{"ً":{"ٌ":9945,"ٍ":"بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار ط الرشد","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/بهجة قلوب الابرار وقرة عيون الاخيار - الدريني- ط الرشد","files":["64912.pdf"]},"ّ":"الكتاب: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار\nالمؤلف: أبو عبد الله، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي (ت ١٣٧٦هـ)\nالمحقق: عبد الكريم بن رسمي ال الدريني\nدار النشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى ١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م\nعدد الصفحات: ٢٢٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nملاحظات: راجعه وأعد فهرسته للشاملة (أبو أيوب السليمان)","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":128,"ٕ":7,"ٖ":1770154020,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":2},{"title":"الحديث الأول: النية والإخلاص.","level":1,"page":3},{"title":"الحديث الثاني: التحذير من البدع","level":1,"page":3},{"title":"الحديث الثالث: الدين النصيحة","level":1,"page":9},{"title":"الحديث الرابع: صفات أهل الجنة","level":1,"page":11},{"title":"الحديث الخامس: الاستقامة","level":1,"page":12},{"title":"الحديث السادس: صفة المسلم","level":1,"page":13},{"title":"الحديث السابع: صفات المنافق","level":1,"page":15},{"title":"الحديث الثامن: علاج الوسوسة في الإيمان","level":1,"page":17},{"title":"الحديث التاسع: الإيمان بالقدر","level":1,"page":19},{"title":"الحديث العاشر: الدعوة إلى الهدى","level":1,"page":21},{"title":"الحديث الحادي عشر: فضل التفقه في الدين","level":1,"page":22},{"title":"الحديث الثاني عشر: المؤمن القوي","level":1,"page":23},{"title":"الحديث الثالث عشر: المؤمن للمؤمن كالبنيان","level":1,"page":29},{"title":"الحديث الرابع عشر: السعي في الخير بين الناس","level":1,"page":31},{"title":"الحديث الخامس عشر: انزلوا الناس منازلهم","level":1,"page":33},{"title":"الحديث السادس عشر: الجزاء من جنس العمل","level":1,"page":36},{"title":"الحديث السابع عشر: التقوى","level":1,"page":39},{"title":"الحديث الثامن عشر: الظلم ظلمات","level":1,"page":42},{"title":"الحديث التاسع عشر: شكر النعم","level":1,"page":44},{"title":"الحديث العشرون: شرط صحة الصلاة.","level":1,"page":47},{"title":"الحديث الحادي والعشرون: عشر من الفطرة.","level":1,"page":49},{"title":"الحديث الثاني والعشرون: الماء طهور.","level":1,"page":52},{"title":"الحديث الثالث والعشرون: سؤر الهرة.","level":1,"page":54},{"title":"الحديث الرابع والعشرون: من مكفرات الذنوب.","level":1,"page":56},{"title":"الحديث الخامس والعشرون: صفة الصلاة.","level":1,"page":58},{"title":"الحديث السادس والعشرون: من خصائص النبي ﷺ.","level":1,"page":62},{"title":"الحديث السابع والعشرون: من وصايا النبي ﷺ.","level":1,"page":65},{"title":"الحديث الثامن والعشرون: الدين يسر.","level":1,"page":67},{"title":"الحديث التاسع والعشرون: حق المسلم على المسلم.","level":1,"page":71},{"title":"الحديث الثلاثون: أجر النية الصالحة.","level":1,"page":73},{"title":"الحديث الحادي والثلاثون: الحث على الإسراع بالجنازة.","level":1,"page":74},{"title":"الحديث الثاني والثلاثون: تحديد نصاب زكاة الحبوب والثمار.","level":1,"page":76},{"title":"الحديث الثالث والثلاثون: فضل الصبر والعفة.","level":1,"page":78},{"title":"الحديث الرابع والثلاثون: ما نقصت صدقة من مال.","level":1,"page":81},{"title":"الحديث الخامس والثلاثون: للصائم فرحتان","level":1,"page":83},{"title":"الحديث السادس والثلاثون: صفة الأولياء.","level":1,"page":87},{"title":"الحديث السابع والثلاثون: البيعان بالخيار.","level":1,"page":89},{"title":"الحديث الثامن والثلاثون: من البيوع المنهي عنها.","level":1,"page":91},{"title":"الحديث التاسع والثلاثون: أنواع الصلح وشروطه","level":1,"page":93},{"title":"الحديث الأربعون: المعاسرة في إعطاء الحق الواجب ظلم","level":1,"page":96},{"title":"الحديث الحادي والأربعون: على اليد ما أخذت حتى تؤديه.","level":1,"page":98},{"title":"الحديث الثاني والأربعون: أحكام الشفعة.","level":1,"page":100},{"title":"الحديث الثالث والأربعون: فضل الشركات وبركتها.","level":1,"page":102},{"title":"الحديث الرابع والأربعون: ما ينفع العبد بعد وفاته.","level":1,"page":103},{"title":"الحديث الخامس والأربعون: السبق في المباحات","level":1,"page":105},{"title":"الحديث السادس والأربعون: ألحقوا الفرائض بأهلها.","level":1,"page":106},{"title":"الحديث السابع والأربعون: لا وصية لوارث.","level":1,"page":107},{"title":"الحديث الثامن والأربعون: ثلاث حق على الله عونهم.","level":1,"page":109},{"title":"الحديث التاسع والأربعون: المحرمات من الرضاع.","level":1,"page":111},{"title":"الحديث الخمسون: حسن عشرة النساء.","level":1,"page":112},{"title":"الحديث الحادي والخمسون: ذم الحرص على الإمارة.","level":1,"page":114},{"title":"الحديث الثاني والخمسون: الوفاء بالنذر.","level":1,"page":117},{"title":"الحديث الثالث والخمسون: من صفات المسلمين.","level":1,"page":118},{"title":"الحديث الرابع والخمسون: من قوانين الطب في الإسلام.","level":1,"page":120},{"title":"الحديث الخامس والخمسون: درأ الحدود بالشبهات.","level":1,"page":121},{"title":"الحديث السادس والخمسون: لا طاعة إلا في المعروف.","level":1,"page":122},{"title":"الحديث السابع والخمسون: أجر المجتهد.","level":1,"page":123},{"title":"الحديث الثامن والخمسون: البينة على من ادعى.","level":1,"page":125},{"title":"الحديث التاسع والخمسون: صفة الشاهد العدل.","level":1,"page":127},{"title":"الحديث الستون: من آداب الذبح في الإسلام.","level":1,"page":129},{"title":"الحديث الحادي والستون: الإحسان في الذبح.","level":1,"page":131},{"title":"الحديث الثاني والستون: المحرمات من اللحوم","level":1,"page":134},{"title":"الحديث الثالث والستون: ذم التشبه بالنساء.","level":1,"page":135},{"title":"الحديث الرابع والستون: لكل داء دواء.","level":1,"page":137},{"title":"الحديث الخامس والستون: آداب الرؤيا.","level":1,"page":139},{"title":"الحديث السادس والستون: المحسن في إسلامه.","level":1,"page":142},{"title":"الحديث السابع والستون: تربية الأولاد وتأديبهم.","level":1,"page":144},{"title":"الحديث الثامن والستون: الجليس الصالح والجليس السوء.","level":1,"page":146},{"title":"الحديث التاسع والستون: احتراز المؤمن ويقظته.","level":1,"page":148},{"title":"الحديث السبعون: وصية نافعة.","level":1,"page":150},{"title":"الحديث الحادي والسبعون: ذم الغضب.","level":1,"page":153},{"title":"الحديث الثاني والسبعون: ذم الكبر.","level":1,"page":155},{"title":"الحديث الثالث والسبعون: القناعة.","level":1,"page":157},{"title":"الحديث الرابع والسبعون: وصية بليغة.","level":1,"page":158},{"title":"الحديث الخامس والسبعون: من أسباب النصر.","level":1,"page":160},{"title":"الحديث السادس والسبعون: كرم الله تعالى.","level":1,"page":162},{"title":"الحديث السابع والسبعون: النهي عن تمني الموت.","level":1,"page":165},{"title":"الحديث الثامن والسبعون: التحذير من فتنة الدنيا وفتنة النساء.","level":1,"page":167},{"title":"الحديث التاسع والسبعون: شعب الإيمان.","level":1,"page":169},{"title":"الحديث الثمانون: تكليم الله لعباده يوم القيامة.","level":1,"page":171},{"title":"الحديث الحادي والثمانون: النهي عن كثرة السؤال.","level":1,"page":173},{"title":"الحديث الثاني والثمانون: فضل الرحمة والرحماء.","level":1,"page":178},{"title":"الحديث الثالث والثمانون: فضل صلة الرحم.","level":1,"page":181},{"title":"الحديث الرابع والثمانون: المرء مع من أحب.","level":1,"page":183},{"title":"الحديث الخامس والثمانون: دعاء السفر.","level":1,"page":185},{"title":"الحديث السادس والثمانون: خذوا عني مناسككم.","level":1,"page":188},{"title":"الحديث السابع والثمانون: من فضائل سورة الإخلاص.","level":1,"page":191},{"title":"الحديث الثامن والثمانون: لا حسد إلا في اثنين.","level":1,"page":193},{"title":"الحديث التاسع والثمانون: من الأدعية الجامعة.","level":1,"page":195},{"title":"الحديث التسعون: الإيمان بالله واليوم الآخر.","level":1,"page":196},{"title":"الحديث الحادي والتسعون: من أوامر الله ونواهيه.","level":1,"page":197},{"title":"الحديث الثاني والتسعون: من آداب العشرة بين الزوجين.","level":1,"page":199},{"title":"الحديث الثالث والتسعون: من آداب القضاء.","level":1,"page":201},{"title":"الحديث الرابع والتسعون: النهي عن الإسراف في المباحات.","level":1,"page":203},{"title":"الحديث الخامس والتسعون: بشرى المؤمن.","level":1,"page":204},{"title":"الحديث السادس والتسعون: فضل بر الوالدين.","level":1,"page":206},{"title":"الحديث السابع والتسعون: فضل الإخلاص.","level":1,"page":208},{"title":"الحديث الثامن والتسعون: قلة أهل الكمال والفضل.","level":1,"page":209},{"title":"الحديث التاسع والتسعون: فضل التمسك بالسنن في آخر الزمان.","level":1,"page":210}],"ٛ":{"1,1":1,"1,11":2,"1,13":3,"1,14":4,"1,15":5,"1,16":6,"1,17":7,"1,18":8,"1,19":9,"1,20":10,"1,21":11,"1,22":12,"1,23":13,"1,24":14,"1,25":15,"1,26":16,"1,27":17,"1,28":18,"1,29":19,"1,30":20,"1,31":21,"1,32":22,"1,33":23,"1,34":24,"1,35":25,"1,36":26,"1,37":27,"1,38":28,"1,39":29,"1,40":30,"1,41":31,"1,42":32,"1,43":33,"1,44":34,"1,45":35,"1,46":36,"1,47":37,"1,48":38,"1,49":39,"1,50":40,"1,51":41,"1,52":42,"1,53":43,"1,54":44,"1,55":45,"1,56":46,"1,57":47,"1,58":48,"1,59":49,"1,60":50,"1,61":51,"1,62":52,"1,63":53,"1,64":54,"1,65":55,"1,66":56,"1,67":57,"1,68":58,"1,69":59,"1,70":60,"1,71":61,"1,72":62,"1,73":63,"1,74":64,"1,75":65,"1,76":66,"1,77":67,"1,78":68,"1,79":69,"1,80":70,"1,81":71,"1,82":72,"1,83":73,"1,84":74,"1,85":75,"1,86":76,"1,87":77,"1,88":78,"1,89":79,"1,90":80,"1,91":81,"1,92":82,"1,93":83,"1,94":84,"1,95":85,"1,96":86,"1,97":87,"1,98":88,"1,99":89,"1,100":90,"1,101":91,"1,102":92,"1,103":93,"1,104":94,"1,105":95,"1,106":96,"1,107":97,"1,108":98,"1,109":99,"1,110":100,"1,111":101,"1,112":102,"1,113":103,"1,114":104,"1,115":105,"1,116":106,"1,117":107,"1,118":108,"1,119":109,"1,120":110,"1,121":111,"1,122":112,"1,123":113,"1,124":114,"1,125":115,"1,126":116,"1,127":117,"1,128":118,"1,129":119,"1,130":120,"1,131":121,"1,132":122,"1,133":123,"1,134":124,"1,135":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131,"1,142":132,"1,143":133,"1,144":134,"1,145":135,"1,146":136,"1,147":137,"1,148":138,"1,149":139,"1,150":140,"1,151":141,"1,152":142,"1,153":143,"1,154":144,"1,155":145,"1,156":146,"1,157":147,"1,158":148,"1,159":149,"1,160":150,"1,161":151,"1,162":152,"1,163":153,"1,164":154,"1,165":155,"1,166":156,"1,167":157,"1,168":158,"1,169":159,"1,170":160,"1,171":161,"1,172":162,"1,173":163,"1,174":164,"1,175":165,"1,176":166,"1,177":167,"1,178":168,"1,179":169,"1,180":170,"1,181":171,"1,182":172,"1,183":173,"1,184":174,"1,185":175,"1,186":176,"1,187":177,"1,188":178,"1,189":179,"1,190":180,"1,191":181,"1,192":182,"1,193":183,"1,194":184,"1,195":185,"1,196":186,"1,197":187,"1,198":188,"1,199":189,"1,200":190,"1,201":191,"1,202":192,"1,203":193,"1,204":194,"1,205":195,"1,206":196,"1,207":197,"1,208":198,"1,209":199,"1,210":200,"1,211":201,"1,212":202,"1,213":203,"1,214":204,"1,215":205,"1,216":206,"1,217":207,"1,218":208,"1,219":209,"1,220":210,"1,221":211,"1,222":212},"ٜ":{"1":[1,222]},"ٝ":["1,1","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3],"9":[4],"11":[5],"12":[6],"13":[7],"15":[8],"17":[9],"19":[10],"21":[11],"22":[12],"23":[13],"29":[14],"31":[15],"33":[16],"36":[17],"39":[18],"42":[19],"44":[20],"47":[21],"49":[22],"52":[23],"54":[24],"56":[25],"58":[26],"62":[27],"65":[28],"67":[29],"71":[30],"73":[31],"74":[32],"76":[33],"78":[34],"81":[35],"83":[36],"87":[37],"89":[38],"91":[39],"93":[40],"96":[41],"98":[42],"100":[43],"102":[44],"103":[45],"105":[46],"106":[47],"107":[48],"109":[49],"111":[50],"112":[51],"114":[52],"117":[53],"118":[54],"120":[55],"121":[56],"122":[57],"123":[58],"125":[59],"127":[60],"129":[61],"131":[62],"134":[63],"135":[64],"137":[65],"139":[66],"142":[67],"144":[68],"146":[69],"148":[70],"150":[71],"153":[72],"155":[73],"157":[74],"158":[75],"160":[76],"162":[77],"165":[78],"167":[79],"169":[80],"171":[81],"173":[82],"178":[83],"181":[84],"183":[85],"185":[86],"188":[87],"191":[88],"193":[89],"195":[90],"196":[91],"197":[92],"199":[93],"201":[94],"203":[95],"204":[96],"206":[97],"208":[98],"209":[99],"210":[100]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار]ـ\nتأليف: عبد الرحمن بن ناصر السعدي ١٣٧٦هـ - ١٣٠٧هـ\nدراسة وتحقيق: عبد الكريم بن رسمي ال الدريني\nالناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع\nالطبعة الأولى ١٤٢٢هـ - ٢٠٠٢م\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]","vol":"1","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة المؤلف</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله المحمود على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العظيمة العليا، وعلى آثارها الشاملة للأولى والأخرى.\nوأصلي وأسلم على محمد أجمع الخلق لكل وصف حميد، وخلق رشيد، وقول سديد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه من جميع العبيد.\nأما بعد: فليس بعد كلام الله أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسول وخليله محمد ﷺ؛ إذ هو أعلم الخلق، وأعظمهم نصحًا وإرشادًا وهداية، وأبلغهم بيانًا وتأصيلًا وتفصيلًا، وأحسنهم تعليمًا. وقد أوتي ﷺ جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارًا، بحيث كان يتكلم بالكلام القليل لفظه، الكثيرة معانيه، ومع كمال الوضوح والبيان الذي هو أعلى رتب البيان.\nوقد بدا لي أن أذكر جملة صالحة من أحاديثه الجوامع في المواضيع الكلية، والجوامع في جنس، أو نوع، أو باب من أبواب العلم، مع التكلم على مقاصدها وما تدل عليه، على وجه يحصل به الإيضاح والبيان مع الاختصار، إذ المقام لا يقتضي البسط.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الحديث الأول: النيّة والإخلاص</span>.\nعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: \"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا. فَهِجْرَتُهُ إِلَى ما هاجر إليه\". متفق عليه١.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الحديث الثاني: التحذير من البدع</span>\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ: \"من أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ\". - وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنا - فهو رد\" متفق عليه٢.\nهذان الحديثان العظيمان يدخل فيهما الدين كله، أصوله وفروعه، ظاهره وباطنه. فحديث عمر ميزان للأعمال الباطنة، وحديث عائشة ميزان الأعمال الظاهرة.\nففيهما الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول اللذان هما شرط لكل قول وعمل، ظاهر وباطن. فمن أخلص أعماله لله متبعًا في ذلك رسول الله ﷺ فهذا الذي عمله مقبول. ومن فقد الأمرين أو أحدهما فعمله مردود، داخل في قول الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، والجامع للوصفين داخل في قوله\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٦٨٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩٠٧ بعد ١٥٥. وفيهما: \"بالنية\" بدل \"بالنيات\" و\"يتزوّجها\" بدل: \"ينكحها\". ووردت عندهما بنفس الألفاظ دون قوله: \"فمن كانت هجرته ... \".\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٩٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١٨. أمّا الرواية الثانية فأخرجها مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١٨ بعد ١٨. وعلّقها البخاري في \"صحيحه\" قبل رقم: ٧٣٥٠. وانظر: \"فتح الباري\" ٥/٣٠٢ و\"تغليق التعليق\" ٣/٣٩٦، و٥/٣٢٦.","vol":"1","page":13},{"text":"تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء:١٢٥] الآية ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢] .\nأما النية: فهي القصد للعمل تقربًا إلى الله، وطلبًا لمرضاته وثوابه. فيدخل في هذا: نية العمل، ونية المعمول له.\nأما نية العمل: فلا تصح الطهارة بأنواعها، ولا الصلاة والزكاة والصوم والحج وجميع العبادات إلا بقصدها ونيتها، فينوي تلك العبادة المعينة. وإذا كانت العبادة تحتوي على أجناس وأنواع، كالصلاة، منها الفرض، والنفل المعين، والنفل المطلق. فالمطلق منه يكفي فيه أن ينوي الصلاة. وأما المعين من فرض أو نفل معين - كوتر أو راتبة - فلا بد مع نية الصلاة أن ينوي ذلك المعين. وهكذا بقية العبادات.\nولا بد أيضًا أن يميز العادة عن العبادة. فمثلًا الاغتسال يقع نظافة أو تبردًا، ويقع عن الحدث الأكبر، وعن غسل الميت، وللجمعة ونحوها، فلا بد أن ينوي فيه رفع الحدث أو ذلك الغسل المستحب. وكذلك يخرج الإنسان الدراهم مثلًا للزكاة، أو للكفارة، أو للنذر، أو للصدقة المستحبة، أو هدية. فالعبرة في ذلك كله على النية.\nومن هذا: حيل المعاملات إذا عامل معاملة ظاهرها وصورتها الصحة، ولكنه يقصد بها التوسل إلى معاملة ربوية، أو يقصد بها إسقاط واجب، أو توسلًا إلى محرم. فإن العبرة بنيته وقصدهن لا بظاهر لفظه؛ فإنما الأعمال بالنيات. وذلك بأن يضم إلى أحد المعوضين ما ليس بمقصود، أو يضم إلى العقد عقدًا غير مقصود. قاله شيخ الإسلام١.\nوكذلك شرط الله في الرجعة وفي الوصية: أن لا يقصد العبد فيهما المضارة٢.\nويدخل في ذلك جميع الوسائل التي يتوسل بها إلى مقاصدها؛ فإن الوسائل لها أحكام\n_________\n(١) \"بيان الدليل على بطلان التحليل\" ٨٢.\n(٢) \"بيان الدليل على بطلان التحليل\" ١٢٧، ١٢٨.","vol":"1","page":14},{"text":"المقاصد، صالحة أو فاسدة. والله يعلم المصلح من المفسد.\nوأما نية المعمول له: فهو الإخلاص لله في كل ما يأتي العبد وما يذر، وفي كل ما يقول ويفعل. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البيّنة:٥] وقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] .\nوذلك أن على العبد أن ينوي نية كلية شاملة لأموره كلها، مقصودًا بها وجه الله، والتقرب إليه، وطلب ثوابه، واحتساب أجره، والخوف من عقابه. ثم يستصحب هذه النية في كل فرد من أفراد أعماله وأقواله، وجميع أحواله، حريصًا فيه على تحقيق الإخلاص وتكميله، ودفع كل ما يضاده: من الرياء والسمعة، وقصد المحمدة عند الخلق، ورجاء تعظيمهم، بل إن حصل شيء من ذلك فلا يجعله العبد قصده، وغاية مراده، بل يكون القصد الأصيل منه: وجه الله، وطلب ثوابه من غير التفات للخلق، ولا رجاء لنفعهم أو مدحهم. فإن حصل شيء نم ذلك من دون قصد من العبد لم يضره شيئًا، بل قد يكون من عاجل بشرى المؤمن.\n\nفقوله ﷺ: \"إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ\" أي: إنها لا تحصل ولا تكون إلا بالنية، وأن مدارها على النية. ثم قال: \"وإنما لكل امرئ ما نوى\" أي: إنها تكون بحسب نية العبد صحتها أو فسادها، كمالها أو نقصانها، فمن نوى فعل الخير وقصد به المقاصد العليا - وهي ما يقرب إلى الله - فله من الثواب والجزاء الجزاء الكامل الأوفى. ومن نقصت نيته وقصده نقص ثوابه. ومن توجهت نيته إلى غير هذا المقصد الجليل فاته الخير، وحصل على ما نوى من المقاصد الدنيئة الناقصة. ولهذا ضرب النبي ﷺ مثالًا ليقاس عليه جميع الأمور، فقال: \"فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهجْرَتُهُ إلى الله ورسوله\" أي: حصل له ما نوى، ووقع أجره على الله \"وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه\" خص فيه المرأة التي يتزوجها بعد ما عم جميع الأمور الدنيوية لبيان أن جميع ذلك غايات دنيئة، ومقاصد غير نافعة١، وكذلك حين سئل ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، أو حمية، أو ليُرَى مقامه في\n_________\n(١) ولعلّ السبب في تخصيص المرأة أنّ مناسبة\nالحديث جاءت لأنّ رجلًا هاجر بسبب امرأة يقال لها \"أمّ قيس\" فسمّي \"مهاجر أمّ قيس\". والله أعلم وأحكم.\nثمّ رأيت شيخ الإسلام ابن تبيمية -﵀- أشار إلى ذلك في \"بيان الدليل\" ص٨٢. فالحمد لله على نعمائه.","vol":"1","page":15},{"text":"صف القتال: \"أيُّ ذلك في سبيل الله؟ \" فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\"١. وقال تعالى في اختلاف النفقة بحسب النيات ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة:٢٦٥]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٣٨]، وهكذا جميع الأعمال.\nوالأعمال إنما تتفاضل ويعظم ثوابها بحسب ما يقوم بقلب العامل من الإيمان والإخلاص، حتى إن صاحب النية الصادقة - وخصوصًا إذا اقترن بها ما يقدر عليه من العمل - يلتحق صاحبها بالعامل. قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ﴾ [النساء:١٠٠] . وفي الصحيح مرفوعًا: \"إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا\"٢، \"إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلى كانوا معكم - أي: في نياتهم وقلوبهم وثوابهم - حبسهم العذر\"٣. وإذا هم العبد بالخير ثم لم يقدر له العمل كتبت هِمَّته ونيته له حسنة كاملة. والإحسان إلى الخلق بالمال والقول والفعل خير وأجر وثواب عند الله. ولكنه يعظم ثوابه بالنية. قال تعالى: ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤] أي: فإنه خير، ثم قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٤]، فرتب الأجر العظيم على فعل ذلك ابتغاء مرضاته.\nوفي البخاري مرفوعًا \"من أخذ أموال الناس يريد أداءَها أدَّاها الله عنه. ومن أخذها يريد\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٨١٠، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩٠٤، بعد ١٥٠.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٩٩٦، وفيه: \"مثل ما كان\".\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٤٤٢٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩١١ بعد ١٥٩.","vol":"1","page":16},{"text":"إتلافها أتلفه الله\"١ فانظر كيف جعل النية الصالحة سببًا قويًا للرزق وأداء الله عنه، وجعل النية السيئة سببًا للتلف والإتلاف.\nوكذلك تجري النية في المباحات والأمور الدنيوية. فإن من قصد بكسبه وأعماله الدنيوية والعادية الاستعانة بذلك على القيام بحق الله وقيامه بالواجبات والمستحبات، واستصحب هذه النية الصالحة في أكله وشربه ونومه وراحاته ومكاسبه: انقلبت عاداته عبادات، وبارك الله للعبد في أعماله، وفتح له من أبواب الخير والرزق أمورًا لا يحتسبها ولا تخطر له على بال. ومن فاتته هذه النية الصالحة لجهله أو تهاونه فلا يلومن إلا نفسه. وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال \"إنك لن تعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه، حتى ما تجعله في فيّ امرأتِك\"٢.\nفعلم بهذا: أن هذا الحديث جامع لأمور الخير كلها. فحقيق بالمؤمن الذي يريد نجاة نفسه ونفعها أن يفهم معنى هذا الحديث، وأن يكون العمل به نصيب عينيه في جميع أحواله وأوقاته.\nوأما حديث عائشة: فإن قوله ﷺ: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد - أو مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رد\"٣ فيدل بالمنطوق وبالمفهوم.\nأما منطوقه: فإنه يدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع القولية الكلامية، كالتجهم والرفض والاعتزال وغيرها، أو نم البدع العملية كالتعبد لله بعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله. فإن ذلك كله مردود على أصحابه. وأهله مذمومون بحسب بدعهم وبُعدها عن الدين. فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله، أو تعبد بشيء لم يأذن لم يأذن الله به ورسوله ولم يشرعه: فهو مبتدع. ومن حرَّم المباحات، أو تعبد بغير الشرعيات: فهو مبتدع.\nوأما مفهوم هذا الحديث٤: فإن من عمل عملًا، عليه أمر الله ورسوله - وهو التعبد لله\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٣٨٧.\n\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٦، ١٢٩٥، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦٢٨ بعد ٥.\n(٣) تقدّم تخريجه قريبًا.\n(٤) يعني مفهوم المخالفة. ونحو كلامه في \"فتح الباري\" ٥/٣٥٧ - ط: الريّان.","vol":"1","page":17},{"text":"بالعقائد الصحيحة، والأعمال الصالحة: من واجب ومستحب: فعمله مقبول، وسعيه مشكور.\nويستدل بهذا الحديث على أن كل عبادة فعلت على وجه منهي عنه فإنها فاسدة؛ لأنه ليس عليها أمر الشارع، وأن النهي يقتضي الفساد. وكل معاملة نهى الشارع عنها فإنها لاغية لا يعتد بها.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ</span>\nعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ، الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وعامتهم\" رواه مسلم١.\nكرر النبي ﷺ هذه الكلمة اهتمامًا للمقام، وإرشادًا للأمة أن يعلموا حق العلم أن الدين كله - ظاهره وباطنه - منحصر في النصيحة. وهي القيام التام بهذه الحقوق الخمسة.\nفالنصيحة لله: الاعتراف بوحدانية الله. وتفرده بصفات الكمال على وجه لا يشاركه فيها مشارك بوجه من الوجوه، والقيام بعبوديته ظاهرًا وباطنًا، والإنابة إليه كل وقت بالعبودية، والطلب رغبة ورهبة مع التوبة والاستغفار الدائم؛ لأن العبد لا بد له من التقصير من شيء نم واجبات الله، أو التجرؤ على بعض المحرمات. وبالتوبة الملازمة والاستغفار الدائم ينجبر نقصه، ويتم عمله وقوله.\nوأما النصيحة لكتاب الله: فبحفظه وتدبره، وتعلم ألفاظه ومعانيه والاجتهاد في العمل به في نفسه وفي غيره.\nوأما النصيحة للرسول: فهي الإيمان به ومحبته، وتقديمه فيها على النفس والمال والولد، واتباعه في أصول الدين وفروعه، وتقديم قوله على قول كل أحد، والاجتهاد في الاهتداء بهديه، والنصر لدينه.\nوأما النصيحة لأئمة المسلمين: - وهم ولاتها، من الإمام الأعظم إلى الأمراء والقضاة إلى جميع من لهم ولاية عامة أو خاصة -: فباعتقاد ولايتهم، والسمع والطاعة لهم، وحث الناس على ذلك، وبذل ما يستطيعه من إرشادهم، وتنبيههم إلى كل ما ينفعهم وينفع الناس، وإلى القيام بواجبهم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٥٥. وذكر البخاري في \"صحيحه\" قبل رقم: ٥٧ دون إسنادٍ، وأخرجه مسندًا في \"التاريخ الصغير\" ٢/٣٠، والكبير ١/٤٥٩، ٣/٢/٤٦٠.","vol":"1","page":19},{"text":"وأما النصيحة لعامة المسلمين: فبأن يحب لهم ما يحب لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويسعى في ذلك بحسب الإمكان، فإن من أحب شيئًا سعى له، واجتهد في تحقيقه وتكميله.\nفالنبي ﷺ فسر النصيحة بهذه الأمور الخمسة التي تشمل القيام بحقوق الله، وحقوق كتابه، وحقوق رسوله، وحقوق جميع المسلمين على اختلاف أحوالهم وطبقاتهم. فشمل ذلك الدين كله، ولم يبق منه شيء إلا دخل في هذا الكلام الجامع المحيط. والله أعلم١.\n_________\n(١) وانظر: \"جامع العلوم والحكم، الحديث السابع\" ١/٢٢١ - ٢٢٤. ط - الرسالة.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الحديث الرابع: صفات أهل الجنة</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قَالَ \"أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: دُلَّني عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وتُؤدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ. قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذا شَيْئًا وَلَا أنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا\" متفق عليه١.\nقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الأصل الكبير الذي دلّ عليه الحديث. ومدلولها كلها متفق أو متقارب على أن من أدى ما فرض الله عليه بحسب الفروض المشتركة والفروض المختصة بالأسباب التي من وجدت فيه وجبت عليه. فمن أدى الفرائض واجتنب المحرمات استحق دخول الجنة، والنجاة من النار. ومن اتصف بهذا الوصف فقد استحق اسم الإسلام والإيمان، وصار من المتقين المفلحين، وممن سلك الصراط المستقيم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٣٩٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٤ بعد ١٥. واللفظ له.","vol":"1","page":21},{"text":"يشبه هذا ويقاربه:\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الحديث الخامس: الاستقامة</span>\nعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقفي قَالَ: قُلْتُ \"يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ. قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ\" رَوَاهُ مسلم١.\nفهذا الرجل طلب من النبي ﷺ كلامًا جاعًا للخير نافعًا، موصلًا صاحبه إلى الفلاح. فأمره النبي ﷺ بالإيمان بالله الذي يشمل ما يجب اعتقادُه: من عقائد الإيمان، وأصوله، وما يتبع ذلك: من أعمال القلوب، والانقياد والاستسلام لله، باطنًا وظاهرًا، ثم الدوام على ذلك، والاستقامة عليه إلى الممات. وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصّلت:٣] .\nفرتب على الإيمان والاستقامة: السلامة من جميع الشرور، وحصول الجنة وجميع المحاب.\nوقد دلت نصوص الكتاب والسنة الكثيرة على أن الإيمان يشمل ما في القلوب من العقائد الصحيحة، وأعمال القلوب: من الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، وإرادة الخير، وكراهة الشر. ومن أعمال الجوارح، ولا يتم ذلك إلا بالثبات عليه.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٣٨ بعد ٦٢.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الحديث السادس: صفة المسلم</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْمُسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: \"وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أمِنَه النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ\"٢ وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ: \"وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طاعة الله\"٣.\nذكر في هذا الحديث كمال هذه الأسماء الجليلة، التي رتب الله ورسوله عليها سعادة الدنيا والآخرة. وهي الإسلام والإيمان، والهجرة والجهاد. وذكر حدودها بكلام جامع شامل، وأن الْمُسلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.\nوذلك أن الإسلام الحقيقي: هو الاستلام لله، وتكميل عبوديته والقيام بحقوقه، وحقوق المسلمين. ولا يتم الإسلام حتى يحب للمسلمين ما يحب لنفسه. ولا يتحقق ذلك إلا بسلامتهم من شر لسانه وشر يده. فإن هذا أصل هذا الفرض الذي عليه للمسلمين. فمن لم يسلم المسلمون من لسانه أو يده كيف يكون قائمًا بالفرض الذي عليه لإخوانه المسلمين؟ فسلامتهم من شره القولي والفعلي عنوان على كمال إسلامه.\nوفسر المؤمن بأنه الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم؛ فإن الإيمان إذا دار في القلب وامتلأ به، أوجب لصاحبه القيام بحقوق الإيمان التي من أهمها: رعاية الأمانات، والصدق في\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٠٠، ومسلم في \" صحيحه\" رقم: ٤٠ بعد ٦٤. وقد فصّلت في تخريجه في \"روح العارفين\" للخليفة الناصر رقم: ٢١ فانظره هناك.\n(٢) أخرجه: الترمذي ٢٦٢٧، والنسائي في \"المجتبى\" ٨/١٠٤، وأحمد في \"مسنده\" ٢/٣٧٩، وابن حبّان في \"صحيحه\" رقم: ١٨٠- الإحسان، والحاكم في \"المستدرك\" ١/١٠ وصحّحه شيخنا الألباني -﵀- في صحيح الترمذي- رقم: ٢١١٨ من حديث أبي هريرة. وانظر: \"الصحيحه\" رقم: ٥٤٩.\n\n(٣) أخرجه: البيهقي في \"الشعب\" رقم: ١١١٢٣، وأحمد ٦/٢١، وصحّحه شيخنا الألباني -﵀- في \"الصحيحة\" رقم: ٥٤٩.","vol":"1","page":23},{"text":"المعاملات، والورع عن ظلم الناس في دمائهم وأموالهم. ومن كان كذلك عرف الناس هذا منه، وأمنوه على دمائهم وأموالهم. ووثقوا به، لما يعلمون منه من مراعاة الأمانات، فإن رعاية الأمانة من أخص واجبات الإيمان، كما قال ﷺ: \"لا إيمان لمن لا أمانة له\"١.\nوفسر ﷺ الهجرة التي هي فرض عين على كل مسلم بأنها هجرة الذنوب والمعاصي. وهذا الفرض لا يسقط عن كل مكلف في كل حال من أحواله؛ فإن الله حرم على عباده انتهاك المحرمات، والإقدام على المعاصي. والهجرة الخاصة التي هي الانتقال من بلد الكفر أو البدع إلى بلد الإسلام، والسنة جزء من هذه الهجرة، وليست واجبة على كل أحد، وإنما تجب بوجود أسبابها المعروفة.\nوفسر المجاهد بأنه الذي جاهد نفسه على طاعة الله؛ فإن النفس مَيَّالة إلى الكسل عن الخيرات، أمارة بالسوء، سريعة التأثر عند المصائب، وتحتاج إلى صبر وجهاد في إلزامها طاعة الله، وثباتها عليها، ومجاهدتها عن معاصي الله، وردعها عنها، وجهادها على الصبر عند المصائب. وهذه هي الطاعات: امتثال المأمور، واجتناب المحظور، والصبر على المقدور.\nفالمجاهد حقيقة: من جاهدها على هذه الأمور؛ لتقوم بواجبها ووظيفتها.\nومن أشرف هذا النوع وأجلِّه: مجاهدتُها على قتلا الأعداء، ومجاهدتهم بالقول والفعل؛ فإن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الدين.\nفهذا الحديث من قام بما دلّ عليه فقد قام بالدين كله: \"من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأمنه الناس على دمائهم وأموالهم، وهجر ما نهى الله عنه، وجاهد نفسه على طاعة الله\"، فإنه لم يبق من الخير الديني والدنيوي الظاهري والباطني شيئًا إلا فعله، ولا من الشر شيئًا إلا فعله، ولا من الشر شيئًا إلا تركه. والله الموفق وحده.\n_________\n(١) أخرجه: أحمد ٣/١٣٥، ١٥٤، ٢١٠، ٢٥١، وابن حبان رقم: ٤٧ - الإحسان، وغيرهما. وصحّحه شيخنا الألباني في \"الإيمان\" رقم: ٧، لابن أبي شيبة، و\"المشكاة\" رقم: ٣٥. وانظر: \"صحيح الترغيب\" رقم: ٣٠٠٤، وقد أطلت النفس في تخريجه في تخريجي لأحاديث \"روح العارفين\" رقم: ٣٣ للخليفة الناصر، فلينظره من أراد التوسّع. والحمد لله ربّ العالمين.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الحديث السابع: صفات الْمُنَافِقِ</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا. وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصلة مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يدعها: إذا ائتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غدَر، وإذا خاصم فجر\" متفق عليه١.\nالنفاق أساس الشر. وهو أن يظهر الخير، ويبطن الشر. هذا الحدُّ يدخل فيه النفاق الأكبر الاعتقادي، الذي يظهر صاحبه الإسلام ويبطن الكفر. وهذا النوع مُخرج من الدين بالكلية، وصاحبه في الدَّرْك الأسفل من النار. وقد وصف الله هؤلاء المنافقين بصفات الشر كلها: من الكفر، وعدم الإيمان، والاستهزاء بالدين وأهله، والسخرية منهم، والميل بالكلية إلى أعداء الدين؛ لمشاركتهم لهم في عداوة دين الإسلام. وهم موجودون في كل زمان، ولا سيما في هذا الزمان الذي طغت فيه المادية والإلحاد والإباحية.\nوالمقصود هنا: القسم الثاني من النفاق الذي ذكر في هذا الحديث فهذا النفاق العملي - وإن كان لا يخرج من الدين بالكلية - فإن دهليز الكفر، ومن اجتمعت فيه هذه الخصال الأربع فقد اجتمع فيه الشر، وخلصت فيه نعوت المنافقين، فإن الصدق، والقيام بالأمانات، والوفاء بالعهود، والورع عن حقوق الخلق هي جماع الخير، ومن أخص أوصاف المؤمنين. فمن فقد واحدة منها فقد هدم فرضًا من فروض الإسلام والإيمان، فكيف بجميعها؟.\nفالكذب في الحديث يشمل الحديث عن الله والحديث عن رسول الله ﷺ الذي من كذب عليه معتمدًا فليتبوأ مقعده من النار ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصفّ:٧]، يشمل الحديث عما يخبر به من الوقائع الكلية والجزئية. فمن كان هذا شأنه فقد شارك المنافقين في أخص صفاتهم، وهي الكذب الذي قال فيه النبي ﷺ:\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٣٤، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٥٨ بعد ١٠٦، واللفظ للبخاري، أمّا مسلم فلفظه: \"وإذا ائتمن خان\". ووردت برقم: ٥٩ بعد ١٠٨ في حديث آخر عن أبي هريرة.","vol":"1","page":25},{"text":"\"إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار. ولا يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا\"١ ومن كان إذا ائتمن على الأموال والحقوق والأسرار خانها، ولم يقم بأمانته، فأين إيمانه؟ وأين حقيقة إسلامه؟ وكذلك من ينكث العهود التي بينه وبين الله، والعهود التي بينه وبين الخلق متصف بصفة خبيثة من صفات المنافقين. وكذلك من لا يتورع عن أموال الخلق وحقوقهم، ويغتنم فرصها، ويخاصم فيها بالباطل ليثبت باطلًا، أو يدفع حقًا. فهذه الصفات لا تكاد تجتمع في شخص ومعه من الإيمان ما يجزي أو يكفي، فإنها تنافي الإيمان أشد المنافاة.\nواعلم أن من أصول أهل السنة والجماعة: أنه قد يجتمع في العبد خصال خير وخصال شر، وخصال إيمان وخصال كفر أو نفاق. ويستحق من الثواب والعقاب بحسب ما قام به من موجبات ذلك وقد دلّ على هذا الأصل نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. فيجب العمل بكل النصوص، وتصديقها كلها. وعلينا أن نتبرأ من مذهب الخوارج الذين يدفعون ما جاءت به النصوص: من بقاء الإيمان وبقاء الدين، ولو فعل الإنسان من المعاصي ما فعل، إذا لم يفعل شيئًا من المنكرات التي تخرج صاحبها من الإيمان. فالخوارج يدفعون ذلك كله، ويرون من فعل شيئًا من الكبائر ومن خصال الكفر أو خصال النفاق خارجًا من الدين، مخلدًا في النار. وهذا مذهب باطل بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٠٩٤، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٠٧ بعد ١٠٥، واللفظ له.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الحديث الثامن: علاج الوسوسة في الْإِيمَانِ</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّه، وَلْيَنْتَهِ\"١. وفي لفظ \"فليقل: آمنت بالله ورسله\"٢ متفق عليه. وَفِي لَفْظٍ \"لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يقولون: من خلق الله؟ \"٣.\nاحتوى هذا الحديث على أنه لا بد أن يلقي الشيطان هذا الإيراد الباطل: إما وسوسة محضة٤، أو على لسان شياطين الإنس وملاحدتهم. وقد وقع كما أخبر، فإن الأمرين وقعا، لا يزال الشيطان يدفع إلى قلوب من ليست لهم بصيرة هذا السؤال الباطل، ولا يزال أهل الإلحاد يلقون هذه الشبهة التي هي أبطل الشبه، ويتكلمون عن العلل وعن مواد العلم بكلام سخيف معروف.\nوقد أرشد النبي ﷺ في هذا الحديث العظيم إلى دفع هذا السؤال بأمور ثلاثة: بالانتهاء، والتعوذ من الشيطان، وبالإيمان.\nأما الانتهاء - وهو الأمر الأول -: فإن الله تعالى جعل للأفكار والعقول حدًا تنتهي إليه، ولا تتجاوزه. ويستحيل لو حاولت مجاوزته أن تستطيع، لأنه محال، ومحاولة المحال من الباطل والسفه، ومن أمحل المحال التسلسل في المؤثرين والفاعلين. فإن المخلوقات لها ابتداء، ولها انتهاء. وقد تتسلسل في كثير من أمورها حتى تنتهي إلى الله الذي أوجدها وأوجد ما فيها من الصفات والمواد والعناصر ﴿وَأَنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهَى﴾ [النجم:٤٢]، فإذا وصلت العقول إلى الله تعالى وقفت وانتهت، فإنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٣٢٧٦، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٣٤ بعد ٢١٤.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٣٤ بعد ٢١٤.\n(٣) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٣٠ بعد ٢١٥، وأبو عوانة في \"مسنده\" ١/٨٢.\n(٤) في المطبوع: \"محصنة\"!!","vol":"1","page":27},{"text":"بعده شيء. فأوّليته تعالى لا مبتدأ لها مهما فرضت الأزمان والأحوال. وهو الذي أوجد الأزمان والأحوال والعقول التي هي بعض قوى الإنسان. فكيف يحاول العقل أن يتشبث في إيراد هذا السؤال الباطل. فالفرض عليه المحتم في هذه الحال: الوقوف، والانتهاء.\nالأمر الثاني: التعوذ بالله من الشيطان. فإن هذا من وساوسه وإلقائه في القلوب؛ ليشكك الناس في الإيمان بربهم. فعلى العبد إذا وجد ذلك: أن يستعيذ بالله منه، فمن تعوذ بالله بصدق وقوة أعاذه الله وطرد عنه الشيطان، واضمحلت وساوسه الباطلة.\nالأمر الثالث: أن يدفعه بما يضاده من الإيمان بالله ورسله، فإن الله ورسله أخبروا بأنه تعالى الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه تعالى المتفرد بالوحدانية، وبالخلق والإيجاد للموجودات السابقة واللاحقة.\nفهذا الإيمان الصحيح الصادق اليقيني يدفع جميع ما يضاده من الشبه المنافية له، فإن الحق يدفع الباطل. والشكوك لا تعارض اليقين.\nفهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها النبي ﷺ تبطل هذه الشبه التي لا تزال على ألسنة الملاحدة، يلقونها بعبارات متنوعة. فأمر بالانتهاء الذي يبطل التسلسل الباطل، وبالتعوذ من الشيطان الذي هو الملقي لهذه الشبهة، وبالإيمان الصحيح الذي يدفع كل ما يضاده من الباطل. والحمد لله فبالانتهاء: قطع الشر مباشرة. وبالاستعاذة: قطع السبب الداعي إلى الشر. وبالإيمان اللجأ والاعتصام بالاعتقاد الصحيح اليقيني الذي يدفع كل معارض.\n\nوهذه الأمور الثلاثة هي جماع الأسباب الدافعة لكل شبهة تعارض الإيمان. فينبغي العناية بها في كل ما عرض للإيمان من شبهة واشتباه يدفعه العبد مباشرة بالبراهين الدالة على إبطاله، وبإثبات ضده وهو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، وبالتعوذ بالله من الشيطان الذي يدفع إلى القلوب فتن الشبهات، وفتن الشهوات، ليزلزل إيمانهم، ويوقعهم بأنواع المعاصي. فبالصبر واليقين: ينال العبد السلامة من فتن الشهوات، ومن فتن الشبهات. والله هو الموفق الحافظ.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الحديث التاسع: الإيمان بالقدر</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ \"كل شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجْز والكَيْس\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١.\nهذا الحديث متضمن لأصل عظيم من أصول الإيمان الستة. وهو الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، عامه وخاصه، سابقه ولاحقه، بأن يعترف العبد أن علم الله محيط بكل شيء، وأنه علم أعمال العباد خيرها وشرها، وعلم جميع أمورهم وأحوالهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ. كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحجّ:٧]، ثم إن الله ينفذ هذه الأقدار في أوقاتها بحسب ما تقتضيه حكمته ومشيئته، الشاملتان لكل ما كان وما يكون، الشاملتان للخلق والأمر، وأنه مع ذلك، ومع خلقه للعباد وأفعالهم وصفاتهم، فقد أعطاهم قدرة وإرادة تقع بها أفعالهم بحسب اختيارهم، لم يجبرهم عليها. وهو الذي خلق قدرتهم ومشيئتهم. وخالق السبب التام خالق للمسبب. فأفعالهم وأقوالهم تقع بقدرتهم ومشيئتهم اللتين خلقهما الله فيهم، كما خلق بقية قواهم الظاهرة والباطنة. ولكنه تعالى يَسَّرَ كلًا لما خلق له.\nفمن وَجَّه وجهه وقصده لربه: حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين، فتمت عليه نعم الله من كل وجه.\nومن وجّه وجهه لغير الله، بل تولى عدوه الشيطان: لم ييسره لهذه الأمور، بل وَلاَّه الله ما تولى، وخذله، ووكله إلى نفسه، فضَلَّ وغوى وليس له على ربه حجة، فإن الله أعطاه جميع الأسباب التي يقدر بها على الهداية، ولكنه اختار الضلالة على الهدى، فلا يلومن إلا نفسه. قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٥٥ بعد ١٨.","vol":"1","page":29},{"text":"الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللهِ﴾ [الأعراف:٣٠]، وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦]، وهذا القدر يأتي على جميع أحوال العبد وأفعاله وصفاته، حتى العجز والكيس. وهما الوصفان المتضادان الذي ينال بالأول منهما -وهو العجز-: الخيبة والخسران، وبالثاني -وهو الكيس-: الجد في طاعة الرحمن. والمراد هنا: العجز الذي يلام عليه العبد، وهو عدم الإرادة، وهو الكسل، لا العجز الذي هو عدم القدرة. وهذا هو معنى الحديث الآخر \"اعلموا؛ فكل مُيَسَّرٌ لما خُلِق له\"١.\nأما أهل السعادة: فييسرون لعلم السعادة، وذلك بكيسهم وتوفيقهم ولطف الله بهم. والكيس والعاجز هما المذكوران في قوله ﷺ: \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني\"٢.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٤٩٤٩، ومسلم في \"صحيحه\" ٢٦٤٧ بعد ٧.\n(٢) ضعيف. أخرجه: أحمد في \"مسنده\" ٤/١٢٤، وفي \"الزهد\" ٢٠٥ له، وابن ماجه ٤٢٦٠، والترمذي ٢٤٥٩، والطبراني في \"الكبير\" ٧١٤٣، و\"مسند الشاميّين\" ١٤٨٥، وابن عدي في \"الكامل\" ٢/٤٧٢، والحاكم ١/٥٧، ٤/٢٥١، ورد الذهبي تصحيحه بقوله: \"لا، والله، أبو بكر واهٍ\". والحارث في \"مسنده\" ومن طريقه أبي نعيم في \"الحلية\" ١/٢٦٧، ٨/١٧٤، والبيهقي ٣/٣٦٩، والخطيب في \"تاريخه\" ١٢/٥٠، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم: ٤١١٦، ٤١١٧. والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم: ١٨٥، والبيهقي في \"سننه\" ٧/٣٣٨، ٣٤١، والشعب رقم: ١٠٥٤٦، وابن المبارك في \"الزهد\" ١٧١، وضعّفه شيخنا الألباني -﵀- في \"ضعيف ابن ماجه\" ٩٣٠، \"وضعيف الترمذي\" ٤٣٦، و\"ضعيف الجامع\" ٤٣٠٥، و\"المشكاة\" ٥٢٨٩.\n\nوللحديث طريق آخر أخرجها الطبراني في \"الكبير\" رقم: ٧١٤١، و\"الصغير\" رقم: ٨٦٣، و\"مسند الشاميّين\" ٤٦٣، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/٢٦٧، وفيها عمرو بن بكر السكسكي. قال عنه الحافظ في \"التقريب\": متروك.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الحديث العاشر: الدعوة إِلَى الْهُدَى</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"من دعاء إِلَى هُدَى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أجور من تبعه، لا ينقص ذلك مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا\" رواه مسلم١.\nهذا الحديث -وما أشبهه من الأحاديث- فيه: الحث على الدعوة إلى الهدى والخير، وفضل الداعي، والتحذير من الدعاء إلى الضلالة والغيّ، وعظم جرم الداعي وعقوبته.\nوالهدى: هو العلم النافع، والعمل الصالح.\nفكل من علم علمًا لو وَجَّه المتعلمين إلى سلوك طريقة يحصل لهم فيها علم: فهو داع إلى الهدى. وكل من دعا إلى عمل صالح يتعلق بحق الله، أو بحقوق الخلق العامة والخاصة: فهو داع إلى الهدى.\nوكل من أبدى نصيحة دينية أو دنيوية يتوسل بها إلى الدين: فهو داع إلى الهدى.\nوكل من اهتدى في علمه أو عمله، فاقتدى به غيره: فهو داع إلى الهدى.\nوكل من تقدم غيره بعمل خيري، أو مشروع عام النفع: فهو داخل في هذا النص.\nوعكس ذلك كله: الداعي إلى الضلالة.\nفالداعون إلى الهدى: هم أئمة المتقين، وخيار المؤمنين.\nوالداعون إلى الضلالة: هم الأئمة الذين يدعون إلى النار.\nوكل من عاون غيره على البر والتقوى: فهو من الداعين إلى الهدى.\nوكل من أعان غيره على الإثم والعدوان: فهو من الداعين إلى الضلالة.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٧٤ بعد ١٦.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الحديث الحادي عشر: فضل التفقّه في الدين</span>\nعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ: \"من يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ\" متفق عليه١.\nهذا الحديث من أعظم فضائل العلم، وفيه: أن العلم النافع علامة على سعادة العبد، وأنّ الله أراد به خيرًا.\nوالفقه في الدين يشمل الفقه في أصول الإيمان، وشرائع الإسلام والأحكام، وحقائق الإحسان. فإن الدين يشمل الثلاثة كلها، كما في حديث جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان، وأجابه ﷺ بحدودها. ففسر الإيمان بأصوله الستة. وفسر الإسلام بقواعده الخمس. وفسر الإحسان بـ \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\"٢ فيدخل في ذلك التفقه في العقائد، ومعرفة مذهب السلف فيها، والتحقق به ظاهرًا وباطنًا، ومعرفة مذاهب المخالفين، وبيان مخالفتها للكتاب والسنة.\nودخل في ذلك: علم الفقه، أصوله وفروعه، أحكام العبادات والمعاملات، والجنايات وغيرها.\nودخل في ذلك: التفقه بحقائق الإيمان، ومعرفة السير والسلوك إلى الله، الموافقة لما دل عليه الكتاب والسنة.\nوكذلك يدخل في هذا: تعلُّم جميع الوسائل المعينة على الفقه في الدين كعلوم العربية بأنواعها.\nفمن أراد الله به خيرًا فقهه في هذه الأمور، ووفقه لها.\nودلّ مفهوم الحديث على أن من أعرض عن هذه العلوم بالكلية فإن الله لم يرد به خيرًا، لحرمانه الأسباب التي تنال بها الخيرات، وتكتسب بها السعادة.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧١، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠٣٧.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١ بعد ٨، وهو ضمن حديث جبريل المشهور.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الحديث الثاني عشر: المؤمن الْقَوِيِّ</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ، وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ. وَفِي كلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَز.. وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فعلت كذا، كان كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قدَّر اللَّهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ\" رواه مسلم١.\nهذا الحديث اشتمل على أصول عظيمة كلمات جامعة.\nفمنها: إثبات المحبة صفة لله، وأنها متعلقة بمحبوباته وبمن قام بها ودلّ على أنها تتعلق بإرادته ومشيئته، وأيضًا تتفاضل. فمحبته للمؤمن القوي أعظم من محبته للمؤمن الضعيف.\nودلّ الحديث على أن الإيمان يشمل العقائد القلبية والأقوال والأفعال، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة فإن \"الإيمان بضع وسبعون شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ\". وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ منه. وهذه الشعب التي ترجع إلى الأعمال الباطنة والظاهرة كلها من الإيمان. فمن قام بها حق القيام، وكَمَّل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وكمَّل غيره بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر: فهو المؤمن القوي الذي حاز أعلى مراتب الإيمان. ومن لم يصل إلى هذه المرتبة: فهو المؤمن الضعيف.\nوهذا من أدلة السلف على أن الإيمان يزيد وينقص. وذلك بحسب علوم الإيمان ومعارفه، وبحسب أعماله.\nوهذا الأصل قد دلّ عليه الكتاب والسنة في مواضع كثيرة.\nولما فاضل النبي ﷺ بين المؤمنين قويهم وضعيفهم خشي من توهم القدح في المفضول، فقال: \"وفي كل خير\" وفي هذا الاحتراز فائدة نفيسة، وهي أن على من فاضل بين الأشخاص أو\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٦٤ بعد ٣٤.","vol":"1","page":33},{"text":"الأجناس أو الأعمال أن يذكر وجه التفضيل، وجهة التفضيل. ويحترز بذكر الفضل المشترك بين الفاضل والمفضول، لئلا يتطرق القدح إلى المفضول وكذلك في الجانب الآخر إذا ذكرت مراتب الشر والأشرار، وذكر التفاوت بينهما. فينبغي بعد ذلك أن يذكر القدر المشترك بينهما من أسباب الخير أو الشر. وهذا كثير في الكتاب والسنة.\nوفي هذا الحديث: أن المؤمنين يتفاوتون في الخيرية، ومحبة الله والقيام بدينه، وأنهم في ذلك درجات ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ [الأحقاف:١٩]، ويجمعهم ثلاثة أقسام: السابقون إلى الخيرات، وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وفضول المباحات وكملوا ما باشروه من الأعمال، واتصفوا بجميع صفات الكمال. ثم المقتصدون الذين اقتصروا على القيام بالواجبات وترك المحظورات. ثم الظالمون لأنفسهم، الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا.\nوقوله ﷺ: \"احرص على ما ينفعك واستعن بالله\" كلام جامع نافع، مُحِتوٍ على سعادة الدنيا والآخرة.\n\nوالأمور النافعة قسمان: أمور دينية، وأمور دنيوية. والعبد محتاج إلى الدنيوية كما أنه محتاج إلى الدينية. فمدار سعادته وتوفيقه على الحرص والاجتهاد في الأمور النافعة منهما، مع الاستعانة بالله تعالى، فمتى حرص العبد على الأمور النافعة واجتهد فيها، وسلك أسبابها وطرقها، واستعان بربه في حصولها وتكميلها: كان ذلك كماله، وعنوان فلاحه. ومتى فاته واحد من هذه الأمور الثلاثة: فاته من الخير بحسبها، فمن لم يكن حريصًا على الأمور النافعة، بل كان كسلانًا لم يدرك شيئًا. فالكسل هو أصل الخيبة والفشل. فالكسلان لا يدرك خيرًا، ولا ينال مكرمة، ولا يحظى بدين ولا دنيا، ومتى كان حريصًا، ولكن على غير الأمور النافعة: إما على أمور ضارة، أو مفوتة للكمال كان ثمرة حرصه الخيبة، وفوات الخير، وحصول الشر والضرر، فكم من حريص على سلوك طرق وأحوال غير نافعة لم يستفد من حرصه إلا التعب والعناء والشقاء.\nثم إذا سلك العبد الطرق النافعة، وحرص عليها، واجتهد فيها: لم تتم له إلا بصدق اللجأ إلى الله، والاستعانة به على إدراكها وتكميلها وأن لا يتكل على نفسه وحَوْله وقوته، بل يكون اعتماده التام بباطنه وظاهره على ربه. فبذلك تهون عليه المصاعب، وتتيسر له","vol":"1","page":34},{"text":"الأحوال، وتتمّ له النتائج والثمرات الطيّبة في أمر الدين وأمر الدنيا، لكنّه في هذه الأحوال محتاج - بل مضطر غاية الاضطرار - إلى معرفة الأمور التي ينبغي الحرص عليها، والجد في طلبها.\nفالأمور النافعة في الدين ترجع إلى أمرين: علم نافع، وعمل صالح.\nأما العلم النافع: فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح، المثمر لسعادة الدارين. وهو ما جاء به الرسول ﷺ من حديث وتفسير وفقه، وما يعين على ذلك من علوم العربية بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الإنسان، وتعيين ذلك يختلف باختلاف الأحوال. والحالة التقريبية: أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصر من مختصرات الفن الذي يشتغل فيه. فإن تعذر أو تعسر عليه حفظه لفظًا، فليكرره كثيرًا، متدبرًا لمعانيه، حتى ترسخ معانيه في قلبه. ثم تكون باقي كتب هذا الفن كالتفسير والتوضيح والتفريع لذلك الأصل الذي عرفه وأدركه، فإن الإنسان إذا حفظ الأصول وصار له ملكة تامة في معرفتها هانت عليه كتب الفن كلها: صغارها وكبارها. ومن ضيع الأصول حرم الوصول.\nفمن حرص على هذا الذي ذكرناه، واستعان بالله: أعانه الله، وبارك في علمه، وطريقه الذي سلكه.\nومن سلك في طلب العلم غير هذه الطريقة النافعة: فاتت عليه الأوقات، ولم يدرك إلا العناء، كما هو معروف بالتجربة. والواقع يشهد به، فإن يسر الله له معلمًا يحسن طريقة التعليم، ومسالك التفهيم: تم له السبب الموصل إلى العلم.\n\nوأما الأمر الثاني - وهو العمل الصالح -: فهو الذي جمع الإخلاص لله، والمتابعة للرسول ﷺ، وهو التقرب إلى الله: باعتقاد ما يجب لله من صفات الكمال، وما يستحقه على عباده من العبودية، وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وتصديقه وتصديق رسوله في كل خبر أخبرا به عما مضى، وعما يستقبل عن الرسل، والكتب والملائكة، وأحول الآخرة، والجنة والنار، والثواب والعقاب وغير ذلك ثم يسعى في أداء ما فرضه الله على عباده: من حقوق الله، وحقوق خلقه ويكمل ذلك بالنوافل والتطوعات، خصوصًا المؤكدة في أوقاتها، مستعينًا بالله على فعلها، وعلى تحقيقها وتكميلها، وفعلها على وجه الإخلاص الذي لا يشوبه غرض من الأغراض النفسية. وكذلك يتقرب إلى الله بترك المحرمات، وخصوصًا التي تدعو إليها","vol":"1","page":35},{"text":"النفوس، وتميل إليها. فيتقرب إلى ربه بتركها لله، كما يتقرب إليه بفعل المأمورات، فمتى وفّق العبد بسلوك هذا الطريق في العمل، واستعان الله على ذلك أفلح ونجح. وكان كماله بحسب ما قام به من هذه الأمور، ونقصه بحسب ما فاته منها.\nوأما الأمور النافعة في الدنيا: فالعبد لا بد له من طلب الرزق. فينبغي أن يسلك أنفع الأسباب الدنيوية اللائقة بحاله. وذلك يختلف باختلاف الناس، ويقصد بكسبه وسعيه القيام بواجب نفسه، وواجب من يعوله ومن يقوم بمؤنته، وينوي الكفاف والاستغناء بطلبه عن الخلق. وكذلك ينوي بسعيه وكسبه تحصيل ما تقوم به العبوديات المالية: من الزكاة والصدقة، والنفقات الخيرية الخاصة والعامة مما يتوقف على المال، ويقصد المكاسب الطيبة، متجنبًا للمكاسب الخبيثة المحرمة. فمتى كان طلب العبد وسعيه في الدنيا لهذه المقاصد الجليلة، وسلك أنفع طريق يراه مناسبًا لحاله كانت حركاته وسعيه قربة يتقرب إلى الله بها. ومن تمام ذلك: أن لا يتكل العبد على حوله وقوته وذكائه ومعرفته، وحذقه بمعرفة الأسباب وإدارتها، بل يستعين بربه متوكلًا عليه، راجيًا منه أن ييسره لأيسر الأمور وأنجحها، وأقربها تحصيلًا لمراده. ويسأل ربه أن يبارك له في رزقه، فأول بركة الرزق: أن يكون مؤسسًا على التقوى والنية الصالحة. ومن بركة الرزق: أن يوفق العبد لوضعه في مواضعه الواجبة والمستحبة، ومن بركة الرزق: أن لا ينسى العبد الفضل في المعاملة، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧]، بالتيسير على الموسرين، وإنظار المعسرين، والمحاباة عند البيع والشراء، بما تيسر من قليل أو كثير. فبذلك ينال العبد خيرًا كثيرًا.\nفإن قيل: أي المكاسب أولى وأفضل؟\n\nقيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك. فمنهم من فضل الزراعة والحراثة. ومنهم من فضل البيع والشراء. ومنهم من فضل القيام بالصناعات والحرف ونحوها. وكل منهم أدلى بحجته. ولكن هذا الحديث هو الفاصل للنزاع، وهو أنه ﷺ قال: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله\" والنافع من ذلك معلوم أنه يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. فمنهم من تكون الحراثة والزراعة أفضل في حقه، ومنهم من يكون البيع والشراء والقيام بالصناعة التي يحسنها أفضل في حقه. فالأفضل من ذلك وغيره الأنفع.","vol":"1","page":36},{"text":"فصلوات الله وسلامه على من أعطي جوامع الكلم ونوافعها.\nثم إنه ﷺ حضّ على الرضا بقضاء الله وقدره، بعد بذل الجهد، واستفراغ الوسع في الحرص على النافع. فإذا أصاب العبد ما يكرهه فلا ينسب ذلك إلى ترك بعض الأسباب التي يظن نفعها لو فعلها، بل يسكن إلى قضاء الله وقدره ليزداد إيمانه، ويسكن قلبه وتستريح نفسه؛ فإن \"لو\" في هذه الحال تفتح عمل الشيطان بنقص إيمانه بالقدر، واعتراضه عليه، وفتح أبواب الهم والحزن والمضعف للقلب. وهذه الحال التي أرشد إليها النبي ﷺ هي أعظم الطرق لراحة القلب، وأدعى لحصول القناعة والحياة الطيبة، وهو الحرص على الأمور النافعة، والاجتهاد في تحصيلها، والاستعانة بالله عليها، وشكر الله على ما يسره منها، والرضى عنه بما فات، ولم يحصل منها.\nواعلم أن استعمال \"لو\" يختلف باختلاف ما قصد بها. فإن استعملت في هذه الحال التي لا يمكن استدراك الفائت فيها فإنها تفتح على العبد عمل الشيطان، كما تقدم. وكذلك لو استعملت في تمني الشر والمعاصي فإنها مذمومة، وصاحبها آثم، ولو لم يباشر المعصية. فإنه تمنى حصولها.\nوأمّا إذا استعملت في تمنّي الخير أو في بيان العلم النافع فإنّها محمودة؛ لأنّ الوسائل لها أحكام المقاصد.\nوهذا الأصل الذي ذكره النبي ﷺ - وهو الأمر بالحرص على الأمور النافعة، ومن لازمه اجتناب الأمور الضارة مع الاستعانة بالله - يشمل استعماله والأمر به في الأمور الجزئية المختصة بالعبد ومتعلقاته، ويشمل الأمور الكلية المتعلقة بعموم الأمة. فعليهم جميعًا أن يحرصوا على الأمور النافعة. وهي المصالح الكلية والاستعداد لأعدائهم بكل مستطاع مما يناسب الوقت، من القوة المعنوية والمادية، ويبذلوا غاية مقدورهم في ذلك، مستعينين بالله على تحقيقه وتكميله، ودفع جميع ما يضاد ذلك. وشرح هذه الجملة يطول وتفاصيلها معروفة.\n\nوقد جميع النبي ﷺ في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر، والعمل بالأسباب النافعة، وهذان الأصلان دلّ عليهما الكتاب والسنة في مواضع كثيرة. ولا يتم الدين إلا بهما. بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما، لأن قوله \"احرص على ما ينفعك\" أمر بكل","vol":"1","page":37},{"text":"سبب ديني ودنيوي، بل أمر بالجد والاجتهاد فيه والحرص لعيه، نية وهمة، فعلًا وتدبيرًا.\nوقوله: \"واستعن بالله\" إيمان بالقضاء والقدر، وأمر بالتوكل على الله الذي هو الاعتماد التام على حوله وقوته تعالى في جلب المصالح ودفع المضار، مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك. فالمتبع للرسول ﷺ يتعين عليه أن يتوكل على الله في أمر دينه ودنياه، وأن يقوم بكل سبب نافع بحسب قدرته وعلمه ومعرفته والله المستعان.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الحديث الثالث عشر: المؤمن للمؤمن كالبنيان</span>\nعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بعضُه بَعْضًا - وشبّك بين أصابعه\" متفق عليه١.\nهذا حديث عظيم، فيه الخبر من النبي ﷺ عن المؤمنين أنهم على هذا الوصف. ويتضمن الحثّ منه على مراعاة هذا الأصل. وأن يكونوا إخوانًا متراحمين متحابين متعاطفين، يحب كل منهم للآخر ما يحب لنفسه، ويسعى في ذلك، وأن عليهم مراعاة المصالح الكلية الجامعة لمصالحهم كلهم، وأن يكونوا على هذا الوصف فإن البنيان المجموع من أساسات وحيطان محيطة كلية وحيطان تحيط بالمنازل المختصة، وما تتضمنه من سقوف وأبواب ومصالح ومنافع. كل نوع من ذلك لا يقوم بمفرده حتى ينضم بعضها إلى بعض. كذلك المسلمون يجب أن يكونوا كذلك. فيراعوا قيام دينهم وشرائعه وما يقوِّم ذلك ويقويه، ويزيل موانعه وعوارضه.\nفالفروض العينية: يقوم بها كل مكلف، لا يسع مكلفًا قادرًا تركها أو الإخلال بها. وفروض الكفايات: يجعل في كل فرض منها من يقوم به من المسلمين، بحيث تحصل بهم الكفاية، ويتم بهم المقصود المطلوب. قال تعالى في الجهاد: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، وأمر تعالى بالتعاون على البر والتقوى فالمسلمون قصدهم ومطلوبهم واحد، وهو قيام مصالح دينهم ودنياهم التي لا يتم الدين إلا بها. وكل طائفة تسعى في تحقيق مهمتها بحسب ما\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٤٨١، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٨٥ بعد ٦٥.","vol":"1","page":39},{"text":"يناسبها ويناسب الوقت والحال. ولا يتم لهم ذلك إلا بعقد المشاورات والبحث عن المصالح الكلية. وبأي وسيلة تدرك، وكيفية الطرق إلى سلوكها، وإعانة كل طائفة للأخرى في رأيها وقولها وفعلها وفي دفع المعارضات والمعوقات عنها، فمنهم طائفة تتعلم. وطائفة تعلم، ومنهم طائفة تخرج إلى الجهاد بعد تعلمها لفنون الحرب. ومنهم طائفة ترابط، وتحافظ على الثغور، ومسالك الأعداء. ومنهم طائفة تشتغل بالصناعات المخرجة للأسلحة المناسبة لكل زمان بحسبه. ومنهم طائفة تشتغل بالحراثة والزراعة والتجارة والمكاسب المتنوعة، والسعي في الأسباب الاقتصادية، ومنهم طائفة تشتغل بدرس السياسة وأمور الحرب والسلم، وما ينبغي عمله مع الأعداء مما يعود إلى مصلحة الإسلام والمسلمين، وترجيح أعلى المصالح على أدناها، ودفع أعلى المضار بالنزول إلى أدناها، والموازنة بين الأمور، معرفة حقيقة المصالح والمضار ومراتبها.\nوبالجملة، يسعون كلهم لتحقيق مصالح دينهم ودنياهم، متساعدين متساندين، يرون الغاية واحدة، وإن تباينت الطرق، والمقصود واحد، وإن تعددت الوسائل إليه.\nفما أنفع العمل بهذا الحديث العظيم الذين أرشد فيه هذا النبي الكريم أمته إلى أن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. ولهذا حث الشارع على لك ما يقوي هذا الأمر، وما يوجب المحبة بين المؤمنين، وما به يتم التعاون على المنافع، ونهى عن التفرق والتعادي، وتشتيت الكلمة في نصوص كثيرة حتى عد هذا أصلًا عظيمًا من أصول الدين تجب مراعاته واعتباره وترجيحه على غيره والسعي إليه بكل ممكن.\nفنسأل الله تعالى أن يحقق للمسلمين هذا الأصل ويؤلف بين قلوبهم، ويجعلهم يدًا واحدة على من ناوأهم وعاداهم. إنه كريم.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الحديث الرابع عشر: السعي في الخير بين الناس</span>\nعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ \"أَنَّ النبي ﷺ كان إِذَا أَتَاهُ سَائِلٌ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ، قَالَ: اشفعوا فلتؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء\" متفق عليه١.\nوهذا الحديث متضمن لأصل كبير، وفائدة عظيمة، وهو أنه ينبغي للعبد أن يسعى في أمور الخير سواء أثمرت مقاصدها ونتائجها أو حصل بعضها، أو لم يتم منها شيء. وذلك كالشفاعة لأصحاب الحاجات عند الملوك والكبراء، ومن تعلقت حاجاتهم بهم فإن كثيرًا من الناس يمتنع من السعي فيها إذا لم يعلم قبول شفاعته. فيفوّت على نفسه خيرًا كثيرًا من الله، ومعروفًا عند أخيه المسلم. فلهذا أمر النبي ﷺ أصحابه أن يساعدوا أصحاب الحاجة بالشفاعة لهم عنده ليتعجلوا الأجر عند الله، لقوله: \"اشفعوا تؤجروا\" فإن الشفاعة الحسنة محبوبة لله، ومرضية له. قال تعال: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ [النساء:٨٥]، ومع تعجله للأجر الحاضر فإنه أيضًا يتعجل الإحسان وفعل المعروف مع أخيه، ويكون له بذلك عنده يد.\nوأيضًا، فلعل شفاعته تكون سببًا لتحصيل مراده من المشفوع له أو لبعضه، ما هو الواقع. فالسعي في أمور الخير والمعروف التي يحتمل أن تحصل أو لا تحصل خير عاجل، وتعويد للنفوس على الإعانة على الخير، وتمهيد للقيام بالشفاعات التي يتحقق أو يُظن قبولها.\nوفيه من الفوائد: السعي في كل ما يزيل اليأس، فإن الطلب والسعي عنوان على الرجاء والطمع في حصول المراد، وضده بضده، وفي الحديث دليل على الترغيب في توجيه الناس إلى فعل الخير، وأن الشفاعة لا يجب على المشفوع عنده قبولها إلا أن يشفع في إيصال الحقوق الواجبة، فإن الحق الواجب يجب أداؤه وإيصاله إلى مستحقه، ولو لم يشفع فيه.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٤٣٢، ٦٠٢٨، ومسلم في \"صحيحه\" ٢٦٢٧ بعد ١٤٥.","vol":"1","page":41},{"text":"ويتأكد ذلك مع الشفاعة.\nوفيه أيضًا: رحمة النبي ﷺ في حصول الخير لأمته بكل طريق. وهذا فرد من آلاف مؤلفة تدل على كمال رحمته ورأفته ﷺ، فإن جميع الخير والمنافع العامة والخاصة لم تنلها الأمة إلى على يده وبوساطته وتعليمه وإرشاده، كما أنه أرشدهم لدفع الشرور والأضرار العامة والخاصة بكل طريق. فلقد [بلَّغ الرسالة] ١ وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة صلوات الله وسلامه وبركته عليه وعلى آله وصحبه.\nقوله: \"ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء\" قضاؤه تعالى نوعان: قضاء قدري، يشمل الخير والشر والطاعات والمعاصي، بل يشمل جميع ما كان وما يكون، وجميع الحوادث السابقة واللاحقة. وأخصّ منه القضاء القدري الديني الذي يختص بما يحبه الله ويرضاه، وهذا الذي يقضي على لسان نبيه من القسم الثاني؛ إذ هو ﷺ عبد رسول، قد وفَّى مقام العبودية، وكمل مراتب الرسالة، فكل أقواله وأفعاله وهديه وأخلاقه عبودية لله متعلقة بمحبوبات الله تعالى. ولم يكن في حقه ﷺ شيء مباح محض لا ثواب فيه ولا أجر فضلًا عما ليس بمأمور. وهذا شأن العبد الرسول الذي اختار ﷺ هذه المرتبة التي هي أعلى المراتب حين خير بين أن يكون رسولًا ملكًا، أو عبدًا رسولًا٢.\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين سقط من المطبوع، والصواب إثباتها. والله أعلم.\n(٢) يشير إلى قوله ﷺ: \"بل عبدًا رسولًا\". أخرجه: ابن حبّان رقم: ٦٣٦٥- الإحسان، وأحمد ٢/٢٣١، والبزار ٢٤٦٢، والبغوي في \"شرح السنّة\" ٣/٤٧٣، وصحّحه شيخنا الألباني -﵀- في \"السلسلة الصحيحة\" رقم: ١٠٠٢ على شرط الشيخين.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>الْحَدِيثُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ</span>\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ\" رواه أبو داود١.\nيا له من حديث حكيم. فيه الحث لأمته على مراعاة الحكمة. فإن الحكمة وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها. والله تعالى حكيم في خلقه وتقديره، وحكيم في شرعه وأمره ونهيه وقد أمر عباده بالحكمة ومراعاتها في كل شيء وأوامر النبي ﷺ وإرشاداته كلها تدور على الحكمة.\nفمنها: هذا الحديث الجامع، إذ أمر أن ننزل الناس منازلهم. وذلك في جميع المعاملات، وجميع المخاطبات. والتعلم والتعليم.\nفمن ذلك: أن الناس قسمان: قسم لهم حق خاص، كالوالدين والأولاد والأقارب، والجيران والأصحاب والعلماء، والمحسنين بحسب إحسانهم العام والخاص. فهذا القسم تنزيلهم منازلهم: القيام بحقوقهم المعروفة شرعًا وعرفًا، من البر والصلة والإحسان والتوقير والوفاء والمواساة، وجميع ما لهم من الحقوق، فهؤلاء يميزون عن غيرهم بهذه الحقوق الخاصة.\nوقسم ليس لهم مزية اختصاص بحق خاص، وإنما لهم حق الإسلام وحق الإنسانية. فهؤلاء حقهم المشترك: أن تمنع عنهم الأذى والضرر بقول أو فعل، وأن تحب للمسلمين ما تحب لنفسك من الخير وتكره لهم ما تكره لها من الشر. بل يجب منع الأذى عن جميع نوع\n_________\n(١) ضعيف. ذكره مسلم في \"مقدّمة صحيحه\" ١/٥٤، وانظر تعليق النووي عليه في شرح صحيح مسلم ١/١٢٦- ١٢٧ ط: دار القلم.\nوالحديث أخرجه أبو داود في \"سننه\" رقم: ٤٨٤٢، وقال عقبة: \"أنّ ميمون لم يدرك عائشة\" ووصله أيضًا أبو نعيم في \"مستخرجه على صحيح مسلم\" ١/٨٩ رقم ٥٧، وابن خزيمة في \"صحيحه\" كما في \"المقاصد الحسنة\" رقم: ١٧٩، والبيهقي في \"الأدب\" رقم: ٣٢٢، والعسكري في \"الأمثال\" كما في \"المقاصد الحسنة\" وليس في مطبوعه، وأبي الشيخ في \"الأمثال\" ٢٤١.\n\nوذكره الحاكم في \"معرفة علوم الحديث\" ص٧٤. قال: فقد صحّت الرواية عن عائشة أنّها قالت: ... وذكره.\nوانفصل الكلام على الحديث مع السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" أنّه حسن. وضعّفه شيخنا الألباني ﵀ في \"السلسلة الضعيفة\" ١٨٩٤، و\"تخريج المشكاة\" ٤٩٨٩- التحقيق الثاني، وهو قيد الطبع. و\"ضعيف الجامع\" ١٣٤٤.","vol":"1","page":43},{"text":"الإنسان وإيصال ما تقدر عليه لهم من الإحسان.\nومما يدخل في هذا: أن يعاشر الخلق بحسب منازلهم. فالكبير له التوقير والاحترام. والصغير يعامله بالرحمة والرقة المناسب لحاله، والنظير يعامله بم يحب أن يعامله به. وللأم حق خاص بها، وللزوجة حق آخر، ويعامل من يُدل عليه ويثق به، ويتوسع معه، ما لا يعامل به من لا يثق به ولا يدل عليه. ويتكلم مع الملوك وأرباب الرئاسة بالكلام اللين المناسب لمراتبهم. ولهذا قال تعالى لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٣-٤٤]، ويعامل العلماء بالتوقير والإجلال والتعلم، والتواضع لهم، وإظهار الافتقار والحاجة إلى علمهم النافع، وكثرة الدعاء لهم، خصوصًا وقت تعليمهم وفتواهم الخاصة والعامة.\nومن ذلك: أمر الصغار بالخير، ونهيهم عن الشر بالرفق والترغيب، وبذل ما يناسب من الدنيا لتنشيطهم وتوجيههم إلى الخير، واجتناب العنف القولي والفعلي. ولهذا قال ﷺ: \"مُروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر\"١ وكذلك سلك رسول الله ﷺ مع المؤلفة قلوبهم - من العطاء الدنيوي الكثير - ما يحصل به التأليف، ويترتب عليه من المصالح. ولم يفعل ذلك مع من هو معروف بالإيمان الصادق تنزيلًا للناس منازلهم.\nوكذلك مخاطبة الزوجة والأولاد الصغار بالخطاب اللائق بهم الذي فيه بسطهم، وإدخال السرور عليهم.\n\nوكذلك من تنزيل الناس منازلهم: أن تجعل الوظائف الدينية والدنيوية والممتزجة منهما للأكفاء المتميزين، الذين يفضلون غيرهم في ولاية تلك الوظيفة. فمعلوم أن ولاية الملك: أن الواجب فيها خصوصًا - وفي غيرها عمومًا - مشاورة أهل الحل والعقد في تولية نم يصلح لها ممن جميع بين القوة والشجاعة والحلم، ومعرفة السياسة الداخلية والخارجية، ومن له القوة الكافية لتنفيذ العدل، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وردع الظلمة والمجرمين، وغير ذلك مما يدخل في الولاية.\n_________\n(١) صحيح: أخرجه: أبو داود رقم: ٤٩٥، ٤٩٦، والدارقطني ٨٥-ط الهندية، والحاكم ١/١٩٧، والبيهقي ٧/٩٤، وأحمد ٢/١٨٧، العقيلي في \"الضعفاء\"، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٢/٢٧٨، وانظر: \"صحيح أبي داود\" ٥٠٩، \"المشكاة\" ٥٧٢، الإرواء ٢٤٧، صحيح الجامع ٥٨٦٨.","vol":"1","page":44},{"text":"وكذلك ولاية القضاء: يختار لها الأعلم بالشرع وبالواقع، الأفضل في دينه وعقله وصفاته الحميدة.\nوكذلك ولاية الإمامة في المساجد في الجمعة والجماعة: يختار لها الأعلم بأحكام العبادات الأتقى، ثم الأمثل فالمثل - وكذلك ولاية قيادة الجيوش: يختار لها أهل القوة والشجاعة والرأي والنصح، والمعرفة لفنون الحرب وأدواتها، وما يتبع ذلك مما تتوقف عليه هذه الوظيفة المهمة التي هي من أهم الوظائف وأخطرها، إلى غير ذلك من الولايات الكبار والصغار. فإنها داخلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، وهذه الولايات من أعظم الأمانات. فيتعين أن تؤدى إلى أهلها، وأن يوظف فيها أهل الكفاءة بها. وكل وظيفة لها أكفاء مختصون. وهو داخل في هذا الحديث الشريف.\nوكذلك يدخل في ذلك معاملة العصاة والمجرمين. فمن رتب الشارع على جرمه عقوبة من حَدٍّ ونحوه تعين ما عينه الشارع، لأنه هو عين المصلحة العامة الشاملة. ومن لم يعين له عقوبة عُزِّر بحسب حاله ومقامه. فمنهم من يكفيه التوبيخ والكلام المناسب لفعلته، ومنهم من لا يردعه إلا العقوبة البليغة.\nوكذلك في الصدقة والهدية، ليس عطية الطَّواف الذي يدور على الناس فتكفيه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان كعطية الفقير المتعفف الذي أصابته العَيْلة بعد المغني. وفي الأثر \"ارحموا عزيز قوم ذل\"١.\nوكذلك يميز من له آثار وسوابق وغناء ونفع للمسلمين على من ليس كذلك.\nفهذه الأمور وما أشبهها داخلة في هذا الكلام الجامع الذي تواطأ عليه الشرع والعقل. وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.\n_________\n(١) موضوعٌ مرفوعًا. أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" ١/٢٣٦-٢٣٧، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" ١/٤٢٧-٤٢٨، وابن حبّان في \"المجروحين\" ٢/١١٨، ٣/٧٤، والخطيب في \"المتّفق والمفترق\" رقم: ١٥٣، وذكره السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" ١/٢١١ من حديث أنس وابن عبّاس وحكم عليه بالوضع، وقال: إنّما يعرف هذا من قول الفضيل بن عياض.\nوانظر: \"المقاصد الحسنة\" ص٤٩، \"مختصر المقاصد\" ص٥٨، \"التمييز\" ص٢٠، \"الكشف\" ١/١٢٥، \"تنزيه الشريعة\" ١/٢٦٣، \"المنار المنيف\" ص١٠٠، \"الفوائد المجموعة\" ص٣١، \"الغماز على اللماز\" رقم: ٢١، \"أسنى المطالب\" ص٥٢، \"تحذير المسلمين\" ص٨١، \"اللؤلؤ المرصوع\" رقم: ٤١.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الْحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ: الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ</span>\nعن أبي صِرْمَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ ضارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ. وَمَنْ شاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ\" رواه الترمذي وابن ماجه١.\nهذا الحديث دلّ على أصلين من أصول الشريعة:\nأحدهما: أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر.\nوهذا من حكمة الله التي يحمد عليها. فكما أن من عمل ما يحبه الله أحبه الله. ومن عمل ما يبغضه أبغضه الله، ومن يسر على مسلم يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن فرّج عن مؤمن كرب من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، كذلك من ضار مسلمًا ضره الله، ومن مَكَر به مكر الله به، ومن شق عليه شق الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل.\nالأصل الثاني: منع الضرر والمضارة، وأنه \"لا ضرر ولا ضرار\". وهذا يشمل أنواع الضرر كله.\nوالضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرة بوجه من الوجوه. فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره وأذاه عنهم من جميع الوجوه.\nفيدخل في ذلك: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع والنجش، وتلقي الركبان وبيع المسلم على بيع أخيه والشراء على شرائه، ومثله الإجارات، وجميع المعاملات، والخِطْبة على خِطْبة أخيه، وخِطْبة الوظائف التي فيها أهل لها قائم بها. فكل هذا من المضارة المنهي عنها.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود رقم: ٣٦٣٥، وأحمد ٣/٤٥٣، وابن ماجه ٢٣٤٢، والطبراني في \"الكبير\" ٢٢/٨٢٩، ٨٣٠، ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" ٣٥/٣٠٠، والدولابي في \"الكنى والأسماء\" ١/٤٠، والبيهقي ٦/٧٠، وحسّنه شيخنا الألباني -﵀- في \"الإرواء\" ٣/٤١٤، و\"صحيح الجامع\" رقم: ٦٢٤٨.","vol":"1","page":46},{"text":"وكل معاملة من هذا النوع فإن الله لا يبارك فيها، لأنه من ضارَّ مسلمًا ضارّه الله، ومن ضاره الله ترحّل عنه الخير، وتوجه إليه الشر، وذلك بما كسبت يداه.\nويدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره، بقول أو فعل، حتى إنه لا يحل له أن يحدث بملكه ما يضر بجاره، فضلًا عن مباشرة الإضرار به.\nويدخل في ذلك: مضارة الغريم لغريمه، وسعيه في المعاملات التي تضر بغريمه، حتى إنه لا يحل له أن يتصدق ويترك ما وجب عليه من الدين إلا بإذن غريمه، أو برهن موجوداته أحد غرمائه دون الباقين، أو يقف، أو يعتق ما يضر بغريمه، أو ينفق أكثر من اللازم بغير إذنه.\nكذلك الضرار في الوصايا: كما قال تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [النساء:١٢]، بأن يخص أحد ورثته بأكثر مما له، أو ينقص الوارث، أو يوصي لغير وارثه بقصد الإضرار بالورثة.\nوكذلك لا يحل إضرار الزوج بزوجته من وجوه كثيرة، إما أن يعضلها ظلمًا لتفتدى منه، أو يراجعها لقصد الإضرار، أو يميل إلى إحدى زوجتيه ميلًا يضرّ بالأخرى، ويجعلها كالمعلقة.\nومن ذلك: الحيف في الأحكام والشهادات والقسمة وغيرها على أحد الشخصين لنفع الآخر. فكل هذا داخل في المضرة. وفاعله مستحق للعقوبة، وأن يضار الله به.\nوأشد من ذلك: الوقيعة في الناس عند الولاة والأمراء، ليغريهم بعقوبته أو أخذ ما له، أو منعه من حق هو له، فإن من عمل هذا العمل فإنه باغٍ، فليتوقع العقوبة العاجلة والآجلة.\nومن هذا: نهى النبي ﷺ \"أن يورد مُمْرِض على مُصِحّ\"١ لما في ذلك من الضرر.\nوكذلك نهى الجذمى ونحوهم عن مخالطة الناس، وهذا وغيره داخل في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، ونهى ﷺ عن ترويع المسلم، ولو على وجه المزح.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٧٧٤، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٢١.","vol":"1","page":47},{"text":"ومن هذا السخرية بالخلق، والاستهزاء بهم، والوقيعة في أعراضهم، والتحريش بينهم. فكله داخل في المضارة والمشاقة الموجب للعقوبة.\nوكما يدل الحديث بمنطوقه: أن من ضارّ وشاق ضرَّه الله وشقَّ عليه، فإن مفهومه يدلّ على: أن من أزال الضرر والمشقة عن المسلم فإن الله يجلب له الخير، ويدفع عنه الضرر والمشاق، جزاء وفاقًا، سواء كان متعلقًا بنفسه أو بغيره.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>الحديث السابع عشر: التقوى</span>\nعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ\" رَوَاهُ الإمام أحمد والترمذي١.\nهذا حديث عظيم جمع فيه رسول الله ﷺ بين حق الله وحقوق العباد. فحقّ الله على عباده: أن يتقوه حقّ تُقاته. فيتّقوا سخطه وعذابه باجتناب المنهيات وأداء الواجبات.\nوهذه الوصية هي وصية الله للأولين والآخرين، ووصية كل رسول لقومه أن يقول: ﴿اعبدوا الله واتقوه﴾ .\nوقد ذكر الله خصال التقوى في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]، وفي قوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣]، ثم ذكر خصال التقوى فقال: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(١) أخرجه: أحمد ٥/١٦٩، ١٨١، وفي \"الزهد\" ١/٦١، والترمذي رقم: ١٩٨٧، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" رقم: ٢٠٢-ط الحاشدي، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٤/٢١٧-٢١٨، من حديث أبي ذرّ، والحديث حسنٌ بشواهده. وانظر: \"روح العارفين\" رقم: ٢٧-بتخريجي، وهو فيه من حديث معاذ.","vol":"1","page":49},{"text":"يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] . فوصف المتقين بالإيمان بأصوله وعقائده وأعماله الظاهرة والباطنة وبأداء العبادات البدنية والعبادات المالية، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس، وبالعفو عن الناس، واحتمال أذاهم، والإحسان إليهم، وبمبادرتهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم بالاستغفار والتوبة، فأمر ﷺ ووصى بملازمة التقوى حيثما كان العبد في كل وقت وكل مكان، وكل حالة من أحواله، لأنه مضطر إلى التقوى غاية الاضطرار، لا يستغني عنها في كل حالة من أحواله.\nثم لما كان العبد لا بد أن يحصل منه تقصير في حقوق التقوى وواجباتها أمر ﷺ بما يدفع ذلك ويمحوه. وهو أن يتبع الحسنة السيئة \"والحسنة\" اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله تعالى: وأعظم الحسنات الدافعة للسيئات التوبة النصوح والاستغفار والإنابة إلى الله بذكره وحبه، وخوفه ورجائه، والطمع فيه وفي فضله كل وقت. ومن ذلك الكفارات المالية والبدنية التي حددها الشارع.\nومن الحسنات التي تدفع السيئات: العفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق من الآدميين وغيرهم، وتفريج الكربات، والتيسير على المعسرين، وإزالة الضرر والمشقة عن جميع العالمين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال ﷺ: \"الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بينهن ما اجتنبت الكبائر\"١ وكم في النصوص من ترتيب المغفرة على كثير من الطاعات.\n\nومما يكفر الله به الخطايا: المصائب؛ فإنه لا يصيب المؤمن من هَمٍّ ولا غم ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله عنه بها خطاياه. وهي إما فوات محبوب، أو حصول مكروه بدني أو قلبي، أو مالي، داخلي أو خارجي، لكن المصائب بغير فعل العبد. فلهذا أمره بما هو من فعله، وهو أن يتبع السيئة الحسنة.\nثم لما ذكر حق الله - وهو الوصية بالتقوى الجامعة لعقائد الدين وأعماله الباطنة\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٣٣ بعد ١٥ من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":50},{"text":"والظاهرة - قال \"وخالق الناس بخلق حسن\".\nوأول الخلق الحسن: أن تكف عنهم أذاك من كل وجه، وتعفو عن مساوئهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي.\nوأخص ما يكون بالخلق الحسن: سعة الحلم على الناس، والصبر عليهم، وعدم الضجر منهم، وبشاشة الوجه، ولطف الكلام والقول الجميل المؤنس للجليس، المدخل عليه السرور، المزيل لوحشته ومشقة حشمته. وقد يحسن المزح أحيانًا إذا كان فيه مصلحة، لكن لا ينبغي الإكثار منه وإنما المزح في الكلام كالملح في الطعام، إن عدم أو زاد على الحد فهو مذموم.\nومن الخلق الحسن: أن تعامل كل أحد بما يليق به، ويناسب حاله من صغير وكبير، وعاقل وأحمق، وعالم وجاهل.\nفمن اتقى الله، وحقق تقواه، وخالق الناس على اختلاف طبقاتهم بالخلق الحسن فقد حاز الخير كله؛ لأنه قام بحق الله وحقوق العباد ولأنه كان من المحسنين في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله.","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>الحديث الثامن عشر: الظلم ظلمات</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" مُتَّفَقٌ عليه١.\nهذا الحديث فيه التحذير من الظلم، والحث على ضده وهو العدل. والشريعة كلها عدل، آمرة بالعدل، ناهية عن الظلم. قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف:٢٩]، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٩٠]، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، فإن الإيمان - أصوله وفروعه، باطنه وظاهره - كله عدل، وضده ظلم. فأعدل العدل وأصله: الاعتراف وإخلاص التوحيد لله، والإيمان بصفاته وأسمائه الحسنى، وإخلاص الدين والعبادة له. وأعظم الظلم، وأشده الشرك بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، وذلك أن العدل وضع الشيء في موضعه، والقيام بالحقوق الواجبة. والظلم عكسه فأعظم الحقوق. وأوجبها: حق الله على عباده: أن يعرفوه ويعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، ثم القيام بأصول الإيمان، وشرائع الإسلام من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت الحرام، والجهاد في سبيل الله قولًا وفعلًا، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.\nومن الظلم: الإخلال بشيء من ذلك، كما أن من العدل: القيام بحقوق النبي ﷺ من الإيمان به ومحبته، وتقديمها على محبة الخلق كلهم، وطاعته وتوقيره وتبجيله، وتقديم أمره وقوله على أمر غيره وقوله.\nومن الظلم العظيم: أن يخل العبد بشيء من حقوق النبي ﷺ الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأرحم بهم وأرأف بهم من كل أحد من الخلق، وهو الذي لم يصل إلى أحد خير إلا على يديه.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٤٤٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٧٩.","vol":"1","page":52},{"text":"ومن العدل: بر الوالدين، وصلة الأرحام، وأداء حقوق الأصحاب والمعاملين. ومن الظلم: الإخلال بذلك.\nومن العدل: قيام كل من الزوجين بحق الآخر. ومن أخل بذلك منهما فهو ظالم.\nوظلم الناس أنواع كثيرة، يجمعها قوله ﷺ في خطبته في حجة الوداع: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا\"١. فالظلم كله بأنواعه ظلمات يوم القيامة، يعاقب أهلها على قدر ظلمهم، ويجازى المظلومون من حسنات الظالمين. فإن لم يكن لهم حسنات أو فنيت، أخذ من سيئاتهم فطرحت على الظالمين.\nوالعدل كله نور يوم القيامة ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الحديد:١٢]، والله تعالى حرّم الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا. فالله تعالى على صراط مستقيم في أقواله وأفعاله وجزائه. وهو العدل. وقد نصب لعباده الصراط المستقيم الذي يرجع إلى العدل، ومن عدل عنه عدل إلى الظلم والجور الموصل إلى الجحيم.\nوالظلم ثلاثة أنواع: نوع لا يغفره الله، وهو الشرك بالله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] .\nونوع لا يترك الله منه شيئًا: وهو ظلم العباد بعضهم لبعض. فمن كمال عدله: أن يقتصّ الخلق بعضهم من بعض بقدر مظالمهم.\nونوع تحت مشيئة الله: إن شاء عاقب عليه، وإن شاء عفا عن أهله. وهو الذنوب التي بين العباد وبين ربهم فيما دون الشرك.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٩٩.","vol":"1","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الحديث التاسع عشر: شكر النعم</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ. وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدروا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ\" مُتَّفَقٌ عليه١.\nيا لها من وصية نافعة، وكلمة شافية وافية. فهذا يدل على الحث على شكر الله بالاعتراف بنعمه، والتحدث بها، والاستعانة بها على طاعة المنعم، وفعل جميع الأسباب المعينة على الشكر. فإن الشكر لله هو رأس العبادة، وأصل الخير، وأوْجَبُه على العباد؛ فإنه ما بالعباد من نعمة ظاهرة ولا باطنة، خاصة أو عامة إلا من الله. وهو الذي يأتي بالخير والحسنات، ويدفع السوء والسيئات. فيستحق أن يبذل له العباد من الشكر ما تصل إليه قواهم، وعلى العبد أن يسعى بكل وسيلة توصله وتعينه على الشكر.\nوقد أرشد ﷺ إلى هذا الدواء العجيب، والسبب القوي لشكر نعم الله. وهو أن يلحظ العبد في كل وقت من هو دونه في العقل والنسب والمال وأصناف النعم. فمتى استدام هذا النظر اضطره إلى كثرة شكر ربه والثناء عليه. فإنه لا يزال يرى خلقًا كثيرًا دونه بدرجات في هذه الأوصاف، ويتمنى كثير منهم أن يصل إلى قريب مما أوتيه من عافية ومال ورزق، وخَلْق وخُلُق، فيحمد الله على ذلك حمدًا كثيرًا، ويقول: الحمد لله الذي أنعم عليَّ وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلًا.\nينظر إلى خلق كثير ممن سلبوا عقولهم، فيحمد ربه على كمال العقل، ويشاهد عالمًا كثيرًا ليس لهم قوت مدخر، ولا مساكن يأوون إليها، وهو مطمئن في مسكنه، موسع عليه رزقه.\nويرى خلقًا كثيرًا قد ابتُلُوا بأنواع الأمراض، وأصناف الأسقام وهو مُعافى من ذلك،\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٩٦٣ بعد ٩، والترمذي رقم: ٢٥١٣، وأحمد ٢/٢٥٤، ٢٨١، و\"الزهد\" ٩٧ له، وخرّجته في \"روح العارفين\" رقم: ٧، وقول المؤلّف -﵀- متفق عليه فيه نظر، ولعلّه يريد حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري رقم: ٦٤٩٠، ومسلم رقم: ٢٩٦٣ بعد ٨، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا نظر أحدكم إلى من فضّل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه\" وزاد مسلم\" \"ممّن فضّل عليه.","vol":"1","page":54},{"text":"مُسَرْبل بالعافية. ويشاهد خلقًا كثيرًا قد ابتُلوا ببلاء أفظع من ذلك، بانحراف الدين، والوقوع في قاذورات المعاصي. والله قد حفظه منها أو من كثير منها.\nويتأمل أناسًا كثيرين قد استولى عليهم الهم، وملكهم الحزن والوساوس، وضيق الصدر، ثم ينظر إلى عافيته من هذا الداء، ومنة الله عليه براحة القلب، حتى ربما كان فقيرًا يفوق بهذه النعمة - نعمة القناعة وراحة القلب - كثيرًا من الأغنياء.\nثم من ابتلي بشيء من هذه الأمور يجد عالمًا كثيرًا أعظم منه وأشد مصيبة، فيحمد الله على وجود العافية وعلى تخفيف البلاء، فإنه ما من مكروه إلا ويوجد مكروه أعظم منه.\nفمن وفق للاهتداء بهذا الهدي الذي أرشد إليه النبي ﷺ لم يزل شكره في قوة ونمو، ولم تزل نعم الله عليه تترى وتتوالى. ومن عكس القضية فارتفع نظره وصار ينظر إلى من هو فوقه في العافية والمال والرزق وتوابع ذلك، فإنه لا بد أن يزدري نعمة الله، ويفقد شكره. ومتى فقد الشكر ترحلت عنه النعم وتسابقت إليه النقم، وامتحن بالغم الملازم، والحزم الدائم، والتسخط لما هو فيه من الخير، وعدم الرضى بالله ربًا ومدبرًا. وذلك ضرر في الدين والدنا وخسران مبين.\nواعلم أن من تفكر في كثرة نعم الله، وتفطن لآلاء الله الظاهرة والباطنة، وأنه لا وسيلة إليها إلا محض فضل الله وإحسانه، وأن جنسًا من نعم الله لا يقدر العبد على إحصائه وتعداده، فضلًا عن جميع الأجناس، فضلًا عن شكرها. فإنه يضطر إلى الاعتراف التام بالنعم، وكثرة الثناء على الله، ويستحي من ربه أن يستعين بشيء من نعمه على ما لا يحبه ويرضاه، وأوجب له الحياء من ربه الذي هو من أفضل شعب الإيمان فاستحيى من ربه أن يراه حيث نهاه، أو يفقده حيث أمره.\n\nولما كان على الشكر مدار الخير وعنوانه قال ﷺ لمعاذ بن جبل: \"إني أحبك، فلا تدعن أن تقول دبر كل صلاة مكتوبة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك\"١ وكان يقول: \"اللهم\n_________\n(١) أخرجه: أحمد ٥/٢٤٤، وأبو داود رقم: ١٥٢٢، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" ١٠٩، و\"الصغرى\" ٣/٥٣، وابن خزيمة ٢٠٢٠، والطبراني في \"الكبير\" ٢٠/٢٥٠، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/٢٤١، والحاكم في \"المستدرك\" ١/٢٧٣، وصحّحه شيخنا الألباني -﵀- في \"الترغيب\" ٢/٢٦٢، و\"شرح الطحاوية\" ٣٣٥، و\"صحيح سنن أبي داود\" ١٣٦٢، و\"صحيح الجامع\" ٧٩٦٩.","vol":"1","page":55},{"text":"اجعلني لك شكَّارًا، لك ذَكَّارًا. اللهم اجعلني أعظم شكرك، وأكثر ذكرك، وأتبع نصحك، وأحفظ وصيتك\"١.\nوقد اعترف أعظم الشاكرين بالعجز عن شكر نعم الله، فقال ﷺ: \"لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\"٢. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: أبو داود رقم: ١٥١٠، والترمذي رقم: ٣٥٥١، وابن ماجه رقم: ٣٨٣٠، وأحمد ١/٢٢٧، وابن حبّان في \"صحيحه\" ٢٤١٤-موارد، أو ٣/٩٤٧، ٩٤٨-الإحسان، وابن أبي شيبة ١٠/٢٨٠، وعبد بن حميد رقم: ٧١٦-المنتخب، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" رقم: ٦٠٧، والحاكم ١/٥١٩، والطبراني في \"الدعاء\" ١٤١١، ١٤١٢، وصحّحه شيخنا الألباني –﵀- في \"صحيح الترمذي\" ٢٨١٦.\n(٢) هو جزء من حديث أوله: \"اللهم إنّي أعوذ برضاك من سخطك ... \" أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٤٨٦ بعد ٢٢٢.","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>الحديث العشرون: شرط صحّة الصلاة</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ - إِذَا أَحْدَثَ - حتى يتوضأ\" متفق عليه١.\nيدل الحديث بمنطوقه: أن من لم يتوضأ إذا أحدث فصلاته غير مقبولة: أي غير صحيحة، ولا مجزئة، وبمفهومه٢: أن من توضأ قبلت صلاته: أي مع بقية ما يجب ويشترط للصلاة؛ لأن الشارع يعلق كثيرًا من الأحكام على أمور معينة لا تكفي وحدها لترتب الحكم، حتى ينظم إليها بقية الشروط، وحتى تنتفي الموانع. وهذا الأصل الشرعي متفق عليه بين أهل العلم؛ لأن العبادة التي تحتوي على أمور كثيرة - كالصلاة مثلًا - لا يشترط أن تجمع أحكامها في كلام الشارع في موضع واحد، بل يجمع جميع ما ورد فيها من الأحكام، فيؤخذ مجموع أحكامها من نصوص متعددة. وهذا من أكبر الأسباب لوضع الفقهاء علوم الفقه والأحكام، وترتيبها وتبويبها، وضم الأجناس والأنواع بعضها لبعض للتقريب على غيرهم. فلهم في ذلك اليد البيضاء فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.\nوهذا الأصل ينبغي أن تعتبره في كل موضع. وهو أن الأحكام لا تتم إلا باجتماع شروطها ولوازمها، وانتفاء موانعها.\nوالحديث يشمل جميع نواقض الوضوء. فيدخل فيه الخارج من السبيلين، والنوم الناقض للوضوء، والخارج الفاحش من بقية البدن إذا كان نجسًا، وأكل لحم الإبل، ولمس المرأة\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٩٥٤، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٥ بعد ٢.\n(٢) يعني مفهوم المخالفة، ويكرّر المصنّف الاستدلال بمفهوم المخالفة، وهو إحدى الدلالات، فالدلالات هي:\nدلالة المنطوق.\nدلالة الإشارة.\nدلالة الاقتضاء.\nمفهوم المخالفة.","vol":"1","page":57},{"text":"لشهوة، ولمس الفرج باليد. وفي بعضها خلاف١.\nفكل من وجه منه شيء من هذه النواقض لم تصح صلاته، حتى يتوضأ الوضوء الشرعي. فيغسل الأعضاء التي نص الله عليها في سورة المائدة، مع الترتيب والموالاة، أو يتطهر بالتراب بدل الماء عند تعذر استعمال الماء: إما لعدمه، وإما لخوفه باستعماله الضرر.\nوفي هذا دليل على أنه لو صلى ناسيًا أو جاهلًا حدثه فعليه الإعادة لعموم الحديث، \"وهو متفق عليه\". فهو وإن كان مثابًا على فعله صورة الصلاة ما فيها من العبادات، لكن عليه الإعادة لإبراء ذمته. وهذا بخلاف من تطهر ونسي ما على بدنه أو ثوبه من النجاسة فإنه لا إعادة عليه على الصحيح؛ لأن الطهارة من باب فعل الأمور الذي لا تبرأ الذمة إلا بفعله. وأما اجتناب النجاسة فإنه من باب اجتناب المحظور الذي إذا فعل والإنسان معذور، فلا إعادة عليه.\n_________\n(١) أغلب هذه الأمور وردت فيها أحاديث صحيحة كانت الفصل في الخلاف، عدا لمس الفرج باليد، ففيه حديثان: الأوّل: \"من مسّ ذكره فليتوضّأ\"، والثاني: \"إنّما هو بضعةٌ منك\" فذهب المحقّقون من العلماء إلى أنّ اللمس بشهوةٍ ينفض الوضوء، وبغير شهوةٍ لا ينقض الوضوء، وهو اختيار ابن تيمية -﵀-.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الحديث الحادي والعشرون: عشر من الْفِطْرَةِ</span>.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قال رسول الله ﷺ: \"عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ\" قَالَ الرَّاوِي: \"وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إلى أن تكون المضمضة\". رواه مسلم١.\n\"الفطرة\" هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها، وجعلهم مفطورين عليها: على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين، لقبول الخير والإخلاص لله، والتقرب إليه، وجعل تعالى شرائع الفطرة نوعين:\nأحدهما: يطهر القلب والروح، وهو الإيمان بالله وتوابعه من خوفه ورجائه، ومحبته والإنابة إليه. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣٠-٣١] فهذه تزكي النفس، وتطهر القلب وتنميه، وتذهب عنه الآفات الرذيلة، وتحليه بالأخلاق الجميلة، وهي كلها ترجع إلى أصول الإيمان وأعمال القلوب.\nوالنوع الثاني: ما يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته، ودفع الأوساخ والأقذار عنه، وهي هذه العشرة، وهي نم محاسن الدين الإسلامي؛ إذ هي كلها تنظيف للأعضاء، وتكميل لها، لتتم صحتها وتكون مستعدة لكل ما يراد منها.\nفأما المضمضة والاستنشاق: فإنهما مشروعان في طهارة الحدث الأصغر والأكبر\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦١ بعد ٥٦.","vol":"1","page":59},{"text":"بالاتفاق. وهما فرضان فيهما من تطهير الفم والأنف وتنظيفهما، لأن الفم والأنف يتوارد عليهما كثير من الأوساخ والأبخرة ونحوها. وهو مضطر إلى ذلك وإزالته. وكذلك السواك يطهر الفم. فهو \"مطهرة للفم مرضاة للرب\"١ ولهذا يشرع كل وقت ويتأكد عند الوضوء والصلاة والانتباه من النوم، وتغير الفم، وصفرة الأسنان ونحوها.\nوأما قصّ الشارب أو حَفُّه حتى تبدو الشَّفَّة، فلما في ذلك من النظافة، والتحرز مما يخرج من الأنف، فإن شعر الشارب إذا تدلى على الشفة باشر به ما يتناوله من مأكول ومشروب، مع تشويه الخلقة بوفرته، وإن استحسنه من لا يعبأ به. وهذا بخلاف اللحية، فإن الله جعلها وقارًا للرجل وجمالًا به. ولهذا يبقى جماله في حال كبره بوجود شعر اللحية. واعتبر ذلك بمن يعصي الرسول ﷺ فيحلقها، كيف يبقى وجهه مشوهًا قد ذهب محاسنه، وخصوصًا وقت الكبر. فيكون كالمرأة العجوز إذا وصلت إلى هذا السن ذهبت محاسنها، ولو كانت في صباها من أجمل النساء. وهذا محسوس، ولكن العوائد والتقليد الأعمى يوجب استحسان القبيح، واستقباح الحسن.\nوأما قص الأظافر ونتف الإبط، وغسل البراجم، وهي مطاوي البدن التي تجتمع فيها الأوساخ – فلها من التنظيف وإزالة المؤذيات ما لا يمكن جحده، وكذلك حلق العانة.\nوأما الاستنجاء – وهو إزالة الخارج من السبيلين بماء أو حجر – فهو لازم وشرط من شروط الطهارة.\nفعلمت أن هذه الأشياء كلها، تكمل ظاهر الإنسان وتطهره وتنظفه، وتدفع عنه الأشياء الضارة والمستقبحة، والنظافة من الإيمان.\nوالمقصود: أن الفطرة هي شاملة لجميع الشريعة، باطنها وظاهرها؛ لأنها تنفي الباطن من\n_________\n(١) صحيح، علّقه البخاري في \"صحيحه\" قبل رقم: ١٩٣٤، بصيغة الجزم، وأخرجه موصولًا: أحمد في \"مسنده\" ١/٣، ٦/٤٧، ٦٢، ١٢٤، ١٤٦، ٢٣٨، والشافعي في \"الأمّ\" ١/٢٣، وفي \"مسنده\" ص٤، والنسائي في \"سننه\" ١/١٠، والبيهقي في سننه (١/٣٤، وابن خزيمة في \"صحيحه\" رقم: ١٣٥، وانظر: \"إرواء الغليل\" رقم: ٦٦، و\"رياض الصالحين\" رقم: ١٢٢٠، \"المنار المنيف\" رقم: ١٠، وقد خرّجته في \"فوائد السواك\" للآقكرماني يسّر الله نشرها.","vol":"1","page":60},{"text":"الأخلاق الرذيلة، وتحلّيه بالأخلاق الجميلة التي ترجع إلى عقائد الإيمان والتوحيد، والإخلاص لله والإنابة إليه، وتنقي الظاهر من الأنجاس والأوساخ وأسبابها. وتطهره الطهارة الحسية والطهارة المعنوية. ولهذا قال ﷺ: \"الطهور شَطْر الإيمان\"١ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] . فالشريعة كلها طهارة وزكاء وتنمية وتكميل، وحث على معالي الأمور، ونهي عن سفسافها، والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٣ بعد ١.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الحديث الثاني والعشرون: الماء طهور</span>.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ\". رَوَاهُ أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي١.\nهذا الحديث الصحيح يدل على أصل جامع، وهو أن الماء - أي جميع المياه النابعة من الأرض، والنازلة من السماء الباقية على خلقتها، أو المتغيرة بمقرها أو ممرها، أو بما يلقى فيها من الطاهرات ولو تغيرًا كثيرًا - طاهرة تستعمل في الطهارة وغيرها. ولا يستثنى من هذا الكلام الجامع إلا الماء المتغير لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة، كما في بعض ألفاظ هذا الحديث.\nوقد اتفق العلماء على نجاسة الماء المتغير بالنجاسة. واستدل عليه الإمام أحمد ﵁ وغيره بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى آخر الآية. يعني: ومتى ظهرت أوصاف هذه الأشياء المحرمة في الماء صار نجسًا خبيثًا.\nوهذا الحديث وغيره يدل على أن الماء المتغير بالطاهرات طهور. وعلى أن ما خلت به المرأة لا يمنع منه مطلقا٢ً. وعلى طهورية ما انغمست فيه يد القائم من نوم الليل، وإنما ينهى القائم من النوم عن غمسها حتى يغسلها ثلاثًا. وأما المنع من الماء فلا يدل الحديث عليه.\nوالمقصود: أن هذا الحديث يدل على أن الماء قسمان: نجس، وهو ما تغير أحد أوصافه\n_________\n(١) أخرجه: النسائي في \"المجتبى\" ١/١٧٤، وأبو داود، رقم: ٦٦، والترمذي رقم: ٦٦، وأحمد ٣/٣١، وابن الجارود في \"المنتقى\" رقم: ٤٧، وابن أبي شيبة في \"المصنّف\" ١/١٤١-١٤٢، والدارقطني ١/٣٠، وابن المنذر في \"الأوسط\" ١/١٦٩، والبيهقي في \"الخلافيات\" ٣/١٩٧-١٩٨، وانظر \"البدر المنير\" ٢/٥٧، و\"تلخيص الحبير\" ١/١٥، و\"الإرواء\" ١/٤٥، و\"الخلافيات\" ٣/١٩٧-١٩٨.\n\n(٢) أي ذهبت المرأة إلى الخلاء، وقد نهى النبيّ ﷺ عن التوضّؤ بفضل طهور المرأة، وذكر ابن عثيمين -﵀- تفصيلًا رائعًا في الشرح الممتع ١/٣٤-٣٥ فانظره.","vol":"1","page":62},{"text":"بالنجاسة، قليلًا كان أو كثيرًا. وطهور، وهو ما ليس كذلك. وأن إثبات نوع ثالث - لا طهور ولا نجس، بل طاهر غير مطهر، ليس عليه دليل شرعي، فيبقى على أصل الطهورية. ويؤيد هذا العموم قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة:٦]، وهذا عام في كل ماء، لأنه نكرة في سياق النفي، فيشمل كل ما خرج منه الماء النجس للإجماع عليه١.\nودلّ هذا الحديث أيضًا: أن الأصل في المياه الطهارة. وكذلك في غيرها. فمتى حصل الشك في شيء منها: هل وجد فيه سبب التنجيس أم لا؟ فالأصل الطهارة.\n_________\n(١) انظر: الشرح الممتع ١/٢٤-٢٦.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الحديث الثالث والعشرون: سؤر الهرّة</span>.\nعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ فِي الْهِرَّةِ: \"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ\" رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَهْلُ السنن الأربع١.\nهذا الحديث محتوٍ على أصلين:\nأحدهما: أن المشقة تجلب التيسير. وذلك أصل كبير من أصول الشريعة، من جملته: أن هذه الأشياء التي يشق التحرز منها طاهرة، لا يجب غسل ما باشرت بفيها أو يدها أو رجلها، لأنه علل ذلك بقوله: \"إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" كما أباح الاستجمار في محل الخارج من السبيلين، ومسح ما أصابته النجاسة من النعلين والخفين، وأسفل الثوب، وعفا عن يسير طين الشوارع النجس، وأبيح الدم الباقي في اللحم والعروق بعد الدم المسفوح، وأبيح ما أصابه فم الكلب من الصيد، وما أشبه ذلك مما يجمعه علة واحدة، وهي المشقة.\nالثاني: أن الهرة وما دونها في الخلقة كالفأرة ونحوها طاهرة في الحياة لا ينجس ما باشرته من طعام وشراب وثياب وغيرها، ولذلك قال أصحابنا: الحيوانات أقسام خمسة:\nإحداها: نجس حيًا وميتًا في ذاته وأجزائه وفضلاته. وذلك كالكلاب والسباع كلها، والخنزير ونحوها.\nالثاني: ما كان طاهرًا في الحياة نجسًا بعد الممات. وذلك كالهرة وما دونها في الخلقة.\n_________\n(١) صحيح: أخرجه: مالك ١/٢٢-٢٣ رقم: ١٣، والشافعي في \"الأمّ\" ١/٢٠، و\"المسند\" ص٩، وأبو داود رقم: ٧٥، والنسائي في \"المجتبى\" ١/٥٥، و\"السنن الكبرى\" رقم: ٧٣، و\"الترمذي\" رقم: ٩٢، وابن ماجه رقم: ٣٦٧، وأحمد ٥/٣٠٣، ٣٠٩، وعبد الرزاق في \"المصنّف\" ١/١٠١، رقم: ٣٥٣، وأبو عبيد في \"الطهور\" رقم: ٢٠٦، والبيهقي في \"السنن\" ١/٢٤٥، و\"الصغرى\" ١/٥٨-٥٩ رقم: ١٤٤، و\"المعرفة\" ٢/٦٧ رقم: ١٧٧٠، و\"الخلافيّات\" ٣/٨٧-٨٨ رقم: ٩١٠، وانظر تعليق شيخنا مشهور -حفظه الله- عليه.","vol":"1","page":64},{"text":"ولا تحله الذكاة ولا غيرها.\nالثالث: ما كان طاهرًا في الحياة وبعد الممات، ولكنه لا يحل أكله، وذلك كالحشرات التي لا دم لها سائل.\nالرابع: ما كان طاهرًا في الحياة وبعد الذكاة. وذلك كالحيوانات المباح أكلها، كبهيمة الأنعام ونحوها.\nالخامس: ما كان طاهرًا في الحياة وبعد الممات، ذُكِّي أو لم يُذَك وهو حلال، وذلك كحيوانات البحر كلها والجراد.\nواستدل كثير من أهل العلم بقوله ﷺ: \"إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" بطهارة الصبيان، وطهارت أفواههم، ولو بعد ما أصابتها النجاسة، وكذلك طهارة ريق الحمار والبغل وعرقه وشعره. وأين مشقة الهر من مشقة الحمار والبغل؟\nويدل عليه: أنه ﷺ كان يركبها هو وأصحابه، ولم يكونوا يتوقَّون منها ما ذكرنا. وهذا هو الصواب.\nوأما قوله ﷺ في لحوم الحمر يوم خيبر: \"إنها رجس\"١ أي: لحمها رجس نجس حرام أكله. وأما ريقها وعرقها وشعرها: فلم ينه عنه، ولم يتوقّه ﷺ.\nوأما الكلاب: فإنه ﷺ أمر بغسل ما ولغت فيه سبع مرات إحداهن بالتراب٢.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٥٢٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩٤٠.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٧٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٧٩.","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الحديث الرابع والعشرون: من مكفّرات الذنوب</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ\" رواه مسلم١.\nهذا الحديث يدل على عظيم فضل الله وكرمه بتفضيله هذه العبادات الثلاث العظيمة، وأن لها عند الله المنزلة العالية، وثمراتها لا تعدّ ولا تحصى.\nفمن ثمراتها: أن الله جعلها مكملة لدين العبد وإسلامه، وأنها منمية للإيمان، مسقية لشجرته. فإن الله غرس شجرة الإيمان في قلوب المؤمنين بحسب إيمانهم، وقَدَّرَ من ألطافه وفضله من الواجبات والسنن ما يسقي هذه الشجرة وينميها، ويدفع عنها الآفات حتى تكمل وتؤتي أُكُلها كل حين بإذن ربها، وجعلها تنفي عنها الآفات.\nفالذنوب ضررها عظيم، وتنقيصها للإيمان معلوم.\nفهذه الفرائض الثلاث إذا تجنب العبد كبائر الذنوب غفر الله بها الصغائر والخطيئات. وهي من أعظم ما يدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، كما أن الله جعل من لطفه تجنب الكبائر سببًا لتكفير الصغائر. قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]، أما الكبائر فلا بد لها من توبة.\nوعلم من هذا الحديث: أن كل نص جاء فيه تكفير بعض الأعمال الصالحة للسيئات، فإنما المراد به الصغائر؛ لأن هذه العبادات الكبار إذا كانت لا تكفر بها الكبائر فكيف بما دونها؟\nوالحديث صريح في أن الذنوب قسمان: كبائر، وصغائر.\n_________\n(١) تقدّم تخريجه تحت شرح الحديث السابع عشر ص٥٠.","vol":"1","page":66},{"text":"وقد كثر كلام الناس في الفرق بين الصغائر والكبائر. وأحسن ما قيل: إن الكبيرة ما رتب عليه حد في الدنيا، أو توعد عليه بالآخرة أو لعن صاحبه، أو رتب عليه غضب ونحوه، والصغائر ما عدا ذلك.\nأو يقال: الكبائر: ما كان تحريمه تحريم المقاصد. والصغائر: ما حرم تحريم الوسائل، فالوسائل: كالنظرة المحرمة مع الخلوة بالأجنبية. والكبيرة: نفس الزنا، وكربا الفضل مع ربا النسيئة، ونحو ذلك. والله أعلم.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الحديث الخامس والعشرون: صفة الصلاة</span>.\nعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"صلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ\" مُتَّفَقٌ عليه١.\nهذا الحديث احتوى على ثلاث جمل، أولها أعظمها:\nالجملة الأولى: قوله \"إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم\" فيه مشروعية الأذان ووجوبه للأمر به، وكونه بعد دخول الوقت. ويستثنى من ذلك صلاة الفجر. فإنه ﷺ قال: \"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. فإنه لا ينادى حتى يقال له: أصبحت، أصبحت\"٢ وأن الأذان فرض كفاية، لا فرض عين؛ لأن الأمر من الشارع إن خوطب به كل شخص مكلف وطلب حصوله منه، فهو فرض عين. وإن طلب حصوله فقط، بقطع النظر من الأعيان، فهو فرض كفاية. وهنا قال: \"فليؤذن لكم أحدكم\" وألفاظ الأذان معروفة.\nوينبغي أن يكون المؤذن: صَيِّتًا أمينًا، عالمًا بالوقت، متحريًا له، لأنه أعظم لحصول المقصود. ويكفي من يحصل به الإعلام غالبًا.\nوالحديث يدل على وجوب الأذان في الحضر والسفر. والإقامة من تمام الأذان، لأن الأذان: الإعلام بدخول الوقت للصلاة، والإقامة: الإعلام بالقيام إليها.\nوقد وردت النصوص الكثيرة بفضله، وكثرة ثوابه، واستحباب إجابة المؤذن، وأن يقول المجيب مثل ما يقول المؤذن إلا إذا قال: \"حَيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح\" فيقول كلمة الاستعانة بالله على ما دعا إليه من الصلاة والفلاح الذي هو الخير كله: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\"٣ ثم يصلي على النبي ﷺ ويقول: \"اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٣١، ومسلم ٦٧٤ بعد ٢٩٢، وعنده دون قوله: \"صلّوا كما رأيتموني أصلّي\".\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠٩٢ بعد ٣٦.\n\n(٣) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٣٨٥ بعد ١٢، من حديث عمر بن الخطاب.","vol":"1","page":68},{"text":"محمدًا الوسيلة والفضيلة. وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته\"١ ثم يدعو لنفسه؛ لأنه من مواطن الإجابة التي ينبغي للداعي قصدها.\nالجملة الثانية: قوله: \"وليؤمكم أكبركم\" فيه: وجوب صلاة الجماعة وأن أقلها إمام ومأموم، وأن الأولى بالإمامة أقومهم بمقصود الإمامة، كما ثبت في الصحيح: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسُّنّة. فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة أو إسلامًا\"٢ فإن كانوا متقاربين - كما في الحديث - كان الأولى منهما أكبرهما؛ فإن تقديم الأكبر مشروع في كل أمر طلب فيه الترتيب، إذا لم يكن للصغير مزيد فضل؛ لقوله ﷺ: \"كَبِّرْ، كَبِّرْ\"٣.\nوإذا ترتبت الصلاة بإمام ومأموم فإنما جعل الإمام ليؤتم به. فإذا كبر: كَبَّر من وراءه. وإذا ركع، وسجد، ورفع: تبعه من بعده وينهى عن موافقته في أفعال الصلاة. وأما مسابقته الإمام، والتقدم عليه في ركوع أو سجود، أو خفض أو رفع، فإن ذلك حرام، مبطل للصلاة. فيؤمر المأمومون بالاقتداء بإمامهم. وينهون عن الموافقة والمسابقة والتخلف الكثير. فإن كانوا اثنين فأكثر فالأفضل: أن يصفوا خلفه. ويجوز عن يمينه، أو عن جانبيه. والرجل الواحد يصف عن يمين الإمام. والمرأة خلف الرجل، أو الرجل. وتقف وحدها، إلا إذا كان معها نساء فيكنَّ كالرجال في وجوب المصافّة. وإن وقف الرجل الواحد خلف الإمام أو خلف الصف لغير عذر بطلت صلاته.\nوعلى الإمام تحصيل مقصود الإمامة من الجهر بالتكبير في الانتقالات والتسميع، ومن الجهر في القراءة الجهرية. وعليه مراعاة المأمومين في التقدم والتأخر، والتخفيف مع الإتمام.\n\nالجملة الثالثة: وهي الأولى في هذا الحديث - قوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وهذا تعليم منه ﷺ بالقول والفعل، كما فعل ذلك في الحج، حيث كان يقوم بأداء المناسك ويقول للناس: \"خذوا عني مناسككم\"٤ وهذه الجملة تأتي على جميع ما كان يفعله ويقوله ويأمر\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١٤.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٦٧٣ بعد ٢٩٠، ٢٩١.\n(٣) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١٤٢، ٦١٤٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦٦٩.\n(٤) أخرجه: البخاري في صحيحه رقم: ١٢٩٧.","vol":"1","page":69},{"text":"به في الصلاة، وذلك بأن يستكمل العبد جميع شروط الصلاة، ثم يقوم إلى صلاته ويستقبل القبلة، ناويًا الصلاة المعينة بقلبه. ويقول \"الله أكبر\"١ ثم يستفتح، ويتعوذ بما ثبت عن النبي ﷺ من أنواع الاستفتاحات والتعوذات، ويقرأ \"بسم الله الرحمن الرحيم\" ثم يقرأ الفاتحة، وسورة طويلة في صلاة الفجر، وقصيرة في صلاة المغرب، وبين ذلك في بقية الصلوات، ثم يركع كبرًا رافعًا يديه حذو منكبيه في ركوعه وفي رفعه منه في كل ركعة، وعند تكبيرة الإحرام. وإذا قام من التشهد الأول إلى الصحيح في الصلاة الرباعية والثلاثية، ويقول: \"سبحان ربي العظيم\"٢ مرة واجبة. وأقل الكمال: ثلاث مرات، فأكثر. وكذلك تسبيح السجود قول: \"سبحان ربي الأعلى\"٣ ثم يرفع رأسه قائلًا - إمامًا ومنفردًا -: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه\"٤ وكذلك المأموم، إلا أنه لا يقول: \"سمع الله لمن حمده\" ثم يكبر ويسجد على سبعة أعضاء: القدمين، والركبتين، والكفين، والجبهة. مع الأنف، ويمكنها من الأرض، ويجافيها، ولا يبسط ذراعيه انبساط الكلب، ثم يرفع مكبرًا، ويجلس مفترشًا جالسًا على رجله اليسرى، ناصبًا رجله اليمنى، موجهًا أصابعها إلى القبلة. والصلاة جلوسها كله افتراش، إلا في التشهد الأخير. فإنه ينبغي له أن يتورّك، فيقعد على الأرض، ويخرج رجله اليسرى عن يمينه، ويقول بين السجدتين: \"رب اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني واجبرني\"٥ ثم يسجد الثانية كالأولى. وهكذا يفعل في كل ركعة، وعليه أن يطمئن في كل رفع وخفض، وركوع وسجود وقيام وقعود، ثم يتشهد فيقول: \"التحيات لله، والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\"٦ هذا التشهد الأول، ثم يقوم، إن كانت رباعية أو ثلاثية، ويصلي بقيتها\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٣٩١ بعد ٢٥.\n(٢) انظر: \"صفة صلاة النبيّ ﷺ\" ص١٣٢-١٣٣ لشيخنا الألباني -﵀-.\n(٣) انظر: \"صفة صلاة النبيّ ﷺ\" ص١٣٩-١٤٠، ١٤٥.\n(٤) انظر: \"صفة صلاة النبيّ ﷺ\" ص١٣٨-١٣٩.\n(٤) صحيح أخرجه: أبو داود ٨٥٠، والترمذي ٣٨٤، وابن ماجه ٨٩٨، وغيرهم. وانظر \"صفة الصلاة\" ١٥٣.\n(٦) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٨٣١، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٤٠٢، وفي رواية عند البخاري عن ابن مسعود رقم: ٦٢٦٥، بعد أن ذكر الحديث. قال ابن مسعود: \"فلمّا قبض قلنا: السلام -يعني على - على النبيّ ﷺ","vol":"1","page":70},{"text":"بالفاتحة وحدها، وإن كان في التشهد الذي يليه السلام قال: \"اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\"١، \"اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال\"٢ ويدعو بما أحب، ثم يسلمّ، ويذكر الله بما ورد، فجميع الوارد عن النبي ﷺ في الصلاة من فعله وقوله وتعليمه وإرشاده داخل في قوله: \"صلّوا كما رأيتموني أصلي\" وهو مأمور به، أمر إيجاب أو استحباب بحسب الدلالة.\nفما كان من أجزائها، لا يسقط سهوًا ولا جهلًا، ولا عمدًا قيل له: ركن، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والسلام، وكالقيام، والركوع، والسجود، والاعتدال عنهما.\nوما كان يسقط سهوًا ويجبره سجود السهو قيل له: واجب، كالتشهد الأول، والجلوس له، والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام، وقول: \"سمع الله لمن حمده\" للإمام والمنفرد، وقول: \"ربنا ولك الحمد\" لكل مصلّ، وقول: \"سبحان ربي العظيم\" مرّة في الركوع، و\"سبحان ربي الأعلى\" مرة في السجود، وقول: \"ربي اغفر لي\" بين السجدتين.\nوما سوى ذلك فإنه من مكملاتها ومستحباتها. وخصوصًا روح الصلاة ولُبُها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله من قراءة، وذكر ودعاء، وما يفعله من قيام وقعود، وركوع وسجود، والخضوع لله، والخشوع فيها لله.\nومما يدخل في ذلك: تجنب ما نهى عنه الرسول ﷺ في الصلاة: كالضحك، والكلام، وكثرة الحركة المتتابعة لغير ضرورة، فإن الصلاة لا تتم إلا بوجود شروطها وأركانها وواجباتها، وانتفاء مبطلاتها التي ترجع إلى أمرين: إما إخلال بلازم، أو فعل ممنوع فيها، كالكلام ونحوه.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٣٣٧٠، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٤٠٦.\n\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٨٣٢.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الحديث السادس والعشرون: من خصائص النبيّ ﷺ</span>.\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصرت بالرُّعبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعلت لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَطَهُورًا. فأيُّما رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فليُصلّ، وأُحلّت لي الغنائم، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي. وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى الناس عامة\" متفق عليه١.\nفُضِّل نبينا محمد ﷺ بفضائل كثيرة فاق بها جميع الأنبياء. فكل خصلة حميدة ترجع إلى العلوم النافعة، والمعارف الصحيحة، والعمل الصالح. فلنبينا منها أعلاها وأفضلها وأكملها. ولهذا لما ذكر الله أعيان الأنبياء الكرام قال لنبيه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠]، وهداهم: هو ما كانوا عليه من الفضائل الظاهرة والباطنة.\nوقد تمم ﷺ ما أمر به، وفاق جميع الخلق، ولذلك خصّ الله نبينا بخصائص لما يشاركه فيها أحد من الأنبياء، منها: هذه الخمس التي عادت على أمته بكل خير وبركة ونفع.\n\nإحداها: أنه نصر بالرعب مسيرة شهر، وهذا نصر رباني، وجند من السماء يعين الله به رسوله وأمته المتبعين لهديه، فمتى كان عدوه عنه مسافة شهر فأقل فإنه مرعوب منه، وإذا أراد الله نصر أحد ألقى في قلوب أعدائه الرعب، قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران:١٥١]، وألقى في قلوب المؤمنين من القوة والثبات والسكينة والطمأنينة ما هو أعظم أسباب النصر، فالله تعالى وعد نبينا وأمته بالنصر العظيم، وأن يعينهم بأسباب أرشدهم إليها، كالاجتماع والائتلاف، والصبر والاستعداد للأعداء بكل مستطاع من القوة إلى غير ذلك من الإرشادات الحكيمة، وساعدهم بهذا النصر، وقد فعل ﵎، كما هو معروف من حال نبينا ﷺ والمتبعين له من خلفائه الراشدين والملوك الصالحين، تم لهم\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٤٣٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٥٢١.","vol":"1","page":72},{"text":"من النصر والعزّ العظيم في أسرع وقت ما لم يتم لغيرهم.\nالثانية: قوله: \"وجعلت لي الأرض كلها مسجدًا وطهورًا\" وحقق ذلك بقوله: \"فأينما أدركت أحدًا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره\" فجميع بقاع الأرض مسجد يصلى فيها من غير استثناء إلا ما نص الشارع على المنع منه.\nوقد ثبت النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام١، وأعطان الإبل٢. وكذلك الموضع المغصوب والنجس لاشتراط الطهارة لبدن المصلي وثوبه وبقعته.\nوكذلك من عدم الماء أو ضرّه استعماله فله العدول إلى التيمم بجميع ما تصاعد على وجه الأرض، سواء التراب الذي له غبار أو غيره، كما هو صريح هذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة:٦]، فإن الصعيد: كل ما تصاعد على وجه الأرض من جميع أجزائها.\nويدلّ على أن التيمم على الوجه واليدين ينوب مناب طهارة الماء، ويفعل به من الصلاة والطواف ومس الصحف وغير ذلك ما يفعل بطهارة الماء: والشارع أناب التراب مناب الماء عند تعذر استعماله. فيدل ذلك على أنه إذا تطهر بالتراب ولم ينتقض وضوءه لم يبطل تيممه بخروج الوقت ولا بدخوله، وأنه إذا نوى التيمم للنفل استباح الفرض كطهارة الماء، وأن حكمه حكم الماء في كل الأحكام في حالة التعذر.\nالثالثة: قوله: \"وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي\" وذلك لكرامته على ربه، وكرامة أمته وفضلهم، وكمال إخلاصهم، فأحلها لهم، ولم ينقص من أجر جهادهم شيئًا. وحصل بها لهذه الأمة من سعة الأرزاق، وكثرة الخيرات، والاستعانة على أمور الدين والدنيا شيءٌ لا يمكن عدّه. ولهذا قال ﷺ: \"وجعل رزقي تحت ظلّ رمحي\"٣ أما من قبلنا من الأمم، فإن\n_________\n(١) صحيح: أخرجه أبو داود ٤٩٢، وأحمد ٣/٨٣، ٩٦، وابن ماجه ٧٤٥، والترمذي ٣١٧، بلفظ: \"الأرض كلّها مسجد إلاّ المقبرة والحمام\" وصحّحه شيخنا الألباني في \"أحكام الجنائز\" ص٢٧٠.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٣٦٠ بعد ٩٧ من حديث جابر بن سمرة.\n(٣) صحيح، جزءٌ من حديث ابن عمر أوّله: \"بعثت بين يدي الساعة ... \" أخرجه: أحمد ٢/٥٠، ٩٢، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" رقم: ٨٤٦، وابن أبي شيبة في \"مصنّفه\" ٥/٣١٣، وانظر: إرواء الغليل رقم: ١٢٦٩.","vol":"1","page":73},{"text":"جهادهم قليل بالنسبة لهذه الأمة، وهم دون هذه الأمة بقوة الإيمان والإخلاص. فمن رحمته بهم أنه منعهم من الغنائم؛ لئلا يخلّ بإخلاصهم. والله أعلم.\nالرابعة: قوله: \"وأعطيت الشفاعة\" وهي الشفاعة العظمى التي يعتذر عنها كبار الرسل، وينتدب لها خاتمهم محمد ﷺ. فيشفّعه الله في الخلق. ويحصل له المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وأهل السماوات والأرض. وتنال أمته من هذه الشفاعة الحظ الأوفر، والنصيب الأكمل. ويشفع لهم شفاعة خاصة، فيشفعه الله تعالى. وقد قال ﷺ: \"لكل نبي دعوة تعجَّلَها. وقد خَبَّأتُ دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة – إن شاء الله – من مات لا يشرك بالله شيئًا\"١، وقال: \"أسعد الناس بشفاعتي: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه\"٢.\nالخامسة: قوله: \"وكان النبي\" أي: جنس الأنبياء \"يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامة\" وذلك لكمال شريعته وعمومها وسعتها، واشتمالها على الصلاح المطلق، وأنها صالحة لكل زمان ومكان. ولا يتم الصلاح إلا بها. وقد أسّست للبشر أصولًا عظيمة، متى اعتبروها صلحت لهم دنياهم كما صلح لهم دينهم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩٨ بعد ٣٣٨، والبخاري رقم: ٦٣٠٤، ٦٣٠٥، واللفظ لمسلم.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٩٩.","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الحديث السابع والعشرون: من وصايا النبيّ ﷺ</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: \"أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ\" مُتَّفَقٌ عليه١.\nوصيته ﷺ وخطابه لواحد من أمته خطاب للأمة كلها، ما لم يدل دليل على الخصوصية.\nفهذه الوصايا الثلاث، من آكد نوافل الصلاة والصيام. أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر: فإنه ورد أنه يعدل صيام السنة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. وصيام الثلاث من كل شهر يعدل صيام الشهر كله. والشريعة مبناها على اليسر والسهولة. وجانب الفضل فيها غالب. وهذا العمل يسير على من يسره الله عليه، لا يشق على الإنسان ولا يمنعه القيام بشيء من مهماته، ومن ذلك ففيه هذا الفضل العظيم؛ لأن العمل كلما كان أطوع للرب وأنفع للعبد، كان أفضل مما ليس كذلك. وقد ثبت الحثّ على تخصيص ستة من شوال٢، وصيام يوم عرفة٣، والتاسع والعاشر من المحرم٤، والاثنين والخميس٥.\nوأما صلاة الضحى: فإنه قد تكاثرت الأحاديث الصحيحة في فضلها، واختلف العلماء في استحباب مداومتها، أو أن يغب بها الإنسان. والصحيح: أنه تستحب المداومة عليها لهذا الحديث وغيره إلا لمن له عادة من صلاة الليل، فإذا تركها أحيانًا فلا بأس. وقد أخبر رسول الله ﷺ \"إنه يصبح على كل آدمي كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة. ويجزئ من\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١١٧٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٧٢١ بعد ٨٥.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١١٦٤ بعد ٢٠٤.\n(٣) صحيح: أخرجه أحمد ٥/٢٩٦، والترمذي ٧٥٥، وابن ماجه رقم: ١٧٣٤.\n(٤) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١١٣٤.\n\n(٤) صحيح: أخرجه الترمذي ٧٤٧، وأحمد ٢/٣٢٩، وابن ماجه ١٧٤٠، وانظر: \"صحيح مسلم\" ١١٦٢ بعد ١٩٧.","vol":"1","page":75},{"text":"ذلك ركعتان يركعهما من الضحى\"١ قال العلماء: أقل صلاة الضحى ركعتان، وأكثرها ثمان، ووقتها من ارتفاع الشمس قِيْدَ رمح إلى قبيل الزوال.\nوأما الوتر: فإنه سنة مؤكدة، حثّ عليه رسول الله ﷺ، وداوم عليه حضرًا وسفرًا.\nوأقله: ركعة واحدة، وإن شاءَ بثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع، أو إحدى عشر ركعة. وله أن يسردها بسلام واحد، وأن يسلم من كل ركعتين.\nووقت الوتر من صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر والأفضل آخر الليل لمن طمع أن يقوم آخره، وإلا أوتَرَ أوله كما في هذا الحديث.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٧٢٠ بعد ٨٤.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الحديث الثامن والعشرون: الدين يسر</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِنَّ الدِّينَ يُسْر، وَلَنْ يَشادَّ الدينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فسَدِّدوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بالغُدْوة وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلَجة\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١. وَفِي لفظ \"والقصدَ القصدَ تَبْلُغوا\"٢.\nما أعظم هذا الحديث، وأجمعه للخير والوصايا النافعة، والأصول الجامعة. فقد أُسّس ﷺ في أوله هذا الأصل الكبير. فقال: \"إن الدين يسر\" أي ميسر مسهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتُروكه. فإن عقائده التي ترجع إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقَدَر خيره وشره: هي العقائد الصحيحة التي تطمئن لها القلوب، وتوصِّل مقتديها إلى أجلِّ غاية وأفضل مطلوب وأخلاقه وأعماله أكمل الأخلاق، وأصلح الأعمال، بها صلاح الدين والدنيا والآخرة. وبفواتها يفوت الصلاح كله. وهي كلها ميسرة مسهلة، كل مكلف يرى نفسه قادرًا عليها لا تشق عليه، ولا تكلفه، عقائده صحيحة بسيطة. تقبلها العقول السليمة، والفطر المستقيمة. وفرائضه أسهل شيء.\nأما الصلوات الخمس: فإنها تتكرر كل يوم وليلة خمس مرات في أوقات مناسبة لها. وتمم اللطيف الخبير سهولتها بإيجاب الجماعة والاجتماع لها؛ فإن الاجتماع في العبادات من المنشطات والمسهلات لها ورتب عليها من خير الدين وصلاح الإيمان، وثواب الله العاجل والآجل ما يوجب للمؤمن أن يستحليها، ويحمد الله على فرضه لها على العباد؛ إذ لا غنى لهم عنها.\nوأما الزكاة: فإنها لا تجب على فقير ليس عنده نصاب زكوي. وإنما تجب على الأغنياء تتميمًا لدينهم وإسلامهم، وتنمية لأموالهم، وأخلاقهم، ودفعًا للآفات عنهم وعن أموالهم، وتطهيرًا لهم من السيئات، ومواساة لمحاويجهم، وقيامًا لمصالحهم الكلية. وهي مع ذلك جزءٌ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٣٩، وليس عند مسلم، ولهذا في قوله متفق عليه نظر.\n(٢) أخرجه البخاري بهذه الفظة في \"صحيحه\" ٦٤٦٣.","vol":"1","page":77},{"text":"يسير جدًا بالنسبة إلى ما أعطاهم الله من المال والرزق.\nوأما الصيام: فإن المفروض شهر واحد من كل عام، يجتمع فيه المسلمون كلهم، فيتركون فيه شهواتهم الأصلية – من طعام وشراب ونكاح – في النهار، ويعوضهم الله على ذلك من فضله وإحسانه تتميم دينهم وإيمانهم، وزيادة كمالهم، وأجره العظيم، وبره العميم، وغير ذلك مما رتبه على الصيام من الخير الكثير، ويكون سببًا لحصول التقوى التي ترجع إلى فعل الخيرات كلها، وترك المنكرات.\nوأما الحج: فإن الله لم يفرضه إلا على المستطيع، وفي العمر مرة واحدة. وفيه من المنافع الكثيرة الدينية والدنيوية ما لا يمكن تعداده. وقد فصلنا مصالح الحج ومنافعه في محلّ آخر. قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحجّ:٢٨]، أي: دينية ودنيوية.\nثم بعد ذلك بقية شرائع الإسلام التي هي في غاية السهولة الراجعة لأداء حق الله وحق عباده. فهي في نفسها ميسرة. قال تعالى ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، ومع ذلك إذا عرض للعبد عارض مرض أو سفر أو غيرهما، رتب على ذلك من التخفيفات، وسقوط بعض الواجبات، أو صفاتها وهيئتها ما هو معروف.\n\nثم إذا نظر العبد إلى الأعمال الموظفة على العباد في اليوم والليلة المتنوعة من فرض ونفل، وصلاة وصيام وصدقة وغيرها، وأراد أن يقتدي فيها بأكمل الخلق وإمامهم محمد ﷺ رأى ذلك غير شاق عليه، ولا مانع له عن مصالح دنياه، بل يتمكن معه من أداء الحقوق كلها: حقّ الله، وحقّ النفس، وحقّ الأهل والأصحاب، وحقّ كلّ من له حقّ على الإنسان برفق وسهولة، وأما من شدد على نفسه فلم يكتف بما اكتفى به النبي ﷺ، ولا بما علَّمه للأمة وأرشدهم إليه، بل غلا، وأوغل في العبادات: فإن الدين يغلبه، وآخر أمره العجز والانقطاع، ولهذا قال: \"ولن يَشادَ الدينَ أحد إلا غلبه\" فمن قاوم هذا الدين بشدة وغلو، ولم يقتصد: غلبه الدين، واستحسر ورجع القهقرى. ولهذا أمر ﷺ بالقصد، وحثّ عليه. فقال: \"والقصد القصد تبلغوا\".\nثم وصى ﷺ بالتسديد والمقاربة، وتقوية النفوس بالبشارة بالخير، وعدم اليأس.\nفالتسديد: أن يقول الإنسان القول السديد، ويعمل العمل السديد، ويسلك الطريق","vol":"1","page":78},{"text":"الرشيد، وهو الإصابة في أقواله وأفعاله من كل وجه. فإن لم يدرك السداد من كل وجه فليتق الله ما استطاع، وليقارب الغرض. فمن لم يدرك الصواب كله فليكتف بالمقاربة. ومن عجز عن العمل كله فليعمل منه ما يستطيعه.\nويؤخذ من هذا أصل نافع دلّ عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقوله ﷺ: \"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم\"١ والمسائل المبنية على هذا الأصل لا تنحصر. وفي حديث آخر \"يسِّروا، ولا تعسروا. وبَشِّروا ولا تنفروا\"٢.\nثم ختم الحديث بوصية خفيفة على النفوس، وهي في غاية النفع. فقال: \"واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدُّلجة\" وهذه الأوقات الثلاثة كما أنها السبب الوحيد لقطع المسافات القريبة والبعيدة في الأسفار الحسِّية، مع راحة المسافر، وراحة راحلته، وصوله براحة وسهولة، فهي السبب الوحيد لقطع السفر الأخروي، وسلوك الصراط المستقيم، والسير إلى الله سيرًا جميلًا. فمتى أخذ العامل نفسه، وشغلها بالخير والأعمال الصالحة المناسبة لوقته - أوّل نهاره وآخر نهاره وشيئًا من ليله، وخصوصًا آخر الليل - حصل له من الخير ومن الباقيات الصالحات أكمل حظ، وأوفر نصيب. ونال السعادة والفوز والفلاح وتم له النجاح في راحة وطمأنينة، مع حصول مقاصده الدنيوية، وأغراضه النفسية. وهذا من أكبر الأدلة على رحمة الله بعباده بهذا الدين الذي هو مادة السعادة الأبدية؛ إذ نصبه لعباده، وأوضحه على ألسنة رسله، وجعله ميسرًا مسهلًا، وأعان عليه من كل وجه. ولطف بالعاملين، وحفظهم من القواطع والعوائق.\nفعلمت بهذا: أنه يؤخذ من هذا الحديث العظيم عدة قواعد:\nالقاعدة الأولى: التيسير الشامل للشريعة على وجه العموم.\nالقاعدة الثانية: المشقة تجلب التيسير وقت حصولها.\nالقاعدة الثالثة: إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٢٨٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٣٣٧.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧٣٤.","vol":"1","page":79},{"text":"القاعدة الرابعة: تنشيط أهل الأعمال، وتبشيرهم بالخير والثواب المرتب على الأعمال.\nالقاعدة الخامس: الوصية الجامعة في كيفية السير والسلوك إلى الله، التي تغني عن كل شيء ولا يغني عنها شيء.\nفصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم ونوافعها.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"حق المسلم على المسلم ست: قيل: وما هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فشَمِّته. وَإِذَا مَرِضَ فعُدْه، وَإِذَا مَاتَ فاتْبَعه\" رَوَاهُ مسلم١.\nهذه الحقوق الستة من قام بها في حقّ المسلمين كان قيامه بغيرها أولى. وحصل له أداء هذه الواجبات والحقوق التي فيها الخير الكثير والأجر العظيم من الله.\nالأولى: \"إذا لقيته فسلّم عليه\" فإن السلام سبب للمحبة التي توجب الإيمان الذي يوجب دخول الجنة، كما قال ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتى تحابوا. أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم\"٢ والسلام من محاسن الإسلام؛ فإن كل واحد من المتلاقيين يدعو للآخر بالسلامة من الشرور، وبالرحمة والبركة الجالبة لكل خير، ويتبع ذلك من البشاشة وألفاظ التحية المناسبة ما يوجب التآلف والمحبة، ويزيل الوحشة والتقاطع.\nفالسلام حقّ للمسلم. وعلى المسلَّم عليه ردّ التحية بمثلها أو أحسن منها، وخير الناس من بدأهم بالسلام.\nالثانية: \"إذا دعاك فأجبه\" أي: دعاك لدعوة طعام وشراب فاجبر خاطر أخيك الذي أدلى إليك وأكرمك بالدعوة، وأجبه لذلك إلا أن يكون لك عذر.\nالثالثة: قوله: \"وإذا استنصحك فانصح له\" أي: إذا استشارك في عمل من الأعمال: هل يعمله أم لا؟ فانصح له بما تحبه لنفسك. فإن كان العمل نافعًا من كل وجه فحثه على فعله، وإن كان مضرًا فحذره منه وإن احتوى على نفع وضرر فاشرح له ذلك، ووازن بين المصالح\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢١٦٢ بعد ٥.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٥٤ بعد ٩٤.","vol":"1","page":81},{"text":"والمفاسد. وكذلك إذا شاورك على معاملة أحد من الناس أو تزويجه أو التزوج منه فابذل له محض نصيحتك، وأعمل له من الرأي ما تعمله لنفس، وإياك أن تغشه في شيء من ذلك. فمن غش المسلمين فليس منهم، وقد ترك واجب النصيحة.\nوهذه النصيحة واجبة مطلقًا، ولكنها تتأكد إذا استنصحك وطلب منك الرأي النافع. ولهذا قيده في هذه الحالة التي تتأكد. وقد تقدم شرح الحديث \"الدين النصيحة\"١ بما يغني عن إعادة الكلام.\nالرابعة: قوله: \"وإذا عطس فحمد الله فشمته\" وذلك أن العطاس نعمة من الله؛ لخروج هذه الريح المحتقنة في أجزاء بدن الإنسان، يسر الله لها منفذًا تخرج منه فيستريح العاطس. فشرع له أن يحمد الله على هذه النعمة. وشرع لأخيه أن يقول له: \"يرحمك الله\" وأمره أن يجيبه بقوله: \"يهديكم الله ويصلح بالكم\" فمن لم يحمد الله لم يستحق التشميت، ولا يلومن إلا نفسه. فهو الذي فوّت على نفسه النعمتين: نعمة الحمد لله، ونعمة دعاء أخيه له المرتب على الحمد.\nالخامسة: قوله \"وإذا مرض فعده\" عيادة المريض من حقوق المسلم، وخصوصًا من له حق عليك متأكد، كالقريب والصاحب ونحوهما. وهي من أفضل الأعمال الصالحة. ومن عاد أخاه المسلم لم يزل يخوض الرحمة، فإذا جلس عنده غمرت الرحمة. ومن عاده أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي. ومن عاده آخر النهار صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وينبغي للعائد أن يدعو له بالشفاء، وينفس له، ويشرح خاطره بالبشارة بالعافية، ويذكره التوبة والإنابة إلى الله والوصية النافعة. ولا يطيل عنده الجلوس، بل بمقدار العيادة، إلا أن يؤثر المريض كثرة تردده وكثرة جلوسه عنده، فلكل مقام مقال.\nالسادسة: قوله: \"وإذا مات فاتّبعه\" فإن من تبع جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط من الأجر. فإن تبعها حتى تدفن فله قيراطان. واتباع الجنازة فيه حق لله، وحق للميت، وحق لأقاربه الأحياء.\n_________\n(١) مضى تخريجه الحديث رقم: ٣.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>الحديث الثلاثون: أجر النيّة الصالحة</span>.\nعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا\" رواه البخاري١.\nهذا من أكبر مِنن الله على عباده المؤمنين: أن أعمالهم المستمرة المعتادة إذا قطعهم عنها مرض أو سفر كتبت لهم كلها كاملة؛ لأن الله يعلم منهم أنه لولا ذلك المانع لفعلوها، فيعطيهم تعالى بنياتهم مثل أجور العاملين مع أجر المرض الخاص، ومع ما يحصل به من القيام بوظيفة الصبر، أو ما هو أكمل من ذلك من الرضى والشكر، ومن الخضوع لله والانكسار له. ومع ما يفعله المسافر من أعمال ربما لا يفعلها في الحضر: من تعليم، أو نصيحة، أو إرشاد إلى مصلحة دينية أو دنيوية وخصوصًا في الأسفار الخيرية، كالجهاد، والحج والعمرة، ونحوها.\nويدخل في هذا الحديث: أن من فعل العبادة على وجه ناقص وهو يعجز عن فعلها على الوجه الأكمل، فإن الله يكمل له بنيته ما كان يفعله لو قدر عليه؛ فإن العجز عن مكملات العبادات نوع مرض. والله أعلم.\nومن كان من نيته عمل خير، ولكنه اشتغل بعمل آخر أفضل منه، ولا يمكنه الجمع بين الأمرين: فهو أولى أن يكتب له ذلك العمل الذي منعه منه عمل أفضل منه، بل لو اشتغل بنظيره. وفضل الله تعالى عظيم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٩٩٦.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>الحديث الحادي والثلاثون: الحثّ على الإسراع بِالْجِنَازَةِ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ. فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تقدمونها إليه. وإن تك غير ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١.\nهذا الحديث محتوٍ على مسائل أصولية وفروعية.\nفقوله ﷺ: \"أسرعوا بالجنازة\" يشمل الإسراع بتغسيلها وتكفينها وحملها ودفنها، وجميع متعلقات التجهيز. ولهذا كانت هذه الأمور من فروض الكفاية. ويستثنى من هذا الإسراع إذا كان التأخير فيه مصلحة راجحة، كأن يموت بغتة، فيتعين تأخيره حتى يتحقق موته: لئلا يكون قد أصابته سكتة. وينبغي أيضًا - تأخيره لكثرة الجمع، أو لحضور من له حق عليه من قريب ونحوه. وقد علّل ذلك بمنفعة الميت لتقديمه لما هو خير له من النعيم، أو لمصلحة الحي بالسرعة في الإبعاد عن الشر.\nوإذا كان هذا مأمورًا به في أمور تجهيزه، فمن باب أولى الإسراع في إبراء ذمته من ديون وحقوق عليه، فإنه إلى ذلك أحوج.\nوفيه: الحث على الاهتمام بشأن أخيك المسلم حيًا وميتًا، وبالإسراع إلى ما فيه خير له في دينه ودنياه. كما أن فيه: الحق على البعد عن أسباب الشر، ومباعدة المجرمين، حتى في الحالة التي يبتلى الإنسان فيها بمباشرته.\nوفي هذا الحديث: إثبات نعيم البرزخ وعذابه. وقد تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلم٢، وأن مبتدأ ذلك وضعه في قبره إذا تم دفنه، ولهذا يشرع في هذه الحال الوقوف على قبره والدعاء له، والاستغفار، وسؤال الله له الثبات.\nوفي هذا أيضًا: التنبيه على أسباب نعيم البرزخ وعذابه، وأن أسباب النعيم الصلاح؛\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٣١٥، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٩٤٤ بعد ٥٠.\n(٢) في هذه الأجاديث حديث الاستعاذة من عذاب القبر دبر الصلوات وقد تقدّم تخريجه تحت الحديث رقم: ٢٥.","vol":"1","page":84},{"text":"لقوله: \"فإن كانت صالحة\" والصلاح كلمة جامعة تحتوي على تصديق الله ورسوله، وطاعة الله ورسوله. فهو تصديق الخبر، وامتثال الأمر، واجتناب النهي، وأن العذاب سببه الإخلال بالصلاح: إما لشك في الدين، أو اجتراء على المحارم، أو لترك شيء من الواجبات والفرائض. وجميع الأسباب المفصلة في الأحاديث والآثار ترجع إلى ذلك. ولذلك قال تعالى: ﴿لا يَصْلَاهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٥-١٦]، كذب الخبر، وتولى عن الأمر.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الحديث الثاني والثلاثون: تحديد نصاب زكاة الحبوب والثمار</span>.\nعن أبي سعيد الخدري قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أواقٍ مِنَ الوَرِق صَدَقَةٌ. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صدقة\" متفق عليه١.\nاشتمل هذا الحديث على تحديد أنصبة الأموال الزكوية الغالية، والتي تجب فيه الزكاة: الحبوب، والثمار، والمواشي من الأنعام الثلاثة والنقود، وما يتفرع عنها من عروض التجارة.\nأما زكاة الحبوب والثمار: فإن نص هذا الحديث أن نصابها خمسة أوسق. فما دون ذلك لا زكاة فيه. والوَسْق: ستون صاعًا بصاع النبي ﷺ. فتكون الخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع. فمن بلغت حبوب زرعه أو مَغَلَّ ثمره هذا المقدار فأكثر: فعليه زكاته فيما سُقي بمؤونة نصف العشر، وفيما سقي بغير مؤونة العشر.\nوأما زكاة المواشي: فليس فيما دون خمس من الإبل شيء. فإذا بلغت خمسًا: ففيها شاة. ثم في كل خمس شاة، إلى خمس وعشرين: فتجب فيها بنت مخاض، وهي التي تم لها سنة، وفي ست وثلاثين: بنت لبون، لها سنتان. وفي ست وأربعين: حِقَّةٌ، لها ثلاث سنين. وفي إحدى وستين: جَذَعة، لها أربع سنين. وفي ست وسبعين: بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين: حقتان. فإذا زادت على عشرين ومائة: ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.\nوأما نصاب البقر: فالثلاثون فيها تبيع أو تبيعة، له سنة. وفي أربعين مُسِنَّة، لها سنتان. ثم في كل ثلاثين تبيع. وفي كل أربعين مسنة.\nوأما نصاب الغنم: فأقله أربعون، فيها شاة. وفي إحدى وعشرين ومائة: شاتان. وفي\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٤٥٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٩٧٩ بعد ١.","vol":"1","page":86},{"text":"مائتين وواحدة: ثلاث شياه. ثم في كل مائة: شاة، وما بين الفرضين يقال له: \"وَقْص\" في المواشي خاصة، لا شيء فيه، بل هو عفو.\nوأما بقية الحيوانات، كالخيل والبغال والحمير وغيرها: فليس فيه زكاة، إلا إذا أعد للبيع والشراء.\nوأما نصاب النقود من الفضة: فأقله خمس أواق. والأوقية أربعون درهمًا. فمتى بلغت عنده مائتا درهم: ففيه ربع العشر. وكذلك ما تفرع عن النقدين من عروض التجارة. وهو كل ما أعدّ للبيع والشراء لأجل المكسب والربح، فيُقَوَّم إذا حال الحول بقيمة النقود، ويخرج عنه ربع العشر. ولا بد في جميعها من تمام الحول إلا الحبوب والثمار، فإنها تخرج زكاتها وقت الحصاد والجذاذ، قال تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١] . فهذه أصناف الأموال التي تجب فيها الزكاة.\nوأما مصرفها: فللأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠] .","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>الحديث الثالث والثلاثون: فضل الصبر والعفّة</span>.\nعن أبي سعيد ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعفّه اللَّهُ. وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغنه اللَّهُ. وَمَنْ يَتَصَبَّر يُصّبِّره اللَّهُ. وَمَا أعطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وأوسع من الصبر\" متفق عليه١.\nهذا الحديث اشتمل على أربع جمل جامعة نافعة.\nإحداها: قوله: \"ومن يستعفف يعفه الله\"\nوالثانية: قوله: \"ومن يستغن يغنه الله\"\nوهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقًا به دون المخلوقين، فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبدًا لله حقًا حُرًّا من رق المخلوقين. وذلك بأن يجاهد نفسه عن أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم. فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله. ولهذا قال ﷺ لعمر: \"ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه. ومالا فلا تتبعه نفسَك\"٢ فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففًا وترفعًا عن مِنن الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة.\nوتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله، والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه. وهذا هو المقصود. والأول وسيلة إلى هذا. فإن من استعف عما في أيدي الناس وعما يناله منهم: أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه وثقته بربه. والله تعالى عند حسن ظن عبده به إن ظن خيرًا فله: وإن ظن غيره فله. وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه. فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه بالمخلوقين وبالعكس.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٤٦٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠٥٣.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٤٧٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠٤٥.","vol":"1","page":88},{"text":"ومن دعاء النبي ﷺ: \"اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى\"١ فجمع الخير كله في هذا الدعاء.\nفالهدى: هو العلم النافع. والتقى: العمل الصالح، وترك المحرمات كلها. وهذا صلاح الدين.\nوتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله. ومن كان غنيًا بالله فهو الغني حقًا، وإن قلت حواصله. فليس الغني عن كثرة العَرَض، إنما الغنى غنى القلب. وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله.\nوالثالثة قوله: \"ومن يتصبر يصبره الله\".\nثم ذكر في الجملة الرابعة: أن الصبر إذا أعطاه الله العبد فهو أفضل العطاء وأوسعه وأعظمه، إعانة على الأمور. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ [البقرة:٤٥]، أي: على أموركم كلها.\nوالصبر كسائر الأخلاق يحتاج إلى مجاهدة للنفس وتمرينها. فلهذا قال: \"ومن يتصبر\" أي: يجاهد نفسه على الصبر \"يصبره الله\" ويعينه وإنما كان الصبر أعظم العطايا، لأنه يتعلق بجميع أمور العبد وكمالاته وكل حالة من أحواله تحتاج إلى صبر. فإنه يحتاج إلى الصبر على طاعة الله، حتى يقوم بها ويؤديها. وإلى صبر عن معصية الله حتى يتركها لله وإلى صبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يتسخطها. بل إلى صبر على نعم الله ومحبوبات النفس، فلا يدع النفس تمرح وتفرح الفرح المذموم، بل يشتغل بشكر الله، فهو في كل أحواله يحتاج إلى الصبر. وبالصبر ينال الفلاح. ولهذا ذكر الله أهل الجنة فقال: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤]، وكذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان:٧٥]، فهم نالوا الجنة بنعيمها، وأدركوا المنازل العالية بالصبر. ولكن العبد يسأل الله\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٧٢١.","vol":"1","page":89},{"text":"العافية من الابتلاء الذي لا يدري ما عاقبته، ثم إذا ورد عليه فوظيفته الصبر. فالعافية هي المطلوبة بالأصالة في أمور الابتلاء والامتحان. والصبر يؤمر به عند وجود أسبابه متعلقاته. والله هو المعين.\nوقد وعد الله الصابرين في كتابه وعلى لسان رسوله أمورًا عالية جليلة. وعدهم بالإعانة في كل أمورهم، وأنه معهم بالعناية والتوفيق والتسديد، وأنه يحبهم ويثبت قلوبهم وأقدامهم، ويلقي عليهم السكينة والطمأنينة، ويسهل لهم الطاعات، ويحفظهم من المخالفات، ويتفضل عليهم بالصلوات والرحمة والهداية عند المصيبات. والله يرفعهم إلى أعلى المقامات في الدنيا والآخرة. وعدهم النصر، وأن ييسرهم لليسرى ويجنبهم العُسرى. ووعدهم بالسعادة والفلاح والنجاح، وأن يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأن يخلف عليهم في الدنيا أكثر مما أخذ منهم من محبوباتهم، وأحسن، يعوضهم عن وقوع المكروهات عوضًا عاجلًا يقابل أضعاف أضعاف ما وقع عليهم من كريهة ومصيبة. وهو في ابتدائه صعب شديد. وفي انتهائه سهل حميد العواقب كما قيل:\nوالصبر مثل اسمه مُرٌّ مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الحديث الرابع والثلاثون: ما نقصت صدقة من مال</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا. وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١.\nهذا الحديث احتوى على فضل الصدقة، والعفو والتواضع، وبيان ثمراتها العاجلة والآجلة، وأن كل ما يتوهمه المتوهم من نقص الصدقة للمال، ومنافاة العفو للعز، والتواضع للرفعة. وهم غالط، وظن كاذب.\nفالصدقة لا تنقص المال؛ لأنه لو فرض أنه نقص من جهة، فقد زاد من جهات أُخر؛ فإن الصدقة تبارك المال، وتدفع عنه الآفات وتنميه، وتفتح للمتصدق من أبواب الرزق وأسباب الزيادة أمورًا ما تفتح على غيره. فهل يقابل ذلك النقص بعض هذه الثمرات الجليلة؟\nفالصدقة لله التي في محلها لا تنفد المال قطعًا، ولا تنقصه بنص النبي ﷺ، وبالمشاهدات والتجربات المعلومة. هذا كله سوى ما لصاحبها عند الله: من الثواب الجزيل، والخير والرفعة.\nوأما العفو عن جنايات المسيئين بأقوالهم وأفعالهم: فلا يتوهم منه الذل، بل هذا عين العز، فإن العز هو الرفعة عند الله وعند خلقه، مع القدرة على قهر الخصوم والأعداء.\n\nومعلوم ما يحصل للعافي من الخير والثناء عند الخلق وانقلاب العدو صديقًا، وانقلاب الناس مع العافي، ونصرتهم له بالقول والفعل على خصمه، ومعاملة الله له من جنس عمله، فإن من عفا عن عباد الله عفا الله عنه. وكذلك المتواضع لله ولعباده ويرفعه الله درجات؛ فإن الله ذكر الرفعة في قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، فمن أجلّ ثمرات العلم والإيمان: التواضع؛ فإنه الانقياد الكامل للحق، والخضوع لأمر الله ورسوله؛ امتثالًا للأمر، واجتنابًا للنهي، مع التواضع لعباد الله، وخفض الجناح لهم، ومراعاة الصغير والكبير، والشريف والوضيع. وضد ذلك التكبر؛ فهو غمط الحق، واحتقار الناس.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٨٨.","vol":"1","page":91},{"text":"وهذه الثلاث المذكورات في هذا الحديث: مقدمات صفات المحسنين. فهذا محسن في ماله، ودفع حاجة المحتاجين. وهذا محسن بالعفو عن جنايات المسيئين. وهذا محسن إليهم بحلمه وتواضعه، وحسن خلقه مع الناس أجمعين. وهؤلاء قد وسعوا الناس بأخلاقهم وإحسانهم ورفعهم الله فصار لهم المحل الأشرف بين العباد، مع ما يدخر الله لهم من الثواب.\nوفي قوله ﷺ: \"وما تواضع أحد لله\" تنبيه على حسن القصد والإخلاص لله في تواضعه؛ لأن كثيرًا من الناس قد يظهر التواضع للأغنياء ليصيب من دنياهم، أو للرؤساء لينال بسببهم مطلوبه. وقد يظهر التواضع رياء وسمعة. وكل هذه أغراض فاسدة. لا ينفع العبد إلا التواضع لله تقربًا إليه. وطلبًا لثوابه، وإحسانًا إلى الخلق؛ فكمال الإحسان وروحه الإخلاص لله.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الحديث الخامس والثلاثون: للصائم فرحتان</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ. فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. ولَخَلُوف فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ١. وَالصَّوْمُ جُنَّة. وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سابَّه أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صائم\" متفق عليه٢.\nما أعظم هذا الحديث؛ فإنه ذكر الأعمال عمومًا، ثم الصيام خصوصًا وذكر فضله وخواصه، وثوابه العاجل والآجل، وبيان حكمته، والمقصود منه، وما ينبغي فيه من الآداب الفاضلة. كلها احتوى عليها هذا الحديث.\nفبين هذا الأصل الجامع، وأن جميع الأعمال الصالحة - من أقوال وأفعال، ظاهرة أو باطنة، سواء تعلقت بحق الله، أو بحقوق العباد - مضاعفة من عشر إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.\nوهذا من أعظم ما يدل على سعة فضل الله، وإحسانه على عباده المؤمنين؛ إذ جعل جناياتهم ومخالفتهم الواحدة بجزاء واحد، ومغفرة الله تعالى فوق ذلك.\nوأما الحسنة: فأقل التضعيف أو الواحدة بعشر. وقد تزيد على ذلك بأسباب.\nمنها: قوة إيمان العامل، وكمال إخلاصه. فكلما قوي الإيمان والإخلاص تضاعف ثواب العمل.\nومنها: أن يكون للعمل موقع كبير، كالنفقة في الجهاد والعلم، والمشاريع الدينية العامة، وكالعمل الذي قوي بحسنه وقوته ودفعه المعارضات، كما ذكره ﷺ في قصة أصحاب\n_________\n(١) إلى هنا أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١١٥١ بعد ١٦٤.\n(٢) أخرجه: مسلم رقم: ١١٥١ بعد ١٦٣، والحديث عند البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٩٠٤، بتقديم وتأخيرٍ مع تغير في بعض الألفاظ.","vol":"1","page":93},{"text":"الغار١، وقصة البَغِيِّ التي سقت الكلب، فشكر الله لها وغفر لها٢. ومثل العمل الذي يثمر أعمالًا أُخر، ويقتدي به غيره، أو يشاركه فيه مشارك، وكدفع الضرورات العظيمة، وحصول المبرات الكبيرة، وكالمضاعفة لفضل الزمان أو المكان، أو العامل عند الله.\nفهذه المضاعفات كلها شاملة لكل عمل.\nواستثنى في هذا الحديث الصيام، وأضافه إليه، وأنه الذي يجزى به بمحض فضله وكرمه، من غير مقابلة للعمل بالتضعيف المذكور الذي تشترك فيه الأعمال. وهذا شيء لا يمكن التعبير عنه، بل يجازيهم بما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\nوفي الحديث كالتنبيه على حكمة هذا التخصيص، وأن الصائم لما ترك محبوبات النفس التي طبعت على محبتها، وتقديمها على غيرها، وأنها من الأمور الضرورية، فقدم الصائم عليها محبة ربه، فتركها لله في حالة لا يطلع عليها إلا الله، وصارت محبته لله مقدمة وقاهرة لكل محبة نفسية، وطلب رضاه وثوابه مقدمًا على تحصيل الأغراض النفسية. فلهذا اختصه الله لنفسه، وجعل ثواب الصائم عنده. فما ظنك بأجر وجزاء تكفل به الرحمن الرحيم الكريم المنان، الذي عمت مواهبه جميع الموجودات، وخصّ أولياءه منها بالحظ الأوفر، والنصيب الأكمل، وقدر لهم من الأسباب والألطاف التي ينالون بها ما عنده على أمور لا تخطر له بالبال. ولا تدور في الخيال؟ فما ظنك أن يفعل الله بهؤلاء الصائمين المخلصين؟\nوهنا يقف القلم، ويسيح قلب الصائم فرحًا وطربًا بعمل اختصه الله لنفسه، وجعل جزاءه من فضله المحض، وإحسانه الصرف. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\n\nودلّ الحديث على أن الصيام الكامل هو الذي يدع العبد فيه شيئين: المفطرات الحسية، من طعام وشراب ونكاح وتوابعها. والمنقصات العملية، فلا يرفث ولا يصخب، ولا يعمل عملًا محرمًا، ولا يتكلم بكلام محرم. بل يجتنب جميع المعاصي، وجميع المخاصمات والمنازعات المحدثة للشحناء. ولهذا قال: \"فلا يرفث\" أي: لا يتكلم بكلام قبيح \"ولا\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٢١٥، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٧٤٣.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٤٤ بعد ١٥٤، ١٥٥.","vol":"1","page":94},{"text":"يصخب\"١ بالكلام المحدث للفتن والمخاصمات. كما قال في الحديث الآخر: \"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه\"٢.\nفمن حقق الأمرين: ترك المفطرات، وترك المنهيات، تم له أجر الصائمين. ومن لم يفعل ذلك فلا يلومن إلا نفسه.\nثم أرشد الصائم إذا عرض له أحد يريد مخاصمته ومشاتمته أن يقول له بلسانه: \"إني صائم\".\nوفائدة ذلك: أن يريد كأنه يقول: اعلم أنه ليس بي عجز عن مقابلتك على ما تقول، ولكني صائم، أحترم صيامي وأراعي كماله، وأمر الله ورسوله. واعلم أن الصيام يدعوني إلى ترك المقابلة، ويحثُّني على الصبر. فما عملته أنا خير وأعلى مما عملته معي أيها المخاصم.\nوفيه: العناية بالأعمال كلها من صيام وغيره، ومراعاة تكميلها، والبعد عن جميع المنقصات لها، وتذكر مقتضيات العمل، وما يوجبه على العامل وقت حصول الأسباب الجارحة للعمل.\nوقوله: \"الصيام جُنَّة\" أي: وقاية يتقي بها العبد الذنوب في الدنيا ويتمرن به على الخير، ووقاية من العذاب.\nفهذا من أعظم حكم الشارع من فوائد الصيام، وذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، فكون الصوم جنة، وسبب لحصول التقوى: هو مجموع الحكم التي فصلت في حكمة الصيام وفوائده فإنه يمنع من المحرمات أو يخففها، ويحث على كثير من الطاعات.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٨٩٤، ومسلم ١١٥١ بعد ١٦٠، وفيهما \"يجهل\" بدل \"يصخب\".\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٩٠٣.","vol":"1","page":95},{"text":"وقوله ﷺ: \"لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لقاء ربه\".\nهذا ثوابان: عاجل، وآجل.\nفالعاجل: مشاهد إذا أفطر الصائم فرح بنعمة الله عليه بتكميل الصيام. وفرح بنيل شهواته التي منع منها في النهار.\nوالآجل: فرحه عند لقاء ربه برضوانه وكرامته. وهذا الفرح المعجل نموذج ذلك الفرح المؤجل، وأن الله سيجمعهما للصائم.\nوفيه: الإشارة إلى أن الصائم إذا قارب فطره، وحصلت له هذه الفرحة، فإنها تقابل ما مر عليها في نهاره من مشقة ترك الشهوات. فهي من باب التنشيط، وإنهاض الهمم على الخير.\nوقوله: \"وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ريح المسك\".\nالخلوف: هو الأثر الذي يكون في الفم من رائحة الجوف عند خلوه من الطعام وتصاعد الأبخرة. فهو وإن كان كريهًا للنفوس، فلا تحزن أيها الصائم؛ فإنه أطيب عند الله من ريح المسك، فإنه متأثر عن عبادته والتقرب إليه. وكل ما تأثر عن العبادات من المشقات والكريهات فهو محبوب لله. ومحبوب الله عند المؤمن مقدم على كل شيء.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ الْأَوْلِيَاءِ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ. وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ. وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إليَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا. وَلَئِنْ سَأَلَنِي لأعطينَّه، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ. وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ الْمُؤمِنِ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ. وَلَا بُدَّ لَهُ منه\" رواه البخاري١.\nهذا حديث جليل، أشرف حديث في أوصاف الأولياء، وفضلهم ومقاماتهم.\nفأخبر أن معاداة أوليائه معاداة له ومحاربة له. ومن كان متصديًا لعداوة الرب ومحاربة مالك الملك فهو مخذول. ومن تكفل الله بالذَّبِّ عنه فهو منصور. وذلك لكمال موافقة أولياء الله لله في محابه؛ فأحبهم وقام بكفايتهم، وكفاهم ما أهمهم.\nثم ذكر صفة الأولياء الصفة الكاملة، وأن أولياء الله هم الذين تقربوا إلى الله بأداء الفرائض أولًا: من صلاة وصيام وزكاة وحج وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وجهاد، وقيام بحقوقه وحقوق عباده الواجبة.\nثم انتقلوا من هذه الدرجة إلى التقرب إليه بالنوافل، فإن كل جنس من العبادات الواجبة مشروع من جنسه نوافل فيها فضائل عظيمة تكمل الفرائض، وتكمل ثوابها.\nفأولياء الله قاموا بالفرائض والنوافل، فتولاهم وأحبهم وسهل لهم كل طريق يوصلهم إلى رضاه. ووفقهم وسددهم في جميع حركاتهم، فإن سمعوا سمعوا بالله. وإن أبصروا فلله. وإن بطشوا أو مشوا ففي طاعة الله.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٥٠٢ بتمامه دون الحرف الأخير منه وهو: \"ولا بدّ له منه\" وانظر: فتح الباري ١١/٣٥٤، فقد وردت من رواية ابن مخلد عن كرامة، وفي حديث وهب بن منبه.","vol":"1","page":97},{"text":"ومع تسديده لهم في حركاتهم جعلهم مجابي الدعوة: إن سألوه أعطاهم مصالح دينهم ودنياهم، وإن استعاذوه من الشرور أعاذهم.\nومع ذلك لطف بهم في كل أحوالهم، ولولا أنه قضى على عباده بالموت لسلم منه أولياءه؛ لأنهم يكرهونه لمشقته وعظمته. والله يكره مساءتهم، ولكن لما كان القضاء نافذًا كان لا بد لهم منه.\nفبين في هذا الحديث: صفة الأولياء، وفضائلهم المتنوعة، وحصول محبة الله لهم التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، وأنه معهم وناصرهم، ومؤيدهم ومسددهم، ومجيب دعواتهم.\nويدل هذا الحديث على: إثبات محبة الله، وتفاوتها لأوليائه بحسب مقاماتهم.\nووصف النبي ﷺ لأولياء الله بأداء الفرائض والإكثار من النوافل، مطابق لوصف الله لهم بالإيمان والتقوى في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣] .\nفكل من كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا؛ لأن الإيمان يشمل العقائد، وأعمال القلوب والجوارح. والتقوى ترك جميع المحرمات.\nويدل على أصل عظيم: وهو أن الفرائض مقدمة على النوافل، وأحب إلى الله وأكثر أجرًا وثوابًا. لقوله: \"وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مما افترضت عليه\"، وأنه عند التزاحم يتعين تقديم الفروض على النوافل.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الحديث السابع والثلاثون: البيّعان بالخيار</span>.\nعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"البيِّعان بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. فَإِنْ صَدَقَا وبيَّنا: بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا. وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا: مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١.\nهذا الحديث أصل في بيان المعاملات النافعة، والمعاملات الضارة وأن الفاصل بين النوعين: الصدق والبيان.\nفمن صدق في معاملته، وبين جميع ما تتوقف عليه المعاملة من الأوصاف المقصودة، ومن العيوب والنقص. فهذه معاملة نافعة في العاجل بامتثال أمر الله ورسوله، والسلامة من الإثم، وبنزول البركة في معاملته. وفي الآجلة بحصول الثواب، والسلامة من العقاب.\nومن كذب وكتم العيوب، وما في العقود عليه من الصفات فهو مع إثمه معاملته ممحوقة البركة. متى نزعت البركة من المعاملة خسر صاحبها دنياه وأُخراه.\nويستدل بهذا الأصل على تحريم التدليس، وإخفاء العيوب، وتحريم الغش، والبخس في الموازين والمكاييل والذرع وغيرها؛ فإنها من الكذب والكتمان. وكذلك تحريم النجش، والخداع في المعاملات وتلقي الجلب ليبيعهم، أو يشتري منهم٢.\nويدخل فيه: الكذب في مقدار الثمن والمثمن، وفي وصف المعقود عليه، وغير ذلك.\nوضابط ذلك: أن كل شيء تكره أن يعاملك فيه أخوك المسلم أو غيره ولا يخبرك به، فإنه من باب الكذب والإخفاء والغش.\nويدخل في هذا: البيع بأنواعه، والإجارات، والمشاركات وجميع المعاوضات، وآجالها ووثائقها. فكلها يتعين على العبد فيها، الصدق والبيان، ولا يحل له الكذب والكتمان.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٠٧٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٥٣٢ بعد ٤٧.\n(٢) أي: يتلقّى الركب قبل وصولهم إلى الأسواق ليشتري منهم دون أن يعرفوا سعر السلعة في السوق، فيحصل عليها بسعرٍ قليل. والله الموفق.","vol":"1","page":99},{"text":"وفي هذا الحديث: إثبات خيار المجلس في البيع، وأن لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الإمضاء أو الفسخ، ما داما في محل التبايع. فإذا تفرّقا ثبت البيع ووجب، وليس لواحد منهما بعد ذلك الخيار إلا بسبب يوجب الفسخ، كخيار شرط، أو عيب يجده قد أخفى عليه، أو تدليس أو تعذر معرفة ثمن، أو مثمن.\nوالحكمة في إثبات خيار المجلس: أن البيع يقع كثيرًا جدًا، وكثيرًا ما يندم الإنسان على بيعه أو شرائه؛ فجعل له الشارع الخيار؛ كي يتروى وينظر حاله: هل يمضي، أو يفسخ؟ والله أعلم.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الحديث الثامن والثلاثون: من البيوع المنهي عنها</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: \"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الغَرر\" رَوَاهُ مسلم١.\nوهذا كلام جامع لكل غَرر. والمراد بالغَرر: المخاطرة والجهالة. وذلك داخل في الميسر، فإن الميسر كما يدخل في المغالبات والرهان -إلا رهان سباق الخيل والإبل والسهام٢- فكذلك يدخل في أمور المعاملات.\nفكل بيع فيه خطر: هل يحصل المبيع، أو لا يحصل؟ -كبيع الآبق والشارد والمغصوب من غير غاصبه، أو غير القادر على أخذه، وكبيع ما في ذمم الناس -وخصوصًا المماطلين والمعسرين - فإنه داخل في الغرر.\nوكذلك كل بيع فيه جهالة ظاهرة يتفاوت فيها المقصود؛ فإنها داخلة في بيع الغرر، كبيعه ما في بيته من المتاع، أو ما في دكانه، أو ما في هذا الموضع، وهو لا يدري به ولا يعلمه، أو بيع الحصاة التي هي مثال من أمثلة الغرر، كأن يقول: ارم هذه الحصاة، فعلى أيّ متاع وقعت، فهو عليك بكذا، أو ارمها في الأرض فما بلغته من المدى، فهو لك بكذا، أو بيع المنابذة أو الملامسة، أو بيع ما في بطون الأنعام، وما أشبه ذلك: فكل ذلك غرر واضح.\nومن حكمة الشارع: تحريم هذا النوع؛ لما فيه من المخاطرات، وإحداث العداوات التي قد يغبن فيها أحدهما الآخر غبنًا فاحشًا مضرًا.\nولهذا اشترط العلماء للبيع: العلم بالمبيع، والعلم بالثمن.\nواشترطوا أيضًا: أن يكون العاقد جائز التصرف، بأن يكون بالغًا عاقلًا رشيدًا؛ لأن العقد مع الصغير أو غير الرشيد لا بد أن يحصل به غبن مضر. وذلك من الغرر.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٥١٣ بعد ٤.\n(٢) انظر لهذا المبحث كتاب \"الفروسيّة\" لشيخ الإسلام ابن القيّم -﵀-.","vol":"1","page":101},{"text":"وكذلك اشترطوا: العلم بالأجل، إذا كان الثمن أو بعضه، أو المبيع في السلم مؤجلًا؛ لأن جهالة الأجل تصيِّر العقد غررًا.\nوكما يدخل في النهي عن بيع الغرر، الغررُ الذي يتفقان عليه. فمن باب أولى أن يدخل فيه التغرير، وتدليس أحدهما على الآخر شيئًا من أمور المعاملة: من معقود به، أو عليه، أو شيء من صفاته.\nوالغش كله داخل في التغرير، وأفراد الغش وتفاصيله، لا يمكن ضبطها. وهي معروفة بين الناس.\nوحاصل بيع الغرر يرجع إلى بيع المعدوم، كحبَل الحبَلة، والسنين، أو بيع المعجوز عنه، كالآبق ونحوه، أو بيع المجهول المطلق في ذاته، أو جنسه، أو صفاته.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الحديث التاسع والثلاثون: أنواع الصلح وشروطه</span>\nعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حرامًا\" رواه أهل السنن إلا النسائي١.\nجمع في هذا الحديث الشريف بين أنواع الصلح والشروط - صحيحها وفاسدها - بكلام يشمل من أنواع العلم وأفراده ما لا يحصى، بحد واضح بيِّن.\nفأخبر أن الأصل في الصلح: أنه جائز لا بأس به، إلا إذا حرم الحلال، أو أحل الحرام. وهذا كلم محيط، يدخل فيه جميع أقسام الصلح. والصلح خير؛ لما فيه من حسم النزاع، وسلامة القلوب، وبراءة الذمم.\nفيدخل فيه: الصلح في الأمور في الإقرار، بأن يقرَّ له بدين، أو عين، أو حق، فيصالحه عنه ببعضه أو بغيره.\nوصلح الإنكار، بأن يدعي عليه حقًا من دين، أو عين، فينكر. ثم يتفقان على المصالحة على هذا بعين أو دين، أو منفعة أو إبراء، أو غيره: فكل ذلك جائز.\nوكذلك الصلح عن الحقوق المجهولة، كأن يكون بين اثنين معاملة طويلة، اشتبه فيها ثبوتُ الحق على أحدهما أو عليهما، أو اشتبه مقداره، فيتصالحان على ما يتفقان عليه، ويتحريان العدل.\nوتمام ذلك: أن يحل كل منهما الآخر، أو يكون بين اثنين مشاركة في ميراث أو وقف، أو وصية أو مال آخر: من ديون، أو أعيان، ثم يتصالحان عن ذلك بما يريانه أقرب إلى العدل والصواب.\n_________\n(١) صحيح، أخرجه: الترمذي ١٣٥٢، وابن ماجه ٢٣٥٣، والدارقطني ٣/٢٧، والحاكم ٤/١٠١، والبيهقي ٦/٦٥، وانظر: \"إرواء الغليل\" ٥/١٤٤.","vol":"1","page":103},{"text":"وكذلك يدخل في ذلك: المصالحة بين الزوجين في حق من حقوق الزوجية: من نفقة أو كسوة أو مسكن أو غيرها، ماضية أو حاضرة، وإن اقتضت الحال أن يغض أحدهما عن بعض حقه: لاستيفاء بقيته، أو لبقاء الزوجية، أو لزوال الفضل، أو لغير ذلك من المقاصد، فكل ذلك حسن. كما قال تعالى في حقهما: ﴿فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:١٢٨]، وكذلك الصلح عن القصاص في النفوس، أو الأطراف بمال يتفقان عليه، أو المعاوضة عن ديات النفوس والأطراف والجروح أو يصلح الحاكم بين الخصوم بما تقتضيه الحال، متحريًا في ذلك مصلحتهما جميعًا.\nفكل هذا داخل في قوله ﷺ: \"الصلح جائز بين المسلمين\".\nفإن تضمن الصلح تحريم الحلال، أو تحليل الحرام، فهو فاسد بنص هذا الحديث، كالصلح على رق الأحرار، أو إباحة الفروج المحرمة، أو الصلح الذي فيه ظلم. ولهذا قيده الله بقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، أو صلح اضطرار كالمكره، وكالمرأة إذا عضلها زوجها ظلمًا لتفتدي منه، وكالصلح على حق الغير بغير إذنه وما أشبه ذلك، فهذا النوع صلح محرم غير صحيح.\nوأما الشروط: فأخبر في هذا الحديث أن المسلمين على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، وهذا أصل كبير. فإن الشروط هي التي يشترطها أحد المتعاقدين على الآخر مما له فيه حظ ومصلحة، فذلك جائز. وهو لازم إذا وافقه الآخر عليه، واعترف به.\nوذلك مثل إذا اشترط المشتري في المبيع وصفًا مقصودًا، كشرط العبد كاتبًا، أو يحسن العمل الفلاني، أو الدابة هملاجة أو لبونًا، أو الجارح صيودًا، أو الجارية بكرًا أو جميلة أو فيها الوصف الفلاني المقصود.\n\nومثل أن يشترط المشتري: أن الثمن أو بعضه مؤجل بأجل مسمى، أو يبيع الشيء ويشترط البائع: أن ينتفع به مدة معلومة، كما باع جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله","vol":"1","page":104},{"text":"عنهما للنبي ﷺ جمله، واشترط ظهره إلى المدينة١.\nومثل أن يشترط سكنى البيت، أو الدكان مدة معلومة، أو يستعمل الإناء مدة معلومة، وما أشبه ذلك.\nوكذلك شروط الرهن والضمان والكفالة هي من الشروط الصحيحة اللازمة.\nومثل الشروط التي يشترطها المتشاركان في مضاربة، أو شركة عنان، أو وجوه أو أبدان، أو مساقاة، أو مزارعة: فكلها صحيحة، إلا شروطًا تحلل الحرام، وعكسه، كالتي تعود إلى الجهالة والغرر.\nومثل شروط الواقفين والموصين في أوقافهم ووصاياهم من الشروط المقصودة: فكلها صحيحة، ما لم تدخل في محرم.\nوكذلك الشروط بين الزوجين، كأن تشترط دارها أو بلدها، أو نفقة معينة أو نحوها. فإن أحق الشروط أن يوفى به هذا النوع.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في\" صحيحه\" رقم: ٢٧١٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٥٩٩.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الحديث الأربعون: المعاسرة في إعطاء الحقّ الواجب ظلم</span>\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَطْل الغنيِّ ظُلْمٌ. وَإِذَا أُتْبع أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِئٍ فليَتْبع\" متفق عليه١.\nتضمن هذا الحديث الأمر بحسن الوفاء، وحسن الاستيفاء والنهي عما يضاد الأمرين أو أحدهما.\nفقوله: \"مطل الغني ظلم\" أي: المعاسرة في أداء الواجب ظلم؛ لأنه ترك لواجب العدل؛ إذ على القادر المبادرة إلى أداء ما عليه، من غير أن يحوج صاحب الحق إلى طلب وإلحاح، أو شكاية. فمن فعل ذلك مع قدرته على الوفاء فهو ظالم.\n\"والغني\" هو الذي عنده موجودات مالية يقدر بها على الوفاء.\nومفهوم الحديث: أن المعسر لا حرج عليه في التأخير. وقد أوجب الله على صاحب الحق إنظاره إلى الميسرة.\nونفهم من هذا الحديث: أن الظلم المالي لا يختص بأخذ مال الغير بغير حق، بل يدخل في كل اعتداء على مال الغير، أو عل حقه بأي وجه يكون.\nفمن غصب مال الغير، أو سرقه، أو جحد حقًا عنده للغير، أو بعضه، أو ادعى عليه ما ليس له من أصل الحق أو وصفه، أو ماطله بحقه من وقت إلى آخر، أو أدى إليه أقل مما وجب له في ذمته - وصفًا أو قدرًا - فكل هؤلاء ظالمون بحسب أحوالهم. والظلم ظلمات يوم القيامة على أهله.\nثم ذكر في الجملة الأخرى حسن الاستيفاء، وأن من له الحق عليه أن يَتْبَع صاحبه بمعروف وتيسير، لا بإزعاج ولا تعسير، ولا يرهقه من أمره عسرًا، ولا يمتنع عليه إذا وجهه إلى جهة ليس عليه فيها مضرة ولا نقص. فإذا أحاله بحقه على ملئ -أي: قادر على الوفاء\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٨٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٥٦٤ بعد ٣٣.","vol":"1","page":106},{"text":"غير مماطل ولا ممانع - فليتحول عليه؛ فإن هذا من حسن الاسيتفاء والسماحة.\nولهذا ذكر الله تعالى الأمرين في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأمر صاحب الحق أن يتبع من عليه الحق بالمعروف، والمستحسن عرفًا وعقلًا، وأن يؤدي من عليه الحق بإحسان.\nوقد دعا ﷺ لمن اتصف بهذا الوصف الجميل، فقال: \"رحم الله عبدًا سَمْحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى\"١.\nفالسماحة في مباشرة المعاملة، وفي القضاء، والاقتضاء، يرجى لصاحبها كل خير: ديني ودنيوي، لدخوله تحت هذه الدعوة المباركة التي لا بد من قبولها.\nوقد شوهد ذلك عيانًا. فإنك لا تجد تاجرًا بهذا الوصف إلا رأيت الله قد صبّ عليه الرزق صبًا، وأنزل عليه البركة. وعكسه صاحب المعاسرة والتعسير، وإرهاق المعاملين. والجزاء من جنس العمل. فجزاء التيسير التيسير.\nوإذا كان مطل الغني ظلمًا: وجب إلزامه بأداء الحق إذا شكاه غريمه. فإن أدى وإلا عُزر حتى يؤدي، أو يسمح غريمه. ومتى تسبب في تغريم غريمه بسبب شكايته: فعليه الغرم لما أخذ من ماله، لأنه هو السبب، وذلك بغير حق. وكذلك كل من تسبب لتغريم غيره ظلمًا فعليه الضمان.\nوهذا الحديث أصل في باب الحوالة، وأمن حُوِّلَ بحقه على مليء فعليه أن يتحول، وليس له أن يمتنع.\nومفهومه: أنه إذا أحيل على غير مليء فليس عليه التحول، لما فيه من الضرر عليه.\nوالحق الذي يتحول به: هي الديون الثابتة بالذمم، من قرض أو ثمن مبيع، أو غيرهما.\nوإذا حوله على المليء فاتبعه: برئت ذمة المحيل، وتحوَّل حق الغريم إلى من حُوِّلَ عليه. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٠٧٦، بلفظ مختصر. وانظر: \"صحيح الجامع\" ٣٤٩٥.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الحديث الحادي والأربعون: على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه</span>.\nعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ، حَتَّى تؤدِّيَه\" رواه أهل السنن إلا النسائي١.\nوهذا شامل لما أخذته من أموال الناس بغير حق كالغضب ونحوه، وما أخذته بحق، كرهن وإجارة.\nأما القسم الأول: فهو الغصب. وهو أخذ مال الغير بغير حق بغير رضاه. وهو من أعظم الظلم والمحرمات؛ فإن رسول الله ﷺ يقول: \"من غصب قيد شبر من الأرض طُوِّقه يوم القيامة من سبع أرضين\"٢.\nوعلى الغاصب أن يرد ما أخذه، ولو غَرَم على رده أضعاف قيمته، ولو صار عليه ضرر في رده، لأنه هو الذي أدخل الضرر على نفسه. فإن نقص ردَّه مع أرش نقصه. وعليه أجرته مدة بقائه بيده، وإن تلف ضمنه.\nوأما إذا كانت اليد أخذت مالك الغير برضى صاحبه، بإجارة، أو رهن، أو مضاربة، أو مساقاة، أو مزارعة، أو غيرها: فصاحب اليد أمين؛ لأن صاحب العين قد ائتمنه، فإن تلفت وهي بيده، بغير تعدٍّ ولا تفريط: فلا ضمان عليه. وإن تلفت بتفريط في حفظها أو تعدٍّ عليها: ضمنها ومتى انقضى الغرض منها ردها إلى صاحبها.\nودخل في هذا الحديث \"على اليد ما أخذت حتى تؤديه\".\nوكذلك العارية على المستعير أن يردها إلى صاحبها بانقضاء الغرض منها، أو طلب ربها؛ لأن العارية عقد جائز لا لازم.\n_________\n(١) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة ٦/١٤٦، وأحمد ٥/٨، ١٢، ١٣، وأبو داود ٣٥٦١، وابن ماجه ٢٤٠٠، والترمذي ١٢٦٦، والطبراني في \"الكبير\" ٦٨٦٢، والحاكم ٢/٤٧، والبيهقي ٦/٩٠، ٩٥، ٨/٢٧٦، وانظر: \"ضعيف ابن ماجه\" ٥٢٣، والإرواء ١٥١٦.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٤٥٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦١٢ بعد ١٤٢.","vol":"1","page":108},{"text":"فإن تلفت العارية بغير تعد ولا تفريط. فمن العلماء من ضَمَّنه، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. ومنهم من لم يضمنه كسائر الأمناء.\nومنهم من فصَّل: فإن شرط ضَمَانَها ضمِنَها، وإلا فلا. وهو أحسن الأقوال الثلاثة.\nولكن لو وجد المال بيد مجنون، أو سفيه، أو صغير، فأخذه ليحفظه، فتلف بيده بغير تعدّ ولا تفريط: فإنه محسن، وما على المحسنين من سبيل.\nولو أخذ اللقطة التي يجوز التقاطها، فعليه تعريفها عامًا كاملًا. فإن لم تعرف: فهي لواجدها. فإن وجد صاحبها بعد ذلك ووصفها: سلمها إليه إن كانت موجودة، وضمنها إن كان قد أتلفها باستعمال أو غيره. وإن تلفت في حول التعريف بغير تفريط ولا تعد: فلا ضمان على الملتقط؛ لأنه من جملة الأمناء، وهي حينئذ لم تدخل في ملكه. والله أعلم.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الْحَدِيثُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَحْكَامُ الشُّفْعَةِ</span>.\nعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: \"قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرفت الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ\" رَوَاهُ البخاري١.\nيؤخذ من هذا الحديث: أحكام الشفعة كلها، وما فيه شفعة، وما لا شفعة فيه.\nوالشفعة إنما هي في الأموال المشتركة. وهي قسمان: عقار وغيره.\nفأثبت في هذا الحديث الشفعة في العقار. ودلّ على أن غير العقار لا شفعة فيه، فالشركة في الحيوانات، والأثاثات، والنقود، وجميع المنقولات لا شفعة فيها، إذا باع أحدهما نصيبه منها.\nوأما العقارات: فإذا أفرزت وحددت الحدود، وصرفت الطرق واختار كل من الشريكين نصيبه فلا شفعة فيها، كما هو نص الحديث لأنه يصير حينئذ جارًا، والجار لا شفعة له على جاره.\nوأما إذا لم تحد الحدود ولم تصرف الطرق، ثم باع أحدهم نصيبه: فللشريك أو الشركاء الباقين الشفعة، بأن يأخذوه بالثمن الذي وقع عليه العقد، كُلٍّ على قدر ملكه.\nوظاهر الحديث: أنه لا فرق بين العقار الذي تمكن قسمته [وبين ما لا يقسم] ٢، وهذا هو الصحيح؛ لأن الحكمة في الشفعة - وهي إزالة الضرر عن الشريك - موجودة في النوعين. والحديث عام.\nوأما ما استدل به على التفريق بين النوعين: فضعيف.\nواختلف العلماء في شفعة الجار على جاره، إذا كان بينهما حق من حقوق الملكين، كطريق مشترك، أو بئر أو نحوهما.\nفمنهم: من أوجب الشفعة في هذا النوع، وقال: إن هذا الاشتراك في هذا الحق نظير\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" ٢٢٥٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦٠٨ بعد ١٣٤.\n(٢) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق فأضفتهاها من عندنا. والله أعلم.","vol":"1","page":110},{"text":"الاشتراك في جميع الملك، والضرر في هذا كالضرر هناك. وهو الذي تدل عليه الأدلة.\nومنهم: من لم يثبت فيه شفعة، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.\nومنهم: من أثبت الشفعة للجار مطلقًا. وهذه الصورة عنده من باب أولى، كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة.\nوالنبي ﷺ أثبت للشريك الشفعة: إن شاء أخذ، وإن شاء لم يأخذ، وهو من جملة الحقوق، التي لا تسقط إلا بإسقاطها صريحًا، أو بما يدل على الإسقاط.\nوأما اشتراط المبادرة جدًا إلى الأخذ بها، من غير أن يكون له فرصة في هذا الحق المتفق عليه: فهذا قول لا دليل عليه.\nوما استدلوا به من الحديثين اللذين أوردهما: \"الشفعة كحل العقال\"١،\nو\"الشفعة لمن واثبها\"٢ فلم يصح منهما عن النبي ﷺ شيء.\nفالصحيح: أن هذا الحق كغيره من الحقوق من خيار الشرط، أو العيب أو نحوها الحق ثابت إلا إن أسقطه صاحبه بقول أو فعل. والله أعلم.\n_________\n(١) ضعيف جدًّا، أخرجه: ابن ماجه ٢٥٠٠، والبيهقي ٦/١٠٨، وفيه محمد بن الحارث البصري متروكٌ. وانظر: العلل ١/٤٧٩ لابن أبي حاتم، \"تلخيص الحبير\" ٣/٥٦، ضعيف ابن ماجه ٥٤٢، إرواء الغليل رقم: ١٥٤٢.\n(٢) مضى تخريجه في الحديث الذي قبله.","vol":"1","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>الحديث الثالث والأربعون: فضل الشركات وبركتها</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ، مَا لم يَخُن أحدهما صاحبه. فإن خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ١.\nيدل هذا الحديث بعمومه على جواز أنواع الشركات كلها: شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة وغيرها من أنواع الشركات التي يتفق عليها المتشاركان.\nومن منع شيئًا منها فعليه الدليل الدال على المنع، وإلا فالأصل الجواز، لهذا الحديث، وشموله. ولأن الأصل الجواز في كل المعاملات.\nويدل الحديث على فضل الشركات وبركتها، إذا بنيت على الصدق والأمانة. فإن من كان الله معه بارك له في رزقه، ويسر له الأسباب التي ينال بها الرزق، رزقه من حيث لا يحتسب، وأعانه وسدده.\nوذلك: لأن الشركات يحصل فيها التعاون بين الشركاء في رأيهم وفي أعمالهم. وقد تكون أعمالًا لا يقدر عليها كل واحد بمفرده، وباجتماع الأعمال والأموال يمكن إدراكها.\nوالشركات أيضًا يمكن تفريعها وتوسيعها في المكان والأعمال وغيرها.\nوأيضًا: فإن الغالب أنها يحصل بها من الراحة ما لا يحصل بتفرد الإنسان بعلمه. وقد يجري ويدير أحدهما العمل مع راحة الآخر، أو ذهابه لبعض مهماته، أو وقت مرضه.\nوهذا كله مع الصدق والأمانة. فإذا دخلتها الخيانة ونوى أحدهما أو كلاهما خيانة الآخر، وإخفاء ما يتمكن منه خرج الله من بينهما. وذهبت البركة. ولم تتيسر الأسباب. والتجربة والمشاهدة تشهد لهذا الحديث. والله أعلم.\n_________\n(١) ضعيفٌ: أخرجه أبو داود رقم: ٣٣٨٣، والدارقطني ٣٠٣-ط الهندية. أو ٣/٥٣، وقال عقبه: \"قال لوين: لم يسنده أحدٌ إلاّ أبو همام\"، والحاكم ٢/٥٢، والبيهقي ٦/٧٨، ٧٨-٧٩، وانظر: الاتحافات السنية رقم: ٦٠ للحدادي، \"التلخيص الحبير\" ٣/٤٩، الإرواء رقم: ١٤٦٨.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الحديث الرابع والأربعون: ما ينفع العبد بعد وفاته</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١.\nدار الدنيا جعلها الله دار عمل، يتزود منها العباد من الخير، أو الشر، للدار الأخرى، وهي دار الجزاء. وسيندم المفرطون إذا انتقلوا من هذه الدار، ولم يتزودوا منها لآخرتهم ما يسعدهم، وحينئذ لا يمكن الاستدراك. ولا يتمكن العبد أن يزيد [في] ٢ حسناته مثقال ذرة، ولا يمحو من سيئاته كذلك. وانقطع عمل العبد عنه إلا هذه الأعمال الثلاثة التي هي من آثار عمله.\nالأول - الصدقة الجارية: أي: المستمر نفعها. وذلك كالوقف للعقارات التي ينتفع بمغلِّها، أو الأواني التي ينتفع باستعمالها، أو الحيوانات التي ينتفع بركوبها ومنافعها، أو الكتب والمصاحف التي ينتفع باستعمالها والانتفاع بها، أو المساجد والمدارس والبيوت وغيرها التي ينتفع بها.\nفكلها أجرها جارٍ على العبد ما دام ينتفع بشيء منها. وهذا من أعظم فضائل الوقف. وخصوصًا الأوقاف التي فيها الإعانة على الأمور الدينية، كالعلم والجهاد، والتفرغ للعبادة، ونحو ذلك.\nولهذا اشترط العلماء في الوقف: أن يكون مصرفه على جهة بر وقربة.\nالثاني - العلم الذي ينتفع به من بعده: كالعلم الذي علمه الطلبة المستعدين للعلم، والعلم الذي نشره بين الناس، والكتب التي صنفها في أصناف العلوم النافعة.\nوهكذا كل ما تسلسل الانتفاع بتعليمه مباشرة، أو كتابة، فإن أجره جار عليه. فكم من علماء هداة ماتوا من مئات من السنين، وكتبهم مستعملة، وتلاميذهم قد تسلسل خيرهم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦٣١ بعد ١٤.\n(٢) ما بين المعقوفتين زيادةٌ يقتضيها السياق.","vol":"1","page":113},{"text":"وذلك فضل الله.\nالثالث - الولد الصالح: ولد صلب، أو ولد ابن، أو بنت، ذكر أو أنثى - ينتفع والده بصلاحه ودعائه. فهو في كل وقت يدعو لوالديه بالمغفرة والرحمة، ورفع الدرجات، وحصول المثوبات.\nوهذه المذكورة في هذا الحديث هي مضمون قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، فما قدموا: هو ما باشروه من الأعمال الحسنة أو السيئة.\nوآثارهم ما ترتب على أعمالهم، مما عمله غيرهم، أو انتفع به غيرهم. وجميع ما يصل إلى العبد من آثار عمله ثلاثة:\nالأول: أمور عمل بها الغير بسببه وبدعايته وتوجيهه.\nالثاني: أمور انتفع بها الغير أيّ نفع كان، على حسب ذلك النفع باقتدائه به في الخير.\nالثالث: أمور عملها الغير وأهداها إليه، أو صدقة تصدق بها عنه أو دعا له، سواء أكان من أولاده الحسيين أو من أولاده الروحيين الذين تخرجوا بتعليمه، وهدايته وإرشاده، أو من أقاربه وأصحابه المحبين، أو من عموم المسلمين، بحسب مقاماته في الدين، وبحسب ما أوصل إلى العباد من الخير، أو تسبب به. وبحسب ما جعل الله له في قلوب العباد من الود الذي لا بد أن تترتب عليه آثاره الكثيرة التي منها: دعاؤهم، واستغفارهم له.\nوكلها تدخل في هذا الحديث الشريف.\nوقد يجتمع للعبد في شيء واحد عدة منافع. كالولد الصالح العالم الذي سعى أبوه في تعليمه، وكالكتب التي يقفها أو يهبها لمن ينتفع بها.\nويستدل بهذا الحديث على الترغيب في التزوج الذي من ثمراته حصول الأولاد الصالحين، وغيرها من المصالح، كصلاح الزوجة وتعليمها ما تنتفع به، وتنفع غيرها. والله أعلم.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الحديث الخامس والأربعون: السبق في المباحات</span>\nعَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ له\" رواه أبو داود١.\nيدخل في هذا الحديث: السبق إلى جميع المباحات التي ليست ملكًا لأحد، ولا باختصاص أحد.\nفيدخل فيه: السبق إلى إحياء الأرض الموات. فمن سبق إليها باستخراج ماء، أو إجرائه عليها، أو ببناء: مَلَكها. ولا يملكها بدون الإحياء.\nلكن لو أقطعه الإمام أو نائبه، أو تحجر مواتًا من دون إحيائه: فهو أحق به، ولا يملكه. فإن وجد متشوف للإحياء قيل له: إما أن تعمرها، وإما أن ترفع يدك عنها.\nويدخل في ذلك:\nالسبق إلى صيد البر، والبحر، وإلى المعادن غير الظاهرة، وغير الجارية.\nوالسبق إلى أخذ حطب أو حشيش أو منبوذ رغبة عنه.\nوالسبق إلى الجلوس في المساجد والمدارس والأسواق والرُّبُط إن لم يتوقف ذلك على ناظر جعل له الترتيب والتعيين، فيرجع فيه إلى نص الواقفين والموصين.\nفمن سبق إلى شيء من المباحات التي لا مالك لها: فهو أحق بها. والملك فيها مقصور على القدر المأخوذ.\nوكذلك من سبق إلى الأعمال في الجعالات التي يقول فيها صاحبها: من عمل لي هذا العمل فله كذا: فهو المستحق للتقديم والجعل. وكذلك من سبق إلى التقاط اللقطة واللقيط، وغيرها فكله داخل في هذا الحديث. والله أعلم.\n_________\n(١) ضعيف: أخرجه أبو داود رقم: ٣٠٧١، والبيهقي ٦/١٣٢، والطبراني في \"الكبير\" ٨١٤، وورد في بعض الأصول \"ماء لم \" والصواب \"ما لم\" وانظر: \"الإرواء\" رقم: ١٥٥٣، وتعليق شيخنا الألباني -رحمة الله عليه-.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الحديث السادس والأربعون: ألحقوا الفرائض بأهلها</span>.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: \"ألحَقوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا. فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأوْلى رجل ذكر\" متفق عليه١.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٧٣٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦١٥.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ</span>.\nعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقَّه، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\" رَوَاهُ أَبُو داود والترمذي وابن ماجة١.\nهذان الحديثان اشتملا على جلّ أحكام المواريث، وأحكام الوصايا فإن الله تعالى فصَّل أحكام المواريث تفصيلًا تامًا واضحًا، وأعطى كل ذي حق حقه. وأمر ﷺ أن يلحق الفرائض بأهلها، فيقدمون على العصبات. فما بقي فهو لأوْلى رجل ذكر. وهم العصبة من الفروع الذكور، والأصول الذكور، وفروع الأصول الذكور، والولاء.\nفيقدم من هذه الجهات إذا اجتمع عاصبان فأكثر: الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة قدم الأقرب منزلة. فيقدم الابن على ابن الابن، والعم مثلًا على ابن العم. فإن كانوا في منزلة واحدة، وتميز أحدهم بقوة القرابة ولا يتصور ذلك إلا في فروع الأصول، كالإخوة والأعمام مطلقًا وبنيهم: قدم الأقوى - وهو الشقيق- على الذي لأب.\nوهذا هو المراد بقوله ﷺ: \"لأولى رجل ذكر\" أي: أقربهم جهة، أو منزلة، أو قوة، على حسب هذا الترتيب.\nوعلم من هذا: أن صاحب الفرض مقدم على العاصب في البداءة، وأنه إن استغرقت الفروض التركة سقط العاصب في جميع مسائل الفرائض، حتى في الحِمَارِيَّة، وهي ما إذا خَلَّفت زوجًا، وأُمًَّا، وإخوة لأم وإخوة أشقاء: فللزوج النصف، وللأم السدس؛ وللإخوة لأم الثلث.\nفهؤلاء أهل فروض ألحقنا بهم فروضهم، وسقط الأشقاء؛ لأنهم عصبات. وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة. هذا أوضحها.\n_________\n(١) صحيح، أخرجه أبو داود ٣٥٦٥، والترمذي ٢١٢٠، وابن ماجه ٢٧١٣، وسعيد بن منصور في \"سننه\" ٤٢٧، والبيهقي ٦/٢٦٤، و\"الطيالسي\" ١١٢٧، وأحمد ٥/٢٦٧، وابن أبي شيبة ١١/١٤٩، والمزي في \"تهذيب الكمال\" ٢١/٦٠١، وانظر: إرواء الغليل رقم: ١٦٥٥.","vol":"1","page":117},{"text":"ويستدل بقوله ﷺ: \"أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا\" على أن الفروض إذا كثرة تزاحمت ولم يحجب بعضها بعضًا، فإنه يعول لهم، وتنقص فروضهم بحسب ما عالت به كالديون إذا أدلت على موجودات الغريم التي لا تكفي لدينهم؛ فإنهم يعطون بقدر ديونهم وهذا من العدل.\nفكل مشتركين في استحقاق شيء لا يمكن أن يكمل لكل واحد منهم، وليس لواحد منهم مزية تقديم: فإنهم ينقصون على قدر استحقاقهم، وذلك في الهبات والوصايا والأوقاف وغيرها، كما أن الزائد لهم بقدر أملاكهم واستحقاقهم.\nويدل الحديث على أنه إذا لم يوجد صاحب فرض، فالمال كله للعصبات على حسب الترتيب السابق.\nوكذلك يدلّ على أنه إذا لم يوجد إلا أصحاب الفروض، ولم يوجد عاصب، فإنه يرد عليهم على قدر فروضهم، كما تعال عليهم؛ لأن من حكمة فرض الفروض وتقديرها: أن تبقى البقية للعاصب. فإذا لم يوجد رُدَّ على المستحقين لعدم المزاحم.\nويدل الحديث على صحة الوصية لغير الوارث. ولكن في ذلك تفصيل: إن كان الموصي غنيًا ويدع ورثته أغنياء، استحبت. وإن كان فقيرًا وورثته يحتاجون جميع ميراثه، لفقرهم أو كثرتهم: فالأولى له أن لا يوصى، بل يدع ماله لورثته.\nوأما الوصية للوارث: فالحديث دلّ على منعها. وعلل ذلك بقوله ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقه، فلا وصية لوارث\".\nفمن أوصى لوارث فقد تعدى حدود الله، وفضل بعض الورثة على بعض. وسواء وقع ذلك على وجه الوصية أو الهبة للوارث، كما هو اتفاق العلماء، أو على وجه الوقف لثلثه على بعض ورثته.\nوشذ بعضهم في هذه المسألة، فأجازها. وهو منافٍ للفظ الحديث ومعناه١.\nوأما الوصية للأجنبي، أو للجهات الدينية، فتجوز بالثلث فأقل. وما زاد على الثلث: يتوقف على إجازة الورثة.\n_________\n(١) انظر: \"بداية المجتهد\" ٤/١٥٤٦ -ط ابن حزم.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>الحديث الثامن والأربعون: ثلاث حقّ على الله عَوْنِهِمْ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"ثلاثةٌ حقٌّ على الله عَوْنُهم: المُكاتب يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْمُتَزَوِّجُ يُرِيدُ العَفاف، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ إلا النسائي١.\nوذلك: أن الله تعالى وعد المنفقين بالخلف العاجل، وأطلق النفقة. وهي تنصرف إلى النفقات التي يحبها الله؛ لأن وعده بالخلف من باب الثواب الذي لا يكون إلا على ما يحبه الله.\nوأما النفقات في الأمور التي لا يحبها الله: إما في المعاصي، وإما في الإسراف في المباحات: فالله لم يضمن الخلف لأهلها، بل لا تكون إلا مغرمًا.\nوهذه الثلاثة المذكورة في هذا الحديث من أفضل الأمور التي يحبها الله.\nفالجهاد في سبيل الله: هو سنام الدين وذروته وأعلاه. وسواء كان جهادًا بالسلاح، أو جهادًا بالعلم والحجة. فالنفقة في هذا السبيل مخلوفة وسالكُ هذا السبيل معانٌ من الله، مُيَسَّرٌ له أمرُه.\nوأما المكاتب: فالكتابة قد أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:٣٣]، أي: صلاحًا في تقويم دينهم ودنياهم. فالسيد مأمور بذلك. والعبد المكاتب الذي يريد الأداء، ويتعجل الحرية والتفرغ لدينه ودنياه يعينه الله، وييسر له أموره، ويرزقه من حيث لا يحتسب.\nوعلى السيد: أن يرفق بمكاتبه في تقدير الآجال التي تحل فيها نُجُوم الكتابة، ويعطيه من مال الكتابة إذا أدَّاها ربعها.\nوفي قوله تعالى في حق المكاتبين ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣] أمر للسيد ولغيره من المسلمين. ولذلك جعل الله له نصيبًا من الزكاة في قوله:\n_________\n(١) حسن: أخرجه عبد الرزاق ٩٥٤٢، وأحمد ٢/٢٥١، والترمذي ١٦٥٥، وابن ماجه ٢٥١٨، والنسائي ٦/١٥، ٦١، والحاكم ٢/١٦٠، ٢١٧، والبيهقي ٧/٧٨، وانظر: \"غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام\" ٢١٠ لشيخنا الألباني.","vol":"1","page":119},{"text":"﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة:٦٠]، وهذا من عونه تعالى.\nوقد ثبت عن النبي ﷺ ما هو أعمّ من هذا، فقال: \"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّاها الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله\" رواه البخاري١.\nوأما النكاح: فقد أمر الله به ورسوله. ورتب عليه من الفوائد شيئًا كثيرًا: عون الله، وامتثال أمر الله ورسوله، وأنه من سنن المرسلين.\nوفيه: تحصين الفرج، وغض البصر، وتحصيل النسل، والإنفاق على الزوجة والأولاد؛ فإن العبد إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له أجرًا، وحسنات عند الله، سواء كانت مأكولًا أو مشروبًا أو ملبوسًا أو مستعملًا في الحوائج كلها. كله خير للعبد، وحسنات جارية. وهو أفضل من نوافل العبادات القاصرة.\nوفيه: التذكر لنعم الله على العبد، والتفرغ لعبادته، وتعاون الزوجين على مصالح دينهما ودنياهما، وقد قال تعالى: ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء﴾ [النساء:٣]، وقال ﷺ: \"تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها، ودينها: فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يمينك\"٢ لما فيها من صلاح الأحوال والبيت والأولاد، وسكون قلب الزوج وطمأنينته، فإن حصل مع الدين غيره فذاك، وإلا فالدين أعظم الصفات المقصودة، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ﴾ [النساء:٣٤] . وعلى الزوجة: القيام بحق الله، وحق بَعْلها، وتقديم حق البعل على حقوق الخلق كلهم.\nوعلى الزوج: السعي في إصلاح زوجته، وفعل جميع الأسباب التي تتم بها الملاءمة بينهما، فإن الملاءمة هي المقصود الأعظم. ولهذا ندب النبي ﷺ إلى النظر إلى المرأة التي يريد خطبتها؛ ليكون على بصيرة من أمره والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٣٨٧.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٠٩٠، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٤٦٦.","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الحديث التاسع والأربعون: المحرّمات من الرضاع</span>.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يحرُم مِنَ الرَّضاعة مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ\" مُتَّفَقٌ عليه١.\nوذلك: أن المحرمات من النسب بنص القرآن والإجماع: الأمهات وإن عَلْون من كل جهة، والنبات وإن نزلن من كل جهة، والأخوات مطلقًا، وبنات الأخوة، وبنات الأخوات وإن نزلن، والعمات، والخالات.\nفجميع القرابات حرام، إلا بنات الأعمام، وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات.\nوهذه السبع محرمات في الرضاع من جهة المرضعة، وصاحب اللبن، إذا كان الرضاع خمس رضعات فأكثر، في الحولين.\nوأما من جهة أقارب الرضيع: فإن التحريم يختص بذرية الراضع. وأما أبوه من النسب وأمه وأصولهم وفروعهم، فلا تعلق لهم بالتحريم.\nوكذلك يحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، أو خالتها في النسب. ومثل ذلك في الرضاع.\nوكذلك تحرم أمهات الزوجة، وإن علون، وبناتها، وإن نزلن، إذا كان قد دخل بزوجته، وزوجات الآباء، وإن علوا، وزوجات الأبناء وإن نزلوا من كل جهة، ومثل ذلك في الرضاع.\nومسائل تحريم الجمع والصهر في الرضاع فيه خلاف. ولكن مذهب جمهور العلماء والأئمة الأربعة، تحريم ذلك للعمومات.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٤٦، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٤٤٤.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>الحديث الخمسون: حسن عشرة النساء</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لَا يَفْرِك مؤمنٌ مُؤِمْنِةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلقًا رضي منها آخر\" رواه مسلم١.\nهذا الإرشاد من النبي ﷺ، للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته. والنهي عن الشيء أمر بضده. وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها؛ فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئًا واحدًا أو اثنين مثلًا، وما فيها مما يحب أكثر. فإذا كان منصفًا غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها.\nوبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدّى الحقوق الواجبة والمستحبة وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله.\nوأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة. فهذا من عدم الإنصاف. ولا يكاد يصفو مع زوجته.\nوالناس في هذا ثلاثة أقسام:\nأعلاهم: من لحظ الأخلاق الجميلة والمحاسن، وغض عن المساوئ بالكلية وتناساها.\nوأقلهم توفيقًا وإيمانًا وأخلاقًا جميلة: من عكس القضية، فأهدر المحاسن مهما كانت، وجعل المساوئ نصب عينيه. وربما مددها وبسطها وفسرها بظنون وتأويلات تجعل القليل كثيرًا، كما هو الواقع.\nوالقسم الثالث: من لحظ الأمرين، ووازن بينهما، وعامل الزوجة بمقتضى كل واحد منها.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٤٦٩ بعد ٦٣.","vol":"1","page":122},{"text":"وهذا منصف. ولكنه قد حرم الكمال.\nوهذا الأدب الذي أرشد إليه ﷺ، ينبغي سلوكه واستعماله مع جميع المعاشرين والمعاملين؛ فإن نفعه الديني والدنيوي كثير وصاحبه قد سعى في راحة قلبه. وفي السبب الذي يدرك به القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة؛ لأن الكمال في الناس متعذر. وحسب الفاضل أن تعدَّ معايبه. وتوطين النفس على ما يجيء من المعاشرين مما يخالف رغبة الإنسان يسهل عليه حسن الخلق، وفعل المعروف والإحسان مع الناس. والله الموفق.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الحديث الحادي والخمسون: ذمّ الحرص على الْإِمَارَةِ</span>.\nعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أوتيتها عن مسألة وكِّلت إليها، وإن أوتيتها عن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهِا. وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فائْتِ الَّذِي هو خير، وكفِّر عن يمينك\" متفق عليه١.\nهذا الحديث احتوى على جملتين عظيمتين:\nإحداهما: أن الإمارة وغيرها من الولايات على الخلق، لا ينبغي للعبد أن يسألها، ويتعرض لها. بل يسأل الله العافية والسلامة، فإنه لا يدري، هل تكون الولاية خيرًا له أو شرًا؟ ولا يدري، هل يستطيع القيام بها، أم لا؟\nفإذا سألها وحرص عليها، وُكِّلَ إلى نفسه. ومتى وُكِّلَ العبد إلى نفسه لم يوفق، ولم يسدد في أموره، ولم يُعَن عليها؛ لأن سؤالها ينبئ عن محذورين:\nالأول: الحرص على الدنيا والرئاسة، والحرص يحمل على الريبة في التخوض في مال الله، والعلو على عباد الله.\nالثاني: فيه نوع اتكال على النفس، وانقطاع عن الاستعانة بالله. ولهذا قال: \"وكلت إليها\".\nوأما من لم يحرص عليها ولم يتشوف لها، بل أتته من غير مسألة ورأى من نفسه عدم قدرته عليها، فإن الله يعينه عليها، ولا يكله إلى نفسه؛ لأنه لم يتعرض للبلاء، ومن جاءه البلاء بغير اختياره حمل عنه، ووفق للقيام بوظيفته. وفي هذه الحال يقوى توكله على الله تعالى، ومتى قام العبد بالسبب متوكلًا على الله نجح.\nوفي قوله ﷺ: \"أُعِنت عليها\" دليل على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٦٢٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦٥٢.","vol":"1","page":124},{"text":"للأمرين، للدين، والدنيا؛ فإن المقصود من الولايات كلها: إصلاح دين الناس ودنياهم.\nولهذا: يتعلق بها الأمر والنهي، والإلزام بالواجبات، والردع عن المحرمات، والإلزام بأداء الحقوق. وكذلك أمور السياسة والجهاد، فهي لمن أخلص فيها لله وقام بالواجب من أفضل العبادات، ولمن لم يكن كذلك من أعظم الأخطار.\nولهذا كانت من فروض الكفايات؛ لتوقف كثير من الواجبات عليها.\nفإن قيل: كيف طلب يوسف ﷺ وِلايةَ الخزائن المالية في قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف:٥٥]، قيل: الجواب عنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥]، فهو إنما طلبها لهذه المصلحة التي لا يقوم بها غيره: من الحفظ الكامل، والعلم بجميع الجهات المتعلقة بهذه الخزائن. من حسن الاستخراج، وحسن التصريف، وإقامة العدل الكامل. فهو لما رأى الملك استخلصه لنفسه وجعله مقدمًا عليه، وفي المحل العالي وجب عليه أيضًا النصيحة التامة، للملك والرعية. وهي متعينة في ولايته.\nولهذا: لما تولى خزائن الأرض سعى في تقوية الزراعة جدًا. فلم يبق موضع في الديار المصرية من أقصاها إلى أقصاها يصلح للزراعة إلا زرع في مدة سبع سنين. ثم حصنه وحفظه ذلك الحفظ العجيب. ثم لما جاءت السنون الجدب، واضطر الناس إلى الأرزاق سعى في الكيل للناس بالعدل، فمنع التجار من شراء الطعام خوف التضييق على المحتاجين، وحصل بذلك من المصالح والمنافع شيء لا يعد ولا يحصى، كما هو معروف.\nالجملة الثانية: قوله ﷺ: \"وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا منها فائت الذي هو خير، وكفر عن يمينك\".\nيشمل من حلف على ترك واجب، أو ترك مسنون؛ فإنه يكفر عن يمينه، ويفعل ذلك الواجب والمسنون الذي حلف على تركه. ويشمل من حلف على فعل محرم، أو فعل مكروه فإنه يؤمر بترك ذلك المحرم والمكروه، ويكفر عن يمينه.\n\nفالأقسام الأربعة داخلة في قوله ﷺ: \"فائت الذي هو خير\" لأن فعل المأمور مطلقًا، وترك المنهي مطلقًا: من الخير.","vol":"1","page":125},{"text":"وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:٢٢٤]، أي: لا تجعلوا اليمين عذرًا لكم وعرضة ومانعًا لكم من فعل البر والتقوى، والصلح بين الناس إذا حلفتم على ترك هذه الأمور، بل كفروا أيمانكم، وافعلوا البر والتقوى، والصلح بين الناس.\nويؤخذ من هذا الحديث: أن حفظ اليمين في غير هذه الأمور أولى، لكن إن كانت اليمين على فعل مأمور، أو ترك منهي، لم يكن له أن يحنث. وإن كانت في المباح، خيّر بين الأمرين. وحفظها أولى.\nواعلم أن الكفَّارة لا تجب إلا في اليمين المنعقدة على مستقبل إذا حلف وحنث. وهي على التخيير بين العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.\nوأما اليمين على الأمور الماضية أو لغو اليمين، كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله في عرض حديثه: فلا كفارة فيها. والله أعلم.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الحديث الثاني والخمسون: الوفاء بالنذر</span>.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ: \"من نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ. وَمَنْ نَذَرَ أن يعص الله فلا يعصه\". رواه البخاري١.\nالنذر إلزام العبد نفسه طاعة لله: إما بدون سبب، كقوله، لله عليّ أو نذرت عتق رقبة، أو صيام كذا وكذا، أو الصدقة بكذا وكذا. وإما بسبب، كأن يعلق ذلك على قدوم غائبه، أو بُرْء مريض، أو حصول محبوب، أو زوال مكروه، فمتى تمّ له مطلوبه وجب عليه الوفاء.\nوهذا الحديث شامل للطاعات كلها. فمن نذر طاعة واجبة ومستحبة وجب عليه الوفاء بالنذر، وليس عنه كفارة. بل يتعين الوفاء، كما أمره النبي ﷺ في هذا الحديث. وكما أثنى الله على الموفين بنذرهم في قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان:٧]، مع أن عقد النذر مكروه، كما نهى ﷺ عن النذر. وقال: \"إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل\"٢.\nوأما نذر المعصية، فيتعين على العبد أن يترك معصية الله ولو نذرها.\nوبقية أقسام النذر، كنذر المعصية، والنذر المباح، ونذر اللجاج، والغضب، حكمها حكم اليمين في الحنث، فيها كفارة يمين لمشاركتها في المعنى لليمين. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٧٠٠.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٦٠٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٦٤٠ بعد ٤ واللفظ له.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الحديث الثالث والخمسون: من صفات المسلمين</span>.\nعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ. وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ. أَلَا، لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْد فِي عَهْدِهِ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَرَوَاهُ ابن ماجه عن ابن عباس١.\nهذا الحديث كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقوله ﷺ: \"وكونوا عباد الله إخوانا\"٢.\nفعلى المؤمنين: أن يكونوا متحابين، متصافين غير متباغضين ولا متعادين. يسعون جميعًا لمصالحهم الكلية التي بها قوام دينهم ودنياهم، لا يتكبر شريف على وضيع، ولا يحتقر أحد منهم أحدًا. فدماؤهم تتكافأ؛ فإنه لا يشترط في القصاص إلا المكافأة في الدين. فلا يقتل المسلم بالكافر، كما في هذا الحديث، والمكافأة في الحرية، فلا يقتل الحر بالعبد.\nوأما بقية الأوصاف، فالمسلمون كلهم على حد سواء. فمن قتل أو قطع طرفًا متعمدًا عدوانًا، فلهم أن يقتصوا منه بشرط المماثلة في العضو، لا فرق بين الصغير بالكبير، وبالعكس، والذكر والأنثى وبالعكس، والعالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والكامل بالناقص كالعكس في هذه الأمور.\nقوله ﷺ: \"ويسعى بذمتهم أدناهم\" يعني: أن ذمة المسلمين واحدة. فمتى استجار الكافر\n_________\n(١) صحيح، الحديث أصله في \"صحيح البخاري\" رقم: ١٨٧٠، ٣١٧٢، ٦٧٥٥، ٧٣٠٠، وأخرجه أبو داود ٤٥٣٠، والنسائي ٨/١٩، والبيهقي ٨/٢٩، وأحمد ١/١٢٢، ١٤٢، ١٤٨، والقاسم بن سلام في \"الأموال\" ١٧٩، ٢٠٩، وأبو يعلى ١/٢٨٢، رقم: ٣٣٨، ٤٦٢، رقم: ٦٢٨.\nأمّا حديث ابن عباس فقد رواه ابن ماجه ٢٦٦٠، ٢٦٨٣، وإسناده ضعيف فيه حنش وهو الحسين بن قيس، وله شواهد من حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وانظر: \"إرواء الغليل\" ٢٢٠٨، \"غوث المكدود\" ٧٧٠.\n\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٠٦٤، ٦٠٦٥، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٥٩.","vol":"1","page":128},{"text":"بأحد من المسلمين وجب على بقيتهم تأمينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦٠]، فلا فرق في هذا بين إجارة الشريف الرئيس، وبين آحاد الناس.\nوقوله ﷺ: \"ويرد عليهم أقصاهم\" أي: في التأمين. وكذلك اشتراك الجيوش مع سراياه التي تذهب فتُغِير أو تحرس، فمتى غنم الجيش، أو غنم أحد السرايا التابعة للجيش، اشترك الجميع في المغنم. ولا يختص بها المباشر؛ لأنهم كلهم متعاونون على مهمتهم.\nوقوله ﷺ: \"وهم يَدٌ على من سواهم\" أي: يجب على جميع المسلمين في جميع أنحاء الأرض أن يكونوا يدًا على أعدائهم من الكفار، بالقول والفعل، والمساعدات والمعاونة في الأمور الحربية، والأمور الاقتصادية، والمدافعة بكل وسيلة.\nفعلى المسلمين: أن يقوموا بهذه الواجبات بحسب استطاعتهم؛ لينصرهم الله ويعزهم، ويدفع عنهم بالقيام بواجبات الإيمان عدوان الأعداء. فنسأله تعالى أن يوفقهم لذلك.\nوقوله ﷺ: \"ولا ذو عهد في عهده\" أي: لا يحل قتل من له عهد من الكفار بذمة أو أمان أو هدنة؛ فإنه لما قال: \"لا يقتل مسلم بكافر\" احترز بذلك البيان عن تحريم قتل المعاهد؛ لئلا يظن الظان جوازه. والله أعلم.","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الحديث الرابع والخمسون: من قوانين الطب في الإسلام</span>.\nعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"مَنْ تطبَّب وَلَمْ يُعلم مِنْهُ طِبٌّ، فَهُوَ ضَامِنٌ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ١.\nهذا الحديث يدلّ بلفظه وفحواه على: أنه لا يحل لأحد أن يتعاطى صناعة من الصناعات وهو لا يحسنها، سواء كان طبًا أو غيره، وأن من تجرأ على ذلك: فهو آثم. وما ترتب على عمله من تلف نفس أو عضو أو نحوهما: فهو ضامن له. وما أخذه من المال في مقابلة تلك الصناعة التي لا يحسنها: فهو مردود على باذله؛ لأنه لم يبذله إلا بتغريره وإيهامه أنه يحسن، وهو لا يحسن، فيدخل في الغش. و\"من غشنا فليس منا\"٢.\nومثل هذا البنَّاء والنجار والحداد والخراز والنساج ونحوهم ممن نصَب نفسه لذلك، موهمًا أنه يحسن الصنعة، وهو كاذب.\nومفهوم الحديث: أن الطبيب الحاذق ونحوه إذا باشر ولم تجن يده وترتب على ذلك تلف، فليس بضامن؛ لأنه مأذون فيه، من المكلف أو وليه. فكل ما ترتب على المأذون فيه فهو غير مضمون، وما ترتب على غير ذلك المأذون فيه، فإنه مضمون.\nويستدل بهذا على: أن صناعة الطب من العلوم النافعة المطلوبة شرعًا وعقلًا. والله أعلم.\n_________\n(١) حسن، أخرجه: أبو داود رقم: ٤٥٨٦، والنسائي ٢/٢٥٠، وابن ماجه ٣٤٦٦، والدارقطني ٣٧٠-ط الهندية، أو ٣/١٩٥-١٩٦، والحاكم ٤/٢١٢، وابن عدي في \"الكامل\" ٥/١٧٦٧، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم: ٦٣٥ لشيخنا الألباني -﵀-.\n(٢) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠٢، وغيره، وانظر \"الإرواء\" رقم: ١٣١٩.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الحديث الخامس والخمسون: درأ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ</span>.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ادْرَءُوا الحُدودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ. فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا وموقوفًا١.\nهذا الحديث: يدلّ على أن الحدود تدرأ بالشبهات. فإذا اشتبه أمر الإنسان وأشكل علينا حاله، ووقعت الاحتمالات: هل فعل موجب الحد أم لا؟ وهل هو عالم أو جاهل؟ وهل هو متأول معتقد حلّه أم لا؟ وهل له عذر عقد أو اعتقاد؟ درأت عنه العقوبة؛ لأننا لم نتحقق موجبها يقينًا.\nولو تردد الأمر بين الأمرين، فالخطأ في درء العقوبة عن فاعل سببها، أهون من الخطأ في إيقاع العقوبة على من لم يفعل سببها، فإن رحمة الله سبقت غضبه، وشريعته مبنية على اليسر والسهولة.\nوالأصل في دماء المعصومين وأبدانهم وأموالهم التحريم، حتى نتحقق ما يبيح لنا شيء من هذا.\nوقد ذكر العلماء على هذا الأصل في أبواب الحدود أمثلة كثيرة، وأكثرها موافق لهذا الحديث.\nومنها: أمثلة فيها نظر. فإن الاحتمال الذي يشبه الوهم والخيال، لا عبرة به. والميزان لفظ هذا الحديث. فإن وجدتم له، أو فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله.\nوفي هذا الحديث: دليل على أصل. وهو: أنه إذا تعارض مفسدتان تحقيقًا أو احتمالًا: راعينا المفسدة الكبرى، فدفعناها تخفيفًا للشر. والله أعلم.\n_________\n(١) ضعيف مرفوعًا وموقوفًا، فمداره على يزيد بن زياد الدمشقي، أخرجه الترمذي رقم: ١٤٢٤، وفي \"العلل الكبير\" ٤٠٩، والدارقطني ٣٢٣-ط الهندية، أو ٣/٨٤، والحاكم ٤/٣٨٤، والبيهقي ٨/٢٣٨، ٩/١٢٣، والخطيب في \"تاريخه\" ٥/٣٣١، وانظر \"إرواء الغليل\" رقم: ٢٣٥٥.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>الحديث السادس والخمسون: لا طاعة إلاّ في المعروف</span>.\nعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيةٍ. إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ\" متفق عليه١.\nهذا الحديث: قيد في كل من تجب طاعته من الولاة، والوالدين، والزوج، وغيرهم. فإن الشارع أمر بطاعة هؤلاء.\nوكل منهم طاعته فيما يناسب حاله وكلها بالمعروف. فإن الشارع ردّ الناس في كثير مما أمرهم به إلى العرف والعادة، كالبر والصلة، والعدل والإحسان العام. فكذلك طاعة من تجب طاعته.\nوكلها تقيد بهذا القيد، وأن من أمر منهم بمعصية الله بفعل محرم، أو ترك واجب: فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، فإذا أمر أحدهم بقتل معصوم أو ضربه، أو أخذ ماله، أو بترك حج واجب، أو عبادة واجبة، أو بقطيعة من تجب صلته: فلا طاعة لهم، وتقدم طاعة الله على طاعة الخلق.\nويفهم من هذا الحديث، أنه إذا تعارضت طاعة هؤلاء الواجبة، ونافلة من النوافل، فإن طاعتهم تقدم؛ لأن ترك النفل ليس بمعصية، فإذا نهى زوجته عن صيام النفل، أو حج النفل، أو أمر الوالي بأمر من أمور السياسة يستلزم ترك مستحب، وجب تقديم الواجب.\nوقوله ﷺ: \"إنما الطاعة في المعروف\" كما أنه يتناول ما ذكرنا، فإنه يتناول أيضًا تعليق ذلك بالقدرة والاستطاعة، كما تعلق الواجبات بأصل الشرع.\nوفي الحديث \"عليكم السمع والطاعة فيما استطعتم\"٢ والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧١٤٥، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٨٤٠ بعد ٣٩، واللفظ له.\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٢٠٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٨٦٧.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>الحديث السابع والخمسون: أجر المجتهد</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ، فَاجْتَهَدَ فأخطأ، فله أجر واحد\" متفق عليه١.\nالمراد بالحاكم: هو الذي عنده من العلم ما يؤهله للقضاء. وقد ذكر أهل العلم شروط القاضي. فبعضهم بالغ فيها، وبعضهم اقتصر على العلم الذي يصلح به للفتوى. وهو الأولى.\nففي هذا الحديث: أن الجاهل لو حكم وأصاب الحكم: فإنه ظالم آثم؛ لأنه لا يحل له الإقدام على الحكم، وهو جاهل. ودلّ على: أنه لا بد للحاكم من الاجتهاد. وهو نوعان: اجتهاد في إدخال القضية التي وقع فيها التحاكم بالأحكام الشرعية.\nواجتهاد في تنفيذ ذلك الحق على القريب والصديق وضدهما، بحيث يكون الناس عنده في هذا الباب واحدًا، لا يفضل أحدًا على أحد، ولا يميله الهوى٢، فمتى كان كذلك فهو مأجور على كل حال: إن أصاب فله أجران. وإن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه معفو عنه، لأنه بغير استطاعته. والعدل كغيره معلق بالاستطاعة.\nوالفرق بين الحاكم المجتهد، وبين صاحب الهوى: \"أن صاحب الحق قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد. وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده عليه دليله، بخلاف صاحب الهوى، فإنه يتكلم بغير علم، وبغير قصد للحق\". قاله شيخ الإسلام.\nوفي هذا: فضيلة الحاكم الذي على هذا الوصف، وأنه يغنم الأجر والثواب في كل قضية يحكم بها.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٣٥٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١٦.\n\n(٢) وهذا في معنى قوله ﷺ: \"القضاة ثلاثةٌ: ... ثمّ قال: ... فالذي في الجنّة رجلٌ عرف الحقّ\" -وهذا الشرط الأوّل-، وقضى به. -وهذا الشرط الثاني-. وأمّا اللذان في النار فهما، رجل حكم بجهلٍ، -وهذا عند عدم الشرط الأوّل- ورجل عرف الحق ولم يقض به -وهذا عند عدم الشرط الثاني-، والله الموفق.","vol":"1","page":133},{"text":"ولهذا: كان القضاء من أعظم فروض الكفايات؛ لأن الحقوق بين الخلق كلها مضطرة للقاضي عند التنازع أو الاشتباه.\nوعليه: أنه يجاهد نفسه على تحقيق هذا الاجتهاد الذي تبرأ به ذمته، وينال به الخير، والأجر العظيم. والله أعلم.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الحديث الثامن والخمسون: البيّنة على من ادّعى</span>.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: \"لَوْ يُعطى الناسُ بدَعْواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ. وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ\" رواه مسلم١.\nوفي لفظ عند البيهقي: \"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر\"٢.\nهذا الحديث عظيم القدر. وهو أصل كبير من أصول القضايا والأحكام؛ فإن القضاء بين الناس إنما يكون عند التنازع: هذا يدّعي على هذا حقًا من الحقوق، فينكره، وهذا يدعي براءته من الحق الذي كان ثابتًا عليه.\nفبين ﷺ أصلًا يفض نزاعهم، ويتضح به المحق من المبطل.\nفمن ادعى عينًا من الأعيان، أو دينًا، أو حقًا من الحقوق وتوابعها على غيره، وأنكره ذلك الغير: فالأصل مع المنكر.\nفهذا المدعي إن أتى ببينة تثبت ذلك الحق: ثبت له، وحُكم له به وإن لم يأت ببينة: فليس له على الآخر إلا اليمين.\nوكذلك من ادعى براءته من الحق الذي عليه، وأنكر صاحب الحق ذلك، وقال: إنه باق في ذمته، فإن لم يأت مدعي الوفاء والبراءة ببينة، وإلا حكم ببقاء الحق في ذمته؛ لأنه الأصل. ولكن على صاحب الحق اليمين ببقائه.\nوكذلك دعوى العيوب، والشروط، والآجال، والوثائق: كلها من هذا الباب.\nفعلم أن هذا الحديث تضطر إليه القضاة في مسائل القضاء كلها؛ لأن البينة اسم للمبين الحق. وهي تتفاوت بتفاوت الحقوق. وقد فصلها أهل العلم ﵏.\n_________\n(١) متّفق عليه: أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٤٥٥٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١١، واللفظ له.\n(٢) أخرجه: البيهقي في \"سننه\" ١٠/٢٥٢، والدارقطني ٥١٧- ط الهندية، وانظر \"الإرواء\" ٨/٢٦٦.","vol":"1","page":135},{"text":"وقد بين ﷺ في هذا الحديث الحكم، وبين الحكمة في هذه الشريعة الكلية، وأنها عين صلاح العباد في دينهم ودنياهم، وأنه لو يعطى الناس بدعواهم لكثر الشر والفساد، ولادّعى رجال دماء قوم وأموالهم.\nفعلم أن شريعة الإسلام بها صلاح البشر. وإذا أردت أن تعرف ذلك، فقابل بين كل شريعة من شرائعه الكلية وبين ضدها، تجد الفرق العظيم، وتشهد أن الذي شرعها حكيم عليم، رحيم بالعباد؛ لاشتمالها على الحكمة والعدل، والرحمة، ونصر المظلوم، وردع الظالم.\nوقد قال بعض المحققين: إن الشريعة جعلت اليمين في أقوى جنبتي المدعين. ومن تتبع ذلك عرفه. والله أعلم.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الحديث التاسع والخمسون: صفة الشاهد العدل</span>.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ - مَرْفُوعًا - \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ حَدًّا، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ من أهل البيت\" رواه الترمذي١.\nهذا حديث مشتمل على الأمور القادحة في الشهادة.\nوذلك: أن الله أمر بإشهاد العدول المرضيين.\nوأهل العلم اشترطوا في الشاهد في الحقوق بين الناس: أن يكون عدلًا ظاهرًا. وذكروا صفات العدالة.\nوحَدَّها بعضهم بحد مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء﴾ [البقرة:٢٨٢] فقال: كل مرضى عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته. فهو مقبول. وهذا أحسن الحدود. ولا يسع الناس العمل بغيره.\nوالأشياء التي تقدح في الشهادة ترجع إلى التهمة أو إلى مظنتها.\nفمن الناس من لا تقبل شهادته مطلقًا على جميع الأمور التي تعتبر فيها الشهادة، كالخائن والخائنة، والذي أتى حدًا - أي: معصية كبيرة لم يتب منها - فإنه لخيانته وفسقه مفقود العدالة، فلا تقبل شهادته.\nومن الناس نم هو موصوف بالعدالة، لكن فيه وصف يخشى أن يميل معه، فيشهد بخلاف\n_________\n(١) حسن: أخرجه أحمد ٢/٢٠٤، ٢٢٥-٢٢٦، وأبو داود ٣٦٠٠، ٣٦٠١، والترمذي ٢٢٩٨، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار\" ٤٨٦٦، والدارقطني ٥٢٨، أو ٤/٢٤٤، والبيهقي ١٠/١٥٥، ٢٠٠، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم: ٢٥١٠، وانظر: \"الإرواء\" رقم: ٢٦٦٩، \"ضعيف الترمذي\" رقم: ٣٩٨.\nوهذا الحديث قسمٌ كبيرٌ من كتاب عمر في القضاء الذي بعثه إلى أبي موسى الأشعري، والذي شرحه ابن القيّم في كتابه البديع \"إعلام الموقّعين\" فأتى شرحه على نصف كتابه لما فيه من الفوائد فلينظره من أراد التوسّع. والله الموفق.","vol":"1","page":137},{"text":"الحق وذلك كالأصول والفروع، والمولى والقانع لأهل البيت. فهؤلاء لا تقبل شهادتهم للمذكورين؛ لأنه محل التهمة. وتقبل عليهم.\nومثل ذلك الزوجان، والسيد مع مكاتبه أو عتيقه١.\nومن الناس من هو بعكس هؤلاء، كالعَدُوّ الذي في قلبه غمر – أي: غِلٌّ – على أخيه فهذا إن شهد له: قبلت شهادته. وإن شهد على عدوه: لم تقبل؛ لأن العداوة تحمل غالبًا على الإضرار بالعدو، والله أعلم.\n_________\n(١) وهذا فيه نظر، وفصّل ذلك ابن القيّم في \"إعلام الموقّعين\" وانفصل معه الرأي إلى أنّ الراجح قبول شهادة الأخ لأخيه والأب لابنه، والابن لأبيه.... وغير ذلك من القرابات إن كان الشاهد عدلًا، واشتراط العدالة هو المقياس في الشهادة. والله أعلم وأحكم.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>الحديث الستون: من آداب الذبح في الإسلام</span>.\nعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: \"قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا لاَقُوا العدوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدَى. أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وذُكر اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكُلْ، لَيْسَ السنَّ والظَّفْرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ أَمَّا السنُّ فعظمٌ. وَأَمَّا الظُّفُرُ فمدَى الْحَبَشَةِ. وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِهَذِهِ أوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا به هكذا\". متفق عليه١.\nقوله ﷺ: \"ما أنهر الدم ... إلى آخره\" كلام جامع يدخل فيه جميع ما يُنْهِر الدم - أي: يسفِكه - من حديد، أو نحاس، أو صفر، أو قصب، أو خشب، أو حطب، أو حصى محدد، أو غيرها، وما له نفوذ كالرصاص في البارود؛ لأنه ينهر بنفوذه، لا بثقله.\nودخل في ذلك: ما صيد بالسهام، والكلام المعلمة، والطيور إذا ذكر اسم الله على جميع ذلك.\nوأما محل الذبح: فإنه الحلقوم والمريء. إذا قطعهما كفى. فإن حصل معهما قطع الودَجَين - وهما العرقان المكتنفان الحلقوم - كان أولى.\nوأما الصيد: فيكفي جرحه في أي موضع كان من بدنه؛ للحاجة إلى ذلك.\nومثل ذلك إذا ندَّ البعير أو البقرة أو الشاة وعجز عن إدراكه: فإنه يكون بمنزلة الصيد، كما في الحديث. ففي أي محل من بدنه جُرح كفى، كما أن الصيد إذا قُدر عليه - وهو حي - فلا بد من ذكاته.\nفالحكم يدور مع علته، المعجوز عنه بمنزلة الصيد، ولو من الحيوانات الإنسية. والمقدور عليه لا بد من ذبحه، ولو من الحيوانات الوحشية.\nواستثنى النبي ﷺ من ذلك السن، وعلله بأنه عظم. فدلّ على أن جميع العظام - وإن أنهرت الدم - لا يحل الذبح بها.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٥٠٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩٦٨ بعد ٢٠.","vol":"1","page":139},{"text":"وقيل: إن العلة مجموع الأمرين: كونه سنا، وكونه عظما. فيختص بالسن. والصحيح الأول.\nوكذلك الظفر لا يحل الذبح بها، لا طير ولا غيره.\nفالحاصل: أن شروط الذبح: إنهار الدم في محل الذبح، مع كون الذابح مسلمًا، أو كتابيًا، وأن يذكر اسم الله عليها.\nوأما الصيد: فهو أوسع من الذبح. كما تقدم أنه في أي موضع يكون من بدن الصيد، وأنه يباح صيد الجوارح من الطيور والكلاب إذا كانت مُعَلَّمة، وذُكر اسم الله عليها عند إرسالها على الصيد. والله أعلم.","vol":"1","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الْحَدِيثُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: الْإِحْسَانُ فِي الذَّبْحِ</span>.\nعَنْ شَدَّادِ بْنِ أوْس ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ. وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ\" رَوَاهُ مسلم١.\nالإحسان نوعان: إحسان في عبادة الخالق، بأن يعبد الله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فإن الله يراه. وهو الجد في القيام بحقوق الله على وجه النصح، والتكميل لها. وإحسان في حقوق الخلق.\nوأصل الإحسان الواجب، أن تقوم بحقوقهم الواجبة، كالقيام ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإنصاف في جميع المعاملات، بإعطاء جميع ما عليك من الحقوق، كما أنك تأخذ مالك وافيًا، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] فأمر بالإحسان إلى جميع هؤلاء.\nويدخل في ذلك الإحسان إلى جميع نوع الإنسان، والإحسان إلى البهائم، حتى في الحالة التي تزهق فيها نفوسها، ولهذا قال ﷺ: \"فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة\". فمن استحق القتل لموجب قتل يضرب عنقه بالسيف، من دون تغرير ولا تمثيل.\nوقوله ﷺ: \"إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة\" أي: هيئة الذبح وصفته. ولهذا قال: \"وليُحِدَّ أحدكم شَفرته\" أي: سكينه: \"وليرح ذبيحته\" فإذا كان العبد مأمورًا بالإحسان إلى من استحق القتل من الآدميين، وبإحسان ذبحة ما يراد ذبحه من الحيوان. فكيف بغير هذه الحالة؟\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٩٥٥ بعد ٥٧.","vol":"1","page":141},{"text":"واعلم أن الإحسان المأمور به نوعان:\nأحدهما: واجب، وهو الإنصاف، والقيام بما يجب عليك للخلق بحسب ما توجه عليك من الحقوق.\nوالثاني: إحسان مستحب. وهو ما زاد على ذلك من بذل نفع بدني، أو مالي، أو علمي، أو توجيه لخير ديني، أو مصلحة دنيوية، فكل معروف صدقة، وكل ما أدخل السرور على الخلق صدقة وإحسان. وكل ما أزال عنهم ما يكرهون. ودفع عنهم ما لا يرتضون من قليل أو كثير، فهو صدقة وإحسان.\nولما ذكر النبي ﷺ قصة البغيّ التي سقت الكلب الشديد العطش بخفيها من البئر، وأن الله شكر لها وغفر لها. قالوا لرسول الله ﷺ: \"إن لنا في البهائم أجرًا قال: في كل كبد حَرَّى أجر\"١.\nفالإحسان: هو بذل جميع المنافع من أي نوع كان، لأي مخلوق يكون، ولكنه يتفاوت بتفاوت المحسَن إليهم، وحقهم ومقامهم، وبحسب الإحسان، وعظم موقعه، وعظيم نفعه، وبحسب إيمان المحسن وإخلاصه، والسبب الداعي له إلى ذلك.\nومن أجَلِّ أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك بقول أو فعل. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤-٣٥] ومن كانت طريقته الإحسان أحسن الله جزاءه: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر:١٠]، ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] أي: المحسنين في عبادة الله، المحسنين إلى عباد الله.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٣٦٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٤٤ بعد ١٥٣.","vol":"1","page":142},{"text":"والله تعالى يوجب على عباده العدل من الإحسان، ويندبهم إلى زيادة الفضل منه. وقال تعالى في المعاملة: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] أي: اجعلوا للفضل والإحسان موضعًا من معاملاتكم. ولا تستقصوا في جميع الحقوق، بل يَسِّروا ولا تعسروا، وتسامحوا في البيع والشراء، والقضاء والاقتضاء. ومن ألزم نفسه هذا المعروف، نال خيرًا كثيرًا، وإحسانًا كبيرًا. والله أعلم.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>الحديث الثاني والستون: المحرّمات من اللحوم</span>\nعن جابر بن عبد الله ﵄ قَالَ: \"حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ، ولُحومَ الْبِغَالِ، وكلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وكلَّ ذي مخلب من الطير\" رواه الترمذي١.\nالأصل في جميع الأطعمة الحلّ؛ فإن الله أحل لعباده ما أخرجته الأرض من حبوب وثمار ونبات متنوع، وأحل لحم حيوانات البحر كلها: حيها وميتها.\nوأما حيوانات البر: فأباح منها جميع الطيبات، كالأنعام الثمانية وغيرها، والصيود الوحشية من طيور وغيرها.\nوإنما حرم من هذا النوع الخبائث، وجعل لذلك حدًا وفاصلًا. وربما عين بعض المحرمات، كما عين في هذا الحديث الحمر الأهلية، والبغال وحرمها. وقال: \"إنها رِجْس\".٢\nوأما الحمر الوحشية: فإنه حلال، وكذلك حرم ذوات الأنياب من السباع، كالذئب والأسد والنمر والثعلب والكلب ونحوها، وكل ذي مخلب من الطير يصيد بمخلبه، كالصقر والباشق ونحوهما.\nوما نهى عن قتله كالصُّرد، أو أمر بقتله كالغراب ونحوها: فإنها محرمة. وما كان خبيثًا، كالحيات والعقارب والفئران وأنواع الحشرات وكذلك ما مات حتف أنفه من الحيوانات المباحة، أو ذكِّي ذكاة غير شرعية: فإنه محرم. والله أعلم.\n_________\n(١) صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنّفه\" ٥/٣٩٩، وأحمد ٣/٣٢٣، والترمذي في \"جامعه\" رقم: ١٤٧٨، و\"العلل الكبير\" ٤٣٥، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" ٤/٢٠٤، والدارقطني ٤/٢٨٩، ٢٩٠، والحديث أصله في الصحيحين. انظر: \"صحيح البخاري\" ٥٥٢٨، ٥٥٣٠، ومسلم رقم: ١٩٣٦.\n(٢) مضى تخريجه ص٦٥.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الحديث الثالث والستون: ذمّ التشبّه بالنساء</span>.\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: \"لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ من النساء بالرجال\" رواه البخاري١.\nالأصل في جميع الأمور العادية الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، إما لذاته كالمغصوب، وما خبث مكسبه في حق الرجال والنساء. وإما لتخصيص الحل بأحد الصنفين، كما أباح الشارع لباس الذهب والفضة والحرير للنساء، وحرمه على الرجال.\nوأما تحريم الشارع تشبُّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، فهو عام في اللباس، والكلام، وجميع الأحوال.\nفالأمور ثلاثة أقسام:\nقسم مشترك بين الرجال والنساء من أصناف اللباس وغيره، فهذا جائز للنوعين؛ لأن الأصل الإباحة. ولا تشبه فيه.\nوقسم مختص بالرجال، فلا يحل للنساء.\nوقسم مختص بالنساء، فلا يحل للرجال.\nومن الحكمة في النهي عن التشبه: أن الله تعالى جعل للرجال على النساء درجة، وجعلهم قَوّامين على النساء، وميزهم بأمور قَدَرية، وأمور شرعية فقيام هذا التمييز وثبوت فضيلة الرجال على النساء، مقصود شرعًا وعقلًا. فتشبُّه الرجال بالنساء يهبط بهم عن هذه الدرجة الرفيعة. وتشبه النساء بالرجال يبطل التمييز.\nوأيضًا، فتشبه الرجال بالنساء بالكلام واللباس ونحو ذلك: من أسباب التخنث، وسقوط الأخلاق، ورغبة المتشبه بالنساء في الاختلاط بهن، الذي يخشى منه المحذور. وكذلك بالعكس.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٨٨٥.","vol":"1","page":145},{"text":"وهذه المعاني الشرعية، وحفظ مراتب الرجال ومراتب النساء، وتنزيل كل منهم منزلته التي أنزله الله بها، مستحسن عقلًا، كما أنه مستحسن شرعًا١.\nوإذا أردت أن تعرف ضرر التشبه التام، وعدم اعتبار المنازل، فانظر في هذا العصر إلى الاختلاط الساقط الذي ذهبت معه الغيرة الدينية، والمروءة الإنسانية، والأخلاق الحميدة، وحَلَّ محله ضد ذلك من كل خلق رذيل.\nويشبه هذا - أو هو أشد منه - تشبه المسلمين بالكفار في أمورهم المختصة بهم. فإنه ﷺ قال: \"من تشبه بقوم فهو منهم\"٢ فإن التشبه الظاهر يدعو إلى التشبه الباطن، والوسائل والذرائع إلى الشرور قصد الشارع حَسْمها من كل وجه.\n_________\n(١) وهذا معنى قوله ﷺ: \"من تشبّه بقومٍ فهو منهم\" وقول ابن مسعود\" \"لا يشبه الزي الزي، حتّى تشبه القلوب القلوب\" وقد سمعت شيخي مشهور -حفظه الله- يقول -بمعناه- أنّه سئل شيخنا الألباني -﵀- عن مسائل في تشبه الرجال بالنساء منها إذا استخدم الرجل حذاء زوجه أو لبس شيئًا من ثيابها في البيت عجلًا أو لسبب فهل هذا من التشبّه؟ فأجاب -﵀- أنّ مسألة التشبه ظاهرة اجتماعيّة تكون ممارستها فيما بين الناس، وعليه فلا يعتبر هذا من التشبّه. والله أعلم.\n(٢) مرّ تخريجه تحت شرح الحديث السادس والعشرون.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: لِكُلِّ داءٍ دَوَاءٌ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً\" رواه البخاري١.\nالإنزال هنا بمعنى: التقدير.\nففي هذا الحديث: إثبات القضاء والقدر. وإثبات الأسباب.\nوقد تقدم أن هذا الأصل العظيم ثابت بالكتاب والسنة. ويؤيده العقل والفطرة. فالمنافع الدينية والدنيوية والمضار كلها بقضاء الله وتقديره. قد أحاط بها علمًا. وجرى بها قلمه. ونفذت بها مشيئته. ويَسَّر العبادَ لفعل الأسباب التي توصلهم إلى المنافع والمضار. فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خلق له: من مصالح الدين والدنيا، ومضارهما. والسعيد من يَسَّره الله لأيسر الأمور، وأقربها إلى رضوان الله، وأصلحها لدينه ودنياه. والشقي من انعكس عليه الأمر.\nوعموم هذا الحديث يقتضي: أن جميع الأمراض الباطنة والظاهرة لها أدوية تقاومها، تدفع ما لم ينزل، وترفع ما نزل بالكلية، أو تخففه.\nوفي هذا: الترغيب في تعلم طب الأبدان، كما يتعلم طب القلوب، وأن ذلك من جملة الأسباب النافعة. وجميع أصول الطب وتفاصيله، شرح لهذا الحديث. لأن الشارع أخبرنا أن جميع الأدواء لها أدوية. فينبغي لنا أن نسعى إلى تعلمها، وبعد ذلك إلى العمل بها وتنفيذها.\nوقد كان يظن كثير من الناس أن بعض الأمراض ليس له دواء، كالسل ونحوه. وعندما ارتقى علم الطب، ووصل الناس إلى ما وصلوا إليه من علمه، عرف الناس مصداق هذا الحديث، وأنه على عمومه.\nوأصول الطب: تدبير الغذاء، بأن لا يأكل حتى تصدق الشهوة وينهضم الطعام السابق\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٦٧٨.","vol":"1","page":147},{"text":"انهضامًا تامًا، ويتحرى الأنفع من الأغذية، وذلك بحسب حالة الأقطار والأشخاص والأحوال، ولا يمتلئ من الطعام امتلاء يضره مزاولته، والسعي في تهضيمه، بل الميزان قوله تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ﴾ [الأعراف:٣١] ويستعمل الحِمْية عن جميع المؤذيات في مقدارها، أو في ذاتها، أو في وقتها. ثم إن أمكن الاستفراغ، وحصل به المقصود، من دون مباشرة الأدوية: فهو الأولى والأنفع. فإن اضطر إلى الدواء: استعمله بمقدار. وينبغي أن لا يتولى ذلك إلا عارف وطبيب حاذق.\nواعلم أن طيب الهواء، ونظافة البدن والثياب، والبعد عن الروائح الخبيثة، خير عون على الصحة. وكذلك الرياضة المتوسطة. فإنها تقوي الأعضاء والأعصاب والأوتار، وتزيل الفضلات، وتهضم الأغذية الثقيلة، وتفاصيل الطب معروفة عند الأطباء. ولكن هذه الأصول التي ذكرناها يحتاج إليها كل أحد.\nوصحّ عنه ﷺ \"الشفاء في ثلاث: شَرْطة مِحْجَم، أو شربة عسل، أو كَيَّة بنار\"١. \"وفي الحبة السوداء شفاء من كل داء\"٢. \"العود الهندي فيه سبعة أشْفِية: يُسَعَّط من العذرة، ويُلَدُّ من ذات الجنب\"٣، \"الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء\"٤، \"رخص في الرُّقية من العين والحُمَّة والنملة\"٥، \"وإذا استُغسِلتم من العين فاغسلوا\"٦، \"ونهى عن الدواء الخبيث\"٧، \"وأمر بخضاب الرجلين لوجعهما\"٨.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٦٨٠، ٥٦٨١.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٦٨٧، ٥٦٨٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢١٥.\n(٣) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٦٩٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢١٤.\n(٤) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٧٢٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٠٩.\n(٥) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢١٩٦، بعد ٥٧، ٥٨.\n(٦) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢١٨٨ بعد ٤٢.\n(٧) صحيح: أخرجه أحمد ٢/٣٠٥، ٤٤٦، ٤٧٨، وأبو داود ٣٨٧٠، والترمذي ٢٠٤٥، وابن ماجه ٣٤٥٩، وانظر \"صحيح ابن ماجه\" ٢/٢٥٥.\n(٨) صحيح: أخرجه أبو داود رقم: ٣٨٥٨ والترمذي ٢٠٥٤، وابن ماجه ٣٥٠٢، وأحمد ٦/٤٦٢، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" ١٥٦١، والمزي في \"تهذيب الكمال\" ١٩/١٢٢، وانظر: \"صحيح الترمذي\" رقم: ١٦٧٦.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الحديث الخامس والستون: آداب الرؤيا</span>.\nعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: \"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ. والحُلْم مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا رَأَى أحدُكم مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ. وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فليتعوَّذ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ. ولْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا، فإنها لن تضره\" متفق عليه١.\nأخبر ﷺ في هذا الحديث: أن الرؤيا الصالحة من الله، أي: السالمة من تخليط الشيطان وتشويشه. وذلك لأن الإنسان إذا نام خرجت روحه. وحصل لها بعض التجرد الذي تتهيأ به لكثير من العلوم والمعارف. وتلطفت مع ما يلهمها الله، ويلقيه إليها الملك في منامها. فتتنبه وقد تجلت لها أمور كانت قبل ذلك مجهولة، أو ذكرت أمورًا قد غفلت عنها، أو تنبهت لأحوال ينفعها معرفتها، أو العمل بها، أو حَذِرَتْ مضار دينية أو دنيوية لم تكن لها على بال، أو اتعظت ورغبت ورهبت عن أعمال قد تلبست بها، أو هي بصدد ذلك، أو انتبهت لبعض الأعيان الجزئية لإدخالها في الأحكام الشرعية.\nفكل هذه الأمور علامة على الرؤيا الصالحة، التي هي جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. وما كان من النبوة فهو لا يكذب.\nفانظر إلى رؤيا النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال:٤٣] كم حصل بها من منافع واندفع من مضار. وكذلك قوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧] كم حصل بها من زيادة\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٧٤٧، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٦١.","vol":"1","page":149},{"text":"إيمان. وتم بها من كمال إيقان. وكانت من آيات الله العظيمة.\nوانظر إلى رؤيا ملك مصر، وتأويل يوسف الصديق لها، وكما تولَّى التأويل فقد ولاَّه الله ما احتوت عليه من التدبير. فحصل بذلك خيرات كثيرة، ونعم غزيرة، واندفع بها ضرورات وحاجات. ورفع الله بها يوسف فوق العباد درجات.\nوتأمل رؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب ﵄ الأذان والإقامة، وكيف صارت سببًا لشرع هذه الشعيرة العظيمة التي هي من أعظم الشعائر الدينية.\nومرائي الأنبياء والأولياء والصالحين - بل وعموم المؤمنين وغيرهم - معروفة مشهورة، لا يحصى ما اشتملت عليه من المنافع المهمة والثمرات الطيبة. وهي من جملة نعم الله على عباده، ومن بشارات المؤمنين، وتنبيهات الغافلين، وتذكيره للمعرضين، وإقامة الحجة على المعاندين.\nوأما الحلم الذي هو أضغاث أحلام، فإنما هو من تخليط الشيطان على روح الإنسان، وتشويشه عليها وإفزاعها، وجلب الأمور التي تكسبها الهم والغم، أو توجب لها الفرح والمرح والبطر، أو تزعجها للشر والفساد والحرص الضار.\nفأمر النبي ﷺ عند ذلك أن يأخذ العبد في الأسباب التي تدفع شره بأن لا يحدث به أحدًا. فإن ذلك سبب لبطلانه واضمحلاله، وأن يَتْفُل عن شماله ثلاث مرات. وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الذي هو سبب هذا الحلم والدافع له، وليطمئن قلبه عند ذلك أنه لا يضره، مصداقًا لقول رسوله، وثقة بنجاح الأسباب الدافعة له.\nوأما الرؤيا الصالحة، فينبغي أن يحمد الله عليها، ويسأله تحقيقها، ويحدث بها من يحب ويعلم منه المودة، ليُسرّ لسروره، ويدعو له في ذلك. ولا يحدث بها من لا يحب، لئلا يشوش عليه بتأويل يوافق هواه، أو يسعى - حسدًا منه - في إزالة النعمة عنه.\n\nولهذا لما رأى يوسف الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر ساجدين له. وحدث بها أباه قال له: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف:٥] ولهذا كان كَتْم النعم عن الأعداء - مع الإمكان - أولى، إلا إذا كان في ذلك مصلحة راجحة.","vol":"1","page":150},{"text":"واعلم أن الرؤيا الصادقة تارة يراها العبد على صورتها الخارجية، كما في رؤيا الأذان وغيرها، وتارة يضرب له فيها أمثال محسوسة، ليعتبر بها الأمور المعقولة، أو المحسوسة التي تشبهها، كرؤيا ملك مصر ونحوها. وهي تختلف باختلاف الرائي والوقت والعادة، وتنوع الأحوال.","vol":"1","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>الحديث السادس والستون: المحسن في إسلامه</span>.\nعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ﵀ قَالَ: قال رسول الله ﷺ: \"مِنْ حُسْن إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُه مَا لَا يَعنيه\".\nرواه مالك١. وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ٢، ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ٣ وَعَنْ أَبِي هريرة٤.\nالإسلام - عند الإطلاق - يدخل فيه الإيمان، والإحسان. وهو شرائع الدين الظاهرة والباطنة. والمسلمون منقسمون في الإسلام إلى قسمين، كما دلّ عليه فحوى هذا الحديث.\nفمنهم: المحسن في إسلامه. ومنهم: المسيء.\nفمن قام بالإسلام ظاهرًا وباطنًا فهو المحسن ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] . فيشتغل هذا المحسن بما يعنيه، مما يجب عليه تركه من المعاصي والسيئات، ومما ينبغي له تركه، كالمكروهات وفضول المباحات التي لا مصلحة له فيها، بل تفوت عليه الخير.\nفقوله ﷺ: \"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المرء تركه ما لا يعنيه\" يعم ما ذكرنا.\n_________\n(١) صحيح، أخرجه مالك في \"الموطأ\" ٢/٢١٠، أو رقم: ١٧١٨ -ط المعرفة، وأحمد ١/٢٠١، عن علي بن الحسين عن أبيه مرفوعًا، وورد مرسلًا عن عليّ بن الحسين عن النبيّ ﷺ. وقد خرّجته مرفوعًا ومرسلًا في \"روح العارفين\" رقم: ١٥ فلينظر.\n(٢) أخرجه: ابن ماجه رقم: ٣٩٧٦، والترمذي ٢٣١٧، وابن حبان ٢٢٩، والطبراني في \"الأوسط\" ٣٦١، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" ١٩٢، والبغوي في \"شرح السنة\" ٤١٣٢.\n(٣) مضى تخريجه.\n(٤) مضى تخريجه.","vol":"1","page":152},{"text":"ومفهوم الحديث: أن من لم يترك ما لا يعنيه: فإنه مسيء في إسلامه. وذلك شامل للأقوال والأفعال، المنهي عنها نهي تحريم أو نهي كراهة.\nفهذا الحديث يُعدّ من الكلمات العامة الجامعة، لأنها قسمت هذا التقسيم الحاصر، وبينت الأسباب التي يتم بها حسن الإسلام، وهو الاشتغال بما يعني، وترك ما لا يعني من قول وفعل. والأسباب التي يكون بها العبد مسيئًا. وهي ضد هذه الحال. والله أعلم.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الحديث السابع والستون: تربية الأولاد وتأديبهم</span>.\nعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أن رسول الله ﷺ قَالَ: \"مَا نَحل والدٌ وَلَدَهُ مِنْ نحْل أفضل من أدب حسَن\" رواه الترمذي١.\nأولى الناس ببرِّك، وأحقهم بمعروفك: أولادُك؛ فإنهم أمانات جعلهم الله عندك، ووصاك بتربيتهم تربية صالحة لأبدانهم وقلوبهم، وكل ما فعلته معهم من هذه الأمور، دقيقها وجليلها، فإنه من أداء الواجب عليك، ومن أفضل ما يقربك إلى الله، فاجتهد في ذلك، واحتسبه عند الله، فكما أنك إذا أطعمتهم وكسوتهم وقمت بتربية أبدانهم، فأنت قائم بالحق مأجور. فكذلك - بل أعظم من ذلك - إذا قمت بتربية قلوبهم وأرواحهم بالعلوم النافعة، والمعارف الصادقة، والتوجيه للأخلاق الحميدة، والتحذير من ضدها.\nو\"النحل\": هي العطايا والإحسان. فالآداب الحسنة خير للأولاد حالًا ومآلًا من إعطائهم الذهب والفضة، وأنواع المتاع الدنيوي لأن بالآداب الحسنة، والأخلاق الجميلة، يرتفعون، وبها يسعدون، وبها يؤدون ما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد، وبها يجتنبون أنواع المضار، وبها يتم برهم لوالديهم.\nأما إهمال الأولاد: فضرره كبير، وخطره خطير. أرأيت لو كان لك بستان فَنمَّيته، حتى استتمت أشجاره، وأينعت ثماره، وتزخرفت زروعه وأزهاره. ثم أهملته فلم تحفظه، ولم تَسقِه ولم تُنَقِّه من الآفات، وتعده للنموِّ في كل الأوقات، أليس هذا من أعظم الجهل والحمق؟ فكيف تهمل أولادك الذين هم فِلذة كبدك، وثمرة فؤادك، ونسخة روحك،\n_________\n(١) ضعيف، أخرجه أحمد ٤/٧٧، ٧٨، والترمذي رقم: ١٩٥٢، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" ١/رقم: ١٣٥٦، والعقيلي في \"الضعفاء\" ٣/٣٠٨، وابن عدي في \"الكامل\" ٥/١٧٤٠، والحاكم ٤/٢٦٣، والبيهقي ٢/١٨، ٣/٨٤، والخطيب في \"الموضح\" ٢/٣١٦، والمزي في \"تهذيب الكمال\" ١٤/٤٥، وانظر: السلسلة الضعيفة رقم: ١١٢١، وضعيف الترمذي ٣٣٣.","vol":"1","page":154},{"text":"والقائمون مقامك حيًا وميتًا، الذين بسعادتهم تتم سعادتك، وبفلاحهم ونجاحهم تدرَك به خيرًا كثيرًا١ ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:٢٦٩] .\n_________\n(١) وفي هذا المعنى قوله ﷺ: \"كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يعول\".","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الحديث الثامن والستون: الجليس الصالح والجليس السوء</span>.\nعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مثل الجليس الصالح والسوء: كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الكِير. فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يَحْذِيَك، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً. وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وِإِمَّا أَنْ تَجِدَ منه ريحًا خبيثة\" متفق عليه١.\nاشتمل هذا الحديث على الحث على اختيار الأصحاب الصالحين، والتحذير من ضدهم.\nومثَّل النبي ﷺ بهذين المثالين، مبينًا أن الجليس الصالح: جميع أحوالك معه وأنت في مغنم وخير، كحامل المسك الذي تنتفع بما معه من المسك: إما بهبة، أو بعوض. وأقل ذلك: مدة جلوسك معه، وأنت قرير النفس برائحة المسك.\nفالخير الذي يصيبه العبد من جليسه الصالح أبلغ وأفضل من المسك الأذفر، فإنه إما أن يعلمك ما ينفعك في دينك ودنياك، أو يهدي لك نصيحة، أو يحذرك من الإقامة على ما يضرك. فيحثك على طاعة الله، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، ويبصرك بعيوب نفسك، ويدعوك إلى مكارم الأخلاق ومحاسنها، بقوله وفعله وحاله. فإن الإنسان مجبول على الاقتداء بصاحبه وجليسه، والطباع والأرواح جنود مجندة، يقود بعضها بعضًا إلى الخير، أو إلى ضده.\nوأقل ما تستفيده من الجليس الصالح -وهي فائدة لا يستهان بها-أن تكف بسببه عن السيئات والمعاصي، رعاية للصحبة، ومنافسة في الخير، وترفعًا عن الشر، وأن يحفظك في حضرتك ومغيبك، وأن تنفعك محبته ودعاؤه في حال حياتك وبعد مماتك، وأن يدافع عنك بسبب اتصاله بك، ومحبته لك.\nوتلك أمور لا تباشر أنت مدافعتها، كما أنه قد يصلك بأشخاص وأعمال ينفعك اتصالك بهم.\nوفوائد الأصحاب الصالحين لا تعد ولا تحصى. وحسب المرء أن يعتبر بقرينه، وأن يكون\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٥٣٤، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٢٨.","vol":"1","page":156},{"text":"على دين خليله.\nوأما مصاحبة الأشرار: فإنها بضد جميع ما ذكرنا. وهم مضرة من جميع الوجوه على من صاحبهم، وشر على من خالطهم. فكم هلك بسببهم أقوام. وكم قادوا أصحابهم إلى المهالك من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.\nولهذا كان من أعظم نعم الله على العبد المؤمن، أن يوفقه لصحبة الأخيار. ومن عقوبته لعبده، أن يبتليه بصحبة الأشرار.\nصحبة الأخيار توصل العبد إلى أعلى عليين، وصحبة الأشرار توصله إلى أسفل سافلين.\nصحبة الأخيار توجب له العلوم النافعة، والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة، وصحبة الأشرار: تحرمه ذلك أجمع.\n﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧–٢٩] .","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الحديث التاسع والستون: احتراز المؤمن ويقظته</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يُلْدَغ المؤمن من جُحْرٍ واحدٍ مرتين\" متفق عليه١.\nهذا مثل ضربه النبي ﷺ: لبيان كمال احتراز المؤمن ويقظته، وأن المؤمن يمنعه من اقتراف السيئات التي تضره مقارفتها، وأنه متى وقع في شيء منها، فإنه في الحال يبادر إلى الندم والتوبة والإنابة.\nومن تمام توبته: أن يحذر غاية الحذر من ذلك السبب الذي أوقعه في الذنب، كحال من أدخل يده في جُحر فلدغته حَيَّة. فإنه بعد ذلك لا يكاد يدخل يده في ذلك الجحر، لما أصابه فيه أول مرة.\nوكما أن الإيمان يحمل صاحبه على فعل الطاعات. ويرغبه فيها. ويحزنه لفواتها. فكذلك يزجره عن مقارفة السيئات، وإن وقعت بادر إلى النزوع عنها. ولم يعد إلى مثل ما وقع فيه.\nوفي هذا الحديث: الحث على الحزم والكَيْس في جميع الأمور. ومن لوازم ذلك: تعرف الأسباب النافعة ليقوم بها، والأسباب الضارة ليتجنبها.\nويدل على الحثّ على تجنب أسباب الرِّيب التي يخشى من مقاربتها الوقوع في الشر.\nوعلى أن الذرائع معتبرة. وقد حذر الله المؤمنين من العود إلى ما زينه الشيطان من الوقوع في المعاصي، فقال ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [النور:١٧] ولهذا فإن من ذاق الشر من التائبين تكون كراهته له أعظم، وتحذيره وحذره عنه أبلغ؛ لأنه عرف بالتجربة آثاره القبيحة. وفي الحديث: \"الأناة من الله،\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١٣٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٩٩٨.","vol":"1","page":158},{"text":"والعجلة من الشيطان، ولا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة\"١. والله أعلم.\n_________\n(١) هذا الحديث ملفّق من حديثين: الأوّل: \"الأناة من الله، والعجلة من الشيطان\". وهو ضعيفٌ، أخرجه الترمذي رقم: ٢٠١٢، والطبراني في \"الكبير\" ٥٧٠٢، وابن عديّ ٥/١٩٨٢، والبغوي رقم: ٣٥٩٨، وانظر: \"ضعيف الترمذي\" رقم: ٣٤٦. \"ضعيف الجامع\" ٢٣٠٠، و\"المشكاة\" ٥٠٥٥، والثاني: لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلاّ ذو تجربة: وهو أيضًا ضعيف.\nأخرجه أحمد ٣/٨، ٦٩، والترمذي ٢٠٣٣، وابن حبّان ١٩٣، وابن عديّ ٣/١٢٥٦، ٣/١٥٢١، والحاكم ٤/٢٩٣، وانظر: \"ضعيف الجامع\" رقم: ٦٢٨٣، و\"المشكاة\" ٥٠٥٦.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>الحديث السبعون: وصيّة نافعة</span>.\nعَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفاري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَع كَالْكَفِّ، وَلَا حَسَبَ كحُسْن الْخُلُقِ\" رواه البيهقي في شعب الإيمان١.\nهذا الحديث اشتمل على ثلاث جمل، كل واحدة منها تحتها علم عظيم:\nأما الجملة الأولى: فهي في بيان العقل وآثاره وعلاماته، وأن العقل الممدوح في الكتاب والسنة: هو قوة ونعمة أنعم الله بها على العبد، يعقل بها أشياء النافعة، والعلوم والمعارف، ويتعقل بها ويمتنع من الأمور الضارة والقبيحة. فهو ضروري للإنسان لا يستغنى عنه في كل أحواله الدينية والدنيوية، إذ به يعرف النافع والطريق إليه. ويعرف الضار وكيفية السلامة منه. والعقل يعرف بآثاره.\nفبين ﷺ في هذا الحديث آثاره الطيبة، فقال: \"لا عقل كالتدبير\" أي: تدبير العبد لأمور دينه، ولأمور دنياه.\nفتدبيره لأمور دينه: أن يسعى في تعرّف الصراط المستقيم، وما كان عليه النبي الكريم، من الأخلاق والهدى والسَّمْت. ثم يسعى في سلوكه بحالة منتظمة. كما قال ﷺ: \"استعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلْجة، والقصدَ القصد، تبلغوا\"٢.\nوقد تقدم شرح هذا الحديث، وبيان الطريق الذي أرشد إليه رسول الله ﷺ، وأنها طريق سهلة توصل إلى الله، وإلى دار كرامته بسهولة وراحة، وأنها لا تقوِّت على العبد من راحاته وأموره الدنيوية شيئًا، بل يتمكن العبد معها من تحصيل المصلحتين، والفوز بالسعادتين، والحياة الطيبة.\n_________\n(١) ضعيف. هو في \"شعب الإيمان\" ٦/٢٤٦ رقم: ٨٠٣١، وأخرجه أيضًا ابن ماجه رقم: ٤٢١٨، وابن حبان ٣٦١، والقضاعي في \"مسند الشهاب\" رقم: ٨٣٧، والطبراني في \"الكبير\" رقم: ١٦٥١، وانظر: \"ضعيف ابن ماجه\" رقم: ٩٢٥، و\"السلسلة الضعيفة\" ١٩١٠.\n(٢) هو هذا الحديث الثامن والعشرون، وقد تخريجه ص٧٧.","vol":"1","page":160},{"text":"فمتى دبر أحواله الدينية بهذا الميزان الشرعي، فقد كمل دينه وعقله. لأن المطلوب من العقل، أو يوصل صاحبه إلى العواقب الحميدة، من أقرب طريق وأيسره.\nوأما تدبير المعاش: فإن العاقل يسعى في طلب الرزق بما يتضح له أنه أنفع له وأجدى عليه في حصول مقصوده. ولا يتخبط في الأسباب خبط عشواء، لا يقر له قرار، بل إذا رأى سببًا فتح له به باب رزق فليلزمه وليثابر عليه، وليُجْمل في الطلب. ففي هذا بركة مجربة.\nثم يدبر تدبيرًا آخر. وهو التدبير في التصريف والإنفاق، فلا ينفق في طرق محرمة، أو طرق غير نافعة، أو يسرف في النفقات المباحة، أو يُقَتَِر. وميزان ذلك: قوله تعالى في مدح الأخيار ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] . فحُسن التدبير في كسب الأرزاق، وحسن التدبير في الإنفاق، والتصريف، والحفظ، وتوابع ذلك: دليل على كمال عقل الإنسان ورزانته ورشده.\nوضد ذلك: دليل على نقصان عقله، وفساد لُبِّه.\nالجملة الثانية: قوله ﷺ \"لا وَرعَ كَالكَفّ\".\nفهذا حدٌّ جامع للورع. بيّن به رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الورع الحقيقي هو الذي يكفُّ نفسه، وقلبه ولسانه، وجميع جوارحه عن الأمور المحرمة الضارة. فكل ما قاله أهل العلم في تفسير الورع، فإنه يرجع إلى هذا التفسير الواضح الجامع.\nفمن حفظ قلبه عن الشكوك والشبهات، وعن الشهوات المحرمة والغِلُّ والحقد، وعن سائر مساوئ الأخلاق وحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والكذب والشتم، وعن كل إثم وأذى، وكلام محرم، وحفظ فرجه وبصره عن الحرام، وحفظ بطنه عن أكل الحرام، وجوارحه عن كسب الآثام فهذا هو الورع حقيقة.\nومن ضيع شيئًا من ذلك نقص من ورعه بقدر ذلك، ولهذا قال شيخ الإسلام: \"الورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة\".\nالجملة الثالثة: قوله ﷺ: \"ولا حَسَبَ كَحُسنِ الخُلُق\".","vol":"1","page":161},{"text":"وذلك أن الحسب مرتبة عالية عند الخلق. وصاحب الحسب له اعتبار وشرف بحسب ذلك. وهو نوعان:\nالنوع الأول: حسب يتعلق بنسب الإنسان وشرف بيته. وهذا النوع إنما هو مدح؛ لأنه مظنة أن يكون صاحبه عاملًا بمقتضى حسبه، مترفعًا عن الدنايا، متحلِّيًا بالمكارم. فهو مقصود لغيره.\nوأما النوع الثاني: فهو الحسب الحقيقي الذي هو وصف للعبد، وجمال له وزينة، وخير في الدنيا والدين، وهو حسن الخلق المحتوي على الحلم الواسع، والصبر والعفو، وبذل المعروف والإحسان، واحتمال الإساءة والأذى، ومخالقة طبقات الناس بخلق حسن.\nوإن شئت فقل حسن الخلق نوعان:\nالأول: حسن الخلق مع الله، وهو أن تتلقى أحكامه الشرعية والقدرية بالرضى والتسليم لحكمه، والانقياد لشرعه، بطمأنينة ورضى، وشكر لله على ما أنعم به: من الأمر والتوفيق، والصبر على أقداره المؤلمة والرضى بها.\nالثاني: حسن الخُلُق مع الخَلق، وهو بذل الندَى، واحتمال الأذى، وكف الأذى، كما قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤، ٣٥] . فمن قام بحسن الخلق مع الله ومع الخلق: فقد نال الخير والفلاح. والله أعلم.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الحديث الحادي والسبعون: ذمّ الْغَضَبِ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ \"جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. فَقَالَ: لَا تَغْضَبْ. ثُمَّ ردَّدَ مِرَارًا. فقال: لا تغضب\" رواه البخاري١.\nهذا الرجل ظن أنها وصية بأمر جزئي. وهو يريد أن يوصيه النبي ﷺ بكلام كلي. ولهذا ردد. فلما أعاد عليه النبي ﷺ عرف أن هذا كلام جامع. وهو كذلك؛ فإن قوله: \"لا تغضب\" يتضمن أمرين عظيمين:\nأحدهما: الأمر بفعل الأسباب، والتمرن على حسن الخلق، والحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخلق، من الأذى القولي والفعلي. فإذا وفِّق لها العبد، وورد عليه وارد الغضب احتمله بحسن خلقه، وتلقاه بحلمه وصبره، ومعرفته بحسن عواقبه؛ فإن الأمر بالشيء أمر به، وبما لا يتم إلا به. والنهي عن الشيء أمر بضده. وأمر بفعل الأسباب التي تعين العبد على اجتناب المنهي عنه. وهذا منه.\nالثاني: الأمر - بعد الغضب - أن لا ينفذ غضبه؛ فإن الغضب غالبًا لا يتمكن الإنسان من دفعه ورده، ولكنه يتمكن من عدم تنفيذه. فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال والمحرمة التي يقتضيها الغضب.\nفمتى منع نفسه من فعل آثار الغضب الضارة، فكأنه في الحقيقة لم يغضب. وبهذا يكون العبد كامل القوة العقلية، والقوة القلبية، كما قال ﷺ: \"ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\"٢.\nفكمال قوة العبد: أن يمتنع من أن تؤثر فيه قوة الشهوة، وقوة الغضب الآثار السيئة، بل يصرف هاتين القوتين إلى تناول ما ينفع في الدين والدنيا، وإلى دفع ما يضر فيهما.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١١٦.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١١٤، ومسلم في \"صحييحه\" رقم: ٢٦٠٩.","vol":"1","page":163},{"text":"فخير الناس: من كانت شهوته وهواه تبعًا لما جاء به الرسول ﷺ، وغضبه ومدافعته في نصر الحق على الباطل.\nوشر الناس: من كان صريع شهوته وغضبه. ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الحديث الثاني والسبعون: ذمّ الْكِبْرِ</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّة مِنْ كِبْر. فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا؟ فقال: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الكبْر: بَطْر الحق، وغَمْط الناس\" رواه مسلم١.\nقد أخبر الله تعالى: أن النار مثوى المتكبرين. وفي هذا الحديث أنه \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مثقال ذرة من كبر\" فدلّ على أن الكبر موجب لدخول النار، ومانع من دخول الجنة.\nوبهذا التفسير الجامع الذي ذكره النبي ﷺ يتضح هذا المعنى غاية الاتضاح؛ فإنه جعل الكبر نوعين:\nكبر النوع الأول: على الحق، وهو رده وعدم قبوله. فكل من رد الحق فإنه مستكبر عنه بحسب ما رد من الحق. وذلك أنه فرض على العباد أن يخضعوا للحق الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه.\nفالمتكبرون عن الانقياد للرسل بالكلية كفارٌ مخلدون في النار؛ فإنه جاءهم الحق على أيدي الرسل مؤيدًا بالآيات والبراهين. فقام الكبر في قلوبهم مانعًا، فردوه. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، وأمّا المتكبّرون عن الانقياد لبعض الحق الذي يخالف رأيهم وهواهم: فهم -وإن لم يكونوا كفّارًا- فإنّ معهم من موجبات العقاب بحسب ما معهم من الكبر، وما تأثروا به من الامتناع عن قبول الحق الذي تبيّن لهم بعد مجيء الشرع به، ولهذا أجمع العلماء أنّ من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يحلّ له أن يعدل عنها لقول أحدٍ كائنًا من الناس من كان.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٩١ بعد ١٤٧.","vol":"1","page":165},{"text":"فيجب على طالب العلم أن يعزم عزمًا جازمًا على تقديم قول الله وقول رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قول كلّ أحدٍ، وأن يكون أصله الذي يرجع إليه، وأساسه الذي يبني عليه: الاهتداء بهدي النبيّ ﷺ، والاجتهاد في معرفة مراده، واتباعه في ذلك ظاهرًا وباطنًا.\nفمتى وفق في هذا الأمر الجليل فقد وفق للخير، وصار خطؤه معفوًّا عنه؛ لأنّ قصده العام اتباع الشرع، فالخطأ معذور فيه إذا فعل مستطاعه من الاستدلال والاجتهاد في معرفة الحقّ. وهذا هو المتواضع للحق.\nوأمّا الكبر على الخلق –وهو النوع الثاني- فهو غمطهم واحتقارهم، وذلك ناشئ عن عجب الإنسان بنفسه، وتعاظمه عليه، فالعجب بالنفس يحمل على التكبّر على الخلق، واحتقارهم والاستهزاء بهم، وتنقيصهم بقوله وفعله، وقال رسول الله ﷺ: \"بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم\"١.\nولما قال هذا الرجل: \"إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونعله حسنًا\" وخشي أن يكون هذا من الكبر الذي جاء فيه الوعيد: بيّن له النبيّ صلّى الله عليه: أنّ هذا ليس من الكبر، إذا كان صاحبه منقادًا للحقّ، متواضعًا للخلق، وأنّه من الجمال الذي يحبّه الله؛ فإنّه تعالى جميلٌ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يحبّ الجمال الظاهري، والجمال الباطني.\nفالجمال الظاهر: كالنظافة في الجسد، والملبس، والمسكن، وتوابع ذلك.\nوالجمال الباطن: التجمل بمعالي الأخلاق ومحاسنها.\nولهذا كان دعاء النبيّ ﷺ: \"اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت، واصرف عنّ ي سيّئ الأعمال والأخلاق، لا يصرف عنّي سيّئها إلاّ أنت٢\". والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٦٤ بعد ٣٢.\n(٢) جزء من حديث أوله: \"وجهت وجهي للذي فطر السماوات ... \" أخرجه مسلم في \"صحيحه\" رقم ٧٧١ بعد ٢٠١.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الحديث الثالث والسبعون: القناعة</span>.\nعن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ١.\nحكم ﷺ بالفلاح لمن جمع هذه الخلال الثلاث.\nو\"الفلاح\" اسم جامع لحصول كلّ مطلوب محبوب، والسلامة من كلّ مخوف مهوب.\nوذلك أنّ هذه الثلاث جمعت خير الدين والدنيا، فإنّ العبد إذا هدي للإسلام الذي هو دين الله، الذي لا يقبل دينًا سواه، وهو مدار الفوز بالثواب والنجاة من العقاب، وحصل له الرزق الذي يكفيه ويكفّ وجهه عن سؤال الخلق، ثمّ تمّم الله عليه النعمة، بأن قنعه بما آتاه، أي: حصل له الرضى بما أوتي من الرزق والكفاف، ولم تطمح نفسه لما وراء ذلك: فقد حصل له حسنة الدنيا والآخرة.\nفإنّ النقص بفوات هذه الأمور الثلاثة أو أحدها: إمّا أن لا يهدى للإسلام: فهذا مهما كانت حاله، فإنّ عاقبته الشقاوة الأبديّة، وإمّا بأن يهدي للإسلام، ولكنّه يبتلى: إمّا بفقرٍ ينسي، أو غنى يطغي: وكلاهما ضرر ونقص كبير، وإمّا بأن يحصل له الرزق الكافي موسعًا أو مقدّرًا، ولكنّه لا يقنع برزق الله، ولا يطمئن قلبه بما آتاه الله: فهذا فقير القلب والنفس.\nفإنّه ليس الغنى عن كثرة العرض، إنّما الغنى غنى القلب، فكم من صاحب ثروة وقلبه فقير متحسر، وكم من فقير ذات اليد، وقلبه غني راض، قانع برزق الله.\nفالحازم إذا ضاقت عليه الدنيا لم يجمع على نفسه بين ضيقها وفقرها، وبين فقر القلب وحسرته وحزنه، بل كما يسعى لتحصيل الرزق فليسع لراحة القلب، وسكونه وطمأنينته. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠٥٤ بعد ١٢٥.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>الحديث الرابع والسبعون: وصيّة بليغة</span>.\nعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: \"جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِظْني وَأَوْجِزْ. فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مودِّع، وَلَا تَكَلم بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ غدًا، وأجمع الإياس مما في أيدي الناس\" رواه أحمد١.\nهذه الوصايا الثلاث يا لها من وصايا، إذا أخذ بها العبد: تمت أموره وأفلح.\nفالوصية الأولى: تتضمن تكميل الصلاة، والاجتهاد في إيقاعها على أحسن الأحوال. وذلك بأن يحاسب نفسه على كل صلاة يصليها، وأنه سيتم جميع ما فيها: من واجب، وفروض، وسنة، وأن يتحقق بمقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات. وذلك بأن يقوم إليها مستحضرًا وقوفه بين يدي ربه، وأنه يناجيه بما يقوله، من قراءة وذكر ودعاء ويخضع له في قيامه وركوعه، وسجوده وخفضه ورفعه.\nويعينه على هذا المقصد الجليل: توطين نفسه على ذلك من غير تردد ولا كسل قلبي، ويستحضر في كل صلاة أنها صلاة مودِّع، كأنه لا يصلي غيرها.\nومعلوم أن المودع، يجتهد اجتهادًا يبذل فيه كل وسعه. ولا يزال مستصحبًا لهذه المعاني النافعة، والأسباب القوية، حتى يسهل عليه الأمر، ويتعود ذلك.\nوالصلاة على هذا الوجه: تنهى صاحبها عن كل خلق رذيل، وتحثه على كل خلق جميل؛ لما تؤثره في نفسه من زيادة الإيمان، ونور القلب وسروره، ورغبته التامة في الخير.\nوأما الوصية الثانية: فهي حفظ اللسان ومراقبته؛ فإن حفظ اللسان عليه المدار، وهو مِلاك أمر العبد. فمتى ملك العبد لسانه ملك جميع أعضائه. ومتى ملكه لسانه فلم يصنه عن الكلام الضار، فإن أمره يختل في دينه ودنياه. فلا يتكلم بكلام، إلا قد عرف نفعه في دينه\n_________\n(١) حسن: أخرجه أحمد ٥/٤١٢، وابن ماجه ٤١٧١، وأبو نعيم في \"الحلية\" ١/٤٦٢، والمزي في \"تهذيب الكمال\" ١٩/٣٤٧، وانظر \"السلسلة الصحيحة\" رقم: ٤٠١.","vol":"1","page":168},{"text":"أو دنياه. وكل كلام يحتمل أن يكون فيه انتقاد أو اعتذار فليدعه، فإنه إذا تكلم به ملكه الكلام، وصار أسيرًا له. وربما أحدث عليه ضررًا لا يتمكن من تلافيه.\nوأما الوصية الثالثة: فهي توطين النفس على التعلق بالله وحده، في أمور معاشه ومعاده، فلا يسأل إلا الله، ولا يطمع إلا في فضله. ويوطن نفسه على اليأس مما في أيدي الناس؛ فإن اليأس عصمة. ومن أيس من شيء استغنى عنه. فكما أنه لا يسأل بلسانه إلا الله، فلا يعلق قلبه إلا بالله. فيبقى عبدًا لله حقيقة، سالمًا من عبودية الخلق. قد تحرر من رقِّهم، واكتسب بذلك العز والشرف؛ فإن المتعلق بالخلق يكتسب الذل والسقوط بحسب تعلقه بهم. والله أعلم.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الحديث الخامس والسبعون: من أسباب النصر</span>.\nعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ١ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: \"هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلا بضعفائكم؟ \" رواه البخاري٢.\nفهذا الحديث فيه: أنه لا ينبغي للأقوياء القادرين أن يستهينوا بالضعفاء العاجزين، لا في أمور الجهاد والنصرة، ولا في أمور الرزق وعجزهم عن الكسب.\nبيّن الرسول ﷺ أنّه قد يحدث النصر على الأعداء وبسط الرزق بأسباب الضعفاء، بتوجّههم ودعائهم، واستنصارهم واسترزاقهم.\nوذلك أنّ الأسباب التي تحصل بها المقاصد نوعان:\nنوع يشاهد بالحسّ، وهو القوة والشجاعة القوليّة والفعليّة، وبحصول الغنى والقدرة على الكسب، وهذا النوع هو الذي يغلب على قلوب أكثر الخلق، ويعلّقون به حصول النصر والرزق، حتّى وصلت الحال بكثيرٍ من أهل الجاهليّة أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر، ووصلت بغيرهم إلى أن يتضجّروا بعوائلهم الذين عدم كسبهم، وفقدت قوتهم، وهذا كلّه قصر نظر، وضعف إيمان، وقلّة ثقة بوعد الله وكفايته، ونظر للأمور على حقيقتها.\nوأمّا النوع الثاني: أسباب معنويّة، وهي قوّة التوكل على الله في حصول المطالب الدينيّة والدنيوية، وكمال الثقة به، وقوّة التوجّه إليه والطلب منه.\nوهذه الأمور تقوى جدًّا من الضعفاء العاجزين الذين ألجأتهم الضرورة إلى أن يعلموا حقّ العلم أنّ كفايتهم ورزقهم ونصرهم من عند الله، وأنّهم في غاية العجز، فانكسرت قلوبهم، وتوجّهت إلى الله، فأنزل لهم من نصره ورزقه -من دفع المكاره، وجلب المنافع- ما لا يدركه\n_________\n(١) كذا في المطبوع، وفيه إيهام أن مصعب روى عن النبيّ ﷺ، وصوابه: \"عن مصعب بن سعد قال: رأى سعد ﵁ أنّ له فضلًا على من دونه فقال النبيّ ﷺ:.... وذكره\" وانظر \"صحيح البخاري\" رقم: ٢٨٩٦، \"تهذيب الكمال ٢٨/٢٤-٢٥.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه: رقم: ٢٨٩٦.","vol":"1","page":170},{"text":"القادرون، ويسّر للقادرين بسببهم من الرزق ما لم يكن لهم في حساب: فإنّ الله جعل لكلّ أحدٍ رزقًا مقدّرًا.\nوقد جعل أرزاق هؤلاء العاجزين على يد القادرين، وأعان القادرين على ذلك، وخصوصًا من قويت ثقتهم بالله، واطمأنّت نفوسهم لثوابه فإنّ الله يفتح لهؤلاء من أسباب النصر والرزق ما لم يكن لهم ببال، ولا دار لهم في خيال.\nفكم من إنسانٍ كان رزقه مقترًا، فلما كثرت عائلته والمتعلّقون به، وسّع الله له الرزق من جهات وأسباب شرعيّة قدريّة إلهية.\nومن جهة، وعد الله الذي لا يخلف: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] .\nومن جهة: دعاء الملائكة كلّ صباحٍ يوم: \"اللهم أعط منفقًا خلفًا وأعط ممسكًا تلفًا\"١.\nومن جهة: أنّ أرزاق هؤلاء الضعفاء توجّهت إلى من قام بهم وكانت على يده.\nومن جهة: أنّ يد المعطي هي العليا من جميع الوجوه.\nومن جهة: أنّ المعونة من الله تأتي على قدرة المؤنة، وأنّ البركة تشارك كلّ ما كان لوجه، ومرادًا به ثوابه، ولهذا نقول:\nومن جهة: إخلاص العبد لله، وتقرّبه إليه بقلبه ولسانه ويده، كلّما أنفق، توجّه إلى الله وتقرّب إليه، وما كان له فهو مبارك.\nومن جهة: قوّة التوكّل، وثقة المنفق، وطمعه في فضل الله وبرّه، والطمع والرجاء من أكبر الأسباب لحصول المطلوب.\nومن جهة: دعاء المستضعفين المنفق عليهم، فإنّهم يدعون الله –إن قاموا وقعدوا، وفي كلّ أحوالهم- لمن قام بكفايتهم، والدعاء سبب قوي ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] . وكلّ هذا مجرّب مشاهد، فتبًا للمحرومين، وما أجل ربح الموفقين. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٤٤٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠١٠.","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>الحديث السادس والسبعون: كرم الله تعالى</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ، يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ فيستشهد\". متفق عليه١.\nهذا الحديث يدل على تنوع كرم الكريم، وأن كرمه وفضله متنوع من وجوه لا تعد ولا تحصى، ولا يدخل في عقول الخلق وخواطرهم.\nفهذان الرجلان اللذان قتل أحدهما الآخر قيض الله لكل منهما من فضله وكرمه سببًا أوصله إلى الجنة.\nفالأول: قاتل في سبيله، وأكرمه الله على يد الرجل الآخر - الذي لم يسلم بعد - بالشهادة التي هي أعلى المراتب، بعد مرتبة الصديقين، وغرضه في جهاده إعلاء كلمة الله، والتقرب إلى ربه بذلك. فأجره على الله. وليس له على القاتل حق، فثبت أجره على الله.\nوأما الآخر: فإن الله تعالى جعل باب التوبة مفتوحًا لكل من أراد التوبة بالإسلام وما دونه، ولم يجعل ذنبًا من الذنوب مانعًا من قبول التوبة، كما قال تعالى في حق التائبين: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] . فلما أسلم وتاب محا الله عنه الكفر وآثاره، ثم منَّ عليه بالشهادة، فدخل الجنة، كأخيه الذي قتله وأكرمه على يده، ولم يهنه على يد أخيه بقتله، وهو كافر.\nفهذا الضحك من الباري يدل على غاية كرمه وجوده، وتنوع بره. وهذا الضحك الوارد في هذا الحديث وفي غيره من النصوص كغيره من صفات الله. على المؤمن أن يعترف بذلك\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٨٢٦، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٨٩٠.","vol":"1","page":172},{"text":"ويؤمن به، وأنه حق على حقيقته، وأن صفاته صفات كمال، ليس له فيها مثل، ولا شبه ولا ند.\nفكما أن لله ذاتًا لا تشبهها الذوات فله تعالى صفات لا تشبهها الصفات، وكلها صفات حمد ومجد وتعظيم، وجلال وجمال وكمال. فنؤمن بما جاء به الكتاب والسنة من صفات ربنا، ونعلم أنه لا يتم الإيمان والتوحيد إلا بإثباتها على وجه يليق بعظمة الله وكبريائه ومجده.\nوهذا الحديث من جملة الأحاديث المرغبة في الدخول في الإسلام وفتح أبواب التوبة بكل وسيلة؛ فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وما عمله الإنسان في حال كفره، وقد أسلم على ما أسلف١، حتى الرقاب التي قتلها نصرًا لباطله، والأموال التي استولى عليها من أجل ذلك. كل ذلك معفو عنه بعد الإسلام.\nوقولنا: \"من أجل ذلك\" احتراز ن الحقوق التي اقتضتها المعاملات بين المسلمين والكفار؛ فإن الكافر إذا أسلم وعليه حقوق وديون وأعيان أخذها وحصلت له بسبب المعاملة، فإن الإسلام لا يسقطها؛ لأنها معاملات مشتركة بين الناس، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. بخلاف القسم الأول. فإن كلام من الطرفين - المسلمين والكفار - إذا حصل الحرب، وترتب عليه قتل وأخذ مال، لا يرد إلا طوعًا، وتبرعًا ممن وصل إليه. والله أعلم.\nويشبه هذا من بعض الوجوه، قتال أهل البغي لأهل العدل، حيث لم يضمنهم العلماء ما أتلفوه حال الحرب، من نفوس وأموال للتأويل، كما أجمع على ذلك الصحابة ﵃ حين وقعت الفتنة، فأجمعوا على أن ما تلف من نفوس، وأتلف من أموال، ليس فيه ضمان من الطرفين.\nوفي قوله: \"ثُمّ يتُوبُ الله عَلَى الآخر فَيُسلِمُ\" دليل على أن توبة الله على من أسلم أو تاب من ذنوبه متقدمة على توبة العبد؛ فإنه تعالى أذن بتوبته وقدرها، ولطف به، إذ قيض له الأسباب الموجبة لتوبته، فتاب العبد، ثم تاب الله عليه بعد ذلك، بأن محا عنه ما سبق من الجرائم - الكفر فما دونه - فتوبة العبد محفوفة بتوبتين، تفضل بهما عليه ربه: إذنه له\n_________\n(١) يعني من الخير.","vol":"1","page":173},{"text":"وتقديره وتيسيره للتوبة حتى تاب، ثم قبول توبته ومحو زلته. فهو تعالى التواب الرحيم.\nوالتوبة من أجلّ الطاعات وأعظمها فهذا الحكم ثابت في جميع الطاعات كلها. يوفق الله لها العبد أو لا، وييسر له أسبابها، ويسهل له طرقها. ثم إذا فعلها المطيع قبلها، وكتب له بها رضوانه، وثوابه، فما أوسع فضل الكريم. وما أغزر كرمه المتنوع العميم. والله أعلم.","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ: النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ</span>.\nعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا يتمنينّ أحدكم الموت لضرر أَصَابَهُ. فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي\" مُتَّفَقٌ عليه١.\nهذا نهي عن تمني الموت للضر الذي ينزل بالعبد، من مرض أو فقر أو خوف، أو وقوع في شدة ومهلكة، أو نحوها من الأشياء. فإن في تمني الموت لذلك مفاسد.\nمنها: أنه يؤذن بالتسخط والتضجر من الحالة التي أصيب بها، وهو مأمور بالصبر والقيام بوظيفته.\nومعلوم أن تمني الموت ينافي ذلك.\nومنها: أنه يُضعف النفس، ويحدث الخَوَر والكسل. ويوقع في اليأس، والمطلوب من العبد مقاومة هذه الأمور، والسعي في إضعافها وتخفيفها بحسب اقتداره، وأن يكون معه من قوة القلب وقوة الطمع في زوال ما نزل به. وذلك موجب لأمرين: اللطف الإلهي لمن أتى بالأسباب المأمور بها، والسعي النافع الذي يوجبه قوة القلب ورجاؤه.\nومنها: أن تمنى الموت جهل وحمق؛ فإنه لا يدري ما يكون بعد الموت، فربما كان كالمستجير من الضر إلى ما هو أفظع منه، من عذاب البرزخ وأهواله.\nومنها: أن الموت يقطع على العبد الأعمال الصالحة التي هو بصدد فعلها والقيام بها، وبقية عمر المؤمن لا قيمة له. فكيف يتمنى انقطاع عملٍ، الذَّرةُ منه خير من الدنيا وما عليها.\nوأخص من هذا العموم: قيامه بالصبر على الضر الذي أصبه. فإن الله يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب.\nولهذا قال في آخر الحديث: \"فإن كان لا بد فاعلاُ فليقلك اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرًا\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٦٧١، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٨٠.","vol":"1","page":175},{"text":"لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي\" فيجعل العبد الأمر مفوضًا إلى ربه الذي يعلم ما فيه الخير والصلاح له، الذي يعلم من مصالح عبده ما لا يعلم العبد، ويريد له من الخير ما لا يريده، ويلطف به في بلائه كما يلطف به في نعمائه.\nوالفرق بين هذا وبين قوله ﷺ: \"لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت. اللهم ارحمني إن شئت. ولكن ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مكره له\"١: أن المذكور في هذا الحديث الذي فيه التعليق بعلم الله وإرادته: هو في الأمور المعيّنة التي لا يدري العبد من عاقبتها ومصلحتها.\nوأما المذكور في الحديث الآخر: فهي الأمور التي يعلم مصلحتها بل ضرورتها وحاجة كل عبد إليها. وهي مغفرة الله ورحمته ونحوها. فإن العبد يسألها ويطلبها من ربه طلبًا جازمًا، لا معلقًا بالمشيئة وغيرها؛ لأنه مأمور ومحتم عليه السعي فيها، وفي جميع ما يتوسل به إليها.\nوهذا كالفرق بين فعل الواجبات والمستحبات الثابت الأمر بها؛ فإن العبد يؤمر بفعلها أمر إيجاب أو استحباب، وبعض الأمور المعينة التي لا يدري العبد من حقيقتها ومصلحتها، فإنه يتوقف حتى يتضح له الأمر فيها.\nواستثنى كثير من أهل العلم من هذا، جواز تمني الموت خوفًا من الفتنة. وجعلوا من هذا قول مريم ﵂: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣] . كما استثنى بعضهم تمني الموت شوقًا إلى الله. وجعلوا منه قول يوسف ﷺ: ﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١] . وفي هذا نظر؛ فإن يوسف ﷺ لم يتمن الموت. وإنما سأل الله الثبات على الإسلام، حتى يتوفاه مسلمًا، كما يسأل العبد ربه حسن الخاتمة. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٣٣٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٧٩.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الحديث الثامن والسبعون: التحذير من فتنة الدنيا وفتنة النساء</span>.\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ. وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بْنِي إِسْرَائِيلَ كانت في النساء\" رواه مسلم١.\nأخبر ﷺ في هذا الحديث بحال الدنيا وما هي عليه من الوصف الذي يروق الناظرين والذائقين. ثم أخبر أن الله جعلها محنة وابتلاء للعباد. ثم أمر بفعل الأسباب، التي تقي من الوقوع في فتنتها.\nفإخباره بأنها حلوة خضرة يعم أوصافها التي هي عليها. فهي حلوة في مذاقها وطعمها، ولذاتها وشهواتها، خضرة في رونقها وحسنها الظاهر، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] . وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] . فهذه اللذات المنوعة فيها، والمناظر البهيجة، جعلها الله ابتلاء منه وامتحانًا، واستخلف فيها العباد لينظر كيف يعملون؟\nفمن تناولها من حلها، ووضعها في حقها، واستعان بها على ما خلق له من القيام بعبودية الله، كانت زادًا له وراحلة إلى دار أشرف منها وأبقى، وتمت له السعادة الدنيوية والأخروية.\nومن جعلها أكبر همه، وغاية علمه ومراده، لم يؤتَ منها إلا ما كتب له. وكان مآله بعد ذلك إلى الشقاء، ولم يهنأ بلذاتها ولا شهواتها إلا مدة قليلة. فكانت لذاته قليلة. وأحزانه طويلة.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم ٢٧٤٢ بعد ٩٩.","vol":"1","page":177},{"text":"وكل نوع من لذاتها فيه هذه الفتنة والاختبار. ولكن أبلغ ما يكون وأشد فتنة: النساء؛ فإن فتنتهن عظيمة، والوقوع فيها خطير وضررها كبير؛ فإنهن مصائد الشيطان وحبائله، كما صاد بهن من مُعافى فأصبح أسير شهوته، رهين ذنبه، قد عَزَّ عليه الخلاص، والذنب ذنبه فإنه الذي لم يحترز من هذه البلية، وإلا فلو تحرز منها، ولم يدخل مداخل التهم، ولا تعرض للبلاء، واستعان باعتصامه بالمولى، لنجا من هذه الفتنة، وخلص من هذه المحنة.\nولهذا حذر النبي ﷺ في هذا الحديث منها على الخصوص. وأخبر بما جَرَّت على من قبلنا من الأمم؛ فإن في ذلك عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتقين. والله أعلم.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ: شُعَبُ الْإِيمَانِ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعبة، أَعْلَاهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان\" متفق عليه١.\nهذا الحديث من جملة النصوص الدالة على أن الإيمان اسم يشمل عقائد القلب وأعماله، وأعمال الجوارح، وأقوال اللسان فكل ما يقرب إلى الله، وما يحبه ويرضاه، من واجب ومستحب فإنه داخل في الإيمان. وذكر هنا أعلاه وأدناه، وما بين ذلك وهو الحياء ولعل ذكر الحياء؛ لأنه السبب الأقوى للقيام بجميع شعب الإيمان. فإن من استحيا من الله لتواتر نعمه، وسوابغ كرمه، وتجليه عليه بأسمائه الحسنى، والعبد -مع هذا كثير التقصير مع هذا الرب الجليل الكبير يظلم نفسه ويجني عليها- أوجب له هذا الحياء التوقِّي من الجرائم، والقيام بالواجبات والمستحبات.\nفأعلى هذه الشعب وأصلها وأساسها: قول: \"لا إله إلا الله\" صادقًا من قلبه بحيث يعلم ويوقن أنه لا يستحق هذا الوصف العظيم، وهو الألوهية إلا الله وحده؛ فإنه هو ربه الذي يربيه ويربي جميع العالمين بفضله وإحسانه. والكل فقير وهو الغني، والكل عاجز وهو القوي، ثم يقوم في كل أحواله بعبوديته لربه، مخلصًا له الدين؛ فإن جميع شعب الإيمان فروع وثمرات لهذا الأصل.\nودلّ على أن شعب الإيمان بعضها يرجع إلى الإخلاص للمعبود الحق، وبعضها يرجع إلى الإحسان إلى الخلق.\nونبه بإماطة الأذى على جميع أنواع الإحسان القولي والفعلي. الإحسان الذي فيه وصول المنافع، والإحسان الذي فيه دفع المضار عن الخلق.\nوإذا علمنا أن شعب الإيمان كلها ترجع إلى هذه الأمور، علمنا أن كل خصلة من خصال\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٣٥، واللفظ له.","vol":"1","page":179},{"text":"الخير فهي من الشعب. وقد تكلم العلماء على تعيينها.\nفمنهم: من وصل إلى هذا المبلغ المقدر في الحديث.\nومنهم: من قارب ذلك، ولكن إذا فهم المعنى تمكن الإنسان أن يعتد بكل خصلة وردت عن الشارع -قولية أو فعلية، ظاهرة أو باطنة- من الشعب. ونصيب العبد من الإيمان بقدر نصيبه نم هذه الخصال، قلة وكثرة، وقوة وضعفًا، وتكميلًا وضده. وهي ترجع إلى تصديق خبر الله وخبر رسوله، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما.\nوقد وصف الله الإيمان بالشجرة الطيبة في أصلها وثمراتها، التي أصلها ثابت، وفروعها باسقة في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكّرون. والله أعلم.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الحديث الثمانون: تكليم الله لعباده يوم القيامة</span>.\nعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجمان فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ. وَيَنْظُرُ أشأم مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. فَمَنْ لم يجد فبكلمة طيبة\" متفق عليه١.\nهذا حديث عظيم. تضمن من عظمة الباري ما لا تحيط به العقول ولا تعبر عنه الألسن.\nأخبر ﷺ فيه: أن جميع الخلق سيكلمهم الله مباشرة من دون ترجمان ولا واسطة. ويسألهم عن جميع أعمالهم: خيرها وشرها، دقيقها وجليلها، سابقها ولاحقها، ما علمه العباد وما نسوه منها. وذلك أنه لعظمته وكبريائه كما يخلقها ويرزقهم في ساعة واحدة، ويبعثهم في ساعة واحدة، فإنه يحاسبه جميعهم في ساعة واحدة. فتبارك من له العظمة والمجد، والملك العظيم والجلال.\nوفي هذه الحالة التي يحاسبهم فيها ليس مع العبد أنصار ولا أعوان ولا أولاد ولا أموال. قد جاءه فردًا كما خلقه أول مرة. قد أحاطت به أعماله تطلب الجزاء بالخير أو الشر، عن يمينه وشماله، وأمامه النار لابد له من ورودها. فهل إلى صدوره منها سبيل؟ لا سبيل إلى ذلك إلا برحمة الله، وبما قدمت يداه من الأعمال المنجية منها.\nولهذا حث النبي ﷺ أمته على اتقاء النار ولو بالشيء اليسير، كشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة.\nوفي هذا الحديث: أن من أعظم المنجيات من النار، الإحسان إلى الخلق بالمال والأقوال، وأن العبد لا ينبغي له أن يحتقر من المعروف ولو شيئًا قليلًا، والكلمة الطيبة تشمل النصيحة للخلق بتعليمهم ما يجهلون، وإرشادهم إلى مصالحهم الدينية والدنيوية.\nوتشمل الكلام المسر للقلوب، الشارح للصدور، المقارن للبشاشة والبشر.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٤١٣، ٦٥٣٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٠١٦.","vol":"1","page":181},{"text":"وتشمل الذكر لله والثناء عليه، وذكر أحكامه وشرائعه. فكل كلام يقرب إلى الله ويحصل به النفع لعباد الله. فهو داخل في الكلمة الطيبة. قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] . وقال تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف:٤٦] . وهي كل عمل وقول يقرب إلى الله، ويحصل به النفع لخلقه: ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦] . والله أعلم.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الحديث الحادي والثمانون: النهي عن كثرة السؤال</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: \"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كثرةُ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا منه ما استطعتم\" متفق عليه١.\nهذه الأسئلة التي نهى النبي ﷺ عنها: هي التي نهى الله عنها في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] . وهي الأسئلة عن أشياء من أمور الغيب، أو من الأمور التي عفا الله عنها، فلم يحرمها ولم يوجبها. فيسأل السائل عنها وقت نزول الوحي والتشريع. فربما وجبت بسبب السؤال. وربما حرمت كذلك. فيدخل السائل في قوله ﷺ: \"أعظم المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته\"٢.\nوكذلك ينهى العبد عن سؤال التعنت والأغلوطات، وينهى أيضًا عن أن يسأل عن الأمور الطفيفة غير المهمة. ويدع السؤال عن الأمور المهمة. فهذه الأسئلة وما أشبهها هي التي نهى الشارع عنها.\nوأما السؤال على وجه الاسترشاد عن المسائل الدينية من أصول وفروع، عبادات أو معاملات، فهي مما أمر الله بها ورسوله، ومما حث عليها، وهي الوسيلة لتعلم العلوم، وإدراك الحقائق، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] . وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥] إلى غيرها من الآيات. وقال ﷺ: \"مَن يُرد\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٢٨٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٣٢٧.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٢٨٩، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٣٥٨.","vol":"1","page":183},{"text":"الله به خيرًا يفقهه في الدين\"١. وذلك بسلوك طريق التفقه في الدين دراسة وتعلما وسؤالا، وقال: \"ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العِيِّ السؤال\"٢.\nوقد أمر الله بالرفق بالسائل، وإعطائه مطلوبه، وعدم التضجر منه. وقال في سورة الضحى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ فهذا يشمل السائل عن العلوم النافعة والسائل لما يحتاجه من أمور الدنيا، من مال وغيره.\nومما يدخل في هذا الحديث: السؤال عن كيفية صفات الباري؛ فإن الأمر في الصفات كلها كما قال الإمام مالك لمن سأله عن كيفية الاستواء على العرش؟ فقال: \"الاستواء معلوم. والكيف مجهول. والإيمان به واجب. والسؤال عنه بدعة\"٣.\nفمن سأل عن كيفية علم الله، أو كيفية خلقه وتدبيره، قيل له: فكما أن ذات الله تعالى لا تشبهها الذوات، فصفاته لا تشبهها الصفات، فالخلق يعرفون الله، ويعرفون ما تعرف لهم به، من صفاته وأفعاله. وأما كيفية ذلك فلا يعلم تأويله إلا الله.\nثم ذكر ﷺ في هذا الحديث أصلين عظيمين:\nأحدهما: قوله ﷺ: \"فإذا نهيتكم عنه فاجتنبوه\" فكل ما نهى عنه النبي ﷺ من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة: وجب تركه، والكف عنه؛ امتثالًا وطاعة لله ورسوله.\nولم يقل في النهي: ما استطعتم لأن النهي طلب كف النفس، وهو مقدور لكل أحد، فكل أحد يقدر على ترك\n_________\n(١) هو الحديث الحادي عشر المتقدم ص٣٢.\n(٢) حسن، أخرجه أبو داود ٣٣٦، والدارقطني ٦٩-ط الهندية، والبيهقي ١/٢٢٨، من حديث جابر. وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود ٣٣٣، وابن ماجه ٥٧٢، وابن حبان ٢٠١-موارد، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٣/٣١٧-٣١٨، والحاكم ١/١٨٨، أو رقم: ٦٤٩-ط المعرفة، وانظر \"إرواء الغليل\" رقم: ١٠٥.\n\n(٣) أخرجه: الدارمي في \"الرد على الجهمية\" رقم: ١٠٤، والصابوني في \"عقيدة السلف\" رقم: ٢٤-٢٦، وأبو نعيم في \"الحلية\" ٦/٣٢٥-٣٢٦، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" رقم: ٨٦٦، ٨٦٧ ط الحاشدي، واللالكائي في \"السنة\" رقم: ٦٦٤، وابن عبد البر في \"التمهيد\" ٧/١٥١، من طرق عنه، وجوّد إسناده ابن حجر في \"الفتح\" ٣/٤٠٦-٤٠٧، وانظر: \"الاعتصام\" ١/٢٢٦ للشاطبي، وتعليق شيخنا مشهور -حفظه الله- عليه.","vol":"1","page":184},{"text":"جميع ما نهى الله عنه ورسوله. ولم يضطر العباد إلى شيء من المحرمات المطلقة؛ فإن الحلال واسع، يسع جميع الخلق في عباداتهم ومعاملاتهم، وجميع تصرفاتهم.\nوأما إباحة الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر، فإنه في هذه الحالة الملجئة إليه قد صار من جنس الحلال؛ فإن الضرورات تبيح المحظورات١، فتصيرها الضرورة مباحة؛ لأنه تعالى إنما حرم المحرمات حفظًا لعباده، وصيانة لهم عن الشرور والمفاسد، ومصلحة لهم فإذا قاوم ذلك مصلحة أعظم -وهو بقاء النفس- قدمت هذه على تلك رحمة من الله وإحسانًا.\nوليست الأدوية من هذا الباب، فإن الدواء لا يدخل في باب الضرورات، فإن الله تعالى يشفي المبتلى بأسباب متنوعة، لا تتعين في الدواء. وإن كان الدواء يغلب على الظن الشفاء به، فإنه لا يحل التداوي بالمحرمات، كالخمر وألبان الحمر الأهلية، وأصناف المحرمات، بخلاف المضطر إلى أكل الميتة، فإنه يتيقن أنه إذا لم يأكل منها يموت.\nالأصل الثاني: قوله ﷺ: \"وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ\" وهذا أصل كبير، دلّ عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] . فأوامر الشريعة كلها معلقة بقدرة العبد واستطاعته، فإذا لم يقدر على واجب من الواجبات بالكلية: سقط عنه وجوبه. وإذا قدر على بعضه -وذلك البعض عبادة- وجب ما يقدر عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه.\nويدخل في هذا من مسائل الفقه والأحكام ما لا يعد ولا يحصى، فيصلي المريض قائمًا، فإن لم يستطع صلى قاعدًا، فإن لم يستطع صلى على جنبه. فإن لم يستطع الإيماء برأسه أومأ بطرفه. ويصوم العبد ما دام قادرًا عليه. فإن أعجزه مرض لا يُرْجى زواله، أطعم عنه كل يوم مسكين. وإن كان مرضًا يرجى زواله: أفطر، وقضى عدته من أيام أخر.\n\nومن ذلك، من عجز عن سترة الصلاة الواجبة، أو عن الاستقبال، أو توقِّي النجاسة: سقط عنه ما عجز عنه. وكذلك بقية شروط الصلاة وأركانها، وشروط الطهارة.\n_________\n(١) وتقابلها القاعدة: \"الضرورة تقدّر بقدرها\" وعليه فيجب على المضطر أن يتناول قدر ما يبقيه على قيد الحياة دون زيادة، ولما كان هذا القيد غير مضبوط فقد قال تعالى بعد إباحة الميتة والدم للمضطرّ:﴾ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿أي يغفر له ما زاد عن الحاجة، والله الموفق.","vol":"1","page":185},{"text":"ومن تعذرت عليه الطهارة بالماء للعدم، أو للضرر في جميع الطهارة، أو بعضها: عدل إلى طهارة التيمم.\nوالمعضوب في الحج، عليه أن يستنيب من يحج عنه، إذا كان قادرًا على ذلك بماله.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجب على من قدر عليه باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب.\nوليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج في ترك العبادات التي يعجزون عنها، أو تشق عليهم مشقة غير محتملة.\nومن عليه نفقة واجبة، وعجز عن جميعها: بدأ بزوجته، فرفيقه، فالولد، فالوالدين، فالأقرب ثم الأقرب. وكذلك الفطرة.\nوهكذا جميع ما أمر به العبد أمر إيجاب أو استحباب، إذا قدر على بعضه، وعجز عن باقيه، وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما عجز عنه. وكلها داخلة في هذا الحديث.\nومسائل القرعة لها دخول في هذا الأصل؛ لأن الأمور إذا اشتبهت: لمن هي، ومن أحق بها؟ رجعنا إلى المرجحات. فإن تعذر الترجيح من كل وجه، سقط هذا الواجب للعجز عنه، وعدل إلى القرعة التي هي غاية ما يمكن. وهي مسائل كثيرة معروفة في كتب الفقه.\nوالولايات كلها -صغارها وكبارها- تدخل تحت هذا الأصل؛ فإن كل ولاية يجب فيها تولية المتصف بالأوصاف التي يحصل بها مقصود الولاية. فإن تعذرت كلها، وجب فيها تولية الأمثل فالأمثل.\nوكما يستدل على هذا الأصل بتلك الآية وذلك الحديث، فإنه يستدل عليها بالآيات والأحاديث التي نفى الله ورسوله فيها الحرج عن الأمة، كقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق٧]، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة:٦]، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]،","vol":"1","page":186},{"text":"﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء:٢٨] .\nفالتخفيفات الشرعية في العبادات وغيرها بجميع أنواعها داخلة في هذا الأصل، مع ما يستدل على هذا بما لله تعالى من الأسماء والصفات المقتضية لذلك، كالحمد والحكمة، والرحمة الواسعة، واللطف والكرم والامتنان. فإن آثار هذه الأسماء الجليلة الجميلة كما هي سابغة وافرة واسعة في المخلوقات والتدبيرات، فهي كذلك في الشرائع، بل أعظم؛ لأنها هي الغاية في الخلق. وهي الوسيلة العظمى للسعادة الأبدية.\nفالله تعالى خلق المكلفين ليقوموا بعبوديته. وجعل عبوديته والقيام بشرعه طريقًا إلى نيل رضاه وكرامته. كما قال تعالى -بعد ما شرع الطهارة بأنواعها- ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة:٦] . فظهرت آثار رحمته ونعمته في الشرعيات والمباحات، كما ظهرت في الموجودات. فله تعالى أتمّ الحمد وأعلاه، وأوفر الشكر والثناء وأغلاه، وغاية الحب والتعظيم ومنتهاه. وبالله التوفيق.","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الحديث الثاني والثمانون: فضل الرحمة والرحماء</span>.\nعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ: لَا يرحمه الله\" متفق عليه١.\nيدل هذا الحديث بمنطوقه على أن مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ اللَّهُ، وبمفهومه على أن من يرحم الناس يرحمه الله، كما قال ﷺ في الحديث الآخر: \"الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء\"٢.\nفرحمة العبد للخلق من أكبر الأسباب التي تنال بها رحمة الله، التي من آثارها خيرات الدنيا، وخيرات الآخرة، وفقدها من أكبر القواطع والموانع لرحمة الله، والعبد في غاية الضرورة والافتقار إلى رحمة الله، لا يستغني عنها طرفة عين، وكل ما هو فيه من النعم واندفاع النقم، من رحمة الله.\nفمتى أراد أن يستبقيها ويستزيد منها، فليعمل جميع الأسباب التي تنال بها رحمته، وتجتمع كلها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦]، وهم المحسنون في عبادة الله، المحسنون إلى عباد الله. والإحسان إلى الخلق أثر من آثار رحمة العبد بهم.\nوالرحمة التي يتصف بها العبد نوعان:\nالنوع الأول: رحمة غريزية، قد جبل الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم،\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٠١٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٣١٩، بعد ٦٦، واللفظ له.\n(٢) أخرجه: أبو داود ٤٩٤١، والترمذي ١٩٢٢، وأحمد ٢/١٦٠، والحميدي ٥٩١، وعنه البخاري في \"التاريخ الكبير\" ٦٤/الكنى، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" ٨/٥٢٦، والحاكم ٤/١٥٩، وانظر \"السلسلة الصحيحة\" ٩٢٥.","vol":"1","page":188},{"text":"بحسب استطاعتهم. فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.\nوالنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبد أن هذا الوصف من أجلِّ مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك. ويعلم أن الجزاء من جنس العمل. ويعلم أن الأخوة الدينية والمحبة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمرهم أن يكونوا إخوانًا متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك: من البغضاء، والعداوات، والتدابر.\nفلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق. ويا حبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل.\nوهذه الرحمة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم.\nوعلامة الرحمة الموجودة في قلب العبد: أن يكون محبًا لوصول الخير لكافة الخلق عمومًا، وللمؤمنين خصوصًا، كارهًا حصول الشر والضرر عليهم. فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته.\nومن أصيب حبيبه بموت أو غيره من المصائب، فإن كان حزنه عليه لرحمة، فهو محمود، ولا ينافي الصبر والرضى؛ لأنه ﷺ لما بكى لموت ولد ابنته، قال له سعد: \"ما هذا يا رسول الله؟ \" فأتبع ذلك بعبرة أخرى، وقال: \"هذه رحمة يجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء\"١ وقال عند موت ابنه إبراهيم: \"القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا. وإنَّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون\"٢.\nوكذلك رحمة الأطفال الصغار والرقة عليهم، وإدخال السرور عليهم من الرحمة، وأما\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٤٤٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٩٢٣.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٣٠٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٣١٥.","vol":"1","page":189},{"text":"عدم المبالاة بهم، وعدم الرقة عليهم، فمن الجفاء والغلظة والقسوة، كما قال بعض جُفاة الأعراب حين رأى النبي ﷺ وأصحابه يقبلون أولادهم الصغار، فقال ذلك الأعرابي: إنّ لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال النبي ﷺ: \"أو أملك لك شيئًا أن نزع الله من قلبك الرحمة؟ \"١.\nومن الرحمة: رحمة المرأة البغي حين سقت الكلب، الذي كان يأكل الثرى من العطش٢. فغفر الله لها بسبب تلك الرحمة.\nوضدها: تعذيب المرأة التي ربطت الهرة٣، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت.\nومن ذلك ما هو مشاهد مجرب، أن من أحسن إلى بهائمه بالإطعام والسقي والملاحظة النافعة، أن الله يبارك له فيها. ومن أساء إليها: عوقب في الدنيا قبل الآخرة، وقال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]، وذلك لما في قلب الأول من القسوة والغلظة والشر، وما في قلب الآخر من الرحمة والرقة والرأفة؛ إذ هو بصدد إحياء كل من له قدرة على إحيائه من الناس، كما أن ما في قلب الأول من القسوة، مستعد لقتل النفوس كلها.\nفنسأل الله أن يجعل في قلوبنا رحمة توجب لنا سلوك كل باب من أبواب رحمة الله، ونحنوا بها على جميع خلق الله، وأن يجعلها موصلة لنا إلى رحمته وكرامته، إنه جواد كريم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٥٩٩٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٣١٧.\n(٢) مضى تخريجه تحت الحديث الحادي والستون ص١٤٢.\n(٣) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٣٦٥، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٢٤٢.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الحديث الثالث والثمانون: فضل صِلَةُ الرَّحِمِ</span>.\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ أحبَّ أَنْ يُبسط لَهُ فِي رِزْقِهِ، ويُنسأ لَهُ فِي أثَره، فليَصِلْ رحمه\" متفق عليه١.\nهذا الحديث فيه: الحث على صلة الرحم، وبيان أنها كما أنها موجبة لرضى الله وثوابه في الآخرة، فإنها موجبة للثواب العاجل، بحصول أحب الأمور للعبد، وأنها سبب لبسط الرزق وتوسيعه. وسبب لطول العمر. وذلك حق على حقيقته؛ فإنه تعالى هو الخالق للأسباب ومسبباتها.\nوقد جعل الله لكل مطلوب سببًا وطريقًا يُنال به. وهذا جار على الأصل الكبير، وأنه من حكمته وحمده، جعل الجزاء من جنس العمل، فكما وصل رحمه بالبر والإحسان المتنوع، وأدخل على قلوبهم السرور، وصل الله عمره، ووصل رزق، وفتح له من أبواب الرزق وبركاته، ما لا يحصل له بدون هذا السبب الجليل.\nوكما أن الصحة وطيب الهواء وطيب الغذاء، واستعمال الأمور المقوية للأبدان والقلوب، من أسباب طول العمر. فكذلك صلة الرحم جعلها الله سببًا ربانيًا، فإن الأسباب التي تحصل بها المحبوبات الدنيوية قسمان: أمور محسوسة، تدخل في إدراك الحواس، ومدارك العقول. وأمور ربانية إلهية قَدَّرها مَنْ هو على كل شيء قدير، ومَنْ جميع الأسباب وأمور العالم منقادة لمشيئته، ومَنْ تكفل بالكفاية للمتوكلين، ووعد بالرزق والخروج من المضائق للمتقين. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢-٣] . وإذا كان النبي ﷺ يقول: \"ما نقصت صدقة من مال\"٢ بل تزيده. فكيف بالصدقة والهدية على أقاربه وأرحامه؟\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٠٦٧، ٥٩٨٦، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٥٧.\n(٢) تقدّم تخريجه في الحديث الرابع والثلاثون ص٩١.","vol":"1","page":191},{"text":"وفي هذا الحديث دليل: على أن قصد العامل، ما يترتب على عمله من ثواب الدنيا لا يضره إذا كان القصد وجه الله والدار الآخرة. فإن الله بحكمته ورحمته رتب الثواب العاجل والآجل. ووعد بذلك العاملين؛ لأن الأمل واستثمار ذلك ينشط العاملين، ويبعث هممهم على الخير. كما أن الوعيد على الجرائم، وذكر عقوباتها مما يخوِّف الله به عباده ويبعثهم على ترك الذنوب والجرائم.\nفالمؤمن الصادق يكون في فعله وتركه مخلصًا لله، مستعينًا بما في الأعمال من المرغبات المتنوعة على هذا المقصد الأعلى. والله الموفق.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>الحديث الرابع والثمانون: المرء مع من أحبّ</span>.\nعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١.\nهذا الحديث فيه: الحث على قوة محبة الرسل، واتباعهم بحسب مراتبهم، والتحذير من محبة ضدهم؛ فإن المحبة دليل على قوة اتصال المحب بمن يحبه، ومناسبته لأخلاقه، واقتدائه به. فهي دليل على وجود ذلك. وهي أيضًا باعثة على ذلك.\nوأيضًا من أحب لله تعالى، فإن نفس محبته من أعظم ما يقربه إلى الله؛ فإن الله تعالى شكور، يعطي المتقرب أعظم -بأضعاف مضاعفة- مما بذل. ومن شكره تعالى: أن يلحقه بمن أحب، وإن قصر عمله. قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] .\nولهذا قال أنس: \"ما فرحنا بشيء فرحنا بقوله ﷺ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحب. قال: فأنا أحب رسول الله ﷺ، وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن أكون معهم\"٢.\nوقال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣] . وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١] . وهذا مشاهد مجرب إذا أحب العبد أهل الخير رأيته منضمًا إليهم، حريصًا على أن يكون مثلهم. وإذا أحب أهل الشر انضم إليهم، وعمل بأعمالهم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦١٧٠، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٣٩.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٣٦٨٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٣٩ بعد ١٦٣.","vol":"1","page":193},{"text":"وقال ﷺ: \"المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل\"١، \"ومثل الجليس الصالح، كحامل المسك: إما أن يَحْذيك وإما أن يبيعك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة، ومثل الجليس السوء كنافخ الكِيْر: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وِإِمَّا أَنْ تجد منه رائحة خبيثة\"٢.\nوإذا كان هذا في محبة الخلق فيما بينهم، فكيف بمن أحب الله، وقدَّم محبته وخشيته على كل شيء؟ فإنه مع الله، وقد حصل له القرب الكامل منه. وهو قرب المحبين، وكان الله معه. ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ . [النحل:١٢٨]، وأعلى أنواع الإحسان محبة الرحيم الكريم الرحمن، محبة مقرونة بمعرفته.\nفنسأل الله أن يرزقنا حبه، وحب من يحبه، وحب العمل الذي يقرّب إلى حبه؛ إنه جواد كريم. وبالله التوفيق.\n_________\n(١) حسن، أخرجه أحمد ٢/٣٠٣، ٣٣٤، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" ١٤٣١، وأبو داود ٤٨٣٣، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" ٤/١١٥، والترمذي ٢٣٧٨، والمزي في \"تهذيب الكمال\" ٢٩/١٦٦-١٦٧، والطيالسي ٢١٠٧، والحاكم ٤/١٧١، وانظر \"الاعتصام\" ١/٢٢٤-٢٢٥، للشاطبي وتعليق شيخنا مشهور -حفظه الله- عليه.\n(٢) هو الحديث الثامن والستون المتقدّم وتخريجه هناك ص١٥٦.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ: دُعَاءُ السَّفَرِ</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: \"أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى سَفَرٍ: كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرنين، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. اللَّهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا البِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى. اللَّهمَّ هَوِّن عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، واطوِ عَنَّا بُعده. اللَّهمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ. اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثاء السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَالْوَلَدِ. وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حامدون\" رواه مسلم١.\nهذا الحديث فيه فوائد عظيمة تتعلق بالسفر.\nوقد اشتملت هذه الأدعية على طلب مصالح الدين -التي هي أهم الأمور- ومصالح الدنيا، وعلى حصول المحاب، ودفع المكاره والمضار وعلى شكر نعم الله، والتذكر لآلائه وكرمه، واشتمال السفر على طاعة الله، وما يقرب إليه.\nفقوله: \"كان إذا استوى على راحلته خارجًا إلى سفر: كبر ثلاثًا\" هو افتتاح لسفره بتكبير الله، والثناء عليه، كما كان يختم بذلك.\nوقوله ﷺ: \"سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا، وَمَا كُنَّا له مقرنين\" فيه الثناء على الله بتسخيره للمركوبات، التي تحمل الأثقال والنفوس إلى البلاد النائبة، والأقطار الشاسعة، واعتراف بنعمة الله بالمركوبات.\nوهذا يدخل فيه المركوبات: من الإبل، ومن السفن البحرية، والبرية، والهوائية. فكلها تدخل في هذا.\nولهذا قال نوح ﷺ للراكبين معه في السفينة: ﴿ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] فهذه المراكب، كلها وأسبابها، وما به تتم وتكمل،\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٣٤٢، بعد ٤٢٥.","vol":"1","page":195},{"text":"كله من نعم الله وتسخيره. يجب على العباد الاعتراف لله بنعمته فيها، وخصوصًا وقت مباشرتها.\nوفيه: تذكر الحالة التي لولا الباري لما حصلت وذللت في قوله: \"وما كنا له مقرنين\" أي مطيقين، لو رَدَّ الأمر إلى حولنا وقوتنا، لكنَّا أضعف شيء علمًا، وقدرة وإرادة، ولكنه تعالى سخر الحيوانات وعلَّم الإنسان صنعة المركوبات، كما امتن الله في تيسير صناعة الدروع الواقعية في قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٨٠] .\nفعلى الخلق أن يشكروا الله، إذ علمهم صناعة اللباس الساتر للعورات، ولباس الرياش، ولباس الحرب وآلات الحرب. وعلمهم صنعة الفلك البحرية والبرية والهوائية، وصنعة كل ما يحتاجون إلى الانتفاع به، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس متنوعة. ولكن أكثر الخلق في غفلة عن شكر الله، بل في عتو واستكبار على الله، وتجبر بهذه النعم على العباد.\nوفي هذا الحديث التذكر بسفر الدنيا الحِسِّي لسفر الآخرة المعنوي؛ لقوله: \"وإنا إلى ربنا لمنقلبون\" فكما بدأ الخلق فهو يعيدهم ﴿ِلِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١] .\nوقوله: \"اللَّهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى\".\nسأل الله أن يكون السفر موصوفًا بهذا الوصف الجليل، محتويًا على أعمال البر كلها المتعلقة بحق الله والمتعلقة بحقوق الخلق، وعلى التقوى التي هي اتقاء سخط الله، بترك جميع ما يكرهه الله من الأعمال، والأقوال، الظاهرة والباطنة، كما سأله العمل بما يرضاه الله.\nوهذا يشمل جميع الطاعات والقربات. ومتى كان السفر على هذا الوصف، فهو السفر الرابح، وهو السفر المبارك.\nوقد كانت أسفاره ﷺ كلها محتوية لهذه المعاني الجليلة.\n\nثم سأل الله الإعانة، وتهوين مشاق السفر، فقال: \"اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطَوِعَنَّا بعده\" لأن السفر قطعة من العذاب. فسأل تهوينه، وطَيَّ بعيده. وذلك بتخفيف الهموم","vol":"1","page":196},{"text":"والمشاق، وبالبركة في السير، حتى يقطع المسافات البعيدة، وهو غير مكترث، ويقيّض له من الأسباب المريحة في السفر أمورًا كثيرة، مثل راحة القلب، ومناسبة الرفقة، وتيسير السير، وأمن الطريق من المخاوف، وغير ذلك من الأسباب.\nفكم من سفر امتد أيامًا كثيرة، لكن الله هونه، ويسره على أهله. وكم من سفر قصير صار أصعب من كل صعب. فما ثَمَّ إلا تيسير الله ولطفه ومعونته.\nولهذا قال في تحقيق تهوين السفر: \"اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ\" أي: مشقته وصعوبته \"وكآبة المنظر\" أي: الحزن الملازم والهم الدائم \"وسوء المنقلب، في المال والأهل الوالد\" أي: يا رب نسألك أن تحفظ علينا كل ما خلّفناه وراءنا، وفارقناه بسفرنا من أهل وولد ومال، وأن ننقلب إليهم مسرورين بالسلامة، والنعم المتواترة علينا وعليهم؛ فبذلك تتم النعمة، ويكمل السرور.\nوكذلك يقول هذا في رجوعه، وعوده من سفره. ويزيد: \"آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون\" أي: نسألك اللهم! أن تجعلنا في إيابنا ورجوعنا ملازمين للتوبة لك، وعبادتك وحمدك، وأن تختم سفرنا بطاعتك، كما ابتدأته بالتوفيق لها.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠] .\nومدخل الصدق ومخرجه، أن تكون أسفار العبد ومداخله ومخارجه كلها تحتوي على الصدق والحق، والاشتغال بما يحبه الله، مقرونة بالتوكل على الله، ومصحوبة بمعونته.\nوفيه اعتراف بنعمته آخرًا، كما اعترف بها أولًا، في قوله: \"لربنا حامدون\".\nفكما أن على العبد أن يحمد الله على التوفيق لفعل العبادة والشروع في الحاجة فعليه أن يحمد الله على تكميلها وتمامها، والفراغ منها؛ فإن الفضل فضله، والخير خيره، والأسباب أسبابه. والله ذو الفضل العظيم.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الحديث السادس والثمانون: خذوا عنّي مناسككم</span>.\nعن جابر بن عبد الله ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: \"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ\" رَوَاهُ أَحْمَدُ ومُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ١.\nهذا كلام جامع استدل به أهل العلم على مشروعية جميع ما فعله النبي ﷺ، وما قاله في حجة وجوبًا في الواجبات، ومستحبًا في المستحبات، وهو نظير قوله ﷺ في الصلاة: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"٢ فكما أن ذلك يشمل جزئيات الصلاة كلها. فهذا يشمل جزئيات المناسك كلها.\nولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام حسن جدًا في خلاصة حج النبي ﷺ. ذكره في \"القواعد النورانية\". فقال قدس الله روحه ورضي عنه٣: \"وقد ثبت بالنقل المتواتر عند الخاصة من علماء الحديث من وجوه كثيرة في الصحيحين٤ وغيرهما: أنه ﷺ لما حج حجة الوداع أحرم هو والمسلمون من ذي الحليفة. فقال: \"من شاء أن يهل بعمرة فليفعل. ومن شاء أن يهل بحجة فليفعل. ومن شاء أن يهل بعمرة وحجة فليفعل\" فلما قدموا وطافوا بالبيت وبين الصفا والمروة أمر جميع المسلمين الذين حجوا معه أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا من ساق الهدي، فإنه لا يُحل حتى يَبْلغ الهديُ مَحِلَّه، فراجعه بعضهم في ذلك. فغضب، وقال: \"انظروا ما أمرتكم به فافعلوه\". وكان هو ﷺ قد ساق الهدي، فلم يحل من إحرامه. ولما رأى كراهة بعضهم للإحلال قال: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي. ولجعلتها عمرة، ولولا أن معي الهدي لأحللت\". وقال أيضًا: \"إني لَبِّدْتُ رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر\". فحل المسلمون جميعهم إلا النفر الذين ساقوا الهدي، منهم: رسول الله ﷺ، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله. فلما كان يوم التروية أحرم المحلون بالحج، وهم\n_________\n(١) مضى تخريجه تحت شرح الحديث الخامس والعشرون ص٧٠.\n\n(٢) هو الحديث الخامس والعشرون المتقدّم ص٦٩.\n(٣) \"القواعد النورانية\" ٩٤-٩٧ ط الفقي.\n(٤) صحيح مسلم رقم: ١٢١١ بعد ١١٤.","vol":"1","page":198},{"text":"ذاهبون إلى منى. فبات بهم تلك الليلة بمنى. وصلى بهم فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم سار بهم إلى نمرة، على طريق ضَبٍّ، ونمرة خارجة من عرفة، من يمانيها وغربيها، ليست من الحرم، ولا من عرفة. فنصبت له القبة بنمرة. وهناك كان ينزل خلفاؤه الراشدون بعده، وبها الأسواق، وقضاء الحاجة، والأكل، ونحو ذلك. فلما زالت الشمس ركب هو ومن ركب معه وسار المسلمون إلى المصلى ببطن عُرنَةَ، حيث قد بنى المسجد وليس هو من الحرم، ولا من عَرَفَة. وإنما هو برزخ بين المشعرين: الحلال والحرام هناك، بينه وبين الموقف نحو ميل. فخطب فيهم خطبة الحج على راحلته. وكان يوم الجمعة، ثم نزل فصلى بهم الظهر والعصر مقصورتين مجموعتين. ثم سار -والمسلمون معه- إلى الموقف بعرفة عند الجبل المعروف بجبل الرحمة. واسمه \"إلال\" على وزن هلال. وهو الذي تسميه العامة عرفة. فلم يزل هو والمسلمون في الذكر والدعاء إلى أن غربت الشمس. فدفع بهم إلى مزدلفة، فصلى المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق قبل حط الرحال، حين نزلوا بمزدلفة، وبات بها حتى طلع الفجر، فصلى بالمسلمين الفجر في أول وقتها، مغلسًا بها زيادة على كل يوم، ثم وقف عند قُزَح، وهو جبل مزدلفة الذي يسمى المشعر الحرام. فلم يزل واقفًا بالمسلمين إلى أن أسفر جدًا، ثم دفع بهم حتى قدم منى، فاستفتحها برمي جمرة العقبة، ثم رجع إلى منزله بمنى، ثم أتى المنحر ونحر ثلاثًا وستين بَدَنة من الهدي الذي ساقه. وأمر عليًَا فنحر الباقي. وكان مائة بدنة ثم حلق رأسه. ثم أفاض إلى مكة، فطاف طواف الإفاضة. وكان قد عَجَّل ضَعَفة أهله من مزدلفة قبل طلوع الفجر، فرموا الجمرة بليل. ثم أقام بالمسلمين أيام منى الثلاث، يصلي بهم الصلوات الخمس مقصورة غير مجموعة، يرمي كل يوم الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس يستفتح بالجمرة الأولى -وهي الصغرى، وهي الدنيا إلى مني- والقصوى من مكة. ويختتم بجمرة العقبة، ويقف بين\n\nالجمرتين: الأولى والثانية، وبين الثانية والثالثة وقوفًا طويلًا بقدر سورة البقرة، يذكر الله ويدعو؛ فإن المواقف ثلاث: عرفة ومزدلفة، ومنى. ثم أفاض آخر أيام التشريق بعد رمي الجمرات هو والمسلمون، فنزل بالمحصَّب، عند خيف بني كنانة، فبات هو والمسلمون ليلة الأربعاء. وبعث تلك الليلة عائشة مع أخيها عبد الرحمن؛ لتعتمر من التنعيم، وهو أقرب أطراف الحرم إلى مكة، من طريق أهل المدينة. وقد بُني بعده هناك مسجد سماه الناس مسجد عائشة؛ لأنه لم يعتمر بعد الحج مع النبي ﷺ من أصحابه أحد قط إلا عائشة؛ لأجل أنها كانت قد حاضت لما قدمت وكانت معتمرة. فلم تطف قبل الوقوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة وقال لها النبي ﷺ: \"اقضي ما يقضي الحاج، غير أن لا","vol":"1","page":199},{"text":"تطوفي بالبيت، ولا بين الصفا والمروة\"١ ثم ودع البيت هو والمسلمون ورجعوا إلى المدينة. ولم يقم بعد أيام التشريق، ولا اعتمر أحد قط على عهده عمرة يخرج فيها من الحرم إلى الحل إلا عائشة -﵂- وحدها فأخذ فقهاء الحديث -كأحمد وغيره- بسنته في ذلك كله، إلى آخر ما قال ﵀ ورضي عنه. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٩٤، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٢١١ بعد ١١٩.","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الحديث السابع والثمانون: من فضائل سُورَةِ الْإِخْلَاصِ</span>.\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثلث القرآن\" رواه مسلم١.\nتكلم أهل العلم على معنى هذه المعادلة وتوجيهها.\nوأحسن ما قيل فيها: أن معادلتها لثلث القرآن؛ لما تضمنته من المعاني العظيمة: معاني التوحيد، وأصول الإيمان. فإن المواضيع الجليلة التي اشتمل القرآن عليها:\n(١) - إما أحكام شرعية: ظاهرة أو باطنة، عبادات أو معاملات.\n(٢) - وإما قصص وأخبار عن المخلوقات السابقة واللاحقة، وأحوال المكلفين في الجزاء على الأعمال.\n(٣) - وإما توحيد ومعارف، تتعلق بأسماء الله وصفاته، وتفرده بالوحدانية والكمال، وتنزهه عن كل عيب، ومماثلة أحد من المخلوقات.\nفسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مشتملة على هذا، وشاملة لكل ما يجب اعتقاده من هذا الأصل، الذي هو أصل الأصول كلها.\nولهذا أمرنا الله أن نقولها بألسنتنا، ونعرفها بقلوبنا، ونعترف بها وندين لله باعتقادها. والتعبد لله بها، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .\nفالله: هو المألوه المستحق لمعاني الألوهية كلها، التي توجب أن يكون هو المعبود وحده، المحمود وحده، المشكور وحده، المعظم المقدس، ذو الجلال والإكرام.\nو\"الأحد\" يعني: الذي تفرد بكل كمال، ومجد وجلال، وجمال وحمد، وحكمة ورحمة، وغيرها من صفات الكمال.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٨١١ بعد ٢٥٩، ٢٦٠، و٨١٢، ٨١٣.","vol":"1","page":201},{"text":"فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه. فهو الأحد في حياته وقيوميته، وعلمه وقدرته، وعظمته وجلاله، وجماله وحمده، وحكمته ورحمته، وغيرها من صفاته، موصوف بغاية الكمال ونهايته، من كل صفة من هذه الصفات.\nومن تحقيق أحديته وتفرده بها أنه \"الصمد\" أي: الرب الكامل، والسيد العظيم، الذي لم يبق صفة كمال إلا اتصف بها. ووصف بغايتها وكمالها، بحيث لا تحيط الخلائق ببعض تلك الصفات بقلوبهم، ولا تعبر عنها ألسنتهم. وهو المصمود إليه، المقصود في جميع الحوائج والنوائب ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩] . فهو الغني بذاته، وجميع الكائنات فقيرة إليه بذاتهم، في إيجادهم وإعدادهم وإمدادهم بكل ما هم محتاجون إليه من جميع الوجوه. ليس لأحد منها غني عنه مثقال ذرة، في كل حالة من أحوالها.\nفالصمد: هو المصمود إليه، المقصود في كل شيء؛ لكماله وكرمه وجوده وإحسانه. ولذلك ﴿لم يلد ولم يولد﴾ فإن المخلوقات كلها متولد بعضها من بعض، وبعضها والد بعض، وبعضها مولود وكل مخلوق فإنه مخلوق من مادة، وأما الرب ﷻ، فإنه منزه عن مماثلتها في هذا الوصف، كما هو منزه عن مماثلتها في كل صفة نقص.\nولهذا حقق ذلك التنزيه، وتمم ذلك الكمال بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له نظير ولا مكافئ ولا مثيل، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في جميع حقوقه التي اختص بها.\nفحقه الخاص أمران: التفرد بالكمال كله من جميع الوجوه، والعبودية الخالصة من جميع الخلق.\n\nفحق لسورة تتضمن هذه الجمل العظيمة: أن تعادل ثلث القرآن. فإن جميع ما في القرآن من الأسماء الحسنى، ومن الصفات العظيمة العليا، ومن أفعال الله وأحكام صفاته، تفاصيل لهذه الأسماء التي ذكرت في هذه السورة، بل كان ما في القرآن من العبوديات الظاهرة والباطنة، وأصنافها وتفاصيلها، تفصيل لمضمون هذه السورة. والله أعلم.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>الحديث الثامن والثمانون: لا حسد إلاّ في اثنين</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ. وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهُوَ يقضي بها، ويعلّمها\" متفق عليه١.\nالحسد نوعان: نوع محرم مذموم على كل حال، وهو أن يتمنى زوال نعمة الله عن العبد -دينية أو دنيوية- وسواء أحب ذلك محبة استقرت في قلبه، ولم يجاهد نفسه عنها، أو سعى مع ذلك في إزالتها وإخفائها: وهذا أقبح؛ فإنه ظلم متكرر.\nوهذا النوع هو الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.\nوالنوع الثاني: أن لا يتمنى زوال نعمة الله عن الغير، ولكن يتمنى حصول مثلها له، أو فوقها أو دونها.\nوهذا نوعان: محمود وغير محمود.\nفالمحمود من ذلك: أن يرى نعمة الله الدينية على عبده، فيتمنى أن يكون له مثلها. فهذا من باب تمني الخير. فإن قارن ذلك سعى وعمل لتحصيل ذلك، فهو نور على نور.\nوأعظم من يغبط: من كان عنده مال قد حصل له من حِلَّه، ثم سُلّط ووفق على إنفاقه في الحق، في الحقوق الواجبة والمستحبة؛ فإن هذا من أعظم البرهان على الإيمان، ومن أعظم أنواع الإحسان.\nومن كان عنده علم وحكمة علمه الله إياها، فوفق لبذلها في التعليم والحكم بين الناس. فهذان النوعان من الإحسان لا يعادلهما شيء.\nالأول: ينفع الخلق بماله، ويدفع حاجاتهم، وينفق في المشاريع الخيرية، فتقوم ويتسلسل نفعها، ويعظم وقعها.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧٣، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٨١٦.","vol":"1","page":203},{"text":"والثاني: ينفع الناس بعلمه، وينشر بينهم الدين والعلم الذي يهتدي به العباد في جميع أمورهم: من عبادات ومعاملات وغيرها.\nثم بعد هذين الاثنين: تكون الغبطة على الخير، بحسب حاله ودرجاته عند الله. ولهذا أمر الله تعالى بالفرح والاستبشار بحصول هذا الخير، وإنه لا يوفق لذلك إلا أهل الحظوظ العظيمة العالية. قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] . وقال: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤-٣٥] .\nوقد يكون من تمنى شيئًا من هذه الخيرات، له مثل أجر الفاعل إذا صدقت نيته، وصمم عن عزيمته أن لو قدر على ذلك العمل، لَعَمِلَ مثله، كما ثبت بذلك الحديث. وخصوصًا إذا شرع وسعى بعض السعي.\nوأما الغبطة التي هي غير محمودة، فهي تمني حصول مطالب الدنيا لأجل اللذات، وتناول الشهوات، كما قال الله تعالى حكاية عن قوم قارون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩] . فإن تمني مثل حالة من يعمل السيئات فهو بنيته، ووزرهما سواء.\nفهذا التفصيل يتضح الحسد المذموم في كل حال. والحسد الذي هو الغبطة، الذي يحمد في حال، ويذم في حال. والله أعلم.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>الحديث التاسع والثمانون: من الأدعية الجامعة</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: \"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو، فَيَقُولُ: اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى والتقى، والعفاف والغنى\" رواه مسلم١.\nهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها. وهو يتضمن سؤال خير الدين وخير الدنيا؛ فإن \"الهدى\" هو العلم النافع. و\"التقى\" العمل الصالح، وترك ما نهى الله ورسوله عنه. وبذلك يصلح الدين. فإن الدين علوم نافعة، ومعارف صادقة. فهي الهدى، وقيام بطاعة الله ورسوله: فهو التقى.\nو\"العفاف والغنى\" يتضمن العفاف عن الخلق، وعدم تعليق القلب بهم. والغنى بالله وبرزقه، والقناعة بما فيه، وحصول ما يطمئن به القلب من الكفاية. وبذلك تتم سعادة الحياة الدنيا، والراحة القلبية، وهي الحياة الطيبة.\nفمن رزق الهدى والتقى، والعفاف والغنى، نال السعادتين، وحصل له كل مطلوب. ونجا من كل مرهوب. والله أعلم.\n_________\n(١) تقدّم تخريجه تحت شرح الحديث الثالث والثلاثون ص٨٩.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الحديث التسعون: الإيمان بالله واليوم الآخر</span>.\nعن عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ: فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يحب أن يؤتى إليه\" رواه مسلم١.\nلا شك أن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وأن هذه غاية يسعى إليها جميع المؤمنين. فذكر النبي ﷺ في هذا الحديث لها سببين، ترجع إليهما جميع الشعب والفروع: الإيمان بالله واليوم الآخر، المتضمن للإيمان بالأصول التي ذكرها الله بقوله: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ﴾ - الآية [البقرة:١٣٦]، ومتضمن للعمل للآخرة والاستعداد لها؛ لأن الإيمان الصحيح يقتضي ذلك ويستلزمه. والإحسان إلى الناس، وأن يصل إليهم منه من القول والفعل والمال والمعاملة ما يحب أن يعاملوه به.\nفهذا هو الميزان الصحيح للإحسان وللنصح، فكل أمر أشكل عليك مما تعامل به الناس فانظر هل تحب أن يعاملوك بتلك المعاملة أم لا؟ فإن كنت تحب ذلك، كنت محبًا لهم ما تحب لنفسك، وإن كنت لا تحب أن يعاملوك بتلك العاملة: فقد ضيعت هذا الواجب العظيم.\nفالجملة الأولى: فيها القيام بحق الله. والجملة الثانية فيها القيام بحق الخلق. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٨٤٤ بعد ٤٦.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الحديث الحادي والتسعون: من أوامر الله ونواهيه</span>.\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا. فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلَا تَفَرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ، قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السؤال، وإضاعة المال\" رواه مسلم١.\nفيه إثبات الرضى لله، وذكر متعلقاته، وإثبات الكراهة منه. وذكر متعلقاتها؛ فإن الله ﷻ من كرمه على عباده، يرضى لهم ما فيه مصلحتهم، وسعادتهم في العاجل والآجل.\nوذلك بالقيام بعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له بأن يقوم الناس بعقائد الإيمان وأصوله، وشرائع الإسلام الظاهرة والباطنة، وبالأعمال الصالحة، والأخلاق الزاكية. كل ذلك خالصًا لله موافقًا لمرضاته. على سنة نبيه. ويعتصموا بحبل الله، وهو دينه الذي هو الوصلة بينه وبين عباده. فيقوموا به مجتمعين متعاونين على البر والتقوى \"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره\"٢ بل يكون محبًا له مصافيًا، وأخًا معاونًا.\nوبهذا الأصل والذي قبله يكمل الدين، وتتم النعمة على المسلمين، ويعزهم الله بذلك وينصرهم، لقيامهم بجميع الوسائل التي أمرهم الله بها والتي تكفل لمن قام بها بالنصر والتمكين، وبالفلاح والنجاح العاجل والآجل.\nثم ذكر ما كره الله لعباده، مما ينافي هذه الأمور التي يحبها وينقضها. فمنها: كثرة القيل والقال؛ فإن ذلك من دواعي الكذب، وعدم التثبت، واعتقاد غير الحق. ومن أسباب وقوع الفتن، وتنافر القلوب. ومن الاشتغال بالأمور الضارة عن الأمور النافعة. وقلَّ أن يسلم أحد من شيء من ذلك، إذا كانت رغبته في القيل والقال.\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١٥ بعد ١٠.\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٤٤٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٨٠، دون قوله: لا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره.","vol":"1","page":207},{"text":"وأما قوله: \"وكثرة السؤال\" فهذا هو السؤال المذموم، كسؤال الدنيا من غير حاجة وضرورة، والسؤال على وجه التعنت والإعنات، وعن الأمور التي يخشى من ضررها، أو عن الأمور التي لا نفع فيها، الداخلة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١] . وأما السؤال عن العلوم النافعة على وجه الاسترشاد أو الإرشاد فهذا محمود مأمور به.\nوقوله: \"وإضاعة المال\" وذلك إما بترك حفظه حتى يضيع، أو يكون عرضة للسرَّاق والضياع، وإما بإهمال عمارة عقاره، أو الإنفاق على حيوانه، وإما بإنفاق المال في الأمور الضارة، أو الغير النافعة. فكل هذا داخل في إضاعة المال. وإما بتولي ناقصي العقول لها، كالصغار والسفهاء والمجانين ونحوهم؛ لأن الله تعالى جعل الأموال قيامًا للناس، بها تقوم مصالحهم الدينية والدنيوية. فتمام النعمة فيها أن تصرف فيما خلقت له: من المنافع، والأمور الشرعية، والمنافع الدنيوية.\nوما كرهه الله لعباده، فهو يحب منهم ضدها، يحب منهم أن يكونوا متثبتين في جميع ما يقولونه، وأن لا ينقلوا كل ما سمعوه، وأن يكونوا متحرين للصدق، وأن لا يسألوا إلا عما ينفع، وأن يحفظوا أموالهم ويدبروها، ويتصرفوا فيها التصرفات النافعة، ويصرفوها في المصارف النافعة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] . والحمد لله أولًا وآخرًا. والله أعلم.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الحديث الثاني والتسعون: من آداب العشرة بين الزوجين</span>.\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: \"دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بنيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عليَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ ويكفي بنيك\" متفق عليه١.\nأخذ العلماء من هذا الحديث فقهًا كثيرًا. سأشير إلى ما يحضرني.\nمنه، أن المستفتى والمتظلم يجوز أن يتكلم بالصدق فيمن تعلق به الاستفتاء والتظلم، وليس من الغيبة المحرمة، وهو أحد المواضع المستثنيات من الغيبة. ويجمع الجميع، الحاجة إلى التكلم في الغير؛ فإن الغيبة المحرمة ذكرك أخاك بما يكره. فإن احتيج إلى ذلك -كما ذكرنا وكما في النصيحة الخاصة، أو العامة، أو لا يعرف إلا بلقبه- جاز ذلك بمقدار ما يحصل به المقصود.\nومنه: أن نفقة الأولاد واجبة على الأب، وأنه يختص بها، لا تشاركه الأم فيها ولا غيره.\nوكذلك فيه: وجوب نفقة الزوجة، وأن مقدار ذلك الكفاية؛ لقوله ﷺ: \"خُذِي مِنْ مَالِهِ بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك\" وأن الكفاية معتبرة بالعرف بحسب أحوال الناس: في زمانهم ومكانهم، ويسرهم وعسرهم، وأن المنفق إذا امتنع أو شحَّ عن النفقة أصلًا أو تكميلًا، فلمن له النفقة أو يباشر الإنفاق أن يأخذ من ماله، ولو بغير علمه. وذلك لأن السبب ظاهر. ولا ينسب في هذه الحالة إلى خيانة. فلا يدخل في قوله ﷺ: \"لا تخن من خانك\"٢.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٢٢١١، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١٤ بعد ٧.\n\n(٢) صحيح: أخرجه أبو داود ٣٥١٨، والترمذي ١٢٨٢، والدارمي ٢/٢٦٤، والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" ٣٠، والدارقطني ٣٠٣- ط الهندية، أو ٣/٣٥، والحاكم ٢/٤٦، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم: ٤٢٣ -ط المعارف.","vol":"1","page":209},{"text":"وهذا هو القول الوسط الصحيح في مسألة الأخذ من مال من له حق عليه بغير علمه بمقدار حقه. وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، أنه لا يجوز ذلك، إلا إذا كان السبب ظاهرًا، كالنفقة على الزوجة والأولاد والمماليك ونحوهم. وكحق الضيف.\nومنه أن المتولي أمرًا من الأمور يحتاج فيه إلى تقدير مالي، يقبل قوله في التقدير؛ لأنه مؤتمن، له الولاية على ذلك الشيء.\nومنه: أن المستفتى فتوى لها تعلق بالغير إذا غلب على ظن المسؤول صدقه: لا يحتاج إلى إحضار ذلك الغير. وخصوصًا إذا كان في ذلك مفسدة، كما في هذه القضية؛ فإنه لو أحضر أبا سفيان لهذه الشكاية لم يؤمن أن يقع بينه وبين زوجه ما لا ينبغي.\nوليس في هذا دلالة على الحكم على الغائب؛ فإن هذا ليس بحكم. وإنما هو استفتاء. والله أعلم.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الحديث الثالث والتسعون: من آداب القضاء</span>.\nعن أبي بكرة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: \"لَا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ١.\nهذا الحديث يدل على أمور:\nأحدها: نهي الحاكم بين الناس أن يحكم في كل قضية معينة بين اثنين وهو غضبان، سواء كان ذلك في القضايا الدينية أو الدنيوية. وذلك لما في الغضب من تغير الفكر وانحرافه. وهذا الانحراف للفكر يضر في استحضاره للحق. ويضر أيضًا في قصده الحق. والغرض الأصلي للحاكم وغيره: قصد الحق علمًا وعملًا.\nالثاني: يدل على أنه ينبغي أن يجتهد في الأخذ بالأسباب التي تصرف الغضب، أو تخففه: من التخلق بالحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيبه، وما يسمعه من الخصوم؛ فإن هذا عون كبير على دفع الغضب، أو تخفيفه.\nالثالث: يؤخذ من هذا التعليل: أن كل ما منع الإنسان من معرفة الحق أو قصده، فحكمه حكم الغضب. وذلك كالهم الشديد، والجوع والعطش، وكونه حاقنًا أو حاقبًا أو نحوها، مما يشغل الفكر مثل أو أكثر من الغضب.\nالرابع: أن النهي عن الحكم في حال الغضب ونحوه مقصود لغيره. وهو أنه ينبغي للحاكم أن لا يحكم حتى يحيط علمًا بالحكم الشرعي الكلي، وبالقضية الجزئية من جميع أطرافها، ويحسن كيف يطبقها على الحكم الشرعي؛ فإن الحاكم محتاج إلى هذه الأمور الثلاثة:\nالأول: العلم بالطرق الشرعية، التي وضعها الشارع لفصل الخصومات والحكم بين الناس.\nالثاني: أن يفهم ما بين الخصمين من الخصومة، ويتصورها تصورًا تامًا، ويدع كل واحد منهما يدلي بحجته، ويشرح قضيته شرحًا تامًا. ثم إذا تحقق ذلك وأحاط به علمًا احتاج إلى\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٧١٥٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ١٧١٧ بعد ١٦.","vol":"1","page":211},{"text":"الأمر الثالث، وهو:\n(٣) - صفة تطبيقها وإدخالها في الأحكام الشرعية، فمتى وفق لهذه الأمور الثلاثة، وقصد العدل، وفق له، وهدي إليه، ومتى فاته واحد منها، حصل الغلط، واختل الحكم. والله أعلم.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الحديث الرابع والتسعون: النهي عن الإسراف في المباحات</span>.\nعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"كُلْ واشرب، والبَسْ وتصدق، من غَيْرِ سَرَف وَلَا مَخيلة\" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود. وعلقه البخاري١.\nهذا الحديث مشتمل على استعمال المال في الأمور النافعة في الدين والدنيا، وتجنب الأمور الضارة. وذلك أن الله تعالى جعل المال قوامًا للعباد، به تقوم أحوالهم الخاصة والعامة، الدينية والدنيوية. وقد أرشد الله ورسوله فيه -استخراجًا واستعمالًا، وتدبيرًا وتصريفًا- إلى أحسن الطرق وأنفعها، وأحسنها عاقبة: حالًا ومآلًا.\nأرشد فيه إلى السعي في تحصيله بالأسباب المباحة والنافعة، وأن يكون الطلب جميلًا، لا كسل معه ولا فتور، ولا انهماك في تحصيله انهِماكًا يُخلّ بحالة الإنسان، وأن يتجنب من المكاسب المحرمة والرديئة ثم إذا تحصل سعي الإنسان في حفظه واستعماله بالمعروف، بالأكل والشرب واللباس، والأمور المحتاج إليها، هو ومن يتصل به من زوجة وأولاد وغيرهم، من غير تقتير ولا تبذير.\nوكذلك إذا أخرجه للغير فيخرجه في الطرق التي تنفعه، ويبقى له ثوابها وخيرها، كالصدقة على المحتاج من الأقارب والجيران ونحوهم، وكالإهداء والدعوات التي جرى العرف بها.\nوكل ذلك معلق بعدم الإسراف، وقصد الفخر والخيلاء، كما قيده في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧] . فهذا هو العدل في تدبير المال: أن يكون قوامًا (٢) بين رتبتي البخل والتبذير. وبذلك تقوم الأمور وتتم. وما سوى هذا فإثم وضرر، ونقص في العقل والحال. والله أعلم.\n_________\n(١) حسن، علّقه البخاري في \"صحيحه\" قبل رقم: ٥٧٨٣، ووصله أحمد ٢/١٨١، ١٨٢، وابن ماجه ٣٦٠٥، والترمذي ٢٨١٩، والنسائي ٥/٧٩، والحاكم ٤/١٣٥، وانظر \"صحيح الجامع\" ٤٥٠٥، \"المشكاة\" ٤٣٨١.\n(٢) وسطًا.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ: بُشْرَى الْمُؤْمِنِ</span>.\nعَنْ أَبِي ذرٍّ ﵁ قَالَ: \"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ -أَوْ يُحِبُّهُ- النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: تلك عاجل بشرى المؤمن\" رواه مسلم١.\nأخبر ﷺ في هذا الحديث: أن آثار الأعمال المحمودة المعجلة أنها من البشرى؛ فإن الله وعد أولياءه -وهم المؤمنون المتقون- بالبشرى في هذه الحياة وفي الآخرة.\nو\"البشارة\" الخبر أو الأمر السار الذي يعرف به العبد حسن عاقبته، وأنه من أهل السعادة، وأن عمله مقبول.\nأما في الآخرة فهي البشارة برضى الله وثوابه، والنجاة من غضبه وعقابه، عند الموت، وفي القبر، وعند القيام إلى البعث يبعث الله لعبده المؤمن في تلك المواضع بالبشرى على يدي الملائكة، كم تكاثرت بذلك نصوص الكتاب والسنة، وهي معروفة.\nوأما البشارة في الدنيا التي يعجلها الله للمؤمنين؛ نموذجًا وتعجيلًا لفضله، وتعرفًا لهم بذلك، وتنشيطًا لهم على الأعمال فأعمها توفيقه لهم للخير، وعصمته لهم من الشر، كما قال ﷺ: \"أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة\"٢.\nفإذا كان العبد يجد أعمال الخير ميسرة له، مسهلة عليه، ويجد نفسه محفوظًا بحفظ الله من الأعمال التي تضره، كان هذا من البشرى التي يستدل بها المؤمن على عاقبة أمره؛ فإن الله أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين. وإذا ابتدأ عبد بالإحسان أتمه. فأعظم منة وإحسان يمن به عليه إحسانه الديني. فيسرّ المؤمن بذلك أكمل سرور: سرور بمنة الله عليه بأعمال الخير، وتيسيرها؛ لأن أعظم علامات الإيمان محبة الخير، والرغبة فيه، والسرور بفعله. وسرور ثان بطمعه الشديد في إتمام الله نعمته عليه، ودوام فضله.\nومن ذلك ما ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث: إذا عمل العبد عملًا من أعمال الخير\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٤٢ بعد ١٦٦.\n\n(٢) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ١٣٦٢، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٦٤٧، من حديث عليّ.","vol":"1","page":214},{"text":"-وخصوصًا الآثار الصالحة والمشاريع الخيرية العامة النفع، وترتب على ذلك محبة الناس له، وثناؤهم عليه، ودعاؤهم له- كان هذا من البشرى أن هذا العمل من الأعمال المقبولة، التي جعل الله فيها خيرًا وبركة.\nومن البشرى في الحياة الدنيا، محبة المؤمنين للعبد: لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] أي محبة منه لهم، وتحبيبًا لهم في قلوب العباد.\nومن ذلك الثناء الحسن؛ فإن كثرة ثناء المؤمنين على العبد شهادة منهم له. والمؤمنون شهداء الله في أرضه.\nومن ذلك الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو تُرى له؛ فإن الرؤيا الصالحة من المبشرات.\nومن البشرى أن يقدر الله على العبد تقديرًا يحبه أو يكرهه. ويجعل ذلك التقدير وسيلة إلى إصلاح دينه، وسلامته من الشر.\nوأنواع ألطاف الباري ﷾ لا تعدّ ولا تحصى، ولا تخطر بالبال، ولا تدور في الخيال. والله أعلم.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>الحديث السادس والتسعون: فضل بِرِّ الْوَالِدَيْنِ</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"رِضَى اللَّهِ فِي رِضَى الْوَالِدَيْنِ. وَسَخَطُ اللَّهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ\" أخرجه الترمذي. وصححه ابن حبان والحاكم١.\nهذا الحديث دليل على فضل برّ الوالدين ووجوبه، وأنه سبب لرضى الله تعالى. وعلى التحذير عن عقوق الوالدين وتحريمه، وأنه سبب لسخط الله.\nولا شك أن هذا من رحمة الله بالوالدين والأولاد؛ إذ بين الوالدين وأولادهم من الاتصال ما لا يشبهه شيء من الصلات والارتباط الوثيق، والإحسان من الوالدين الذي لا يساويه إحسان أحد من الخلق، والتربية المتنوعة وحاجة الأولاد، الدينية والدنيوية إلى القيام بهذا الحق المتأكد؛ وفاء بالحق، واكتسابًا للثواب، وتعليمًا لذريتهم أن يعاملوهم بما عاملوا به والديهم.\nهذه الأسباب وما يتفرع عنها موجب لجعل رضاهم مقرونًا برضا الله، وضده بضده.\nوإذا قيل: فما هو البر الذي أمر الله به ورسوله؟\nقيل: قد حَدَّه الله ورسوله بحد معروف، وتفسير يفهمه كل أحد. فالله تعالى أطلق الأمر بالإحسان إليهما. وذكر بعض الأمثلة التي هي أنموذج من الإحسان. فكل إحسان قولي أو فعلي أو بدني، بحسب أحوال الوالدين والأولاد والوقت والمكان، فإن هذا هو البر.\nوفي هذا الحديث: ذكر غاية البر ونهايته التي هي رضي الوالدين؛ فالإحسان موجب وسبب، والرضى أثر ومسبب. فكل ما أرض الوالدين من جميع أنواع المعاملات العرفية، وسلوك كل طريق ووسيلة ترضيهما، فإنه داخل في البر، كما أن العقوق، كل ما\n_________\n(١) صحيح، أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم: ٢، والترمذي رقم: ١٨٩٩، وابن حبّان ٢٠٢٦-موارده، أو ٤٢٩-الإحسان، والحاكم (٤/١٥١، ١٥٢، والبغوي في \"شرح السنة\" رقم: ٣٤٢٣، ٣٤٢٤، وانظر \"السلسلة الصحيحة\" ٥١٦.","vol":"1","page":216},{"text":"يسخطهما من قول أو فعل. ولكن ذلك مقيد بالطاعة لا بالمعصية. فمتى تعذر على الولد إرضاء والديه إلا بإسخاط الله، وجب تقديم محبة الله على محبة الوالدين. وكان اللوم والجناية من الوالدين، فلا يلومان إلا أنفسهما.\nوفي هذا الحديث: إثبات صفة الرضى والسخط لله، وأن ذلك متعلق بمحابه ومراضيه. فالله تعالى يحب أولياءه وأصفياءه. ويحب من قام بطاعته وطاعة رسوله. وهذا من كماله وحكمته وحمده، ورحمته ورضاه وسخطه، من صفاته المتعلقة بمشيئته وقدرته.\nوالعصمة في ذلك: أنه يجب على المؤمن أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله من صفات الكمال الذاتية والفعلية، على وجه يليق بعظمة الله وكبريائه ومجده. ويعلم أن الله ليس له نِدٌّ، ولا كفو، ولا مثيل في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله. والله أعلم.","vol":"1","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>الحديث السابع والتسعون: فضل الإخلاص</span>.\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"ثَلَاثٌ لَا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ\" رواه مسلم١.\nقال الشيخ شمس الدين ابن القيم ﵀: أي لا يبقى في القلب غل ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله، وتنقيه منه، وتخرجه منه؛ فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل. وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلال. فهذه الثلاثة تملؤه غلًا ودغلًا. ودواء هذا الغل واستخراج أخلاطه، بتجريد الإخلاص والنصح، ومتابعة السنة. انتهى٢.\nأي فمن أخلص أعماله كلها لله، ونصح في أموره كلها لعباد الله، ولزم الجماعة بالائتلاف، وعدم الاختلاف. وصار قلبه صافيًا نقيًا، صار لله وليًا. ومن كان بخلاف ذلك امتلأ قلبه من كل آفة وشر. والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: الحميدي ٨٨، وأحمد ١/٤٣٦، في \"مسنديهما\"، وابن ماجه ٢٣٢، والترمذي ٢٦٥٨، وانظر \"صحيح الترمذي\" ٢١٤٠، \"صحيح الجامع\" ٦٧٦٦، \"صحيح الترغيب والترهيب\" ٨٤، ووهم المصنّف في عزوه إلى مسلم فليس عنده، ولعلّه تابع ابن القيم فقد قال في \"مدارج السالكين\": \" ... وفي الصحيح من حديث أنس: ... وذكره\".\n(٢) \"مدارج السالكين\" ٢/٩٠.","vol":"1","page":218},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>الحديث الثامن والتسعون: قلّة أهل الكمال والفضل</span>.\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ. لَا تكاد تجد فيها راحلة\" متفق عليه١.\nهذا الحديث مشتمل على خبر صادق، وإرشاد نافع.\nأما الخبر، فإنه ﷺ أخبر، أن النقص شامل لأكثر الناس، وأن الكامل -أو مقارب الكمال- فيهم قليل، كالإبل المائة، تستكثرها. فإذا أردت منها راحلة تصلح للحمل والركوب، والذهاب والإياب، لم تكد تجدها. وهكذا الناس كثير. فإذا أردت أن تنتخب منهم من يصلح للتعليم أو الفتوى أو الإمامة، أو الولايات الكبار أو الصغار، أو للوظائف المهمة، لم تكد تجد من يقوم بتلك الوظيفة قيامًا صالحًا. وهذا هو الواقع؛ فإن الإنسان ظلوم جهول، والظلم والجهل سبب للنقائص، وهي مانعة من الكمال والتكميل.\nوأما الإرشاد، فإن مضمون هذا الخير، إرشاد منه ﷺ إلى أنه ينبغي لمجموع الأمة، أن يسعوا، ويجتهدوا في تأهيل الرجال الذين يصلحون للقيام بالمهمات، والأمور الكلية العامة النفع.\nوقد أرشد الله إلى هذا المعنى في قوله: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٢٢]، فأمر بالجهاد، وأن يقوم به طائفة كافية، وأن يتصدى للعلم طائفة أخرى؛ ليعين هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء. وأمره تعالى بالولايات والتولية أمر بها، وبما لا تتم إلا به، من الشروط والمكملات.\nفالوظائف الدينية والدنيوية، والأعمال الكلية، لابد للناس منها. ولا تتم مصلحتهم إلا بها، وهي لا تتم إلا بأن يتولاها الأكفاء والأمناء. وذلك يستدعي السعي في تحصيل هذه الأوصاف، بحسب الاستطاعة. قال الله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] . والله أعلم.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في \"صحيحه\" رقم: ٦٤٩٨، ومسلم في \"صحيحه\" رقم: ٢٥٤٧ بعد ٢٣٢.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الحديث التاسع والتسعون: فضل التمسّك بالسنن في آخِرَ الزَّمَانِ</span>.\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: \"يِأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ\" رَوَاهُ الترمذي١.\nوهذا الحديث أيضًا يقتضي خبرًا وإرشادًا.\nأما الخبر، فإنه ﷺ أخبر، أنه في آخر الزمان يقل الخير وأسبابه، ويكثر الشر وأسبابه، وأنه عند ذلك يكون المتمسك بالدين من الناس أقل القليل. وهذا القيل في حالة شدة ومشقة عظيمة، كحالة القابض على الجمر، من قوة المعارضين، وكثرة الفتن المضلة، فتن الشبهات والشكوك والإلحاد، وفتن الشهوات وانصراف الخلق إلى الدنيا وانهماكهم فيها، ظاهرًا وباطنًا، وضعف الإيمان، وشدة التفرد؛ لقلة المعين والمساعد.\nولكن المتمسك بدينه، القائم بدفع هذه المعارضات والعوائق التي لا يصمد لها إلا أهل البصيرة واليقين، وأهل الإيمان المتين، من أفضل الخلق، وأرفعهم عند الله درجة، وأعظمهم عنده قدرًا.\nوأما الإرشاد، فإنه إرشاد لأمته، أن يوطنوا أنفسهم على هذه الحالة، وأن يعرفوا أنه لا بد منها، وأن من اقتحم هذه العقبات، وصبر على دينه وإيمانه -مع هذه المعارضات- فإن له عند الله أعلى الدرجات. وسيعينه مولاه على ما يحبه ويرضاه؛ فإن المعونة على قدر المؤنة.\nوما أشبه زماننا هذا بهذا الوصف، الذي ذكره ﷺ، فإنه ما بقي من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، إيمان ضعيف، وقلوب متفرقة، وحكومات متشتتة، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين، وأعداء ظاهرون وباطنون، يعملون سرًا وعلنًا للقضاء على الدين، وإلحاد وماديات، جرفت بخبيث تيارها وأمواجها المتلاطمة الشيوخ والشبان، ودعايات إلى فساد الأخلاق، والقضاء على بقية الرمق. ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا،\n_________\n(١) صحيح، أخرجه: الترمذي في \"جامعه\" ٢٢٦٠، و\"العللل الكبير\" ٦١١، وابن عديّ في \"الكامل\" ٥/١٧١١، وانظر: \"السلسلة الصحيحة\" رقم: ٩٥٧، لشيخنا الألباني -﵀-.","vol":"1","page":220},{"text":"بحيث أصبحت هي مبلغ علمهم، وأكبر همهم، ولها يرضون ويغضبون، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا، وتدمير الدين، واحتقاره والاستهزاء بأهله، وبكل ما ينسب إليه، وفخر وفخفخة، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشرها وشرورها قد شاهده العباد.\nفمع هذه الشرور المتراكمة، والأمواج المتلاطمة، والمزعجات الملمة، والفتن الحاضرة والمستقبلة المدلهمة -مع هذه الأمور وغيرها- تجد مصداق هذا الحديث.\nولكن مع ذلك، فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصورًا على الأسباب الظاهرة. بل يكون ملتفتًا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب، الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه، ووعده الذي لا يخلفه، بأنه سيجعل له بعد عسر يسرًا، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات، وحلول المنغصات.\nفالمؤمن من يقول في هذه الأحوال: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\" و\"حسبنا الله ونعم الوكيل. على الله توكلنا. اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى. وأنت المستعان. وبك المستغاث. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\" ويقوم بما يقدر عليه من الإيمان والنصح والدعوة. ويقنع باليسير، إذا لم يمكن الكثير. وبزوال بعض الشر وتخفيفه، إذا تعذر غير ذلك ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٢-٤] .","vol":"1","page":221},{"text":"والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.\nتمت هذه الرسالة المشتملة على شرح تسع وَتِسْعِينَ حَدِيثًا، مِنَ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الْجَوَامِعِ، فِي أَصْنَافِ الْعُلُومِ، وَالْمَوَاضِيعِ النَّافِعَةِ، وَالْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ، وَالْفِقْهِ وَالْآدَابِ، وَالْإِصْلَاحَاتِ الشَّامِلَةِ، وِالْفَوَائِدِ الْعَامَّةِ.\nقال ذلك معلقها: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي. غفر الله له ولوالديه ووالديهم، وجميع المسلمين.\nوفرغ منه في العاشر من شعبان سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة.","vol":"1","page":222}]}