتساب الحق لهذا الدين سلوكا وعملا والتزاما.\nإنّ مقتضى الاحتفال بالهجرة وشقائقها أن تتوجّه القلوب إلى معانيها تستلهم روحها، وتصدر عن تعاليمها، من غير مفارقة لسمتها، ونرجو وندعو الله تعالى أن تتجلى هذه المعاني التعبدية والفكرية والنفسية، تصوّرا","vol":"1","page":313},{"text":"وسلوكا- بهذه الصيغة- في احتفالاتنا كافة، مبنية على نية مؤمنة، وطوية ربانية خيّرة، ليكون لنا فيها أجر، ونية المرء قاعدة ركنيّة ركينة مهمة في عمله، وهي أمر لازم في كلّ عمل، لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، وحسب شرعه؛ ليكون العمل مقبولا ومأجورا عند الله تعالى.\nوحديث النية الشريف صدّر به عدد من أهل الصّحاح والمؤلفات الحديثية كتبهم، وهو حديث كان بمناسبة الهجرة، لكنه عام شامل لكل حال، وهو من الأحاديث الجامعة: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها (يتزوجها) فهجرته إلى ما هاجر إليه» «١» .\nفإذا ما تجلّت هذه الروح، وتفتحت النفس لهذه المعاني وكانت لها من المرامي، فلعلها محاطة برعاية الله ﷾، وتحفها ملائكته، وتنزل علينا في مثل هذا اليوم الفاضل رحمته، فيفتح الله علينا ابتداء، في الهداية، بدا وزيادة فيها والتزاما أكيدا لها، وفي هذا الاتجاه الرشيد؛ لنسير في طريق الله؛ الذي لا يضل سالكه قبل اليوم ولا بعده، ولا يحيد، وهل من رأى النور، وأضاء الله دربه، وعمّر قلبه أن يترك؟ كلا؛ بل يمضي فيه عزيزا غير هيّاب، ولو صبّ عليه كلّ عذاب.\nاللهم! هبنا الصّلابة في الحق، والثبات فيه، والصبر عليه، اللهم! هبنا صبرا، وتوفّنا مسلمين، اللهم! إنا نسألك البر والتقى والعفاف والغنى والفطنة والحجا، واجعلنا لكلمتك العليا مخلصين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري: كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (١) . ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات ...»، رقم (١٩٠٧) . وأورده النووي في الأربعين النووية، الحديث الأول.","vol":"1","page":314},{"text":"إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ\n[التوبة: ٤٠] .\nوصلّى الله على صاحب الهجرة الشريفة والنصرة الكريمة وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":315},{"text":"المبحث السابع الهجرة (النبوية) قائمة ودائمة\n* مناسبات وأحفال\n* بين العلم والعمل\n* الجيل المسلم والسيرة\n* الهجرة والدولة\n* الهجرات الثلاث\n* إقامة الحياة الإسلامية\n* الخلوص الكامل لله\n* الإسلام هجرة وبيعة\n* الإسلام وطن وقومية\n* الهجرة هجرة ونصرة\n* الحق قادم بأهله","vol":"1","page":317},{"text":"الهجرة قائمة ودائمة أحمد الله إليكم، وأصلّي، وأسلم على رسوله الأمين وآله وصحبه والتابعين كلهم أجمعين إلى يوم الدين «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-136> مناسبات وأحفال:</span>\nإنه لنشوة ومسرة، أن يلتئم هذا الجمع ليستمع، أو يكتب أحد ليقرأ الآخرون، وينتظم مجلس يتداول بكل مناسبة إسلامية، وقضية ذات علاقة بهذا الدين. وجميل كذلك أن يحتفل المسلمون بمناسبة عالية المكانة، كريمة الموضع، لا بدّ أن تكون فيها- وفي أمثالها- من الرعاية الحقة، ما تفوق أية مناسبة احتفال أو استقبال.\nيرى المتكلم- في هذه الاحتفالات- وجوها مشرقة بالخير، آملة بالنصر، طافحة بالبشر. والسّنّة يتعطّر حديثها بنفح كريم، يخاطبها، ويكتب لها، ويحادثها، ويتعاهد على خدمة هذا الدين. فهو لقاء شوق وحديث حب ودود، مهما تباين الأسلوب.\nوحتى ولو لم تجدوا في حضوركم واستماعكم والقراءة، زيادة علم أو معرفة، فلا يجعلكم ذلك تندمون عليه، فلا تثريب كبير. وللإنسان منافذ وأوعية كثيرة، منها وعاء العلم. لكن هناك أوعية أخرى تمتلئ وتشحن\n_________\n(١) ألقيت بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة يوم الجمعة (٢٦/ ١٢/ ١٣٩٩ هـ ١٦/ ١١/ ١٩٧٩ م)، في الإمارات، أربع مرات- تكررت- بعد المرة الأولى، في جامعة الإمارات في أكثر من جهة ومكان، بنفس العنوان وبصيغ متنوعة، وجمعت وأدمجت في هذا المبحث الحالي، بعد التنقيح والتحسين والزيادات، أما الحواشي والعناوين الفرعية فكلها زيادات جديدة مضافة، يتقدم هذا الكلام قبل أكثر من ثماني عشرة سنة، وفضلت إبقاءه على حاله، لمناسبته وجوّه ووضعه.","vol":"1","page":318},{"text":"بثماره وبعوامل متدفقة من الإيمان والمحبة والعاطفة، وهي بحاجة إلى امتلاء لزاما ودواما، في كل حال.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-137> بين العلم والعمل:</span>\nومثل هذا اللقاء يجدّد تحريك المعرفة؛ لتكون عاملة بما توفر من علم، يكفي ليكون صاحبها عاملا، والمسلم يزداد علما، ويكون بالعمل له الأجر، ويتحقق القصد.\nفسعي المسلم إلى الصلاة بالمسجد يكسبه الأجر؛ للمعاني المتنوعة في ذلك، غير مقتصرة على علم. وكثرة منا اليوم بحاجة إلى العمل أكثر منه إلى العلم، وما لديه من علم يكفيه لعمل أكثر، فالعلم حجة علينا، وهو دليلنا، يقودنا إلى الأخذ بالإسلام، وليس من فائدة إن لم يكن هذا من ثماره.\nفلا بد من علم يقود إلى الله في كل أمر، ويوجّه إليه في كل حال، ولاء واهتداء، في الغيب والشهادة والذكر والعبادة والتفكير والتعبير والسعي والجهاد والعلم والاجتهاد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-138> الجيل المسلم والسيرة:</span>\nوهكذا كان الجيل المسلم؛ الذي أقام الحياة الإسلامية على أرض الله، وهو أمر مطالب به المسلمون في كل زمان ومكان، وإلا فهم مقصّرون، وذلك واضح في سيرة الرسول ﷺ، في الهجرة وغير الهجرة، حيث ارتبطت كلها بخيط واحد، مبدؤه ومنتهاه وما بينهما، متصل بالله وشرعه المنير.\nوالسيرة الشريفة مستودع، أودعها الله حقيقة الإسلام، وصورة شريعته، وسر هذا الدين، يجد الناس فيها سيرة الإنسان المثال والصورة الكمال؛ لكل الأمم والأجيال، للقائد والجندي وللرجال والنساء والأطفال، والشيوخ والشباب، في السلم والحرب، والفرد والأسرة، والمجتمع والدولة، في الهجرة والنصرة. والمرأة المسلمة مكانها معروف.","vol":"1","page":319},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-139> الهجرة والدولة:</span>\nلقد أقامت الهجرة دولة في مبتدأ تاريخ الإسلام؛ الذي قام منذ نحو أكثر من ألف وأربعمئة عام، حيث بداية التاريخ الإسلامي، وقامت دولته بكليتها، تحمل راية الحق، فواجهت صراعا في كل ميدان وهجمات من كل اتجاه ومكائد بكل لون، كان بعضها كافيا لسحق الدولة الإسلامية، وحضارتها الفريدة، وتفتيت كيانها، لولا- بعد عون الله- قوة البناء الإسلامي لمجتمعه الكريم، وحضارته الفذة، وبنيته المكينة.\nواليوم يقف المسلمون في وجه ذلك كله، ولا خلافة- أو ما يماثلها- في الأرض، تحملهم وتحميهم، ولا مجتمع يضمهم، يحتكم بكليته إلى الله، ويؤول لشرعه. وهذا لون آخر من الدروس.\nإن قوة وقوف أي تجمع إسلامي ليس مقتصرا- فحسب- حين تقوم الحياة الإسلامية، وتكون لها دولة، بل بغيرها أو بدونها أيضا. فهو الذي يسعى ليقيم الحياة الإسلامية ودولتها، ويعلي الراية في مجتمع ترفرف عليه، خضراء نضرة. ولا بدّ من مسعى لإقامة المجتمع المسلم الذي قام أولا في تاريخ الإسلام ثمرة لتلك الهجرة، هجرة إلى الله تعالى، منذ أول يوم التحق المسلم فيه بموكب الإيمان.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-140> الهجرات الثلاث:</span>\nفكانت هجرات ثلاث «١»: الهجرة إلى الحبشة «٢»، وهي الوجهة\n_________\n(١) يعدّ كاتب هذه السطور- منذ مدة- بحثا لكتابة ودراسة هذا الموضوع (الهجرات الثلاث)، وأسأل الله ﷾ العون.\n(٢) كانت هجرة الحبشة- وهي أول هجرة في الإسلام- في نهاية السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة، أو بداية السادسة منها. وهجرة الحبشة هجرتان أو مرتان. هاجر أولا عدد قليل، نحو ستة عشر مسلما، بينهم أربع نسوة (رجب السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة) . وجعل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون أميرهم. ثم عادوا كلهم أو\nبعضهم، ومنهم من لم يذهب للهجرة إليها ثانية (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٢٢- ٣٢٣) . وهاجروا ثانية مع آخرين. بلغ عدد جميع من هاجر هذه المرة- نساء ورجالا- نحو مئة أو يزيدون. وهذا يعني أن أكثر المسلمين- حتى ذلك الوقت- هاجروا إلى الحبشة. وكانت لهم هناك أحداث ومواقف. وعادوا مجموعات في أوقات، بعضهم إلى مكة- قبل الهجرة إلى المدينة، وهم الأكثر، على ما يبدو- وآخرون إلى المدينة (حياة الصحابة، ١/ ٣٥٧)، وعلى مراحل متباعدة. وكان آخرهم عودة جعفر بن أبي طالب مع آخرين- بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة (زاد المعاد، ١/ ١٠٢) . أما جعفر فقد استشهد في معركة مؤتة السنة الثامنة للهجرة. وكان قد عاد مع هؤلاء أبو موسى الأشعري- ومن كان معه- حيث قد هاجروا من اليمن إلى الحبشة. وهذه القضية فيها غموض واختلاف في المصادر، بحاجة إلى متابعة وتجلية، ولكن ابن قيم الجوزية يلقي عليها ضوآ جيدا (زاد المعاد، ٣/ ٢٨. وانظر: حياة الصحابة، ١/ ٣٥٧) . ومن المهم- وهو مطلوب- تحديد المدينة التي لجأ إليها المسلمون في هذه الهجرة، وفيها كانت مقابلاتهم للنجاشي (أصحمة) الذي أسلم. أخرجه البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة الحبشة، رقم (٣٦٥٩) وبعده. وهل هذا النجاشي هو نفسه الذي كتب إليه الرسول ﷺ كتابا يدعوه إلى الإسلام، وبعث بالكتاب- في السنة السابعة للهجرة- مع عمرو بن أمية الضّمري (زاد المعاد، ٣/ ٦٨٩)، بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة؟! ويبدو هذا الأمر مضطربا في بعض المصادر، فلا وضوح في أن الذي لجأ إليه المسلمون غير الذي بعث إليه الرسول ﷺ عمرو بن أمية الضمري بعد الحديبية بكتابه يدعوه إلى الإسلام، وكذلك إن كان هو نفسه. فيفهم من العديد أنهما نجاشيان (البداية والنهاية، ٤/ ٢٦٢. السيرة النبوية، الندوي، ٢٥٥- ٢٦٥. إمتاع الأسماع، ١/ ٢٠، ٣٠٨) . لكن يبدو من استعراض الأحداث، والنظر في ماجرياتها (مجرياتها) والاطلاع على رسائل رسول الله ﷺ وجوابات النجاشي له (مجموعة الوثائق، ٤٣، ٩٩، ١٠٧)، إن النجاشي (أصحمة أو أصحم) الذي لجأ إليه المسلمون هو نفسه الذي كتب إليه رسول الله ﷺ بعد الحديبية كتابا حمله عمرو بن أمية الضمري يدعوه إلى الإسلام. وموضوع الحبشة- مقرّ هجرة المسلمين- بحاجة إلى بحث مجتهد أصيل، أرجو الله تعالى أن يهيئ له. عن هجرة المسلمين إلى الحبشة راجع كذلك: التفسير (١/ ٢٨- ٣٣) . سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٤) (الخشني، ١/ ٣٩٧) . البداية والنهاية","vol":"1","page":320},{"text":"الأولى، ولم يكن فيها رسول الله ﷺ. وحين سأله عثمان بن عفان ﵁ «١» عن ذلك قال ﷺ: «أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ» «٢» . وهذا هو المعنى الدائم للهجرة، وكان جواب عثمان: فحسبنا الله يا رسول الله!\nثم كانت هجرة الطائف «٣»، هاجرها رسول الله ﷺ وحده. كانت بحثا\n_________\n(٣/ ٦٦- ٩٥) . الفصول في سيرة الرسول ﷺ (٩٩) . زاد المعاد (٣/ ٢٣) وبعدها (٥١٥) . سيرة الذهبي (١٨٣) . إمتاع الأسماع (١/ ٢٠) . مجموعة الوثائق السياسية (٤٣، ٩٩- ١٠٧) .\n(١) كان عثمان بن عفان ﵁ أول المهاجرين إلى الحبشة، ومعه امرأته رقية﵂- بنت رسول الله ﷺ. وهي الهجرة الأولى إلى الحبشة، وأول هجرة في الإسلام، في رجب السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة. وعادوا إلى مكة مع المهاجرين الآخرين جميعا في شوال منها (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٤٤ الخشني، ١/ ٣٩٧. البداية والنهاية ٣/ ٦٦. حياة الصحابة، ١/ ٣٤٦) . وربما لم يعودوا جميعا (إمتاع الأسماع، ١/ ٢١) . ثم كانت الهجرة الثانية التي ذهب فيها بعض من هاجر الأولى (فرجع من رجع منهم، ومكث آخرون بمكة، وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية) . البداية والنهاية (٣/ ٦٧) . والظاهر: أن عثمان وزوجته رقية ﵄ لم يكونا فيها، وهذا غير واضح عند ابن إسحاق، ولا من المصادر التي توفرت لي. ويفهم- من ابن إسحاق- أن عثمان وزوجته ﵄ هاجرا الهجرة الثانية، ولكن لا يبدو ذلك راجحا. بل إن ابن إسحاق يتناول موضوع الهجرة إلى الحبشة على أنها هجرة واحدة، تتابع المسلمون إليها على مجموعتين منفصلتين.\n(٢) هذا الحديث الشريف نقلته من أحد المصادر، لكني لم أجده في المتوفّر لي حاليا. وعن موضوع الهجرة ومعانيها وأمثلة منها انظر: باب الهجرة (والنصرة) في كتاب: حياة الصحابة (١/ ٣٣٥- ٣٧٣) .\n(٣) كانت هجرة الطائف في السنة العاشرة للبعثة النبوية الشريفة، بعد انتهاء المقاطعة وموت أبي طالب، وبعده بأيام قليلة موت خديجة﵂- (سيرة ابن هشام، ١/ ٤١٦. البداية والنهاية، ٣/ ١٢٢، ١٢٧. الفصول في سيرة الرسول ﷺ، ١٠٥) . وقبل الإسراء والمعراج (البداية والنهاية، ٣/ ١٠٨) . ذهب ﷺ أو هاجر إلى الطائف، بصحبة زيد بن حارثة ﵁. وبقي فيها عشرة أيام يدعو الناس إلى دين الإسلام، فلم يؤمن منهم أحد، ولم يلق من أهلها غير الصدّ والكيد، ورموه ﷺ","vol":"1","page":322},{"text":"عن أرض جديدة للإسلام، وقوم آخرين يدعون إليه. ودوما يشق الإسلام مسالك؛ لتتقدم دعوته، وتنتشر، ويدخلها الناس محبين.\nثم الهجرة الثالثة الكبرى إلى المدينة المنورة؛ التي أقامت مجتمع الإسلام ودولة الإسلام، واستعد لها المسلمون؛ ليتمّ الله أمره، وينصر دينه، وهي في علم الله كائنة قبل أن تكون.\nاتخذ لها رسول الله ﷺ والمسلمون كل الأسباب ... جرى كل ذلك مع الاستسلام الكامل لأمر الله وشرعه والركون إليه والأمل بنصره، وهكذا أقامت الهجرة الدولة. والهجرة إلى الله أقامت وتقيم الحياة الإسلامية.\nإنّ العدو الخارجي والداخلي أصاب منّا ما أصاب، يوم أصيب المسلمون في تمسّكهم، فليلتفت المسلم إلى هذا بقدر حرصه على انتمائه لهذا الدين الرباني وحده.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-141> إقامة الحياة الإسلامية:</span>\nإن الذين يقيمون المجتمع الإسلامي والحياة الإسلامية ودولتها، هم\n_________\nبالحجارة حتى سالت قدماه الشريفتان دما، وأسلم هناك شابّ نصراني اسمه عدّاس (فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يقبّل رأسه ويديه وقدميه) . (حياة الصحابة، ١/ ٢٧٦) . وفيها كان دعاء الرسول ﷺ: «اللهمّ! إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي! إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» . (زاد المعاد، ١/ ٩٨- ٩٩. السيرة النبوية، الذهبي، ٢٨٥. حياة الصحابة، ١/ ٢٧٧) . وبهذه المناسبة يذكر أن الرسول الكريم ﷺ وهو عائد من الطائف آمن به نفر من الجن. (التفسير، ٦/ ٣٧٢٥- ٣٧٢٦. البداية والنهاية، ٣/ ١٣٧. البخاري، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الجن، رقم ٤٦٣٧) .","vol":"1","page":323},{"text":"أولئك الذين يرسمون صورة الإسلام في سلوكهم، ويتمثلونها في حياتهم، ويفتدونها بالنفس رخيصة. يهتفون بهتاف الخلود في كل موطن شديد: (الله أكبر لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، فتصغر الدّنيا في عيونهم، وينظرون إلى الصّعاب منهزمة، وإلى الطغاة راغمة، مهما كانوا مدججين بالسلاح، وممتلكين للمناصب، ومتسلطين، يتولون الإنسان بالجبروت المتفرعن على خلق الله ﷾.\nوكلّ جمع تتركز فيه تلك المعاني الفاضلة الخيرة، تبرز فيه هذه الحقائق، فكما برز في العهد الأول القدوة تبرز على مر التاريخ، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.\nفكم من مؤمن أوذي في الله بكل طريق، وحورب بكل أسلوب، وتقطّع أوصاله، وتتناثر أشلاؤه، وتستنزف دماؤه وهو يشدو وينشد أناشيد الإسلام ... أناشيد القوة الفاضلة، والعدل الأمين بكلام الله المبين وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وهكذا يردد المؤمنون الآيات الكريمة، ويتلونها حق تلاوتها، علما وعملا، ويفهمون معانيها وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] .\nكما كان ينشد السلف، وهكذا يفعل الخلف، آيات من الكتاب المبين، والذكر الحكيم، والطريق المستقيم، وبه الهداية، وفي غيره الغواية. وهكذا فهم الجميع، كلّ المسلمين، دوما مثلما يستلهمون كتاب الله ﷾، وحديث الرسول الكريم ﷺ يتمثلونها، ويتعلمون منها مسالكهم، فهم يستنبطون ويستنبطون من معانيها ومبانيها ما يترسّمون وما يفعلون وما يقولون «١»:\n_________\n(١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، رقم (٣٨٧٨) .","vol":"1","page":324},{"text":"والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا\nإنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-142> الخلوص الكامل لله:</span>\nفكيف يمكن للمسلم أن يدين في صلاته، أو بالعبادة لله شمولا واكتمالا، ويتجه إلى غيره في قوانينه وتفكيره وتصوراته وولائه وإرضائه، ومن يفعل ذلك يكون قد قصر في حق الألوهية، والربوبية لله، والعبودية له ﷾، وذلك واضح في القرآن الكريم «١» .\nوحين قدم عديّ بن حاتم «٢» على رسول الله ﷺ ليسلم، فدخل المسجد ورسول الله ﷺ يقرأ في وصف أهل الكتاب قول الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] . فقال عدي: إنهم لم يعبدوهم! فقال ﷺ: «بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام، فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم» «٣» .\nفلا يصحّ للمسلم أن يقف من الإسلام ودائرته بعيدا، ويسلك دوما سبيل الضعف، فهؤلاء لا يقيمون الآفاق الإسلامية، ولا دولة الإسلام، ومجتمعه، وحياته، فكيف بمن لم ينكر الباطل قلبه أو والاه وأيده؟!\n_________\n(١) انظر: أعلاه، ص ١٣، ١٥، ٢٦٤.\n(٢) انظر عن عدي بن حاتم (٦٨ هـ ٦٨٧ م): سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٢) . الإصابة (٢/ ٤٦٨) رقم (٥٤٧٥) . أسد الغابة (٤/ ٨- ١٠) رقم (٣٦٠٥) .\n(٣) انظر: تفسير الطبري، (١٠/ ١١٤- ١١٥) . (الجديدة، ١٤/ ٢٠٨- ٢١٣) . تفسير القرطبي (٨/ ١٢٠) . التفسير (٣/ ١٦٤١) . سنن الترمذي (٥/ ٢٥٩) رقم (٣٠٩٥) .","vol":"1","page":325},{"text":"إنّ الذين أقاموا الحياة الإسلامية، أولئك الذين هاجروا إلى الله هجرة كاملة، هاجرت نفوسهم التي خلّصوها من درن الدنيا، فافتدوا شرع الله بكل شيء، وجاهدوا عمرهم له محتسبين ... تربعوا أمام القرآن مأدبة الله الإلهية، ويقودهم حادي الإنسانية، وهاديها محمد ﷺ، ويعلمون أنّ الضّياع لمن ارتضى غير كتاب الله منهجا ودستورا وغير رسول الله ﷺ زعيما:\nنبيا ورسولا، وهو كذلك.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-143> الإسلام هجرة وبيعة:</span>\nلقد كانت الهجرة بيعة، تجاوزت حد الانتماء الاسمي أو الأرضي، وإن قصة مهاجر أم قيس غير مجهولة «١» . بل حتى التعبد في الصلاة، مع ترك ما عداه يجعل ذلك حجّة على صاحبه ومسؤولا، فلا ينفع المسلم أن يؤدّي صومه وصلاته، ويفي حجّه وزكاته، وليس بعد ذلك من شيء، بل إنّ ثمار ذلك أشياء تجعله أكثر قربا إلى الله، وهجرا لما عداه.\nومن لم يهجر مبادئ الأرض، ويرفض كلّ غير شرع الله لا يمكن أن يهاجر إليه، والرسول ﷺ يقول: «من لم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية» «٢» .\nفلا يمكن أن تكون الهجرة إلى الله، وصاحبها مثقل بالعصيان، ومؤتزر\n_________\n(١) سبق ذكره. وهي أن رجلا خطب امرأة اسمها: أم قيس، فرفضته حتى يهاجر، ففعل. فتزوجها فسمّي: مهاجر أم قيس. والحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم: «إنما الأعمال بالنيات ...» الذي مر ذكره أعلاه، يبين هذا وأمثاله. وإن الله تعالى يقبل من الأعمال ما كانت النية فيه خالصة له، ليكون العمل، ويقبل ويؤجر صاحبه، وإلا فلا أجر عند الله له به أبدا. انظر: أعلاه، ص ٣١٤.\n(٢) أو هذا معناه. نقلته من مصدر لم أجده. لكن أمثاله عدد من الأحاديث. انظر: مسلم، رقم (١٩١٠) . زاد المعاد (٣/ ١١، ٨٦- ٨٧) . رياض الصالحين (٥١٢)، رقم (١٣٤١) .","vol":"1","page":326},{"text":"بالآثام، وخامل في طريق الالتزام، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم «١»، وفي كل الأحوال.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-144> الإسلام وطن وقومية:</span>\nوتشير الهجرة إلى أن الإسلام لا يعرف وطنا ولا قوما بعينهم، يكون حكرا عليهم، فالقوم في الإسلام هم المسلمون، والوطن فيه الذي ترتفع على قممه شامخات: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعمل المسلم على امتدادها حيث استطاع.\nويوم كان الجيش الإسلامي يتجه نحو القسطنطينيّة سنة خمسين للهجرة، وحضرت الوفاة أبا أيوب الأنصاري «٢» كان من وصاته: طلب من\n_________\n(١) معنى حديث شريف.\n(٢) أبو أيوب الأنصاري: خالد بن زيد (٥١ هـ ٦٧١ م)، من المسلمين السابقين، ومن نجباء الصحابة، ومن أحبّهم إلى رسول الله ﷺ. وهو الذي حرسه- متطوّعا- ليلة بنى بصفية بنت حييّ بن أخطب﵂- (٧ هـ) بعد خيبر (الإصابة، ٤/ ٣٤٦، رقم ٦٥٠. السيرة النبوية، أبو شهبة، ٢/ ٣٨٣. حياة الصحابة، ٢/ ٦٦٣)، بعد أن أسلمت، وطهرت، فأعتقها ﷺ وتزوجها، ﵂. (الإصابة، نفسه. مغازي الواقدي، ٢/ ٧٠٧. الطبقات الكبرى، ٨/ ١٢٠) . وكان أبو أيوب عقبيّا كثير المناقب، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ، وشهد الفتوح. وسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام. وضيّف رسول الله ﷺ في داره لما هاجر إلى المدينة، نزل في داره وأقام عنده سبعة أشهر (زاد المعاد، ١/ ١٠٢)، حتى بنى ﷺ حجره ومسجده في نفس السنة. وكان الرسول ﷺ في الطابق الأرضي وأبو أيوب في العلوي، ووجد في ذلك حرجا شديدا. ويوم أهريق ماء في الغرفة، فأخذ أبو أيوب وزوجته ينشّفونه بقطيفة يتبعونه، كيلا يخلص إلى رسول الله ﷺ، فرجاه أن ينتقل إلى فوق. وكان ﷺ يرسل له الطعام، فيضع أصابعه حيث يرى أثر أصابع الرسول الكريم ﷺ (فكنا نصنع طعاما فإذا رد ما بقي منه تيممنا موضع أصابعه، فأكلنا منها نريد البركة) . (حياة الصحابة، ٢/ ٣٢٩) . وآخى الرسول ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير. وكان أبو أيوب شجاعا صابرا تقيا قويا أبيا محبا للغزو والجهاد، ولزم الجهاد حتى","vol":"1","page":327},{"text":"المسلمين، وقائدهم حمل جثته- بعد الوفاة- إلى داخل أرض الروم ما استطاعوا، ليدفنوه هناك، ثم ليعملوا على فتح تلك الأرض، ففعلوا.\nفدفنوه عند القسطنطينية «١» . ولشدة عشقه للجهاد، وخدمة الإسلام أراد أن يحيا مجاهدا، ويموت شهيدا، ويستمرّ أثره في الجهاد، لا سيما حين أحسّ بالموت خارج المعركة.\n_________\nوفاته. ومما يتردد ذكر أبي أيوب حول تصحيح فهم هذه الآية الكريمة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] . وتفسيره بأن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو بترك الجهاد (حياة الصحابة، ١/ ٤٧٠- ٤٧١. زاد المعاد، ٣/ ٨٧- ٨٨) . وذلك في إحدى غزواته إلى الروم. والظاهر أنها في غزوة بحرية إلى أرض الروم، غير التي توفي فيها (حياة الصحابة، ١/ ٤٧١) . روى عن النبي ﷺ، وروى عنه العديد من الصحابة والتابعين، وله مئة وخمسة وخمسين حديثا (الأعلام، ٢/ ٢٩٥) . ولزم الجهاد، وحرص عليه بعد النبي ﷺ وبقي مجاهدا حتى مات في غزاة القسطنطينية (٥١ هـ) التي قادها يزيد بن معاوية في خلافة أبيه. ومرض أبو أيوب فعاده يزيد، وسأله حاجته، فقال: حاجتي إذا أنا متّ فأركب واحملوني، فإذا صاففتم العدو (والمسلمون معه)، ثم سغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغا، فإذا لم تجد مساغا فادفني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو. (حياة الصحابة، ١/ ٤٥٨- ٤٥٩)، ففعلوا. (انظر: الإصابة، ١/ ٤٠٥، رقم ٢١٦٣. الاستيعاب، ١/ ٤٠٣) . ودفنوه عند سورها، ليعمل المسلمون على فتح ذلك المكان. وتم هذا أيام العثمانيين (٨٥٧ هـ ١٤٥٣ م)، حيث فتحت القسطنطينية- عاصمة الدولة البيزنطية- في خلافة محمد (الثاني) الفاتح، وسميت إسطنبول (إسلام بول مدينة الإسلام)، وهي من أهم مدن تركيا الحالية، حيث بنى الفاتح في ذلك الموضع مسجدا عند قبره، وهو اليوم من مساجد تركيا الشهيرة بتاريخها ومعمارها، حيث يرقد الصحابيّ الجليل﵁ وأرضاه-. وحتى اليوم يعتبر مسجد أبي أيوب الأنصاري من معالم إسطنبول المعمارية الجميلة، فرضي الله عن أبي أيوب الأنصاري، وأرضاه.\n(١) انظر: حياة الصحابة (١/ ٤٥٨) . كأنه يريد حثّ المسلمين على الوصول إلى مكان قبره، وفتح تلك المنطقة، والحمد لله قد تم ذلك، وغدت بلدا مسلما، وتلك المدينة عاصمة لقرون.","vol":"1","page":328},{"text":"ولتربية المسلمين على هذا المعنى كان كل ذلك بينهم معروفا، وبه تأسّى سميّ أبي أيوب: خالد بن الوليد «١»، حين مات على فراشه، واعتبر ذلك موتة الجبناء «٢» .\nفالمسلم معناه أن يسعى حثيثا لخدمة الإسلام- وهو كل حياته- حتى لو اقتضى أن يموت شهيدا، يا بني الأحداث، وينيرها بهذا الدين، لا يتخلف عنه بل يعشقه، ويسعى إليه. والمسلم يقيم أموره كلها على الإسلام، باتّساق وانسجام. وهذا ما كان في التربية التي قادت إلى الهجرة، قامت بالانقياد إلى شرع الله ﷾.\nأيها المؤمنون! فلنمض في الطريق إلى الله، مهاجرين إليه بشرعه، هاجرين لكل فكرة وخلقية وزعامة غير الإسلام ومنهجه وغير رسول الله ﷺ\n_________\n(١) خالد بن الوليد (٢١ هـ ٦٤٢ م)، أسلم سنة (٧ هـ) فسرّ به رسول الله ﷺ وسمّاه: سيف الله. وهو فارس الإسلام الشهير، وقائد المجاهدين. (انظر: البخاري، فضائل الصحابة، باب: مناقب خالد بن الوليد ﵁، رقم ٣٥٤٧. الإصابة (١/ ٤٠٣) رقم (٢٢٠١) . الاستيعاب (١/ ٤٠٥) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٦) . الوافي بالوفيات (١٣/ ٢٦٤) . البداية والنهاية (٧/ ١١٣) . شذرات الذهب (١/ ١٧٤) . حياة الصحابة (١/ ٤٥٥) . الأعلام (٢/ ٣٠٠) وأعلاه، ص ١٧٩- ١٨١.\n(٢) وكان خالد بن الوليد ﵁ دائم الرغبة في الجهاد (حياة الصحابة، ١/ ٤٥٥. البداية والنهاية، ٧/ ١١٣. سير أعلام النبلاء، ١/ ٣٨٢) . وهذا تمام قوله المذكور أعلاه الذي يبيّن هذا الحب لله ولرسوله ﷺ وحب نصرة دينه. وقد تربّوا على مائدة القرآن الكريم وعلى يدي الرسول ﷺ، وفي ذلك المجتمع الإسلامي الرصين البناء. (ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة، قال: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) . (الاستيعاب، ١/ ٤٠٩. سير أعلام النبلاء، ١/ ٣٨٢. حياة الصحابة، ١/ ٥٦٥) . ويقول: (وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتّها وأنا متترس والسماء تهلني، وننتظر الصبح حتى نغير على الكفار، إذا أنا متّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدّة في سبيل الله) . (البداية والنهاية، ٧/ ١١٦، سير أعلام النبلاء، ١/ ٣٨١) . وانظر أعلاه، ص ١٧٩- ١٨١.","vol":"1","page":329},{"text":"نبينا المجتبى، وأسوتنا الحسنة، وحادي الهداية دوما للبشرية أجمعين.\nإن الذي كان يسلم- في العهد المكي- يرى ويعرف مقدما ما سيصيبه من عذاب وحرمان، ويغدو أرملا بعد أن يكون أرفلا. وفي العهد المدني يعلم ما يترتب على ذلك، تضحية وإقداما، ورضوا بكله بمحبة جامحة، وسعي حثيث، ورغبة متدفقة، مقبلة، قوية مسرعة أبية.\nفموكب الهجرة دائم، حيث تبقى مهاجرا إلى الله، وتموت مهاجرا، مناديا: يا رباه! نداء يجمّل الحياة، وينميها، ويمنحها، ويعطيها، بنظر يرافقه ويناغيه، فلا يصارعه أو يباهيه. فهو ليس في صراع مع الكون والحياة، بل مع الباطل وأهله، يأتي الحق لمواجهته ليزهقه، وليا بني حضارة الإنسان، وينير دربه، ويسدد خطوه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-145> الهجرة هجرة ونصرة:</span>\nلم تكن الهجرة خطوات لقطع طريق خطر، والنجاح في التخلص من مطارد، للوصول إلى مكان آمن، أو النجاح بانتقال مجموعة، من موطن إلى آخر جديد، إنما هي الخلوص لله والتضحية بالنفس، وكل شيء، من أجل الإسلام، فلولا الهجرة إلى الله لما كانت الهجرة، ولما كانت النصرة، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] .\nوإذا تلاقت الهجرة والنصرة، فالكل في نصرة، والكل في هجرة.\nوأدرك أولئك أنه لا بد أن يكون للإسلام وطن، وللشريعة سكن، فكان مرة، ولا بدّ أن تكون له الكرة، إن شاء الله.\nولعل القرن الخامس عشر يمثل باب الهجرة إن شاء الله، فيكون القرن الرابع عشر أشبه بالعهد المكي، والقرن الخامس بالعهد المدني، نبني به الحياة الإسلامية، ومجتمع الإسلام، وقيام آماله.\nفهي هجرة: بين- من وإلى- حياة الجهاد والمجاهدة والاصطراع، إلى قرن تقوم فيه خلافة الإسلام ودولة الإسلام، إن شاء الله تعالى وبعونه ومنّه،","vol":"1","page":330},{"text":"فهي تماثل بالمعنى الأساس لكل هجرة، يقوم بها الذين هاجروا إلى الله تعالى على الدوام.\nفهذا مصعب بن عمير «١»، زين شباب أهل مكة، جمالا ودلالا ونعمة وقوة وفتوة وعبثا ولهوا وغنى وزهوا، مضرب المثل بما يلبس، ويتزين، ويتطيّب كذلك تماما.\nوحين أسلم حرمه أهله من كل ذلك، وقاوموه، فاستغنى، واستعالى،\n_________\n(١) مصعب بن عمير (٣ هـ ٦٢٥ م) القرشي، مصعب الخير: صحابي، شجاع، من السابقين إلى الإسلام. ولما أسلم حاربه أهله، وحرموه من غناهم. واحتمل كل ذلك راضيا قويا أبيا. هاجر إلى الحبشة، وعاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة. وكان أول من قدم إليها من المسلمين مع ابن أم مكتوم (عنه انظر: أعلاه) . وكانا يقرئان القرآن (البخاري، فضائل الصحابة، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم ٣٧٠٩- ٣٧١٠) . فهو السيد الشهيد السابق البدري، وحامل لواء المسلمين يوم معركة بدر ويوم أحد، واستشهد فيها، وهو يدافع عن رسول الله ﷺ (حياة الصحابة، ١/ ٥٩٥) . قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى ﵁. ثم قدم علينا عمر بن الخطاب ﵁ في عشرين راكبا. فقلنا له: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقال: هو مكانه، وأصحابه على أثري. ثم أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم أخو بني فهر الأعمى. وقال خباب: (هاجرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئا، منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر»، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) . وذكر أنه حين أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام بكى، وقال: (قتل حمزة، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوبا واحدا، وقتل مصعب بن عمير فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوبا واحدا، لقد خشيت أن يكون عجّلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا) . وجعل يبكي. «النمرة»: بردة من صوف. «الإذخر»: نبت معروف طيب الرائحة يبيض إذا يبس. «يهدبها»: يجتنيها. (سير أعلام النبلاء ١/ ١٤٥- ١٤٧. كذلك: الاستيعاب، ٣/ ٤٦٨. الإصابة، ٣/ ٤٢١ رقم ٨٠٠٢. حياة الصحابة، ٢/ ٢٦٧. البداية والنهاية، ٤/ ٣٣. الأعلام، ٧/ ٢٤٨) .","vol":"1","page":331},{"text":"واستغلى. وهو بالإسلام أغنى وأعلى وأغلى، فرضي به مسرورا، وعاش فقيرا، من ذلك محروما.\nوكان من المهاجرين إلى الحبشة في المرتين، والمهاجر الأول إلى المدينة المنورة، ومعلّم القرآن إلى أهلها.\nاختاره رسول الله ﷺ لذلك، واشترك في الأحداث والمعارك، وكان حامل لواء المسلمين في بدر وفي أحد، قطعت يده اليمنى، فحملها باليسرى، وقطعت فاحتضنها، ثم استشهد وهو لا يملك شيئا من الدنيا؛ حتى ولا بردا، يغطّي جسمه كله، فإذا سحبوه على رأسه ظهرت رجله، وإذا غطيت رجله تكشف وجهه، وجه الجهاد على أرض الجهاد، مهاجرا إلى الله في الحياة وحتى الممات «١» .\nوحين أطل رسول الله ﷺ يتفقد الشهداء رأى مصعبا، فقال: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة، ولا أحسن لمّة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة» «٢» .\nنقول هذا لكل مسلم، وللشباب خاصة، ليسلكوا هذا المسلك في حياة الإنسان المسلم العزيز الحر الكريم الرباني الوضئ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-146> الحق قادم بأهله:</span>\nفأين لي بأولئك الذين لا يتقدم عندهم حبّ على حبّ الله ورسوله، لا يحبون إلا الله، ولا يوالون إلا من والى الله ووالى رسوله ﷺ، ويكرهون أن يحيوا خارج الإسلام ولو لحظات «٣» . والحرق بالنار والضرب بالأحجار\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١/ ١٤٦) . حياة الصحابة (١/ ١١٦، ١٨٧- ١٩٠) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٤- ٤٣٨، ٦١٢، ٦٤٥- ٦٤٦، ٣/ ٩٨، ١٤٩) .\n(٢) سبق ذكره، انظر: إمتاع الأسماع (١/ ١٦٢) . انظر أعلاه، ١١٧- ١٢٠.\n(٣) انظر ما قاله وفعله الصحابي الجليل: عبد الله بن حذافة السهمي، حين أسرته الروم. انظر: أعلاه، ص ٢٩٩.","vol":"1","page":332},{"text":"والتعليق على الأشجار والتغريق في البحار أهون عليهم، وأطيب إليهم.\nوهم قادمون إن شاء الله تعالى ليقيموا الحياة الإنسانية.\nفمن تكن كلمات الله حجّته ... فلن يهاب من الدنيا وما فيها\nإنني ألمحهم في الآفاق من حولنا والبقاع في كل مكان، يتنادون بالإسلام، مستعدين للتضحية في سبيل الله، وقد جرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا [الأحزاب: ٢٣] .\nوفي الماضي بدأ الإسلام غريبا «١» ثم انتشر، فكانت الهجرة ثم كانت الدولة والخلافة، رعت الجهاد، وحملت الراية، واستمر الإسلام في الامتداد، وما زال اليوم، بعد ذهاب الخلافة، يمتد وحده رغم كل ما يرصد له على أيدي الأعداء، وما أكثرهم.\nولكن ما تزال لهذا الدين جولات وصولات وأدوار يؤديها في تاريخ البشرية، ظاهرا بإذن الله على الدين كله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ\n_________\n(١) من حديث شريف. وتمامه: (رواه عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعوف بن مالك)، قالوا: قال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنّتي» . صحيح مسلم، رقم (١٤٥/ ١) . سنن الترمذي، رقم (٢٦٢٩- ٢٦٣٠/ ٥) . جامع الأصول، رقم (٦٢- ٦٣/ ١) . مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٩٦) . «طوبى»: من الطيب، وهو من قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد: ٢٨- ٢٩] . «تطمئن» واطمأنت: سكنت واستأنست بتوحيد الله تعالى فتطمئن، وهم يذكرونه ويطيعونه قولا وعملا في كل حال. «طوبى»: على وزن كبرى، من طاب يطيب، للتفخيم والتعظيم. «وحسن ماب»: حسن منقلب ومرجع، أي: وحسن ماب إلى الله تعالى الذي أنابوا إليه، ودانوا في الحياة الدنيا. تفسير الطبري (١٣/ ١٤٥) وبعدها. تفسير القرطبي (٩/ ٣١٤) وبعدها. التفسير (٤/ ٢٠٥٩) وبعدها.","vol":"1","page":333},{"text":"دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور: ٥٥] .\nوذلك لوعد الله الذي لا يقف في وجهه كيد الكائدين ولا قوة المضلين يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٨- ٩] .\nوإنه لوعد حق، منجز، منصور، مكتوب: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] . فالحمد لله على نعمه، وأكبرها كلها نعمة هذا الدين العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.\nكَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] .","vol":"1","page":334},{"text":"المبحث الثامن الهجرة (النبوية) بيع وبيعة\n* بداية وافتتاح\n* الإسلام كبرى النعم\n* ولادة الإنسان الجديد\n* دعوة اليقظة والارتقاء\n* تقدم الركب الميمون\n* حمل الراية المباركة\n* ذلك الجيل الفريد\n* قوة التضحية والفداء\n* الإقبال خفافا وثقالا\n* لقاء الهجرة والنصرة\n* واجب الشباب الطلاب\n* تضحيات فائقة رائقة","vol":"1","page":335},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-148> بداية وافتتاح:</span>\nحمدا لله، وصلاة وسلاما على رسول الله ومن والاه، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١] أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف: ٩] نعمة ومنّة وفضلا، بيّن للناس دين الله، وفيه سعادة الدارين، فدعاهم وبصّرهم، فامن من آمن، وضلت عنه أقوام لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢] .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-149> الإسلام كبرى النّعم:</span>\nالحمد لله الواحد المنعم، أسبغ على الإنسان نعمه، ظاهرة وباطنة، شرّفهم بالعبودية له، يدين بهذه العبودية لله وحده ﷾. وهي أعلى مقام للإنسانية، توحيدا خالصا، عقيدة للضمير، وتفسيرا للوجود، ومنهجا للحياة، حياة مستمرة تقود إلى جنّة عرضها السموات والأرض.\nفكانت نعمة هذا الدين أكبر نعمة، أنزله﷾- برّا وعدلا وصدقا وحقا وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الإسراء: ١٠٥] فكل ما عداه باطل وفاشل وشاغل، ضال ومضل وممل فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥] .\nبعث به البشير النذير، وريث موكب الأنبياء، ليحدو قافلة الإنسان المؤمن، خليفة في أرض الله، يعمّرها بدينه، وينيرها بشرعه، ويقيم حضارة الحق باتّباعه. يقيّض الله لهذا الدين من ينصره، والرسول الكريم ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم (ولا من خالفهم) حتى يأتي أمر الله وهم كذلك","vol":"1","page":336},{"text":"(على ذلك)» «١» . وهذا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\nفغدت نعمة الإسلام كبرى نعم الله على الإنسان- وما أكثر نعمه- لينتزع البشر من مخالب الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبودية البشر للبشر، ويعبّدهم لله رب العالمين. فله الأمر، وله الحكم، وإليه المرجع وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [الرعد: ٣١] وليبدّل واقع الأرض، وتصوّرات الإنسان، على غير مثال، ولا مطالبة، ولا اصطراع، أو إبدال.\nتشقّقت حجب الظلام، وتحطّمت الأوثان، وتحرّر الإنسان، من العبوديات والجاهليات، حين نزلت آيات الله، منذ فجر حراء المبارك. آمن بالله تعالى إيمانا، جعله حيا بعد موات، فأشرقت بصيرته بنور الله، فرأى الكون والحياة رؤية حقيقية، كما لم يرها من قبل أبدا، ولم تخطر له على بال، ولم ترد على قلب بشر بأيّ حال «٢»، بعد أن عبّد نفسه لله رب العالمين، عبودية للخالق، جعلته في أعلى مقام الإنسانية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-150> ولادة الإنسان الجديد:</span>\nوتوالت آيات الله، فكانت إعلانا عن ولادة الإنسان الجديد، إنسان\n_________\n(١) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. البخاري: كتاب المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، رقم (٣٤٤٢/ ٣) . مسلم، رقم (١٩٢٠/ ٣) . أبو داود، رقم (٢٤٨٤/ ٣) .\n(٢) من حديث شريف أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . فاقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] . البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم (٣٠٧٢، ٣/ ١١٨٥) .","vol":"1","page":337},{"text":"الحضارة الحقة، إنسان العبودية الحقة، لله رب العالمين. وهو إنسان الحرية الصادقة، لا زيف يخرقها، أو يحبكها، أو يحلكها، وإنسان التقدمية الأصيلة، لا دجل يخنقها، يرث سعادة الدنيا والآخرة، كما بين وعد الواحد الأحد في قرآنه الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] .\nوالإسلام- كبرى نعم الله- أنزله دواء وضياء وشفاء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء:\n٨٢]، وصلاة وسلاما على النّبي الكريم، وصاحب الخلق العظيم، دعا إلى الله فاهتدى به إلى طريق الله الحق أقوام أنقذها من الشّقوة والكبوة في الدنيا والآخرة، فكانوا من أهل السّيادة والسعادة والشهادة. وحماهم من النار، فكانوا من أهل الفوز والفلاح إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وضلت عنه أقوام وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] . أصرّت على الضلال- وا أسفاه- ف لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] فشقت دنيا وأخرى، فالله تعالى يتولّاهم، وجزاء المؤمنين الجنّة، وجزاء الضالين جهنم، وهو جزاء الكافرين «١» . ونسأل الله تعالى الهداية لنا وللخلق أجمعين، والإنقاذ من الغواية، إنه على ما يشاء قدير.\n_________\n(١) وللأسف فإن من المسلمين من أعرض عن معاني الإسلام، وهم قد ولدوا به وعلى الفطرة، وكأنهم يصرون بالبعد عنه. والرسول ﷺ يقول فيما يرويه أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش (الجنادب) وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها (وهو يذبّهنّ عنها)، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم (تفلّتون من يدي) تقحّمون فيها» . أخرجه الشيخان. البخاري: كتاب: الرقاق، باب: الانتهاء من المعاصي، رقم (٦١١٨) (٥/ ٢٣٧٩، ٣/ ١٢٦٠- ١٢٦١) . مسلم، كتاب: الفضائل، باب: شفقته ﷺ على أمته، (٢٢٨٤) (٤/ ١٧٨٩- ١٧٩٠) . تفسير القرطبي (١٤/ ١٢٢، ٢٠/ ١٦٥) .","vol":"1","page":338},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-151> دعوة اليقظة والارتقاء:</span>\nطلع النهار فقام النبيّ المختار ﷺ، ينادي بايات الله، أنزلها عليه وحيا كريما، وقرآنا عظيما، نصّا ومعنى من عند الله تعالى وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٢- ١٩٤] .\nأنزله ﷾ على قلبه ابتداء من يوم حراء، تبعته القلة المؤمنة فكانت قطر عين صفاء، وينبوع ارتواء زلالا، حتى صارت نهرا، يهدر هدرا، يجرف كل عائق، يزيله صخرا، ويدحرجه حجرا، حفّت بذلك الأهوال، وإنفاق المال، وتقديم الأنفس من النساء والرجال والأطفال.\nاستمر الحادي البار، والهادي المختار، يقود موكب النور، فاهتزت به نفوس، واستنارت قلوب، حين صحا فيها إنسانها من رقدة، ونهض من كبوة، وأطل من كوة، على الضياء، يحمل مشعله ونبراسه هاديا، وهو الهادي الأمين، رسول الله ﷺ، ويرفع لواءه عاليا، وينشده ويرنّ صوته مدوّيا، بايات الله البينات لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] .\nحملها الحبيب يجوب بها دروب مكة وما حولها ليل نهار، ويجول أحياءها وسهولها (السهل) وجبالها (الجبل) وصخورها، وينادي أبناءها وقبائلها، ويرتاد أسواقها، ويغشى اجتماعاتها ومجتمعاتها، أهل مكة أمّ القرى وما حولها، ويأتي أسواق العرب ومواسمها قائلا ومناديا فيهم:\n«يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» .\nسرت الحياة في نفوس آمنت، واهتدت، وباعت نفسها لله، وبايعت\n_________\n(١) حياة الصحابة (١/ ١٠٧) . انظر كذلك: حياة الصحابة (١/ ٩٨- ٩٩) . سير أعلام النبلاء (٣/ ٥١٦) . السيرة النبوية، الذهبي (١٥٠- ١٥١، ٢٨٥) .","vol":"1","page":339},{"text":"على الطاعة والفداء، تتحرك بشرعه، وتقبل على أمره.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-152> تقدم الركب الميمون:</span>\nلحق بركبه الميمون المؤمنون، باعوا أنفسهم لله، ونصروه نصرا مؤزرا وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] فلم يتخاذلوا، لزموا غرزه «١»، ففازوا. وفي سبيل الله سقط على الطريق شهداء، من الرجال والنساء، شيبا وشبانا وأطفالا «٢» .\nبدأ الركب الميمون السير قويا منطلقا، يقوده خاتم الأنبياء والرسل الكرام، عليه وعليهم الصلاة والسلام، ابتداء من يوم حراء.\nاهتزت الأحجار بغاره فرحانا ... جاء الأمين يرتّل القرآنا\nيوم نزول القرآن، نزول الماء إلى الأرض، يحييها ويخصبها ويملؤها بالبركات، وسيبقى كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهو وحده المنقذ من الشّقوة والكبوة، تستهلك العالمين بدونه، وبه لا بغيره يسعد الإنسان أيّما سعادة في الدنيا والآخرة.\nرقص الكون فانهمر ... سال سيله نهر\nطرب الكون وانتشى ... أخضر وجهه نضر\nوتغنّت بقاعه ... حين صابها المطر\nأخضر الماء عينه ... وغدا ثاقب النظر\nوالحياة جديدة ... إنسانها قد انبهر\n_________\n(١) سيرة ابن هشام (٣/ ٣٣١) (الخشني، ٣/ ٤٤٠) . مغازي الذهبي (٣٧٢) . حياة الصحابة (١/ ١٥٤) . «الغرز»: ركاب الدابة يعتمد عليه في الركوب. «الزم غرزه»: الزم أمره ونهيه.\n(٢) الأمثلة على ذلك كثيرة. انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٩٧) . حياة الصحابة (١/ ٥٩٨- ٥٩٩) . السيرة النبوية، الندوي (١٨٦) .","vol":"1","page":340},{"text":"ماذا جرى في كوننا؟ ... جاءه هادي البشر\nحين دعا محمد ... إلى الحياة واشتهر\nيوم نادى كل الورى ... إلى الله بلا ضجر\nالله أنزل شرعه ... وحي به قد انهمر\nلصبره احتارت قريش ... جهاده كان الأغر\nجاء بها نبوة ... وللحق بها ظهر\nبدعوة الله قائم ... بالغا قمة الفخر\nفانبرى يوقظ الورى ... تتهاوى عنده الشرر\nوتحالفت في حربه ... كلّ البغاة وانحصر\nشدّت عليه مطارقا ... ومحارقا لا مدّخر\nوالأقربون تنافسوا ... في بغيهم كانوا الأشر\nلكنه حمل اللواء ... به اقتدى ذوو الخير\nكان أمضى من الرياح ... كان أقوى من الصخر\nفاستنارت به النفوس ... فهو أسنى من القمر\nرفع الحقّ صوته ... ضياؤه قد انتشر\nوالطواغيت تندب ... مجدها باء واندثر\nكل قوم لهم إله ... عبدوه وهم حجر\nذهب الظلم وانطوى ... تحت الثرى قد انقبر\nحل عدل مكانه ... غصونه تدني الثمر\nملأ الأرض نفحها ... تنشر فوقه الدرر\nومضى يحمل الزمان ... ويداوي بني البشر\nقائدا موكب الحياة ... ويعاني فتنة الزّمر\nلا يبالي مهما التوى ... دربه حالك السّير\nحتى انطوى قبيله ... على ارتخاء وانقعر\nحين لانت قناتهم ... فاستبيحوا من الغجر\nيوم هابوا عدوّهم ... يوم هانوا على الصّغر","vol":"1","page":341},{"text":"يا بني الجيل نهضة ... تنفض عنكم الغبر\nيا صحابا بصيحة ... توقظ كل من هجر\nهذا الكتاب نداؤكم ... فاسرعوا غير معتذر\nفهو فيه سعادة ... وحده، كل من حضر\nبه النفوس كريمة ... تبتني كلّ مزدهر\nبه العيون قريرة ... ترقى الفضائل وانتصر\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-153> حمل الراية المباركة:</span>\nحمل رسول الله الحبيب ﷺ راية الموكب المبارك، ينادي الناس عليه، ويدعو إليه، فجّرت آيات القرآن المنزّل عليه، ينابيع الخير، ووفرتها وصاغتها، يتلوها ﷺ ندية قوية، تشقّق بها الظلمات، وتشرق بها الآفاق، ويحيا بها الوجود. واستمر داعيا يجلجل بها صوته المدوّي في دروب مكة وشعابها، حداء ماله مثيل، ولا بديل، ولا غيره دليل، يضيئها بنور الله المبين وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] .\nوصلت قلوب المؤمنين بالله، تملأ جنباتها أشعته، يوقظ النيام والسّكرى السّادرين هديرها، تنشده الفئة المؤمنة، مقتدية بالرسول الكريم ﷺ. أيقنت وانطلقت مؤمنة بقوتها الإيمانية الربانية، موصولة بالله القوي العزيز. آمنت به ﷻ ربا معبودا واحدا أحدا لا إله غيره ولا مالك سواه، ولا حاكم دونه، ولا مشرّع إلا إيّاه. إنه البيع الخالص لله، بلا خلف ولا أنصاف أبدا.\nواستعراض السيرة الشريفة يقدّم ذلك واضحا لكل المسلمين، نساء ورجالا. وانظر من شئت وما شئت وتمثّل بمن شئت، ولا بد أن نمثل ونتمثل. فهذا الطفيل بن عمرو الدّوسي (الشهيد أبو الشهيد)، أسلم في العهد المكي، وباع نفسه وحياته للإسلام، دعا إليه وجاهد من أجله","vol":"1","page":342},{"text":"وحماه، حتى استشهد في حرب اليمامة أوائل سنة (١٢ هـ) «١» .\n_________\n(١) الطفيل بن عمرو الدوسي (١٢ هـ ٦٣٣ م)، ذو النور. أسلم بمكة قبل الهجرة إلى المدينة. وكان في قومه سيدا مقدما مطاعا شريفا وشاعرا لبيبا. وقصة إسلامه ذكرها ابن إسحاق (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٨٢- ٣٨٥، شرح الخشني، ٢/ ٢٥- ٢٩) . ونقلها عنه آخرون. وأخرج طرفا منها البخاري ومسلم. البخاري، رقم (٢٧٧٩/ ٣)، ورقم (٤١٣١/ ٤)، ورقم (٦٠٣٤/ ٥) . مسلم، رقم (٢٥٢٤/ ٤) . جامع الأصول (٩/ ٢٢١، رقم ٦٨٠٦) . وخلاصتها: أن الطفيل قدم مكة- لعله في السنة العاشرة من البعثة، بعد عودة الرسول ﷺ من الطائف- فحذرته قريش من الاستماع إلى الرسول الكريم ﷺ وبينوا له خطورة ذلك عليه، وأن قوله كالسحر، وزادوا في تحذيره، مما دعاه أن يسد أذنه بقطن إذا دخل المسجد، حتى لا يسمعه. لكنه حين ذهب إلى المسجد رأى رسول الله ﷺ قائما فيه، ووقف قريبا منه وسمعه (فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا وقع في نفسي) (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٨٢) . ولما انصرف ﷺ إلى بيته اتبعه، وجلس إليه، وطلب أن يعرض عليه الإسلام (فعرض عليّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليّ القرآن. فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحق) (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٨٣) . وهذا ما أورده- مع تفصيلات أخرى- ابن هشام (ابن إسحاق) في السيرة وآخرون، بعضهم نقلا عنه. فلحق بقومه، فدعا أهل بيته، فأسلموا وجماعة من قومه، وعصت عليه دوسا (قومه) وأبت. فقدم (ثانية) إلى رسول الله ﷺ في مكة وقال: يا رسول الله! إن دوسا قد عصت وأبت، فادعوا الله عليهم. فقال ﷺ: «اللهم اهد دوسا، وائت بهم» . وهذا ما أخرجه البخاري وآخرون. فعاد إليهم ودعاهم إلى الإسلام، فاستجاب من استجاب، ثم قدم بهم إلى رسول الله ﷺ في المدينة، بثمانين بيتا، ولحق به في خيبر، فأسهم له رسول الله ﷺ مع المسلمين. ثم شارك مع قومه في فتح مكة، وأرسله ﷺ إلى صنم هناك فأحرقه، وبقي يجاهد في خدمة الإسلام حتى قبض رسول الله ﷺ فخرج هو وابنه (عمرو) في قتال الكذّابين بقيادة مسيلمة الكذاب، واستشهد يوم اليمامة أوائل سنة (١٢ هـ) وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبلّ منها، حتى كانت معركة اليرموك (١٥ هـ) مشاركا فيها، وفيها استشهد، ﵄ وعنهم أجمعين. الإصابة (٢/ ٢٢٥) رقم (٤٢٥٤) . الاستيعاب (٢/ ٢٣٠) رقم (١٢٧٤) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٤٤)، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) (٦٢، ٨٢، ٩٦)، زاد المعاد (٣/ ٤٩٥، ٦٢٤) وبعدها. الوافي بالوفيات (١٦/ ٤٦٠، ١٧/ ٢٢٥) . إمتاع الأسماع (١/ ٢٨) حياة الصحابة","vol":"1","page":343},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-154> ذلك الجيل الفريد:</span>\nفارتفعت به هامات، كانت متهطّلة في الجحور، بعين الشّقوة والخمور، متدلية بين الأوثان، فغدت بالله عزيزة، فما عادت تنحني لغيره، وتساوت في ظل الإسلام الرؤوس، كانت متعالية فارغة أو متسافلة متمرغة، فما رضيت الخضوع لغير شرع الله، وتحررت من كل أثقال الأرض، لتطير إلى عليين، في هذه الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١] .\nوتحطمت الطواغيت والأوثان، ومن كل الألوان، فأشرقت الأرض بنور الله رب العالمين. فكل ما عداه باطل، ومهلك مضلّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] .\nإنه لفريد وعجيب ومدهش ذلك الجيل؛ الذي تربى على مائدة القرآن، ونهل من فيضه، وأترع من نهره، بيدي رسول الله ﷺ وتربيته وأسوته، فارتدى ذلك، واكتساه، واحتذاه.\nوعلى دربهم سارت ما تلاه من أجيال، وحتى اليوم والمستقبل على الدوام إن شاء الله تعالى، تربّت على الدعوة الإسلامية، وتعلمت أنّ الإسلام بيعة. ومنذ قبله، ودخل دائرته، وحمله باع نفسه لله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١]، كل بمقدار إقباله وإخلاصه وتضحيته والتزامه وإقدامه.\nوبهذا يقام مجتمع الإسلام، يسير على ذلك المنهج الكريم الذي عليه ربّى رسول الله ﷺ أصحابه، بما أوحى الله له وعلّمه، قرآنا وسنّة وسيرة.\nيقبلون عليه لا يتخلفون، ويفرحون بما يقدّمون، يسترخصون من أجله كل ما يملكون.\n_________\n(١/ ٢٠١) وبعدها (٢/ ٤٥٨، ٥٥٠، ٣/ ٢٣٠، ٦١٣) . الأعلام (٣/ ٢٢٧) .","vol":"1","page":344},{"text":"تجدون النماذج الكثيرة الوفيرة، من كل لون وميدان وتخصص، في العصور الإسلامية المتلاحقة، كلها تتضافر لإظهار هذه المعاني المثلى، قائمة في حياة المجتمع، تجتذب الناس، وتدعوهم إليه. وإذا حلّ الإيمان بهذا الدين الكريم- قلب إنسان، كانت ولادة جديدة رشيدة. وانظروا إلى بيعة العقبة كيف كانت وكيف كان أصحابها، وكيف كان استعدادهم الرفيع للبذل من أجل هذا الدّين «١» .\nثم كانت الهجرة، والتقى أهل الهجرة بأهل النصرة «٢»، بعد أن حمل الطريق خطواتهم السارّة البارة، هجرة عن الوطن من أجل الدعوة إلى الله، وحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وهو أمر فريد «٣» .\n_________\n(١) سبق الحديث عنها، انظر: أعلاه. كذلك مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٢٢- ٣٢٣، ٣٣٩- ٣٤٠) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٠٩) .\n(٢) حياة الصحابة (١/ ٣٣٥) وبعدها (٣٧٧) وبعدها.\n(٣) ولقد ورد عن الرسول ﷺ أنه حزن على ترك مكة المكرمة في الهجرة، لكن دين الله أعزّ من كل شيء، حتى من النفس والأهل والولد. وكانت الهجرة هجرة إلى الله، ونصرة لدينه. فأخرج الترمذي (٥/ ٦٧٩ حديث رقم ٣٩٢٥) أن أحد الصحابة رأى رسول الله ﷺ في الهجرة واقفا على راحلته بالحزورة، في سوق مكة (موضع مرتفع خارج مكة، ومعناها الرابية) وسمعه يقول: «والله إنّك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله ﷿، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (زاد المعاد، ١/ ٤٨- ٤٩) . وأخرجه كذلك أحمد في مسنده، المسند، (٤/ ٣٠٥)، والترمذي، رقم (٣٩٢٥/ ٥) . أسد الغابة (٣/ ٣٣٦)، رقم (٣٠٦٨) . كما أخرج الترمذي بعده ما يؤكده من قول رسول الله ﷺ مخاطبا مكة: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» . (انظر: السيرة النبوية، الندوي، ١٤٥- ١٤٦) . وذكر أن أصيل الهذلي (أو الغفاري) قدم على النبي ﷺ من مكة إلى المدينة- قبل أن يضرب الحجاب على أزواج رسول الله ﷺ- فقالت عائشة ﵂: يا أصيل، كيف عهدت (تركت) مكة؟. فلما أجابها، قالت له: أقم حتى يأتيك رسول الله ﷺ. فلم يلبث أن دخل عليه النبي ﷺ، فقال: «يا أصيل! كيف عهدت مكة»؟ قال: عهدتها والله وقد اخضرت أجنابها (أخصب جنابها) وابيضت بطحاؤها","vol":"1","page":345},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-155> قوة التضحية والفداء:</span>\nمن أجل العقيدة تركوا كلّ شيء، فرحين بنصرتها، وإعلاء رايتها، وقدّم أهل النصرة كل شيء لهم، أخوّة في الدين، وإخلاصا لله رب العالمين، فوطن المسلم حيث يستقر دينه، وتقوم دولته، وتنتشر دعوته.\nهذا المستوى واللون لا يأتي بكثرة العلم اللساني، بل العلم القلبي الرباني؛ الذي قيضه الإيمان بالله رب العالمين وعمّقه حبّ هذا الدين ومعرفته. ولا يتم بالمنصب والمال، فليس ذلك مورده ولا سنده، ولا يأتي من بابه، بل بالارتباط الوثيق بالله تعالى، يمتلىء القلب المؤمن به ليثمر عملا صادقا صالحا وماء من العين صافيا، ولا تقبل صدقة من ريّ بل بطاعة الله تعالى والعمل على رضاه بشرعه. وانظر إلى ما عمله، وقدمه، وبلغه عموم الصحابة الكرام «١» .\nفصدق التوجّه في الإيمان قوة تفتّق كل شيء خيرا وهو مختوم، وتفجر الينابيع الثرة، وكانت مغلقة، وتنبت كل طاقة فاضلة غائبة أو موقوفة،\n_________\n(أباطحها) وأعذق إذخرها، وانتشر سلمها، وأرغل (أسلب) ثمامها. فقال ﷺ: «حسبك يا أصيل لا تحزنا، لا تشوقنا، ويها يا أصيل دع القلوب تقر» . الاستيعاب (١/ ١٣٦) رقم (١٣٩) . أسد الغابة (١/ ١٢١)، رقم (١٩٢) . الإصابة (١/ ٥٣)، رقم (٢١٥) . وأخرج البخاري (٢/ ٦٦٧، رقم ١٧٩٠، ٣/ ١٤٢٨، أرقام: ٣٧١١، ١٠٥٧، ٢٧٢٩، ٥/ ٢١٤١، أرقام ٥٣٣٠، ٢١٤٨، ٥٣٥٣، ٢٣٤٣، ٦٠١١) أنه كان بلال الحبشي في المدينة يتشوق إلى مكة يرفع صوته مكررا:\nألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل\nوهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل\nانظر: سيرة ابن هشام (١/ ٥٨٩) (الخشني ٢/ ٢٧٢- ٢٧٣)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٤) . «مجنّة»: موضع ماء قرب مكة أسفلها، قرب عكاظ، كان به سوق باسمه، «شامة» و«طفيل»: جبلان قرب مكة. معجم البلدان (٣/ ٣١٥) . «الإذخر»: نبات طيب الرائحة. «الجليل» و«الثّمام»: نوع من النبات.\n(١) مرت أمثلة متعددة، انظر مثلا: أعلاه، ١٨، ٩٣، ٩٦ وبعدها.","vol":"1","page":346},{"text":"تقيم البناء، وتربو الحياة بنصر الله وتأييده، يتوجّه إلى الله يرجوه القبول.\nأحزان قلبي لا تزول ... حتى أبلّغ بالقبول\nوأرى كتابي باليمين ... وتقرّ عيني بالرّسول\nفكم من مجاهد سعى يبحث متلهّفا عن الشهادة حثيثا فرزقها، أمنية عزيزة ألذ من شهد، وأحفل من زفاف. وشهيد استعد لها، وتمنّاها، ووجد ريحها، وتمنى أن يعود، ويقتل فيعود، ويقتل فيعود، كانت ثيابه كفنا قصيرا لا تغطيه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] .\nوكم من عين رخص ماؤها، وأخرى ذهب بصرها في سبيل الله، وجزء من بدن مجاهد ترك في ميدان المعركة بعيدة، سابقة صاحبها إلى الجنة، وجسد كثرت فيه الطعان تجاوزت جروحه العشرات يغبطه فيها ومنها، السليم المصاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>إنها بيعة دائمة، وعهود قائمة</span>.\nفانظروا ماذا صنع خبيب، وماذا طلب قبل الموت «١»: الصلاة.\nوعمر بن الخطاب يوم طعن عمّ سأل: عن الصلاة «٢» .\nهجروا كل شيء، وهاجروا إلى الله، باعوها (النفس) له، وبايعوا عليها. أقبلوا عليه بخلوص وصفاء، ملك عليهم الحياة، وتخلوا عن كل ما عداه، من منصب ومال وزعامة وجاه، إذ لا حياة ولا جاه إلا بالإسلام، وكانت لهم النّصرة والنفرة في كل الأحوال.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-157> الإقبال خفافا وثقالا:</span>\nذكر عن أحدهم أنه قال: وافيت المقداد بن الأسود- فارس رسول الله\n_________\n(١) انظر: أعلاه، ص ١٠٤، ٣٠١.\n(٢) أخبار عمر (٤٠٥) .","vol":"1","page":347},{"text":"ﷺ- جالسا على تابوت (صندوق) من توابيت الصيارفة، وقد فضل عنها من عظمه: أريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أبت علينا سورة البعوث (التوبة) انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا [التوبة: ٤١] «١» . وفهم أن ذلك محفوف بالأهوال خفّت وبذل المال، وتقديم الأنفس إحقاقا له، وإعلاء لشأنه، نساء ورجالا، شيبا وأطفالا. وكان هذا أمنية «٢» يسعون إليها، ويضرعون إلى الله في تحقيقها في كل طور، وما أكثر الأمثلة «٣» !\nهبّت نفوس أحياها الإيمان، وأشرقت جوانبها، وأضاءت جوانحها بالهداية، فباعت نفسها لله، وبايعت على الطاعة والفداء تتحرك بشرعه تدور مع القرآن حيث دار «٤»، ولا تخاف في الله لومة لائم «٥» .\nنحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا «٦»\nوتقدّموا على الطريق يحملونه بأرواحهم، ويغسلونه بدمائهم شهداء، يتمنون على الله أن يعادوا لمثله «٧» . وانظر ماذا فعل ثابت بن قيس سيد الخزرج «٨» في حرب اليمامة تحنط وتكفن وخطب في المسلمين حتى أثخنته\n_________\n(١) وكما يقول الله ﷿ من قائل في سورة النساء (٧١): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا.\n(٢) حياة الصحابة (١/ ٤٥٧، ٢/ ١٠٩، ٣٨٩) .\n(٣) انظر: أعلاه.\n(٤) معنى حديث شريف. انظر: موضوع أبي بصير الذي كان ينشد:\nالحمد لله العلي الأكبر ... من ينصر الله فسوف ينصر\n(٥) من الآية الكريمة: سورة المائدة (٥٤) .\n(٦) البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق، رقم (٣٨٧٣- ٣٨٧٤/ ٤) .\n(٧) أخرجه البخاري، أرقام (٢٦٤٢- ٢٦٤٦) . مسلم، رقم (١٨٧٧) . انظر: رياض الصالحين، (٥٠٤)، رقم (١٣١١) .\n(٨) سيد الخزرج، وحامل راية الأنصار، وخطيب الأنصار. انظر: الاستيعاب (١/ ٢٠٠)، رقم (٢٥٠) . أسد الغابة (١/ ٢٧٥)، رقم (٥٦٩) . الإصابة (١/ ١٩٥)، رقم (٩٠٤) . البداية والنهاية (٦/ ٣٣٥) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣١٠- ٣١١) . حياة الصحابة (١/ ٥٣٥، ٥٣٧، ٢/ ٣٦٧) . الأعلام (٢/ ٩٨) .","vol":"1","page":348},{"text":"الجراح، فذهب شهيدا، وفاز بالشهادة.\nعجيب ذلك الجيل الكريم، وما تلاه من أجيال سارت على الدرب المنير، وكذا الآن وفي كل آن والمستقبل ما دامت تقتديه وتفتديه، تعلّقت بالله وعبدته بشرعه وعملت لرضاه، أملا وعملا، بنت الحياة منيرة معمورة متعالية منصورة «١» .\nإذا حلّ الإيمان قلب إنسان كانت له بذلك ولادة جديدة رشيدة، وبيعة العقبة طليعة أهل النصرة.\nثم كانت الهجرة لتغرس على الطريق أزاهير المسك فوّاحة، بأقدامهم القوية خلال خطواتهم السّارة البارّة.\nهجروا الموطن وما فيه وهو عزيز، ولاحتضانه البيت العتيق، من أجل الدعوة إلى دار الهجرة، إشارة إلى أن موطن المسلم حيث تكون دعوته، وتقوم دولته وأهله وقومه؛ الذين يعيشون فيه بها وله، فهم إخوانه والمعسكر الذي ينتمي إليه، وهم فئته وأمته من دون الناس، وسماعها ذكر اسم الله تعالى.\nهاجروا إلى المدينة أرسالا وفي أحدها مجموعة فيها عمر بن الخطاب، وسالم «٢» مولى أبي حذيفة، كان يؤمّهم لأنه أحفظهم للقرآن. وفيه قال عمر: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته) «٣» (يعني: الخلافة) .\n_________\n(١) وهذا نجده في كل العصور واضحا، والشواهد على ذلك كثيرة، وكثيرة جدا.\n(٢) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم (٣٧٠٩- ٣٧١٠، ٣/ ١٤٢٨، ١٣٧٢) . كتاب: الجماعة والإمامة، باب: إمامة العبد والمولى، رقم (٦٦٠) (١/ ٢٤٦) . سير أعلام النبلاء (١/ ١٦٨- ١٦٩) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٤، ٥٣٥، ٣/ ٩٦) . «أرسالا» (مفردها: رسل): بعضهم في إثر بعض، تفسير القرطبي (٢/ ١٣١) .\n(٣) أسد الغابة (٢/ ٣٠٧)، رقم (١٨٩٢) . سير أعلام النبلاء (١/ ١٧٠) . أخبار عمر (٤١٢) .","vol":"1","page":349},{"text":"حتى جاء موكب الهادي المدينة مهلّلة مكبرة «١» .\nطلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع\nوجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع\nأيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع\nجئت شرّفت المدينة ... مرحبا يا خير داع\nفالتقى أهل الهجرة بأهل النصرة أخوّة في الله وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢- ٦٤] . ذلك الجيل الفريد تربّى على مائدة القرآن وسيرة الرسول الكريم ﷺ، وكذلك حين يفعل أي جيل. وانظر إلى ما صنعوا هم وغيرهم ممن أتى بعدهم، وكلهم كانوا كذلك ويكونون بعون الله تعالى، وعلى مدار التاريخ. فهذا سعد بن معاذ، وموقفه العظيم في بدر والخندق وفي الحياة الإسلامية كلها «٢»، وتعرّف إلى أي أحد منهم تجد في حياته عجبا، وقمة سامقة، ونموذجا باهرا.\nأظهرت الهجرة- مثل غيرها من الأحداث الكثيرة الوفيرة- قوة الإيمان التي لا تقاس بالقوة المادية. وإن الله ينصر عبده، ويبعث له جنده، حتى ليقوم القليل منهم بما يواجه بهم الجيش الجليل، كما جرى في الغار والمعارك والفتوحات «٣» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-158> لقاء الهجرة والنّصرة:</span>\nووصل الركب الكريم مدينة النور والحبور «٤»، واجتمع المهاجرون\n_________\n(١) تخريج الدلالات السمعية (٧٦١) . البداية والنهاية (٣/ ١٩٧) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٤) .\n(٢) انظر: أعلاه، ١١٩، ١٢٣- ١٣٨، ٢٢١.\n(٣) انظر: أعلاه، ص ١٥٠.\n(٤) حياة الصحابة (١/ ٣٤٢- ٣٤٤) .","vol":"1","page":350},{"text":"والأنصار على الأخوّة في الله «١»، وجرت أحداث عجيبة، ودوما كان كذلك، وهكذا يفعل دوما صدق التوجّه إلى الله- إيمانا واحتسابا- ينشئ طاقة جديدة تقوم هي أيضا، قوة تفتق الخير كله، بكل ما لديه، وتأخذ بها إلى قمة عليا، تقيم البناء، وتربو الحياة- بنصر الله وتأييده- متوجهة إلى الله تعالى، وترجو رضاه.\nإن الذين حملوا الإسلام، وهاجروا به ونصروه، نراهم نعم القدوة، لا لأنهم أكثر علما- مع أهميته وضرورته- أو خلفوا لنا الكتب، بل لأنهم تربوا على القرآن وسيرة رسول الله ﷺ فأحيا ذلك نفوسهم، وأنار قلوبهم، وملأ كيانهم.\nكم هو جيد أن نحتفل بهذه المناسبات، في وقت حاول البعض تشويهها وطمسها ونسيانها، ولكن يجب أن يتجاوز اهتمامنا الاحتفال إلى الإقبال والعمل والإقدام. وكم من أناس وتجمع يحاربون الإسلام، ويحتفلون به، وهم أكثر ضيقا به من أعدائه، يغشونه، ويجهلونه، ويرفضونه.\nنريد أن تحتفل به نفوسنا، وتتنوّر به أعمالنا، وتحفل به حياتنا؛ لتقوم الحياة الإسلامية، وترتفع راية شريعته، وتتثبت في الحياة أعلامه.\nفالقرن الخامس عشر الأمل- إن شاء الله تعالى- أن يهيئ الله أمر دعوته وينجز ذلك بسنته؛ لتسوس الحياة، وتقيم شؤون الناس على حكمه، وهو أمر كائن إن شاء الله ولا شك فيه بعونه، إن لم يكن بنا فبغيرنا. وسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤]، يحتضنون دينه، وينصرونه. وكل حرب له لا تفيد، فالخير قادم، والحق قائم، والنبع الجديد ماء الحياة سالم، وما يريد الله وصله لا ينقطع أبدا.\n_________\n(١) حياة الصحابة (١/ ٣٤٣، ٣٤٤، ٣٨٠) .","vol":"1","page":351},{"text":"إنه دين النصر والانتصار في كل ميدان، والخير فيه وحده. وعدّة النصرة بيع النفس لله رب العالمين إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١١١] .\nوانظر إلى صنع الصحابة- نساء ورجالا وأطفالا- في أي موقف، ازدانت بهم المواقف، وازدهرت بهم المواقع، وجملت بهم المواضع.\nانظر إلى خبيب وجليبيب وسميّة «١» وغيرهم، وغيرهم كثير.\nإن الذين حملوا الإسلام، وهاجروا به، ونصروه، تراهم نعم القدوة لأنهم تربّوا على مائدة القرآن، وعاشوا سيرة رسول الله ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] .\nفالمرجو لإقامة مثل هذه المناسبات أن تورث آثارا كريمة، تعين على البناء، بمثابة منافذ للنفس وسقيا للروح، تنعشها مباركة، لتنتقل هذه الأحفال بمعانيها إلى النفس الإنسانية ثم الى الحياة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-159> واجب الشباب الطلاب:</span>\nأيها الأخوة الطلبة- وأستميح الأساتذة الكرام- أن أخصكم أولا ببعض كلمات، حتى لأحسب أنني أتكلم بلسانهم.\nإن الشباب- في كل أمة- موئل قوتها، ومركز حركتها، وهذا لا يقلل من شأن من تجاوز هذه المرحلة، وقد عاشوها، فلهم السبق ومعهم التجربة والقيادة.\n_________\n(١) انظر: هنا، ص ٢٢٥، ٣٦٠، ٢٩٦.","vol":"1","page":352},{"text":"أيها الشباب الطلاب: ليس من بديل لهذا الدين عن التمسك والأخذ به والعمل بمنهجه، ففيه الغناء والغنى والتقى والقوة والمنعة والعزة. ولا قيمة لمال أو رفاه أو شباب ومنصب ومكانة بدونه. وجمال تلك الأشياء به، وبدونه تصبح نقما وبه تكون نعما. والعلم والتحصيل- في ظل الإسلام- شيء جدّ كريم، علم الصيانة والديانة.\nفلنكن مثالا للشباب المتعلم المتفهم المستقيم، الملتزم بدينه، المتمثل بتعاليمه، العازم على نصرته. فهو يغنيه، وبه يكون التفاضل. وهذه النعم سيسألنا الله عنها، فاغتنموا شبابكم قبل الهرم، كما تحدث الرسول الكريم ﷺ «١» .\nونحن على أبواب قرن هجري جديد، ونرجو أن يكون للإسلام.\nوبالإمكان أن يأمل الإنسان، ويتوقع من ذلك خيرا كثيرا، ولكن لا القرون ولا الاحتفال بها وحدها تكفي، وأهمية الزمن تكمن لما يتمّ فيه.\nففي ربع قرن من أول عمر الدعوة الإسلامية تم في الأرض عجبا.\nفإذا أردنا أن يكون هذا القرآن يحكم في الأرض، أو أردنا أيّا من الأزمان أن يكون قرنا للإسلام وما بعده، فإن ذلك يتأتّى بتربية النفس على الإيمان، وحملها على الإسلام، وأخذها بشرع الله، إيمانا وتضحية وفداء. عند ذلك سيأتي نصر الله، وإنه لمن المؤمنين قريب، إذا وفّوا التزاماتهم، وأدّوا أماناتهم في أي شيء يشاء، وذلك ماثل إن شاء الله، ولكن- وتلك سنة الله- لا بد من توفر الجند، واحتمال كل جهد، والبذل من أجله.\n_________\n(١) حديث شريف تمامه: «اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» . فتح الباري (١١/ ٢٣٥) .","vol":"1","page":353},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-160> تضحيات فائقة رائقة:</span>\nفلا بدّ لهذا الأمر من تضحية تهون عنده الأمور، وتسترخص النفوس، ولا بد من الإقدام والبذل من أجله أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤] .\nفي ليلة قدم فارس إلى المدينة المنورة، ودفع باب أحد دورها برمحه، فخرج عليه شابّ دون التاسعة والعشرين من عمره، واستغرب وتعجّب كل منهما من الآخر.\nأتدرون من هذا الفارس ومن هذا الشاب العالم؟ هو الأب الذي خرج للجهاد «١» قبل نحو تسع وعشرين سنة، يوم كان الشاب جنينا في بطن أمه.\nوتعرفا على بعضهما، ولف الأب ابنه بذراعيه ذراع البطولة، وكان الابن من علماء المدينة يستمع الناس له بشوق.\nجاهد الأب في ميدان القتال، وجاهد الابن في ميدان العلم، وكلاهما لحمل الإسلام، وحفظه، ونشره، ذاك يرعاه بسلاحه، وهذا يرعاه بعلمه وفقهه. وكلاهما صفحة لقرطاس حملن أن يكون عند واحد، وعند كليهما عند الآخر «٢»: «وإنّ العلماء ورثة الأنبياء» «٣» .\n_________\n(١) فإن «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. سنن الترمذي (٥/ ١٣)، رقم (٢٦١٦) . كذلك (٤/ ١٥٩)، رقم (١٦٥٨) . ثم انظر: زاد المعاد (٣/ ٨٥، ١١١) .\n(٢) الشاب، هو: أبو عثمان ربيعة (ربيعة الرأي، ١٣٦ هـ ٧٥٣ م) بن أبي عبد الرحمن فرّوخ. انظر: وفيات الأعيان، (٢/ ٢٨٨) (٢٣٢) . سير أعلام النبلاء (٦/ ٨٩) . الأعلام (٣/ ١٧) .\n(٣) وهذا الجزء من الحديث الشريف بتمامه هو: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما إنما ورّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر» . الترمذي، رقم (٢٦٨٢/ ٥) . كذلك أبو داود، رقم (٣٦٤١/ ٤) . البخاري، كتاب: العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.","vol":"1","page":354},{"text":"إن الأمر جدّ، ينتظم الدنيا والآخرة، فلا بدّ من سلوك الجد في أمر الدنيا والآخرة، ولا بد من التوجه إلى الله تعالى والأخذ بشرعه، ونبذ ما عداه. وإن كل نصر في الحياة وبعد الممات يأتي تاليا بنصرة العقيدة وانتصارها في النفس، ثم يأتي بعدها انتصارها في الحياة.\nاللهم اجعلنا من العاملين بشرعك والدّاعين إليك، إيمانا عظيما، والمجاهدين في سبيلك، والحاملين مشاعل دعوتك ونور شريعتك، نحمل رايتها خفاقة، نعليها ونفتديها، واحفظ دينك، وأقم دعوتك دعوة القرآن، بأيدينا وأيدي هذا الجيل، وكل جيل من المسلمين، يمسكون قيادتها نحو الخير والبركة ينبوعا، يبنون مجتمعه المتحضّر، مثابة للناس كافة، ومهوى الأفئدة، وموئلا آمنا كريما لأهل الأرض أجمعين «١» .\nاللهم أعزنا بكلمتك، وأعزّها بنا، وانصرنا بدعوتك، وانصرها بنا، وأقم شريعتك الغراء في حياتنا، واجعل مجتمعاتنا له حامية وبانية وحانية، واجعلنا من جنودك المخلصين، وهيئ لنا فرص خدمة هذا الدين، وقوّنا في أداء أمانته، آمين كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٤٩- ٢٥٠] .\n_________\n(١) كان هذا المبحث في الأصل كلمة ألقيت بقاعة الاحتفالات الكبرى (كليات البنين) بجامعة الإمارات العربية المتحدة (مدينة العين)، قبل نحو خمسة عشر عاما، بمناسبة الاحتفال بالهجرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- ثم زيدت هنا كثيرا جدا وتعنونت (العناوين الفرعية كافة) وتهامشت (تزويدها بالمصادر والمراجع) . والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":355},{"text":"المبحث التاسع حقائق الهجرة (النبوية) ودعائمها\n* مناسبات ذات دلالة\n* قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى\n* التسخير لهذا الدين\n* الهجرة حب وحفظ\n* النصر حليف الإيمان\n* عجائب هذا التاريخ\n* الإسلام ارتقاء وشموخ\n* الإسلام تعامل وأخلاق\n* الإسلام شفاء وبناء","vol":"1","page":357},{"text":"الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.\nيمضي عام وعام، والمسلمون يحتفلون بالهجرة- وغير الهجرة- من المناسبات الإسلامية «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-162> مناسبات ذات دلالة:</span>\nإنه ليس معرضا خطابيا يتبارى فيه الخطباء، وليس حلبة يتجارى ويتباهى المتكلمون فيها، إنه موقف مسؤولية كبرى، موقف لا يصحّ معه بالمتكلم والسامع، على السواء، وعلى الجميع- أن يكون مقصّرا.\nوالمرجو أن يكون لهذا الحضور مدلول، واهتمام، ونية مكرورة مذكورة؛ للأخذ بتعاليم الإسلام، نحتفل ونأمل في مستقبل كريم، ولا بدّ أن نسعى بجدّ وصدق كيلا تتحول جهودنا إلى احتفالات، وكفى بذلك هدفا.\nوإن الهجرة وأمثالها مدعاة للتأمل والعمل، أن تعود سيرة تلك الوجوه الجميلة، والأيدي المتوضئة، والقلوب المتنوّرة، والأذرع الممتدة، والصدور المحتضنة للخير تفتديه، وتقبّله بلذة، وتعانقه بنشوة، وتحمله بفرح شديد.\nامتلأت حياة المسلمين من المهاجرين والأنصار- أهل الهجرة وأهل النّصرة- بالأمثلة على ذلك، طيلة حياتهم الإسلامية. وقد مرت بنا قصة\n_________\n(١) ألقيت بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة في جامعة الإمارات العربية المتحدة، في مكانين (كليات البنين وكليات البنات) بصيغتين- إجمالا- بتاريخ (١٨/ ١١/ ١٩٨٠ و١٩/ ١١/ ١٩٨٠) . ثم جرى دمج الصيغتين هنا، كما جرى تحسينهما، واستكمالهما، وإضافة الحواشي والعناوين الجانبية، وتوثيق النصوص، وذكر مصادرها.","vol":"1","page":358},{"text":"حبيب بن زيد الأنصاري ذات المدلول الكبير «١» . إنّ هذا اللون من البناء هو الذي يستطيع أن يهاجر، ويقيم الهجرة، ويقدم النصرة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-163> قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى:</span>\nإنّ قوة الإسلام ذاتية مستمدّة من الله تعالى، أقرّها فيه، ومودعة في حقيقته وطبيعته. ومن يتّصل بها يتّصل بالله، ومن اتصل بالله ملك، واتّصل بالقوة العليا الغالبة البالغة.\nليس الذي يملك القوة- جائرا ظلوما غشوما- ويغلب بها هو المنتصر، مهما بدا كذلك. فكم من دول في التاريخ ملكت القوة، وهي تحيا بالطغيان «٢»؛ لأنها متوشّحة بالكفر والعصيان، فذلك كله يثقله إلى الأرض، ويحجبه عن الخير والنور والبر والبركة.\nإنّ الظلم والطغيان والكفر والعصيان، يمثل الهزيمة. أما الطاعة والإيمان بالله تعالى، مقود البطولة، ومقوّم العمران، ومجلبة لنصر الله في كل ميدان، وكل طاغية جبان هزيل وضعيف، وانظر الى فرعون ونهايته مخذولا.\nليس الإيمان وظيفة أو تخصّصا، إنه ينبوع متدفق لا يغيب، ولا يغيض، بل ويفيض. وأعداء الإسلام يعرفون ذلك، فهم يخافونه ويحاربونه، في الماضي والحاضر وعلى الدوام.\nواليوم فما يشنّ عليه- شرقا وغربا- على ذلك دليل أي دليل، فدول تدّعي الحضارة والسلام، وهي تعيش بين الدماء والليالي الحمراء، منعوا وأجبروا وتعاملوا بمكائن ثرم اللحوم في روسيا، وقتل السود في أمريكا\n_________\n(١) انظر: أعلاه، ص ٢٢٥.\n(٢) التاريخ الأندلسي (٣١- ٣٢) .","vol":"1","page":359},{"text":"وغيرها، وفي المجر (هنغاريا) منعوا الأسماء الإسلامية «١» .\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-164> التّسخير لهذا الدّين:</span>\nولكنّ دين الله تعالى قوي بتأييد الله تعالى له، وبه قوته، فهو قوي بما أودع الله فيه من ذاتية فاضلة شاملة، قويّ بما يهيئ له من عوامل النصر لمن، وبمن أطاعه، ووالاه.\nوقد يجري الله تعالى هذا على يد من ليسوا من أهل طاعته ولا من أتباع دينه. والكثير من الآخرين يخدمونه، حتى «وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» «٢» . وإن المسلم يعيش حياته مهاجرا، وهو منتصر من أول يوم يتعلّق قلبه بالإسلام.\nخبّروني بربكم من المنتصر بلال»\nأم أمية؟ ومن المنهزم المفلس أبو جهل أم سميّة «٤»؟ وبالقياس لأيّ ميزان واعتبار وأية حسابات؟ وما الذي جعل بلالا وسميّة في نصر دائم، وأبا جهل، وأميّة في هزائم متصلة؟.\nإنه ذلك البناء هو الرصيد الذي أقامه الإسلام، وصاغ تلك النفوس، وملأ تلك القلوب، وعمر تلك الصدور؛ بهذه المعاني الربانية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-165> الهجرة حبّ وحفظ:</span>\nإنّ هذا اللون من البناء هو الذي يستطيع أن يهاجر، ويقيم الهجرة.\nفالهجرة إلى الله تعني هجر كل ما عداه، بحفظ أمره وطاعته: «يا غلام\n_________\n(١) انظر، التفسير (٣/ ١٦٠٩- ١٦١٠) . دراسات إسلامية (١٨٧- ٢١٨) .\n(٢) حديث شريف أخرجه البخاري رقم (٢٨٩٧/ ٣) . ومسلم، رقم (١١١/ ١) . جامع الأصول، رقم (٧٧٣٨/ ١٠) .\n(٣) انظر: أعلاه، ص ١٠٢، ٢١٤، ٢٢٤.\n(٤) انظر: أعلاه، ص ٢١٤، ٢٢٥، ٢٩٦.","vol":"1","page":360},{"text":"احفظ الله يحفظك» «١» .\nوعند ذلك يسمو الإنسان بالحبّ في الله، ويغدو كلّ شيء من أجله هين، وكلّ مشكلة في طريقه ميسورة.\nومن أجل هذا الدين وحبّه ترك المهاجرون كلّ شيء: الأهل والولد والمال، وكذلك البلد. وهذا كلّه رغم حبّ الإنسان لكل ذلك، وتعلّقه بها، ولكن دين الله تعالى أغلى من ذلك كله، ورسول الله ﷺ يقول وهو يترك مكة المكرمة حين الهجرة: «والله! إنك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» «٢» .\nوبذلك يقوم المجتمع المسلم، وينصر الله المؤمنين، وبه حلّت كلّ المشكلات، يوم انتقلوا إلى دار جديدة، إذ كانت بعض المشكلات- بدون هذا الدّين- تجعل قيام المجتمع (الإسلامي) ودولته أبعد من البعيد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-166> النصر حليف الإيمان:</span>\nفالنصر يدور مع الإيمان، مع الإيمان- العميق الواعي المتفهم- بالله تعالى، ودعوته الكريمة، وبالنبوة الخاتمة، ومع الأخذ بكلّ الأسباب\n_________\n(١) حديث شريف وتمامه: (عن عبد الله بن عباس ﵁)، قال: (كنت ردف النبي ﷺ يوما، فقال لي): «يا غلام! إني معلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك. وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أنّ الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفّت الصّحف» . أخرجه الترمذي، رقم (٢٥١٦/ ٤) . المسند (١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٠٧) (الجديدة: أرقام ٢٦٦٩/ ٤، ٢٧٦٣/ ٤، ٢٨٠٣/ ٥) . جامع الأصول، رقم (٩٣١٥/ ١١) .\n(٢) سبق ذكره، أعلاه، ص ٣٤٥. انظر: زاد المعاد (١/ ٤٩) . رواه الترمذي رقم (٣٩٢٥/ ٥)، وأحمد (٤/ ٣٠٥) . كذلك: سبل الهدى (٣/ ٣٣٣) . أسد الغابة (٣/ ٣٣٦)، رقم (٣٠٦٨) . الاستيعاب (٣/ ٩٤٩)، رقم (١٦٠٨) .","vol":"1","page":361},{"text":"الممكّنة، كما رأينا في الهجرة النبوية الشريفة واضحة، فالنصر إذا لا يدور مع القلّة والكثرة، كما هو مشاهد في السّيرة الشريفة وعموم التاريخ الإسلامي. وحتى الكثرة تأتي بهذا البناء، فتغني نعم الغناء. وكذلك كانت الهجرة، تمت في ظروف صعبة، وإمكانيات قليلة، في خضم متلاطم من الأعداء والأهواء والأهوال، وهكذا كانت وجرت كلّ أمور الإسلام.\nإنّها القوة الإيمانية الربانية التي تقود إلى الانطلاق بهذا الدّين، حرصا والتزاما حبا وطاعة لله تعالى. يلازمها تحرّي منهج الله والسعي لرضاه، وصورة رسول الله ﷺ قدوة ماثلة. وبذلك لا يهمّ المسلم ما يلقاه من أجل نصرة هذا الدّين. وكل المشكلات، وكل الطغاة لا ينالون من الدّعاة شيئا.\nهؤلاء الدّعاة الذين رسموا صورة الإسلام بسلوكهم، وأقاموا الحياة بجهادهم، فالله تعالى مانعهم من كلّ الأذى، إلا ما يجريه﷾ عزّه- حسب إرادته وحكمته. وهي سنّة الله الذي منع أنبياءه وحفظهم ﵈- وسيدهم رسول الله ﷺ؛ الذي يقول مخاطبا ابنته فاطمة يوم اشتدّ عليه الأذى في مكة: «فإن الله مانع أباك» «١» .\nوبهذه الرّوح انطلقوا في الحياة على بيعتهم يوفونها، وهم بها فرحون وينشدون:\nنحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا «٢»\nلا بدّ أن يعود الإسلام ليقود ويسود، ولكن لله تعالى سننا، فلا بدّ من جند أمناء أقوياء أوفياء، ينصرونه ويحملونه ويفتدونه، والتباشير بادية إن شاء الله تعالى.\nوإن الغرب الذي غزا العالم الإسلامي بعسكره وفكره، بخيله ورجله، صحا أو غدا على صليبيته ووحشيته، انهزم مرتين في البلاد، بكل\n_________\n(١) انظر: سيرة الذهبي (٢٣٥) . البداية والنهاية (٣/ ١٣٤) حياة الصحابة (١/ ٢٦٦) .\n(٢) سبق ذكره، انظر: أعلاه، ص ٣٤٨.","vol":"1","page":362},{"text":"ما استعمله، رغم إمكانياته ومعاونيه من الخونة العاقّين، على مختلف الأصعدة (الصّعد) والميادين. ورغم ذلك، فالإسلام يتقدّم، وتتّسع مروجه، وتغلب أطايبه، وتسمو راياته الخفاقة عالية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-167> عجائب هذا التاريخ:</span>\nوهذا تكرار لظاهرة فريدة، جرت ومرّت في التاريخ الإسلامي، عرفها وألفها، فالتتار والمغول الذين حملوه، وأقاموا دولته، أتوا إلى دياره غزاة، ويومها أفنوا وقضوا على كلّ ما واجهوه، بوحشية وتدمير.\nوهذه خصيصة في الإسلام قائمة ومكينة، عرفناها في التاريخ الإسلامي تكرارا، وهي دوما لا تريم ولا تغور، والإسلام هو البداية والنهاية، وهو أولا وآخرا، وهكذا بوضوح تامّ.\nوهذا أمر متميّز في الإسلام: تحوّل أشدّ الأعداء إلى خير الأبناء «١»،\n_________\n(١) يقول الرسول الكريم ﷺ: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا؛ وتجدون خير الناس في هذا الشأن (الأمر) أشدّهم له كراهية (حتى يقع فيه)؛ وتجدون شرّ الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه» . رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عدا ما بين الأقواس فهي من مسلم. البخاري، رقم (٣٣٠٤- ٣٣٠٥/ ٣) . ومسلم، رقم (٢٥٢٦/ ٤) . المعنى: أي أن الناس مثل المعادن، تجد فيها النفيس كما تجد فيها الخسيس. والإسلام ينظفه ويشرفه ويزيده. هذا الشأن الأمر، قيل: الإمارة والإدارة. وممكن وهذا مهمّ جدا- أن يعني: الإسلام. فالذين حاربوا (ويحاربون) دعوته أولا، (بعضهم أو كلهم إذا عقلوا وقبلوا وأقبلوا) كانوا (ويكونون) فيما بعد من أشد أبنائه فداء وتضحية وجهادا، من أمثال: عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، والأصيرم، ومخيريق، وثمامة بن أثال، وغيرهم كثير، وأمثال مسلمة الفتح، ومن قبلهم، ومن بعدهم كثير جدا، مثل: أبو سفيان بن الحارث، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وفضالة بن عمير بن الملوح الليثي؛ الذي أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فما أن مسح ﷺ صدره حتى كان أحبّ شيء، وأحبّ كل خلق الله إليه. ولما عاد إلى أهله مرّ","vol":"1","page":363},{"text":"وهو أمر واضح من بداية الدعوة الإسلامية.\nدع عنك ما قاله الأعداء تشويها ... هي الدعاية فلتسقط مباديها\nلا يقدرون على شيء بما كسبوا ... غير المكائد في أقصى معانيها\nوالحق يقذف نارا فوق باطلهم ... فيدفع الله أهواء ويوهيها\nفمن تكن كلمات الله حجّته ... فلن يخاف من الدّنيا وما فيها\nفالإسلام ارتفع بالإنسانية، همة وخلقا وفكرا ومسلكا، في أي من الميادين، وأي من المضامين، وفي أي حقل للعاملين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-168> الإسلام ارتقاء وشموخ:</span>\nوانظر إلى من شئت من الصحابة الكرام تجد حياتهم وتصرفاتهم ومواقفهم معبرة عن ذلك ومؤشرة ومفسرة. كل حياتهم مواقف كريمة، وكل مواقفهم بارّة حميمة جسيمة. أناروا الحياة، وتنوّرت بهم، وجعلوها حلوة خضرة نضرة. بنوها وعمروها وحضّروها، حتى كانت بدمائهم، يبذله مقبلا مختارا، ويصرّ على ذلك إصرارا.\nفهذا سالم «١» - مولى أبي حذيفة «٢» - الذي استشهد مع أبي حذيفة في معركة اليمامة (١٢ هـ) (لما انكشف المسلمون يوم اليمامة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ. فحفر لنفسه حفرة، فقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، ثم قاتل حتى قتل. وقيل: إن\n_________\nبامرأة كان يتحدث إليها، فقالت له: هلمّ إلى الحديث، فقال: لا، ثم أنشد (سيرة ابن هشام، ٣/ ٤١٧):\nقالت هلمّ إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليك الله والإسلام\nلو ما رأيت محمدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسّر الأصنام\nلرأيت دين الله أضحى بيننا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام\n(١) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١/ ١٦٧) .\n(٢) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١/ ١٦٤) .","vol":"1","page":364},{"text":"سالما وجد هو ومولاه أبو حذيفة، رأس أحدهما عند رجلي الآخر صريعين ﵄) «١» .\nومصعب الذي استشهد وهو يدافع عن رسول ﷺ في أحد، وقطعت أعضاؤه، وهو مستمرّ في القتال «٢» .\nإنّ فوت الزمان يجعل الإنسان المسلم يتشوّق، ويتحوّل أكثر نشاطا لتعويض ما فات «٣» . وكلّ ذلك بسبب بنائه على دين الله، وقيام حياته على منهجه وارتباطه بالله تعالى، طاعة وعبودية وحبّا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-169> الإسلام تعامل وأخلاق:</span>\nإنها العقيدة في الله، تنير القلب، وشريعة الله تضئ الدرب، وتحطّم\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١/ ١٦٩) .\n(٢) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١/ ١٤٥) . أعلاه، ص ١١٧- ١٢٠، ٣٣١.\n(٣) مثلا، انظر ما فعله الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي (١٥ هـ)، أبو المغيرة، وأبو عبد الرحمن، (أخو أبي جهل) من مسلمة الفتح (٨ هـ) . ولما أسلم قال له النبي ﷺ: «الحمد لله الذي هداك، ما كان مثلك يجهل الإسلام» . استأمنت له أم هانئ، فأمّنه النبي ﷺ. وهو من المؤلّفة قلوبهم، والذين حسن إسلامهم. ترك مكة في خلافة عمر بن الخطاب متوجها إلى الشام، متفرغا للجهاد هو وأسرته وماله، واستشهد باليرموك (١٥ هـ) . وهو أحد الثلاثة الجرحى في اليرموك، وآثروا بعضهم بالماء، وماتوا ولم يشربه أحد منهم. ولما خرج أهل مكة يشيّعونه، ويبكون، فقال لهم: (يا أيها النّاس! والله ما رغبت بنفسي عنكم، ولا اخترت بلدا غير بلدكم، ولكن كان هذا الأمر فخرجت فيه رجال من قريش، والله ما كانوا من ذوي أسنانها ولا في بيوتاتها، فأصبحنا والله لو أن جبال مكة ذهبا، فأنفقناها في سبيل الله ﷿ ما أدركنا يوما من أيامهم، وأيم الله لئن فاتونا في الدنيا لنلمسنّ أن نشاركهم في الآخرة، ولكنها النقلة إلى الله تعالى، فاتقى الله امرؤ) . وخرج في سبعين من أهل بيته فلم يرجع منهم إلا أربعة. الاستيعاب، (١/ ٣٠١- ٣٠٤)، رقم (٤٤٠) . أسد الغابة، (١/ ٤٢٠- ٤٢١)، رقم (٩٧٩) . سير أعلام النبلاء، (٤/ ٤١٩) رقم (١٦٧) .","vol":"1","page":365},{"text":"كلّ الجدر، فيصل صوتها الى النفس، تخترق الحواجز فيقيم الإنسان من رقدة، وتنفض عنه همدة. وانظر ما جرى لثمامة بن أثال «١»، الذي كان\n_________\n(١) ثمامة بن أثال (١٢ هـ ٦٣٣ م) بن النعمان اليمامي من بني حنيفة، أبو أمامة: سيد أهل اليمامة، صحابي. وقف في حروب الردة ضد الذين حاربوا الإسلام من قومه، وقاتل مع المسلمين، وبعد أن نصح قومه، وواجههم بالحق، وحثّهم على الصدق. وقبل إسلامه له جهود طويلة، وأعمال كثيرة، وإعداد متكرر، كان يرتب أساليب الأذى، ويجهز من أتباعه، ويبعث الأعوان لقتل رسول الله ﷺ. ويذكر أنّ الرسول ﷺ دعا: «اللهم اهد عامرا، وأمكنّي من ثمامة» . الإصابة، (٢/ ٢٥٠)، رقم (٤٣٩٠) . فأسلم عامر (عم ثمامة) وأسر ثمامة، ثم أسلم. ويوما بعث النبي ﷺ سرية بقيادة سليط بن عمرو العامري (إمتاع الأسماع، ١/ ٣٠٨. زاد المعاد ١/ ١٢٢، ٣/ ١١٠)، أو محمد بن مسلمة (البداية والنهاية، ٤/ ١٤٩) على ما يبدو، في السنة السابعة للهجرة- فأسرت هذه السرية ثمامة بن أثال- وهو يريد العمرة- وهم لا يعرفونه. فجاؤوا به إلى النبي الكريم والرسول العظيم ﷺ، فوضعه في المسجد، وترك من يقوم على ضيافته يسقيه ويطعمه، ويقدم له الحليب من ناقة رسول الله ﷺ. كما أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبيّ ﷺ فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي خير يا محمد! إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل منه ما شئت. فتركه حتى كان الغد ثم قال له: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة»؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال ﷺ: «أطلقوا ثمامة» . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ، ولا والله! لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتى يأذن فيها النبي ﷺ. البخاري: المغازي، باب: وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال، رقم (٤١١٤/ ٤) . ومسلم، كتاب: الجهاد والسير،\nباب: ربط الأسير، رقم (١٧٦٤/ ٣) . وأبو داود، كتاب الجهاد، باب في الأسير يوثق، رقم (٢٦٧٩/ ٣) . زاد المعاد (٣/ ١١٠، ٢٧٧) . مغازي الذهبي، (٣٥٠- ٣٥١) . الاستيعاب (١/ ٢٠٣) . فقدم ثمامة إلى اليمامة، فحبس عنهم ما كان يردهم من الحنطة، وضاقت بهم الحال، فلم يجدوا من يلجؤون إليه في رفع هذا الحصار عنهم غير رسول الله ﷺ. وإنه لأمر عجيب أن يلجؤوا إليه في ذلك وهم يحاربونه حربا طاحنة، لو استطاعوا قتله، وإبادة المسلمين، وإفناء الإسلام ما تأخروا. ولكنهم يعلمون خلق الرسول ﷺ الذي وصفه الله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . وإنه لعجب جدّ شديد أنهم يعرفون ذلك ويحاربونه، وأن يستجيب ﷺ لذلك، ويتمه، وينجزه، فأي أفق يرفع الإسلام إليه الإنسان، ويضعه فيه، ويحرّكه في مداره. وهكذا يربي الإسلام أتباعه، ويدعوهم إليه مقتدين برسول الله ﷺ (فكتبوا إلى النبي ﷺ: إنك تأمر بصلة الرّحم، وإن ثمامة حبس عنا الحمل. فكتب إليه النبي ﷺ فحمل إليهم) . الوافي بالوفيات، (١١/ ١٩) . زاد المعاد، (٣/ ٢٧٧) . «الحمل»: ثمر الشجر الناضج، جمعها: أحمال وحمول وحمال. ومنه: «هذا الحمال لا حمال خيبر» يعني: ثمر الجنة، وأنه لا ينفد، وشجرة حاملة. (القاموس المحيط، ١٢٧٦. تخريج الدلالات السمعية، ٧٣٩.) . وهذا جزء من شعر أحد المهاجرين تمثّل به الرسول الكريم ﷺ أثناء بناء مسجده بالمدينة بعد الهجرة إليها.\nهذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر\nأخرجه البخاري، رقم (٣٦٩٤/ ٣) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٣) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٣٠) . وكان ثمامة ممن ثبت حين الردّة عن الإسلام، وله مقام محمود في ذلك. وقد أغلظ لهم، وبرأ منهم، وقال مخاطبا زعيمهم: (ما قضيت حق رسول الله ﷺ بعد) . ثم جمع بني حنيفة، وخاطبهم فقال: (يا بني حنيفة إني أرى فيكم بغيا ولجاجة والبغي هلاك واللجاج نكد ...، وإنكم والله لو قاتلتم أمثالكم لما خفت أن يغلبوكم، ولكنكم تقاتلون النبوة بالكهانة، والقرآن بالشعر، والأنصار بالكفار، والمهاجرين بالأعراب، فلو كان لنادم إقالة أو لشاك بقاء، لم نكره أن تذوقوا عواقب ما أنتم فيه، ولكنه هلاك الأبد) . الوافي بالوفيات، (١١/ ١٩- ٢٠) . كذلك: الاستيعاب، (١/ ٢١٣)، رقم (٢٧٨) . أسد الغابة، (١/ ٢٩٤)، رقم (٦١٩) . فأعظمه القوم أن يجيبوه، وبقوا على حالهم ورجع ثمامة مغضبا وقال في ذلك شعرا متنوعا، ثم جمع أتباعه، وشارك المسلمين في دفع أهل الردة وقتالهم ومواجهتهم","vol":"1","page":366},{"text":"يكرر الإجراآت- وبإصرار وعناد ومتابعة- لقتل رسول الله ﷺ، ثم يقع أسيرا بين يدي سرية لمسلمين لم تكن تعرفه، فلما جاءت به إلى رسول الله ﷺ وقيّده في المسجد- وأبقاه فيه أياما- لعله ليرى نوعية المجتمع المسلم الذي يحاربه، ويعدّ العدّة لقتل نبيه ﷺ؛ ووكل به من يسقيه ويطعمه، بل وحتى من ناقته ﷺ، ثم أطلقه بدون أي شرط ولا مقابل ولا تكليف. وكان من أمره أن أسلم، ثم واجه قريشا في مكة لعداوتها للإسلام ورسوله ﷺ، وقاطعهم، وحاصرهم اقتصاديا، حتى فكّ الرسول الكريم ﷺ حصار مكة، وقريش ما زالت في حالة حرب مع الإسلام، ونبيه ﷺ وأهله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-170> الإسلام شفاء وبناء:</span>\nوكم واجهت المسلمين بعد الهجرة أمور ومشكلات، كان بعضها كافيا لتعويقها وإيقافها، وربما لتفتيتهم، ولكن بهذا الإيمان بشرع الله تعالى حلّت كلها. وما تمت من أمور كانت لذلك عنوانا، فانظر في المؤاخاة «١»، كيف أظهرت معاني الإسلام بشكلها العملي الناصع، ممارسة ومظاهرة. وهؤلاء رغم قلّتهم، وقلّة إمكانياتهم، حملوا رسالتهم في مجتمعهم، وانطلقوا بها إلى الناس.\nفالمسلم يحمل رسالته إلى العالم، لا يبالي أن يواجه الصعاب والأعداء بكل وسائلهم، وهم لا تهمّهم الوسيلة، ولا بدّ للمسلم أن يعرف ذلك، يعرف سبيل الأعداء مثلما يعرف سبيل الإيمان. والمسلمون في كل ذلك يقتدون برسول الله ﷺ في عصره وما تلاه من عصور، ينظرونها، ويمرّرونها أمامهم في كل شأن وأمر. فهو القدوة والأسوة والإمام والحادي والقائد والرائد والمرشد، فإذا ما نالهم شيء فقد ناله أكثر.\n_________\nحتى انتهت تلك الأحداث، ثم توفي بعيد ذلك ﵁ وأرضاه، ورحمه.\n(١) انظر: أعلاه، ص ٣٠٣- ٣٠٥، ٣١٠- ٣١١، ٣٤٥- ٣٤٧.","vol":"1","page":368},{"text":"والدعاة إلى الله يهون عليهم كل ما يلقون، فهم يعرفون الطريق ويعرفون نحيزة الطغيان وديدن الطغاة. فدور الهجرة ومعناها ومقتضاها وطريقها ومبناها مستمر ومفتوح. رسم المسلمون، خلال التاريخ، وعلى مداره:\nمعانيها، وصوّروا الإسلام بسلوكهم، وأقاموا الحياة بجهادهم، فكانوا في هجرة دائمة بكل ألوانها، يلجؤون إلى الله، ويحتمون بشرعه. وإن الذي يطّلع على الإسلام لا بد أن يهاجر إليه، لا أن يهرب منه. كيف يحدث ذلك؟ ومن هنا كانت الهجرة- ولا بد أن تكون- مستمرة بألوانها الزاهية وصفحاتها الباهية، والأمر كله لله ﷾.\nإنّ الهجرة هجرة عقيدة ونصرة؛ لنشر الإسلام، وتخليص أنفسنا وبني الإنسان من ظلمات النفس وظلام الحياة، وندعو أهل الأرض لإنقاذهم، عاملين على إبلاغه إليهم حيثما كانوا.\nفلنهاجر إلى الله لنبني الحياة، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة، وبهذه الروح تتمّ الهجرة، ويتمّ كلّ شيء في حياة المسلم، ما دامت نفسه ونيته عليه قائمة، وحياتها به دائمة، تلتحف بالبشر والسعادة.\nف «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» «١» والهجرة إلى الله تعالى مفاصلة ومهاجرة لكل سوء وانحراف وعصيان وانجراف، وعند ذاك سيمدّ الله المؤمنين بنصره، ويؤيدهم، ويعلي شأنهم، ويرفع قدرهم، ويكتب لهم الأجر، إن شاء الله ﷾، وبمنّه وكرمه. وهو ﷿ الذي يقول: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] .\n_________\n(١) أخرجه البخاري عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم افتتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا» . كتاب: أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة، رقم (١٧٣٧/ ٢) . كتاب: الجهاد والسّير، باب: فضل الجهاد والسّير، رقم (٢٦٣١/ ٣) .","vol":"1","page":369},{"text":"وماذا بعد؟ خاتمة ونتيجة وعبر مستفادة!!\n«لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده» «١» . والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه واتبع هداه وأعلاه إلى يوم الدين.\nإنه مثلما حفظ الله تعالى القرآن الكريم عمود الدين، حفظ كذلك دعامته سنة رسول الله ﷺ، وأرضيته سيرته، إذ كان هذا الحفظ هو حفظ النصوص وحفظ الدروس، أعني التطبيق العملي والشرح الواقعي لمضامين الإسلام، قرآنا وسنة وسيرة. وكانت السيرة الشريفة مستوعبة- من الناحية العملية- للإسلام كله، قرآنا وسنة وسيرة، بكل أبعاده وأمجاده وإرفاده، وكل جهده وجهاده واجتهاده، بحيث يرى المسلم الإسلام كاملا في السيرة النبوية الشريفة.\nلقد هيأ الله ﷾ من الأسباب والأفراد والجماعات من يقوم بذلك ويطبقه، بأعلى صيغة وأفخم صورة وأرجى إقبال، بأداء متحفز قوي منطلق لا حدود له، وبشكل رائع، لا يدانيه ما عداه ولا يتخيله أو لا يعرفه أو يفهمه. فيكف يطبقه ومن أين له؟ وحتى لو عرفه لا يستطيع- ولو استطاع- لما وصل لهذا المستوى، وبهذه القوة والفاعلية والوضاءة. وهذا وحده دليل على أنه من عند الله تعالى، أودعه سرا لا يظهر أثره إلا لمن أقبل\n_________\n(١) من دعاء الرسول ﷺ، يوم فتح مكة (وهو على درجة الكعبة) . زاد المعاد، (٣/ ٣٥٨) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٤٤٧) . السيرة النبوية (المغازي)، الذهبي، (١/ ٥٥٦) . سيرة ابن هشام، (٣/ ٤١٢) . أعلاه، ص ٢٣٥.","vol":"1","page":371},{"text":"عليه، دينا وعقيدة وشريعة. مثلما هي- بنفس الوقت- دليل على أن كل وضع منقطع الصلة بالله، لا يرجى منه خير.\nوحتى لو عرف أيّ أحد هذه الأبعاد فالذي جرى يفوق أي خيال وآمال ومال. هذا من ناحية التطبيق، ثم كان الأمر من ناحية التوثيق والدقة والثقة والحرص، بحيث إن هؤلاء أنفسهم كان من ماثرهم، أنهم أدّوا صيغ هذه السيرة العطرة بأخبارها وأقوالها وأوصافها، شمولا وإدراكا وتنقيبا.\nحرص هؤلاء الصحب الكرام حرصا كليا، مثلما تجاوز بطبعه كل الحدود تجاوز كذلك تنقيبهم كلّ الصيغ المعهودة، منظورة وغير منظورة، في السعي وراء كلمة، بل حرف، ولو كانت بديلة، بحيث إن أحدهم سافر وفي ذلك الزمان ووسائل الانتقال تلك- من بلد إلى آخر بعيد، ليتأكد فحسب من أمر يعرفه، متعلق بالإسلام عموما أو بشيء من سنة رسول الله ﷺ وسيرته، قولا وفعلا أو تقريرا «١» .\nوكانوا ينقبون عن أحواله ﷺ وسلوكه الكريم وتصرفاته في كل ميدان، ومع كل إنسان وفي أي أوان، حتى في خصوصياته أو فيما قد يكون فيه حرج أو حياء أو حاجب يستوجب التوقف عنده. لكنهم كانوا يمضون إليه بصراحة أنيقة وعبارة رقيقة وصحبة رفيقة، حتى في أشد الأمور خصوصية، مما يتعلق ببيته الكريم وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين «٢» .\nوالإسلام دين شامل كامل باق عام، لم يدع شيئا إلّا وبينه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] . وأن الله ﷻ هيأ الأسباب\n_________\n(١) انظر: أعلاه، ص ٢٣٩- ٢٤٠.\n(٢) وهنا تظهر بعض جوانب حكمة التعدد والخصوصية بذلك للرسول الكريم ﷺ. فكنّ خير من يروي ذلك ويخبرن ويعلّمن الأمة (نساءها ورجالها وأطفالها) كل تلك الأمور وغيرها. كما أن هذا دليل على شمول الإسلام وأنه دين البشرية الكامل التام، يوجه الإنسان في كل أمور الحياة الإنسانية على هذه الأرض حتى يرث الله الأرض ومن عليها.","vol":"1","page":372},{"text":"لكي ينجز كل ما وعد سبحانه مما يتعلق بهذا الدين. فأنت ترى منذ بداية الدعوة الإسلامية، كيف سارت ونمت. تتبدى لك فيها بشرية الرسول الكريم ﷺ ونبوته في عين الوقت، حيث أبلغ منهج الله تعالى للأمة وجاهد له وصبر وضحى، حتى نصره الله تعالى وحققه نافذا وواقعا معاشا، بكل أبعاده. يتعايش الإنسان به ومعه وله، ثم كيف أن سياقاته وحركته وانطلاقته مصونة مأمونة مضمونة، وراءها يد الله القادر تسيّرها.\nوكان لا بد أن يتم ما يريده ﷾، من اكتما لهذا الدين- بعد النصوص- في تطبيقه الشامل. ولذلك وإن كان هذا المعنى فهم واضحا؛ لكنه بحاجة إلى تجلية أكثر، تتعمق وراء مضامينه وارتباطاته في واقع الحياة. تحس كأن الله تعالى صرّف سيرة رسول الله ﷺ لتجري بالكيفية التي تمت بها، محقّقة إرادة الله ﷻ في اكتما لهذا الدين، نصوصا وتطبيقا، في كل الآفاق والمجالات والصيغ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] «١» .\nوكلما تعمق الدارس- المسلم خاصة- في السيرة الشريفة، يرى بشكل أوضح هذه الآفاق. ومن خلالها وفي هذا الأمر يشهد أيضا في الرسول الكريم ﷺ بشريته مثلما يرى نبوته، حيث اجتمعت كلتاهما، تلاقيا طبيعيا لا تكادان تنفكان، بل هما تماما كذلك «٢» .\nولذلك فإنك ترى- مما ترى- أن كل ما في سيرة رسول الله ﷺ من قول وفعل وتقرير وحركة وسكنة- وتأمل يشير إليك بوضوح- أنه نبي، أرسله الله تعالى بالصيغة المبيّنة في كتابه ﷾. وبهذا فإنك كلما ارتقيت وتعمقت وترققت، لا تسأل عن معجزة أخرى للتدليل على نبوته الكريمة، على الرغم من أن هذا لا يعد من المعجزات المفهومة والمعروفة.\n_________\n(١) الحس: إخماد الأنفس والاستئصال. التفسير (١/ ٤٩٣) . أعلاه، ص ١٦.\n(٢) انظر أعلاه، (١٢، ١٧) .","vol":"1","page":373},{"text":"ولكن المعجزة هنا متضامنة متضمنة متداخلة «١» .\nأما المعجزات الآخرى التي أتمها وأجراها الله تعالى على يديه، ورآها صحابة رسول الله ﷺ من المعجزات، وكذلك المعجزات الإخبارية (الغيبية) التي كان ﷺ يلقيها، بما كشف الله تعالى له، سواء من معرفة الأشخاص أو دعاء لأحد أو على أحد بإنجاز، منعا وتثبيتا، أو بإخبار من الأحداث، كان الصحابة يعرفون ذلك. مثلما ورد عن عديّ بن حاتم «٢»، وبعضها كانوا يستغربونها أو يستفسرونها لجدّتها، ومثلما جرى لسراقة بن مالك بن جعشم. بل إن ذلك كان مفهوما حتى لغير المسلمين، بل- وأكثر من ذلك- لمن كانوا يحاربونه، كما جرى لأبي بن خلف وأخيه أمية وأبي لهب (عمه) «٣» .\nوهذه المعاني يكفي أن ترى- من خلال صحبة هذه السيرة- ليس علما يتابع أو يدرس أو يؤلّف أو يحاضر، لكن من خلال المعايشة العملية والوقوف في ميادينها، مستشعرا معانيها ملتصقا بمبانيها معبرا عن تطبيقاتها، بشمول وتكامل وامتداد. والحق أن هذا هو أحد مضامين الهدف المرجو من وراء دراسة السيرة النبوية الشريفة.\nوعلى هذا ربما أجد المبرر فيما أردده، من أن كثرة كاثرة من المسلمين لا يعرفون سيرة رسول الله ﷺ، فأقول: دعوني أزعم ذلك. وهذا في حالة ما يمكن ألا يكون كثرة يستسلمون لهذه المقولة ولا يقرّون بها ويرونها مبالغة وبعيدة.\nفكانت السيرة النبوية الشريفة أعلى مرتقى للإنسانية في صياغة الإنسان.\n_________\n(١) انظر: هنا، (٧٠- ٧١، ٨٢، ٣٧٥، ٣٧٧) .\n(٢) انظر: سير أعلام النبلاء، (٣/ ١٦٤) .\n(٣) السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٦٥٢)، (٣/ ٨٤) . السيرة النبوية، الذهبي، (١/ ١٨٤- ١٨٥) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ١٢٦)، (١٩٩) . انظر كذلك: أعلاه.","vol":"1","page":374},{"text":"ولكن لا يمكن أن تتم ولو بأصغر صورة مثل هذه الصياغة، دون منهج الله تعالى الذي أودع سبحانه تعالى فيه سرا يقيم الحياة الإنسانية الفاضلة عليه بمستويات وصور وصيغ، تجعلها هي التي تحس بهذا السر المودع، حتى لو لم يمكنك التعبير عنه، لكنك في الواقع تكاد تلمسه، بل تراه وتشهده.\nوحتى مع توفر هذا المنهج بين يديك، قد لا يفلح الكثير في الوصول إلى تلك الصيغ التي وصل إليها الصحابة، وبذلك التكامل والشمول والارتقاء، ليس في جانب من جوانب الحياة، بل في كافتها وكلها، بذلك المستوى للفرد، مثلما لم يتم ذلك لفئة أو أفراد أو جماعة فحسب، بل للمجتمع كله صغارا وكبارا نساء ورجالا شيبا وشبابا وشوابّا «١»، لا يكاد يشذ عنه أحد منذ الجيل القرآني الفريد (جيل الصحابة الكرام) . وفي كلتا الحالتين تحقيق لمعجزة الإسلام وبيان إعجازه المتنوع المتسع المكين. لذلك فالإنسان فيه مولود جديد وهو في نوعيته فريد وفي حياته سعيد، سعادة الدنيا والآخرة.\nفإن يتم إنشاء وتنشئة جيل بأكمله، معبّرا عن معاني الإسلام في مسلكه وحياته وإنجازاته التي طبعت بطابع الإسلام المعجز، فكانت إنجازاته بروعتها كذلك، فهو أمر لا يخلو بحال من روائع وروائح عطر الإعجاز والمعجزات.\nوتصور ما جرى للمسلمين في الحديبية الذين قال الرسول الكريم ﷺ فيهم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» «٢» . إذا فهذه التربية على منهج الله تعالى وإنجاز صياغة مثل هذا المجتمع هو بذاته معجزة من معجزات الإسلام، أو من ثمارها.\nوحيثما تلفّتّ تنظر في حياتهم وجدت ثمار تصرفاتهم موصوفة بذلك.\nإنسان ارتقى بهذا المنهج على يدي هذا الرسول الكريم ﷺ أسوتهم، بيده\n_________\n(١) جمع شابّة.\n(٢) سبق ذكره. انظر: أعلاه، ص ٤٧، ٦٤، ٩٤.","vol":"1","page":375},{"text":"الكريمة رفعهم وبهذا المنهج التقطهم من سفح الجاهلية المتدني ومستنقعاتها الآسنة «١»، وارتقى بهم برفق إلى قمم لا يعرفها أحد، وما عرفها إلا بهذا الدين. وحتى لو عرفها ليس من السهل- أو بالأحرى لا يكون ممكنا بحال أبدا- ارتقاؤها والوقوف عندها، في كل صيغ الحياة وميادينها ومعتركاتها.\nتجدهم في الأمور كلها على ذلك المستوى العجيب في البذل والعطاء والإقدام والعفة والوفاء والكرم والصبر والاحتمال والجهاد والفداء، جنديا كان أو قائدا حاكما أو محكوما تابعا أو متبوعا، بل حتى مذنبا ومعاقبا ومحروما. فانظر إلى قضية المثنى بن حارثة الشيباني (١٤ هـ) وخالد بن الوليد (٢١ هـ) وأبو عبيدة بن الجراح (١٨ هـ) وعديّ بن النّعمان «٢»، ثم انظر إلى تلك الغامدية وماعز وأبي محجن والبكائين ومواقفهم.\nحتى حين كان يرتكب المسلم إثما- قياسا إلى إيمانه- فذلك إنما يقوده لخير، ويثمر لديه ارتقاء جديدا، كما في قصة أبي لبابة وما أدركه واعتبره ذنبا «٣» .\nوالإثم نفسه كان يوزن- لديهم- بمقدار الإيمان، وقد يكون في الآخرين، حتى لا يوصف بأنه ذنب، كالذين تخلفوا في غزوة تبوك «٤»، انظر مواقفهم وهي في حالة الضعف المردي المتردي. ليس هذا كأفراد لكن (أركز) كمجتمع. والأمجاد التي تواجهها لا تحسبها أفرادا- وهي كذلك تكوّن المجتمع- ولكن (اركز) المجتمع. لا يأخذه النصر ولا تقعده الهزيمة والشدة. والأمر تساوى وروافده له في أول الدعوة، وهي مطاردة أو يوم انتصرت وحققت.\nففي مكة مرت سنوات كان كل من يأتي إلى الدعوة الإسلامية يوضع\n_________\n(١) انظر: التفسير، (٢/ ٤٤- ٨٤٥) وبعدها، (٣/ ١٥٤٨) .\n(٢) عنه انظر: أعلاه، ١٧٠.\n(٣) السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٤٠٧- ٤٠٨) .\n(٤) السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٥١١- ٥١٨) .","vol":"1","page":376},{"text":"تحت السياط، وحتى الدعوة الإسلامية، وهي مطاردة كان أعداؤها- وهم يحاربونها- يدركون أن حربهم لها ليس معتادا لهم، إنما هناك في الأمر جديد، سر كامن لا تمت إلى بشر لكنه فوق طاقته، يحسون ويكادون يدركون- أو يدركونها فعلا- أنها من عند الله، بل فعلوا ذلك إقرارا باللسان حين استمعوا إلى كتاب الله تعالى. وانظر قصة الوليد بن المغيرة المخزومي (أبو خالد بن الوليد وأخوه الوليد بن الوليد) . ومثلها قصة عتبة بن ربيعة «١» .\nثم إن ذلك الجيل النبوي استمر يأتي بالعجائب- بمسحة المعجزات- التي حتى لو كان بناء الأفراد بذلك المستوى قد يتفلّت كثير منها في الأعمال الجماعية لا سيما الشديدة القوية، تفوق طاقاتهم وإمكاناتهم، أعني بذلك- بصورة رئيسية- الفتوحات الإسلامية وأمثالها من المواجهات، كحروب الرّدّة مثلا.\nإن مواجهة المسلمين للامبراطوريتين الرومية والفارسية الساسانية، اللتين حكمتا العالم المعروف يومها، وكانتا تمتلكان القوة العسكرية والبشرية والمادية، أمر تجاوز حدوثه حدا وراء الخيال. بل إن مواجهة واحدة منها ودون القضاء عليها، بل وحتى أن يتناوبا الهزيمة والنصر سجالا، لكان شيئا غير اعتيادي ولا مألوف ولا مسموع ولا يمكن تصوره، فكيف لو انتصرت عليها، بل فكيف لو قضت عليها. إذن فما القول في مواجهتهما معا والقضاء عليهما جميعا في وقت قصير وذهابهما إلى الأبد. «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ...» «٢» .\nوهذا أمر لا يمكن تصور حدوثه أبدا في أي عصر من العصور. علما\n_________\n(١) عن قصة الوليد بن المغيرة، انظر: التفسير، (٦/ ٣٧٥٦) . وعن قصة عتبة، انظر: التفسير، (٦/ ٣٤٢٢) .\n(٢) انظر: أعلاه، (٨١- ٨٢) . أستشعر أن هذا الحديث- وقد قيل قبل هلاكهما ببضع سنين- فيه الحث والإخبار والتعريف بحدوث ذلك، فهو- لا شك- من المعجزات المحمدية.","vol":"1","page":377},{"text":"أنهما- وعلى انفراد- ما كان بهما ضعف معنوي أو مادي، لا سيما عن مواجهة هؤلاء الحفنة الذين كانوا خاضعين لهم دوما. بل على العكس كانوا يحسبون- كلّا على انفراد- أنهم سينتهون من موضوع هذه الدعوة الإسلامية في أقصر وقت، ويعدّ بالأيام وبأقل جهد وأدنى مؤونة. بجانب أنه ما كان يخطر على بال أحد أن هؤلاء العرب ممكن أن يفكروا في مواجهة أيّ من هاتين الدولتين. كيف وهم كانوا مستعبدين لهم وعملاء (المناذرة للفرس والغساسنة للروم)، فما كانوا يفكرون في حربهم، وما لهم بهم طاقة.\nلكن الذي حدث لم يصدقه أهل ذلك الزمان، ولا يصدقه أهل أي زمان، لولا أنه وقع فعلا «١» . وكان أيضا من أثر ذلك ليس جريان هذه الأحداث فحسب، بل تبدل الحياة وآفاقها وطبيعتها ومثلها وإنسانها، التي تثبتت في نفوسهم وما كادوا يتصورون غيرها.\nإذا فما الذي أحدثه هذا الدين بتربيتهم على منهج الله تعالى، وبيد الرسول الكريم ﷺ. فأي رسول كان هو، باستحقاق هو سيد المرسلين وإمامهم. وهو كما وصفه رب العالمين وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .\nومع أني لم أقدّم الأحداث والوقائع في هذه الخاتمة، الأحداث التي مر عرضها- أو كثير منها- فيما سبق من مباحث، لكن مع ذلك فإن هذه الشروح مستنبطة وقائمة ومستمدة من الأحداث والوقائع والصنائع التي مضت رتيبة منسابة طيبة، لا يكاد يجد أحد شذوذا فيها. مما يجعل أن طبيعة الأفراد في ذلك المجتمع المسلم كانت طبيعة مستقرة متجانسة ذات بناء رصين طيب متناسق، في أفراده وفي تجمعاته.\nجرى ذلك رغم التناقضات العميقة المتجذّرة والاختلافات الغائرة وحروبها المدمرة والتحالفات المتأصلة، التي كانت بينهم قبل الإسلام.\n_________\n(١) انظر: أعلاه، (٨١- ٨٣) وبعدها.","vol":"1","page":378},{"text":"وبقدر ما كانت هذه العداوات مركّزة ومركسة كذلك- مما كان يبدو من المستحيل حتى تخفيفها، فضلا عن القضاء عليها- غدت علاقاتهم الأخوية وبناء الحب الرصين فيهم قائما وفعالا وقائدا، شاملا وكاملا ودائما، إلى حد غدا سمتا وصبغة مميزة وصيغة معتمدة مشهودة ومرئية، إلى حد بحيث يثير أعلى درجات الاندهاش والانتعاش لدى كل أحد من سامع أو قارئ.\nوصدق الله تعالى- وهو أصدق القائلين- حيث يقول:\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣] .\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] .\nوَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٣] .\nوهذه الانتصارات لا تنحصر في المواجهات بل في كل ميادين الحياة- كانت بنفس تلك المواجهات- فكانت الفتوحات في أوسع معناها في كل جوانب الحياة. وذلك بعد أن كان الفتح الأساسي هو فتح القلوب لهذا الدين ولكافة مضامين الإسلام ومعانيه، التي بها قامت مبانيه فامتلأت تلك القلوب والنفوس والأرواح وكل مكونات النفس الإنسانية. فتحت مقبلة على شرع الله تعالى ومنهجه وكلماته، عقيدة وعبادة وشريعة، قامت بكل ذلك، تسير في الحياة وتحييها من جديد وترفعها. وبهذا انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، بما رأوا من روعة منهجه المنير، وجديته الواقعية الراقية موضحة بسلوك أهله. ولكن الفتوحات المعهودة هي صيغة ملموسة، مثلها كانت بقية الفتوحات. ومثلما هي تحمل سرا ترى آثاره واضحة، كان الأمر كذلك بالنسبة لكل ما يتعلق بالمجتمع المسلم ذاك.","vol":"1","page":379},{"text":"فما القول في أن ينتصر جمع قليل- هم حفنة- بخبرة محدودة، إن وجدت، وبإمانيات ضعيفة ومهيّات أولية، على جموع مؤلّفة ضخمة، ذات خبرة ومجد تاريخي قديم وعدة متقدمة عالية، هي أشبه بالدول الغربية اليوم التي تمتلك التقنيات بل والخطط والخبرات، تجعلها مترقية متقدمة تأخذ بالمبادرة.\nكانت تلك الجولات تقوم وتتم أيضا في أرضها التي تعرفها وتجيد هي الانتفاع بأحوالها وتضاريسها وأجوائها ومناخها، مع روح معنوية عالية، مستهينة بهذه الحفنة القليلة. ومع ذلك يكون الانتصار لهذه الحفنة القلة، والاندحار للكثرة بكل إمكانياتها.\nلو أن هذا جرى في معترك واحد فهو يشير إلى سر كامن، فيه المؤشر على نوعية هذه القلة. فكيف إذا استخرجنا قاعدة لا نكاد نجد لها شذوذا أو تخلفا أو توقفا، هو أن جميع المعارك ومع كافة الأقوام- ابتداء من سيرة رسول الله الكريم ﷺ- كان عدد المسلمين أقل وعدتهم وخبرتهم وكل المتطلبات اللازمة في تلك المواجهات والمعتركات، ومع ذلك يكون لهم الانتصار. والحقيقة أن هذا كان من بعد الهجرة النبوية الشريفة وعلى مدار التاريخ.\nربما يمكنني أن أقول: إن هذا نفسه كان في العهد المكي، وإن لم تكن فيه مثل تلك المعتركات- وإن كانت بحاجة إلى قوة إيمانية لا تقل عن تلك- لكن الحقيقة أن كان الانتصار الباهر النادر للمسلمين.\nأية قوة امتلكتها هذه المرأة المسلمة، جارية بني مؤمّل- حي من بني عديّ بن كعب- ومن أين أتتها وهي أمة (عبدة) تباع وتشترى وتضرب بالعصا أو بالحربة قتلا، إذا اقتضى (كما جرى لسمية أم عمار بن ياسر) .\nفكان عمر بن الخطاب يعذبها كل يوم- قبل إسلامه طبعا- حتى يملّ فيقول لها: ما تركتك رحمة بك بل مللا منك، فتقول له: ستبقى كذلك","vol":"1","page":380},{"text":"يا عدو الله حتى تشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله «١» . فمن يا ترى هو الأقوى، هو أم هي؟ ومن هو القوي منهما، مواجهة واستضعافا ودعوة؟ ومن منهما المنتصر؟ «٢» .\nومثلها زنّيرة (عبدة، كذلك) التي كانت تعذّب، ربما لذلك فقدت بصرها، بعد أن أعتقها أبو بكر الصديق مع ستة (ست) آخرين من الرجال والنساء «٣» . فادّعت قريش أن آلهتهم هي التي فعلت بها ذلك. فردت عليهم هي نفسها قائلة: كذبوا وبيت الله ما تضر آلهتهم وما تنفع. فردّ الله ﷾ بصرها، وعاد كما كان «٤» . فانظر مدى ثقة المسلم والمسلمة بالله رب العالمين.\nوأبو بكر الذي كان من التجار الأغنياء أنفق ماله منذ يوم أسلم في خدمة الإسلام. وحين أسلم كان له أربعون ألف درهما، فهاجر بما تبقى من ماله:\nخمسة آلاف درهم، ومات- وهو خليفة المسلمين- وما ترك دينارا واحدا ولا درهما «٥» .\nهكذا كان جيل الصحابة متعلقا بالإسلام باذلا كل شيء، وكان أحدهم يستقل نفسه، وكلهم كان يودّ أن يموت شهيدا، وقبل صاحبه.\nوهذا يعني أنه منذ استقرار الإيمان في قلب أحدهم وامتلك بناءه وحياته تحقق ذلك الانتصار، وإن أخذ أوضاعا وأشكالا وأحوالا متنوعة، حسب الظروف التي تلفهم.\nعجائب وأعاجيب وتعاجيب، ولا عجب من أمر الله تعالى. كيف ارتقى\n_________\n(١) انظر: سيرة ابن هشام، (١/ ٣١٩) .\n(٢) انظر: التفسير، (٥/ ٣٠٨٦) .\n(٣) هم: بلال الحبشي وعامر بن فهيرة وأم عبيس وزنير والنهدية وبنتها وجارية بني مؤمل. وكلهم- مع كثيرين آخرين- كان يعذّب في الله، وهم أقوياء صابرون.\n(٤) سيرة ابن هشام، (١/ ٣١٨) .\n(٥) الإصابة، ترجمة أبي بكر الصديق.","vol":"1","page":381},{"text":"أولئك الصحب الكرام وكيف رباهم رسول الله ﷺ، بعد تلك الحياة الجاهلية المعتمة المظلمة الآثمة، التي لم تدع في الإنسان ونفسه وحياته شيئا إلا طحنته وأذهبته وأقعدته، حتى دون الحد الأدنى من الفطرة- إلا ما ندر- وفي حالات أتت على كل ذلك. وساد ذلك حتى أهل مكة المكرمة- وهي موطن دين إبراهيم (﵇) وفيها الكعبة المشرفة- كما ساد الجزيرة العربية والعالم الظلم والظلام ولفّه القتام «١» .\nشمل ذلك كل شيء حتى العبادات التي جرى تحريفها والافتئات عليها بل وفي امتطائها، زورا وبهتانا وادعاء وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨] . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] . هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة: ٢- ٤] .\nإنه القرآن الكريم الذي أنزله الله، وحيا صادقا، وإنها النبوة الكريمة التي بعث بها الله ﷾، وأعدّ لها محمدا ﷺ لتؤدي هذه المهمة، وذلك بوحي الله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] .\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] .\nوأرادها ﷾ أن تكون الخاتمة والأسوة، فهي كذلك استجابة لدعوة إبراهيم ﵇ «٢» . تجد أن الإعداد واضح والتهيئة مبكرة وتصريف الحسنة لأهل الأرض أجمعين. وإذا نظرت عليها قبل النبوة اختارها الله تعالى وهي لا تعرف عن ذلك شيئا ولم تتطلع إليه. قُلْ لَوْ\n_________\n(١) التفسير، (٣/ ٣٥٦٦) .\n(٢) انظر: أعلاه، ٢٤٤.","vol":"1","page":382},{"text":"شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦] . كان ذلك تكريما ورقيا وتحقيقا لإنسانية الإنسان وإعدادا إياه للخلافة في أرض الله. وبذلك وحده يمكن، وبدونه يبقى حلما حتى لو أمكن تصوره وتخيله وتأمله، وأبعد منه آمادا متطاولة لا يصل إليه، حتى لو عرف الطريق إليه، وهو لا يعرفه، بل كيف يمكنه أن يعرف؟\nإن تربية هؤلاء الصحب الكرام والقدوة الإمام ﷺ والجيل المثال، بهذا القرآن العظيم وعلى يدي الرسول الكريم ﷺ ووقوفهم أو جلوسهم على هذه القمم لأكبر من إزالة الجبال وما هو أكبر من ذلك. ولعل هذا بعض ما يمكن فهمه من الآية الكريمة أو وجه من وجوه المعاني التي تحملها وتتحملها:\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا [الرعد: ٣١] . وقد أحسّ بهذا- كله أو ببعضه- غير المسلمين، بل الأعداء المحاربون «١» .\nارتقوا بهذا الدين إلى قمم ما كانوا يعرفونها وما كان لهم ذلك، حتى لقد بلغت بهم الرهافة مثلا أنهم مهما ارتقوا يرون أنفسهم مقصرين «٢» . وكانوا يعملون بما يعرفون ويسارعون لكل تعليم يسمعون. فهذا حكيم بن حزام (٥٤ هـ) الذي أسلم يوم فتح مكة وكان من المؤلفة قلوبهم. وأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين فاستقله فزاده فقال: يا رسول الله أي عطيّتك خير:\n«الأولى» وقال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس وحسن أكلة بورك له فيه ومن أخذه باستشراف نفس وسوء أكلة لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع» فقال: (فو الذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا) . فلم يقبل ديوانا ولا عطاء حتى مات «٣» .\n_________\n(١) انظر: التاريخ الأندلسي، (١٢١) .\n(٢) انظر: أعلاه.\n(٣) سير أعلام النبلاء، (٣/ ٤٨) .","vol":"1","page":383},{"text":"وهذا المرتقى يستطيع اعتلاءه من أخذ به إيمانا وعقيدة وعملا «١» . يقول الرسول الكريم ﷺ: «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» . كما يقول ﷺ: «الإيمان تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان» «٢» . ويقول ابن عمر: تعلمنا الإيمان ثم القرآن.\nوالصعود من السفوح لها متطلبانهم، والحصول على مستوى رفيع من الفقه الراقي العجيب لهذا الدين وآفاقه. وانظر أنه حين قدم خراج العراق إلى عمر، خرج مع مولى له يعدّ الإبل فإذا هي كثيرة، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا من فضل الله ورحمته. فنهره عمر وقال:\nليس هذا هو الذي يقول الله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨] . فالرحمة عنده- وعندهم- هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى، وكل ما عداه تابع «٣» .\nفبهذا الدين وحده تقوم البشرية- من أي جنس كانت- وهو الموجّه إلى أهل الأرض أجمعين، وبه وحده يحقّق إنسانيتها وترقى إلى مستوى تعمر الحياة وتبنيها وتعرف مهمتها وتقيم حضارتها. وما يصنعه هذا الدين دوما كثيرا وكثيرا جدا، كما جرى ذلك في الجولة الأولى.\nوبجانب علو البناء الإنساني بمنهج الإسلام، ولا يكون بغيره، المتمثل في واقع الحياة في سيرة رسول الله ﷺ والصحابة ومن تبعهم، فإن هذا يفصح كذلك عن أن الإسلام منهج عملي- وتلك من معالمه وطبيعته وحقيقته- لا ينفك عن ذلك. وبجانب كل ما يفهم من وصفه عملي- تنفيذيته وحياتيته ومثاليته (حب وبناء) - جاء ليطبق في واقع الحياة.\nوالمسلم الذي يفشل أو يتخاذل أو يتجاهل ذلك- إهمالا وعجزا وضعفا\n_________\n(١) انظر: أعلاه.\n(٢) انظر: أعلاه.\n(٣) انظر: التفسير، (٣/ ١٧٩٩) وبعدها. أدناه، ص ٤٠٧.","vol":"1","page":384},{"text":"- ربما هو مقصر ومتأخر ومتحدر عن الإسلام ومراميه وأهدافه، وفهمه سقيم ومستواه ردئ ونوعيته فجّة متدنية متردية. وهو بأشد الحاجة إلى إعادة تفهّمه وتجديد ولائه وترقية حيويته؛ لينطلق يا بني نفسه بمعانيه وقوته بحياته وإقامة أمره بحقائقه. وبدونه- مهما ادعت وامتلكت وأبدعت- لا تعرف شيئا من ذلك بحال. تنزلق وتتناقض وتتناقص وتهوي وتذهب شذر مذر، وتقع فرائس سهلة لكل آكلة وأكول، وتتوزعها الكوارث أيدي سبأ، مهما أعلت مبانيها ناطحات، وأرسلت أقمارها مسرعات، وقمعت (تلقت) أسلحتها جامحات.\nوكم ذكر القرآن الكريم صورا مشهودة من هذا وأمثاله، من التخلف والانحراف والانحياز، في معسكر الكفر وحربه لدين الله ورسالاته وأنبيائه، فيما قص علينا﷾- من مصائر الغابرين الذين كفروا والذين تخلفوا وألفوا المعاصي ورضوا بالدنية. وفيما ورد في القرآن العظيم- عن موسى ﵇ وبني إسرائيل ومواجهتهم لفرعون- وضوح تام شامل، تبرز فيه طبيعة الإنسان- فردا أو جماعة- عن كل ذلك وفي كافة الأحوال.\nوكأني أشعر أن هذه القصص التي ذكرها الله ﷾ في القرآن العظيم هي الصور- والتي هي مكشوفة في علم الله تعالى- تتكرر في الحياة في كل حين بطبيعتها وحقيقتها وأساليبها، لتكون مواجهة جموع المؤمنين لها على خبرة ومعرفة واضحة وأساس، ليتولوا أمرهم ويجهزوا أحوالهم ويتخذوا العدة له.\nفانظر ما عمل فرعون- وما أكثرهم اليوم- هو والملأ من حوله «١» .\nوهؤلاء يندفعون معه ولما يريده ويأمرهم به، بل ويزينون ذلك- قناعة\n_________\n(١) الملأ، هم: أنصاره وأتباعه ومساندوه، وربما هم من المتزعمين الذين تمكنوا أو مكّنوا في المجتمع، جمعهم أعوانا له. فارتبطت- أيضا- مصائرهم معه، فيحركهم كيف يشاء ولا يتخلفون. وإلا فسينالهم منه أشد النكال والعذاب، لا يدخر عنهم وسيلة إيذاء، كما حدث لسحرة فرعون الذين آمنوا بموسى ﵇، حيث أعدمهم جميعا وبأبشع صورة. انظر: أعلاه، ١٨٢ وبعدها.","vol":"1","page":385},{"text":"متعاقبة مدعاة، بسطحية وسذاجة وقصر نظر غريب، بعوامل متنوعة تأخذهم إلى الهاوية، وكأنهم مشدودين نحوها. وهكذا دوما يفعل الضلال بأهله، حتى لكأنه يجردهم من مقوماتهم الإنسانية الفطرية التي خلقهم الله تعالى بها فينطلقون معه، ربما أكثر مما يريد وكأنهم منزوعون من إنسانيتهم وبشريتهم. وهو ما نراه في الحياة بكل تفاصيلها هنا وهناك وهنالك، صورا مكرورة مشهورة مشهودة.\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٨- ٤٠] . وانظر إلى أي حد وصل استمراؤه وادعاؤه الألوهية.\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر: ٣٦] .\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ [الزخرف: ٥١- ٥٤] .\nبل إن فرعون كان يدّعي لنفسه الصلاح ويتهم موسى﵇- بالفساد وأنه غيور على الدين دين قومه وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر:\n٢٦] . مع ملاحظة أنه يصف ضلاله بأنه دين، للمماثلة والمقابلة والمحاربة.\nولكن مهما جال الباطل وأهله وصال، فإن نصر الله تعالى لا بد أن يكون للمؤمنين أهل دعوته، ما داموا قد وفّوا ما عليهم في الأخذ بدين الله ودعوته وراموا الفداء لأجلها. وهو وعد قائم من الله ﷾ الذي لا يخلف وعده أبدا.\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا","vol":"1","page":386},{"text":"يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: ٥١- ٥٢] .\nوقد يكون هذا العناد والكبرياء والحرب لدين الله تعالى من الأمم والولاء للظلم وأهله، سبب بلائها وعظيم لأوائها وسر زوالها، فتغدو أثرا بعد عين، غير مذكورة إلا بهذا الاعتبار العبرة المثار، تناقصت فذرت وذهبت.\nولعل هذا مشمول ببعض معاني وإشارات هذه الآيات الكريمة.\nيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ [الرعد: ٣٩- ٤١] .\nأَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ [الأنبياء: ٤٤] .\nوالصحابة الكرام جيل القرآن الفريد السعيد، نجدهم قد فهموا الإسلام أروع فهم وأخذوا به خير أخذ، وعملوا به أجمل عمل، حتى صاروا صورة لهذا الدين، تنظر الأجيال فيهم ترى حقيقة الإسلام ماثلة في الحياة. بل هم لا مثيل لهم في أيّ من الأمم الآخرى ممن كان قبلهم- حتى من أتباع الأنبياء السابقين، ﵈، ومن الحواريين وغيرهم- ولا بعدهم إلا بهذا الدين وعلى مثالهم ومستواهم وتفانيهم، وبلا نظير.\nاستعرض تواريخ الأمم الآخرى كلّها، بكل وقائعها وتفاصيلها، فإنك لست واجدا مثيلا أبدا أبدا، نوعا وكما وكيفا، ولا شبيه بها بأي مقدار، وأنى لها بحال! صفات كريمة سارت في كل اتجاه طيبة الطّعوم وطيبها متنوع تسقى بماء واحد.\nوقد عرفت الأمة- بكل أجيالها- مكانة الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- وأدت حقهم ورعت حرمتهم، حمية وهيبة واقتداء، إلا من هوى به الهوى، مهما ادعى واحتوى. ونرجو الله تعالى الهداية ونستعين به ﷾ بالبراءة من كل غواية.","vol":"1","page":387},{"text":"وبجانب ما كانت الأمة تتبرك بهم كانت تقومهم وتستوضحهم. فما كان المسلمون أيامهم يولون غير الصحابة في الأحداث والملمات والمهمات، ومنها المعارك في الفتوحات.\nلقد نقل هؤلاء الصحابة صيغ السيرة النبوية الشريفة التي تلقوها من الرسول الكريم ﷺ، وهم وإن لم يبلغوا القمم النبوية التي كان عليها رسول الله ﷺ إلا أنهم تلقوا عنه وجلسوا على أعلى قمة يمكن أن يصلها إنسان بعد النبي الكريم ﷺ بهذا الدين. وتجد فيهم نكهة تلك الثمار ولألاء تلك الأنوار وعبق ذلك الإزهار، طبعا في النوع وليس في الدرجة، ليبقى هو ﷺ القدوة دوما، ليس للأجيال التالية بل حتى لجيل الصحابة الكرام الذي رباه الرسول الكريم ﷺ بالعلم والعمل والتقويم والتوجيه، أليس هو الأسوة للأمة، بكل أجيالها، حتى الصحابة الكرام؟ فكان الصحابة الكرام يستقون منه ﷺ بكل ترتيب واعتبار وحال، سواء في الإقبال على توجيهاته والأخذ بتعليماته أو بالإسراع إلى محاكاته. ووصلوا إلى حد أنه مجرد الإشارة يسارعون إليها متنافسين. وتربوا على ذلك مستمدين من مائدة القرآن الكريم وبيده الكريمة ﷺ. فإذا ذكر شيئا حاثا بشكل عام سارعوا إليه، ولا تكاد تجد استثناء.\nانظر مثلا بيعتهم في الحديبية! فهذا عمير بن الحمام، فانظر ما فعل في معركة بدر. بل إن أحدهم يسأل عما يقربه إلى الله ﷾ أكثر، لا يسأل عن تكاليفه مهما كانت حتى لو بذل نفسه، مقبلا غير مدبر. بل ويستقلها، كما قال خبيب حين أتوا به للقتل. استمع إلى قصة عوف بن الحارث «١» .\nإن أمر هذه السيرة عجيب، كيف وقد صرّفها الله تعالى وجعلها تحتوي الإسلام كله، مطبقا عمليا مرسوما في الحياة قام به أفراد ومجتمع وتمثّله ومثّله. وإذا نظرت فيها جيدا وجدت يد الله العلي القدير كانت توجهها وترعاها وتسيرها حيث يريد سبحانه لتحقيق هذا الأمر.\n_________\n(١) انظر عن كل ذلك: أعلاه.","vol":"1","page":388},{"text":"وهذا التصريف لها ترى فيه صياغتها مستوعبة التعاليم محوّلة إلى واقع عملي. خذ مثلا الأحداث الاعتيادية اليومية في مكة والمدينة كلها في أية شريحة أو مقطع أو جزء تجدها ناطقة بذلك. والمعارك والأحداث وتوسع الدعوة وانتشارها. ذلك واضح في شدة الأمور ودرجاتها ومسيرتها ونصرها وفي مشقاتها وتيسراتها. وهي خلال ذلك لا تكشف عن حقيقة الإيمان وطبيعته وآثاره فحسب، بل تكشف لك أيضا طبيعة الكفر والعدو، سر معها خطوة خطوة منذ البداية يوميا.\nعسر الدعوة ومشقاتها وأساليب حرب الأعداء لها، والمؤمنون وصبرهم واحتمالهم واستشهادهم، ورفض الآخرين لها وتنوع استجاباتهم وتحجر مجالاتها أحيانا، كما في مكة والطائف، حتى يصل لليأس، لولا أنها نبوّة لا تعرف اليأس بأي حال، بل تستمر بذلك. وهذا دليل على أنها نبوة من الله تعالى وإن كان كل ما فيها على ذلك دليل.\nوإذا بدون ترقب، وبكل يسر وسهولة يسلم الستة الأوائل من الخزرج من أهل المدينة، ثم يستمر ذلك حتى كانت البيعات والهجرة والنصرة.\nوكلها بشكل قوي، العداء والولاء سواء. ثم أحداث المدينة بكل ألوانها، الحربية وغيرها. وخذ أي قطع من هذا وذلك، تجد أن يد القدرة الإلهية من ورائها وأداتها المجتمع وأفراده وأحداثه تجري في اتجاهه.\nخذ بدرا وكيف أن المسلمين خرجوا للقافلة وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [الأنفال: ٧] . ثم تفلت القافلة فيكون اللقاء والحرب وتكون النتيجة المعروفة وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣] «١» .\nوانظر فتح مكة حيث كانت معاهدة صلح الحديبية عشر سنوات، وكيف\n_________\n(١) انظر: سورة التوبة: ٢٥.","vol":"1","page":389},{"text":"تنقضها قريش ليكون ذلك معجلا لفتح مكة، حتى تتم الصيغة ويتلوها أن يزول الشرك من العاصمة الكعبة ويقصم ظهر الوثنية وأهلها، وكلها تخلص: هذه المدن ثم الجزيرة للإسلام. وذلك كي يتم نزول القرآن كما تم تطبيق كل الإسلام بأركانه وعباداته ونصوصه وتطبق في حياة الرسول ﷺ.\nفما إن ينتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وقد تم الإسلام نصوصا ودروسا وتطبيقا. وتعرف الفروض وتطبق عمليا.\nويعلن في حج السنة التاسعة انتهاء الجاهليات في الحج، حيث جاء في صحيح مسلم أنه: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا «١» . تجعله على فرجها! وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه\nفكان الأذان (الإعلان والإعلام) في الناس يوم النحر (حج السنة التاسعة): لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان «٢»، لأن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس هي قريش «٣» .\nثم يتم في حجة الوداع التي خلصت للإسلام كل تعليماتها وأركانها، ويتم بذلك الإسلام قائما مرئيا في الواقع العلمي.\nتجد في السيرة النبوية كل المعاني الإسلامية وصيغ تطبيقات الإسلام لتعرف الأمة ذلك بوضوح، بل عليها تقيس وبها تستشهد وتجد لكل أمور الحياة. حتى في بعض التصرفات المتناسبة مع التعليمات الإسلامية ومنهج دعوته وتصريف ذلك حتى فيما حولها مما يتناسب مع معانيها وأمورها.\n_________\n(١) مسلم، رقم (٣٠٢٨) (شرح النووي) (١٨/ ١٦٢) . التطواف: ثوب تستعيره للطواف به، ثم ترميه.\n(٢) البخاري، (٥/ ٢١٢)، مسلم، رقم (١٣٤٧) (شرح النووي، (٩/ ١١٦) .\n(٣) مسلم (شرح النووي، (٨/ ١٩٦- ١٩٧) . زاد المعاد، (١/ ٥٥)، (٣/ ٥٢٠) . التفسير (٣/ ١٢٧٧، ١٢٨٢- ١٢٨٣) . كذلك أعلاه، ٢٥٦.","vol":"1","page":390},{"text":"ففي المقاطعة التي أرادتها قريش ضد المسلمين وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة لحصر المسلمين ومن عاونهم من بني عبد المطلب وإجاعتهم حتى يسلّموا لهم محمدا ﷺ. وفي هذا تصحيح لما هو معروف من أن هذه المقاطعة كانت لإجاعتهم، بل هو حتى يسلموهم محمدا ﷺ ليقتلوه، وبذلك ينتهون من هذا الأمر، أمر الإسلام ودعوته. وكان ابتداء هذه المقاطعة من ليلة هلال المحرم من سنة سبعة للبعثة ولمدة ثلاث سنوات إلى السنة العاشرة، وظهرت في ذلك المعجزات المادية والمعنوية في الصبر والإصرار والتقوية.\nويبدو لي أن الذين يحاربون الإسلام، فيهم غباء، يورثه إياهم بعدهم عن الحق وحربهم له، فماذا يفعلون؟ فهم يعرفون أن محمدا ﷺ حق وأن هذه الأمور لا تقوم له، ولكن كيف يصنع مبطلون يحاربون دعوة حق، مثل ما يفعل المعاصرون، أنظمة وحكاما ومؤسسات (المستشرقون وأتباعهم، والكنيسة) وما يشيعونه من شبهات على التاريخ الإسلامي، ابتداء من السيرة الشريفة، يدل على غبائهم وأشد أنواع الغباء ودرجاته. شجعهم على ذلك جهل المسلمين بتاريخهم.\nفحين أتمّ ﷺ فتح الفتوح (فتح مكّة) سأله أسامة بن زيد: أين ننزل غدا يا رسول الله؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل دارا» . وطلب أن تضرب قبته (خيمته) في نفس المكان الذي حاصرت قريش فيه المسلمين في شعب أبي طالب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، حيث قال ﷺ: «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» «١» .\nومن أعاجيب هذه الدعوة الكريمة وتعاجيبها- ولا عجب من أمرها لأنها من الله تعالى- أن هؤلاء الصحابة الكرام حين عادوا إلى مكة فاتحين- رمضان\n_________\n(١) السيرة النبوية، المغازي الذهبي، (١/ ٧٠٩- ٧١٠) . زاد المعاد (٢/ ٢٧١)، ومسلم، رقم (١٣١٤) .","vol":"1","page":391},{"text":"السنة الثامنة للهجرة- لم يأخذ أي أحد منهم ولم يفكر بمال أو عقار، أثاث أو دار، مما تركه وأخذته قريش، ولم يكن ذلك على بالهم أو في حسابهم، لا سيما بعد توجيه الرسول الكريم ﷺ من سأل منهم عن هذا الأمر «١» .\nكانوا يريدون أن يكون جهادهم خالصا لله تعالى، وهذا في كل الأعمال. وكانوا يحافظون على ذلك ولا ينقصون منه، سائلين الأجر من الله تعالى في كل هذا وغيره، ديدن مألوف.\nوحين سأل أسامة بن زيد بن حارثة الرسول الكريم ﷺ- في فتح مكة- عن مكان نزوله قال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور (من منزل)» «٢» .\nلكنه ﷺ- في فتح مكة وفي حجة الوداع- نزل في خيف بني كنانة، حيث ضربت له القبة. وكان هذا توجيه ﷺ حين أراد أن ينفر من منى:\n«نحن نازلون غدا- إن شاء الله- بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» «٣»، يعني: المحصّب، وهو الأبطح.\n_________\n(١) زاد المعاد، (٣/ ١٠٥- ١٠٦)، (٥/ ٧٠) .\n(٢) أخرجه البخاري في الحج، باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها. وفي الجهاد، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب. ومسلم في الحج (١٣٥١) وشرح النووي له (٩/ ١٢٠) . زاد المعاد، (٣/ ١٠٦)، (٣٨٣- ٣٨٤) .\n(٣) أخرجه البخاري في الحج، باب نزول النبي ﷺ بمكة، ومسلم (١٣١٤) في الحج، باب استحباب النزول بالمحصّب. زاد المعاد، (٢/ ٢٦٧، ٢٧١) . السيرة النبوية، المغازي، الذهبي، (٧٠٩) . «تقاسموا على الكفر»: تحالفوا وتعاهدوا عليه. وهو تحالفهم على إخراج النبي ﷺ وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، وكتبوا فيها أنواعا من الباطل وقطيعة الرّحم والكفر. فأرسل الله تعالى عليها الأرضة فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل، وتركت ما فيها من ذكر الله ... فكان نزوله ﷺ شكرا لله تعالى على الظهور (النصر) - بعد الاختفاء- وعلى إظهار دين الله تعالى. شرح مسلم، النووي، (٩/ ٥٩- ٦٢) . المقصود هو موضوع القضية المعروفة، وهي الصحيفة أو المقاطعة: ألّا يعاملوا","vol":"1","page":392},{"text":"وكان الصحابة الكرام يحرصون أن يحافظوا على خلوص أعمالهم لله تعالى ويحزنون لو جرى أمر ينقص من ذلك. وفي قصة عيادة الرسول الكريم ﷺ- في حجّة الوداع- سعد بن أبي وقاص (٥٥ هـ) في مرضه في مكة خلالها وتخوّفه أن يموت بمكة أو لا يستطيع- لأي سبب- العودة إلى المدينة، فيذهب منه الكثير من أجر الهجرة التي تمثّل معلما مهما في السير النبوية الشريفة، ومثلها في حياة كل مهاجر، ألّا يحرم من العودة إلى المدينة مهجره وأن يحدث له ما يبقيه في مكة أو يموت فيها بعيدا عن مهجره، وهي دليل على من عاش بهذه الهجرة ألا يغبّش شيء مؤداها ومعناها ومبناها.\nوالمحاورة التي جرت بين الرسول الكريم ﷺ وبين سعد بن أبي وقاص «١»\n_________\nالمسلمين ومن أيدهم ويمنعوا عنهم حتى الطعام، كي يسلّموا إليهم محمدا ﷺ ليقتلوه. وذلك حين تعاهدت قريش وتعاقدت على إخراج النبي ﷺ وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى شعب أبي طالب (وهو خيف بني كنانة) واجتمعوا إليه. والشّعب هو كالوادي. السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٣٥٠) وبعدها. السيرة النبوية، المغازي، الذهبي، (٧٠٩- ٧١٠) . وهذه اللفتة الكريمة مهمة (نزول الرسول الكريم ﷺ في هذا المكان) ليتذكروا ما أصابهم من بلاء فيشكروا الله على ما أنعم عليهم من الفتح العظيم ومبالغة في الصفح عن الذين أساؤوا، ومقابلتهم بالعفو والإحسان. وكان هذا الخيف يقع مقابل الشّعب. السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٤٤٤) . وهذا في فتح مكة وتكرر ذلك في حجة الوداع. نفس المصدر، (٢/ ٥٨٠) . كما قصد الرسول ﷺ أن يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر، كما أمر النبي ﷺ أن يا بنى مسجد الطائف موضع اللات والعزّى. زاد المعاد، (٢/ ٢٧١) . وهناك لفتة أخرى كريمة مماثلة، ذلك أن الرسول الكريم ﷺ- كما يروى عن ابن عباس حين نحر يوم الحديبية (٦ هـ) سبعون بدنة أهدى جملا كان لأبي جهل (كان قد غنمه ﷺ يوم بدر) في أنفه برة (حلقة تكون في أنف البعير) من ذهب (أو فضة) أهداه ليغيظ به قريشا والمشركين. السيرة النبوية، ابن هشام، (٣/ ٣٢٠) . السيرة النبوية، (المغازي) الذهبي، (١/ ٣٩٢- ٣٩٣) . زاد المعاد، (١/ ١٢٩)، (٣/ ٢٦٦، ٢٦٨) .\n(١) سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري (من بني زهرة) المكي، من أخوال رسول الله","vol":"1","page":393},{"text":"﵁ خلال ذلك توضح هذا المعنى، أوردها كما في صحيح مسلم.\nيقول سعد: عادني رسول الله ﷺ في حجّة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قال قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لا، الثلث، والثلث كثير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللّقمة تجعلها في في امرأتك» قال: قلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تخلّف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة. ولعلك تخلّف حتى ينفع (ينتفع) بك أقوام ويضرّ بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة» . قال (الراوي): رثى له رسول الله ﷺ من أن توفي بمكة «١» .\nوكان المشركون يعرفون عن هذه الأخلاق منذ وقت مبكر، إلى حد أنهم يريدون قتله وهو يدعوهم إلى الله، دعوة فيها خير الدنيا والآخرة، ولما كسرت رباعية رسول الله ﷺ وشجّ في رأسه فجعل يسلت الدم (يمسحه ويزيله) عنه ويقول: «كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيّهم وكسروا رباعيته\n_________\nﷺ. أسلم قديما بمكة. وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتا (٥٥ هـ) . وهو قائد معركة القادسية (١٥ هـ) وقائد فتح المدائن (١٦ هـ) وأحد أهل الشورى الستة الذين اختارهم عمر ليكون الخليفة بعده منهم. وولي إمارة الكوفة أيام الخليفة عمر بن الخطاب. وكان مستجاب الدعوة بما دعا له بذلك رسول الله ﷺ. وقد اعتزل الفتنة في خلافة علي بن أبي طالب. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء، الذهبي، (١/ ٩٢- ١٢٤) .\n(١) مسلم (١٦٢٨/ ٣) (الرقم الأول- قبل الخط المائل- يشير إلى رقم الحديث والثاني- بعده- إلى رقم الجزء. شرح مسلم للنووي، (١١/ ٧٦- ٨٢) . زاد المعاد، (٣/ ١٠٥- ١٠٦) . وانظر: السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٤٥) . السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٣٢٩، ٣٦٨، ٦٨٥) . الإصابة، (٣/ ٧٣) . سير أعلام النبلاء، (١/ ١٢١) .","vol":"1","page":394},{"text":"وهو يدعوهم إلى الله» «١» . فأنزل الله ﷿: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] .\nوالرسول ﷺ رغم ذلك يستمر يدعوهم، ويدعو لهم بالهداية: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» «٢» . وكان ﷺ يرجو «أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا» «٣» .\nلقد كان الأولى بأهل مكة أن يكونوا أول المؤمنين، لكنهم كانوا له من أكبر المعاندين والمحاربين! فأين الرابطة القومية التي يتحدثون عنها؟ هل حقيقة أن دعاتها يصدقون ويصدّقون ذلك؟ لكن الذي يبدو أنهم أدرى من غيرهم ببطلان هذا الكلام. وهم لا يدعون إليها عن إيمان بها، بل مؤامرة على الإسلام ومواجهة له، ومتى كانت القومية رابطة؟ فضلا عن أن تكون فكرة أو منهجا، لا سيما بالنسبة للإسلام «٤» . لماذا لا يتحدثون عنها رابطة وصلة. ومجتمعا قبل الإسلام؟ إنه من العجيب أن يتكلم أحد بذلك في البلاد الإسلامية. ومن كان يدعو إليها فيما سبق هجرها، وهؤلاء الأوربيون تخلوا عنها، وجدوا أيّ بلد غير إسلامي يدعو لقومية «٥» . أما الأتباع فللأسف إنهم تابعوا لأسباب قلّ فيها التأصيل، كما قلّ فيهم النظر الثاقب والدليل.\nبل وصل الأمر في العهد المكي أن المشركين وهم يحاربونه ﷺ مع ذلك يضعون أماناتهم عنده. ولكن رغم هذا العداء والعناد، فقد بلغت الدعوة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في المغازي. ومسلم في الجهاد والسير (١٧١٩) . وأحمد، (٣/ ٩٩) . زاد المعاد، (٣/ ١٨٤) .\n(٢) السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٦٣٩) .\n(٣) نفسه.\n(٤) التفسير، (٢/ ١٠٠٦)، (٣/ ١٤٣٤) .\n(٥) راجع كتاب: نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، ص ١٠٠ وبعدها.","vol":"1","page":395},{"text":"ونبيها ودعاتها وأتباعها من العلو والسمو والوضوح، في مسالكهم وتعاملهم وأخلاقياتهم أن ذلك أمر مسلّم به. فهم يعترفون بإصرار بهذه الأخلاق العوالي التي لا يمكن إخفاؤها، بل كانت القوة والظهور والاعتزاز، أنهم يعترفون بها بإعجاب وإصرار.\nفهذا أبو جهل فرعون هذه الأمة وهو يقود قريشا وأهل مكة لقتال الرسول الكريم ﷺ وإبادة الإسلام والقضاء على المسلمين، إلى معركة بدر (١٧ رمضان، سنة ٢ هـ) وبعد فشل كل المحاولات- من عدد من زعماء قريش ومكة- لترك الحرب والعودة إلى مكة بعد نجاة العير القادمة من الشام، بقيادة أبي سفيان وحماية سبعين من فرسان قريش وشجعانها- التي خرج رسول الله ﷺ لاعتراضها- أصر أبو جهل على مواجهة المسلمين والقضاء على الإسلام ونبيه ﷺ وأتباعه «١» .\nوفي الطريق سأل الأخنس بن شريق أبا جهل منفردا- خلا به- فقال له:\nيا أبا الحكم أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسّقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ «٢» .\nولدى ابن إسحاق في سيرته أورد هذا المعنى- بعد أن يذكر استماع زعماء قريش إلى القرآن الكريم- فيقول: ثم خرج (الأخنس) من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الرّكب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل\n_________\n(١) التفسير، (٣/ ١٤٥٣- ١٤٦٣) .\n(٢) التفسير، (٢/ ١٠٧٥) . أعلاه، ص ٣٠٥.","vol":"1","page":396},{"text":"هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدّقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه «١» .\nوقد وصف الله تعالى ذلك بقوله العظيم، مخاطبا رسوله الكريم ﷺ:\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .\nومضى الصحابة بهذا الخلق مقتدين برسول الله ﷺ، يسمعون فيهرعون إلى الامتثال، بكل محبة وشوق وفرح. فكانوا يسعون لكل أمر يقربهم إلى الله تعالى، مهما كان شاقا، سواء يسمعونه فيأتمرون، أو يسألون عنه فيسارعون.\nفانظر إلى عمير بن الحمام حين سمع رسول الله ﷺ في معركة بدر يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة» . فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء. ثم قذف التّمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل «٢» .\nويذكر ابن القيم كلاما إضافيا في هذه القصة، فيقول: ولما دنا العدو وتواجه القوم، قام رسول الله ﷺ في الناس، فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظّفر العاجل وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام، فقال:\nيا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بخ بخ يا رسول الله، قال: «ما يحملك على قولك بخ بخ»، قال: لا والله يا رسول الله إلّا أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها» . قال:\n_________\n(١) السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٣١٦) .\n(٢) السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٦٢٧) .","vol":"1","page":397},{"text":"فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل. فكان أول قتيل «١» .\nوصورة أخرى في معركة بدر كذلك- وما أكثر الصور فيها وفي غيرها- إذ سأل عوف بن الحارث «٢»، فقال: يا رسول الله، ما يضحك الرّب من عبده؟ قال: «غمسه يده في العدو حاسرا» . فنزع درعا كانت عليه فقذفها! ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل «٣» .\nوهذا وأمثاله يقوم على الإيمان القوي العميق الوثيق بالله تعالى وكتابه العظيم ورسوله الكريم ﷺ. فهو يأتي بالعجائب غير المسموعة ولا المنطورة ولا المعروفة، والتي لا تخطر على بال أحد.\nلكنه برز أمام العيان أن المجتمع المسلم- كمجتمع الصحابة الكرام ﵃، ومن على منوالهم وعلى مدار التاريخ- يكون في أموره وحياته ومعيشته صورة مصغرة عن الحياة في الآخرة من الرقي المثال والخلق الرفيع والتعامل الفاضل. فهي تكون معيشته من ناحية الاكتفاء والاستمتاع وروعة النّتاج وتوفره لكل أحد. وهذا بطبعه- في الحياة الدنيا- ينتفع منه من يحيا في المجتمع المسلم ويظلّله بوارف ظله ومن يقتبس منه ممن في خارجه أو مارا به أو حتى سامعا عنه. وهذا لكي يشهد غير المسلمين روعة هذا الدين مما هو محروم منه، لكي يكون مجتمعه دوما متميزا يرى الناس فيه صيغ هذا الدين ماثلة أمامهم شاهدا على دين الله تعالى ومنهجه. وهو بذاته دعوة قائمة لا مجال لتجاهله أو إنكارها وعندها يبقى الناس بين معجب يقوده ذلك إلى الانضواء تحت لوائه أو مسالم يقترب يوما فيوم منه ليطرق بابه\n_________\n(١) زاد المعاد، (٣/ ١٦٢- ١٦٣) . انظر: السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ١٤١) . نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، (٧٣- ٧٤) .\n(٢) ابن عفراء؛ الصحابية الجليلة ذات المواقف، شأن كل الصحابيات، ﵅.\n(٣) السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٦٢٧- ٦٢٨) . «يضحك»: تعني: يرضي.","vol":"1","page":398},{"text":"ويدخله، أو حقود عنود حسود، مثل أبي جهل ومن معه، الذين ساقتهم إرادة الله إلى بدر ليقتلوا، ويزالوا من أمام دعوة الله تعالى، بتصريف الله ﷾ لأمر هذه الدعوة الكريمة المباركة.\nوهؤلاء يستمرون في العداء والحرب والتجييش، ويقضى عليهم بسواعد المؤمنين بهذه الدعوة التي بنتها الشريعة الإسلامية باسم الله تعالى وبكتابه وعلى يدي رسول الله ﷺ. عند ذلك يؤيدهم سبحانه بأي من جنده وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] «١» . يتم بقدرته المطلقة وإرادته القوية ورحمته الواسعة، كما جرى للصحابة الكرام بقيادة رسول الله الكريم ﷺ في معركة بدر الكبرى، وهي فاصلة في التاريخ الإسلامي والإنساني على السواء.\nوبهذا يتوفر الحبّ لله وكتابه ورسوله ﷺ فيأتي بعجائب الصور التي يستغرب حدوثها ولا يقدر عليها- وما قدر- إلا بهذا الدين، فليتق الله تعالى امرؤ، ويلزم التقوى، ثم ليرى ما سيكون.\nهكذا تلقى الصحابة الكرام ﵃ هذه المعاني وارتقوا قممها وجلسوا فوق صهواتها، فكانوا نموذجا يحتذى طوال الزمان، وبالنسبة لأي أحد لا تنال ولا تطال بأي حال، إلا تباعا واتّباعا لهذا الدين، ويا ليتها، اقترابا وتسديدا.\nوكلهم بايعوا رسول الله ﷺ على هذه المعاني ووفّوا، وتكررت هذه البيعة، وأدوا حقها بأعلى المستويات، وكانوا لا يعرفون غير الوفاء، كانوا على الهدى المستقيم وربّ الكعبة المشرفة.\nبلغت محبة هؤلاء الصحابة الكرام للرسول الحبيب ﷺ ليست أعلى درجات الحب فحسب، ولكنه الحب الذي لا مثيل له، وهذا يعني أن كل\n_________\n(١) وآيات أخرى بهذا المعنى، انظر: سورة الفتح: (٤، ٧) . سورة الأحزاب: (٩) . سورة التوبة: (٢٦، ٤٠) .","vol":"1","page":399},{"text":"الأمور والأحداث والمعاني التي تبنى على الإسلام لا مثيل لها بالتأكيد؛ لأن صناعته المتفردة عديمة النظير.\nصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .\nكانوا يفدونه بالنفس والمال والأهل والولد، ومع ذلك يستقلونها «١» .\nومع أن هذا شرع ودين لكن كان أيضا رغبة النفس وهوى القلب وفيض العاطفة. وهذا يعني أن أمور الإسلام وتشريعاته وأوامره لا بد أن تؤخذ بهذا الأسلوب والمستوى والطريقة، وإلا فهي لا تقبل إلا بهذه النوعية وخالصة لله تعالى، إيمانا واحتسابا وطلابا. وغدت هذه الأمور تؤدى من قبلهم، ليس فقط رغبات يسعون إليها بل هوى وعشق يجعلهم يؤدون أكثر منها لو استطاعوا، فيقدمون أقصى الطاقة، ولكن أي طاقة: الطاقة الإيمانية بهذا الدين وبما ابتنت عليه من المعاني العالية التي ترفع صاحبها فوق كل مستوى عرفه ويعرفه أي إنسان، مستوى لا يكون إلا بهذا الدين.\nانظر إلى ما جرى مع عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصيّ القرشيّ المطلبي أحد السابقين الأولين، ومن عمومة رسول الله ﷺ وأسنّ منه عشر سنين في معركة بدر (صبيحة يوم الجمعة ١٧ رمضان ٢ هـ)، حيث أخرج رسول الله ﷺ ثلاثة من أصحابه للمبارزة: عبيدة (من أبناء العمومة) لعتبة بن ربيعة، وحمزة (عمه) لمبارزة شيبة بن ربيعة، وعلي (ابن عمه) لمبارزة الوليد بن عتبة.\nأما حمزة وعلي فقتل كل منهما خصمه (شيبة والوليد)، أما عبيدة فاختلف هو وخصمه (عتبة) ضربتين، «فأثبت كل منهما الآخر، وشدّ عليّ وحمزة على عتبة فقتلاه (فذفّفا عليه: أجهزا عليه)، واحتملا عبيدة وبه رمق، ثم توفي بالصفراء» «٢» . ثم حملا صاحبهما عبيدة إلى النبي ﷺ\n_________\n(١) انظر: أعلاه.\n(٢) السيرة النبوية، الذهبي، (١/ ٣٠٦) . الإصابة، (٤/ ٢٥٤) . السيرة النبوية، ابن","vol":"1","page":400},{"text":"ففرش له قدمه فوضع خده عليها وقد طابت نفس عبيدة بذلك، ثم قال عبيدة: أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أني أحق منه بقوله «١»:\nكذبتم وبيت الله يبزا محمد ... ولمّا نطاعن دونه ونناضل\nونسلمه حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\nوفي بدر لما كان رسول الله ﷺ يعدل صفوف الصحابة استعدادا للقتال، وبيده سهم يعدل به القوم فمر بسواد بن غزيّة، وهو مستنتل (متقدم) من الصف فأشار ﷺ إليه قائلا: «استو يا سواد» . فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، قال: «فأقدني» فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه الشريفة وقال: «استقد» . قال: فاعتنقه فقبّل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟» . قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير «٢» .\nفلا يوجد وما وجد في العالم كله أحد أحب أحدا كما أحب أصحاب محمد محمدا ﷺ «٣» . والحق أن هذا دائم، فالحب هو طبيعي لكل مسلم حق، على مر العصور حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\nوانظر هذه الصورة كذلك: أن رجلا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن\n_________\nهشام، (١/ ٣٢٥)، (٣/ ٤١- ٤٢) . لاحظ أن الرسول الكريم ﷺ أخرج أهله وأقاربه للمبارزة، للقتال والقتل. وهكذا يفعل ﷺ دوما في الأخطار، ويبدأ بنفسه وأهله، آخذا بأشق التكاليف وأثقلها وأخطرها، وهكذا دوما!!!.\n(١) السيرة النبوية، ابن هشام، (٣/ ٢٤) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ١٣٩) . وتجد القصيدة كاملة: سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٢- ٢٨٠) . «نبزى»: لا نبزى: يقهر ويغلب. والكلام على حذف (لا) والبيتان من قصيدة أبي طالب اللامية المشهورة. ويقسم أنه لا يسلمون محمدا ﷺ حتى يموتوا حوله. «الحلائل»: الزوجات.\n(٢) السيرة النبوية، ابن هشام، (١/ ٦٢٦) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ١٣٩) .\n(٣) السيرة النبوية، ابن هشام، (٣/ ١٧٢) .","vol":"1","page":401},{"text":"أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال:\nفقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا «١» .\nوهذا الحب العظيم لم يكن مقصورا على أحد دون أحد، الكل كذلك، وهو أمر طبيعي، كما سبق بيانه قبل قليل «٢» . وكان هو ﷺ يبادلهم هذا الحب، يحبهم ويرعاهم ويؤثرهم، تشهد ذلك في كل موطن.\nفلدى وصول موكب النبوة الكريم إلى المدينة المنورة في الهجرة الشريفة، استقبله نحو خمسمئة من الأنصار بأسلحتهم، وخرج أهل المدينة والعواتق «٣» فوق البيوت، يقلن: ما رأينا منظرا شبيها به، الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء رسول الله. ويصف أنس بن مالك ذلك اليوم فيقول: (شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قطّ، كان أحسن ولا أضوأ (أنور) من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات رسول الله ﷺ فيه) «٤» . وخرجت الجواري (النساء) من بني النجار يضربن الدفوف وينشدن:\nنحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار\nفقال لهن رسول الله ﷺ: «أتحببنني»؟ قلن: أي والله يا رسول الله.\nفقال: «وأنا والله أحبكم» قالها ثلاثا «٥» .\nكان الصحابة جميعا يحسون بقربهم منه وقربه منهم، متواضعا للجميع وإلى أبعد الحدود، لأنه تواضع لله تعالى، ومن يتواضع لله يرفعه، ومن لا يتواضع لله لا يتواضع لغيره ولا يعرف التواضع إليه سبيلا. ففي فتح مكة (٢٠ رمضان ٨ هـ) حين دخل رسول الله ﷺ ووصل إلى ذي طوى «وقف\n_________\n(١) السيرة النبوية، ابن هشام، (٣/ ٢٣١- ٢٣٢) .\n(٢) وانظر، أعلاه، (٦٠- ٦٥) .\n(٣) «العواتق»: جمع عاتق، وهي الشابة.\n(٤) رواه الإمام أحمد، (٣/ ١٢٢) . زاد المعاد، (٣/ ٥٥) .\n(٥) السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٢٥) .","vol":"1","page":402},{"text":"على راحلته معتجرا، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرّحل» «١» .\nوكذلك دوما في كل تصرفاته. وكان ﷺ يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فقالت له عائشة ﵂: تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» «٢» .\nومعلوم- طبيعيا- أن التوجه في كل ذلك إلى الله تعالى وحب لقائه وثوابه في نعيم الآخرة إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤- ٥٥] . وغدا هذا هو بناء الصحابة الكرام إلى حد أن أصبح لديهم طبيعة لا يفكرون فيه فهم يصدرون عنه ويردون. فحين حضرت الوفاة أبا بكر الصديق ﵁ (٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ) أي حين كان يحتضر دخلت عليه عائشة ﵂ وكان يعاني سكرات الموت، هي معاناة حقة. والرسول ﷺ لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: «سبحان الله إن للموت لسكرات» «٣» . فلما رأت عائشة ﵂ ذلك قالت لأبيها أبي بكر متمثلة بقول الشاعر:\nلعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\nفنظر إليها أبو بكر معاتبا غير راض، ثم قال لها: لا تقولي هكذا، ولكن قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩] .\nكان همّ الصحابة الكرام﵃ أجمعين- الآخرة ورضا الله تعالى وحسن لقائه. وفي كل أحوالهم، وقدوتهم وأسوتهم الرسول الكريم ﷺ. فلا يصدر عنهم في كل ذلك إلا ما يرضي الله تعالى حتى في مزاحهم ولهوهم وغنائهم، وهو أمر طبيعي لا يتكلفونه.\n_________\n(١) السيرة النبوية، ابن هشام، (٣/ ٤٠٥) . العثنون: طرف اللحية.\n(٢) رواه البخاري. السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٦٣٣) .\n(٣) التفسير، (٦/ ٣٣٦٤) .","vol":"1","page":403},{"text":"وحين كان المسلمون- والرسول ﷺ معهم- يبنون المسجد النبوي الكريم، بعد الهجرة في المدينة المنورة، كان ﷺ يا بني مع الصحابة الكرام، ويحمل التراب وينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول وهم يرددون:\nاللهم لا عيش إلّا عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره\nكما كان ﷺ يقول:\nهذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر «١»\nوهم ينقلون اللبن ويرتجزون:\nلئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل\nوهكذا كان ﷺ في كل التكاليف- وفي أشقّها- يأخذ بنفسه ويبدأ بها وبأهله، مع ترفقه بالمسلمين.\nوالمتابع للسيرة الشريفة لا يخطئ أبدا هذا الأمر، ولا يجد مطلقا- ولا يمكنه مهما بحث وحاول- أي عمل أو جهد أو جهاد إلا ورسول الله ﷺ في أوله، ويتولى أثقله وأكبره وأجهده، مع إلحاح المسلمين عليه بالقيام به دونه. ومثل ذلك تنفيذ الأمور الشرعية كما جرى في تحريم الربا وإبطال الأخذ بالثار حين أعلنه ﷺ في خطبة حجة الوداع، حيث قال: «ألا إنّ كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدا به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب» «٢» .\nوهذا الأمر يعتبر معلما بارزا من معالم السيرة النبوية.\nكان ﷺ يأخذ نفسه بالتطوع في كل الأمور، ابتداء من العبادة بأشقها\n_________\n(١) زاد المعاد، (٣/ ٥٦) . السيرة النبوية، الذهبي، (١/ ٢٩٠) . السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٣٠) .\n(٢) السيرة النبوية، أبو شهبة، (٢/ ٥٧٢) . «موضوع»: يعني: باطل.","vol":"1","page":404},{"text":"وإلى أشق الأمور جميعا. ويتخفف أحيانا، حتى لا تكون رتيبة، قد تصل إلى حد الفرض فيما تبدو للمسلمين، فيأخذونها كذلك.\nوفي هذا جانبان من روائع البناء الإيماني:\nالأول: ما يخص النبوة الكريمة، وإلى أي مدى إيماني يدفعها ويرفعها إلى هذه الآفاق الوضيئة، فتأخذ بالتطوع حتى لكأنها فروض تستمر في القيام بها. فهو ﷺ أتقى الخلق لله تعالى، وأخشاهم له، وأعبدهم له سبحانه.\nفيقول ﷺ: «فو الله لأنا أعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية» «١» . ولعله لأنه ﷺ أعلمهم بالله فهو أخشاهم له. وهذا يعني أن المسلم كلما كان أعلم بالله وشرعه زادت خشيته له، وهذا الأمر طردي.\nإنها نبوة كريمة، تبقى الأسوة الحسنة طول الآماد والأزمان والإرفاد لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب: ٢١] .\nالثاني: ما يخصّ الصحابة الكرام وإلى أي حد هم متابعون للرسول الكريم ﷺ، ويقدمون على الأخذ به دوما، حتى بالتطوع، لمجرد ما يرون فعل رسول الله ﷺ، مهما بدا، وكان ذلك شاقا، حتى في التطوع بل حتى بالفروض «٢» .\nوالرسول ﷺ يعرف ذلك من أصحابه الكرام أعرف وأعمق وأدق معرفة «٣»؛ ولذلك كان يشفق عليهم فلا يحملهم في هذه الأحوال أحمالا، وإن تحملتها طاقتهم التي لا حدود لها.\nولم يكن هذا فقط في العبادات، بل حتى في الجهاد والإنفاق في سبيل الله تعالى، وهو ﷺ يعرف مقدار بذلهم وإقدامهم واحتمالهم فيه، فهم قد\n_________\n(١) مسلم، رقم (٢٣٥٦) .\n(٢) انظر: أعلاه، ص ١٣٦- ١٣٨.\n(٣) انظر: أعلاه، ص ٩٥- ٩٦، ١٣٧، ١٤٣.","vol":"1","page":405},{"text":"عشقوا الجهاد والبذل والاستشهاد في سبيل الله؛ ولذلك كان ﷺ لا يرضى هو في أقصى الطاقة التي يحبها ويرغبها ومستعد لها، يتوقف أحيانا من أجلهم. فقد كان ﷺ يرغب أن يخرج في كل جهاد يتولاه المسلمون، رغم واجبات النبوة والرسالة الكريمة التي اختاره الله تعالى لها، واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] . وما أكثر هذه الواجبات المضنية؛ ولذلك كان حين يقوم بالأمور التطوعية وحده، بعيدا عن عيون الناس يقوم بها أكثر وأشد وأطول، والأمثلة كثيرة شاهدة.\nوفي العبادات وغيرها. فكان في تهجده في بيته يطيل ويكثر العبادة تطوعا «١» .\nومن المفيد هنا ذكر الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه «٢»:\n«تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة.\nوالذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه (عرفه) «٣» مسك «٤» .\nوالذي نفس محمد بيده لولا أن يشقّ (أشقّ على المؤمنين) ما قعدت خلاف (خلف) سرية تغزو في سبيل الله أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم. ولا يجدون سعة. ويشقّ عليهم أن يتخلفوا عنّي.\nوالذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» .\n_________\n(١) زاد المعاد، (١/ ٣١١) وبعدها. (٢/ ٨٣) وبعدها.\n(٢) مسلم، رقم (١٨٧٦) . كتاب الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.\n(٣) «العرف»: الرائحة.\n(٤) سبق ذكر هذا المقطع. وعن بقيته، انظر: أعلاه، ص ٣٠٠.","vol":"1","page":406},{"text":"كان إحساس الصحابة عاليا بواجبهم وحبهم لتأدية ما هو مطلوب وأكثر.\nكما كان كذلك بأن الفضل لله تعالى لدينه، وهذا فوق كل ما في الحياة من متع ونعيم ومرابح.\nلما قدم خراج العراق إلى عمر بن الخطاب ﵁ خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعدّ الإبل فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل يقول:\nالحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت، ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «١» [يونس: ٥٧- ٥٨] .\nمن هذا الخلق العالي أنه كان ﷺ والصحابة ثم المسلمون يحفظون المعروف حتى للأعداء، مثلما قال ﷺ عن المطعم بن عديّ في أسرى معركة بدر (وكان قد توفي قبلها): «لو كان المطعم بن عديّ حيّا، ثم كلّمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له» «٢» . بل يحسن إلى أعدائه، كما جرى مع أسرى بدر ومع الثمانين المسلحين الذين هاجموا المعسكر الإسلامي في صلح الحديبية (٦ هـ) يريدون غرّته «٣»، فأسرهم جميعا ثم منّ عليهم دون مقابل ودون أي شرط، بل ولا بطلب من قريش. وكما جرى مع ثمامة بن أثال «٤» . حيث أحسن ﷺ معاملته بعد أن كان يعمل لقتله، فكان من ذلك أنه أسلم، وغدا مجاهدا.\nوهكذا كانت السيرة شرحا للإسلام وأخلاقياته حبا في الله تعالى، وطاعة له وبحثا عن رضاه ونعيمه ﷾.\nوالحمد لله رب العالمين في الأولى والآخرة.\n_________\n(١) انظر أعلاه، ٣٨٤.\n(٢) سبق ذكره. انظر: أعلاه، ١٩٤.\n(٣) أخرجه مسلم، رقم (١٨٠٨) . والإمام أحمد، (٣/ ١٢٤) .\n(٤) سبق ذكره. انظر: أعلاه، ٣٦٦.","vol":"1","page":407},{"text":"المصادر والمراجع\n(القرآن الكريم) الأساس في التفسير، سعيد حوى.\nتفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي.\nتفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) الطبعة القديمة (الحلبي) والجديدة (دار المعارف) .\nتفسير ابن كثير تفسير القرآن العظيم.\nالتفسير في ظلال القرآن، الطبعة القديمة والجديدة، الشهيد سيد قطب.\nالأربعون النووية، النووي.\nجامع الأصول في أحاديث الرسول (ﷺ)، ابن الأثير (مجد الدين الجزري، ٦٠٦ هـ) .\nرياض الصالحين، النووي.\nسنن البيهقي السنن الكبرى.\nسنن الترمذي.\nسنن الدارمي.\nسنن أبي داود.","vol":"1","page":409},{"text":"سنن ابن ماجه.\nسنن النّسائي.\nصحيح البخاري وشرحه فتح الباري لابن حجر العسقلاني.\nصحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\nمسند أبي بكر البزار.\nمسند الإمام أحمد، الطبعة القديمة والجديدة.\nمسند الفردوس، الديلمي.\nالمعجم الكبير، الطبراني.\nالأخلاق والسير في مداواة النفوس، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي.\nالأساس في السنة، سعيد حوى.\nالاستيعاب في معرفة الأصحاب، أبو عمر يوسف بن عبد البر الأندلسي.\nأسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير عز الدين الجزري.\nالإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني.\nأضواء على الحضارة والتراث (*) هذه النجمة في نهاية العنوان تعني أن الكتاب للمؤلف.\nالأعلام، خير الدين الزّركلي.\nإمتاع الأسماع، المقريزي.\nالبداية والنهاية في التاريخ، ابن كثير: عماد الدين أبو الفدا إسماعيل الدمشقي.","vol":"1","page":410},{"text":"أبو بكر الصديق، علي الطنطاوي.\nتاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون)، شمس الدين الذهبي.\nالتاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة (*) .\nتاريخنا من يكتبه؟ (*) .\nتاريخ بغداد، الخطيب البغدادي.\nتاريخ عمر بن الخطاب، ابن الجوزي.\nتحفة الأريب في الرد على أهل الصليب، راهب إسباني (أنسيلمو ترميدا)، أسلم وسمّى نفسه عبد الله بن عبد الله الترجمان، وألف هذا الكتاب.\nتخريج الدلالات السمعية فيما كان على عهد رسول الله ﷺ من الوظائف والصنائع والعمالات الشرعية، علي بن مسعود الخزاعي.\nتذكرة الحفاظ، شمس الدين الذهبي.\nالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي.\nجوامع السيرة، ابن حزم الأندلسي.\nحلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد.\nحياة الصحابة، محمد يوسف الكاندهلوي.\nدراسات إسلامية، سيد قطب.\nزاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية.\nسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، محمد بن يوسف الصالحي الشامي.","vol":"1","page":411},{"text":"شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ابن العماد الحنبلي.\nسير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي.\nسيرة عمر بن عبد العزيز، ابن الجوزي.\nالسيرة النبوية، شمس الدين الذهبي.\nالسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، د. محمد أبو شهبة.\nالسيرة النبوية، ابن كثير: أبو الفدا إسماعيل الدمشقي.\nالسيرة النبوية، أبو الحسن الندوي.\nالسيرة النبوية، ابن إسحاق وتهذيب ابن هشام، وشرح الخشني لها.\nالطبقات الكبرى، محمد بن سعد.\nعبد الله بن عمر (الصحابي المؤتسي برسول الله ﷺ)، سلسلة أعلام المسلمين رقم (٦)، محيي الدين مستو.\nالعبر في خبر من غبر، شمس الدين الذهبي.\nالفصل في الملل والنحل، ابن حزم الأندلسي.\nالقادسية، أحمد عادل كمال.\nالقاموس المحيط، الفيروز آبادي.\nقصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار، دار ابن كثير.\nالكامل في التاريخ، ابن الأثير: عز الدين أبو الحسن علي الجزري.\nماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، أبو الحسن الندوي.\nمجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، د. محمد حميد الله الحيدر آبادي.\nمختصر منهاج القاصدين.\nالمستشرقون، نجيب العقيقي، دار المعارف.","vol":"1","page":412},{"text":"المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، القاهرة.\nالمغازي، الواقدي، تحقيق مارسدن جونس، بيروت.\nمن معين السيرة، صالح أحمد الشامي.\nنظرات في دراسة التاريخ الإسلامي (*) .\nالوافي بالوفيات، الصفدي.\nوفيات الأعيان، ابن خلكان، تحقيق د. إحسان عباس.","vol":"1","page":413},{"text":"للمؤلف\n(١) تحقيق ودراسة لسفر من كتاب المقتبس في أخبار بلد الأندلس، للمؤرخ الكبير ابن حيان القرطبي (٣٧٧- ٤٦٩ هـ)، بيروت (١٩٦٥ م) . يتحدث هذا الجزء من المقتبس عن خمس سنوات (٣٦٠- ٣٦٤ هـ ٩٧٠- ٩٧٤ م) من أيام الحكم الثاني، المستنصر بالله (٣٥٠- ٣٦٦ هـ ٩٦١- ٩٧٦ م) .\nCRITICAL EDITION OF AL MUQTABIS FI AKHBAR BALAD AL- ANDALUS، BY IBN HAYYAN) ٩٦٤ ٦٧٠١ (BEIRUT، ٥٦٩١.\nTHIS VOLUME، OF AL- MUQTABIS، DISCUSSES ALMOST FIVE YEARS) ٤- ٠٧٩ ٤- ٠٦٣ (OF- THE RIEGN OF AL- HAKAM II (٦٧- ١٦٩ ٦٦- ٠٥٣ (\n(٢) تحقيق ودراسة للنص الجغرافي المتعلق بالأندلس وأوربا من كتاب المسالك والممالك، للجغرافي الأندلسي الكبير أبو عبيد البكري (عبد الله بن عبد العزيز، ٤٠٦- ٤٨٧ هـ) . ظهر هذا النص تحت عنوان: جغرافية الأندلس وأوروبا، بيروت (١٣٨٧ هـ ١٩٦٨ م) .\nCRITICAL EDITION- OF THE GEOGRAHPHY OF AL- ANDALUS AND EUROPE FROM THE BOOK AL- MASALIK WAL- MAMALIK، BY ABU UBAYD AL- BAKRI) ٤٩٠١ ٧٨٤ (\n(٣) أندلسيات، المجموعة الأولى، بيروت (١٣٨٨ هـ ١٩٦٩ م) .\nالمجموعة الثانية، بيروت (١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م) . وتضم بحوثا ومقالات غالبيتها في التاريخ الأندلسي.\n(٤) نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت (١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م) . الطبعة الثانية، دمشق (١٣٩٥ هـ ١٩٧٥ م) . الطبعة الثالثة، دمشق (١٣٩٩ هـ ١٩٧٩ م) . وهي طبعة مزيدة ومنقحة. الطبعة الرابعة، القاهرة (١٤٠٠ هـ","vol":"1","page":415},{"text":"١٩٨٠ م) . الطبعة الخامسة، الكويت (١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م)، وهي تصوير الطبعة الثالثة. والطبعة الجديدة تجهز بعون الله.\n(٥) الحضارة الإسلامية في الأندلس، بيروت (١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م) .\n(٦) تاريخ الموسيقي الأندلسية، بيروت (١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م) .\n(٧) الدكتوراه (بالإنجليزية) عن: «العلاقات الدبلوماسية بين الأندلس وأوربا الغربية حتى نهاية الخلافة»:\nANDALUSIAN DIPLOMATIC RELATIONS WITH WESTERN EUROPE DURING THE UMAYYAD PERIOD، BEIRUT، ٠٩٣١) ٠٧٠٩١ (.\n(٨) التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة (٩٢- ٨٩٧ هـ ٧١١- ١٤٩٢ م)، الطبعة الأولى، دمشق (١٣٩٦ هـ ١٩٧٦ م) . الطبعة الثانية، دمشق (١٩٨٤ م) . الطبعة الثالثة، دمشق (١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م) . الطبعة الرابعة، القاهرة. الطبعة الرابعة (الخامسة) بيروت ١٩٩٤ م. الطبعة الخامسة (السادسة) بيروت، ١٩٩٧.\n(٩) جوانب من الحضارة الإسلامية، الطبعة الأولى، بيروت (١٩٧٩ م) . الطبعة الثانية، الكويت (١٩٨٧ م) (تصوير) .\n(١٠) مع الأندلس لقاء ودعاء، بيروت (١٩٨٠ م) .\n(١١) محاكم التفتيش الغاشمة وأساليبها، الكويت (١٤٠٧ هـ ١٩٨٧ م) .\n(١٢) ابن زيدون السفير الوسيط، الكويت (١٤٠٧ هـ- ١٩٨٧ م) .\n(١٣) أضواء على الحضارة والتراث، الكويت (١٤٠٨ هـ ١٩٨٧ م) .\n(١٤) تاريخنا من يكتبه، دار الفضيلة، القاهرة (١٤١٨ هـ ١٩٩٧ م) .","vol":"1","page":416},{"text":"(١٥) هجرة علماء الأندلس لدى سقوط غرناطة، ظروفها وآثارها، دار الفضيلة، القاهرة (١٤١٩ هـ ١٩٩٩ م) .\n(١٦) بحث بالإنجليزية:\nINTERMARRIAGE BETWEEN ANDALUSIA AND NORTHERN SPAIN IN THE UMAYYAD PERIOD، THE ISLAMIC QURTERLY، LONDON، VOL. XI، NOS. ١- ٢، ١٣٨٧- ١٩٦٦.\nنشر بالعربية ضمن المجموعة الأولى من أندلسيات.\n(١٧) نقد) REVIEW (بالإنجليزية، لكتاب:\nA HISTORY OF ISLAMIC SPAIN، W. MONTGOMERY WATT) ISLAMIC\nSURVEY ٤)، EUP، ٥٦٩١.IN THE ISLAMIC QURTERLY، VOL.X،\nNOS.٣- ٤، ٦٨٣١) ٦٦٩١ (.\nنشر (النقد) باللغة العربية ضمن المجموعة الأولى من أندلسيات.\n(١٨) بحث بالإنجليزية يتناول جانبا من شخصية الرحالة الأندلسي (إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي الطّرطوشي):\nAL- TURTUSHI THE ANDALUSIAN TRAVELLER، AND HIS MEETING WITH POPE JOHN XII، THE ISLAMIC QURTERLY، VOL.XI، NOS.\n) ٧٦٩١ (٧٨٣١،٤ -٣. نشر باللغة الإيطالية في مجلة:\nRIVISTA STORICA ITALIANA، NAPOLI، ANNO LXXIX، FASC.\n١، ٧٦٩١، PP.٤٦١- ٣٧١.\n(١٩) بحث: «القضاء ودراسته في الأندلس»، نشر في العدد الأول (١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م) من مجلة كلية الإمام الأعظم (بغداد) .\n(٢٠) بحث: «الكتب والمكتبات في الأندلس»، نشر في العدد الرابع (١٣٩٢ هـ ١٩٧٢ م) من مجلة كلية الدراسات الإسلامية (بغداد) .\n(٢١) بحث: «العلاقات الدبلوماسية بين الأندلس وبيزنطة حتى نهاية القرن الرابع الهجري»، نشر في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية","vol":"1","page":417},{"text":"في مدريد، المجلد الثاني والعشرون (١٩٨٣- ١٩٨٤ م) .\n(٢٢) بحث: «المورسكيون في المصادر والمخطوطات الأندلسية»، قريبا تحت الطبع، بالعربية وكذلك بالإنجليزية.\n(٢٣) كتاب: دراسة للظاهرة العلمية في المجتمع الأندلسي، من خلال الكتاب الأندلسي والمكتبات فيه، يجهز قريبا للطباعة.\n(٢٤) كتاب: السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها، دار ابن كثير، دمشق- بيروت، وهو هذا الكتاب.","vol":"1","page":418},{"text":"الفهارس العامة\nفهرس الآيات القرآنية فهرس الأحاديث والآثار النبوية فهرس الشعر فهرس الأعلام فهرس الأماكن والبقاع فهرس القبائل والجماعات فهرس الموضوعات","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>فهرس الآيات</span>\nالآية رقمها رقم الصفحة (٢) سورة البقرة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ ٣٠ ١٧٢\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا ١٢٩ ٢٤٤، ٣٨٢\nصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ١٣٨ ١٦٠، ١٧٣، ٢٨٦، ٤٠٠\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ١٤٦ ٨٢\nوَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ ١٩٨ ٣٨٢\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ ٢٠٨ ١٩٨، ٢٥٧\nأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ٢١٤ ٣٥٤\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما ٢١٩ ١٦٣، ١٦٨\nكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ٢٤٩ ٣٥٥\nوَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا ٢٥٠ ٣٥٥\nلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ٢٥٦ ٣٣٨\nالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما ٢٧٥ ٢٦١، ٢٧٨\n(٣) سورة آل عمران إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ١٩ ٢٣٠، ٢٤٥\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٣١ ٢٩، ٢٧٨\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ٦٢ ١٨٢\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ ٦٤ ٢٣٧، ٢٤٥\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ ٨١ ٢٤٤\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ ٨٥ ٢٣٠\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ١٠٢ ١٠٧\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ١٠٣ ١٠٠، ١٠٧، ٣٧٩","vol":"1","page":421},{"text":"وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ١٠٤ ١٠٠\nكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ١١٠ ١٦، ٤٥، ٦٣، ٦٤، ٩٢، ١٧٥\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ١١٨ ١٠٩\nها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ ١١٩ ١٠٩\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا ١٢٣ ٢٢٢، ٣٨٩\nلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ١٢٨ ٣٩٥\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ١٤٦ ٧٢، ٣٤٠\nفَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ ١٤٨ ٢٩٠\nوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ١٥٢ ٣٧٣\nلَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ ١٦٤ ٣٧٩\n(٤) سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ ٤٣ ١٦٣، ١٦٨\nوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ٦٦ ١٣٦\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ ٦٩ ١٣٤، ٢١٠، ٢٥٨\nذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا ٧٠ ١٣٤، ٢١٠\nوَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ٨٧ ١٨٢\nوَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ١٢٢ ٣٣٨\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ ١٦٥ ١٧٣\n(٥) سورة المائدة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ ٣ ٢٤٥\nقَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ ١٥ ٢٧٢\nيَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ١٦ ٢٧٢\nأَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ ٥٠ ١٤، ١٦١، ٣١٠","vol":"1","page":422},{"text":"يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ٥٤ ٧٦، ٢٩١، ٣٥١\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ٩٠ ١٦٤، ١٦٨، ١٧٠\nإِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ ٩١ ١٦٤، ١٦٨، ١٧٠\n(٦) سورة الأنعام الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ ٢٠ ٣١٣\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ ٣٣ ٣٠٥، ٣٩٧\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ ١١٥ ٣٤٤، ٣٨٢\nأَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا ١٢٢ ٢٥٨\nاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ١٢٤ ٢٧٥، ٣٨٢، ٤٠٦\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ ١٢٥ ٣٣٦\nوَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ١٥٣ ٢٥٢ ٢٧٤، ٢٧٦\nوَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ ١٥٥ ٢٧٦\n(٧) سورة الأعراف الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ ٤٣ ١١٤\nوَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا ... لِلْمُتَّقِينَ ١١٣- ١٢٨ ١٨٧\nوَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها ١٥٦ ٢١\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ١٥٧ ٢١\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ١٥٨ ٢٤٤\n(٨) سورة الأنفال وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ٧ ٣٨٩\nوَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ٣٠ ٣٠٦","vol":"1","page":423},{"text":"وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ ٤١ ٢٢٢\nلِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى ٤٢ ٣٣٦\nوَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ٦٢ ٢٠١، ٣٥٠\nوَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ ٦٣ ٢٠١، ٣٥٠، ٣٧٩\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ ٦٤ ٢٠١، ٣٥٠\n(٩) سورة التوبة قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ ٢٤ ٥٥\nاتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ٣١ ٣٢٥\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا ٣٨ ٢١٧\nإِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا ٣٩ ٢١٧\nإِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٤٠ ٣٠٨، ٣١٥\nانْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا ٤١ ٣٤٨\nوَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ٩٢ ٤١\nوَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ ١٠٠ ٩٨، ٣٥٢\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ١١١ ٣٤٤، ٣٥٢\n(١٠) سورة يونس قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ ١٦ ٣٨٣\nوَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي ٢٥ ٢٨٣\nقُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ٣٥ ٢٧٧\nوَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ ٣٦ ٢٧٧\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ٥٧ ٤٠٧\nقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ٥٨ ٣٨٤، ٤٠٧\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ ... لَغافِلُونَ ٩٠- ٩٢ ٢٦٦\n(١٢) سورة يوسف وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ ٢١ ١٤٨، ١٧٤، ٢٧١","vol":"1","page":424},{"text":"ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها ٤٠ ١٥٦\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي ١٠٩ ١٧٤\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا ١١٠ ١٧٤\nلَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ١١١ ١٧٤، ١٨٢\n(١٣) سورة الرعد وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ٦ ٨٠\nوَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ٣١ ٣٣٧، ٣٨٣\nلِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ ٣٨ ٢٥٧\nيَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ ٣٩ ٣٨٧\nوَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ٤٠ ٣٨٧\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها ٤١ ٨١، ٣٨٧\n(١٤) سورة إبراهيم وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا ١٢ ٣٢٤\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً ٢٤ ١١٤، ١٥١\nتُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها ٢٥ ١١٤، ١٥١\nوَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٢٦ ١٠٨\n(١٥) سورة الحجر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ٩ ٦٣\nفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ٩٤ ٢٩٣\n(١٦) سورة النحل وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ ٦٧ ١٦٣\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ ١٠٦ ٢٢٤\n(١٧) سورة الإسراء إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ٩ ٣٣٨\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا ... نَصِيرًا ٧٣- ٧٥ ٩٧","vol":"1","page":425},{"text":"وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ ٨٢ ٢٦١، ٣٣٨\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ ١٠٥ ٣٣٦\n(١٨) سورة الكهف الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ١ ٣٣٦\nلَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا ١٨ ١٠٨\n(٢٠) سورة طه فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا ... تَزَكَّى ٧٠- ٧٦ ٢٠٢\nكَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ ... وَأَبْقى ٩٩- ١٢٧ ٥١\n(٢١) سورة الأنبياء لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ١٠ ١٠٧\nبَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ ١٨ ١٧\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي ٢٥ ٢٦٥\nأَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها ٤٤ ٣٨٧\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ ١٠٥ ٢٠٥، ٢٥٨، ٣٣٤\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ١٠٧ ٥٩\n(٢٢) سورة الحج يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا ... النَّصِيرُ ٧٧- ٧٨ ١٩٠\n(٢٣) سورة المؤمنون اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ٣٢ ١٣\nفَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ٤١ ٢٥٧\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ ٤٢ ٢٥٧\nفَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ ... لا يَشْعُرُونَ ٥٣- ٥٦ ١٣٠، ١٣١، ٢٥٤\nإِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ... سابِقُونَ ٥٧- ٦١ ١٣٠، ٢٥٤","vol":"1","page":426},{"text":"(٢٤) سورة النور وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ٣١ ١٤٨، ١٥٠\nوَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ٤٠ ٢٦١، ٢٧٩، ٣٣٨، ٣٤٢\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ٥٥ ٥٥\n(٢٦) سورة الشعراء وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ١٩١ ١٢\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ... الْمُنْذِرِينَ ١٩٢- ١٩٤ ١٢، ٣٣٩\nبِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ... إِسْرائِيلَ ١٩٥- ١٩٧ ١٢\n(٢٧) سورة النمل وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ٧٧ ٥٩\n(٢٨) سورة القصص وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما ٦ ١٨٣\nإِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا ٨ ١٨٣\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ ... الظَّالِمِينَ ٣٨- ٤٠ ١٨٣، ٣٨٦\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى ٧٦ ١٨٣\nقالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ٧٨ ١٨٤\nتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ ٨٣ ١٠٤\n(٢٩) سورة العنكبوت وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ... قَدِيرٌ ١٨- ٢٠ ٢٠٠\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٢٧ ١٩٧\nوَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ ... يَعْلَمُونَ ٣٩- ٤١ ١٨٥\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ٦٩ ٣٢٤\n(٣٣) سورة الأحزاب ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ٤ ٣٠٢، ٣٠٣","vol":"1","page":427},{"text":"النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ٦ ٥٥\nلَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ٢١ ٤، ٢٩، ٦٦، ٢٤٨، ٤٠٥\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ٢٣ ٣٣٣، ٣٤٧\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٤٥ ٢١، ٢٥٢، ٢٧٤\nوَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا ٤٦ ٢١، ٢٥٢، ٢٧٤\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ٤٧ ٢١\nيُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ٥٩ ١٤٩\nوَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ٦٢ ٦٧\n(٣٥) سورة فاطر فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ ٤٣ ٨٠\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ٤٤ ٨٠\n(٣٦) سورة يس لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ ٧٠ ٢٦٠\n(٣٧) سورة الصافات وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ٢٤ ٢٦٠، ٢٧٨\n(٣٩) سورة الزمر اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا ٢٣ ٦٣\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ٣٠ ١٣٤\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ٥٣ ٣١١، ٣١٢\n(٤٠) سورة غافر حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ١- ٢ ١٧١\nغافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ٣ ١٧١\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا ... الْعِقابِ ٢١- ٢٢ ٢٠١","vol":"1","page":428},{"text":"وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ... ضَلالٍ ٢٣- ٢٥ ١٨٤\nوَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ... الْحِسابِ ٢٦- ٢٧ ١٨٤، ٣٨٦\nوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ٢٨ ١٨٥\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ٣٦ ١٨٣، ٣٨٦\nإِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ٥١ ٣٤٤، ٣٨٦\nيَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ٥٢ ٣٨٧\n(٤١) سورة فصلت وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ٤١ ٣٢، ١٨٢\nلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ٤٢ ٣٢، ١٨٢، ٣٣٨\n(٤٢) سورة الشورى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ٥٢ ١٢\n(٤٣) سورة الزخرف وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ ... مُقْتَرِنِينَ ٥١- ٥٣ ٣٨٦\nفَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ ٥٤ ٢٨٢، ٣٨٦\n(٤٧) سورة محمد وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ٣٨ ٢٥٧\n(٤٨) سورة الفتح لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ ١٨ ٩٤\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ ٢٨ ٤، ٢٠، ٩٣\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ ٢٩ ٤، ٢٠، ٩٣\n(٤٩) سورة الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ ٢ ١٢٨\n(٥٠) سورة ق وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ١٩ ٤٠٣","vol":"1","page":429},{"text":"(٥١) سورة الذاريات وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ٥٦ ١٧٢\n(٥٣) سورة النجم وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ٢٨ ٢٧٧\n(٥٤) سورة القمر وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ٤ ١٩٩\nوَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ... مُقْتَدِرٍ ٤١- ٤٢ ١٩٦\nأَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ ٤٣ ١٩٦، ٢٠٠\nأَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ... الدُّبُرَ ٤٤- ٤٥ ٢٠٠\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ ١٣١، ٤٠٣\nفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ٥٥ ١٣١، ٤٠٣\n(٥٧) سورة الحديد وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ ... خَبِيرٌ ٨- ١٠ ٩٤\n(٥٨) سورة المجادلة كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ٢١ ٣٣٤، ٣٦٩\n(٥٩) سورة الحشر فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ٢ ٣٣٠\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ٨ ٩٨، ١٠٤\nوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ... رَحِيمٌ ٩- ١٠ ٩٨\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ ٢١ ٣٣٩\n(٦١) سورة الصف يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ... مَرْصُوصٌ ٢- ٤ ٧٦\nوَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ ٦ ٢٤٤\nيُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ ٨ ٣٣٤\nأَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ ٩ ٣٣٤، ٣٣٦","vol":"1","page":430},{"text":"(٦٢) سورة الجمعة هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا ... الْعَظِيمِ ٢- ٤ ٣٨٢\n(٦٣) سورة المنافقون هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ ٤ ١١٢\nوَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ٨ ١٩٠، ٢٨١\n(٦٧) سورة الملك أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ١٤ ١٧٢، ٣٧٢\n(٦٨) سورة القلم وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ٤ ٥٢، ٣٧٨\n(٦٩) سورة الحاقة تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ... الْأَقاوِيلِ ٤٣- ٤٤ ٩٦\nلَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ... الْعَظِيمِ ٤٥- ٥٢ ٩٧\n(٧٢) سورة الجن قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ ... أَحَدًا ١- ٢ ٢٥٩، ٢٧٦\nوَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا ١٩ ٢٥٦\n(٧٤) سورة المدثر وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ٣١ ٣٩٩\n(٧٥) سورة القيامة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ٢٢- ٢٣ ٢٧٢، ٢٩٠\n(٧٦) سورة الإنسان إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ ٩ ٦٩\n(٨١) سورة التكوير إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ... الْعالَمِينَ ٢٧- ٢٩ ٢٧٦","vol":"1","page":431},{"text":"(٨٥) سورة البروج قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ ... الْحَمِيدِ ٤- ٨ ٢٩١","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>فهرس الأحاديث والآثار النبوية</span>\nطرف الحديث رقم الصفحة\nا- اتق الله حيثما كنت واتبع الحسنة ١٢٣\nأجل، والله إنه لموصوف في التوراة ٢١\nأحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ٢٧٩\nإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ٨١، ٣٧٧\nأرحنا بها يا بلال ٢٠٩\nاسمعوا وأطيعوا ولو إلى عبد حبشي ١٢٣\nافد نفسك برماحك التي بجدة ١٧٨\nأفلا أكون عبدا شكورا ٤٠٣\nألا إن كل شيء من أمر الجاهلية ١٩١، ٤٠٤\nألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ٧٥، ١٦١\nأما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله ٦٣\nأمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود ٥٧\nإنّ إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا ٤٥\nإن الرائد لا يكذب أهله والله ٢٥٤\nإن روح القدس نفث في روعي ٢٦٣\nإن سالما شديد الحب لله ٢٦٤\nإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ٢٩٢\nإن الله يحب أن تؤتى رخصه ٢١٨\nإن لنساء قريش لفضلا ١٤٩\nإن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت ١٣٦\nإنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون ٢٢٠\nإنما الأعمال بالنيات ٣١٤","vol":"1","page":433},{"text":"إنه خبيث الدية، فلعنه الله ١٩٥\nإنه لمن أهل الجنة ٢٦٧\nأنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا ١٣\nأنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ٢٤٤\nأنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ٢٤٤\nأنت عبد الله ذو البجادين ١٤٦\nأنت مهاجرون إلى الله وإليّ ٣٢٢\nأنتم اليوم خير أهل الأرض ٦٤، ٩٥، ٣٧٥\nأي المؤمنين أعجب إليكم؟ ٩٦\nالأنبياء أخوة لعلّات أمهاتهم ٢٧٠\nالإيمان تصديق بالجنان وقول باللسان ٣٨٤\nأيها الناس إني نذير لكم ٢٩٣\nأيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ٢٨٨\nب-\nبسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى ٢٨٠\nبسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس ٢٤٥\nبسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل ٢٣٧\nبلى إنهم حرموا عليهم الحلال ٣٢٥\nت-\nتحملت له بقتلي على أن يعول بنيك ١٧٨\nتضمن الله لمن خرج في سبيله ٤٠٦\nث-\nثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ٥٥\nج-\nالجهاد ذروة سنام الإسلام ٧٧","vol":"1","page":434},{"text":"- ح-\nحبب إليّ من دنياكم النساء والطيب ٢٠٩\nخ-\nخير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ٦٤\nد-\nالدين المعاملة ١٢٢\nر-\nربح البيع: لا نقيل ولا نستقيل ٣٠٤\nز-\nزاده الله حرصا على طواعية الله ١٣٧\nس-\nسبحان الله إن للموت سكرات ٤٠٣\nالسلام عليكم دار قوم مؤمنين ٩٦\nسيروا وأبشروا فإن الله تعالى ٢٢٢\nش-\nشهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط ١٣٥، ٤٠٢\nص-\nصبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ٢٢٥، ٢٩٦\nغ-\nغمسه يده في العدو حاسرا ٣٩٨\nف-\nفأعني على نفسك بكثرة السجود ١٠٠، ١٠١\nفإن سلعة الله غالية ألا أن سلعة الله الجنة ٢٩٨\nفإن الله مانع أباك ٣٦٢","vol":"1","page":435},{"text":"فإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن ٣١\nف-\nفإني لا أقبل هدية مشرك ٤٢\nفإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا ١٦٨\nفو الله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية ٤٠٥\nك-\nكان خلقه القرآن ٤١، ٦٣، ٦٥، ٧٤\nكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح انصرف ١٤٦\nكان يمر الشهر والشهران وما يشعل في بيت ١٢٦\nكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة ٣٩٠\nكنّ نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ ١٤٨\nكنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة ١٦٩\nكيف أصبحت يا حارث ٢٠٥\nكيف أنتم وربكم؟ ٩٨\nكيف تقضي إذا عرض لك قضاء ٥٦\nكيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم ٣٩٤\nل-\nلقد أوذيت في الله ﷿ وما يؤذي أحد ٨٥\nلقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة ١١٨، ٣٣٢\nلقد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل فيحفر له ٢٢٩، ٢٩٤\nالله أكبر، فزت ورب الكعبة ٤٢، ٤٥\nاللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه ١٣٩\nاللهم إن العيش عيش الآخرة ٢٣٥\nاللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ٣٩٥\nاللهم مزّق ملكه ٢٨١\nلم تراعوا، لم تراعوا ما رأينا من شيء ٢٣٤","vol":"1","page":436},{"text":"لما نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز ١٤٩\nلما نزلت يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج ١٤٩\nلو تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون ٩٩\nلو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في ١٩٤، ٤٠٧\nلو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما ٥٧\nليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ٢٠٥، ٣٨٤\nم-\nما حملك على هذا يا سواد؟ ٤٠١\nما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان ١٩\nما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ١٢\nما يحملك على قولك بخ بخ ٣٩٧\nمثلي ومثلكم كمثل رجل أو قد نارا ٢٢٧\nمزّق الله ملكه ٢٨١\nمن رأى منكم منكرا فليغيره بيده ٢١٩\nمن علم من أخيه سيئة فسترها ٢٣٩- ٢٤٠\nمن لم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة ٣٢٦\nالمؤمن إذا حدث صدق ٢٤٩\nن-\nنحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة ٣٩١، ٣٩٢\nنعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي بالليل ٢٠٤\nووأنا والله أحبكم ٤٠٢\nوإن العلماء ورثة الأنبياء ٩٢، ٣٥٤\nوإن الله ليؤيد هذا الدين ٣٦٠\nوإنه والله لو كان موسى حيا ٥٧\nوالذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل ٣٩٧","vol":"1","page":437},{"text":"والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون ١٢٨\nوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى ٥٥\nوالذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ٣٠٣\nوالله إنك لخير أرض الله وأحب أرض ٣٦١\nوالله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ٢١٩\nولوددت أني أقتل في سبيل الله ٣٠٠\nوليقذفن الله في قلوبكم المهابة ٣٠٣\nوهل ترك لنا عقيل من رباع ٣٩٢\nلا-\nلا إله إلا الله وحده صدق وعده ٢٣٥، ٣٧١\nلا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ٣٣٦\nلا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق ٢٤٢\nلا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده ٩٥\nلا، الثلث، والثلث كثير ٣٩٤\nلا خير في جيفته ولا في ثمنه ١٩٥\nلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ١٢٣\nلا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية ٣٦٩\nلا يا بنت الصديق! ولكنه الذي يصلي ١٣٠\nلا يا عمر، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك ٥٦\nلا يحج بعد العام مشرك ٣٩٠\nلا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله ٣٠٢\nلا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما ٥٥\nي-\nيا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ٣٠٨\nيا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله ١٥٨، ٢٢٤، ٣٣٩\nيا بلال أقم الصلاة أرحنا بها ٢٠٩\nيا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ٣٨٣","vol":"1","page":438},{"text":"يا حنظلة، لو كنتم عند أهليكم كما تكونون ٩٩\nيا ربيعة ألا تزوج؟ ١٤٢، ٢٠٩\nيا غلام احفظ الله يحفظك ٣٦٠- ٣٦١\nيا فلان ما لي أراك محزونا؟ ٢١٠\nيا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب ٢٢٠\nيرحم الله نساء المهاجرات الأول ١٤٨","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>فهرس الشعر</span>\nالبيت رقم الصفحة\nالألف المقصورة-\nوالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\n٣٢٥\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا\n٣٢٥\nإنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا\n٣٢٥\nب-\nالهول في دربي وفي هدفي ... وأظلّ أمضي غير مضطرب\n٢٦٣\nما كنت من نفسي على خور ... أو كنت من ربي على ريب\n٢٦٣\nما في المنايا ما أحاذره ... الله ملء القصد والأرب\n٢٦٣\nت-\nوأبي الذي مسح النبيّ برأسه ... ودعا له بالخير والبركات\n١٤٠\nأعطاه أحمد- إذ أتاه- أعنزا ... عفرا ثواجل لسن باللّجبات\n١٤٠\nيملأن وفد الحي كلّ عشية ... ويعود ذاك الملء بالغدوات\n١٤٠\nبوركن من منح وبورك مانح ... وعليه مني ما حييت صلاتي\n١٤٠\nث-\nتجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا\n١٣٢\nد-\nنحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا\n٢٣٥، ٣٤٨، ٣٦٢\nويحي على ساسة القانون ويحهم ... على جهود أضاعوها وما وجدوا\n٢٧٩\nوبين أيديهم القرآن يوردهم ... أسمى المناهج والأحكام لو وردوا\n٢٧٩\nجزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أم معبد\n٢٩٧\nهما نزلا بالبرّ وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمد\n٢٩٧","vol":"1","page":440},{"text":"- ر-\nلعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر\n٤٠٣\nهذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرّ- ربّنا- وأطهر\n٤٠٤\nنحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار\n٤٠٢\nولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير\n١٦٧\nفإذا سكرت فإنّني ... ربّ الخورنق والسّدير\n١٦٧\nوإذا صحوت فإنّني ... ربّ الشّويهة والبعير\n١٦٧\nرقص الكون فانهمر ... سال سيله نهر\n١٦٧\nطرب الكون وانتشى ... أخضر وجهه نضر\n٣٤٠\nوتغنّت بقاعه ... حين صابها المطر\n٣٤٠\nأخضر الماء عينه ... وغدا ثاقب النظر\n٣٤٠\nوالحياة جديدة ... إنسانها قد انبهر\n٣٤٠\nماذا جرى في كوننا؟ ... جاءه هادي البشر\n٣٤١\nحين دعا محمد ... إلى الحياة واشتهر\n٣٤١\nيوم نادى كل الورى ... إلى الله بلا ضجر\n٣٤١\nالله أنزل شرعه ... وحي به قد انهمر\n٣٤١\nلصبره احتارت قريش ... جهاده كان الأغر\n٣٤١\nجاء بها نبوة ... وللحق بها ظهر\n٣٤١\nبدعوة الله قائم ... بالغا قمة الفخر\n٣٤١\nفانبرى يوقظ الورى ... تتهاوى عنده الشرر\n٣٤١\nوتحالفت في حربه ... كلّ البغاة وانحصر\n٣٤١\nشدّت عليه مطارقا ... ومحارقا لا مدّخر\n٣٤١\nوالأقربون تنافسوا ... في بغيهم كانوا الأشر\n٣٤١\nلكنه حمل اللواء ... به اقتدى ذوو الخير\n٣٤١\nكان أمضى من الرياح ... كان أقوى من الصخر\n٣٤١\nفاستنارت به النفوس ... فهو أسنى من القمر\n٣٤١\nرفع الحق صوته ... ضياؤه قد انتشر\n٣٤١","vol":"1","page":441},{"text":"والطواغيت تندب ... مجدها باء واندثر\n٣٤١\nكل قوم لهم إله ... عبدوه وهم حجر\n٣٤١\nذهب الظلم وانطوى ... تحت الثرى قد انقبر\n٣٤١\nحل عدل مكانه ... غصونه تدني الثمر\n٣٤١\nملأ الأرض نفحها ... تنشر فوقه الدرر\n٣٤١\nومضى يحمل الزمان ... ويداوي بني البشر\n٣٤١\nقائدا موكب الحياة ... ويعاني فتنة الزّمر\n٣٤١\nلا يبالي مهما التوى ... دربه حالك السّير\n٣٤١\nحتى انطوى قبيله ... على ارتخاء وانقعر\n٣٤١\nحين لانت قناتهم ... فاستبيحوا من الغجر\n٣٤١\nيوم هابوا عدوّهم ... يوم هانوا على الصّغر\n٣٤١\nيا بني الجيل نهضة ... تنفض عنكم الغبر\n٣٤٢\nيا صحابا بصيحة ... توقظ كل من هجر\n٣٤٢\nهذا الكتاب نداؤكم ... فاسرعوا غير معتذر\n٣٤٢\nفهو فيه سعادة ... وحده، كل من حضر\n٣٤٢\nبه النفوس كريمة ... تتبني كلّ مزدهر\n٣٤٢\nبه العيون قريرة ... ترقى الفضائل وانتصر\n٣٤٢\nع-\nأمور لو تدبرها حكيم ... إذا لنهى وهيّب ما استطاعا\n١٥٨\nمن الوجوه المصابيح الذين هم ... كأنهم من نجوم حية صنعوا\n١٩\nأخلاقهم نورهم من أي ناحية ... أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا\n١٩\nطلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع\n٣٥٠\nوجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع\n٣٥٠\nأيّها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع\n٣٥٠\nجئت شرّفت المدينة ... مرحبا يا خير داع\n٣٥٠\nفلست بمبد للعدوّ تخشّعا ... ولا جزعا إنّي إلى الله مرجعي\n٣٠٢\nولست أبالي حين أقتل مسلما ... علي أيّ جنب كان في الله مصرعي\n٣٠٢","vol":"1","page":442},{"text":"وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع\n٣٠٢\nل-\nيا مسلمون ألا اقبلوا ... نحو الرّسول وهلّلوا\n٦٢\nفهتافه كلّ الورى ... درب الحقيقة ماثل\n٦٢\nلتحكّموا شرع الهدى ... فالأرض منه تنهل\n٦٢\nاسقوا العطاش مرامهم ... إذ هم بهذا يمتلوا\n٦٢\nولوحده ريّ النعيم ... وبغيره لا تأملوا\n٦٢\nوإذا اكفهرّت غبرة ... واسودّ جوّ ممحل\n٦٢\nوإذا اضمحلّت خضرة ... إذ زال عنها آمل\n٦٢\nأو أقفرت من بلدة ... قد غاب عنها سائل\n٦٢\nلا تبحثوا عن غيره ... كلا، عداه قوّل\n٦٢\nلئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منّا العمل المضلّل\n٤٠٤\nأحزان قلبي لا تزول ... ختى أبلّغ بالقبول\n٣٤٧\nوأرى كتابي باليمين ... وتقرّ عيني بالرّسول\n٣٤٧\nكذبتم وبيت الله يبزا محمد ... ولمّا نطاعن دونه ونناضل\n٤٠١\nونسلمه حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\n٤٠١\nوليس يصحّ في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\n١٩٢\nأمّا أنا ماذا أقول ... وكل أعمالي ذبول\n١٠٥\nكيف أنا ماذا أقول ... ومحمد نعم الرسول\n١٠٥\nنفسي فداك عزيزة ... وقليلة أبا البتول\n١٠٥\nولو ملكت مئاتها ... فهي للدين تؤول\n١٠٥\nهذي بضاعتي وضراعتي ... وبالشفاعة للقبول\n١٠٥\nحبّي لكم متواصل ... وجذوره فيه الشّمول\n١٠٥\nالله يعلم كنهه ... عششق عذراء دلول\n١٠٥\nوخطى الشريعة سرتها ... قدميّ للحمل ذلول\n١٠٥\nإنه العشق الأصيل ... وذاك يكفى أن أقول\n١٠٥","vol":"1","page":443},{"text":"- م-\nظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلّها وأصوم\n١٠٤\nإذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المثلّم\n١٧١\nلعلّ أمير المؤمنين يسؤوه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم\n١٧١\nن-\nاهتزّت الأحجار بغاره فرحانا ... جاء الأمين يرتّل القرآن\n٣٤٠\nإن نكن لم نر النّبي فإنّا ... قد تبعنا سبيله إيمانا\n٢١٠\nوعالم بعلمه لم يعملن ... معذّب من قبل عبّاد الوثن\n٧٦\nهـ-\nقد بتّ سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها\n١٦٦\nفمن تكن كلمات الله حجته ... فلن يهاب من الدنيا وما فيها\n٣٣٣\nدع عنك ما قاله الأعداء تشويها ... هي الدعاية فلتسقط مباديها\n٣٦٤\nلا يقدرون على شيء بما كسبوا ... غير المكائد في أقصى معانيها\n٣٦٤\nوالحق يقذف نارا فوق باطلهم ... فيدفع الله أهواء ويوهيها\n٣٦٤\nفمن تكن كلمات الله حجّته ... فلن يخاف من الدّنيا وما فيها\n٣٦٤\nربّ يوم بكيت منه فلمّا ... تولى بكيت عليه\n١٥٧\nاليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه\n٣٩٠\nاللهم لا عيش إلّا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة\n٤٠٤","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>فهرس الأعلام</span>\n١ الاسم رقم الصفحة\nأ-\nإبراهيم ﵇ ١٨٩، ١٩٧، ٢٠٢، ٢٤٤، ٢٥٥، ٣٨٢\nابن إسحاق ٣٣، ٣٩٦\nابن أم مكتوم ٢٣١\nابن جرير الطبري ١٦٩\nابن حزم الأندلسي ٦٠، ٦١، ٧١\nابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ٤٠٤\nابن القيم ٣٩٧\nأبو أيوب الأنصاري ٢٤٠، ٣٢٧، ٣٢٩\nأبو بكر الصديق ٤٣، ٩٩، ١٢٤، ١٢٧، ١٢٨، ١٣٩، ٢١٦، ٢٢٤، ٢٩٥، ٣٠٤، ٣٠٦، ٣٠٨، ٣٨١، ٤٠٣\nأبو جندل ١١٦\nأبو جهل ١٧٧، ١٩٣، ٢٢٥، ٢٩٦، ٣٦٠، ٣٩٦، ٣٩٩\nأبو حذيفة بن عتبة ١١٣، ١١٤، ١١٦، ٢٦٤، ٣٦٤، ٣٦٥\nأبو داود ١٤٩\nأبو دجانة ١٢٣\nأبو الروم ١٢٠\nالاسم رقم الصفحة\nأبو سفيان ١٧٨، ٣٩٦\nأبو طالب ٢١٩، ٣٩١، ٤٠١\nابو طلحة ١٦٨، ١٦٩، ٢٣٤\nأبو العاص بن الربيع ١٩٤\nأبو عبيدة بن الجراح ١٠٧، ١٢٥، ٢٣٢، ٣٧٦\nأبو علي الصيرفي ٧١\nأبو لبابة ٣٧٦\nأبو لهب ٣٧٤\nأبو محجن الثقفي ١٧٠، ٣٧٦\nأبو هريرة ٩٦، ٩٩\nأبي بن خلف ٣٧٤\nأحمد ١٥٨\nأحمد بن عرفان الهندي ٧٢\nالأخنس بن شريق ٣٩٦، ٣٩٧\nأسامة بن زيد ٣٩١، ٣٩٢\nأسعد بن زرارة ١١٩\nأسماء ذات النطاقين ٢٩٧، ٣٠٧\nإسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ٢٣٨\nإسماعيل ﵇ ٢٩٨\nأسيد بن حضير ١١٩","vol":"1","page":445},{"text":"أصيرم، عمرو بن ثابت بن وقش ٢٤٧، ٢٦٦، ٢٦٧\nأم أيمن ٢١٦\nأم سلمة ١٤٩، ٢٩٧\nأم شيبة بنت عمير بن هاشم ١٢٠\nأم قيس ٣٢٦\nأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ١١٦\nأم معبد ٢٩٧\nأمية بن خلف ٢٢٤، ٣٦٠، ٣٧٤\nأنس بن مالك ٤٣، ٤٤، ٤٥، ١٣٥، ١٣٨، ١٦٨، ١٦٩، ٢٣٤، ٤٠٢\nأنس بن النضر ١٣٨\nب-\nباذان ٢٣٨، ٢٨٢، ٢٨٣\nالبخاري ٢١، ٤٤، ٧٧، ١٤٨، ٢٤٢\nبرجسون ١٦٠\nبريدة بن الحصيب الأسلمي ١٤٢، ١٧٠\nبشر بن معاوية ١٤٠\nبلال الحبشي ٨٥، ٢٠٩، ٢١٤، ٣٦٠\nبهمن ٢٣٢\nبيرزان ٢٣٢\nبيكو ١١٢، ١٢٣\nث-\nثابت بن قيس بن شماس ١٢٩، ٣٤٨\nثمامة بن أثال ١٧٧، ٣٦٦، ٤٠٧\nج-\nجابر بن عبد الله ٢٤٠\nجاذويه ٢٣٢\nجالنوس ٢٣٢\nجبلة بن الأيهم ١٧٦، ٢٣٢\nجرجة ٢٦٧\nجليبيب ٣٥٢\nجميلة بنت أبي بن سلول ١١٥\nح-\nالحارث بن الصمة ٤٣\nالحارث بن مالك الأنصاري ١٣٤، ٢٠٥، ٢٠٦\nالحارث بن هشام بن المغيرة ١٧٦\nحاطب بن أبي بلتعة ٢٤٥، ٢٤٦\nحبيب بن زيد الأنصاري ٢٢٥، ٣٥٩\nالحجاج بن علاط السّلمي ١٢٠\nحذيفة بن اليمان ١٢٣، ٢٣٦، ٤٠١\nحرام بن ملحان ٤٣، ٤٤، ٤٥\nحكيم بن حزام ٣٨٣\nحمزة بن عبد المطلب ١٣٧، ٤٠٠\nحنظلة بن الربيع الأسيدي (الكاتب) ٩٨، ٩٩، ١٢٧، ١٢٨\nحنظلة الغسيل بن أبي عامر ١١٤، ١١٥\nخ-\nخالد بن الوليد بن المغيرة ١٧٩، ١٨٠، ١٨١، ٢٣٢، ٣٢٩، ٣٧٦\nخباب بن الأرت ٢٢٨، ٢٩٤\nخبيب بن عدي ١٣٢، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٤٧، ٣٥٢، ٣٨٨\nخديجة بن خويلد ١٩٤، ٢٩٧","vol":"1","page":446},{"text":"- د-\nدارون ١٦٠\nداود ﵇ ٢٠٢\nدحية الكلبي ٢٣٧\nدوركايم ١٦٠\nذ-\nذو القرنين ٢٠٢\nر-\nربعي بن عامر ٣٦، ٢٧٠\nربيعة ١٣٢، ١٣٤، ١٧٨\nربيعة بن عباد ١٥٨\nربيعة بن كعب الأسلمي ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٤٢، ١٤٣، ١٤٤، ٢٠٨، ٢٠٩\nرستم ٣٦، ٢٣٢، ٢٧٠\nرملة بنت أبي سفيان، أم حبيبة ١١٦\nرملة بنت عبد الله بن أبي بن سلول ١١٥\nز-\nالزبير بن العوام ١٢٣، ١٩٥\nز-\nزنّيرة ٣٨١\nزياد بن لبيد الأنصاري ١٤٠\nزيد بن الدثنة ١٣٢\nزين العابدين، علي بن الحسين ٢٣٨\nزينب بنت رسول الله ﷺ ١٩٤\nس-\nسالم مولى أبي حذيفة ٢٦٤، ٣٤٩، ٣٦٤، ٣٦٥\nسايكس ١١٢، ١٢٣\nسراقة بن جعشم ٣٠٩\nسعد بن أبي وقاص ١٦٨، ٣٩٣، ٤٩٤\nسعد بن خولة ٣٩٤\nسعد بن الربيع ١٣٨\nسعد بن معاذ ١١٩، ٢٢١، ٢٢٢، ٣٥٠\nسقلاب الرومي ٢٣٢\nسليمان بن سالم الكلاعي الأندلسي ٣٨، ٧١\nسليمان ﵇ ٢٠٢\nسمية أم عمار ٢١٤، ٢٢٥، ٢٩٧، ٣٥٢، ٣٦٠، ٣٨٠\nسهلة بنت سهيل بن عمرو ١١٣، ١١٦\nسهيل بن عمرو ١١٦، ١٩٤\nسواد بن غزية ٤٠١\nش-\nشعيب ﵇ ١٩٧\nشيبة بن ربيعة ٤٠٠\nشيرويه (قباز) ٢٨٢\nص-\nصالح ﵇ ١٩٧\nصفوان بن أمية بن خلف ١٧٧، ١٧٨\nصفية بنت شيبة ١٤٩\nط-\nالطفيل بن عمرو الدوسي ٢٤٢\nع-\nعامر بن الطفيل ٤٤","vol":"1","page":447},{"text":"عامر بن فهيرة ٤٣، ٣٠٨\nعامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة ٤٢\nعائشة ٦٥، ٧٤، ١٣٠، ١٤٣، ١٤٨، ١٤٩، ٢٩٧، ٣٠٤، ٣٠٧، ٤٠٣\nعباد بن بشر ١١٩\nالعباس بن عبد المطلب ١٧٨، ١٧٩، ٤٠٤\nعبد الرحمن بن عوف ١٦٨\nعبد العزى ١٤١، ١٤٦\nعبد الله بن أبي بكر ٣٠٧\nعبد الله بن جحش ١٢١\nعبد الله بن الحارث بن نوفل ١٧٨\nعبد الله بن حذافة السهمي ٢٨٠، ٢٨١، ٢٩٩\nعبد الله بن رواحة ١٣٧\nعبد الله بن سبأ ١١٢\nعبد الله بن سهل بن عمرو ١١٦\nعبد الله بن عباس ٢٣٧\nعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول ١١٥\nعبد الله بن عمر بن الخطاب ١٨، ٢٩، ٩٣، ١٠٤، ١٢٥، ٢٠٤، ٣٨٤\nعبد الله بن عمرو بن العاص ٢١\nعبد الله بن مسعود ١٥، ١٣٧، ٢١٥\nعبد الله ذو البجادين المزني ١٤١، ١٤٦\nعبد الله فيلبي ١١١\nعبد عمرو الأصم ١٤١\nعبد عمرو بن كعب بن عبادة ١٤٠\nعبيدة بن الحارث بن المطلب ٤٠٠\nعتبة بن ربيعة ١١٣، ٣٧٧، ٤٠٠\nعثمان بن طلحة العبدري ١١٨\nعثمان بن عفان ٢٤٧، ٣٢٢\nعثمان بن مظعون ٢٩٥\nعدي بن حاتم ٣٢٥، ٣٧٤\nعدي بن كعب ٣٨٠\nعدي بن النعمان ٣٧٦\nعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ٤٣\nعقبة بن عامر الجهني ٢٣٩\nعقيل بن أبي طالب ١٩٤\nعكرمة ٢٦٧\nعلي بن أبي طالب ١٢٣، ١٢٥، ١٦٨، ١٩٥، ٣٠٤، ٤٠٠\nعمار بن ياسر ٢٢٥\nعمارة بن عقبة ١١٦\nعمر بن الخطاب ٥٦، ٥٧، ١٠٤، ١٠٧، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٥، ١٦٧، ١٧٠، ١٧١، ١٧٦، ٢١٦، ٢٢٤، ٢٩٩، ٣٠٩، ٣٤٧، ٣٤٩، ٣٨٠، ٣٨٤، ٤٠٧\nعمر بن عبد العزيز ١٣٢","vol":"1","page":448},{"text":"عمرو بن عبدود العامري ١٩٥\nعمير بن الحمام ٣٨٨، ٣٩٧\nعمير بن وهب ١٧٧، ١٧٨\nعوف بن الحارث ٣٨٨، ٣٩٨\nعيسى بن مريم ﵇ ١٣، ٥٧، ٢٤٤، ٢٤٦\nغ-\nالغامدية ٣٧٦\nف-\nفاطمة الزهراء ٣٦٢\nالفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء ١٤٠\nفرعون ١٨٢، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٨، ١٨٩، ٢٠٢، ٢٦٦، ٢٨٢، ٣٥٩، ٣٨٥، ٣٨٦\nفرويد ١٦٠\nق-\nقارون ١٨٢، ١٨٣\nقيصر ٨١، ٨٢، ٢٣١، ٣٧٧\nك-\nكامبل ٨٣\nكسرى أبرويز (خسرو الثاني) ٨١، ٨٢، ٢٣١، ٢٨٠، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣، ٣٠٩، ٣٧٧\nكنت ١٦٠\nل-\nلبيد بن ربيعة ١٦٦\nلورنس العرب ١١١\nلوط ﵇ ١٩٧\nم-\nماعز ٣٧٦\nمالك بن جعشم ٣٧٤\nماهان (باهان) الأرمني ٢٣٢\nالمثنى بن حارثة الشيباني ٣٧٦\nمحمد بن أبي حذيفة ١١٤\nمحمد بن بشر بن معاوية ١٤٠\nمحمد بن كعب القرظي ٢٣٦\nمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري ٢٣٨\nمسروق بن الأجدع ١٩\nمسلم ٤٤، ٢٣٩، ٣٩٠، ٣٩٤، ٤٠٦\nمسيلمة الكذاب ١١٥، ١٧٧، ٢٢٥\nمصعب بن عمير ١١٧، ١١٩، ١٢٠، ٣٣١، ٣٦٥\nالمطعم بن عدي ١٩٤، ٤٠٧\nمعاذ بن جبل ٥٦، ١٣٥\nمعاوية بن ثور بن عبادة البكائي ١٤٠\nالمقداد بن الأسود ٣٤٧\nالمقوقس ٢٤٥، ٢٤٦\nالمنخل اليشكري ١٦٧\nالمنذر بن عمرو ٤٢، ٤٤\nموسى ﵇ ٥٧، ١٨٣، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٦، ١٨٧، ١٨٩، ١٩٦، ٢٠٢، ٢٤٦، ٣٨٥، ٣٨٦\nن-\nنافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي ٤٣","vol":"1","page":449},{"text":"النجاشي ٢٣٨\nنسيبة ١٣٨\nالنعمان بن عدي بن نضلة القرشي ١٧٠\nنمرود ١٩٧\nنوح ﵇ ١٩٧، ٢٠٢\nنوفل بن الحارث بن عبد المطلب ١٧٨، ١٩٤\nنوفل بن عبد الله ١٩٥\nنيتشه ١٦٠\nهـ-\nهارون ﵇ ١٨٣، ١٨٤\nهالة بنت خويلد ١٩٤\nهامان ١٨٢، ١٨٣، ١٨٤\nهرقل ٢٣٧، ٢٩٩\nهرمزان ٢٣٢\nهكسلي ١٦٠\nهود ﵇ ١٩٧\nوولي الله الدهلوي الهندي ٧٢\nالوليد بن عتبة ٤٠٠\nالوليد بن عقبة ١١٦\nالوليد بن المغيرة ٣٧٧\nالوليد بن الوليد ٣٧٧\nوهب ١٧٧\nي-\nياسر ٢١٤، ٢٢٥، ٢٩٦\nيوسف بن عبد البر ٧١","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>فهرس الأماكن والبقاع</span>\n١ المكان رقم الصفحة\nأ-\nأحد ١١٤، ١١٥، ١١٧، ١١٨، ١٢٠، ١٢١، ١٢٣، ١٣٥، ١٣٧، ١٤٧، ١٥٢، ٢٤٧، ٢٦٦، ٣٣٢، ٣٦٥\nإصطخر ٢٦٤\nأفغانستان ٢٢٦\nأمريكا ١٥٣، ٣٥٩\nأمريكا اللاتينية ١٥٣\nأوربا ١٥٣، ٢٦٧\nب-\nبابل ١٩٧\nالبحر الأحمر ٣٠٨\nبدر ١١٣، ١١٦، ١٢٠، ١٣٢، ١٧٧، ١٧٨، ١٩٣، ١٩٤، ٢٠٠، ٢٢١، ٢٢٢، ٣٣٢، ٣٥٠، ٣٨٨، ٣٩٦، ٣٩٧، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٧\nالبصرة ١٧٠، ١٧١\nبغداد ٦\nالبقيع ٩٦\nبئر معونة ٤٢، ٤٣\n- ت-\nتبوك ١٤٧، ٣٧٦\nج-\nجبل الصفا ٢٩٢\nجدّة ١٧٨\nالجزيرة العربية ٢٠٠، ٢٧٥، ٢٩٢، ٣٨٢، ٣٩٠\nح-\nالحبشة ١١٤، ١١٦، ١١٧، ١١٨، ١٧٠، ٢٣٨، ٣٢٠، ٣٣٢\nالحجاز ١٤٠، ٢٣٨\nالحجر الأسود ٢٢٣\nالحديبية ٤٧، ٦٤، ٩٤، ٩٥، ١١٦، ١١٧، ١٣٨، ٢٢٠، ٢٣٧، ٣٧٥، ٣٨٩، ٤٠٧\nح-\nحضر موت ٢٢٩، ٢٩٥\nحمراء الأسد ١٢١\nحنين ١٧٩، ٣٨٣","vol":"1","page":451},{"text":"- خ-\nخيبر ١٢٣\nذ-\nذو طوق ٤٠٢\nر-\nروسيا ٣٥٩\nس-\nالسويد ١٥٣\nالسويس ٢٢٦\nش-\nالشام ١٠٧، ١٢٥، ٢٣٨\nص-\nصنعاء ٢٢٩، ٢٩٥\nط-\nالطائف ١٧٩، ٣٨٩\nع-\nالعراق ١٠٤، ٣٨٤، ٤٠٧\nالعقبة ١١٩، ١٢١، ١٨٩\nغ-\nغار ثور ٣٠٧\nغار حراء ٢٩٢، ٢٩٤، ٣٣٩، ٣٤٠\nف-\nفارس ٢٨٠، ٢٨٣، ٣٠٩\nفلسطين ٢٢٦\nق-\nالقادسية ٣٦، ٢٣١، ٢٧٠\nالقسطنطينية ٣٢٧، ٣٢٨\nك-\nالكعبة ١٧٨، ٢٢٩، ٢٩٤، ٣٨٢، ٣٩٠، ٣٩١\nك-\nالكوفة ٢٣٦، ٤٠١\nم-\nالمجر (هنغاريا) ٣٦٠\nمدين ١٩٧\nالمدينة المنورة ١١٥، ١١٦، ١١٧، ١١٨، ١١٨، ١١٩، ١٢٠، ١٣٥، ١٣٩، ١٥٩، ١٧٥، ١٧٦، ١٧٧، ١٧٨، ٢٢٠، ٢٣٥، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٨٢، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٦، ٣٠٨، ٣٠٩، ٣١٠، ٣١٣، ٣٢٣، ٣٣٢، ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٥٤، ٣٨٩، ٣٩٣، ٤٠٢، ٤٠٤\nالمريسيع ١١٥\nالمسجد النبوي ٤٠٤\nمصر ١٥٣، ٢٣٩، ٢٤٠، ٢٤٥\nالمغرب ١٥٣\nمكة المكرمة ١١٦، ١١٧، ١١٨، ١١٩، ١٢٢، ١٣٢، ١٤٦، ١٥٩، ١٦٧، ١٧٩، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٢٣، ٢٧٥، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٤، ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨، ٣١٢، ٣٣١، ٣٣٩، ٣٤٢، ٣٦١، ٣٦٢، ٣٦٨،","vol":"1","page":452},{"text":"٣٧٦، ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٩، ٣٩٠، ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦، ٤٠٢\nمنى ١٢٢، ١٣٩\nمؤتة ١٧٩، ١٨١\nن-\nنجد ٤٢\nهـ-\nالهند ١٥٣\n-\nوواسط ١٧٠\nالولايات المتحدة الأمريكية ١٥٣، ١٧٣\nي-\nاليرموك ١١٦، ١٣٨، ١٨٠، ٢٣٢، ٢٦٧\nاليمامة ١١٥، ١٧٧، ٢٢٥، ٢٦٤، ٣٤٣، ٣٤٨، ٣٦٥\nاليمن ٥٦، ١٣٥، ١٣٩، ٢٣٨، ٢٨٢","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>فهرس القبائل والجماعات</span>\n١ الاسم رقم الصفحة\nأ-\nآل فرعون ١٨٥، ١٨٦، ١٨٨\nأسلم ١٤٣\nالأنصار ١٨، ٤٤، ٩٤، ١١٩، ١٢٠، ١٢٩، ١٤٢، ١٤٨، ١٦٨، ١٨٩، ٢٠٩، ٢١٠، ٢٢٢، ٢٣٥، ٢٦٦، ٣١٠، ٣٥١، ٣٥٨، ٤٠٢، ٤٠٤\nالأوربيون ٧٩، ٣٩٥\nب-\nبنو أبذى ١٣٩\nبنو إسرائيل ١٨٥، ١٨٦، ٣٨٥\nبنو البكّاء ١٤٠\nبنو حنيفة ١٧٧\nبنو سلمة ٣٩٧\nبنو سليم ٤٣، ٤٤\nبنو عامر ٤٣، ٤٤، ١٤٠\nبنو عبد الأشهل ١١٩، ٢٦٦\nبنو عبد الدار ١١٧\nبنو عبد المطلب ٣٩١\nبنو عبد مناف ٣٩٦\nبنو عدي ١٧٠\nبنو كنانة ٣٩١، ٣٩٢\nبنو المصطلق ١١٥\nبنو النجار ٤٠٢\nبنو هاشم ١٧٨، ١٩٤\nت-\nالتتار ٣٦٣\nث-\nثمود ١٩٧\nخ-\nالخزرج ٣٤٨، ٣٨٩\nد-\nدار الأرقم ١١٨\nذ-\nذكوان ٤٤\nر-\nرعل ٤٤\nالروم ١٢٥، ١٨١، ٢٣٢، ٢٣٧، ٢٦٧، ٢٨٠، ٢٩٩، ٣٠٩، ٣٢٨، ٣٧٨","vol":"1","page":454},{"text":"- ع-\nعاد ١٩٧\nالعرب ١٠٧، ١١٣، ١٥٩، ١٩٣، ١٩٥، ١٩٨، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٠١، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٣٥، ٢٩٩، ٣٣٩، ٣٧٨\nعصية ٤٤\nعضل ١٣٢\nغ-\nالغساسنة ١٧٧، ٢٣٢، ٣٧٨\nف-\nالفرس ٣٦، ٢٣٢، ٢٧٠، ٢٨٠، ٣٧٨\nق-\nالقارة ١٣٢\nالقبط ٢٤٥\nقريش ١١٦، ١١٧، ١٢٢، ١٤٩، ١٥٩، ١٦٧، ١٩٣، ١٩٥، ١٩٩، ٢٠٠، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٣٥، ٢٩٥، ٢٩٦، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣٤١، ٣٦٨، ٣٨١، ٣٩٠، ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٦، ٤٠٧\nم-\nالمغول ٣٦٣\nالمناذرة ٣٧٨\nالمهاجرون ١٨، ٤٤، ٩٤، ١١٨، ١٢٠، ١٦٨، ١٧٩، ١٨٩، ٢٣٥، ٢٦٤، ٣١٠، ٣١١، ٣٣٢، ٣٥٠، ٣٥٨، ٣٦١، ٣٦٤، ٤٠٤\nي-\nاليهود ٥٧","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>فهرس الموضوعات</span>\nالموضوع الصفحة\nالإهداء ٥\nملاحظات ٧\nتقديم ٩\nتمهيد وتنجيد ١١\nالمبحث الأول: السيرة النبوية الشريفة ظلالها وآفاق دراستها ٢٥\nالمبحث الثاني: السيرة النبوية الشريفة استمرار موكب وقواعد فهم ثاقب ٥٣\nالمبحث الثالث: السيرة النبوية الشريفة جمال نماذجها وشمول فضائلها ٨٩\nالمبحث الرابع: ولادة الرسول ﷺ ولادة تتبعها ولادة ٢٥١\nالمبحث الخامس: ولادة الرسول ﷺ الإرهاص والإشارة ٢٧٣\nالمبحث السادس: الهجرة النبوية بين الفداء والبناء ٢٨٥\nالمبحث السابع: الهجرة النبوية قائمة ودائمة ٣١٧\nالمبحث الثامن: الهجرة النبوية بيع وبيعة ٣٣٥\nالمبحث التاسع: حقائق الهجرة النبوية ودعائمها ٣٥٧\nوماذا بعد؟ خاتمة ونتيجة وعبر مستفادة!!! ٣٧١\nمصادر ومراجع ٤٠٩\nللمؤلف ٤١٥\nالفهارس العامة ٤١٩\nفهرس الآيات ٤٢١\nفهرس الأحاديث والآثار النبوية ٤٣٣\nفهرس الشعر ٤٤٠\nفهرس الأعلام ٤٤٥\nفهرس الأماكن والبقاع ٤٥١\nفهرس القبائل والجماعات ٤٥٤\nفهرس الموضوعات ٤٥٦","vol":"1","page":456}]}