{"ً":{"ٌ":9967,"ٍ":"عالم الملائكة الأبرار","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/عالم الملائكة الأبرار - الأشقر - ط الفلاح ط4","files":["25608.pdf"]},"ّ":"الكتاب: عالم الملائكة الأبرار\nالمؤلف: عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر العتيبي\nالناشر: مكتبة الفلاح، الكويت\nالطبعة: الثالثة، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م\nعدد الصفحات: ٨٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1203,"ٕ":1,"ٖ":1770155533,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"الفصل الأول صفاتهم وقدراتهم","level":1,"page":2},{"title":"الفصل الثاني عبادة الملائكة","level":1,"page":20},{"title":"الفصل الثالث الملائكة والإنسان","level":1,"page":25},{"title":"الفصل الرابع الملائكة وبقية المخلوقات","level":1,"page":63},{"title":"الفصل الخامس المفاضلة بين الملائكة وبني البشر","level":1,"page":66}],"ٛ":{"1,9":2,"1,10":3,"1,11":4,"1,12":5,"1,13":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,22":15,"1,23":16,"1,24":17,"1,25":18,"1,29":20,"1,30":21,"1,31":22,"1,32":23,"1,33":24,"1,37":25,"1,38":26,"1,39":27,"1,40":28,"1,41":29,"1,42":30,"1,43":31,"1,44":32,"1,45":33,"1,46":34,"1,47":35,"1,48":36,"1,49":37,"1,50":38,"1,51":39,"1,52":40,"1,53":41,"1,54":42,"1,55":43,"1,56":44,"1,57":45,"1,58":46,"1,59":47,"1,60":48,"1,61":49,"1,62":50,"1,63":51,"1,64":52,"1,65":53,"1,66":54,"1,67":55,"1,68":56,"1,69":57,"1,70":58,"1,71":59,"1,72":60,"1,73":61,"1,74":62,"1,79":63,"1,80":64,"1,81":65,"1,85":66,"1,86":67,"1,87":68,"1,88":69,"1,89":70},"ٜ":{"1":[9,89]},"ٝ":[null,"1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25",null,"1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,79","1,80","1,81","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89"],"ٞ":{"2":[1],"20":[2],"25":[3],"63":[4],"66":[5]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التعريف بالملائكة والإيمان بهم\nالملائكة عالم غير عالم الإنس وعالم الجن، وهو عالم كريم، كله طهر وصفاء ونقاء، وهم كرام أتقياء، يعبدون الله حق العبادة، ويقومون بتنفيذ ما يأمرهم به، ولا يعصون الله أبدًا.\nوسنرى عبر نصوص الكتاب والسنة صفاتهم التي حدثتنا بها النصوص.\nوالملك أصله: أَلكَ، والمألكة، والمألكُ: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله.\nوقيل: اشتق من (لَ أك) والملأكة: الرسالة، وألكني إلى فلان؛ أي: بلغه عني، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى.\nوقال بعض المحققين: الملك من الملك. قال: والمتولي من الملائكة شيئًا من السياسات يقال له مَلَك، ومن البشر مَلِك. (١)\nوالإيمان بالملائكة أصل من أصول الإيمان، لا يصح إيمان عبد ما لم يؤمن بهم، قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) [البقرة: ٢٨٥] .\nكيف يكون الإيمان بالملائكة\nنقل السيوطي عن البيهقي في كتابه (شعب الإيمان): \" أن الإيمان بالملائكة ينتظم في معانٍ:\nأحدهما: التصديق بوجودهم.\nالثاني: إنزالهم منازلهم، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه، كالإنس والجن مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكنّ الله تعالى جعل لهم أمدًا بعيدًا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى، ولا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل.\nالثالث: الاعتراف بأنّ منهم رسلًا يرسلهم الله إلى من يشاء من البشر، وقد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض، ويتبع ذلك الاعتراف بأنّ منهم حملة العرش، ومنهم الصافّون، ومنهم خزنة الجنّة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره \". (٢)\nوهذا الكتاب فيه تفصيل لما جاءَت به النصوص في الإيمان بالملائكة.\n_________\n(١) راجع: بصائر ذوي التمييز، للفيروزآبادي: ٤/٥٢٤.\n(٢) الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي: ص ١٠. وانظر مختصر شعب الإيمان: ١/٤٠٥-٤٠٦.","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>الفصل الأول\nصفاتهم وقدراتهم</span>\nسنحاول أن نتبين من خلال النصوص الصحيحة صفات الملائكة الخَلقية والُخلُقية، ثم نتحدث عن القدرات التي وهبهم الله إياها.\nالمبحث الأول\nالصفات الخلقية وما يتعلق بها\nالمطلب الأول\nمادة خلقهم ووقته\nإنّ المادة التي خلقوا منها هي النور؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ وعن أبيها: أن رسول الله ﷺ قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم) . (١)\nولم يبين لنا رسول الله ﷺ أي نور هذا الذي خلقوا منه، ولذلك فإننا لا نستطيع أن نخوض في هذا الأمر لمزيد من التحديد؛ لأنه غيب لم يرد فيه ما يوضحه أكثر من هذا الحديث.\nوما روي عن عكرمة أنه قال: (خلقت الملائكة من نور العزة، وخلق إبليس من نار العزة)، وما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)، لا يجوز الأخذ به، وعلى فرض صحته عن هؤلاء العلماء الأفاضل فهم غير معصومين، ولعلهم قد استقوه من الإسرائيليات. (٢)\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/٢٢٩٤. ورقمه: ٢٩٩٦. وبعض الذين ينسبون إلى العلم يردون هذا الحديث وأمثاله زاعمين أنه حديث آحاد، وأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، وقد ناقش أ. د. عمر الأشقر هذا القول وبين بطلانه في رسالة بعنوان: (أصل الاعتقاد) .\n(٢) راجع سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/١٩٧.","vol":"1","page":9},{"text":"وأما ما ذكره ولي الله الدهلوي من: \" أن الملأ الأعلى ثلاثة أقسام:\nقسم علم الحقُّ أن نظام الخير يتوقف عليهم، فخلق أجسامًا نورية بمنزلة نار موسى، فنفخ فيها نفوسًا كريمة.\nوقسم اتفق حدوث مزاج في البخارات اللطيفة من العناصر استوجب فيضان نفوس شاهقة شديدة الرفض؛ (أي الترك) للألواث البهيمية.\nوقسم هم نفوس إنسانية قريبة المأخذ من الملأ الأعلى، ما زالت تعمل أعمالًا منجية تفيد اللحوق بهم، حتى طرحت عنها جلايب أبدانها، فانسلكت في سلكهم، وعدّت منهم \" (١) . فلا يوجد دليل صحيح يدل على صحة هذا التقسيم بهذا التفصيل والتحديد.\nولا ندري متى خُلقوا، فالله - سبحانه - لم يخبرنا بذلك، ولكننا نعلم أنّ خلقهم سابق على خلق آدم أبي البشر، فقد أخبرنا الله أنه أعلم ملائكته أنه جاعل في الأرض خليقة: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة) [البقرة: ٣٠]، والمراد بالخليفة آدم ﵇، وأمرهم بالسجود له حين خلقه: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) [الحجر: ٢٩] .\nرؤية الملائكة:\nولما كانت الملائكة أجسامًا نورانية لطيفة، فإن العباد لا يستطيعون رؤيتهم، خاصة أن الله لم يعط أبصارنا القدرة على هذه الرؤية.\nولم ير الملائكة في صورهم الحقيقية من هذه الأمة إلا الرسول ﷺ، فإنه رأى جبريل مرتين في صورته التي خلقه الله عليها، وقد دلت النصوص على أن البشر يستطيعون رؤية الملائكة، إذا تمثل الملائكة في صورة بشر.\nالمطلب الثاني\nعِظَم خلقهم\nقال الله تعالى في ملائكة النار: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون) [التحريم: ٦] .\nوسأكتفي بسوق الأحاديث التي تتحدث عن ملكين كريمين فحسب.\n_________\n(١) الحجة البالغة: ص ٣٣.","vol":"1","page":10},{"text":"١-عِظم خلق جبريل ﵇:\nرأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ على صورته الملائكية التي خلقه الله عليها مرتين، هما المذكورتان في قوله تعالى: (ولقد رآه بالأفق المبين) [التكوير: ٢٣]، وفي قوله: (ولقد رآه نزلةً أخرى - عند سدرة المنتهى - عندها جنة المأوى) [النجم: ١٣-١٥]، عندما عرج به إلى السموات العلا.\nوقد ورد في صحيح مسلم: أن عائشة ﵂ سألت الرسول ﷺ عن هاتين الآيتين فقال ﷺ: (إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين.\nرأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقه ما بين السماء إلى الأرض) (١) .\nوسئلت عائشة ﵂ عن قوله تعالى: (ثم دنا فتدلَّى) [النجم: ٨]، فقالت: \" إنما ذلك جبريل ﵇، كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته، التي هي صورته، فسدّ أفق السماء \" (٢) .\nوورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود أنه قال: \" رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح \" (٣) .\nوقال ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) [النجم: ١٨] \" أي رفرفًا أخضر قد سدّ الأفق \" (٤) . وهذا الرفرف الذي سدّ الأفق هو ما كان عليه جبريل، فقد ذكر ابن حجر أن النسائي والحاكم رويا من طريقهما عن ابن مسعود قال: \" أبصر نبي الله ﷺ جبريل ﵇ على رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض \" (٥) .\nوذكر ابن حجر أن ابن مسعود قال في رواية النسائي: \" رأى محمد ﷺ جبريل له ستمائة جناح قد سدّ الأفق \" (٦) .\nوفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: \" رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته، وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سدّ الأفق. يسقط من جناحه التهاويل (٧) من الدرر واليواقيت \".\nقال ابن كثير في هذا الحديث: \" إسناده جيد \" (٨) .\nوقال في وصف جبريل: (إنه لقول رسولٍ كريمٍ - ذي قوةٍ عند ذي العرش مكينٍ - مُّطاعٍ ثم أمينٍ) [التكوير: ١٩-٢١]، والمراد بالرسول الكريم هنا: جبريل، وذي العرش: رب العزة سبحانه.\n٢-عِظم خلقه حَمَلة العرش:\nروى أبو داود عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: (أُذن لي أن أُحدِّث عن ملك من ملائكة الله، من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (٩) .\nورواه ابن أبي حاتم وقال: (تخفق الطير) . قال محقق مشكاة المصابيح: \" إسناده صحيح \" (١٠) .\nوروى الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنيه وعاتقه خفقان الطير سبعمائة عام، يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت) (١١) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/١٥٩. ورقم الحديث: ١٧٧.\n(٢) صحيح مسلم: ١/١٦٠. ورقمه: ١٧٧.\n(٣) صحيح البخاري: ٨/٦١٠. ورقمه: ٤٨٥٦، ٤٨٥٧.\n(٤) صحيح البخاري: ٨/٦١١. ورقمه: ٤٨٥٨.\n(٥) فتح الباري: ٨/٦١١.\n(٦) فتح الباري: ٨/٦١١.\n(٧) التهاويل: الأشياء المختلفة الألوان.\n(٨) البداية والنهاية: ١/٤٧.\n(٩) صحيح سنن أبي داود: ٣/٨٩٥. ورقمه: ٩٣٥٣.\n(١٠) مشكاة المصابيح: ٣/١٢١. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم: ١٥١.\n(١١) صحيح الجامع الصغير. الطبعة الثالثة: ١/٢٠٨. ورقمه: ٨٥٣.","vol":"1","page":11},{"text":"المطلب الثالث\nأهم الصفات الخَلقية\nأولًا: أجنحة الملائكة:\nللملائكة أجنحة كما أخبرنا الله تعالى، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، أو أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك: (الحمد لله فاطر السَّماوات والأرض جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إنَّ الله على كل شيءٍ قدير ٌ) [فاطر: ١] .\nوالمعنى أن الله جعلهم أصحاب أجنحة، بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أو أربعة، أو أكثر من ذلك.\nوقد سبق ذكر الأحاديث التي يخبر فيه الرسول ﷺ أن لجبريل ستمائة جناح.\nثانيًا: جمال الملائكة:\nخلقهم الله على صور جميلة كريمة قال تعالى في جبريل: (علَّمه شديد القوى - ذو مرةٍ فاستوى) [النجم: ٥-٦] . قال ابن عباس: (ذو مرة): ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خَلْقٍ طويل حسن. وقيل: ذو مرة: ذو قوة. ولا منافاة بين القولين، فهو قوي وحسن المنظر.\nوقد تقرر عند الناس وصف الملائكة بالجمال، كما تقرر عندهم وصف الشياطين بالقبح، ولذلك تراهم يشبهون الجميل من البشر بالملك، انظر إلى ما قالته النسوة في يوسف الصديق عندما رأينه: (فلما رأينه أكبرنه وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وقلن حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملكٌ كريمٌ) [يوسف: ٣١] .\nثالثًا: هل بين الملائكة والبشر شبه في الشكل والصورة:\nروى مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (عُرض عليَّ الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال (١)، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا صاحبُكم، (يعني نفسه) .\n_________\n(١) الضرب من الرجال: هو الرجل المتوسط في كثرة اللحم وقلته. وقيل: الخفيف اللحم.","vol":"1","page":12},{"text":"ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا (دحية) وفي رواية: (دحية بن خليفة) (١) .\nفهل هذا الشبه كائن بين صورة جبريل الحقيقية وصورة دحية الكلبي، أم هو بين الصورة التي يكون بها جبريل عندما يتمثل في صورة بشر؟ ! الأرجح هذا الأخير؛ لما سيأتي أن جبريل كان يتمثل في صورة دحية كثيرًا.\nرابعًا: تفاوتهم في الخلق والمقدار:\nالملائكة ليسوا على درجة واحدة في الخلق والمقدار، فبعض الملائكة له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وجبريل له ستمائة جناح، ولهم عند ربهم مقامات متفاوتة معلومة: (وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ) [الصافات: ١٦٤] .\nوقال في جبريل: (إنَّه لقول رسولٍ كريمٍ - ذي قوةٍ عند ذي العرش مكينٍ) [التكوير: ١٩-٢٠]؛ أي له مكانة ومنزلة عالية رفيعة عند الله.\nوأفضل الملائكة هم الذين شهدوا معركة بدر، ففي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع: أن جبريل جاء للنبي ﷺ فقال: (ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) (٢) .\nخامسًا: لا يوصفون بالذكورة والأنوثة:\nمن أسباب ضلال بني آدم في حديثهم عن عوالم الغيب أن بعضهم يحاول إخضاع هذه العوالم لمقاييسه البشرية الدنيوية، فنرى أحدًا من هؤلاء يعجب في مقال له من أن جبريل كان يأتي الرسول ﷺ بعد ثوان من توجيه سؤال إلى الرسول ﷺ يحتاج إلى جواب من الله، فكيف يأتي بهذه السرعة الخارقة، والضوء يحتاج إلى ملايين السنوات الضوئية؛ ليصل إلى بعض الكواكب القريبة من السماء.\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/١٥٣. ورقمه: ١٦٧.\n(٢) رواه البخاري: ٧/٣١٢. ورقمه: ٣٩٩٢.","vol":"1","page":13},{"text":"وما درى هذا المسكين أن مثله كمثل بعوضة، تحاول أن تقيس سرعة الطائرة بمقياسها الخاص، لو تفكر في الأمر، لعلم أن عالم الملائكة له مقاييس تختلف تمامًا عن مقاييسنا نحن البشر.\nولقد ضلّ في هذا المجال مشركو العرب الذين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، واختلطت هذه المقولة المجافية للحقيقة عندهم بخرافة أعظم وأكبر؛ إذ زعموا أن هؤلاء الإناث بنات الله.\nوناقشهم القرآن في هاتين القضيتين، فبين أنهم - فيما ذهبوا إليه - لم يعتمدوا على دليل صحيح، وأن هذا القول قول متهافت، ومن عجب أنهم ينسبون لله البنات، وهم يكرهون البنات، وعندما يبشر أحدهم أنه رزق بنتًا يظل وجهه مسودًا وهو كظيم، وقد يتوارى من الناس خجلًا من سوء ما بُشر به، وقد يتعدى هذا المأفون طوره، فيدس هذه المولودة في التراب، ومع ذلك كله ينسبون لله الولد، ويزعمون أنهم إناث، وهكذا تنشأ الخرافة، وتتفرع في عقول الذين لا يتصلون بالنور الإلهي.\nاستمع إلى الآيات التالية تحكي هذه الخرافة وتناقش أصحابها: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون - أم خلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون - ألا أنهم من إفكهم ليقولون - ولد الله وإنَّهم لكاذبون - أَصْطَفَى البنات على البنين - ما لكم كيف تحكمون - أفلا تذكرون - أم لكم سلطانٌ مبينٌ) [الصافات: ١٤٩-١٥٦] .\nوقد جعل الله قولهم هذا شهادة سيحاسبهم عليها، فإن من أعظم الذنوب القول على الله بغير علم: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرَّحمن إناثًا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون) [الزخرف: ١٩] (١) .\n_________\n(١) ومن هنا يجب أن يحذر المسلم في أن يتقول في مثل هذه الأمور بلا علم، فهؤلاء الذين يزعمون أن أصل الإنسان حيوان: قرد، أو غيره، يقال لهم القول نفسه: (أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم)، والله يقول: (ما أشهدتهم خلق السَّماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) [الكهف: ٥١] .","vol":"1","page":14},{"text":"سادسًا: لا يأكلون ولا يشربون:\nأشرنا من قبل أنهم لا يوصفون بالذكورة والأنوثة، وكذلك هم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا الله أن الملائكة جاؤوا إبراهيم في صورة بشر، فقدّم لهم الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا له عن حقيقتهم، فزال خوفه واستغرابه: (هل أَتَاكَ حديث ضيف إبراهيم المكرمين - إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلامٌ قومٌ منكرون - فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمينٍ - فقرَّبه إليهم قال ألا تأكلون - فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشَّروه بغلامٍ عليم ٍ) [الذاريات: ٢٤-٢٨] .\nوفي آية أخرى قال: (فلمَّا رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خِيفَةً قالوا لا تخف إنَّا أرسلنا على قوم لوطٍ) [هود: ٧٠] .\nونقل السيوطي عن الفخر الرازي: أن العلماء اتفقوا على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون (١) .\nسابعًا: لا يملّون ولا يتعبون:\nوالملائكة يقومون بعبادة الله وطاعته وتنفيذ أوامره، بلا كلل ولا ملل، ولا يدركهم ما يدرك البشر من ذلك، قال تعالى في وصف الملائكة: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠] .\nومعنى لا يفترون: لا يضعفون. وفي الآية الأخرى: (فالَّذين عند ربك يسبحون له بالَّليل والنَّهار وهم لا يسأمون) [فصلت: ٣٨] تقول العرب: سئم الشيء، أي: ملّه.\nوقد استدل السيوطي بقوله: (لا يفترون) على أن الملائكة لا ينامون، ونقله عن الفخر الرازي (٢) .\nثامنًا: منازل الملائكة:\nمنازل الملائكة ومساكنها السماء، كما قال تعالى: (تكاد السَّماوات يتفطَّرن من فوقهنَّ والملائكة يسبحون بحمد ربهم) [الشورى: ٥] .\nوقد وصفهم الله تعالى بأنهم عنده: (فإن استبكروا فالَّذين عن ربك يسبحون له بالَّليل والنَّهار وهم لا يسأمون) [فصلت: ٣٨] .\n_________\n(١) الحبائك في أخبار الملائك: ص ٢٦٤.\n(٢) الحبائك في أخبار الملائك: ص ٢٦٤.","vol":"1","page":15},{"text":"وينزلون إلى الأرض بأمر الله لتنفيذ مهمات نيطت بهم، ووكلت إليهم: (وما نتنزَّل إلاَّ بأمر ربك) [مريم: ٦٤] . ويكثر نزولهم في مناسبات خاصة كليلة القدر: (ليلة القدر خيرٌ من ألف شهرٍ - تنزَّلُ الملائكة والرُّوح فيها بإذن ربهم من كل أمر) [القدر: ٣-٤] .\nتاسعًا: أعداد الملائكة:\nالملائكة خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم: (وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو) [المدثر: ٣١] .\nوإذا أردت أن تعلم كثرتهم، فاسمع ما قاله جبريل عن البيت المعمور، عندما سأله الرسول ﷺ عنه عندما بلغه في الإسراء: (هذا البيت المعمور يصلي فيه في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم) (١) .\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (٢) . فعلى ذلك فإن الذين يأتون بجهنم يوم القيامة أربعة مليارات وتسعمائة مليون ملك.\nوإذا تأملت النصوص الواردة في الملائكة التي تقوم على الإنسان علمت مدى كثرتهم، فهناك ملك موكل بالنطفة، وملكان لكتابة أعمال كل إنسان، وملائكة لحفظه، وقرين ملكي لهدايته وإرشاده.\nعاشرًا: أسماء الملائكة:\nللملائكة أسماء، ونحن لا نعرف من أسماء الملائكة إلا القليل، وإليك الآيات التي ورد فيها أسماء بعض الملائكة:\n١، ٢- جبريل وميكائيل:\nقال تعالى: (قل من كان عدوًّا لجبريل فإنَّه نزله على قلبك بإذن الله\n_________\n(١) رواه البخاري: ٦/١٠٣. ورقمه: ٣٢٠٧. ورواه مسلم: ١/١٤٦. ورقمه: ١٦٢. واللفظ للبخاري.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/٢١٨٤. ورقمه: ٢٨٤٢.","vol":"1","page":16},{"text":"مصدّقًا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين - من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل ووَمِيكَالَ فإنَّ الله عدوٌّ للكافرين) [البقرة: ٩٧-٩٨] .\nوجبريل هو الروح الأمين المذكور في قوله تعالى: (نزل به الرُّوح الأمينُ - على قلبك لتكون من المنذرين) [الشعراء: ١٩٣-١٩٤] .\nوهو الروح المعني في قوله: (تنزَّل الملائكة والرُّوح فيها بإذن ربهم) [القدر: ٤] .\nوهو الروح الذي أرسله إلى مريم: (فأرسلنا إليها روحنا) [مريم: ١٧] .\n٣- إسرافيل:\nومن الملائكة إسرافيل الذي ينفخ في الصور.\nوجبريل وميكائيل وإسرافيل هم الذين كان يذكرهم الرسول ﷺ، في دعائه عندما يستفتح صلاته من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) (١) .\n٤- مالك:\nومنهم مالك خازن النار: (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربُّك قال إنَّكم مَّاكثون) [الزخرف: ٧٧] .\n٥- رضوان:\nقال ابن كثير: \" وخازن الجنّة ملك يقال له رضوان، جاء مصرحًا به في بعض الأحاديث \" (٢) .\n٦، ٧- منكر ونكير:\nومن الملائكة الذين سماهم الرسول ﷺ منكر ونكير، وقد\n_________\n(١) رواه مسلم عن عائشة أم المؤمنين: ١/٥٣٤. ورقمه: ٧٧٠.\n(٢) البداية والنهاية: ١/٥٣.","vol":"1","page":17},{"text":"استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر.\n٨، ٩- هاروت وماروت:\nومنهم ملكان سماهما الله باسم (هاروت وماروت) قال تعالى: (وما كفر سليمان ولكنَّ الشَّياطين كفروا يعلمون النَّاس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحدٍ حتَّى يقولا إنَّما نحن فتنةٌ فلا تكفر) [البقرة: ١٠٢] .\nويبدو من سياق الآية أن الله بعثهما فتنة للناس في فترة من الفترات، وقد نُسجت حولهما في كتب التفسير وكتب التاريخ أساطير كثيرة، لم يثبت شيء منها في الكتاب والسنة، فيكتفى في معرفة أمرهما بما دلت عليه الآية الكريمة.\nعزرائيل:\nوقد جاء في بعض الآثار تسمية ملك الموت باسم عزرائيل، ولا وجود لهذا الاسم في القرآن، ولا في الأحاديث الصحيحة (١) .\nرقيب وعتيد:\nيذكر بعض العلماء أن من الملائكة من اسمه رقيب وعتيد، استدلالًا بقوله تعالى: (إذ يتلقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ - مَّا يلفظ من قولٍ إلاَّ لديه رقيب عتيدٌ) [ق: ١٧-١٨] .\nوما ذكروه غير صحيح، فالرقيب والعتيد هنا وصفان للملكين اللذين يسجلان أعمال العباد، ومعنى رقيب وعتيد؛ أي: ملكان حاضران شاهدان، لا يغيبان عن العبد، وليس المراد أنهما اسمان للملكين.\nالحادي عشر: موت الملائكة:\nالملائكة يموتون كما يموت الإنس والجن، وقد جاء ذلك صريحًا في قوله تعالى: (ونفخ في الصُّور فصعق من في السَّماوات ومن في الأرض إلاَّ\n_________\n(١) البداية والنهاية: ١/٥٠.","vol":"1","page":18},{"text":"من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون) [الزمر: ٦٨] .\nفالملائكة تشملهم الآية؛ لأنهم في السماء، يقول ابن كثير عند تفسيره هذه الآية: \" هذه هي النفخة الثانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله كما جاء مصرحًا به مفسرًا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم، الذي كان أولًا، وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: (لله الواحد القهَّار) [غافر: ١٦] \".\nومما يدّل على أنهم يموتون قوله تعالى: (كلُّ شيءٍ هالك إلاَّ وجهه) [القصص: ٨٨] .\nوهل يموت أحد منهم قبل نفخة الصور؟ هذا ما لا نعلمه، ولا نستطيع الخوض فيه؛ لعدم وجود النصوص المثبتة له أو النافية.\nالصفات الخُلُقية\nالملائكة كرام بررة:\nوصف الله الملائكة بأنهم كرام بررة: (بأيدي سفرةٍ - كرام بررةٍ) [عبس: ١٥-١٦]؛ أي القرآن بأيدي سفرة، أي: الملائكة؛ لأنهم سفراء الله إلى رسله وأنبيائه، قال البخاري: \" سفرة: الملائكة واحدهم سافر، سفرتُ: أصلحت بينهم، وجعلت الملائكة - إذا نزلت بوحي الله تعالى وتأديته - كالسفير الذي يصلح بين القوم \" (١) .\nوقد وصف الله تعالى هؤلاء الملائكة بأنهم (كرام بررةٍ)؛ أي: خلقهم كريم حسن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة ظاهرة كاملة، ومن هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.\nروى البخاري عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٨/٦٩١.","vol":"1","page":19},{"text":"الله ﷺ: (مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام، ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده، وهو عليه شديد، فله أجران) (١) .\nاستحياء الملائكة:\nمن أخلاق الملائكة التي أخبرنا الرسول ﷺ بها: الحياء؛ ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن عائشة: أن الرسول ﷺ كان مضطجعًا في بيتها، كاشفًا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثمّ استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس الرسول ﷺ وسوّى ثيابه، فدخل، فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر، فلم تهتش له، ولم تُبَالهِ، ثم دخل عمر، فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان، فجلست، وسويت ثيابك، فقال: (ألا استحيي من رجل تستحيي منه الملائكة) (٢) .\nوقولها: لم تهتش له: الهشاشة والبشاشة: طلاقة الوجه، وحسن اللقاء.\nوقولها: لم تباله: لم تحتفل به.\nقدراتهم\n١- قدرتهم على التشكل:\nأعطى الله الملائكة القدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم، فقد أرسل الله جبريل إلى مريم في صورة بشر: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانًا مشرفًا - فاتخذت من دونهم حجابًا فأرسلنا إليها روحنا فتمثَّل لها بشرًا سويًا - قالت إني أعوذ بالرَّحمن منك إن كنت تقيًّا - قال إنَّما أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيًّا) [مريم: ١٦-١٩] .\nوإبراهيم - ﵇ - جاءَته الملائكة في صورة بشر، ولم يعرف أنهم ملائكة حتى كشفوا له عن حقيقة أمرهم، (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلامًا قال سلامٌ فما لبث أن جاء بعجلٍ حنيذٍ - فلمَّا رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف إنَّا أرسلنا إلى قوم لوطٍ) [هود: ٦٩-٧٠] .\nوجاؤوا إلى لوط في صورة شباب حسان الوجوه، وضاق لوط بهم،\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٨/٦٩١. ورقمه: ٤٩٣٧. ورواه مسلم: ١/٥٤٩. ورقمه: ٧٩٨، واللفظ للبخاري.\n(٢) رواه مسلم: ٤/١٨٦٦. ورقمه: ٢٤٠١.","vol":"1","page":20},{"text":"وخشي عليهم قومه، فقد كانوا قوم سوء يفعلون السيئات، ويأتون الذكران من العالمين: (ولمَّا جاءت رُسُلُنَا لوطًا سِيءَ بهم وضاق بهم ذرعًا وقال هذا يوم عصيب ٌ) [هود: ٧٧] .\nيقول ابن كثير: \" تبدى لهم الملائكة في صورة شباب حسان امتحانًا واختبارًا حتى قامت على قوم لوط الحجة، وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر \" (١) .\nوقد كان جبريل يأتي الرسول ﷺ في صفات متعددة، فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي (صحابي كان جميل الصورة)، وتارة في صورة أعرابي.\nوقد شاهده كثير من الصحابة عندما كان يأتي كذلك.\nفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال: \" بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام \". وفي الحديث أنه سأله عن الإيمان والإحسان والساعة وأماراتها (٢) .\nوقد أخبر الرسول ﷺ فيما بعد أن السائل جبريل، جاء يعلم الصحابة دينهم.\nورأت عائشة الرسول ﷺ واضعًا يده على معرفة فرس دحية الكلبي يكلمه، فلما سألته عن ذلك، قال ﷺ: (ذلك جبريل، وهو يقرئك السلام) (٣) .\nوقد حدثنا الرسول ﷺ عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، وأنه لما هاجر تائبًا جاءه الموت في منتصف الطريق إلى الأرض التي هاجر إليها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فحكّموا فيه ملكًا\n_________\n(١) البداية والنهاية: ١/٤٣.\n(٢) رواه مسلم: ١/٣٧. ورقمه: ٨. ورواه البخاري عن أبي هريرة: ١/١١٤. ورقمه: ٤٩. واللفظ لمسلم.\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده، وابن سعد في الطبقات، بإسناد حسن. وحديث إقراء جبريل عائشة السلام من غير رؤيتها له، رواه البخاري في صحيحه: ٦/٣٠٥. ورقمه: ٣٢١٧. ورواه أيضًا: ٧/١٠٦. ورقمه: ٣٧٦٨.","vol":"1","page":21},{"text":"جاءَهم في صورة آدمي، يقول ﵇: (فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له)، ولا بدّ أنهم حكموه بأمر الله، فأرسل الله لهم هذا الملك في صورة آدمي، والقصة في صحيح مسلم، في باب التوبة (١) .\nوسيأتي في قصة الثلاثة الذين ابتلاهم الله من بني إسرائيل الأبرص والأقرع والأعمى، وأن الملك تشكل لهم بصورة بشر.\nوقد خاض بعض أهل العلم في كيفية تشكل الملائكة بنظرة عقلية مجردة، فجاؤوا بكلام غث، وما كان أغناهم عن الخوض في هذا المبحث الغيبي، فالله أعلمنا بتشكلهم، ولم يعلمنا بكيفية ذلك، وكان يسع هؤلاء ما وسع رسول الله وأصحابه من بعده، فيقفوا حيث وقفوا، وإن شئت أن ترى شيئًا من كلام من تكلم في هذا الموضوع، فارجع إلى كتاب السيوطي: (الحبائك في أخبار الملائك) (٢) .\n٢- عظم سرعتهم:\nأعظم سرعة يعرفها البشر هي سرعة الضوء، فهو ينطلق بسرعة (١٨٦) ألف ميل في الثانية الواحدة.\nأمّا سرعة الملائكة فهي فوق ذلك، وهي سرعة لا تقاس بمقاييس البشر، كان السائل يأتي إلى الرسول ﷺ فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتيه جبريل بالجواب من ربّ العزة ﷾، واليوم لو وُجدت المراكب التي تسير بسرعة الضوء، فإنها تحتاج إلى (مليار) سنة ضوئية حتى تبلغ بعض الكواكب الموجودة في آفاق هذا الكون الواسع الشاسع.\n٣- علمهم:\nوالملائكة عندهم علم وفير علّمهم الله إيّاه، ولكن ليس عندهم القدرة التي أعطيت للإنسان في التعرف على الأشياء: (وعلَّم آدم الأسماء كلها ثُمَّ عرضهم على الملائكة فقال أَنبِئُونِي بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين - قالوا سبحانك لا علم لنا إلاَّ ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم) [البقرة: ٣١-٣٢] .\nفالإنسان يتميز بالقدرة على التعرف على الأشياء، واكتشاف سنن الكون، والملائكة يعلمون ذلك بالتلقي المباشر عن الله ﷾.\nولكنّ الذي علمهم الله إياه أكثر مما يعرفه الإنسان، ومن العلم الذي\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/٢١١٨. ورقمه: ٢٧٦٦.\n(٢) ص: ٢٦١.","vol":"1","page":22},{"text":"أعطوه علم الكتابة: (وإنَّ عليكم لحافظين - كرامًا كاتبين - يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٠-١٢] .\nوسيأتي إيضاح هذا في مبحث (الملائكة والإنسان) .\nاختصام الملأ الأعلى:\nوالملائكة تتحاور فيما بينها فيما خفي عليها من وحي ربها، ففي سنن الترمذي، ومسند أحمد عن ابن عباس: أن الرسول ﷺ قال: (أتاني الليلة ربي - ﵎ - في أحسن صورة - قال: أحسبه قال: في المنام - فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. قال: فوضع يده بين كتفيّ، حتى وجدت بردها بين ثدييّ، فعلمت ما في السماوات، وما في الأرض.\nفقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات والدرجات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام.\nقال: صدقت، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه.\nوقال: يا محمد، إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب عليّ، وإذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون) (١) .\nقال ابن كثير في هذا الحديث بعد ذكره له: \" هذا حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غلط، وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به.\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ٣/٩. ورقمه: ٢٥٨٠، ٢٥٨١.","vol":"1","page":23},{"text":"وقال الحسن: صحيح، وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن في قوله: (ما كان لي علم بالملإ الْأَعْلَى إذ يختصمون - إن يُوحَى إليَّ إلاَّ أنَّما أنا نذيرٌ مُّبين) [ص: ٦٩-٧٠] .\nفإن الاختصام المذكور في الحديث، قد فسره الرسول ﷺ.\nوالاختصام المذكور في القرآن فسرته الآيات بعده: (إذ قال ربُّك للملائكة إني خالق بشرًا من طينٍ - فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين - فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون - إلاَّ إبليس استكبر وكان من الكافرين) [ص: ٧١-٧٤] .\nفالاختصام المذكور في القرآن كان في شأن آدم - ﵇ - وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربّه في تفضيله عليه \" (١) .\n٤- منظمون في كل شؤونهم:\nالملائكة منظمون في عبادتهم، وقد حثنا الرسول ﷺ على الاقتداء بهم في ذلك فقال: (ألا تصفّون ما تصفّ الملائكة عند ربها)؟ قالوا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصفوف، ويتراصون في الصف) (٢) .\nوفي يوم القيامة يأتون صفوفًا منتظمة: (وجاء ربُّك والملك صفًّا صفًّا) [الفجر: ٢٢]، ويقفون صفوفًا بين يدي الله تعالى: (يوم يقوم الرُّوح والملائكة صفًّا لا يتكلَّمون إلاَّ من أذن له الرَّحمن وقال صوابًا) [النبأ: ٣٨]، والروح: جبريل.\nوانظر إلى دقة تنفيذهم للأوامر، ففي صحيح مسلم، ومسند أحمد عن\n_________\n(١) راجع تفسير ابن كثير: ٦/٧٣-٧٤.\n(٢) رواه مسلم: ١/٣٢٢. ورقمه: ٤٣٠.","vol":"1","page":24},{"text":"أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك) (١) .\nويمكن أن نلاحظ دقة تنفيذهم للأوامر من استعراض حديث الإسراء؛ إذ كان جبريل يستأذن في كل سماء، ولا يُفْتَحُ له إلا بعد الاستفسار.\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/١٨٨. ورقمه: ١٩٧.","vol":"1","page":25},{"text":"٥- عصمة الملائكة:\nنقل السيوطي عن القاضي عياض: أن المسلمين أجمعوا على أن الملائكة مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه، وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم.\nواختلفوا في غير المرسلين منهم، فذهب طائفة إلى عصمتهم جميعًا عن المعاصي، واحتجوا بقوله تعالى: (يا أيها الَّذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها النَّاس والحجارة عليها ملائكة غلاظٌ شدادٌ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦]، وبقوله: (وما منَّا إلاَّ له مقامٌ معلومٌ - وإنَّا لنحن الصَّادقون - وإنَّا لنحن المسبحون) [الصافات: ١٦٤-١٦٦]، وبقوله: (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون) الآية [الأنبياء: ١٩]، وقوله: (كرام بررةٍ) [عبس: ١٦]، وقوله: (لاَّ يمسُّه إلاَّ المطهَّرون) [الواقعة: ٧٩] ونحوه من السمعيات.\nوذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين، واحتجوا بقصة هاروت وماروت وقصة إبليس، والصواب عصمتهم جميعًا وتنزيه جنابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبهم وينزلهم عن جليل مقدارهم.\nقال: والجواب عن قصة هاروت وماروت أنها لم يرو فيها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله ﷺ، وعن قصة إبليس أن الأكثر ينفون أنه من الملائكة ويقولون: إنه أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، انتهى \" (١) .\nوتعرض لهذه المسألة الصفوي الأرموي فما نقله عنه السيوطي فقال: \" الملائكة معصومون، والدليل عليه من وجوه:\nأحدهما: قوله تعالى في وصفهم: (ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] وقوله تعالى: (وهم بأمره يعملون) [الأنبياء: ٢٧] وهما يتناولان فعل المأمورات وترك المنهيات؛ لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض التمدح، وهو إنما يحصل بمجموعها.\nوثانيها: قوله تعالى: (يسبحون اللَّيل والنَّهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠]، وهو يفيد المبالغة التامة في الاشتغال بالعبادة، وهو يفيد المطلوب.\nوثالثهما: الملائكة رسل الله لقوله تعالى: (جاعل الملائكة رسلًا) [فاطر: ١] والرسل معصومون؛ لأنه قال في تعظيمهم: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام: ١٢٤]، وهو يفيد المبالغة التامة في التعظيم \" (٢) .\n\nعبادة الملائكة\n_________\n(١) الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي: ص٢٥٢.\n(٢) الحبائك في أخبار الملائك: ص٢٥٣.","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الفصل الثاني عبادة الملائكة</span>\nنظرة في طبيعة الملائكة:\nالملائكة مطبوعون على طاعة الله، ليس لديهم القدرة على العصيان: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) [التحريم: ٦] .\nفتركهم للمعصية، وفعلهم للطاعة جبلّة، لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم.\nولعلّ هذا هو السبب الذي دعا فريقًا من العلماء إلى القول: إن الملائكة ليسوا بمكلفين، وإنهم ليسوا بداخلين في الوعد والوعيد (١) .\nويمكن أن نقول: إن الملائكة ليسوا بمكلفين بالتكاليف نفسها التي كلف بها أبناء آدم. أما القول بعدم تكليفهم مطلقًا، فهو قول مردود، فهم مأمورون بالعبادة والطاعة: (يخافون ربَّهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) [النحل: ٥٠] . وفي الآية أنهم يخافون ربهم، والخوف نوع من التكاليف الشرعية، بل هو من أعلى أنواع العبودية، كما قال فيهم: (وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء: ٢٨] .\nمكانة الملائكة:\nخير ما يوصف به الملائكة أنهم عباد الله، ولكنهم عباد مكرمون، وقد سبق أن أشرنا إلى أن دعوى المشركين في أنّ الملائكة - بنات الله - دعوى باطلة، لا نصيب لها من الصحة، وقد أكذب الله القائلين بهذا القول، وبين حقيقة الملائكة ومكانتهم في أكثر من موضع، قال تعالى: (وقالوا اتَّخذ الرَّحمن ولدًا سبحانه بل عبادٌ مُّكرمون - لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون\n_________\n(١) لوامع الأنوار البهية: ٢/٤٠٩.","vol":"1","page":29},{"text":"- يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلاَّ لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون - ومن يقل منهم إِنِّي إلهٌ من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظَّالمين) [الأنبياء: ٢٦-٢٩] .\nالملائكة عباد يتصفون بكل صفات العبودية، قائمون بالخدمة، منفذون للتعاليم، وعلم الله بهم محيط، لا يستطيعون أن يتجاوزوا الأوامر، ولا أن يخالفوا التعليمات الملقاة إليهم، خائفون وجلون. وعلى احتمال أن بعضهم تعدى طوره، فإن الله يعذبه جزاء تمرده.\nومن تمام عبودية الملائكة أنهم لا يتقدمون بين يدي ربهم مقترحين، ولا يعترضون على ما أمر من أوامره، بل هم عاملون بأمره، مسارعون مجيبون (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [الأنبياء: ٢٧]، وهم لا يفعلون إلا ما يؤمرون به، فالأمر يحركهم، والأمر يوقفهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس (١) قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: (ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟) قال: فنزلت: (وما نتنزَّل إلاَّ بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربُّك نسيًّا) [مريم: ٦٤] .\nنماذج من عبادتهم:\nالملائكة عباد الله، مكلفون بطاعته، وهم يقومون بالعبادة والتكاليف بيسر وسهولة. وسنورد - هنا - بعض العبادات التي حدثنا الله، أو رسوله ﷺ أنهم يقومون بها.\n١- التسبيح: الملائكة يذكرون الله تعالى، وأعظم ذكره التسبيح، يسبحه تعالى حملة عرشه: (الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم) [غافر: ٧]، كما يسبحه عموم ملائكته: (والملائكة يسبحون بحمد ربهم) [الشورى: ٥] .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/٣٠٥. ورقمه: ٣٢١٨.","vol":"1","page":30},{"text":"وتسبيحهم لله دائم لا ينقطع، لا في الليل، ولا في النهار: (يسبحون اللَّيل والنَّهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠] .\nولكثرة تسبيحهم فإنهم هم المسبحون في الحقيقة، وحق لهم أن يفخروا بذلك: (وإنَّا لنحن الصَّافون - وإنَّا لنحن المسبحون) [الصافات: ١٦٥-١٦٦] .\nوما كثرة تسبيحهم إلا لأن التسبيح أفضل الذكر، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، قال: سئل رسول الله ﷺ أي الذكر أفضل؟ قال: (ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده) (١) .\n٢- الاصطفاف: سبق ذكر الحديث الذي يحث الرسول ﷺ فيه أصحابه على الاقتداء بالملائكة في الاصطفاف للصلاة: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟) . وعندما سئل عن كيفية اصطفافهم قال: (يتمون الصفوف، ويتراصون في الصف) . رواه مسلم (٢) .\nوفي القرآن عن الملائكة: (وإنَّا لنحن الصَّافون) [الصافات: ١٦٥] . وهم يقومون، ويركعون، ويسجدون، ففي مشكل الآثار للطحاوي، وفي المعجم الكبير للطبراني عن حكيم بن حزام قال:\n\" بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: (أتسمعون ما أسمع؟) . قالوا: ما نسمع من شيء، قال: (إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم) (٣) .\n٣- الحج: للملائكة كعبة في السماء السابعة يحجون إليها، هذه الكعبة هي التي\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/٢٠٩٣. ورقمه: ٢٧٣١.\n(٢) صحيح مسلم: ١/٣٢٢. ورقمه: ٤٣٠.\n(٣) قال فيه الألباني: (صحيح على شرط مسلم) . سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث رقم ٨٥٢.","vol":"1","page":31},{"text":"أسماها الله تعالى: البيت المعمور، وأقسم به في سورة الطور: (والبيت المعمور) [الطور: ٤] .\nقال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: \" ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء، بعد مجاوزته السماء السابعة: (ثمّ رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا، لا يعودون إليه آخر ما عليهم) (١)؛ يعني يتبعدون فيه، ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، والبيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة، ولهذا وَجَد إبراهيمَ الخليل - ﵊ - مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل \".\nوذكر ابن كثير أن البيت المعمور بحيال الكعبة، أي فوقها، لو وقع لوقع عليها، وذكر أن في كل سماء بيتا يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة.\nوهذا الذي ذكره ابن كثير من أن البيت المعمور بحيال الكعبة مروي عن علي بن أبي طالب، أخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة: أن رجلًا قال لعلي - ﵁ -: ما البيت المعمور؟ قال: \" بيت في السماء بحيال البيت، حرمة هذا في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه \" (٢) .\nقال فيه الشيخ ناصر الدين الألباني (٣): ورجاله ثقات غير خالد بن عرعرة وهو مستور ... ثم ذكر أن له شاهدًا مرسلًا صحيحًا من رواية قتادة، قال: ذكر لنا أن النبي ﷺ قال يومًا لأصحابه: (هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه مسجد في السماء، تحته الكعبة، لو خرّ لخر عليها ...) .\nثم قال المحقق (الألباني): \" وجملة القول أن هذه الزيادة (حيال\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/١٠٣. ورقمه: ٣٢٠٧. وصحيح مسلم: ١/١٤٦. ورقمه: ١٦٢. وفي اللفظ بعض الاختلاف عما هو في الصحيحين.\n(٢) نقله عن الطبري وإسحاق: ابن حجر في فتح الباري: ٦/٣٠٨، وأطال في الكلام على إسناده وطرقه.\n(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة: ١/٢٣٦.","vol":"1","page":32},{"text":"الكعبة) ثابتة بمجموع طرقها \".\n٤- خوفهم من الله وخشيتهم له: ولما كانت معرفة الملائكة بربهم كبيرة، كان تعظيمهم له، وخشيتهم له، عظيمة، قال الله فيهم: (وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء: ٢٨] .\nويبين شدة خوفهم من ربهم ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسلة على صفوان) .\nقال علي، وقال غيره: \" صفوان ينفذهم ذلك. فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير \" (١) .\nوفي معجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (مررت ليلة أُسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى) (٢) .\n\" والحلس: كساء يبسط في أرض البيت \".\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٣/٣٨٠. ورقمه: ٤٧٠١.\n(٢) صحيح الجامع: ٥/٢٠٦.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الثالث الملائكة والإنسان</span>\nالمبحث الأول\nالملائكة وآدم\nسؤالهم عن الحكمة من خلق الإنسان:\nعندما أراد الله سبحانه أن يخلق آدم أعلم ملائكته بمراده، فسألوه عن الحكمة من وراء ذلك؛ لأنهم علموا أنه سيقع من بني آدم إفساد، وسفك دماء، وعصيان، وكفر، فأخبرهم سبحانه، أن من وراء خلقه لآدم حِكَمًا لا يعلمونها: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون) [البقرة: ٣٠] .\nسجودهم له عند خلقه:\nأمر الله ملائكته بالسجود لآدم حين يتمّ خلقه، وتنفخ فيه الروح: (إذ قال ربُّك للملائكة إني خالق بشرًا من طينٍ - فإذا سوَّيته ونفخت فيه من رُّوحي فقعوا له ساجدين) [ص: ٧١-٧٢] .\nوقد استجابوا لأمر الله إلا إبليس: (فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون - إلاَّ إبليس استكبر وكان من الكافرين) [ص: ٧٣-٧٤] (١) .\n_________\n(١) هذه الآية ظاهرة الدلالة في أن الملائكة جميعًا سجدوا لآدم، وفي هذا ردٌ على الذين قالوا إن الذين سجدوا هم جزء من الملائكة، أو أنهم ملائكة الأرض فحسب، والأثر الوارد في أنهم ملائكة الأرض المنسوب إلى ابن عباس فيه نكارة وانقطاع. ويرى ابن تيمية أن الآية نص لا يحتمل التأويل، ولا يجوز مخالفتها.","vol":"1","page":37},{"text":"توجيه الملائكة لآدم:\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحيّة ذريتك، فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله (فزادوه ورحمة الله) (١) .\nغسل الملائكة آدم عند موته:\nعندما توفي آدم لم يعرف أولاده كيف يفعلون به، فأعلمتهم الملائكة، ففي مستدرك الحاكم، ومعجم الطبراني الأوسط، بإسناد صحيح، عن أبيّ ﵁ عن النبي ﷺ: (لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وترًا، وألحدوا له، وقالوا: هذه سنة آدم في ولده) (٢) .\nوقد ثبت في صحاح الأحاديث أن الملائكة غسلت شهيدًا من هذه الأمة هو حنظلة بن أبي عامر، الذي استشهد في معركة أحد، فقد قال الرسول ﷺ لأصحابه بعد مقتل حنظلة: (إنّ صاحبكم تغسله الملائكة، يعني حنظلة)، فسأل الصحابة زوجته، فقالت: إنّه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب. فقال رسول الله ﷺ: (لذلك غسلته الملائكة) .\nرواه الحاكم والبيهقي وإسناده حسن، وقد ذكر ابن عساكر بإسناد صحيح: أنّ الأوس افتخروا بأن منهم غسيل الملائكة: حنظلة بن الراهب (٣) .\nالمبحث الثاني\nالملائكة وبني آدم\nعلاقة الملائكة بذرية آدم علاقة وثيقة، فهم يقومون عليه عند خلقه، ويُكَلَّفون بحفظه بعد خروجه إلى الحياة، ويأتونه بالوحي من الله، ويراقبون\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١١/٣. ورقمه: ٦٢٢٧. ورواه مسلم: ٤/٢١٨٤. ورقمه: ٢٨٤١.\n(٢) صحيح الجامع: ٥/٤٨.\n(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة: حديث رقم: ٣٢٦.","vol":"1","page":38},{"text":"أعماله وتصرفاته، وينزعون روحه إذا جاء أجله.\nالمطلب الأول\nدورهم في تكوين الإنسان\nروى مسلم في صحيحه عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مرّ بالنطفة اثنان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكًا، فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثمّ قال: أي ربّ: أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك) (١) .\nوعن ابن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثمّ يكون علقة مثل ذلك، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا يؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله ورزقه، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح) (٢) .\nوفي الصحيحين أيضًا، عن أنس عن النبي ﷺ قال: (وكّل الله بالرحم ملكًا، فيقول: أي ربّ نطفة، أي ربّ عَلَقَة، أي ربّ مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خَلْقَها قال: أي ربّ ذكر أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه) (٣) .\nالمطلب الثاني\nحراستهم لابن آدم\nقال تعالى: (سواءٌ منكم مَّن أسرَّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف باللَّيل وسارب بالنَّهار - له مُعَقِّبَاتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) [الرعد: ١٠-١١] .\nوقد بين ترجمان القرآن ابن عباس أن المعقبات من الله هم الملائكة جعلهم الله ليحفظوا الإنسان من أمامه ومن ورائه، فإذا جاء قدر الله - الذي قدّر\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/٢٠٣٧. ورقمه: ٢٦٤٥.\n(٢) رواه البخاري: ٦/٢٠٣. ورقمه: ٣٢٠٨. ورواه مسلم: ٤/٢٠٣٦. ورقمه: ٢٦٤٣.\n(٣) رواه البخاري: ١١/٤٧٧. ورقمه: ٦٥٩٥. ورواه مسلم: ٤/٢٠٣٨. ورقمه: ٢٦٤٦. واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":39},{"text":"أن يصل إليه - خلوا عنه.\nوقال مجاهد: \" ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه \".\nوقال رجل لعلي بن أبي طالب: \" إن نفرًا من مراد يريدون قتلك، فقال (أي علي): إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنّة حصينة \" (١) .\nوالمعقبات المذكورة في آية الرعد هي المرادة بالآية الأخرى: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتَّى إذا جاء أحدكم الموت توفَّته رسلنا وهم لا يفرطون) [الأنعام: ٦١]، فالحفظة الذين يرسلهم الله يحفظون العبد حتى يأتي أجله المقدر له.\nالمطلب الثالث\nسفراء الله إلى رسله وأنبيائه\nوقد أعلمنا الله أن جبريل يختص بهذه المهمة: (قل من كان عدوًّا لجبريل فإنَّه نزَّله على قلبك بإذن الله مصدّقًا لما بين يديه) [البقرة: ٩٧] .\nوقال: (نزل به الرُّوح الأمين - على قلبك لتكون من المنذرين) [الشعراء: ١٩٣-١٩٤] .\nوقد يأتي بالوحي غير جبريل - وهذا قليل - كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلا اليوم، فسلّم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي\n_________\n(١) راجع البداية والنهاية: ١/٥٤.","vol":"1","page":40},{"text":"قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته) (١) .\nوفي التاريخ لابن عساكر عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ قال: (أتاني مالك فسلم عليّ - نزل من السماء، لم ينزل قبلها - فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة) (٢) .\nوفي مسند أحمد وسنن النسائي عن حذيفة: أن الرسول ﷺ قال: (أما رأيت العارض الذي عرض لي قبيل؟) قال: قلت: بلى، قال: (فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة، فاستأذن ربه أن يسلم عليّ، ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، وأن فاطمة سيّدة نساء أهل الجنة) (٣) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/٥٥٤. ورقمه: ٨٠٦.\n(٢) صحيح الجامع: ١/٨٠.\n(٣) مسند أحمد ٥/٣٩١، واللفظ له. وصحيح سنن النسائي: ٣/٢٢٦. ورقمه: ٢٩٧٥.","vol":"1","page":41},{"text":"ليس كل من جاءه ملك فهو رسول أو نبي:\nليس كل من جاءه ملك يعدّ رسولًا أو نبيًا، فهذا وَهْم، فالله قد أرسل جبريل إلى مريم، كما أرسله إلى أم إسماعيل عندما نفد الماء والطعام منها.\nورأى الصحابة جبريل في صورة أعرابي، وأرسل الله ملكًا إلى ذلك الرجل الذي زار أخًا له في الله يبشره بأن الله يحبه لحبه لأخيه....، وهذا كثير وإنما المراد التنبيه.\nكيف كان يأتي الوحي الرسول ﷺ:\nفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام - ﵁ - سأل الرسول ﷺ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال الرسول ﷺ: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّه عليّ، فَيُفصَم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني، فأعي ما يقول) (١) .\nفجبريل كان يأتي الرسول ﷺ وهو في حالته الملكية، وهذه شديدة على الرسول ﷺ، والحالة الثانية كان جبريل ينتقل من حالته الملكية إلى البشرية، وهذه أخف على الرسول ﷺ.\nوقد رأى الرسول ﷺ جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين:\nالأولى: بعد البعثة بثلاث سنوات؛ ففي صحيح البخاري عن جابر ابن عبد الله: أن الرسول ﷺ قال: (بينما أنا أمشي، إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت، فقلت: زملوني) (٢) .\nوالثانية: عندما عرج به إلى السماء:\nوهاتان المرتان مذكورتان في سورة النجم في قوله تعالى: (علَّمه شديد القوى - ذو مرةٍ فاستوى - وهو بالأفق الأعلى - ثمَّ دنا فتدلَّى - فكان قاب قوسين أو أدنى - فأوحى إلى عبده ما أوحى - ما كذب الفؤاد ما رأى -\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١/١٨. ورقمه: ٢.\n(٢) صحيح البخاري: ١/٢٧. ورقمه: ٤.","vol":"1","page":42},{"text":"أَفَتُمَارُونَهُ على ما يرى - ولقد رآه نزلةً أخرى - عند سدرة المنتهى - عندها جنَّة المأوى - إذ يغشى السدرة ما يغشى - ما زَاغَ البصر وما طغى) [النجم: ٥-١٧] .\nلا تقتصر مهمة جبريل على تبليغ الوحي:\nلم تقتصر مهمة جبريل على تبليغ الوحي من الله تعالى، فقد كان يأتيه في كل عام في رمضان في كل ليلة من لياليه، فيدارسه القرآن. والحديث أورده البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: \" كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة \" (١) .\nإمامته للرسول:\nوقد أمّ جبريلُ الرسول ﷺ؛ كي يعلمه الصلاة كما يريدها الله تعالى،\nففي صحيح البخاري وسنن النسائي عن أي مسعود: أن الرسول ﷺ قال: (نزل جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس مرات) (٢) .\nوفي السنن عن ابن عباس: أن الرسول ﷺ قال: (أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر، حين زالت الشمس، وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظلّ الشيء مثله، وصلى بي - يعن المغرب - حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم.\nفلما كان الغد، صلى بي الظهر حين كان ظل الشيء مثله، وصلى بي العصر حين كان ظل الشيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر. ثم التفت إليّ فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين) (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١/٣٠. ورقمه: ٦.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/٥-٣. ورقمه: ٣٢٢١. صحيح سنن النسائي: ١/١٠٨. ورقمه: ٤٨٠.\n(٣) صحيح سنن أبي داود، واللفظ له: ١/٧٩. ورقمه: ٣٧٧. وصحيح سنن الترمذي: ١/٥٠. ورقمه: ١٢٧. وصحيح سنن النسائي عن أبي هريرة: ١/١٠٩. ورقمه: ٤٨٨.","vol":"1","page":43},{"text":"رقية جبريل للرسول ﷺ:\nروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد: أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: (يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كلّ ذي نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك) (١) .\nأعمال أخرى:\nومن ذلك أنّه حارب مع الرسول ﷺ في بدر والخندق، وصحب الرسول ﷺ في الإسراء وغير ذلك.\nلماذا لا يرسل الله رسله من الملائكة:\nوالله لا يرسل رسله إلى البشر من الملائكة؛ لأن طبيعة الملائكة مخالفة لطبيعة البشر، فاتصالهم بالملائكة ليس سهلًا ميسورًا؛ ولذا فإن الرسول ﷺ كان يشق عليه مجيء جبريل إليه بصفته الملائكية كما مضى، وعندما رأى جبريل على صورته فزع، وجاء زوجته يقول: دثّروني دّثروني.\nفلما كانت الطبائع مختلفة، شاء الله أن يرسل لهم رسولًا من جنسهم، ولو كان سكان الأرض ملائكة، لأنزل إليهم ملكًا رسولًا، قال تعالى: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مُطْمَئِنِّينَ لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكًا رسولًا) [الإسراء: ٩٥] .\nوعلى فرض أن الله اختار رسله إلى عموم البشر من الملائكة، فإنه لا ينزلهم بصورهم الملائكية، بل يجعلهم يتمثلون في صفة رجال يلبسون ما يلبس الرجال، كي يتمكن الناس من الأخذ عنهم: (وقالوا لولا أنزل عليه ملكٌ ولو أنزلنا ملكًا لقضي الأمر ثم لا ينظرون - ولو جعلناه ملكًا لَّجعلناه رجلًا وَلَلَبَسْنَا عليهم مَّا يلبسون) [الأنعام: ٨-٩] .\nوقد أخبر تعالى أن طلب الكَفَرَة رؤية الملائكة، ومجيء رسول من الملائكة، إنما هو تعنت، وليس طلبًا للهداية، وعلى احتمال حدوثه فإنهم لن يؤمنوا: (ولو أننَّا نزَّلنا إليهم الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وحشرنا عليهم كلَّ شيءٍ قبلًا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكنَّ أكثرهم يجهلون) [الأنعام: ١١١] .\nالمطلب الرابع\nتحريك بواعث الخير في نفوس العباد\nوكّل الله بكل إنسان قرينًا من الملائكة، وقرينًا من الجنّ، ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة)، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: (وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير) (٢) .\nولعلّ هذا القرين من الملائكة، غير الملائكة الذين أمروا بحفظ أعماله، قيَّضه الله له ليهديه ويرشده.\nوقرين الإنسان من الملائكة وقرينه من الجنّ يتعاوران الإنسان، هذا يأمره بالشر ويرغبه فيهي، وذاك يحثه على الخير ويرغبه فيه، فعن ابن مسعود ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأمّا لمة الشيطان، فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وأمّا لمة الملك، فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئًا فليعلم أنّه\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/١٧١٨. ورقمه: ٢١٨٦.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/٢١٦٨. ورقمه: ٢٨١٤.","vol":"1","page":44},{"text":"من الله، وليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قرأ: (الشَّيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مَّغفرةً منه وفضلًا والله واسع عليمٌ) [البقرة: ٢٦٨]» .\nقال ابن كثير، بعد إيراده لهذا الحديث: \" هكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعًا، عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني سلام بن سليم ... \".\nوانظر إلى الحديث التالي كي تعرف كيف يتسابق القرين الجني والقرين الملكي على توجيه الإنسان، ذكر الحافظ أبو موسى من حديث أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أوى الإنسان إلى فراشه، ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: اختم بخير، ويقول الشيطان: اختم بشرّ، فإذا ذكر الله تعالى حتى يغلبه - يعني النوم - طرد الملك الشيطان، وبات يكلؤه.\nفإذا استيقظ، ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فإن قال: الحمد لله الذي أحيا نفسي بعدما أماتها، ولم يمتها في منامها، الحمد لله الذي يمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، الحمد لله الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه) (١) .\n_________\n(١) قال محقق كتاب الوابل الصيب معلقًا على هذا الحديث: \" ورواه بمعناه ابن حبان رقم: (٢٣٦٢) «موارد» . والحاكم (١/٥٤٨) وصححه، ووافقه الذهبي ورجاله ثقات، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: (١٠/١٢٠) وقال: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير إبراهيم الشامي وهو ثقة. نقول وصوابه: إبراهيم بن الحجاج السامي بالسين المهملة \".","vol":"1","page":45},{"text":"وهذه الأحاديث توجهنا إلى الإكثار من الأعمال الخيرة التي تصلح نفوسنا، وتقرب الملائكة منّا، ففي قرب الملائكة منا خير عظيم. وقد سبق ذكر حديث ابن عباس الذي يبين فيه تأثير لقيا الرسول ﷺ بجبريل في شهر رمضان، لمدارسته القرآن، وأن الرسول ﷺ يكون حين ذاك أجود بالخير من الريح المرسلة (١) .\nالمطلب الخامس\nتسجيل صالح أعمال بني آدم وسيئها\nالملائكة موكلون بحفظ أعمال بني آدم من خير وشرّ، وهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى: (وإنَّ عليكم لحافظين - كرامًا كاتبين - يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٠-١٢] .\nوقد وكل الله بكل إنسان ملكين حاضرين، لا يفارقانه، يحصيان عليه أعماله وأقواله: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد - إذ يتلقَّى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ - مَّا يلفظ من قول إلاَّ لديه رقيب عتيد ٌ) [ق: ١٦-١٨] .\nومعنى قعيد، أي: مترصد. ورقيب عتيد، أي: مراقب معد لذلك لا يترك كلمة تفلت.\nوالظاهر أن الملائكة الموكلة بالإنسان تكتب كل ما يصدر عن الإنسان من أفعال وأقوال، لا يتركون شيئًا؛ لقوله تعالى: (مَّا يلفظ من قولٍ) [ق: ١٨] .\nولذلك فإن الإنسان يجد كتابه قد حوى كلّ شيء صدر منه، ولذلك فإنّ الكفار ينادون يرون كتاب أعمالهم يوم القيامة قائلين: (يا وَيْلَتَنَا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربُّك أحدًا) [الكهف: ٤٩] .\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١/٣٠. ورقمه: ٦.","vol":"1","page":46},{"text":"الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم) (١) .\nوذكر ابن كثير في تفسيره عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: (عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ) [ق: ١٧]، ثم قال: \" يا ابن آدم بسطت لك صحيفة، ووكّل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك، فأمّا الذي عن يمينك، فيحفظ الحسنات، وأما الذي عن يسارك، فيحفظ السيئات، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: (وكلَّ إنسان ألزمناه طَآئِرَهُ في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يَلْقَاهُ منشورًا - اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا) [الإسراء: ١٣-١٤] .\nثم يقول الحسن: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك.\nوذكر ابن كثير أيضًا عن ابن عباس في قوله تعالى: (مَّا يلفظ من قولٍ إلاَّ لديه رقيب عتيدٌُ) [ق: ١٨] قال: \" يكتب كلّ ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنّه ليكتب قوله: أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت. حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره؛ وذلك قوله تعالى: (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أمُّ الكتاب) [الرعد: ٣٩] .\nوذكر ابن كثير عن الإمام أحمد أنّه كان يئنّ في مرضه، فبلغه عن طاووس أنه قال: \" يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات ﵀ \".\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١١/٣٠٨. ورقمه: ٦٤٧٨.","vol":"1","page":47},{"text":"صاحب اليمين يكتب الحسنات والآخر السيئات:\nفي معجم الطبراني الكبير بإسناد حسن عن أبي أمامة: أنّ رسول الله ﷺ قال: (إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات عن العبد المسلم المخطئ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها، وإلا كتب واحدة) (١) .\nهل تكتب الملائكة أفعال القلوب؟\nاستدلّ شارح الطحاوية (٢) على أنّ الملائكة تكتب أفعال القلوب بقوله تعالى: (يعلمون ما تفعلون) [الانفطار: ١٢]، فالآية شاملة للأفعال الظاهرة والباطنة.\nواستدل أيضًا بالحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همّ بحسنة فلم يعملها، فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا) (٣) .\nوفي الحديث الآخر المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (قالت الملائكة: ربّ ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة، وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنّما تركها من جرّاي) (٤) .\nشبهة:\nقد يقال: ألا يتناقض علم الملائكة بإرادة الإنسان وقصده مع قوله تعالى: (يعلم خائِنة الأعين وما تُخْفِي الصدور) [غافر: ١٩] .\nفالجواب: أن هذا ليس من خصائص علم الله تعالى، فهو وإن خفي عن البشر، فلا يعلم واحدهم ما في ضمير أخيه، فلا يلزم أن يخفى عن الملائكة.\nوقد يقال: إن الملائكة تعلم بعض ما في الصدور، وهو الإرادة والقصد، أمّا بقية الأمور كالاعتقادات، فلا دليل على كونها تعلمها.\n_________\n(١) صحيح الجامع: ٢/٢١٢.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية: ص ٤٣٨.\n(٣) صحيح مسلم: ١/١١٧. ورقمه: ١٢٨.\n(٤) صحيح مسلم: ١/١١٧. ورقمه: ١٢٩، واللفظ له، ورواه البخاري: ١٣/٤٦٥. ورقمه: ٧٥٠١.","vol":"1","page":48},{"text":"دعوة العباد إلى فعل الخير:\nففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط مُنفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط مُمسكًا تلفًا) (١) .\nالمطلب السادس\nابتلاء بني آدم\nوقد يرسل الله بعض ملائكته لابتلاء بني آدم واختبارهم، ففي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع النبي ﷺ يقول: (إن ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا.\nفأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ فقال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل، (أو قال: البقر، شكّ إسحاق، إلا أن الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل وقال الآخر: البقر)، فأعطي ناقة عشراء. فقال: بارك الله لك فيها.\nقال: فأتى الأقرع، فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا الذي قذرني الناس. قال: فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرًا حسنًا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، وقال: بارك الله لك فيها.\nقال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يرد الله إليّ بصري،\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٣/٣٠٤. ورقمه: ١٤٤٢. ورواه مسلم: ٢/٧٠٠. ورقمه: ١٠١٠.","vol":"1","page":49},{"text":"فأبصر به الناس، قال: فمسحه، فردّ الله بصره. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدًا، فأُنتج هذان، ووَلّدَ هذا.\nقال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.\nثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلوغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك - بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال - بعيرًا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبًا، فصيرك الله إلى ما كنت.\nقال: وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ هذا، فقال: إن كنت كاذبًا، فصيرك الله إلى ما كنت.\nقال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل. انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك - بالذي ردّ عليك بصرك - شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم شيئًا أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنّما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك) (١) .\nالمطلب السابع\nنزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم\nاختص الله بعض ملائكته بنزع أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم التي قدرها الله لهم، قال تعالى: (قل يَتَوَفَّاكُم ملك الموت الَّذي وكل بكم ثُمَّ إلى ربكم ترجعون) [السجدة: ١١] .\nوالذين يقبضون الأرواح أكثر من ملك: (وهو الْقَاهِرُ فوق عباده ويرسل عليكم حفظةً حتَّى إذا جاء أحدكم الموت تَوَفَّتْهُ رسلنا وهم لا يفرطون - ثم\n_________\n(١) رواه البخاري: ٦/٥٠٠. ورقمه: ٣٤٦٤. ورواه مسلم: ٤/٢٢٧٥. ورقمه: ٢٩٦٤. واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":50},{"text":"ردُّوا إلى الله مولاهم الحق إلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين) [الأنعام: ٦١-٦٢] .\nوتنزع الملائكة أرواح الكفرة والمجرمين نزعًا شديدًا عنيفًا بلا رفق ولا هوادة: (ولو ترى إذ الظَّالمون في غَمَرَاتِ الموت والملائِكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) [الأنعام: ٩٣] .\nوقال: (ولو ترى إذ يتوفَّى الَّذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق) [الأنفال: ٥٠] .\nوقال: (فكيف إذا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) [محمد: ٢٧] .\nأما المؤمنون فإن الملائكة تنزع أرواحهم نزعًا رفيقًا.\nتبشيرهم المؤمنين عند النزع:\nوإذا جاء الموت، ونزل بالعبد المؤمن، فإن الملائكة تتنزل عليه، تبشره وتثبته: (إنَّ الَّذين قالوا ربنَّا الله ثمَّ استقاموا تتنزَّل عليهم الملائكة ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنَّة التي كنتم توعدون - نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدَّعون) [فصلت: ٣٠-٣١] .\nوهي تبشر الكفرة بالنار وغضب الجبار وتقول لهم: (أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون) [الأنعام: ٩٣] .\nموسى يفقأ عين ملك الموت:\nروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أجب ربك)، قال: (فلطم موسى عين ملك الموت ففقأهما) . قال:","vol":"1","page":51},{"text":"(فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني) . قال: (فردّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شَعْرة، فإنك تعيش بها سنة، قال: ثمّ مه؟ قال: ثمّ تموت. قال: فالآن من قريب) (١) . «وملك الموت كان يأتي الناس عيانًا، فأتى موسى فلطمه وفقأ عينه» (٢) .\nوذكر ابن حجر العسقلاني أن بعض المبتدعة أنكر هذا الحديث. وذكر في الرد عليهم: \" أن موسى لطم ملك الموت، لأنه رأى آدميًا دخل داره بغير إذنه، ولم يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن، وقد جاءَت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفهم ابتداءً، ولو عرفهم إبراهيم لما قدم لهم المأكولات، ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه \" (٣) .\nوالتكذيب بالأحاديث الصحيحة التي تخبر عن الغيوب بنظر عقلي مجرد ينافي الإيمان، فأول صفات المتقين أنهم يؤمنون بالغيب، كما ذكر الله ذلك في مطلع سورة البقرة، فإذا صحّ الخبر عن الله أو عن رسوله فليس هناك إلا التصديق: (والرَّاسخون في العلم يقولون آمنَّا به كلٌّ من عند ربنا وما يذَّكرُ إلاَّ أولوا الألباب) [آل عمران: ٧] .\nالمطلب الثامن\nعلاقة الملائكة بالعبد في قبره ومحشره والدار الآخرة\nسيأتي في مبحث الإيمان باليوم الآخر إن شاء الله تعالى ما يكون من الملائكة نحو العباد بعد الموت من سؤال الملكين للعبد في قبره، وهذان هما منكر ونكير، وأن منهم ملائكة ينعّمون العباد في قبورهم، وآخرون يعذبون الكفرة والمجرمين، واستقبالهم للمؤمن في يوم القيامة، ونفخ إسرافيل في الصور، وحشرهم الناس للحساب، وسوقهم الكفرة إلى جهنم، والمؤمنين إلى الجنة، وقيامهم على تعذيب الكفار في النار، وسلامهم على المؤمنين في الجنة.\nالملائكة والمؤمنون\nتحدثنا في المبحث السابق عن الدور الذي كلف الله الملائكة القيام\n_________\n(١) رواه البخاري: ٣/٢٠٦. ورقمه: ١٣٣٩. ورواه مسلم: ٤/١٨٤٣. ورقمه: ٢٣٧٣. واللفظ لمسلم.\n(٢) هذه الرواية رواها أحمد في مسنده، والطبري. انظر: فتح الباري: ٦/٤٤٢.\n(٣) فتح الباري: ٦/٤٤٢.","vol":"1","page":52},{"text":"به تجاه بني آدم كلهم؛ مؤمنهم وكافرهم، فما ذكرناه من تشكيلهم للنطفة، وحراستهم للعباد، وتبليغهم للوحي، ومراقتبهم للعباد، وكتابة الأعمال، ونزع الأرواح، لا تختص بقسم من بني آدم دون قسم، ولا بمؤمن دون كافر.\nوللملائكة بعد ذلك دور مختلف مع المؤمنين والكفار، وسنتناول دورهم وموقفهم من كلا الفريقين بالبيان والتوضيح.\nالمطلب الأول\nدور الملائكة تجاه المؤمنين (الجزء الأول)\n١- محبتهم للمؤمنين:\nروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل. فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحبّ فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثمّ يوضع له القبول في الأرض) (١) .\n٢- تسديد المؤمن:\nروى البخاري في صحيحه عن حسّان بن ثابت: أن رسول الله ﷺ دعا له، فقال: (اللهمّ أيده بروح القدس) (٢) .\nوفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة قال: (قال سليمان ﵇: لأطوفنّ الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة يقاتل في سبيل الله.\nفقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، فأطاف بهنّ، ولم تلد إلا امرأة منهنّ نصف إنسان) .\nقال النبي ﷺ: (لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته) (٣) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/٣٠٣. ورقمه: ٣٢٠٩. ورواه مسلم: ٤/٢٠٣٠. ورقمه: ٢٦٣٧.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/٣٠٤.\n(٣) رواه البخاري: ٩/٣٣٩. ورقمه: ٥٢٤٢. وقال ابن حجر في (فتح الباري: ٦/٤٦٠) ما ملخصه: \" في رواية المغيرة (سبعين) امرأة، وفي رواية شعيب في الأيمان والنذور: (تسعين)، ورجحها المؤلف هناك \". ورواه مسلم في صحيحه: ٣/١٢٦٧. ورقمه: ١٦٥٤، وفي إحدى رواياته: ستون، وفي الأخرى: سبعون، وفي ثالثة: تسعون.","vol":"1","page":53},{"text":"فالملك سدد نبي الله سليمان وأرشده إلى الأصوب والأكمل.\n٣- صلاتهم على المؤمنين:\nأخبرنا الله أن الملائكة تصلي على الرسول ﷺ: (إنَّ الله وملائكته يصلُّون على النَّبي) [الأحزاب: ٥٦] . وهم يصلون على المؤمنين أيضًا: (هو الَّذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظُّلُمَاتِ إلى النُّور وكان بالمؤمنين رحيمًا) [الأحزاب: ٤٣] .\nوالصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند ملائكته، حكاه البخاري عن أبي العالية، وقال غيره: الصلاة من الله - ﷿ - الرحمة، وقد يقال: لا منافاة بين القولين.\nوأمّا الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس، والاستغفار لهم، وهذا ما سنوضحه فيما يأتي:\nنماذج من الأعمال التي تصلي الملائكة على صاحبها:\nأ- معلّم الناس الخير:\nروى الترمذي في سننه عن أبي أمامة أن الرسول ﷺ قال: (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلون على معلم الناس الخير) (١) .\nب- الذين ينتظرون صلاة الجماعة:\nفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهمّ اغفر له، اللهم ارحمه. ما لم يحدث) (٢) .\nج- الذين يصلون في الصف الأول:\nفي سنن أبي داود عن البراء بن عازب ﵁:\n_________\n(١) صحيح سنن الترمذي: ٢/٣٤٣. ورقمه: ٢١٦١.\n(٢) رواه البخاري: ٢/١٣١. ورقمه: ٦٤٧، ورواه مسلم: ١/٤٥٩. ورقمه: ٦٤٩، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":54},{"text":"أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول) (١) .\nوفي سنن النسائي: (على الصفوف المتقدمة) (٢) .\nوفي سنن ابن ماجة من حديث البراء، وحديث عبد الرحمن بن عوف: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول) (٣) .\nد- الذين يسدّون الفرج بين الصفوف:\nفي سنن ابن ماجة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف، ومن سدّ فرجة رفعه الله بها درجة) (٤) .\nهـ- الذين يتسحرون:\nفي صحيح ابن حبان ومعجم الطبراني الأوسط بإسناد حسن، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين) (٥) .\nوالذين يصلون على النبي ﷺ:\nروى أحمد في مسنده، والضياء في المختارة عن عامر بن ربيعة بإسناد حسن: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من عبد يصلي عليّ إلا صلتْ عليه الملائكة، ما دام يصلي عليّ، فليقلّ العبد من ذلك أو ليكثر) (٦) .\n_________\n(١) صحيح سنن أبي داود: ١/١٣٠. ورقمه: ٦١٨.\n(٢) صحيح سنن النسائي: ١/١٧٥. ورقمه: ٧٨١.\n(٣) صحيح سنن ابن ماجة: ١/١٦٤. ورقمه: ٨١٦.\n(٤) صحيح سنن ابن ماجة: ١/١٦٤. ورقمه: ٨١٤.\n(٥) صحيح الجامع: ٢/١٣٥.\n(٦) صحيح الجامع: ٥/١٧٤.","vol":"1","page":55},{"text":"ز- الذين يعودون المرضى:\nروى أبو داود عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ، قال: (ما من رجل يعود مريضًا ممسيًا، إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، وكان له خريف في الجنّة، ومن أتاه مصبحًا خرج معه سبعون ألف ملك، يستغفرون له حتى يمسي، وكان له خريف في الجنة) (١) .\nهل لصلاة الملائكة علينا أثر:\nيقول تعالى: (هو الَّذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظُّلمات إلى النُّور) [الأحزاب: ٤٣] .\nتفيد الآية أن ذكر الله لنا في الملأ الأعلى، ودعاء الملائكة للمؤمنين واستغفارهم لهم، له تأثير في هدايتنا وتخليصنا من ظلمات الكفر والشرك والذنوب والمعاصي إلى النور الذي يعني وضوح المنهج والسبيل، بالتعرف على طريق الحق الذي هو الإسلام، وتعريفنا بمراد الله منا، وإعطائنا النور الذي يدلنا على الحق: في الأفعال والأقوال والأشخاص.\n٤- التأمين على دعاء المؤمنين:\nالملائكة يؤمنِّون على دعاء المؤمن: وبذلك يكون الدعاء أقرب إلى الإجابة، ففي صحيح مسلم وسنن ابن ماجة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: (دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك، كلما دعا له بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل) (٢) .\nولما كان الدعاء المؤمّن عليه حريًّا بالإجابة، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يدعو على نفسه بشر، ففي صحيح مسلم\n_________\n(١) صحيح سنن أبي داود: ٢/٥٩٨. ورقمه: ٢٦٥٥، وصرّح أبو داود بتصحيحه مرفوعًا، وأورد رواية صحيحة عن علي موقوفًا عليه.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/٢٠٩٤. ورقمه: ٢٧٣٣. وصحيح سنن ابن ماجة: ٢/١٤٩. ورقمه: ٢٣٤٠، واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":56},{"text":"عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) (١) .\n٥- استغفارهم للمؤمنين:\nأخبرنا الله أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض: (تكاد السَّماوات يتفطَّرن من فوقهنَّ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إنَّ الله هو الغفور الرَّحيم) [الشورى: ٥] .\nوأخبر في آية سورة غافر أن حملة العرش والملائكة الذين حول العرش ينزهون ربهم، ويخضعون له، ويخصون المؤمنين التائبين بالاستغفار، ويدعونه بأن ينجيهم من النار، ويدخلهم الجنة، ويحفظهم من فعل الذنوب والمعاصي: (الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للَّذين آمنوا ربَّنا وسعت كل كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا فاغفر للَّذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم - ربَّنا وأدخلهم جنَّات عدنٍ الَّتي وعدتَّهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريَّاتهم إنَّك أنت العزيز الحكيم - وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذٍ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) [غافر: ٧-٩] .\n٦- شهودهم مجالس العلم وحلق الذكر وحفهم أهلها بأجنحتهم:\nفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم) . قال: (فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا) (٢) .\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٦/٦٣٤. ورقمه: ٩٢٠.\n(٢) رواه البخاري: ١١/٢٠٨. ورقمه: ٦٤٠٨. ورواه مسلم: ٤/٢٠٦٩. ورقمه: ٢٦٨٩. واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":57},{"text":"الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) (١) .\nوفي سنن الترمذي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع) (٢)؛ أي تتواضع له.\nفالأعمال الصالحة - كما ترى - تقرب الملائكة منا، وتقربنا منهم، ولو استمر العباد في حالة عالية من السمو الروحي، لوصلوا إلى درجة مشاهدة الملائكة ومصافحتهم كما في الحديث الذي يرويه مسلم، عن حنظلة الأسيدي، ﵁، عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم) (٣) .\nوفي رواية الترمذي عن حنظلة قال: قال رسول الله ﷺ: (لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها) (٤) .\nدور الملائكة تجاه المؤمنين (الجزء الثاني)\n٧- تسجيل الملائكة الذين يحضرون الجمعة:\nوهؤلاء الملائكة يسجلون بعض أعمال العباد، فيسجلون الذين يؤمون الجُمَع الأول فالأول. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم، وجلسوا يستمعون الذكر) . متفق عليه (٥) .\nويسجلون ما يصدر عن العباد من أقوال طيبة، ففي صحيح البخاري وغيره عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: (كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ فلما رفع رأسه من الركعة، قال: (سمع الله لمن حمده) قال رجل وراءَه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف، قال: (من المتكلم؟)\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/٢٠٧٣. ورقمه: ٢٦٩٩.\n(٢) صحيح سنن الترمذي: ٢/٣٤٢. ورقمه: ٢١٥٩.\n(٣) صحيح مسلم: ٤/٢١٠٦، ورقمه: ٢٧٥٠.\n(٤) صحيح سنن الترمذي: ٢/٢٩٨. ورقمه: ١٩٩٤.\n(٥) مشكاة المصابيح: ١/٤٣٦. ورقمه: ١٣٨٤.","vol":"1","page":58},{"text":"قال: أنا. قال: (لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) (١) . فهؤلاء الكتبة من الملائكة غير الملكين اللذين يسجلان صالح أعماله وطالحها بالتأكيد؛ لكونهم بضعة وثلاثين ملكًا.\n٨- تعاقب الملائكة فينا:\nوهؤلاء الملائكة الذين يطوفون في الطرق يلتمسون الذكر، ويشهدون الجمع والجماعات يتعاقبون فينا، فطائفة تأتي، وطائفة تذهب، وهم يجتمعون في صلاة الصبح، وصلاة العصر، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) (٢) .\nولعل هؤلاء هم الذين يرفعون أعمال العباد إلى ربهم، ففي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: (إنّ الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل ...) (٣) الحديث.\nوقد عظّم الله شأن صلاة الفجر؛ لأن الملائكة تشهدها، قال: (وقرآن الفجر إنَّ قرآن الفجر كان مشهودًا) .\n٩- تنزلّهم عندما يقرأ المؤمن القرآن:\nومنهم من يتنزّل من السماء حين يقرأ القرآن؛ ففي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: (قرأ رجل سورة الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، قال فذكر للنبي ﷺ. فقال: (اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن) (٤) .\nوعن أبي سعيد الخدري، ﵁: أن أسيد بن حضير بينما هو في ليلة يقرأ في مربده (٥)، إذ جالت (٦) فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضًا. قال أسيد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها، فإذا مثل الظلة فوق رأسي،\n_________\n(١) رواه البخاري: ٢/٢٨٤. ورقمه: ٧٩٩.\n(٢) رواه البخاري: ٦/٣٠٦. ورقمه: ٣٢٢٣. ورواه مسلم: ١/٤٣٩. ورقمه: ٦٣٢.\n(٣) صحيح مسلم: ١/١٦٢. ورقمه: ١٧٩. وفي رواية لمسلم: (أربع كلمات) .\n(٤) صحيح مسلم: ١/٥٤٨. ورقمه: ٧٩٦.\n(٥) المربد: الموضع الذي ييبس فيه التمر، كالبيدر.\n(٦) جالت: وثبت.","vol":"1","page":59},{"text":"فيها أمثال السرج، عرجت في الجوّ حتى ما أراها.\nقال: فغدوت على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، بينا أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي، إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ: (اقرأ ابن حضير) قال: فقرأت، ثمّ جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: (اقرأ ابن حضير): قال: فقرأت، ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: (اقرأ ابن حضير): قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبًا منها، خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج، عرجت في الجوّ حتى ما أراها.\nفقال رسول الله ﷺ: (تلك الملائكة كانت تسمع لك، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم) (١) .\n١٠- يبلّغون الرسول ﷺ عن أمته السلام:\nروى النسائي والدارمي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام) (٢) .\n١١- تبشيرهم المؤمنين:\nفقد حملوا البشرى إلى إبراهيم بأنه سيرزق بذرية صالحة: (هل أَتَاكَ حديث ضيف إبراهيم المكرمين - إذ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلاماٌ قوم مُّنكرون - فراغ إلى أهله فجاء بعجلٍ سمينٍ - فقرَّبه إليهم قال ألا تأكلون - فأوجس منهم خيفةً قالوا لا تخف وبشروه بغلامٍ عليمٍ) [الذاريات: ٢٤-٢٨] .\nوبشرت زكريا بيحي: (فنادته الملائكة وهو قائِمٌ يصلي في المحراب أنَّ الله يبشرك بِيَحْيَى) [آل عمران: ٣٩] .\n_________\n(١) رواه البخاري: ٩/٦٣. ورقمه: ٥٠١٨. من رواية محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير. ورواه مسلم: ١/٥٤٨. ورقمه: ٧٩٦. واللفظ لمسلم.\n(٢) مشكاة المصابيح: ١/٢٩١. ورقمه: ٩٢٤. وقال محقق المشكاة، الشيخ ناصر الدين الألباني: إسناده صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.","vol":"1","page":60},{"text":"وليس هذا مقصورًا على الأنبياء والمرسلين، بل قد تبشر المؤمنين، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إنّ رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله (١) له على مدرجته (طريقه) ملكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ﷿، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) (٢) .\nوفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (أتاني جبريل، فقال: يا رسول الله! هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إِدام أو طعام أو شراب، فإذا هي قد أتتك، فاقرأ ﵍، من ربّها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب) (٣) .\n١٢- الملائكة والرؤيا في المنام:\nروى البخاري في صحيحه في باب التهجد، عن عبد الله بن عمر، ﵄، قال: \" كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصّها على رسول الله ﷺ، فتمنيت أن أرى رؤيا فأقصها على رسول الله ﷺ، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيّ البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، قال: فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لم ترع \" (٤)؛ أي لا تخف.\nوفي صحيح البخاري عن عائشة، ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ: (أريتك في المنام يجيء بك الملك في سَرَقَةٍ من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفتُ عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت:\n_________\n(١) أرصد على مدرجته: أقعد على طريقه.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/١٩٨٨. ورقمه: ٢٥٦٧.\n(٣) رواه البخاري: ٧/١٣٣. ورقمه: ٣٨٢٠. ورواه مسلم: ٤/١٨٨٧. ورقمه: ٢٣٢. واللفظ لمسلم.\n(٤) رواه البخاري: ٣/٦. ورقمه: ١١٢١. ورواه مسلم: ٤/١٩٢٧. ورقمه: ٢٤٧٩.","vol":"1","page":61},{"text":"إن يك هذا من الله يمضه) (١) .\n١٣- يقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في حروبهم:\nوقد أمد الله المؤمنين بأعداد كثيرة من الملائكة في معركة بدر: (إذ تستغيثون ربَّكم فاستجاب لكم أَنِّي مُمِدُّكُم بألفٍ من الملائكة مردفين) [الأنفال: ٩]، (ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنت أذلةٌ فاتَّقوا الله لعلَّكم تشكرون - إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يُمِدَّكُمْ ربُّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين - بلى إن تصبروا وتتَّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربُّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مُسَوِّمِينَ) [آل عمران: ١٢٣-١٢٥] .\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس: أن الرسول ﷺ قال في يوم بدر: (هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة حرب) (٢) .\nوقد بين الله الحكمة والغاية من هذا الإمداد، وهو تثبيت المؤمنين، والمحاربة معهم، وقتال الأعداء، وقتلهم بضرب أعناقهم وأيديهم: (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئِنَّ به قلوبكم وما النَّصر إلاَّ من عند الله إنَّ الله عزيز حكيم) [الأنفال: ١٠]، (إذ يُوحِي ربُّك إلى الملائكة أَنِّي معكم فثبتوا الَّذين آمنوا سألقي في قلوب الَّذين كفروا الرُّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلَّ بنانٍ) [الأنفال: ١٢] .\nوقال في سورة آل عمران: (وما جعله الله إلا بشرى لكم وَلِتَطْمَئِنَّ قلوبكم به وما النَّصر إلاَّ من عند الله العزيز الحكيم - ليقطع طرفًا من الَّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خَآئِبِينَ) [آل عمران: ١٢٦-١٢٧] .\n_________\n(١) رواه البخاري بهذا اللفظ في كتاب النكاح: ٩/١٨٠. ورقمه: ٥١٢٥. ورواه في مناقب الأنصار: ٧/٢٢٣. ورقمه: ٣٨٩٥. وفي التعبير: ١٢/٣٩٩. ورقمه: ٧٠١١، ٧٠١٢، ورواه مسلم: ٤/١٨٨٩. ورقمه: ٢٤٣٨.\n(٢) صحيح البخاري: ٧/٣١٢. ورقمه: ٣٩٩٥.","vol":"1","page":62},{"text":"وقد سمع أحد المقاتلين من المسلمين صوت ضربة ملك، ضرب بها أحد الكفار، وصوته وهو يزجر فرسه، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: (بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدّ في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخرّ مستلقيًا، فنظر إليه، فإذا هو قد خُطم أنفه، وشقّ وجهه، كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) (١) .\nوقد حاربت الملائكة في مواقع أخر؛ ففي غزوة الخندق أرسل الله ملائكته: (يا أيها الَّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها) [الأحزاب: ٩]، والمراد بالجنود التي لم يروها الملائكة، كما ثبت في الصحاح وفي غيرها: (أن جبريل جاء الرسول ﷺ بعد رجوعه ﷺ من الخندق وقد وضع سلاحه واغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال للرسول ﷺ: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، أخرج إليهم. فقال رسول الله ﷺ: (فأين؟ فأشار إلى بني قريظة) (٢) .\nوفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ قال: \" كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة \" (٣) .\n١٤- حمايتهم للرسول ﷺ:\nروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته، أو لأعفرنّ وجهه في التراب.\nقال: فأتى رسول الله ﷺ وهويصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبه، ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا) (٤) .\nورواه البخاري بأخصر من رواية مسلم هذه، في كتاب التفسير (٥) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٣/١٣٨٤. ورقمه: ١٧٦٣.\n(٢) رواه البخاري: ٧/٤٠٧. ورقمه: ٤١١٧. ورواه مسلم في صحيحه: ٣/١٣٨٩. ورقمه: ١٧٦٩.\n(٣) رواه البخاري: /٤٠٧. ورقمه: ٤١١٨.\n(٤) صحيح مسلم: ٤/٢١٥٤. ورقمه: ٢٧٩٧.\n(٥) صحيح البخاري: ٨/٧٢٤. ورقمه: ٤٩٥٨.","vol":"1","page":63},{"text":"١٥- حمايتهم ونصرتهم لصالحي العباد وتفريج كربهم:\nوقد يرسلهم الله لحماية بعض عباده الصالحين من غير الأنبياء والمرسلين، وقد يكون من هذا ما حصل لرجل ذكر ابن كثير خبره. ففي تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: (أمَّن يجيب المضطرَّ إذا دعاهُ) [النمل: ٦٢] قال:\nذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالدقي الصوفي، قال هذا الرجل: (كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب، فقلت: لا خيرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب، فسلكناها.\nفانتهينا إلى مكان وعر، وواد عميق، وفيه قتلى كثيرة، فقال لي: أمسك رأس البغل، حتى أنزل، فنزل وتشمر وجمع عليه ثيابه، وسلّ سكينًا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال: هو لي؛ وإنما أريد قتلك، فخوفته الله والعقوبة، فلم يقبل.\nفاستسلمت بين يديه، وقلت: إني أريد أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: عجّل، فقمت أصلي، فأُرتِج عليَّ القرآن، فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا، وهو يقول: هيه، افرغ، فأجرى الله على لساني قوله: (أمَّن يجيب المضطر إذا دعاهُ ويكشف السوء) [النمل: ٦٢]، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي وبيده حربة، فرمى بها الرجل، فما أخطأت فؤاده، فخرّ صريعًا، فتعلقت بالفارس، وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر، إذا دعاه، ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل، ورجعت سالما \".\nومن ذلك إرسال الله جبريل لإغاثة أم إسماعيل في مكة، ففي صحيح البخاري","vol":"1","page":64},{"text":"عن ابن عباس عن النبي ﷺ في قصة مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وأمّه هاجر إلى أرض مكة - وهي قصة طويلة - وفيها أن أمّ إسماعيل سعت سعي الإنسان المجهود بين الصفا والمروة سبع مرات تبحث عن الماء، (فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا، فقالت: صه تريد نفسها، ثمّ تسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه، حتى ظهر الماء ... فقال لها الملك: لا تخافوا الضّيعة فإن ههنا يت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله) (١) .\nوهذا الملك الذي جاءها هو جبريل، ففي المسند عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: (إن جبريل لما ركض زمزم بعقبه، جعلت أم إسماعيل تجمع البطحاء، فقال النبي ﷺ: (رحم الله هاجر أم إسماعيل، لو تركتها لكانت عينًا معينًا) (٢) .\n١٦- شهود الملائكة لجنازة الصالحين:\nقال الرسول ﷺ في سعد بن معاذ: (هذا الذي تحرّك له العرش، وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفًا من الملائكة، لقد ضُمّ ضمة، ثمّ فرّج عنه) . رواه النسائي عن ابن عمر (٣) .\n١٧- إضلالها للشهيد بأجنحتها:\nفي البخاري عن جابر، قال: (جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مثل به، ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو -. فقال النبي ﷺ: (لمَ تبكي، أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) .\nوقد عنون له البخاري بقوله: (باب ظل الملائكة على الشهيد) (٤) .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/٣٩٧. ورقمه: ٣٣٦٤.\n(٢) مسند أحمد: ٥/١٢١.\n(٣) حديث اهتزاز العرش لموت سعد. رواه البخاري: ٧/١٢٢. ورقمه: ٣٨٠٢. ورواه مسلم عن جابر: ٤/١٩١٥. ورقمه: ٢٤٦٦. أما شهود الملائكة لجنازته ففي سنن النسائي. انظر صحيح سنن النسائي: ٢/٤٤١. ورقمه: ١٩٤٢.\n(٤) صحيح البخاري: ٦/٣٢. ورقمه: ٢٨١٦.","vol":"1","page":65},{"text":"١٨- الملائكة الذين جاؤوا بالتابوت:\nقال تعالى: (وقال لهم نبيُّهم إنَّ آية ملكه أن يأتيكم التَّابوت فيه سيكنةٌ من ربَّكم وبقيَّةٌ ممَّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة) [البقرة: ٢٤٨] .\nوالذي يعنينا من هذه الآية ما أخبرنا الله به، أن الملائكة جاءت بني إسرائيل، في تلك الفترة، بتابوت، تطمينًا لهم وتثبيتًا؛ كي يعلموا أن طالوت مختار من الله تعالى، فيتابعوهُ ويطيعوهُ.\n١٩- حمايتهم للمدينة ومكة من الدجال:\nيدخل الدجال عندما يخرج كل بلد إلا مكة والمدينة؛ لحماية الملائكة لهما، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث فاطمة بنت قيس من قصة تميم الداري: أن الدجال قال: (إني أنا المسيح الدجال، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة، أو أحدًا منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتًا، يصدني عنهما، وإن على كل نَقْب منها ملائكة يحرسونها) .\nقالت: قال رسول الله ﷺ، وطعن بمخصرته في المنبر: (هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة)، يعني: المدينة (١) .\nوروى البخاري عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، ولها يومئذٍ سبعة أبواب، على كل باب ملكان) (٢) .\nوفي صحيح البخاري أيضًا عن أبي هريرة: أن الرسول ﷺ قال: (على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) (٣) .\n_________\n(١) رواه مسلم: ٤/٢٢٦٣. ورقمه: ٢٩٤٢.\n(٢) صحيح البخاري: ١٣/٩٠. ورقمه: ٧١٢٥.\n(٣) صحيح البخاري: ١٣/١٠١. ورقمه: ٧١٢٣.","vol":"1","page":66},{"text":"فيخرج الله كل كافر ومنافق) .\n٢٠- نزول عيسى بصحبة ملكين:\nفي سنن الترمذي عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ: في ذكره حديث الدجال، وفيه: (فبينما هو كذلك إذ هبط عيسى ابن مريم ﵇ بشرقي دمشق، عند المنارة البيضاء، بين مهرودتين، واضعًا يَدَيْهِ على أجنحة ملكين) (١) .\n٢١- الملائكة باسطة أجنحتها على الشام:\nعن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يا طوبى للشام، يا طوبى للشام) . قالوا يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: (تلك ملائكة الله باسطوا أجنحتها على الشام) (٢) .\n٢٢- ما في موافقة الملائكة من أجر وثواب:\nثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أمّن الإمام، فأَمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه) (٣) .\nوفي صحيح البخاري: (إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه) (٤) .\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهمّ ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه) (٥) .\n_________\n(١) نزول عيسى ﵇ ثابت في صحيح مسلم: ٤/٢٢٥٩. حديث رقم: ٢٩٤٠، أما الحديث المذكور فرواه الترمذي. انظر صحيح سنن الترمذي: ٢/٢٤٩. ورقمه: ١٨٢٥.\n(٢) قال الشيخ ناصر، في تخريج أحاديث فضائل الشام، للربعي: \" هو حديث صحيح أخرجه الترمذي، والحاكم في المستدرك، وأحمد في المسند، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: ورواه ابن حبان في صحيحه، والطبراني بإسناد صحيح \".\n(٣) صحيح البخاري: ٢/٢٦٢. ورقمه: ٧٨٠. ورواه مسلم: ١/٣٠٧. ورقمه: ٤١٠.\n(٤) صحيح البخاري: ٢/٢٦٦. ورقمه: ٧٨١.\n(٥) صحيح البخاري: ٢/٢٨٣. ورقمه: ٧٩٦.","vol":"1","page":67},{"text":"المطلب الثاني\nواجب المؤمن تجاه الملائكة\nالملائكة عباد الله اختارهم واصطفاهم، ولهم مكانة عند ربهم، والمؤمن الذي يعبد الله، ويتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، وفي المبحث التالي نتناول شيئًا من ذلك بالبيان والتوضيح.\n١- عدم إيذاء الملائكة:\nشدَّد العلماء النكير على من يسبُّ الملائكة أو يتكلم بكلام يعيبهم، قال العلامة السيوطي رحمه الله تعالى: \" قال القاضي عياض في الشفا: قال سحنون: من شتم ملكًا من الملائكة فعليه القتل، وقال أبو الحسن القابسي في الذي قال لآخر: كأنه وجه مالك الغضبان: لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل.\nقال القاضي عياض: وهذا فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة، أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة، ممن نص الله عليه في كتابه، أو حققنا علمه بالخبر المتواتر، والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع، كجبريل، وميكائيل، ومالك، وخزنة الجنة وجهنم، والزبانية، وحملة العرش، وعزرائيل، وإسرافيل، ورضوان، والحفظة، ومنكر ونكير.\nفأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه، ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة كهاروت وماروت، فليس الحكم فيهم، والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه؛ إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة \" (١) .\nونقل السيوطي عن القرافي المالكي قوله: \" اعلم أنه يجب على كل مكلف تعظيم الأنبياء بأسرهم، وكذلك الملائكة، ومن نال من أعراضهم شيئًا فقد كفر، سواء كان بالتعريض أو بالتصريح، فمن قال في رجل يراه شديد البطش: هذا أقسى قلبًا من مالك خازن النار، وقال في رجل رآه مشوه الخلق: هذا أوحش من منكر ونكير، فهو كافر، إذا قال ذلك في معرض النقص بالوحاشة، والقساوة \" (٢) .\n٢- البعد عن الذنوب والمعاصي:\nأعظم ما يؤذي الملائكة الذنوب والمعاصي والكفر والشرك، ولذا فإن أعظم ما يُهْدَى للملائكة ويرضيهم أن يخلص المرء دينه لربه، ويتجنب كل ما يغضبه.\nولذا فإنَّ الملائكة لا تدخل الأماكن والبيوت التي يعصى فيها الله تعالى، أو التي يوجد فها ما يكرهه الله ويبغضه، كالأنصاب والتماثيل والصور، ولا تقرب من تلبس بمعصية كالسكران.\nقال ابن كثير (٣): ثبت في الحديث المروي في الصحاح والمسانيد والسنن من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جُنب) .\nوفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن علي: (ولا بول)، وفي رواية رافع عن أبي سعيد مرفوعًا: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو تمثال)، وفي رواية ذكوان أبي صالح السماك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس) (٤) .\nوروى البزار بإسناد صحيح عن بريدة، ﵁: أن الرسول ﷺ قال: (ثلاث لا تقربهم الملائكة: السكران، والمتضمخ بالزعفران، والجنب) (٥) .\n_________\n(١) الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي: ٢٥٤.\n(٢) الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي: ٢٥٥.\n(٣) البداية والنهاية: ١/٥٥.\n(٤) البداية والنهاية: ١/٥٥.\n(٥) صحيح الجامع: ٣/٧٠.","vol":"1","page":68},{"text":"وفي سنن أبي داود بإسناد حسن، عن عمار بن ياسر أن الرسول ﷺ قال: (ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ) (١) .\n٣- الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم:\nثبت في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فهم يتأذون من الرائحة الكريهة، والأقذار والأوساخ.\nروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله عن النبيّ ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث، فلا يقربنّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) (٢) .\nوقد بلغ الأمر بالرسول ﷺ أن أمر بالذي جاء إلى المسجد - ورائحة الثوم أو البصل تنبعث منه - أن يخرج إلى البقيع. (وهذا ثابت في صحيح مسلم) (٣) .\n٤- النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة:\nنهى الرسول ﷺ عن البصاق عن اليمين في أثناء الصلاة؛ لأن المصلي إذا قام يصلي يقف عن يمينه ملك، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه فيدفنها) (٤) .\n٥- موالاة الملائكة كلهم:\nوعلى المسلم أن يحب جميع الملائكة، فلا يفرق في ذلك بين ملك وملك؛ لأنهم جميعًا عباد الله عاملون بأمره، تاركون لنهيه، وهم في هذا وحدة واحدة، لا يختلفون ولا يفترقون. وقد زعم اليهود أن لهم أولياء وأعداء من الملائكة، وزعموا أن جبريل عدو لهم، وميكائيل ولي لهم، فأكذبهم الله تعالى - في مدعاهم - وأخبر أن الملائكة لا يختلفون فيما بينهم:\n_________\n(١) صحيح سنن أبي داود: ٢/٨٧٢.\n(٢) أحاديث نهي من أكل البصل والثوم عن قربان المسجد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما، إلا أن هذا اللفظ رواه مسلم: ١/٣٩٤. ورقمه: ٥٦٧.\n(٣) صحيح مسلم: ١/٣٩٦. ورقمه: ٥٦٧.\n(٤) صحيح البخاري: ١/٥١٢. ورقمه: ٤١٦.","vol":"1","page":69},{"text":"(قل من كان عدوًّا لجبريل فإنَّه نزَّله على قلبك بإذن الله مصدّقًا لما بين يديه وهدىً وبشرى للمؤمنين - من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدوٌّ للكافرين) [البقرة: ٩٧-٩٨] .\nفأخبر سبحانه أن الملائكة كلهم وحدة واحدة فمن عادى واحدًا منهم، فقد عادى الله وجميع الملائكة، أمّا تولي بعض الملائكة ومعاداة بعض آخر، فهي خرافة لا يستسيغها إلا مثل هذا الفكر اليهودي المنحرف، وهذه المقولة التي حكاها القرآن عن اليهود عذر واهٍ عللوا به عدم إيمانهم، فزعموا أن جبريل عدوهم؛ لأنّه يأتي بالحرب والدمار، ولو كان الذي يأتي الرسول ﷺ ميكائيل لتابعوه.\nوراجع النصوص الواردة في سبب نزول هذه الآية في تفسير ابن كثير وغيره.\nالملائكة والكفار والفساق\nوضحنا فيما سبق موقف الملائكة من المؤمنين، وقد اتضح من خلال ذلك موقفهم من الكفرة، فهم لا يحبون الكفرة الظالمين المجرمين، بل يعادونهم ويحاربونهم، ويزلزلون قلوبهم، كما حدث في معركة بدر والأحزاب، ونزيد الأمر هنا تفصيلًا وإيضاحًا بذكر ما لم نذكره هناك.\n١- إنزال العذاب بالكفار:\nعندما كان يُكذَّب رسول من الرسل، ويصرّ قومه على التكذيب، كان الله ينزل في كثير من الأحيان بهم عذابه، وكان الذي يقوم بالتعذيب أحيانًا الملائكة.\n٢- إهلاكهم قوم لوط:\nجاء الملائكة المأمورون بتعذيب قوم لوط في صورة شبان حسان الوجوه،","vol":"1","page":70},{"text":"واستضافهم لوط، ولم يعلم قومه بهم، فدلت زوجة لوط قومها عليهم، فجاؤوا مسرعين، يريدون بهم الفاحشة، فدافعهم لوط، وحاورهم، فأبوا عليه، فضربهم جبريل بجناحه، فطمس أعينهم، وأذهب بصرها: (ولمَّا جاءت رسلنا لوطًا سِيءَ بهم وضاق بهم ذرعًا وقال هذا يوم عصيبٌ - وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السَّيِّئَاتِ قال يا قوم هؤلاء بناتي هُنَّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجلٌ رَّشِيدٌ - قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حقٍ وإنَّك لتعلم ما نريد - قال لو أنَّ لي بكم قوَّةً أو آوي إلى ركنٍ شديدٍ - قالوا يا لوط إنّا رسل ربك لن يصلوا إليك) [هود: ٧٧-٨١] .\nقال ابن كثير (١): وذكروا أن جبريل - ﵇ - خرج عليهم، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه، فطمست أعينهم، حتى قيل غارت بالكلية، ولم يبق لها محل ولا أثر ... قال تعالى: (ولقد رَاوَدُوهُ عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر) [القمر: ٣٧] .\nوفي الصباح أهلكهم الله تعالى: (فلمَّا جاء أمرنا جعلنا عَالِيَهَا سافلها وأمطرنا عليها حجارةً من سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ - مسوَّمةٍ عند ربك وما هي من الظَّالمين ببعيدٍ) [هود: ٨٢-٨٣] قال ابن كثير في تفسيره: قال مجاهد: \" أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم، ورفعهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم، ثم كفأها، وكان حملهم على خوافي جناحه الأيمن \". وذكر أقوالًا مقاربة لهذا القول، ولم يورد حديثًا يشهد لهذا.\n٣- لعن الكفرة:\nقال تعالى: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أنّ الرَّسول حقٌّ وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظَّالمين - أولئك جَزَآؤُهُمْ أنَّ\n_________\n(١) البداية والنهاية: ١/١٩٧.","vol":"1","page":71},{"text":"عليهم لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين) [آل عمران: ٨٦-٨٧]، وقال: (إنَّ الَّذين كفروا وماتوا وهم كفَّار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والنَّاس أجمعين) [البقرة: ١٦١] .\nولا تلعن الملائكة الكفرة فحسب، بل قد تلعن من فعلوا ذنوبًا معينة ومن هؤلاء:\nأ- لعن الملائكة المرأة التي لا تستجيب لزوجها:\nففي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، لَعَنَتْها الملائكة حتى تصبح) (١) وفي رواية في الصحيح: (حتى ترجع) (٢) .\nب- لعنهم الذي يشير إلى أخيه بحديدة:\nروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال أبو القاسم: (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأمّه) (٣) .\nولعن الملائكة يدل على حرمة هذا الفعل، لما فيه من ترويعٍ لأخيه، ولأنّ الشيطان قد يطغيه فيقتل أخاه، خاصة إذا كان السلاح من هذه الأسلحة الحديثة، التي قد تنطلق لأقل خطأ، أو لمسة غير مقصودة، وكم حدث أمثال هذا.\nج- لعنهم من سبّ أصحاب الرسول:\nفي معجم الطبراني الكبير عن ابن عباس بإسناد حسن: أن الرسول ﷺ قال: (من سبّ أصحابي، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) .\nفيما عجبًا لأقوام جعلوا سبّ أصحاب الرسول ﷺ دينًا لهم يتقربون به إلى الله، مع أن جزاءَهم ما ذكره الرسول ﷺ هنا، وهو جزاء رهيب.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٩/٢٩٣. ورقمه: ٥١٩٣.\n(٢) المصدر السابق: ٩/٢٩٤. ورقمه: ٥١٩٤.\n(٣) صحيح مسلم: ٤/٢٠٢٠. ورقمه: ٢٦١٦.","vol":"1","page":72},{"text":"د- لعنهم الذين يحولون دون تنفيذ شرع الله:\nفي سنن النسائي وسنن ابن ماجة، بإسناد صحيح، عن ابن عباس، ﵄: أنّ رسول الله ﷺ قال: (من قَتَلَ عمدًا فَقَود يديه، فمن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين) (١) . فالذي يحول دون تنفيذ حكم الله في قتل القاتل عمدًا بالجاه أو المال ... فعليه هذه اللعنة، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ الشريعة كلها؟!\nهـ- لعنهم الذي يؤوي محدثًا:\nمن الذين تلعنهم الملائكة كما يلعنهم الله الذين يحدثون في دين الله، بالخروج على أحكامه، والاعتداء على تشريعه، أو يؤوون من يفعل ذلك، ويحمونه، كما في الحديث الصحيح: (من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين) (٢) .\nوالحدث في المدينة فيه زيادة في الإجرام، ففي الصحيحين عن علي ابن أبي طالب قال: قال النبيّ ﷺ أنه قال: (المدينة حرم، ما بين عَيْر إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا، ولا عدلًا) (٣) .\n_________\n(١) صحيح سنن النسائي: ٣/٤٩٢. ورقمه: ٤٤٥٦، ٤٤٥٧. وصحيح سنن ابن ماجة: ٢/٩٦. ورقمه: ٢١٣١.\n(٢) صحيح سنن أبي داود: ٣/٨٥٩. ورقمه: ٣٧٩٧. وصحيح سنن النسائي: ٣/٩٨٢. ورقمه: ٤٤١٢.\n(٣) صحيح البخاري: ٤/٨١. ورقمه: ١٨٧٠. ورواه مسلم: ٢/٩٩٤. ورقمه: ١٣٧٠. واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":73},{"text":"٤- طلب الكفار رؤية الملائكة:\nوقد طلب الكفار رؤية الملائكة للتدليل على صدق الرسول ﷺ، فأخبرهم الله أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة يوم شؤم عليهم؛ إذ الكفار يرون الملائكة عندما يحلّ بهم العذاب، أو عندما ينزل بالإنسان الموت، ويكشف عنه الغطاء: (وقال الَّذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربَّنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوًّا كبيرًا - يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذٍ للمجرمين ويقولون حِجرًا مَّحجُورًا) [الفرقان: ٢١-٢٢] .","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الرابع الملائكة وبقيّة المخلوقات</span>\nفي الفصل الماضي بينت العلاقة بين الملائكة وبني آدم، وليس هذا كل ما وُكل إلى الملائكة؛ فإن الملائكة يقومون على مختلف شؤون الكون مما نشاهده، وما لا نشاهده.\nوسأكتفي بذكر بعض ما جاء في ذلك من النصوص.\n١- حملة العرش:\nالعرش أعظم المخلوقات، محيط بالسماوات وفوقها، والرحمن مستو عليه، ويحمله من الملائكة ثمانية: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانيةٌ) [الحاقة: ١٧] (١) .\n٢- ملك الجبال:\nوللجبال ملائكة، وقد أرسل الله ملك الجبال إلى عبده ورسوله محمد ﷺ يستأمره في إهلاك أهل مكة؛ ففي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت للنبي ﷺ: (يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة (٢)، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت.\nفانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا بقرن الثعالب (٣) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.\nقال: فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثمّ قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك، فما\n_________\n(١) وقد سبق أن بيّنا عظيم خلقهم في الفصل الذي تحدثنا فيه عن صفاتهم وقدراتهم.\n(٢) موضع بمنى.\n(٣) موضع بين مكة والطائف.","vol":"1","page":79},{"text":"شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ (١) فقال النبي ﷺ: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) (٢) .\n٣- الموكلون بالقطر والنبات والأرزاق:\nيقول ابن كثير (٣): \" ميكائيل موكل بالقطر والنبات اللذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار، وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، يصرفون الرياح والسحاب، كما يشاء الرب ﷻ.\nومن الملائكة ما هو موكل بالسحاب، ففي سنن الترمذي عن ابن عباس: أن الرسول ﷺ قال: (الرعد ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب حيث شاء الله) (٤)، وقد يسقي بلادًا دون بلاد، أو قرية دون أخرى.\nوقد يؤمر بأن يسقي زرع رجل واحد دون سواه، كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بينا رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان؛ فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءَه في حرّة، فإذا شرجة من تلك الشراج (٥) قد استوعبت ذلك الماء كله.\nفتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته، يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله، ما اسمك؟ قال: فلان، للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله، لِمَ تسألني عن اسمي؟ قال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أمّا إذ قلت هذا، فإني أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثًا، وأرد فيها ثلثه) (٦) .\n_________\n(١) جبلان بمكة.\n(٢) صحيح مسلم: ٣/١٤٢٠. ورقمه: ١٧٩٥. واللفظ له. ورواه البخاري: ٦/٣١٢. ورقمه: ٣٢٣١.\n(٣) البداية والنهاية: ١/٥٠.\n(٤) صحيح سنن الترمذي: ٣/٦٤. ورقمه: ٢٤٩٢.\n(٥) الشرجة: مسيل الماء.\n(٦) صحيح مسلم: ٤/٢٢٨٨. ورقمه: ٢٩٨٤.","vol":"1","page":80},{"text":"وعلى كل فالملائكة موكلون بالسماوات والأرض، فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة، كما قال تعالى: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أمرًا) [النازعات: ٥]، وقال: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أمرًا) [الذاريات: ٤]، ويزعم المكذبون للرسل المنكرون للخالق أن النجوم هي التي تقوم بذلك كله، وكذبوا، فالذي يدبر ذلك كله الملائكة بأمر الله تعالى، كما قال تعالى: (والمرسلات عرفًا - فَالْعَاصِفَاتِ عصفًا - وَالنَّاشِرَاتِ نشرًا - فَالْفَارِقَاتِ فرقًا - فَالْمُلْقِيَاتِ ذكرًا) [المرسلات: ١-٥] .\nوقال: (والنَّازعات غرقًا - والناَّشطات نشطًا - والسَّابحات سبحًا - فالسَّابقات سبقًا - فالمدبِّرات أمرًا) [النازعات: ١-٥]، وقال: (والصَّافَّات صفًا - فالزَّاجرات زجرًا - فالتَّاليات ذكرًا) [الصافّات: ١-٣] .\nفكل هذه الآيات حديث عن الملائكة حال قيامها بتدبير شؤون السماوات والأرض.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>الفصل الخامس المفاضلة بين الملائكة وبني البشر</span>\nالخلاف في المسألة قديم:\nقال ابن كثير (١): \" قد اختلف الناس في تفصيل الملائكة على البشر على أقوال: فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين، والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم.\nوأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص: \" أنّه حضر مجلسًا لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة، فقال عمر: ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم، واستدل بقوله تعالى: (إنَّ الَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحات أولئك هم خير البريَّة) [البينة: ٧] . ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد.\nفقال عراك بن مالك: ما أحد أكرم على الله من ملائكته، هم خدمة دارَيْه، ورسله إلى أنبيائه، واستدل بقوله تعالى: (ما نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عن هذه الشَّجرة إلاَّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) [الأعراف: ٢٠] .\nفقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي: ما تقول أنت يا أبا حمزة؟ فقال: قد أكرم الله آدم فخلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعل من ذريته الأنبياء، والرسل ومن يزوره الملائكة.\nفوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدل بغير دليله \".\nوهذا الذي ذكره ابن كثير من كلام عمر بن عبد العزيز وجلسائه في هذه المسألة يبين الخطأ ما قاله تاج الدين الفزاري، حيث يقول: \" هذه المسألة من بدع علم الكلام، التي لم يتكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلام الأئمة \" (٢)، بل قد ثبت أن بعض الصحابة تكلموا في شيء من ذلك،\n_________\n(١) البداية والنهاية: ١/٥٨.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية: ٣٣٩.","vol":"1","page":85},{"text":"فهذا عبد الله بن سلام يقول: \" ما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد. فقيل له: ولا جبريل ولا ميكائيل؟ \"\nفقال للسائل: \" أتدري ما جبريل وميكائيل؟ إنما جبريل وميكائيل خلق مسخر كالشمس والقمر، وما خلق الله خلقًا أكرم عليه من محمد ﷺ \". رواه الحاكم في مستدركه وصححه هو والذهبي (١) .\nالأقوال في المسألة:\nيذكر شارح الطحاوية أنه ينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء فقط على الملائكة، وأن المعتزلة يفضلون الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين، منهم من يفض الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف، ولا يقطع في ذلك قولًا، وحكي عن بعضهم ميل إلى تفضيل الملائكة، وحكي ذلك عن غيرهم من أهل السنة وبعض الصوفية.\nوقالت الشيعة: إن جميع الأئمة أفضل من جميع الملائكة. ومن الناس من فصّل تفصيلًا آخر.\nولم يقل أحد ممن له قول يؤثر: إن الملائكة أفضل من بعض الأنبياء دون بعض، وذكر أن أبا حنيفة، ﵀، توقف في الجواب عن هذه المسألة، وإلى التوقف جنح شارح الطحاوية ﵀ (٢) .\nوذكر السفاريني (٣) أنّ الإمام أحمد، ﵀، كان يقول: \" يخطئ من فضَّل الملائكة، وقال: كل مؤمن أفضل من الملائكة \".\nموطن النزاع:\nلا خلاف في أن الكفرة والمنافقين غير داخلين في المفاضلة، فهؤلاء أضل من البهائم: (أولئك كالأنعام بل هم أضلُّ) [الأعراف: ١٧٩] .\n_________\n(١) راجع تحقيق الألباني على شرح العقيدة الطحاوية، ص: ٣٤٢.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية: ٣٣٨.\n(٣) لوامع الأنوار البهية: ٢/٣٩٨.","vol":"1","page":86},{"text":"ولا نعني بالمفاضلة: التفضيل بين حقيقة البشر وحقيقة الملائكة، وإنّما المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة، وإن ذهب بعض الناس إلى أن الملائكة أفضل من سائر المؤمنين، والنزاع عندهم في المفاضلة بين الأنبياء والملائكة.\nحجة الذين يفضلون صالحي البشر على الملائكة:\nبعد أن حررنا محل النزاع نبين حجة الذين ذهبوا إلى تفضيل البشر.\nالدليل الأول: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، فلولا فضله لما أمروا بالسجود له: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلاَّ إبليس أبى واستكبر) [البقرة: ٣٤] .\nورد بعضهم أن السجود كان لله، وآدم إنما كان قبلة لهم، ولو كان هذا صحيحًا لقال: اسجدوا إلى آدم، وما قال: (اسجدوا لآدم) [الإسراء: ٦١] .\nولو كان المقصود اتخاذ آدم قبلة لما امتنع من السجود، ولما زعم أنّه خير من آدم، فإنّ القبلة تكون أحجارًا، وليس في اتخاذها قبلة تفضيل لها.\nصحيح أن سجود الملائكة لآدم كان عبادة لله، وطاعة له، وقربة يتقربون بها إليه، إلا أنه تشريف لآدم وتكريم وتعظيم.\nولم يأتِ أن آدم سجد للملائكة، بل لم يؤمر آدم وبنوه بالسجود إلا لله رب العالمين؛ لأنّهم - والله أعلم - أشرف الأنواع، وهم صالحوا بني آدم، ليس فوقهم أحد يحسن السجود له إلا الله رب العالمين.\nالدليل الثاني: قوله قصصًا عن إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هذا الَّذي كرَّمت عَلَيَّ) [الإسراء: ٦٢] فإن هذا نص في تكريم آدم على إبليس إذ أمر بالسجود له.\nالدليل الثالث: أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق الملائكة بكلمته.","vol":"1","page":87},{"text":"الدليل الرابع: قوله تعالى: (إِنِّي جاعلٌ في الأرض خليفةً) [البقرة: ٣٠] . فالخليفة يفضل على من ليس خليفة، وقد طلبت الملائكة أن يكون الاستخلاف فيهم، والخليفة منهم حيث قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) [البقرة: ٣٠] فلولا أن الخلافة درجة عالية أعلى من درجاتهم لما طلبوها وغبطوا صاحبها.\nالدليل الخامس: تفضيل بني آدم عليهم بالعلم حين سألهم الله ﷿ عن علم الأسماء، فلم يجيبوه؛ بل اعترفوا أنهم لا يحسنونها، فأنبأهم آدم بذلك، وقد قال تعالى: (قل هل يستوي الَّذين يعلمون والَّذين لا يعلمون) [الزمر: ٩] .\nالدليل السادس: ومما يدل على تفضيلهم أن طاعة البشر أشقّ، والأشق أفضل، فإن البشر مجبولون على الشهوة، والحرص، والغضب، والهوى، وهي مفقودة في الملك.\nالدليل السابع: أن السلف كانوا يحدثون الأحاديث المتضمنة فضل صالحي البشر على الملائكة، وتروى على رؤوس الناس، ولو كان هذا منكرًا لأنكروه، فدلّ على اعتقادهم ذلك.\nالدليل الثامن: مباهاة الله بهم الملائكة: فالله يباهي بعباده الملائكة، إذا أدوا ما أوجبه عليهم وأمرهم به. فإذا صلوا الفريضة باهى بهم الملائكة، ففي المسند وابن ماجة عن عبد الله: أن الرسول ﷺ قال: (ابشروا، هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى) (١) .\nوعن أبي هريرة: أن الرسول ﷺ قال: (إن الله يباهي بأهل عرفات\n_________\n(١) صحيح الجامع: ١/٦٧.","vol":"1","page":88},{"text":"أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثًا غبرًا) . إسناده صحيح، رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم، والبيهقي في السنن (١) .\nوالذين فضلوا الملائكة احتجوا بمثل حديث: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) .\nواحتجوا بأن بني آدم فيهم النقص والقصور، وتقع منهم الزلات والهفوات، واحتجوا بمثل قوله تعالى: (ولا أقول لكم إِنِّي ملك) [الأنعام: ٥٠] . وهذا يدل على فضل الملائكة على البشر.\nتحقيق القول في ذلك:\nوتحقيق القول في ذلك ما ذكره ابن تيمية من أن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلا، وحياهم الرحمن، وخصهم بمزيد قربه، وتجلى لهم، يستمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم.\nوالملائكة أفضل باعتبار البداية، فإن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى، منزهون عمّا يلابسه بنو آدم، مستغرقون في عبادة الرب، ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر.\nقال ابن القيم: وبهذا التفصيل يتبين سرّ التفضيل، وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه (٢) . والله أعلم بالصواب.\n_________\n(١) صحيح الجامع: ٢/١٤١.\n(٢) ومن أراد مزيدًا من البحث في هذه المسألة فليرجع إلى (مجموع الفتاوى): ١١/٣٥٠، وإلى (لوامع الأنوار البهية: ٢/٣٦٨)، وإلى (شرح العقيدة الطحاوية: ٣٣٨) . وقد طبع كتاب السيوطي (الحبائك في أخبار الملائك) . وفيه مبحث طويل في المفاضلة بين الملائكة وبني آدم من ص: ٢٠٣ إلى ص: ٢٥١.","vol":"1","page":89}]}