{"ً":{"ٌ":9925,"ٍ":"السنة والتشريع - موسى شاهين لاشين","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"أصول الفقه والقواعد الفقهية/السنة والتشريع - لاشين - ط الأزهر","files":["suntsh.pdf"]},"ّ":"الكتاب: السنة والتشريع\nالمؤلف: موسى شاهين لاشين (ت ١٤٣٠هـ)\nقدم له وعنى بإعداده وإخراجه: رئيس التحرير، د. علي أحمد الخطيب.\nالناشر: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (هدية شهر شعبان ١٤١١ هـ - مجلة الأزهر)\nعدد الصفحات: ٧٩\nأعدَّهُ للمكتبة الشاملة/ توفيق بن محمد القريشي - غفر الله له ولوالديه.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[السنة والتشريع للشيخ موسى شاهين لاشين]\n\nقال مُعِدُّ الكتاب للشاملة:\nهذا الكتاب من أهم المؤلفات التي تعرضت للرد على بعض المنتحلين ردا مفحما، وهو في الآن نفسه يعرض لمن سولت لهم أنفسهم التجني على السنة النبوية ممثلة في التعدي على شخص النبي والتأويل الخاطئ لنوايا دفينة تأثرا بالمستشرقين، وهذا الكتاب رغم صغر حجمه إلا أنه جاء ردا على من سبق ولمن سيأتي مِمَّنُ وقعوا تحت سطوة الفكر الاستشراقي ومن شايعهم من تلامذتهم، أو مِمَّن سيطر عليهم الفكر التغريبي فأساؤوا إلى السنة النبوية","ٓ":"1.0","ٔ":2282,"ٕ":11,"ٖ":1770155844,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"السنة والتشريع","level":1,"page":1},{"title":"[مقدمة]:","level":1,"page":2},{"title":"الصلاة على النبي - ﷺ -:","level":1,"page":13},{"title":"إساءة المستشرقين:","level":1,"page":14},{"title":"الشبهات:","level":1,"page":16},{"title":"اجتهاد الرسول - ﷺ -:","level":1,"page":17},{"title":"اللفظ والمراد منه:","level":1,"page":19},{"title":"السنة: تشريع وغير تشريع:","level":1,"page":21},{"title":"المعاملات حلال وحرام وتشريع من لله:","level":1,"page":27},{"title":"حديث تأبير النخل:","level":1,"page":30},{"title":"هواة التحلل:","level":1,"page":31},{"title":"احتمال دخول المعاملات مستبعد:","level":1,"page":37},{"title":"شبهات أخر:","level":1,"page":46}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,66":65,"1,67":66,"1,68":67,"1,69":68,"1,70":69,"1,71":70,"1,72":71,"1,73":72,"1,74":73,"1,79":74},"ٜ":{"1":[3,79]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,79"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"13":[3],"14":[4],"16":[5],"17":[6],"19":[7],"21":[8],"27":[9],"30":[10],"31":[11],"37":[12],"46":[13]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ<span data-type=\"title\" id=toc-1>[السنة والتشريع]</span>ـ\nالمؤلف: موسى شاهين لاشين (المتوفى: ١٤٣٠هـ)\nقدم له وعنى بإعداده وإخراجه: رئيس التحرير، د. علي أحمد الخطيب.\nالناشر: مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف (هدية شهر شعبان ١٤١١ هـ - مجلة الأزهر)\nعدد الأجزاء: ١\nأعدَّهُ للمكتبة الشاملة/ توفيق بن محمد القريشي - غفر الله له ولوالديه.\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>[مقدمة]:</span>\nإن الظروف التي نعيشها اليوم تجعل لهذا الموضوع أهمية خاصة، فهناك نهضة دينية، أو صحوة إسلامية تهتم بالسُنَّة النبوية، وهناك مقالات صحفية، ومؤلفات حديثة، ومؤتمرات عالمية، ومراكز بحوث للسُنَّة النبوية في بلاد إسلامية.\n\nوفي مقابل ذلك الجناح الآخر تشهير ومهاجمات، ومحاولات للنيل من قدسية النبوة، تعنِّفُ تارة وتلين أخرى، تأخذ شكل أمواج البحر، تعلو وتهبط، لكنها تتدافع في اتجاه واحد.\n\nوقد اختلف حجم هذه المحاولات من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، وكلما اشتد ضعف المسلمين اشتدت الحملة، وتوالى الهجوم، تمامًا كميكروب الأمراض، كلما ضعفت المناعة والحصانة كلما اشتدَّ الهجوم والافتراس.\n\nإنَّ السُنّة كانت هدفًا لأعداء الإسلام منذ زمن بعيد، لكنها قاومت وتقاوم، وحطمت وتحطم محاولات المُبشِّرين والمستشرقين، بما رسخ في قلوب المؤمنين من إيمان وتقديس وحب اقتداء.\n\nلكن مشكلة العصر تشكيك بعض علماء المسلمين فيها بصفة عامة بهدف أو بآخر، ولا نبالغ إذا قلنا:\nإنَّ أعداء الإسلام والمستشرقين والمُبشِّرين بل والاستعمار والغزو الثقافي وراء هذه المحاولات، او بالأحرى وراء بعض هذه المحاولات، ومما لا شك فيه أنَّ كثيرًا ممن يرفع عقيرته","vol":"1","page":3},{"text":"في السُنَّة بغير علم قد رضع لبنًا غير ألبانها، وفطم عن ثدي غير ثدي أمها، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، وسواء استهدف مطعمًا دنيويًا من منصب أو جاه أو شهرة أم لم يستهدف.\n\nإنَّ الحرية الشخصية في العقيدة وفي إبداء الرأي فهمت في عالمنا الإسلامي المعاصر فهمًا غير صحيح، واستغلت بشكل واسع وملحوظ في التدخل في الدين وأحكام الشريعة، وفي الحديث النبوي بشكل واسع.\n\nوقد يغتر مسلم بنفسه، ويظن أنه من أولى العلم لمجرد أنه قرأ كتابًا أو كُتُبًا، أو أنه درس مسألة، أو أنه اشتهر بين الناس كعالم، أو أنه تولى منصبًا، وقد تسوِّلُ له نفسه أنه لا يقل عن الصحابة في فهمهم، ولا عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل وأصحابهم في علمهم وفقههم، وقد ينخدع به أناس يستجيبون له، ويُرَوِّجون باطله وزيفه.\n\nهذه هي المشكلة التي تواجه التراث الإسلامي العريق والأحكام الشرعية الأصيلة في هذه الأيام.\nشراذم من البشر تعطي رئيسها أو أميرها حق الاجتهاد، وتنقاد لما يقول غير عابئة بأقوال جهابذة الصحابة وفحول العلماء، وإنْ كان أميرهم محدود العلم قليل البضاعة.\nوأفراد صفر اليدين من مبادئ العلوم الشرعية، يجهلون الأوليات منها يقولون: نأخذ أحكامنا رأسًا من الكتاب والسُنّة.\nوعلماء تخصَّصُوا في فنون أخرى غير الشريعة، ظنوا في أنفسهم القدرة على دراسة القرآن والسُنّة، واستنباط","vol":"1","page":4},{"text":"الأحكام منها، وهم يفتقدون وسائل الفهم الصحيح المبني على قواعد الشريعة وأصولها.\n\nوأصحاب أهداف سياسية وأغراض مشبوهة يصيحون بين الحين والحين: إنَّ باب الاجتهاد مفتوح، وكل مفكر مسلم أهل للاجتهاد في الشريعة، ولا حجر على العقول، وبين أيدينا المصحف وكُتب الحديث، وهم لا حفظون القرآن ولا يحفظون خمسة أحاديث، ولا يُميِّزون بين صحيحها وضعيفها.\nباب الاجتهاد مفتوح.\nنعم.\nهو مفتوح منذ رسالة محمد - ﷺ - وإلى قيام الساعة، ولكن البحث فيمن يطرق هذا الباب ويلِجُهُ، في مؤهلاته له، وفي الثقة فيه، وفي الأخذ عنه.\n\nالإسلام احترم العقل - نعم - ودعا إلى التفكير والبحث والاستنباط والترقي في المعارف إلى أقصى ما يطيق البشر، ولا حجر على العقول، ولكل أنْ يجتهد لنفسه، ويعمل بما يرى، وحسابه على الله، أما أنْ يُفتي للناس وهو غير أهل للفتوى، فإنه يخشى عليه ويخشى منه، يخشى أن يَضلَّ ويُضلَّ والعياذ بالله.\n\nلقد سُئِلْتُ من جماعة منحرفة عمن له حق الفتوى في الدين؟ فسألت السائل - وكان طبيب أنف وأذن وحنجرة: «من له الحق في الطب؟» قال: «الطبيب». قلتُ: «فمن له حق التشخيص الصحيح في مرض القلب؟» قال: «طبيب القلب طبعًا». قلتُ: «وليس طبيب الأنف والأذن والحُنجرة؟» قال:","vol":"1","page":5},{"text":"\" لا. أبدًا». قلتُ: \" فإنَّ طب الروح والدين لا يقل عن الجسد. فحق الفتوى في الدين لعلماء أفنوا حياتهم في علومه وفي دراسة دقائقه وأسراره.\n\nالمشكلة أنَّ الساحة الإسلامية كثر فيها المُدَّعُون للاجتهاد، المُتَصَدُّون للفتوى بغير علم، الحريصون على اقتحام حصون الشريعة بتهوُّرٍ ودون مهابة، وبتبجُّجٍ دون حياء، وبغير زاد ولا سلاح، وتورَّعَ العالمون، وخافوا الاجتهاد وأكبروه، واستصغروا أنفسهم وعلمهم أمامه، هيبة وإجلالًا لأهله، وخوفًا من الله إذا هم أخطأوا، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (١).\n\nخافوا أنْ يَصْدُقَ عليهم قول رسول الله - ﷺ - يَحْكِي عن آخر الزمان: «اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَأفْتوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأضَلُّوا» (٢).\n\nإن علماء الدين الذين يعرفون أنفسهم لا يتطاولون إلى الأئمة الذين خدموا الشريعة وأسَّسُوا فقهها وكانوا المنهل الذي اغترفوا منه، فهم لا بد أنْ يستنيروا بآرائهم وأنْ يقيسوا عليها ما يجد لهم في أطوار حياتهم.\n\nإنَّ علماء القرون الأولى كانوا موسوعة علمية في التفسير والحديث وعلومهما وما يخدمهما من علم الأصول واللغة العربية ك نحوها وصرفها وبلاغتها وأصولها وأسرار عباراتها، أما نحن فقد شغلتنا أموالنا وأهلونا ومواقعنا في تيارات الحياة المتدافعة، فمع إيماننا بأنَّ هذه العلوم يخدم بعضها بعضًا قسمناها إلى تخصُّصات بل كليات مختلفة: كلية اللغة العربية وكلية الشريعة وكلية أصول الدين،\n_________\n(١) [فاطر: ٢٨].\n(٢) رواه البخاري في: [كتاب العلم] و[كتاب الفتن].","vol":"1","page":6},{"text":"وأصبح التفسير وعلوم القرآن قسمًا يتخصَّصُ فيه طالب غير الطالب الذي يتخصَّصُ في قسم الحديث وعلومه، وأصبحنا في كل تخصُّص نقرأ كتب الأوائل ونحاول استيعابها. وهيهات ... وإنما يعرف الفضل من الناس ذوُوهُ.\n\nلا تشغلنا هذه المشكلة المتسعة الأطراف عن مشكلتنا المحصورة في المُشكّكين أو المُتشكِّكين في السُنَّة النبوية وهي طرف من المشكلة الواسعة التي أشرنا إليها.\n\nإنَّ الذين يحاولون النيل من السُنَّة تختلف مشاربهم وأهدافهم واتَّجاهاتهم، وإنَّ كثيرًا منهم يفتح له مجال واسع في الإعلام الذي يجري وراء المادة الغريبة المستحدثة والشاذة التي تجذب الجماهير. فإذا أراد العلماء أن يكشفوا الزيف ويردُّوا الشبهات لم يجدوا المجال الكافي المتكافئ مع نشر السموم. ومن هنا يُتَّهَم العلماءُ والمُتخصِّصُون بالقصور أو التقصير ..\n\nإنَّ أملنا في القاعدة الإسلامية الصلبة التي لا تؤثر فيها معاول الهدم.\n\nإنَّ أملنا في القاعدة الإسلامية الراسخة التي لا تزعزعها العواصف، ولولا إيمانها في عقيدتها وشريعتها لكانت النتيجة خطيرة.\n\nإنَّ علماء الأُمَّة الإسلامية منذ العصر الأول تصدَّوْا للدفاع عن السُنَّة وحمايتها من عبث العابثين بالأسلوب العملي والأسلوب العلمي.\n\nأما العملي فحرصوا على الاقتداء، حتى بالغ بعضهم","vol":"1","page":7},{"text":"فيه، فكان يتحرَّى أنْ ينيخ ناقته في المكان الذي أناخ فيه رسول الله - ﷺ - ناقته.\n\nوأما الأسلوب العلمي فاهتموا بالإسناد، واشتغلوا بنقد الحديث، وجاهدوا في دفع الدخيل، وقَعَّدُوا القواعد، ووضعوا الضوابط، حتى أصبح علم الحديث علومًا متعدِّدة وليس علمًا واحدًا، فورثنا عنهم:\n١ - علم مصطلح الحديث، وهو يهتم بتاريخ بالأسماء والمسميات، وأسباب الضعف ومواصفات صحة الحديث.\n٢ - وعلم رجال الحديث: ويهتم بتاريخ الرُواة من حيث مولدهم ووفاتهم وموطنهم ورحلاتهم وشيوخهم وتلامذتهم؛ ليتبيَّنَ من ذلك اتصال الإسناد أو عدم اتصاله.\n٣ - وعلم نقد الحديث أو علم الجرح والتعديل: ويهتم بوضع كل راوٍ في درجة معينة من حيث العدالة والضبط، ويكفي أن نشير إلى أنهم وضعوا التعديل خمس درجات، أعلاها [أثبت الناس] و[أوثق الناس]، وأدناها [صدوق]، ووضعوا للجرح اثنتي عشرة درجة أدناها [مختلق كذاب]، ووضعوا كل راوٍ في درجة معينة من هذه الدرجات.\n٤ - وعلم التخريج ويهتم بعزو الحديث إلى موضعه من المصادر الأصلية المعتبرة في الحديث.\n٥ - وعلم دراسة الأسانيد والحكم على الحديث، ويهتم بتطبيق القواعد والضوابط والموازين ليحكم على الحديث بالصحة أو بالحسن أو بالضعف.\n٦ - وعلم مختلف الحديث ويهتم برفع التناقض فيما ظاهره التناقض بين الأحاديث.","vol":"1","page":8},{"text":"٧ - وعلم شرح الحديث تحليليًا أو موضوعيًا ويهتم بشرح المفردات واستنباط الأحكام، أو بجمع أحاديث الموضوع الواحد وشرحها.\n٨ - وعلم مناهج المُحدِّثين ويهتم ببيان منهج كل مؤلف حديثي وما يحتويه كل كتاب من الموضوعات.\n\nونستطيع القول بأنَّ هذا البحر الزاخر من العلوم لا يسبح فيه إلاَّ ماهر متخَصِّصٌ بذل الليالي والشهور والسنين ثم قال: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١) وقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).\n\nوكلما دخل في الأعماق شعر بصغار نفسه، وكلما تبَحَّرَ عرف قلة علمه، وباب العلم أنْ تعرف نفسك، فما يزال المرء عالمًا ما ظن أنه يجهل، فإنْ ظنَّ أنه قد علم فقد جهل. أي جهل نفسه، وهذا هو الجهل المركَّب كما يقولون.\n\nومن هنا نجد علماء الحديث وطلابه الراسخين في العلم يحتاطون عند الكلام وعند الفتوى في الحديث، ونجد غيرهم ممن يلبس مسوحهم ويتقمَّصُ شيخصيتهم أكثر جرأة على تناوله وعلى القول فيه بغير علم.\n\nنعود إلى مشكلة هذا العصر، وإنها تكمن في حنجرة من يَدَّعِي علم الحديث والفقه والأصول وكل العلوم، ثم يهاجم الحديث النبوي، ويستبيح حرمه، وينتهك قدسيته، وقد اتخذت هذه المحاولات في أيامنا ثلاث شعب:\n\nالشعبة الأولى: اتجهت إلى تحطيم الرُواة حَمَلَةَ الحديث من مصدره إلينا، وإذا تحطَّمت الوسيلة، وفسدت يُصبح الأصل معتمدًا على لا شيء فيصبح لا شيء، ويمثل هذه\n_________\n(١) [طه: ١١٤].\n(٢) [الإسراء: ٨٥].","vol":"1","page":9},{"text":"الشعبة (أبو رية) في كتابه عن أبي هريرة - ﵁ - فيتَّهمه بالكذب والاختلاق والافتراء على رسول الله - ﷺ - وأبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول الله - ﷺ -، أو ثاني المكثرين من الصحابة، وهو من أوثق المُحدِّثين عند أهل الحديث، فطعنه وإصابته في المقتل طعن لمن هو مثله أو دونه.\n\nالشعبة الثانية: اتجهت إلى تحطيم كتاب من كتب الحديث الأصلية، وكما اختارت الشعبة الأولى أبرز الرُواة، فصوَّبتْ سهامها في صدره ليسقط غيره بسقوطه، اختارت الشعبة الثانية أبرز كتب الحديث وأصحها، وهو \" صحيح البخاري \"، إذْ سقوطه واهتزاز الثقة فيه تهتز الثقة بجيمع كتب الحديث من باب أولى.\n\nويمثل هذا الاتجاه ما كتبه (المولوي جراغ علي الهندي) في كتاب أسماه: «أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام» قال: «إنَّ الحديث النبوي ليس قطعيًا كما يظنه المسلمون، بل صحَّته وحُجيته محل نظر وشك، وهو لا يصلح لأنْ يعتمد عليه في معرفة الأحكام، وإنَّ \" الجامع الصحيح للإمام البخاري \" - ﵀ - يتضمَّنُ أحاديث موضوعة كثيرة، ولكنَّ المسلمين يَظُنُّونَهُ أَصَحَّ الكتب بعد كتاب الله، بناءً على مغالاتهم في الاعتقاد وتقليدهم الأعمى». اهـ.\n\nومن هذه الشعبة، وعلى طريقة ما نشره عالم مصري، يحتل درجة أستاذ الحضارة الإسلامية، كتب في صحيفة \" أخبار اليوم \" المصرية في شهر مايو ١٩٨٣ م ثلاث مقالات","vol":"1","page":10},{"text":"بعنوان: \" لا تصدّقوا ما في البخاري من أكاذيب الإسراء والمعراج \" يستبعد أو يكذب ما جاء بشأن (البراق)، وصلاة النبي - ﷺ - بالأنبياء، وعروجه إلى السماء، وتردُّده بين موسى - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - وبين ربه، ويبني تكذيبه على الاستبعاد العقلي. وهذا القول منشور في كتاب من كتبه.\n\nوإذا ثبتت الأكاذيب في \" البخاري \" فقد الثقة كمصدر كبير من مصادر السُنّة، وفقد من هو دونه هذه الثقة من باب أولى. وقد رَدَدْتُ عليه في الصحيفة نفسها بتاريخ ١٨/ ٦ / ١٩٨٣.\n\nالشعبة الثالثة: وهي أخطر الشُعَب، هي المتوجِّهة إلى رسول الله - ﷺ - رأسًا. لم تتوجه إلى الرُواة كالشعبة الأولى، فالرُواة أدُّوا الأمانة، ولم تتوجه إلى الكتب، ولا إلى \" البخاري \". فعبارة ممثل هذه الشعبة [لن نمس بذلك روايات \" البخاري \" وصحتها، فالبخاري وغيره مِمَّنْ روَوْا هذا الحديث - حديث الذباب - قد روَوْهُ بسند صحيح لا مطعن فيه، ونقلوا إلينا نقلًا صحيحًا ما صدر عن الرسول - ﷺ - وأدُّوا بذلك الأمانة التي التزموا بها، ولا كلام لأحد في هذا]، إذن فَمِنْ أين العيب والمأخذ؟ في الرسول - ﷺ - نفسه. يقول الرأي ويظهر الصواب في خلافه، ولا نقول: يخطئ، تأدُّبًا.\n\nبين يديَّ كُتيِّبٌ منشور بدار الكتاب المصري بالقاهرة منذ شهور قليلة بعنوان \" السُنّة والتشريع \" للدكتور الشيخ عبد المنعم النمر، حدَّد الباحث هدفه على هيئة سؤال في أوله، وانتهى بفتواه وقراره وحكمه، ففي صفحة «٤» يقول: «هل يجوز لنا أن نجتهد في الأحكام فيها","vol":"1","page":11},{"text":"الرسول - ﷺ - ولو أدى إلى حكم غير الحكم الذي حكم به.\n\nثم خلص في صفحة «٩» إلى قوله «لا يمكن أن نشد المسلمين الآن في معاملاتهم التي سادت في عصر الرسول - ﷺ - وبعده، ودونها الفقهاء، في كتب الفقه، فإما أن تكون كتلك المعاملات، وإما كانت مرفوضة. إنَّ ذلك في العقائد والعبادات، وفيما جاء في القرآن عن المعاملات أمر مُسَلَّمٌ به، لا نستطيع تغييره، وإنْ كان يمكن الاجتهاد في فهمه وطريقة تنفيذه كما حصل. أما المعاملات وأحكامها القائمة على الاجتهاد البشري وحده، ولم تكن من الوحي في شيء، سواء من الرسول - ﷺ -، أو ممن جاء بعده من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء فلا بد من النظر إليها من جديد، على أساس القواعد التي بنيت عليها من قبل، وعلى ضوء الظروف الجديدة، فما كان موافقًا للمصلحة في أيامنا أبقيناه، وما وجدناه غير ذلك كان علينا أن نجتهد فيه».\n\nفهذا التصريح وهذا الرأي الجديد يمكن أنْ يوضع في فقرات محدَّدةٍ.\n\nالأولى: أنه لا يمكن إخضاع المسلمين اليوم في معاملاتهم إلى إطار المعاملات في عصر الرسول - ﷺ - وبعده إلى اليوم.\n\nالثانية: أنَّ ما جاء عن المعاملات في الأحاديث النبوية، ولم يرد في القرآن، يمكن إهماله وتغييره، بل لا بُدَّ من النظر فيه من جديد.","vol":"1","page":12},{"text":"فالباحث لا يعتدُّ في المعاملات إلاَّ بالقرآن الكريم، ولا يعتدُّ بالأحاديث النبوية فيها، ويكثر من التصريح بذلك، وبدون أدنى غموض، فهو يقول في صفحة «٣٥»: «إنَّ المكلفين يعرفون مصالحهم ويدبِّرونها فيما لم يأت به دليل خاص من الكتاب، وهم أعلم بشؤون دنياهم».\nويقول في صفحة «٥٧»: «وهذا وحده يقضي علينا بالدوران مع المصلحة وقصدها أينما تكن ما دام ذلك لا يتعارض مع النصوص القرآنية ولا مع القواعد الشرعية».\n\nالثالثة: يقرِّرُ الباحث أنَّ له أنْ يجتهد كما كان الرسول - ﷺ - يجتهد، ويُبِيحُ لنفسه أنْ يخالف حكم الرسول - ﷺ - وصريح لفظه ونص حديثه، فيقول في صفحة «٤٧»: «ما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات، أفلا يجوز لمن يأتي بعده من أيام الصحابة وحتى الآن أنْ يُدلي في الموضوع باجتهاده أيضًا، ولو أدَّى اجتهاده إلى غير ما قرَّرَهُ رسول الله باجتهاده ولا يصبح ما قرَّرَهُ الرسول باجتهاده حُكمًا ثابتًا للأبد».\n\nالرابعة: يُقَرِّرُ الباحث أنه لا يعتَدُّ في المعاملات بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء، فله أنْ يضرب بها كلهاعرض الحائط، وبنص عبارته السابقة [سواء من الرسول - ﷺ - أو مِمَّنْ جاء بعده من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء] وبكل صراحة واعتداد يقول في صفحة «٥٧»: «وإذا كنا نقول هذا من أقوال الرسول الاجتهادية فمِنْ باب أولى نقوله بالنسبة لأقوال الصحابة والتابعين والأئمة ومَنْ جاء بعدهم من فقهاء المذاهب».","vol":"1","page":13},{"text":"الخامسة: يُقَرِّرُ عدم وجوب اتباع الرسول - ﷺ - في المعاملات، لأنه قد يخطئ فيقول في صفحة «٧٢»: «إنَّ الرسول قد يرى الرأي في أمور الدنيا والأمر بخلافه، فلا يجب اتباعه».\nهذا هدف البحث الخطير. فماذا استخدم له الباحث من شبهات وأساليب؟\n\nهذا ما سنعرض له ونرُدُّ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الصلاة على النبي - ﷺ </span>-:\nيقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).\n\nفضل كتابة النبي - ﷺ -:\n\nيختلف العلماء في وجوب الصلاة على النبي - ﷺ - كلما ذكر، لكنهم لا يختلفون في استحباب ذلك، وأحاديث الترغيب كثيرة ومشهور منها:\n«مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَاعَشْرًا» (٢). ومنها: «رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» (٣). ولفظ الحاكم: «بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»، ولفظ الطبراني: «شَقِيَ عَبْدٌ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ولفظ عبد الرزاق: «مِنَ الجَفَاءِ أَنْ أُذْكَرَ عِنْدَ رَجُلِ فَلاَ يُصَلِّي عَلَيَّ».\n\nوعلماء الحديث يجعلون الصلاة على النبي - ﷺ - كلما ذكر كتابة من آداب طالب الحديث، ويلتزمون ذلك وإنْ تكرَّرَ ذكره\n_________\n(١) [الأحزاب: ٥٦].\n(٢) رواه مسلم والنسائي والترمذي.\n(٣) أخرجه الترمذي.","vol":"1","page":14},{"text":"- ﷺ - في السطر الواحد، ولا تكاد تجد كتاب حديث أغفل الصلاة على النبي - ﷺ - مرة، وكيف يغفلها الكاتب وهو يحصل لنفسه بكتابتها عشر صلوات من الله، والصلاة من الله رحمة، ويحصل لنفسه أيضًا بقراءة القارئ لها عشر رحمات أخرى؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>إساءة المستشرقين:</span>\nلكن المستشرقين في كتاباتهم يتعمَّدون عدم الصلاة عليه أصلًا، وهذا منهم غير مستغرب، أما المستغرب حقًا أنْ يحاكيهم المسلمون بأيِّ قصد أو يبخلوا بكتابة جميع أحرف الصلاة والسلام عليه فيرمزوا لها بـ (ص) أو بـ (صلعم) وكأنَّ سطورهم التي حشوها بساقط القول ضاقت عن الصلاة والتسليم صراحة وحروفًا، فيخسرون بذلك حسنات ورحمات وخيرًا كثيرًا.\n\nولئن قبل ذلك وعذر فيه عامة المسلمين فلا يعذر عالم من علماء المسلمين في كتاباتهم فلا يعذر من يكتب عن حديث رسول الله - ﷺ -، وإنْ عذر من يكتب عن حديث رسول الله - ﷺ - يهو يُقدِّسُهُ ويُجِلُّهُ ويدعو لطاعته والعمل بقوله فلا يعذر عن عدم الصلاة والسلام عليه من يدعو إلى مخالفته، وإلى عدم وجوب اتباعه، وهذا ما لا حظناه على الباحث وقد أحصينا عدد المرات التي لم يُصلِّ ويُسَلِّمَ فيها على النبي - ﷺ - في بحثه الصغير فوجدناها ١٩٦ (ستًا وتسعين ومائة مرة).","vol":"1","page":15},{"text":"نحن لا نُشكِّكُ في إيمان الباحث ولا في حُبِّهِ وتقديسه للنبي - ﷺ -، ولا نظنه قصد ترك الصلاة والتسليم للتقليل من قدسية أوامره - ﷺ - والاسترخاء في طاعته والاقتداء به، ولكن خطورة البحث وما يدعو إليه يجعل هذا السلوك محل نظر وتعقيب، ويجعل اعتذاره عن ذلك بأي عذر اعتذارًا غير مقبول.\n\nهذه ملاحظة عاجلة نخلص منها إلى الشبهات.\n\nوبالله التوفيق.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الشبهات:</span>\nركز الباحث على تقرير ثلاث قواعد، ليخلص منها إلى القاعدة الرابعة التي يهدف إليها، أما القواعد الثلاث فهي:\n\nالأولى: أنَّ الرسول - ﷺ - كان يجتهد وليس كل نطقه وحيًا.\n\nالثانية: أنَّ الرسول - ﷺ - كان يخطئ في اجتهاده، وكان الصحابة يُصَحِّحُون له الخطأ، وكان يُقرِّرُ الشيء ويرجع عنه في نفس الجلسة.\n\nالثالثة: أنَّ حُكمه - ﷺ - في كثير من المعاملات كان من اجتهاده مراعاة لمصالح يراها لأمَّته وليس حُكمًا لله، ولا يسانده وحي. وليس حُكمًا ثابتًا للأبد.\n\nأما الرابعة: فهي أنَّ الأُمَّة أعلم بشؤون دنياها، فلا تعتمد أحكامه في المعاملات التي لم يرد فيها نص من القرآن الكريم، وتقرَّرَ ما تراه صالحًا لها، ولو خالفت نص أحاديثه - ﷺ -.\n\nالأمر حقًا خطير، ولكن يعزينا ويهدئ روعنا أنَّ الباحث - كما يقول - في نفسه شبهات، وينشد الوصول إلى الحق، ويُصَرِّحُ في كُتَيِّبِهِ أنَّ الحكمة ضالة المؤمن، وأنه مسارع - بعون الله - إلى الحق إنْ وجده في غير ما قرَّرَهُ، وأنه سَيُسَرُّ به كما يُسَرُّ صاحب الضالة بوجودها.\n\nومن هنا كان واجب العلماء المُتخَصِّصِين الغيورين أنْ يزيلوا هذه الشبهات وأنْ يُبرزوا الحق والحقيقة، وأنْ يكشفوا الغموض الذي حولها. والله الهادي سواء السبيل.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>اجتهاد الرسول - ﷺ </span>-:\nموضوع قديم، قتله العلماء بحثًا، ولم يترك الأوائل للأواخر بشأنه شيئًا، وخلاصته أنهم اختلفوا: فمنهم من لم يُجِزْ له - ﷺ - الاجتهاد، واعتبر ما ورد من ذلك صورة اجتهاد، وليس اجتهادًا في الواقع والحقيقة؛ لأنَّ الله معه - ﷺ - وهو مع الله؛ ولأنه في جُلِّ أوقاته - ﷺ - يناجي مَنْ لا نُناجي، وإلهامه وحي ورؤيا منامه وحي، والقرآن يقول: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (١). ويفسِّرون ما ظاهره الرأي، وما ظاهره المشورة، وما ظاهره قبول رأي الآخرين، وما ظاهره الخطأ في الرأي والرجوع إلى قول الغير بأنَّ ذلك اجتهاد في الظاهر لتدريب الأمَّة على البحث والتفكير والاجتهاد في الأسباب والأخذ بالمشورة، وحقيقته: أنَّ الله يوحي إليه أنْ قُلْ كذا وسيقول لك فلان كذا فقُلْ له كذا وسنطبق هذا القول على الأمثلة التي ذكرها الباحث إنْ شاء الله.\n\nوجمهور العلماء على أنَّ النبي - ﷺ - يجوز له أنْ يجتهد، وأنه اجتهد فعلًا، وأنَّ اجتهاده في بعض الأحيان القليلة كان خلاف حكم الله، فجاء الوحي بتصحيح الحُكم، والإرشاد إلى ما ينبغي، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢).\n\nأو جاء الوحي بإمضاء حكم اجتهاده مع التنبيه بما\n_________\n(١) [النجم: ٣، ٤].\n(٢) [التحريم: ١، ٢].","vol":"1","page":18},{"text":"ينبغي. كما في قوله تعالى عن أسارى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).\n\nنعم نقول: إن الرسول - ﷺ - أذن له بالاجتهاد واجتهد ونعم نقول: إنَّ بعض اجتهاداته لم تصادف الصواب، لكن أين حكم الله تعالى في الأمر الذي اجتهد فيه محمد - ﷺ - ولم يصب؟\n\nالاحتمالات العقلية أربعة:\n\n١ - أما ألاَّ يكون الله تعالى حكم فيه أصلًا. وهذا باطل، فكل شيء عنده بمقدار، و﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢).\n٢ - أنْ يكون لله تعالى فيه حكم مخالف لما حكم به محمد - ﷺ -، فيترك - جَلَّ شَأْنُهُ - حكم محمد - ﷺ - ساريًا على الأُمَّة ويوقف حكم نفسه - ﷾ -، وهذا واضح البطلان، لأنَّ محمدًا - ﷺ - في هذه الحالة يكون مُشَرِّعًا غير شرع الله.\n٣ - أنْ يكون لله تعالى حُكم مخالف لما حكم به محمد - ﷺ - باجتهاده، فيعدل سبحانه حكم محمد - ﷺ - ليوافق حكم الله.\n٤ - أنْ يكون لله تعالى حكم موافق لما حكم به محمد - ﷺ - باجتهاده، أو بعبارة أدق: أنْ يكون حكم محمد - ﷺ - موافقًا لحكم الله، ومثل ذلك قوله - ﷺ - لسعد بن معاذ حين حُكِّمَ في بني قريظة فَحَكَمَ حُكمَهُ المشهور، فقال له رسول الله - ﷺ -: «حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» (٣).\n\nوالحاصل الذي يجب الإيمان به أنَّ لله تعالى حُكمًا في العباد، هو شريعته في أرضه.\n_________\n(١) [الأنفال: ٦٧].\n(٢) [يوسف: ٤٠].\n(٣) رواه البخاري.","vol":"1","page":19},{"text":"وأنَّ اجتهاد محمد - ﷺ - إنْ وافق حُكم الله فهو حُكم الله على لسان نبيه - ﷺ -، وإنْ لم يوافق حُكم الله عدله إلى حكمه - جَلَّ شَأْنُهُ -. وإذن تصبح الأحكام الدينية التي حكم بها محمد - ﷺ - أحكام الله في النهاية. وقبل لقائه الرفيق الأعلى - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>اللفظ والمراد منه:</span>\nنعم قد يكون النص الشرعي عامًا مرادًا به الخصوص، وهناك قرائن حال، وقرائن ألفاظ تمنع من العموم وتحدِّدُ المراد من المخصوص:\nففي تخصيص عموم الأمكنة مثلًا قوله - ﷺ -: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرَضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١) خصَّصَ هذا العموم بغير الأماكن النجسة.\nوفي تخصيص عموم الأزمنة ما صحَّ في \" البخاري \" أنَّ النبي - ﷺ - في عام قحط وجدب قال لأصحابه: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فأكل الصحابة وتصدَّقُوا بأضحيتهم قبل ثالث ليلة، وفي العام القابل - وكان عام رخاء - قهم الصحابة أنَّ الطلب السابق كان خاصًا بزمن، فسألوا رسول الله - ﷺ -: نفعل بأضحيتنا كما فعلنا العام الماضي؟ وكان ما توقَّعُوا. قال - ﷺ -: «كُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهِ».\n\nوفي تخصيص الأفراد قال - ﷺ -: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (٢)، ولم يكن المقصود بالأحد عموم\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) رواه البخاري بمعناه.","vol":"1","page":20},{"text":"المسلمين، حتى يشمل الضعفاء والمرضى والأطفال والنساء، وإنما كان المقصود خصوص المقاتلين الذين عادوا من غزو الخندق.\n\nومن هذا القبيل قوله - ﷺ -: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلْبُهُ» (١)، فعموم القتيل غير مراد، لئلا يشمل القتيل ظلمًا من المسلمين، وإنما المراد به قتيل الكفار المحاربين. كذلك عموم «مَنْ قَتَلَ» ليس المقصود به كل من قاتل وقتل إلى آخر الزمان، وإنما المراد العصر الأول الذي تَطَلَّبَ تشجيع الغزو والجهاد، وكذا كل عصر يشبهه إذا رأى حاكم المسلمين ذلك.\n\nأما الأحكام العامة في المعاملات وغيرها والتي لم يدخلها تخصيص بالأفراد ولا بالأماكن ولا بالأزمنة، فهي باقية على عمومها صالحة لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة، والجهل بالمصلحة فيها، وظن المصلحة في غيرها، لا يمنع من الالتزام بها، فما أكثر ما يجهل الإنسان مصلحة نفسه، فضلًا عن مصلحة غيره.\n\nوفي الشرع مصالح العباد بالتحقيق، فالمُشَرِّعُ هو الخالق الذي يعلم من خلق ويعلم ما يصلحه، وفي كل طلب للمصلحة من غير الشرع طلب للماء من السراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٢).\n\nيقول الإمام ابن القيم: «إنَّ شريعة الله مبناها وأساسها\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) [النور: ٣٩، ٤٠].","vol":"1","page":21},{"text":"على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.\nالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله - ﷺ - أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المُبصرون، وهُداهُ الذي به اهتدى المهتدون». اهـ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>السُنَّةُ: تَشْرِيعٌ وَغَيْرُ تَشْرِيعٍ:</span>\nغفر الله للقائلين بأنَّ السُنَّة تشريع وغير تشريع، والقائلين بالمصلحة. غفر الله لهم وسامحهم، لقد فتح هؤلاء وهؤلاء بابًا لم يخطر لهم على بال.\n\nالقائلون بأنَّ السُنَّة تشريع وغير تشريع قصدوا بغير التشريع ما ورد منها خاصًا بالصناعات والخبرات كالزراعة والطب،، ولم يقصدوا أنَّ أحاديث المعاملات غير تشريعية، ولم يخطر ببالهم أنَّ باحثًا بعدهم سَيَسْتَدِلُّ بتقسيمهم ليدخل المعاملات وأحاديث البيع والشراء والإجارة وغيرها في السُنَّة غير التشريعية، وهُم من هذا القول برءاء، ولنا مع بعضهم وقفة قصيرة لإزالة لُبسٍ قد يفهم من كلامهم.\n\nبعضهم أدخل في السُنَّة غير التشريعية، الأكل والشرب والنوم واللبس وهذا القول في حاجة إلى تحقيق.\n\nالأكل والشرب مثلًا، كلام عام يشمل المأكول والمشروب، ويشمل الأواني، والهيئة أو الكيفية. فأخذ الكلام على عمومه مرفوض.\n\nهل بيان المأكول والمشروب المُحَرَّم والمكروه والمباح من السُنَّة غير التشريعية؟\n_________\n(١) إعلام الموقعين.","vol":"1","page":22},{"text":"هل حديث: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»، وحديث: «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مِائِدَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -» سُنَّة غير تشريعة؟\nاللهم. لا.\nأحلَّ لنا رسول الله - ﷺ - الطيبات وحرَّمَ علينا الخبائث، فالمأكول والمشروب سُنَّة تشريعية من حيث الحِلِّ والحرمة، أما أنه أكل نوعًا من الحلال وترك غيرها يأكل نوعًا آخر، فالتشريع فيها الإباحة، إباحة ما أُكِلَ وما لم يُأْكَلْ مما لم يَنْهَ عنه.\nوأما الأواني فقد نهى - ﷺ - عن الأكل والشرب في صحاف الذهب والفضة، ونهى عن الأكل في أواني الكفار إلا بعد غسلها. وهذا تشريع قطعًا.\n\nأما أنه - ﷺ - أكل في قصعة من الفخار ونحن نأكل في الأواني الفاخرة غير الذهبية والفضية فهذا من المُباحات. والإباحة تشريع.\n\nوأما الهيئة:\nفهناك هيئات مأمور بها وهيئات منهي عنها، وهيئات أخرى كثيرة مباحة، والكل تشريع. «يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» هيئة أكل مشروعة، و«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ»، أي الشرب من أفواهها هيئة ممنوعة شرعًا، أما أنه - ﷺ - أكل بأصابعه ويده ونحن نأكل بالملاعق والشوك والسكاكين فهو من المباحات المشروعة.\n\nفماذا في الأكل والشرب من السُنَّة غير التشريعية؟\nإن قصدوا بالسُنَّة غير التشريعية في ذلك السُنَّة غير الملزمة، وهي المباحات كان الخلاف بيننا لفظيًا.","vol":"1","page":23},{"text":"وإن قصدوا ما هو مطلوب على وجه الوجوب أو الندب، وما هو منهي عنه على وجه الحرمة أو الكراهة فهو غير مُسَلَّم. ومثل ذلك يقال في النوم واللبس وكل ما هو خاص بالحاجة والطبيعة البشرية كما يقولون، حتى قضاء الشهوة مع الزوجة له قواعده وأصوله وحدوده المشروعة.\n\nولست أرى سُنَّةً تشريعية بالمعنى الحقيقي اللهم إلاَّ ما ورد فيما طريقه الخبرة والصنعة والتخصص كالزراعة والصناعة، ويمكن أن يلحق بها الطب وقيادة الجيوش وفن الحرب. وستأتي زيادة إيضاح إنْ شاء الله.\n\nأما القائلون بالمصلحة كمصدر من مصادر التشريع فقد اشترطوا لها ألاَّ تُصادم نصًا من الكتاب أو السُنَّة الصحيحة، فهم أخذوا بمراعاة المصالح فيما لم يرد فيه قرآن أو حديث صحيح، أما ما ورد فيه قرآن أو حديث صحيح فالمصلحة فيما جاء به النص.\n\n****\n\nلكن الباحث اندفع من هذا الباب مُحَطِّمًا كل الحواجز، ينادي: لا يقف في طريقي ولا في طريق ما أراه مصلحة أي حديث.\n\nيستدل بكلام الإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٠ هـ حيث يقول: «إنَّ مصلحة سياسة المُكَلَّفين في حقوقهم معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعدًا عن إفادتها علمنا أنا أُحِلْنا في تحصيلها على رعايتها، كما أنَّ النصوص لما كانت لا تفي بالأحكام علمنا أنا","vol":"1","page":24},{"text":"أُحِلْنَا بتمامها على القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لجامع بينهما».\nهذا كلام نجم الدين الطوفي في المصلحة، فبماذا استدل به الباحث؟\n\nحمل الباحث عبارتي الطوفي «دليل الشرع» و«النصوص» على القرآن فقط دون السُنَّة، فقال: صفحة «٣٥»: «والشاهد هنا - كما هو ظاهر - أنَّ المُكَلَّفين يعرفون مصالحهم ويدبرونها فيما لم يأت به دليل خاص من الكتاب، وهم أعلم بشؤون دنياهم» أي من الرسول - ﷺ -.\n\nثم يقول صفحة «٤٦»: «فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات أفلا يجوز لمن يأتي بعده أنْ يُدلي في الموضوع باجتهاده أيضًا هادفًا إلى تحقيق المصلحة، ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرَّره الرسول باجتهاده».\n\nإنَّ الباحث هنا يعطي نفسه الحق في الاجتهاد على قدم المساواة مع رسول الله - ﷺ - غير عابئ بالفرق بين الثَّرَى والثُريا. وإنَّ الباحث مُتخصِّصٌ في التاريخ، يستخدم منهج المؤرِّخِين عند بحث الحديث النبوي، ويتعامل مع رسول الله - ﷺ - ويتحدَّثُ عنه كما يتحدَّثُ مُؤرِّخٌ عن ملك أو قائد زال عهده، فكلُّ بحثه يدور حول جمع أخطاء في اجتهاده - ﷺ -، بل يُصَوِّرُ مَنْ حَوْلَهُ بأنهم أدرى بالمصلحة منه - ﷺ - وأنه يتَّخذُ القرار فينقضه بعد لحظات برأي أحد أصحابه.\n\nفهو - ﷺ - ينهى عن قطع أشجار الحَرَمِ، فيقول له عمُّهُ العباس: إلاَّ الإذخِر، فيقول - ﷺ -: «إِلاَّ الإِذْخِرَ».","vol":"1","page":25},{"text":"وهو - ﷺ - يأمر أبا هريرة أن يُبَشِّرَ الناس أنَّ مَنْ قال: لا إله إلاَّ الله دخل الجنة، فيقول له عمر: لا. يا رسول الله. إذن يتَّكِلُوا. فلا يُبَشِّر أبو هريرة فيقول - ﷺ -: لا يبشر.\n\nوينزل - ﷺ - بجيشه على صلح مع قبيلة غطفان، فيرفض أصحابه الصلح والاتفاق فيترك موضوع الصلح ويمضي قول أصحابه.\n\nوينهى - ﷺ - عن أكل لحوم الحمر الأهلية وكانوا قد طبخوها في قدورهم الفخارية، فأمر - ﷺ - بكسرها، فقال عمر للرسول - ﷺ - كاقتراح منه: أو نريقها ونغسلها؟ فوافق في الحال على اقتراح عمر.\n\nووجدهم - ﷺ - يبيعون الرُطب على النخل بتمر جاف فقال: «لاَ تَبِيعُوا». فاشتكوا إليه المشقة من عدم البيع، فغيَّرَ رأيه وأجازه لهم.\n\nونهاهم - ﷺ - عن بيع المعدوم، فَشَكَوْا إليه أنهم في حاجة إليه، فرخَّص لهم في السلم.\n\nومنع - ﷺ - التقاط ضالة الإبل وأباحها عثمان بن عفان - ﵁ -.\n\nولم يضمن - ﷺ - الصانع والأجير إذا تلف عنده الشيء وضمنهم عليٌّ - ﵁ -.\n\nومنع تأبير النخل فجاء التمر شيصًا فاعتذر لأصحابه وقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ».\n\nلماذا كل هذا؟","vol":"1","page":26},{"text":"ليقول: إنَّ الرسول - ﷺ - كان يجتهد، وكان يراعي مصلحة قومه، وكان يخطئ ويرُدُّهُ أصحابُهُ، فحكمُهُ في المعاملات والبيع والشراء والقراض وغيرهما غير ملزم، إذْ لم يكن عن وحي، ولم يكن يسانده وحي، فلنا أنْ نُراعي مصلحة شعبنا وأُمَّتِنا فنجتهد كما اجتهد، ونُراعِي مصلحة أُمَّتِنَا كما راعى مصلحة شعبه، ولو أدَّى ذلك إلى اتخاذ قرار غير قراره وحُكم غير حُكُمِهِ.\n\nوعبارته الصريحة في ذلك صفحة «٤٦» يقول: «فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام اجتهاده كان قائمًا على القواعد الموجودة حتى الآن، وهادفًا إلى تحقيق المصلحة التي يراها في واقع الناس حوله، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات في زمنه على ضوء الظروف التي كانت سائدة في أيامه. أفلا يجوز لمن يأتي بعده أنْ يُدْلِي في الموضوع باجتهاده أيضًا هادفًا إلى تحقيق المصلحة؟ ولو أدَّى اجتهاده إلى غير ما قرَّرَهُ الرسول باجتهاده؟».\n\nيا سبحان الله!!! كأنه ليس هناك شرع الله.\nوكأنَّ الله ترك عباده يتعاملون دون قواعد أو ضوابط حتى يضعوا لأنفسهم في كل بلد ما يرون من ضوابط وقوانين حسبما يجتهدون في مصالحهم، وهم أعلم بشؤون دنياهم!!!\n\nوكأنَّ الأُمَّة الإسلامية التي التزمت تشريع محمد - ﷺ - أربعة عشر قرنًا خاطئة في هذا الالتزام، أو وضعت نفسها في قيود ما كان أغناها عنها ...\n\nولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المعاملات حلال وحرام وتشريع من لله:</span>\nيقول الباحث صفحة «٢٥»: «نسارع فنُقرِّرُ أنَّ كل ما يصدر عن الرسول من شؤون الدين في العقيدة والعبادة، والحلال والحرام والعقوبات والأخلاق والآداب لا شأن لنا به إلاَّ من ناحية فهمه .. فما جاء خاصًا بتوحيد الله .. وما جاء خاصًا بالتحريم أو التحليل .. كل هذا ممَّا لا دخل للإنسان فيه من حيث المبدأ، لأنَّ ذلك من اختصاص الرسول الموحَى إليه».\n\nويقول في صفحة «٢٦»: «لكن هناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض ولقطة وسلم .. هل هذه الأمور تأخذ حكم الأولى في أنها موحى بها من الله .. سواء كان الوحي مباشرًا أو سُكُوتيًا أو إقراريًا؟ أو لها وصف آخر؟».\n\nكأنَّ الباحث لا يجعل المعاملات من قبيل التحريم والتحليل، وهذا فهم عجيب.\nهل النهي عن مُطْلِ الغَنِيِّ ليس التحريم؟\nهل النهي عن النَّجَشِ (١) ليس التحريم؟ هل النهي عن بيع المصراة (٢) ليس للتحريم؟ هل النهي عن البيع على البيع ليس للتحريم؟\n\nهل من فعل شيئًا من ذلك لا يعاقب من الله؟\n_________\n(١) النجش: الزيادة في ثمن السلعة - أو في المهر - ليسمع بذلك فيزداد فيه.\n(٢) المصراة: هي الحلوب التي يترك لبَنُها في ضرعها فيعظم فتُعرض للبيع.","vol":"1","page":28},{"text":"أنا لا أفهم المعاملات إلاَّ أنها تحليل أو تحريم، واجبة أو مندوبة أو مباحة، أو مُحرَّمة أو مكروهة، ولها أو عليها ثواب أو عقاب حتى معاملة الرجل لزوجه وقضاء مأربه منها يحكمها الحلال والحرام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟». الحديث أخرجه مسلم في كتاب الزكاة.\n\nإنَّ الميزة الكبرى التي امتاز بها الإسلام عن غيره من الديانات تظهر بشكل واضح في تنظيمه المعاملات بين الناس من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض ومزارعة ومساقاة ولقطة وشركة ووكالة وشُفعة وحوالة واستقراض وربا وكفالة وهِبَة ونكاح وخصومات وشهادات وصُلح وشروط ووصايا وغير ذلك، حتى الخدمات العامة عنى بها الإسلام، فجعل إزالة الشوكة من الطريق شُعبة مِنْ شُعَبِ الإيمان.\n\nإنَّ الإسلام ارتفع بالمعاملات إلى السماحة والرفق والإحسان، بعد أنْ ثبت أركان الحقوق وحذَّر من المظالم، تدبر معي هذه الحادثة:\nخصمان ترتفع أصواتهما على بابه - ﷺ - وهما في الطريق. دائن ومدين، دائن حلَّ ميعاد دَيْنِهِ، فأجَّلَ المَدِينُ غير القادر مرَّةً ومرَّةً، ومدين يعتذر للدائن ويسترفقه، ويطلب منه أنْ يَحُطَّ عنه بعض الدَيْنِ أو يؤجله مرة أخرى، والدائن يقسم ألاَّ يفعل.","vol":"1","page":29},{"text":"يخرج - ﷺ - ويقول: «أَيْنَ الْمُتَأَلِّى عَلَى اللَّهِ ألاَّ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟». فيقول الدائن: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا فَلَهُ أَىُّ ذَلِكَ أَحَبَّ (١).\n\nطاعة رائعة في المعاملات لمجرد الإشارة، لم يقل الدائن: حقي أتمسَّك به، ولم يرفض عرض التسامح، ولو أنه فعل - كما فعل أبو لبابة في الواقعة الآتية - لم يكن آثمًا، وإنما استحباب للتنازل عن الحق للغير طلبًا للأجر عند الله الذي وعد به رسول الله - ﷺ -.\n\nنعم كان بعض المسلمين يتمسك بحقه، فليس كل الناس يرقى، ولكنهم كانوا لا يظلمون، وهذا هو الحد الأدنى في المعاملات، ولئن وجد بعض المتمسِّكين بحقوقهم فإنه يوجد بجوارهم من يؤثر ويُضَحِّي ويشتري الآخرة بالأولى.\n\nتخاصم يتيم وأبو لبابة في نخلة، ولم يكن مع اليتيم بيِّنَة، فحكم النبي - ﷺ - بالنخلة لأبي لبابة، فبكى اليتيم، فقال النبي - ﷺ - لأبي لبابة: «أعطه النخلة ولك بها نخلة في الجنة». فقال أبو لبابة: لا. فسمع بذلك أبو الدحداح، فاشترى النخلة من أبي لبابة بعد أن أخذ يزيده في ثمنها حتى قبِلَ بدلها حديقة كاملة، ثم قال أبو الدحداح للنبي - ﷺ -: ألِي نخلة في الجنة إنْ أعطيتها اليتيم؟ قال - ﷺ -: «نَعَمْ». فأعطاها اليتيم .. فلما مات أبو الدحداح شيَّعَهُ - ﷺ - إلى قبره، ثم قال للمُشَيِّعِين: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ فِي الْجَنَّةِ لأَبِي الدَّحْدَاحِ» (٢).\n\nهل يقال بعد ذلك:\nإنَّ المعاملات ليست من الحلال والحرام؟ هل يقال بعد\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلح.\n(٢) معنى حديث أخرجه مسلم.","vol":"1","page":30},{"text":"بعد ذلك: إنَّ المعاملات لا شأن لها بالوحي مباشرًا أو سُكوتيًا أو إقراريًا؟\n\nإنَّ مجتمعنا يقيم شريعة الله التي جاءت على لسان محمد - ﷺ - عبادات ومعاملات لهو أرقى المجتمعات في الدنيا وأسعدها يوم الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>حديث تأبير النخل:</span>\nحديث تأبير النخل رواه الإمام مسلم والإمام أحمد وابن ماجه. ورواياته كما في \" صحيح مسلم \": «عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِقَوْمٍ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ - أي يأخذون شيئًا أو فروعًا من طلع النخل الذكر ويضعونه في طلع الأنثى - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا. قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلاَ تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ ﷿».\n\nوعن رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قال:\n«قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ - يَقُولُونَ: يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ - فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا كُنَّا نَصْنَعُهُ. قَالَ لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا، فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ. قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ","vol":"1","page":31},{"text":"دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ».\n\nوعَنْ أَنَسٍ:\n«أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» (١).\n\nهذا الحديث هو عمدة أدلة الباحث في بحثه:\n\nتَرَكَ سبب الورود وحادثته وأخذ يكرِّرُ «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» كرَّرَهُ ثماني مرات في صفحات ثمان، يحاول أنْ يستدلَّ به على أنَّ أمور الدنيا لا علاقة لها بالتشريع».\nوأنَّ أوامره - ﷺ - ونواهيه في البيع والشراء وبقية المعاملات من هذا القبيل وليست من الدين.\nوأنَّ الناس اليوم أعلم بها منه - ﷺ -، فليتركوا تشريعه، وليُشَرِّعُوا لأنفسهم ما يرون أنه يصلحهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>هُواةُ التحلُّلِ:</span>\nإنَّ هذا الحديث من زمن طويل كان المشجب الذي يعلق عليه من شاء ما شاء من أمور الشرع التي يراد التحلل منها: فبعضهم أدخل تحته الأكل والشرب والنوم والفراش واللباس والمشي والجلوس وغير ذلك من الأمور الخاصة بالحاجة والطبيعة البشرية.\n\nوالتحقيق أنه من الخطأ أنْ نُطلق هذا الإطلاق، فكل مِنْ هذه الأمور منها الواجب شرعًا، ومنها المُحَرَّمُ شرعًا، ومنها\n_________\n(١) رواه مسلم.","vol":"1","page":32},{"text":"المكروه، ومنها المندوب، ومنها المباح، فبعض المأكولات محرَّمٌ، وبعض المشروبات محرَّمٌ، والنوم قد يكون ممنوعًا شرعًا، كالنوم عن الصلاة، أو نوم السائق الذي يعرِّضُ حياته وحياة الراكبين معه للخطر، والفراش واللباس قد يكون مُحرّمًا لاستعمال الأقمشة المُحرَّمة فيه.\n\nوحتى إذا أردنا كيفية هذه الأمور نجد منها الممنوع شرعًا، كالأكل بالشمال، والأكل مما يلي الآخرين، وتحريك اليد في جنبات الإناء، ولباس المتكبِّرين ومشيتهم، والإسراف في الفراش، والجلوس على هيئة إقعاءة الكلب، وإقامة الرجل الرجل في مجلسه ثم الجلوس فيه، والجلوس على الطرقات إلاَّ بحقها. نعم. في هذه الأمور مباحات، اختار الرسول - ﷺ - أحدهما ولم يمنع الآخر، فكان مثلًا يحب من اللحم الذراع، ومن المشروب اللبن، وكان فراشه من جلد حشوه ليف، وكان يمُرُّ على بيوته - ﷺ - الشهر والشهران، ثلاثة أهلَّة في شهرين وما يوقد في بيته نار لعدم وجود ما يطهى بالنار، وإنما كان يعيش هو وأهله على التمر والماء.\n\nفي حين كان بعض الصحابة يحب الفخذ من اللحم، وينام على لين الفراش، ويلبس من أفخر الثياب، ويأكل من أشهى الطعام، وليس في شيء من ذلك التزام شرعي، شأن جميع المباحات، وإنْ كانت نية التأسي به - ﷺ - والاقتداء به في المباحات لا تخلو من أجر وثواب.\n\nفإذا أريد إدخال المباحات من الأكل والشرب والنوم واللباس والمشي والجلوس في حديث «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» فلا بأس، حتى في المعاملات، كل إنسان أعلم","vol":"1","page":33},{"text":"بشؤون دنياه في الأمور المباحة، له أنْ يشتري سيارة أو أنْ يشتري بيتًا، وله أن يبيع حديقة أو أنْ يبيع عمارة من ملكه ما دام ذلك مباحًا شرعًا.\n\nلكن إدخال المعاملات الممنوعة شرعًا تحت هذا الحديث هو الذي لم نسمع به من قبل، لم يسبق به الباحث على مدى علمي، وأرجو ألاَّ يتبعه في ذلك أحد بعد، بل أرجو له أن يعدل عن رأيه، والحق أحق أنْ يتبع.\n\nوالباحث نفسه يشعر أنه أتى أمرًا يفزع له كل مسلم، وتقشعرُّ منه جلود الذين يخشون ربهم بالغيب، فهو يقول صفحة «٦٢»: «لا داعي للانزعاج، هذه نتيجة منطقية حتمية، ولو أنها قد تصدم بعض الناس، لأنهم لم يتعودوا أنْ يسمعوا أو يقرأوا مثلها».\n\nويقول في صفحة «٤٥»: «أرجو أن يُحَكِّمَ القارئ عقله معي، وَيُحَكِّمَ المنطق السليم، ولا تَقْلَقُ نفسُهُ لمجرَّد رأي ربما لم يسمعه من قبل، وربما يكون مخالفًا لما استقرت عليه نفسه»\n\nونعود إلى حديث تأبير النخل، فنقول:\nإنَّ هناك أعمالًا للبشر تكتسب عن طريق العلم والتدريب والممارسة والتجارب والخبرة. كالزراعة والنجارة والحدادة والغزل والنسيج والحياكة ومعرفة خصائص النباتات والمعادن ونحو ذلك مما يتخصَّصُ فيه ويُجيده بعض البشر.\n\nفهذه الأمور ليست من مهمة الرسالة، وليست من مهمة","vol":"1","page":34},{"text":"الرسول - ﷺ - ولا من مؤهلاته أنْ يكون ماهرًا فيها، ولا خبيرًا بدقائقها، ولا يضيره أنه ليس عالمًا بالذرةولا بطبقات الأرض، ولا بتفاعل الكيمياويات، ولا ينقل الصور والأصوات عبر الآلات، ومثل ذلك أمور الطب وفنون الحرب.\n\nفإذا ما تكلم - ﷺ - مع الخبراء فيه فكلامه مبني على الظن الذي قد يخطئ، كأي إنسان غير متخصِّص، ولهذا جاء في بعض روايات حديث تأبير النخل: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ». «إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا» وحديث تأبير النخل من هذا القبيل، فهو كلام مع المُتخصِّصين في الزراعة، العالمين بما يصلح النخيل.\nفمحاولة الباحث جَرَّ هذا الحديث إلى المعاملات. لتستظل بظل هذا الحديث محاولة فاشلة ومرفوضة ومكشوفة البطلان، لما سنُبَيِّنُهُ في شرح الحديث تحليليًا، فنقول وبالله التوفيق: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» جملة تقسم إلى ثلاثة مقاطع:\n«أَنْتُمْ» والمراد من المخاطبين.\nو«أَعْلَمُ» والمراد من المفضل عليه.\nو«شُؤُونِ دُنْيَاكُمْ» وتحديد المراد منها.\n\nوبعبارة أخرى: مَنْ؟ أعلم مِنْ مَنْ؟ وبأي شيء هم أعلم؟\n\nأما المقطع الأول فالخطاب الشرعي عند الأصوليين هو أصالة لمن سمعوا الخطاب، وقد يقصر عليهم إذا كان التكليف لهم وحدهم، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ","vol":"1","page":35},{"text":"فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (١) فالخطاب هنا لجنود طالوت لا يتعداهم إلى غيرهم. وقد يراد بالتكليف غيرهم معهم، كقوله تعالى:\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) فالتكليف قطعًا موجه للسامعين إلى يوم القيامة، لكن غير السامعين هل هم مُكلَّفون بالخطاب والنص؟ على معنى أقيموا الصلاة يا من يتأتى خطابكم بهذا التكليف في أي زمان وفي أي مكان؟ أو مكلَّفُون بالقياس على السامعين؟ قولان عند الأصوليين.\n\nفالخطاب في الحديث «أَنْتُمْ» للعشرة والعشرين الذين كانوا يلقِّحُون النخل بالمدينة أصالة، وحين يراد غيرهم معهم يبحث في المقصود بهذا الغير ليعطي الحكم نفسه.\n\nو«أَعْلَمُ»، أفعل للتفضيل، فهل المفضَّل عليه رسول الله - ﷺ -؟ كأنه قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ مِنِّي»؟ أو هو ومن على شاكلته مِمَّنْ يجهل هذا الشيء، أو المفضَّل عليه من عدا المخاطبين أصلًا. أي أنتم أعلم من كل الناس؟\n\nو«شُؤُونِ الدُنْيَا» هل المراد بها مصلحة النخل فقط؟ أو مصلحة النخل وما على شاكلتها من المهن والخبرات؟ أو كل شؤون الدنيا؛ فتدخل المعاملات؟\n\nلنتصوَّر الاحتمالات، ثم نختار منها، ما يصلح لأن يكون مراد الشرع الحكيم:\n\nالاحتمال الأول: أنتم أيها الذين تُلَقِّحُون النخل أعلم بما يصلح النخل منِّي ومِمَّنْ لا علم له بالزراعة، أي أنتم أعلم\n_________\n(١) [البقرة: ٢٤٩].\n(٢) [البقرة: ٤٣].","vol":"1","page":36},{"text":"بشؤون دنياكم هذه التي تباشرونها، والتي لم تنجح فيها مشورتي، أعلم مني ومن مثلي، فالحديث على هذا واقعة عين أو واقعة حال، لا يستدل بها على غيرها أصلًا.\n\nالاحتمال الثاني: أنتم أيها الذين تٌلَقِّحُون النخل ومن على شاكلتكم مني. ومِمَّنْ ليس من أهل الصناعات، والكلام على التوزيع، على معنى: أنَّ كل أهل صنعة أعلم بها مِمَّنْ ليسوا من أهلها، كما يقال: أهل مكة أدى بشعابها.\n\nالاحتمال الثالث: أنتم أيها الذين تٌلَقِّحُون النخل بالمدينة أعلم بما يصلح النخل مني ومن غيركم من زارعي النخل في البلاد والأزمان المختلفة، وهذا الاحتمال واضح البطلان، ففي بعض البلاد وفي بعض الأزمان من هم أعلم منهم بذلك.\n\nالاحتمال الرابع: أنتم أيها الذين تٌلَقِّحُون النخل بالمدينة أعلم بالخبرات والصناعات المختلفة مني ومن غيري، حتى من أهل الصناعات أنفسهم، على معنى أنتم أعلم بالطب مثلًا مني ومن الأطباء. وهذا الاحتمال واضح البطلان.\n\nهذه الاحتمالات الأربعة مبنية على أنَّ المراد من شؤون الدنيا الصناعات والمهارات والخبرات فإذا أردنا من شؤون الدنيا مصالح كل فرد أو مصالح كل مجموعة من مباحات الدنيا، كالمقارنة بين شراء بيت أو شراء سيارة كان الاحتمال الآتي:\n\nالاحتمال الخامس: أنتم الذين تٌلَقِّحُون النخل بالمدينة ومثلكم جميع الناس أعلم بشؤون دنياكم وما يصلح لكم من","vol":"1","page":37},{"text":"غيركم والكلام على قاعدة: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة أحادًا، تقول: أعطيت الطلاب كتبًا على معنى أعطيت كل طالب كتابًا، فيصبح المعنى كل واحد أعلم من غيره بشؤون ومصالح نفسه، وهذا الاحتمال إنْ صحَّ في المباحات لا يصح في الواجبات والمُحرَّمات، فالشرع وحده هو الذي حدَّدها على أنها المصلحة، بناء على سبق علم الله الذي خلق ثم إنَّ هذا الاحتمال لا يتناسب مع قصة الحديث.\n\nومِمَّا هو واضح أنَّ الاحتمال الثاني هو المراد، ثم يليه الأول، وعلى كل حال لا يصحُّ الاستدلال بالحديث على إباحة التغيير والمعاملات: لأنَّ الحديث - كما رأينا - تطرَّقَ إليه أكثر من احتمال، والدليل إذا تطرَّقَ إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>احتمال دخول المعاملات مستبعد:</span>\nمع أنَّ احتمال دخول المعاملات في الحديث كأحد الاحتالات مستبعد أصالة وابتداء؛ لأنَّ المعاملات كما يفهم من معناها علاقة الأفراد والجماعات بعضهم ببعض فيما يتعلق بمعاشهم، وهذه العلاقة تحكمها دائمًا قواعد وأصول وضوبط، لئلاَّ يحيف بعض الأطراف على بعض، والأمم غير الإسلامية وضعت لذلك قوانين، والإسلام وضع لها أرقى أنواع التشريع.\n\nوليس من المعقول أنَّ الله الذي أنزل أطول آياته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ...﴾ (١)\n_________\n(١) [البقرة: ٢٨٢].","vol":"1","page":38},{"text":"وحدَّدَ فيها: كتابة الدين، ومواصفات الكاتب وواجباته، وحق الدَيْنِ في الإملاء، وإملاء وليِّهِ في حالة عدم صلاحيته، وصفات الشهود، وشروطهم، وواجباتهم، وقال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (١) ليس من المعقول أنَّ الله الذي اهتم بالدَّيْنِ هذا الاهتمام يترك البيع والشراء وتفصيل الربا والرهن والشركة وغيرها من المعاملات دون تشريع.\n\nهل يعقل أنَّ الله يترك البشرية تنظِّمُ أمورها ومعاملاتها على حسب أهوائها حتى يضع القيود لضعيفهم باسم القوانين؟ وهو الحَكَمُ العدل العليم الخبير الذي راقب حركة عين محمد - ﷺ - في نظرتها لابن أم مكتوم فوضع لها قانونًا يُتلى في القرآن ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٢)؟\n\nهل يعقل أنْ يترك البشرية هملًا يأكل بعضهم مال بعض ظلمًا وعُدوانًا تحت عنوان «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؟\nهل يعقل أنْ يترك الله تعالى هذه القوانين لمحمد - ﷺ - دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأُمَّة مجتمعة بالخطأ أربعة عشر قرنًا حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها ويخالف حكم محمد - ﷺ -؟ أظنُّ أنَّ العقل المسلم يستبعد ذلك كل الاستبعاد.\n\nولزيادة الإيضاح، وحتى تنقطع كل شبهة لمشتبه، ولتقطع كل المعاذير نذكر خمس مُسَلَّمات لا يعارض فيها أي مسلم:\n\nالأولى: أنَّ السامعين للخطاب «أَنْتُمْ» يدخلون في الحكم دخولًا أوليًا.\n_________\n(١) [البقرة: ٢٨٢].\n(٢) [عبس: ١، ٢].","vol":"1","page":39},{"text":"الثانية: أن الرسول - ﷺ - يدخل في المفضّل عليه «أَعْلَمُ» دخولًا أوليًا، أي أنتم أعلم مني.\n\nالثالثة: أنَّ غير الأعلم لا يصدر أوامره ونواهيه إلى الأعلم فيما هو فيه أعلم، فلو أنَّ المخاطبين والأمَّة الإسلامية أعلم منه - ﷺ - بأحكام البيع والشراء والربا والهبة والشركة واللقطة والكفالة والوكالة والشُفعة والاستقراض والنكاح ما أصدر أوامره ونواهيه إليهم في هذه المعاملات؛ أما وأنه أصدر فهو أعلم فيما أصدر، وليس هذا مما هم فيه أعلم.\n\nالرابعة: أنَّ الإيمان يفرض علينا أنْ نعتقد أنَّ الرسول - ﷺ - حكيم، يضع الأمور في نصابها، ولا يتدخل فيما لا يخصه، ولا يحشر نفسه فيما لا يعنيه، لقد ظن حين تدخل في تأبير النخل أنه بذلك يغرس فيهم أنَّ الله هو الفاعل لكل شيء، وأنَّ الواجب عدم الاعتماد على الأسباب ونسيان الله، ظن أنه بذلك يوجِّهُهُم إلى الله، وكان من الممكن أنْ تحمل الريح دقيق الذكورة إلى الأنوثة، كما هو الشأن في تلقيح بعض الثمار، ولِمَ لاَ؟ والقدرة الإلهية جعلت مريم تحمل من غير ذكر أصلًا، لكن المشيئة العليا قضت ذلك لحكمة، كأنها تقول له: دع مثل هذه الأمور، فليست من مُهِمَّتك، وَدَعْ الناس يتنافسون في صنائعهم، ويجتهدون في الترقي بشؤون معاشهم، معتمدين على الأسباب، فالله خالق السبب والمُسبّب جميعًا.\n\nومنذ هذا أمسك - ﷺ - عن هذا النوع، فلم يتدخَّل في شؤون الزراعة، فلم يسألهم ثانية: لم تحرثون؟ ولا: لم تسمدون؟","vol":"1","page":40},{"text":"ولا: لِمَ تختارون وقت كذا الزراعة كذا؟ ولا شيئًا من ذلك لأنه قال لهم عنه: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ».\nفهل لو قصد دخول المعاملات في هذا أكان يتدخَّل فيها؟ ويأمر وينهى؟\nلقد تدخَّل في المعاملات صغيرها وكبيرها، ورسم لهم صحيحها من باطلها، وحلالها من حرامها، كان يذهب إلى السوق بنفسه يرى ويسمع ويوجِّهُ:\n«الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».\n«لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ».\n«مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ».\n«مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ».\n«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».\n«لاَ يَمْنَعَ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِى جِدَارِهِ» (١).\n\nوهكذا عشرات الأحاديث فيكل معاملة، مما لا يدع مجالًا للشك في أنَّ المعاملات مما تعنيه هو في رسالته - ﷺ -، وليست مما قال فيها: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ».\n\nالخامسة: أنَّ الأعلم لا يستجيب عادة ولا يخضع ولا يُنّفِّذُ كل متطلَّبات غير الأعلم، فلو كانوا أعلم بشؤون المعاملات منه - ﷺ - لتوقَّفُوا ولو مرة، وقالوا: نحن أعلم بشؤون دنيانا.\n\nهذا، وفَهْمُ المخاطبين من الحديث أساس في تحديد المراد منه.\n_________\n(١) هذه الأحاديث كلها رواها البخاري.","vol":"1","page":41},{"text":"فماذا فهم الصحابة من حديث «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ»؟\n\nالزواج من شؤون دنياهم:\n\nهل اتبعوا ما يعلمون أو ما يظنون أنه في صالحهم دون الرجوع إلى حكم الرسول - ﷺ -؟\nهل خطب الخاطب على خطبة أخيه وهو يعتقد أنَّ ذلك في مصلحته، وفي مصلحة الزوجة والأسرتين؟ أم نفَّذَ حكم الرسول - ﷺ - وإنْ اعتقد أنَّ صالح نفسه وأخلاقه؟\n\nالبيع والشراء من أمور دنياهم:\n\nهل اتبعوا ما يعتقدون أنه في صالح البائع فباعوا المصراة؟ أو نفَّذوا حكم محمد - ﷺ - ونهيه عن بيع المصراة؟ هل اتبع المشترون ما يعتقدون أنه في صالحهم فتلقوا الركبان قبل وصولهم الأسواق، وقبل معرفتهم الأسعار؟ أو نفَّذوا حكم محمد - ﷺ - في تلقي الركبان؟\nهل اتبعوا ما يعتقدون أنه في صالح البائع والمشتري معا فباعوا التمر الرديء بالتمر الجيِّد مع اختلاف الوزن؟ أو نفَّذُوا حكم محمد - ﷺ - فانتهوا عنه لأنَّ ذلك ربا.\n\nالثابت الذي لا شك فيه أنهم كانوا يتبعون أوامره في المعاملات ويُنَفِّذونها بدقة، مما يؤكِّدُ بداهة أنهم لم يجعلوها داخلة تحت حديث «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِشُؤُونِ دُنْيَاكُمْ».\n\nوإذا ثبت ووضح لنا مراد المُتكلم - ﷺ - وأنه لم يُدخِلْ المعاملات ضمن هذا الحديث.\n\nوإذا ثبت فهم المخاطبين واستجاباتهم وأنهم لم يخطر ببالهم دخول المعاملات تحت هذا الحديث.","vol":"1","page":42},{"text":"وإذا اجتمعت الأُمَّة في عصورها المختلفة أربعة عشر قرنًا على أنَّ المعاملات لا تدخل في هذا الحديث.\nوإذا كان الفهم الصحيح للحديث يُحدِّدُ المراد منه ويمنع من دخول المعاملات فيه.\nفهل يبقى خيط عنكبوت يتعلَّقُ به الباحث ليدخل المعاملات في هذا الحديث؟\nاللهم. لا.\nإنَّ الشريعة الإسلامية رسمت أسلوب تعامل الإنسان على الأرض مع كل ما يحيط ويتصل به، ذلَّلَ اللهُ لبني آدم كثيرًا من مخلوقاته، وزَوَّدَهُ بعقل ليستفيد من هذه النعم، فهو في ميدان استخدام العلم والطبيعة حر، وفي ميدان الاستفادة والترقي لا حجر عليه.\nشرط واحد أساسي: ألاَّ يتعلق بمهاراته ونشاطه حقوق للغير، وهذا هو الحد الفاصل بين ما هو من شؤون الدنيا المرادة من الحديث وبين ما هو من اختصاص الشريعة الواردة على لسان محمد - ﷺ -.\n\nأصنع أسلحة تحمي بها نفسك، وتحمي بها الناس من الناس؟ نعم، لكن تصنع سكينًا ليقتل به الظالم بريئًا؟ لا. لأنك بذلك تساعد على الظلم.\nتعلَّم «التكنولوجيا» وعلم الذَرَّة، لكن حين تستخدمها لقتل البُرَءَاءِ؟ لا.\n\nبِعْ ما شئتَ واشتر ما شئتَ لكن لا على حساب أحد من الناس، حتى لو كان صاحب الحق طيرًا أو حيوانًا.\n\nاذبح م أحلَّ اللهُ لك ذبحَهُ، لكن أنْ تُعَذِبَ المذبوح؟ لا.","vol":"1","page":43},{"text":"«إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ، فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» (١).\n\nتعلَّم الرماية ما شئتَ؟ نعم، لكن أ، ْ تنصب دجاجة حيَّة هدفًا ترميها بالنبل تتعلَّم عليها إصابة الهدف؟ لا. إنَّ النبي - ﷺ - لعن من فعل هذا (٢).\nأطعم الهرة أو لا تطعمها. لكن أنْ تحبسها، فلا أنت تطعمها ولا أنت تتركها تأكل من خشاش الأرض؟ لا. فَقَدْ دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ (٣).\nتسقي الكلب أو لا تسقي. لكن رجلًا سقى كلبًا يلهث فغفر الله له (٤).\n\nفأنتم أعلم بشؤون دنياكم فافعلوا ما تختارون حيث لا يتعلَّق بهذه الشؤون حقوق الآخرين، فإنْ تعلَّقت بها حقوق الآخرين ولو كان طيرًا أو حيوانًا فالأعلم بها الله ورسوله، وشرعه في ذلك هو الميزان، ما أمر به هو المصلحة، وما نهى عنه هو ضد المصلحة.\n\nعلمنا الحكمة أم لم نعلمها.\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (٥).\n\nوما ينبغي لمسلم يبلغه حديث رسول الله - ﷺ - فيرُدُّهُ زاعمًا أنَّ المصلحة في خلافه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦).\n\nوما كان لمسلم يبلغه حديث رسول الله - ﷺ - فيضيق به ولا\n_________\n(١) رواه مسلم.\n(٢) رواه البخاري.\n(٣) رواه البخاري.\n(٤) رواه البخاري.\n(٥) [الأحزاب: ٣٦].\n(٦) [النور: ٦٣].","vol":"1","page":44},{"text":"يسلم به: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).\n\nبقي في نفسي تساؤل بخصوص حديث تأبير النخل، ربما يثور في نفوس البعض، هو:\nلماذا ألهم الله رسوله - ﷺ - أنْ يشير عليهم بهذه الإشارة، مع أنها لم تكن في مصلحتهم؟\nولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرَّد الإشارة، وهم المعروفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟\nولماذا لم يتدارك الله بهذه المشورة بالتصحيح قبل أنْ تنتج شيصًا للمسلمين يسخر منه اليهود وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيِّهِم - ﷺ -.\n\nسنحاول تلمس حكمة لهذه الحادثة، فإنْ حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلاَّ فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأنَّ لله في ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير.\nأولًا: هناك من الأمور ما نحسبه شرًّا لنا وهو في الحقيقة خير لنا، كخرق السفينة، يحسب لأول وهلة أنه شر لأصحابها، فلما وضحت الحقيقة كان خيرًا، وبالقياس على هذا:\nألم يكن من الجائز أنْ يطمع الكافرون في المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول محمد - ﷺ - فيها؟ فخروج التمر\n_________\n(١) [النساء: ٦٥].","vol":"1","page":45},{"text":"شيصًا جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعدَّ المؤمنون؟\nاحتمال.\n\nثانيًا: من المعروف أنَّ الدرس العملي يكون أشدَّ أثرًا من غيره، ولا شك أنَّ هذا الدرس كان قاسيًا عليهم فتنافسوا بعده في أسباب الحياة.\n\nثالثًا: اذكر قصة الصيادين. الصياد المسلم الذي أخذ يدعو الصياد المشرك للإيمان، وأخذ كل منهما يلقي شباكه في البحر، يقول المسلم: بسم الله، فتخرج شباكه فارغة، ويقول المشرك: باسم العُزى، فتخرج شباكه مليئة، فلو كان المسلم قويَّ الإيمان ظل مُتمَسِّكًا بإيمانه مهما أصابه، وإنْ كان ضعيفَ الإيمانِ ظهر ضعفه فلا ينخدع الناس به.\n\nوفي مثل هذا يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (١).\nويقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (٢).\n\nفكانت هذه الحادثة ابتلاءً واختبارًا، وقد نجح الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - في هذا الاختبار القاسي - وهُمْ في أول الإيمان - نجاحًا باهرًا، فقد استمرُّوا في طاعة أوامره - ﷺ - والبُعد عن كل ما نهى عنه بالدرجة نفسها التي كانت قبل مَشُورته\n_________\n(١) [الحج: ١١].\n(٢) [البقرة: ١٥٥].","vol":"1","page":46},{"text":"- ﷺ -، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله - ﷺ - عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين. والله أعلم بحكمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>شبهات أخر:</span>\nنتقل بعد ذلك إلى الشبهات التي لبست الأمر على الباحث، والتي أوردها في بحثه على أنها تساعده في دعواه، وهي في الحقيقة عليه، لا له، كما سنبيِّنُ.\n\nويمكن تصنيف شبهاته إلى ستة أصناف:\n١ - شُبهات من أحاديث ظاهرها أنَّ الرسول - ﷺ - كان يجتهد، وأنَّ الصحابة كانوا يراجعونه ويردُّونه فيرجع.\n٢ - أحاديث ظاهرها أنَّ الرسول - ﷺ - اجتهد فأخطأ فعاتبه ربه.\n٣ - أمور يدعى أنه اجتهد فيها - ﷺ - وأخطأ وبقي الخطأ معمولًا به حتى اليوم.\n٤ - حوادث يدعى أنَّ الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - خالفوا فيها أحاديث الرسول - ﷺ - وغيَّرُوا حُكمه.\n٥ - حادثة يدعى أنَّ التابعين - ﵃ - خالفوا حديث رسول الله - ﷺ - فيها وغيَّرُوا حُكمه.\n٦ - شُبهات من أحاديث يتوهَّم الباحث منها أنه - ﷺ - اجتهد في المعاملات ولم يحصن بوحي حين الاجتهاد ولا بعده.","vol":"1","page":47},{"text":"والنتيجة لكل ذلك ما صرَّحَ به صفحة «٤٦» بقوله: «فما دام الرسول كان يجتهد، وعلم ذلك منه الصحابة، وكانوا يراجعونه أحيانًا، ويُبدون رأيًا آخر، وكان - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - يتقبَّلُ بصدر رحب هذا الرأي الآخر، ويأخذ به، وما دام اجتهاده كان قائمًا على القواعد الموجودة حتى الآن، وهادفًا إلى تحقيق المصلحة التي يراها في واقع الناس حوله. وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات في زمنه على ضوء الظروف التي كانت سائدة في أيامه. أفلا يجوز لمن يأتي بعده من أيام الصحابة وحتى الآن أنْ يُدْلي في الموضوع باجتهاده أيضا؟ ولو أدَّى اجتهاده إلى غير ما قرَّر الرسول باجتهاده؟».\n\nوسنحاول إزاحة الغشاوة، وإزالة اللبس، وكشف الزيف، ودحض الشبهات.\n\nأما الصنف الأول فذكر منه:\n١ - مشورة الحُباب في بدر، وقد اخترنا فيما سبق أنَّ دراسة الأماكن وما يصلح منها لفن الحرب هو من شؤون الدنيا التي تترك لأهل الاختصاص. وليس فيها دلالة على المعاملات التي يقصدها.\n٢ - وذكر منه أنه - ﷺ - نزل عن رأيه في البقاء في المدينة (يوم أُحُدْ)، واستحباب لقومه وخرج. وهذا أيضًا من قبيل الخبرة بما يصلح الحرب. فليست دليلًا على المعاملات.\n٣ - وذكر منه تفاوض الرسول - ﷺ - مع غطفان ونزوله عند رأي أصحابه بعدم قبول الصلح، وهذا كسابقيه.","vol":"1","page":48},{"text":"٤ - وذكر منه حديث أنَّ الرسول - ﷺ - أمر أبا هريرة أنْ يُبَشِّرَ الناسَ أنَّ من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة، فقابله عمر فمنعه من التبشير وطلب من رسول الله - ﷺ - ألاَّ يفعل فقبل رأي عمر.\n٥ - وحديث أنَّ الرسول - ﷺ - حرَّمَ قطع شجر الحرم فقال العباس: إلاَّ الإذخِر. فقال - ﷺ -: «إِلاَّ الإِذْخِرَ».\n٦ - وحديث أنَّ النبي - ﷺ - أمر بكسر القدور الفخارية التي طبخت فيها الحمر الأهلية، فطلب عمر الاكتفاء بغسلها، فوافقه - ﷺ - واكتفى بغسلها. وللجواب على هذا نقول: مع أنَّ بعض العلماء يقولون: إنه اجتهاد في الصورة، وأنَّ الله تعالى أوحى إليه أنْ قُلْ لأبي هريرة: يبشِّرُ وسيأتيك عمر مانعًا له من التبشير فاقْبَلْ قولَ عمر، ليتَدَرَّبَ المسلمون على التفكير وتدبير الأمور، ودراسة المُقدمات، والنتائج ومراعاة المواقف.\n\nوأوحى إلى الرسول - ﷺ - أنْ حَرِّمْ قطع شجر الحرم، فسيقول لك العباس: إلاَّ الإذخر، ليظهر للناس فضل الله ورحمته ومِنَّتِهِ على خلقه في الترخيص، وليتعلَّمُوا أنْ يلتجِؤوا إلى الله المُشَرِّعُ بطلب العفو والتخفيف.\n\nوأوحى الله إلى الرسول - ﷺ - أنْ مُرْ بكسر القُدُورِ، فيقول لك عمر راجيًا: أو نكتفي بغسلها؟ فاقبِلْ مشُورَةَ عمر، ليحسَّ المسلمون مدى رحمة الله بهم، فقد روى أنَّ بني إسرائيل كان عليهم أنْ يقطعوا الجزء المُتَنَجِّسَ من الثوب تشديدًا عليهم. مع أنَّ بعض العلماء يقول ذلك وأنه اجتهاد في الظاهر","vol":"1","page":49},{"text":"ووحي في الحقيقة لكنا نقول: ليكن اجتهادًا منه - ﷺ - حين أمر بالتبشير، وحين أمر بكسر القدور، وحين نهى عن قطع شجرالحرم، لكن ما المانع:\nأنْ تكون استجابته بالترخيص بقطع الإذخر، واستجابته لعدم التبشير، واستجابته للغسل بدل الكسر عن طريق الوحي؟\nوهل يستبعد سرعة نزول الوحي بذلك؟\nوهل يستبعد أنه - ﷺ - يرى جبريل ويسمعه دون أنْ يراهُ الناس أو يسمعوه؟\nولم يستبعد أنْ يكون وحيًا من الأول بالجزء الأول، ثم وحيًا بالثاني بعد السؤال؟\n\nيقول الباحث صفحة «٤٠»: «إذْ لو كانوا يعلمون أنه يتكلم عن وحي لما جرؤ واحد منهم على إبداء رأيه».\nوهذا مردودٌ؛ لأنهم كانوا يعلمون كذلك أنَّ الوحي ينزل مُخَفَّفًا بناء على طلبهم، فإبداء رأيهم يرجون به تعديل القرار عن طريق الوحي أيضًا.\nفها هو سعد بن عُبادة، بعد أنْ نزل قوله تعالى في سورة النور:\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (١)، وهو يعلم حق العلم أنه وحي .. وجدناه يناقش فيه، ويُبدي رأيه، فيقول: والله يا رسول الله. إني لأعلم أنها لحق، وأنها مِنَ الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا قد تَفَخَّذَهَا رجلٌ\n_________\n(١) [النور: ٤].","vol":"1","page":50},{"text":"لم يكن لي أنْ أهيجه ولا أحركه حتى أتى بأربعة شهداء؟ فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.\nفنزل الوحي في الحال والقوم جلوس بآية اللعان.\n\nويقول الباحث صفحة «٣٩»: «ولو كان نطق الرسول وكلامه في هذا المجال بوحي من الله ما كانت هذه الوقفة والمراجعة وهذا الاستثناء، بل كان يعمد الوحي مباشرة من أول الأمر إلى استثناء الإذخر».\n\nوهذا مردود أيضًا؛ فقد نزل قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وبعد فترة من الزمن، قيل: شهر. نزل جبريل بقوله تعالى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. فهل يقال: لو كان وحيًا لنزل من الأول: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ثم إنَّ الباحث لا يملك دليلًا على أنَّ هذه الأحداث كانت باجتهاد ولم تكن بوحي؛ لأنَّ الدليل الوحيد أنْ يقول - ﷺ -: هذا اجتهاد مني. ولم يحصل ذلك. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «باب لا يحل القتال بمكة» قال ابن المنير: «والحق أنَّ سؤال العباس كان على معنى الضراعة وترخيص النبي ﷺ كان تبليغا عن الله إما بطريق الالهام أو بطريق الوحي ومن ادعى أن نزول الوحي يحتاج إلى أمد متسع فقد وهم» (٢).\n\nهذا ... وعلى سبيل إرخاء العنان للخصم، وعلى فرض أنَّ هذه الأحكام كانت باجتهاد، وأنَّ الرجوع إلى رأي الصحابة\n_________\n(١) [النساء: ٩٥]\n(٢) [فتح الباري: ٤/ ٤٩، طبعة دار المعرفة، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي].","vol":"1","page":51},{"text":"كان باجتهاد، أين شرع الله في قطع شجر الحرم؟ وفي غسل القدور؟ ما حكم من يقطع شجر الحرم؟ وما حكم من يأكل في هذه القدور بعد غسلها؟ لا يملك الباحث إلاَّ أنْ يقول: قطع شجر الحرم حرام إلاَّ الإذخر، ويُعذَبُ فاعله بالنار يوم القيامة، الأكل في القدور بعد غسلها حلال، لا يأثم الآكل ولا يعاقب يوم القيامة.\n\nإذًا الحكم في النهاية حُكم الله، والتشريع في النهاية تشريع الله، ولو كان أساسه اجتهادًا، ونتيجة لذلك لا يملك مسم مخالفته وتغييره.\n\nثم هذا كله خارج عن دائرة المعاملات التي يركز عليها الباحث هدفه، فلا يفيده.\n\nالصنف الثاني: أحاديث ظاهرها أنه - ﷺ - اجتهد فأخطأ فعاتبه ربه، ذكر فيها الباحث أسرى بدر، والإذن لبعض المنافقين بالتخلف عن الغزو، واستغفاره - ﷺ - للمنافقين، وإعراضه - ﷺ - عن الأعمى، وهذا الصنف ضد الباحث وليس له - وإنْ أشعر بأنَّ الرسول - ﷺ - كان يجتهد - لكنه يؤكِّدُ أنه - ﷺ - لا يقر على خطأ، وأنَّ قراراته وأحكامه - ﷺ - كانت تحت المراقبة والتوجيه.\n\nالصنف الثالث: أمور يَدَّعِي فيها الباحث أن الرسول - ﷺ - اجتهد فيها، فأخطأ، وبقي الخطأ حتى اليوم. ومَثَّلَ الباحث لها بحديث الذباب، وشغل به نحو عشرين صفحة، وكان مما قال صفحة «١١٠»: «إنَّ حديث الذباب وغيره","vol":"1","page":52},{"text":"من الأحاديث التي وردت في شؤون الطب إنما هي من الأمور الدنيوية العلمية التي لم يبعث الرسول لبيانها وتبلغيها للناس، وإنما كانت مجرد معارف دنيوية متناقلة، إما عن تجربة لهم، وإما عن أقوال عرفوها عمَّن قيل عنهم في ذلك الزمن: إنهم أطباء ... وليس شيء من ذلك عن وحي من الله».\n\nوفي صفحة «١١٣» يقول: «فحتى لو سلَّمنا أنَّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، فكيف يتغاضى الوحي من الله - وهو العليم الخبير - عما يحمله بقية جسمها من أمراض خطيرة؟».\n\nونحن نقول له: إذا كان الرسول - ﷺ - قد قال ذلك باجتهاده، وأخطأ، وأوقع المسلمين في خطر، فكيف يتغاضى الوحي - وهو العليم الخبير - عن إضرار محمد - ﷺ - بالأُمَّة إلى الأبد؟.\n\nوفي صفحة «١١٤» يقول: «وإذا كان الله - كما نعتقد جازمين - لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكيف يوحى للرسول بغمسها كلها بما يحمله جسمها من جراثيم ضارة بالإنسان أضرارًا بليغة متعدِّدَة، وهو سبحانه لا يريد إلاَّ الخير لعباده؟ هل يعقل أنَّ الطب اكتشف من أخطار الذبابة ما لم يعلمه الله؟ وهل يعقل أنَّ الله يعلم هذه الأخطار، ثم يأمر الإنسان - على لسان الرسول - بجلبها إليه بهذا الغمس؟».\n\nونحن نقول له: وإذا كان الله - كما نعتقد جازمين - لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فكيف يترك","vol":"1","page":53},{"text":"الرسول - ﷺ - يأمر أمَّتَهُ بغمسها كلها؟ وقد أمرهم أن يطيعوه، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؟ (١).\n\nكيف يتركه يضر الأمَّة هذه الأضرار ثم يترك الرسول - ﷺ - يجلبها للناس أربعة عشر قرنا؟\n\nكيف لم يتغاض الله والوحي عن عبوس وجه أعمى لا يتأثر بهذا العبوس، فأنزل قرآنًا يُتلى؟ ويتغاضى عن إيقاع الأمَّة كلها في حرج؟\nأتعتقد أنَّ هذا يعقل؟\n\nإني أعتقد أنه تشريع من الله، وبالايحاء والإملاء وليس بالتقرير، وهو تشريع حكيم لا شك في ذلك. ولنفهم الحديث فهمًا علميًا صحيحًا.\nالحديث: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعَهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً، وَإِنَّهُ يَتَّقِى بِجَنَاحِهِ الَّذِى فِيهِ الدَّاءُ» (٢).\n\nحديث صحيح، يتكوَّنُ من فقرتين: فقرة الأمر والتوجيه: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعَهُ». وفقرة التعليل: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً، وَإِنَّهُ يَتَّقِى بِجَنَاحِهِ الَّذِى فِيهِ الدَّاءُ».\n\nأما الفقرة الأولى فهي لم تأمر بطرح ذبابة واحدة في الإناء، وإنما تعالج حالة إذا وقعت لا حيلة للمرء في دفعها، «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ». أي رغمًا عنكم، ولم يكن لكم حيلة في\n_________\n(١) [النساء: ٨٠].\n(٢) رواه البخاري.","vol":"1","page":54},{"text":"دفعه، والأمر بالغمس أمر إرشاد، كقولنا: إذا أعجبك الطعام فَكُلْ، أمر يَكِلُ للمأمور حريته واختياره، لا أمر إيجاب يأثم تاركه، إذْ لم يقل بذلك أحد.\n\nإنَّ محاربة الذباب أمر مُسَلَّمٌ وبدهي ومشروع، ولكن بعض الذباب - كما لا يخفى - يتحصَّنُ بالمُبِيدات ويتعوَّدُ عليها فلا يتأثَّرُ بها، وبعض الأماكن لا يصلح فيها رش المُبيدات، فهناك فقراء في خيام أو عِشش، ولاجئون في عراء، لا يضعون طعامًا أو شرابًا حتى يشاركهم فيه الذباب، والذباب من طبيعته العناد، كلما ذُبَّ وطُرِدَ عاد. فكان لا بُدَّ من تشريع لحالة قائمة. «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعَهُ»، ولم يتعرَّض الحديث للأكل أو الشرب من الإناء الذي وقع فيه الذباب، بل ترك الأمر للآكل والشارب، إنْ شاء ورغب وقَبِلَ أكل أو شرب، وإنْ شاء أراق ما في الإناء، وإنْ شاء أبقاه وانتفع به في غير أكل أو شرب، كل ما يفيده الحديث رفع الحظر، والحُكم للسائل الذي وقع فيه الذباب بالطهارة والحل.\nأما مسألة التقزُّز أو القبول فهذا أمر آخر، فقد تتقزَّزُ نفس من طعام هو أطيب عند نفس أخرى، وقد تقبل نفس على ما تنفر منه نفس أخرى، وهذا مشاهد وكثير في أطعمتنا وأشربتنا، وقد قرأنا أنَّ الضبَّ أُكل على مائدة رسول الله - ﷺ - فلم تقبله نفسُهُ، فقيل له: أحرام هو؟ قال: «لاَ وَلَكِنْ لَيْسَ بِأَرْضِ قَوْمِي فَنَفْسِي تَعَافُهُ» (١).\n\nوأذكر أنني في عام ١٩٥٣ وفي إحدى مدن (نَجْد)","vol":"1","page":55},{"text":"بالسعودية دُعِيتُ إلى عشاء في حفل كبير مع بعض القوم، فلم أجد أمامي سوى كومة من الجراد المسلوق، فلم أستطع أنْ أمدَّ يدي، بل لم أستطع الإمساك بأمعائي التي ثارت ونفرت، والقوم يلتهمون بشغف وحماس، فقيل لي: ألم يقل رسول الله - ﷺ - «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبْدُ وَالطِّحَالُ» (١)؟ قلتُ: بلى. ولكنه ليس بأرض قومي فنفسي تعافه.\n\nوما لنا نذهب بعيدًا فكثيرًا ما نرى الذباب يعق على طعامنا وحلواننا، فنذبُّهُ ونطرده بعيدًا، ثم نأكل، ولا فرق بين وقوع الذباب على التمر وبين وقوعه على سائل، ما دامت الأمراض والقاذورات في رجليه.\n\nبل أقرب من هذا وذاك نرى أهلينا بالريف - وقد عشنا بينهم - يأكلون «المش القديم» يغمسون اللقمة بصعوبة بين الديدان المتحرِّكة، ثم يأكلون بشهية عظيمة، وما دود المش إلاَّ يرقات ذباب.\n\nهذا بين يدي الآن كتاب بعنوان \" الآفات الزراعية الحشرية والحيوانية \" للدكتور محمد محمود حسني، أستاذ الحشرات بكلية الزراعة جامعة عين شمس وآخرين، يقول فيه: «إنَّ ذبابة الجبن توجد بكثرة أثناء الصيف في المطابخ ومخازن البقالة، وتضع الأنثى (٥٠) خمسين بيضة على مواد الطعام أو على الأغطية التي تغطى بها الأوعية التي تحتوي على المواد الغذائية، يفقس البيض بعد يوم واحد في الصيف وثلاثة أيام في الشتاء». اهـ.\n_________\n(١) رواه أحمد والدارقطني.","vol":"1","page":56},{"text":"فما أكثر ما نأكل من الأطعمة التي وقف عليها كل يوم من حيث لا ندري، أو من حيث ندري ونكتفي بطرده، فالتأفف والتقزُّزُ أو القبول يرتبط بالعادة والإلف.\n\nوإذا كانت تلك حالنا في حضارتنا ومستوانا ومدنيتنا فكيف حال أهلنا في الريف؟ وما يفعل الفقراء واللاجئون في الصحراء والخيام؟\n\nهبْ أنَّ الحديث أمر بإراقة الطعام والشراب إذا وقع فيه الذباب، وهُمْ لا يملكون إلاَّ كوبًا واحدًا من اللبن في اليوم، يقع فيه الذباب؟ أيموتُون جوعًا وعطشًا؟\nثم لنفرض أنَّ مسلمًا يملك غير الكوب وغير الشراب، لكنه لا يستطيع محاربة الذباب، ولا منعه من أي كوب، ولا عن أي شراب، بماذا تنصحه؟\n\nليست صورة خيالية أو نادرة، بل واقعية وكثيرة، وقد عِشتُها عامين كاملين في (نَجْد) بالسعودية حين كنتُ مُعارًا سنة ١٩٥٣، فكنا لا نستطيع أنْ نأكل طعامًا أو نشرب شرابًا في ضوء النهار بسبب الذباب الذي يقاتلنا، نعم يقاتلنا بما تحمل العبارة من معان، لقد كنا - بدون مبالغة - نضع فمنا على فم الكوب نغلقه فيما عدا مكان الشفاه، فيهاجم الكوب من كل مكان الشفاه ومع الشفاه، ولم يكن يؤثِّرُ فيه أي مُبيد حشري.\n\nفهل التشريع السمح الذي يرفع الحرج والضيق عن الناس يوصف بالجهل والخطأ يقابل بالرفض والرد والتكذيب؟\nأم يوصف بالحكمة والسماحة والإحسان!!!؟","vol":"1","page":57},{"text":"إنَّ الذي شرع لنا واباح شرب ما وقعت فيه الذبابة هو خالقنا وخالق الذبابة، وقد جنَّدَ في أجسامنا جيشًا بل جيوشًا من جنوده لمقاومة ما خلق من حولنا من جراثيم، ليس لمقاومة جراثيم الذباب فحسب، بل لمقاومة ملايين الجراثيم التي تدخل الجسم يوميًا عن طريق المأكولات والمشروبات والملموسات، وحتى عن طريق الهوء الذي نعيش فيه.\nفلنأخذ حذرنا ثم نتوكل عليه، فكم من محافظ مدقق حذر أتى من مأمنه، وكم من مُتوكِّلٍ حماهُ الله.\n\nأما الفقرة الثانية من الحديث: «فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً، وَإِنَّهُ يَتَّقِى بِجَنَاحِهِ الَّذِى فِيهِ الدَّاءُ» فهي ليست مجرد معارف دنيوية متناقلة كما يقول الباحث، إذ لم نسمع في طب العرب والعجم هذا التقرير، ولم نسمع به على لسان أحد قبل محمد - ﷺ -، والاحتمالات العقلية لهذا الحُكم أربعة:\nإما أنَّ الله أوحى به إلى محمد - ﷺ - وهو سبحانه خالق الداء والدواء جميعًا، وهذاهو الأمر المُسَلَّمُ المقبول.\nوإما أنَّ محمدًا - ﷺ - قاله عن خبرة واجتهاد، وهذا مستحيل؛ لأنَّ معرفته تحتاج إلى مجهر ومُكبِّرٍ ومعامل وأبحاث وخبرة وأجهزة دقيقة جدًا لم تكن خلقت بعد.\nوإما أنْ يكون محمدًا - ﷺ - ألقى هذا القول دون علم، ودون تحسب للمسؤولية كما يفعل الغافل الذي يقول ما لا يَعِي، وحاشاهُ، فقد أوتِيَ الحكمة - ﷺ - ويعلم أنه مُطاع.\nوإما أنْ يكون قد تعمَّدَ الكذب والاختلاق، وحينئذٍ يكون","vol":"1","page":58},{"text":"كذبه واختلاقه على الله؛ لأنَّ الصحابة والأمَّة في أربعة عشر قرنًا تحمله على أنه من الله. وحاشاهُ - ﷺ - أنْ يكذب على الله.\n\nفتعيًّنَ أنْ يكون هذا القول وحيًا من الله، ووجب علينا بحُكم الإيمان أنْ نُصَدِّقَهُ، فقد صدَّقْنَاهُ فيما هو أبعد من ذلك.\nصدَّقناه في خبر السماء.\nفإنْ وصل الطب والعلم إلى هذه الحقيقة - كما قرَّرَ بعض أطبائنا المسلمين - فبِهَا ونِعْمَتْ، وصَدَقَ اللهُ ورسُولُهُ، وإنْ لم يصل فهو ما زال يحبو، وصَدَقَ اللهُ ورسُولُهُ برغم عدم وصوله، وسيصل إنْ شاء اللهُ، لتخرس ألْسِنَةُ تجرَّأتْ على رسول الله - ﷺ -.\n\nإنَّ الباحث لم يَرُدَّ الحديث ابتداءً، ولم يقبل الشك في الإسناد، ونزَّهَ الرُواة عن الكذب، ونزَّهَ البخاري عن الخطأ، فهو يقول صفحة «١٠٢»: «ونرى من هذا أنَّ الحديث توافرت له الشروط الخاصة بصحة الإسناد أو الرواية عند البخاري الموثوق به وبصحة ما يرويه، حتى ليصعب القول من ناحية الشكل بأنَّ هذا لم يصدر عن رسول الله - ﷺ -، فلا طعن على الحديث من ناحية الرواية والإسند» ويقول في صفحة «١١٦»: «ولن نمس بذلك روايات البخاري وصحّضتها، فالبخاري وغيره مِمَّنْ رَوَوْا هذا الحديث بسند صحيح لا مطعن فيه، ونقلوا إلينا نقلًا صحيحًا ما صدر عن الرسول، وأدُّوا بذلك الأمانة التي التزموا بها، ولا كلام لأحد في هذا».","vol":"1","page":59},{"text":"نعم لم يَرُدَّ الباحث الحديث، ولم يقبل ردًَّهُ عن طريق الشك في الإسناد، بل نزَّهَ الرُواة عن الخطأ، ولم يقبل أنْ يُؤَوَّلَ الحديث ويوجِّهه ببعض التوجيهات التي وجهه بها بعض العلماء، ولم يقبل أنْ يجعل الحديث من التشابه الذي لم يصل إليه علمه فيتوقَّف، ما دام الرسول - ﷺ - قد نطق به.\nولكنه اختار أنْ يقصر الاتهام والخطأ على الرسول - ﷺ -.\n\nيقول صفحة «٦٧»: «لكن أردتُ أنْ أقدِّم وجهة نظر، ربما لم يطرقها أحد حتى الآن، على قدر إطلاعي، وربما نقض هذاالاشتباك المستمر كما أرجو».\n\nووجهة نظره التي لم يطرقها أحد حتى الآن هي أنَّ الخطأ من الرسول - ﷺ -.\n\nيقول صفحة «١١٧»: «إنَّ ما قاله الرسول هو من الأمور الدنيوية التي يجوز أنْ يُبدي الرسول فيها رأيًا ويظهر الصواب في خلافه».\n\nوفي صفحة «١١٤» يقول: «ولا نقول خطأ تأدُّبًا مع مقام الرسول، ولكنا نقول: يظهر أنّض الأمر على خلافه، إنَّ حساسيتنا المفرطة الآن هي التي تجعل هذا الذي قرَّرْناهُ \" يقف في زورنا \" (*) ويستثقل بعضنا النطق به، وإنْ كان هو الحقيقة والحقيقة تكون مرة أحيانًا».\n\nالصنف الرابع: حوادث ثلاث للصحابة يتوهَّمُ الباحث منها أنهم خالفوا حُكم رسول الله - ﷺ -، وأهملوا حديثه، ولم\n_________\n(*) تعبير من تعابير العوام بمصر يجعلونه كناية عن (الأمر غير المقبول)، مجلة الأزهر.","vol":"1","page":60},{"text":"يعملوا به، وقصده من ذلك أنَّ له سوابق في مخالفة الرسول - ﷺ - وردَّ أحاديثه، فإذا ردَّ على حديث أو لم يعمل به ردَّ الباحث أحاديث المعاملات ولم يعمل بها. وقد ذكر الباحث ثلاث حوادث.\n\nالحادثة الأولى: ذكر صفحة «٤٨» قول عائشة - ﵂ -: «لو علم الرسول ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل» (١)، يستدل به على مخالفة عائشة لقول رسول الله - ﷺ -: «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ إِذَا اسْتَأْذَتَّكُمْ» (٢).\n\nوتحقيق المسألة أنَّ خروج النساء إلى المساجد لم يكن واجبًا في وقت من الأوقات، وإنما أذن لهُنَّ ورخَّص لهُنَّ فيه على أنه خلاف الأولى، فقد جاءت إحدى الصحابيات تقول لرسول الله - ﷺ -: إني أحب الصلاة معك. قال: «قَدْ عَلِمْتُ: وَصَلاَتُكِ فِى حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِى دَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاَتُكِ فِى مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِى مَسْجِدِ الجَمَاعَةِ» (٣).\n\nثم إنَّ الترخيص لهُنَّ كان مشروطًا بشروط أهمها: أنْ يخرُجْنَ تفلات غير متزيِّنات وغير متطيِّبات وأنْ يكون هناك أمن من الفتنة منهُنَّ وعليهِنَّ، فكان الرسول - ﷺ - قال: «ائْذَنُوا لَهُنَّ» إذا التزمن بالشروط وامنعوهُنَّ إذا لم يلتزمن، فلو أنَّ عائشة - ﵂ - منعت غير الملتزمات لكانت مطبقة للحديث منفِّذة له، وليست مخالفة له، ومع ذلك لم تمنع عائشة خروج النساء، وما زال حُكم خروج النساء إلى\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) رواه البخاري.\n(٣) رواه أحمد والطبراني.","vol":"1","page":61},{"text":"المساجد مُرَخِّصًا به إلى اليوم بشرط إِذْنِ الزوج والأمن من الفتنة والالتزام بحدود الشريعة، وكان بعض الصحابة يأذنون لأزواجهم بالخروج إلى المساجد، وبعضهم لا يأذنون، كل يقدِّرُ الظروف والأخطار، وقد فهموا أنَّ الأمر لرفع الحظر والإرشاد وليس للوجوب، فالذي يأذن بشروطه لا يكون مخالفًا، والذي لا يأذن لفقد الشروط لا يكون مخالفًا.\n\nالحادثة الثانية: التقاط ضالة الإبل، وحديث البخاري: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ السَائِلُ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: «دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا وَحِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».\n\nشرَّعَ اللهُ اللُّقَطَة، أي التقاط الأشياء الشائعة من أصحابها، وحفظها، والتعريف عنها، فإنْ جاء صاحبها أحدها، وإلاَّ تملكها الملتقِط، فحكمة المشروعية الحفاظ على الأموال الضائعة من أنْ تهلك أو تمتد إليها يد العُصاة واللصوص تركت في مكانها حتى ترجع إليها صاحبها حين يفتقدها ويبحث عنها.\n\nهذه هي القاعدة الشرعية التي طبقها رسول الله - ﷺ - حين سئل عن الغنم الضالة يجدها المسلم، أيلتقطها أم يتركها؟ قال له: التقطها: لأنك إنْ لم تفعل التقطها أخ مثلك، أو أكلها ذئب «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ».","vol":"1","page":62},{"text":"وسئل عن الإبل الضالة يجدها المسلم. أيلتقطها أم يتركها؟ وكانت الإبل في تلك الأيام آمنة مأمونة، لا يقدر عليها الذئب، وهي قادرة على المشي الطويل دون تعب، فقد وهبها الله خُفًا لا يغوص في الرمال، حتى سميت سفينة الصحراء، وهي صابرة على العطش حتى تجد الماء، وهي ترعى العشب الصغير وفروع الشجر العالي، والناس أمناء، لا يمد أحدهم يده على مال غيره، أمام هذه الظروف قال له: «دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا وَحِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا صَاحِبها».\n\nوالحديث واضح في أنَّ الفرق بين الغنم وبين الإبل عدم الأمن على الأولى، والأمن على الثانية، والتعليل صريح لكل من النوعين، ويقول العلماء: إنَّ الحكم المُعلَّلَ بعلة يتغيَّرُ إذا تغيَّرَتْ العلة، فإذا قلتُ لابني: التحف: لأنَّ الجو بارد، فالتَحَفَ في الجو البارد، ثم لم يلتَفَّ في الصيف في شدَّة الحرارة لا يقال: إنه خالف الأمر؛ لأنَّ معنى الأمر التحف إذا كان الجو باردًا ولا تلتحف إذا كان الجو حارًا، فهو منفذ للفظ الأمر في الحالة الأولى، إذ لو سألتني: هل أمره بالالتحاف في الحر؟ لقلت: لا؟\n\nهذا الذي حصل بالنسبة للحديث. معناه: لا تلتقط الإبل الضالة ما دمت آمنة، ومفهومه، التقطها إذا كانت غير آمنة أو غير مأمونة، ولو سئل رسول الله - ﷺ -: أنتركها إذا تعرَّضت للهلاك؟ لقال: لا. بل التقطها حينئذ، وعمل المسلمون بلفظ الحديث زمن الرسول - ﷺ - وزمن أبي بكر","vol":"1","page":63},{"text":"وعمر، فلما كان عثمان - ﵁ - تغيَّر حال المدينة، والباحث نفسه يعترف بذلك فيقول صفحة «٥٠»: «حتى جاء عهد عثمان - ﵁ - وحال المدينة والصحراء حولها والطرق إليها قد تغيَّرت، ولم تعد شبه منعزلة، وتغيَّر حال الأمن الذي كان من قبل، بوجود الأغراب النازحين القادمين للمدينة الذين يجوبون الصحراء منها وإليها، حينئذ رأى عثمان تغيُّرَ الحال، وأنَّ الجِمالَ التي كانت آمنة من قبل، وترعى الصحراء أصبحت معرَّضة للخطر، يمكن لأي غريب راجع لبلده من المدينة مثلًا أنْ يسُوقها أمامه، ويبيعها في بلد آخر، في الشام أو العراق أو مصر، ولذلك رأى الخليفة - ﵁ - ووافقه عَلِيٌّ - ﵁ - التقطها حفظًا لها ولمال صاحبها».\n\nالباحث يرى أنَّ عثمان - ﵁ - وعليًّا - ﵁ - خالفا رسول الله - ﷺ -، وأهملا حديثه، فيستبيح هو لنفسه تبعًا لذلك أنْ يخالفه - ﷺ - في البيع والشراء وبقية المعاملات، ولا يأخذ بحديثه. والحق أنهما عملا بمفهوم حديث رسول الله - ﷺ -، ولم يخالفاه، ولو سئل رسول الله - ﷺ - أهما خالفاك؟ لقال: لا. ولو اشتم أحد الصحابة أنهما خالفا بعملهما هذا حديث رسول الله - ﷺ - لقامت الدنيا وقعدت، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث، لأنَّ الكل يفهم أنَّ المخالفة تحصل لو كانت آمنة، ثم سمح بالتقاطها.","vol":"1","page":64},{"text":"الحادثة الثالثة شبيهة بالثانية: إلى حد كبير، وهي تضمين الصناع، على معنى أنَّ الصانع الذي يأخذ القماش مثلًا لتصنيعه إذا تلف عنده، هل يضمن؟ أو لا يضمن؟\nالحديث يقول: «لاَ ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» (١) وهو حديث ضعيف الإسناد، لم يأخذ به بعض الأئمة الفقهاء، وأخذ به بعضهم، ثم إنَّ المؤتمن هو الذي يأتمنه الناس، ويشتهر بينهم بالأمانة، وظل الناس أمناء مؤتمنين في عهد الرسول - ﷺ - وعهد أبي بكر وعمر وعثمان، حتى إذا كان عهد عليٍّ - ﵁ - ظهر خراب الذمم، وأصبحوا - كما هو الحال في بعض البلاد اليوم - يفتعلون حريقًا أو كسر باب، ويدَّعُون التلف أو السرقة، وهم في الحقيقة لصوص، فقضى عليٌّ - ﵁ - بتضمين الصناع الذين يتهمون، وبعدم تضمين من أقام الدليل على أنه ضاع أو هلك رغمًا عنه.\n\nعجبٌ أنْ يقال: إنَّ عليًَا - ﵁ - بهذا خالف حديث رسول الله - ﷺ -.\n\nالحديث على فرض صحته لم يقل: «لا ضمان على الصناع» وإنما قال: «لاَ ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» وعليٌّ - ﵁ - لم يضمن الأمين المؤتمن، فكيف يقال: إنه حكم باجتهاده حكمًا يغاير ما حكم به الرسول - ﷺ -؟\nوما الهدف من هذا الاستنباط الغريب؟\nهو أنْ يستبيح الباحث لنفسه أنْ يجتهد ويخالف أوامر رسول الله - ﷺ - في المعاملات كلها بحيث لا يلتزم إلاَّ بما جاء في القرآن الكريم.\n_________\n(١) رواه البيهقي والدارقطني بسند ضعيف.","vol":"1","page":65},{"text":"الصنف الخامس: ادعاؤه أنَّ التابعين خالفوا حديث الرسول - ﷺ - وعملوا باجتهادهم في التسعير.\n\nوالحديث: طُلب من رسول الله - ﷺ - أنْ يُسَعِّرَ، فقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ وَإِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِى بِمَظْلَمَةٍ فِى دَمٍ وَلاَ مَالٍ» (١).\n\nمن الواضح أنَّ رسول الله - ﷺ - لم ينه عن التسعير، وإنما لم يفعله احتياطًا وعملًا بالأَوْلَى والأفضل، وكثيرًا ما كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك، يترفع عما يتوهَّمُ منه شبهة ظلم، لهذا لم يضرب بيده - ﷺ - امرأة ولا صبيًا ولا خادمًا مهما استدعى الأمر التأديب، مع أنَّ الضرب للتأديب جائز، وهذا ما فهمه بعض العلماء من حيث التسعير، فأجازه بعضهم، ومنعه بعضهم.\nفهل الاجتهاد في فهم الحديث التزام به؟ أو طرح له ومخالفة؟\nلا نقاش لأنه التزام به.\n\nإنَّ الباحث يتلمس ويجهد نفسه، ليضع يده على مخالفة للرسول - ﷺ - تبيح له - أو يستبيح بها - ألاَّ يكون أول المخالفين.\n\nوالغربي أنه لا يعتَدُّ بأقوال الصحابة والتابعين إلاَّ فيما يوهم ظاهره المخالفة، كما سبق، أما ما عدا ذلك فلا؛ فيقول في صفحة «٥٧»: «وإذا كنا نقول هذا من أقوال الرسول الاجتهادية - أي لا نلتزم بها - فمن باب أولى نقوله بالنسبة\n_________\n(١) رواه ابن ماجه والترمذي.","vol":"1","page":66},{"text":"لأقوال الصحابة والتابعين والأئمة ومن جاء بعدهم من فقهاء المذاهب».\n\nالصنف السادس: معاملات ثلاث يتوهَّمُ منها الباحث أنَّ الرسول - ﷺ - اجتهد فيها، ولم يحصن بوحي، لا قبل الاجتهاد ولا بعده، هي: القراض، وبيع العرايا، والسَلَم. فيقول عن القراض صفحة «٣٧»: «فالقراض والمضاربة مثلًا كان نظامًا معمولًا به في الجاهلية، وظل حتى وجده الرسول في المدينة، ونظر إليه على ضوء المصلحة والقواعد العامة، فتركه كما هو يتعامل الناس به دون حرج، وهو موجود في كتب الفقه الآن على الأسس التي كان عليها في الجاهلية على اعتبار أنَّ الرسول قد أقرّهُ».\n\nولست أرى ضيرًا في هذا، فبعض المعاملات الصالحة التي كانت في الجاهلية أقرَّها الإسلام، وصارت تشريعًا إسلاميًا سماويًا بعد إقرارها، حتى في العبادات، فقد أقرَّ السعي بين الصفا والمروة ومعظم شعائر الحج، وكانت منذ زمن إبراهيم - عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَلاَةِ وَالسَّلاَمُ -. وإقرار الرسول - ﷺ - لها إقرار من الله تعالى، ولا يستطيع إنسان مسلم أنْ يجزم بأنَّ محمدًا - ﷺ - لم يوح إليه بإقرارها قبل إقراره لها؛ لأنَّ ذلك لا يعرف إلاَّ عن طريقه هو - ﷺ -، كأن يقول: ليس وحيًا وإنما هو الرأي، كما قال في منزل الجيش ببدر، لكنه لم يقل، ثم لنفرض أنه - ﷺ - أقرَّ هذه المعاملة أو غيرها عن اجتهاد. فما هو شرع الله فيها؟ من غير المعقول ومن غير المقبول شرعًا ألاَّ يكون الله حكم فيها، إذن حُكم الله إما موافق لما حكم به محمد - ﷺ - فالحكم في النهاية لله، وإما","vol":"1","page":67},{"text":"مخالف لما حكم به محمد - ﷺ - وتنازل الله عن حكمه الذي يرضاه وأقرَّ حكم محمد - ﷺ - وهذا غير معقول ولا مقبول عند المسلمين.\n\nوبعبارة أخرى:\nأحلال العمل بالقراض، فلا عقاب عليه؟\nأم حرام يعاقب عليه يوم القيامة؟ وإذا دخل في الحل أو الحرمة فهو حكم الله.\n\nأما بيع العرايا فيقول الباحث في صفحة «٤٠»: «وجدهم رسول الله - ﷺ - يبيعون الرطب على النخل بتمر جاف، فسألهم: هل ينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: لا تبيعوا. ثم اشتكوا من هذا المنع، لما فيه من التضييق عليهم، واستمع الرسول إلى وجهة نظرهم، فغيَّر رأيه، وأجازه للتيسير عليهم، على أن يقدر الرطب بما يصير إليه من تمر بعد جفافه، وجاء في \" صحيح البُخاري \" «رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ...» أترى لو أنَّ الوحي مع الرسول أكان يحصل مثل هذا من المراجعة والشكوى التي تنتهي بجواز هذا البيع بعد أنْ نهى عنه رسول الله - ﷺ - أولًا؟ أظن لا يمكن».\n\nنقول له: بل تأكَّدْ أنه ممكن وواقع، وأمثاله كثيرة في الشريعة الإسلامية.\nأَلَمْ ينْهَ الله تعالى عن مناجاة الرسول - ﷺ - إلا بعد أنْ يقدموا بين يدي نجواهم صدقة؟ ثم خفَّفَ لما أعلنوا المشقة في ذلك، فغيَّر الحكم بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ...﴾ (١) الآية.\nما الفرق؟\n_________\n(١) [المجادلة: ١٣].","vol":"1","page":68},{"text":"مراجعة وشكوى انتهت بجواز المناجاة بدون صدقة، ومراجعة وشكوى انتهت بجواز بيع العرايا، والمهم كما قلنا ونقول: أين شرع الله في بيع العرايا؟\n\nأحلال عند الله لا يعاقب فاعله يوم القيامة؟\nأم حرام يعاقب عليه يوم القيامة وخالف فيه الرسول - ﷺ - حُكم الله؟\n\nأما السَلَم فقد ذكره صفحة «٤٤» بقوله: «وترى من هذا الحديث الصحيح أنَّ الرسول قد أقرَّ ما وجدهم يتبايعون به من بيع التمر قبل بدو صلاحه، أقرَّ ما كانوا بتعاملون به، ويحقِّقُون به مصالحهم، وذلك باجتهاد منه».\nمن أين عرف الباحث أنه باجتهاد؟ لا أدري.\n«ثم لما وجد أنَّ هذا البيع قد أحدث نزاعًا أحيانًا أشار عليهم بألاَّ يبيعوا حتى يظهر صلاح الثمر، ولو كان موقف الرسول من أوله بوحي يوجهه لقال الوحي من أول الأمر بما انتهى إليه من عدم البيع قبل ظهور صلاح الثمار؛ لأنَّ الله يعلم ما لا يعلمه الرسول».\n\nثم يصل إلى هدفه، فيقول صفحة «٤٦»: «فما دام الرسول كان يجتهد، وعلم ذلك منه أصحابه، وما دام اجتهاده كان قائمًا على القواعد الموجودة الآن، وهادفًا إلى تحقيق المصلحة التي يراها في واقع الناس حوله، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات في زمنه على ضوء الظروف التي كانت سائدة في أيامه ... أفلا يجوز لمن يأتي بعده من أيام الصحابة وحتى الآن أنْ يُدْلِي في الموضوع","vol":"1","page":69},{"text":"باجتهاده أيضًا؟ ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرَّرَهُ الرسول باجتهاده؟».\n\nفالنتيجة التي وصل إليها الباحث باختصار أنَّ تشريع القراض وبيع العرايا والسلم كان مبنيًا على اجتهاد منه - ﷺ - وما دام كان يجتهد فلنا كذلك أنْ نجتهد ونخالفه، لا أحد خير من أحد، ولا اجتهاد أولى من اجتهاد. هذه نتيجته.\n\nونعيد إلى الأذهان أنَّ القول باجتهاد النبي - ﷺ - في ذلك مجرَّد افتراض، ومجرَّد احتمال من اثنين، ولا يصح علميًّا أنْ يبني عليه بناء، بل هو احتمال مرجوح، والراجح أنَّ هذا التشريع كان بوحي من الله تعالى؛ لأنَّ معرفة مصالح العباد على التحقيق لا يعلمها الرسول - ﷺ -، وعلمها عند الله.\n\nومن غير المعقول عقلًا ولا شرعًا أنْ يرى الله ويسمع ما يُقرِّرُهُ محمد - ﷺ - ولا يكون له - جَلَّ شَأْنُهُ - الموحى بالقرار الثاني، وقد أكثر العلماء القول في توجيه أمثال ذلك عند كلامهم على حكمة التدرُّج في التشريع، وقد ضربت مثلًا بتقديم الصدقة عند مناجاة الرسول - ﷺ -، ومثلها تحريم الخمر، فهل يقال فيهما: لو كان وحيًا لجاء من أول الأمر بما انتهى إليه؟\n\nأما المراجعة والشكوى التي غيَّرَتْ القرار الأول إلى القرار الثاني فهي كذلك ليست دليلًا على أنَّ الحكم الأول كان باجتهاده، فقد حصل منه في الوحي المتلوِّ في القرآن الكريم.\n\nلقد كان صوم شهر رمضان يبدأ في الليل من بعد صلاة","vol":"1","page":70},{"text":"العشاء، وليس للمسلمين أن يأكلوا أو يباشروا ما بين العشاء والفجر، فكانت فترة الفطور المباحة قصيرة، من المغرب حتى العشاء، وكان في ذلك حرج شديد وشكوى وتململ، فأنزل الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١).\n\nفهل يقال فيه: لو كان وحيًا لجاء من أول الأمر بما انتهى إليه؟\nأو يقال فيه: ما دام القرار الأول قد أحدث ضيقًا وحرجًا وشكوى فمجيء القرار الثاني دليل على أنه ليس وحيا؟ وإنما هو رأي لمحمد - ﷺ -، اجتهد أولًا فقرَّر، فلما سمع الشكوى اجتهد ثانيًا فغيَّر للتيسير عليهم؟\nماذا يقول الباحث في هذه الأمثلة القرآنية الصريحة في أنَّ التعديل الناتج عن الضيق لا يدل على أنَّ القرار كان بالاجتهاد؟\nألا يسلم بأنَّ دعواه أنَّ هذه القرارات كانت باجتهاد دعوى مرجوحة، ولا دليل عليها؟ فما يبنى عليها باطل؛ لأنه بناء على غير ثابت؟\nثم لنفرض أنَّ القرار الأول والثاني مراعاة للمصالح، واجتهاد من الرسول - ﷺ -، هل يبيح هذا للباحث أنْ يجتهد ويُشرِّع نقيضه؟\n_________\n(١) [البقرة: ١٨٧].","vol":"1","page":71},{"text":"أعجب لذلك ويعجب المسلمون، لفرق بديهي، هو أنَّ جبريل كان ينزل بعد اجتهاد محمد - ﷺ -، فلو لم يكن ما قرَّرهُ محمد - ﷺ - حُكم الله لَعَدَّلَهُ، فحيث لم يُعَدِّلْهُ أصبح اجتهاده تشريعًا من الله، ثم إنَّ الله تعالى أمرنا بطاعة محمد - ﷺ - والأخذ عنه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١).\n\nوليس كذلك الباحث.\nوهكذا وصل الباحث برسول الله - ﷺ - حدًّا لا يقبله لنفسه، وصل إلى:\n١ - محمد - ﷺ - يجتهد ويخطئ.\n٢ - محمد - ﷺ - يردُّهُ من حوله من أصحابه، ويُصَحِّحُون له الخطأ.\n٣ - محمد - ﷺ - يتَّخِذُ القرار، ويرجع عنه قبل أنْ يجِفَّ مدادُهُ.\n٤ - محمد - ﷺ - يخالفه الصحابة، ويتَّخذُون قرارات مناقضة لقراره، ويضربون بأحكامه عرض الحائط.\n٥ - محمد - ﷺ - يخالفه التابعون، ويُقرِّرُون ما رفض أنْ قرَّرَهُ.\n٦ - محمد - ﷺ - يجوز لنا أن نجتهد كما اجتهد، ولو أدَّى اجتهادنا إلى غير ما قرَّرَهُ.\nهكذا؟\nفماذا أبقى لمحمد - ﷺ - من القدسية والرسالة؟\n\nإنَّ شبهة اجتهاد الرسول - ﷺ - هي التي انزلق منها الباحث\n_________\n(١) [الحشر: ٧].","vol":"1","page":72},{"text":"إلى أنَّ الرسول - ﷺ - لم يكن محروسًا بوحي في المعاملات، لا بوحي مباشر، ولا بوحي سكوتي، ولا بوحي إقراري، كما ذكر ذلك في كتابه في صفحة «٢٦» وهذه هي السقطة التي يُرَدِّدُها المُبَشِّرُون والمستشرقون وأعداء الإسلام.\n\nوالفرق أنهم يقولون: إنَّ محمدًا لم يكن محروسًا بوحي في جميع أقواله.\nوهذا يقول: لم يكن محروسًا بوحي في المعاملات.\n\nونتيجة ذلك أنَّ محمدًا - ﷺ - لم يكن رسولًا في المعاملات التي لم تَرِدْ في القرآن، ولم يكن مُبلِّغًا عن ربه في المعاملات التي لم ترد في القرآن، ولم يكن لجبريل - حين ينزل - شأن فيما قرَّرهُ محمد - ﷺ - لأمَّته في المعاملات التي لم تَرِدْ في القرآن، وبالتالي لا تكون طاعة محمد - ﷺ - في ذلك طاعة لله، ومخالفته في ذلك ليست مخالفة لله.\n\nنعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن وسوسة الشيطان الرجيم.\n\nقد يفهم الإنسان هدف من يبالغ في الاقتداء بمحمد - ﷺ - كما كان يفعل ابن عمر - ﵁ - حيث كان يتحرَّى المكان الذي أناخ فيه الناقة لينيخ فيه ناقته، قد يفهم الإنسان دافعه وهدفه، فدافعه فرط حب، وهدفه زيادة الأجر.\n\nأما الذي يدعو إلى عدم اتباعه - ﷺ - في نصف أقواله وأفعاله فمن الصعب أنْ نفهم دوافعه وأهدافه، لكننا نَكِلُهُ إلى الله وإلى نيَّته، فالحديث يقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ","vol":"1","page":73},{"text":"إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (١).\n\nقد أكون أطلتُ بعض الشيء، وعذري أنَّ (البحث) خطير، بل أخطر ما كتب عن السُنَّةِ حتى اليوم، وأخطر من كتابة المستشرقين والمُبَشِّرِينَ؛ لأنه مِمَّنْ ينتسب إلى العلماء المسلمين. وقد نُشر البحث وبيع للعامة، وهم في حاجة إلى بسط وإيضاح.\n\nوالله الهادي إلى سواء السبيل.\n\n﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (٢)\n\n﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) [آل عمران: ٨].\n(٣) [الفاتحة: ٦ - ٧].","vol":"1","page":74},{"text":"طبع بمطابع روز اليوسف","vol":"1","page":79}]}