{"ً":{"ٌ":9983,"ٍ":"منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: منهاج المحدثين في القرن الأول الهجري وحتى عصرنا الحاضر\nالمؤلف: على عبد الباسط مزيد\nالناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب\nالطبعة: -\nعدد الصفحات: ٤٩٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1996,"ٕ":10,"ٖ":1770155792,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"التمهيد","level":1,"page":6},{"title":"الفصل الأول: منكرو السنة والرد عليهم","level":2,"page":6},{"title":"المبحث الأول: مزاعم منكري السنة قديما، والرد عليها","level":3,"page":6},{"title":"المبحث الثاني: منكرو السنة حديثا، وتفنيد مزاعمهم","level":3,"page":15},{"title":"الفصل الثاني: مكانة السنة في التشريع الإسلامي","level":2,"page":21},{"title":"الباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري","level":1,"page":29},{"title":"الفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة","level":2,"page":29},{"title":"الفصل الثاني: كتابة السنة في العهد النبوي","level":2,"page":31},{"title":"الفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي","level":2,"page":37},{"title":"الفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم","level":2,"page":42},{"title":"الفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث في القرن الأول الهجري","level":2,"page":50},{"title":"الفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف","level":2,"page":53},{"title":"الفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف","level":2,"page":64},{"title":"الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف","level":2,"page":79},{"title":"أبو هريرة راوية الإسلام","level":3,"page":79},{"title":"عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄","level":3,"page":96},{"title":"أنس بن مالك ﵁","level":3,"page":115},{"title":"عائشة ﵂","level":3,"page":125},{"title":"عبد الله بن عباس ﵄","level":3,"page":135},{"title":"جابر بن عبد الله","level":3,"page":152},{"title":"أبو سعيد الخدرى","level":3,"page":157},{"title":"الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف","level":2,"page":160},{"title":"الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف","level":2,"page":161},{"title":"مدخل","level":3,"page":161},{"title":"دور أم المؤمنين عائشة ﵂ في رواية الحديث","level":3,"page":162},{"title":"دور أم المؤمنين أم سلمة ﵂ في رواية الحديث","level":3,"page":174},{"title":"دور أم المؤمنين ميمونة ﵂ في رواية الحديث","level":3,"page":178},{"title":"دور أم المؤمنين حبيبة ﵂","level":3,"page":181},{"title":"دور أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂","level":3,"page":183},{"title":"دور أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂","level":3,"page":185},{"title":"دور أم المؤمنين صفية ﵂","level":3,"page":187},{"title":"دور أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂","level":3,"page":189},{"title":"دور أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂","level":3,"page":190},{"title":"الفصل الحادى عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين ﵂ في الرواية","level":2,"page":192},{"title":"الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري","level":1,"page":193},{"title":"الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر","level":2,"page":193},{"title":"الفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر، ومنهج العلماء في التصنيف","level":2,"page":195},{"title":"الفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السنة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري","level":2,"page":198},{"title":"الفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري","level":2,"page":201},{"title":"الفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين","level":2,"page":205},{"title":"الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين","level":2,"page":207},{"title":"الفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في الحديث وعلومه","level":2,"page":211},{"title":"مدخل","level":3,"page":211},{"title":"الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي","level":3,"page":216},{"title":"الإمام الشافعى\"١٥٠-٢٠٤هـ\"","level":3,"page":221},{"title":"الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزى، ثم البغدادي \"١٦٤-٢٤١هـ\"","level":3,"page":224},{"title":"الباب الثالث: منهاج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر","level":1,"page":231},{"title":"الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري","level":2,"page":231},{"title":"المبحث الأول: أهم المشكلات التى واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري","level":3,"page":231},{"title":"المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري","level":3,"page":237},{"title":"المبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري","level":3,"page":239},{"title":"المبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجرى ومناهجهم","level":3,"page":243},{"title":"أولا: الإمام البخاري \"١٩٤-٢٥٦هـ\"","level":4,"page":243},{"title":"ثانيا: الإمام مسلم \"١٢٠٦- ٢٦١هـ\"","level":4,"page":260},{"title":"مقارنة بين الصحيحين","level":4,"page":280},{"title":"ثالثا: أبو داود السجستاني \"٢٠٢-٢٧٥هـ\"","level":4,"page":308},{"title":"رابعا: أبو عيسى الترمذي \"٢٠٩-٢٧٩ هـ\"","level":4,"page":330},{"title":"خامسا: أحمد بن شعيب النسائي \"٢١٥-٣٠٣هـ\"","level":4,"page":346},{"title":"سادسا: ابن ماجه \"٢٠٩-٢٧٣هـ\"","level":4,"page":367},{"title":"سابعا: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل \"١٦٤-٢٤١هـ\"","level":4,"page":373},{"title":"الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري","level":2,"page":388},{"title":"ابن خزيمة","level":3,"page":388},{"title":"الطحاوى","level":3,"page":392},{"title":"الدارقطني","level":3,"page":394},{"title":"الطبراني","level":3,"page":398},{"title":"ابن حبان","level":3,"page":400},{"title":"ابن السكن","level":3,"page":402},{"title":"الحاكم النيسابورى \"٣٢١-٤٠٥هـ\"","level":3,"page":403},{"title":"الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى السقوط الخلافة العباسية [من عام \"٤٠٠هـ\" حتى عام \"٦٥٦هـ\"]","level":2,"page":406},{"title":"الجمع بين الصحيحين","level":3,"page":406},{"title":"الجمع بين الكتب الستة","level":3,"page":407},{"title":"الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة","level":3,"page":408},{"title":"كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ، ومنها","level":3,"page":410},{"title":"كتب الأطراف","level":3,"page":412},{"title":"الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر","level":2,"page":413},{"title":"المبحث الأول: السنة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١ هـ","level":3,"page":413},{"title":"مدخل","level":4,"page":413},{"title":"أولا: منهج العلماء في خدمة السنة في هذه الفترة","level":4,"page":414},{"title":"ثانيا: طريقة العلماء في خدمة الحديث الشريف في هذه الفترة","level":4,"page":420},{"title":"المبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السنة بعد عام \"٩١١هـ\" حتى آخر القرن الرابع عشر الهجري","level":3,"page":428},{"title":"المبحث الثالث: دور أشهر الممالك التى كان لها أثر ملموس في خدمة السنة في هذا العصر","level":3,"page":431},{"title":"دور مصر في العناية بالسنة وعلومها","level":4,"page":431},{"title":"دور علماء الهند في العناية بالسنة","level":4,"page":433},{"title":"دور المملكة العربية السعودية في خدمة السنة","level":4,"page":434},{"title":"المبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السنة في العصر الحاضر","level":3,"page":435},{"title":"قائمة بأسماء المصادر والمراجع","level":1,"page":440},{"title":"الفهرس","level":1,"page":468}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,9":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,13":6,"1,14":7,"1,15":8,"1,16":9,"1,17":10,"1,18":11,"1,19":12,"1,20":13,"1,21":14,"1,23":15,"1,24":16,"1,25":17,"1,26":18,"1,27":19,"1,28":20,"1,29":21,"1,30":22,"1,31":23,"1,32":24,"1,33":25,"1,34":26,"1,35":27,"1,36":28,"1,37":29,"1,38":30,"1,39":31,"1,40":32,"1,41":33,"1,42":34,"1,43":35,"1,44":36,"1,45":37,"1,46":38,"1,47":39,"1,48":40,"1,49":41,"1,51":42,"1,52":43,"1,53":44,"1,54":45,"1,55":46,"1,56":47,"1,57":48,"1,58":49,"1,59":50,"1,60":51,"1,61":52,"1,63":53,"1,64":54,"1,65":55,"1,66":56,"1,67":57,"1,68":58,"1,69":59,"1,70":60,"1,71":61,"1,72":62,"1,73":63,"1,75":64,"1,76":65,"1,77":66,"1,78":67,"1,79":68,"1,80":69,"1,81":70,"1,82":71,"1,83":72,"1,84":73,"1,85":74,"1,86":75,"1,87":76,"1,88":77,"1,89":78,"1,91":79,"1,92":80,"1,93":81,"1,94":82,"1,95":83,"1,96":84,"1,97":85,"1,98":86,"1,99":87,"1,100":88,"1,101":89,"1,102":90,"1,103":91,"1,104":92,"1,105":93,"1,106":94,"1,107":95,"1,108":96,"1,109":97,"1,110":98,"1,111":99,"1,112":100,"1,113":101,"1,114":102,"1,115":103,"1,116":104,"1,117":105,"1,118":106,"1,119":107,"1,120":108,"1,121":109,"1,122":110,"1,123":111,"1,124":112,"1,125":113,"1,126":114,"1,127":115,"1,128":116,"1,129":117,"1,130":118,"1,131":119,"1,132":120,"1,133":121,"1,134":122,"1,135":123,"1,136":124,"1,137":125,"1,138":126,"1,139":127,"1,140":128,"1,141":129,"1,142":130,"1,143":131,"1,144":132,"1,145":133,"1,146":134,"1,147":135,"1,148":136,"1,149":137,"1,150":138,"1,151":139,"1,152":140,"1,153":141,"1,154":142,"1,155":143,"1,156":144,"1,157":145,"1,158":146,"1,159":147,"1,160":148,"1,161":149,"1,162":150,"1,163":151,"1,164":152,"1,165":153,"1,166":154,"1,167":155,"1,168":156,"1,169":157,"1,170":158,"1,171":159,"1,173":160,"1,174":161,"1,175":162,"1,176":163,"1,177":164,"1,178":165,"1,179":166,"1,180":167,"1,181":168,"1,182":169,"1,183":170,"1,184":171,"1,185":172,"1,186":173,"1,187":174,"1,188":175,"1,189":176,"1,190":177,"1,191":178,"1,192":179,"1,193":180,"1,194":181,"1,195":182,"1,196":183,"1,197":184,"1,198":185,"1,199":186,"1,200":187,"1,201":188,"1,202":189,"1,203":190,"1,204":191,"1,205":192,"1,207":193,"1,208":194,"1,209":195,"1,210":196,"1,211":197,"1,213":198,"1,214":199,"1,215":200,"1,217":201,"1,218":202,"1,219":203,"1,220":204,"1,221":205,"1,222":206,"1,223":207,"1,224":208,"1,225":209,"1,226":210,"1,227":211,"1,228":212,"1,229":213,"1,230":214,"1,231":215,"1,232":216,"1,233":217,"1,234":218,"1,235":219,"1,236":220,"1,237":221,"1,238":222,"1,239":223,"1,240":224,"1,241":225,"1,242":226,"1,243":227,"1,244":228,"1,245":229,"1,246":230,"1,249":231,"1,250":232,"1,251":233,"1,252":234,"1,253":235,"1,254":236,"1,255":237,"1,256":238,"1,257":239,"1,258":240,"1,259":241,"1,260":242,"1,261":243,"1,262":244,"1,263":245,"1,264":246,"1,265":247,"1,266":248,"1,267":249,"1,268":250,"1,269":251,"1,270":252,"1,271":253,"1,272":254,"1,273":255,"1,274":256,"1,275":257,"1,276":258,"1,277":259,"1,279":260,"1,280":261,"1,281":262,"1,282":263,"1,283":264,"1,284":265,"1,285":266,"1,286":267,"1,287":268,"1,288":269,"1,289":270,"1,290":271,"1,291":272,"1,292":273,"1,293":274,"1,294":275,"1,295":276,"1,296":277,"1,297":278,"1,298":279,"1,299":280,"1,300":281,"1,301":282,"1,302":283,"1,303":284,"1,304":285,"1,305":286,"1,306":287,"1,307":288,"1,308":289,"1,309":290,"1,310":291,"1,311":292,"1,312":293,"1,313":294,"1,314":295,"1,315":296,"1,316":297,"1,317":298,"1,318":299,"1,319":300,"1,320":301,"1,321":302,"1,322":303,"1,323":304,"1,324":305,"1,325":306,"1,326":307,"1,327":308,"1,328":309,"1,329":310,"1,330":311,"1,331":312,"1,332":313,"1,333":314,"1,334":315,"1,335":316,"1,336":317,"1,337":318,"1,338":319,"1,339":320,"1,340":321,"1,341":322,"1,342":323,"1,343":324,"1,344":325,"1,345":326,"1,346":327,"1,347":328,"1,348":329,"1,349":330,"1,350":331,"1,351":332,"1,352":333,"1,353":334,"1,354":335,"1,355":336,"1,356":337,"1,357":338,"1,358":339,"1,359":340,"1,360":341,"1,361":342,"1,362":343,"1,363":344,"1,364":345,"1,365":346,"1,366":347,"1,367":348,"1,368":349,"1,369":350,"1,370":351,"1,371":352,"1,372":353,"1,373":354,"1,374":355,"1,375":356,"1,376":357,"1,377":358,"1,378":359,"1,379":360,"1,380":361,"1,381":362,"1,382":363,"1,383":364,"1,384":365,"1,385":366,"1,387":367,"1,388":368,"1,389":369,"1,390":370,"1,391":371,"1,392":372,"1,393":373,"1,394":374,"1,395":375,"1,396":376,"1,397":377,"1,398":378,"1,399":379,"1,400":380,"1,401":381,"1,402":382,"1,403":383,"1,404":384,"1,405":385,"1,406":386,"1,407":387,"1,409":388,"1,410":389,"1,411":390,"1,412":391,"1,413":392,"1,414":393,"1,415":394,"1,416":395,"1,417":396,"1,418":397,"1,419":398,"1,420":399,"1,421":400,"1,422":401,"1,423":402,"1,424":404,"1,425":405,"1,427":406,"1,428":408,"1,429":409,"1,430":411,"1,431":412,"1,433":413,"1,434":414,"1,435":415,"1,436":416,"1,437":417,"1,438":418,"1,439":419,"1,440":420,"1,441":421,"1,442":422,"1,443":423,"1,444":424,"1,445":425,"1,446":426,"1,447":427,"1,449":428,"1,450":429,"1,451":430,"1,453":431,"1,454":432,"1,455":433,"1,456":434,"1,457":435,"1,458":436,"1,459":437,"1,460":438,"1,461":439,"1,463":440,"1,464":441,"1,465":442,"1,466":443,"1,467":444,"1,468":445,"1,469":446,"1,470":447,"1,471":448,"1,472":449,"1,473":450,"1,474":451,"1,475":452,"1,476":453,"1,477":454,"1,478":455,"1,479":456,"1,480":457,"1,481":458,"1,482":459,"1,483":460,"1,484":461,"1,485":462,"1,486":463,"1,487":464,"1,488":465,"1,489":466,"1,490":467,"1,491":468,"1,492":469,"1,493":470},"ٜ":{"1":[7,493]},"ٝ":["1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,213","1,214","1,215","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,423","1,424","1,425","1,427","1,427","1,428","1,429","1,429","1,430","1,431","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,449","1,450","1,451","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2,3,4],"15":[5],"21":[6],"29":[7,8],"31":[9],"37":[10],"42":[11],"50":[12],"53":[13],"64":[14],"79":[15,16],"96":[17],"115":[18],"125":[19],"135":[20],"152":[21],"157":[22],"160":[23],"161":[24,25],"162":[26],"174":[27],"178":[28],"181":[29],"183":[30],"185":[31],"187":[32],"189":[33],"190":[34],"192":[35],"193":[36,37],"195":[38],"198":[39],"201":[40],"205":[41],"207":[42],"211":[43,44],"216":[45],"221":[46],"224":[47],"231":[48,49,50],"237":[51],"239":[52],"243":[53,54],"260":[55],"280":[56],"308":[57],"330":[58],"346":[59],"367":[60],"373":[61],"388":[62,63],"392":[64],"394":[65],"398":[66],"400":[67],"402":[68],"403":[69],"406":[70,71],"407":[72],"408":[73],"410":[74],"412":[75],"413":[76,77,78],"414":[79],"420":[80],"428":[81],"431":[82,83],"433":[84],"434":[85],"435":[86],"440":[87],"468":[88]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n...\nبسم الله الرحمن الرحيم\nتقديم:\nالحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.\nوأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الذي بعثه الله في الأميين رسولًا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.. أما بعد،\nلقد أمرنا الله تعالى باتباع رسوله دون مراء، وطاعته دون جدال، فقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وحذرنا من مخالفته بالفتنة أو العذاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فلا ينبغي لمؤمن أن يتردد في الاحتكام إلى شرعه، والالتزام بمنهجه وهديه. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .\nولا يشك مسلم في أن شرع الله تعالى وهديه يتمثل في القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، وقال ﷺ: \"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه\"، فالكتاب والسُّنَّة هما الشرع الحنيف، والدين القيم، من تمسك بهما رشد، ومن حكم بهما عدل، ومن عمل بهما أُجر، ومن التزم بهما هُدي إلى صراط مستقيم، قال ﷺ: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي\".","vol":"1","page":7},{"text":"ولقد أدرك السلف قدر السُّنَّة ومكانتها -فضلًا عن القرآن الكريم- فحفظوها في الصدور، ودونوها في السطور، ورَعَوْها حق رعايتها، فكانت مصدر قوتهم، وسر هيبتهم.\nومن الغريب والعجيب أننا في الوقت الذي نرى فيه عناية؛ بل ومفاخرة غير المسلمين بتراثهم الحضاري والثقافي والعلمي -نرى نابتة تزعم الانتساب إلى الإسلام تهاجم موروثها الديني، وتعمل جاهدة للنيل منه والحط من قدره؛ بل وتسعى للخلاص منه.\nوهؤلاء وُلدوا في بلادنا، ويتكلمون بلغتنا؛ ولكنهم تغذوا فكر الكفرة والمشركين والملاحدة، فنمت أعوادهم مائلة إليهم، وجندوا أنفسهم الخبيثة وأقلامهم الملوثة للثرثرة في وسائل الإعلام والنشر المختلفة، ومن حين لآخر يختلقون المشاكل ليُسقطوا من بناء الإسلام لَبِنة، ومن مهابته في النفوس جزءًا، وقد اتخذت هذه الفئة الضالة مسالك شتى للوصول إلى أغراضهم، وللالتفات حول الإسلام جميعًا، فمنهم من جنَّد نفسه للنيل من قدسية القرآن الكريم، وسوء تأويله، ومنهم من جند نفسه للنيل من قدسية الحديث الشريف، أو التشكيك في الصحيح منه، وهؤلاء لا يخرجون عن ثلاثة أصناف: صنف جاهل غبي افتتن بحب الظهور، وصنف ملحد يدعو إلى الإلحاد لهوى في نفسه، وصنف مأجور لخدمة غير المسلمين الطامعين.\nوقد قيض الله تعالى لهؤلاء وأمثالهم في كل عصر مَن يتصدى لهم، ويفضح أمرهم، ويحذِّر المسلمين منهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .\nويوضح هذا البحث مدى عناية السلف والخلف -رجالًا ونساء- بالحديث النبوي الشريف، تدوينًا وتوثيقًا ورواية وغير ذلك، وأنهم بذلوا جهودًا كبيرة جدًّا من أجل خدمة السُّنَّة النبوية، والمحافظة عليها، والذود عنها في حياة النبي -ﷺ- وبعد مماته.","vol":"1","page":8},{"text":"- وقد جاء هذا البحث في مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب:\nالمقدمة: فيها التنبيه على أهمية التمسك بالسُّنَّة النبوية باعتبارها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وأنها نالت عناية السلف في الصدر الأول للإسلام، والتنبيه أيضًا على أن هناك مشوشين يسعون للنيل من السُّنَّة المطهرة، وأن علماء المسلمين المتخصصين تعقبوا هذه الفئة الضالة، وفندوا كافة مزاعمهم، وردوهم على أعقابهم خاسرين.\nالتمهيد: وفيه فصلان:\nالفصل الأول: منكرو السُّنَّة والرد عليهم، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مزاعم منكري السُّنَّة قديمًا والرد عليها.\nالمبحث الثاني: منكرو السُّنَّة حديثًا، وتفنيد مزاعمهم.\nالفصل الثاني: مكانة السُّنَّة في التشريع الإسلامي.\nالباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري:\nوفيه أحد عشر فصلًا:\nالفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة.\nالفصل الثاني: كتابة السُّنَّة في العهد النبوي.\nالفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي.\nالفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم.\nالفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث الشريف في القرن الأول الهجري.\nالفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف.\nالفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف.","vol":"1","page":9},{"text":"الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف.\nالفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف.\nالفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف.\nالفصل الحادي عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين في الرواية.\nالباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري:\nوفيه سبعة فصول:\nالفصل الأول: المستجدات في هذا العصر.\nالفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر، ومنهج العلماء في التصنيف.\nالفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري.\nالفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري.\nالفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين.\nالفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين.\nالفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في علوم الحديث.\nالباب الثالث: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر:\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري:\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: أهم المشكلات التي واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري.","vol":"1","page":10},{"text":"المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري.\nالمبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري.\nالمبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجري، ومناهجهم.\nوفيه: الإمام البخاري، والإمام مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد بن حنبل.\nالفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري.\nالفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس وحتى سقوط الخلافة العباسية.\nالفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية حتى عصرنا الحاضر:\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: السُّنَّة من عام \"٦٥٦هـ\" حتى عام \"٩١١هـ\".\nالمبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السُّنَّة بعد عام \"٩١١هـ\" وحتى آخر القرن الرابع الهجري.\nالمبحث الثالث: دور أشهر الممالك التي كان لها أثر ملموس في خدمة السُّنَّة في هذا العصر.\nالمبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السُّنَّة في العصر الحاضر.\nوالله الموفق والمستعان\nدكتور/ علي عبد الباسط مزيد","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: منكرو السنة والرد عليهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: مزاعم منكري السنة قديما، والرد عليها</span>\n...\nالتمهيد:\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: منكرو السُّنَّة والرد عليهم\nلأهمية السُّنَّة في بناء التشريع الإسلامي اهتمت بها الأمة اهتمامًا بالغًا، وسخروا لها كافة جهودهم وكل طاقاتهم، ابتداء من الصحابة رضوان الله عليهم، وتمخض عن هذا الاهتمام علوم عظيمة غايتها البحث في معاني الأحاديث النبوية الشريفة، وشكلها، وطريقة روايتها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ولم يوجد رجل أو امرأة ممن روى الحديث الشريف إلا وله ترجمة خضعت لبحث دقيق من كل ناحية. ورغم ذلك ظهر في كل عصر من ينكر السُّنَّة، ويطالب بالاكتفاء بالقرآن الكريم، بحجة أن السُّنَّة لم تنقل إلينا كما ينبغي، وهذا افتراء يدحضه عديد من الأدلة، ونوضح ذلك من خلال المبحثين الآتيين:\nالمبحث الأول: مزاعم منكري السُّنَّة قديمًا، والرد عليها\nمن يتأمل كلام منكري السُّنَّة قديمًا يجدهم يركزون على عدة مزاعم؛ هي:\nالأول: أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي يفهمه مَن عرف العربية، وتفقه فيها، وقد ورد إلينا ورودًا قطعيًّا لا شك فيه، فلا حاجة إلى السُّنَّة كي تبينه.\nالثاني: أن الله تعالى قد نص في كتابه العزيز على أنه قد حوى كل شيء، وفيه تبيان كل شيء.\nالثالث: أن السُّنَّة قد وردت إلينا ورودًا ظنيًّا؛ لأنها نقلت عن طريق الرواة الذين يخطئون وينسون ويكذبون، فالرواية باطلة، وما تنقله باطل لا يصح الاحتجاج به.","vol":"1","page":13},{"text":"الرابع: كيف نسوي بين القرآن الكريم الذي ورد ورودًا قطعيًّا، والسُّنَّة التي وردت ورودًا ظنيًّا، ونخصص بها عام الكتاب، أو نقيد مطلقه؟ ١\nوقد تصدى كثير من الأئمة والعلماء -قديمًا وحديثًا- بالرد على منكري السُّنَّة وتفنيد مزاعمهم.. ونتخير من هذه الردود رد الإمام الشافعي، والعالِم الحجة ابن أبي حاتم الرازي.\nأولًا: رد الإمام الشافعي\nيعتبر رد الإمام الشافعي من أبلغ الردود وأبين المناقشات قديمًا. ومجمل رده ومناقشته لهم ينحصر فيما يلي٢:\nأولًا: أن الله تعالى نص في القرآن الكريم على السُّنَّة، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]، ونحوه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] فالعطف هنا على مغاير، فالكتاب غير الحكمة، ولا يُسلَّم للمعترضين أن الكتاب والحكمة لفظان يدلان على معنى واحد، وأن الحكمة هي الكتاب.\nفهذا الاعتراض مدفوع بما جاء في آيات أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فالحكمة هي السُّنَّة، وآيات الله هي القرآن الكريم، والمراد بالتلاوة القراءة، ولو صح قولهم لكانت الكلمات الثلاث \"آياته، الكتاب، الحكمة\" مترادفات، وهي جميعًا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] والقول باشتمال آية واحدة على ثلاثة مترادفات غير معهود في الأسلوب القرآني، ويتنافى مع إيجاز القرآن وبلاغته٣.\n_________\n١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص ١٨٩\".\n٢ راجع ذلك مفصلًا في: توثيق السُّنَّة في القرن الثاني الهجري \"ص٧٧-١٠٢\".\n٣ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص١٩٢\".","vol":"1","page":14},{"text":"وإذا كان القرآن الكريم اشتمل على السُّنَّة، فيجب علينا أن نأخذ بها، وألا نكون كمن آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعض، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] .\nثانيًا١: قد فرض الله تعالى علينا اتباع النبي -ﷺ- فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .\nفهذه الآيات ونحوها تدل على أن هناك أحكامًا وأوامر للرسول -ﷺ- ليست في القرآن، ويجب علينا اتباعها تنفيذًا لأوامر الله تعالى في كتابه العزيز، ولا يمكن اتباعها إلا بأخذها من الرواة الذين نقلوها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب -كما يقول الأصوليون.\nوليس المراد من حكم الرسول -ﷺ- وطاعته في الآيات هو الحكم بما أنزل الله في كتابه، وطاعته فيما يبلغهم من كتاب الله -﷿- كما يزعم لمعترضون، ولو سلمنا ذلك جدلًا، فإنا لا نجد السبيل إلى تطبيق أحكام الله -﷿- على الوجه الأكمل إلا إذا اقتدينا بالرسول -ﷺ- القدوة الحسنة والوقوف على سنته والأخذ بها، وطريقنا إليها هو الرواية عن رسول الله ﷺ.\nثالثًا: هناك بعض الأحكام التي نُسخت في القرآن الكريم وجاءت مكانها أحكام أخرى، ولم يبين هذا النسخ إلا السُّنَّة؛ مما يجعلنا في حاجة إلى الأخذ بها.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا","vol":"1","page":15},{"text":"الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فالآية تفرض وتقرر على المؤمنين أن يوصوا لوالديهم وأقربائهم إذا أحسوا بدنوِّ الأجل، وجاءت السُّنَّة بنسخ الوصية للوالدين والأقربن، فقال النبي ﷺ: \"لا وصية لوارث\" ١، ولا دليل على هذا النسخ إلا بالسُّنَّة، فتطبيق حكم الله على الوجه الأكمل لا يكون إلا بالأخذ بالسُّنَّة، وذلك حتى لا يُعمل بآية قد نسخ الشرع حكمها.\nرابعًا: وصرحوا بما هو حق؛ ولكنهم سرعان ما حوَّروه إلى باطل، فقالوا: إن السُّنَّة تخصص العام في القرآن الكريم، والقرآن قطعي الورود، والسُّنَّة ظنية الثبوت؛ فلهذا تُرد السُّنَّة؛ لأن القرآن قطعي وهي ظنية.\nوهؤلاء يعارضون أنفسهم بأنفسهم؛ لأنهم يتفقون -مع غيرهم- على أن حرمة الدم والمال مقطوع بهما، ومتفقون على أنه إذا شهد اثنان على إنسان بأنه قتل آخر عمدًا، فإنه يباح دمه ويُقتل قَصاصًا، وإذا شهد اثنان على إنسان بأنه انتهب مالًا عوقب ويؤخذ من ماله بقدر ما أخذ، وقد حكمنا بذلك بناء على ظننا أن الشاهدين صادقان، فهذا تخصيص قطعي بظني: القطعي هو حرمة الدم والمال، والظني هو شهادة الشهود، ومنكرو السُّنَّة يعترفون بذلك ويقبلونه، فلِمَ يرفضون السُّنَّة بحجة أنها ظنية والقرآن قطعي؟!\n_________\n١ هذا الحديث جزء من حديث طويل في خطبة الوداع بدايته: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" الحديث، رواه أبو داود في \"١٧\" كتاب البيوع والإجارات: باب في تضمين العارية - حديث رقم \"٣٥٦٥\"، والترمذي في \"٣١\" كتاب الوصايا \"٥\" باب ما جاء لا وصية لوارث - حديث رقم \"٢١٢٠\" من حديث أبي أمامة، وقال الترمذي: وفي الباب عن عمرو بن خارجة، وأنس، وهو حديث حسن صحيح ... ثم رواه الترمذي من حديث عمرو بن خارجة بنحو حديث أبي أمامة مطولًا \"٢١٢١\" وقال: هذا حديث صحيح.\nورواه النسائي في المجتبى \"٣٠\" كتاب الوصايا \"٥\" باب إبطال الوصية للوارث - من حديث عمرو بن خارجة بالطرف المذكور فقط \"٣٤٦١، ٣٤٦٢، ٣٤٦٣\"، ورواه ابن ماجه في \"٢٢\" كتاب الوصايا \"٦\" باب لا وصية لوارث - من حديث عمرو بن خارجة بنحو حديث الترمذي \"٢٧١٢\"، ومن حديث أبي أمامة بالطرف المذكور \"٢٧١٣\"، ومن حديث أنس بن مالك مختصر أيضًا \"٢٧١٤\"، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة \"٢/ ٣٦٨\": هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.","vol":"1","page":16},{"text":"ولا شك أن في الأخبار أو الأحاديث احتمال الخطأ والوهم والكذب؛ ولكن العلماء وضعوا ضوابط ومقاييس كثيرة للتثبت والتأكد من عدالة الرواة وضبطهم؛ بحيث يصبح نقل الحديث على وجه الصحة أكثر تأكيدًا من أداء الشهادة على الوجه الصحيح، ومنكرو السُّنَّة لا يختلفون في صحة الشهادة، فكيف يختلفون في صحة رواية السُّنَّة ونسبة الظن فيها أقل من نسبة الظن في الشهادة؟!\nفالقرآن الكريم نص على اتباع الرسول -ﷺ- ويكون ذلك باتباع ما صدر عنه من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، ونحن لا نعرف ذلك إلا بالرواية التي نالت عناية فائقة من الأئمة العلماء الذين وضعوا كافة الأسس والضوابط والمقاييس التي تبين حال كل واحد من رواة الحديث الشريف من حيث العدالة والضبط والإتقان ... إلخ.\nثانيًا: مناقشة الإمام ابن أبي حاتم الرازي للمنكرين للسُّنَّة\nعاش ابن أبي حاتم في القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجريين، وهو من أبرز الحريصين على نقل الرواية الصحيحة، وله مناقشات هامة في إثبات مشروعية الرواية في مقدمة كتابه \"الجرح والتعديل\" \"١/ ١/ ١-١٣\" ويمكننا توضيحها فيما يلي:\nأولًا: قد جعل الله تعالى المسلمين عدولًا يُعتمد على شهادتهم وروايتهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ومعنى الوسط: العدل، وهم كذلك بتمسكهم بمبادئ دينهم، فهم يشهدون يوم القيامة على الأنبياء بأنهم بلغوا عن ربهم رسالاته إلى الناس بناء على إخبار الله ورسوله لهم بذلك، وإذا كان الله تعالى جعلهم عدولًا وقَبِلَ روايتهم وأخبارهم التي رَوَوْها عن رسول الله -ﷺ- فإنه أحرى بنا أن نقبل روايتهم؛ لأنها نوع من الشهادة.","vol":"1","page":17},{"text":"وروى ابن أبي حاتم في تفسير الآية السابقة بإسناده عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي أنه قال ﷺ: \"يُدعى نوح -﵇- يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيُقال لنوح ﵇: مَن يشهد لك؟ فيقول: محمد -ﷺ- وأمته، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ \" قال: \"الوسط: العدل، فتُدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم يشهد عليكم بعد\".\nقال ابن أبي حاتم: لما أخبر الله -﷿- أنه جعل هذه الأمة عدلًا في شهادتهم بتبليغ رسلهم رسالات ربهم بَانَ أن السُّنَّة تصح بالأخبار المروية؛ إذ كانت هذه الأمة إنما علمت بتبليغ الأنبياء رسالات ربهم بإخبار نبيهم ﷺ.\nوقد أشار الله تعالى إلى أن الأخبار لا تؤخذ إلا من العُدول؛ لأن هذا يجعلنا نطمئن إلى سلامة ما نُقل إلينا من التغيير والتحريف والتبديل١.\nثانيًا: قد حث الله تعالى المؤمنين بأن يَنْقُل من فَقُه أو تعلَّم من الرسول -ﷺ- إلى الآخرين الذين لم يتمكنوا من ذلك، وعملية النقل هذه هي الرواية، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] .\nروى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس ٠رضي الله عنهما- أنه قال في تفسير هذه الآية: \"لتنفر طائفة ولتمكث طائفة مع رسول الله -ﷺ- فالماكثون مع رسول الله -ﷺ- هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون قومهم إذا رجعوا إليهم من الغزو لعلهم يحذرون ما أنزل من بعدهم من قضاء الله -﷿- وكتابه وحدوده\".\nقال ابن أبي حاتم: \"قد أمر الله -﷿- المتخلفين مع نبيه -ﷺ- عمن خرج غازيًا أن يخبروا إخوانهم الغازين إذا رجعوا إليهم بما سمعوا من رسول الله -ﷺ- من سنته، فدل ذلك على أن السنن تصح بالإخبار\".\n_________\n١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص١٩٧\".","vol":"1","page":18},{"text":"وفي رواية لابن عباس -﵄- قال في تفسير الآية الكريمة: \"كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة، فيأتون النبي -ﷺ- فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم، ويقولون لنبي الله ﷺ: ما تأمرنا أن نفعله؟ وأخبِرنا ما نقول لعشائرنا ... فيأمرهم نبي الله بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتَوا قومهم نادَوا: أن من أسلم فهو منا، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه، وكان رسول الله -ﷺ- يخبرهم، وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة\".\nثالثًا: قد كان النبي -ﷺ- يعتمد على رواية أخبار العدول، وينفذ بمقتضاها بعض الأحكام، وإذا كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك فنحن نتأسى به، ونقبل السُّنَّة التي تأتينا عن طريق الرواة العدول، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .\nروى ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قوله: \"كان رسول الله -ﷺ- بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا ليتلقوا رسول الله -ﷺ- وأنه لما حُدِّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع إلى رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله! إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله -ﷺ- غضبًا شديدًا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله! إنا حُدِّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن يكون رده كتاب جاءه منك بغضب علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله\".\nورُوي عن مجاهد وقتادة والضحاك نحو ذلك.\nقال ابن أبي حاتم: \"لما أخبر الوليد بن أبي معيط النبي -ﷺ- بامتناع من بعث إليهم مصدقًا فقبل خبره لصدق الوليد وستره عنده، وتغيظ عليهم بذلك","vol":"1","page":19},{"text":"وهمَّ بغزوهم حتى نزل عليه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فكف عند ذلك عنهم، دل على أن السنن تصح عن رسول الله -ﷺ- بنقل الرواة الصادقين لها\".\nوقد تدل الآية على أن الفسقة لا تُؤخذ منهم الرواية، وبذلك تصان السُّنَّة من التحريف والتبديل١.\nرابعًا: وقد ورد في أقوال الرسول -ﷺ- وجوب أخذ السنن بنقل الرواة العدول لها، ومن ذلك: الأمر بنقل الأخبار عنه -ﷺ- وذلك في قوله: \"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" ٢، وقوله: \"حدثوا عني ولا حرج\" ٣، وقوله في أكثر من حديث: \"فليبلغ الشاهد الغائب\" ٤.\nوقد حذر النبي -ﷺ- من الكذب عليه وبيَّن عقاب من يفعل ذلك، فلا يحل التحديث عنه إلا إذا تأكدنا من صحة نسبة الحديث إليه، ولا نقبل رواية الكاذبين، وبذلك نصل إلى الحق من سنته.\n_________\n١ راجع المدخل إلى توثيق السنة \"ص٢٠٠\".\n٢ رواه البخاري والترمذي وغيرهما من طريق حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو ﵄.\nصحيح البخاري \"٦٠\" كتاب أحاديث الأنبياء \"٥٠\" باب ما ذكر عن بني إسرائيل - حديث رقم \"٣٤٦١\".\nسنن الترمذي \"٤٢\" كتاب العلم \"١٣\" باب ما جاء في الحديث عن نبي إسرائيل - حديث رقم \"٢٦٦٩\"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n٣ رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\".\nصحيح مسلم \"٤/ ٢٢٩٨، ٢٢٩٩\" \"٥٣\" كتاب الزهد \"١٦\" باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم - حديث رقم \"٧٢/ ٣٠٠٤\".\nورواه الإمام أحمد في مسنده \"٣/ ٤٦\" عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا بلفظ: $\"حدثوا عني، ولا تكذبوا عليَّ، ومن كذب عليَّ متعمدًا فقد تبوأ مقعده من النار، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\".\n٤ جاء ذلك عند البخاري في كتاب جزاء الصيد \"١٨٣٢\"، والعلم \"٦٧، ١٠٥\"، والأضاحي \"٥٥٥٠\"، والحج \"١٧٣٩\" \"١٧٤١\"، والفتن \"٧٠٧٨\"، والمغازي \"٤٢٥٩\"، والتوحيد \"٧٤٤٧\"، ومسلم في القسامة حديث رقم \"٣٠، ٢٩/ ١٦٧٩\".","vol":"1","page":20},{"text":"ففي الحديث الشريف الحض على نقل السُّنة، والترغيب في طلبها، والسعى إلى تحصيلها وتبليغها، وتوصية المرتحلين فيها، قال ابن أبي حاتم: \"ولما أوصى النبي -ﷺ- بطالبي الآثار، والمرتحلين فيها، ونبه عن فضيلتهم؛ عُلم أن في ذلك ثبوت الآثار، بنقل الطالبين الناقلين لها، ولو لم تثبت بنقل الرواة لها لما كان في ترغيب النبي -ﷺ- فيها معنى\".\nقال الأستاذ الدكتور/ رفعت فوزي مُعقبًا على ما سبق: \"ويرى ابن أبي حاتم أنه أتى في ذلك بما يراه كافيًا لدحض حجة هؤلاء وإبطال دعواهم، ولا أظن أنه يُقنع مثل هؤلاء القوم بطريقته هذه؛ لأنه يستشهد بما يرفضونه أساسًا، وهو الآثار، وحتى تلك الآيات التي ساقها؛ لأنه يبين مواطن الاستشهاد فيها اعتمادًا على ما ساقه من آثار وردت في آثارها، وهو كمحدث أُشربت نفسه حب الحديث، لا يريد أن يخرج عن دائرة التحديث حتى في المواطن التي ينبغي فيها الخروج عنها؛ ليكون عمله مجديًا ويؤدي الغاية المرجوَّة منه.\nومهما يكن من شيء، فقد أفاد عمله هذا من ناحية أخرى؛ من حيث بيان مشروعية الرواية وأهميتها في نقل السنن، وفي ذلك تأصيل لها، وبيان لقيمتها، كما أفاد عمله هذا كذلك طمأنة لقلوب المؤمنين\"١.\n_________\n١ المدخل إلى توثيق السُّنة \"ص٢٠١\".","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المبحث الثاني: منكرو السُّنَّة حديثًا، وتفنيد مزاعمهم</span>\nسبق أن ذكرنا أن منكري السُّنَّة بزغوا في كل عصر، وقد رد عليهم الإمام الشافعي قديمًا وكذلك ابن أبي حاتم وغيرهما.\nوحديثًا أنكر بعض الناس أن تكون السُّنَّة مصدرًا للتشريع الإسلامي مُتذرعين بالعديد من الحجج، وأهمها ما يلي١:\nأولًا: القرآن الكريم حوى كل أمور الدين ووضحها؛ بحيث يغني عما عداه، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، والأخذ بالسُّنَّة يناقض ذلك.\nثانيًا: الله تعالى ضَمِنَ حفظ كتابه لأنه مصدر التشريع ولم يضمن حفظ السُّنَّة، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ولو كانت السُّنَّة دليلًا من أدلة التشريع وحجة كالقرآن لتكفل الله بحفظها، ولا يستطيع أحد أن يدَّعي أن السُّنَّة وصلت إلينا بنصها.\nثالثًا: لو كانت السُّنَّة حجة ومصدرًا من مصادر التشريع لتكفل النبي -ﷺ- بكتابتها، ولعمل الصحابة والتابعون على جمعها وتدوينها صيانة لها من العبث والتبديل والتحريف والنسيان؛ لكن الثابت -هكذا يزعمون- أن النبي -ﷺ- نهى عن كتابتها وأمر بمحو ما كُتب منها، وكذلك فعل الصحابة والتابعون.\nرابعًا: ورد عن النبي -ﷺ- ما يدل على عدم حجية السُّنَّة، ومن ذلك قوله: \"إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس مني\"٢، وقوله: \"إذا حُدِّثتم عني حديثًا تنكرونه -قلته أو\n_________\n١ راجع: السُّنَّة ومكانتها في التشريع \"ص١٣٨-١٤٠\"، المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٢٠١-٢٠٣\".\n٢ رواه الإمام الشافعي في الأم رقم \"٢٩٩٨\".","vol":"1","page":23},{"text":"لم أقله- فلا تصدقوا به؛ فإني لا أقول ما يُنكر ولا يُعرف\"١، وقوله: \"إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه\"٢، وفي رواية: \"لا يمسكن الناس على شيء، فإني لا أحل ما أحل الله، ولا أحرم إلا ما حرم الله\" ٣.\nفهذه الأحاديث تفيد وجوب عرض السُّنَّة على القرآن، وأن نأخذ منها ما وافق القرآن، وما خالفه لا نقيله، فلا أهمية للسُّنَّة، ودورها هو التوكيد والتكرار لما في القرآن الكريم.\nخامسًا: أكثر بعض الصحابة من التحديث عن الرسول كثرة لا تتناسب مع صحبته للرسول، مما يدل على أنه كان يتقوَّل عليه لأهواء سياسية وشخصية، فكيف نثق فيما رووه إذن؟\nسادسًا: لم يهتم علماء الحديث بنقد المتن، فصححوا أحاديث كثيرة موضوعة ولو عُرضت على مقاييس أخرى \"غير السند\" لتبين عدم صحتها.\n- مناقشة مزاعم منكري السُّنَّة حديثًا ٤:\nفيما يلي تفنيد لحجج المنكرين للسُّنة حديثًا:\nالأول: المراد بالكتاب في الآية الكريمة: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ اللوح المحفوظ، وليس القرآن كما يزعمون، وكذلك في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .\n_________\n١ تاريخ بغداد \"١١/ ٣٩١\"، والكامل لابن عدي \"١/ ٢٦\" الباب السابع اتقاء حديث رسول الله -ﷺ- إلا ما يعلمه ويعرفه ويتقنه، والميزان \"٣/ ٣٥٢\" في ترجمة الفضل بن سهل رقم \"٢٧٢٨\" كلهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفي إسناده الفضل بن سهل، وقد عد الحافظ الذهبي هذا الحديث من مناكيره.\n٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد \"١/ ١٧١، ١٧٢\" وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط وقال: لم يروه عن يحيى بن سعيد إلا علي بن عاصم، تفرد به صالح بن الحسن بن محمد الزعفراني، قلت: ولم أرَ من ترجمهما\".\n٣ رواه الشافعي في مسنده \"٣٣٢\".\n٤ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٢٠٤-٢٢٠\".","vol":"1","page":24},{"text":"الثاني: والمراد بالذكر في الآية الكريمة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الشرع والدين الذي بعث به رسوله، فهو يشمل القرآن والسُّنَّة ولا يخص أحدهما، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] .\nوقد قيض الله تعالى من يحفظ كتابه، وسنة رسوله -ﷺ- وتنقيتها من الدخيل والموضوع، وحفظها من التغيير والتبديل والتحريف.\nوهذا ما فهمه عبد الله بن المبارك حين قيل له: \"هذه الأحاديث الموضوعية؟ \" فقال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.\nوقال ابن حزم في معرض رده على الزاعمين أن الذكر هو القرآن: \"هذه دعوى كاذبة مجردة عن البرهان وتخصيص للذكر بلا دليل، والذكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه -ﷺ- من قرآن أو سنة\"٢.\nالثالث: كون الرسول -ﷺ- أمر بعدم كتابة السُّنَّة فليس ذلك دليلًا على عدم حجيتها؛ وإنما كان ذلك لأسباب تقتضيها المصلحة، ومن هذه الأسباب: أن النهي كان أولًا وذلك للتفرغ لحفظ القرآن الكريم والاطمئنان إلى عدم اختلاطه بغيره.\nومنها: أن النهي كان في حق أشخاص بعينهم حتى لا يتكلوا على الكتابة أو لضعفهم في كتابة العربية.\nوقد ثبت أن النبي -ﷺ- أَذِنَ بكتابة السُّنَّة لبعض الصحابة في أول الإسلام، ثم كان الإذن لمن شاء أن يكتب بعد ذلك.\nالرابع: الأحاديث التي احتجوا بها على عدم حجية السُّنَّة لا تنهض دليلًا على رأيهم؛ لأنها غير صحيحة:\n_________\n١ تدريب الراوي \"٢/ ٣٥٨\" مؤسسة الرسالة - بيروت.\n٢ الإحكام \"١/ ١٢١\".","vol":"1","page":25},{"text":"الحديث الأول:\n\"إن الحديث سيفشو عني ... \"، قال البيهقي: \"رواه خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله -ﷺ- وخالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابي، فالحديث منقطع\"، وقال مرة أخرى: \"والحديث الذي رُوي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان\" يعني بذلك: أن يتعارض مع ما يدعو إليه القرآن من طاعة الرسول -ﷺ- والاحتكام إلى الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] .\nوقد قال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي في هذا الحديث: \"ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر\".\nوقال: \"وهذه أيضًا رواية منقطعة، عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء\".\nثم رواه البيهقي بسنده عن الشافعي قال: قال أبو يوسف: حدثني خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر، عن رسول الله -ﷺ- أنه دعا اليهود فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى -﵇- فصَعِدَ النبي -ﷺ- المنبر، فخطب الناس فقال: \"إن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني\".\nقال البيهقي: هذه الرواية منقطعة، كما قال الشافعي في كتاب الرسالة، وكأنه أراد بالمجهول خالد بن أبي كريمة، فلم يعرف من حاله ما يثبت به خبره١.\nوقد روى الطبراني عن ابن عمر نحو ما جاء عند الشافعي، قال السخاوي: قد سُئل شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، وقال الصنعاني: هو موضوع٢.\n_________\n١ معرفة السُّنَّة والآثار عن الإمام الشافعي \"١/ ٦٩\".\n٢ انظر: كشف الخفاء للعجلوني \"١/ ٨٦\".","vol":"1","page":26},{"text":"وقال ابن حزم في الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي المدني أحد رواة الحديث من بعض طرقه: \"الحسين بن عبد الله متهم بالزندقة\"١.\nومن جهة أخرى، فإنه على اعتبار التسليم بقبول هذا الحديث، فإن \"العلماء بهذا الحديث قديمًا على أن السُّنَّة تأتي بجديد، وأن كل ما تأتي به يجب أن يُلتمس له أصل في القرآن الكريم، مع التسليم بأن الأخذ بالسُّنَّة واجب، أما اليوم -فكما نرى- يُستدل به على ترك السُّنَّة وعدم الأخذ بها\"٢.\nالحديث الثاني:\n\"إذا حُدثتم عني حديثًا تعرفونه ولا تنكرونه ... \"، قال الدكتور رفعت فوزي: \"فرواياته كلها ضعيفة منقطعة كما نص على ذلك العلماء\"٣.\nالحديث الثالث:\n\"إني لا أحل ما أحل الله....\"، قال الشافعي: \"هذا منقطع، وعلى فرض صحته فليس فيه دليل للخصم فيما يدَّعِي؛ لأن معناه أن ليس للناس أن يقولوا: كيف يُحل رسول الله -ﷺ- ويحرم ما ليس في القرآن، فإن الرسول -ﷺ- مُشرِّع، وهو لا يحل إلا ما كان حلالًا في شرع الله، ولا يحرم إلا ما كان حرامًا فيه، وكل ما يحله أو يحرمه إنما هو في كتاب الله باعتبار أنه أمر بطاعته، ونهى عن مخالفته، فقد أمرنا أن نطيعه -ﷺ- فيما يحله أو يحرمه، أو أن كل ما يحرمه أو يحله له أصل في كتاب الله -﷿- أو نظير يقاس عليه٤.\nوالعجيب في هؤلاء المنكرين للسُّنَّة أنهم يستدلون بها على عدم حجيتها، فكيف يرفض هؤلاء السُّنَّة ثم يأخذون منها الدليل على ما يزعمون؟! وإن جاز لهم ذلك، فلماذا يستدلون بالأحاديث الضعيفة ويتركون الأحاديث الصحيحة التي تحث على كتابة السُّنَّة، وعلى الأخذ بالسُّنَّة؟!\n_________\n١ الإحكام \"٢/ ٧٦\".\n٢ المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٢٠٨\".\n٣ المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص١٠٩\".\n٤ راجع: نقد هذه الأحاديث في \"مفتاح الجنة\" للسيوطي \"ص١٣-١٦\"، و\"السُّنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي\" \"ص١٤٥-١٤٨\".","vol":"1","page":27},{"text":"الخامس: بالنسبة لزعمهم بأن الصحابة والتابعين زادوا على السُّنَّة وتقوَّلوا على الرسول -ﷺ- بحجة أن ما رووه بلغ من الكثرة حدًّا لا يتناسب مع صحبتهم للرسول -ﷺ- فهذا مدحوض، والرد عليه لا يحتاج إلى عناء كبير.\nفلقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- حريصين على استيعاب دين الله ونقله إلى الأجيال اللاحقة، ولم يكن دافعهم إلى ذلك أهواء شخصية وسياسية كما يزعمون؛ وإنما كان الدافع هو الغيرة على دين الله تعالى، وشدة الرغبة في الحفاظ عليه١.\n_________\n١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٢١٠\".","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني: مكانة السُّنَّة في التشريع الإسلامي</span>\nالسُّنَّة هي المصدر الثاني في التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وإنها حُجة جميع المسلمين اتفاقًا، وبنص القرآن الكريم في آيات عديدة.\nومهمة الرسول -ﷺ- الأُولى هي تبليغ الوحي الإلهي متمثلًا في القرآن الكريم.\nثم عليه مهمة أخرى؛ وهي أن يبين للناس الأصول العامة والأحكام المجملة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .\nوليكون لهذا التبيين والتوضيح مكانةٌ في نفوس المؤمنين، وموضعُ احترام كامل وتقدير -نص القرآن على وجوب طاعة الرسول -ﷺ- قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .\nوقد قرن الله تعالى طاعة رسوله بطاعته -﷿- وجعل في التزامنا بذلك حياة لنا، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وجعل الله شرط الإيمان الصحيح الاحتكام إلى الله ورسوله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ولا يجوز مخالفته البتة، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] .","vol":"1","page":29},{"text":"ويطمئن الله تعالى المؤمنين من ناحية تشريع الرسول -ﷺ- بأنه لا يأمر إلا بالمعروف ولا ينهى إلا عن المنكر، وأنه يحل ما هو طيب ويحرم ما هو خبيث، قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .\n- والأحاديث الصحيحة التي تؤكد أهمية طاعة الرسول -ﷺ- والتمسك بسنته كثيرة:\nمنها: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي\" ١.\nومنها: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبَى\"، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبَى؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبَى\" ٢.\nومنها: حديث معاذ بن جبل -﵁- الذي رواه أبو داود والترمذي من طريق شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة، عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل: أن رسول الله -ﷺ- بعث معاذًا إلى اليمن فقال له: \"كيف تصنع إن عرض لك قضاء\"؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: \"فإن لم تجد\"؟ قال: فبسنة رسول الله -ﷺ- الحديث٣.\nومعظم المسلمين يحفظون الحديث الصحيح الذي حذر فيه الرسول -ﷺ- من ترك سنته\n_________\n١ ذكره السيوطي في جمع الجوامع \"٢/ ١٠١٦\"، والجامع الصغير \"رقم ٣٢٨٢\"، وعزاه للحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة.\n٢ رواه البخاري في صحيحه: كتاب الاعتصام، باب الاقتداء برسول الله -ﷺ- من حديث أبي هريرة -﵁- رقم \"٧٢٨٠\".\n٣ سنن أبي داود \"٤/ ١٨، ١٩\" \"١٨\" كتاب الأقضية \"١١\" باب اجتهاد الرأي في القضاء - حديث رقم \"٣٥٩٢\"، \"٣٥٩٣\"، سنن الترمذي \"٣/ ٣١٦، ٦١٧\" \"١٣\" كتاب الأحكام \"٣\" باب ما جاء في القاضي كيف يقضي - حديث رقم \"١٣٢٧\"، \"١٣٢٨\"، وقال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بمتصل، وأبو عون الثقفي اسمه عبيد الله. اهـ. وقال الإمام البخاري عن إسناد هذا الحديث: \"الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، عن أصحاب معاذ، عن معاذ، روى عنه ابن عون، ولا يصح، ولا يُعرف بهذا، مرسل\". التاريخ الكبير \"٢/ ٢٧٧\" ترجمة رقم \"٢٤٤٩\".\nوممن ضعفه أيضًا ابن حزم، وعبد الحق كما في التلخيص الحبير \"٤/ ١٨٣\"، وكلام ابن حزم في الإحكام له \"٧٧٣/ ٢\" ... =","vol":"1","page":30},{"text":"والاحتكام إلى القرآن وحدة: \"ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله -﷿- فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله\" ١.\n_________\n= وذكر الخطيب البغدادي لهذا الحديث طريقًا آخر في الفقيه والمتفقه \"١/ ١٨٩\": عبادة بن نُسَيّ، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن معاذ، وقال الخطيب: \"وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة\". وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير \"٤/ ١٨٣\": \"فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتًا لكان كافيًا في صحة الحديث\".\nوممن صحح هذا الحديث من جهة سنده أيضًا: الإمام القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه عارضة الأحوذي \"٦/ ٧٢، ٧٣\" قال: \"اختلف الناس في هذا الحديث، فمنهم من قال: إنه لا يصح، ومنهم من قال: هو صحيح، والدين القول بصحته؛ فإنه حديث مشهور يرويه شعبة بن الحجاج، رواه عن جماعة من الرفقاء والأئمة؛ منهم: يحيى بن سعيد، وعبد الله بن المبارك، وأبو داود الطيالسي، والحارث بن عمرو الهذلي الذي يرويه عنه، وإن لم يعرف إلا بهذا الحديث فكفى برواية شعبة عنه، وبكونه ابن أخ للمغيرة في التعديل له والتعريف به، وغاية حظه في مرتبته أن يكون من الأفراد ولا يقدح ذلك فيه، ولا أحد من أصحاب معاذ مجهولًا\".\nوصححه الإمام الحافظ الذهبي في كتابه: \"مختصر العلل المتناهية لابن الجوزي\"، والذي طبع باسم \"تلخيص كتاب العلل المتناهية لابن الجوزي\" \"ص٢٦٩، ٢٧٠\" بتحقيق ياسر إبراهيم محمد، فقد عقب على كلام ابن الجوزي قال عن الحارث: ما هو مجهول؛ بل روى عنه جماعة وهو صدوق إن شاء الله، وعن قوله: وأصحاب معاذ لا يعرفون. قال: ما في أصحاب \"معاذ\" بحمد الله ضعيف، ولا سيما وهم جماعة. ثم قال: \"وهذا حديث حسن الإسناد، ومعناه صحيح\".\nوصححه أيضًا الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين \"٢٠٢٨\" قال: \"فهذا حديث وإن كان عن غير مسمين، فهم أصحاب معاذ، فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث به عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ، لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهر من أن يكون عن واحد منهم لو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف من أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح؛ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به\".\nومن جهة أخرى، فإن هناك بعض العلماء الذين صححوا هذا الحديث من جهة شهرته بين العلماء؛ حيث تلقوه بالقبول، وعملوا به، واحتجوا به، وصار مشهورًا بينهم، واستغنوا بشهرته عن النظر في إسناده كما فعلوا هذا في أحاديث أخر، وممن صححه من هذه الجهة: أبو العباس بن العاص \"أحمد بن أبي أحمد الطبري من أئمة الشافعية، انظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٣٧١، ٣٧٢\" ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير \"٤/ ١٨٣\" وقال ابن حجر: \"إنه استند في صحته إلى تلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول، وأنه قال: وهذا القدر مغنٍ عن مجرد الرواية، وهو نظير أخذهم بحديث: \"لا وصية لوارث\"، مع كون راويه إسماعيل بن عياش\".\n١ رواه الحاكم في المستدرك \"١/ ١٠٨-١١٠\" بأكثر من طريق وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الحافظ الذهبي، ورواه أبو داود \"٤٦٤٠\"، والترمذي \"٢٦٦٤\" وحسنه، وابن ماجه \"١٢\"، كلهم من حديث المقدام بن معدي كرب -﵁- وقال الخطابي: وفي الحديث دليل على أنه لا حاجة بالحديث أن يعرض على الكتاب، وأنه مهما ثبت عن رسول الله -ﷺ- كان حجة بنفسه. معالم السنن هامش أبي داود \"٥/ ١١\".\nوقوله: \"متكئًا على أريكته\" كناية عن عدم مبالاته واهتمامه بحديث النبي ﷺ.","vol":"1","page":31},{"text":"- عَلاقة السُّنَّة بالقرآن الكريم:\nالسُّنَّة مرتبطة بالقرآن ارتباطًا وثيقًا، فقد تكون مفصِّلة لِمُجْمَلِه كبيانها لكيفية الصلاة، ففي الحديث: \"صلوا كما رأيتموني أُصلي\" ١؛ حيث تحديد الوقت والعدد والكيفية، ونحو بيانها لكيفية الحج، ففي الحديث: \"خذوا عني مناسككم\" ٢، وأيضًا المسائل المتعلقة بالزكاة والصيام ...\nوقد تكون مُقيِّدة لمطلقه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ قيدت السُّنَّة القطع في المرة الأولى بقطع اليد من مفصل الكف ...، وقوله تعالى في الميراث يقسَّم ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] قيدته السُّنَّة بأنه لا وصية لوارث، وبأن تكون الوصية لغيره في حدود الثلث ...\nوقد تكون مُخصِّصة لعامه، ومن الأحكام التي جاءت عامة في القرآن الكريم الميراث في: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن﴾ [النساء: ١١] خصصته السُّنَّة بأن القاتل لا يرث، ولا يرث المؤمن الكافر والعكس، وبقوله ﷺ: \"نحن الأنبياء لا نُورَث، ما تركناه صدقة\"، ومنه أيضًا أن الله تعالى قال في الزواج: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم﴾ [النساء: ٢٤] خصصته السُّنَّة بأنه: \"لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابن أختها، فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم\"، وبقوله: \"يُحَرَّم من الرضاع ما يحرم من النسب\".\nوقد تكون مُوَضِّحة لمشكله؛ كتوضيح الشجرة في: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها النخلة، وكتوضيح التثبيت في: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] بأن ذلك في القبر حين يُسأل المؤمن.\n_________\n١ رواه البخاري ضمن حديث طويل عن مالك بن الحويرث -﵁- مرفوعًا. راجع: صحيح البخاري \"١٠\" كتاب الأذان \"١٨\" باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة ... إلخ، حديث رقم \"٦٣١\"، وانظر: رقم \"٦٢٨\" وأطرافه.\n٢ رواه مسلم في حديث لجابر بن عبد الله ﵁. راجع: صحيح مسلم \"١٥\" كتاب الحج \"٥١\" باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر، حديث رقم \"٣١٠/ ١٢٩٧\".","vol":"1","page":32},{"text":"وقد تكون موضِّحة لمبهمه، فلم يفهم الصحابة الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] فبيَّن النبي -ﷺ- ذلك للصحابة بأن المراد \"الشرك\"، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .\nوهناك أحكام أتى بها النبي -ﷺ- ولم يذكرها القرآن الكريم مجملة أو مفصلة أو مبهمة أو عامة أو خاصة أو مطلقة أو مقيدة، ومن ذلك تحريم لحوم الْحُمُر الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في الزواج ... إلخ، وتحليله لحوم الضب والأرانب؛ ولكن: هل هذه الأحكام جديدة أم نُصَّ عليها في كتاب الله ﷿؟\nأ- يرى المحدثون أن مثل هذه الأحكام جديد سكت عنه القرآن الكريم.\nب- ويرى بعض العلماء -وخاصة الأصوليين- أن هذه الأحكام ليست جديدة، فكل ما جاءت به السُّنَّة لا يخرج عن كونه بيانًا لما في كتاب الله ﷿.\nوقد كان السبب في اختلافهم هذا اختلاف فهمهم لما جاء في كتاب الله تعالى أنه قد حوى كل شيء، وأنه فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١.\nفالمحدِّثون يرون أن مثل هذه الأحكام -وإن لم ينص عليها القرآن الكريم- تندرج تحت الآيات التي تأمر باتباع رسول الله -ﷺ- وطاعته، وتحذر من مخالفته فيما يحكم بينهم، فالقرآن الكريم -إذن- قد بيَّن كل ما يأتي به الرسول -ﷺ- حين نص على سنته والأخذ بها.\nوأصحاب الرأي الثاني يرون أن القرآن الكريم قد اشتمل على الأصول العامة التي يمكن أن يندرج تحتها كل ما ينفع المؤمنين ويوجه مسيرتهم على الطريق\n_________\n١ قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] .","vol":"1","page":33},{"text":"المستقيم، وكل ما يأمر به الرسول -ﷺ- إنما هو بهدى من هذه الأصول، وتطبيق لحكمتها العامة، أو إلحاق بفرع من الفروع التي نص الله -﷿- في كتابه على أصولها.\nفمثلًا ما ورد في السُّنَّة من تحريم لحوم الحُمُر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير -له أصل في كتاب الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .\nفالرسول -ﷺ- عَلِمَ بوحي من الله تعالى أن مثل هذه اللحوم من الخبائث فحرمها على المسلمين. وما ورد من تحليل لحوم الأرنب والضب أصله في الآية السابقة، فالرسول -ﷺ- نص على تحليله؛ لأنه عَلِمَ أنهما من الطيبات التي أحلها الله ﷿: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الاعراف: ١٥٧] .\nوالرسول -ﷺ- حرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها؛ لأن مثله قد حرمه الله -وهو الجمع بين الأختين- في كتاب الله ﷿، فالمصلحة فيها جميعًا واحدة؛ وهي قطع صلة الرحم، وبث عوامل التفكك في الأسر التي يريد الإسلام لها أن تتماسك وتتراحم؛ ولهذا نص ﷺ على هذه المصلحة عندما نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فقال: \"فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم\" ١.\nولكل من هؤلاء وأولئكم حجته٢؛ ولكن الذي يهمنا هنا أمران:\nالأمر الأول: أن ما جاءت به السُّنَّة من هذا القبيل واجب الاتباع، وهو ما يعترف به الفريقان مع اختلاف وجهتي نظرهما في كونه مندرجًا تحت ما جاء به ﷺ في كتاب الله ﷿ أو جديدًا لم ينص عليه فيه.\nالأمر الثاني: أن السُّنَّة على كلتا الوجهتين أضافت شيئًا نحن في حاجة إليه\n_________\n١ أصول التشريع الإسلامي \"ص٤٨\" طبعة دار المعارف، والحديث أخرجه عبد الرزاق في مصنفه \"٦/ ٣٦٢\" بلفظ: \"فإنهن إذا فعلن ذلك قطعن أرحامهن\".\n٢ الاتجاهات الفقهية للدكتور عبد المجيد محمود \"ص١٦٠-١٨٤\".","vol":"1","page":34},{"text":"سواء أأسميناه بيانًا أم جديدًا، ولن نستطيع أن نهتدي إليه من عند أنفسنا، ومن غير هدى من نبينا ﷺ.\nويبين الإمام ابن تيمية: لماذا يجب علينا اتباع الرسول -ﷺ- اتباعًا مطلقًا فيقول: \"الحديث النبوي عند الإطلاق ينصرف إلى ما حدَّث به رسول الله -ﷺ- بعد النبوة من قوله وفعله وإقراره، فإن سنته ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة، فما قاله إن كان خبرًا وجب تصديقه به، وإن كان تشريعًا -إيجابًا أو تحريمًا- وجب اتباعه فيه، فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله -﷿- فلا يكون خبرهم إلا حقًّا، وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب، وأنه ينبئ بالغيب، والرسول مأمور بدعوة الخَلْق وتبليغهم رسالات ربه\"١.\nقال فضيلة الدكتور رفعت فوزي٢: \"وقد يسأل بعضنا هذا السؤال: لماذا لم يحتوِ كتاب الله -﷿- تفصيلًا على مثل هذه الأمور التي تركها لبيان الرسول ﷺ؟\nوالجواب: أن كتاب الله -﷿- لو اهتم بهذه التفصيلات لاستطال استطالة تجعل من الحرج على المؤمنين أن يستقصوه، ويحفظوه، ويرتلوه، وكل هذا واجب عليهم، هذا بالإضافة إلى أنه كتاب هداية يضم كل ما يهدي المؤمنين في كل وقت، ومثل هذه التفصيلات لا أعتقد أن التالي لها -لو كانت في كتاب الله- تشع في نفسه تلك الهداية التي يستشعرها المؤمن في كل آية يتلوها من كتاب الله الكريم.\nوأيضًا لإظهار رحمة الرسول -ﷺ- بأمته، فهو بهم ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كما قال الله -﷿- وهذه الرحمة تظهر في بيان كتاب الله حتى لا يترك المؤمنين حَيْرى في فَهْم وتطبيق نصوص كتاب الله العزيز.\nوحتى تتحقق القدوة بالرسول -ﷺ- لا بُدَّ من الاقتناع العقلي، وهذا يتمثل\n_________\n١ مجموع فتاوى ابن تيمية \"١٨/ ٦، ٧، ١٠\".\n٢ المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص١٦، ١٧\".","vol":"1","page":35},{"text":"في أن يرى المسلمون أن هذا الرسول -ﷺ- ليس شخصًا كغيره؛ وإنما هو جزء من دينهم الذي جاء به من عند الله، ولن يتحقق هذا الجزء إلا باتباع نبيهم في الصلوات وغيرها، وإلا فكيف يصلي المؤمن دون تنفيذ ما أتى به الرسول -ﷺ- في هذا المجال؟! إن هذا مستحيل -عقلًا- والله ﷿ أعلم\".","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسنة</span>\n...\nالباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري\n- وفيه أحد عشر فصلًا:\nالفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة\nهناك عدة مظاهر تدل على اهتمام الصحابة -﵃- بالسُّنَّة، ومن أهمها ما يلي:\nالأول: الحرص على حضور مجلس رسول الله -ﷺ- لسماعه والرواية عنه والاقتداء به والالتزام بأوامره وتوجيهاته.\nومما يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن عمر -﵁- قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار من بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله -ﷺ- ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك١.\nالثاني: حرص بعضهم على سماع الحديث من الرسول -ﷺ- أكثر من مرة ليحدث به غيره؛ فقد جاء في صحيح مسلم قول عمرو بن عَنْبَسَة -﵁- بعد أن حدَّث بحديث: لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة إلى أن أكذب على الله ولا على رسول الله -ﷺ- لو لم أسمعه من رسول الله -ﷺ- إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا -حتى عَدَّ سبع مرات- ما حدثت به أبدًا؛ ولكني سمعته أكثر من ذلك٢.\nالثالث: كما حرصوا على أن تنقل أقواله -ﷺ- كما صدرت منه نقية غير\n_________\n١ صحيح البخاري \"٥/ ١١٤ فتح\" كتاب المظالم، الباب \"٢٦\"، \"١/ ١٨٥\" كتاب العلم الباب \"٢٧\"، \"٨/ ٦٥٧\" تفسير سورة التحريم \"٨/ ٦٥٩\"، \"٩/ ٢٧٨\" كتاب النكاح، الباب \"٨٤\"، \"٩/ ٣١٧\" الباب \"١٠٦\"، \"١٠/ ٣٠١\" كتاب اللباس، الباب \"٣١\"، \"١٣/ ٢٣٢\"، \"١٣/ ٢٤٠\".\n٢ صحيح مسلم، بشرح النووي \"٢/ ٤٨١-٤٨٣\".","vol":"1","page":37},{"text":"مشوبة بشائبة وغير محرفة أدنى تحريف، فاتخذوا الحيطة في حفظ الحديث وفي سماعه، وخاصة بعدما سمعوا رسول الله -ﷺ- يقول لهم محذرًا من الكذب عليه١: \"مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" ٢.\nالرابع: من مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة: تدوينُها في صحف، وهذا التدوين -في كتب، أو صحف، أو رسائل- يعد من الجهود الهامة التي قام بها الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.\n_________\n١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة، أ. د. رفعت فوزي \"ص٣٢\".\n٢ رواه البخاري في: \"٣\" كتاب العلم، \"٣٨\" باب إثم من كذب على النبي ﷺ - حديث رقم \"١٠٧\"، وأبو داود في سننه: \"٢٠\" كتاب العلم، \"٤\" باب في التشديد على الكذب على رسول الله ﷺ - حديث رقم \"٣٦٥١\"، وابن ماجه في سننه - حديث رقم \"٣٦\"، كلهم من حديث الزبير بن العوام -﵁- وللحديث شواهد كثيرة صحيحة أيضًا.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الفصل الثاني: كتابة السُّنَّة في العهد النبوي</span>\nيزعم بعض أهل العلم غير المتخصصين في الحديث الشريف وعلومه أن الرسول -ﷺ- نهى عن كتابة السُّنَّة وتدوينها، وغاب عن هؤلاء وأمثالهم أن كل الأحاديث المرفوعة إلى النبي -ﷺ- في النهي عن الكتابة ضعيفة الإسناد١، باستثناء الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه من طريق همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: \"لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه\" ٢.\nوحتى هذا الحديث أعلَّه الخطيب البغدادي، فزعم أن المحفوظ عن أبي سعيد الخدري من قوله موقوفًا عليه وليس مرفوعًا٣.\nوعلى اعتبار صحته مرفوعًا -وهو ما أرجحه- فإن هناك أحاديث في أعلى درجات الصحة جاء فيها تصريح النبي -ﷺ- بالإذن بالكتابة؛ منها:\n_________\n١ رُوي ذلك -أي النهي- من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وفي إسنادهما \"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم\" ضعيف عند جمهور العلماء؛ ومنهم: النسائي، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وعلي بن المديني وغيرهم. راجع: الجرح والتعديل \"٢/ ٢٣٣\"، الميزان \"٢/ ٥٦٤\".\nكما رُوي من حديث زيد بن ثابت في سنن أبي داود \"رقم ٣٦٤٧\"، وفيه علتان؛ الأولى: في إسناده كثير بن زيد، ضعفه النسائي. وقال ابن معين: ليس بالقوي، وفي رواية: ليس به بأس، وفي ثالثة: ثقة. وقال أبو زرعة الرازي: صدوق فيه لين. وقال ابن المديني: صالح وليس بقوي. وقال ابن عدي: لم أرَ بحديثه بأسًا. راجع: ميزان الاعتدال \"٣/ ٤٠٤\"، الضعفاء والمتروكين للنسائي \"ص٢٢٩\" ترجمة رقم \"٥٠٥\" طبع دار المعرفة - بيروت.\nالثانية: أن الراوي عن زيد بن ثابت هو \"المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب القرشي المخزومي\" وهو لم يسمع من زيد بن ثابت، فالإسناد منقطع. راجع: تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل \"ص٥٠٢، ٥٠٣\" بتحقيقنا.\nولذلك قال عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني: \"أما الأحاديث، فإنما هي: مختلف في صحته، وآخر متفق علي ضعفه\". الأنوار الكاشفة لما في كتاب \"أضواء على السُّنَّة\" من الزلل والتضليل والمجازفة \"ص٣٥\" طبع المكتبة السلفية بالقاهرة سنة \"١٣٧٨هـ\".\n٢ صحيح مسلم \"٤/ ٢٢٩٨\" \"٥٣\" كتاب الزهد والرقائق \"١٦\" باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم \"٧٢/ ٣٠٠٤\".\n٣ راجع: تقييد العلم \"ص٣١، ٣٢\".","vol":"1","page":39},{"text":"ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي -ﷺ- لما فتح خطب ... فجاء رجل من أهل اليمن فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: \"اكتبوا لأبي شاه\" أي: الخطبة التي سمعها.\nومن الأحاديث الصحيحة ما رواه أبو داود، والدارمي في سننيهما، وأحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله -ﷺ- أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: تكتب كل شيء سمعته من رسول الله -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- بَشَر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: \"اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق\" ١.\n_________\n١ سنن أبي داود \"٤/ ٦٠\" رقم \"٣٦٤٦\"، وراجع أيضًا مسند الإمام أحمد \"٢/ ١٦٢، ١٩٢، ٢٠٧، ٢١٥\"، سنن الدارمي \"١/ ١٢٥\"، تقييد العلم \"ص٧٩-٨١\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧١\"، وقد دون فيها كل شيء سمعه الرسول ﷺ \"تقييد العلم \"٨٥\"، ورُوي أنه حفظ ألف حديث \"أسد الغابة ٣/ ٢٣٣\"، وقد ورث هذه الصحيفة حفيده شعيب بن محمد وأخذها بعده الحفيد الأكبر لعبد الله بن عمرو بن العاص وهو عمرو \"ت١١٨ أو ١٢٠هـ\" تهذيب العلم \"٨٥\".\nوقد اعتنى المحدثون بالإسناد إلى عمرو بن شعيب إلى أبيه إلى جده وقد ذكروا هذه الصحيفة \"تهذيب التهذيب ٨/ ٥٤\" ومعظمها في مسند الإمام أحمد بن حنبل \"مسند عبد الله بن عمرو بن العاص\".\nويُروى أن مجاهد \"ت١٠٢هـ\" رأى هذه الصحيفة \"طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٥\"، \"٤/ ٢/ ٨، ٩\" أسد الغابة \"٢/ ٢٣٤\"، وذات مرة زار مجاهد عبد الله بن عمرو بن العاص وحاول أن يأخذ الصحيفة فمنعه، حرصًا من ابن عمرو عليها. أسد الغابة \"٣/ ٢٣٤\"، تقييد العلم \"٨٤\".\nويُروى أن عبد الله بن عمرو اعتاد أن يحفظ الأحاديث المكتوبة في صندوق، وأنه سئل يومًا عن حديث فأخرج الكتاب من الصندوق وروى منه الحديث ردًّا على السؤال \"مسند الإمام أحمد ١٠/ ١٧٢-١٧٤\" تحقيق أحمد شاكر؛ بل يروى أنه كان لديه كتاب وصحيفة يحتويان على أحاديث للنبي، وأنه سلمهما لأبي راشد الحبراني لما طلب منه أن يروي له ما سمعه من النبي ﷺ \"تقييد العلم ٨٥\".\nومما يؤكد تدوينه الأحاديث مبكرًا قول أبي هريرة: \"ليس أحد من أصحاب رسول الله -ﷺ- أكثر حديثًا عن النبي -ﷺ- مني؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب \"سنن الدارمي ١/ ١٣٦\" باب من رخص في كتابة العلم - حديث \"٤٨٣\"، وانظر تقييد العلم \"٨٢\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧٠\".\nوقد سبق أن بينا أن أبا هريرة كان لا يكتب في البداية لأسباب ثم كتب بعد ذلك.\nوكان عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- يملي الأحاديث على تلاميذه \"فتح المغيث للسخاوي ٢١٦\" تقييد العلم \"٨٥، ١٨٢\"، حتى أمن شوفا بن ماتع دوَّن كتابين من إملائه \"خطط المقريزي ٢/ ٣٣٢\"، وانظر ترجمة ابن ماتع في مشاهير علماء الأمصار \"ص١٢١\" رقم \"٩٤٠\"، وكان يملي من صحيفته أو من يعض سجلاته المكتوبة عنده فقد كان عنده عدد ضخم من الكتب \"تذكرة الحفاظ ١/ ٣٦\" - مسند أحمد \"٢/ ١٧٦\"، ويُروى أنه جمع فتاوى الخليفة عمر بن الخطاب \"سنن الدارقطني ٤٥٣\".","vol":"1","page":40},{"text":"ومن جهة أخرى، فإن الحديث الذي رواه الإمام مسلم ذكر النووي عن القاضي عياض في شرحه له ثلاث إجابات كلها مقبولة ومحتملة:\nالأولى: أن نهي النبي -ﷺ- كان موجهًا لمن يثق بحفظه خشية اتكاله على الكتابة، وأما من لم يثق بحفظه فقد أذن له بالكتابة.\nالثانية: أن حديث النهي منسوخ بحديث الإذن بالكتابة؛ فقد كان النهي حين خِيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة.\nالثالثة: أن النهي كان منصبًّا على الكتابة في صحيفة واحدة \"أي: كتابة السُّنَّة مع القرآن في صحيفة واحدة\" خشية الاختلاط، وحتى لا يشتبه على القاريء.\nقال القاضي: كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كبير في كتابة العلم، فكرهها كثير منهم وأجازها أكثرهم، ثم أجمع المسلمون على جوازها وزال ذلك الخلاف، واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهي، فقيل: هو في حق مَن يوثق بحفظه ويُخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على مَن لا يوثق بحفظه كحديث: \"اكتبوا لأبي شاه\"، وحديث صحيفة علي -﵁- وحديث كتاب عمرو بن حزم الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وحديث كتاب الصدقة ونصب الزكاة الذي بعث به أبو بكر -﵁- أنسًا -﵁- حين وجهه إلى البحرين، وحديث أبي هريرة -﵁- أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب، وغير ذلك من الأحاديث، وقيل: إن حديث النهي منسوخ بهذه الأحاديث، وكان النهي حين خيف اختلاطه بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة، قيل: إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة؛ لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة، والله أعلم١.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم للنووي \"١٨/ ٣٣٤-٣٣٩\"، وانظر نحوه في مقدمة ابن الصلاح \"ص٨٨\" في النوع الخامس والعشرين، وفي معالم السنن للخطابي، هامش سنن أبي داود \"٤/ ١٦\" في تعليقه على حديث زيد بن ثابت رقم \"٣٦٤٧\".","vol":"1","page":41},{"text":"ورأى ابن الصلاح أن النهي كان في أول الأمر لخشية اختلاط الحديث بالقرآن، فلما أمن ذلك أذن فيه١، وبيَّن أن أحاديث الإذن بالكتابة كانت بعد النهي، وذكر غير واحد من الأئمة والحفاظ أنه لو لم يأذن الرسول بالكتابة لكان ذلك سبيلًا إلى الجهل بالشريعة واندراس كثير من السنن. وروى ابن الصلاح بسنده عن الأوزاعي أنه كان يقول: كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله. ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة، والله أعلم٢.\nوروى ابن عبد البر بسند صحيح عن إسحاق بن منصور قال: قلت لأحمد بن حنبل: من كره كتاب العلم؟ قال: كرهه قوم، ورخص فيه آخرون. قلت له: لو لم يكتب العلم لذهب. قال: نعم، ولولا كتابة العلم أي شيء كنا نحن؟ قال إسحاق بن منصور: وسألت إسحاق بن راهويه فقال كما قال أحمد سواء٣.\nفقد ثبت أن الصحابة كانوا يدونون السنة، وكانوا يحثون أبناءهم على الكتابة والتدوين:\nفقد كتب أبو بكر -﵁- لأنس بن مالك -﵃- كتابًا فيه فرائض الصدقة التي سنَّها رسول الله -ﷺ- وقد توارث هذا الكتاب ثمامة بن عبد الله بن أنس بعد أن حدَّثه به أبوه٤.\nوقد هَمَّ أبو بكر بجمع السنن، فكتب ما يقرب من خمسمائة حديث، ثم رأى أن يحرقها خوفًا من أن تنقل عنه ويكون فيها شيء غير صحيح، وليس لأن النبي -ﷺ- نهى عن الكتابة٥.\n_________\n١، ٢ انظر: المقدمة \"ص٨٨\" في النوع الخامس والعشرين.\n٣ جامع بيان العلم \"١/ ٣٢٩\". دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع.\n٤ راجع: صحيح البخاري \"٢/ ١٤٦، ١٤٧\"، سنن أبي داود \"٢/ ١٢٩، ١٣٠\" كتاب الزكاة - حديث رقم \"١٥٦٧\"، وسنن النسائي: كتاب الزكاة - حديث رقم \"٢٤٤٩\"، وسنن ابن ماجه \"١/ ١٥٥\" كتاب الزكاة - حديث رقم \"١٨٠٠\"، تقييد العلم \"٨٧\"، وفيه نصوص من هذا الكتاب.\n٥ راجع: تذكرة الحفاظ \"١/ ص٥\".","vol":"1","page":42},{"text":"وروى مسلم عن أنس بن مالك -﵁- أنه كتب حديثًا عن رسول الله -ﷺ- غير كتاب أبي بكر١.\nوروى الخطيب بسنده عن عبد الله بن المثنى قال: حدثني عمَّاي: النضر وموسى ابنا أنس، عن أبيهما أنس بن مالك -﵁- أنه أمرهما بكتابة الحديث والآثار عن رسول الله -ﷺ- وتعلمها٢.\nوكان ثمامة بن عبد الله بن أنس لديه كتاب نقله إلى حماد بن سلمة٣.\nوروى أبو خيثمة -﵁- بسند صحيح عن علي -كرم الله وجهه- قوله: من يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم؟ ٤\nوزاد ابن سعد: فاشترى الحارث الأعور صحفًا بدرهم، ثم جاء بها عليًّا فكتب له علمًا كثيرًا٥.\nويروى أن عبد الله بن مسعود ﵁ \"ت٣٢هـ\" كان له كتاب، على الرغم مما رُوي عنه من أنه من المعارضين لكتابة الحديث، حتى يقال: إنه أتلف كتابًا أُحضر له للدراسة والتأمل٦، فقد أقسم ابنه أن لديه كتابًا بخط والده٧.\nوجمع الحسن بن علي بن أبي طالب -﵄- بنيه وبني أخيه فقال: يا بَني، إنكم اليوم صغار قوم أوشك أن تكونوا كبار قوم فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فليكتبه وليضعه في بيته٨.\nوقد كان قضاء علي بن أبي طالب -﵁- مكتوبًا، بدليل أن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب له كتابًا ويخفي عني، فقال ولد ناصح: أنا\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي \"١/ ٢٠٥-٢٠٧\" وفيه نص ما كتبه.\n٢ تقييد العلم \"ص٩٦\".\n٣ الكفاية \"٤٧٣\".\n٤ كتاب العلم لأبي خيثمة \"ص١٤٤\" بتحقيق الألباني - المطبعة العمومية - دمشق.\n٥ الطبقات الكبرى \"٦/ ١١٦\".\n٦ راجع: جامع بيان العلم \"١/ ٦٢-٦٥\"، تقييد العلم \"٢٥، ٣٨، ٣٩، ٥٣-٥٦\".\n٧ راجع: جامع بيان العلم \"١/ ٧٢\".\n٨ تقييد العلم \"ص٩١، ٩٢\".","vol":"1","page":43},{"text":"اختار له الأمور اختيارًا وأخفي عنه، فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: \"والله ما قضى بهذا علي، إلا أن يكون ضل\"١.\nقال الحافظ التيجاني: \"هذا يدل على أن قضاء علي كان مكتوبًا، والقضاء يستند إلى السُّنَّة\"٢.\nوكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية بن أبي سفيان بعض الحديث٣.\nوروى أبو خيثمة -﵁- بسند صحيح عن ورَّاد كاتب المغيرة قال: أملى عليَّ المغيرة، وكتبته بيدي٤.\nوأجاز أبو أمامة الباهلي كتابة العلم، فقد سأله تلميذه الحسن بن جابر عن كتابة العلم فقال: لا بأس بذلك٥، وكتب عبد الله بن أبي أوفَى -﵄- حديث رسول الله -ﷺ- وأرسله إلى بعض أصحابه٦.\nوأبو هريرة -﵁- أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف على الإطلاق، وذلك ببركة دعاء النبي -ﷺ- له بالحفظ كما في صحيح البخاري، وإذا كان ممن لا يكتب الحديث الشريف، فإن تلاميذه كتبوا له حديثه، وأخذ هذه الكتب فحفظها عنده حتى لا يُغيَّر في حديثه أو يبدَّل فيه، وحتى تكون مقياسًا عنده لما نسب إليه من الأحاديث الكثيرة التي بثها في التابعين الذين بلغوا ثمانمائة نفس٧.\nوإذا كان أبو سعيد الخدري -﵁- كره الكتابة؛ فإنما هذا اجتهاد منه؛ لئلا يجعل الحديث كالقرآن في كتاب، وليس لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك، ومن جهة أخرى فإن ابنه خالفه، وكان يكتب حديثه٨.\n_________\n١ مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي \"١/ ١٩٧\".\n٢ سنة الرسول ﷺ \"ص٥٤\".\n٣ صحيح البخاري \"ص٢/ ١٥٣\" طبعة الشعب.\n٤ كتاب العلم \"ص١١٧\".\n٥ سنن الدارمي \"١/ ١٢٧\"، تقييد العلم \"ص٩٨\"، وإسناد أبي داود حسن.\n٦ صحيح البخاري \"٤/ ٦٢\" طبعة الشعب، وذكر البخاري أجزاء من الحديث الذي كتبه.\n٧ راجع: فتح الباري \"١/ ١٨٤\"، والعلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد \"١/ ٤٣\"، وجامع بيان العلم \"١/ ٨٩\".\n٨ تقييد العلم \"ص٣٦-٣٨\".","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي</span>\nثبت عن عدد كبير من الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كتبوا عن رسول الله -ﷺ- مباشرة، ومن هؤلاء: عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال في الحديث الذي رواه الدارمي وغيره: \"فأما الصادقة فصحيفة كتبتُها من رسول الله ﷺ\"١، وصحيفته الصادقة مشهورة عند المحدثين٢.\nوفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثًا عنه مني؛ إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب٣.\nوأبو هريرة تعلم الكتابة مؤخرًا ثم أتقنها بعد ذلك، فكان النهي في حقه في مرحلة مبكرة خشية الخطأ، ثم كتب بعد ذلك لما تمكن من الكتابة٤، فقد رُوي عنه قوله: \"إنني أملك أحاديث مكتوبة تملأ خمسة أجولة\"٥.\nوكانت مع علي بن أبي طالب -﵁- صحيفة في جراب سيفه سأله أبو جحيفة عما فيها فقال: العقل \"أي: الأحكام المتعلقة بالدية\" وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وهذا الحديث رواه البخاري وغيره٦.\n_________\n١ سنن الدارمي \"١/ ١٢٧\".\n٢ راجع: طبقات ابن سعد \"٢/ ٢/ ١٢٥\"، \"٤/ ٢/ ٨، ٩\"، \"٧/ ٢/ ١٨٩\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٥٨\"، تقييد العلم \"ص٨٤، ٨٥\" وفيه نصوص منها.\n٣ تقييد العلم \"٨٢\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧٠\".\n٤ راجع: صحيفة همام \"ص٣٧\"، دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث \"ص٤٣٣-٤٣٨\"، وقد رُوي أنه عرض كتابة الأحاديث على \"ابن وهب\" \"فتح الباري ١/ ١٤٨\".\n٥ حلية الأولياء \"١/ ٣٨١\"، وذكرت مصادر عديدة أن بشير بن مالك كتب عن أبي هريرة مجموعة أحاديث، وأنه حصل على إجازة من أبي هريرة لنقلها للناس. راجع: \"الكفاية ٣٩٩، ٤١١\"، طبقات ابن سعد \"٧/ ١/ ١٦٢\"، تهذيب التهذيب \"١/ ٤٧\"، تقييد العلم \"١٠١\".\n٦ راجع: صحيح البخاري \"٤/ ٢٨٩\" كتاب الفرائض \"٤/ ٣٢٤\" كتاب الديات \"٤/ ٤٢٥\" كتاب الاعتصام، وسنن الترمذي \"٦/ ١٨١، ١٨٢\" كتاب الديات، ورُوي أنه كان للإمام على كتاب وجد عند عبد الله بن عباس \"صحيح مسلم ١/ ٧\".","vol":"1","page":45},{"text":"وكانت لعبد الله بن عباس -﵄- كانت له كتب حمل بعير، وأنه ترك عددًا كبيرًا من المخطوطات كما قال ابن سعد في طبقاته الكبرى١، وسجل بعض الأحاديث عن رسول الله -ﷺ- وبعضها عن بعض كبار الصحابة مثل أبي رافع وغيره، كما صرح هو بذلك، فقد كان ابن عباس -﵄- يأتي أبا رافع -﵁- ويسأله: ما صنع النبي -ﷺ- يوم كذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب فيها٢، وقد شهدت بذلك سلمى مولاة رسول الله -ﷺ- فقالت: رأيت ابن عباس معه ألواح يكتب عليها عن أبي رافع شيئًا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\nوكتب سمرة بن جندب عن رسول الله -ﷺ- صحيفة مشهورة عند المحدثين٤.\n_________\n١ صحيح البخاري بشرح فتح البخاري \"٥/ ٢١٦\"، وذكرت بعض المصادر أنه في آخر حياته ذهب بصره واعتاد الناس أن يقرءوا له الكتب. راجع: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٨\"، الكفاية \"ص٣٨٤\".\n٢ راجع: تقييد العلم \"ص٩١، ٩٢\".\n٣ الطبقات لابن سعد \"٢/ ١٢٤\" وقد رُوي أن عبد الله بن عباس عين له كتبة ليسجلوا له الأحاديث \"الإصابة ٢/ ٣٣٢ - رقم ٤٧٨١\"، وكان يملي تلاميذه \"تقييد العلم ١٠٢\"، وكان كثيرًا ما ينصح الناس بتقييد العلم وتدوينه \"تقييد العلم ٩٢، جامع بيان العلم ١/ ٧٢\"، وأملى تلميذه \"مجاهد بن جبير\" تفسيره الشهير \"تفسير الطبري ١/ ٩٠\"، وكان يدون كل شيء سمعه \"طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٣، تقييد العلم ٩٢\"، ويروى أنه دون \"١٦٦٠\" حديثًا \"تدريب الراوي\" وبعد موت النبي -ﷺ- كان يسمع من الصحابة، واعتاد أن يحمل ألواحًا خشبية يدون عليها الأحاديث \"طبقات ابن سعد ٢/ ٢/ ١٢٣\"، تقييد العلم ٩١، ٩٢\"، وقد كثرت كتبه وتضخمت لدرجة أنها كانت تتطلب جملًا ينقلها من مكان لآخر \"طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٦، تقييد العلم ١٣٦\" وقد وصلت هذه الكتب تلميذه ومولاه \"كريب\" الذي أودعها بدوره عند موسى بن عقبة \"تقييد العلم ١٩، ١٣٦، طبقات ابن سعد ٥/ ٢١٦\"، وكان علي بن عبد الله بن عباس إذا أراد بعض كتب والده كتب لكريب: \"أرسل لي كتاب كذا وكذا، وحينئذ ينسخ كريب الكتاب المطلوب ويرسله إلى علي\" \"تقييد العلم ١٣٦، طبقات ابن سعد ٥/ ١٢٦، شذرات الذهب ١/ ١١٤\"، وكانت لديه نسخة الإمام علي بن أبي طالب الخاصة بالأحكام القضائية والتي رآها معه طاوس ونسخها لأحد تلاميذه \"صحيح مسلم ١/ ٧\".\n٤ راجع: تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين \"ص٢٥٤\"، توثيق السُّنَّة للدكتور رفعت فوزي \"٥١، ٥٢\". وقد جمعت صحيفة سمرة بن جندب أحاديث كثيرة، وذكر مرة أنها \"كتاب\" \"طبقات ابن سعد ٧/ ١/ ١١٥\" ومرة \"صحيفة\" \"دراسات إسلامية لجولد تسيهر ٢/ ١٠/ ٢٣\"، ومرة \"رسالة\" \"تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٦\"، وتذكرة الحفاظ \"٤/ ٢٣٦، ٢٣٧\"، وسلم هذه الأحاديث لابنه سليمان \"تهذيب التهذيب ٤/ ١٩٨\"، والحسن البصري \"طبقات ابن سعد ٧/ ١/ ١١٥\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٢٦٨-٢٨٩\".","vol":"1","page":46},{"text":"وكتب جابر بن عبد الله -﵄- صحيفة اشتهرت فيما بعد بصحيفة جابر بن عبد الله١، وأخرج الإمام مسلم منها في صحيحه ما يقرب من ثلاثين حديثًا في مناسك الحج، وأطولها حديث حجة الوداع٢.\nوكان لمعاذ بن جبل -﵁- كتاب حمله معه إلى اليمن عندما عُين واليًا عليها من قِبَلِ النبي صلى الله عليه وسلم٣.\nوكان لعمرو بن حزم الأنصاري -﵁- كتاب اشتمل على أحكام في الزكاة والدية والميراث وغيرها، حمله معه إلى نجران لما عينه الرسول واليًا عليها٤، وكان لسعد بن عبادة كتاب احتفظت به أسرته ورواه ابنه٥.\nوكان لشمعون بن زيد بن أبي ريحانة الأزدي -﵁- \"صحف\"، وقد اعتاد أن يكتب على وجهي ورق البردي، ويقال: إنه أول من ثنى الورق العريض بضغط الأوراق وحياكتها مع بعضها٦.\nوكانت لمحمد بن مسلمة الأنصاري \"ت٤٦هـ\" صحيفة، وُجدت في غمد سيفه٧، روى الرامهرموزي بسنده عن محمد بن سعيد قال: لما مات محمد بن\n_________\n١ راجع: الطبقات الكبرى \"٥/ ٣٤٤\".\n٢ وهو من رواية جعفر بن محمد عن أبيه، عنه، وفيه وصف كامل لحجة النبي ﷺ. راجع: صحيح مسلم بشرح النووي \"٣/ ٣١٣-٣٥٦\".\n٣ راجع: سيرة ابن هشام \"ص٨٨٦، ٨٨٧\"، \"٩٥٦، ٩٥٧\"، حلية الأولياء \"١/ ٢٤٠، ٢٤١\"، الأموال \"٢٧، ٣٧\".\n٤ وهو الكتاب الذي كتبه له الرسول ﷺ. راجع: تاريخ بغداد \"٨/ ٢٢٨\"، الموطأ \"٤/ ١٧٥، ١٧٦\" في كتاب العقول، سنن النسائي \"٨/ ٥٦-٦١\" كتاب القسامة، تاريخ الطبري \"١/ ١٧٢٨، ١٧٢٩\"، تقييد العلم \"ص٧٢\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧١\".\n٥ راجع: الأم للشافعي \"٧/ ١١٢\"، دراسات إسلامية لجولد تسيهر \"٢/ ٩، ١٠\"، \"٢/ ٢٢، ٢٣\". وفي سنن الترمذي \"٦/ ٨٩\" كتاب الأحكام، ومسند الإمام أحمد \"٥/ ٢٨٥\"، وتعجيل المنفعة لابن حجر \"٣٦، ٢١٤\": \"أخبرني ابن سعد بن عبادة أنه وجد في كتاب سعد أن ... \" الحديث. وصرح بعضهم بأنه كانت له كتب. راجع: مشاهير علماء الأمصار \"ص١٣٠\" رقم \"١٠٢٤\".\n٦ راجع: الإصابة \"٢/ ١٥٦\" رقم \"٣٩٢١\".\n٧ المحدث الفاصل \"ص٤٩٧\"، ومحمد هذا هو أكبر من اسمه محمد من الصحابة رضوان الله عليهم.","vol":"1","page":47},{"text":"مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي -ﷺ- يقول: إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا لها لعل دعوة أن توافق رحمة يسعد بها صاحبها سعادة لا يضر بعدها أبدًا١.\nوكانت لأبي اليَسَر: كعب بن عمرو بن عباد السلمي ﵁ \"ت٥٥هـ\" صحف، وذكرت المصادر أنه كان معه وعاء ممتلئ بالمخطوطات٢.\nوكان لأبي رافع \"ت٣٦هـ\" كتاب احتوى على أحاديث خاصة بالصلاة، وقد سلمه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام٣.\nوكانت لعبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄- كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، ذكر ذلك الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\"، وذكره أيضًا في \"تذكرة الحفاظ\"٤، كما ذكر غيره أن مولاه نافع قرأ له أحد هذه الكتب عدة مرات، وقالوا: إن هذا الكتاب ظل معه لمدة ثلاثين عامًا، وأما ما روي عنه من عدم الكتابة فيُحمل على أنه كان في البداية ثم عدل عن ذلك.\nوكانت لأنس بن مالك -﵁- كتب دوَّن فيها ما سمعه من رسول الله ﷺ، وصرح بذلك فيما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه، وذكره أيضًا الرَّامَهْرُمُوزي وغيره، وقد أخرجها في أخيريات حياته لبعض زواره وقال: \"هذه الكتب التي كتبت فيها ما سمعته من النبي -ﷺ- وقد أعطيت لهم كل هذه الكتب لدراستها والتمعن فيها\"٥.\n_________\n١ المصدر السابق \"ص٤٩٧\".\n٢ راجع: رجال الصحيحين \"ص٣٤٠، ٣٤١\" طبعة الهند.\n٣ الكفاية \"٣٩\".\n٤ راجع: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٨\" وقال: \"هذا غريب\"، وفي الجامع لأخلاق الراوي للخطيب: كان عبد الله بن عمر -﵁- إذا خرج إلى السوق ينظر في كتبه.\n٥ تقييد العلم \"ص٩٥، ٩٦\"، تاريخ بغداد \"٨/ ٢٥٩\"، المحدث الفاضل \"٣٤/ ب\"، تدوين الحديث \"ص٦٧، ٦٨\".","vol":"1","page":48},{"text":"وممن روى عنه أيضًا أنه كتب الحديث الشريف: عبد الله بن أبي أوفَى والمغيرة بن شعبة، وفاطمة بنت سيدنا محمد ﷺ، والسيدة عائشة ﵄، وأبو بكر الصديق الذي هَمَّ بجمع الأحاديث فدون خمسمائة حديث ثم أتلفها خشية أن يكون فيها حديث غير صحيح١، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وسليمان الفارسي، وأسماء بنت عميس، وفاطمة بنت قيس، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو بكرة الثقفي، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، ورافع بن خديج، وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله ﷺ، حتى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ ذكرت العديد من المصادر أنه كانت لديه بعض الأحاديث المكتوبة، ورُوي عنه قوله: \"قيِّدوا العلم بالكتاب\"٢، وهذا لا يتعارض مع رُوي عنه في خلافته من جمع الكتب وحرقها؛ وذلك لعدم ثبوته من طريق صحيح، ولمخالفته للواقع.\n_________\n١ راجع: تذكرة الحفاظ \"١/ ٥\".\n٢ رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك ﵄، راجع: المحدث الفاصل للرامهرمزي \"ص٣٧٧\"، تقييد العلم للخطيب \"ص٨٨\"، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر \"١/ ٦٨\" طبعة السلفية - الثانية \"١٣٨٨هـ/ ١٩٦٨م\".","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم</span>\nروى الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق ابن إسحاق، وحبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري حدثه أن عمر بن عبد العزيز حين استُخلف أرسل إلى المدينة يلتمس عهد النبي -ﷺ- وسره في الصدقات، فوجد عند آل عمر بن الخطاب كتاب عمر إلى عماله في الصدقات بمثل كتاب النبي -ﷺ- إلى عمرو بن حزم، فأمر عمر بن عبد العزيز عماله على الصدقات أن يأخذوا بما في ذينك١ الكتابين، فكان فيهما صدقة الإبل ما زادت على التسعين واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك فليس فيها ما لا تبلغ العشرة منها شيء حتى تبلغ العشرة٢.\nقال الحاكم: وأما كتاب النبي -ﷺ- لعمرو بن حزم، فإن إسناده من شرط هذا الكتاب؛ ولذلك ذكرت السياقة بطولها.\nأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي ببغداد، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبي، عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيهما، عن جدهما، عن رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم، فإذا بلغ قيمة الذهب مائتي درهم، ففي كل أربعين درهمًا درهم.\nهذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهو دليل على الكتاب المشروح المفسر٣.\n_________\n١ اسم إشارة بمعنى \"هذين\".\n٢ المستدرك للحاكم \"١/ ٣٩٤، ٣٩٥\" كتاب الزكاة، السنن الكبرى للبيهقي \"٤/ ٩١، ٩٢\" كتاب الزكاة.\n٣ المستدرك للحاكم \"١/ ٣٩٥\" ووافقه الذهبي في تصحيح الحديث.","vol":"1","page":51},{"text":"أخبرناه أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارَى، ثنا صالح بن عبد الله بن محمد بن حبيب الحافظ، ثنا الحكم بن موسى.\nوحدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي، ثنا أبو صالح الحكم بن موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ: أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث مع عمرو بن حزم فقُرئت على أهل اليمن، وهذه نسختها:\n\"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن كلال، قيل: ذي رعين ومعافر وهمدان، أما بعد..\nفقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خُمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ما سقت السماء أو كانت سحاء أو كان بعلاء ففيه العشر إذا بلغت خمسة أوسق١، وما سُقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الإبل السائمة٢ شاة إلى أن تبلغ أربعًا وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض٣، فإن لم توجد فابن لبون٤ ذكر إلى أن تبلغ خمسة وثلاثين، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ خمسة وأربعين، فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حِقَّة٥ طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت على ستين واحدة ففيها\n_________\n١ الوسق: ستون صاعًا.\n٢ السائمة: التي ترعى.\n٣ ابنة المخاض: هي التي أتى عليها حول ودخلت في السنة الثانية وحملت فصارت من المخاض، وهي الحوامل، والمخاض: اسم جماعة للنوق الحوامل.\n٤ ابن اللبون: الذي أتى عليه حولان ودخل في السنة الثالثة، فصارت أمه لبونًا بوضع الحمل؛ أي: ذات لبن.\n٥ حِقَّة: هي التي أتى عليها ثلاث سنين، ودخلت في السنة الرابعة، فاستحقت الحمل والضراب.","vol":"1","page":52},{"text":"جَذَعَة١ إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت واحدة على خمسة وسبعين ففيها ابنة لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت واحدة على تسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة طروقة الجمل، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع٢، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإن زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلاثمائة، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاةٍ شاةٌ، ولا يوجد في الصدقة هرمة ولا عجفاء ولا ذات عوار ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصَّدق، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة٣، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم وما زاد ففي كل أربعين درهمًا درهم وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين دينارًا دينار.\nإن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لأهل بيت محمد، إنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم ولفقراء المؤمنين وفي سبيل الله وابن السبيل، وليس في رقيق ولا في مزرعة ولا عمالها شيء إذا كانت تؤدى صدقتها من العشر، وأنه ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء\".\nقال: وكان في الكتاب: \"إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم\n_________\n١ جذعة: هي التي تمت لها أربع سنين ودخلت في الخامسة.\n٢ التبيع: هو ما دخل في الثانية، وسُمي تبيعًا لأنه فُطم عن أمه فهو يتبعها.\n٣ إنما يقع هذا في زكاة الخلطاء، وفيه إثبات الخلطة في المواشي، قال الإمام مالك: وتفسير قوله: \"لا يجمع بين مفترق\" أن يكون النفر الثلاثة الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة، قد وجبت على كل واحد منهم في غنمه الصدقة، فإذا أظلهم المصدق جمعوها؛ لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك، وتفسير قوله: \"ولا يفرق بين مجتمع\" أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا أظلهما المصدق فرقا غنمهما، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنُهي عن ذلك \"الموطأ ١٧\" كتاب الزكاة \"١٣\" باب صدقة الخلطاء - رقم \"٢٥\". وأظلهم: أي أشرف عليهم، والمصدق: أي آخذ الصدقة.","vol":"1","page":53},{"text":"الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وأن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل إملاك، ولا عتق حتى يبتاع، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد وشقه باد١، ولا يصلين أحد منكم عاقص٢ شعره، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد ليس على منكبه شيء\".\nوكان في الكتاب أن من اعتبط٣ مؤمنًا قتلًا عن بينة فله قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإبل، وفي الأنف الذي جدعه٤ الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرِّجْل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة٥ ثلث الدية، وفي الجائفة٦ ثلث الدية، وفي الْمُنَقَّلة٧ خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من الأصابع من اليد والرِّجْل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضَّحة٨ خمس من الإبل، وأن الرجل يُقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار.\nهذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وأقام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري بالصحة، كما تقدم ذكرى له، وسليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان يحيى بن معين غمزه، فقد عدله غيره كما أخبرنيه أبو أحمد الحسين بن علي ثنا\n_________\n١ باد: ظاهر.\n٢ عاقص شعره: عقص الشعر: ضفره وليُّه على الرأس.\n٣ اعتبطه: أي ذبحه.\n٤ جدعه: قطعه.\n٥ المأمومة: الشجة تبلغ أم الدماغ \"أو أم الرأس\".\n٦ الجائفة: الطعنة التي تبلغ الجوف والتي تخالط الجوف.\n٧ المنقلة: الشجة التي تنقل العظم -أي: تكسره- حتى يخرج منها فراش العظام، \"وفراش العظام: القشور التي تكون على العظم، وقيل: العظام التي تخرج من رأس الإنسان إذا شج وكسر\".\n٨ الموضَّحة: الشجة التي تُبدي وضح العظم.","vol":"1","page":54},{"text":"عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سمعت أبي وسئل عن حديث عمرو بن حزم في كتاب رسول الله الذي كتبه له في الصدقات، فقال لسليمان بن داود الخولاني: عندنا ممن لا بأس به قال أبو محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول ذلك.\nقال الحاكم: قد بذلت ما أدى إليه الاجتهاد في إخراج هذه الأحاديث المفسرة الملخصة في الزكاة ولا يستغنى هذا الكتاب عن شرحها، واستدللت على صحتها بالأسانيد الصحيحة عن الخلفاء والتابعين بقبولها واستعمالها بما فيه غنية لمن أناطها١، وقد كان إمامنا شعبة يقول في حديث عقبة بن عامر الجهني في الوضوء: لأن يصح لي مثل هذا عن رسول الله -ﷺ- كان أحب إلَيَّ من نفسي ومالي وأهلي، وذاك حديث في صلاة التطوع، فكيف بهذه السنن التي هي قواعد الإسلام! والله الموفق، وهو حسبي ونعم الوكيل٢.\nوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير: \"قوله: روي عن\n_________\n١ أناطها: أناط الشيء بغيره أي علقه.\n٢ المستدرك \"١/ ٣٩٥-٣٩٧\"، وقال الذهبي معقبًا: سليمان بن داود الدمشقي الخولاني معروف بالزهري، وإن كان ابن معين قد غمزه، فقد عدله غيره، قال أبو حاتم: عندي لا بأس به، وكذا قال أبو زرعة، وهذا الحديث بطوله رواه البيهقي في سننه الكبرى \"٤/ ٨٩، ٩٠\"، والنسائي في سننه \"٨/ ٥٧\" \"٤٥\" كتاب القسامة - حديث \"٤٨٥٣\". وقال البيهقي: وقد أخرج أحمد هذا الحديث في مسنده عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، ورواه النسائي في سننه \"٨/ ٥٧-٦٠\" \"٤٥\" كتاب القسامة \"٤٧، ٤٦\"، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له من طريق سليمان بن أرقم، عن الزهري به \"٤٨٥٤\"، ومن طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: قرأت كتاب رسول الله -ﷺ- الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فكتب رسول الله ﷺ: \"هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ... \" وكتب الآيات - الحديث رقم \"٤٨٥٥\". ومن طريق سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري قال: جاءني أبو بكر بن حزم بكتاب من أدَم عن رسول الله ﷺ: \"هذا بيان من الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ... \" وتلا منها آيات - الحديث \"٤٨٥٦\". ومن طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم في العقول - الحديث \"٤٨٥٧\".\nورواه أيضًا ابن حبان في صحيحه \"١٤/ ٥٠١-٥١٥ إحسان\" \"٦٠\" كتاب البيوع \"٧\" باب كتب المصطفى ﷺ - ذكر كتبة المصطفى ﷺ - كتابه إلى اليمن - حديث \"٦٥٥٩\". وذكر الزيلعي في نصب الراية \"٢/ ٣٣٩-٣٤٤\"، وابن عبد البر في جامع بيان العلم \"١/ ٧١\"، والطبري في تاريخه \"١/ ١٧٢٧\"، وابن هشام في سيرته \"٩٦١\"، وانظر أيضًا: كتاب الأموال \"٣٦٢-٣٦٨\"، تقييد العلم \"٧٢\".","vol":"1","page":55},{"text":"عمرو بن حزم أن النبي -ﷺ- كتب في كتابه إلى أهل اليمن: \"إن الذكر يقتل بالأنثى\"، هذا طرف من كتاب النبي -ﷺ- وهو مشهور، قد رواه مالك والشافعي عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم في العقول، ووصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي ولكن لم يسمع منه، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر، ومن طريقه الدارقطني، ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلًا، ورواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال: قرأت في كتاب رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي موصولًا مطولًا، من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود: حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده، وفرقه الدارمي في مسنده عن الحكم مقطعًا.\nوقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث، فقال أبو داود في المراسيل: قد أُسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم؛ وإنما هو سليمان بن أرقم، وقال في موضع آخر: لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود، وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم، وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي: إنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي وغيرهما، وقال جزرة: نا دُحَيم قال: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: كتب هذه الحكاية عني مسلم بن الحجاج، قلت: ويؤكد هذا ما رواه النسائي عن الهيثم بن مروان عن محمد بن بكار، عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري، وقال: هذا أشبه بالصواب،","vol":"1","page":56},{"text":"وقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطة لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه، وقال عبد الحق: سليمان بن داود هذا الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم، وتعقبه ابن عدي فقال: هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود وقد جوَّده الحكم بن موسى. انتهى.\nوقال أبو زرعة: عرضته على أحمد، فقال: سليمان بن داود هذا ليس بشيء، وقال ابن حبان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي له هو اليمامي، قلت: ولولا ما تقدم من أن الحكم بن موسى وهم في قوله: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم لكان لكلام ابن حبان وجه، وصححه الحاكم وابن حبان كما تقدم والبيهقي، ونُقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ، قال الحاكم: وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي عن ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم، فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به.\nوقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة، لا من حيث الإسناد؛ بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ، وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف بما فيه عند أهل العلم معرفة يُستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما رواه ابن وهب عن مالك عن الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وُجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ، وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب","vol":"1","page":57},{"text":"المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله -ﷺ- والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم، وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد عبد العزيز، وإمام عصره الزهري، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما١.\n_________\n١ التلخيص الحبير \"٤/ ١٧، ١٨\" رقم \"١٦٨٨\".","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>الفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث في القرن الأول الهجري</span>\nيمكن القول بأن هناك عدة أسباب ملحة لتدوين الحديث الشريف وكتابته:\n١- منها: الباعث الديني والتشريعي:\nحيث إن السُّنَّة تشتمل على الأحكام الفقهية والقواعد التشريعية، وكان لا بد من تدوينها وتسجيلها لتُحفظ خشية التحريف أو النسيان، وخاصة الأحاديث الطويلة نحو: أحاديث الزكاة والصدقات وأحاديث أحكام الديات ونحوها.\n٢- ومنها: الحرص على تسجيل حياة النبي ﷺ وكل ما فيها من تفاصيل وأعمال في بيته وفي المسجد وفي السوق وفي الغزوات وكافة المواقف والأفعال؛ وذلك للاقتداء به في الأفعال والأعمال وغيرها.\n٣- ومنها: تدوين السُّنَّة في رسائل إلى الملوك والأمراء من غير المسلمين؛ لدعوتهم إلى الإسلام، وبيان أهم سمات الإسلام وأبرز أهدافه.\n٤ ومنها: تدوين السُّنَّة في مكاتبات إلى أمراء الأجناد وقادة الثغور والسرايا وحكام الأقاليم، وعمال المسلمين في شتى البلاد، ونحو ذلك. ومن المكاتبات والمراسلات التي اشتملت على بعض الحديث الشريف، سواء بين الصحابة، أو بين الصحابة والتابعين، ومن ذلك:\n- كتب معاوية بن أبي سفيان للمغيرة بن شعبة يطلب منه بعض الأحاديث، فاستجاب المغيرة لطلب معاوية وأرسل له بعض الأحاديث بالبريد١.\n- وكتب ابن عباس لأبي موسى الأشعري يستفسر منه عن بعض الأحاديث، فأرسلها له بالبريد٢.\n_________\n١ صحيح البخاري \"٤/ ٤٢٣\" كتاب الاعتصام بالسُّنَّة.\n٢ مسند أبي داود الطيالسي \"٢/ ٧١\".","vol":"1","page":59},{"text":"- وأرسل أبو موسى الأشعري إلى عبد الله بن مسعود١.\n- وأرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية بن أبي سفيان٢.\n- وأرسل سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء٣.\n- وأرسل عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح٤.\n- وأرسل زيد بن أرقم إلى أنس بن مالك٥.\n- وأرسل النعمان بن بشير إلى قيس بن الهيثم٦.\n- وأرسل الضحاك بن قيس بن خالد إلى قيس بن الهيثم٧.\n- وأرسل عبد الله بن عمرو إلى عبد العزيز بن مروان٨.\n٥- ومنها: تتدوين السُّنة من أجل حفظها من الاندراس، والمحافظة عليها من التحريف؛ وذلك ليرجع إليها الصحابة صحيحة منزهة عن الخطأ والتحريف، وليرجع إليها مَن بعدهم من التابعين ثم أتباعهم ... إلخ، وهكذا الأجيال اللاحقة، ومن الصحابة الذين حفظوا السُّنة مكتوبة أصحاب الصحف والكتب الذين سبق ذكرهم.\n٦- ومنها: تدوين ضعيفي الحفظ؛ وذلك ليتمكنوا من حفظ حديث رسول الله -ﷺ- كما صدر عنه، وليتمكنوا من الرجوع إليه كلما أرادوا لتثبيت الحفظ وتجنب الخطأ. ومن ذلك الكتابة \"لأبي شاه\" بأمر من النبي ﷺ.\n_________\n١ المسند \"٤/ ٣٩٦، ٤١٤\".\n٢ المسند \"٤/ ٣٦١\".\n٣ ميزان الاعتدال \"٤/ ٥٤٦\" رقم \"١٠٣٧٥\".\n٤ سنن ابن ماجه \"٢/ ١٦٦\" كتاب الفرائض \"٩\" بباب ذوي الأرحام - في الحديث رقم \"٢٧٣٧\".\n٥ تهذيب التهذيب \"٣/ ٣٩٤\".\n٦ المسند \"٤/ ٢٧٧\".\n٧ المسند \"٣/ ٤٥٣\"، أسد الغابة \"٣/ ٣٧\"، الإصابة \"٢/ ٢٠٧\" رقم \"١٤٦٩\".\n٨ طبقات ابن سعد \"٤/ ١/ ١١٠، ١١١\".","vol":"1","page":60},{"text":"٧- التدوين بغرض الاستخدام الخاص: فقد رغب بعض الصحابة أن يكون لديهم سجل فيه حديث رسول الله ﷺ، فكان لعبد الله بن عمر كتب ينظر فيها من آنٍ لآخر، وكذلك غيره من الصحابة الذين كانت لهم صحف وكتب.\n٨- مكاتبات خاصة بالنبي ﷺ: فقد حُفظت بعض السنن من خلال المراسلات الرسمية للنبي، ومنها العقود والاتفاقات والمعاهدات.\n٩- التسجيل الثانوي من جانب طلاب الحديث: وذلك في حلقات العلم التي كان يعقدها الصحابة خاصة، فقد اعتاد واثلة بن الأسقع \"ت٨٣هـ\" أن يملي الأحاديث على طلابه في تلك المرحلة المبكرة١.\nوممن كانوا يعقدون حلقات لدراسة الأحاديث وحفظها وتدوينها: أُبي بن كعب \"ت٢٢هـ\"٢، وعبد الله بن مسعود \"ت٣٢هـ\"٣، وعبادة بن الصامت \"ت٣٤هـ\"٤، وعمران بن حصين \"ت٥٢هـ\"٥، وأبو هريرة \"ت٥٩هـ\"٦، وعبد الله بن عمرو بن العاص \"ت٦٥هـ\"٧، وعبد الله بن عباس \"ت٦٨هـ\"٨، وجابر بن عبد الله \"ت٧٨هـ\"٩، وغيرهم ﵁.\nوغير ذلك من العوامل والأسباب والبواعث التي استدعت كتابة الحديث.\n_________\n١ الإملاء \"١٣\"، الميزان \"٤/ ١٤٥\" رقم \"٨٦٥٨\"، تقييد العلم \"٩٩\".\n٢ طبقات ابن سعد \"٣/ ٢/ ٦١\".\n٣ طبقات ابن سعد \"٣/ ١/ ١١٠\"، \"٣/ ٢/ ٦١\".\n٤ التراتيب الإدارية \"١/ ٤٨\".\n٥ طبقات ابن اسعد \"٤/ ٢/ ٢٩\".\n٦ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٤٠، ٤٤١، ٤٣٣، ٤٣٦\".\n٧ طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ١٢، ١٣\".\n٨ طبقات ابن سعد \"٢/ ١/ ١٢١، ١٢٢\"، \"٧٩/ ٦\"، الكنى \"٢/ ١٢٦\"، تاريخ بغداد \"١/ ١٧٥\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٥\".\n٩ تهذيب التهذيب \"٢/ ٤٣\".","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف </span>١\nكما احتاط الصحابة في التحديث احتاطوا أيضًا وتثبتوا في قبول الأخبار عن رسول الله -ﷺ- خشية الوقوع في الخطأ، ومن مظاهر ذلك ما يلي:\nالأول: طلبهم شاهدًا على السماع: قال الحافظ الذهبي: كان أبو بكر -﵁- أول من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمس أن تُورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله -ﷺ- ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه٢.\nوروى الإمام البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: \"كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فرجعت فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع\"، فقال: والله لتقيمن عليه ببينة٣، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ؟ فقال أُبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي -ﷺ- قال ذلك٤، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك؛ ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم٥.\n_________\n١ راجع: المدخل إلى توثيق السنة \"ص٣٢-٣٤\".\n٢ تذكرة الحفاظ \"١/ ٣\" والحديث في الموطأ \"٢/ ٥١٣\"، وسنن أبي داود \"٣/ ٣١٦، ٣١٧\" \"١٣\" كتاب الفرائض \"٥\" باب في الجدة - حديث \"٢٨٩٤\"، سنن الترمذي \"٤/ ٣٦٥، ٣٦٦\" \"٣٠\" كتاب الفرائض \"١٠\" باب ما جاء في ميراث الجدة - حديث \"٢١٠٠\"، \"٢١٠١\"، سنن ابن ماجه \"٢/ ١٠٨، ١٠٩\" \"٢٣\" كتاب الفرائض \"٤\" باب ميراث الجدة - حديث \"٢٧٢٤\".\n٣ في لفظ مسلم: فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك.\n٤ صحيح البخاري بحاشية السندي \"٤/ ٨٨\"، صحيح مسلم \"٣/ ١٦٩٤\". وهو في الموطأ \"٢/ ٩٦٤\".\n٥ الموطأ \"٢/ ٩٦٤\".","vol":"1","page":63},{"text":"وروى الإمام مسلم عن المسور بن مخرمة قال: استشار عمر بن الخطاب الناس في ملاص المرأة١، فقال المغيرة بن شعبة: شهدت النبي قضى فيه بغُرَّة٢: عبد أو أمة. قال: فقال عمر ﵁: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمد بن مسلمة٣.\nوروى صفوان بن عيسى: أخبرنا محمد بن عمار عن عبد الله بن أبي بكر قال: كان للعباس بيت في قبلة المسجد، فضاق المسجد على الناس، فطلب إليه عمر البيع فأبى، فذكر الحديث٤. وفيه: فقال عمر لأُبي: لتأتيني على ما تقول ببينة، فخرجا فإذا ناس من الأنصار قال: فذكرهم، قالوا: قد سمعنا هذا٥ من رسول الله -ﷺ- فقال عمر: أما إني لم أتهمك؛ ولكني أحببتُ أن أتثبت٦.\n_________\n١ ملاص: هو جنين المرأة، والمشهور لغة: إملاص المرأة.\n٢ الغرة: العبد والأمة، فعبر عن الكل بالبعض، وأصل الغرة بياض الوجه، وغرة كل شيء أوله وأكرمه.\n٣ صحيح مسلم \"٣/ ١٣١١\" \"٢٨\" كتاب القسامة \"١١\" باب دية الجنين ... حديث رقم \"٣٩/ ١٦٨٩\".\n٤ انظر طبقات ابن سعد \"٤/ ١/ ١٣، ١٤\" و\"٣/ ١/ ٢٠٣\" ونصه كما رواه ابن سعد عن سالم أبي النضر أن عمر قال له: اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فتوسع بها في مسجدهم، فقال: لا ولا واحدة منها، فقال عمر: بيني وبينك من شئت، فقال: أُبي بن كعب، فانطلقا إلى أُبي، فقصا عليه القصة فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي -ﷺ- فقالا: حدثنا، فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتًا أُذكر فيه، فخط له هذا الخطة خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل، فسأله داود أن يبيعه إياه، فأبَى فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتًا أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيت الغصب، وليس من شأني الغصب، وإن عقوبتك ألا تبنيه، قال: يا رب فمن ولدي، قال: من ولدك\". قال: فأخذ عمر -﵁- بمجامع ثياب أبي بن كعب -﵁- وقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشهد منه لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله -ﷺ- فيهم أبو ذر، فقال: إني نشدت إليه رجلًا سمع رسول الله -ﷺ- يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره، فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله ﷺ، وقال آخر: أنا سمعته، وقال آخر: لنا سمعته -يعني من الرسول ﷺ- قال: فأرسل عمر أُبيًّا، قال: وأقبل أُبي على عمر فقال: يا عمر، أتتهمني على حديث رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: يا أبا المنذر، لا والله ما اتهمتك عليه؛ ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله -ﷺ- ظاهرًا، وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، فقال العباس: أما إذ فعلت هذا، فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسِّع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا، فخط عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم، وبناها من بيت مال المسلمين.\n٥ أي: حديث بناء بيت المقدس الذي ذكره أبي بن كعب ﵁.\n٦ تذكرة الحفاظ \"١/ ٨\" وانظر: طبقات ابن سعد \"٤/ ١/ ١٣، ١٤\".","vol":"1","page":64},{"text":"وعن مالك بن أوس قال: سمعت عمر يقول لعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد: نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض به أعلمتم أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إنا لا نورث، ما تركناه صدقة\"؟ قالوا: اللهم نعم١.\nوعن بُسر بن سعيد قال: أتى عثمانُ المقاعد، فدعا بوضوء، فتمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله -ﷺ- هكذا يتوضأ، يا هؤلاء أكذاك؟ \"لنفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- عنده\" قالوا: نعم٢.\nالثاني: التشدد في الحفظ والأداء خشية أن يكون الواحد منهم سمع الحديث أو حفظه على وجه لا ينبغي فيخطئ في أدائه، ويكذب على رسول الله -ﷺ- وإن كان غير متعمد، فقللوا من روايتهم عن رسول الله ﷺ، ولا شك أن المقل في الرواية أضبط وأتقن لما يُروى. قال عثمان بن عفان ﵁: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله -ﷺ- ألا أكون أوعى أصحابه عنه؛ ولكني أشهد لَسَمِعتُه يقول: \"مَن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار\" ٣.\nويقول الإمام علي كرم الله وجهه: \"إذا حدثتكم عن رسول الله فلأن أخرَّ من السماء أحب إليَّ من أن أقول عليه ما لم يقل\"٤.\nوصح عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه خطبهم فقال: \"إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار\"٥. فأبو بكر يبين للناس جميعًا أنه لا يحدث إلا بما يعلم ويثق منه، ثم إنه لم يكتفِ بالحيطة لنفسه؛ بل أمر الناس بذلك أيضًا، وحثهم على التثبت فيما يحدثون به أو يستمعونه، ومن\n_________\n١ مسند أحمد \"١/ ٢٨٨، ١٨٦، ١٨٧\" وإسناده صحيح.\n٢ مسند أحمد \"١/ ٣٧٢\" بإسناد صحيح.\n٣ مسند أحمد \"١/ ٦٥\".\n٤ صحيح مسلم بشرح النووي \"٣/ ١١٦\".\n٥ تذكرة الحفاظ \"١/ ٤\"، وفي مقدمة التمهيد \"١/ ١١\" ولفظه: قال أبو بكر الصديق ﵁: \"إياكم والكذب؛ فإنه مجانب الإيمان\".","vol":"1","page":65},{"text":"ذلك ما رواه الذهبي من مراسيل ابن أبي مليكة: أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: \"إنكم تحدثون عن رسول الله -ﷺ- أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافًا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئًا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحِلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه\".\nثم قال الحافظ الذهبي: \"يدلك هذا أن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنن، فلما أُخْبِرَه ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل: حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج\"١.\nالثالث: أنهم تشددوا مع الآخرين الذين يتلقون عنهم حديث رسول الله ﷺ: كما يوضح ذلك قول البراء بن عازب ﵁: \"ما كل الحديث سمعناه من رسول الله -ﷺ- كان يحدثنا أصحابنا وكنا منشغلين في رعاية الإبل، وأصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من رسول الله -ﷺ- فيسمعونه من أقرانهم وممن هو أحفظ منهم، وكانوا يشددون على من يسمعون منه\"٢، فروى الزهري أنا أبا بكر -﵁- حدث رجلًا حديثًا فاستفهمه إياه، فقال أبو بكر: هو كما حدثتك، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا أنا قلت ما لم يقل٣.\nالرابع: ومن مظاهر هذا التشدد: أنهم كانوا يستحلفون الراوي عن الرسول مهما كانت منزلته من رسول الله -ﷺ- وفي الإسلام؛ فقد روى علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فقام إليه عَبِيدَة السلماني فقال: \"يا أمير المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو لَسَمِعتَ هذا الحديث عن رسول الله ﷺ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو\" حتى استخلفه ثلاثًا وهو يحلف٤.\n_________\n١ تذكرة الحفاظ \"١/ ٣، ٤\"، وانظر: السنة قبل التدوين \"ص١١٣\".\n٢ معرفة علوم الحديث للحاكم \"ص١٤\".\n٣ راجع: السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب \"ص١١٢، ١١٣\" ومصادره.\n٤ صحيح مسلم بشرح النووي \"٣/ ١١٨، ١١٩\".","vol":"1","page":66},{"text":"وكذلك كان علي -﵁- يفعل، فروى الترمذي في سننه عن أسماء بن الحكيم الفزاري قال: سمعت عليًّا يقول: إني كنت رجلًا إذا سمعتُ من رسول الله -ﷺ- حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني به، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف صدقته، وإنه حدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: \"ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر له\" الحديث١.\nالخامس: ومن مظاهر هذا التشدد أيضًا أن بعضهم حَرَصَ على ألا يأخذ حديثًا منقطعًا لم يسمعه ناقله من رسول الله -ﷺ- إلا إذا بيَّن إسناده الموصل إلى رسول الله ﷺ، ومثال ذلك حديث مسلم الذي رواه أربعة من الصحابة: عمرو بن السعدي عن حُويطب، عن السائب، عن عمر بن الخطاب: أن رسول الله -ﷺ- كان يعطي عمر بن الخطاب -﵁- العطاء فيقول عمر: أعطِه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ: \"خذه فتموَّلْه أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وإلا فلا تُتْبِعهُ نفسَك\" ٢.\nوقال النووي في شرحه للحديث: \"وقد جاءت جملة من الأحاديث فيها أربعة صحابيون يروي بعضهم عن بعض، أو أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض\"٣.\nالسادس: ومن مظاهر الحيطة التوقف في قبول الحديث وعرضه على القرآن الكريم: مثاله: إنكار السيدة عائشة -﵂- حديث عمر: \"إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه\"؛ حيث فهم سيدنا عمر -﵁- أن ذلك عام، وأن التعذيب بسبب بكاء الأهل على الميت، فأنكرت عليه ذلك، وقالت: إنما قال النبي -ﷺ- في يهودية\n_________\n١ سنن الترمذي \"٢/ ٢٥٧، ٢٥٨\"، ومسند أحمد \"١/ ١٥٤، ١٧٤، ١٧٨\".\n٢ صحيح مسلم بشرح النووي \"٣/ ٨٤، ٨٥\".\nو\"مشرف\" أي: قائم على عمل بالإشراف، \"فلا تتبعه نفسك\" أي: لا تحرص عليه.\n٣ المصدر السابق.","vol":"1","page":67},{"text":"أنها تعذب وهم يبكون عليها؛ يعني: تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء، واحتجت بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] وقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] . فهي -﵂- ترى أن الحديث يخص الكافر وحده ولم تكذِّبْ عمر ولا ابنه عبد الله في رواية الحديث وخاصة الذي جاء فيه لفظ \"المؤمن\" \"في الصحيحين\"؛ وإنما ترى أنهما أخطآ أو نَسِيَا، واستندت إلى القرآن الكريم في الفَهْم الذي بان لها من روايات الحديث المختلفة.\nففي رواية في الصحيحين قالت: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله -ﷺ- أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه؛ ولكن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه\"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ١.\nوفي رواية في المستدرك٢: وأما قوله: إن الميت يعذب ببكاء الحي، فلم يكن الحديث على هذا؛ ولكن رسول الله -ﷺ- مر بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه فقال: \"إنهم ليبكون عليه، وإنه ليعذب\" ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٢] وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوفي رواية عند مسلم قالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن -أي: ابن عمر- أما إنه لم يكذب؛ ولكنه نسي أو أخطأ، إنما مر رسول الله -ﷺ- على يهودية يُبكى عليها، فقال: \"إنهم يبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها\" ٣.\nوفي رواية عند مسلم أيضًا قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله -ﷺ- جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: \"أنتم تبكون عليه وإنه ليعذب\" ٤.\n_________\n١ صحيح البخاري \"١/ ٣٩٧\" كتاب الجنائز \"٢٣\" باب قول النبي ﷺ: \"يعذب الميت ببكاء أهله عليه\" - حديث \"١٢٨٦، ٢٨٨\".\nصحيح مسلم \"٢/ ٦٤١، ٦٤٢\" \"١١\" كتاب الجنائز \"٩\" باب الميت يعذب ببكاء أهله - حديث \"٩٢٨/ ٢٣\".\n٢ المستدرك للحاكم \"٢/ ٢١٥\" كتاب العتق.\n٣ صحيح مسلم \"٢/ ٦٤٣\" \"١١\" كتاب الجنائز \"٩\" باب الميت يعذب ببكاء أهله - حديث \"٩٣٢/ ٢٧\".\n٤ صحيح مسلم \"٢/ ٦٤٢\" الموضع السابق - الحديث \"٩٣١/ ٢٥\".","vol":"1","page":68},{"text":"وقد جاء في رواية أخرى تصريحها أيضًا بعدم تكذيب عمر وابنه عبد الله -﵄- ففي رواية: \"إنكم لتحدثوني من غير كاذبين ولا مكذِّبين؛ ولكن السمع يخطئ\"١، وفي رواية: \"رحم الله عمر، ما كذب؛ ولكنه أخطأ، أو نسي\"٢.\nوقد ذكر القرطبي أن عمر وابنه -﵄- لم ينفردا برواية الحديث؛ وإنما رُوي عن عدة من الصحابة، فلا وجه لإنكار هذا الحديث، والأَوْلَى حمله على محمل صحيح.\nقال القرطبي: \"إنكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضًا ولم يسمع بعضًا -بعيد؛ لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون؛ فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل الصحيح، ومن هؤلاء: عمر، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وقيلة بنت مخرمة\"٣.\nوقد ذكر العلماء عدة أوجه محتملة في الجمع بين هذا الأحاديث التي رواها سيدنا عمر وغيره، والتي روتها السيدة عائشة ﵂.\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وقد جمع كثير من أهل العلم بين حديثي عمر وعائشة بضروب الجمع:\n- منها: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا أوصى أهله بذلك، وممن قال ذلك: المزي وإبراهيم الحربي وآخرون من الشافعية.\nوقال أبو الليث السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، ونقله النووي عن الجمهور، قالوا: وكان معروفًا للقدماء حتى قال طرفة بن العبد:\nإذا مِتُّ فانعيني بما أنا أهله ... وشُقِّي عليَّ الجيب يابنة مِعبَدِ\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي \"٢/ ٥٨٩-٥٩٣\".\n٢ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - للزركشي \"ص٧٦، ٧٧\".\n٣ المفهم \"٢/ ٥٨١\".","vol":"1","page":69},{"text":"ثم ذكر أن ذلك يقع أيضًا لمن نهى أهله عن ذلك ممن كان شأنهم ذلك، وهو قول داود وابن المرابط وطائفة.\n- ويرى الإمام البخاري صحة الحديثين جميعًا؛ ولكن ليسا على إطلاقهما، فحديث عمر إنما هو في النوح المنهي عنه، والذي فيه التفوه بمعارضة القدر والتمرد عليه، وإذا كان من سنته ذلك، ولا يكون فيه معارضة للآية الكريمة: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٢] .\nوقال نحو ذلك ابن حزم وطائفة، واستدل ابن حزم بحديث ابن عمر عند البخاري في قصة موت إبراهيم ابن النبي -ﷺ- وفيه: \"ولكن يُعذب بهذا\"، وأشار إلى لسانه، قال ابن حزم: فصح أن البكاء الذي يُعذب به الإنسان ما كان منه باللسان.\n- وقيل: معنى التعذيب: توبيخ الملائكة له بما يَنْدُبه أهله به.\n- وقيل: معنى التعذيب: تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها. اختاره الطبري ورجحه القاضي عياض وابن المرابط وابن تيمية١.\nومما سبق يتبين أنه لا تعارض بين السُّنَّة الصحيحة والقرآن الكريم.\nوقد قال العلماء: إن السيدة عائشة حملت اللام للعهد، وحملها سيدنا عمر على الاستغراق، وذلك في رواية: \"إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه\" ٢.\nالسابع: ومن مظاهر الحيطة عرض السُّنَّة على السُّنَّة، ومثاله ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلتُ على عائشة فقلت: يا أماه! إن جابر بن عبد الله يقول: \"الماء من الماء\" فقالت: \"أخطأ، جابر أعلم مني برسول الله ﷺ؟ يقول: \"إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل\"، أيوجب الرجم ولا يوجب الغسل؟! \"٣\n_________\n١ راجع: فتح الباري \"٣/ ١٨٥\" وما بعدها في ترجمة الباب السابق للبخاري.\n٢ راجع: الإجابة للزركشي \"ص٩٢\".\n٣ الإجابة \"ص١٤٥\".","vol":"1","page":70},{"text":"ومثاله أيضًا حديث شريك بن عبد الله عن المقدام بن شُريح بن هانئ عن عائشة قالت: \"من حدثكم أن رسول الله -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا\" رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه١.\nقال الترمذي: هو أحسن شيء في هذا الباب وأصح.\nوقال الإمام بدر الدين الزركشي: وإسناده على شرط مسلم٢.\nالثامن: ومن مظاهر الحيطة عرض الحديث على القياس: ومثاله: ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط\"، فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ فقال أبو هريرة: يابن أخي، إذا سمعتَ حديثًا عن رسول الله -ﷺ- فلا تضرب له مثلًا٣.\nالتاسع: ومن هذه الوسائل أيضًا عرض الحديث على ما يقول به الصحابة، متى كان الحديث مخالفًا لفتواهم دل ذلك على أن الرسول لم يقله أو أنه منسوخ، ومثاله: قال عبيد بن رفاعة الأنصاري: كنا نجلس في مجلس فيه زيد بن ثابت، فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: \"ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة\" فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل: اذهب أنت بنفسك فائتني به، حتى\n_________\n١ سنن الترمذي \"١٧/ ١\" أبواب الطهارة \"٨\" باب ما جاء في النهي عن البول قائمًا - حديث \"١٢\". وقال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح، سنن النسائي \"١/ ٢٦\" \"١\" كتاب الطهارة \"٢٥\" باب البول في البيت جالسًا - حديث \"٢٩\" سنن ابن ماجه \"١/ ١١٢\" \"١\" كتاب الطهارة \"١٤\" في البول قاعدًا - حديث \"٣٠٧\".\n٢ الإجابة \"ص١٦٦\".\n٣ سنن الترمذي \"١/ ١١٤، ١١٥\" أبواب الطهارة \"٥٨\" باب ما جاء في الوضوء مما غيرت النار - حديث \"٧٩\". قال أبو عيسى: وفي الباب عن أم حبيبة، وأم سلمة، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي موسى، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين من بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار، و\"الأقط\": لبن مجفف يابس، كأنه نوع من الجبن، و\"الثور\": القطعة منه، و\"الحميم\": الماء الحار.","vol":"1","page":71},{"text":"تكون أنت الشاهد عليه، فذهب فجاء به وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله -ﷺ- منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي عُدي نفسه، تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد: أما والله ما ابتدعتُه؛ ولكن سمعته من أعمامي: رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاري. فقال عمر لمن عنده: يا عباد الله، قد اختلفتم، وأنتم أهل بدر الأخيار، فقال له علي: فأرسل إلى أزواج النبي، فإنه إن كان شيء من ذلك ظَهَرْنَ عليه، فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: \"لا علم لي بذلك\"، ثم أرسل إلى عائشة فقالت: \"إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل\"، فقال عمر عند ذلك: \"لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلتُه نكالًا\"١.\nالعاشر: ومن مظاهر الحيطة في قبول الحديث الشريف أنهم كانوا إذا وجدوا كتابًا لا يحدثون بما فيه إلا إن تأكدوا من سماعه أو قراءته على صاحبه، فقد كان عمر بن الخطاب -﵁- يكره تلقي الحديث من الكتب دون سماع أو قراءة، فقال: \"إذا وجد أحدكم كتابًا فيه علم لم يسمعه من عالم فليَدْعُ بإناء وماء فلينقعه فيه حتى يختلط سواده مع بياضه\"٢.\nتلك آثار تبين منهج الصحابة في التثبت والتأكد من الأخبار، وهذا لا يعني أبدًا أن الصحابة اشترطوا لقبول الحديث أن يرويه راويان فأكثر أو أن يشهد الناس على الراوي أو يُستحلف، فإذا لم يحصل شيء من هذا رُدَّ خبرُه؛ بل كان الصحابة يثبتون في قبول الأخبار ويتبعون الطريقة التي تطمئن إليها نفوسهم، فلم يكن ذلك شأنهم المستمر؛ بل كان يحصل إذا ما ارتابوا في ضبط الراوي ونحوه، كما كان الهدف حمل المسلمين على جادَّة التثبت العلمي والتحفظ في دين الله حتى لا يتقول أحد على الرسول -ﷺ- ما لم يقل، ويتضح هذا في قول عمر -﵁- عندما رجع أبو موسى الأشعري مع أبي سعيد الخدري وشهد له: \"أما إني\n_________\n١ الإجابة لما استدركته السيدة عائشة على الصحابة \"ص٧٨\".\n٢ الكفاية في علم الرواية \"ص٣٥٣\" طبعة الهند.","vol":"1","page":72},{"text":"لم أتهمك؛ ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ\"١، وكما قال الذهبي: \"إن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به الواحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد\"٢.\nوقال أيضًا بعد إيراد طريقة الصديق في التثبت: \"إن مراد الصديق التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية\"٣.\nوكما طلب الصحابة من الراوي شهادة غيره أيضًا، قبلوا أحاديث كثيرة برواية الآحاد وبَنَوْا عليها أحكامهم٤.\nفقد قبل عمر -﵁- رواية الضحاك بن سفيان: أن رسول الله -ﷺ- كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دينه، ولم يطلب بينة، وقد سبق قول سيدنا عمر أيضًا لأُبي: إما إني لم أتهمك؛ ولكن أحببت أن أتثبت.\nوقال علي: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر.\n_________\n١ موطأ مالك \"٢/ ٩٦٤\"، والرسالة \"٤٣٥\"، وتوجيه النظر \"ص١٦\".\n٢ تذكرة الحفاظ \"١/ ٦، ٧\".\n٣ المصدر السابق \"١/ ٤\".\n٤ راجع: السنة قبل التدوين \"ص١١٦، ١١٧\".","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف</span>\nعرَف الصحابة منزلة السُّنَّة، فتمسكوا بها، وتتبعوا آثار الرسول -ﷺ- وأبَوْا أن يخالفوها متى ثبتت عندهم.\nواحتاطوا في رواية الحديث عن النبي -ﷺ- خشية الوقوع في الخطأ، وخوفًا من أن يتسرب إلى السُّنَّة المطهرة الكذبُ أو التحريف، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم؛ ولهذا فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- اتَّبعوا كل سبيل يُمكِّنهم من حفظ السُّنَّة المطهرة.\nوكان سيدنا عمر شديد الإنكار على مَن أكثر الرواية وكان يأمر بأن يُقِلوا من الرواية، يريد بذلك ألا يتسع الناس فيها حتى لا يدخلها الشوب، ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر.\nوقد كان المنهج العام عند الصحابة هو: التشدد في رواية الحديث، والتثبت في السماع، والتروي في الأداء لأسباب؛ أهمها: حتى لا ينصرف الناس عن الحفظ الجيد للقرآن الكريم، وخشية الخطأ أو وقوع التحريف، ويتضح ذلك خلال العرض الآتي: تشدد عمر بن الخطاب في رواية الحديث الشريف، فحمل الناس على التثبت مما يسمعون، والتروي فيما يؤدون، فكان له الفضل الكبير في صيانة الحديث من الشوائب والدخل.\nويصور لنا أبو هريرة -﵁- محافظة الصحابة على السُّنَّة في عهد عمر بإجابته عن سؤال طرحه عليه أبو سلمة، قال له: أكنتَ تحدث في زمان عمر هكذا؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته. وفي رواية قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثتُ بها زمن عمر لضربني عمر بالدرة١.\n_________\n١ جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٢١\".","vol":"1","page":75},{"text":"وقد كان تشدد عمر والصحابة معه للمحافظة على القرآن الكريم، بجانب المحافظة على السُّنَّة، فقد خَشِي أن يشتغل الناس بالرواية عن القرآن الكريم، وهو دستور الإسلام، فأراد أن يحفظ المسلمون القرآن جيدًا، ثم يعتنوا بالحديث الشريف الذي لم يكن قد دُوِّن كله في عهد الرسول -ﷺ- كالقرآن. فنهج لهم التثبت العلمي والإقلال من الرواية مخافة الوقوع في الخطأ، وقد عُرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد فسُمح لهم بالتحدث.\nويتجلى منهج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- في وصيته التي أوصى بها وفده إلى الكوفة فيما رُوي عن قرظة بن كعب أنه قال: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة، وشيَّعنا إلى موضع قرب المدينة يقال له: \"صرار\"، قال: أتدرون لِمَ مشيتُ معكم؟ قال: قلنا: لحقِّ صحبة رسول الله -ﷺ- ولحق الأنصار. قال: لكني مشيت معكم لحديث أردت أن أحدثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم: إنكم تَقْدُمون على قوم للقرآن في قلوبهم هزيز كهزيز المرجل، فإذا رأوكم مدوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمد، فأقلوا الرواية عن رسول الله -ﷺ- وأنا شريككم١. وفي رواية: فلما قدم قرظة بن كعب قالوا: حدِّثنا، فقال: نهانا عمر رضي الله عنه٢.\nورُوي عن أمير المؤمنين عثمان -﵁- أنه اتبع منهج الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -﵁- ومنع الإكثار من الرواية، قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحل لأحد يروي حديثًا عن رسول الله لم أسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر؛ فإنه لم يمنعنا أن نحدث عن رسول الله -ﷺ- ألا أكون أوعى لأصحابي عنه؛ إلا أني سمعته يقول: \"من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوأ\n_________\n١ سنن ابن ماجه \"١/ ٩\"، وطبقات ابن سعد \"٦/ ص٢\"، والهزيز: الصوت. وقوله: وأنا شريككم أي: شريككم في الإقلال أي: أنصحكم بذلك وأعمل بنصيحتي، لا كما ذهب إليه السندي من أنه شريك في الأجر؛ بسبب أنه الدال الباحث لهم عن الخير.\n٢ تذكرة الحفاظ \"١/ ٧\"، وجامع بيان العلم \"٢/ ١٢٠\"، وانظر: سنن الدارمي \"١/ ٨٥\"، وسنن البيهقي \"١/ ١٢\".","vol":"1","page":76},{"text":"مقعده من النار\"١، وفي رواية: \"مَن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" ٢.\nويُروى أن معاوية كان يقول: \"اتقوا الروايات عن رسول الله -ﷺ- إلا ما كان يذكر منها في زمن عمر؛ فإن عمر كان يُخوِّف الناس في الله تعالى\"٣.\nوالتزم جمهور الصحابة في الخلافة الراشدة منهج عمر بن الخطاب -﵁- خشية أن يقعوا في الخطأ مع كثرة تحملهم عن الرسول ﷺ. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الحديث؛ ولكن العلم الخشية٤.\nومن الصحابة من لم يُحدث إلا بأحاديث معدودة، ومنهم من لم يحدث إلا بحديث واحد مثل:\nأُبي بن عمارة المدني، قال المزي: له حديث واحد في المسح على الخفين، رواه أبو داود وابن ماجه٥.\nوآبِي اللحم الغفاري، قال المزي: له حديث واحد في الاستسقاء، رواه الترمذي والنسائي٦.\nأحمد بن جزء البصري، قال المزي: له حديث واحد؛ أن رسول الله -ﷺ- كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، رواه أبو داود وابن ماجه وتفرد به عنه الحسن البصري٧.\n_________\n١ قبول الأخبار \"ص٢٩\"، انظر الحديث في مسند أحمد \"١/ ٣٦٣\" مختصرًا بإسناد صحيح.\n٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد \"١/ ١٤٣\"، وقال: ورجاله رجال الصحيح.\n٣ رد الدارمي على بشر المريسي \"ص١٣٥\"، وانظر: تذكرة الحفاظ \"١/ ٧\" وانظر: السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب \"ص٩٦-٩٨\".\n٤ مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول \"ص١\".\n٥ سنن أبي داود \"١/ ١٠٩، ١١٠\" \"١\" كتاب الطهارة \"٦٠\" باب التوقيت على المسح - حديث رقم \"١٥٨\"، سنن ابن ماجه \"١/ ١٨١\" كتاب الطهارة \"٨٧\" باب ما جاء في المسح بغير توقيت - حديث رقم \"٥٥٧\".\n٦ سنن الترمذي \"٢/ ٤٤٣\" كتاب الطهارة \"٢٧٨\" باب ما جاء في صلاة الاستسقاء - حديث رقم \"٥٥٧\"، سنن النسائي \"٣/ ١٥٩\" كتاب الطهارة \"١٧\" رفع الإمام يده في الاستسقاء - حديث رقم \"١٥١٤\".\n٧ سنن أبي داود \"٢\" كتاب الصلاة \"١٥٨\" باب صفة السجود - حديث رقم \"٩٠٠\" سنن ابن ماجه \"٥\" كتاب إقامة الصلاة \"١٩\" باب السجود - حديث رقم \"٨٨٦\".","vol":"1","page":77},{"text":"أدْرُع السلمي، قال المزي: له حديث: جئت ليلة أحرس النبي -ﷺ- فإذا رجل قراءته عالية، رواه ابن ماجه١.\nحَدْرَد بن أبي حدرد السلمي، روى حديثًا واحدًا: \"من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه\" رواه أبو داود٢.\nولا يتعارض إكثار بعض الصحابة في الرواية مع مبدأ التحري من صحة الرواية، فهذا المبدأ التزم به المكثرون والمقلون معًا:\nفمثلًا أنس بن مالك الذي كان من المكثرين قال: \"إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي -ﷺ- قال: \"مَن تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار\" ٣.\nوقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: \"أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب محمد -ﷺ- ما منهم أحد يحدث بحديث إلا وَدَّ أن أخاه كفاه إياه، ولا يُستفتَى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه\"، وفي رواية: \"يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول\".\nوقال مجاهد: صحبتُ ابن عمر من مكة إلى المدينة فما سمعتُه يحدث عن رسول الله -ﷺ- إلا هذا الحديث: \"مَثَلُ المؤمن مَثَلُ النخلة\" ٤.\nوقال السائب بن يزيد: صحبتُ سعد بن أبي وقاس من المدينة إلى مكة، قال: فما سمعته يحدث عن النبي -ﷺ- حديثًا حتى رجع٥.\n_________\n١ سنن ابن ماجه \"٦\" كتاب الجنائز \"٤١\" باب ما جاء في حفر القبر - حديث رقم \"١٥٥٩\".\n٢ سنن أبي داود \"٥\" كتاب الأدب \"٥٥\" باب فيمن يهجر أخاه المسلم - حديث رقم \"٤٩١٥\".\n٣ صحيح البخاري بحاشية السندي \"١/ ٣١\".\nصحيح مسلم \"١/ ١٠\" المقدمة \"٢\" باب تغليظ الكذب على رسول الله - حديث رقم \"٢\".\n٤ صحيح مسلم \"٢/ ٢١٦٥\" \"٥٠\" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم \"١٥\" باب \"مثل المؤمن مثل النخلة\" - حديث رقم \"٦٤/ ٢٨١١\".\n٥ سنن ابن ماجه \"١/ ٩\" السنن الكبرى للبيهقي \"١/ ١٢\"، المحدث الفاصل \"ص١٣٤\" - طبقات ابن سعد \"٣/ ١/ ١٠٢\".","vol":"1","page":78},{"text":"فتشدد الصحابة في الرواية كراهة التحريف أو الزيادة والنقصان في الرواية عن رسول الله ﷺ؛ لأن كثرة الرواية كانت في نظر الكثيرين منهم مظنة الوقوع في الخطأ والكذب على الرسول ﷺ، وقد نهى النبي -ﷺ- عن الكذب عليه فقال: \"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\"، ونهى عن رواية ما يُرى أنه كذب فقال: \"من حدث عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين\" ١، وفي الحديث الصحيح: \"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع\" ٢.\nتلك هي طريقة الصحابة ومنهجهم في المحافظة على حديث رسول الله خشية الوقوع في الخطأ، أو تسرب الدس إلى الحديث الشريف من الجهلاء وأصحاب الأهواء، أو أن تحمل بعض الأحاديث على غير وجه الحق والصواب، فيكون الحكم بخلاف ما أخذوا به، ففعلوا ذلك كله احتياطًا للدين ورعاية لمصالح المسلمين، لا زهدًا في الحديث النبوي ولا تعطيلًا له، فقد ثبت عن الصحابة جميعًا تمسكهم بالحديث الشريف، وإجلالهم إياه، وأخذهم به، وقد تواتر خبر اجتهاد الصحابة إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو حرام، وفزعهم إلى كتاب الله تعالى، فإن وجدوا فيه ما يريدون تمسكوا به، وأجروا \"حكم الحادثة\" على مقتضاه، وإن لم يجدوا ما يطلبون فزعوا إلى \"السُّنَّة\"، فإن رُوي لهم خبر أخذوا به، ونزلوا على حكمه، وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد بالرأي٣.\nوطريقة أبي بكر وعمر في الحكم مشهورة؛ كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به التزمه، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله -ﷺ- فإن وجد فيها ما يقضي به قضى به، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله -ﷺ- قضى فيه بقضاء؟\n_________\n١ رواه مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب، وحديث المغيرة بن شعبة \"١\" المقدمة \"١\" باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين والتحذير من الكذب على رسول الله ﷺ.\n٢ صحيح مسلم \"١/ ١٠\" المقدمة \"٣\" باب النهي عن الحديث بكل ما سمع - من حديث أبي هريرة \"٥\".\n٣ انظر: الملل والنحل للشهرستاني \"ص٤٤٦، ٤٤٧\".","vol":"1","page":79},{"text":"فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا، فإن لم يجد سنة سنها النبي -ﷺ- جمع رؤساء الناس فاستشارهم١ ... وكان عمر -﵁- يفعل ذلك.\nهكذا كان منهج الصحابة جميعًا في كل ما يرد عليهم، وليس لأحد بعد هذا أن يتخذ بعض ما ورد عن بعض الصحابة ذريعة لهواه فينكر السُّنة أو يشكك فيها، وخاصة الأحاديث التي رواها المكثرون من رواية الحديث الشريف من الصحابة؛ كأبي هريرة وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعائشة ﵃ أجمعين.\nوقد وضح هذه المسألة الأئمة والحفاظ ومنهم ابن عبد البر والخطيب البغدادي، يقول ابن عبد البر: احتج بعض مَن لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم، الطاعنين في السنن، بحديث عمر -﵁- هذا قوله: \"أقِلُّوا الرواية عن رسول الله ﷺ\"، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد في سنن رسول الله -ﷺ- التي لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها، ولا حجة في هذا الحديث، ولا دليل على شيء مما ذهبوا إليه من وجوه ذكرها أهل العلم؛ منها:\nأن وجه قول عمر إنما كان لقوم لم يكونوا أحصَوْا القرآن، فخَشِي عليهم الاشتغال بغيره عنه؛ إذ هو الأصل لكل علم، هذا معنى قول أبي عبيد في ذلك.\nوقال غيره: إن عمر إنما نهى عن الحديث عما لا يفيد حُكمًا ولا يكون سُنة.\nوطعن غيرهم في حديث قرظة هذا وردَّه؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه، منها ما روى مالك ومعمر وغيرهما عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب، في حديث السقيفة أنه خطب يوم جمعة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني أريد أن أقول مقالة قد قُدِّر لي أن أقولها، من وعاها وعقلها وحفظها فليحدث بها حيث تنتهى به راحلته، ومن خشي ألا يعيَها فإني لا أحل له أن يكذب عليَّ٢.\n_________\n١ إعلام الموقعين \"١/ ٦٢\".\n٢ انظر هذا القول لعمر -﵁- رواه الخطيب البغدادي عن ابن عباس في الكفاية \"ص١٦٦\".","vol":"1","page":80},{"text":"وهذا يدل على أن نهيه عن الإكثار، وأمره بالإقلال من الرواية عن رسول الله -ﷺ- إنما كان خوف الكذب على رسول الله -ﷺ- وخوفًا من أن يكونوا -مع الإكثار- يحدثون بما لم يتيقنوا حفظه ولم يعوه؛ لأن ضبط من قلَّت روايته أكثر من ضبط المتكثر، وهو أبعد من السهو والغلط الذي لا يُؤمن مع الإكثار؛ فلهذا أمرهم عمر بالإقلال من الرواية، ولو كره الرواية وذمها لنهى عن الإقلال منها والإكثار، ألا تراه يقول: \"فمن حفظها ووعاها فليحدث بها\"، فكيف يأمرهم بالحديث عن رسول الله -ﷺ- وينهاهم عنه؟ هذا لا يستقيم؛ بل كيف ينهاهم عن الحديث عن رسول الله -ﷺ- ويأمرهم بالإقلال منه، وهو يندبهم إلى الحديث عن نفسه بقوله: من حفظ مقالتي ووعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته؟! ثم قال: ومن خشي ألا يعيها فلا يكذب عليَّ، وهذا يوضح لك ما ذكرنا، والآثار الصحاح عنه من رواية أهل المدينة بخلاف حديث هذا؛ وإنما يدور على \"بيان١\" عن \"الشعبي\" وليس مثله جدة في هذا الباب؛ لأنه يعارض السنن والكتاب.\nقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، ومثل هذا في القرآن كثير، ولا سبيل إلى اتباعه٢ والتأسي به والوقوف عند أمره إلا بالخبر عنه، فكيف يتوهم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به. وقد قال رسول الله ﷺ: \"نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى مَن لم يسمعها ... \" الحديث، وفيه الحض الوكيد على التبليغ عنه ﷺ، وقال: \"خذوا عني في غير ما حدثت وبلِّغوا عني\"، والكلام في هذا أوضح من النهار لأُولى النهى\n_________\n١ هو بيان بن بشر الأحمي أبو بشر الكوفي، موثق، وطعن ابن عبد البر في روايته هذه؛ لأنه خالف من هو أوثق منه، وهذا لا يمنع صحتها؛ ولكن يجمع بينهما. انظر: الإحكام لابن حزم \"٢/ ١٣٧\"، وانظر كلام ابن عبد البر الآتي.\n٢ أي: اتباع الرسول ﷺ.","vol":"1","page":81},{"text":"والاعتبار، ولا يخلو الحديث عن رسول الله -ﷺ- من يكون خيرًا أو شرًّا، فإن كان خيرًا -ولا شك في أنه خير- فالإكثار من الخير أفضل، وإن كان شرًّا فلا يجوز أن يُتوهم أن عمر يوصيهم بالإقلال من الشر١.\nوهذا يدلك أنه إنما أمرهم بذلك خوف مواقعة الكذب على رسول الله -ﷺ- وخوف الاشتغال عن تدبر السنن والقرآن؛ لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه.\nوذكر مسلم بن الحجاج في كتاب التمييز عن قيس بن عبادة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: من سمع حديثًا فأداه كما سمع فقد سلم.\nومما يدل على هذا ما ذكرناه فيما يروى عن عمر أنه كان يقول: تعلموا الفرائض والسُّنة كما تتعلمون القرآن. فسوى بينهما.\nوكتب عمر: تعلموا السُّنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن. قالوا: اللحن معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به، وعمر هو الناشد للناس في غير موقف؛ بل في مواقف شتى: من عنده علم عن رسول الله -ﷺ- في كذا، نحو ما ذكره مالك وغيره عنه في توريث المرأة من دية زوجها، وفي الجنين يسقط ميتًا عند ضرب بطن أمه وغير ذلك.\nوكيف يتوهم على عمر ما توهمه الذين ذكرنا قولهم وهو القائل: \"إياكم والرأي، فإن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها\". وعمر أيضًا هو القائل: خير الهدى هدى محمد ﷺ. وهو القائل: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.\nثم يقول ابن عبد البر: وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلها عن عمر صحيحة متفقة، ويخرج معناها على أن من شك في شيء تركه، ومن حفظ شيئًا وأتقنه جاز له أن يحدث به، وإن كان الإكثار يحمل الإنسان على التقَحُّم٢ في أن يحدث بكل ما سمع من جيد ورديء، وغث وسمين، وقد قال رسول الله ﷺ:\n_________\n١ انظر: إعلام الموقعين \"١/ ٥٥\" لمعرفة المزيد من حرص سيدنا عمر على السُّنة.\n٢ التقحم: عدم المبالاة.","vol":"1","page":82},{"text":"ﷺ: \"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع\" رواه مسلم١. ولو كان مذهب عمر ما ذكرنا؛ لكانت الحجة في قول رسول الله -ﷺ- دون قوله، فهو القائل: \"نضر الله عبدًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها وبلغها\"، وقال النبي: \"تسمعون ويُسمع منكم\" رواه أبو داود والإمام أحمد والحاكم٢.\nويقول الخطيب البغدادي:\nإن قال القائل: ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله -ﷺ- وتشديده عليهم في ذلك؟ قيل له: فعل ذلك عمر احتياطًا للدين وحسن نظر للمسلمين؛ لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال، ويتكلوا على ظاهر الأخبار، وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها، ولا كل من سمعها عرف فقهها، فقد يرد الحديث مجملًا ويستنبط معناه وتفسيره من غيره، فخشي عمر أن يُحمل حديث على غير وجهه، أو يؤخذ بظاهر لفظه، والحكم بخلاف ما أُخذ، ونحو من هذا.\nالحديث الآخر عن معاذ قال: كنت ردف رسول الله -ﷺ- على حمار له يقال له: عُفَيْر، فقال: \"يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله\"؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب مَن لا يشرك به\"، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: \"لا، فيتكلوا\" ٣.\nوفي تشديد عمر على الصحابة في رواياتهم حِفْظٌ لحديث رسول الله -ﷺ- وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يُدخل في السنن ما ليس منها؛ لأنه إذا رأى الصحابي المقبول القول، المشهور بصحبة النبي -ﷺ- قد تُشُدِّدَ عليه في\n_________\n١ صحيح مسلم \"١/ ١٠\" المقدمة \"٣\" باب النهي عن الحديث بكل ما سمع - حديث رقم \"٥\".\n٢ جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٢١-١٢٤\".\n٣ رواه البخاري في صحيحه \"١/ ٢٣٦ - فتح \" من حديث أنس بن مالك أن رسول الله ومعاذًا رديفه على الرحل قال: \"يا معاذ بن جبل ... \" الحديث.","vol":"1","page":83},{"text":"روايته، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، وبهذا يسلم حديث رسول الله -ﷺ- فلا يتطرق إليه الكذب، ولا يزاد عليه ما ليس منه١.\nوروى الخطيب عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية على المنبر بدمشق يقول: \"يأيها الناس، إياكم وأحاديث رسول الله -ﷺ- إلا حديثًا كان يذكر على عهد عمر -﵁- فإن عمر كان يخيف الناس في الله ﷿\"٢.\nوإلى هذا المعنى الذي ذكرناه ذهب عمر في طلبه من أبي موسى الأشعري أن يحضر معه رجل يشهد أنه سمع من رسول الله -ﷺ- حديث السلام؛ لكن فعله على الوجه الذي بيناه من الاحتياط؛ لحفظ السنن والترهيب في الرواية، والله أعلم. انتهى٣.\nفلقد كان الصحابة جميعًا يتثبتون في الحديث، ويتأنون في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحته، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تقضي إلى ذلك، فاتبعوا منهجًا سليمًا يمنع الشوائب من أن تدخل السُّنة النبوية فتفسدها.\nوتميز في حمل لواء هذه المحافظة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد ظهر لنا -مما رُوى عنه- اهتمامه الكبير بالسُّنة النبوية وإجلاله للحديث الشريف، وإن الأخبار التي رُويت عنه في هذا الشأن ليدعم بعضها بعضًا في سبيل نشر العلم والحرص على سلامة السُّنة؛ ومن ثَم ليس لأحد أن يرى تناقضًا بين وصية عمر لأهل العلم والآثار الأخرى المروية عنه، فهو إذا طلب الإقلال من الرواية، فإنما يطلبه من باب الاحتياط لحفظ السنن والترهيب في الرواية، وأما من كان يتقن ما\n_________\n١ انظر: السنة قبل التدوين للدكتور/ محمد عجاج الخطيب \"ص١٠٤\" ومصادره.\n٢ انظر نحو هذا القول عن معاوية في تذكرة الحفاظ \"١/ ٧\".\n٣ شرف أصحاب الحديث \"ص٩٢، ٩٣\" وحديث السلام هو حديث أبي سعيد الخدري قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر ثلاث مرات فلم يؤذن له فرجع، فأرسل عمر في أثره فقال: لِمَ رجعت؟ فقال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"إذا سلم أحدكم ثلاثًا فلم يجب فليرجع\"، فقال عمر: لتأتيني على ما تقول ببينة ... إلخ.","vol":"1","page":84},{"text":"يحدث به ويعرف فقهه وحكمه، فلا يتناوله أمر عمر -﵁- فكل ما ورد عن أمير المؤمنين إنما يدل على المحافظة على السُّنة ونشرها وتبليغها صحيحة، والسبيل إلى ذلك أن يتثبت حاملوها من مروياتهم، والإقلال من الرواية مظنة عدم الوقوع في الخطأ؛ ولهذا أمر به -﵁- وهذا ما رآه ابن عبد البر والخطيب البغدادي من أئمة الحديث، وإليه أذهب، وبه أقول، فالصحابة لم يزهدوا في السُّنة؛ بل كان لهم الفضل الأول في المحافظة عليها١.\nوثَمَّة رواية عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه حبس بعض الصحابة؛ لأنهم أكثروا الرواية عن رسول الله ﷺ! وقد ناقش بعض العلماء هذه الرواية وردوها:\nروى الحافظ الذهبي٢ عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه أن عمر حبس ثلاثة: \"ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله ﷺ\". هؤلاء ثلاثة من أجلة أصحاب الرسول -ﷺ- وأتقاهم وأورعهم، هل يُعقل من مثل عمر بن الخطاب أن يحبسهم؟! وهل يكفي لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية؟\nوقد ناقش ابن حزم هذا الخبر وردَّه وقال: \"هذا مرسل ومشكوك فيه من \"شعبة\" فلا يصح، ولا يجوز الاحتجاج به، ثم هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد؛ لأنه لا يخلو عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفي هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث، وعن تبليغ سنن رسول الله -ﷺ- إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وألا يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل ذلك، ولئن كان سائر الصحابة متهمين بالكذب على النبي -ﷺ- فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلًا، ولئن\n_________\n١ السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب \"ص١٠٥، ١٠٦\" بتصرف يسير.\n٢ تذكرة الحفاظ \"١/ ٧\" وفيه سعيد بن إبراهيم، والصواب سعد، وهو حفيد عبد الرحمن بن عوف. انظر: مجمع الزوائد \"١/ ١٤٩\".","vol":"1","page":85},{"text":"كان حبسهم وهم غير متهمين لقد ظلمهم، فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أي الطريقتين الخبيثتين شاء، ولا بد له من أحدهما ... \".\nثم قال: \"وقد حدث عمر بحديث كثير؛ فإنه قد روى خمسمائة حديث ونيفًا على قرب موته من موت النبي -ﷺ- فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية منه إلا بضعة عشر منهم\"١.\nقال الدكتور محمد عجاج الخطيب: ولو سلمنا جدلًا بصحة الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاري، بينما يذكر ابن حزم: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، فهل تكرر الحبس من عمر؟ ولو تكرر لاشتهر، ثم إن حادثة كهذة سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين؛ لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سلمنا أن العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه بعض الصحابة دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم؛ لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثًا ولم يردنا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة هم فيها سواء، وهي الإكثار من الحديث، معاذ الله أن يفعل هذا عمر -﵁- فيحبس هؤلاء ويترك أبا هريرة مثلًا وهو أكثر حديثًا منهم، فقد رُوي عن أبي هريرة \"٥٣٧٤\" خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، وعن ابن مسعود \"٨٤٨\" ثمانمائة وثمانية وأربعون حديثًا، وعن أبي الدرداء \"١٧٩\" مائة وتسعة وسبعون حديثًا، وعن أبي ذر \"٢٨١\" مائتان وواحد وثمانون حديثًا٢.\nفإن قيل: إن أبا هريرة لم يكثر من الرواية في عهد عمر -﵁- لأنه خشيه. فنقول: لِمَ لَمْ يخشه هؤلاء؟\n_________\n١ الإحكام لابن حزم \"٢/ ١٣٩\" وما بعدها.\n٢ ذكر ذلك الإمام الحافظ بقي بن مخلد في مسنده. انظر: البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح لأبي البقاء الأحمدي الشافعي. مخطوطة دار الكتب المصرية \"ص٩-١٣ ب\".","vol":"1","page":86},{"text":"إن عمر نفسه سمح لأبي هريرة أن يروي عن رسول الله -ﷺ- عندما عرف ورعه وخشيته من الله -﷿- روى الذهبي عن أبي هريرة -﵁- قال: \"بلغ عمر حديثي فأرسل إليَّ، فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله -ﷺ- في بيت فلان؟ قلت: نعم، وقد علمت لأي شيء سألتني. قال: ولِمَ سألتك؟ قلت: إن رسول الله -ﷺ- قال يومئذ: \"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\"، قال: أما لا، فاذهب فحدث١.\nومن جهة أخرى، فإن عمر -﵁- عندما أرسل عبد الله بن مسعود إلى أهل الكوفة كتب إليهم: \"إني والله الذي لا إله إلا هو، أثرتكم به على نفسي فخذوا منه\"٢، وذكر عمرُ ابنَ مسعود فقال: كنيف مليء علمًا، آثرت به أهل القادسية٢. كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه؟!\nوما ورد على حبس ابن مسعود -﵁- يرد على حبس الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء -﵁- إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن.\nوبهذا البيان لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر للصحابة -﵃- لأنهم أكثروا من الرواية عن رسول الله -ﷺ- بل إنه يُروى عن ابن مسعود أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتصور منه أن ينهى عن شيء وهو يفعله؟! وقد رُوي عنه قوله: \"ليس العلم بكثرة الحديث؛ ولكن العلم الخشية\"٣. وفي رواية سعد بن إبراهيم عن أبيه -التي ذكرها الخطيب- ما يدل على أنه استبقاهم في المدينة حتى عرف لفظهم سواء، وهذه هي رواية الخطيب.\nقال: بعث عمر بن الخطاب -﵁- إلى عبد الله بن مسعود -﵁- وإلى أبي الدرداء -﵁- وإلى أبي مسعود الأنصاري -﵁- فقال: ما هذا الحديث الذي\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٤\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"١/ ٣٥١\"، والكنيف: الوعاء.\n٣ مختصر كتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول \"ص٦\".","vol":"1","page":87},{"text":"تكثرون عن رسول الله ﷺ؟ فحبسهم بالمدبنة حتى استشهد لفظهم سواء١. فيكون هذا من باب تثبت عمر -﵁- في الحديث، وهذه الرواية تثبت أنه لم يزجَّ بهم في السجن؛ بل استبقاهم في المدينة ريثما يتثبت من لفظهم، فإن صح هذا فلا ضير عليهم.\nومما يؤكد لنا أنه لم يحبس أحدًا -وهو ما استنبطناه من مناقشة الروايات السابقة- ما يرويه الرامهرمزي عن شيخه ابن البري من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه: \"أن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبي -ﷺ- فيهم ابن مسعود وأبو الدرداء فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله -ﷺ- قال أبو عبد الله بن البري: يعني منعهم الحديث ولم يكن لعمر حبس\"٢، فقد فسر ابن البري الخبر تفسيرًا جيدًا وإن جاء مقتضبًا، فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث خوفًا من ألا يتدبر السامعون كلام رسول الله -ﷺ- إذا كثر عليهم.\nفالخلاصة أن ما ورد من أخبار حول حبس عمر -﵁- للصحابة؛ لأنهم أكثروا الحديث عن رسول الله -ﷺ- أخبار فيها نظر.\nوفي عهد التابعين ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في الأمصار، ثم ما لبث التابعون أن تصدروا للرواية، ومع هذا سلكوا سبيل الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم من الورع والتقوى، وليس بعيدًا ما نقول لأنهم تخرجوا في مدارس الصحابة تلامذة رسول الله ﷺ.\nفنسمع الشعبي -وهو أحد كبار التابعين الحفاظ الثقات- يقول: ليتني أنفلت من علمي كفافًا لا لي ولا عليَّ٣، وكأنه يشعر بأنه أكثر من التحديث فيقول: \"كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث\"٤.\nوكان شعبة بن الحجاج يقول: التدليس في الحديث أشد\n_________\n١ شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي - مطبعة جامعة أنقرة \"١٩٧١م\" تحقيق: د/ محمد سعيد خطيب \"ص٨٧، ٨٨\" رقم \"١٩٠\".\n٢ المحدث الفاصل \"ص١٤٥\".\n٣ جامع بيان العلم \"١٣٠/ ٢\" ويروى نحوه عن سفيان الثوري، جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٢٩\".\n٤ تذكرة الحفاظ \"١/ ٧٧\".","vol":"1","page":88},{"text":"من الزنا، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلَيَّ من أن أدلِّس١. وفي رواية عنه أنه كان يقول: لأن أقع من فوق هذا القصر -لدار حياله٢- على رأسي أحب إليَّ من أقول لكم: قال فلان، لرجل ترونه، أني قد سمعت ذاك منه ولم أسمعه٣.\nومنهم من كان يقتصد في رواية الحديث على طلابه؛ ليفهموا ما يحدثهم به ويعقلوه ويتدبروه، ومن هذا ما رواه خالد الحذاء قال: كنا نأتي أبلا قلابة، فإذا حدثنا بثلاثة أحاديث قال: قد أكثرتُ٤، ويؤكد هذا ما قاله ابن عبد البر: إنما عابوا الإكثار خوفًا من أن يرتفع التدبر والتفهم، ألا ترى إلى ما حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: \"سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير فأجبته، فقال لي: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت: بالحديث الذي حدثتني أنت، ثم حدثته، فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يُجمع أبواك٥، ما عرفت تأويله إلى الآن٦\"، وروي نحو هذا: أنه جرى بين الأعمش وأبي يوسف وأبي حنيفة، فكان من قول الأعمش: \"أنتم الأطباء ونحن الصيادلة٧\"٨.\n_________\n١ الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي \"ص٥٠٨\"، طبع دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n٢ هكذا النص والمعنى: لدار قريبة منه.\n٣ مقدمة الجرح والتعديل \"ص١٧٤\" ويروى نحوه عن مطرف بن طريف. انظر: نفس المصدر \"ص٤٢\".\n٤ انظر المحدث الفاصل \"ص١٤٥، ١٤٦\".\n٥ أي: من قبل أن يخلق، كناية عن أنه حفظه منذ زمن بعيد.\n٦ هكذا في الأصل ولعله: \"إلا الآن\".\n٧ جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٣٠\".\n٨ انظر: السنة قبل التدوين للدكتور محمد عجاج الخطيب \"ص١٠٧-١١١\" بتصرف يسير.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أبو هريرة راوية الإسلام</span>\n...\nالفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف\nهناك كوكبة من الصحابة الأخيار الذين أكثروا من رواية الحديث الشريف، وقد اعتبر العلماء أن من رَوى أكثر من ألف حديث يُعد مكثرًا، وأشهر هؤلاء الصحابة سبعة هم على الترتيب: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وفيهم أُنْشِدَ:\nسبْعٌ من الصحب فوق الألف قد نقلوا ... من الحديث عن المختار خير مضر\nأبو هريرة سعد جابر أنس ... صدِّيقة وابن عباس كذا ابن عمر\n١- أبو هريرة راوية الإسلام ١:\nهو عبد الرحمن بن صخر بن ثعلبة بن سُليم بن فهم بن غنم بن دوس اليماني، وكان اسمه في الجاهلية \"عبد شمس\"، وقيل غير ذلك، فسماه النبي -ﷺ- \"عبد الرحمن\"، وأمه \"ميمونة بنت صخر\" وقيل \"أميمة\"، وكنيته \"أبو هريرة\"، و\"أبو هِر\" بسبب هرة حملها في كُمه، أو هرة كان يداعبها.\nوهو من قبيلة دَوْس اليمنية، تُوفي والده وهو صغير فنشأ يتيمًا، وكان بعيد المنكبين، أبيض، ذا ضفيرتين، أفرق الثنيتين، يُخضب شيبه بالحمرة.\n_________\n١ راجع ترجمته في: طبقات ابن سعد \"٤/ ١/ ١٥٧-١٧٦\"، \"٥٢/ ٢/ ٤\"، الإصابة \"٣/ ٢٨٧\"، جمهرة أنساب العرب \"ص٣٦٠، ٣٦١\"، الاستيعاب \"٤/ ١٧٦٨\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٥٧٨-٦٣٢\"، البداية والنهاية \"٨/ ١٠٣\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٣١\"، تهذيب التهذيب \"١٢/ ٢٦٢\"، الكامل في التاريخ \"٣/ ٨٨\"، تاريخ الطبري \"٣/ ٣٨٩\"، تاريخ الإسلام \"٢/ ٣٣٩\".","vol":"1","page":91},{"text":"أسلم قديمًا قبل الهجرة وهو بأرض قومه على يد \"الطفيل بن عمرو الدوسي\"، وكان رجلًا شريفًا شاعرًا مضيافًا، وكانت قريش تعرف منزلته في قومه.\nوهاجر من اليمن إلى المدينة في أيام فتح خيبر، وقد لازم النبي -ﷺ- إلى آخر حياته، وكان يلازمه في حله وترحاله في ليله ونهاره حتى حمل عنه الحديث الكثير ... وقد أسلمت أمه بعد الهجرة وفرح بإسلامها فرحًا شديدًا.\nوقد أرسله النبي -ﷺ- مع العلاء الحضرمي إلى البحرين؛ لنشر الإسلام وتعليم الناس أمور دينهم.\nوكانت خيبر أول غزوة شارك فيها مع الرسول -ﷺ- ثم شهد جميع غزواته بعدها، وقاتل مع أبي بكر في حرب الردة، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ... \" الحديث، وفيه المناقشة التي دارت بين أبي بكر وعمر، وفي آخره: \"قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا\"١. ولما وُلِّيَ عمر استعمله على البحرين، ودافع عن عثمان في الفتنة.\nوفي عهد \"معاوية\" ولاه على المدينة، كما ولى \"مروان بن الحكم\"، فكان إذا غضب من أبي هريرة ولى مروان، وإذا غضب من مروان ولى أبا هريرة.\nورَوى عنه نحو ثمانمائة من الصحابة والتابعين.\nوتوفي بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة عن ثمانية وسبعين عامًا، وقيل: توفي \"٥٨هـ\"، وقيل: \"٥٩ هـ\".\nلقد كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم٢.\n_________\n١ مسند الإمام أحمد \"١/ ١٨١\" بإسناد صحيح.\n٢ راجع \"أبو هريرة راوية الإسلام\" لمحمد عجاج الخطيب، و\"دفاع عن أبي هريرة\" لعبد المنعم صالح العلي.","vol":"1","page":92},{"text":"وأبو هريرة كغيره من الصحابة مُعدَّل بتعديل الله تعالى له في كتابه، ومُنزه عن الكذب والتقول على رسول الله ﷺ، والصحابة جميعًا ملتزمون بما وعَوْه من توجيهات وتحذيرات نبوية، وخاصة قوله ﷺ: \"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" ١.\n- محفوظات أبي هريرة:\nلقد بلغت محفوظات أبي هريرة -﵁- حدًّا يثير الدهشة والإعجاب، إلا أنها دهشة تزول وإعجاب ينمحي حين يعلم المرء أن ذلك ببركة دعاء النبي -ﷺ- له بكثرة الحفظ وعدم النسيان.\nولم يُحدِّث أبو هريرة بكل ما علم من رسول الله -ﷺ- قال أبو هريرة: \"حفظت من رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقُطع هذا البلعوم\"٢.\nوقال أيضًا: \"لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخرق٣ وقالوا: أبو هريرة مجنون\".\nوفي رواية: \"لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر\"، قال الحسن راوي الحديث عن أبي هريرة: صدق والله! لو أخبرنا أن بيت الله يُهدم أو يُحرق ما صدقه الناس٤.\nوفي رواية: \"يقولون: أكثرت يا أبا هريرة، والذي نفسي بيده لو حدثتكم بكل شيء سمعتُه من رسول الله -ﷺ- لرميتموني بالقشع -يعني بالمزابل- ثم ما نظرتموني\"٥.\n_________\n١ صحيح البخاري \"٩/ ١٣٣\".\n٢ طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ٥٧\"، \"١١٨/ ٢/ ٢\"، وفتح الباري \"١/ ٢٧٧\"، وحلية الأولياء \"١/ ٣٨١\"، والبداية والنهاية \"٨/ ١٠٥\"، وتذكرة الحفاظ \"١/ ٣٤\"، وسير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٠\".\n٣ المراد: الكذب، ففي لغة أنها من التخلق بالكذب، والْخُرْق: الجهل والحمق.\n٤، ٥ طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ٥٧، \"١١٩/ ٢/ ٢\".","vol":"1","page":93},{"text":"- مرويات أبي هريرة:\nاجتمعت عدة أسباب جعلت أبا هريرة أحفظ الصحابة وأكثرهم حديثًا عن رسول الله ﷺ:\n١- حبه للرسول ﷺ.\n٢- دعاء الرسول -ﷺ- له بالحفظ.\n٣- ملازمته له ﷺ.\n٤- حرصه على طلب الحديث.\n٥- جرأته في السؤال.\n٦- مذاكرته لحديث الرسول ﷺ.\n٧- وأنه عاش \"٧٨\" عامًا أتاحت له فرصة رواية قدر كبير من الحديث الشريف.\n- له في الصحيحين \"٦٠٩\"، منها \"٣٢٦\" متفق عليها، و\"٩٣\" انفرد البخاري بروايتها له، و\"١٩٠\" انفرد مسلم بروايتها له.\n- وروى له أصحاب السنن الأربعة والإمام مالك في الموطأ \"١٦٠٩\".\n- وروى له الإمام أحمد في مسنده \"٣٨٤٨\" بالمكرر، ويصفو له بعد حذف المكرر عدد كبير جدًّا.\n- وروى له الإمام بقي بن مخلد \"٢٠١-٢٧٦هـ\" في مسنده \"٥٣٧٤\".\n- وجمع أبو إسحاق إبراهيم بن حرب العسكري \"ت٢٨٢هـ\" مسند أبي هريرة، وتوجد نسخة منه في خزانة كوبرلي بتركيا١.\n_________\n١ راجع تاريخ الأدب \"٣/ ١٥٤\".","vol":"1","page":94},{"text":"روى الشيخان أن أبا هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن النبي ﷺ، إني كنت امرأً مسكينًا، صحبت النبي -ﷺ- على بطني، وكان المهاجرون تشغلهم التجارة في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي -ﷺ- مجلسًا، فقال: \"مَن يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئًا سمعه مني\"؟ فبسطت ردائي عليَّ حتى قضى حديثه ثم قبضتها إليَّ، فوالذي نفسي بيده لم أنسَ شيئًا سمعته منه صلى الله عليه وسلم١.\nورَوى النسائي وغيره أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شيء فقال: عليك بأبي هريرة؛ فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا النبي -ﷺ- حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: \"عودوا إلى الذي كنتم فيه\". قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة وجعل رسول الله -ﷺ- يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي وأسألك علمًا لا يُنسى، فقال رسول الله ﷺ: \"آمين\"، فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي٢.\nوقد شهد له إخوانه من الصحابة بكثرة أحاديثه التي سمعها من رسول الله -ﷺ- ومن ذلك:\nأن رجلًا جاء إلى طلحة بن عُبيد الله ﵁، فقال: يا أبا محمد، أرأيت هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أهو أعلم بحديث رسول الله منكم، نسمع منه أشياء لا نسمعها منكم، أم هو يقول عن رسول الله ما لم يقل؟\nقال: أما أن يكون سمع ما لم نسمع فلا أشك، سأحدثك عن ذلك: إنا\n_________\n١ فتح الباري \"١/ ٢٢٤\"، مسند أحمد \"١٢/ ٢٧٠\".\n٢ فتح الباري \"١/ ٢٦٦\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٢\"، تهذيب التهذيب \"١٢/ ٢٦٦\"، حلية الأولياء \"١/ ٣٨١\"، البداية والنهاية \"٨/ ١١١\".","vol":"1","page":95},{"text":"كنا أهل بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله -ﷺ- طرفي النهار، وكان مسكينًا ضيفًا على باب رسول الله -ﷺ- يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يقول عن رسول الله -ﷺ- ما لم يقل١.\nوفي رواية: قد سمعنا كما سمع، ولكن حفظ ونسينا٢.\nفقد كان أعلم الصحابة بالسُّنة وأحفظهم لها، ومما يدل على ذلك ما رُوي عن أبي هريرة بسند صحيح أنه قال: أخذَتِ الناسَ ريحٌ بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم فقال عمر لمن حوله: من يحدثنا عن الريح، فلم يرجعوا إليه شيئًا، فبلغني الذي سأل عنه عمر من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته فقلت: يا أمير المؤمنين، أُخبرتُ أنك سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"الريح من رَوْح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا به من شرها\" ٣.\nوكان هذا الحديث دليلًا قاطعًا على قناعة عمر -﵁- بحفظ أبي هريرة بالرغم من كثرة حديثه٤.\nوروى الوليد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدَّث عن النبي -ﷺ- قال: \"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها وتبعها فله قيراطان\"، فقال عبد الله بن عمر ﵄: انظر ما تُحدِّث، فإنك تكثر من الحديث عن النبي -ﷺ- فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ذلك فقالت: صدق أبو هريرة! ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله ما كان يشغلني عن رسول الله -ﷺ- الصفق في الأسواق، إنما كان يهمني كلمة من رسول الله -ﷺ- يُعَلِّمنيها، أو\n_________\n١ البداية والنهاية \"٨/ ١٠٩\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٦\"، فتح الباري \"١/ ٢٢٥\".\n٢ فتح الباري \"٨/ ٧٧\".\n٣ مسند أحمد \"١٤/ ٥٢\" رقم \"٧٦١٩\"، والأدب المفرد للبخاري برقم \"٣١٢\"، وأبو داود برقم \"٥٠٩٧\"، وابن ماجه برقم \"٣٧٢٧\".\n٤ أبو هريرة راوية الإسلام \"ص١٤٨\" هامش.","vol":"1","page":96},{"text":"لقمة يطعمنيها١. وفي رواية: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله -ﷺ- غرس بالوادي وصفق بالأسواق٢. فقال ابن عمر ﵄: \"أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله -ﷺ- وأحفظنا لحديثه\"٣. وفي رواية: \"أنت كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ- وأحفظنا لحديثه\"٤.\nوعن أشعث بن سُليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب \"الأنصاري\" يحدث عن أبي هريرة، فقيل له: أنت صاحب رسول الله ﷺ، وتحدث عن أبي هريرة؟! فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحب إليَّ من أن أحدث عن رسول الله ﷺ؛ يعني: ما لم أسمعه منه٥.\nومن أهم العوامل التي أتاحت له كثرة مسموعاته وضخامة مروياته ملازمته للنبي ﷺ:\nروى قيس بن حازم عن أبي هريرة: صحبت النبي -ﷺ- ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني، ولا أحب إليَّ أن أعي ما يقول رسول الله -ﷺ- فيهن٦.\nومن العوامل التي ساهمت في كثرة مسموعاته وأتاحت له كثرة رواياته:\n- جرأته في سؤال الرسول ﷺ:\nقال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي -ﷺ- يسأله عن أشياء لا نسأله عنها٧.\n_________\n١ طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ٥٧\" ونحوه في مسند أحمد \"١٢/ ١٧٥\" رقم \"٧١٨٨\" بسند صحيح.\n٢ طبقات ابن سعد \"٢/ ٢/ ١١٨\"، والبداية والنهاية \"٨/ ١٠٧\".\n٣ المصدرين السابقين.\n٤ سنن الترمذي \"٥/ ٦٤٢\" \"٥٠\" كتاب المناقب \"٤٧\" باب مناقب أبي هريرة ﵁ - حديث رقم \"٣٨٦٣\"، وقال: هذا حديث حسن.\n٥ البداية والنهاية \"٨/ ١٠٩\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٦\".\n٦ طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ٥٤\".\n٧ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٥١\".","vol":"1","page":97},{"text":"ومن العوامل أيضًا: المداومة على مراجعة ما يحفظ ويأخذ عن رسول الله ﷺ، قال أبو هريرة: إني لأجزِّئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\n- ثبات حفظه وقوة ذاكرته:\nقال أبو الزعيزعة كاتب مروان: دعا مروان أبا هريرة فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان رأس الحول دعا به، فأقعده من وراء حجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص ولا قدم ولا أخَّر٢، وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم٣.\n- هل وضع أبو هريرة الأحاديث كَذِبًا على رسول الله ﷺ؟\nقد اتهم عبد الحسين وأبو رية أبا هريرة بالكذب على رسول الله -ﷺ- إرضاء للأمويين ونكاية بالعلويين٤، وأبو هريرة بريء من كل هذا، وقد أوردا أخبارًا ضعيفة وموضوعة لا أصل لها٥.\nمواقف عملية تتنافَى مع اتهامه بالكذب في السُّنة لأهواء شخصية:\nهناك العديد من المواقف التي تحسب لأبي هريرة -﵁- وتتنافى مع أي تهمة توجه إليه بالكذب أو التهاون في الحديث الشريف، ومنها ما يأتي:\n_________\n١ تاريخ دمشق لابن عساكر، ترجمة أبي هريرة \"ص١٢٩\" طبع دار صادر - بيروت.\n٢ البداية والنهاية \"٨/ ١٠٦\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣١\".\n٣ السنة قبل التدوين \"ص٤٢٧\"، وأبو هريرة راوية الإسلام \"ص١٥٨\".\n٤ راجع: أبو هريرة لعبد الحسين \"ص٣٥\" وما بعدها، وأضواء على السنة المحمدية لأبي رية \"ص١٩٠\" وما بعدها.\n٥ السنة قبل التدوين \"ص٤٤١\".","vol":"1","page":98},{"text":"الأول: أنه كان معروفًا بكثرة العبادة والنسك والزهد، قال أبو هريرة: إني لأجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءًا للقرآن، وجزءًا أنام، وجزءًا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\nالثاني: أنه عارض مروان بن الحكم -والي المدينة- يوم أراد المسلمون دفن الحسن بن علي بن أبي طالب -﵄- مع جده سيدنا محمد -ﷺ- وقال لمروان: تدَّخَّل فيما لا يعنيك؟!\nالثالث: وقف ضد الثوار مع الصحابة يدافع عن عثمان بن عفان ﵁.\nالرابع: وقف محايدًا في الفتنة التي قامت بين علي ومعاوية -﵄- ولم ينضم مع أحد الفريقين.\nقال الدكتور رفعت فوزي: \"وكان موضع ثقة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وكانت أحاديثه محل عناية الفقهاء وأئمة المجتهدين في مختلف أمصار الإسلام\"٢.\nودخل رجل على \"طلحة بن عبيد الله\" فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري! هذا اليماني -يعني أبا هريرة- أعلم برسول الله منكم، أو يقول على رسول الله ما لم يسمع أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله -ﷺ- ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قومًا أغنياء لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله -ﷺ- طرفي النهار ثم نرجع، وكان يدور معه حيثما دار، فما نشك أنه علم ما لم نعلم، وسمع ما لم نسمع.\nوفي رواية: كان أبو هريرة رجلًا مسكينًا يلزم رسول الله -ﷺ- يأكل معه، فوالله ما أشك أنه قد سمع ما لم نسمع، ولا نجد أحدًا فيه خير يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\n_________\n١ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، ترجمة أبي هريرة \"ص١٢٩\" طبع دار صادر - بيروت.\n٢ المدخل إلى توثيق السنة \"ص٢١٢\".\n٣ العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد بن حنبل \"١/ ٧٢\".","vol":"1","page":99},{"text":"ولقد كان أبو هريرة -﵁- أحرص الصحابة على سماع الحديث، ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: \"لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أولَى منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه\" ١.\nومما يدل على حرصه على رواية الحديث الشريف قوله: \"إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] ٢ إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله -ﷺ- بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون\"٣.\nفإذا كان أبو هريرة ألزم الصحابة بالرسول -ﷺ- وأنه كان يدور معه حيثما دار ويحضر ما لا يحضرون -بشهادة الصحابة أنفسهم- فمن البدهي إذن أن يكون أكثر الصحابة حفظًا للحديث الشريف، ومعرفة بما كان عليه رسول الله ﷺ. وحرصه على التبليغ كان انطلاقًا من الآيات التي تحذر من كتم العلم، وانطلاقًا من قول النبي -ﷺ- في مواقف عديدة: \"اللهم هل بلغت، فليبلغ الشاهد الغائب\" ٤،\n_________\n١ صحيح البخاري \"١/ ٢٠٣\".\n٢ وفي رواية: \"وايم الله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا، وتلا الآية ١٥٩ من البقرة\". صحيح البخاري \"١/ ٢٤٤ فتح\".\n٣ صحيح البخاري \"١/ ٤٠، ٤١\".\n٤ راجع: صحيح البخاري \"أحاديث: ٦٧، ١٠٥، ١٧٣٩، ١٧٤١، ١٨٣٢، ٤٢٩٥، ٥٥٥٠، ٧٤٤٧\"، وصحيح مسلم \"حديث رقم ١٦٧٩\".","vol":"1","page":100},{"text":"وقوله: \"نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع\" ١، وقوله: \"من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة\" ٢، ونحو ذلك.\nفلهذا كان من الطبيعي أن يبلغ أبو هريرة الناس أكثر مما يبلغهم غيره؛ فهو أكثر الصحابة سماعًا للحديث وأكثرهم رواية له، وقد أقرت الصحابة بذلك ولم يشكوا في سماعه البتة.\nومن جهة أخرى، قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي: \"إن أحاديث أبي هريرة قد محصها أئمة السنة وبينوا ما صح منها وما هو ضعيف أو موضوع، ولم تصح نسبة حديث واحد من الموضوع أو الضعيف إلى أبي هريرة، وإنما كان ذلك من بعض الرواة، والصحيح منها إذا دُرس وقُورن بأحاديث الصحابة تبين أنه لم ينفرد إلا بالقليل منه، فسمنده شائع في المسانيد كلها\"٣.\n- أصح الطرق عن أبي هريرة:\nذكر العلماء هذه الطرق٤:\n- حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة.\n- أبو الزناد، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة.\n- ابن عون وأيوب، عن محمد بن سيرين، عنه.\n_________\n١ رواه الترمذي في سننه \"حديث رقم ٢٦٥٧\"، وابن ماجه \"حديث رقم ٢٣٣\"، وأحمد في مسنده \"٤١٥٧\" من حديث عبد الله بن مسعود، ورواه أبو داود في سننه \"حديث ٣٦٦\"، والترمذي في سننه \"٢٦٥٨\" وحسنه، وابن ماجه \"٢٣٠\" من حديث زيد بن ثابت، ورواه الحاكم في المستدرك \"١/ ٢٩٤\" كتاب العلم، وابن ماجه \"٢٣١\" من حديث جبير بن مطعم، ورواه ابن ماجه \"٢٣٦\"، وأحمد في مسنده \"١٣٣٤٩\" من حديث أنس بن مالك.\n٢ مسند أحمد \"١٤/ ٥\" رقم \"٧٥٦١\" بإسناد صحيح.\n٣ المدخل إلى توثيق السنة \"ص٢١٣\".\n٤ راجع: تدريب الراوي \"١/ ١٠١/ ١٠٦\"، الكفاية \"ص٣٩٨\"، توضيح الأفكار \"١/ ٣٥\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٨\"، مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر \"١/ ١٤٩، ١٥٠\".","vol":"1","page":101},{"text":"- مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويونس، وعقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه.\n- إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عنه.\n- معمر، عن همام بن منبه، عنه.\n- يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\n- الثناء على أبي هريرة والشهادة له بالحفظ والضبط:\nلقد حظي أبو هريرة -﵁- بثناء الرسول -ﷺ- والصحابة ومن تبعهم من كبار الأئمة والعلماء، قال رسول الله ﷺ: \"لقد ظننت لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث\" ١، وفي رواية: \"والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي لما رأيت من حرصك على العلم\" ٢، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المرفوع: \"أبو هريرة وعاء من العلم\" ٣.\nوكان عمر بن الخطاب -﵁- قد نهى أبا هريرة وغيره من الإكثار من الحديث؛ لأن الكثرة مظنة الخطأ، وخوفًا من أن يشتغل الناس بالحديث عن القرآن، ولكن عمر -﵁- سمح لأبي هريرة بعد ذلك بالتحديث، فروى الذهبي في السير عن أبي هريرة قال: بلغ عمر حديث، فأرسل إليَّ، فقال: كنتَ معنا يوم كنا مع رسول الله -ﷺ- في بيت فلان؟ قلتُ: نعم، وقد علمتُ لأي شيء سألتني. قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله -ﷺ- قال يومئذ: \"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" قال: أما لا فاذهب فحدث٤، وفي رواية قال عمر: حدِّث الآن عن النبي -ﷺ- ما شئت٥.\n_________\n١ مسند أحمد \"١٥/ ٢٠٨\".\n٢ فتح الباري \"١/ ٢٠٣\"، وسير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٠\" بسند صحيح.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٠\"، وفي سنده زيد العمي مختلف فيه. انظر: الميزان \"١/ ٣٦٣\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٤\" وفي سند يحيى بن عبد الله مختلف فيه. انظر: الميزان \"٣/ ٢٩٧\"، وقد رُوي من طرق أخرى ثابتة.\n٥ تاريخ دمشق لابن عساكر \"٤٧/ ٤٨٧\".","vol":"1","page":102},{"text":"وقال عبد الله بن عمر: يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله -ﷺ- وأعلمنا بحديثه١.\nوقيل لعبد الله بن عمر: هل تنكر مما يحدث به أبو هريرة شيئًا؟ فقال: لا؛ ولكنه أجترأ وجَبُنا٢، وفي رواية قال ابن عمر: أبو هريرة خير مني، وأعلم بما يحدث٣، وكان يكثر الترحم عليه ويقول: كان ممن يحفظ حديث رسول الله -ﷺ- على المسلمين٤.\nوقال أُبي بن كعب: كان أبو هريرة جريئًا على النبي -ﷺ- يسأله عن أشياء لا نسأله عنها٥.\nوقال طلحة بن عبيد الله: لا نشك أنه سمع ما لم نسمع٦، وفي رواية: قد سمعنا كما سمع؛ ولكنه حفظ ونسينا٧.\nوقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم٨- وذلك حين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة من أصحاب رسول الله -ﷺ- وهو يحدثهم، فلا يعرف بعضهم الحديث ثم يتراجعون فيه فيعرفونه.\nوقال أبو صالح السمان: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم٩-\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٥\"، طبقات ابن سعد \"١١٨/ ٢/ ٢\" فتح الباري \"١/ ٢٢٥\"، وسنن الترمذي \"٢/ ٢٢٤\" وقال الترمذي: حديث حسن.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٧\"، تاريخ دمشق \"٤٧/ ٤٩٢\".\n٣ الإصابة \"٧/ ٢٠٤\"، سنن الترمذي \"٢/ ٢٢٤\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٤٣٥/ ٢\"، البداية والنهاية \"٨/ ١٠٧\"، تاريخ دمشق \"٤٧/ ٤٩٣\"، طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ٦٣\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٥١\".\n٦ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٦\"، الإصابة \"٧/ ٢٠٤\".\n٧ فتح الباري \"٨/ ٧٧\".\n٨ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٤٤\"، فتح الباري \"١/ ٢٢٥\".\n٩ تذكرة الحفاظ \"٢/ ٣٤\"، تاريخ دمشق \"٤٧/ ٤٨١\".","vol":"1","page":103},{"text":"وفي رواية عنه: ما أزعم أن أبا هريرة كان أفضلهم -يعني الصحابة- ولكن كان أحفظ١.\nوقال الإمام الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَن روى الحديث في دهره٢.\nوقال الإمام البخاري: روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره٣.\nوقال ابن عبد البر \"٣٦٨-٤٦٣هـ\": كان أحفظ أصحاب رسول الله -ﷺ- وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار؛ لاشتغالهم بالتجارة والأنصار بحوائجهم٤.\nوقال ابن الأثير الجزري \"٥٥٥-٦٣٠هـ\": أبو هريرة صاحب رسول الله -ﷺ- وأكثرهم حديثًا عنه٥.\nوقال الحافظ الذهبي \"٦٧٣-٧٤٨هـ\": أبو هريرة الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله ﷺ، أبو هريرة الدوسي اليماني سيد الحفاظ الأثبات٦، وقال أيضًا: أبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول ﷺ، وأدائه بحروفه٧، وقال أيضًا: كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث٨.\nوقال الحافظ ابن كثير \"٧٠١-٧٧٤هـ\": وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم٩، وقال\n_________\n١ تاريخ دمشق \"٤٧/ ٤٨٢\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٣٢\"، تاريخ دمشق \"٤٧/ ٤٨٣\".\n٣ تهذيب التهذيب \"١٢/ ١٧٧١\".\n٤ الاستيعاب \"٤/ ١٧٧١\".\n٥ أسد الغابة \"٥/ ٣١٥\".\n٦ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤١٧\".\n٧ المصدر السابق \"٢/ ٤٤٥\".\n٨ المصدر السابق \"٢/ ٤٤٦\".\n٩ البداية والنهاية \"٨/ ١١٠\".","vol":"1","page":104},{"text":"أيضًا: روى أبو هريرة عن رسول الله -ﷺ- الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة١.\nوقال الحافظ ابن حجر العسقلاني \"٧٧٣-٨٥٢هـ\": إن أبا هريرة كان أحفظ كل من يروي الحديث في عصره، ولم يأتِ عن أحد من الصحابة كلهم ما عنه٢.\nوقال المؤرخ عبد الحي أحمد \"ابن العماد\" الحنبلي \"١٠٣٢-١٠٨٩هـ\":\nكان كثير العبادة والذكر، وحَسَن الأخلاق، ولِيَ إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة وأكثرهم رواية ٣.\nوقال يحيى بن أبي بكر العامري \"٨١٦-٨٩٣هـ\": أبو هريرة كان عريف أهل الصفة، حلفاء الفقر والصبر، وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ، ملازمًا له في جميع الأحوال، لا يشغله عنه دنيا ولا أهل ولا مال، ولملازمته لوصيته الأخرى في الحفظ عن رسول الله -ﷺ- كان أكثر الصحابة رواية على وأحفظهم، وقال: وكان حافظًا مثبتًا ذكيًّا مفتيًا، صاحب صيام وقيام٤.\n- أبو هريرة وبعض الباحثين ٥:\nقد كشفت الصورة الصادقة التي رسمها التاريخ لأبي هريرة عن مناقب جمة كثيرة، والتي منها: تقواه وورعه في شبابه وهرمه وغناه وفقره، ومواقفه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتزامه بالسنة، واعتزاله وحبه للجماعة وسعيه للخير، وأخلاقه النبيلة، وسجاياه الكريمة، وكثرة وقوة حافظته.\nإن بعض الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية\n_________\n١ السابق \"٨/ ١٠٣\".\n٢ التهذيب \"١٢/ ٢٦٦\".\n٣ الذهب \"١/ ٦٣\".\n٤ المستطابة \"ص٧٠\".\n٥ أبو هريرة راوية الإسلام \"ص٢٠١-٢٦٩\"، وانظر: رد الدارمي على المريسي.","vol":"1","page":105},{"text":"والمنزلة الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم إلى تزييف هذه الصورة الواقعية الصادقة، فرأوا في صحبته للرسول -ﷺ- غايات خاصة له؛ حيث يشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وحديثه الكثير كذبًا على رسول الله -ﷺ- وبهتانًا، ورأوا في فقره مطعنًا وعارًا، وفي تواضعه ذلًّا، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونًا من المؤامرات لخداع العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزُّبًا، فهو صنيعة الأمويين الذين طوَوْه تحت جناحهم، فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على الرسول -ﷺ- افتراء وزورًا.\nهكذا كان أبو هريرة في نظر بعض أهل الأهواء مثل: النظام: إبراهيم بن سيار النظام، والمريسي: بشر المريسي، والبلخي، وأحمد أمين.\nوتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين مثل: \"جولد تسيهر\" و\"شبرنجر\".\nومن دعاة العلم عبد الحسين شرف الدين العاملي \"الإمامي\" في كتابه \"أبو هريرة\"، ومحمود أبو رية في كتابه \"أضواء على السنة المحمدية\" الذي استقى كتابه هذا من أستاذه عبد الحسين، فكان أشد تعنتًا ومجانبة للصواب، وغيرهم.\nوقد زعموا أن أبا هريرة أكثر فأفرط، وروى عنه أصحاب الصحاح والمسانيد فأكثروا وأفرطوا، وتصوروا أن أحاديثه موضوعة ومكذوبة، وقد تغلغلت في أصول الدين وفروعه وغفل عنها المسلمون، فلا بد من الدفاع عن الشريعة الغراء وحمايتها من الأكاذيب والأوهام.\nوتصوروا غموض نسبه في الجاهلية والإسلام، وأنه شب جاهليًّا لا يستضيء بنور بصيرة، وصعلوكًا قد أخمله الدهر، ويتيمًا أزرى به الفقر، مؤجِّرًا نفسه بطعام بطنه حافيًا عاريًا راضيًا بهوان الذل، وأنه لم يكن مذكورًا في عهد أول خليفتين؛ بل كان مهملًا، ولم يذكروا له سوى أن عمر بعثه واليًا على البحرين ثم عزله سنة إحدى وعشرين، وفي سنة ثلاثين عزله وولَّى عثمان بن أبي العاص الثقفي، وانتزع منه عشرة آلاف درهم سرقها من مال الله.","vol":"1","page":106},{"text":"وهذه المزاعم كلها باطلة، ويكذبها الواقع التاريخي والأمانة في التوثيق والاستقراء، فقد اشترك في حرب الردة في عهد أبي بكر، وروى الإمام أحمد في مسنده: \"فلما كانت الردة قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا؟ فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرَّق بينهما، قال أبو هريرة: فقاتلنا معه، فرأينا ذلك رشدًا\"١.\nواستشهدوا برواية مجردة من السند وفيها: أن عمر اتهم أبا هريرة وهو على البحرين بسرقة مال المسلمين، وأنه ضربه بالدرة حتى أدماه.\nوالثابت أن عمر قال لأبي هريرة: فمن أين هي لك؟ قلتُ: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطِيَة تتابعت عليَّ، فنظروا فوجدوه كما قال٢، وفي رواية أن عمر أخذ منه اثني عشر ألفًا٣، وفي رواية أن عمر عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وشاطره ماله، وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله٤.\nويصورونه مستغلًّا للفتنة في عهد عثمان، وأنه راح يضع الأحاديث التي روجها بنو أمية وأولياؤهم للاحتجاج بها لتحقيق مآربهم.\nوفي عهد علي صوروا أبا هريرة بان صوته خفت وخمل، وأن معاوية جنده للقيام بأعمال ترضيه.\nوأنه في عهد معاوية وضع الأحاديث التي تشيد بفضل معاوية وحدث بأحاديث لا يقبلها عقل ولا يرضاها ضمير، وله في صحيحي البخاري ومسلم أحاديث أفرغها على هذا القالب وحاكها على هذا المنوال ...، إلى غير ذلك من المزاعم والأباطيل التي دللوا عليها بالروايات المكذوبة والأخبار الموضوعة والآثار التي لا أصل لها.\n_________\n١ مسند أحمد \"١/ ١٨١\" بسند صحيح.\n٢ تاريخ الإسلام \"٢/ ٣٣٨\"، البداية والنهاية \"٨/ ١١١\"، حلية الأولياء \"١/ ٣٨٠\".\n٣ طبقات ابن سعد \"٤/ ٢/ ٥٩\".\n٤ العقد الفريد \"١/ ٣٣\".","vol":"1","page":107},{"text":"٢-<span data-type=\"title\" id=toc-17> عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ </span>١:\n- نسبه ومولده وإسلامه:\nعبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزي بن رباح بن قرط بن رزايح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب، الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي، ثم المدني.\nولد في السنة الثانية أو الثالثة من البعثة، وأسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم.\nوقال الذهبي: أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه ولم يحتلم، واستُصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجرة، وأمه أمُّ أمِّ المؤمنين حفصة: زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون الجمحي٢.\n- أوصافه:\nقال أبو إسحاق السبيعي: رأيت ابن عمر آدم جسيمًا، إزاره إلى نصف الساقين يطوف٣.\nوقال هشام بن عروة: رأيت ابن عمر له جُمَّة٤.\n_________\n١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٣-٢٣٩\"، وطبقات ابن سعد \"٢/ ٣٧٣\" و\"٤/ ١٤٢-١٨٨\"، نسب قريش \"٣٥٠ وما بعدها\"، المحبر \"٤٤٢، ٢٤\"، التاريخ الكبير \"٥/ ٢\" و\"٥/ ١٢٥\"، التاريخ الصغير \"١/ ١٥٥، ١٥٤\"، المعرفة والتاريخ \"١/ ٤٩٠، ٢٤٩\"، الجرح والتعديل \"٥/ ١٠٧\"، المستدرك \"٣/ ٥٥٦\"، الحلية \"١/ ٢٩٢\" و\"٢/ ٧\"، جمهرة أنساب العرب \"١٥٢\"، الاستيعاب \"٩٥٠\"، تاريخ بغداد \"١/ ١٧١\" طبقات الفقهاء \"٤٩\"، الجمع بين رجال الصحيحين \"٢٣٨/ ١\"، تاريخ ابن عساكر: مصورة المجمع ١١/ ١٦٥، جامع الأصول \"٩/ ٦٤\"، أسد الغابة \"٣/ ٢٢٧\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١/ ٢٧٨\"، وفيات الأعيان \"٣/ ٢٨\"، تهذيب الكمال \"١٥/ ٣٣٢/ ٣٤١\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ١٧٧\"، العبر \"١/ ٨٣\"، تهذيب التهذيب \"٢/ ١٦٨\"، مرآة الجنان \"١/ ١٥٤\"، البداية والنهاية \"٩/ ٤\"، مجمع الزوائد \"٩/ ٣٤٦\"، العقد الثمين \"٥/ ٢١٥\"، الإصابة \"٣٤٧/ ٢\"، تهذيب التهذيب \"٥/ ٣٢٨\"، النجوم الزاهرة \"١/ ١٩٢\"، خلاصة تهذيب الكمال \"١٧٥\"، شذرات الذهب \"١/ ٨١\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٦\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٩\".\n٤ المصدر السابق، طبقات ابن سعد \"٤/ ١٨١\". والجمة: شعر الرأس.","vol":"1","page":108},{"text":"ورُوي عن نافع: كان ابن عمر يعفي لحيته إلا في حج أو عمرة١.\nوقال أبو بكر البرقي: كان رَبْعةً يخضب بالصفرة٢.\nوقال هشام بن عروة: رأيت شعر ابن عمر يضرب منكبيه، وأُتِي به إليه فقبلني٣.\nورُوي عنه بأسانيد بعضها صحيح وبعضها حسن أنه كان يصفر لحيته بالخلوق والزعفران، فقيل له: تصبغ بالصفرة؟ فقال: إني رأيت رسول الله -ﷺ- يصبغ بها٤.\nوقال موسى بن دهقان: رأيت ابن عمر يتزر إلى أنصاف ساقيه٥.\nوعن نافع: أن ابن عمر اعتم، وأرخاها بين كتفيه٦.\nوعن وكيع: عن النضر أبي لؤلؤة، قال: رأيت على ابن عمر عمامة سوداء٧.\nوقال ابن سيرين: كان نقش خاتم ابن عمر: \"عبد الله بن عمر\"٨.\nوروى ابن سعد عن ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يقبض على لحيته، ويأخذ ما جاوز القبضة٩.\nوروى البخاري في صحيحه عن نافع: وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فَضُل أخذه١٠.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٨\"، وطبقات ابن سعد \"٤/ ١٨١\" بسند حسن.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٩\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٨\"، وطبقات ابن سعد \"٤/ ١٨١\"، ونحوه في تاريخ دمشق لأبي زرعة \"١/ ٦١٦\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٨\"، طبقات ابن سعد \"٤/ ١٨١، ١٨٠، ١٧٩\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٢\"، طبقات ابن سعد \"٤/ ١٧٤\".\n٦ المصدران السابقان.\n٧ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٢\".\n٨ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٧٦\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٣\".\n٩ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٧٨\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٢١\".\n١٠ صحيح البخاري \"١٠/ ٢٩٥، ٢٩٦ فتح\".","vol":"1","page":109},{"text":"- أولاده:\nقال الذهبي: وأولاده من صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفي: أبو بكر، وواقد، وعبد الله، وأبو عبيدة، وعمر، وحفصة، وسودة.\nومن أم علقمة المحاربية: عبد الرحمن، وبه يُكنى.\nومن سُرِّيَّة أخرى: زيد، وعائشة.\nومن أخرى: أبو سلمة وقلابة.\nومن أخرى: بلال، فالجملة ستة عشر١.\nوعن أبي مجلز، عن ابن عمر قال: إليكم عني، فإني كنت مع من هو أعلم مني، ولو علمت أني أبقى حتى تفتقروا إليَّ لتعلمت لكم٢.\n- مشاهده:\nروى البخاري في صحيحه قوله: عرضت على رسول الله -ﷺ- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني٣.\nفالخندق هي أول غزوة شارك فيها، ولم يتخلف عن غزوة أو عن معركة بعدها، فشارك في مؤتة واليرموك وفتح مصر وإفريقية، وقدم الشام والعراق والبصرة وفارس غازيًا، ولم يصح أنه شارك في بدر كما روى علي بن جدعان عن أنس وابن المسيب٤، فهذا خطأ وغلط كما قال الذهبي٥.\nوروى البخاري عن البراء قال: عرضت أنا وابن عمر يوم بدر فاستصغرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.\n_________\n١، ٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٨\".\n٣ صحيح البخاري \"٧/ ٣٠٢\" كتاب المغازي، باب غزوة الخندق.\n٤، ٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٠٩\".\n٦ صحيح البخاري \"٧/ ٢٢٦\" كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر.","vol":"1","page":110},{"text":"وقال مجاهد: شهد ابن عمر الفتح وله عشرون سنة١.\nوقال ابن يونس: شهد ابن عمر فتح مصر، واختط بها، وروى عنه أكثر من أربعين نفسًا من أهلها٢.\nوقد أضافت أمجاده الحربية إليه مكانة في النفوس وخاصة أهل الشام.\n- علمه وفتواه:\nلقد تربَّى ابن عمر في مدرسة النبوة واغترف من فيوضها، وكان من النابهين فيها، قال النبي -ﷺ- يومًا لأصحابه وهو فيهم: \"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المؤمن، فحدثوني ما هي\"؟ قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة، ووقع الناس في شجر البوادي، ثم قالوا: ما هي يا رسول الله؟ قال: \"النخلة\"، وقد أخبر أباه بأن حياءه منعه من الجواب، فقال له أبوه: وددت لو قلتها ولا أملك كذا وكذا، تشجيعًا له.\nوقال الذهبي: روى علمًا كثيرًا نافعًا عن النبي -ﷺ- وعن أبيه، وأبي بكر، وعلي، وبلال، وصهيب، وعامر بن ربيعة، وزيد بن ثابت، وزيد عمه، وسعد، وابن مسعود، وعثمان بن طلحة، وأسلم، وحفصة أخته، وعائشة وغيرهم٣.\nولقد نهم ابن عمر من المدرسة النبوية علمًا غزيرًا جاد به على بعض الصحابة وجماهير التابعين ومن بعدهم. قال الذهبي: ولابن عمر أقوال وفتاوى يطول الكتاب بإيرادها٤.\nوقد مَنَّ الله تعالى عليه بعشرات السنين التي مكنته من إفادة الناس بعلمه\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٠\".\n٢ المصدر السابق \"٣/ ٢٠٩\".\n٣ المصدر السابق \"٣/ ٢٠٤\".\n٤ المصدر السابق \"٣/ ٢٣٢\".","vol":"1","page":111},{"text":"وفتاواه، قال مالك: كان إمام الناس عندنا بعد زيد بن ثابت عبد الله بن عمر، مكث ستين سنة يفتي الناس١.\nوروى مالك عن نافع: كان ابن عمر وابن عباس يجلسان للناس عند مقدم الحاج، فكنت أجلس إلى هذا يومًا، وإلى هذا يومًا، فكان ابن عباس يجيب ويفتي في كل ما سُئل عنه، وكان ابن عمر يرد أكثر مما يُفتي٢، قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازمًا لأمر جماعتهم، فافعل٣.\nوروى الحارث بن أبي أسامة عن رجل: بعثت أم ولد لعبد الملك بن مروان إلى وكيلها تستهديه غلامًا وقالت: يكون عالمًا بالسنة، قارئًا لكتاب الله فصيحًا، عفيفًا، كثير الحياء، قليل المراء، فكتب إليها: قد طلبتُ هذا الغلام، فلم أجد غلامًا بهذه الصفة إلا عبد الله بن عمر، وقد ساومت به أهله، فأبوا أن يبيعوه٤.\nقال ابن حزم في كتاب \"الإحكام\" في الباب الثامن والعشرين: المكثرون من الفتيا من الصحابة: عمر وابنه عبد الله، وعلي، وعائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، فهم سبعة فقط يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سِفْر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا ابن عباس في عشرين كتابًا.\nوأبو بكر هذا أحد أئمة الإسلام.\n_________\n١ المصدر السابق \"٣/ ٢٢١\"، تاريخ الفسوي \"١/ ٤٩١\"، تاريخ بغداد \"١/ ١٧٢\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٢٢\".\n٣، ٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٢٢\".","vol":"1","page":112},{"text":"وروى أبو حمزة السكري عن إبراهيم الصائغ، عن نافع: أن ابن عمر كان له كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس، قال الذهبي: هذا غريب١.\n- ثناء النبي -ﷺ- عليه وتبشيره بالجنة:\nروى الشيخان عن سالم عن أبيه قال: كان الرجل في حياة رسول الله -ﷺ- إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله -ﷺ- وكنت غلامًا عَزَبًا شابًّا، فكنت أنام في المسجد، فرأيت كأن ملكين أتياني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، ولها قرون كقرون البئر، فرأيت فيها ناسًا قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملَك، فقال: \"نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل\" قال: فكان بعد لا ينام من الليل إلا القليل٢، وروى نحوه نافع، وفيه: \"إن عبد الله رجل صالح\".\nوروى سعيد بن بشير عن قتادة، عن ابن سيرين، عن ابن عمر قال: كنت شاهد النبي -ﷺ- في حائط نخل، فاستأذن أبو بكر، فقال النبي ﷺ: \"ائذنوا له وبشروه بالجنة\" ثم عمر كذلك، ثم عثمان فقال: \"بشروه بالجنة على بلوى تصيبه\" فدخل يبكي ويضحك، فقال عبد الله: فأنا يا نبي الله؟ قال: \"أنت مع أبيك\"٣.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٨\".\n٢ أخرجه البخاري \"٣/ ٥، ٦\" في التهجد، باب فضل قيام الليل، وباب من تعار من الليل، فصلى، وفي فضائل أصحاب النبي ﷺ: باب مناقب عبد الله بن عمر، وفي التعبير: باب الإستبرق ودخول الجنة في المنام، وباب الأمن وذَهَاب الروع، وباب الأخذ على اليمين في النوم، وأخرجه مسلم \"٢٤٧٩\" في فضائل الصحابة: باب فضائل عبد الله بن عمر، والترمذي \"٣٨٢٥\" في المناقب.\n٣ إسناده ضعيف لضعف سعيد بن بشير؛ لكن متن الحديث صحيح من طريق آخر إلى قوله: \"على بلوى تصيبه\"، فقد أخرجه البخاري \"١٣/ ٤٢\" وفي مواطن عدة من صحيحه، ومسلم برقم \"٢٤٠٣\"، والترمذي برقم \"٣٧١١\". من حديث أبي موسى الأشعري.","vol":"1","page":113},{"text":"- تلاميذه:\nلما كان ابن عمر من أحرص الصحابة على تلقي العلم الكثير من رسول الله -ﷺ- مباشرة، ومن أكثرهم حفظًا لحديث رسول الله -ﷺ- وروايته؛ كان من الطبعي أن يكثر تلاميذه الذين حرصوا على الأخذ عنه، فقد روى عنه خلق كثير؛ منهم:\nأسلم مولى أبيه، وأمية بن عبد الله الأموي، وأنس بن سيرين، وبشر بن حرب، وبشر بن عائذ، وبكر المزني، وبلال بن عبد الله ابنه، وتميم بن عياش، وثابت البناني، وجبير بن نفير، وحبيب بن أبي ثابت، وحبيب بن أبي مليكة، وحرملة مولى أسامة، والحسن البصري، وابن أخيه حفص بن عاصم، والحكم بن ميناء، وحميد بن عبد الرحمن الزهري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وذكوان السمان، وزياد بن جبير الثقفي، وزيد بن جبير الطائي، وابنه زيد، وابنه سالم، وسالم بن أبي الجعد، والسائب والد عطاء، وسعد مولى أبي بكر، وسعد مولى طلحة، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مرجانة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن يسار، وسليمان بن يسار، وشهر بن حوشب، وطاوس، وعبد الله بن بريدة، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الله بن شقيق، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن عبيد بن عمير، وعبد الله بن كيسان، وعبد الله بن مالك الهمداني، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعبد الله بن مرة الهمداني، وعبد الله بن موهب الفلسطيني، وحفيده عبد الله بن واقد العمري، وعبد الرحمن بن سعد مولاه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي نعيم، وعبد الرحمن بن يزيد الصنعاني، وعبد الملك بن نافع، وعبيد بن عمير، وعراك بن مالك، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، وعمرو بن دينار، وعمير بن هانئ، والعلاء بن اللجلاج، والقاسم بن عوف، والقاسم بن محمد، وقَزَعة بن يحيى، وكثير بن مرة، وكُليب بن وائل، ومجاهد بن جبر،","vol":"1","page":114},{"text":"ومحارب بن دثار، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عباد بن جعفر، وأبو جعفر الباقر، وابن شهاب الزهري، ومحمد بن المنتشر، ومسروق، ومسلم بن جندب، ومعاوية بن قرة، والمغيرة بن سلمان، ومكحول الأزدي، وموسى بن طلحة، وميمون بن مهران، ونافع مولاه، وواسع بن حبان، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، ويحيى البكاء، ويونس بن جبير، وأبو أمامة التيمي، وأبو بردة بن أبي موسى، وأبو بكر بن حفص، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو الصديق الناجي، وأبو عثمان النهدي ... وخلق آخرون.\n- عبادته، وورعه، وتقواه، وزهده، ورقة قلبه:\nكان عبد الله بن عمر -﵄- مثالًا يُحتذى به في كثرة العبادة، وشدة التقوى، والزهد في أطايب العيش، والزهد في السلطة، والخوف من الله، ورقة القلب.\nقال إبراهيم: قال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد الله بن عمر١.\nوقال ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله: لقد رأيتنا ونحن متوافرون وما فينا شاب هو أملك لنفسه من ابن عمر٢.\nوروى سالم بن أبي الجعد، عن جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلا وقد مالت به، إلا ابن عمر٣.\nوعن عائشة: ما رأيت أحدًا ألزم للأمر الأول من ابن عمر٤.\nوقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه٥.\nوقال أبو إسحاق السبيعي: كنا نأتي ابن أبي ليلى، وكانوا يجتمعون إليه،\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١١\"، طبقات ابن سعد \"٤/ ١٤٤\"، حلية الأولياء \"١/ ٢٩٤\".\n٢ الإصابة \"٢/ ٣٤٧\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١١\".\n٣ حلية الأولياء \"١/ ٢٩٤\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١١\".\n٤، ٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٢\".","vol":"1","page":115},{"text":"فجاءه أبو سامة بن عبد الرحمن فقال: أعُمَر كان أفضل عندكم أم ابنه؟ قالوا: بل عمر، فقال:١ إن عمر كان في زمان له فيه نظراء، وإن ابن عمر بقي في زمان ليس فيه نظير.\nوقال ابن المسيب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لابن عمر، قال الذهبي٢: رواه ثقتان عنه.\nوقال قتادة: سمعت ابن المسيب يقول: كان ابن عمر يوم مات خير من بقي٣.\nوعن طاوس وميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر٤.\nوبإسناد وسط عن ابن الحنفية: كان ابن عمر خير هذه الأمة٥.\nوروى عبد العزيز بن أبي داود، عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة أحيا ليلته٦.\nوقال الوليد بن مسلم: حدثنا ابن جابر، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يحيي الليل صلاة، ثم يقول: يا نافع، أسحَرْنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة إلى أن أقول: نعم، فيقعد ويستغفر ويدعو حتى يصبح٧.\nوقال طاوس: ما رأيت مصليًا مثل ابن عمر أشد استقبالًا للقبلة بوجهه وكفيه وقدميه٨.\n_________\n١-٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٢\".\n٦ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء \"١/ ٣٠٣\".\n٧ الحلية \"١/ ٣٠٣\"، سير أعلام النبلاء \"١/ ٢٣٥\".\n٨ الحلية \"١/ ٣٠٤\"، سير أعلام النبلاء \"١/ ٢٣٥\"، وروى ابن سعد في الطبقات \"٤/ ١٥٧\" من طريق حماد بن مسعدة، عن ابن عجلان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: كان ابن عمر يحب أن يستقبل كل شيء منه القبلة إذا صلى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.","vol":"1","page":116},{"text":"وروى نافع أن ابن عمر كان يحيي بين الظهر والعصر١.\nوروى هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة: أن ابن عمر قرأ فبلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] فبكى حتى خر، وامتنع عن قراءة ما بعدها٢.\nوروى معمر، عن أيوب، عن نافع أو غيره: أن رجلًا قال لابن عمر: يا خير الناس، أو ابنَ خير الناس. فقال: \"ما أنا بخير الناس، ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه\"٣.\nوروى الذهبي في السير، وأبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات بسند صحيح عن عروة يقول: خطبت إلى ابن عمر ابنته ونحن في الطواف، فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه بكلمة. فقُدِّر له أنه صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت فدخلت مسجد الرسول -ﷺ- فسلمت عليه، وأديب إليه حقه، فرحب بي وقال: متى قدِمتَ؟ قلت: الآن، فقال: كنتَ ذكرت لي سودة ونحن في الطواف، نتخايل الله بين أعيننا، وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن، فقلتُ: كان أمرًا قُدِّر، قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط، فدعا ابنيه: سالمًا وعبد الله وزوَّجني٤.\nوروى عبد الرزاق، وأبو نعيم، والبيهقي، والذهبي بسند صحيح عن مجاهد قال: ما رأيت ابن عمر زاحم على الحجر قط، ولقد رأيته مرة زاحم حتى رثم أنفه وابتدر منخراه دمًا٥.\n_________\n١ الحلية \"١/ ٣٠٣\"، سير أعلام النبلاء \"١/ ٢٣٥\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٥، ٢٣٦\".\n٣ المصدر السابق \"٣/ ٢٣٦\"، الحلية \"١/ ٣٠٧\" بسند صحيح.\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٦، ٢٣٧\"، الحلية \"١/ ٣٠٩\"، الطبقات \"٤/ ١٦٧، ١٦٨\".\n٥ المصنف لعبد الرزاق رقم \"٨٩٠٤\"، الحلية \"١/ ٣٠٨\"، السنن الكبرى للبيهقي \"٥/ ٨١\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٦\".","vol":"1","page":117},{"text":"ورُوي عن ابن عمر أنه كان يتبع أمر رسول الله -ﷺ- وآثاره وحاله، حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك١.\nوروى وكيع عن أبي مودود، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان في طريق مكة يقول برأس راحلته يثنيها ويقول: لعل خُفًّا يقع على خف، يعني: خف راحلة النبي صلى الله عليه وسلم٢.\nورُوي عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله -ﷺ- كان مكان صلى فيه، حتى إن النبي -ﷺ- نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس٣.\nوقال نافع: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو تركنا هذا الباب للنساء\"، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات٤.\nوروى عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: ما سمعت ابن عمر ذكر النبي -ﷺ- إلا بكى٥.\nوروى عكرمة بن عمار عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه: أنه تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فجعل ابن عمر -﵄- يبكى حتى لثِقَت لحيته وجيبه من دموعه، فأراد رجل أن يقول لأبي: أقْصِر، فقد آذيتَ الشيخ٦.\nوروى عثمان بن واقد عن نافع: كان ابن عمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبه البكاء ٧.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٣\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٧\"، حلية الأولياء \"١/ ٣١٠\".\n٣ أسد الغابة \"٣/ ٣٤١\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٣\".\n٤ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٦٢\" بإسناد صحيح، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٣\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٤\".\n٦ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٦٢\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٤\".\n٧ الحلية \"١/ ٣٠٥\" بسند صحيح، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٤\".","vol":"1","page":118},{"text":"وقال حبيب بن الشهيد: قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما١.\nوقال ابن المبارك: أخبرنا عمر بن محمد بن زيد، أخبرنا أبي أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء، فيصلي فيه ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش، فيغفي إغفاءه الطائرة، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسة٢.\nوقال نافع: كان ابن عمر لا يصوم في السفر، ولا يكاد يفطر في الحضر٣.\nوروى أبو الزبير المكي، عن عطاء مولى ابن سباع قال: أقرضت ابن عمر ألفي درهم، فوفَّانيها بزائد مائتي درهم٤.\nوروى معمر عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله قال: لو أن طعامًا كثيرًا كان عند أبي ما شبع منه بعد أن يجد له آكلًا، فعاده ابن مطيع، فرآه قد نحل جمسه، فكلمه فقال: إنه ليأتي عليَّ ثمان سنين ما أشبع فيها شبعة واحدة، أو قال: إلا شبعة، فالآن تريد أن أشبع حين لم يبقَ من عمري إلا ظِمْءُ حمار! ٥\n_________\n١ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٧٠\" بسند صحيح، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٥\".\n٢ رواه الذهبي في سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٥\" بسند صحيح، والمهراس: صخرة منقورة تسع كثيرًا من الماء، وقد يعمل منها حياض للماء.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٥\".\n٤ المصدر السابق، وفي الهامش \"٣/ ٢١٥، ٢١٦\": رجاله ثقات، وأخرجه بنحوه مالك \"٢/ ١٦٨\"، ومن طريقه ابن سعد \"٤/ ١٦٩\" عن حميد، عن قيس، عن مجاهد: أن ابن عمر.... وإنما تحمل له الزيادة فيما إذا لم يكن ذلك على شرط منهما أو عادة، أما إذا شرط في القرض أن يرد أكثر أو أفضل، فهو حرام لا خير فيه، وفعل ابن عمر هذا له سند من السنة، ففي الموطأ \"٢/ ٦٨٠\" في البيوع، ومسلم \"١٦٠٠\" من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: أن رسول الله -ﷺ- استلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا، فقال: \"أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء\"، وأخرجه البخاري \"٤/ ٣٩٤\"، ومسلم \"١٦٠١\" من حديث أبي هريرة.\n٥ مصنف عبد الرزاق \"٢٠٦٣٠\"، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية \"١/ ٢٩٨\"، وإسناده صحيح، وقوله: \"ظمء حمار\" أي: شيء يسير، وخص الخمار بذلك لأنه أقل الدواب صبرًا على الماء.","vol":"1","page":119},{"text":"وروى ابن سعد عن ميمون قال: ولقد دخلت على ابن عمر، فقوَّمت كل شيء في بيته من أساس ما يساوي مائة درهم١.\nروى أبو حازم المديني، عن عبد الله بن دينار، قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرَّسنا، فانحدر علينا راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: أراعٍ؟ قال: نعم، قال: بعني شاة من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ﷿؟ قال ابن عمر: فأين الله!! ثم بكى، ثم اشتراه فأعتقه.\nوروى أسامة بن زيد عن نافع، عن ابن عمر نحوه. وفي رواية ابن أبي روَّاد، عن نافع: فأعتقه، واشترى له الغنم٢.\nوروى الذهبي قال: أخبرنا إسحاق الأسدي، أخبرنا ابن خليل، أخبرنا اللبان، أخبرنا أبو علي الحداد، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أحمد بن جعفر، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب عن قزعة، قال: رأيت على ابن عمر ثيابًا خشنة أو جَشَبة، فقلت له: إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان، وتقر عيناي أن أراه عليك، قال: أرِنيهِ، فلمسه وقال: أحرير هذا؟ قلت: لا، إنه من قطن، قال: إني أخاف أن ألبسه، أخاف أن أكون مختالًا فخورًا، والله لا يحب كل مختال فخور٣.\n_________\n١ الطبقات \"٤/ ١٦، ١٦٥\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٣\".\n٢ عزاه الهيثمي للطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة. مجمع الزوائد \"٩/ ٣٤٧\". ونحوه في أسد الغابة \"٣/ ٣٤١\"، وهو في سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٦\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٣\"، وهو في الحلية \"١/ ٢٠٣\"، ورجاله ثقات، غير أن هلال بن خباب تغير بآخره. والجشب من الثياب: الخشن الغليظ، قال الذهبي معلقًا: قلت: كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرًا فتركه متعين ولو كان من غير ذهب ولا حرير، فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية الصوف بفرو من أثمان أربعمائة درهم ونحوها، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر، فإن نصحته ولمته برفق كابر وقال: ما فيَّ خيلاء ولا فخر، وهذا السيد ابن عمر يخاف على نفسه. وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي ﷺ: \"ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار\"، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء. فتراه يكابر ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث =","vol":"1","page":120},{"text":"- سخاؤه:\nروى ابن سعد بسند حسن عن أبي جعفر القارئ: خرجت مع ابن عمر من مكة، وكان له جفنة من ثريد يجتمع عليها بنوه وأصحابه، وكل من جاء حتى يأكل بعضهم قائمًا، ومعه بعير له، عليه مزادتان، فيهما نبيذ وماء، فكان لكل رجل قدح من سويق بذلك النبيذ١.\nوروى عبد الله بن وهب عن عبيد الله، عن نافع قال: ما أعجبَ ابنَ عمر شيءٌ من ماله إلا قدَّمه، بينا هو يسير على ناقته؛ إذ أعجبته فقال: إخ إخ، فأناخها وقال: يا نافع، حط عنها الرحل، فجللها وقلدها وجعلها في بدنه٢.\nوروى عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه: أن ابن عمر كاتب غلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حُمُر له حتى أدى خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تعذب نفسك، وابن عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يعتقهم، ارجع إليه فقل: عجزت، فجاء إليه بصحيفة فقال: يا أبا عبد الرحمن، قد عجزت، وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا،\n_________\n= آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري، فقال: \"لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء\"، فقلنا: أبو بكر -﵁- لم يكن يشد إزاره مسدولًا على كعبيه أولا؛ بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال ﷺ: \"إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لاجناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين\"، ومثل هذا في النهي لمن فصَّل سراويل مغطيًا لكعابه، ومنه طول الأكمام زائدًا، وتطويل العذبة، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس. وقد يعذر الواحد منهم بالجهل، والعالم لا عذر له في تركه الإنكار على الجهلة، فإن خلع على رئيس خلعة سيراء من ذهب وحرير وقندس، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها، الشخص يسحبها ويختال فيها، ويخطر بيده ويغضب ممن لا يُهنِّيه بهذه المحرمات، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مكس، أو ولاية شرطة. فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب وفي الآخرة أشد عذابًا وتنكيلًا. فرضي الله عن ابن عمر وأبيه، وأين مثل ابن عمر في دينه، وورعه وعلمه وتألهه وخوفه، من رجل تُعرض عليه الخلافة فيأباها، والقضاء من مثل عثمان، فيرده، ونيابة الشام لعلي فيهرب منها. فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. \"سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٣٣، ٢٣٤\"، \"وقوله: الفرجية: ثوب واسع طويل الأكمام، يتخذ من قطن أو حرير أو صوف. والسيراء: بكسر السين وفتح الياء والمد، نوع من البرود تتخذ من حرير. والمكس: الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار\".\n١ الطبقات \"٤/ ١٤٨\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٩\"، والنبيذ: ما يعمل من الأشربة من التمر والذبيب.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٧\".","vol":"1","page":121},{"text":"ولكن امحها أنت إن شئت. فمحاها، ففاضت عينا عبد الله وقال: اذهب فأنت حر، قال: أصلحك الله، أحسن إلى ابنيَّ. قال: هما حران. قال: أصلحك الله، أحسن إلى أمي ولديَّ. قال: هما حرتان١.\nوروى أبو نعيم من طريق الإمام أحمد بسند صحيح عن عاصم بن محمد العمري، عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر ابن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفية امرأته، فحدثها قالت: فما تنتظر؟ فهلا ما هو خير من ذلك، وهو حر لوجه الله. فكان يخيل إلى أنه كان ينوي قول الله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ٢.\nوروى جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن نافع: أُتِيَ ابن عمر ببضعة وعشرين ألفًا، فما قام حتى أعطاها٣، ورواها عيسى بن كثير، عن ميمون وقال: باثنين وعشرين ألف دينار.\nوقال أبو هلال: حدثنا أيوب بن وائل قال: أتَى ابن عمر بعشرة آلاف فرقها، وأصبح يطلب لراحلته عَلَفًا بدرهم نسيئة٤.\nوروى برد بن سنان، عن نافع قال: إن كان ابن عمر ليُفرِّق في المجلس ثلاثين ألفًا، ثم يأتي عليه شهر ما يأكل مزعة لحم٥.\nوروى عمر بن محمد العمري، عن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد٦.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٧\".\n٢ الحلية \"١/ ٢٩٦\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٧، ٢١٨\".\n٣، ٤ الحلية \"١/ ٢٩٦\".\n٥ مجمع الزوائد \"٩/ ٣٤٧\"، وعزاه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح غير برد بن سنان وهو ثقة. والحلية \"١/ ٢٩٥، ٢٩٦\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٨\". والمزعة: القطعة الصغيرة من اللحم.\n٦ الحلية \"١/ ٢٩٦\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٨\".","vol":"1","page":122},{"text":"وروى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم قال: ما لعن ابن عمر خادمًا له قط إلا واحدًا، فأعتقه١.\nوروى أيوب، عن نافع قال: بعث معاوية إلى ابن عمر بمائة ألف، فما حال عليه الحول وعنده منها شيء٢.\nوروى الأعمش وغيره، عن نافع قال: مرض ابن عمر، فاشتهى عنبًا أول ما جاء، فأرسلت امرأته بدرهم، فاشترت به عنقودًا، فاتبع الرسولَ سائلٌ، فلما دخل قال: السائل، السائل. فقال ابن عمر: اعطوه إياه. ثم بعثت بدرهم آخر، قال: فاتبعه السائل، فلما دخل قال: السائل، السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه، فأعطوه، وأرسلت صفية إلى السائل تقول: والله لئن عدت لا تصيب مني خيرًا، ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به٣.\n- تواضعه وحب الناس له:\nروى أبو جعفر الرازي، عن حصين، قال ابن عمر: إني لأخرج وما لي حجة إلا أن أسلم على الناس، ويسلمون عليَّ٤.\nوروى معمر، عن أبي عمرو النَّدَبي قال: خرجت مع ابن عمر، فما لقي صغيرًا ولا كبيرًا إلا سلم عليه.\n- شجاعته في الحق:\nروى الذهبي بسند صحيح عن ابن عمر: أنه قام إلى الحجاج وهو يخطب فقال: يا عدو الله، استحل حرم الله، وخرب بيت الله. فقال: يا شيخًا قد\n_________\n١ المصنف عبد الرزاق \"١٩٥٣٤\" وإسناده صحيح.\n٢ الحلية \"١/ ٢٩٦\" وإسناده صحيح.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٢٠\" وإسناده صحيح، وأخرجه ابن سعد في الطبقات \"٤/ ١٥٨\" من طريق عارم: محمد بن الفضل عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع به، وإسناده صحيح.\n٤ الهيثمي للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح غير نعيم بن حماد، وهو ثقة. مجمع الزوائد \"٩/ ٣٤٧\"،\nسير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٢١\"، ورواه ابن سعد في الطبقات \"٤/ ١٥٥، ١٥٦، ١٧٠\" بعدة طرق.","vol":"1","page":123},{"text":"خَرِف. فلما صدر الناس، أمر الحجاج بعض مسودته، فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل ابن عمر، فمرض ومات منها. ودخل عليه الحجاج عائدًا فسلم، فلم يرد عليه، وكلمه فلم يجبه١.\nوروى الذهبي وابن سعد بسند صحيح، عن ابن سيرين: أن الحجاج خطب فقال: إن ابن الزبير بدَّل كلام الله. فعلم ابن عمر فقال: كذب، لم يكن ابن الزبير يستطيع أن يبدل كلام الله ولا أنت، قال: إنك شيخ قد خرفت الغد. قال: أما إنك لو عدتَ عدتُ.\nوقال الأسود بن شيبان: حدثنا خالد بن سُمَيْر قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير حرف كلام الله. فقال ابن عمر: كذبت كذبت، ما يستطيع ذلك ولا أنت معه. قال: اسكت، فقد خرفت وذهب عقلك، يوشك شيخ أن يُضرب عنقه، فيخر قد انتفخت خصيتاه، يطوف به صبيان البقيع٢.\nوأخرج البخاري في العيدين: باب ما يكره من حمل السلاح في العيد والحرم، من طريق أحمد بن يعقوب، حدثني إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، عن أبيه قال: \"دخل الحجاج على ابن عمر وأنا عنده فقال: كيف هو؟ فقال: صالح، قال: مَن أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح في يوم لا يحل فيه حمله\". يعني الحجاج. ورواه البخاري أيضًا من طريق محمد بن سوقه، عن سعيد بن جبير٣.\n- منهجه في رواية الحديث:\nعُرف عن ابن عمر التحري والتثبت في الرواية والضبط والإتقان، وكان أحيانًا\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٢١\".\n٢ الطبقات الكبرى \"٤/ ١٨٤\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٠\".\n٣ صحيح البخاري \"٢/ ٣٧٩\" حديث رقم \"٩٦٦\" ورقم \"٩٦٧\" ...","vol":"1","page":124},{"text":"يُقل من الرواية جدًّا، حتى قال الشعبي: جالست ابن عمر سنة، فما سمعته يحدث عن النبي -ﷺ- إلا حديثًا واحدًا١.\nوقال مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعت يحدث عن رسول الله -ﷺ- إلا حديثًا٢.\nوقال أبو جعفر الباقر: كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله -ﷺ- حديثًا لا يزيد لا ينقص، ولم يكن أحد في ذلك مثله٣.\n- وفاته:\nتُوفي ابن عمر سنة ثلاث وسبعين، وقال مالك: بلغ ابن عمر سبعًا وثمانين سنة.\nقال أبو بكر بن البرقي: تُوفي بمكة، ودفن بذي طُوى، وقيل: بفخِّ مقبرة المهاجرين سنة أربع.\nقال الذهبي: قلت: هو القائل: كنت يوم أُحُد ابن أربع عشرة سنة٤، فعلى هذا يكون عمره خمسًا وثمانين سنة، ﵁ وأرضاه٥.\nوروى ابن سعد من طريق سليمان بن حرب، عن شعبة، عن ابن أبي رَوَّاد، عن نافع: أن ابن عمر أوصى رجلًا يُغسِّله فجعل يدلكه بالمسك٦.\nوعن سالم بن عبد الله: مات أبي بمكة، ودفن بفخ سنة أربع وسبعين وهو ابن أربع وثمانين، وأوصاني أن أدفنه خارج الحرم، فلم نقدر، فدفناه بفخ في الحرم في مقبرة المهاجرين٧.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٤\".\n٢ تاريخ أبي زرعة الدمشقي \"١/ ٥٥٧\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٤\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢١٣\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٢\".\n٥ المصدر السابق \"٣/ ٢٣٢، ٢٣٣\".\n٦ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٨٧\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣١\".\n٧ طبقات ابن سعد \"٤/ ١٨٨\"، والسير \"٣/ ٢٣١\"، و\"فخ\" وادٍ بمكة يقال: هو وادي الزاهر.","vol":"1","page":125},{"text":"وقال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت، عن أبيه: قال ابن عمر حين احتضر: ما أجد في نفسي شيئًا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب١.\nقال الذهبي: وله قول ثالث في الفئة الباغية، فقال روح بن عبادة: حدثنا العوام بن حوشب، عن عياش العامري، عن سعيد بن جبير، قال: لما احتضر ابن عمر قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، ومكابدة الليل، وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا؛ يعني: الحجاج٢.\n- مروياته:\nقال الذهبي: ولابن عمر في \"مسند بقي\" ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا بالمكرر، واتفقا له على مائة وثمانية وستين حديثًا. وانفرد له البخاري بأحد وثمانين حديثًا، ومسلم بأحد وثلاثين٣.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٢\"، ورواه من طريق آخر عن ابن عمر نحوه في نفس الموضع.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٢\"، والطبقات الكبرى \"٤/ ١٨٥\" وسنده صحيح.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٣٨\".","vol":"1","page":126},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-18> أنس بن مالك ﵁ </span>١:\n- نسبه وإسلامه وشخصيته:\nأنس بن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. وأمه: أم سليم بنت ملحان. وكنيته: أبو حمزة، ويقال: أبو ثمامة الأنصاري البخاري، وروى الترمذي وغيره عن أنس قال: كناني النبي -ﷺ- أبا حمزة ببقلة اجتنيتُها٢.\nلقبه: روى أبو داود والترمذي أن النبي -ﷺ- قال لأنس: يا ذا الأذنين٣.\nمولده: قال الذهبي: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين٤.\nوكان -﵁- مرجع الصحابة والتابعين في الرواية والفتوى، وقد لخص الحافظ الذهبي مناقبه في صدر ترجمته فقال: الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله -ﷺ- وقرابته من النساء، وتلميذه وتبعه، وآخر أصحابه موتًا.\nروى عن النبي -ﷺ- علمًا جمًّا، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ، وأسيد بن الحضير، وأبي طلحة. وأمه: أم سليم بنت ملحان، وخالته أم\n_________\n١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٢٥٩، ٤٠٦\"، وطبقات ابن سعد \"٧/ ١٧\"، المحبر \"٣٠١، ٣٣٤، ٣٧٩\"، التاريخ الكبير \"٢/ ٢٧\"، التاريخ الصغير \"١/ ٢٠٩\"، الجرح والتعديل \"٢/ ٢٨٦\"، المستدرك \"٣/ ٥٧٣\"، الاستيعاب \"١٠٨\"، طبقات الشيرازي \"٥١\"، الجمع بين رجال الصحيحين \"١/ ٣٥\"، جامع الأصول \"٩/ ٨٨\"، أسد الغابة \"١/ ١٥١\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١/ ١٢٧\" نهاية الأرب \"١٨/ ٢٢٣\"، تهذيب الكمال \"٣/ ٣٥٣-٣٧٨\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ٣٣٩\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٤٢\"، العبر \"١/ ١٠٧\"، مرآة الجنان \"١/ ١٨٢\"، البداية والنهاية \"٨٨/ ٩\"، مجمع الزوائد \"٩/ ٣٢٥\"، تهذيب التهذيب \"١/ ٣٧٦\"، الإصابة \"١/ ٧١\"، النجوم الزاهرة \"١/ ٢٢٤\"، خلاصة تهذيب الكمال \"٣٥\"، شذرات الذهب \"١/ ١٠٠، ١٠١\"، تهذيب ابن عساكر \"٣/ ١٤٢\".\n٢ راجع: سنن الترمذي \"حديث ٣٩١٨\".\n٣ راجع: سنن أبي داود \"٥٠٠٢\" كتاب الأدب، وسنن الترمذي \"٣٨٢٨\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٥\".","vol":"1","page":127},{"text":"حرام، وزوجها عبادة بن الصامت، وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وفاطمة النبوية، وعدة.\nورَوى عنه خَلْق عظيم؛ منهم: الحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وأبو قلابة، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، والزهري، وقتادة، وابن المنكدر، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد العزيز بن صهيب، وشعيب بن الْحَبْحاب، وعمرو بن عامر الكوفي، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وكثير بن سليم، وعيسى بن طهمان، وعمر بن شاكر، وخلق كثير.\nوبقي أصحابه الثقات إلى بعد الخمسين ومائة، وبقي ضعفاء أصحابه إلى بعد التسعين ومائة، وبقي بعدهم ناس لا يُوثق بهم؛ بل اطُّرح حديثهم جملة؛ كإبراهيم بن هُدبة، ودينار أبو مكيس، وخراش بن عبد الله، وموسى الطويل، عاشوا مُدَيْدَة بعد المائتين، فلا اعتبار بهم.\nوإنما كان بعد المائتين بقايا مَن سمع مِن ثقات أصحابه؛ كيزيد بن هارون، وعبد الله بن بكر السهمي، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبي عاصم النبيل، وأبي نُعيم١.\nوقد سرد صاحب \"التهذيب\" نحو مائتي نفس من الرواة عن أنس. وقد كان النبي -ﷺ- يخصه ببعض العلم، فنقل أنس عن النبي -ﷺ- أنه طاف على تسع نسوة في ضحوة بغُسل واحد٢.\n- هيئته وبعض أوصافه وغيره:\nقال سلمة بن وردان: رأيت على أنس عمامة سوداء قد أرخاها من خلفه٣.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٩٦، ٣٩٧\".\n٢ انظر: صحيح البخاري \"١/ ٣٢٤\"، صحيح مسلم \"٣٠٩\"، سنن أبي داود \"٢١٨\"، سنن الترمذي \"١٤٠\"، سنن النسائي \"١/ ١٤٤\"، سنن ابن ماجه \"٥٨٨\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٣\".","vol":"1","page":128},{"text":"وروى ابن سعد عن أنس: نهى عمر أن نكتب في الخواتيم عربيًّا، وكان في خاتم أنس ذئب أو ثعلب١.\nوقال ابن سيرين: كان نقش خاتم أنس أسد رابض٢.\nوروى همام، عن ابن جريج عن الزهري، عن أنس: أنه نقش في خاتمه: \"محمد رسول الله\"، فكان إذا دخل الخلاء نزعه٣.\nوقال ابن عون: رأيت على أنس مِطرَفَ خَزٍّ، وعمامة خز، وجُبَّة خز٤.\nوروى عمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: كان أنس بن مالك أبرص وبه وَضَحٌ شديد، ورأيته يأكل، فيلقم لقمًا كبارًا٥.\n- خدمته لرسول الله -ﷺ- ودعاء الرسول له:\nشَرُف أنس بخدمة رسول الله -ﷺ- وملازمته، فاستقى منه علمًا غزيرًا، وظفر منه دعاء مستجابًا.\nروى مسلم وغيره: كان أنس يقول: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكنَّ أمهاتي يحثُثْنَني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم٦.\nوروى أبو داود الطيالسي بسند صحيح والترمذي بإسناد حسنه عن أبي خلدة، قلت لأبي العالية: سمع أنس من النبي ﷺ؟ قال: خدمه عشر سنين، ودعا له، وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين، وكان فيها ريحان يجيء منه ريح المسك٧.\n_________\n١ الطبقات الكبرى \"٧/ ١٨\" بسند صحيح.\n٢ رواه ابن سعد بسند صحيح في الطبقات الكبرى \"٧/ ١٨\".\n٣ طبقات ابن سعد \"٧/ ٢٢، ٢٣\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٤\".\n٤ طبقات ابن سعد \"٧/ ٢٣\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٤\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٥\".\n٦ راجع: صحيح مسلم حديث رقم \"٢٠٢٩/ ١٢٥\"، ومسند أحمد \"٣/ ١١٠\"، وطبقات ابن سعد \"٧/ ٢٠\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٩٧\".\n٧ سنن الترمذي: كتاب المناقب \"٤٥\" باب مناقب أنس بن مالك ﵁، حديث رقم \"٣٨٣٣\" وقال: هذا حديث حسن غريب، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٠\".","vol":"1","page":129},{"text":"قال ثُمامة بن عبد الله: كان كَرْمُ أنس يحمل في السنة مرتين١.\nقال سليمان التيمي: سمعت أنسًا -﵁- يقول: ما بقي أحد صلى القبلتين غيري٢.\nوروى أبو يعلى والترمذي بنحوه عن أنس -﵁- قال: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة وأنا ابن ثمان سنين، فأخذت أمي بيدي فانطلقت بي إليه، فقالت: يا رسول الله! لم يبقَ رجل ولا امرأة من الأنصار إلا وقد أتحفك بتحفة، وإني لا أقدر على ما أُتحفك به إلا ابني هذا، فخذه، فليخدمك ما بدا لك. قال: فخدمته عشر سنين، فما ضربني، ولا سبني، ولا عبس في وجهي٣.\nوروى مسلم عن أنس قال: جاءت بي أم سليم إلى رسول الله -ﷺ- قد أزَّرتني بنصف خمارها، وردتني ببعضه، فقالت: يا رسول الله! هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدمك، فادعُ الله له، فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده\" فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعادُّون على نحو من مائة اليوم٤.\nوقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أمه: أنها رأت أنسًا متخلقًا بخلوق وكان به برص، فسمعني وأنا أقول لأهله: لهذا أجلد من سهل بن سعد، وهو أسن من سهل، فقال: إن رسول الله -ﷺ- دعا لي٥.\nوقال أبو اليقظان: مات لأنس في طاعون الجارف٦ ثمانون ابنًا، وقيل: سبعون٧.\n_________\n١، ٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٣\".\n٣ راجع: مجمع الزوائد \"١/ ٢٧١، ٢٧٢\"، سنن الترمذي حديث \"٥٨٩، ٢٦٧٨، ٢٦٩٨\".\n٤ صحيح مسلم \"٢٤٨١/ ١٤٣\" فضائل الصحابة/ باب فضائل أنس بن مالك.\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٥\".\n٦ كان طاعون الجارف بالبصرة سنة ٦٩هـ، قال المدائني: حدثني مَن أدرك ذلك قال: كان ثلاثة أيام، فمات فيها نحو مائتي ألف نفس، وقال غيره: مات في طاعون الجارف لأنس من أولاده سبعون نفسًا. \" دول الإسلام ١/ ٢٥\".\n٧ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٥\".","vol":"1","page":130},{"text":"وروى الشيخان من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس: أن أم سليم قالت: يا رسول الله! خادمك أنس، ادعُ الله له، فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده\"، فأخبرني بعض أهلي أنه دفن من صلبي أكثر من مائة١.\nوروى البخاري في الأدب المفرد، وابن سعد بسند حسن عن أنس قال: دعا لي رسول الله -ﷺ- فقال: \"اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته\" فالله أكثر مالي حتى إن كَرْمًا لي لتحمل في السنة مرتين، ووُلِدَ لصلبي مائة وستة٢.\nوروى البخاري في صحيحه عن حميد، عن أنس ﵁: دخل النبي -ﷺ- على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: \"أعيدوا تمركم في وعائه، وسمنكم في سقائه، فإني صائم\" ثم قام إلى ناحية البيت فصلى صلاة غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها. فقالت: يا رسول الله! إن لي خويصة، قال: \"ما هي؟ \" قالت: خادمك أنس. فما ترك خير آخرة ولا دنيا إلا دعا لي به، ثم قال: \"اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له\" قال: فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي مَقْدِمَ الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة٣.\n- مشاهده:\nلم يتخلف أنس -ﷺ- عن غزوة مع رسول الله -ﷺ- حتى غزوة بدر، فقد شهدها صغيرًا. قال الذهبي: فصحب أنس نبيه -ﷺ- ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة.\n_________\n١ أخرجه البخاري \"١١/ ١٢٢، ١٥٤\" في الدعوات، ومسلم \"٢٤٨٠\" في فضائل الصحابة دون قوله: \"فأخبرني بعض أهلي\"، وأخرجه معها بنحوه \"٤/ ١٩٨، ١٩٩\" في الصوم: باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم، من طريق حميد، عن أنس وفيه: وحدثتني ابنتي أمينة أنه دفن لصلبي عند مقدم الحجاج البصرة بضع وعشرون ومائة.\n٢ أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" \"٦٥٣\"، وابن سعد \"٧/ ١٩\".\n٣ أخرجه البخاري \"٤/ ١٩٨، ١٩٩\" في الصوم: باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم.","vol":"1","page":131},{"text":"وقد روى محمد بن سعد في \"طبقاته\": حدثنا الأنصاري١، عن أبيه، عن مولى لأنس، أنه قال لأنس: أشهدت بدرًا؟ فقال: لا أم لك، وأين أغيب عن بدر. ثم قال الأنصاري: خرج مع رسول الله -ﷺ- إلى بدر وهو غلام يخدمه.\nوقد رواه عمر بن شبة، عن الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة قال: قيل لأنس: ... فذكر نحوه. قلت: لم يعده أصحاب المغازي في البدريين لكونه حضرها صبيًّا ما قاتل؛ بل بقي في رحال الجيش، فهذا وجه الجمع٢.\nوقال موسى بن أنس: إن أنسًا غزا ثمان غزوات٣.\n- عبادته وورعه:\nروى ابن سعد بسند صحيح عن ثابت البناني: قال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أشبه بصلاة رسول الله -ﷺ- من أبن أم سليم؛ يعني: أنسًا٤.\nوقال أنس بن سيرين: كان أنس بن مالك أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر٥.\nوروى الأنصاري عن أبيه، عن ثمامة قال: كان أنس يصلي حتى تفطَّر قدماه دمًا، مما يطيل القيام رضي الله عنه٦.\nوروى معاذ بن معاذ، حدثنا عمران، عن أيوب قال: ضَعُف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، ودعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم٧.\n_________\n١ الأنصاري: هو محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري ثقة، وأبوه عبد الله صدوق، خرج له البخاري إلا أنه كثير الغلط، ومولى أنس لا يعرف؛ لكن تابعه ثمامة في رواية عمر بن شبة، وهو صدوق.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٩٧، ٣٩٨\".\n٣-٦ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٠\".\n٧ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٥\"، وفي صحيح البخاري \"٨/ ١٣٥\": فقد أطعم أنس بن مالك بعدما كَبِرَ عامًا أو عامين كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر. وقال الحافظ: وروى عبد بن حميد من طريق النضر بن أنس، عن أنس: أنه أفطر في رمضان وكان قد كَبِرَ، فأطعم مسكينًا كل يوم، ورويناه في فوائد محمد بن هشام بن ملاس، عن مروان، عن معاوية، عن حميد قال: ضعف أنس عن الصوم عام تُوفي، فسألت ابنه عمر بن أنس: أطاق الصوم؟ قال: لا، فلما عرف أنه لا يطيق القضاء، أمر بجفان من خبز ولحم، فأطعم العدة أو أكثر.","vol":"1","page":132},{"text":"وروى ابن سعد في طبقاته من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري: حدثنا شيخ لنا يكنى أبا الحباب قال: سمعت الجريري يقول: أحرم أنس بن مالك من ذات عرق، قال: فما سمعناه متكلمًا إلا بذكر الله حتى حل، قال: فقال له: يابن أخي هكذا الإحرام١.\n- كرامته:\nقال ثابت البناني: جاء قيِّمُ أرض أنس فقال: عطشت أرَضوك، فتردَّى أنس ثم خرج إلى البرية، ثم صلى ودعا، فثارت سحابة، وغشيت أرضه ومطرت حتى ملأت صهريجه وذلك في الصيف، فأرسل بعض أهله فقال: انظر أين بلغت؟ فإذا هي لم تعد أرضه إلا يسيرًا٢.\nقال الذهبي معلقًا: هذه كرامة بيِّنة ثبتت بإسنادين٣.\n- رؤيته للنبي -ﷺ- بعد وفاته:\nروى ابن سعد بسند صحيح عن المثنى بن سعيد قال: سمعت أنسًا يقول: ما ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي، ثم يبكى٤.\n- إكرام عمر له:\nروى حماد بن سلمة: أخبرنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس قال: استعملني أبو بكر على الصدقة، فقدمت وقد مات، فقال عمر: يا أنس، أجئتنا بظهره؟ قلت: نعم. قال: جئنا به، والمال لك. قلت: هو أكثر من ذلك، قال: وإن كان فهو لك. وكان أربعة آلاف٥.\n_________\n١ الطبقات \"٧/ ٢٢\"، وانظر: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠١\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠١\"، طبقات ابن سعد \"٧/ ٢١\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠١\".\n٤ الطبقات الكبرى \"٧/ ٢٠\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٣\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠١\".","vol":"1","page":133},{"text":"- موقفه من الفتنة:\nلم يتغير أنس لعثمانَ ولا لعلي في الفتنة، ولم ينضم إلى أحد الفريقين، ولم يشترك في محاربة أحدهما، وقد صرح بأن الله تعالى منحه حبهما جميعًا.\nقال حميد عن أنس: يقولون: لا يجتمع حب علي وعثمان في قلب، وقد جمع الله حبهما في قلوبنا١.\n- إيذاء الحجاج بن يوسف الثقفي له:\nكان أنس -﵁- يقف للحجاج بالمرصاد، وكان يؤلب عليه كلما وجد منه خطأ؛ ولذلك كان إيذاء الحجاج له وإهانته إياه.\nقال جعفر بن سليمان: حدثنا علي بن زيد قال: كنت بالقصر، والحجاج يَعرِض الناسَ ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس فقال الحجاج: يا خبيث، جوَّال في الفتن ...، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفسي بيده، لأستأصلنَّك كما تُستأصل الصَّمْغَة، ولأجردنك كما يُجرَّد الضب. قال: يقول أنس: من يعني الأمير؟ قال: إياك أعني أصمَّ الله سمعك. قال: فاسترجع أنس، وشُغل الحجاج، فخرج أنس، فتبعناه إلى الرحبة فقال: لولا أني ذكرتُ ولدي وخشيت عليهم بعدي، لكلمته بكلام لا يستحييني بعده أبدًا٢.\nقال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الملك بن مَرْوان -يعني: لما آذاه الحجاج: إني خدمتُ رسول الله -ﷺ- تسع سنين، والله لو أن النصارى أدركوا رجلًا خدم نبيهم لأكرموه٣.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٥\".\n٢ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير \"٧٠٤\"، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ضعيف، وأعله الهيثمي في مجمع الزوائد \"٧/ ٢٧٤\"، وانظره في سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٢، ٤٠٣\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٢\".","vol":"1","page":134},{"text":"وروى عبد الله بن سالم الأشعري، عن أزهر بن عبد الله قال: كنت في الخيل الذين بيتوا أنس بن مالك، وكان فيمن يؤلب على الحجاج، وكان مع ابن الأشعث، فأتوا به الحجاج، فوسم في يده: عتيق الحجاج١.\nقال الأعمش: كتب أنس إلى عبد الله: قد خدمتُ رسول الله -ﷺ- تسع وتسعين، وإن الحجاج يُعرِّض بي حَوَكَة البصرة، فقال: يا غلام! اكتب إلى الحجاج: ويلك قد خشيت ألا يصلح على يدي أحد، فإذا جاءك كتابي فقم إلى أنس حتى تعتذر إليه، فلما أتاه الكتاب قال الرسول: أمير المؤمنين، كتب بما هنا؟ قال: إي والله، وما كان في وجهه أشد من هذا. قال: سمعًا وطاعة، وأراد أن ينهض إليه فقلت: إن شئتَ أعلمتُه. فأتيت أنس بن مالك فقلت: ألا ترى قد خافك وأراد أن يجيء إليك فقم إليه، فأقبل أنس يمشي حتى دنا منه، فقال: يا أبا حمزة غضبت؟ قال: نعم، تعرضني بحوكة البصرة؟ قال: إنما مثلي لك كقول الذي قال: \"إياك أعنى وأسمعي يا جارة\" أردت ألا يكون لأحد عليَّ منطق٢.\n- وفاته ٣:\nكان أنس -﵁- آخر الصحابة موتًا، والأرجح أنه مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين وهو ابن مائة وثلاث سنين.\nقال قتادة: لما مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم، فقيل:\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٤\".\n٢ المصدر السابق، وانظر: المستدرك \"٤/ ٥٧٤\".\n٣ في السير \"٣/ ٤٠٥، ٤٠٦\"، قال الذهبي: ثبت مولد أنس قبل عام الهجرة بعشر سنين، وأما موته فاختلفوا فيه، فروى معمر عن حميد: أنه مات سنة إحدى وتسعين، وكذا أرخه قتادة، والهيثم بن عدي، وسعيد بن عفير، وأبو عبيد، وروى معن بن عيسى عن ابن لأنس بن مالك: سنة اثنتين وتسعين. وتابعه الواقدي، وقال عدة وهو الأصح: مات سنة ثلاث وتسعين. قاله ابن علية، وسعيد بن عامر، والمدائني، وأبو نعيم، وخليفة، والفلاس، وقعنب، فيكون عمره على هذا مائة وثلاث سنين. قال الأنصاري: اختلف علينا في سن أنس، فقال بعضهم: بلغ مائة وثلاث سنين. وقال بعضهم: بلغ مائة وسبع سنين.","vol":"1","page":135},{"text":"وكيف ذلك يا أبا المغيرة؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث من رسول الله -ﷺ- قلنا له: تعالَ إلى من سمعه منه.\n- مروياته:\nقال الذهبي: مسنده ألفان ومائتان وستة وثمانون، اتفق له البخاري ومسلم على مائة وثمانين حديثًا، وانفرد البخاري بثمانين حديثًا، ومسلم بتسعين١.\n- أصح الأسانيد عنه:\nقيل: مالك، عن الزهري، عنه.\nوقيل: حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عنه.\nوقيل: هشام الدستوائي، عن قتادة، عنه.\n- أوهى الأسانيد إليه:\nداود بن المحبر، عن قحذم، عن أبيه، عن أبان بن أبي عياش، عنه.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٤٠٦\".","vol":"1","page":136},{"text":"٤- عائشة ﵁ ا ١:\n- نسبها وكنيتها ومولدها:\nعائشة بنت أبي بكر بن أبي قحافة الصديق الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن غالب، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي -ﷺ- إلا خديجة، ففيها خلاف شهير كما قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب.\n- كنيتها:\nأم عبد الله، فكناها بذلك رسول الله -ﷺ- لما قالت له: إن النساء قد اكتنين، فكنني، فكناها رسول الله -ﷺ- بأم عبد الله؛ يعني: ابن الزبير؛ لأنها قد حنكته لما وُلد بتمرة، وتُسمى أيضًا الحميراء لغلبة البياض على لونها.\n- وأمها:\nأم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس.\nولدت<span data-type=\"title\" id=toc-19> عائشة -﵂</span>- بمكة في السنة الثامنة أو نحوها قبل الهجرة، تزوجها رسول الله -ﷺ- بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بسنة ونصف، أو نحو ذلك، وهي بنت ست سنين، وبَنَى بها بالمدينة بعد منصرفه من غزوة بدر في شوال سنة اثنتين من الهجرة وهي ابنة تسع سنين، وقيل: بَنَى بها في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة.\nوكانت -﵂- كثيرة التعبد والتهجد والصوم، وكانت تؤم النساء في الصلاة المكتوبة، وكانت شديدة الحياء حتى أنها كانت تدخل البيت الذي دُفن فيه رسول الله -ﷺ- وأبو بكر وهي واضعة ثوبها وتقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دُفن عمر بن الخطاب لم تكن تدخله إلا مشدودة عليها ثيابها حياء من عمر.\n_________\n١ راجع ترجمة السيدة عائشة -﵂- في: أعلام النساء لعمر رضا كحالة \"٣/ ٩/ ١٣١\" وفيه مصادر ترجمتها \"ص١٣٠، ١٣١\". وانظر: تهذيب الكمال \"٣٥/ ٢٢٧-٢٣٦\"، ولها ترجمة مستفيضة في سير أعلام النبلاء \"٢/ ١٣٥-٢٠١\"، وطبقات ابن سعد \"٨/ ٥٨-٨١\"، وانظر: المستدرك للحاكم \"٤/ ٤-١٤\"، الاستيعاب \"٤/ ١٨٨١\"، أسد الغابة \"٧/ ١٨٨\"، البداية والنهاية \"٨/ ٩١-٩٤\"، مجمع الزوائد \"٩/ ٢٢٥-٢٤٤\"، تهذيب التهذيب \"١٢/ ٤٣٣- ٤٣٦\"، الإصابة \"١٣/ ٣٨\"، شذرات الذهب \"١/ ٩ و٦١ - ٦٣\"، صفة الصفوة \"٢/ ١٦\"، هداية العارفين للبغدادي \"ص٢٣٣\"، جوامع السيرة لابن حزم \"ص٢٧٥ - ٣١٥\"، وغيرها.","vol":"1","page":137},{"text":"ولم تكذب أبدًا، فكان ابن الزبير إذا حدَّث عن عائشة قال: والله لا تكذب على رسول الله -ﷺ- أبدًا، وكانت كثيرة الصدقات والعطايا حتى قال عبد الله بن الزبير في عطاء أعطته عائشة: والله لتَنْتَهيَنَّ عائشة أو لأحجرَنَّ عليها، فقالت عائشة: هو قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: فلله عليَّ نذر ألا أكلم ابن الزبير أبدًا، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: والله لا أشفع فيه أبدًا. فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة فقال: أنشدكما بالله أن تدخلاني على عائشة، فإنه لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: أكلنا؟ قالت: نعم ادخلوا كلكم -ولا تعلم أن معهما ابن الزبير- فلما دخلوا، دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه ويقولان: إن النبي -ﷺ- نهى عما عملت من الهجر، وإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فلما أكثروا على عائشة طفقت تبكي وتقول: إني نذرت والنذر شديد، فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك وتبكي حتى تبل دموعُها خمارَها.\n- دورها في الجهاد:\nاستأذنت عائشة النبي -ﷺ- في الجهاد فقال: \"جهادُكن الحج\"، ولما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي -ﷺ- ولقد رأى أنس عائشة وأم سليم، وإنهما لمشمرتان تنقلان القِرَب على متنيهما، ثم تفرغانها في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان، فتفرغانها في أفواه القوم.","vol":"1","page":138},{"text":"- مكانتها العلمية والأدبية:\nلقد كانت السيدة عائشة -﵂- حاملة لواء العلم في عصرها، ونبراسًا منيرًا لمريدي العلم وطلابه، وقد حسمت كثيرًا من الخلاف الفقهي، وكانت دقيقة في استنباط الحكم من العلة وجمع أطراف الحديث.\nقال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه: ما أُشكل علينا -أصحابَ محمد- حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا. وقال مسروق: لقد رأيت أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.\nوتُعد عائشة من أبرع الناس في القرآن والحديث والفقه والشعر وأحاديث العرب وأخبارهم وأيامهم وأنسابهم. قال عروة بن الزبير: ما رأيت أحدًا أعلم بالقرآن ولا بفرائضه ولا بحلال ولا بحرام ولا بشعر ولا بحديث العرب ولا بنسب من عائشة. وقال أيضًا: ما رأيت أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة. قال أبو عمر بن عبد البر: إن عائشة كانت وحدية بعصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه وعلم الطب وعلم الشعر.\nوقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة، فقلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.\nوكان عروة يقول لعائشة: يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول: زوجة رسول الله -ﷺ- وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت عائشة على منكبه وقالت: أي عرية -تصغير عروة- إن رسول الله -ﷺ- كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجهة فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها فمن ثَمَّ.\nقال الزهري: لو جُمِع علم عائشة بعلم جميع أزواج النبي -ﷺ- وجميع علم الناس لكان علم عائشة أكثر. وفي رواية: أفضل.","vol":"1","page":139},{"text":"وقال معاوية بن أبي سفيان ﵁: يا زياد، أي الناس أعلم؟ قال زياد: أنت يا أمير المؤمنين، قال: أعزم عليك، قال: أما إذا عزمت عليَّ فعائشة. وقال محمد بن عمر: ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتًا والمائة بيت.\nوقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة، وقال المقداد بن الأسود: ما كنت أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- أعلم بشعر ولا فريضة من عائشة.\n- شيوخها:\nعُدَّ الذين حفظت عنهم الفتوى من الصحابة مائة ونيف وثلاثون نفسًا ما بين رجل وامرأة، كان المكثرون منهم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو.\nوقال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سِفْرٌ ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس في عشرين كتابًا، وفي شرح الزرقاني وفتح الباري: إن عائشة كانت فقيهة جدًّا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها.\nوقال الذهبي في الكاشف: إن عائشة أفقه نساء الأمة، وكانت -﵂- مرجع كبار الصحابة في العديد من المسائل، قال الزركشي في المعتبر: إن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب كانا يسألانها في مسائل فقهية عديدة.\n- الذين رَوَوْا عنها:\nروى عنها خَلْقٌ كثير؛ منهم: أخوها من الرضاعة عوف بن الحارث بن الطفيل، وأختها أم كلثوم بنت أبي بكر، وابنا أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر الصديق، وابنتا أخيها حفصة وأسماء ابنتا عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنُ ابنِ أخيها عبد الله بن أبي عتيق، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وابنا","vol":"1","page":140},{"text":"أختها عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام، وابن أختها أسماء وعباد بن حبيب بن عبد الله بن الزبير، وعباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، وابنته أختها عائشة بنت طلحة، أبو يونس وذكوان أبو عمر، وابن فروخ مولى عائشة.\nوروى عنها من الصحابة:\nعمر بن الخطاب، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وزيد بن خالد الجهني، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن عمرو الجرشي، والسائب بن يزيد١، والحارث بن عبد الله بن نوفل، وغيرهم.\nوروى عنها من أكابر التابعين:\nسعيد بن المسيب، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعلقمة بن قيس، وعمرو بن ميمون، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وهمام بن الحارث، وأبو عطية الوادعي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن حكيم، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابناه أبو بكر ومحمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأسود بن يزيد النخعي، وأيمن المكي، وثمامة بن حزن القشيري، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وسعد بن هشام بن عامر، وسليمان بن يسار، وشريح بن هانئ، وزر بن حبيش، وأبو صالح السمان، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وطاوس، وعبد الله بن شقيق العقيلي، وعبد الله بن شهاب الخولاني، وابن أبي مليكة، وعبد الله البهي، وعبد الرحمن بن شماسة، وعبيد بن عمير الليثي، وعراك بن مالك، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن يسار، وعكرمة، وعلقمة بن وقاص، وعلى بن الحسين بن علي، وعمران بن حطان، ومجاهد بن جبر، وكريب، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، وفروة بن نوفل الأشجعي، ومحمد بن قيس بن مخرمة، ومحمد بن المنتشر، ونافع بن جبير بن مطعم، ويحيى بن يعمر، ونافع مولى ابن عمر، وأبو بردة بن أبي موسى، وأبو الجوزاء الربعي، وأبو الزبير المكي، وخيرة أم\n_________\n١ تهذيب التهذيب، وفي شرح الزرقاني: السائب بن زيد.","vol":"1","page":141},{"text":"الحسن، وصفية بنت أبي عبيد، وصفية بنت شيبة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وآخرون.\n- استدراكاتها على الصحابة:\nألَّف بدر الدين الزركشي الشافعي كتابًا سماه: \"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة\" وقال في مقدمته: \"وبعد، فهذا كتاب أجمع فيه ما تفردت به الصديقة -﵂- أو خالفت فيه سواها برأي منها، أو كان عندها فيه سُنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى\".\nثم ذكر المؤلف ما استدركته على عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، ومروان بن الحكم، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن ثابت، وزينب بنت أرقم، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجابر، وعلي بن أبي طالب، وأبي الدرداء، وعبد الرحمن بن عوف، وفاطمة بنت قيس، وأزواج النبي -ﷺ- وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب.\nومما استدركته عائشة -﵂- على أبي هريرة -﵁- أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يُحدِّث أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إنما الطيرة في المرأة والدار والدابة\" فطارت شفقًا ثم قالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم مَن حدث بهذا عن رسول الله ﷺ، كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في الدابة والدار والمرأة، ثم قرأت: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.\nوكانت عائشة -﵂- شديدة التمحيص والتنقيب، فقد ذكر المزي أنها كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه.","vol":"1","page":142},{"text":"وقال عروة: سألت عائشة عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بين الصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يابن أخي، إن هذه لو كانت كما أولتها كانت لا جناح ألا يطوف بهما؛ ولكنها أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل١، وكان من أهلَّ بها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ...﴾ الآية.\nوقالت عائشة ﵂: وقد سَنَّ رسول الله -ﷺ- الطواف بينهما فليس لأحد يترك الطواف بينهما، فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس -إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة- كانوا يطوفون كلهم بين الصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا: يا رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، قال أبو بكر: فأحسب هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية في الصفا والمروة، والذين كانوا يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام٢.\n- فصاحتها وبلاغتها:\nكانت عائشة -﵂- فصيحة اللسان بليغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم. قال الأحنف بن قيس: سمعتُ\n_________\n١ المشلل: جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر، وقديد وادٍ وموضع.\n٢ صحيح البخاري: \"٢٥\" كتاب الحج \"٧٩\" باب \"وجوب الصفا والمروة وجُعل من شعائر الله\" حديث \"١٦٤٣\"، وأطرافه: \"١٧٩٠\"، \"٤٤٩٥\"، \"٤٨٦١\"، وصحيح مسلم: \"١٥\" كتاب الحج \"٤٣\" باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به، حديث \"١٢٧٧\".","vol":"1","page":143},{"text":"خطبة أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والخلفاء هلم جرًّا إلى يومي هذا فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه في عائشة.\nوقال موسى بن طلحة: ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة١، وقال معاوية: والله ما رأيت خطيبًا قد أبلغ ولا أفصح من عائشة٢.\nوقالت عائشة: قُبض رسول الله -ﷺ- فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضَها٣، اشرأَبَّ النفاق بالمدينة وارتدت العرب، فوالله ما اختلف المسلمون في لفظة إلا طار أبي بحظها وغنائها في الإسلام، ومن رأى ابن الخطاب علم أنه خُلق غناءً للإسلام، كان والله أحوذيًّا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها.\nودخلت عائشة -﵂- على أبيها أبي بكر الصديق في مرضه الذي مات فيه فقالت: يا أبتِ، اعْهَد إلى خاصتك، وأنفذ رأيك في سامتك٤، وانقل من دار جهازك إلى دار مقامك، وإنك محضور، ومتصل بقلبي لوعتك، وأرى تخاذل أطرافك وانتفاع لونك وإليَّ تعزيتي عنك، ولديه ثواب حزني عليك، أرقأ فلا أرقى٥، وأبل فلا أنقى، وأشكو فلا أشكى. فرفع رأسه وقال: يا بنية، هذا يوم يجلى فيه عن غطائي وأعاين جزائي، إن فَرَح فدائم، وإن تَرَح٦ فمقيم، إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم حين كان النكوص إضاعة والحزم تفريطًا، فشهيدي الله ما كان هبلى إياه. تبلغت بصفحتهم وتعللت٧ بدَرَّة لقحتهم وأقمت صلاتي\n_________\n١ سنن الترمذي \"٥/ ٦٦٣\" \"٥٠\" كتاب المناقب \"٦٣\" باب فضل عائشة ﵂ حديث رقم \"٣٨٨٤\" وقال: حسن صحيح غريب، والمستدرك للحاكم \"٤/ ١١\" كتاب معرفة الصحابة.\n٢ المستدرك للحاكم والتذهيب للذهبي وأخرجه الترمذي وقال: حسن. كذا في هامش أعلام النساء لعمر رضا كحالة \"٣/ ١١٢\" مؤسسة الرسالة.\n٣ هاضها: أي كسرها وألانها.\n٤ السامة: الخاصة. يقال: السامة والعامة.\n٥ رَقَأ الدمع: سكن.\n٦ التَّرَح: ضد الفرح.\n٧ أي: تلهيت.","vol":"1","page":144},{"text":"معهم لا مختالًا أَشِرًا ولا مكاثرًا بَطِرًا١، لم أعد سد الجوعة وروى العورة وقوامة القوام، حاضري الله من طوي ممعض٢ تهفو منه الأحشاء وتجب له الأمعاء، واضطررت إلى ذلك اضطرار البرض٣ إلى المتعتت الآجن٤، فإذا أنا مت فردي إليهم صحفتهم، ولقحتهم، وعبدهم، ورحاهم، ووثارة ما فوقي اتقيت بها أذى البرد، ووثارة ما تحتي اتقيت بها نز الأرض٥ كان حشوها قطع السعف المشع.\nوقالت عائشة -﵂- وأبوها يغمض:\nوأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل\n- وفاتها:\nوتوفيت عائشة أم المؤمنين بالمدينة المنورة في \"١٧\" من رمضان سنة \"٥٧هـ\" على الصحيح. وقيل: \"٥٨هـ\"، وقيل: \"٥٦هـ\"، وقيل: \"٥٩هـ\" وهي ابنة ست وستين سنة، وأمرت أن تدفن من ليلتها، واجتمع الأنصار وحضروا فلم تُرَ ليلة أكثر ناسًا منها، فدفنت بعد الوتر بالبقيع وصلى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم وعبد الله ابنا أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.\n- مروياتها:\nكانت السيدة عائشة -﵂- كبيرة محدثات عصرها بالإضافة إلى شهرتها بالذكاء والفصاحة والبلاغة، وكانت عاملًا كبيرًا ذا تأثير عميق في نشر تعاليم الإسلام ومبادئه.\n_________\n١ الأشر والبطر: المغالاة في المرح والكبر، وأيضًا: الجحود والكفر.\n٢ أي: موجع.\n٣ بَرَضَ الماء: قل.\n٤ الماء الذي تغير طعمه ولونه ورائحته.\n٥ نز الأرض: ما تَحَلَّبَ من الأرض من الماء.","vol":"1","page":145},{"text":"روت عن رسول الله -ﷺ- وأبي بكر، وعمر بن الخطاب، وفاطمة الزهراء، وسعد بن أبي وقاص، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وجذامة بنت وهب ﵃.\nوبلغ عدد أحاديثها:\n\"٢٢١٠\" حديثًا، أُخرج لها منه في الصحيحين \"٢٩٧\" حديثًا، والمتفق عليه منها \"١٧٤\" حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا، ومسلم بتسعة وستين حديثًا.","vol":"1","page":146},{"text":"٥-<span data-type=\"title\" id=toc-20> عبد الله بن عباس ﵄ </span>١:\n- نسبه ومولده وإسلامه وأبرز ملامحه:\nهو حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس: عبد الله ابن عم رسول الله -ﷺ- العباس بن عبد المطلب بن شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قُصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي الهاشمي المكي الأمير ﵁. والصحيح الراجح أنه ولد بشِعْب٢ بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنين.\nتنقل ابن عباس مع أبويه إلى دار الهجرة سنة الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، فإنه صح عنه أنه قال: كنتُ أنا وأمي من المستضعفين، أنا من الولدان وأمي من النساء٣.\n_________\n١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٣١ - ٣٥٩\"، طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٥\"، نسب قريش \"٢٦\"، المحبر \"١٦، ٢٤، ٩٢، ٢٨٩، ٢٩٢، ٣٧٨\"، التاريخ الكبير \"٥/ ٣\"، التاريخ الصغير \"١/ ١٢٦، ١٢٧، ١٣٧\"، أنساب الأشراف \"٣/ ٢٧، ٥٥\"، المعرفة والتاريخ \"١/ ٢٤١، ٢٧٠، ٤٩٣\"، الجرح والتعديل \"٥/ ١١٦\"، المستدرك \"٣/ ٥٣٣\"، الحلية \"١/ ٣١٤\"، جمهرة أنساب العرب \"١٩، ٢٠\"، الاستيعاب \"٩٣٣\"، تاريخ بغداد \"١/ ١٧٣\"، الجمع بين رجال الصحيحين \"١/ ٢٣٩\"، جامع الأصول \"٩/ ٦٣\"، أسد الغابة \"٣/ ٢٩٠\"، الحلة السيراء \"١/ ٢٠\" تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١/ ٢٧٤\"، وفيات الأعيان \"٣/ ٦٢\"، تهذيب الكمال \"٣/ ١٥٤- ١٦٢\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ٣٠، تذكرة الحفاظ \"١/ ٣٧\"، العبر \"١/ ٧٦\"، معرفة القراء \"٤١\"، البداية والنهاية \"٨/ ٢٩٥\"، العقد الثمين \"٥/ ١٩٠\"، الإصابة \"٢/ ٣٣٠\"، تهذيب التهذيب \"٥/ ٢٧٦\"، المطالب العالية \"٤/ ١١٤\"، النجوم الزاهرة \"١/ ١٨٢\"، خلاصة تهذيب الكمال \"١٧٢\".\n٢ شِعْب بكسر الشين: كان منزل بني هاشم غير مساكنهم، ويعرف بشعب أبي يوسف، وهو الشعب الذي أوى إليه رسول الله -ﷺ- وبنو هاشم لما تحالفت قريش على بني هاشم وكتبوا الصحيفة. انظر شرح المواهب \"١/ ٢٧٨\".\n٣ أخرجه بهذا اللفظ الإسماعيلي من طريق إسحاق بن موسى، عن ابن عيينة، عن عبيد الله، عن ابن عباس فيما ذكره الحافظ في \"الفتح\"، وأخرجه البخاري في صحيحه \"٨/ ١٩٢\" من طريق محمد عبد الله بن محمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين، وأخرجه البخاري أيضًا والطبري في تفسيره \"١٠٢٧٠\" من طريقين عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، أن ابن عباس تلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله. وهو في سنن البيهقي \"٩/ ١٣\"، وقد رُوي من طرق عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفى النبي -ﷺ- وأنا ابن عشر. راجع: مسند أحمد \"١/ ٢٥٣، ٣٣٧، ٣٥٧\" وفي رواية: جمعت المحكم في عهد رسول الله -ﷺ- وقبض وأنا ابن عشر حجج. راجع: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٣٥\" =","vol":"1","page":147},{"text":"صحب النبي -ﷺ- نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة، وعن عمر، وعلي، ومعاذ، ووالده، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي سفيان صخر بن حرب، وأبي ذر، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وخلق.\nوقرأ على أُبَي، وزيد بن ثابت، وقرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة.\n_________\n= والمعجم الكبير للطبراني \"١٠٥٧٧\" ومسند الطيالسي \"٢/ ١٤٨\" وما رواه أبو بشر معارض بالروايات الصحيحة التي ذكرت أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: \"حديث أبي بشر عندي واه\" \"سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٦\".\nوقد روى مالك في \"الموطأ\" \"١/ ١٥٥\" في قصر الصلاة في السفر: باب الرخصة في المرور بين يدي المصلي، والبخاري \"١/ ٤٧٢\" في أول سترة المصلي: باب الإمام سترة من خلفه، وفي صفة الصلاة: باب وضوء الصبيان، وفي الحج: باب حج الصبيان، وفي العلم: باب متى يصح سمع الصغير، ومسلم في الصلاة: باب سترة المصلي \"حديث ٥٠٤\"، وأحمد في المسند \"١/ ٢٦٤\" أن ابن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -ﷺ- يصلي بالناس بمنًى، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك على أحد. قوله: وناهزت الاحتلام، أي: قاربته. قلت: وكان ذلك في حجة الوداع.\nوقال الواقدي: لا خلاف أنه ولد في الشعب وبنو هاشم محصورون فولد قبل خروجهم منه بيسير وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. ألا تراه يقول: وقد راهقنا الاحتلام، وهذا أثبت مما نقله أبو بشر في سنه \"سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣٥\".\nوقال شعبة: عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: توفي رسول الله -ﷺ- وأنا ابن خمس عشرة سنة وأنا ختين، أخرجه الطيالسي \"٢/ ١٤٩\"، والحاكم \"٣/ ٥٣٣\"، والطبراني \"١٠٥٧٨\" وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وأورده الهيثمي في \"المجمع\" \"٩/ ٢٨٥\"، ونسبه للطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البخاري في صحيحه \"١١/ ٧٥\" في الاستئذان: باب الختان بعد الكبر من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس: مثل من أنت حين قبض النبي ﷺ؟ قال: أنا يومئذ مختون. قال: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك.\nقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" \"١١/ ٧٦\": المحفوظ الصحيح أنه ولد بالشعب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، وأورد بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: ولدت وبنو هاشم في الشعب، وهذا لا ينافي قوله: \"ناهزت الاحتلام\" ولا قوله: وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك؛ لاحتمال أن يكون أدرك، فختن قبل الوفاة النبوية وبعد حجة الوداع، وأما قوله: وأنا ابن عشر، فمحمول على إلغاء الكسر، ورواية أحمد: \"وأنا ابن خمس عشرة\" يمكن ردها إلى رواية ثلاث عشرة بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء، وولد في أثناء السنة، فجبر الكسرين، بأن يكون ولد مثلا في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلق عليها سنة، وقبض النبي -ﷺ- في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال: \"ثلاث عشرة\" ألغى الكسرين، ومن قال: \"خمس عشرة\" جبرهما، والله أعلم.","vol":"1","page":148},{"text":"قال الذهبي: \"وكان وسيمًا جميلًا، مديد القامة، مهيبًا، كامل العقل، ذكي النفس، من رجال الكمال\"١.\nوقال أيضًا: \"وكان أبيض، طويلًا، مُشْرَبًا صفرة، جسيمًا، وسيمًا، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، دعا له النبي -ﷺ- بالحكمة\"٢.\nوروى سعيد بن سالم، حدثنا ابن جريج قال: كنا جلوسًا مع عطاء في المسجد الحرام، فتذاكرنا ابن عباس، فقال عطاء: ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة إلا ذكرت وجه ابن عباس٣.\nوروى إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا مر في الطريق، قلن النساء على الحيطان: أمرَّ المسك، أم مر ابن عباس؟ ٤\nوروى مالك بن دينار عن عكرمة: كان ابن عباس يلبس الخز، ويكره المصمت٥.\nوعن رشدين بن كريب، عن أبيه قال: رأيت ابن عباس يعتم بعمامة سوداء، فيرخي شبرًا بين كتفيه ومن بين يديه.\nوقال أبو نعيم: حدثنا سلمة بن شابور، قال رجل لعطية: ما أضيق كمك! قال: كذا كان كم ابن عباس، وابن عمر٦.\nوأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير الهلالية من هلال بن عامر، أخت أم المؤمنين \"ميمونة\".\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٣٣\".\n٢ المصدر السابق \"٣/ ٣٣٦\".\n٣ المصدر السابق \"٣/ ٣٣٦، ٣٣٧\".\n٤ المصدر السابق \"٣/ ٣٣٧\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٦\"، والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، والمصمت: هو الذي جميعه إبريسم لا يخالطه قطن ولا غيره.\n٦ ما سبق من سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٥\".","vol":"1","page":149},{"text":"وله جماعة أولاد، أكبرهم العباس، وبه كان يكنى، وعلي أبو الخلفاء، وهو أصغرهم، والفضل، ومحمد، وعبيد الله، ولبابة، وأسماء.\nوالفضل، ومحمد، وعبيد الله ماتوا ولا عقب لهم، ولبابة لها أولاد وعقب من زوجها علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبنته الأخرى أسماء، وكانت عند ابن عمها عبد الله بن عبيد الله بن العباس، فولدت له حسنًا وحسينًا.\n- تلاميذه:\nروى عنه: ابنه علي، وابن أخيه عبد الله بن معبد، ومواليه عكرمة، ومقسم، وكريب، وأبو معبد نافذ، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، وأبو أمامة بن سهل، وأخوه كثير بن العباس، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله، وطاوس، وأبو الشعثاء جابر، وعلي بن الحسين، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبير، والقاسم بن محمد، وأبو صالح السمان، وأبو رجاء العطاردي، وأبو العالية، وعبيد بن عمير، وابنه عبد الله، وعطاء بن يسار، وإبراهيم بن عبد الله بن معبد، وأربدة التميمي صاحب التفسير، وأبو صالح باذام، وطليق بن قيس الحنفي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن كعب القرظي، وشهر بن حوشب، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد، وأبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، والضحاك بن مزاحم، وأبو الزبير المكي، وبكر بن عبد الله المزني، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن أبي الحسن، وإسماعيل السدي، وخَلْق سواهم.\nوذكر صاحب تهذيب الكمال من الرواة عنه مائتان سوى ثلاثة أنفس.\nقال أبو سعيد بن يونس: \"غزا ابن عباس إفريقية مع ابن أبي سرح، وروى عنه من أهل مصر خمسة عشر نفسًا\"١.\n_________\n١ نقلًا عن سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٣٦\".","vol":"1","page":150},{"text":"- دعاء الرسول -ﷺ- له بالحكمة، والعلم، والفقه:\nثبت بأسانيد صحيحة عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- مسح رأسه وضمه إلى صدره ودعا له بالحكمة والفقه في الدين:\nروى البخاري وغيره من طريق خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ضمني النبي -ﷺ- إلى صدره وقال: \"اللهم علمه الحكمة\" ١.\nوأخرج ابن سعد من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس قال: دعاني رسول الله -ﷺ- فمسح على ناصيتي وقال: \"اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب\" ٢.\nوروى أحمد بن حنبل والحاكم والطبراني وغيرهم بإسناد صحيح، عن حماد بن سلمة وغيره، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله قال: بِتُّ في بيت خالتي ميمونة، فوضعت للنبي -ﷺ- غُسلًا، فقال: \"من وضع هذا\"؟ قالوا: عبد الله. فقال: \"اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين\" ٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري \"١/ ١٥٥\" في العلم: باب قول النبي ﷺ: \"اللهم علمه الكتاب\" و\"٧/ ٧٨\" في فضائل الصحابة: باب ذكر ابن عباس، و\"١٣/ ٢٠٨\" في أول كتاب الاعتصام، والترمذي \"٣٨٢٤\"، وابن ماجه \"١٦٦\"، والطبراني \"١٠٥٨٨\"، والبلاذري في \"أنساب الأشراف\" \"٣/ ٢٩\" كلهم من طريق خالد الحذاء به.\n٢ الطبقات الكبرى \"٢/ ٣٦٥\".\n٣ المسند \"١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥\"، والطبراني في المعجم الكبير \"١٠٥٨٧\"، وتاريخ الفسوي \"١/ ٤٩٤\"، وابن سعد \"٢/ ٣٦٥\"، والبلاذري \"٣/ ٢٨\"، وصححه الحاكم \"٣/ ٥٣٤\"، ووافقه الذهبي.\nوكان ابن عباس -﵁- من أعلم الصحابة في تفسير القرآن، فقد روى يعقوب بن سفيان في \"تاريخه\" \"١/ ٤٩٥\" بإسناد صحيح عن ابن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، وكان يقول: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وروى هذه الزيادة ابن سعد في \"الطبقات\" \"٢/ ٣٦٦\" من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، وروى أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن ابن عمر قال: هو أعلم الناس بما أنزل الله على محمد.\nوروى يعقوب أيضًا \"١/ ٤٩٥\" بإسناد صحيح عن أبي وائل قال: قرأ ابن عباس سورة النور، ثم جعل يفسرها، فقال رجل: \"لو سمعت هذا الديلم لأسلمت\"، ورواه أبو نعيم في \"الحلية\" \"١/ ٣٢٤\" من وجه آخر بلفظ \"سورة البقرة\"، وزاد أنه كان على الموسم -يعني: سنة خمس وثلاثين- كان عثمان -﵁- أرسله لما حصر.","vol":"1","page":151},{"text":"- رؤيته جبريل ﵇:\nروى الإمام أحمد في مسنده وغيره بسند صحيح عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: كنت مع أبي عند النبي -ﷺ- وكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال: ألم ترَ ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: أوكان عنده أحد؟ قلت: نعم. فرجع إليه، فقال: يا رسول الله، هل كان عندك أحد؟ فقال لي: \"هل رأيته يا عبد الله\"؟ قال: نعم، قال: \"ذاك جبريل فهو الذي شغلني عنك\" ١.\nوروى بأسانيد صحيحة عن موسى بن ميسرة: أن العباس بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله -ﷺ- في حاجة، فوجد عنده رجلًا، فرجع ولم يكلمه. فلقي العباس رسول الله -ﷺ- بعد ذلك فقال: أرسلت إليك ابني فوجد عندك رجلًا، فلم يستطع أن يكلمه. فقال: \"يا عم! تدري من ذاك الرجل\" قال: لا، قال: \"ذاك جبريل لقيني، لن يموت ابنك حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا\" ٢.\n- عبادته وورعه:\nروى صالح بن رستم الخزاز، عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس -﵄- من مكة إلى المدينة، فكان إذا نزل قام شطر الليل، فسأله أيوب: كيف كانت قراءته؟ قال: قرأ: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] فجعل يرتل ويكثر في ذلك النَّشِيج٣.\nوفي رواية عن ابن أبي مليكة: صحبت ابن عباس عن مكة إلى المدينة، فكان\n_________\n١ المسند \"١/ ٢٩٣، ٢٩٤، ٣١٢\"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد \"٩/ ٢٧٦\" وقال: \"رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح\"، ورواه أبو داود والطيالسي في مسنده \"٢/ ١٤٩\".\n٢ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد \"٩/ ٢٧٧\" وقال: \"رواه الطبراني بأسانيد ورجاله ثقات\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٢\"، الحلية \"١/ ٣٢٧\"، والنشيج: أحر البكاء، وهو مثل البكاء للصبي إذا ردد صوته في صدره ولم يخرجه.","vol":"1","page":152},{"text":"يصلي ركعتين، فإن نزل قام شطر الليل ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب١.\nوعن مُعتمر بن سليمان، عن شعيب بن درهم، عن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وأسفل من عينيه مثل الشِّرَاك البالي من البكاء٢.\nوعن أبي أمية بن يعلى، عن سعيد بن أبي سعيد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يابن عباس! كيف صومك؟ قال: أصوم الإثنين والخميس. قال: ولِمَ؟ قال: لأن الأعمال تُرفع فيهما، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم٣.\nوعن طاوس قال: ما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا لحرمات الله من ابن عباس٤.\nوقال القاسم بن محمد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قط٥.\nوروى أبو عوانة عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه لم يكن يدخل الحمام إلا وحده، وعليه ثوب صفيق، يقول: إني أستحيي الله أن يراني في الحمام متجردًا٦.\n- تواضعه في طلب العلم:\nروى الحاكم والطبراني وغيرهما بسند صحيح عن جرير بن حازم، عن يعلى\n_________\n١، ٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٢\"، الحلية \"١/ ٣٢٩\".\n٣ إسناده ضعيف لضعف أبي أمية بن يعلى، واسمه إسماعيل بن يعلى الثقفي البصري، قال يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء، وقال مرة: متروك الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال البخاري: سكتوا عنه، وفعل ابن عباس ثابت عن النبي -ﷺ- فقد روى الترمذي \"٧٤٧\" من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: \"تعرض الأعمال يوم الإثنين ويوم الخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم \" وهو حديث حسن كما قال الترمذي، فإن له شاهدًا من حديث أسامة بن زيد عند أبي داود \"٢٤٣٦\"، والنسائي \"٤/ ٢٠١، ٢٠٢\" وسنده حسن، ومن حديث حفصة عند النسائي \"٤/ ٢٠٣، ٢٠٤\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٢\"، الحلية \"١/ ٣٢٩\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥١\".\n٦ المصدر السابق \"٣/ ٣٥٥\".","vol":"1","page":153},{"text":"ابن حكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله -ﷺ- قلت لرجل من الأنصار: هلم نسأل أصحاب رسول الله -ﷺ- فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا يابن عباس! أترى الناس يحتاجون إليك، وفي الناس من أصحاب النبي -ﷺ- من ترى؟ فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتيه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح عليَّ التراب، فيخرج فيراني، فيقول: يابن عم رسول الله! ألا أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسألك، قال: فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس عليَّ، فقال: هذا الفتى أعقل مني١.\nروى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس قال: وجدت عامة علم رسول الله -ﷺ- عند هذا الحي من الأمصار، إن كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي، فأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك قلبه٢.\n- تثبته في العلم:\nكان ابن عباس -﵁- معروفًا بالتشدد في قبول الرواية، وأخذ العلم من الصحابة -﵃- فقد روى يزيد بن إبراهيم، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس -﵄- قال: إن كنتُ لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٣.\n- علمه وفقهه:\nلقد بلغ علم ابن عباس -﵄- وفقهه مبلغًا يثير الدهشة والإعجاب، وذلك\n_________\n١ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٧، ٣٦٨\"، المستدرك \"٣/ ٥٣٨\"، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" \"٩/ ٢٧٧\" وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٤\"، وطبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٨\"، وأخرجه البلاذري \"٣/ ٣٤، ٣٥\" بسند حسن، ولفظه عند الأخيرين: لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ فأجلس على بابه تسفي الريح على وجهي التراب حتى يستيقظ متى استيقظ فأسأله عما أريد ثم أنصرف.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٣٤\"، وقال الذهبي: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":154},{"text":"بشهادة الصحابة وكبار التابعين، وقد بلغ هذه الدرجة من العلم والفقه بفضل دعاء النبي -ﷺ- له بالعلم والفقه ومعرفة التأويل.\nوعن عامر بن سعد بن أبي وقاص: سمعتُ أبي يقول: ما رأيت أحدًا أحضر فَهْمًا، ولا ألب لبًّا، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر١.\nوقال الواقدي: حدثنا موسى بن محمد التيمي، عن أبيه، عن مالك بن أبي عامر، سمع طلحة بن عبيد الله يقول: لقد أُعطي ابن عباس فهمًا، ولَقْنًا، وعلمًا، ما كنت أرى عمر يُقدِّم عليه أحدًا٢.\nوروى ابن سعد بسند صحيح عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد٣، وفي رواية: ما عاشره٤.\nوقال الأعمش: حدثونا أن عبد الله قال: ولنعم ترجمان القرآن ابن عباس٥. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لو أن هذا الغلام أدرك ما أدركنا ما تعلقنا معه بشيء٦.\nوعن محمد بن أُبي بن كعب، سمع أباه يقول -وكان عنده ابن عباس فقام- فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أرى عقلًا وفهمًا. وقد دعا له رسول الله -ﷺ- أن يفقهه في الدين٧.\n_________\n١ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٩\".\n٢ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٧٠\".\n٣ الطبقات\" \"٢/ ٣٦٦\"، و\"تاريخ الفسوي\" \"١/ ٤٩٥\"، والمستدرك \"٣/ ٥٣٧\" من طرق عن الأعمش به.\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٧\".\n٥ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٦\"، وتاريخ الفسوي \"١/ ٤٩٥\"، وأخرجه الحاكم \"٣/ ٥٣٧\"، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n٦ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٧\".\n٧ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٨\"، وتاريخ الفسوي \"١/ ٤٩٥\"، وابن سعد \"٢/ ٣٦٩\".","vol":"1","page":155},{"text":"وعن عكرمة: سمعتُ معاوية يقول لي: مولاك والله أفقه مَن مات ومَن عاش١.\nويُروى عن عائشة قالت: \"أعلم من بقي بالحج ابن عباس\"٢.\nقال الذهبي: قلت: \"وقد كان يرى متعة الحج حتمًا\"٣.\nقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله قال: كان ابن عباس -﵄- قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبق، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وحلم، ونسب، ونائل. وما رأيت أحدًا أعلم بما سبقه من حديث رسول الله -ﷺ- ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأيًا فيما احتيج إليه منه، ولقد كنا نحضر عنده فيحدثنا العشية كلها في المغازي، والعشية كلها في النسب، والعشية كلها في الشعر٤.\nوعن طاوس قال: ما رأيت أروع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس٥. وقال مجاهد: ما رأيت أحدًا قط مثل ابن عباس، لقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة٦.\nوعن مجاهد قال: كان ابن عباس يُسمى البحر؛ لكثرة علمه٧.\nوعن مجاهد أيضًا قال: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلا أن يقول قائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٨.\n_________\n١-٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٨\"، وتاريخ الفسوي \"١/ ٤٩٥\"، وابن سعد \"٢/ ٣٦٩\".\nبقي بالحج: أن يحرم قاصد الحج من الميقات بنية العمرة، فإذا فرغ منها تحلل من إحرامه، وبقي متحللًا إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، ثم يحرم في اليوم الثامن بنية الحج. انظر: \"زاد المعاد\" \"٢/ ١٧٨\" وما بعدها.\n٤ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٨\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٠\".\n٥ تاريخ الفسوي \"١/ ٤٩٦\"، وابن سعد \"٢/ ٣٦٦\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٠\".\n٦ أخرجه الحاكم \"٣/ ٥٣٥\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٠\".\n٧ أنساب الأشراف \"٣/ ٣٣\"، والمستدرك \"٣/ ٥٣٥\"، والحلية \"١/ ٣١٦\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٠\".\n٨ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٠\".","vol":"1","page":156},{"text":"وعن طاوس قال: أدركت نحوًا من خمسمائة من الصحابة، إذا ذاكروا ابن عباس فخالفوه، فلم يزل يُقرِّرهم حتى ينتهوا إلى قوله.\nوقال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم.\nوعن الأعمش: حدثنا أبو وائل قال: حطبنا ابن عباس، وهو أمير على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ويفسر، فجعلتُ أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثل هذا، لو سمعَتْه فارس والروم والترك لأسلمَتْ، وروى عاصم بن بهدلة عن أبي وائل مثله١.\nوقال إسرائيل: أخبرنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا ثلاثًا: \"الرقيم\"، و\"غِسلين\"، و\"حَنَانًا\"٢.\nوروى يحيى بن يمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمتَ علمًا ما علمناه٣.\nوعن مسروق قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أجمل الناس. فإذا نطق، قلت: أفصح الناس. فإذا تحدث، قلت: أعلم الناس٤.\nوقال سفيان بن عيينة: لم يُدرَك مثل ابن عباس في زمانه، ولا مثل الشعبي في زمانه، ولا مثل الثوري في زمانه٥.\n_________\n١ ما سبق في: سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥١\"، وانظر: أنساب الأشراف \"٣/ ٣٨\"، والمستدرك للحاكم \"٣/ ٥٣٧\"، والحلية \"١/ ٣٢٤\".\n٢ تفسير الطبري \"١٥/ ١٩٩\" من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل به، وذكره السيوطي في \"الإتقان\" \"١٠/ ١١٣\"، ونسبه للفريابي من طريق سماك، عن عكرمة ...، وقد ورد عن ابن عباس تفسير \"الرقيم\" بالكتاب واللوح، أو أنه اسم جبل أصحاب الكهف، و\"حنانًا\" بالرحمة، و\"غسلين\" بأنه صديد أهل النار. انظر: الطبري \"١٥/ ١٩٨، ١٩٩ و١٦/ ٥٥ و٢٩/ ٦٥\".\n٣ أخرجه البلاذري \"٣/ ٣٧\" من طريق عبد الله بن صالح وعمرو، عن يحيى بن يمان بهذا الإسناد.\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥١\"، وأخرجه البلاذري \"٣/ ٣٠\" بسند حسن عن مسروق به.\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٢\".","vol":"1","page":157},{"text":"وروى البخاري وآخرون غيره بسند صحيح عن أيوب، عن عكرمة: أن عليًّا حرق ناسًا ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم أنا بالنار، إن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا تعذبوا بعذاب الله\"، وكنت قاتلهم لقوله ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\". فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الْهَنَات١.\nوقد خلَّف ابن عباس تراثًا ضخمًا من العلم وكمًّا هائلًا من الفقه.\nقال ابن حزم في كتاب \"الإحكام\"٢: جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن المأمون أحد أئمة الإسلام فتاوى ابن عباس في عشرين كتابًا.\nوعن عكرمة قال: كان ابن عباس في العلم بحرًا ينشق له الأمر من الأمور، وكان النبي -ﷺ- قال: \"اللهم ألهمه الحكمة وعلمه التأويل\"، فلما عمي، أتاه الناس من أهل الطائف ومعهم علم من علمه -أو قال: كتب من كتبه- فجعلوا يستقرئونه، وجعل يُقدِّم ويؤخر، فلما رأى ذلك قال: إني قد تَلِهْتُ من مصيبتي هذه، فمن كان عنده علم من علمي، فيلقرأ عليَّ، فإن إقراري له كقراءتي عليه،\nقال: فقرءوا عليه٣.\n_________\n١ أخرجه البخاري \"٦/ ١٠٦\" في الجهاد: باب لا يعذب بعذاب الله، و\"١٢/ ٢٣٧\" في استتابة المريدين: باب حكم المرتد والمرتدة، والنسائي \"٧/ ١٠٤\" في تحريم الدم: باب الحكم في المرتد، من طرق عن أيوب، عن عكرمة. دون قوله: \"فبلغ ذلك ... \"، وأخرجه أبو داود \"٤٣٥١\" في أول الحدود، والحاكم \"٣/ ٥٣٨، ٥٣٩\" وفيه: \"فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح ابن عباس\". قال الخطابي: قوله: \"ويح ابن عباس\" لفظه لفظ الدعاء عليه ومعناه المدح له والإعجاب بقوله، وهذا كقول الرسول -ﷺ- في أبي بصير: \"ويل أمه مسعر حرب\"، وكقول عمر -﵁- حين أعجبه قول الوادعي في تفضيل سُهمان الخيل على المقاريف: \"هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت به\" يريد: ما أعلمه، أو ما أصوب رأيه، ولفظ الترمذي \"١٤٥٨\" في الحدود: \"فبلغ ذلك عليًّا فقال: صدق ابن عباس\"، ولفظ البلاذري \"٣/ ٣٥\": \"فبلغ ذلك عليًّا فقال: لله در ابن عباس\".\n٢ الإحكام في أصول الأحكام \"٥/ ٩٢\"، ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٨\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٤، ٣٥٥\"، وقال الذهبي عقبه: تلهت: تحيرت، والأصل: ولهت، كما قيل في وجاه تجاه. وفي لسان العرب مادة \"تله\" التله: الحيرة، تله الرجل يتله تلهًا: حار، ورأيته يَتَتَلَّه: أي يتردد متحيرًا. وقيل: أصل التله بمعنى الحيرة: الوله، قلبت الواو ياء، وقد وله يوله، وتله يتله، وقيل: كان في الأصل: ائتله يأتله، فأدغمت الواو في التاء فقيل: اتَّله يتَّله، ثم حذفت التاء فقيل تَلِه يتلَه، كما قالوا: تَخِذ يتْخذ، وتقي يتقى، والأصل فيهما: اتَّخذ يتَّخذ، واتقى يتقي. وقال الأزهري: تَلِهتُ كذا وتلهت عنه: أي ضللته وأُنْسِيتُه.","vol":"1","page":158},{"text":"- مكانته عند عمر ﵄:\nروى ابن عيينة عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: كان ابن عباس من الإسلام بمنزل، وكان من القرآن بمنزل، وكان يقوم على منبرنا هذا، فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرهما آية آية. وكان عمر -﵁- إذا ذكره قال: ذلك فتى الكهول، له لسان سَئُول، وقلب عَقول١.\nوروى معمر عن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول؛ إن له لسانًا سئولًا وقلبًا عقولًا٢.\nوروى عاصم بن كُلَيب، عن أبيه، عن ابن عباس قال: دعاني عمر مع الأكابر ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا، ثم يسألني، ثم يقبل عليهم فيقول: ما منعكم أن تأتوني بمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستوِ شئون رأسه٣.\nوروى البخاري في صحيحه من طريقين، عن أبي بشر، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني من أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعا ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضهم: أمرنا نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول٤.\n_________\n١ أخرجه الطبراني \"١٠٦٢٠\"، وعنه أبو نعيم \"١/ ٣١٨\"، والبلاذري \"٣/ ٧٣\"، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" \"٢٧٧/ ٩\"، ونسبه للطبراني وقال: وأبو بكر الهذلي ضعيف.\n٢ المستدرك \"٣/ ٥٣٩، ٥٤٠\" ورجاله ثقات إلا أنه منقطع.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٥\". شئون الرأس: عظامه والشعب التي تجمع بين قبائل الرأس وهي أربعة أشؤن.\n٤ صحيح البخاري: المناقب، وفي \"٨/ ٩٩\" المغازي: باب منزل النبي يوم الفتح، وفي المغازي: باب مرض النبي ووفاته، وفي التفسير: باب قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وأخرجه أحمد \"١/ ٣٣٧، ٣٣٨\"، والترمذي \"٣٣٦٢\"، والطبراني \"١٠٦١٦\" و\"١٠٦١٧\"، وابن جرير \"٣٠/ ٣٣٣\"، والحاكم \"٣/ ٥٣٩\"، وأبو نعيم \"١/ ٣١٦، ٣١٧\"، وذكره السيوطي في الدر المنثور \"٦/ ٤٠٧\"، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل.\nوقوله: \"قد وجدوا على عمر\" معناه: غضبوا، ولفظ \"وجد\" الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب، والحب، والغنى، واللقاء.","vol":"1","page":159},{"text":"وقال أبو يحيى الحماني: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قال عمر: لا يلومني أحد على حب ابن عباس.\nوعن مجالد، عن الشعبي قال: قال ابن عباس ﵄: قال لي أبي: يا بني، إن عمر يدنيك، فاحفظ عني ثلاثًا: لا تفشين له سرًّا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا يُجَرِّينَّ عليك كذبًا١.\nوروى عبد الرزاق في مصنفه، عن معمر، عن علي بن بَذِيمة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجلٌ، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا. فقلت: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذا المسارعة. قال: فزَبَرَني عمر، ثم قال: مَهْ. فانطلقت إلى منزلي مكتبئًا حزينًا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة، ولا أراني إلا قد سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين. فخرجت، فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفًا؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت، فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت. قال: لتخبرني. قلت: متى ما يسارعوا هذه المسارعة يحتَقُّوا٢، ومتى ما يحتقوا يختصموا، ومتى ما اختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. قال: لله أبوك. لقد كنتُ أكتمها الناس حتى جئتَ بها٣.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٦\"، والحلية \"١/ ٣١٨\"، ونسب قريش \"٣٦\"، وأنساب الأشراف \"٣/ ١٥\"، والطبراني \"١٠٦٩\"، والفسوي \"١/ ٥٣٣، ٥٣٤\"، وفي مجالد كلام، وباقي رجاله ثقات، وانظر: المجمع \"٤/ ٢٢١\".\n٢ أي: يختصمون ويقول كل واحد منهم: الحق في يدي.\n٣ المصنف رقم \"٢٠٣٦٨\"، وفي تاريخ الفسوي \"١/ ٥١٦، ٥١٧\"، وسير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٤٨، ٣٤٩\" بسنده عن عبد الرزاق به.","vol":"1","page":160},{"text":"- بعض شعره:\nقال ابن عبد البر في ترجمة ابن عباس١: هو القائل ما رُوي عنه من وجوه:\nإن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور\nقلبي ذكي وعقلي غير ذي دَخَل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور\n- بعض ما قيل فيه من الشعر:\nمما قال حسان -﵁- فيه:\nإذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيتَ له في كل أقواله فضلا\nإذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنتَظَمَات لا ترى بينها فصلا\nكفَى وشفَى ما في النفوس فلم يدع ... لذي أَرَبٍ في القول جِدا ولا هزلا\nسموتَ إلى العليا بغير مشقة ... فنِلْتَ ذراها لا دَنِيًّا ولا وغلا\nخُلِقْتَ حليفًا للمروءة والندى ... بَلِيجًا ولم تُخْلَقْ كَهَامًا ولا خَبْلا٢\nولأبي الطفيل الكناني حين منع ابن الزبير عبدَ الله بن عباس من الاجتماع بالناس، كان يخافه، وإنما أخَّر الناس عن بيعة ابن عباس -أن لو شاء الخلافة- ذَهاب بصره:\n_________\n١ الاستيعاب \"٢/ ٣٥٦\"، وعنه الذهبي في السير \"٣/ ٣٥٧\".\n٢ الأبيات بتمامها في سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٣\"، وفي الاستيعاب \"٢/ ٣٥٤\"، ومجمع الزوائد \"٩/ ٢٨٥\"، وهي عدا الأول والأخير في ديوان حسان \"ص٢١٢\"، وأنساب الأشراف \"٣/ ٤٣\"، ونسب قريش \"٢٧\"، والمستدرك \"٣/ ٥٤٥\"، والإصابة \"٢/ ٣٣٠\". وقوله: \"بليجا\" أي: طلق الوجه بالمعروف، قالت الخنساء:\nكأن لم يقل أهلا لطالب حاجة ... وكان بليج الوجه منشرح الصدر\nالكهام: يقال: سيف كهام: كليل لا يقطع، ومن المجاز: رجل كهام: لا غناء عنده، ولسان كهام: عيي، وفرس كهام: بطيء عن الغاية، والخبل: الفساد. وقد تحرفت في المطبوع من \"الاستيعاب\" \"بليجا\" إلى \"فليجا\" و\"خبلا\" إلى \"جبلا\".","vol":"1","page":161},{"text":"لا دَرَّ دَرُّ الليالي كيف تضحكنا ... منها خُطُوب أعاجيب وتُبكينا\nومثل ما تُحدث الأيام من غير ... في ابن الزبير عن الدنيا تُسَلِّينا\nكنا نجيء ابن عباس فيقبسنا ... فقهًا ويكسبنا أجرًا ويَهدينا\nولا يزال عبيد الله مُتْرَعة ... جفانه مُطعِمًا ضيفًا ومسكينًا\nفالبر والدين والدنيا بدارهما ... ننال منها الذي نبغي إذا شينا\nإن الرسول هو النور الذي كُشف ... به عَمَايات ماضينا وباقينا\nورهطه عصمةٌ في ديننا ولهم ... فضلٌ علينا وحق واجب فينا\nففيم تمنعهم منا وتمنعنا ... منهم وتؤذيهم فينا وتؤذينا\nلن يُؤتِيَ الله إنسانًا ببغضهم ... في الدين عزًّا ولا في الأرض تَمْكِينا١\n- وفاته:\nقال ابن الحنفية لما دفن ابن عباس: اليوم مات ربَّانيُّ هذه الأمة٢.\nوروى غير واحد عن أبي الزبير قال: لما مات ابن عباس جاء طائر أبيض، فدخل في أكفانه، فكانوا يرون أنه علمه٣.\nقال الذهبي: وروى عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير نحوه، وزاد: فما رُئي بعد؛ يعني الطائر٤.\nوروى حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن بُجَيْر بن أبي عبيد قال:\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٦، ٣٥٧\"، والأبيات في الاستيعاب \"٢/ ٣٥٥، ٣٥٦\".\n٢ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٦٨\"، البلاذري في أنساب الأشراف \"٣/ ٥٤\"، المستدرك للحاكم \"٥/ ٥٤٣\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٧\"، تاريخ الفسوي \"١/ ٥٤٠\".\n٣ المستدرك \"٣/ ٥٤٣\"، أنساب الأشراف \"٣/ ٥٤\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٧\".","vol":"1","page":162},{"text":"مات ابن عباس بالطائف، فلما خرجوا بنعشه، جاء طير عظيم أبيض من قِبَلِ وَجٍّ حتى خالط أكفانه، ثم لم يروه، فكانوا يرون أنه علمه١.\nوروى الذهبي بسنده عن سالم الأفطس، عن سعيد قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائر لم يُرَ على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجًا منه، فلما دفن، تليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرَى من تلاها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] الآية٢.\nوقال الذهبي رواه بسام الصيرفي، عن عبد الله بن يامين، وسَمَّى الطائر: غُرْنوقًا٣.\nوروى فرات بن السائب، عن ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس ... بنحو من حديث سالم الأفطس٤، قال الذهبي: فهذه قضية متواترة٥.\nقال علي بن المديني: تُوفي ابن عباس سنة ثمان أو سبع وستين. وقال الواقدي، والهيثم، وأبو نعيم: سنة ثمان. وقيل: عاش إحدى وسبعين سنة٦.\n- مروياته:\nقال الحافظ الذهبي في السير٧: ومسنده ألف وستمائة وستون حديثًا. وله من ذلك في \"الصحيحين\" خمسة وسبعون، وتفرد البخاري له بمائة وعشرين حديثًا، وتفرد مسلم بتسعة أحاديث.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٨\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٨\"، وأورده في المجمع \"٩/ ٢٨٥\" وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، وهو في المستدرك \"٣/ ٥٤٣، ٥٤٤\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٨\"، والخبر في تاريخ الفسوي \"١/ ٥٣٩\".\n٤ حلية الأولياء \"١/ ٣٢٩\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ٣٥٨\".\n٦ المصدر السابق \"٣/ ٣٥٩\".\n٧ المصدر السابق \"٣/ ٣٥٩\".","vol":"1","page":163},{"text":"٦-<span data-type=\"title\" id=toc-21> جابر بن عبد الله </span>١:\n- نسبه وأهم ملامحه:\nجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، الإمام الكبير، المجتهد الحافظ، صاحب رسول الله -ﷺ- أبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري الخزرجي السلمي المدني الفقيه.\nمن أهل بيعة الرضوان، وكان آخر مَن شهد ليلة العقبة الثانية موتًا، وكان مفتي المدينة في زمانه، عاش بعد ابن عمر أعوامًا. شهد ليلة العقبة مع والده، وكان والده من النقباء البدريين، استشهد يوم أُحُد وأحياه الله تعالى وكلمه كِفَاحًا٢، وقد انكشف عنه قبره؛ إذ أجرى معاوية عينًا عند قبور شهداء أُحُد، فبادر جابر إلى أبيه بعد دهر، فوجده طريًّا لم يَبْلَ، وكان جابر قد أطاع أباه يوم أحد وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة. وشاخ وذهب بصره، وقارب التسعين.\nروى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: استغفر لي رسول الله -ﷺ- ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة٣.\n_________\n١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٨٩ - ١٩٤\"، المحبر \"٢٩٨\"، التاريخ الكبير \"٢/ ٢٠٧\"، الجرح والتعديل \"٢/ ٤٩٢\"، المستدرك \"٣/ ٥٦٤\"، الاستيعاب \"٢١٩\"، الجمع بين رجال الصحيحين \"١/ ٧٢\"، جامع الأصول \"٩/ ٨٦\"، أسد الغابة \"٢٥٦/ ١\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١/ ١٤٢\"، تهذيب الكمال \"٤/ ٤٤٣- ٤٤٥\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ١٤٣\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٤٠\"، العبر \"١/ ٨٩\"، تذهيب التهذيب \"١/ ٩٩ب\"، الإصابة \"١/ ٢١٣\"، تهذيب التهذيب \"٢/ ٤٢\"، معجم الطبراني \"٢/ ١٩٤\"، خلاصة تهذيب الكمال \"٥٠\"، شذرات الذهب \"١/ ٨٤\"، وفيه ابن عمر بن حرام، تهذيب ابن عساكر \"٣/ ٣٨٩\".\n٢ أي: مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول، والحديث أخرجه الترمذي \"٣٠١٠\" في التفسير، وابن ماجه \"١٩٠\" في المقدمة من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، عن طلحة بن خراش، عن جابر، وهذا سند حسن، وأخرجه بنحوه أحمد في \"المسند\" \"٣/ ٣٦١\" من طريق علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، وهذا سند حسن في الشواهد، وانظر المستدرك \"٣/ ٢٠٣\"، انظر تفصيل ذلك في \"طبقات ابن سعد\" \"٣/ ٥٦٢، ٥٦٣\"، والسند صحيح.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩٠\" ورجاله ثقات. وهذا الحديث أخرجه الترمذي \"٣٨٥٢\" في المناقب، من طريق ابن أبي عمر، عن بشر بن السري بهذا الإسناد وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، ومعنى قوله: \"ليلة البعير\" ما رُوي عن جابر من غير وجه: أنه كان مع النبي -ﷺ- في سفر، فباع بعيره من النبي -ﷺ- واشترط ظهره إلى المدينة، يقول جابر: ليلة بعت من النبي -ﷺ- البعير استغفر لي خمسًا وعشرين مرة.","vol":"1","page":164},{"text":"قال يعلى بن عبيد: حدثنا أبو بكر المدني قال: كان جابر لا يبلغ إزاره كعبه، وعليه عمامة بيضاء، رأيته قد أرسلها من ورائه١.\nوقال عاصم بن عمر: أتانا جابر وعليه مُلاءتان -وقد عمي- مُصفِّرًا لحيته ورأسه بالوَرْس٢، وفي يده قدح٣.\nوقال الواقدي: أخبرنا سلمة بن وَرْدان: رأيت جابرًا أبيض الرأس واللحية رضي الله عنه٤.\n- شيوخه وتلاميذه:\nروى علمًا كثيرًا عن النبي -ﷺ- وعن عمر، وعلي، وأبي بكر، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، والزبير، وطائفة.\nوحدث عنه: ابن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، وسالم بن أبي الجعد، والحسن البصري، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وأبو جعفر الباقر، ومحمد بن المنكدر، وسعيد بن ميناء، وأبو الزبير، وأبو سفيان طلحة بن نافع، ومجاهد، والشعبي، وأبو المتوكل الناجي، ومحمد بن عباد بن جعفر، ومعاذ بن رفاعة، ورجاء بن حيوة، ومحارب بن دثار، وسليمان بن عتيق، وشرحبيل بن سعد، وطاوس، وعبيد الله بن مقسم، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وعمرو بن دينار، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبو بكر المدني، وطلحة بن خراش، وعثمان بن سراقة، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، وعبد الله بن أبي قتادة وخلق.\n- مشاهده:\nقال الذهبي: قد رُوي أنه شهد بدرًا٥.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩٤\".\n٢ والورس: نبت أصفر يصبغ به.\n٣، ٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩٤\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩٠\".","vol":"1","page":165},{"text":"وروى أبو عوانة وغيره عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: كنت أمنح لأصحابي الماء يوم بدر١.\nقال الذهبي: وقيل: إنه عاش أربعًا وتسعين سنة، فعلى هذا كان عمره يوم بدر ثماني عشرة سنة.\nقال الواقدي: أخبرنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن جابر قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ست عشرة غزوة، لم أقدر أن أغزو حتى قُتل أبي بأُحُد، كان يخلفني على أخواتي، وكن تسعًا، فكان أول ما غزوت معه حمراء الأسد٢.\nوروى الطبراني من طريق محمد بن عبد الله الحضري، حدثنا عمر بن الحسن، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن ياسين الزيات، عن أبي الزبير، عن جابر قال: غزوت مع رسول الله -ﷺ- ثلاث عشرة غزوة٣.\nورُوي عن جابر قال: كنت في جيش خالد في حصار دمشق٤.\nوقال ابن سعد: شهد جابر العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم٥.\nوروى الشيخان عن جابر: قال لنا رسول الله يوم الحديبية: \"أنتم اليوم خير أهل الأرض\"، وكنا ألفًا وأربعمائة٦.\n_________\n١ تاريخ الإسلام للذهبي \"٣/ ١٤٣\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩١\"، وأخرجه البخاري في \"تاريخه\"، وصحح الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" إسناده، وهو في المستدرك \"٣/ ٥٦٥\"، وأنكر الواقدي رواية أبي سفيان عن جابر هذه وقال: وهذا وهم من أهل العراق، وعلق الذهبي على قول الواقدي هذا في \"تاريخه\" بقوله: صدق، فإن زكريا بن إسحاق روى عن أبي الزبير، عن جابر قال: لم أشهد بدرًا ولا أحدًا منعنى أبي، فلما قتل لم أتخلف عن غزوة. أخرجه مسلم \"١٨١٣\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩١\".\n٣ المعجم الكبير \"١٧٤٢\".\n٤ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩٢\".\n٥ المصدر السابق \"٣/ ١٩٢\".\n٦ صحيح البخاري \"٧/ ٣٤١\" كتاب المغازي، صحيح مسلم \"١٨٥٦\".","vol":"1","page":166},{"text":"- رحلته في طلب الحديث:\nروى غير واحد من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله -﵄- يقول: بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله -ﷺ- فاشتريت بعيرًا، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس -﵁- فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثًا بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله -ﷺ- في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"يحشر الناس يوم القيامة- أو قال العباد- عراة غرلًا بُهْمًا\"، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: \"ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَن بَعُدَ -أحسبه قال- كما يسمعه مَن قرب: أنا الملك، أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة\". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله -﷿- عراة غرلًا بُهمًا؟! قال: \"بالحسنات والسيئات\" ١.\n- وفاته:\nقال محمد بن عمر: حدثني خارجة بن الحارث قال: مات جابر بن عبد الله سنة ثمان وسبعين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وكان قد ذهب بصره، ورأيت على سريره بُردًا، وصلى عليه أبان بن عثمان وهو والي المدينة٢.\nوالصحيح والراجح وفاته سنة ثمان وسبعين، كما جاء في الرواية السابقة،\n_________\n١ المسند للإمام أحمد \"٣/ ٤٩٥\"، الأدب المفرد للبخاري \"٩٧٠\"، \"الرحلة\" للخطيب البغدادي \"٣١\"، كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به. وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري \"١/ ١٥٨\"، ورواه الحاكم أيضًا في المستدرك \"٢/ ٤٣٧، ٤٣٨\" وصححه ووافقه الذهبي.\n٢ رواه الطبراني في المعجم الكبير \"١٧٣٣\"، والحاكم في المستدرك \"٣/ ٥٦٥\".","vol":"1","page":167},{"text":"وكما قال الواقدي، ويحيى بن بكير، وطائفة، وقد قال أبو نعيم: سنة سبع وسبعين١.\nوكان -﵁- آخر مَن شهد العقبة موتًا٢.\n- مروياته:\nبلغ مسنده ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا، اتفق له \"الشيخان\" على ثمانية وخمسين حديثًا، وانفرد له \"البخاري\" بستة وعشرين حديثًا، و\"مسلم\" بمائة وستة وعشرين حديثًا.\n_________\n١ راجع: سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٩٤\".\n٢ المصدر السابق \"٣/ ١٩٤\".","vol":"1","page":168},{"text":"٧-<span data-type=\"title\" id=toc-22> أبو سعيد الخدري </span>١:\nهو: الإمام، المجاهد، الفقيه، المجتهد، مفتي المدينة، سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج. واسم الأبجر: خُدْرَة، وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر٢.\nوأخو أبي سعيد لأمه هو قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين.\nقال عبد الله بن عمر عن وهب بن كيسان قال: رأيت سعيد الخدري يلبس الخز٣.\n- مشاهده:\nعن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: عرضت يوم أُحُد على النبي -ﷺ- وأنا ابن ثلاث عشرة، فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله! إنه عَبْل العظام. وجعل نبي الله يصعد فيَّ النظر ويصوبه، ثم قال: رده، فردني٤.\nوروى الطبراني من طريق زيد بن جارية قال: استصغر النبي -ﷺ- ناسًا يوم أحُد، منهم زيد بن جارية- يعني نفسه- والبراء بن عازب، وسعد بن خيثمة، أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله٥.\nواستشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان.\n_________\n١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٦٨- ١٧١\"، تهذيب الكمال \"١٠/ ٢٩٤- ٣٠٠\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٢/ ٢٣٧\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ٢٢٠\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٤١\" المحبر \"٢٩١، ٤٢٩\"، أسد الغابة \"٢/ ٢٨٩\"، \"٥/ ٢١١\"، العبر: \"١/ ٨٤\"، الوافي بالوفيات \"١٥/ ١٤٨\"، مرآة الجنان \"١/ ١٥٥\"، الجمع بين رجال الصحيحين \"١/ ١٥٨\"، المستدرك \"٣/ ٥٦٣\"، جمهرة أنساب العرب \"٣٦٢\"، معجم الطبراني الكبير \"٦/ ٤٠\"، الاستيعاب \"٦٠٢\"، تاريخ بغداد \"١٨٠\"، طبقات الشيرازي \"٥١\"، البداية والنهاية \"٩/ ٣\"، الإصابة \"٢/ ٣٥\"، تهذيب التهذيب \"٣/ ٤٧٩\"، النجوم الزاهرة \"١٩٢/ ١\"، خلاصة تهذيب الكمال \"١١٥\"، شذرات الذهب \"١/ ٨١\"، تهذيب ابن عساكر \"٦/ ١١٠\".\n٢ انظر: المستدرك \"٣/ ٥٦٣\"، وأسد الغابة \"٢/ ٣٦٥\"، والاستيعاب \"٢/ ٤٧\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٧٠\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ٢٢١\".\n٤ راجع: سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٦٩\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ٢٢٠\"، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر \"٦/ ١١٣\".\n٥ المعجم الكبير \"٥١٥٠\".","vol":"1","page":169},{"text":"- علمه:\nروى حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه: أنه لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله -ﷺ- أعلم من أبي سعيد الخدري١.\nحدث عن النبي -ﷺ- فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين.\nحدث عنه: ابن عمر، وجابر، وأنس، وجماعة من أقرانه، وعامر بن سعد، وعمرو بن سليم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ونافع العمري، وبسر بن سعيد، وبشر بن حرب الندبي، وأبو الصديق الناجي، وأبو المتوكل الناجي، وأبو ندرة العبدي، وأبو صالح السمان، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن خباب، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن أبي نُعْم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يسار، وأبو هارون العبدي، وعياض بن عبد الله، ومحمد بن علي الباقر، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وخلق كثير.\nروى الذهبي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش: أنبأنا عقيل بن مدرك أن رجلًا أتى أبا سعيد فقال له: أوصني يا أبا سعيد. فقال له: سألتَ عما سألتُ من قبلك، قال: عليك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في أهل السماء وذكرك في أهل الأرض، وعليك بالصمت إلا في حق، فإنك تغلب الشيطان٢.\nروى الذهبي بسنده عن حماد بن زيد، عن المعلى بن زياد، عن العلاء بن بشير، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد قال: أتى علينا رسول الله -ﷺ- ونحن أناس من ضَعَفَة المسلمين ما أظن رسول الله يعرف أحدًا منهم، وأن بعضهم\n_________\n١ طبقات ابن سعد \"٢/ ٣٧٤\"، تاريخ الإسلام \"٣/ ٢٢٠\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٧٠\".\n٢ راجع: تاريخ الإسلام \"٣/ ٢٢٠\"، سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٧٠\".","vol":"1","page":170},{"text":"ليتوارى من بعض العُرْي، فقال رسول الله بيده، فأدارها شبه الحلقة، قال: فاستدارت له الحلقة، فقال: \"بِمَ كنتم تراجعون\"؟ قالوا: هذا رجل يقرأ لنا القرآن، ويدعو لنا، قال: \"فعودوا لما كنتم فيه\"، ثم قال: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم\" ثم قال: \"ليُبشَّر فقراء المؤمنين بالفوز يوم القيامة قبل الأغنياء بمقدار خمسمائة عام، هؤلاء في الجنة يتنعمون، وهؤلاء يُحاسبون\" ١.\nوقال الذهبي: تابعه جعفر بن سليمان عن المعلى، أخرجه أبو داود٢ وحده.\n- وفاته:\nتوفى -رحمه الله تعالى- سنة أربع وسبعين من الهجرة على الصحيح.\n- مروياته:\nبلغ مسند أبي سعيد الخدري ألفًا ومائة وسبعين حديثًا، في البخاري ومسلم ثلاثة وأربعون حديثًا، وانفرد البخاري بستة عشر حديثًا، وانفرد مسلم باثنين وخمسين حديثًا.\nوقال الواقدي: أخبرنا سلمة بن وردان: رأيت جابرًا أبيض الرأس واللحية رضي الله عنه٣.\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"٣/ ١٧١، ١٧٢\".\n٢ سنن أبي داود كتاب العلم باب في القصص رقم \"٣٦٦٦\"، والعلاء بن بشير: قال ابن المديني: مجهول لم يروِ عنه غير المعلى، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله ثقات، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد \"٢/ ٢٩٦\"، والترمذي \"٢٣٥٤\"، وابن ماجه \"٤١٢٢\" بلفظ: \"يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام\" وسنده حسن، وصححه الترمذي، وابن حبان \"٢٥٦٧\".\n٣ انظر: علوم الحديث للحاكم \"ص١٣٠\".","vol":"1","page":171},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف</span>\n...\nالفصل السابع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف\nيرجع تفاوت الصحابة -﵃- في رواية الحديث إلى عدة أسباب؛ منها ما يلي:\nأحدها: طول الصحبة للنبي -ﷺ- وطول مدة ملازمته له، وكثرة مصاحبته في السفر والحضر.\nثانيها: طول الأجل بعد وفاته كان مدعاة للإكثار من تحمل الحديث وروايته، ومَن مات في حياة النبي أقل رواية ممن مات بعده.\nثالثها: الانشغال بأمور الخلافة والحروب؛ ولذلك نجد الخلفاء أقل رواية من كثيرين غيرهم، فالشواغل تعيق الكثرة تحملًا ورواية.\nرابعها: ظهور الحوادث المختلفة؛ حيث يحتاج الناس إلى بيان أحكامها؛ فحينئذ يظهر الحرص على طلب الحديث لمعرفة الأحكام الشرعية في هذه الحوادث وغيرها.\nخامسها: وقوع الفتنة وظهور الكذب في الرواية من أصحاب البدع الداعين إلى بدعتهم من شيعة وخوارج وغيرهم.\nسادسها: كثرة الأتباع وقلتهم ونشاطهم وخمولهم كان له الدور الكبير في كثرة الرواية وقلتها.\nسابعها: التفرغ للعبادة والانشغال بها.\nثامنها: الحيطة من الرواية مخافة وقوع الخطأ أو التحريف، ولأن الكذب في الحديث يبوء بصاحبه إلى النار.\nتاسعها: التفاوت في الحفظ قوة وضعفًا.\nعاشرها: الاستعداد الفطري والموهبة.\nأحد عشر: ضعف الطريق إلى بعض الصحابة فيترك هذه الطريق؛ ولذلك لم يخرج أصحاب الصحيحين عن أبي عبيدة بن الجراح شيئًا١.\n_________\n١ انظر: علوم الحديث للحاكم \"ص١٣٠\".","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>الفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>مدخل</span>\n...\nالفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف ١\nمن عهد النبوة والنساء شقائق الرجال في خدمة الدين ورواية الحديث الشريف، وقد بلغ عدد الصحابيات اللاتي روين الحديث في مسند الإمام أحمد \"١٤١\" صحابية، وإن كان بعضهن لم يروِ إلا حديثًا واحدًا.\nوقد كان لأمهات المؤمنين٢ خاصة -﵅- فضل عظيم في تبليغ الدين، ونشر السنة النبوية بين الناس وخاصة بين النساء، فكانت حجراتهن -﵅- مدارس يقصدها طلاب العلم، فيجد السائل عندهن جوابه والمستفتي فتواه، والشاك يقينه ... ومن نعمة الله تعالى على هذه الأمة أن تعددت هذه المدارس بتعدد زوجاته -ﷺ- حيث توفي -ﷺ- عن تسع نسوة أو إحدى عشرة كلهن سمعن منه وشاهدن تفاصيل حياته المعيشية والعبادية على تفاوت بينهن في الحفظ والرواية.\nولقد كان لأمهات المؤمنين -﵅- مكانة جليلة لدى الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين، كما كان الناس يستنكرون أن يسألهم أحد أو يستفتيهم في الأحوال الخاصة مع وجود أمهات المؤمنين٣.\n_________\n١ يراجع هذا البحث في كتاب: دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الثلاثة الأولى \"ص٤٥-٩٠\" رسالة ماجستير -لآمال قرداش بنت الحسين- العدد رقم \"٧٠\" من كتاب الأمة.\n٢ تُوفي النبي -ﷺ- عن تسع من النساء متفق عليهن لم يختلف فيهن اثنان؛ وهن: سودة وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية، وأم حبيبة، وصفية، وميمونة -﵅ جميعًا- ولم نذكر خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، وهو ظاهر في كونهما لم ترويا شيئًا، فخديجة -﵂- توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، انظر الإصابة \"٤/ ٢٧٦\"، وتوفيت زينب بنت خزيمة سنة أربع للهجرة. الإصابة \"٤/ ٣٩\".\n٣ قال مروان: كيف نسأل وفينا النبي -ﷺ- فأرسل إلى أم سلمة -﵂- في حديث: ترك الوضوء مما مست النار، رواه النسائي في كتاب الوليمة، باب رقم \"٣٥\".","vol":"1","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>دور أم المؤمنين عائشة -﵂- في رواية الحديث:</span>\nالحديث عن عائشة -﵂- يأخذ أبعادًا شتى، في فضلها أو سَعَة علمها أو فقهما أو أدبها.\n- مناقبها ﵂:\nمناقب عائشة -﵂- كثيرة منثورة في كتب السنة، بفضلها ومكانتها، ولقد فتحت -﵂- عينيها في بيت قد نوَّره الله بنور الإسلام، فكانت تقول: \"لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدين\"١. فنشأت في هذا البيت النقي العظيم البركات تحت رعاية أبيها أبي بكر -﵂- أحب رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم٢- وأول مَن ساند الدعوة الإسلامية، وأنفق من ماله ليشتد عود الإسلام.\nثم انتقلت -﵂- إلى البيت النبوي وهي ما زالت صبية تلعب٣، فاستقبلها سيد الخلق -ﷺ- فأتم رعايتها وتوجيهها، فصلب عودها في بيت كان منزل الوحي، وكتب له فيما بعد أن يكون منارة من منارات العلم، وفوق هذا أحبها -ﷺ- حبًّا شديدًا كان يعلن به، وكثيرًا ما كانت تفخر بهذه المزية، وتعدها ضمن الخصال الكثيرة التي حباها الله تعالى بها دون سائر أمهات المؤمنين ﵅ جميعًا٤، ولو لم يكن لها -﵂- إلا هذه المنقبة لكفتها. فرسول الله -ﷺ- لا يحب إلا طيبًا. وكانت مظاهر حب النبي -ﷺ- لعائشة -﵂- بيِّنة عليه، وكان يعتبر إيذاء\n_________\n١ صحيح البخاري \"٣/ ١٨\"، كتاب المناقب، هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة \"٣٩٠٥\" عن عائشة.\n٢ سأل عمرو بن العاص النبي: أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: \"عائشة\"، فمن الرجال؟ قال: \"أبوها\". أخرجه البخاري في كتاب المغازي، غزوة ذات السلاسل \"٤٣٥٨\" عن عمرو.\n٣ قالت عائشة ﵂: \"تزوجني رسول الله -ﷺ- بعد متوفى خديجة وأنا ابنة ست، وأدخلت عليه وأنا ابنة تسع، جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة وأنا مجممة، وصنعنني ثم أتين بي إليه\". رواه أبو داود في السنن، كتاب الأدب \"١٤٣٥\"، وسنده صحيح، ومجممة: أي ذات جُمة بالضم، وهي مجتمع شعر الرأس، وهي أكثر من الوفرة، وما سقط على المنكبين، انظر: لسان العرب \"٢/ ١٠٧\".\n٤ كانت عائشة -﵂- تقول: \"فضلت عليكن بعشر ولا فخر ... \" فذكرت حب النبي -ﷺ- لها، ذكره الذهبي في السير \"٢/ ١٤٧\".","vol":"1","page":175},{"text":"عائشة -﵂- من إيذائه، معللًا ذلك بأن الوحي كان ينزل عليه في لحافها دون غيرها من نسائه، فقال ﷺ: \"فإنه والله ما نزل عليه وهو في لحاف امرأة منكن غيرها\" ١.\nوقد تعددت بذلك مناقبها وفضائلها، وقد جمع لها الزركشي في كتابه \"الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة\" أربعين منقبة لها وحدها لم تشترك معها فيها امرأة من نساء النبي ﷺ.\nوهذه الأفضلية كان النبي -ﷺ- حريصًا على بيانها للناس؛ ليعرفوا قدرها فقال كما روى البخاري: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" ٢.\nويعلق الإمام الذهبي على هذا الحديث بقوله: \"وقرائن تدل على أن هذه الأفضلية بأمر إلهي، وإن هذا من أسباب حبه -ﷺ- الشديد لها\"٣.\nوقد أدرك الناس مكانة عائشة عند النبي -صلى الله عليه وسلم٤- وقبيح كل مَن ينال منها، كما صرح بذلك عمار بن ياسر وهو يرد على رجل نال من عائشة بقوله: \"اغرب مقبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله ﷺ؟! \"٥.\n- سعة علمها ﵂:\nلقد وهبها الله تعالى ذكاء وذاكرة قوية وحفظًا سريعًا، فقد نشأت في بيت أبي بكر -﵁- وعاشت في بيت النبوة، ونهلت من المعين النبوي الصافي، وعُرِفت\n_________\n١ صحيح البخاري \"٣/ ٦٣\"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة، عن عائشة - حديث رقم \"٣٧٧٥\".\n٢ صحيح البخاري \"٤/ ١٨٩٥\"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة عن أنس - حديث رقم \"٢٤٦\".\n٣ انظر: سير أعلام النبلاء \"٢/ ١٣٧\".\n٤ راجع: صحيح البخاري \"٣/ ٦٣\"، فضائل الصحابة، فضائل عائشة، من حديث عائشة رقم \"٣٧٥٥\". وفيه قصة، وقد رواه الحاكم مختصرًا بنحو اللفظ المذكور هنا، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي \"المستدرك ٤/ ١٠\".\n٥ سنن الترمذي \"٥/ ٧٠٧\" كتاب المناقب، باب فضل عائشة ﵂ - حديث \"٣٨٨٨\". وقال الترمذي: هذا حديث حسن.","vol":"1","page":176},{"text":"بالتطلع الواسع إلى الاستفادة من العلم والفَهْم، فكانت كثيرة السؤال والاستفسار، شديدة التمحيص والتنقيب، وقد شهد لها بذلك الأكابر، فعن أبي مليكة -﵁- قال: \"إن عائشة كانت لا تسمع شيئًا إلا راجعت فيه حتى تعرفه\"١.\n- علمها بالقرآن:\nلقد كانت ﵂وهي صبية تلعب- تسمع الآية من القرآن فتحفظها وتضبط مكان نزولها ووقت النزول؛ حيث تقول: لقد نزل بمكة على محمد -ﷺ- وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وما نزلت البقرة ولا النساء إلا وأنا عنده٢.\nثم بعد أن انتقلت إلى البيت النبوي حضرت الكثير من نزول القرآن، وإن الوحي كان ينزل على النبي -ﷺ- في لحافها؛ لذلك وصفت أحواله حين نزول الوحي عليه٣، الأمر الذي جعلها تلتقط الآية من فم النبي -ﷺ- فتحفظها وتعي الأحكام والمقاصد٤، فجمعت إلى حفظ القرآن معرفة معانيه وتفسيره، فأصبحت من كبار المفسرين للقرآن الكريم، وساعدها على ذلك معرفتها باللغة العربية وأشعارها وآدابها٥، وكان لها مصحف خاص بها جمعت القرآن إلى تفسيره؛ ولذا كان بحجم المصحف ثلاث مرات٦.\n- علمها بالحديث ﵂:\nلقد كانت -﵂- من كبار المحدثين المتميزين، وحُفاظ السنة المتقنين الضابطين،\n_________\n١ صحيح البخاري \"١/ ٥٤\" كتاب العلم، باب من سمع شيئًا فراجع فيه حتى يعرفه، عن ابن أبي مليكة \"١٠٣\".\n٢ صحيح البخاري \"٣/ ٣٠١\" كتاب التفسير، تفسير: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ عن عائشة \"٤٨٧٦\".\n٣ صحيح البخاري \"١/ ١٣، ١٤\"، كتاب بدء الوحي، عن عائشة \"٣٠٢\".\n٤ كانت عائشة تقول: \"إن الآية تنزل علينا في عهد رسول الله -ﷺ- فنحفظ حلالها وحرامها وأمرها وزجرها ... \". انظر: أعلام النساء، رضا كحالة \"٣/ ١٠٦\"، مؤسسة الرسالة بيروت.\n٥ كانت عائشة تقول: \"رويت للبيد ألف بيت\" سير أعلام النبلاء، الذهبي \"٢/ ١٤٠\".\n٦ الإتقان في علوم القرآن، السيوطي \"١/ ٩٦\"، المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان.","vol":"1","page":177},{"text":"وقد امتازت عن غيرها من الصحابة أنها سمعت تلك الأحاديث مشافهة من النبي -ﷺ- وأنها انفردت برواية أحاديث لم يروها عنه غيرها لمكانتها عنده.\nولذلك يرجع الفضل إليها في نقل السنة النبوية ونشرها بين الناس، ولو لم تنقلها لضاع قسم كبير منها، خاصة في الأمور التي تتعلق بتصرفات النبي -ﷺ- في بيته ومع أهله.\nوكان حفظها لحديث رسول الله -ﷺ- وإتقانه مرجعًا للصحابة فيما اختلفوا فيه من الأحاديث، فيجدون عندها الجواب الشافي الذي يحسم الخلاف ويرد الشك١، وقد كان أبو هريرة من عادته الجلوس إلى حجرة عائشة يُسمعها ما يحدث به الناس، ثم يقول: \"يا صاحبة الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئًا؟ \"٢.\nوقد بلغت درجة عالية في التمكن من العلم حتى صارت مرجعًا لكبار الصحابة، و\"صار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلًا عن حكم، أو حديث، أو شيء من فعل النبي -ﷺ- ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره\"٣.\n- فقهها ﵂:\nإن عائشة -﵂- كانت فقيهة جدًّا حتى قيل: إن ربع الأحكام الشرعية منقول عنها٤، وجزم الإمام الزهري بأنها أفقه نساء الأمة على الإطلاق٥، وذكر ابن حزم أن فتواها يمكن أن تجمع في سِفْرٍ ضخم٦.\n_________\n١ وقد حظيت استدراكاتها على الصحابة باهتمام العلماء، وصنفوا في ذلك، كما فعل الزركشي في الإجابة، وأبو منصور عبد المحسن بن محمد البغدادي \"٤١١-٤٨٩هـ\" وغيرهم.\n٢ صحيح مسلم \"٤/ ١٩٤\" فضائل أبي هريرة عن عائشة \"٢٤٩٣\".\n٣ انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل \"٦/ ٨٧\"، دار صادر بيروت.\n٤ فتح الباري، ابن حجر \"٧/ ١٧\"، دار الريان للتراث، القاهرة ط٢، ١٩٨٧م.\n٥ سير أعلام النبلاء، الذهبي \"٢/ ١٣٥\".\n٦ تلقيح فهوم أهل الأثر، لابن الجوزي \"ص٣٠٥\" مكتبة الآداب، القاهرة، وكذا جوامع السيرة، لابن حزم \"ص١٣٤\" طبعة كراتشي.","vol":"1","page":178},{"text":"وأقوال العلماء المشهود لهم بالفضل والعلم في مكانة عائشة -﵂- العلمية تعكس إمامة عائشة -﵂- فيما ورثته من العلم النبوي، فقد كانت من القلة القليلة التي حظيت بهذا المركز المرموق، وكان يأتيها صحابة رسول الله -ﷺ- يسألونها عن عويص العلم ومشكله، فتجيبهم جوابًا مشبعًا بروح التروي والتحقيق، وقد شهد لها بهذا أبو موسى الأشعري إذ قال: \"ما أُشكل علينا -أصحابَ محمد- أمر فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علم\"١.\nوكانت بعد وفاة النبي -ﷺ- قد استقلت بالفتوى مدة خلافة أبي بكر وعمر إلى أن تُوفيت٢.\n- علمها بالطب والشعر وأخبار العرب:\nوكما كانت عائشة مرجعًا مهمًّا في الشئون الفقهية والتشريعية وكبيرة محدثات عصرها، كانت من أبرع الناس في الطب والشعر وأحاديث العرب وأنسابهم، قال ابن أختها عروة بن الزبير: \"لقد صحبت عائشة فما رأيت أحدًا قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة، ولا سنة، ولا بشعر، ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا ولا كذا، ولا بقضاء، ولا طب منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من أين تعلمتيه؟ فقالت: كنت أمرض فيُنعت لي الشيء، أو يمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه\"٣.\nكما امتازت بفصاحة اللسان، وبلاغة المقال، إذا خطبت ملكت على الناس مسامعهم، وإذا تكلمت أخذت بمجامع قلوبهم، فعن الأحنف بن قيس قال: سمعت خطبة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والخلفاء هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من مخلوق أفخم ولا أحسن من فِي عائشة٤.\n_________\n١ سنن الترمذي: المناقب، فضل عائشة \"٣٩٢٨\" وقال: حسن صحيح.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٢/ ١٤٥\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٢/ ١٨٤\" وقال فيه المحقق: رجاله ثقات.\n٤ المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري \"٤/ ١١\" دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":179},{"text":"كما كان لأم المؤمنين دورها في حياة المسلمين في مختلف مجالات الحياة، ولم تكن بمنأى عن الأحداث التي مرت بالمسلمين خلال حياتها التي اقتربت من السبعين، وكانت لها مواقف مشهورة، وآثار معروفة في الأحداث السياسية والاجتماعية التي مرت بالمسلمين بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان، وقد سجلت كتب التاريخ كثيرًا من الأحداث التي تركت فيها أم المؤمنين لمسات بارزة١.\n- تلاميذها ﵂:\nلقد شاع علم السيدة عائشة -﵂- وانتشر فضلها، وفاقت غيرها في الفرائض والسنن والفقه.\nوروى عنها خلق كثير من طبقات مختلفة، وقد قضت حياتها -التي قاربت السبعين- تروي حديث رسول الله -ﷺ- وتفتي في الدين، فقد تزوجها النبي -ﷺ- وهي ابنة تسع، وتوفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، فكانت من آخر أمهات المؤمنين وفاة -﵅ جميعًا- وقد استفاد الناس من ذلك كثيرًا، فتيسر لكبار الصحابة وصغارهم، وكبار التابعين وصغارهم، السماع منها والإفادة من علمها وفقهها.\nوقد روى عنها من الصحابة أبوها أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عباس، وربيعة بن الجرشي، والسائب بن يزيد، وعمرو بن العاص، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وصفية بنت شيبة، وغيرهم.\nوروى عنها من آل بيتها: عروة بن الزبير ابن أختها أسماء، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ابن أخيها، وأختها أم كلثوم، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث، وبنتا أختها عبد الرحمن: حفصة وأسماء، وابن أختها أسماء عبد الله\n_________\n١ لمزيد من التفصيل في دور عائشة السياسي انظر أعلام النساء، عمر كحالة \"٣/ ٣٠\".","vol":"1","page":180},{"text":"ابن الزبير، وحفيدا أسماء: عباد وحبيب ولدا عبد الله بن الزبير، وبنت أختها أم كلثوم عائشة بنت طلحة ... وغيرهم.\nومن مواليها: ذكوان، وأبو يونس، وفروخ.\nومن التابعين: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد النخعي، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والشعبي، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وعمرة بنت عبد الرحمن، ومعاذة العدوية، وخيرة أم الحسن البصري، وصفية بنت أبي عبيد، وعلقمة بن قيس، وابن أبي مليكة، وسليمان بن يسار، وخلق سواهم.\n- مروياتها ﵂:\nروت أم المؤمنين عائشة عن النبي -ﷺ- الكثير الطيب، وحديثها منثور في كتب الحديث المختلفة، ولتتضح مرتبتها بين المكثرين في الرواية نورد هنا عدد مرويات كل واحد من المكثرين مرتبين حسب الكثرة١:\n١- أبو هريرة: رُوي له عن النبي -ﷺ- خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا٢.\n٢- عبد الله بن عمر: ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا \"٢٦٣٠\".\n٣- أنس بن مالك: ألفان ومائتان وستة وثمانون حديثًا \"٢٢٨٦\".\n٤- عائشة: ألفان ومائتان وعشرة أحاديث \"٢٢١٠\".\n٥- عبد الله بن عباس: ألف وستمائة وستون حديثًا \"١٦٦٠\".\n_________\n١ تلقيح فهوم أهل الأثر، ابن الجوزي \"٣٦٣\"، جوامع السيرة، لابن حزم \"ص٢٧٥، ٢٧٦\"، وقال أحمد بن حنبل: هم ستة لم يذكر فيهم أبو سعيد الخدري. انظر: الباعث الحثيث \"٨٥\".\n٢ ذكر لها هذا العدد ابن حزم في جوامع السيرة \"٢٧٥\"، والذهبي في السير \"٣/ ١٣٩\"، والزركشي في الإجابة \"٣٣\"، والسيوطي في تدريب الراوي \"٢/ ٢١٧\".","vol":"1","page":181},{"text":"٦- جابر بن عبد الله: ألف وخمسمائة وأربعون حديثًا \"١٥٤٠\".\n٧- أبو سعيد الخدري: ألف ومائة وسبعون حديثًا \"١١٧٠\".\nفإذا كانت عائشة -﵂- تروي \"٢٢١٠\"١ حديثًا، فهل تحتل الدرجة الرابعة باعتبار كثرة الرواية عامة٢، أما باعتبار الكثرة في الكتب الستة فتحتل الدرجة الثانية بعد أبي هريرة مباشرة؛ إذ له في الكتب الستة ثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعون حديثًا \"٣٣٧٠\"، ورُوي لعائشة في الكتب الستة ألفا حديث وواحد وثمانون حديثًا \"٢٠٨١\"٢.\n- واتفق لها البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثًا \"١٧٤\".\n- وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثًا \"٥٤\".\n- وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثًا \"٦٩\"٣.\nوبهذا يصبح مجموع حديثها عند الشيخين مجتمعًا ومنفردًا \"٢٩٧\"٤.\n- محتوى مروياتها:\nالمتفحص لكتب الحديث المختلفة -كالصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع- يلحظ كثرة روايتها وتنوعها، وأن مروياتها طرقت معظم أبواب الأحكام، وإن غلب على مروياتها طابع الأفعال على الأقوال، ولا سيما ما يتعلق بأعمال رسول الله -ﷺ- البيتية والمعيشية، كما تميزت عائشة -﵂- في مروياتها بنقل أحكام النساء الخاصة بهن، ولم يضارعها في ذلك أحد.\nإن مروياتها تناولت أحاديث تتعلق بأبواب الإيمان والوحي والعلم والقراءة\n_________\n١ وقول أحمد شاكر في الباعث الحثيث: \"أكثر الصحابة رواية للحديث أبو هريرة ثم عائشة ثم ... \" غير دقيق، والصحيح الترتيب الذي ذكره ابن حزم في جوامع السيرة \"٢٧٥\" أي: الدرجة الرابعة.\n٢ اعتمدت في هذا العدد على ترقيم تحفة الأشراف للمزي من مسند عائشة \"١١/ ٣٤٨، و١٢/ ٤٤٨\".\n٣ سير أعلام النبلاء، الذهبي \"٢/ ١٣٩\".\n٤ ذكره ابن الجوزي في تلقيح الفهوم \"ص٤٠٣\".","vol":"1","page":182},{"text":"التفسير، وآداب قضاء الحاجة، والوضوء والغسل في يوم الجمعة، وفي الجنابة، وبمسائل في الحيض والاستحاضة، وما يتعلق بجواز مباشرة الرجل الحائض، وقد برعت وفاقت غيرها في هذا المجال ...\nوكذا أحاديث في التيمم، تتعلق بسبب نزول آية التيمم -وهي صاحبة القصة- وكذا حوت مروياتها أبوابًا في الصلاة تتعلق بالأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وبكيفية فريضة الصلوات، وأحاديث في الأذان، وما كان لرسول الله -ﷺ- من المؤذنين، وأحاديث تتعلق بأحكام الصلاة، وما ورد من الأذكار والأدعية خلالها وفي دبرها، وبالإمامة، وفضل الجماعة، وأحاديث في المساجد وآدابها وفضلها، وحضور النساء المساجد، وأحاديث بخصوص صلاة العيدين، والخسوف والكسوف، وما يتعلق بالسنن الراتبة والنوافل وقيام الليل، وصلاة التراويح، وما ورد في الوتر، وصلاة الجنازة وما يتعلق بها من ثياب الكفن، وأحاديث في إثبات عذاب القبر، والتحذير من اتخاذ القبور مساجد، وغير ذلك مما يتعلق بالقبور وأهلها.\nكما تناولت مروياتها أحاديث كثيرة في الصدقة وأجرها، وإنفاق المرأة من مال زوجها بغير إذنه، وكذا اشتملت على أحاديث كثيرة في الصوم تتعلق بمسائل شتى في تحري هلال شعبان لمعرفة هلال رمضان، وفي السحور، وفي الصائم الذي يصبح وهو جنب، وتقبيل الصائم، وأحاديث في صيام التطوع، وأخرى في الاعتكاف، وفي تحري ليلة القدر، وفي قضاء الصيام، وفي النهي عن الوصال في الصوم، وأيضًا روايات كثيرة جدًّا في الحج تتعلق بالتلبية وأنواع الحج الثلاثة، واستعمال الطيب قبل الدخول في الإحرام وقبل طواف الإفاضة وبعد التحلل الأصغر، وبفتل القلائد للهدي، وبعدد عُمَرِ النبي -ﷺ- وعمرة عائشة نفسها من التنعيم ونزول المحصب، وما يتعلق ببناء الكعبة وفضلها.\nوكذا روايات في الأضاحي وفي الذبائح وبعض ما يتعلق بهما نحو العقيقة، كما أن لها مرويات في","vol":"1","page":183},{"text":"البيوع وما يتعلق بها، وفي العتق، والمكاتبة. وتشتمل على أحاديث في باب اللباس، والأطعمة، والأشربة، والطب فيما يتعلق بعلاج المريض والدواء وبالرقية والدعاء، وبأحاديث في النذور والشهادات، وأيضًا أحاديث تتعلق بالجهاد، والمغازي، والإمارة.\nكما تتضمن مروياتها مجموعة من الأحاديث تدور حول النكاح وحسن المعاشرة بين الزوجين، والطلاق وما يتعلق به، وروايات في أبواب الحدود، وأبواب المناقب والسير، وجملة كبيرة من الأحاديث في الآداب المعيشية، وفي البر والصلة، كما روت أحاديث في الزهد والرقاق، وأحاديث في الفتن، وأشراط الساعة، والقدر، وما يتعلق بالقيامة، وأحاديث في الاستغفار، والدعاء، والتوبة.\n- مكثرو الرواية عن عائشة -﵂- ورواياتهم عنها في الكتب الستة:\nنبغ كثير من تلاميذ عائشة -﵂- وأصبحوا بدورهم مثابة لطلاب العلم يضرب الناس إليهم أكباد الإبل ابتغاء ما ورثوه من علم عائشة، فتلاميذها أوعية حافظة لعلمها، نذكر هنا ستة، هم أكثر الرواة المكثرين عنها ﵂:\n١- عروة بن الزبير: ابن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، مشهور من الثانية مات سنة ٩٤هـ على الصحيح، مولده في أوائل خلافة عمر الفاروق، وهو أكثر رواية عن خالته عائشة -﵂- حتى روى عنها وحده \"١٠٥٠\" حديثًا من مجموع أحاديثها البالغ عددها \"١٩٩٩\"، وهو نصف مسندها١.\nقال عنه الزهري: \"كان عروة بحرًا لا ينزف ولا تكدره الدلاء\"٢، وقد كان شديد الملازمة لخالته عائشة، كثير السؤال، مما كان يثير غبطة طلاب العلم من كثرة دخوله عليها؛ فأصبح مرجعًا لعلمها.\n_________\n١ انظر: سير أعلام النبلاء \"٤/ ٤٢١-٤٣٧\"، طبقات ابن سعد \"٥/ ١٧٨\"، وأعداد الأحاديث مأخوذة من تحفة الأشراف للحافظ المزي.\n٢ سير أعلام النبلاء \"٤/ ٤٢٨\".","vol":"1","page":184},{"text":"٢- القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق١: التيمي أبو عبد الرحمن، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، ومن كبار الثالثة، مات سنة \"١٠٦هـ\" على الصحيح، قُتل أبوه محمد سنة \"٣٨هـ\" في مصر لما قدم أميرًا عليها من قبل علي بن أبي طالب، فبقي القاسم يتيمًا في حجر عمته عائشة ﵂.\nوكان يلازمها مع ما عرف به من النباهة، وهو حديث السن مما يسر له استيعاب ما تسمعه آذانه وإدراك ما يحفظه من حديث رسول الله -ﷺ- أو فتاوى من عائشة وغيرها، وله \"١٣٧\" حديثًا يرويها عنها في الكتب الستة فقط.\n٣- الأسود بن يزيد النخعي٢: الكوفي أبو عمرو، الثقة، العابد، من الثانية، روى الأسود عن عائشة \"١١٧\" حديثًا في الكتب الستة فقط.\n٤- عمرة بنت عبد الرحمن٣: ابن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، وكانت في حجر عائشة، مدنية تابعية ثقة ثبت حجة، قال ابن حبان: \"كانت من أعلم الناس بحديث عائشة\"، وقال ابن سعد: \"كانت عالمة\"، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم أن يكتب له أحاديث عمرة ... كما شهد لها الزهري بقوله: \"فأتيتها -أي عَمْرَة- فوجدتها بحرًا لا ينزف\". ولها في الكتب الستة \"٧٢\" حديثًا ترويها عن عائشة ﵂.\n- أصح الأسانيد عن عائشة:\nمن ذلك:\n١- هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة٤.\n_________\n١ المصدر السابق \"٥/ ٥٣-٦٠\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٤/ ٥٠-٥٣\"، طبقات ابن سعد \"٦/ ٧٠\"، وتذكره الحفاظ للذهبي وغيرها.\n٣ سير أعلام النبلاء \"٤/ ٥٠٧، ٥٠٨\"، طبقات ابن سعد \"٨/ ٤٨٤\"، وتهذيب الكمال وغيرها.\n٤ شرح الباعث الحثيث، أحمد شاكر \"١١\".","vol":"1","page":185},{"text":"٢- يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمرو بن حفص العمري، عن القاسم، عن عائشة -﵂- قال ابن معين: ترجمة مشبكة الذهب١.\n٣ عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قال ابن معين: \"ليس إسناد أثبت من هذا\"٢.\n٤- أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة٣.\n٥- الزهري، عن عروة، عن عائشة٤.\nفمن خلال هذا الغرض الموجز جدًّا في حق أكبر المحدثات عبر العصور، أم المؤمنين عائشة -﵂- ندرك الجهود الكبيرة التي قدمتها للأمة الإسلامية، فكانت وما زالت -﵂- قدوة النساء والرجال في العلم والفقه والزهد وسائر أعمال المعروف.\n_________\n١ معرفة علوم الحديث الحاكم \"ص٥٥\"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط٢، ١٩٧٧م.\n٢ الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي، تحقيق أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي، بيروت ط١٩٨٦م، والنكت لابن حجر، المجلس العلمي لإحياء التراث الإسلامي، المدينة، ط١.\n٣ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، الخطيب البغدادي \"٢/ ٢٢٩\"، مكتبة المعارف، الرياض، ط١٩٨٣م.\n٤ طرح التثريب شرح التقريب، زين الدين العراقي \"١/ ٢٢\" دار المعارف، حلب، سوريا، دون ذكر الطبعة.","vol":"1","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>دور أم المؤمنين أم سلمة -﵂- في رواية الحديث:</span>\n- ترجمتها وفضلها:\nهي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية، أبوها أحد أبناء قريش المعدودين، وأجوادهم المشهورين، وكان يُدعَى بـ\"زاد الراكب\"١.\nكانت قبل النبي -ﷺ- عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الصحابي ذو الهجرتين، ابن عمة المصطفى -ﷺ- برَّة بنت عبد المطلب، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وكانت وزوجها من السابقين الأولين، وهاجرا مع العشرة الأولين إلى الحبشة، حيث وُلد ابنهما \"سلمة\".\nثم هاجر إلى المدينة بعد قدومهما مكة بعد بيعة العقبة٢، فكانت أم سلمة -﵂- بهذا أول ظعينة دخلت المدينة، وفي المدينة عكفت -﵂- على تربية صغارها، وعكف زوجها على الجهاد، فشهد بدرًا وأحدًا وأبلى فيها بلاء مشهودًا، ورُمي في عضده، ثم انتكأ هذا الجرح فظل به حتى مات سنة أربع للهجرة \"٤هـ\"، وكان من دعاء أبي سلمة: \"اللهم اخلفني في أهلي بخير\"، فأخلفه رسول الله -ﷺ- على زوجته أم سلمة، فصارت أمًّا للمؤمنين، وعلى بنيه: سلمة، وعمر، وزينب، فصاروا ربائب في حجره المبارك -ﷺ- وذلك سنة أربع للهجرة \"٤هـ\".\nوكانت أم سلمة -﵄- آخر مَن مات من أمهات المؤمنين، عمرت حتى بلغها قتل الحسين، لم تلبث بعده إلا يسيرًا، وانتقلت إلى الله تعالى سنة \"٦٢هـ\"، وكانت قد عاشت نحوًا من تسعين سنة٣.\n_________\n١ زاد الراكب: أنه كان إذا سافر، فخرج معه الناس، فلم يتخذوا زادًا معه ولم يوقدوا، يكفيهم ويغنيهم. انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة \"زود\" \"٣/ ١٩٨\".\n٢ انظر: السمط الثمين \"٨٧\"، والسيرة النبوية لابن هشام، دار الجيل \"٢/ ٨٠، ٨١\".\n٣ سير أعلام النبلاء، الذهبي \"٢/ ٢٠٩\".","vol":"1","page":187},{"text":"وأما منزلتها في قوة البلاغة، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، ودقة الفهم، فقريبة من منزلة السيدة عائشة ﵄، وقد أشارت على النبي -ﷺ- يوم الحديبية بما يدل على ذلك؛ حيث أشارت عليه بأن يتقدم الناس بنحر الهدي والحلق لما امتنعوا أن ينحروا ويحلقوا ليحلوا من الإحرام، فلما فعل ذلك قام الناس فنحروا وحلقوا١.\nكما كانت تُعد من فقهاء الصحابة ممن كان يفتي؛ إذ عدها ابن حزم ضمن الدرجة الثانية التي تشمل متوسطي الفتوى بين الصحابة -﵃- حيث قال: \"المتوسطون فيما روى عنهم من الفتوى: عثمان، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأنس، وأم سلمة ... \" إلى أن عدهم ثلاثة عشر، ثم قال: \"ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير\"٢.\n- مروياتها -﵂- وتلاميذها:\nروت أم المؤمنين أم سلمة -﵂- الكثير الطيب؛ حيث تعد ثاني راوية للحديث بعد أم المؤمنين عائشة -﵂- إذ لها جملة أحاديث قدرت حسب كتاب بقي بن مخلد ثلاثمائة وثمانية وسبعين حديثًا \"٣٧٨\". اتفق لها البخاري ومسلم على ثلاثة عشر حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بثلاثة عشر٣.\nومجموع مروياتها حسب ما ورد في تحفة الأشراف مائة وثمانية وخمسون حديثًا \"١٥٨\"٤.\n_________\n١ زاد المعاد \"٢/ ١٢٥\"، الإصابة \"٤/ ٤٤٠\"، وانظر الحديث في صحيح البخاري \"٢/ ٢٧٩\" كتاب الشروط.\n٢ جوامع السيرة، ابن حزم \"١٣٤\"، تلقيح فهوم الآثر، ابن الجوزي \"٣٠٥\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٢/ ١٠١\".\n٤ تحفة الأشراف، للحافظ المزي \"١٣/ ٣ - ٨٢\".","vol":"1","page":188},{"text":"- محتوى مروياتها ﵂:\nكان وجود أم المؤمنين أم سلمة، وأم المؤمنين عائشة -﵄- خاصة بين الصحابة، وتأخر وفاتهما بعد النبي -ﷺ- من العوامل المهمة التي جعلت الناس يقصدونهما خاصة للسؤال والفتيا، وبعد وفاة أم المؤمنين عائشة -﵂- سنة \"٥٨هـ\"، تربعت أم سلمة -﵂- على باب الرواية؛ لكونها آخر مَن تبقى من أمهات المؤمنين، الأمر الذي جعل مروياتها كثيرة؛ إذ جمعت بين الأحكام والتفسير والآداب والأدعية والفتن ... إلخ.\nففي أبواب الطهارة روت في: غسل الجنابة، وغسل الرجل مع زوجه، وكيفية اغتسال النساء، وفي دخول الحائض والجنب المسجد، والنوم مع الحائض في لحاف واحد، والاستحاضة، وفي ذيول النساء وما يطهرها ... وغيرها.\nوفي أبواب الصلاة وما تعلق بها من أحكام روت في: الركعتين بعد العصر، وهي صاحبة هذه الرواية، وقد أخذتها عنها عائشة وغيرها، كما روت في قراءة النبي -ﷺ- وكيفية صلاته، ووتره ونوافله، وروت في الدعاء دبر الصلاة، كما روت في عدم قضاء الحائض الصلاة، وصلاة النبي -ﷺ- جالسًا، والمرأة تصلي في درع وخمار ليس لها إزار إذا لم تظهر قدماها، وفي القنوت ...\nوفي الزكاة روت في: الإنفاق على الأولاد والزوج، وفي فضل الصدقة، في زكاة الحلي.\nوفي أبواب الصوم روت في: الجنب يدركه الفجر، وفي القُبْلة للصائم، وفي فضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وفي الصوم في ذي الحجة.\nكما روت في أبواب الحج: في حج النساء، وفي ما بين بيت النبي -ﷺ- ومنبره، وفيمن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى، وفي طواف الخروج.\nوروت أيضًا في الجنائز: في الدعاء للميت، والدعاء عند المصيبة، والنهي عن اكتحال الحادَّة.","vol":"1","page":189},{"text":"وروت في الأدب، وفي ستر العورة، وفي رفع الرأس إلى السماء عند الخروج من البيت، والمرأة ترخي من إزارها ذراعًا، وروت في الأشربة، والنهي عن عجم النوى طبخًا، وخلط النبيذ بالتمر، وفي النكاح، روت زواجها، وفي الإحداد والرضاع. كما روت في المغازي، والمظالم والفتن، في الجيش الذي يخسف به، وفي المهدي، وروت في المناقب في ذكر علي وذكر عمار.\nفهذا الكم من المرويات وغيرها -كما نلاحظ- تغلب عليه الصفة العلمية مع وجود مرويات في غير ذلك، في الأقوال النبوية وفي الأدعية، مما يعطي أم المؤمنين أم سلمة -﵂- شهادة أيضًا على حفظها واهتمامها بما يصدر عن النبي -ﷺ- وروايته للناس.\nوقد نقل عنها مروياتها جيل من التلاميذ رجالًا ونساء، من مختلف الأقطار؛ حيث روى عنها -﵂- خلق كثير:\n- فمن الصحابة: أم المؤمنين عائشة، وأبو سعيد الخدري، وعمر بن أبي سلمة، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة بن الحصيب الأسلمي، وسليمان بن بريدة، وأبو رافع، وابن عباس.\n- ومن التابعين: أشهرهم: سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وشقيق بن سلمة، وعبد الله بن أبي مليكة، وعامر الشعبي، والأسود بن يزيد، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وشهر بن حوشب، ونافع بن جبير بن مطعم ... وآخرون.\n- ومن النساء: ابنتها زينب، وهند بنت الحارث، وصفية بنت شيبة، وصفية بنت أبي عبيد، وأم ولد إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعمرة بنت عبد الرحمن، وحكيمة، ورميثة، وأم محمد بن قيس.\n- ومن نساء أهل الكوفة: عمرة بنت أفعى، وجسرة بنت دجاجة، وأم مساور الحميري، وأم موسى \"سُرِّيَّة علي\"، وجدة ابن جدعان، وأم مبشر١.\n_________\n١ تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج يوسف المزي \"٣٥/ ٣١٩\".","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>دور أم المؤمنين ميمونة -﵂- في رواية الحديث:</span>\nبعد أم المؤمنين أم سلمة التي تحتل المرتبة الثانية من حيث كثرة الرواية بين كل الروايات عمومًا وبين أمهات المؤمنين خصوصًا، تأتي أم المؤمنين ميمونة، وأم المؤمنين أم حبيبة، وأم المؤمنين حفصة، في الدرجة الثالثة، وقد صنفهن بقي بن مخلد في أصحاب العشرات بهذا الترتيب١.\n- ترجمتها وفضلها ﵂:\nهي ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية٢، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة خالد بن الوليد وابن عباس.\nتزوجها أولًا مسعود بن عمر الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبد العزى فمات عنها، فتزوجها النبي -ﷺ- في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة \"٧هـ\" في ذي القعدة، وبَنَى بها بسَرِف٣.\nكانت ميمونة -﵂- من سادات النساء، وخير شهادة على ذلك ما ذكرته عنها ضرتها عائشة لابن أختها يزيد بن الأصم، وقد أقبلت تلومه في أمر؛ حيث يقول: \".... ثم وعظتني موعظة بليغة، ثم قالت: أما علمت أن الله ساقك حتى جعلك في بيت نبيه، ذهبت والله ميمونة، ورمَى بحبلك على غاربك، أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم\"٤.\n_________\n١ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي \"٣٦٥\"، وبقي بن مخلد هو شيخ الإسلام أبو عبد الله عبد الرحمن الأندلسي القرطبي، الحافظ، صاحب \"التفسير\"، \"المسند\"، وهو أول من كثر الحديث ونشره بالأندلس، توفي سنة ٢٧٣هـ. انظر: طبقات الحفاظ، السيوطي \"ص٢٧٧\".\n٢ لها ترجمة في الإصابة، ابن حجر \"٤/ ٣٩٧\"، طبقات ابن سعد \"٨/ ١٣٢\"، السير \"٢/ ٢٣٨- ٢٤٦\" وغيره.\n٣ سَرِف: بفتح أوله وكسر ثانيه وآخره فاء، وهو موضع على ستة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي، دار صادر بيروت \"٣/ ٢١٢\".\n٤ أخرجه ابن سعد في الطبقات \"٨/ ١٣٨\"، والحاكم في المستدرك \"٤/ ٣١\".","vol":"1","page":191},{"text":"وفي هذا الخبر ما يفيد أن ميمونة ماتت قبل عائشة، فقد ذكر خليفة بن خياط موتها سنة \"٥١هـ\"١.\nوقد دفنت في الظلة التي بَنَى فيها رسول الله -ﷺ- بسرف٢.\n- تلاميذها ومروياتها ﵂:\nروت أم المؤمنين ميمونة ستة وسبعين حديثًا \"٧٦\"٣، وبالتالي تأتي مباشرة بعد أم المؤمنين أم سلمة في الترتيب حسب كثرة الرواية، وعدد أحاديثها في الكتب الستة واحد وثلاثون حديثًا \"٣١\"٤، ورُوي لها في الصحيحين سبعة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة أحاديث٥.\nوقد روى عنها: ابن عباس ابن أختها، وابن أختها الثاني عبد الله بن شداد بن الهاد، وابن اختها الثالث عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الرابع يزيد بن الأصم، وعبيد بن السباق، وكريب مولى ابن عباس -وكان يدخل على أمهات المؤمنين- ومولاها سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعمران بن حذيفة، ومولاتها ندبة، والعالية بنت سُبَيْع، وأم منبوذ.\n- محتوى مروياتها:\nيلاحظ أن مروياتها توزعت على هؤلاء الرواة السابق ذكرهم، وأغلبهم من محارمها وفيهم الحبر ابن عباس، إضافة إلى أن مروياتها غلبت عليها الصفة العملية؛ أي: أنها تصف فعل النبي -ﷺ- في بيته ومع أهله.\nفقد رُوي عنها في أبواب الطهارة: في كيفية الغسل من الجنابة، وفي\n_________\n١ تاريخ خليفة، تحقيق أكرم ضياء العمري، دار طيبة، ط١، ١٩٨٥م \"ص٢١٨\".\n٢ انظر: ابن سعد في الطبقات \"٨/ ١٣٩\"، والحاكم في المستدرك \"٤/ ٣١\".\n٣ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي \"ص٣٦٥\".\n٤ العدد مأخوذ من تحفة الأشراف \"١٣/ ٤٨٤- ٤٩٨\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢٤٥\".","vol":"1","page":192},{"text":"وضوء النبي -ﷺ- بفضل غسل نسائه، ومباشرة الحائض وهي مؤتزرة، وقراءة القرآن في حجر الحائض، والصلاة بعد الأكل بدون وضوء، وهي كلها أفعال نبوية. وفي أبواب الصلاة: رُوي عنها في فضل الصلاة في مسجد النبي -ﷺ- وفي سجود النبي ﷺ ...، وفي الجنائز: في الميت يصلي عليه أمة من الناس ...، وروت في الصيام: في صيام النبي -ﷺ- في عرفة.\nورُوي عنها في الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، وفي رقية النبي -ﷺ- كما رُوي عنها في العتق، ولعل أبرز حكم ارتبط باسم ميمونة -﵂- هو تزويج المحرم، فقد تضاربت الروايات في قصة تزويج النبي -ﷺ- ميمونة، هل كان حلالًا أم محرما؟\nوقد عاشت أم المؤمنين ميمونة في البيت النبوي ثلاث سنوات، وبقيت بعده إلى سنة \"٥١هـ\"، فثلاث سنوات وإن كانت مدة قصيرة إلا أنها سمحت لها بأن تنقل عنه -ﷺ- مجموعة لا بأس بها من الأحاديث -كما رأينا- ساهمت في إعطاء نظرة مفصلة عن حياته -ﷺ- في بيته، وكفى بها شرفًا أن قصة زواجها منه -ﷺ- فرع من الفروع المهمة في الفقه الإسلامي، الذي كثرت حوله الآراء.\nومما ساعد على كثرة مروياتها -مقارنة بغيرها من أمهات المؤمنين، رغم كونها آخر مَن تزوجها النبي ﷺ من نسائه- أمران؛ هما:\n- تأخر وفاتها ﵂ \"٥١هـ\".\n- كون أحد المكثرين من الرواية من محارمها وهو ابن عباس، ولا شك أن هذا يسهل عليه الدخول عليها وسؤالها في القضايا المختلفة؛ إذ إن أمهات المؤمنين كانت لهن حرمة خاصة.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>دور أم المؤمنين حبيبة ﵂</span>\n...\nدور أم المؤمنين أم حبيبة ﵂:\n- ترجمتها وفضلها:\nهي بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي١، وهي من بنات عم الرسول -ﷺ- ليس في أزواجه مَن هي أقرب نسبًا إليه منها، كانت قبل رسول الله -ﷺ- عند عبيد الله بن جحش، وهاجر بها إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم تنصر هناك ومات على النصرانية، وبقيت أم حبيبة -﵂- على دينها، فأرسل النبي -ﷺ- مَن يخطبها له بالحبشة سنة ست للهجرة، فتزوجها -ﷺ- زوجها إياه النجاشي٢، ومهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شرحبيل ابن حسنة، وجهازها كله من عند النجاشي، فلا يوجد في نسائه -ﷺ- من هي أكثر صداقًا منها، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، فلما بلغ أبا سفيان نكاح النبي -ﷺ- ابنته قال: \"ذاك الفحل لا يُقرع أنفه\"٣.\nتُوفيت أم حبيبة -﵂- سنة أربع وأربعين للهجرة٤، وكانت ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عامًا، وقبيل موتها دعت عائشة -﵂- فقالت: \"قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولكِ ما كان من ذلك\". فقالت عائشة: \"غفر الله لكِ ذلك كله وحللت من ذلك\"، فقالت: سررتني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك٥.\n_________\n١ انظر ترجمتها في الإصابة، ابن حجر \"٤/ ٢٩٨\".\n٢ النجاشي: أصحمة ملك الحبشة، معدود في الصحابة، وكان ممن حسن إسلامه، ولم يهاجر، ولا رؤية له، وقد توفي في حياة النبي -ﷺ- فصلى النبي -ﷺ- عليه صلاة الغائب. صحيح البخاري \"٣/ ١٥١\" المناقب، موت النجاشي \"٣٨٧٧\". وانظر: سير أعلام النبلاء \"١/ ٤١٨- ٤٤٣\".\n٣ أخرجه ابن سعد في الطبقات \"٨/ ٩٩\"، والحاكم في المستدرك \"٤/ ٢٢\".\n٤ السير \"٢/ ٢٢٠\".\n٥ أخرجه ابن سعد في الطبقات \"٨/ ١٠٠\"، والحاكم في المستدرك \"٤/ ٢٢، ٢٣\".","vol":"1","page":194},{"text":"- مروياتها وتلاميذها ﵂:\nروت أم المؤمنين أم حبيبة -﵂- عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، عدها بقي بن مخلد فوجدها خمسة وستين حديثًا١، ولها في مجموع الكتب الستة تسعة وعشرون حديثًا٢، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين٣.\nروى عنها: أخواها معاوية وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وشتير بن شكل، وشهر بن حوشب، وأبو سفيان بن سعيد بن الأخنش وهي خالته، وأبو صالح ذكوان السمان، وصفية بنت شيبة، وزينب بنت أبي سلمة.\n- محتوى مروياتها:\nحديثها -﵂- مشهور في تحريم الربيبة وأخت المرأة٤، وأيضًا حديثها في فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن مشهور، وقد رواه عنها معظم التلاميذ الذين ذكرناهم.\nكما حوت مروياتها أحاديث في وجوب الإحداد للمرأة المتوفَّى عنها زوجها، وعدم جوازه لغير الزوج فوق ثلاثة أيام، والكحل للحادة ... وفي الحج، كما روت في استحباب دفع الضعفة من النساء وغيرهن من المزدلفة إلى منًى في أواخر الليل قبل زحمة الناس.\nوفي أبواب الطهارة: ترك الوضوء مما مسته النار، وفي صلاة الرجل في الثوب الذي جامع فيه، وما يجوز للرجل من المرأة الحائض ... وفي أبواب الصوم: روت في جواز القبلة للصائم، وفي الدعاء بعد الأذان ... وروت في العير التي فيها الجرس لا تصحبها الملائكة، وغيرها.\n_________\n١ تلقيح الفهوم \"ص٣٦٥\".\n٢ تحفة الأشراف \"١١/ ٣٠٦ - ٣٢٣\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢١٩\".\n٤ صحيح البخاري \"٣/ ٥\" كتاب النكاح\"، باب ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، حديث \"٥١٠٧\".","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>دور أم المؤمنين حفصة بنت عمر ﵂:</span>\n- ترجمتها وفضلها ﵂:\nهي بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي١، كانت قبل النبي -ﷺ- عند خنيس بن حذافة السهمي، فلما توفي عنها \"بأحد\" خطبها النبي -ﷺ- بعد أن كان عمر عرضها على أبي بكر ثم على عثمان، فلم يردا عليه بالقبول إلا لكون النبي -ﷺ- قد ذكرها، ولما شكى عمر إلى رسول الله -ﷺ- ما كان من أبي بكر وعثمان، وقال له: \"يتزوج حفصة مَن هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان مَن هي خير من حفصة\" ٢، وقد تزوج عثمان -﵁- أم كلثوم بنت رسول الله -ﷺ- وتزوج النبي -ﷺ- حفصة سنة ثلاث من الهجرة \"٣هـ\"، وكان مولدها -﵂- قبل البعثة بخمس سنين.\nورُوي أن النبي -ﷺ- كان قد طلق حفصة -﵂- ثم راجعها٣ لتحافظ على مكانتها أُمًّا للمؤمنين.\nتوفيت حفصة سنة إحدى وأربعين عام الجماعة \"٤١هـ\"٤.\n- مروياتها وتلاميذها ﵂:\nروت حفصة عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، مسندها في كتاب بقي بن مخلد بلغ ستين حديثًا٥، اتفق لها الشيخان على أربعة أحاديث، وانفرد مسلم بستة أحاديث، ومجموع مروياتها في الكتب الستة ثمانية وعشرون حديثًا \"٢٨\"٦.\n_________\n١ انظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢٢٧\"، الإصابة \"٤/ ٢٦٤\".\n٢ صحيح البخاري \"٣/ ٣٦٨\" كتاب النكاح، باب عرض الرجل ابنته أو أخته على أهل الخير - حديث \"٥٢٢٢\" عن ابن عمر.\n٣ سنن أبي داود \"٢/ ٢٩٤\" كتاب الطلاق، باب في المراجعة.\n٤ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢٩٢\".\n٥ جوامع السيرة، ابن حزم \"ص١٤\"، تلقيح الفهوم، ابن الجوزي \"٣٦٥\".\n٦ تحفة الأشراف، المزي \"١١/ ٢٧٨ - ٢٩٢\".","vol":"1","page":196},{"text":"- محتوى مروياتها:\nروت في الطهارة في وجوب الغسل على كل محتلم يوم الجمعة، وجعل اليد اليمنى للطعام والشراب. وفي أبواب الصلاة، روت في الركعتين الخفيفتين إذا نودي بالصبح، وهي من فعل النبي ﷺ.\nوفي الصوم روت في: لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر، وصوم النبي -ﷺ- ثلاثة أيام من كل شهر، وفي القبلة للصائم، وفيمن يصبح جنبًا ثم يتم صومه، وفي صيام الإثنين والخميس، وصيام عاشوراء وغيرها.\nكما روت في المناسك: في الدواب التي لا جناح على مَن قتلهن، كما روت في الزينة في لبس الديباج للرجل، وفي الشمائل: في فراش النبي ﷺ، وفي الآداب: فيما يفعل الرجل إذا أراد النوم، وفي الطب: في رقية النملة، وفي تعبير الرؤيا، وفي الفتن: في قصة ابن الصائد وخروج الدجال من غضبة يغضبها، وهذا أشهر ما روت.\nويلاحظ غلبة السُّنَّة الفعلية في وصف أعمال النبي -ﷺ- التي اشتركت في نقلها إلى الناس مع بقية أمهات المؤمنين، مع تفاوت في الرواية بينهن -كثرة وقلة- إلا أنها كسائر أمهات المؤمنين تختص برواية بعض الأحاديث التي لم تروها بقية أمهات المؤمنين؛ كروايتها في الرقية من النَّمِلَة، وقصة ابن صائد، وخروج الدجال من غضبة يغضبها، والدواب التي لا جناح في قتلهن.\nوهكذا شرف الله أمهات المؤمنين كل واحدة بأحاديث ترويها ويلتصق اسمها بها؛ لتبين للعالم نور الحكمة الذي ينبع من حجرات هؤلاء السيدات، رضوان الله عليهن جميعًا.","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>دور أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂:</span>\n- ترجمتها وفضلها ﵂:\nهي بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة١، وهي ابن عمة الرسول -ﷺ- أمها: أميمة بنت عبد المطلب من المهاجرات الأُوَل، كانت زينب -﵂- عند زيد بن حارثة مولى النبي -ﷺ- فزوجها الله تعالى بنبيه بنص كتابه بعد أن فارقها زيد٢، فكان زواجها -﵂- بالنبي -ﷺ- فريدًا، بلا ولي ولا شاهد، فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين٣.\nكانت -﵂- من سادة النساء، دينًا وورعًا وجودًا ومعروفًا، تزوجها النبي -ﷺ- في ذي القعدة سنة خمس للهجرة، وكانت صالحة قوامة صوامة بارة، وقد شهد لها بذلك سيد الخلق زوجها -ﷺ- وهو يقول لعمر: \"إن زينب بنت جحش أواهة\" قيل: يا رسول الله، ما الأواهة؟ قال: \"الخاشعة المتضرعة، ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ \" [هود: ٧٥] ٤.\nوكان النبي -ﷺ- ذكر لأزواجه أن: \"أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا\" ٥، فبشرها بسرعة لحوقها به -ﷺ- وهي زوجته في الجنة، وفيه شهادة على برها وصدقها؛ حيث إنها كانت امرأة صنَّاعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتتصدق.\nوشهادة لها أخرى من أم المؤمنين عائشة إذ تقول: \"كانت زينب بنت\n_________\n١ انظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢١١\"، الإصابة \"٤/ ٣٠٧\"، أسد الغابة \"٥/ ٤٦٣\".\n٢ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .\n٣ كانت زينب تفتخر على أمهات المؤمنين وتقول: \"زوجكن أهليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات\". انظر: صحيح البخاري \"٤/ ٣٨٨\" كتاب التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء، عن أنس، حديث رقم \"٧٤٢\".\n٤ ذكره الذهبي في السير \"٢/ ٢١١\"، وفي الهامش: هو مرسل وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف.\n٥ صحيح مسلم \"٤/ ٧- ١٩\" كتاب الفضائل، من فضائل زينب بنت جحش \"٢٤٥٢\" عن عائشة، وهو في البخاري \"١/ ٣٩\" بلفظ يوهم أن: أسرعهن لحوقًا سودة، كتاب الزكاة - الباب رقم \"١١\" من حديث عائشة \"١٤٢٠\".","vol":"1","page":198},{"text":"جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله -ﷺ- ما رأيت امرأة خيرًا في الدين من زينب، أتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل رحمًا، وأعظم صدقة ﵂\"١.\n- تلاميذها ومروياتها ﵂:\nكانت أم المؤمنين زينب أول مَن لحق بالنبي -ﷺ- وكان ذلك سنة عشرين للهجرة٢، فقد عاشت خمس سنوات معه -ﷺ- وعشر سنوات بعدها.\nوبلغت مروياتها وفق كتاب بقي بن مخلد أحد عشر حديثًا٣، ولها في الكتب الستة خمسة أحاديث٤، اتفق لها البخاري ومسلم على حديثين٥، وأشهر من روى عنها: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأم المؤمنين أم حبيبة، وزينب بنت أبي سلمة، وأرسل عنها القاسم بن محمد.\nورغم أن مروياتها قليلة بالمقارنة بما ذكرنا من مرويات أمهات المؤمنين، إلا أنها صاحبة رواية خروج يأجوج ومأجوج٦، وما صح واشتهر في هذا الجانب مروي عنها، كما أن حديثها في الاستحاضة معروف، وروت أيضًا في إحداد المرأة على غير زوجها وهو مما اتفق عليه٧، كما روت في الطهارة في باب الوضوء، وفي بول الغلام وبول الجارية، وهو في غير الكتب الستة، فكانت لها -﵂- إسهاماتها في خدمة السُّنَّة.\n_________\n١ صحيح مسلم \"٤/ ١٨٩١\" كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة، عن عائشة \"٢٤٢\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢١٢\".\n٣ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي \"ص٣٧٠\".\n٤ تحفة الأشراف للمزي \"١١/ ٣٢١- ٣٢٣\".\n٥ سير أعلام النبلاء \"٢/ ١٢١\".\n٦ صحيح البخاري \"٤/ ٣٢٧\"، الفتن، خروج يأجوج ومأجوج، حديث رقم \"٧١٣٥\".\n٧ صحيح البخاري \"١/ ٣٩٥\"، الجنائز، إحداد المراة على غير زوجها، حديث رقم \"١٢٨٢\".","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>دور أم المؤمنين صفية ﵂:</span>\n- ترجمتها وفضلها ﵂:\nهي صفية بنت حُيي بن أخطب بن سعية، من سبط \"اللاوِي\" ابن نبي الله إسرائيل \"يعقوب\" بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، ثم من ذرية رسول الله هارون عليه السلام١.\nكانت قبل النبي -ﷺ- عند سلام بن أبي حقيق، ثم خلف عليها كنانة بن أبي حقيق، وكانا من شعراء اليهود، فقتل كنانة يوم خيبر، فسبيت صفية وصارت في سهم دحية الكلبي، فقيل للنبي -ﷺ- عنها، فاصطفاها لنفسه، ثم لما طهرت تزوجها وجعل عتقها صداقها٢.\nكانت -﵂- امرأة شريفة عاقلة، ذات حسب ودين، وكان النبي -ﷺ- يكرمها ويحنو عليها كلما طالتها غَيْرة نسائه -ﷺ- حتى إنه هجر زينب -﵂- محرم وصفر ولم يأتها؛ لأنها نالت منها بكلمة٣، كما كان يساندها في الرد على أزواجه إذا عايرنها لكونها من غير العرب٤.\nوكانت ذا حلم ووقار، ومن الشواهد على ذلك عتقها الجارية التي افترت عليها لدى عمر أنها تحب السبت وتصل اليهود، ولما عرفت أن الشيطان أوحى للجارية بذلك عفت عنها وأعتقتها٥.\nتُوفيت -﵂- سنة \"٣٦هـ\"٦.\n_________\n١ انظر ترجمتها في سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢٢\"، الإصابة \"٤/ ٣٣٧، ٣٣٨\"، أسد الغابة \"٥/ ٤٩٠\".\n٢ صحيح البخاري \"٣/ ٣٥٩\" كتاب النكاح، باب من جعل عتق الأمة صداقها، حديث رقم \"٥٠٨٦\".\n٣ لما برك بصفية أم المؤمنين الجمل، وهن مع النبي في الحج، طلب من زينب أن تفقر \"تعير\" صفية جملًا، فقالت: \"أنا أفقر يهوديتك! \" فغضب النبي ... الحديث أخرجه أحمد بن حنبل في المسند \"٦/ ٣٣٧، ٣٣٨\".\n٤ سنن الترمذي \"٥/ ٧٠٨\" كتاب المناقب \"٣٨٩٨\"، وقال: حسن صحيح غريب.\n٥ الاستيعاب \"٤/ ٣٣٧\".\n٦ سير أعلام النبلاء \"٢/ ٤٢\".","vol":"1","page":200},{"text":"- تلاميذها ومروياتها ﵂:\nحدث عنها: علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث، وكنانة مولاها وغيرهم.\nمسندها في كتاب بقي بن مخلد عشرة أحاديث١؛ منها حديث واحد متفق عليه، كما روت في الكتب الستة ستة أحاديث٢.\n- محتوي مروياتها:\nروت في باب الاعتكاف وهو مما اتفق عليه الشيخان، والمعتكف يخرج لحوائجه إلى باب المسجد، وفي استحباب من رُؤي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا أن يقول: هذه فلانة، كما روت في صاع النبي -ﷺ- وفي الدعوات، ورواية في تزويج النبي -ﷺ- ميمونة وهو حلال، كما روت في مناقبها هي، كما روت أيضًا في حديث الجيش الذي يُخسف به، وكان راوية لسنن لم يروها أحد غيرها، فكانت شاهدة على أحكام نقلتها للناس واقترن اسمها بها.\n_________\n١ تلقيح الفهوم، ابن الجوزي \"ص٣٦٩\".\n٢ تحفة الأشراف \"١١/ ٣٣٧- ٣٤٠\".","vol":"1","page":201},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>دور أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂:</span>\n- ترجمتها وفضلها ﵂:\nهي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ثم المصطلقية١، كانت قبل النبي -ﷺ- عند ابن عم لها يقال له: مسافع بن صفوان بن ذي الشفر، فقُتل عنها في غزوة المريسيع سنة خمس للهجرة، فكانت في السبي، فوقعت في سهم أحد الصحابة فكاتبها على نفسها، فأتت النبي -ﷺ- تستعين به في فكاكها، فأجابها في أكرم من ذلك، تزوجها٢، وخرج الخبر إلى الناس فقالوا: أصهار رسول الله -ﷺ- يُسْترقُّون! فأعتقوا مَن كان في أيديهم من سبي بني المصطلق، فبلغ عتقهم مائة أهل بيت، فكانت عظيمة البركة على قومها، وكان أبوها سيدًا مطاعًا، تُوفيت -﵂- سنة خمسين، وقيل: ست وخمسين٣.\n- تلاميذها ومروياتها ﵂:\nحدث عنها: ابن عباس، وعبيد بن السَّبَّاق، وكريب مولى ابن عباس، ومجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي.\nبلغ مسندها في كتاب بقي بن مخلد سبعة أحاديث٤، منها أربعة في الكتب الستة، حديث عند البخاري، وحديثان عند مسلم.\nوقد تضمنت مروياتها أحاديث في الصوم، في عدم تخصيص يوم الجمعة بالصوم، وحديث في الدعوات في جواب التسبيح، وفي الزكاة في إباحة الهدية للنبي -ﷺ- وإن كان المهدي ملكها بطريق الصدقة، كما روت في العتق.\nوهكذا بسبعة أحاديث شريفة خلَّدتْ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث -﵂- اسمها في عالم الرواية؛ لتضيف إلى شرف صحبتها للنبي -ﷺ- وأمومتها للمسلمين، تبليغها الأمة سنن المصطفى -ﷺ- ما تيسر لها ذلك.\n_________\n١ لها ترجمة في الإصابة \"٤/ ٢٥٧\"، سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢٦١\"، المستدرك للحاكم \"٤/ ٢٧\".\n٢ صحيح مسلم \"٢/ ٤٣\" كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمة ثم يتزوجها، عن أنس \"١٣٦٥\".\n٣ الأول قال به ابن سعد في الطبقات \"٨/ ١٢١\"، والثاني قاله خليفة بن خياط في تاريخه \"ص٢٣٤\".\n٤ تلقيح الفهوم، لابن الجوزي \"ص٣٧٠\"، جوامع السيرة، لابن حزم \"ص١٤٣\".","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>دور أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂:</span>\n- ترجمتها وفضلها ﵂:\nهي سودة بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية١، وهي أول مَن تزوج بها النبي -ﷺ- بعد خديجة -﵂- وانفردت به نحو ثلاث سنين أو أكثر حتى تزوج عائشة ﵂.\nوكانت أولًا عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو العامري، كانت سيدة جليلة نبيلة، وهي التي وهبت يومها لعائشة رعاية لقلب رسول الله -ﷺ- وكانت قد فركت٢، كانت عائشة تتمنى أن لو كانت على طريقتها؛ إذ تقول: \"ما رأيت امرأة أحب إليَّ أن أكون في مسلاخها من سودة\"٣.\nوكان النبي -ﷺ- تزوج سودة في رمضان سنة عشر من النبوة، وهاجر بها، وماتت بالمدينة سنة أربع وخمسين على رأي٤، وعلى رأي توفيت زمن عمر٥.\n- تلاميذها ومروياتها ﵂:\nحدَّث عن سودة -﵂- ابن عباس، ويحيى بن عبد الله الأنصاري، وغيرهما، ولها خمسة أحاديث -فقط- حسب ما جمعه بقي بن مخلد٦، ولها حديثان في الكتب الستة٧، لم يُروَ لها إلا حديث واحد في البخاري، وهو في الذبائح.\n_________\n١ راجع ترجمتها في سير أعلام النبلاء \"٢/ ٢٦٥\"، الإصابة، ابن حجر \"٤/ ٣٣٠\".\n٢ صحيح البخاري \"٣/ ٣٩١\" كتاب النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها \"٥٢١٢\" عن عائشة، وفركت وامرأة فروك: أي لا أرب لها في الرجال، انظر أساس البلاغة \"ص٣٤٠\".\n٣ صحيح مسلم \"٢/ ١٠٨٩\" كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، عن عائشة، وقولها: \"مسلاخها\" كأنها تمنت ان تكون في مثل هديها وطريقتها، والمسلخ، الجلد، حديث رقم \"١٤٦٣\".\n٤ الطبقات لابن سعد \"٨/ ٥٣\".\n٥ التاريخ الصغير، البخاري \"ص٥٣\"، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦ تلقيح الفهوم \"٣٧١\"، وجوامع السيرة \"١٤٣\".\n٧ تحفة الأشراف \"١١/ ١٤٥\".","vol":"1","page":203},{"text":"وقال: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا نبذ فيه حتى صار شَنًّا١.\nفمن خلال العرض الموجز السابق يتبين بوضوح دور أمهات المؤمنين في رواية الحديث وخدمة السُّنَّة، وتوضيح الكثير من الأحكام الفقهية، ولولا كثير من الأحاديث التي رُويت عنهن لفاتنا الكثير من السنن، فهذه الميزة وحدها كفيلة بأن تجعل منهن أعمدة رواية أفعال النبي -ﷺ- المعيشية، خاصة أم المؤمنين عائشة سيدة المحدثات في هذه الأمة، رضوان الله عليهن أجمعين.\n_________\n١ صحيح البخاري \"٨٣\" كتاب الأَيمان والنذور - حديث رقم \"٦٦٨٦\". و\"مَسْكها\" أي: جلدها، و\"شَنًّا\" أي: باليًا، والشنة: القربة العتيقة.","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الفصل الحادى عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين ﵂ في الرواية</span>\n...\nالفصل الحادي عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين -﵅- في الرواية:\nيتفاوت الصحابة جميعًا في الرواية قلة وكثرة، فبينما نجد أحدهم روى عن رسول الله -ﷺ- الآلاف من الأحاديث، نجد الآخر لم يروِ إلا حديثًا واحدًا، وبعضهم لم يروِ شيئًا، وكذلك الأمر مع أمهات المؤمنين، وقد سبق ذكر أسباب التفاوت بالنسبة للصحابة، وأما التفاوت بالنسبة لأمهات المؤمنين فمرجعه إلى جملة أسباب؛ منها ما يلي:\n١- تفاوت درجات الحفظ عندهن.\n٢- تفاوت مدة ملازمتهن للنبي ﷺ.\n٣- التفاوت في مشاركتهن أو حضورهن الأحداث والغياب عنها.\n٤- تحفُّظ بعضهن من إكثار الرواية.\n٥- الاستعداد الفطري، وتفاوت الذكاء والوعي.\n٦- التفاوت في قصر أعمارهن أو طولها بعد وفاة النبي ﷺ.\n٧- انصراف بعضهن إلى العبادة أكثر من انصرافهن إلى الحفظ والرواية.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الفصل الأول: المستجدات في هذا العصر</span>\n...\nالباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري\nسأحاول بفضل الله تعالى توضيح هذه المناهج، وذلك من خلال الفصول الآتية:\nالفصل الأول: المستجدات في هذا العصر\nفي عصر تابعي التابعين تغيرت الظروف عن عصر الصحابة والتابعين، وتطورت بعض الأمور، وظهرت بعض الملابسات التي استدعت وضع مناهج ومقاييس وضوابط يستعين بها المحققون ونقاد الحديث في الكشف عن العلل والدخيل مما نُسب إلى النبي -ﷺ- كذبًا؛ وذلك لهدف الحفاظ على السُّنَّة من الوضع، وصيانتها من الخطأ والتحريف.\n- ويمكن تلخيص المستجدات فيما يلي١:\nأولًا: وفاة الصحابة ومعظم التابعين الذين كانوا يحفظون سنة رسول الله ﷺ.\nثانيًا: نزول الإسناد واستحالة لقيا جميع الرواة الموصِّلين إلى النبي ﷺ.\nثالثًا: ظهور المذاهب الفقهية، ومن ثَم الاختلاف بين الأئمة ومحاولة توثيق ما عندهم من الأحاديث ومناقشة مخالفيهم، وتمخض عن ذلك حركة كبيرة في توثيق السُّنَّة خاض غمارَها الأحناف والشافعي وأصحاب مالك، ﵃ أجمعين.\nرابعًا: كثرة الوضع في الحديث، وكثرة الخطأ فيه من قِبَلِ بعض المنتسبين إلى الإسلام من ضعاف الإيمان وأهل البدع.\n_________\n١ راجع: كتاب \"المدخل إلى توثيق السُّنة\" \"ص٥٦، ٥٧\" أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.","vol":"1","page":207},{"text":"خامسًا: لم تدون السُّنَّة تدوينًا شاملًا في العصر الأول خوفًا من اختلاطها بالقرآن، وأما في عصر أتباع التابعين كثر الحفاظ والكتبة، وزال الخوف السابق، فضلًا عن الحاجة الماسة لهذا التدوين؛ خشية اندراس السُّنَّة وضياعها بموت حفاظها.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الفصل الثاني: التدوين الشامل للسنة في هذا العصر ومنهج العلماء في التصنيف</span>\nبسبب المستجدات والملابسات التي ظهرت في عصر تابعي التابعين أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة تدوينًا شاملًا؛ لتكون مجموعة في مصنفات يستفيد منها المسلمون، ولم يكن تدوينها من قبل بعض الصحابة والتابعين يرقى إلى مستويات المصنفات والمؤلفات١.\nفقد روى الدارمي بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز \"ت١٠١هـ\" إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبوه؛ فإني خفت دروس العلم وذَهَاب أهله٢.\nوروى الدارمي أيضًا بسنده عن عبد الله بن دينار قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن اكتب بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله -ﷺ- وبحديث عمر؛ فإني قد خشيت درس العلم وذهابه٣.\nقال البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ﵁ \"عامل المدينة\": \"انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله -ﷺ- ولتُفْشُوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا\"٤.\n_________\n١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنة \"ص٥٧\".\n٢ سنن الدارمي \"١/ ١٣٧\" باب: من رخص في كتابة العلم - حديث \"٤٨٨\"، والمحدث الفاصل \"ص٣٧٣، ٣٧٤\".\n٣ سنن الدارمي \"١/ ١٣٧\" باب: من رخص في كتابة العلم - حديث \"٤٨٧\"، ونحوه في الموطأ رواية الشيباني - حديث رقم \"٣٨٩\".\n٤ صحيح البخاري \"٣\" كتاب العلم، في ترجمة الباب \"٣٤\" كيف يقبض العلم؟","vol":"1","page":209},{"text":"وامتثل العلماء لهذا الأمر، واهتموا بهذا النداء من أمير المؤمنين، وجَدُّوا في جمع الحديث الشريف، وكان محمد بن شهاب الزهري \"ت١٢٤هـ\" أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته فقال: \"أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا\"١. وقال مرة أخرى: لقد أمرنا عمر بن عبد العزيز أن نجمع السنة، وتنفيذًا لهذا الأمر كتبنا الكتب العديدة، وأرسلت نسخًا لأجزاء مختلفة من الدولة٢.\nووُجد في كل مدينة مَن يهتم بجمع الحديث والتصنيف في السُّنَّة:\nففي مكة: صنف في السُّنة ابن جريج \"ت١٥٠هـ\"، وسفيان بن عيينة \"ت١٩٨هـ\".\nوفي المدينة: مالك بن أنس \"ت١٧٩هـ\"، ومحمد بن إسحاق \"ت١٥١هـ\"، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب \"ت١٥٧هـ\".\nوفي البصرة: الربيع بن صبيح \"ت١٦٠هـ\"، وسعيد بن أبي عروبة \"ت١٥٦هـ\"، وحماد بن سلمة \"ت١٦٨هـ\".\nوفي اليمن: معمر بن راشد \"٩٥ - ١٥٣هـ\".\nوفي الشام: عبد الرحمن الأوزاعي \"٨٨ - ١٥٧هـ\".\nوفي الكوفة: سفيان الثوري \"ت١٦١هـ\".\nوفي خراسان: عبد الله بن المبارك \"ت١٨١هـ\".\nوفي واسط: هشيم بن بشير \"ت١٨٣هـ\".\nوفي الرِّي: جرير بن عبد الحميد \"ت١٨٨هـ\".\n_________\n١ جامع بيان العلم وفضله \"١/ ٧٦\".\n٢ انظر: فتح الباري \"١/ ٥٧\"، وفتح المغيث لولي الدين العراقي \"ص٢٣٩\"، والأموال لأبي عبيد \"ص٥٧٨ - ٥٨٠\".","vol":"1","page":210},{"text":"وفي مصر: عبد الله بن وهب \"١٢٥- ١٧٩هـ\".\nثم تلاهم كثير من أهل عصرهم ممن نسجوا على منوالهم١.\nوكانت معظم مصنفات هؤلاء ومجاميعهم تضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين، وأظهر مثال لذلك موطأ الإمام مالك الذي يجمع الحديث وفتاوى الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة٢، غير أن الإمام مالكًا تحرَّى الصحة في موطئه فلم يُخرج فيه إلا صحيحًا، وما كان من مراسيل أو بلاغات ونحوها فقد وقف عليها الأئمة موصولة وصحيحة \"أو حسنة\" في مصنفات أخرى، وقد التزم الإمام مالك في الموطأ بتخريج روايات الثقات الذين لا ينزل حديثهم عن درجة الحسن بحال، وأما غير الإمام مالك -ممن صنفوا في عهده- فلم يلتزموا ذلك في مصنفاتهم.\nوذكر الدكتور عجاج الخطيب أن أمير مصر عبد العزيز بن مروان \"ت٨٥هـ\" والد \"عمر\" حاول التدوين الرسمي للسُّنَّة، وذلك حين بعث إلى عالم حمص التابعي الكبير \"كُثير بن مرة الحضرمي\" وكان أدرك سبعين بدريًّا من أصحاب رسول الله -ﷺ- بحمص: \"أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله -ﷺ- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا\"؛ ولكن المصادر لم تخبرنا عن امتثال كُثير لهذا الطلب ... فيكون التدوين الرسمي في عهد ابنه عمر، ومن ذلك الوقت اهتم الرواة بالتدوين الذي شاع في أرجاء المدن الإسلامية.\n_________\n١ المحدث الفاصل \"ص٦١١ - ٦١٣\".\n٢ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٥٩\".","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري</span>\nكانت الفتنة التي وقعت في آخر عهد سيدنا عثمان بن عفان -﵁- نقطة انعطاف ومرحلة تحول؛ حيث انتسب إلى الإسلام قلة من الرجال ضعيفي الإيمان، أباحوا لأنفسهم الكذب على رسول الله -ﷺ- نُصرةً لبدعتهم وأهوائهم.\nفكان على التابعين واجب القيام بكشف حديث هؤلاء وبيانه والتنبيه عليه والتحذير منه.\n\"وكانت الوسيلة لنقل سُنة رسول الله -ﷺ- هي الرواية، وكان معيار صدق الحديث أو وضعه هو صدق ناقليه أو كذبهم\"١.\nوتتجلى جهودهم ومظاهر هذا الاهتمام والتحري الشديد والحيطة فيما يلي:\n١- اهتموا بدراسة الرجال رواة الأحاديث:\nونقدهم وبيان ما فيهم من جرح وتعديل، ولم يقبلوا الحديث إلا عن ثقة معروف بالعدالة، وكما قال الشافعي: \"كان ابن سيرين وإبراهيم النخعي وطاوس وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدًا من أهل الحديث يخالف هذا المذهب\"٢.\n٢- اهتموا بالإسناد فوقفوا على حال رواته:\nقال ابن سيرين: \"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السُّنَّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم\"٣.\n_________\n١ المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٤٨\".\n٢ السُّنَّة قبل التدوين \"ص٢٣٧\"، والمدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٤٩٨\".\n٣ صحيح مسلم بشرح النووي \"١/ ٧١\".","vol":"1","page":213},{"text":"ومثال ذلك ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن بعدي من أمتي ... \" الحديث، قال ابن الصامت ﵁: فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا، فذكرت له هذا الحديث، فقال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\n٣- السماع والحفظ والتثبت في الرواية:\nكانوا يتتبعون الأخطاء ويحصونها ويهتمون بها اقتداء بالصحابة في الحيطة مع أنفسهم والآخرين، قال الشعبي: \"والله لو أصبتُ تسعًا وتسعين مرة وأخطأتُ مرة لعدوا عليَّ تلك الواحدة\"٢.\n٤- نقد المتن:\nومن أمثلة ذلك أن إبراهيم النخعي كان يترك بعض الأحاديث -عاملًا عقله وقياسه- بحجة أن الصحابة فعلوا ذلك، فقال عنهم: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون، ولو كان ولد الزنى شر الثلاثة لما انتُظر بأمه أن تضع٣، وأنكر بهذا حديث أبي هريرة ﵁: \"ولد الزنى شر الثلاثة\" ٤.\nكما رد حديث فاطمة بنت قيس، وحديث التغريب للزاني، وحديث الشاهد واليمين؛ لأنه يرى معارضتها للقرآن الكريم، ورد أحاديث القنوت في الفجر معللًا ذلك بأنه لو صح لاشتهر عن جميع الصحابة٥.\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي \"١/ ٧١\".\n٢ تذكرة الحفاظ للذهبي \"١/ ٨٢\".\n٣ كشف الأسرار \"٢/ ٢٩٨\"، أصول السرخسي \"١/ ٣٤٠\".\n٤ الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة \"ص١١٨\".\n٥ راجع ذلك مفصلًا في رسالة الماجستير: إبراهيم النخعي - كلية دار العلوم - القاهرة \"ص٣٠٦- ٣١٢\" أ. د. محمد عبد الهادي سراج.","vol":"1","page":214},{"text":"وكذا الشعبي سمع رجلًا يحدث عن النبي -ﷺ- أن الله خلق صورين، له في كل صور نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، فرده لمعارضته القرآن، وقال لراويه: يا شيخ، اتقِ الله، ولا تُحدِّثنَّ بالخطأ، إن الله تعالى لم يخلق إلا صورًا واحدًا، وإنما هي نفختان: نفخة الصعق ونفخة القيامة، انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ١.\n_________\n١ تحذير الخواص للسيوطي \"ص١٥٣\".","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري</span>\nلقد حَرَصَ التابعون على ملازمة الصحابة وحفظ مروياتهم وتدوينها، ولقد سجلت أمهات الكتب أن علماء التابعين دوَّنوا ثروة هائلة من الحديث الشريف، وكانت لديهم كتب وصحف ونسخ شهيرة دوَّنوا فيها هذه الأحاديث، وقد حفظ لنا التاريخ بعض صحائفهم وكتبهم التي دوَّنوها عن الصحابة، والتي منها ما يأتي:\n- كُتُب أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي \"ت١٠٤هـ، وقيل بعدها\" التي كتبها عن: سمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة وغيرهم١.\n- صحفية حُجْر بن عدي \"٥١هـ\" عن السيدة عائشة وعلي بن أبي طالب وغيرهما٢.\n- كتاب محمد بن عمرو بن حزم \"٦٣هـ\" عن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص ووالده عمرو بن حزم والي نجران من قِبَلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.\n- صحيفة محمد ابن الحنفية \"٧٣هـ\" عن جابر بن عبد الله وغيره٤.\n_________\n١ راجع: جامع بيان العلم \"١/ ٣٤، ٧٢، ٢٥١\"، تقييد العلم \"١٠٣\"، طبقات ابن سعد \"٧/ ١/ ٩١، ١٣٣ - ١٣٥\" و\"٧/ ٢/ ١٧\"، سنن الدارمي \"١/ ٤٥، ١٣٦، ٢٥٣\"، و\"٢/ ٢٢٣، ٢٣٦، ٣١١، ٤٠٩، ٤٣٤\"، الجرح والتعديل \"٢/٢ / ٥٧- ٥٨\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٨٢\"، \"١/ ٩٤- ٩٥\"، حلية الأولياء \"٢/ ٢٨٢- ٢٨٩\"، \"٥/ ٣٥٥، ٣٥٦\"، الكفاية للخطيب البغدادي \"٣٩٢، ٣٧٦، ٥٠٣\".\n٢ راجع: طبقات ابن سعد \"٦/ ١٥٢ - ١٥٤\".\n٣ راجع: تهذيب الأسماء واللغات للنووي \"١/ ١/ ٨٩\"، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسُّنة والحديث للدكتور امتياز أحمد عميد كلية المعارف الإسلامية بجامعة كراتشي \"ص٤٣٨\" ومصادره.\n٤ راجع: طبقات ابن سعد \"٥/ ٧٧\"، \"٦/ ٢٣٣\"، تهذيب التهذيب \"٦/ ٩٤\" الجرح والتعديل \"١/ ٧١\" في المقدمة، وفي \"٣/ ١/ ٢٦\".","vol":"1","page":217},{"text":"- كتاب بشير بن نهيك \"٨٠هـ\" عن أبي هريرة١.\n- صحيفة سعيد بن جبير \"٩٥هـ\" عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما، ويقال: إنه جمع تفسيرًا للقرآن بأمر من الخليفة عبد الملك، واحتفظ بهذا التفسير في مكتبة القصر بعد موته٢.\n- نسخة شهر من حوشب الأشعري \"١٠٠هـ\" عن أبي هريرة وعائشة وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وغيرهم٣.\n- نسخة حبان بن جزء السلمي \"١٠٠هـ\" عن ابن عمر وأبي هريرة٤.\n- نسخة عقبة بن أبي الحسناء عن أبي هريرة٥.\nكتاب خالد بن معدان الكلاعي \"١٠٣هـ\" يتضمن مجموعة ضخمة من الأحاديث جمعها من الصحابة وجعلها في كتاب مجلد بلوحين من الخشب وملتحمين معًا. وورثها تلميذه بشير بن سعد٦.\n- صحيفة الحسن البصري \"١١٠هـ\" قال عفان بن مسلم: \"إنها كانت في حجم إبهامين وبنصرين إذا ضممناهما معًا\"، وكانت له كتب عديدة غير هذه الصحيفة الشهيرة عند المحدثين٧.\n_________\n١ راجع: تقييد العلم \"١٠١\"، وتهذيب التهذيب \"١/ ٤٧٠\"، سنن الدارمي \"١/ ١٢٧\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧٢\"، طبقات ابن سعد \"١/ ١٦٢\".\n٢ راجع: طبقات ابن سعد \"٦/ ٢١، ١٧٩، ١٨٦\"، تقييد العلم \"٤٣، ٤٤، ١٠٢، ١٠٣\"، ميزان الاعتدال \"٣/ ٧\" رقم \"٥٦٣٨\"، الجرح والتعديل \"٣/ ١/ ٣٣٢\"، سنن الدارمي \"١/ ١٢٨\"، جامع بيان العلم \"١/ ٦٦\".\n٣ راجع: تهذيب التهذيب \"٤/ ٣٦٩\"، ١١/ ٣٧\"، تاريخ بغداد \"١١/ ٥٩\"، الجرح والتعديل \"٣/ ١/ ٩\".\n٤ راجع: تهذيب التهذيب \"٢/ ١٧١\"، الجرح والتعديل \"١/ ٢/ ٢٦٨\".\n٥ مجموعة أحاديث عقبة بن أبي الحسناء التي نقلها عن أبي هريرة عرفت باسم النسخة، وكانت نسخة منها عند الحافظ الذهبي. انظر: ميزان الاعتدال \"٧/ ٨٥\" ترجمة رقم \"٥٦٨٥\".\n٦ راجع: تذكرة الحفاظ \"١/ ٨٧، ١٦٦\"، الجرح والتعديل \"١/ ١/ ٤١٢\"، و\"١/ ٢/ ٣٥١\"، حلية الأولياء \"٥/ ٢١٨\"، تهذيب التهذيب \"٣/ ١١٩\".\n٧ راجع: جامع بيان العلم \"١/ ٧٤، ٧٥\"، طبقات ابن سعد \"٧/ ١/ ١١٥، ١١٦، ١٢٧\"، \"٧/ ٢/ ١٧\"، \"٧/ ٢/ ٣٥\"، الكفاية \"٣٤٩\"، \"٥٠٦\"، تقييد العلم \"١٠١\"، تهذيب التهذيب \"٢/ ٢٦٧ - ٢٦٩\"، تاريخ بغداد \"٨/ ١٣٨\"، تاريخ الطبري \"٣/ ٢٤٨٨ - ٢٤٩٣\".","vol":"1","page":218},{"text":"- نسخة قاسم بن عبد الرحمن الشامي، وقد نقلها تلميذه علي بن يزيد١.\n- نسخة عبد الله بن بريدة الأسلمي \"١١٥هـ\" أخذها عن والده وغيره من الصحابة٢.\n- نسخة سليمان بن موسى الأسدي \"١١٥هـ\" عن واثلة بن الأسقع٣.\n- صحيفة طلحة بن نافع \"١١٧هـ\" عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهما٤.\n- نسخة محمد بن سيرين، وقد نقلها عنه الأوزاعي٥.\n- صحيفة عطاء بن أبي رباح \"١١٧هـ\"، عن عدد من مشاهير الصحابة٦.\n- صحيفة محمد بن شهاب الزهري \"١٢٤هـ\" وعدد من الكتب في المغازي والحديث والأنساب، وبسبب اهتمام الزهري وتلاميذه بكتابة الحديث وإملائه عُرفوا باسم: \"أصحاب الكتب\"، وسُميت فترته باسم \"عصر الكتب\"، وقد ذكرت المصادر للزهري نحو عشرة كتب٧.\n- صحيفة همام بن منبه \"١٣١هـ\" عن شيخه أبي هريرة -﵁- ونقلها تليمذه معمر بن راشد، وحفظها عبد الرزاق بن همام منفصلة عن مصنفه الكبير،\n_________\n١ تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٢/ ٥٤\"، تهذيب التهذيب \"٧/ ٣٦٩\".\n٢ راجع: تهذيب التهذيب \"٦/ ١٥٨\"، مشاهير علماء الأمصار \"ص١٧٩\" رقم \"١٤١٥\".\n٣ راجع: تذكرة الحفاظ \"٤/ ٢٢٦\"، ميزان الاعتدال \"٢/ ٢٢٥\" رقم \"٣٥١٨\"، مشاهير علماء الأمصار \"ص١٧٩\" رقم \"١٤١٥\".\n٤ راجع: ميزان الاعتدال \"٢/ ٣٤٢\" رقم \"٤٠١٢\"، تهذيب التهذيب \"٤/ ٢٢٤\"، \"٥/ ٢٦\"، الجرح والتعديل \"٢/ ١/ ٤٧٥\".\n٥ تهذيب التهذيب \"٦/ ٢٤٠\".\n٦ راجع: تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١/ ٣٣٣\"، تهذيب التهذيب \"٣/ ٣٢٩\"، الجرح والتعديل \"١/ ١٣٠\" في المقدمة، وانظر: صحيح البخاري \"٢/ ٤٣\" كتاب البيوع، و\"٣/ ٢٤٠\" كتاب تفسير القرآن.\n٧ راجع: الجرح والتعديل \"٣/ ١/ ٣٨، ٣٩\"، تهذيب التهذيب \"١٠/ ٣٦٢\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٩٧، ١٠٥\"، تاريخ الإسلام \"٥/ ١٤٣\"، تاريخ الطبري \"٢/ ٤٢٨- ١٢٦٩\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧٣\"، الكفاية \"٣٨٧، ٣٨٨\"، تاريخ ابن عساكر \"٢/ ٤٣٨\"، \"٦/ ٣٧٩\"، وانظر: دلائل التوثيق المبكر للسُّنة للدكتور امتياز أحمد \"ص٤٨٠- ٤٩٥\".","vol":"1","page":219},{"text":"ثم أخذها تلميذاه: أحمد بن حنبل وأبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي١.\n- صحيفة هشام بن عروة بن الزبير \"١٤٦هـ\" عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وغيرهما٢.\n- وصحيفة حميد بن أبي حميد الطويل \"١٤٢هـ\"، نسخها من مخطوطة الأحاديث للحسن البصري٣.\nوأكتفي بما ذكرت من كتب وصحف ونسخ دوَّنَها التابعون عن الصحابة -﵃- وأما ما رُوي عن بعض التابعين من كراهة الكتابة، فقد علله بعض أهل العلم المعاصرين بأن المقصود بها كراهة كتابة الرأي، والأخبار التي وردت في النهي دون تخصيص تحمل على ذلك. قيل لجابر بن زيد \"ت٩٣هـ\": إنهم يكتبون رأيك. فقال مستنكرًا: \"يكتبون ما عسى أن أرجع عنه غدًا! \".\nولقد كانت الخشية من اندراس السُّنَّة وموت علمائها السبب الرئيسي الذي دفع عمر بن عبد العزيز \"ت١٠١هـ\" إلى تدوينها رسميًّا، فروى البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لايعلم؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا٤، وقال الزهري: \"أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطانه دفترًا\"، وكان الزهري أول مَن حقق رغبته واستجاب لدعوته٥.\n_________\n١ وقد طبعت هذه الصحيفة أكثر من طبعة؛ منها: طبعة دمشق \"١٣٧٢هـ-١٩٥٣م\" وأخرى بتحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب - الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، وقد حفظها عبد الرزاق بن همام الصنعاني \"٢١١هـ\" منفصلة عن مصنفه المعروف. راجع: الكفاية \"٣٢١\"، وراجع: مسند الإمام أحمد \"٢/ ٣١٢- ٣١٨\"، طبقات ابن سعد \"٥/ ٣٥٩\"، تهذيب التهذيب \"١١/ ٦٧\".\n٢ راجع: الكفاية \"٣٥٠، ٣٥٩، ٣٩٠، ٤٥٩\"، طبقات ابن سعد \"٥/ ٣٦٢\"، جامع بيان العلم \"١/ ٧٧\".\n٣ راجع: طبقات ابن سعد \"٧/ ١/ ١٢٦\"، \"٢/ ٢٠\"، تقييد العلم \"١٠١\"، تهذيب التهذيب \"٣/ ٣٩\"، ميزان الاعتدال \"٦١٠/ ١\" رقم \"٢٣٢٠\".\n٤ صحيح البخاري \"٣\" كتاب العلم في ترجمة الباب \"٣٤\" كيف يقبض العلم.\n٥ راجع: جامع بيان العلم \"١/ ٧٦\"، فتح المغيث للحافظ ولي الدين العراقي \"٢٣٩\"، الأموال لأبي عبيد \"ص٥٧٨ - ٥٨٠\".","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين</span>\nوضع التابعون ضوابط وأسسًا لضمان صحة النقل وتجنب التحريف والتبديل، وفي سبيل أن يكون تدوينهم عن الصحابة تدوينًا أمينًا لا يعتريه الشك أو الخطأ أو التحريف التزموا بهذه الضوابط والأسس الهامة، والتي منها ما يأتي:\n١- التثبت في السماع والأداء:\nقال أبو العالية التابعي الكبير: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله -ﷺ- فلم نرضَ حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم.\nوقال غيره: إني كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه١.\nوكانوا يتركون الرواية عن غير المتثبتين حتى وإن كانوا عدولًا. قال أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة أو قريبًا من المائة ما يؤخذ عن أحد منهم، وهم ثقات يقال: ليس من أهله٢.\n٢- معارضة كتبهم ومقابلتها:\nقال هشام بن عروة: قال لي أبي: أكتبتَ؟ قلت: نعم، قال: عارضتَ؟ قلت: لا، قال: لم تكتب.\nويقول يحيى بن أبي كثير: من كتب ولم يعارض كان كمن خرج من المخرج ولم يستنج٣.\nومن أمثلة العرض على الشيخ: قيل لنافع مولى عبد الله بن عمر: إنهم قد كتبوا حديثك، قال: فليأتوني حتى أقيمه لهم٤.\n_________\n١ سنن الدارمي \"١/ ١٤٠\".\n٢ المحدث الفاضل \"ص٤٠٧\".\n٣ المحدث الفاصل \"ص٤٤\".\n٤ أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني \"ص٧٨\" طبع ليدن.","vol":"1","page":221},{"text":"٣- حفظ كتبهم وصحائفهم في أماكن أمينة:\nمع معاودة النظر فيها ومراجعتها من حين لآخر: فحفظ الحسن بن علي صحيفة أبيه في صومعة لا يخرجها منها إلا عند الحاجة إليها١.\nوكان خالد بن معدان يتخذ لكتابه عرًى وأزرارًا حفظًا له٢. وكان قد لقي سبعين صحابيًّا.\nوكان قتادة يحفظ صحيفة جابر بن عبد الله حفظًا جيدًا٣، وقال الحسن البصري: إن لنا كتبًا نتعاهدها٤.\n٤- ومن الضوابط:\nأنهم كانوا لا يجيزون القراءة في كتاب يجدونه إلا إذا راجعوا هذا الكتاب بالسماع أو القراءة على الشيخ تجنبًا للتحريف، قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو ينظر فيه؟ قال: لا حتى يسمعه من ثقة٥.\nفعرف عنهم الاهتمام بما يُسمى بالسماع أو العرض. وأما طريق الوجادة فلم يكونوا يعتمدون عليها كثيرًا.\n_________\n١ العلل ومعرفة الرجال \"١/ ١٠٤\".\n٢ تذكرة الحفاظ \"١/ ٩٣\".\n٣ الطبقات الكبرى \"٧/ ٢/ ٢\".\n٤ تقييد العلم \"ص١٠٠\"، كتابة العلم \"ص١٢٥\".\n٥ الكفاية \"ص٥٣\".","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين</span>\nخطا التأليف والتصنيف خطوة أخرى على يد أئمة عاشوا في القرن الثاني وقليل من القرن الثالث، فقد رأى بعض هؤلاء أن يجمعوا الأحاديث التي رواها كل صحابي في موضوع واحد، فألفوا المسانيد، كما ألفوا في الرواة، وفي علل الحديث.\nأولًا: التأليف في المسانيد: ممن ألف في ذلك\nأبو داود الطيالسي \"١٣٣ - ٢٠٤هـ\" وأسد بن موسى \"ت٢١٢هـ\"، وعبيد الله بن موسى \"ت٢١٣هـ\"، ومسدد البصري \"ت٢٢٨هـ\"، ونعيم بن حماد \"ت١٢٨هـ\"، وأحمد بن حنبل \"١٦٤- ٢٤١هـ\"، وإسحاق بن راهويه \"١٦١- ٢٣٨هـ\"، وعثمان بن أبي شيبة \"١٥٦ - ٢٣٩هـ\".\nواقتصرت هذه المسانيد على حديث رسول الله -ﷺ- دون أقوال الصحابة والتابعين، وجمعت الحديث الصحيح والضعيف، ويصعب على القارئ التمييز بين هذه الأحاديث إلا إذا كان مؤهلًا لذلك خبرة ودراية١.\nوقد كان ذلك مع الاستمرار في المصنفات المرتبة على الموضوعات والتي جمعت الحديث المرفوع وآثار الصحابة والتابعين مثل: مصنف عبد الرزاق الصنعاني \"١٢٦- ٢١١هـ\"، ومصنف عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي \"ت٢٣٥هـ\".\nثانيًا: التأليف في الرواة\nتبع التدوين الشامل للأحاديث أو تعاصر معه التأليف في رواة الأحاديث وبيان شيوخهم الذين رووا عنهم وتلاميذهم الذين أخذوا منهم، وبيان أسمائهم\n_________\n١ راجع: السُّنَّة قبل التدوين \"ص٣٣٩\"، المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٥٩\".","vol":"1","page":223},{"text":"وكناهم وألقابهم وأنسابهم وموطنهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم، وبيان ما فيهم من جرح وتعديل.\nوممن ألف في ذلك في هذه الفترة: يحيى بن معين \"١٥٨- ٢٣٧هـ\" ألف \"تاريخ الرواة\" رتبه على حروف المعجم، وخليفة بن خياط الشيباني \"ت٢٤٠هـ\" ألف \"التاريخ\" في عشرة أجزاء، و\"طبقات الرواة\" ومحمد بن سعد كاتب الواقدي \"١٦٨- ٢٣٠هـ\" ألف كتابه \"الطبقات\"، وترجم فيه للصحابة على طبقاتهم فالتابعين، فمن بعده إلى وقته، والإمام أحمد بن حنبل \"١٦٨- ٢٤١هـ\" ألف \"التاريخ\" و\"لكنى\" و\"الجرح والتعديل\"، وعلي بن المديني \"١٦١ - ٢٣٤هـ\" ألف \"الأسامي والكنى\"، و\"معرفة من نزل من الصحابة على سائر البلدان\"١.\nثالثًا: التأليف في علل الحديث\nألفت في تلك الفترة مؤلفات تكشف الخلل الخفي في الإسناد أو المتن، وتميز الحديث الصحيح من غيره، وممن ألف في العلل:\nالإمام يحيى بن سعيد القطان \"ت١٩٨هـ\" ألف كتاب \"العلل\"، والإمام يحيى بن معين \"١٥٨- ٢٣٧هـ\" ألف \"التاريخ والعلل\" ذكر فيه بعض الرواة وبعض رواياتهم وبيَّن عللها، وعلي بن المديني \"١٦١- ٢٣٤هـ\" ألف \"العلل\"، والإمام أحمد بن حنبل \"١٦٨- ٢٤١هـ\" ألف \"علل الحديث ومعرفة الرجال\".\nوقد جاءت هذه المؤلفات بغير ترتيب لا على المسانيد ولا على الأبواب٢.\nرابعًا: التأليف في الموطآت\nممن ألف في الموطآت:\nأ- الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي،\n_________\n١ راجع: السُّنة قبل التدوين \"ص٢٦١ - ٢٧٦\"، المدخل إلى توثيق السُّنة \"ص٦٠\".\n٢ راجع: نشأة علوم الحديث ومصطلحه \"ص٢٢٣، ٢٢٤\"، المدخل إلى توثيق السُّنة \"ص٦١\".","vol":"1","page":224},{"text":"أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة، ورأس المتقين، وكبير المحدثين \"٩٣ - ١٧٩هـ\".\nوقد مكث الإمام مالك في تأليف كتابه \"الموطأ\" أربعين سنة كاملة ينقحه ويهذبه، ورتبه على الأبواب الفقهية، ومن عادته أنه يذكر عقب عنوان الباب الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- ثم ما ورد فيه من الآثار عن الصحابة والتابعين، وخاصة من أهل المدينة؛ لأنه لم يرحل عنها، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل، أو المجمع عليه في المدينة، وقد يتبع الحديث أحيانًا بتفسير كلمة لغويًّا أو بعض الجمل.\nفالموطأ خلاصة لجهود هذا الإمام المحدِّث الكبير خلال أربعين عامًا، فكان متقنًا في بابه، وكان -رحمه الله تعالى- يتحرى في المتون وينتقي في الأسانيد، وقد بيَّن العلماء -سلفًا وخلفًا- أن أحاديث الموطأ كلها صحيحة، وأن أسانيده وردت متصلة جميعًا، فلا يوجد في الموطأ حديث مرسل ولا منقطع إلا وقد اتصل سنده من طرق أخرى، كما قرر العلماء، ومنهم أبو عمر بن عبد البر في كتابه \"التقصي في مسند حديث الموطأ ومرسله\".\nوقديمًا قال الإمام الشافعي: \"ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك\"، وفي رواية: \"ما بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطأ مالك\"، وفي رواية: \"ما بعد كتاب الله أنفع من الموطأ\"، وفي رواية: \"ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك\".\nب- عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم، أبو محمد، المصري، الفقيه، الحافظ، العابد \"١٢٥- ١٩٧هـ\"، وكتابه \"الموطأ\" أشار إليه غير واحد من الأئمة والحفاظ منهم ابن حجر العسقلاني في \"التلخيص الحبير\"، والزيلعي في \"نصب الراية\".","vol":"1","page":225},{"text":"ولم يطبع \"موطأ\" عبد الله بن وهب كاملًا إلى الآن١.\nولم يلتزم ابن وهب في هذا المصنف برواية الأحاديث الصحيحة والمرفوعة؛ وإنما جمع فيه الصحيح والحسن، والضعيف، والمرفوع، والمرسل، والموقوف، والمقطوع.\n_________\n١ وقد شرفت بتحقيق جزء منه بالاشتراك مع فضيلة الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، طبع ونشر دار الوفاء بالقاهرة، وموطأ ابن وهب مرتب على الأبواب الفقهية، مثل موطأ الإمام مالك، وقد بلغ عدد الروايات في هذه القطعة من موطأ ابن وهب \"٥٢٦\" خمسمائة وستًّا وعشرين رواية.\nكما طبع جزء آخر منه بتحقيق الدكتور مصطفى حسن حسين محمد أبو الخير بجامعة الأزهر \"رسالة الدكتوراه له\".\nوجاء في مجلدين واشتمل على \"٧١٧\" حديثًا، منه الصحيح، ومنه الحسن، ومنه الضعيف \"دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع بالمملكة العربية السعودية\" الطبعة الأولى \"١٤١٦هـ-١٩٩٦م\".","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في الحديث وعلومه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>مدخل</span>\n...\nالفصل السابع: الأئمة الأربعة وأثرهم في الحديث وعلومه\nلقد امتن الله تعالى على هذه الأئمة بأئمة قيضهم لحفظ دينه، ومكنهم من معرفة كتابه وسنة رسوله -ﷺ- وجندهم لخدمة الإسلام والمسلمين، فألهمهم حفظ القرآن الكريم ومعرفة علومه، وأعانهم على حفظ الحديث الشريف ومعرفة طرقه وعلومه، فبلغوا في ذلك درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب، فكانوا مصابيح الهدى لغيرهم في الاجتهاد والفتوى والتبصير بأمور الدين والدنيا معًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.\nوقد شهد لهم المتخصصون من معاصريهم ولاحقيهم بالإمامة في الفقه والحديث، وأقروا لهم بالفضل والتقوى والورع، وهي شهادات تدل بوضوح على دور هؤلاء الأئمة في خدمة الحديث الشريف وعلومه، فلا يغرنك إرجاف المرجفين وزعم الزاعمين.\nالنعمان بن ثابت التتيمي أبو حنيفة الكوفي \"٨٠- ١٥٠هـ\"١ إمام الأئمة، سراج الأمة، ذو مناقب جمة، اعترف بجلالته أجلة العلماء الأعلام، أثنوا عليه بسَعَة العلم ودقة الفهم. قال التهانوي: \"وإمامنا الأعظم قد ثبتت رؤيته لبعض الصحابة، واختلف في روايته عنهم. قال الإمام علي القاري: والمعتمد ثبوتها، وقد صرح برؤيته لأنس وكونه تابعيًّا على المختار جمع عظيم من المحدثين وأهل\n_________\n١ رجع ترجمته في تهذيب الكمال \"٢٩/ ٤١٧- ٤٤٥\"، طبقات ابن سعد \"٦/ ٣٦٨\"، \"٧/ ٣٢٢\"، تاريخ الدوري \"٢/ ٦٠٧\"، طبقات خليفة \"ص١٦٧- ٣٢٧\"، التاريخ الصغير \"٢/ ١٠٠، ٤٣، ٢٣٠\"، المحلى لابن حزم \"٢/ ١٤١\"، \"٨/ ٢٧٢\"، سير أعلام النبلاء \"٦/ ٣٩٠- ٤٠٣\"، تاريخ الإسلام \"٦/ ١٣٥\"، الكاشف \"٣/ رقم ٥٩٤٣\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ١٦٨\"، تهذيب التهذيب \"١٠/ ٤٤٩ - ٤٥٢\"، التقريب \"٢/ ٣٠٣\"، شذرات الذهب \"١/ ٢٢٧ - ٢٢٩\"، الجواهر المضيئة \"١/ ١٦٨\"، النجوم الزاهرة \"٢/ ١٢\"، مرآة الجنان \"١/ ٣٠٩\"، البداية والنهاية \"١٠/ ١٠٧\"، وفيات الأعيان \"٥/ ٤١٥- ٤٢٣\"، الكامل في التاريخ \"٥/ ٤٥٩، ٥٨٥\"، تاريخ بغداد \"١٣/ ٣٢٣، ٣٢٤\" الجرح والتعديل \"٨/ ٤٤٩ - ٤٥٠\" رقم \"٢٠٦٢\"، التاريخ الكبير \"٨/ ٨١\" رقم \"٢٢٥٣\".","vol":"1","page":227},{"text":"العلم بالأخبار\"، وذكر منهم: ابن سعد، والذهبي، وابن حجر، والعراقي، والسيوطي، والمزي، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي، وابن عبد البر، والسمعاني، والنووي، وعبد الغني المقدسي، والجزري، والقسطلاني، والعيني، وغيرهم من الأئمة والحفاظ١، فهو تابعي مندرج في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [التوبة: ١٠٠] .\nوقال عبد الرزاق بن همام: ما رأيت أحدًا قط أحلم من أبي حنيفة، لقد رأيته في المسجد الحرام والناس يتحلقون حوله إذ سأله رجل عن مسألة، فأفتاه بها، فقال له رجل: قال فيها الحسن كذا وكذا، وقال فيها عبد الله بن مسعود كذا، فقال أبو حنيفة: أخطأ أبو الحسن وأصاب عبد الله بن مسعود، فصاحوا به. قال عبد الرزاق فنظرت في المسألة، فإذا قول ابن مسعود فيها كما قال أبو حنيفة، وتابعه أصحاب عبد الله بن مسعود٢.\nوسأل رجل سفيان الثوري عن مسألة في الحج فقال له الرجل: إن أبا حنيفة قال فيها كذا، فقال سفيان: هو كما قال أبو حنيفة، ومَن يقول غير هذا!\nولم يكن سفيان الثوري ممن يداهن أو يجامل على حساب الفقه والدين٣.\nوقد قال عبد الله بن المبارك: ما رأيت أحدًا أتقى لله من سفيان الثوري، ولا رأيت أحدًا أعقل من أبي حنيفة٤.\nوكان ابن المبارك يذكر عن أبي حنيفة كل خير ويزكيه ويقرظه ويثني عليه٥.\n_________\n١ قواعد في علوم الحديث \"ص٣٠٦\".\n٢ الانتقاء في فضائل الأئمة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة، لابن عبد البر \"ص١٣٥\" طبع مطبعة المعاهد بمصر - الناشر مكتبة القدسي.\n٣ المصدر السابق \"ص١٢٧، ١٢٨\".\n٤ المصدر السابق \"ص١٣١\".\n٥ المصدر السابق \"ص١٣١\".","vol":"1","page":228},{"text":"وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: مَن أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة١.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن الحسن بن صالح بن حي قال: كان النعمان بن ثابت فهمًا عالمًا متثبتًا في علمه إذا صح عنده الخبر عن رسول الله -ﷺ- لم يعده إلى غيره٢.\nوقد بلغ في الفقه والعلم والحفظ درجة تدعو إلى الدهشة والإعجاب حتى قال ابن شبرمة: عجزت النساء أن تلد مثل النعمان٣. وقد كان مع هذا الفقه الكثير والعلم الغزير يحيي الليل ويقومه٤.\nوقال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: ما رأيت مثل وكيع، وكان يفتي برأي أبي حنيفة٥.\nوقد نال من الثناء والتقدير ما لم ينله كثيرون من الأئمة أهل الفقه والعلم، ولما كان له الفضل في كثير من العلم والفقه نال منه حاسدوه والحاقدون عليه.\nوقال حاتم بن آدم: قلت للفضل بن موسى السيناني: ما تقول في هؤلاء الذين يقعون في أبي حنيفة؟ قال: إن أبا حنيفة جاءهم بما يعقلونه، وبما لا يعقلونه من العلم، ولم يترك لهم شيئًا فحسدوه٦.\nوقال عيسى بن يونس: لا تتكلمن في أبي حنيفة بسوء، ولا تصدقن أحدًا يسيء فيه القول، فإني والله ما رأيت أفضل منه، ولا أورع منه، ولا أفقه منه٧.\n_________\n١ المصدر السابق \"ص١٣٦\".\n٢ المصدر السابق \"ص١٢٨\".\n٣ المصدر السابق \"ص١٣١\".\n٤ المصدر السابق \"ص١٢٥\".\n٥ المصدر السابق \"ص١٣٦\".\n٦ المصدر السابق \"ص١٣٦\".\n٧ المصدر السابق \"ص١٣٧\".","vol":"1","page":229},{"text":"وقال الحكم بن هشام: كان أبو حنيفة لا يرد حديثًا ثبت عنده عن رسول الله، وكان من أعظم الناس أمانة، وأراده السلطان على أن يوليه مفاتيح خزانته فأبَى واختار ضربهم وحبسهم على عذاب الله. فقال له رجل: والله ما رأيت أحدًا وصفه بما وصفته، فقال: هو والله ما قلت لك١.\nوقال إبراهيم بن عبد الله الخلال: \"سمعت عبد الله بن المبارك يقول -وذُكر عنده أبو حنيفة فقال: أتذكرون رجلًا عُرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففر منها!! ٢\nوقد أراده أبو جعفر ليوليه القضاء، فأبَى، فأمر به إلى السجن، فمات في السجن، ودفن في مقابر الخيزران رحمة الله عليه٣.\nوقال روح بن عبادة: كنت عند ابن جريج سنة خمس ومائة، فقيل له: مات أبو حنيفة، فقال: ﵀ قد ذهب معه علم كثير٤.\nوكان شعبة بن الحجاج حسن الرأي في أبي حنيفة، ولما قيل له: مات أبو حنيفة، قال شعبة: لقد ذهب معه فقه الكوفة تفضل الله علينا وعليه برحمته٥.\nشروط أبي حنيفة في قبول خبر الواحد:\n١- ألا يخالف السُّنة المشهورة سواء كانت فعلية أم قولية.\n٢- ألا يخالف المتوارث بين الصحابة والتابعين في أي بلد.\n٣- ألا يخالف عموم الكتاب أو ظاهره؛ لأن الكتاب قطعي فيقدم على الظني.\n_________\n١ المصدر السابق \"ص١٦٩، ١٧٠\".\n٢ المصدر السابق \"ص١٦٨\".\n٣ المصدر السابق \"ص١٧١\" بتصرف.\n٤ المصدر السابق \"ص١٣٥\".\n٥ المصدر السابق \"ص١٢٦، ١٢٧\".","vol":"1","page":230},{"text":"٤- أن يكون راوي الخبر فقيهًا إذا خالف الحديث قياسًا جليًّا؛ لأن غير الفقيه تحتمل روايته على المعنى، فيكون قد أخطأ فيها.\n٥- ألا يكون فيما تعم به البلوى، ومنه الحدود والكفارات التي تُدرأ بالشبهات؛ لأن العادة قاضية بأن يسمعه الكثير غير الواحد، فلا بد بذلك أن يشتهر وتتلقاه الأمة بالقبول.\n٦- ألا يسبق طعن أحد من السلف فيه، وألا يترك أحد المختلفين من الصحابة الاحتجاج بالخبر الذي رواه.\n٧- ألا يعمل الراوي بخلاف خبره؛ كحديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، فإنه مخالف لفتوى أبي هريرة؛ لذلك ترك أبو حنيفة العمل به.\n٨- ألا يكون الراوي منفردًا بزيادة المتن أو السند، إلا إذا كان هذا الراوي ثقة؛ لأن العمل برواية الثقات أحوط في دين الله تعالى.","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي </span>١:\nهو: أبو عبد الله، المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومائة \"١٧٩هـ\"، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة.\nوهبه الله تعالى علمًا وفقهًا، وامتن عليه كثرة الحفظ وسيلان الذهن، وأسبغ عليه جزيل نعمه، حتى بلغ إمام الأئمة وشيخ الإسلام وحجة الأمة، وإمام دار الهجرة، ضرب له العلماء أكباد الإبل من كل حَدَب وصوب؛ لينهلوا من فقهه وعلمه، ونال تقدير الأئمة والعلماء المعاصرين له واللاحقين به، وأثنوا عليه ثناء لم يحظَ به غيره.\nروى الحميدي عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة\".\nقال ابن عبد البر معلقًا على هذا الحديث: \"وهذا الحديث لا يرويه أحد\n_________\n١ راجع ترجمته في: سير أعلام النبلاء \"٨/ ٤٨ - ١٣٥\"، تهذيب الكمال \"٢٧/ ٩١- ١٢٠\"، تاريخ خليفة بن خياط \"١/ ٤٣٢\"، \"٢/ ٧١٩\"، طبقات خليفة \"ص٢٧٥\"، الحلية \"٦/ ٣١٦\"، أنساب العرب لابن حزم \"١/ ٤٣٥، ٤٣٦\"، الانتقاء لابن عبد البر \"ص٩ - ٣٦\"، ترتيب المدارك \"١/ ١٠٢- ٢٥٤\"، تذكرة الحفاظ لابن عبد الهادي \"٤٩/ ٢\"، صفة الصفوة \"٢/ ١٧٧- ١٨٠\"، تهذيب الأسماء واللغات \"٢/ ٧٥- ٧٩\"، وفيات الأعيان \"٤/ ١٣٥ - ١٣٩\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٢٠٧- ٢١٣\"، العبر للذهبي \"١/ ٢٧٢\"، مرآة الجنان لليافعي \"١/ ٣٧٣- ٣٧٧\"، البداية والنهاية \"١٠/ ١٧٤- ١٧٥\"، الديباج المذهب \"١/ ٥٥- ١٣٩\"، تهذيب التهذيب \"١٠/ ٥\"، النجوم الزاهرة \"٢/ ٩٦- ٩٧\"، التاريخ الكبير \"٧/ ٣١٠\"، التاريخ الصغير \"٢/ ٢٢٠\"، الطبقات الكبرى للشعراني \"ص٤٥\"، شذرات الذهب \"٢/ ١٢- ١٥\"، الكاشف \"٣/ ١١٢\"، تاريخ ابن معين \"٢/ ٥٤٣- ٥٤٦\"، الأنساب \"١/ ٢٨٧\"، اللباب \"١/ ٦٩\"، مروج الذهب \"٣/ ٣٥٠\"، طبقات الحفاظ \"ص٨٩\"، طبقات القراء \"٢/ ٣٥\"، الكامل لابن الأثير \"٥/ ٥٣٢\"، \"٦/ ٥٠، ١٤٧، ٢٢٦، ٢٣٤، ٤٣٦\"، \"٩/ ٢٥٧\"، \"١١/ ٢٩٢\"، ثقات ابن حبان \"٧/ ٤٥٩\"، رجال البخاري للباجي \"٢/ ٦٩٦\"، الجمع بين رجال الصحيحين \"٢/ ٤٨٠\".","vol":"1","page":232},{"text":"بهذا الإسناد وهم أئمة كلهم: سفيان بن عيينة إمام، وابن جريج مثله وأجل منه، وأبو الزبير حافظ متقن، وإن كان بعض الناس تكلم فيه، وأبو صالح السمان أحد ثقات التابعين\"١.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن سفيان بن عيينة أنه قال: نرى هذا الحديث الذي يروى عن رسول الله -ﷺ- أنه مالك بن أنس. وفي رواية قال: أراه مالكًا، وأقام سفيان على ذلك زمانًا ثم رجع عنه بعد ذلك فقال: أراه عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد، قال ابن عبد البر: ليس العمري هذا ممن يلحق في العلم والفقه بمالك بن أنس، وإن كان عابدًا شريفًا٢.\nوقال علي بن المديني: قال سفيان بن عيينة: رحم الله مالكًا ما كان أشد انتقاءه للرجال٣.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن يحيى بن معين يقول: قال سفيان بن عيينة: وما نحن عند مالك بن أنس؟ إنما كنا نتتبع آثار مالك وننظر الشيخ إذا كان كتب عن مالك كتبنا عنه٤.\nوروى ابن عبد البر عن سفيان بن عيينة أنه ذكر مالك بن أنس -﵁- فقال: كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحًا ولا يحدث إلا عن ثقات الناس وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس٥.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن الشافعي قوله: إذا جاء الحديث عن مالك فشُدَّ به يديك.\n_________\n١ الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء، لابن عبد البر \"ص١٩\" طبع مطبعة المعاهد بمصر - الناشر مكتبة القدسي.\n٢ المصدر السابق \"ص١٩، ٢١\".\n٣ المصدر السابق \"ص٢١\".\n٤ المصدر السابق \"ص٢١، ٢٢\".\n٥ المصدر السابق \"ص٢١، ٢٢\".","vol":"1","page":233},{"text":"وقوله: إذا جاءك الخبر فمالك النجم.\nوقوله: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن عليَّ من مالك بن أنس.\nوقوله: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذت العلم.\nوقوله: كان مالك بن أنس إذا شك في الحديث طرحه كله١.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن علي بن المديني، عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: أخبرني وهيب بن خالد، وكان من أبصر الناس بالحديث والرجال، أنه قدم المدينة قال: فلم أرَ أحدًا إلا يعرف وينكر إلا مالكًا ويحيى بن سعيد الأنصاري. قال عبد الرحمن بن مهدي: لا أقدم على مالك في صحة الحديث أحدًا٢.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن علي بن المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما في القوم أصح حديثًا من مالك -يعني بالقوم: الثوري والأوزاعي وابن عيينة- قال: ومالك أحب إلَيَّ من معمر٣.\nوقال يحيى بن سعيد: سفيان وشعبة ليس لهما ثالث إلا مالك٣.\nوبنفس الإسناد عن يحيى بن سعيد القطان قال: \"كان مالك بن أنس إمامًا في الحديث\"٣.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن عبد الله بن وهب قال: لولا أني أدركت مالكًا والليث بن سعد لضللتُ، وفي رواية قال أبو جعفر الأيلي: سمعت ابن وهب ما لا أحصي يقول: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت.\nوفي رواية قال هارون بن سعيد الأيلي: سمعتُ ابن وهب -وذكر اختلاف الأحاديث والروايات- فقال: لولا أن لقيتُ مالكًا لضللت٤.\n_________\n١ راجع هذه الروايات بأسانيدها في الانتقاء \"ص٢٣\".\n٢ المصدر السابق \"ص٢٥\".\n٣ المصدر السابق \"ص٢٦\".\n٤ المصدر السابق \"ص٢٧، ٢٨\".","vol":"1","page":234},{"text":"وقال عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة١.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أحدًا أعقل من مالك بن أنس ﵁ وأرضاه٢.\nوسأل أبو زرعة الدمشقي الإمام أحمد بن حنبل عن سفيان ومالك إذا اختلفا في الرواية، فقال: مالك أكبر في قلبي، فقال له: فمالك والأوزاعي إذا اختلفا، فقال: مالك أحب إلَيَّ وإن كان الأوزاعي من الأئمة٣.\nوأول ما حفظ أبو زرعة الرازي حفظ حديث مالك، ووعاه كله وكذا رأي٤.\nوقال ابن أبي مريم: قلت ليحيى بن معين: الليث أرفع عندك أو مالك؟ قال: مالك. قلت: أليس مالك أعلى أصحاب الزهري؟ قال: نعم، قلت: فعبيد الله أثبت في نافع أو مالك؟ قال: مالك أثبت الناس.\nوقال يحيى بن معين: كان مالك من حجج الله على خلقه٥.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن البخاري قوله: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي، كنيته أبو عبد الله، كان إمامًا، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري٦.\nوروى ابن عبد البر بسنده عن أحمد بن شعيب النسائي قوله: أمناء الله -﷿- على علم رسوله ﵇: شعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، ويحيى بن\n_________\n١ المصدر السابق \"ص٢٨\".\n٢ المصدر السابق \"ص٢٩\".\n٣ المصدر السابق \"ص٣٠\".\n٤ المصدر السابق \"ص٣٢\".\n٥ المصدر السابق \"ص٣١\".\n٦ المصدر السابق \"ص٣١\".","vol":"1","page":235},{"text":"سعيد القطان، قال: والثوري إمام إلا أنه كان يروي عن الضعفاء، قال: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس، ولا أحد آمن على الحديث منه، ثم شعبة في الحديث، ثم يحيى بن سعيد القطان، ليس بعد التابعين آمن على الحديث من هؤلاء الثلاثة، ولا أقل رواية عن الضعفاء منهم١.\nوقال أبو زرعة الرازي: أول شيء أخذ نفسي بحفظه من الحديث حديث مالك، فلما حفظته ووعيته طلبت حديث الثوري وشعبة وغيرهما، فلما تناهيت في حفظ الحديث نظرت في رأي مالك والثوري والأوزاعي وكتبت كتب الشافعي٢.\nوقال أبو داود السجستاني: رحم الله مالكًا كان إمامًا، رحم الله الشافعي كان إمامًا، رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا٣.\n_________\n١ المصدر السابق \"ص٣١\".\n٢ الانتقاء لابن عبد البر \"ص٣٢\".\n٣ المصدر السابق \"ص٣٢\".","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الإمام الشافعي \"١٥٠-٢٠٤ه</span>ـ\" ١:\nهو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ... إلخ، فيجتمع مع النبي -ﷺ- في عبد مناف.\nلم يظهر في علماء الإسلام مثله في فقه الكتاب والسنة، ودقة الاستنباط، وإقامة الحجة، وقوة البرهان والدليل، فكان مرجع أهل العلم في زمانه؛ حيث رحلوا إليه من كل حَدَب وصوب، ووفدوا إليه من كل فج عميق؛ لينهلوا من علمه، ويغترفوا من فقهه.\nوتواترت أخباره بين علماء عصره، وبلغ في الفقه والاستنباط وقوة الحجة درجة تدعو إلى الدهشة والإكبار حتى نال -بكل جدارة- لقب \"ناصر السُّنَّة\"، وحتى قال الإمام أحمد بن حنبل: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث.\nرحل إلى مالك بن أنس في المدينة ولازمه وأخذ عنه الفقه والعلم، كما رحل إلى العراق ثلاث مرات٢ -حيث أبي حنيفة- فأخذ الفقه والعلم، فاجتمع له\n_________\n١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال \"٢٤/ ٣٥٥- ٣٨١\"، سير أعلام النبلاء \"١٠/ ٥- ٩٩\"، التاريخ الكبير \"١/ ٤٢\"، التاريخ الصغير \"٢/ ٣٠٢\"، الجرح والتعديل \"٧/ ٢٠١\"، حلية الأولياء \"٩/ ٦٣- ١٦١\"، الانتقاء \"ص٦٥- ١٢١\"، تاريخ بغداد \"٢/ ٥٦- ٧٣\"، طبقات الفقهاء للشيرازي \"ص٤٨ - ٥٠\"، طبقات الحنابلة \"١/ ٢٨٠\"، ترتيب المدارك \"٢/ ٣٨٢\"، الأنساب \"٧/ ٢٥١- ٢٥٤\"، تاريخ ابن عساكر \"١٤/ ٣٩٥ - ٤١٨\"، \"١٥/ ١- ٢٥\"، صفة الصفوة \"٢/ ٩٥\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٤٤- ٦٧\"، وفيات الأعيان \"٤/ ١٦٣-١٦٩\"، تذكرة الحفاظ \"١/ ٣٦١-٣٦٣\"، الكاشف \"٣/ ١٧\"، الوافي بالوفيات \"٢/ ١٧١-١٨١\"، مرآة الجنان \"٢/ ١٣ - ٢٨\"، البداية والنهاية \"١٠/ ٢٥١- ٢٥٤\"، الديباج المذهب \"٢/ ١٥٦- ١٦١\"، تهذيب التهذيب \"٩/ ٢٥\"، النجوم الزاهرة \"٢/ ١٧٦، ١٧٧\"، طبقات الحفاظ \"ص١٥٢\"، حسن المحاضرة \"١/ ٣٠٣، ٣٠٤\"، طبقات المفسرين \"٢/ ٩٨\"، مفتاح السعادة ٢/ ٨٨ - ٩٤\"، طبقات الشافعية لابن هداية الله \"١١- ١٤\"، شذرات الذهب \"٢/ ٩- ١١\"، مناقب الشافعي للشيرازي.\n٢ دخل الشافعي بغداد ثلاث مرات: الأولى في شبابه سنة \"١٨٤هـ\"، وقيل: قبلها في خلافة هارون الرشيد، والثانية سنة \"١٩٥هـ\" ومكث سنتين، والثالثة سنة \"١٩٨هـ\" فأقام بها شهرًا ثم خرج إلى مصر؛ حيث دخلها سنة \"١٩٩هـ\" وأقام بها حتى مات رحمة الله عليه.","vol":"1","page":237},{"text":"علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، وتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره.\nكان -رحمه الله تعالى- ذا فصاحة وبلاغة وبيان وحسن أدب. قال الإمام داود بن علي الظاهري: قال لي إسحاق بن راهويه: ذهبت أنا وأحمد بن حنبل إلى الشافعي بمكة فسألته عن أشياء، فوجدته فصيحًا حسن الأدب، فلما فارقناه أعلمني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه بمعاني القرآن، وأنه قد أُوتي فيه فهمًا، فلو كنت عرفته للزمته. قال داود: ورأيته يتأسف على ما فاته منه.\nوقال يحيى بن سعيد القطان: إني لأدعو للشافعي في الصلاة وغيرها منذ أربع سنين لما أظهر من القول بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو فيها للشافعي٢.\nوقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: لولا الشافعي ما عرفت كيف أرد على أحد، وبه عرفت ما عرفت، وهو الذي علمني القياس -﵀- فقد كان صاحب سُنة وأثر وفضل وخير مع لسان فصيح طويل وعقل صحيح رصين٣.\nوقال أيضًا: قال لي أبي: الزم هذا الشيخ -يعني محمد بن إدريس الشافعي- فما رأيت أبصر بأصول العلم، أو قال: أصول الفقه منه٤.\nوقال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال لي: تعالَ حتى أريك رجلًا لم ترَ عيناك مثله، فأراني الشافعي٥.\n_________\n١ الانتقاء في فضل الأئمة الثلاثة الفقهاء \"ص٧٢\".\n٢ المصدر السابق \"ص٧٦\".\n٣ المصدر السابق \"ص٧٣\"\n٤ المصدر السابق \"ص٧٣\".\n٥ المصدر السابق \"ص٧٤\".","vol":"1","page":238},{"text":"وقال إسحاق أيضًا: محمد بن إدريس الشافعي عندنا إمام١.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: يا أبة! أي رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر الدعاء الدعاء له، فقال: يا بني! كان الشافعي -﵀- كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض أو خلف؟ ٢\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أحد من أصحاب الحديث حمل محبرة إلا وللشافعي عليه مِنَّة٣.\nوقال هارون بن سعيد الأيلي الثقة الفاضل: ما رأيت مثل الشافعي قط، ولقد قدم علينا مصر فقالوا: قدم رجل من قريش فقيه، فجئناه وهو يصلي، فما رأينا أحسن وجهًا منه ولا أحسن صلاة فافتتنَّا به، فلما قضى صلاته تكلم فما رأينا أحسن منطقًا منه٤.\nوقال هارون أيضًا: لو أن الشافعي ناظر على أن هذا العمود الذي من الحجارة من خشب لأثبت ذلك؛ لقدرته على المناظرة٥.\nوكان إذا جاء سفيان بن عيينة شيء من التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي وقال: سلوا هذا، ولما بلغه خبر موت الشافعي قال -أي ابن عيينة: إن مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه٦.\nوقد ولد -رحمه الله تعالى- بغزة سنة \"١٠٥هـ\" ومات ليلة الجمعة، ودفن بعد عصر ذاك اليوم الموافق آخر يوم من شهر رجب \"٢٠٤هـ\" ﵁.\n_________\n١ المصدر السابق \"ص٧٧\".\n٢ المصدر السابق \"ص٧٤، ٧٥\".\n٣ المصدر السابق \"ص٧٦\".\n٤ المصدر السابق \"ص٨٧، ٨٨\".\n٥ المصدر السابق \"ص٨٨\".\n٦ المصدر السابق \"ص٧٠\".","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي ثم البغدادي \"١٦٤-٢٤١ه</span>ـ\" ١:\nخُرج به من مرو حملًا، وولد بغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.\nومناقبه -رحمه الله تعالى- أكثر من أن تُحصى أو تستقصى، ويمكننا الوقوف على بعض هذه المناقب من خلال تأمل بعض ما جاء على ألسنة الأئمة وأهل الفضل والعلم، وما نقله الحافظ الذهبي في كتابه \"سير أعلام النبلاء\" في ترجمة الإمام أحمد.\nقال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل.\nوقال قتيبة بن سعد: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب -يعني أحمد بن حنبل- وإذا رأيت رجلًا يحب أحمد، فاعلم أنه صاحب سُنة، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث، لكان هو المقدم عليهم. فقيل لقتيبة: يُضم أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبار التابعين.\nوقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.\nوعدَّه الشافعي من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا وكلما قال شيئًا صدقه الكبار٢.\n_________\n١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال \"١/ ٤٣٧- ٤٧٠\"، سير أعلام النبلاء \"١١/ ١٧٧- ٣٥٨\"، طبقات ابن سعد \"٧/ ٣٥٤، ٣٥٥\"، التاريخ الكبير \"٢/ ٥\"، التاريخ الصغير \"٢/ ٣٧٥\"، الجرح والتعديل \"١/ ٢٩٢- ٣١٣\"، \"٢/ ٦٨- ٧٠\"، حلية الأولياء \"٩/ ١٦١ - ٢٣٣\"، تاريخ بغداد \"٤/ ٤١٢- ٤٢٣\"، طبقات الحنابلة \"١/ ٤- ٢٠\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١١٠ - ١١٢\"، وفيات الأعيان \"١/ ٦٣- ٦٥\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٤٣١\"، العبر \"١/ ٤٣٥\"، تذهيب التهذيب \"١/ ٢٢\"، الوافي بالوفيات \"٦/ ٣٦٣- ٣٦٩\"، مرآة الجنان \"٢/ ١٣٢\"، طبقات الشافعية للسبكي \"٢/ ٢٧ - ٣٧\"، البداية والنهاية \"١٠/ ٣٢٥- ٣٤٣\"، النجوم الزاهرة \"٢/ ٣٠٤ - ٣٠٦\"، طبقات الحفاظ \"ص١٨٦\"، شذرات الذهب \"٢/ ٩٦ - ٩٨\"، طبقات المفسرين \"١/ ٧٠\"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة \"١/ ٦٩ - ٧١\".\n٢ راجع: التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة \"١/ ٦٩\" لأبي المحاسن محمد بن علي الحسيني \"٧١٥-٧٦٥هـ\" الناشر مكتبة الخانجي - بتحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.","vol":"1","page":240},{"text":"وقال علي بن خَشْرم: سمعت بشر بن الحارث يقول: أنا أُسأل عن أحمد بن حنبل؟ إن أحمد أُدخل الكير فخرج ذهبًا أحمر.\nوقال عمرو الناقد: إذا وافقني أحمد بن حنبل على حديث، لا أبالي من خالفني.\nوقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد إمامًا فيما بيني وبين الله.\nوساق الحافظ ابن كثير أيضَا في \"تاريخه\"١ جملة من ثناء أهل العلم عليه، فقال:\nقال يحيى بن سعيد القطان شيخ أحمد: ما قدم عليَّ من بغداد أحد أحب إلَيَّ من أحمد بن حنبل.\nوقال علي بن المديني: إن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة٢.\nوقال أيضًا: إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبالِ إذا لقيت ربي كيف كان.\nوقال أيضًا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله ﷿.\nوقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا، وكان زاهدًا، وكان عاقلًا.\nوقال أيضًا: أراد الناس أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله، ولا نطيق سلوك طريقه.\nوقال أبو بكر بن أبي داود: أحمد بن حنبل مُقدَّم على كل مَن يحمل بيده قلمًا ومحبرة.\n_________\n١ البداية والنهاية \"١٠/ ٣٥٠\".\n٢ التذكرة \"١/ ٦٩\".","vol":"1","page":241},{"text":"وقال أبو زرعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أفقه منه.\nولأحمد بن حمدان الحراني في كتابه \"صفة الفتوى والمفتي والمستفتي\"١ كلام حسن أعقبه بنقل بعض أقوال الأئمة والعلماء في الإمام أحمد ثم مؤلفات الإمام أحمد.\nقال أحمد بن حمدان: ولما كان من اللازم الالتزام بأهل الدين وعلماء الشريعة المبرزين، وأكابر الأئمة المتبعين المتبوعين، والمشهورين من المحققين المحقين المتدينين الورعين، والموفقين المسددين المرشدين، وكان الإمام العالم السالك الناسك الكامل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل -﵁- قد تأخر عن أئمة المذاهب المشهورة، ونظر في مذاهبهم ومذاهب من قبلهم، وأقاويلهم وسبَرَها وخبرها، وانتقدها واختار أرجحها وأصحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل والتفصيل، فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل والإشارة بين الصحيح، مع كمال آلته وبراعته في العلوم الشرعية، وترحجه على مَن سبقه لما يأتي، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى من غيره بالاتباع والتقليد، وهذا طريق الإنصاف والسلامة من القدح في بعض الأئمة، وقد ادعى الشافعية ذلك في مذهب الشافعي أيضًا، وأنه أولى من غيره.\nونحن نقول: كان الإمام أحمد أكثرهم علمًا بالأخبار، وعملًا بالآثار، واقتفاء للسلف، واكتفاء بهم دون الخلف، وهو من أجلهم قدرًا وذكرًا، وأرفعهم منزلة وشكرًا، وأسدهم طريقة وأقومهم سطرًا، وأشهرهم ديانة وصيانة وأمانة وأمرًا، وأعلمهم برًّا وبحرًا، قد اجتمع له من العلم والعمل والدين والورع والاتباع والجمع والاطلاع والرحلة والحفظ والمعرفة والشهرة بذلك كله ونحوه ما لم يجتمع مثله لإنسان، وأثنى عليه أئمة الأمصار، وأهل الأعصار وإلى الآن، واتفقوا على إمامته وفضيلته واتباعه لمن مضى بإحسان، وأنه إمام في سائر علوم الدين، مع الإكثار والإتقان، وكان أولى\n_________\n١ انظر: كتاب صفة الفتوى والمفتي والمستفتي \"ص٧٤-٨٠\" لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي \"٦٠٣-٦٩٥هـ\" طبع المكتب الإسلامي - بيروت.","vol":"1","page":242},{"text":"بالاتباع، وأحرى بالبعد عن الابتداع، وقد صنف الناس في فضائله ومناقبه كتبًا كثيرة، تدل على أمانته ورجحانه على غيره؛ فلذلك ونحوه تعين الوقوف على بابه، والانتماء إليه، والاقتداء به، والاهتداء بنور صوابه، والاهتداء بهديه في وروده وإيابه، والاقتفاء لمطالبه وأسبابه، والاكتفاء بصحبة أصحابه، ولأن مذهبه من أصح المذاهب وأكمل، وأوضح المناهج وأجمل؛ لكثرة أخذه له من الكتاب والسنة، مع معرفته بهما وبأقوال الأئمة، وأحوال سلف الأمة، وتطلعه على علوم الإسلام، وتطلعه من الأدلة الشرعية والأحكام، ودينه التام وعلمه العام، والثناء عليه من أكابر العلماء وشهادتهم له بالإمامة والتقدم على أكثر القدماء، وإطنابهم في مدحه وشكره، وإسهابهم في نشر فضله وذكره، ولم يشكوا في صحة اعتقاده وانتقاده، وأن الصحة تحصل بإخباره، والنفرة بإنكاره، والعبرة باعتباره، والخبرة باختباره؛ بل يرجعون في دينهم إليه، ويعولون عليه، ويرضون بما ينسب إليه، ولو كذب عليه. فلله الحمد إذ وفقنا لاتباع مذهبه، والابتداء بتحصيله وطلبه، وللانتهاء إلى الرضاء به لصحة مطلبه.\nوهذا وأمثاله قليل من كثير، ونقطة من بحر غزير، والغرض الحث على اتباعه ومعرفة أتباعه في العلوم واتساع باعه ﵁، وجعلنا من أتباعه، وحشرنا في زمرة أتباعه، وقد ذكرنا جملة من مناقبه وكلام العلماء في مدحه وإمامته في كتب أخرى، ولو لم يقل فيه الناس سوى ما نذكره الآن لكان فيه أبلغ غاية وأنهى نهاية، وفي بعضه كفاية:\nقال الشافعي: أحمد إمام في ثمان خصال: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في القرآن، إمام في اللغة، إمام في السُّنة، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في الفقر.\nوقال: خرجت من بغداد وما خلفت بها أورع ولا أتقى ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.\nوقال لأحمد: أنتم أعلم منا بالحديث، فإذا كان الحديث كوفيًّا أو شاميًّا فأعلموني حتى أذهب إليه.\nوقال: كل مافي كتبي: حدثني الثقة ... فهو أحمد بن حنبل.","vol":"1","page":243},{"text":"وقال يحيى بن معين: والله ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، ليس في شرق ولا غرب مثله.\nوقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله قد جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويدع ما شاء، وعد الأئمة وقال: كان أحمد أفقه القوم.\nوقال أبو القاسم الختلي: كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كأن علم الدنيا بين عينيه.\nوقال الخلال: كان أحمد بن حنبل إذا تكلم في الفقه تكلم بكلام رجل قد انتقد العلم فتكلم على معرفة.\nوقال أحمد بن سعيد: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله -ﷺ- ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد.\nوقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع، وما رأيت مثله، وما قدم علينا مثله، قال أبو يعقوب: وما رحل إلى أحد بعد رسول الله -ﷺ- ما رحل إلى عبد الرزاق.\nوقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وكان أحمد أفقههم فيه.\nوقال قتيبة بن سعيد: لو أدرك أحمد عصر الثوري ومالك والأوزاعي والليث ونظر إليهم لكان هو المقدَّم، وقيل: تقيس أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وقال: أحمد وإسحاق إماما الدنيا.\nوقال أبو بكر بن داود: لم يكن في زمن أحمد مثله، وقال عبد الوهاب الوراق: كان أحمد أعلم أهل زمانه، وهو من الراسخين في العلم، وما رأيت مثله، قال: وقد أجاب عن ستين ألف مسألة بأخبرنا وحدثنا، وقال أبو ثور:","vol":"1","page":244},{"text":"أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خيل إليك أن الشريعة لوح بين عينيه.\nوقال إسحاق بن راهويه: أنا أقيس أحمد إلى كبار التابعين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يدرك فضله.\nوقال ابن مهدي: لقد كاد هذا الغلام أن يكون إمامًا في بطن أمه.\nوقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، قيل: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب، وقال: حزرنا استشهادات أحمد في العلوم فوجدناه يحفظ سبعمائة ألف حديث فيما يتعلق بالأحكام، وقال: ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه، وما رأيت أكمل منه، اجتمع فيه فقه وزهد وأشياء كثيرة، وما رأيت مثله في فنون العلم والفقه والزهد والمعرفة وكل خير، وهو أحفظ مني، وما رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ منه.\nوقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يذاكرني بألفي ألف حديث.\nوقال مهنا: ما رأيت أجمع لكل خير من أحمد، وما رأيت مثله في علمه وفقهه وزهده وورعه.\nوقال الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتَى سيكون حجة على أهل زمانه.\nوقال أحمد: رحلت في طلب العلم والسُّنة إلى الثغور والشامات والسواحل والمغرب والجزائر ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين جميعًا وفارس وخراسان والجبال والأطراف، ثم عدت إلى بغداد، وقال: استفاد منا الشافعي أكثر مما استفدنا منه.\nوقال أبو الوفاء علي بن عقيل: قد خرج عن أحمد اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد","vol":"1","page":245},{"text":"منهم، وانفرد بما سلموه له من الحفظ وشاد لهم، وربما زاد على كبارهم، وله التصانيف الكثيرة؛ منها: \"المسند\" وهو بزيادة ابنه عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، ومنها التفسير، وهو مائة ألف وعشرن ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، ومنها الزهد، وهو نحو مائة جزء، ومنها الناسخ والمنسوخ، ومنها المقدم والمؤخر في القرآن، وجوابات أسئلة، ومنها المنسك الكبير والمنسك الصغير، والصيام والفرائض، وحديث شعبة، وفضائل الصحابة، وفضائل أبي بكر، وفضائل الحسن والحسين، والتاريخ، والأسماء والكنى، والرسالة في الصلاة، ورسائل في السُّنة والأشربة، وطاعة الرسول ﷺ، والرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن، وغير ذلك كثير١.\nومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير، قال الشريف أبو جعفر الهاشمي: لا يحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد، ولعلهم مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر مشايخه؛ كعبد الرزاق، وابن عُليَّة، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، ومعروف الكرخي، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر، نصًّا أو إيماء، وهو من ولد شيبان بن ذهل لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله -ﷺ- في نزار. اهـ.\n_________\n١ وقد ذكر له ابن النديم في \"فهرسته\" \"ص٢٨٥\" \"العلل والرجال\"، وذكره العقيلي أيضًا في كتابه: \"الضعفاء الكبير\" \"٣/ ٢٣٩\".","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الباب الثالث: منهاج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الأول: أهم المشكلات التى واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري</span>\n...\nالباب الثالث: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري\nالفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري\nيعتبر القرن الثالث الهجري أزهى عصور السُّنَّة وأحفلها بخدمة الحديث، ففيه ظهر أفذاذ الرجال من حفاظ الحديث وأئمة الرواية، وخبراء الجرح والتعديل، كما سعد بالتآليف الخالدة والمصنفات الهامة في الحديث وعلومه المختلفة، وعلى رأسها الكتب الستة \"صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه\" التي جمعت أصول الإسلام وفروعه، وفيه أيضًا اعتنى أئمة الحديث بالكلام على الأسانيد والرجال، وبيان منزلتهم في الجرح والتعديل، هذا بالرغم من المشكلات الخطيرة التي واجهت علماء الحديث.\n- وإليك توضيح كل ما سبق من خلال عدة مباحث نعرضها فيما يلي:\nالمبحث الأول: أهم المشكلات التي واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري\nفي هذا القرن -وخاصة بمجيء المأمون للخلافة \"١٩٨- ٢١٨هـ\"- أمسك المحدثون عن رواية أحاديث الصفات والرؤيا، فقد جاء المأمون، فوجد العلماء فريقين مختلفين، ووجد الخلاف محتدمًا بين علماء الكلام والفقهاء والمحدثين، فقد خاض علماء الكلام في مسائل عدة في أصول الدين خالفوا فيها الجمهور، وأهم هذه المسائل وأشهرها مسألتان:\n- إحداهما: مسألة أفعال العباد:\nفيرى المعتزلة أن أفعال العباد مخلوقة لهم، لا لله تعالى؛ ولهذا استحقوا عليها الثواب والعقاب، بينما رأى الجمهور أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وليس للعباد فيها سوى جريانها على أيديهم بكسبهم واختيارهم.","vol":"1","page":249},{"text":"- الثانية: مسألة صفات الله تعالى:\nفيرى المعتزلة أن الله تعالى منزه عن ثبوت صفات قائمة بذاته كالسمع والبصر والقدرة والكلام والحياة، بينما رأى الجمهور أن هذه الصفات قديمة قائمة بذات الله تعالى ليست عين الذات ولا غيرها.\nوالخلاف في هذه المسألة أدى إلى خلاف في القرآن الكريم، فرأى الجمهور أنه كلام الله، وأنه قديم؛ لأنه صفة لله تعالى، ولكن المعتزلة يرون أنه مخلوق وحادث.\nوكان الخليفة المأمون عالمًا١ ميالًا إلى حرية البحث والمناظرة، فأفسح المجال أمام المتكلمين، فنشبت المعركة الكبيرة بينهم وبين المحدثين، وكان المأمون يعقد لهم مجالس للمناظرة والمحاورة أملًا في الاتفاق على رأي، ولكن هيهات ... فلما أخفق في القضاء على هذا الخلاف أراد أن يرغم الفقهاء والمحدثين على قبول رأي المعتزلة الذي مال إليه واعتنقه -وهو أن القرآن مخلوق- واعتبر المأمون أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر -وهم المخالفون- \"لا نظر لهم ولا روية، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلال عن حقيقة دينه ... \" وغير ذلك من القذف الذي رمى به الفقهاء والمحدثين، مما جاء في كتابه إلى عامله على بغداد \"إسحاق بن إبراهيم الخزاعي\"، بينما هو كان يغزو بلاد الروم حتى أنه وصفهم في هذا الكتاب بأنهم شر الأمة وإخوان إبليس.\nوأمر عامله هذا بأن يمتحن القضاة والمحدثين في هذه المسألة، وأن يقتل كل مَن لم يقل بخلق القرآن، وقال له: \"فمن لم يجب فامنعه من الفتوى والرواية\".\nوأنفذ المأمون وصيته إلى أخيه المعتصم بالسير على طريقته في مسألة خلق القرآن، ففعل المعتصم، وأمر المتعلمين بأن يعلموا الصبيان رأي المعتزلة في هذه المسألة.\n_________\n١ سمع الموطأ، واطلع على الفلسفة اليونانية وأقوال حكماء الفرس، وأمر بترجمة الكثير من كتب الروم، وأصبح عصره أزهى عصور العلم في خلافة بني العباس.","vol":"1","page":250},{"text":"وقتل المعتصم في ذلك كثيرًا من العلماء، وأهان كثيرًا من أهل الحديث، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل -﵁- الذي أصر على رأيه، فأُوذي كثيرًا.\nومات المعتصم \"٢٢٧هـ\"، وجاء ابنه \"الواثق\" فأحيا الفتنة، وأمر أمير البصرة أن يمتحن الأئمة والمؤذنين في مسألة خلق القرآن، وقتل وأهان في ذلك الكثير من العلماء والمحدثين، وقد ساعد الواثق في ذلك وزيره أحمد بن أبي دؤاد الذي كان على رءوس الاعتزال.\nولكن الواثق ملَّ هذه المحنة فرجع عنها في آخر عمره، وسخط على \"أحمد بن أبي دؤاد\"؛ ولكن بعد إهانة المحدثين والفقهاء، وقتل وأذى الكثيرين منهم، من قبل الدولة والمعتزلة الذين قويت شوكتهم، ونالوا من أهل السنة، وانتقموا منهم، وخاصة بعد أن قربهم الخلفاء، وأخذوا بزمام الوزارات والقضاء.\nوولي \"المتوكل على الله بن المعتصم\" الخلافة بعد أخيه الواثق \"٢٣٢هـ\" فرفع المحنة، وأظهر ميلًا عظيمًا إلى السُّنة، وكتب بذلك إلى الآفاق، واستقدم المحدثين إلى \"سامراء\"، وأكرمهم وأجزل لهم العطاء.\nفحدثوا بأحاديث الصفات والرؤيا، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألف نفس، وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور، فاجتمع إليه نحو ثلاثين ألفًا أيضًا، ودعا الناس للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه حتى قال بعضهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق -﵁- في قتل أهل الردة، وعمر بن عبد العزيز -﵁- في رد المظالم، والمتوكل في إحياء السُّنَّة وإماتة التجهم١.\nوكما ابتُلي المحدثون في هذا القرن بهذه المحنة التي انتصر عليهم فيها المعتزلة،\n_________\n١ راجع: البداية والنهاية \"١٠/ ٢٧٢\"، تاريخ الخلفاء للسيوطي \"ص٢٠٤\"، والحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهو \"ص٣١٦- ٣٢٢\"، طبع دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"1","page":251},{"text":"ابتلوا أيضًا بشرذمة انتسبوا لأهل الحديث، منهم المرتزقة والقصَّاصون والذين يتكسبون بالحديث، والجهلة بأحكام الشرع وأمور الدين.\nوقد عاصرت هذه الفئة الضالة المحنة فاستغلتها أحسن استغلال، فأصبح أمام المحدثين عبء آخر يتمثل في محاربة الوضاعين من الزنادقة والقصاصين في هذه الفترة مستغلين انشغال العلماء بهذه المحنة.\nومما يحمد للمحدثين في المحنة سلامة موفقهم حيث الإمساك عن الخوص في مسألة خلق القرآن وغيرها، فأغلقوا بذلك أبوابًا من الشر لا نهاية لها؛ منها: استدراجهم إلى عقائد المعتزلة خاصة، وهم بموقفهم هذا حافظوا على الالتزام بمنهج السلف الصالح، فجزاهم الله عن الدين وأهله الجزاء الأوفَى.\n- نتائج محنة خلق القرآن على الحديث والمحدِّثين:\nنوجز هذه النتائج فيما يلي:\nأولًا: السمو بمكانة المحدثين الذين أبوا إلا اتباع منهج السلف وعدم الخوض في هذه المسائل، وفي المقابل الحط من مكانة الذين خاضوا فيها.\nثانيًا: وضع الأحاديث، واختلاق الروايات من قِبَل أهل الأهواء والزنادقة والكذابين والمارقين عن الدين، ومن ذلك روايتهم عن أن رسول الله -ﷺ- قال: \"من قال: القرآن مخلوق؛ فقد كفر\"١.\nوروايتهم عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: \"كل ما في السماوات والأرض وما بينهما مخلوق غير الله والقرآن؛ وذلك أنه كلامه، منه بدأ، وإليه يعود، وسيجيء أقوام من أمتى يقولون: القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر\n_________\n١ الموضوعات لابن الجوزي \"١/ ١٠٧\" كتاب التوحيد، الباب الأول: باب في أن الله ﷿ قديم، بسنده عن جابر بن عبد الله -﵄- مرفوعًا، وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله -ﷺ- قال الدارقطني: محمد بن عبيد يكذب، ويضع الحديث.","vol":"1","page":252},{"text":"بالله العظيم، وطلقت امرأته من ساعته؛ لأنه لا ينبغي للمؤمنة أن تكون تحت كافر، إلا أن تكون سبقته بالقول\"١.\nوزعم الزنادقة أن الرسول -ﷺ- قال: \"لما أراد الله خلق نفسه خلق الخيل فأجراها حتى عرقت، ثم خلق نفسه من ذلك\"٢.\nوقد كان للشعوبية دور في هذا الوضع، فهي قد نمت في القرن الثاني الهجري؛ ولكنها بلغت أوجهًا في القرن الثالث الهجري، ومما وضعوه واختلقوه: أنهم زعموا أن الأعاجم ذكرت عند النبي -ﷺ- فقال: \"لأنا بهم أوثق مني بكم\"٣، وقول العربي فيما نسبه إلى النبي ﷺ: \"العرب سادات العجم\"٤.\nثالثًا: الطعن في أهل الحديث وأئمة المسلمين وحتى الصحابة -﵃- وذلك من قِبَل أهل الأهواء الذين رموهم بالجهل الكبير، وادعاء الحديث، ورموهم بصفات المرتزقة، وقد استغل المستشرقون ذلك.\nرابعًا: كان لهذه المحنة أثر في التجريح والتعديل، فمن جهة كان المأمون يرد رواية من لم يقل بخلق القرآن، ويحكم بفسق الشهود والقضاة إن لم يقروا بذلك.\nومن جهة أخرى سجل علماء الجرح والتعديل الذين خاضوا في هذه المسألة وعدُّوا ذلك جرحًا مؤثرًا.\n_________\n١ المجروحين لابن حبان \"٢/ ٣١٢\"، ميزان الاعتدال \"٤/ ٦٣\"، تذكرة الموضوعات \"ص١٨١\" رقم \"٦٠٦\"، وقال: فيه محمد بن يحيى بن رزين، دجال يضع الحديث.\n٢ الموضوعات لابن الجوزي \"١/ ١٠٥\" كتاب التوحيد، الباب الأول: باب في أن الله ﷿ قديم - الحديث الأول في الباب، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يشك في وضعه، وما وضع مثل هذا مسلم، وإنه لم أرك الموضوعات وأدبرها، إذ هو مستحيل؛ لأن الخالق لا يخلق نفسه، وقد اتهم علماء الحديث بوضع هذا الحديث محمد بن شجاع.\n٣ نقلًا عن الحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهو \"ص٣٣٩\" طبع دار الكتاب العربي، بيروت.\n٤ كشف الخفاء للعجلوني \"٢/ ٧٥\" رقم \"١٧٢٣\" وقال: ليس بحديث؛ بل هو من كلام بعضهم، وهو صحيح بالنظر للجنس.\nوقال القاري: لا أصل له، ومعناه صحيح. الأسرار المرفوعة لعلي القاري \"رقم ٢٤٥\"، طبعة مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":253},{"text":"ووضع الزنادقة حديث: \"من أراد بر والديه فليعطِ الشعراء\"١.\nووضعوا أيضًا حديث: \"النظر إلى وجه عليٍّ عبادة\"٢.\n_________\n١ تذكرة الموضوعات \"ص٢٠٠\" رقم \"٧٣٠\"، المجروحين \"١/ ١١٩\"، الميزان \"١/ ١٨\"، اللسان \"١/ ٣١\".\nوقال ابن القيسراني: فيه إبراهيم بن إسحاق بن عيسى البغدادي، كذاب، والحديث باطل.\n٢ تذكرة الموضوعات \"ص٢٦٩\" رقم \"١١٠٩\" وقال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني \"ت٥٠٧هـ\"، فيه الحسن بن علي العدوي هو كذاب دجال. وهو أيضًا في المجروحين \"١/ ٢٤١\"، الميزان \"١/ ٥٠٧\"، اللسان \"٢/ ١٢٩\".","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>المبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري</span>\nأولًا: أهم وأشهر المصنفات في الحديث الشريف\nألَّف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري \"١٩٤ - ٢٥٦هـ\" كتاب: \"الجامع الصحيح\" الذي عده العلماء أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.\nوألف الإمام مسلم بن الحجاج \"٢٠٦ - ٢٦١هـ\" كتابه الصحيح الذي يلي صحيح الإمام البخاري من حيث الصحة.\nوألف أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني \"٢٠٢- ٢٧٥هـ\" كتابه \"السنن\".\nوألف أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي \"٢٠٩ - ٢٧٩هـ\" كتابه الجامع.\nوألف أحمد بن شعيب النسائي \"٢١٥-٣٠٣هـ\" كتابه \"السنن الكبرى\" ثم \"المجتبى من السنن\".\nوألف أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني \"٢٠٧-٢٧٥هـ\" كتابه \"السنن\".\nوغيرها من المصنفات في الحديث الشريف.\nثانيًا: أهم وأشهر المصنفات التي ألفت في نقد الحديث\nزخر القرن الثالث الهجري بأئمة وحفاظ وخبراء بعلل الحديث، ومعرفة الجرح والتعديل، استفادوا من جهود السابقين، وأضافوا إليها كثيرًا من جهودهم، ودوَّنوا ذلك في مصنفاتهم، ومن هؤلاء: البخاري، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم وابنه عبد الرحمن، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبزار، والترمذي، وغيرهم.\n- ففي الصحابة: ألف الإمام محمد بن عبد الله بن عيسى المروزي \"٢٢٠-٢٩٣هـ\" \"كتاب المعرفة\".\n- وفي الكنى: صنف كل من البخاري والنسائي والترمذي وغيرهم، فضلًا عن كتاب \"الكنى والأسماء\" لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي \"٢٢٤-٣١٠هـ\" جمع فيه خلقًا من المعروفين بكناهم، وذكر كثيرًا من رواياتهم.","vol":"1","page":255},{"text":"- وفي تواريخ الرجال وأحوالهم: صنف الإمام البخاري \"التاريخ الكبير\"، و\"التاريخ الأوسط\"، و\"التاريخ الصغير\"، و\"الضعفاء\". وألف الإمام أبو إسحاق الجوزجاني \"ت٢٥٩ أو ٢٥٦هـ\" \"الجرح والتعديل\" و\"الضعفاء\"، وألف ابن خيثمة \"تاريخ الثقات والضعفاء\"، وألف الترمذي \"كتاب التاريخ\"، وألف ابن ماجه \"كتاب التاريخ\" أيضًا جمع فيه الرجال من عصر الصحابة إلى وقته، وألف ابن أبي حاتم \"٢٤٠ - ٣٢٧هـ\" كتابه \"الجرح والتعديل\".\n- وفي علل الحديث: صنف ابن أبي حاتم \"٢٤٠-٣٢٧هـ\" \"علل الحديث\"، وألف الأئمة: أبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، والترمذي، والبزار، ويعقوب بن أبي شيبة \"المسند المعلل\"، ويعتبر كتاب يعقوب بن أبي شيبة أفضل ما صُنف في هذا الباب، ولم يكمله، وألف محمد بن يحيى الذهلي \"علل حديث الزهري\"، وألف أبو جعفر بن جرير الطبري \"٢٢٤-٣١٠هـ\" كتابه \"تهذيب الآثار\" جمع فيه أخبارًا مرتبة على طريقة المسند وبيَّن فيها عللها.\n- وفي المراسيل: ألف أبو داود السجستاني كتابه \"المراسيل\" ورتبه على الأبواب الفقهية، وألف ابن أبي حاتم كتابه \"المراسيل\" أيضًا، جمع فيه معظم الرواة الذين لهم روايات فيها انقطاع في السند، ورتبه على حروف المعجم.\n- وفي الأوهام: ألف الإمام مسلم كتاب \"بيان أوهام المحدثين\".\n- وفي مختلف الحديث: ألف الإمام عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري \"ت٢٧٦هـ\" كتابه: \"تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء أهل الحديث\" ليرد فيه على أعداء الحديث، ويزيل التناقض الذي أثاره مخالفو أهل الحديث في الرأي أو في المنهج.\nومعظم هذه المصنفات نقلت إلينا نقلًا صحيحًا ومطبوعة بين أيدينا الآن١.\n_________\n١ راجع: المدخل إلى توثيق السُّنَّة \"ص٦٤، ٦٥\".","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري</span>\nيمكن حصر مناهج العلماء وطرق المحدِّثين في ثلاثة طرق:\n- الطريقة الأولى: جمع الطعون التي وجهها أهل الكلام للمحدثين، سواء ما كان يرجع إلى ما حملوه من الحديث الشريف، أو ما كان يرجع إلى أشخاصهم من العدالة والضبط.\nومثال ذلك: أبو محمد بن مسلم بن قتيبة \"ت٢٧٦هـ\"١ في كتابه: \"تأويل مختلف الحديث في الرد على أعداء الحديث\"، دافع فيه عن السُّنَّة وأهلها، وذكر فيه طعون المعتزلة في أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان ﵃، ثم فند هذه الطعون جميعًا، ثم تناول بعض الطاعنين في الحديث وأهله؛ ومنهم: أبو الهذيل العلاف، وعبيد الله بن الحسن، وهشام بن الحكم.\nكما تناول ابن قتيبة الجاحظ -خطيب المعتزلة- وبين أنه متذبذب في العقيدة، وأنه يكذب ويضع الحديث نصرة لمذهبه، وأنه يستهزئ بحديث رسول الله ﷺ.\nثم ذكر أهل الحديث، وبيَّن أنهم يلتمسون الحق من طريقه الصحيح، ودافع عنهم، وبرأهم مما ينسب إليهم، كما ذكر أسباب حملهم للأحاديث؛ حيث إنهم ينحلون المتون والأسانيد جميعًا، ويميزون صحيحها من سقيمها، ويبينونه للناس.\nوقام بالجمع بين الأحاديث التي زعم المتكلمون أنها متناقضة أو مشكلة، فرفع عنها التناقض، وأزال عنها الإشكال، كما سجل على أهل الكلام تعصبهم الذي أعماهم عن الحق.\n_________\n١ من تصانيفه: غريب القرآن، غريب الحديث، إعراب القرآن، مشكل القرآن، مشكل الحديث، عيون الأخبار، إصلاح الغلط، كتاب التفقيه، كتاب الخليل، كتاب الميسر والقداح، المسائل والجوابات، وغيرها.","vol":"1","page":257},{"text":"وأيضًا علي بن المديني وكتابه \"اختلاف الحديث\" والذي جاء في خمسة أجزاء.\nالطريقة الثانية: جمع الحديث على المسانيد مرتَّبة على الصحابة:\nبحيث يذكر الصحابي وما يرويه من أحاديث عن رسول الله -ﷺ- سواء كان صحيحًا أو ضعيفًا.\nومنهم مَن يرتب مسنده على السوابق في الإسلام، فيقدم العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل الحديبية، ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح، ثم من أسلم يوم الفتح، ثم أصاغر الصحابة سنًّا، ثم النساء.\nومنهم من يرتب مسنده على القبائل، فيقدم بني هاشم، ثم الأقرب فالأقرب نسبًا إلى رسول الله ﷺ.\nومنهم من لم يراعِ شيئًا مما سبق.\n- ومن هذه المسانيد:\n- مسند عبيد الله بن موسى \"ت٢١٣هـ\".\n- مسند الحميدي \"ت٢١٩هـ\".\n- مسند مسدَّد بن مُسَرْهَد \"ت٢٢٨هـ\".\n- ومسند إسحاق بن راهويه \"ت٢٣٧هـ\".\n- مسند عثمان بن أبي شيبة \"ت٢٣٩هـ\".\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل \"١٦٤-٢٤١هـ\".\n- مسند عبد بن حميد \"ت٢٤٩هـ\".\n- المسند الكبير، ليعقوب بن شيبة \"ت٢٦٢هـ\" جمع الأحاديث وأبان عن عللها؛ ولذلك فهو متميز على غيره فيها؛ ولكنه لم يتمه.","vol":"1","page":258},{"text":"- مسند محمد بن مهدي \"ت٢٧٢هـ\".\n- المسند الكبير، لبقي بن مخلد القرطبي \"ت٢٧٦هـ\" رتبه على أسماء الصحابة، ثم رتب حديث كل صحابي على أبواب الفقه، وبلغ عدد الصحابة فيه \"١٦٠٠\"، وقد فضله ابن حزم على مسند الإمام أحمد بن حنبل؛ ولكن الحافظ ابن كثير قال في تاريخه: وعندي في ذلك نظر، والظاهر أن مسند أحمد أجود منه وأجمع. اهـ.\n- مسند البزَّار \"ت٢٩٢هـ\".\n- مسند أبي يعلى الموصلي \"٢١٠-٣٠٧هـ\".\nويؤخذ على هذه المصنفات عدم التمييز بن الحديث الصحيح والضعيف، وهذا التمييز لا يستطيعه غير العلماء المتخصصون، ففيه يتعذر الوقوف على درجة الحديث.\nوأيضًا صعوبة الوقوف على الأحكام الفقهية والشرعية، فهذا أيضًا خاص بالحفاظ المتقنين، ففيها الخلط بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة، وفيها عدم التبويب الفقهي.\nولكن أهمية هذه المسانيد في استقلالها بحديث رسول الله -ﷺ- دون غيره من روايات الصحابة والتابعين.\nالطريقة الثالثة: التصنيف على الأبواب الفقهية:\nبحيث يصنف الحافظ أو المحدِّث الأحاديث وفقًا لموضوعها، ومنهم من اقتصر على الأحاديث الصحيحة؛ كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري \"١٩٤ - ٢٥٦هـ\" في صحيحه المسمى: \"الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -ﷺ- وسننه وأيامه\".","vol":"1","page":259},{"text":"وتبعه تلميذه: مسلم بن الحجاج القشيري \"٢٠٦-٢٦١هـ\" في صحيحه.\nوقد اتفق العلماء على أن كتابيهما أصح الكتب المصنَّفة في الحديث الشريف على الإطلاق.\nومنهم من جمع الصحيح والضعيف؛ كأبي داود \"٢٠٢- ٢٧٥هـ\"، والترمذي \"٢٠٩- ٢٧٩هـ\"، والنسائي \"٢١٥ - ٣٠٣هـ\"، وابن ماجه \"٢٠٩ - ٢٧٣هـ\".\nومنهم من ذكر درجة الأحاديث في مصنفه مثل الترمذي.\nومنهم من ينبه أحيانًا على الضعيف مثل: أبي داود، والنسائي.\nومنهم من لم ينبه على درجة الحديث مثل ابن ماجه \"٢٠٧- ٢٧٥هـ\".\nفميزة هذه المصنفات تيسير الاطلاع على درجة الأحاديث والأحكام الشرعية.\nولقد كان القرن الثالث الهجري أزهَى عصور الحديث وتدوينه، ففيه ظهر كبار المحدثين، وحذاق الناقدين، وخبراء العلل، وأهم المصنفات وعلى رأسها الكتب الستة التي حظيت بالشرح والاختصار والتعليق والجمع والمستخرجات عليها.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجري ومناهجهم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>أولًا: الإمام البخاري \"١٩٤-٢٥٦ه</span>ـ\" ١\nهو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة٢، ولد ببخارَى يوم الجمعة الموافق الثالث عشر من شهر شوال سنة ١٩٤هـ، ومات ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر سنة ٢٥٦هـ٣.\nقضى عمره في طلب الحديث وحفظه وتدوينه متنفلًا من بلد إلى بلد، ومن مكان إلى مكان، ومن شيخ إلى شيخ، وحيثما كانت السُّنَّة جذبته إليها، فرحل إلى: مكة، والمدينة، وبغداد، وواسط، والبصرة، والكوفة، ومصر، ومرو، وهراء، ونيسابور، وقيسارية، وعسقلان، وحمص، وخراسان، وغيرهم. وقال: \"كتبتُ عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده\"٤. وقال مرة أخرى: \"كتبت عن ألف وثمانين نفسًا ليس فيهم إلًا صاحب حديث، وليس فيهم صاحب بدعة، ولا زنديق\"٥.\nومنهم: إبراهيم بن المنذر الحزامي، ومطرف بن عبد الله، وإبراهيم بن حمزة، ويحيى بن قزعة، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وأبو بكر الحميدي،\n_________\n١ للإمام البخاري ترجمة في مواضع كثيرة؛ منها: تهذيب الكمال \"٢٤/ ٤٣٠-٤٦٨\"، تهذيب التهذيب \"٩/ ٤٧-٥٥\"، التقريب \"٢/ ١٤٤\"، خلاصة الخزرجي \"٢/ ترجمة ٦٠٥٢\"، شذرات الذهب \"٢/ ١٣٤\"، طبقات السبكي \"٢/ ٢١٢\"، وفيات الأعيان \"٤/ ١٨٨\"، سير أعلام النبلاء \"١٢/ ٣٩١\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٥٥\"، الكاشف \"٣/ ترجمة ٤٧٨٦\"، شروط الأئمة الستة \"ص١٠\".\n٢ هكذا ضبطها غير واحد، وهي فارسية، ومعناها: الزراع، راجع: هدى الساري \"ص٤٧٧\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٦٧\".\n٣ راجع: هدى الساري \"ص٤٧٧\"، تهذيب التهذيب \"٩/ ٤٨\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٦٧، ٦٨\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٥٦\"، سير أعلام النبلاء \"١٢/ ٤٦٨\"، تاريخ بغداد \"٢/ ٦\"، \"٢/ ٣٤\".\n٤ مقدمة شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ٨\".\n٥ راجع: هدى الساري \"ص٤٧٩\"، عمدة القاري \"١/ ٢٢\"، سير أعلام النبلاء \"١٢/ ٣٩٥\".","vol":"1","page":261},{"text":"وإسماعيل بن سالم الصائغ، وعبد الله بن يزيد المقري، وأبو نعيم، وطلق بن غنام، وعمرو بن حفص، وخلاد بن يحيى، وأبو عاصم النبيل، وأبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وعارم: محمد بن الفضل، وعفان بن مسلم، ومحمد بن يوسف الفريابي، وحيوة بن شريح، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف البيكندي، وعبد الله بن محمد الْمُسْنِدِي، وآدم بن أبي إياس، وأبو اليمان: الحكم بن نافع، ومحمد بن يحيى الصائغ، ومحمد بن يحيى الذهلي، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن مقاتل، وعبدان بن عبد الله بن عثمان، وإسحاق بن راهويه، وخلائق من الأئمة وغيرهم.\nومن تلاميذه: محمد بن يوسف الفربري، وأحمد بن محمد البزار، ومحمد بن إسحاق الخزاعي، ومحمد بن دلويه الوراق، وأبو أحمد: محمد بن سليمان بن فارس، وعبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخفاف، وآدم بن موسى، وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر، وأبو عبد الله: محمد بن أبي حاتم \"وراقه\".\nومن شيوخه الذين رووا عنه: عبد الله بن محمد المسندي، وإسحاق بن أحمد بن خلف، ومحمد بن خلف بن قتيبة وغيرهم.\nومن الحفاظ من أقرانه فمن بعدهم: أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، وأبو بكر بن أبي عاصم، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بكر البزار صاحب المسند، ومسلم بن الحجاج في غير الصحيح، وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عمرو الخفاف، وجعفر بن محمد بن موسى النيسابوري، ومحمد بن عبد الله الحضرمي مطين الحافظ الكوفي، وأبو داود السجستاني، وأبو بكر بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن إسحاق الفاكهي، ويحيى بن يحيى بن محمد بن صاعد، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وهو آخر من حدث عنه ببغداد، وأمم لا يحصون، ويكفي ما حكاه الفربري أنه سمع معه الصحيح من البخاري تسعون ألفًا.\nوقد مكث في تصنيف صحيحه ست عشرة سنة، وانتقاه من زُهَاء ستمائة ألف حديث قال: \"لقد خرجت كتابي الصحيح هذا من زهاء ستمائة ألف","vol":"1","page":262},{"text":"حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا واغتسلت وصليت ركعتين لله ﷾\"١.\nوقد اتفق الجمهور على أنه أصح كتاب بعد كتاب الله ﷾، وأطبق على قبوله بلا خلاف علماء الأسلاف والأخلاف٢، وأطنب العلماء في الثناء عليه وبيان منزلته، ومن ذلك ما قاله العلامة الشيخ محمد بن يوسف البنوري: \"أصح كتاب بعد كتاب الله، أصبح تلو كتاب الله في المزايا التي قالها -ﷺ- في كتاب الله الحكيم: \"لا يخلق على كثرة الرد، ولا يمل قاريه، ولا يشبع منه العلماء، ولا تنقضي عجائبه\"، فأضحى كالشمس في كبد السماء بلغ إلى أقصى القبول والمجد والثناء، فانتهض أعيان الأمة وأعلام العلم في كل عصر من أقدم العصور إلى اليوم لشرحه والتعليق عليه، وتلخيصه، واختصاره أو ترتيبه، وتأليف أطرافه، أو شرح تراجمه، أو ترجمة رجاله، أو بيان غريبه، أو وصل مرسله، وتعليقاته أو مبهمه، وإبراز فوائده، ولطائفه، حديثًا وفقهًا وعربية وبلاغة ووضعًا وترتيبًا وتوزيعًا وتبويبًا حتى في تعديد حروفه وكلماته وما إلى ذلك\"٣.\nوقال الإمام العيني: لم يحظَ كتاب من كتب الحديث بتناول العلماء -علماء فن الحديث- له شرحًا وإيضاحًا من المتقدمين والمتأخرين كما حظي صحيح البخاري٤، وانتهى الشيخ المباركفوري بقوله: \"إنه الكتاب الوحيد -بعد كتاب الله تعالى- الذي يحل مشاكل الدين والدنيا كلها، ويشهد على المواهب وبراعة المؤلف في كل هذه الميادين\"٥.\nقال ابن الصلاح: \"وجملة ما في كتاب البخاري سبعة آلاف حديث، إلا أن هذه العبارة قد يندرج تحتها عندهم آثار الصحابة\n_________\n١ راجع: تهذيب التهذيب \"٩/ ٤٩\"، عمدة القاري \"١/ ٢٢\"، طبقات السبكي \"٢/ ٢٢١\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٧٤\".\n٢ عمدة القاري \"١/ ٥\".\n٣ من مقدمة كتاب: لامع الدراري على جامع البخاري \"أ-ب\".\n٤ عمدة القاري \"١/ ٢٦\".\n٥ سيرة الإمام البخاري \"ص٣٢٢\".","vol":"1","page":263},{"text":"والتابعين وربما عد الحديث الواحد المروي بإسنادين حديثين\"١، وكلها صحيحة بالإجماع.\nقال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: \"لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على الإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث، قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة\"٢.\n- مؤلفات الإمام البخاري:\nالجامع الصحيح، والأدب المفرد، ورفع اليدين في الصلاة، والقراءة خلف الإمام، والتاريخ الكبير، والتاريخ الأوسط، والتاريخ الصغير، والضعفاء الصغير، والمسند الكبير، والتفسير الكبير، والجامع الكبير \"وهو غير الجامع الصحيح\"، وخلق أفعال العباد، والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل، وبر الوالدين، وأسامي الصحابة، والوحدان، والهبة، والمبسوط، والعلل، والكنى، والفوائد، والاعتقاد أو السنة، والسنن في الفقه، وأخبار الصفات، وقضايا الصحابة والتابعين، والأشربة٣.\n- شروط البخاري في جامعه الصحيح، ومنهجه فيه:\nهناك شروط معتبرة ومذكورة عند الأئمة، مَن احتوى عليها وتحلى بها لزم قبول خبره، وإخراج حديثه في الصحيح، وهذه الشروط هي:\n١- الإسلام.\n٢- العقل.\n٣- الصدق.\n_________\n١ المقدمة \"ص١٠، ١١\".\n٢ هدى الساري \"ص٧\"، \"ص٤٨٩\"، ونحوه في مجموع الفتاوى لابن تيمية \"١/ ٢٥٦\"، \"١٨/ ص١٩\".\n٣ راجع هذه المؤلفات وتقريرًا عن كل واحد منها في رسالتي للماجستير - مرويات البخاري في غير الصحيح \"١/ ٤٦-٦٩\".","vol":"1","page":264},{"text":"٤- ألا يكون مدلسًا.\n٥- العدالة: وهي اتباع أوامر الشرع، واجتناب نواهيه، وتجنب الفواحش، وتحري العدل، وتوقي اللفظ.\n٦- أن يكون معروفًا بطلب الحديث الشريف، والرحلة من أجله والعناية به.\n٧- أن يكون حفظه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصحف.\n٨- أن يكون ضابطًا لما يسمعه.\n٩- أن يكون متيقظًا، سليم الذهن غير مغفل.\n١٠- أن يكون قليل الغلط والوهم.\n١١- أن يكون حسن السمت، موصوفًا بالوقار.\n١٢- أن يكون مجانبًا للأهواء تاركًا للبدع.\nوإذا كانت الشروط السابقة شروطًا عامة في الراوي، فإن الإمام البخاري قد زاد عليها مما يؤكد لنا أن ما أدخله في جامعه الصحيح لا يتطرق إليه الشك، وهذه هي شروط الإمام البخاري في جامعه الصحيح١.\nمن الملاحظ أنه لم ينقل عن الإمام البخاري أنه قال: شرطت أن أخرج ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سَبَرَ صحيحه ومصنفاته الأخرى.\n- وقد ذكر علماء الحديث -الذين درسوا صحيحه- الشروط الآتية:\nالشرط الأول:\nطول ملازمة الراوي لشيخه، وذلك أدعى إلى حفظه وضبطه للحديث الذي يرويه عنه.\n_________\n١ راجع: تدريب الراوي \"١/ ١٢٧\"، مقدمة ابن الصلاح \"ص٧\"، هدى الساري \"ص٩، ١٠\"، شروط الأئمة الخمسة \"ص٤٣-٥٠\"، شروط الأئمة الستة \"ص١٧-١٩\"، المدخل إلى توثيق السنة \"ص٧٣، ٧٦\"، سيرة الإمام البخاري \"ص١٧٧-١٧٩\"، الإمام البخاري محدثًا وفقيهًا \"ص٩٠، ٩١\"، كتب السُّنَّة - دراسة توثيقية \"الجزء الأول\" \"ص٧٣-٧٧\".","vol":"1","page":265},{"text":"الشرط الثاني:\nيشترط الإمام البخاري اللقاء والمعاصرة وعدم التدليس؛ بحيث يكون الراوي قد ثبت به لقاء من حدث عنه ولو مرة واحدة، مع اشتراط أن يكون ثقة، فإذا ثبت ذلك عنه حملت عنده \"عنعنته\" على السماع، وبعبارة أخرى: إذا قال الراوي: عن فلان، فإن الإمام البخاري يتوقف في إخراج الحديث حتى يتأكد من لقاء الراوي بشيخه، وأن هذه اللفظة تساوي عنده: \"سمعت فلانًا\"، وهذا ينطبق على جميع العنعنات الموجودة في جامعه الصحيح.\nقال ابن حجر: وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه وجرى عليه في صحيحه، وأكثر منه، حتى أنه ربما خرج الحديث الذي لا تعلق له بالباب جملة إلا ليبين سماع راوٍ من شيخه؛ لكونه قد أخرج له قبل ذلك شيئًا معنعنًا\"١.\nوللتأكد من السماع والاتصال ترك الإمام البخاري حديث بعض الأئمة مثل حماد بن سلمة -وهو إمام في علم الحديث- لما تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة؛ بسبب أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه، ولم يخرج له إلا في بعض مواضع الاستشهاد؛ ليبين أنه ثقة، وأخذ أحاديثه التي يرويها من أقرانه الذين لا تحوم حولهم شبهة، مثل: شعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وأبي الأحوص، وغيرهم، كما ترك سهيل بن أبي صالح لما تكلم بعض النقاد في سماعه من أبيه فقالوا: إنه أخذ أحاديث أبيه من صحفه ولم يسمعها منه٢، فلم يخرج له البخاري إلا مقرونًا أو تعليقًا٣.\nوعلى أساس من هذه الشروط جاء صحيح البخاري مختصرًا، ولم يستوعب كل الصحيح؛ بل إنه ترك كثيرًا من الصحيح. يقول الإمام البخاري: \"لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر\"٤.\n_________\n١ هدى الساري \"ص٢٨٨\".\n٢ شروط الأئمة الستة \"ص١٢، ١٣\".\n٣ تقريب التهذيب \"ص٢٥٩\" ترجمة رقم \"٢٦٧٥\".\n٤ شروط الأئمة الخمسة \"ص٦٤\"، وهدى الساري \"ص٥\".","vol":"1","page":266},{"text":"وإذا كانت الأحاديث المسندة الموصولة في الصحيح كما عدها عدًّا دقيقًا الإمام ابن حجر العسقلاني \"٢٦٠٢\" حديثًا١، فإن الأحاديث الصحيحة تفوق هذا العدد كثيرًا.\n- منهج الإمام البخاري في صحيحه ٢:\nيقول الدهلوي: \"أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدونًا في أربعة فنون: فن السنة أعني الذي يُقال له: الفقه، مثل موطأ مالك، وجامع سفيان. وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج. وفن السِّير مثل كتاب محمد بن إسحاق. وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري -﵀- أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب، ويجرده لما حكم له العلماء بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند، وما فيه من الآثار، وغيرها إنما جاء تبعًا، لا بأصالة؛ ولهذا سمى كتابه \"الجامع الصحيح المسند\"٣.\nولهذا صنف البخاري هذه الأحاديث وغيرها على أبواب الفقه والعقائد والتفسير والآداب، وكل أبواب ينتظمها موضوع واحد جعلها كتابًا يضم معنى هذه الأبواب، وقد بدأ \"بكتاب بدء الوحي\" ثم ذكر بعده كتاب \"الإيمان\" ثم \"العلم\".\nوقدم \"بدء الوحي\" -كما يقول البلقيني- لأنه منبع الخيرات، وبه قامت الشرائع وجاءت الرسالات، ومنه عرف الإيمان والعلوم٤.\nوقال أ. د. عبد المجيد محمود: \"فالبخاري بدأ كتابه بدء الوحي، ثم الإيمان، ثم العلم، وقد يكون ملحظ البخاري في ذلك أن أول ما يطالب به الإنسان هو\n_________\n١ هدى الساري \"ص٤٧٨\"، أما بالمكرر منها فعدده \"٧٣٩٧\" حديثًا \"هدى الساري ص٤٦٨\"، وقد حصرها الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي فبلغت \"٧٥٦٣\" حديثًا. هذا عدا ما فيه من التعاليق والمتابعات التي يصل بها عدد أحاديث الكتاب \"٩٠٨٢\" حديثًا \"هدى الساري ص٤٧٠\".\n٢ انظر: كتب السنة، الجزء الأول، للدكتور رفعت فوزي \"ص٧٧-٨٠\" ومصادره.\n٣ شرح تراجم أبواب البخاري \"ص٧\".\n٤ هدى الساري \"ص٤٧١\".","vol":"1","page":267},{"text":"٠الإيمان، وعن الإيمان تصدر بقية الأعمال، والإيمان أمر نفسي مستكن في القلب لا يكفي في إثباته إعلانه باللسان، فيجب أن يتوفر فيه عنصر الإخلاص؛ لهذا بدأ البخاري كتابه بحديث: \"إنما الأعمال بالنيات\" وأول شيء يجب الإيمان به هو الوحي، لأن جميع متطلبات الإيمان -مما سيذكره في صحيحه- متوقف على كون محمد -ﷺ- نبيًّا موحى إليه، فإذا استقر ذلك وجب على الإنسان أن يتعلم الشرائع حتى يكون ممتمثلًا لربه، متصفًا بالإيمان، وأول ما يجب أن يتعلمه حينئذ هو الطهارة، ثم الصلاة، ثم تأتي بعد ذلك بقية الأحكام والفضائل.\nوقد يكون بدؤه بالوحي إشارة منه إلى أن الحديث النبوي -الذي هو موضوع كتابه- من قبيل الوحي، فله من الطاعة والامتثال بالقرآن؛ حيث إن مصدرهما واحد، وهو الله ﷾\"١.\nوبعد الطهارة ذكر الصلاة، ثم الزكاة، ثم الحج، ثم الصوم، ثم البيوع، وبقية المعاملات.\nوبعد أن انتهى من المعاملات ذكر المرافعات: فذكر كتاب الشهادات، ثم ذكر كتاب الصلح، ثم الوصية والوقف، ثم الجهاد، ثم عرض لأبواب غير فقهية مثل: بدء الخلق، وتراجم الأنبياء، والجنة والنار، ثم مناقب قريش، وفضائل الصحابة.\nثم ذكر السيرة النبوية والمغازي وما يتبعها، ثم كتاب التفسير، ثم فضائل القرآن، ثم عاد إلى الفقه من نكاح وطلاق ونفقات، ثم الأطعمة، ثم الأشربة، وبعد هذا ذكر كتاب الطب، ثم اللباس، ثم الأدب، ثم الاستئذان، ثم الدعوات، ثم الرقاق، ثم النذور، ثم الكفارات، ثم الفرائض، ثم الحدود، ثم الديات، ثم المرتدين، ثم الإكراه، ثم الحيل، وهذه بعضها فقه، وبعضها غير فقه، وأخيرًا ذكر كتاب تعبير الرؤيا، ثم كتاب الفتن، ثم كتاب الأحكام، ثم كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ثم كتاب التوحيد.\n_________\n١ الاتجاهات الفقهية عند المحدثين في القرن الثالث الهجري \"ص٣٠٠\"، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م.","vol":"1","page":268},{"text":"وقد بيَّن البلقيني وابن حجر وجوه الربط بين كتب البخاري بعضها ببعض، وبين أبوابه وصلتها بكتبها١.\nوعدد كتبه ٩٧ كتابًا، وعدد أبوابه \"٣٩٣٤\" بابًا، وفي بعض أبوابه هذه توجد الأحاديث المتصلة المسندة الصحيحة الكثيرة، وفي بعضها حديث واحد، وفي بعضها ما لا يوجد فيه أحاديث أصلًا، وكأن البخاري لم يجد في مثل هذه الأبواب أحاديث على شروطه التي أسلفنا القول فيها فتركه هكذا عسى أن يتيسر له حديث فيما بعد، أو يشير إلى أنه لم يصح فيه حديث٢، وذلك نحو البابين \"٣\"، \"١٣\" من كتاب \"بدء الخلق\"، ونحو الأبواب: \"٤\"، \"١٣\"، \"٢٣\"، \"٢٦\"، \"٣٠\"، \"٣٣\"، \"٣٤\"، \"٣٦\"، \"٤٢\"، \"٥٢\"، كل هذه الأبواب في كتاب \"أحاديث الأنبياء\"، ونحو الباب \"٥\" من كتاب النفقات.\nوقد كرر الإمام البخاري بعض هذه الأحاديث الصحيحة في كتابه؛ لأن الحديث الواحد قد يشتمل على أكثر من معنى، وكل معنى يندرج تحت باب معين، فهو \"يستخرج منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه\"٣، \"أو يكرر الحديث؛ لأنه يشمل على فائدة حديثية\".\nولأنه يحرص على أن يكون كتابه مختصرًا، فإنه لا يكرر الحديث كاملًا دائمًا، وإنما يذكر الجزء الذي يتضمن معنى الباب الذي يدرجه تحته، إلا إذا تعددت طرق الحديث فإنه يذكر الحديث مع سنده بتمامه.\n- عناية الأمة الإسلامية بصحيح الإمام البخاري:\nنال الجامع الصحيح للبخاري عناية كبيرة من الأمة الإسلامية وعلمائها؛ بحيث لم يحظَ بهذه العناية كتاب آخر بعد كتاب الله -﷿- وتمثلت هذه العناية في عدة جوانب؛ منها: توثيق أحاديثه، والكشف عن صحتها، وانتقاله إلينا\n_________\n١ هدى الساري \"ص٤٧٠-٤٧٤\".\n٢ المصدر السابق \"ص٦، ١٢\".\n٣ المصدر السابق \"ص١٢٥\".","vol":"1","page":269},{"text":"موثقًا عبر العصور السابقة، وحتى قيام الساعة، دون مساس بالتحريف أو التغيير، ونزيد الأمور وضوحًا بما يلي:\nأولًا: انتهى الإمام البخاري من تأليف جامعه الصحيح قبل وفاته بثلاثة وعشرين عامًا على الأقل١، والدليل على ذلك أنه قدمه إلى شيوخه: يحيى بن معين \"٢٣٣هـ-٨٤٧م\"، وعلي بن المديني \"٢٣٥هـ-٥٤٩م\"، وأحمد بن حنبل \"٢٤١هـ-٨٥٥م\"، وقد توفي البخاري عام \"٢٥٦هـ\"، وبهذا يكون أتيح لألوف التلاميذ والمهتمين بالحديث سماعه -كله أو بعضه- من خلال حلقات الدرس التي كان يعقدها البخاري في عدة بلاد٢.\nوانتقل صحيح البخاري بعد ذلك على أيد أمينة بطرق الرواية المختلفة من سماع وإجازة ومناولة وغيرها، وذلك مباشرة من أيد الرواة إلى تلاميذهم المشتغلين بالرواية والأمناء عليها.\nوقد ذكر ابن خير الإشبيلي \"٥٠٢-٥٧٥هـ\" في فهرسته الطرق التي وصل بها صحيح البخاري دون تحريف أو تغيير، فقال في روايته لصحيح البخاري٣:\n\"مصنف الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري؛ وهو الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله -ﷺ- وسننه وأيامه\".\n١- أما رواية أبي ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الهروي الحافظ -﵀- فحدثني بها شيخنا الخطيب، أبو الحسن شريح بن محمد شريح المقري -﵀- قراءة عليه بلفظي مرارًا، وسماعًا مرارًا، قال: حدثني به أبي -﵀- سماعًا من لفظه، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عيسى بن منظور القيسي -﵀- سماعًا عليه، قالا: حدثنا بها أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي سماعًا عليه، قال محمد بن شريح: سمعته عليه في المسجد الحرام عند\n_________\n١ راجع: فهرسة ابن خير الإشبيلي عن شيوخه \"ص٩٥\".\n٢ راجع: هدى الساري \"ص٤٩٢\"، تاريخ بغداد \"٢/ ٩\".\n٣ \"فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وأنواع المعارف\" لأبي بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي \"٥٠٢-٥٧٥هـ/ ١١٠٨-١١٧٩م\" \"ص٩٤-٩٨\".","vol":"1","page":270},{"text":"باب الندوة سنة \"٤٠٣هـ\". وقال ابن منظور: سمعته عليه في المسجد الحرام عند باب الندوة سنة \"٤٣١هـ\"، وقرئ عليه مرة ثانية، وأنا أسمع، والشيخ أبو ذر ينظر في أصله، وأنا أصلح في كتابي هذا في المسجد الحرام عند باب الندوة في شوال سنة \"٤٣١هـ\"، قال: أخبرنا به أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي بهراة سنة \"٣٧٣هـ\"، وأبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم المستملي ببلخ سنة \"٣٧٤هـ\"، وأبو الهيتم محمد بن المكي بن محمد بن ذراع الكشميهني بها سنة \"٣٨٧هـ\"، قالوا كلهم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صلح بن بشر الفربري بفربر، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري الجعفي -﵀- قال أبو ذر: سمعت أبا إسحاق المستملي يقول: مات محمد بن يوسف الفربري -﵀- في شهر شوال لعشر بقين منه، من سنة \"٣٢٠هـ\"، وتوفي أبو إسحاق المستعلي سنة \"٣٧٦هـ\"، وكان سماعه ورحلته إلى الفربري سنة \"٣١٤هـ\"، وولد أبو محمد الحموي سنة \"٢٩٣هـ\"، وسمع الفربري سنة \"٣١٥هـ\"؛ قال أبو ذر: سمعت أبا الهيثم محمد بن المكي أيضًا يقول: سمعت الكلاباذي أبا نصر البخاري يقول: كان سماع محمد بن يوسف الفربري بهذا الكتاب من محمد بن إسماعيل البخاري مرتين مرة بفربر في سنة \"٢٨٤هـ\"، ومرة ببخارى، وذكر أبو الهيثم أنه سمع هذا الكتاب من الفربري بفربر في ربيع الأول سنة \"٣٢٠هـ\"، وتوفي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري -﵀- سنة \"٢٥٦هـ\"، وكان مولده يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شوال سنة \"١٩٤هـ\"، قال مسلمة بن قاسم: سمعت من يقول عن أبي جعفر العقيلي قال: لما ألف البخاري كتابه في صحيح الحديث عرضه على علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فامتحنوه، فكلهم قال له: كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث؛ قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة.\n- وأما رواية ابن السكن:\nفحدثني بها شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- قراءة","vol":"1","page":271},{"text":"منى عليه قال: حدثني بها أبو عمر أحمد بن محمد بن الحذاء التميمي سماعًا عليه بقراءة أبي علي الجياني قال: نا بها أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قراءة عليه سنة \"٣٩٤هـ\"، قال: نا أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ في منزله بمصر سنة \"٣٤٣هـ\" قال: نا محمد بن يوسف بن مطر بن صلح بن بشر الفربري بفربر من ناحية بخارى، قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري سنة \"٢٥٣هـ\".\n- وأما رواية الأصيلي:\nفحدثني بها الشيخ الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي -﵀- قراءة مني عليه، والشيخ الفقيه أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- سماعًا لجملة منه، ومناولة منه لي لجميعه، قالا جميعًا: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج مولى محمد بن يحيى البكري المعروف بابن الطلاع، أما ابن بقي فقال: سمعت جميعه عليه، وأما ابن مغيث فقال: حدثنا به قراءة منه علينا لأكثر الكتاب، وإجازة لسائره، قال: سمعت جميعه على الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد عابد المعافري في سنة \"٤٢٣ هـ\" بقراءة محمد بن محمد بن بشير الصراف، قال: سمعت جميعها على الفقيه أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي سنة \"٣٨٣هـ\".\nقال: قرأتها على أبي زيد محمد بن أحمد المروزي بمكة سنة \"٣٥٣هـ\"، قال أبو محمد الأصيلي: وسمعتها على أبي زيد أيضًا ببغداد في شهر صفر سنة \"٣٥٩هـ\"، قرأ أبو زيد بعضها، وقرأت أنا بعضها حتى كمل جميع المصنف، قال أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري سنة \"٣١٨هـ\" قال: نا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري سنة \"٢٥٣هـ\"، قال أبو محمد الأصيلي: وقرأتها على أبي أحمد بن يوسف الجرجاني، قال: نا محمد بن يوسف الفربري، قال: نا محمد بن إسماعيل البخاري، وحدثني أيضًا بهذه الرواية الشيخ أبو محمد بن عتاب","vol":"1","page":272},{"text":"-﵀- إجازة فيما كتب به إلَيَّ، قال: حدثني بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عابد المذكور إجازة لي فيما كتبه لي بخط يده، قال: نا أبو محمد الأصيلي بالإسناد المتقدم، وحدثني أيضًا برواية أبي زيد المروزي المذكور شيخنا القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي -﵀- سماعًا عليه لأكثرها ومناولة لجميعها، قال: حدثني بها أبي، وعماي أبو عمر أحمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي صاحب الصلاة أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله، قالوا كلهم: حدثنا بها الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله، قال: كتب أبي أبو عمر أحمد بن عبد الله كتاب البخاري عن بعض ثقات أصحابه المصريين وسمعته بقراءته عليه، حدثنا به عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، عن محمد بن يوسف الفربري، عن محمد بن إسماعيل البخاري.\n- وأما رواية القابسي:\nفحدثني بها الشيخ أبو محمد بن عتاب -﵀- إجازة، قال: حدثني بها أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي قراءة عليه، قال: نا أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي الفقيه، قال: نا أبو زيد محمد بن أحمد المروزي بالسند المتقدم، وحدثني بها أيضًا الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، وغيرهما من شيوخي -﵏- قالوا: حدثنا بها أبو علي على حسين بن محمد بن أحمد الغساني، ثم الجياني -﵀- قال: قرأتها على أبي القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي -﵀- مرات، وحدثني بها عن أبي الحسن علي بن محمد بن الخلف القابسي الفقيه عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي عن أبي عبد الله الفربري عن البخاري ﵀.","vol":"1","page":273},{"text":"- وأما رواية النسفي:\nفحدثني بها الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي -﵀- قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني، قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد بن حكم الجذامي إجازة، قال: نا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران الهروي بمكة سنة \"٣٨٢هـ\": سمعت بعضه، وأجاز لي سائره، قال: نا أبو صالح خلف بن محمد بن إسماعيل الخيام البخاري، قال: نا إبراهيم بن معقل بن الحجاج النسفي، قال: نا البخاري، قال أبو علي: وروينا عن أبي الفضل صالح بن محمد بن شاذان الأصبهاني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي، أن البخاري أجاز له آخر الديوان من أول كتاب الأحكام إلى آخر ما رواه النسفي عن البخاري من الديوان؛ لأن في رواية محمد بن يوسف الفربري زيادة على رواية النسفي نحوًا من تسع أوراق من نسختي، وقد أعلمت على الموضع من كتابي، قال أبو علي: وهذه الروايات كلها متقاربة، وأقرب الروايات إلى رواية أبي ذر رواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المروزي.\nوبعد ابن خير جاء ابن حجر فبين أن روايته للجامع الصحيح تتصل إلى البخاري عن طريق أربعة من تلاميذه، وقد ذكر كل واحد منهم، وبيَّن تلاميذه والآخذين بروايته حتى انتهت إليه١، وقارن بين هذه النسخ في أثناء شرحه للكتاب، وهكذا فعل العلماء في كل عصر إلى يومنا هذا٢.\nوقد ترتب على هذا المسلك العلمي الدقيق ضمان سلامة انتقال صحيح البخاري.\nوقد يعترض أحد بأن هناك اختلافات في بعض النسخ، نقول: هذه الاختلافات أشار إليها ابن خير الإشبيلي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وهي\n_________\n١ فتح الباري \"١/ ٢ - ٥\".\n٢ راجع مثلًا: فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني، وغيره من الفهارس والأثبات \"المطبوعة\" والمنتشرة في العديد من المكتبات الخاصة والعامة.","vol":"1","page":274},{"text":"محصورة ومعزوة إلى أصحابها، وسببها اختلاف الأوقات التي يسمع فيها تلاميذ البخاري منه، أو لبعض أخطاء النساخ. قال أ. د. رفعت فوزي: \"ومن هنا سهل على من يريد ضبطه وتحريره أن يرجع بكل وجه من رواياته إلى أصله١.\nوهذا هو ما فعله علم من أعلام الحديث في القرن السابع الهجري، وهو الحافظ شرف الدين علي بن محمد بن عبد الله اليونيني \"ت ٧٠١هـ-١٣٠٢م\"؛ فقد قام بضبط رواية البخاري، وقابل أصله بأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن أحمد الهروي، وبأصل مسموع على الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، وبأصل الحافظ أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع على أبي الوقت. وقد حضر معه في هذه المقابلة الإمام النحوي جمال الدين بن مالك، فكان إذا مر في الألفاظ ما يتراءى أنه مخالف لقوانين العربية المشهورة قال لليونيني: هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه: بأنها منها شرع ابن مالك في توجيهها حسب إمكانه، وجمع هذه التوجيهات في كتابه \"التوضيح في حل مشكلات الجامع الصحيح\".\nولم يقصد اليونيني من هذه المقابلة أن يرجح بين ما في هذه الأصول من مختلف الروايات، وأن يخرج منها صورة مختارة في نظره لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك الروايات كلها في صعيد واحد؛ تيسيرًا لمن يريد الانتفاع بها من العلماء، وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان، وقد استعان بالرموز في الإشارة إلى اختلاف النسخ، وصنع من بعض حروف الهجاء علامات يضعها على مواطن الخلاف، ويرشد بها إلى الرواة المختلفين، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق، وحرر ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة التي قابل عليها أصله٢.\n_________\n١ وقد وضعت المؤلفات والأبحاث في روايات البخاري واختلافها والمقارنة بينها، انظر: تاريخ التراث العربي \"١/ ٣١٠، ٣١١\".\n٢ التعريف بأمير المؤمنين في الحديث \"ص١٣٠، ١٣١\".","vol":"1","page":275},{"text":"والنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض النسخ، وقد أرسل هذا الأصل إلى السلطان عبد الحميد لينشر في مصر، وقد طبع في مطبعة بولاق١.\nثانيًا: وأيضًا هناك طرق أخرى نُقل بها صحيح البخاري على نحو آخر، وذلك على أيدي الشراح الذين حققوا في أثناء شرحهم الروايات والنصوص، كما في فتح الباري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وغيره من شروح صحيح البخاري.\nقال أ. د. رفعت فوزي: \"وقد شرح صحيح البخاري أعلام بصراء بالحديث والفقه، منهم: أحمد بن محمد الخطابي \"ت٣٨٦هـ-٩٩٦م\"، ومحمد بن يوسف بن علي الكرماني \"ت٧٨٧هـ-١٣٨٤م\" في كتابه \"الكواكب الدراري\"، وأحمد بن علي بن حجر العسقلاني \"ت٨٥٢هـ-١٤٤٨م\" في كتابه \"فتح الباري\"، ومحمود بن أحمد بن موسى العيني \"ت٨٥٥هـ-١٤٥٠م\" في كتابه \"عمدة القاري\"، وأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني \"ت٩٢٣هـ-١٥١٧م\" في كتابه \"إرشاد الساري\"، وغيرهم كثيرون، وقد ذكر فؤاد سزكين في كتابه \"تاريخ التراث العربي\" ٥٦ شرحًا، وبعضها مخطوط، وبعضها قد طبع عدة مرات كالكتب السابقة\"٢.\nثالثًا: كما نقل على نحو آخر في الكتب التي جمعت بين صحيحي البخاري ومسلم، أو ذكر أطرافهما، وذلك كتاب \"الجمع بين الصحيحين\" لمحمد بن عبد الله الجوزقي \"ت٣٨٨هـ-٩٩٨م\"، و\"الجمع بين الصحيحين\" لمحمد بن أبي نصر الحميدي \"ت٤٨٨هـ-١٠٩٥م\"، و\"الجامع بين الصحيحين\" لأبي نعيم عبيد الله بن الحسن بن أحمد بن الحداد \"ت٥١٧هـ-١١٢٣م\"، وغيرهم٣.\n_________\n١ كتب السُّنة \"ص١٦٥، ١٦٦\".\n٢ كتب السُّنة \"ص١٦٦\"، وانظر: تاريخ التراث العربي \"١/ ٣١٢- ٣٣١\" \"الطبعة الأولى\"، وقد أشار إلى مواضع مخطوطاتها في مكتبات العالم المختلفة، كما أشار إلى ما طبع منها.\n٣ تاريخ التراث \"١/ ٣٤٥، ٣٤٦\".","vol":"1","page":276},{"text":"ومن الكتب التي ذكرت أطراف الصحيحين كتاب \"أطراف الصحيحين\"، لخلف بن محمد الواسطي \"ت٤٠١هـ-١٠١١م\"١.\nكما ألفت المستخرجات على الصحيحين، وهي تحمل متون أحاديث الصحيحين مع اختلاف في الأسانيد٢.\nرابعًا: وقد ألفت الكتب التي تُعْنَى برواة البخاري، وبيان حالتهم في الرواية، والكشف عن أساميهم وكناهم وألقابهم، ووصل التعاليق فيه ببيان رجالها، ومن هذه الكتب كتاب \"أسامي مَن روى عنهم البخاري\" لعبد الله بن عدي بن عبد الله الجرجاني بن القطان \"ت٣٦٥هـ-٩٧٦م\"، وكتاب \"ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند محمد بن إسماعيل البخاري\" لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني \"ت٣٨٥هـ-٩٩٥م\"، وكتاب \"أحاديث التعليق\" لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي \"ت٥٩٧هـ-١٢٠٠م\"، وكتاب \"تغليق التعليق على كتاب البخاري\" لابن حجر العسقلاني، وغيرها٣.\nهذا عدا المؤلفات التي تُعْنَى بتيسير الاستفادة من هذا الكتاب العظيم مما ليس مجال تفصيلها هنا٤.\n_________\n١ تاريخ التراث \"١/ ٣٤٥\".\n٢ وهذه المستخرجات كثيرة حصرها الإمام السيوطي في اثنين وعشرين مستخرجًا \"تدريب الراوي ١/ ١٣٧\"، ومن أشهرها: المستخرج على الصحيحين لأبي نعيم الأصفهاني، والمستخرج على صحيح البخاري لأبي بكر الإسماعيلي، والمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة الإسفراييني.\n٣ تاريخ التراث \"١/ ٣٤١-٣٤٣\".\n٤ المرجع السابق \"١/ ٣٤١-٣٤٦\".","vol":"1","page":277},{"text":"ثانيًا: الإمام مسلم \"٢٠٦-٢٦١هـ\" ١\nهو: أبو الحسين مسلم بن الححاج بن مسلم القشيري النيسابوري، ولد بنيسابور سنة \"٢٠٦هـ\"، وتوفي بها -أيضًا- عشية الأحد، ودفن يوم الإثنين في رجب سنة \"٢٦١هـ\"، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقضى عمره في طلب الحديث وحفظه وتدوينه، ورحل في طلبه إلى بلدان كثيرة؛ منها: الحجاز، ومصر، والشام، والعراق، وخراسان، والري، وغيرها، وسمع من خلائق من الأئمة وغيرهم، منهم: قتيبة بن سعيد، وأحمد بن حنبل، وإسماعيل بن أبي أويس، ويحيى بن يحيى، وأبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، وعبد الله بن أسماء، وشيبان بن فروخ، وحرملة بن يحيى صاحب الشافعي، ومحمد بن يسار، ومحمد بن مهران، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن سلمة المرادي، وخلائق من الأئمة غيرهم، وروى عنه: أبو عيسى الترمذي، ويحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الزاهد، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمد بن عبد الوهاب الفراء، وعلي بن الحسين، ومكي بن عبدان، وأبو عوانة، يعقوب بن إسحاق الإسفراييني، وأبو عمرو أحمد بن المبارك المستملي، ونصر بن أحمد، وخلائق.\n- مصنفات الإمام مسلم:\nله العديد من المصنفات؛ منها: \"المسند الصحيح\"، و\"المسند الكبير\" رتبه على الرجال، و\"الجامع\" رتبه على الأبواب، و\"كتاب التمييز\"، و\"العلل\"، و\"سؤالات\n_________\n١ راجع ترجمته في:الأعلام للزركلي \"٨/ ١١٧\"، الطبعة الثانية، تهذيب الأسماء واللغات للنووي \"١/ ١٣١\"، تهذيب الكمال \"٢٧/ ٤٩٩ - ٥٠٧\"، تهذيب التهذيب \"١٠/ ٢٢٦\"، التقريب \"٢/ ٢٤٥\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٨٨\"، تاريخ بغداد \"١٣/ ١٠٠\"، الأنساب للسمعاني \"١٠/ ١٥٥\"، سير أعلام النبلاء \"١٢/ ٥٥٧\"، الكاشف \"٣\" ترجمة \"٥٥٠٥\"، العبر \"١/ ١٩٧\"، شذرات الذهب \"٢/ ١٤٤\"، خلاصة الخزرجي \"٣/ الترجمة ٦٩٦٢\"، المنتظم \"٥/ ٣٢\"، شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ١٠٩ - ١٥٨\"، فهرسة ابن خير \"٩٨، ٢١٢، ٢١٣\"، فتح الباري لابن رجب \"٣/ ٢٠١\"، ففيه ذكر كتاب التفصيل لمسلم.","vol":"1","page":279},{"text":"أحمد بن حنبل\"، والانتفاع بأهُب السِّباع\"، و\"الأسماء والكنى\" و\"الأفراد\"، و\"الوحدان\" و\"الأقران\"، و\"كتاب عمرو بن شعيب\"، و\"تسمية شيوخ مالك\"، و\"مشايخ سفيان الثوري\"، و\"مشايخ شعبة\"، و\"كتاب المخضرمين\"، وكتاب أولاد الصحابة فمن بعدهم من المحدثين\"، و\"أوهام المحدثين\"، و\"الطبقات\"، و\"أفراد الشاميين\"، و\"من ليس له إلا راوٍ واحد\"، وكتاب \"تفصيل السنن\".\nوقد كتب صحيحه -وهو المسمى بالمسند الصحيح- في خمس عشرة سنة، وهو أشهر كتبه. قال الزركلي في الأعلام: جمع فيه اثني عشر ألف حديث كتبها في خمس عشرة سنة، وهو أحد الصحيحين المعول عليهما عند المحدثين والفقهاء والأصوليين١.\nوقال مسلم رحمه الله تعالى: \"صنفتُ هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة\"٢.\nوقال أيضًا: \"لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة، فمدارهم على هذا المسند، ولقد عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار إلَيَّ أن فيه علة تركته وما قال: هو صحيح ليس له علة أخرجته\"٣.\nوقال أيضًا: \"ما وضعت شيئًا في هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه إلا بحجة\"٤.\nوقال أيضًا: \"ليس كل شيء صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه\"٥.\n_________\n١ الأعلام للزركلي \"٨/ ١١٧\"، وقوله: \"اثنتي عشر ألف حديث\" يعني بالأحاديث المكررة، وبإسقاط المكرر فهي نحو أربعة آلاف حديث، مقدمة ابن صلاح، هامش \"ص١١\"، وراجع: شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ١٢٩\"، وبلغ العدد بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي \"٣٠٣٣\".\n٢ تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٨٩\"، شذرات الذهب \"٢/ ١٤٤\".\n٣ تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي \"١/ ٣٣\"، هدى الساري \"ص٣٤٥\"، سير أعلام النبلاء \"١٢/ ٥٦٨\"، \"١٢/ ٥٧٩\"، شرح مسلم للنووي \"١/ ١٢١، ١٣٦\".\n٤ تلخيص صحيح مسلم للقرطبي \"١/ ٣٣\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٩٠\"، سير أعلام النبلاء \"١٢/ ٥٨٠\".\n٥ صحيح مسلم \"١/ ٣٠٤\" كتاب الصلاة، في الحديث رقم \"٦٣\".","vol":"1","page":280},{"text":"قال سراج الدين البلقيني: \"أراد مسلم بقوله: \"ما أجمعوا عليه\" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني\"١.\nوحكى القاضي أبو الفضل عياض الإجماع على إمامته، وتقديمه، وصحة حديثه، وميزه٢، وثقته، وقبول كتابه٣.\nوقد أبقى له صحيحه ذكرًا جميلًا، وثناء حسنًا، وثوابًا عظيمًا إلى يوم القيامة، قال الإمام النووي: \"ومن حقق نظره في صحيح مسلم -﵀- واطلع على ما أودعه في أسانيده، وترتيبه، وحسن سياقته، وبديع طريقته، من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق، وأنواع الورع والاحتياط والتحري في الرواية، وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقاتها وانتشارها، وكثرة اطلاعه، واتساع روايته، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأعجوبات، واللطائف الظاهرات والخفيات -علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بل يداينه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم\"٤، حتى قال أبو علي الحافظ النيسابوري أستاذ الحاكم: \"ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج\"٥، والجمهور على أن صحيح البخاري مُقدَّم على صحيح الإمام مسلم رحمهما الله جميعًا.\n- دوافع تصنيف الإمام مسلم لصحيحه:\nيمكن إرجاع الأسباب التي من أجلها صنف الإمام مسلم صحيحه إلى سببين رئيسيين هما:\n_________\n١ محاسن الاصطلاح \"ص٩١\".\n٢ المراد التمييز بين الأشياء، ويعني دقة فرز الإمام مسلم لأحاديث صحيحه.\n٣ تلخيص صحيح مسلم، للقرطبي \"ص٣٢\".\n٤ في مقدمة شرح صحيح مسلم له \"١/ ١١٥\".\n٥ مقدمة ابن الصلاح \"ص١٠\"، تلخيص صحيح مسلم للقرطبي \"١/ ٣٢\".","vol":"1","page":281},{"text":"الأول: انتخاب طائفة من الأحاديث الصحيحة المتصلة والمشتملة على أحكام الدين وسننه، مرتبة فقهيًّا، خاصة وأن المصنفات الحديثة في عصره -أو قبله- كانت غير مرتبة فقهيًّا، وتجمع الصحيح والضعيف معًا، باستثناء صحيح الإمام البخاري، وموطأ الإمام مالك.\nالثاني: صرف غير المشتغلين بعلوم الحديث المتخصصين إلى مصنف مشتمل على الأحاديث الصحيحة الجامعة لأحكام الدين بعيدًا عن روايات الزنادقة والقصاصين وجهلة المتصوفة.\n- منهج الإمام مسلم، وشروطه في صحيحه:\nرتب الإمام مسلم صحيحه ترتيبًا فقهيًّا دقيقًا على الكتب والأبواب، دون تكرار أو تجزئة لها كما صنع شيخه البخاري، ولتوضيح منهجه نسوق مثالًا من صحيحه:\nيقول في باب تحريم إيذاء الجار والحث على إكرامه هو والضيف١:\n١- حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر -جميعًا- عن إسماعيل بن جعفر، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ- قال: \"لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه\".\n٢- حدثني حرملة بن يحيى، أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: $\"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\n٣- حدثنا أبو بكر بن شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي \"١/ ٣٧٧ - ٣٨٠\".","vol":"1","page":282},{"text":"صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\".\n٤- حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -ﷺ- بمثل حديث أبي حصين، غير أنه قال: \"فليحسن إلى جاره ... \".\n٥- حدثنا زهير بن حرب، ومحمد بن نمير، جميعًا عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان، عن عمرو: أنه سمع نافع بن جبير يخبر عن أبي شريح الخزاعي أن النبي -ﷺ- قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت\".\nوواضح من هذا المثال -كما قال فضيلة الدكتور رفعت فوزي- أن الإمام مسلمًا يجمع طرق المتن الواحد من غير تكرار، كما ألزم نفسه بذلك في مقدمة كتابه، فإذا اتحد المتن لا يكرره، فإذا كان الاختلاف يسيرًا نبه عليه فقط، أما إذا كان غير يسير فإنه يعيد المتن؛ لأنه يصبح حينئذ متنًا جديدًا.\nوواضح أيضًا دقة الإمام مسلم في روايته للأحاديث، ويتمثل هنا في اعتنائه بضبط اختلاف ألفاظ الرواة، ففي الحديث الخامس حدثه زهير بن حرب، ومحمد بن نمير بحديث واحد؛ ولكنه ينبه إلى أن ما أثبته في كتابه إنما هي رواية ابن نمير وألفاظه، فقال: \"قال ابن نمير: حدثنا سفيان ... \" إلى آخره.\nومما يتصل بدقة الإمام مسلم في كتابه ما ذكره الإمام النووي من أنه يعتني بالتمييز بين \"حدثنا\" و\"أخبرنا\"، وتقييده ذلك على مشايخه، وفي روايته، وكان من مذهبه -﵀- الفرق بينهما، وأن \"حدثنا\" لا يجوز إطلاقه إلا على ما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و\"أخبرنا\" لما قرئ على الشيخ١.\n_________\n١ صحيح مسلم بشرح النووي \"١/ ١٣٠\".","vol":"1","page":283},{"text":"ومن دقته أيضًا اعتناؤه بالأسانيد وتحويلها، وعدم الاكتفاء ببعضها، مع إيجاز العبارة وكمال حُسنها، ولا يجيز لنفسه أن يروي الصحيفة الواحدة بإسناد واحد، وإنما ينبه على الإسناد في كل حديث، ويتجلى ذلك في صحيفة همام بن منبه، عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- فقد رويت هذه الصحيفة بإسناد واحد في أولها، وكان مسلم يستطيع أن يفعل ذلك بألا يذكر الإسناد إلا مع الحديث الأول فيها، كما أجاز ذلك وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبو بكر الإسماعيلي الشافعي؛ ولكنه \"ورعًا واحتياطًا وتحريًا وإتقانًا\" ذكر كل حديث منهما مقترنًا بإسناده١.\nومن دقته تحريه في مثل قوله: \"حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى، وهو ابن سعيد\"، فلم يستجز -﵁- أن يقول: سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد؛ لكونه لم يقع في روايته منسوبًا، فلو ذكره بنسبه إلى أبيه لكان مخبرًا عن شيخه أنه أخبره بنسبه، والحقيقة أنه لم يخبره.\nفهو بهذا كله قد حافظ على التقاليد الأصيلة لعلم الإسناد وروايته، تلك التقاليد التي وضعها أئمة الحديث؛ صيانة للرواية من التبديل والتغيير، وتوثيقًا لها؛ بحيث يطمأن إلى ورود الحديث ورودًا نقيًّا دون تحريف فيه، وأصبح كتاب مسلم -كما قال أحد الدارسين المحققين المعاصرين- بهذا كله \"كامل الأسانيد، واضح البناء، منطقيًّا في ترتيب مواده، موفقًا في اختيار مصادره٢\" ٣.\nهذا، وقد أعلن الإمام مسلم عن منهجه وشرطه في مقدمه صحيحه فقال:\n\"ثم إنَّا -إن شاء الله- مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه على شريطة سوف أذكرها لك، وهو أنا نَعْمِدُ إلى جُمْلَةِ ما أُسند من الأخبار عن رسول الله -ﷺ-\n_________\n١ مقدمة شرح صحيح مسلم \"١/ ١٣١\".\n٢ فؤاد سزكين في تاريخ التراث العربي \"١/ ٣٥٣\".\n٣ كتب السنة، الجزء الأول \"ص١٩٦ - ١٩٩\".","vol":"1","page":284},{"text":"فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضع لا يُستغنَى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام، فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن؛ ولكن تفصيله ربما عسر من جملته، فإعادته بهيئته -إذا ضاق ذلك- أسلم.\nفأما ما وجدنا بُدًّا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه، فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى.\nفأما القسم الأول: فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخبط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم، فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم؛ كعطاء بين السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار ونُقَّال الأخبار، فهم -وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية- يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية ...\nفعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله -ﷺ- فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم؛ كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن","vol":"1","page":285},{"text":"إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفتْ روايتُه أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن مُحرَّر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صُهْبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به؛ لأن حكم أهل العلم -والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدِّث من الحديث- أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجِدَ كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند الصحابة قُبِلَتْ زيادته ...\nفأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مُشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما -أو عند أحدهما- العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.\nواعلم -وفقك الله تعالى- أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والسِّتارة١ في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع ... \"٢.\n_________\n١ الستارة: ما يستتر به، وكذلك السترة، وهي هنا إشارة إلى الصيانة، م \"١/ ٨\" هامش.\n٢ صحيح مسلم \"١/ ٤- ٨\"، طبع دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":286},{"text":"وحاصل كلام الإمام مسلم الذي عرض فيه منهجه وشروطه يتلخص فيما يلي:\nأولًا: أنه يتحاشى التكرار إلا عند الحاجة الماسة.\nثانيًا: أنه قسم الأخبار المسندة إلى رسول الله -ﷺ- إلى ثلاثة أقسام تضم أربع طبقات تبعًا لدرجات الرواة ومكانتهم من حيث قبول رواياتهم وردها:\nالقسم الأول: أنه التزم بتخريج روايات أهل الحفظ والإتقان والاستقامة من أهل الطبقة الأولى أولًا.\nالقسم الثاني: أنه يُتْبِع روايات أهل الطبقة الأولى بروايات أهل الطبقة الثانية، ممن يشملهم الستر والصدق، وليسوا من أهل الحفظ والإتقان، وعنده أن أخبار أهل القسم الثاني لتقوية ومعاضدة روايات أهل القسم الأول عند الاحتياج إليها، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر العسقلاني قصد الإمام مسلم من المتابعات، وهو يرفع بها التفرد عن أحاديث أهل القسم الأول إذا وجدت الحاجة لذلك، ويفيد قلة أحاديث القسم الثاني في الصحيح نسبيًّا؛ لأن هدفه الأول الصحة، وقد يتحقق في كثير من الأحيان بأحاديث أهل القسم الأول.\nوحين تكلم ابن القطان على أحد رجال مسلم وقال: \"وعيب على مسلم إخراج حديثه\"، قال ابن القيم ردًّا عليه: \"ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه\"١.\nوهذا يتفق مع تصريح الإمام مسلم نفسه حين قال: \"ليس كل شيء صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه\"٢.\nالقسم الثالث: ويشمل المتهمين من أهل الطبقة الثالثة، والغالب على حديثه\n_________\n١ زاد المعاد \"١/ ٣٦٤\".\n٢ صحيح مسلم \"١/ ٣٠٤\" في الحديث رقم \"٦٣\".","vol":"1","page":287},{"text":"النكارة من أهل الطبقة الرابعة، فهؤلاء لا يعرج على حديثهم، ولا يتشاغل بتخريجه.\nوهكذا تلاحظ اهتمام الإمام مسلم بالسند، وتحري عدالة الرواة وضبطهم؛ وذلك لأن الإسناد دليل على صحة الحديث أو ضعفه، مما ينعكس بوضوح على الأحكام التشريعية. قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء١.\nوقد التزم الإمام مسلم بهذا المنهج الذي رسمه لنفسه، وليس كما زعم الحاكم والبيهقي، حين ذهبا إلى أنه لم يخرج في كتابه الصحيح إلا عن الطبقة الأولى، ولم يخرج عن الطبقة الثانية٢. قال القاضي عياض: \"وليس الأمر على ذلك لمن حقق نظره ولم يتقيد بالتقليد، فإنك إذا نظرت إلى تقسيم مسلم في كتابة الحديث على ثلاث طبقات من الناس كما قال\"٣، فجاء بحديث الحفاظ والمتقنين أولًا، ثم أتبعه بحديث أهل الستر والصدق، ثم استشهد بحديث من اتهم من قِبَل بعض العلماء بتهمة نفاها عنه آخرون، ممن ضعف أو اتهم ببدعة، قال النووي: \"وهذا الذي اختاره القاضي عياض ظاهر جدًّا، والله أعلم\"٤.\nفكل الأحاديث التي رواها مسلم في أصول أبواب صحيحه متصلة الإسناد برواية الثقة عن الثقة من أوله إلى آخره، قال ابن الصلاح: شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالمًا من الشذوذ، ومن العلة، وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر، فكل حديث اجتمعت فيه هذه الأوصاف فلا خلاف بين أهل الحديث في صحته٥.\n_________\n١ مقدمة صحيح مسلم \"١/ ١٢٨\"، المحدث الفاضل \"ص٢٠٩\"، مقدمة ابن الصلاح \"ص١٣٠\"، تدريب الراوي \"٢/ ١٦٠\"، شرف أصحاب الحديث \"ص٤١\"، معرفة علوم الحديث \"ص٩\"، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع \"١/ ١٢٣\".\n٢، ٣ شرح مسلم للنووي \"١/ ١٣٢\".\n٤ المصدر السابق \"١/ ١٣٣\".\n٥ صيانة صحيح مسلم \"ص٧٢\"، ونقله النووي بنحوه في مقدمة صحيح مسلم \"١/ ١٢١، ١٢٢\".","vol":"1","page":288},{"text":"وأخطأ الذين عابوا على الإمام مسلم روايته عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين، الذين ليسوا من شرط الصحيح، وذلك لأحد أسباب لا معاب عليه معها١:\nأحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، قال ابن الصلاح: \"ولا يقال: إن الجرح مُقدَّم على التعديل، وهذا تقديم للتعديل على الجرح؛ لأن الذي ذكرناه محمول على ما إذا كان الجرح غير مفسر السبب فإنه لا يعمل به\".\nالثاني: أن يكون ذلك واقعًا في الشواهد والمتابعات لا في الأصول؛ وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبع ذلك بإسناد آخر أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجهة التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه.\nالثالث: أن يكون ضَعْف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه غير قادح فيما رواه من قبل في زمان سداده واستقامته، كما في \"أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب\"، فذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك ... ثم روى بسنده عن إبراهيم بن أبي طالب٢ يقول: قلت لمسلم بن الحجاج: قد أكثرت الرواية في كتابك الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوهبي، وحاله قد ظهر؟ فقال: إنما نقموا عليه بعد خروجي من مصر.\n_________\n١ راجع: صيانة صحيح مسلم \"ص٩٤-٩٨\"، شرح مسلم للنووي \"١/ ١٣٤- ١٣٦\".\n٢ إبراهيم بن أبي طالب: محمد بن نوح بن عبد الله النيسابوري، أبو إسحاق شيخ خراسان، قال الحاكم: كان إمام عصره في معرفة الحديث والرجال، أملى كتاب العلل وغيره، تُوفي سنة خمس وتسعين ومائتين. راجع: تذكرة الحفاظ \"٢/ ٦٣٨\"، العبر \"٢/ ١٠٠\".","vol":"1","page":289},{"text":"الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده برواية الثقات نازل، فيذكر العالي أولًا بطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن بذلك، فقد بلغه إن أبا زرعة الرازي أنكر روايته في صحيحه عن \"أسباط بن نصر\"، وقطن بن نسير\" \"وأحمد بن عيسى\"، فرد الإمام مسلم على ذلك بقوله: وإنما أدخلت من حديث \"أسباط\" و\"قطن\" و\"أحمد\" ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلَيَّ عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.\nذكر الحاكم أن من شروط الصحيحين إخراج الحديث عن عدلين إلى النبي -ﷺ- ونفى الحازمي هذا الشرط نفيًا قاطعًا، وقال: \"فهذا غير صحيح طردًا وعكسًا\"١. وجاء من الصحيحين بأمثلة تؤكد عدم صحة ما ذهب إليه الحاكم٢، ومن بين الأمثلة الموجودة في صحيح البخاري -والتي تنفي ادعاء الحاكم وزعمه، كما يرى الحازمي- أن أول حديث في صحيح الإمام البخاري، وهو: \"إنما الأعمال بالنيات ... \"، وآخر حديث فيه، وهو: \"كلمتان خفيفتان ... \" فردان غريبان، كما نص على ذلك الحافظ البرهان البقاعي وغيره، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي مؤلفًا سماه: \"غرائب الصحيحين\"، وذلك فيه ما يزيد على مائتي حديث من الغرائب والأفراد المخرجة في الصحيحين٣.\nقلت: وقد يكون مراد الحاكم أن هذا الشرط استحسنه الشيخان؛ ولكنهما لم يلتزما به في كل الأحاديث!\n- عناية الأمة الإسلامية بصحيح الإمام مسلم:\nحَظِيَ صحيح الإمام مسلم بعناية كبيرة من الأمة الإسلامية وعلمائها في\n_________\n١ شروط الأئمة الخمسة \"ص٤٣، ٤٤\".\n٢ راجع: المصدر السابق \"ص٤٤-٥٠\".\n٣ راجع: المصدر السابق، \"التعليق في الهامش\" \"ص٤٣\".","vol":"1","page":290},{"text":"مشارق الأرض ومغارها، وهذه العناية تلت العناية بصحيح البخاري مباشرة، وكانت هذه العناية من وجوه عدة تكاتفت جميعًا لتؤكد أن صحيح الإمام مسلم انتقل إلينا عبر الأجيال موثقًا ومحفوظًا ومصانًا من أي عبث أو تحريف أو تغيير، وسيظل كذلك حتى قيام الساعة، ونوضح هذه الوجوه فيما يلي١:\nأولًا: انتقل صحيح الإمام مسلم إلى العلماء بالسماع، أو القراءة، أو المناولة، أو الإجازة جيلًا بعد جيل، شأنه في ذلك شأن المؤلَّفات في العلوم الإسلامية، وإن العناية هنا في هذا المجال أكثر وأوفر.\nيصف الإمام النووي \"٦٣١-٦٧٦هـ/١٢٣٣-١٢٧٧م\" كيف انتقل صحيح الإمام مسلم إليه خاصة، وإلى عصره عامة فيقول:\n\"صحيح مسلم -﵀- في نهاية من الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجاج، وأما من حيث الرواية المتصلة بالإسناد المتصل بمسلم، فقد انحصرت طريقه عنده في هذه البلدان في رواية أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، ويروي في بلاد المغرب -مع ذلك- عن أبي محمد أحمد بن علي القلانسي عن مسلم، ورواه عن ابن سفيان جماعة منهم الجلودي، وعن الجلودي جماعة منهم الفارسي، وعنه جماعة منهم الفراوي، وعنه خلائق منهم منصور، وعنه خلائق منهم شيخنا أبو إسحاق\"٢.\nقال الشيخ الحافظ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وأما القلانسي فوقعت روايته عند أهل المغرب، ولا رواية له عند غيرهم، دخلت روايته إليهم من جهة أبي عبد الله محمد بن يحيى الحذَّاء التميمي القرطبي وغيره، سمعوها بمصر من أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن الرحمن بن ماهان البغدادي، قال:\n_________\n١ انظر كتب السنة، الجزء الأول \"ص٢١٢ - ٢٢١\".\n٢ شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ١١٦\".","vol":"1","page":291},{"text":"حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر الفقيه على مذهب الشافعي، قال: حدثنا أبو محمد القلانسي، قال: حدثنا مسلم إلا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب أولها حديث الإفك الطويل١، فإن أبا العلاء بن ماهان كان يروي ذلك عن أبي أحمد الجلودي، عن ابن سفيان، عن مسلم رضي الله عنه٢.\nوبلغ من دقتهم أن ميزوا بين ما أخذه أشهر الرواة عن مسلم سماعًا وما أخذوه إجازة، وينقل النووي عن ابن الصلاح ذلك، يقول: \"اعلم أن لإبراهيم بن سفيان في الكتاب فائتًا لم يسمعه من مسلم، يقال فيه: أخبرنا إبراهيم عن مسلم، ولا يقال فيه: أخبرنا مسلم، ولا: حدثنا مسلم، وروايته لذلك عن مسلم إما بطريق الإجازة، وإما بطريق الوجادة٣.\nوقد أغفل أكثر الرواة عن تبيين ذلك وتحقيقه في فهارسهم وتسميعاتهم وإجازاتهم وغيرها؛ بل يقولون في جميع الكتاب: أخبرنا إبراهيم قال: أخبرنا مسلم، وهذا الفوت في ثلاثة مواضع محققة في أصول معتمدة\".\nوهذه الفوائت قريبًا من ست وثلاثين ورقة٤.\nوقد اجتهد العلماء في كل جيل وكل عصر لأن يسمعوا صحيح الإمام مسلم أكثر من مرة، وعلى أكثر من شيخ، وهذا من شأنه يزيد في الاطمئنان إلى سلامة وصول الكتاب إلى كل جيل لاحق دون تحريف أو تغيير.\nوقد ذكر ابن خير الإشبيلي \"٥٠٢-٥٧٥هـ\" في فهرسته الطرق التي وصل بها\n_________\n١ من \"ص١١٢- ٢٤٦\" آخر الكتاب ج٨ وهو الجزء الأخير من طبعة إستنابول سنة ١٣٢٩هـ.\nومن \"ص٦٢٨ - ٨٨٣\"، من صحيح مسلم على شرح النووي، طبعة دار الشعب بالقاهرة.\n٢ مقدمة شرح مسلم للنووي \"١/ ١١٦، ١١٧\" دار القلم، بيروت.\n٣ وقد رجح النووي، كما هو موجود عنده في بعض الأصول أنه يروي هذا الجزء إجازة \"١/ ١١٧\" من شرح مسلم، وهذا بطبيعة الحال لا يتنافَى مع كون محمد بن سفيان سمع أحاديث هذا الجزء من مسلم في غير كتاب الصحيح.\n٤ مقدمة شرح صحيح مسلم، النووي \"١/ ١١٧-١١٩\".","vol":"1","page":292},{"text":"صحيح الإمام مسلم دون تحريف أو تغيير، فقال في روايته لصحيح مسلم: مصنف الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، وهو \"المسند الصحيح المختصر من السنن، بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ\".\nأما رواية الجلودي فحدثني بها الشيخ القاضي أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن العربي -﵀- قراءة مني عليه، قال: أنا به الشيخ أبو بكر محمد بن طرخان بن يلتكين بن يَحْكَم التركي، قال: أنا أبو الليث أبو الفتح نصر بن الحسن بن أبي القاسم التنكتي الشاسي.\nقال ابن العربي أيضًا: وأخبرنا الشيخ الإمام جمال الإسلام إمام الحرمين أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري نزيل مكة بها سماعًا ومناولة، قالا: أنا عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الزكي العدل، قال: نا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه الجلودي عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، وفي بعض المواضع يقول ابن سفيان: حدثنا مسلم، وذلك مقيد مجود في أصلي بحمد الله، وحدثني بها أيضًا الشيخ الخطيب أبو بكر موسى بن سيد بن إبراهيم الأموي -﵀- قراءة مني عليه في أصل كتابه بالمسجد الجامع بالجزيرة الخضراء -حرسها الله- في ذي القعدة من سنة ٥٣٤هـ، والشيخ المحدث أبو الحسن عباد بن سرحان المعافري -﵀- مناولة منه لي في أصل كتابه، والشيخ الإمام أبو الحكم عبد الرحمن بن عبد الملك بن غشَلْيان الأنصاري -﵀- إجازة قالوا كلهم: حدثنا بها الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي الطبري المذكور، أما ابن سيد، وابن سرحان، فسمعاه عليه، وأما ابن غشليان فإجازة منه له، وقد تقدم سند الطبري فوق هذا، وحدثني بها أيضًا شيخنا أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث -﵀- قراءة عليه، وأنا أسمع إلا يسيرًا من آخره، فإنه أجازه لي وناولني الديوان كله، قال: حدثني به الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن بشير المعافري الصيرفي -﵀- قراءة عليه، قال: نا به أبو محمد عبد الله بن الوليد بن سعد بن بكر الأنصاري بمصر وكتبته من كتابه، قال: نا به أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن","vol":"1","page":293},{"text":"بِنْدَار بن جبريل الرازي، قال: نا أبو أحمد الجلودي، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، قال: نا مسلم بن الحجاج، وحدثني بها أيضًا الشيخ الأديب أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أحمد النفزي المالقي -﵀- مناولة منه لي، قال: حدثني به الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس بن دلهاث العذري، ثم الدلائي -﵀- سماعًا مني عليه مرة وثانية، قال: نا به أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الرحمن بن بندار الرازي بمكة -حرسها الله- قراءة عليه وأنا أسمع سنة \"٤٠٩هـ\" بالإسناد المتقدم، وحدثني بها الشيخ المحدث أبو بكر محمد بن أحمد طاهر القيسي سماعًا عليه لبعضه وإجازة لجميعه، قال: حدثني به الشيخ الحافظ أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغسائي -﵀- قراءة عليه قال: حدثني به الشيخ أبو العباس العذري المذكور، قراءة مني عليه بمدينة بلنسية في أيام من رجب وشعبان سنة \"٤٧٠هـ\" قال: نا أبو العباس بن بندار المذكور بالسند المتقدم.\nقال أبو علي: وأخبرني به أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي مناولة من يده إلى يدي، قال: أخبرني به أبو سعيد عمر بن محمد بن محمد بن داود السجزي بمكة سنة \"٤٠٣هـ\" قال: نا أبو أحمد الجلودي قراءة عليه في سنة \"٣٦٩هـ\" بنيسابور، قال: نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان عن مسلم، قال حاتم: وحدثني به أبو محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي، قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي بنيسابور سنة \"٣٨٢هـ\"، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان سنة \"٣٠٨هـ\" قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج بنيسابور سنة \"٢٥٧هـ\".\nقال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب لعشر خلون من رمضان من العام المذكور، وتوفي مسلم بن الحجاج -﵀- سنة \"٢٦١هـ\"، ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه مدينة السلام: أخبرني محمد بن علي المقري، قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعت محمد بن يعقوب أبا عبد الله الحافظ يقول: توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد، ودفن يوم الإثنين لخمس بقين من رجب سنة \"٢٦١هـ\"، وحدثني أيضًا الشيخ أبو محمد بن","vol":"1","page":294},{"text":"عتاب -﵀- إجازة فيما كتب به إليَّ، قال: أنا الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن سعيد الشنتجالي وأبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي إجازة، قالا: نا أبو سعيد عمر بن محمد السجزي بإسناده المتقدم، قال أبو محمد بن عتاب: وأخبرني بها أيضًا الشيخ أبو محمد مكي بن أبي طالب المقري إجازة عن أبي العباس أحمد بن محمد بن زكريا القسوي قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكسائي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم.\nوأما رواية ابن ماهان، فحدثني بها الشيخ القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي سماعًا عليه مرة وثانية، قال: حدثني بها أبي، وعماي أبو عمر أحمد، وأبو عبد الله محمد، وابن عمي الفقيه أبو محمد عبد الله بن علي بن محمد، قالوا كلهم: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه، قال: نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي سماعًا عليه مع أبي -﵀- بمصر، قدمها علينا، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى الفقيه على مذهب الشافعي المعروف بالأشقر بنيسابور، قال: نا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسين بن المغيرة بن عبد الرحمن القلانسي، قال: نا أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري -﵀- وحدثني بها أيضًا أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القيسي المذكور سماعًا عليه وإجازة على نحو ما تقدم، قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغساني، قال: حدثني بها القاضي أبو عمر أحمد بن محمد الحذاء التميمي قراءة عليه سنة ٤٥٧هـ، قال: نا أبي -﵀- قراءة مني عليه سنة \"٣٩٥هـ\"، قال: نا أبو العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان البغدادي، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد الفقيه الأشقر، قال: نا أبو محمد أحمد بن علي القلانسي، قال: نا مسلم بن الحجاج، حاشا ثلاثة أجزاء من آخر الكتاب، أولها حديث عائشة في الإفك ... الحديث الطويل إلى آخر الديوان، فإن أبا العلاء بن ماهان يروي ذلك عن أبي الجلودي، عن إبراهيم بن محمد","vol":"1","page":295},{"text":"ابن سفيان عن مسلم بن الحجاج، وحدثني بها أيضًا الشيخ أبو محمد بن عتاب إجازة قال: نا أبو عمر بن الحذاء المذكور إجازة بالسند المتقدم، قال: وحدثني بها أبو محمد بن عتاب -﵀- قراءة عليه وأنا أسمع \"٣٤ب\" غير مرة قال: نا أبو القاسم أحمد بن فتح، قال: نا أبو العلاء بن ماهان بالإسناد المتقدم، قال أبو علي: سمعت أبا عمر بن الحذاء يقول: سمعت أبي -﵀- يقول: أخبرني ثقات أهل مصر: أن أبا الحسن علي بن عمر الدارقطني كتب إلى أهل مصر من بغداد: أن اكتبوا عن أبي العلاء بن ماهان كتاب مسلم بن الحجاج، ووصف أبا العلاء بالثقة والتمييز١.\nقال فضيلة الدكتور رفعت فوزي٢: \"وقد انتقل صحيح مسلم بعد ذلك بنفس الطريقة كما يعلم ذلك بدهيًّا من الفهارس والأثبات، والنسخ المخطوطة التي لا يكاد يخلو عصر منها من العصور، كما لا تخلو مكتبة منها من مكتبات المخطوطات العربية في جميع أنحاء العالم، كما ذكر صاحب تاريخ التراث العربي\"٣.\nوعندنا أريد طبع صحيح مسلم انتضى له علماء أجلاء وحققوه، وقارنوا بين نسخ مخطوطة منه، فجاء على \"أتم وأدق تصحيح\" مقيدًا بالشكل الكامل، ومن ذلك ما طبع بدار الطباعة بالأستانة، عام \"١٣٢٩هـ\".يقول الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي: \"وهذه النسخة لم يأل القائمون على طبعها جهدًا في تصحيحها، ومراجعة النسخ المخطوطة التي كانت تحت أيديهم\"٤. وما يزال العلماء يطبعون صحيح مسلم، ويعنون بضبطه٥ وتحقيقه.\n_________\n١ فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة \"ص٩٨ - ١٠٢\".\n٢ كتب السنة، الجزء الأول \"ص٢١٨ - ٢٢١\".\n٣ فؤاد سزكين: تاريخ التراث العربي \"١/ ٣٥٤\".\n٤ أول ورقة من طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي.\n٥ نشر صحيح مسلم في كلكتا عام \"١٢٦٥هـ\"، وفي القاهرة \"١٣٢٧هـ\"، \"تاريخ الأدب العربي ٣/ ١٠٨\"، ومن الطبعات الحديثة المحققة طبعة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، بالقاهرة، عام \"١٣٧٤هـ- ١٩٥٥م\".","vol":"1","page":296},{"text":"ولم يكن انتقال صحيح الإمام مسلم -خاصة هو وصحيح البخاري- كتابة وسماعًا وقراءة فقط، وإنما كان علماء الأمة الإسلامية يعنون بحفظه ومدارسته، والتنبيه إلى ما فيه، وما ليس فيه من الأحاديث وألفاظها وزياداتها.\nويعطينا الشيخ عبد الحي الكتاني -وهو من كبار المحدثين في كتابه \"فهرس الفهارس والأثبات\"١- عند كلامه عن والده المحدث الكبير الكتاني فيقول: \"وديوانه الصحيح ختمه نحو الخمسين مرة، ما بين قراءته له على المشايخ وإسماع له، وكان يعرفه معرفة جيدة ... وأتم سماع وإسماع الكتب الستة٢ ... يستحضر أحاديث الكتب الستة كأصابع يده، وإن أَنْسَ فلا أنسى أني كنت مرة أسمع عليه كتاب المجالس المكية لأبي حفص الميانسي المكي من أصل عتيق بخط الحافظ أبي العلاء العراقي، فوصلنا فيه إلى حديث عثمان في كيفية وضوء النبي -ﷺ- فمع عزو الميانسي له إلى مسلم ذكر فيه المسح على الأذنين، فقال لنا الشيخ الوالد: مسح الأذنين في الوضوء لا يوجد في الصحيحين من حديث عثمان، ولا غيره، فقمت بعد ذلك على ساق في مراجعة نسخ صحيح مسلم العتيقة المسموعة وغيرها من المستخرجات والمصنفات الأثرية، فلم أجد لذلك ذكرًا فيها، فأيقنت بحفظ الرجل، وقوة استحضاره وخوضه في السُّنَّة\"٣.\nثانيًا: انتقل صحيح مسلم مرة أخرى على أيدي العلماء الذين شرحوه، ومخطوطات هذه الشروح منتشرة في مكتبات العالم، وبعضها طبع طبعًا محققًا٤، وبعضها قارن بين نسخ مسلم، ونبه على ما فيها من اختلافات سببها زيادات يسيرة، أو اختلاف أصحابها، واختلاف أوقات أخذهم لها من مسلم رحمه الله تعالى.\n_________\n١ طبع عام ١٣٤٦هـ، بالمطبعة الجديدة الفاسية بالطالعة.\n٢ الكتب الستة: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه.\n٣ فهرس الفهارس \"٢/ ١٤١\".\n٤ انظر: أماكنها، وسنوات طباعة بعضها، ومتى طبعت في \"تاريخ التراث العربي\" لفؤاد سزكين \"١/ ٣٥٤- ٣٦٢\"، الطبعة الأولى.","vol":"1","page":297},{"text":"ومن هذه الشروح: \"إكمال الْمُعْلِم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي\" \"٥٤٤هـ-١١٤٩م\"، و\"إكمال إكمال المعْلِم\" لمحمد بن خليفة بن عمر الوشتاتي الأبي التونسي \"ت٨٢٧هـ-١٤٢٤م\"، وهو تكملة للشرح السابق، و\"المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج\" ليحيى بن شرف النووي \"ت٦٧٦هـ-١٢٧٧م\".\nثالثًا: كما ألفت كتب تعنَى بنص صحيح مسلم، من حيث الجمع بينه وبين صحيح البخاري، وما اتفقا عليه وانفردا به، وما استخرج عليه، ومن هذه الكتب \"الجمع بين الصحيحين\" لمحمد بن عبد الله الجوزقي \"ت٣٨٨هـ-٩٩٨م\"، و\"الجمع بين الصحيحين\" لمحمد بن نصر الحميدي \"ت٤٨٨هـ-١٠٩٥م\"، و\"المستدرك على الصحيحين\" لمحمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري \"ت٤٠٤هـ-١٠١٤م\"، و\"أطراف الصحيحين\" لخلف بن محمد علي الواسطي، و\"المستخرج\" للإسماعيلي، و\"شرح زوائد مسلم على البخاري، لعمر بن رسلان البلقيني \"٨٠٥هـ-١٤٠٣م\"، وغيرها١.\nرابعًا: هذا عدا الكتب الأخرى التي تُعْنَى بشرح غريب مسلم، وحل مشكلاته، وإحصاء رجاله، والكشف عن أحوالهم وضبطهم٢.\nوهذا كله يدل على عناية العلماء بصحيح مسلم، وهو أمر يؤكد الثقة به وبنقله وبالمحافظة على نصه، وتواتر نقله، كما قال الإمام النووي رحمة الله عليه.\n_________\n١ تاريخ التراث \"١/ ٣٦٦- ٣٦٨\"، تدريب الراوي \"١/ ١١١\".\n٢ تاريخ التراث \"١/ ٣٦٤- ٣٦٦\".","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>مقارنة بين الصحيحين:</span>\nلقد التزم الشيخان ألا يخرجا في صحيحيهما سوى الأحاديث الصحيحة، حتى وإن اختلفا في المنهج، وترجح أحدها على الآخر في قوة الشروط: فمن حيث المنهج، فإن الإمام البخاري كان يجزئ الحديث أو يكرره الواحد في عدة كتب أبواب فقهية؛ لأن الحديث الواحد قد يشتمل على أكثر من معنى، وكل معنى يندرج تحت باب معين، فهو بحسن استنباطه وغزارة فقهه يستخرج منه الفوائد الحديثية ويستنبط الأحكام الفقهية المختلفة، ومن هنا يكون السر في التكرار أو التجزئة.\nوأما الإمام مسلم، فالتزم منهجًا دقيقًا في ترتيب الأحاديث؛ حيث تلافى ما فعله الإمام البخاري في صحيحه، فلم يكرر الأحاديث ولم يجزئها في أبواب عدة.\nومن حيث الموازنة في هذه الجزئية، فإن منهج الإمام البخاري يجعل العثور على الحديث بكماله أشد صعوبة من البحث عليه عند مسلم.\nومن جهة أخرى، فإن الإمام البخاري اهتم بالتراجم في الأبواب؛ لأنها عكست فقهه ومذهبه، وتوضح رأيه في المسألة التي يتناولها كل باب.\nولكن مسلمًا لم يذكر تراجم لأبوابه، ويعلل ذلك الإمام النووي بأنه ربما أراد ألا يزيد حجم الكتاب. قال النووي: \"ثم إن مسلمًا -﵀- رتب كتابه على أبواب فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر تراجم الأبواب فيه؛ لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو لغير ذلك\"١. فقد يكون الأمر كذلك، وقد يكون غيره، مثل أن يقال: إنه فعل ذلك لئلا ينشغل الناس عن الأحاديث أو معانيها بالتماس أوجه الصلة بين عناوين الأبواب والأحاديث التي ذكرت تحتها، كما حدث ذلك في كتاب البخاري.\n_________\n١ شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ١٢٩\".","vol":"1","page":299},{"text":"قال فضيلة الدكتور/ رفعت فوزي: وقد سد هذا النقص شراح كتاب مسلم ومحققوه، فوضعوا له الأبواب التي تتلاءم مع معاني الأحاديث فيه١.\nوأما من حيث الصحة وقوة الشروط، فإن صحيح الإمام البخاري مقدَّم على صحيح مسلم في هذا الجانب، ويدل على ذلك أمران:\nالأول: شهادة جهابذة الحديث، ومن ذلك ما رواه الحافظ ابن حجر عن أبي عبد الرحمن النسائي أنه قال: \"ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل\".\nقال الحافظ: والنسائي لا يُعْنَى بالجودة إلا جودة الأسانيد، كما هو المتبادر إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث، ومثل هذا من النسائي غاية في الوصف مع شدة تحريه وتوقيه وتثبته في نقد الرجال وتقدمه في ذلك على أهل عصره حتى قدمه قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج، وقدمه الدارقطني وغيره على إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة صاحب الصحيح.\nوقال الإسماعيلي في المدخل له: \"أما بعد، فإني نظرت في كتاب الجامع الذي ألفه أبو عبد الله البخاري فرأيته جامعًا، كما سمى لكثير من السنن الصحيحة ودالا على جمل من المعاني الحسنة المستنبطة التي لا يكمل لمثلها إلا من جمع إلى معرفة الحديث ونقلته والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة، وتمكنًا وتبحرًا فيها، وكان -يرحمه الله- الرجل الذي قصر في زمنه على ذلك، فبرع، وبلغ الغاية، فحاز السبق، وقد نحا نحوه في التصنيف جماعة منهم مسلم بن الحجاج، وكان يقاربه في العصر، فرام مرامه، وكان يأخذ عنه، أو عن كتبه، إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقة أبي عبد الله، وروى عن جماعة كثيرة لم يتعرض أبو عبد الله للرواية عنهم، وكل قصد الخير، غير أن أحدًا لم يبلغ في التشدد مبلغ أبي عبد الله، ولا\n_________\n١ كتب السنة \"ص١٩٦\"، وقال في الهامش: ولعل أكثرهم دقة -في وضع التراجم وصياغتها- الإمام النووي عندما شرح كتاب مسلم؛ لأنه اطلع على ما فعله العلماء، وتلافى نقص صنيعهم \"شرح مسلم ١/ ١٦\".","vol":"1","page":300},{"text":"تسبب إلى استنباط المعاني، واستخراج لطائف فقه الحديث، وتراجم الأبواب الدالة على ما له صلة بالحديث المروي فيه تسببه، ولله الفضل يختص به من يشاء\".\nقال الحافظ ابن حجر: هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلمًا تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره حتى قال الدارقطني \"لما ذكره عند الصحيحين\": \"لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء\"١. وقال مرة أخرى: \"وأي شيء صنع مسلم؛ إنما أخذ كتاب البخاري فعمل عليه مستخرجًا، وزاد فيه زيادات\".\nالثاني: أن مدار الحديث الصحيح على اتصال السند، والسلامة من الشذوذ والعلة، مع الضبط والإتقان للرواة، وهذه الأوصاف في كتاب البخاري أقوى منها في كتاب مسلم، فهو أشد اتصالًا، وأوثق رجالًا، وأبعد عن الشذوذ والعلة.\n- فمن حيث اتصال السند: إن الإسناد المعنعن الذي يقال فيه: \"فلان عن فلان\" اكتفى مسلم فيه بالمعاصرة، أما البخاري فلا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة، وقد أظهر البخاري هذا المذهب في تاريخه، وجرى عليه في صحيحه، كما جرى مسلم على مذهبه المذكور في صحيحه، وصرح به في مقدمته، وبالغ في الرد على من خالفه، ولا شك أن مذهب البخاري في المعنعن أدخل في باب الاتصال، وأبعد عن شائبة الانقطاع، بخلاف ما ذهب إليه مسلم٢.\n- ومن حيث السلامة من الشذوذ والإعلال: إن الأحاديث التي انتقدت عليهما بلغت \"٢١٠\" اختص البخاري منها بـ\"٧٨\"، واختص مسلم بـ\"١٠٠\"، واشتركا في \"٣٢\"، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر فيه٣.\n_________\n١ شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر \"ص١٠\".\n٢ راجع: المصدر السابق \"ص١٠\"، وتدريب الراوي \"١/ ١١٤\".\n٣ راجع المصدرين السابقين.","vol":"1","page":301},{"text":"- ومن حيث إتقان الرواة: يتبين رجحان صحيح البخاري على صحيح مسلم في هذا الباب بعدة أمور١:\nأ- إن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وبضع وثلاثون رجلًا، المتكلم فيه بالضعف منهم \"٨٠\" رجلًا، والذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري \"٦٢٠\" رجلًا، المتكلم فيه بالضعف منهم \"١٦٠\" رجلًا، ولا شك أن التخريج عمن لم يتكلم فيه أصلًا أولى من التخريج عمن تكلم فيه وإن لم يكن ذلك الكلام قادحًا.\nب- إن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكثر من التخريج عنهم، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلها أو أكثرها إلا ترجمة عكرمة عن ابن عباس، بخلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ؛ كأبي الزبير عن جابر، وسهيل عن أبيه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت، وغير ذلك.\nج- إن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم، وعرف أحوالهم، واطلع على أحاديثهم، وميز جيدها من غيره، بخلاف مسلم فإن من انفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه أكثرهم ممن تقدم عصره من التابعين ومن بعدهم. ولا شك أن المحدث أعرف بحديث شيوخه دون غيرهم.\nد- إن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، وهي أعلى الطبقات في الحفظ والإتقان وطول الصحبة لمن أخذوا عنه استيعابًا، وينتقي من أحاديث الطبقة الثانية التي هي دون الأولى في الصفات المذكورة، ومسلم يخرج حديث الطبقة الثانية استيعابًا، وفي أصل موضوع كتابه، فكان البخاري أقوى إسنادًا وأوثق رجالًا.\nهذا، وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: \"ما تحت أديم السماء\n_________\n١ راجع هذه الأمور في تدريب الراوي \"١/ ١١٢، ١١٣\".","vol":"1","page":302},{"text":"كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج\" لا ينافي ما تقدم، فقد قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه إنما قدم صحيح مسلم لمعنى غير ما يرجع إلى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة؛ بل ذلك لأن مسلمًا صنف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرى في السياق ولا يتصدى لما تصدى له البخاري من استنباط الأحكام ليبوب عليها، ولزم من ذلك تقطيعه للحديث في أبوابه؛ بل جمع مسلم الطرق كلها في مكان واحد، واقتصر على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يعرج عليها إلا في بعض المواضع على سبيل الندرة تبعًا لا مقصودًا؛ فلهذا قال أبو علي ما قال. قال: وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق، وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا لرده عليهم شاهد الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد، وشرطه فيها أقوى وأسد١.\nالحديث المروي في الصحيحين هل يفيد العلم القطعي أم الظني؟\nذهب ابن الصلاح إلى أن ما رواه الإمام البخاري والإمام مسلم متفقين، أو ما رواه أحدهما منفردًا مقطوع بصحته، ويفيد العلم القطعي لا الظني؛ إلا أنه استثنى قائلًا: \"سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل الشأن، والله أعلم\"٢، قال ابن حجر العسقلاني: \"وهو احتراز حسن\"٢.\nووافق بعض العلماء ابن الصلاح فيما ذهب إليه ... قال ابن كثير: \"وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه\"٣، ونقل عن ابن تيمية أنه قال: \"هو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة\"٣.\n_________\n١ شرح نخبة الفكر \"ص١٠\".\n٢ هدى الساري \"ص٣٤٦\".\n٣ اختصار علوم الحديث \"ص٣٥، ٣٦\".","vol":"1","page":303},{"text":"كما ذهب إلى هذا الرأي: داود الظاهري، وابن حزم، وابن حجر، والسيوطي١.\nوحكاه السيوطي عن عدة من الحفاظ فقال: \"فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية؛ كأبي إسحاق، وأبي حامد الإسفراييني، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السرخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزاغوني من الحنابلة، وابن فورك، وأكثر أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة؛ بل بالغ ابن طاهر المقدسي في صفة التصوف، فألحق به ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه\"٢.\nوقد احترز ابن حجر في رأيه فقال: \"إلا أن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين -صحيح البخاري، وصحيح مسلم- وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه؛ حيث لا ترجيح؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضات العلم بصدقها من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته\"٣.\nومن جهة أخرى، فقد عُورض رأي ابن الصلاح فيما ذهب إليه ومَن وافقه من كثير من المحققين كما زعم الإمام النووي حيث قال في التقريب٤: \"وخالفه المحققون والأكثرون\". وقالوا: إنما يفيد الحديث الصحيح الظن ما لم يكن متواترًا لجواز الخطأ والنسيان على الثقة٥. وقد دافع الإمام النووي عن هذا الرأي في غير موضع من كتبه، فقال في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: \"وهذا الذي ذكره\n_________\n١ اختصار علوم الحديث \"ص٣٥، ٣٧\".\n٢ تدريب الراوي \"١/ ١٦٦\".\n٣ شرح نخبة الفكر \"ص٧\".\n٤ التقريب مع تدريب الراوي \"١/ ١٦٥\".\n٥ تدريب الراوي \"١/ ٧٥\".","vol":"1","page":304},{"text":"الشيخ -يعني ابن الصلاح- في هذه المواضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن؛ فإنها آحاد، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك.\n\"قال\": وتلقي الأمة بالقبول إنما أفادنا وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه، فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحًا لا يحتاج إلى النظر فيه؛ بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر فيه، ويوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه من كلام النبي -صلى الله عليه ويسلم- \"قال\": وقد اشتد إنكار ابن برهان على مَن قال بما قاله الشيخ، وبالغ في تغطيته\"١.\nوقال الإمام السيوطي: \"وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول\"٢.\nهذا، وقد رأى الدكتور/ مصطفى السباعي أن ذلك مذهب الجمهور٣.\nقال الدكتور/ إسماعيل سالم عبد العال: \"وهو ما نميل إليه ونأخذ به\"٤.\nقلت: وأنا أميل إلى ما ذهب إليه ابن الصلاح؛ وذلك لأسباب منها: دقة شروط البخاري في صحيحه، ومنها أن البخاري عرض هذه الأحاديث كلها على شيوخه وأئمة عصره، فأقروها سوى أحرف يسيرة.\n_________\n١ شرح النووي على صحيح مسلم \"١/ ١٥\".\n٢ تدريب الراوي \"١/ ١٦٥\".\n٣ السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي \"ص٥٠٢\".\n٤ دراسات في السُّنة \"ص١٤٧\".","vol":"1","page":305},{"text":"ويمكن أن ينطبق هذا القول الأخير على هذه الأحرف اليسيرة وحدها دون غيرها، وإن كان القول فيها للبخاري كما قال العقيلي١.\nوقد اعترض بعض العلماء على ما ذهب إليه النووي والعز بن عبد السلام، فقال البلقيني: \"ما قاله النووي وابن عبد السلام ومَن تبعهما ممنوع\"٢.\n- انتقاد بعض الحفاظ على الشيخين والجواب عنه:\nانتقد جماعة من الحفاظ على البخاري ومسلم أحاديث زعموا أنهما أخلَّا فيها بشرطيهما ونزلت عن درجة ما التزماه؛ منهم: الدارقطني، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الغساني، وألفوا في ذلك. قال الحافظ ابن حجر: وليست عللها كلها قادحة؛ بل أكثرها الجواب عنه ظاهر، والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف.\nقال: والأحاديث التي انتقدت عليهما إن كانت مذكورة على سبيل الاستئناس والتقوية -كالمعلقات، والمتابعات، والشواهد- أجيب عن الاعتراض عليها أن توجه بأنها ليست من موضوع الكتابين، فإن موضوعهما المسند المتصل؛ ولهذا لم يتعرض الدارقطني في نقده على الصحيحين إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع آخر لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتابين، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا، وإن كانت من الأحاديث المسندة، فإما أن يكون الطعن مبنيًّا على قواعد ضعيفة لبعض المحدثين فلا يقبل لضعف مبناه، وإما أن يكون مبنيًّا على قواعد قوية فحينئذ يكون قد تعارض تصحيحهما، أو تصحيح أحدهما، مع كلام المعترض، ولا ريب في تقدمهما في باب التصحيح والتضعيف على غيرهما.\nقال الحافظ ابن حجر: وعدة ما انتقد عليهما من الأحاديث المسندة \"٢١٠\" مائتا حديث وعشرة، اشتركا في \"٣٢\" اثنين وثلاثين حديثًا، واختص البخاري بثمانية وسبعين، ومسلم بمائة.\n_________\n١ نقلًا عن هدى الساري \"ص٧\"، \"ص٤٨٩\" - طبعة بولاق.\n٢ نقلًا عن تدريب الراوي \"١/ ١٦٥\" - مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":306},{"text":"قال: والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال أن نقول: لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم، على أهل عصرهما، ومن بعدهما من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل؛ فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك، فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا، وروى الفربري عن البخاري قال: ما أدخلت في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرت الله تعالى، وتيقنت صحته.\nوقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته. قال: فإذا عرف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما، فبتقدير توجيه كلام المنتقد عليها يكون قوله معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقدمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.\nثم أجاب الحافظ ابن حجر -﵀- عن النقد جوابًا تفصيليًّا، قسم فيه الأحاديث التي انتقدت عليهما إلى ستة أقسام، تكلم عليها، ثم أجاب عن الأحاديث التي أوردها الدارقطني على البخاري حديثًا حديثًا، ثم قال: فإذا تأمل المصنف ما حررته من ذلك عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم.\nقال: وإنما اقتصرت على ما ذكرته عن الدراقطني؛ لأني أردت أن يكون عنوانًا لغيره؛ فإنه الإمام المقدَّم في هذا الفن. اهـ.\nهذا، وأما الأحاديث التي انتقدت على الإمام مسلم في صحيحه، فقد أجاب","vol":"1","page":307},{"text":"عنها واحدًا واحدًا جهابذة من أئمة الحديث، قال السيوطي: ورأيت فيما يتعلق بمسلم تأليفًا مخصوصًا فيما ضعف من أحاديثه بسبب ضعف رواته.\nوقد ألف الشيخ ولي الدين العراقي كتابًا في الرد عليه. قال السيوطي: \"وذكر بعض الحفاظ أن في كتاب مسلم أحاديث مخالفة لشرط الصحيح، بعضها أبهم راويه، وبعضها فيه إرسال وانقطاع، وبعضها فيه وجادة، وهي في حكم الانقطاع، وبعضها بالمكاتبة، وقد ألف الرشيد العطار كتابًا في الرد عليه، والجواب عنها حديثًا حديثًا، وقد وقفت عليه\"١. اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"وأما الغلط، فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقل؛ بحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويًّا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط، علم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلا من طريقه، فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح -بحمد الله- من ذلك شيء، وحيث يوصف بقلة الغلط، كما يقال: سيئ الحفظ، أو: له أوهام، أو: له مناكير، وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه كالحكم في الذي قبله؛ إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك\"٢.\nوهكذا يصرح الحافظ ابن حجر بأن أصول صحيح البخاري منزهة عن رواية هؤلاء المجرحين بكثرة الخطأ، والأوهام، والمناكير، وسوء الحفظ، وإذا كان الحافظ ابن حجر عَنِيَ نزاهة الإمام البخاري من رواية هؤلاء، فإن البحث أثبت أن أصول صحيح مسلم منزهة من روايتهم أيضًا.\n_________\n١ تدريب الراوي \"١/ ١٦٩\"، والرشيد العطار: هو أبو الحسين رشيد الدين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي الأموي النابلسي ثم المصري العطار المالكي الحافظ \"ت٦٦٢هـ\"، وقد لخص الإمام السيوطي كتابه في تدريب الراوي \"١/ ٢٦١\". والكتاب مطبوع باسم: غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة - دار الكتب العلمية - بيروت - ط١ \"١٤١٧هـ-١٩٩٦م\".\n٢ هدى الساري \"ص٣٨١\"، ط بولاق.","vol":"1","page":308},{"text":"وإذا كان الحافظ ابن حجر أشار إلى عدم الاحتجاج برواية المغفلين وكثيري الغلط، فإن هذا هو المذهب الذي أجمع عليه الأئمة، وصرح به السخاوي، والسيوطي، وغيرهما١، وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: متى يُترك حديث الرجل؟ قال: إذا حدَّث عن المعروفين بما لا يعرفه المعروفون، وإذا كثر الغلط، وإذا أتى بالكذب، وإذا روى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه، فلم يتهم نفسه فيتركه طُرح حديثه، وما كان على غير ذلك فاروِ عنه٢.\nقال ابن حجر: \"وينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راوٍ مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل مَنْ ذكر فيهما\"٣.\nومما لا شك فيه أن كل الروايات المدونة في أصول الصحيحين لا تحتمل نقدًا، يستوي في ذلك روايات الموثقين، والمختلف فيهم، والمجروحين، فقد أبَى الشيخان إلا أن ينتقيا مما صح عن رواتهما، وما تنطق عليه شروط الصحة عندهما، والتي أقرها أئمة عصرهما وتلقتها الأمة بالقبول من بعدهما.\nوللإمام الحافظ أبي عمرو بن الصلاح جواب موجز محرر في الدفاع عن مسلم -﵀- يحسن بنا أن نذكره نقلًا عن الإمام النووي في مقدمته لشرح مسلم:\nقال النووي ﵀: عاب عائبون مسلمًا بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين الواقعين في الطبقات الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح،\n_________\n١ راجع: تدريب الراوي \"١/ ٣٣٩\"، فتح المغيث للسخاوي \"١/ ٣٣١\"، هدى الساري \"ص٣٨١\" ط بولاق.\n٢ التعديل والتجريح \"١/ ٢٨٨\".\n٣ هدى الساري \"ص٣٨٤\"، ط بولاق.","vol":"1","page":309},{"text":"ولا عيب عليه في ذلك؛ بل جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀:\nأحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتًا مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا لم يكن كذا، وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي وغيره: ما احتج البخاري ومسلم وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم محمول على أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.\nالثاني: أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد، لا في الأصول، وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيف، ورجاله ثقات، ويجعله أصلًا، ثم يتبعه بإسناد آخر، أو أسانيد بها بعض الضعف على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبه على فائدة فيما قدمه، وقد اعتذر الحاكم أبو عبد الله بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا من شرط الصحيح؛ منهم: مطر الوراق، وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه لهم كثيرين.\nالثالث: أن يكون ضَعْف الضعيف -الذي احتج به- طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب، فقد ذكر الحاكم أبو عبد الله أنه اختلط بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرزاق، وغيرهما ممن اختلط آخرًا، ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.\nالرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل، فيقتصر على العالي، ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفيًا بمعرفة أهل الشأن في ذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصًا وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات","vol":"1","page":310},{"text":"أولًا، ثم أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.\nروينا عن سعيد بن عمرو البردعي أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر صحيح مسلم وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه عن أسباط بن نصر وقَطَن بن نُسَيْر وأحمد بن عيسى المصري، وأنه قال أيضًا: يطرق لأهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا: إذا احتج عليهم بحديث: ليس هذا في الصحيح. قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة فقال لي مسلم: إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع لي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية \"من هو\" أوثق منهم بنزول، فاقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات١ ...\nقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: فهذا مقام وعر، وقد مهدته بواضح من القول لم أره مجتمعًا في مؤلَّف ولله الحمد. قال: وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في صحيحه بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ؛ بل يتوقف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه على ما بيناه من انقسام ذلك، والله أعلم٢.\n- ومن الناحية العملية والعلمية:\nلقد حصرت كل الرواة المتهمين في حفظهم من رجال الصحيحين، وذلك ضمن دراسة شاملة لرجال الصحيحين في رسالتي للدكتوراه٣، فوجدتهم أربعة وعشرين رجلًا، منهم اثنان من رجال الصحيحين معًا، وسبعة من رجال صحيح البخاري وحده، وخمسة عشر من رجال صحيح مسلم وحده، وتتبعت أقوال\n_________\n١ شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ١٣٤، ١٣٥\" المقدمة.\n٢ نقلًا عن المصدر السابق \"١/ ١٣٦\".\n٣ راجع هذا البحث في رسالتي للدكتوراه وعنوانها: رجال الصحيحين في ميزان أئمة الجرح والتعديل، دراسة استيعابية - تحت الطبع.","vol":"1","page":311},{"text":"الأئمة فيهم، ورواياتهم المخرجة في الصحيحين والنقد الموجه إليها، وبعد تلك الدراسة المتأنية انتهيت إلى النتائج الآتية:\nأولًا: أحاديثهم المروية في الصحيحين قليلة جدًّا، ولمعظمهم رواية واحدة.\nثانيًا: جاء كثير منهم مقرونًا بغيره من الثقات والأثبات.\nثالثًا: جاءت كل رواياتهم في المتابعات والمشاهد.\nرابعًا: لم يوجه النقد إلا لأربعة أحاديث فقط، وقد ناقشتها جميعًا، وانتهيت إلى أن القول فيها للشيخين.\nفلله الحمد على ما وفق الإمامين البخاري ومسلمًا للصواب والرشاد.\nالانتقادات والطعون الموجهة إلى بعض أحاديث الصحيحين مدفوعة جملة وتفصيلًا:\nالحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة الأمر: أن كل ما كان من أحاديث في الصحيحين، أو أحدهما، أسفر فيه صبح الصحة لكل ذي عينين؛ لأنه قد قطع عرق النزاع ما صح من الإجماع على تلقي جميع الطوائف الإسلامية لما فيهما بالقبول، وهذه رتبة فوق رتبة التصحيح عند جميع أهل المعقول والمنقول، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة.\nونقرر -بداية- أنه لا مؤاخذة على الشيخين إذا كان الحديث المنتقد معلقًا أو ذُكر للاستشهاد؛ لأنه ليس من أصل الكتابين. قال الحافظ ابن حجر: \"موضوع الكتابين إنما هو للمسندات، والمعلق ليس بمسند؛ ولهذا لم يتعرض الدارقطني -فيما تتبعه على الصحيحين- إلى الأحاديث المعلقة التي لم توصل في موضع","vol":"1","page":312},{"text":"آخر؛ لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا\"١.\nفلا مؤأخذة إذن على البخاري ومسلم إذا كان الحديث المنتقد ليس من موضوع -أي أصل- الكتاب. وأما بالنسبة للطعن فيما كان من أصل الكتابين، فإن ذلك الطعن مبني على قواعد -لبعض المحدثين- ضعيفة جدًّا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الثقة والأصول وغيرهم٢.\nوقد بلغ جملة الأحاديث المنتقدة من قِبَل بعض الحفاظ كالدارقطني وأبي مسعود الدمشقي وأبي علي الغساني الجياني -وغيرهم- مائتا حديث وعشرة، اشترك الشيخان في اثنين وثلاثين، واختص البخاري بثمانية وسبعين حديثًا، ومسلم بمائة حديث٣.\nومن تتبع الأحاديث -التي تكلموا فيها- وانتقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، قضى بصحتها وسلامتها من كل نقد، قد أجمع أهل العلم على أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في الصحيحين من المسندات -مما رُوي عن النبي ﷺ قد صح عنه، ورسوله ﷺ قاله لا شك فيه- أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته٤.\nوقد ابتلينا هذه الأيام بمن سولت له نفسه نقد ما أجمع الأئمة -من علماء الحديث والخبراء بعلله- على صحته من حديث رسول الله -ﷺ- وادَّعى هؤلاء أنهم درسوا الصحيحين دراسة تفهم وتدبر، ونبذوا التعصب وتوصلوا إلى ما وصلوا إليه بفضل القواعد العلمية الحديثة لا الأهواء الشخصية أو الثقافة الأجنبية!! ٥\n_________\n١ هدى الساري \"ص٣٤٤، ٣٤٥\"، ط بولاق.\n٢ راجع: هدى الساري \"ص٣٤٤\".\n٣ راجع: هدى الساري \"ص٣٤٥\".\n٤ راجع: المقدمة لابن الصلاح \"ص١٣\"، وشرح مسلم للنووي \"١/ ١٢٧\".\n٥ راجع كلام الألباني في: مقدمة شرح العقيدة الطحاوية \"ص١٤، ١٥\" ط المكتب الإسلامي، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل \"حديث رقم ١٠٢١\".","vol":"1","page":313},{"text":"- وجدير بالذكر أن الطاعنين في بعض أحاديث الشيخين أو أحدهما يمكن تصنيفهم على النحو الآتي:\nأولًا: بعض الحفاظ من أهل العلم المتقدمين ممن تأخروا عن الشيخين.\nثانيًا: بعض المعاصرين، وهم أنواع:\nأ- منهم أهل علم يَهْوَى الطعن ليُعرف.\nب- ومنهم المحسوب على أهل العلم، يتبع أسياده من الغرب الذين درس عندهم، وتخرج على موائدهم.\nجـ- ومنهم الجاهل.\nد- ومنهم من كان منحرفًا وملحدًا، ثم صار في عشية وضحاها -في نظره ونظر أمثاله- من شيوخ الإسلام الداعين إلى التجديد.\n- ويمكن حصر أهداف المعاصرين فيما يلي:\nأولًا: الحقد على الشيخين.\nثانيًا: الطعن في السُّنَّة وتشويهها، ومن ثم هدمها والقضاء على المصدر الثاني للتشريع الإسلامي -كل ذلك تحت شعار الاجتهاد والتجديد في الفكر وإحياء المناظرات واستمرار الحوار- حتى قال بعضهم: \"هذه نماذج قليلة أقدمها للقراء، وليس في نيتي مطلقًا أن أشكك أحدًا في عقيدته، أو في المصدر الذي يستقي منه شريعته، ويشهد الله أن دافعي الأول لكتابة هذه السطور، هو إذكاء روح الاجتهاد الذي خمد في المسلمين، وأقعدهم عن البحث والنظر والاستقصاء، كما كان يفعل السلف الصالح، أما إذا أراد المرجفون والحاقدون والمحنطون أن يجهزوا طبول الحرب ضد هذه اليوميات، فأنا على استعداد لإغراقهم في بحر متلاطم من الأدلة والبراهين\"١.\n_________\n١ نقلًا عن مكانة الصحيحين \"ص٣٠١\".","vol":"1","page":314},{"text":"ثم يدعي أن في الصحيحين أحاديث ضعيفة وموضوعة فيقول: \"ولكي لا يكون كلامي هذا ثرثرة بلا صدى، وادعاء بلا بينة، فإنني سأسوق هنا نماذج قليلة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اتفق عليها البخاري ومسلم\".\nثم يحلف أنه لا يريد التشكيك! ١\nعلمًا بأن الأحاديث التي زعم أنها ضعيفة أو موضوعة ليست في الصحيحين، ولا في الكتب الستة، وبعضها لا وجود له في كتب الحديث المعتمدة، وألصقها هو بالصحيحين افتراء وكذبًا، ولا غرابة في ذلك، فإن هذا الكاتب كان مُلحدًا -يعتقد أنه لا يزال كذلك- وصار بين عشية وضحاها من الحاملين للواء التجديد في الإسلام \"فقهًا وأصولًا وقرآنًا وتفسيرًا وحديثًا وفكرًا\" قاتلهم الله أنى يؤفكون.\nوقال الشيخ الألباني: \"والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة، على قواعد متينة وشروط دقيقة، وقد وفقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يوفق إليه من بعدهم، ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح؛ كابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، حتى صار عرفًا أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما فقد جاوز القنطرة ودخل في طريق الصحة والسلامة، ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا\"٢.\nوليت الألباني سكت عند هذا التصريح، وإنما أعقب ذلك ببيان أعلن فيه أن الصحيحين لا يسلمان من الغلط، وضرب لذلك مثلًا من الصحيحين، وهو حديث ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- تزوج ميمونة وهو محرم٣.\n_________\n١ مكانة الصحيحين \"ص٣٠٢، ٣٠٣\".\n٢ مقدمة شرح العقيدة الطحاوية \"ص١٧\".\n٣ خ \"٤/ ٥١ فتح\" \"٢٨\" ك جزاء الصيد \"١٢\" ب تزويج المحرم - رقم \"١٨٣٧\"، خ \"٩/ ١٦٥ فتح\" \"٦٧\" ك النكاح، \"٣٠\" ب نكاح المحرم، رقم \"٥١١٤\"، خ \"٧/ ٥٠٩ فتح\" \"٦٤\" ك المغازي \"٤٣\" ب عمرة القضاء - رقم \"٤٢٥٨ و٤٢٥٩\". م \"٢/ ١٠٣١، ١٠٣٢\" \"١٦\" ك النكاح \"٥\" ب تحريم نكاح المحرم - رقم \"٤٦ و٤٧\".","vol":"1","page":315},{"text":"قال الألباني: \"فإن المقطوع به أنه -ﷺ- تزوج ميمونة وهو غير محرم، ثبت ذلك عن ميمونة نفسها\"، ثم نقل عن محمد بن عبد الهادي قوله: وقد عد هذه من الغلطات التي وقعت في الصحيح، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإنسان أعرف بحال نفسه١.\nقلت: هذا المثال الذي أتَى به الألباني عليه لا له، فهو من الأحاديث المشهورة التي وقع التجاذب بين مدلوليها، ومثالها لا يفيد العلم؛ لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم، وقد تكلم العلماء على هذا الحديث، واختلفوا فيه منذ القرن الأول٢؛ ولكن الألباني أَبَى إلا أن يُطلق في موضع التقييد -وهو خطأ فادح- علمًا بأن جمعًا من العلماء جمعوا بين ما جاء في تزوج النبي -ﷺ- من ميمونة وهو محرم، وبين نفيها -﵂- ذلك، والجمع أولى من غيره، وهو سبيل أهل العناية والورع٣، ونفى ابن حبان أن يكون تعارض بين هذه الأخبار فقال: وليس في هذه الأخبار تعارض٤، وكان يجب على الألباني أن يذهب إلى هذا المذهب القوي دفاعًا عن الصحيحين، لا أن يتخذ هذا الحديث قنطرة لكلام على أسانيد الصحيحين حسبما يراه٥ بجهده المتواضع٦.\n_________\n١ راجع: مقدمة شرح العقيدة الطحاوية \"ص١٤، ١٥\"، إرواء الغليل \"حديث رقم ١٠٢١\"، تنقيح التحقيق \"٢/ ١٠٤/ ١\".\n٢ راجع: فتح الباري \"٩/ ١٦٥\"، \"٤/ ٥٢\"، \"٧/ ٥١٠\"، نيل الأوطار \"٥/ ١٧- ١٩\"، نصب الراية \"٣/ ١٧٠- ١٧٤\"، الأم \"٢/ ١٦٠\"، الاعتبار للحازمي \"ص ١٩\"، الإحكام لابن حزم \"٢/ ٢١٤\"، التمهيد \"٣/ ١٥٦\"، معالم السنن بهامش سنن أبي داود \"٢/ ٤٢١، ٤٢٢\"، المجموع \"٧/ ٣٩٥- ٣٩٧\"، شرح معاني الآثار \"٢/ ٢٧٣\"، المغني لابن قدامة \"٣/ ٣١١- ٣١٣\"، تنبيه المسلم \"ص٢٤\".\n٣ راجع: تنبيه المسلم \"ص٢٤- ٢٥\"، وانظر: فتح الباري \"٩/ ١٦٥\"، المغني \"٣/ ٢١٠٣- ٢١٠٩\"، نصب الراية \"٣/ ١٧٣\".\n٤ نقلًا عن نصب الراية \"٣/ ١٧٣\".\n٥ تنبيه المسلم \"ص٢٥\".\n٦ راجع تحقيق هذه المسألة في رسالتي للماجستير: مرويات الإمام البخاري في غير الصحيح - جمع وترتيب ودراسة \"٣/ ٢١٠٣- ٢١٠٩\"، بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة.","vol":"1","page":316},{"text":"وأحاديث أخرى كثيرة -مما اتفق على روايتها الشيخان أو انفرد بها أحدهما- سمح الشيخ الألباني لنفسه وتلاميذه أن يقف منها موقف الناقد البصير١.\nوادعى الدكتور حمزة عبد الله المليباري -في بحث له ضمن رسالة الدكتوراه له- أن في صحيح الإمام مسلم عللًا خطيرة تدمر صحة جملة كبيرة من أحاديثه، وأنه يجب الاستعانة لذلك بكتب علل الحديث٢، ولا شك أنه ادعاء مغرض، هدفه النيل من السُّنة الصحيحة، ولكن هيهات لما يهدفون!\nومما يجب التنبيه عليه أن كل الطعون التي اعتمد عليها الطاعنون في بعض أحاديث الصحيحين -أو أحدهما- كلها مبينة على قواعد ضعيفة مخالفة لما اتفق عليه الجمهور من أهل الحديث والفقه والأصول، وعليه فإنها لا تضر بصحة هذه أحاديث، علمًا بأن أكثر هذه الطعون موجهة نحو الرواة لا المتون٣.\nوأما كون الانتقادات والطعون الموجهة إلى بعض أحاديث الصحيحين -أو أحدهما- مردودة جملة؛ فذلك لأمور كثيرة منها ما يلي٤:\nالأول: تعارض قول المنتقدين مع تصحيح الشيخين لأحديثيهما\nقال الإمام البخاريث: \"لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من صحيح أكثر\"٥، وقال: \"ما أدخلت في كتابي إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول٦\"، وقال: \"أخرجت هذا الكتاب من زهاء ستمائة ألف حديث وجعلته حجة بيني وبين الله\"٧.\n_________\n١ تناولت معظم هذه الأحاديث في رسالتي للدكتوراه: رجال الصحيحين في ميزان أئمة الجرح والتعديل - دراسة استيعابية - بدار العلوم أيضًا.\n٢ راجع: منهج الإمام مسلم \"ص٥٠\".\n٣ راجع: هدى الساري \"ص٢٤٦\" ط بولاق.\n٤ راجع: مكانة الصحيحين \"ص٣١٤-٣٢٦\".\n٥ هدى الساري \"ص٧\".\n٦ تهذيب الكمال \"١/ ١٦٧، ١٦٨\"، هدى الساري \"ص٧\".\n٧ تاريخ بغداد \"٢/ ٨\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ٧٤\"، هدى الساري \"ص٧\".","vol":"1","page":317},{"text":"وقال الإمام مسلم: \"ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه\"١.\nوقال: \"ما وضعت شيئًا في كتابي هذا المسند إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئًا إلا بحجة\"٢. وقال: \"صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة\"٣.\nفجزم الشيخان بصحة أحاديثهما، وأنها منتقاة ومنتخبة من مئات الألوف، وأنهما التزما الصحة، فلم يوردا إلا الصحيح من حديث رسول الله ﷺ.\nالثاني: تعارض قول المنتقد مع ما اتُفِقَ عليه من أصحية الكتابين:\nفقد انعقد الإجماع على صحة هذين الكتابين، وأنهما أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى، وقد حَكَى هذا الإجماع جمع من الأئمة والحفاظ منهم:\nالحافظ ابن حجر٤، وشيخه سراج الدين البلقيني٥، والحافظ ابن طاهر المقدسي٦، وأبو بكر الجوزقي٧، وأبو عبد الله الحميدي٨، وابن تيمية٩، والشوكاني١٠، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي ١١، وابن الصلاح١٢، وأبو إسحاق الإسفرائيني١٣، والنووي١٤، وإمام الحرمين١٥، والسخاوي١٦،\n_________\n١ م \"١/ ٣٠٤\" ك الصلاة، ب التشهد - في حديث رقم \"٦٣\".\n٢ تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٩٠\".\n٣ تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٨٩\".\n٤ هدى الساري \"ص٣٨٤\".\n٥ محاسن الاصطلاح \"ص١٠١\".\n٦-٩ النكت على ابن الصلاح \"١/ ٣٨٠\".\n١٠ إرشاد الفحول \"ص٥٠\".\n١١ نقلًا عن مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح \"ص٣٨، ٣٩\".\n١٢ مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح \"ص٣٨، ٣٩\"، شرح مسلم لابن الصلاح \"ص٨٥\"، صيانة صحيح مسلم \"ص٨٥\".\n١٣ فتح المغيث للسخاوي \"١/ ٤٧\"، توجيه النظر \"ص٨٥\".\n١٤ تهذيب الأسماء والصفات \"١/ ٧٣، ٧٤\"، شرح صحيح مسلم للنووي \"١/ ١٤\".\n١٥ شرح مسلم للنووي \"١/ ١٩- ٢٠\".\n١٦ فتح المغيث له \"١/ ٢٩٧- ٢٩٨\".","vol":"1","page":318},{"text":"والقسطلاني١، والسيوطي٢، والشيخ أبو الفتح القشيري٣.\nفهؤلاء -وغيرهم- نقلوا الإجماع على صحة ما اتفق عليه الشيخان، وما انفرد به أحدهما من المسندات، قال الشوكاني: \"ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم؛ لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه\"٤.\nالثالث: تعارض قول المنتقد مع كون الأمة تلقت الكتابين بالقبول\nقال الإمام أبو إسحاق الإسفرائيني: \"أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف بها بحال، وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها ... فمن خالف حكمه خبرًا منها، وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه؛ لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول\"٥.\nوقال ابن الصلاح: \"جميع ما حكم مسلم بصحته في هذا الكتاب، فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد الخلافة ... \"٦.\nحتى أخبار الآحاد في الصحيحين -أو أحدهما - تلقتها الأمة بالقبول، وأجمع الأئمة من العلماء على صحتها٧.\nوذكر ابن تيمية -فيما حكاه عنه ابن كثير- أن جماعات من الأئمة نقل عنهم\n_________\n١ مقدمة شرح صحيح البخاري له \"ص٢٠\" في المجلد الأول.\n٢ شرح ألفية السيوطي في مصطلح الحديث \"ص١٠\".\n٣ هدى الساري \"ص٣٨٤\"، مرقاة المفاتيح \"١/ ١٧\".\n٤ إرشاد الفحول \"ص٤٩\" طبعة دار المعرفة - بيروت.\n٥ فتح المغيث للسخاوي \"١/ ٤٧\"، توجيه النظر \"ص١٢٥\".\n٦ مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح \"ص٣٨، ٣٩\"، شرح مسلم لابن الصلاح \" ص٨٥\".\n٧ راجع: النكت على ابن الصلاح لابن حجر \"١/ ٣٧١-٣٧٩\".","vol":"1","page":319},{"text":"القطع بأحاديث الشيخين، منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني، والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاعون وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخس من الحنفية، قال: \"وهو قول جمع من أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم كأبي إسحاق الإسفرائيني وابن فورك، وأيضًا هو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامة\"١.\nالرابع: تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه من أن أصح الحديث المتفق عليه ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم\nالإجماع على أن أصح الحديث وأعلى مراتبه ما اتفق عليه الشيخان، ويليه عند الجمهور ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما.\nقال الحافظ ابن الصلاح: \"فأولها: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعًا، والثاني: صحيح انفرد به البخاري؛ أي: عن مسلم. الثالث: صحيح انفرد به مسلم؛ أي: عن البخاري. الرابع: صحيح على شرطهما لم يخرجاه. الخامس: صحيح على شرط البخاري لم يخرجه. السادس صحيح على شرط مسلم لم يخرجه. السابع: صحيح عند غيرهما وليس على شرط واحد منهما. هذه أمهات أقسامه. وأعلاها -أي: أقسام الصحيح- الأول هو الذي يقول أهل الحديث كثيرًا: \"صحيح متفق عليه\" يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه؛ لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذ القسم جمعيه مقطوع بصحته والعلم اليقين النظري واقع به، خلافًا لقول من نفى ذلك محتجًّا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثم بان لي أن هذا المذهب الذي\n_________\n١ راجع: اختصار علوم الحديث لابن كثير \"ص٣٤\". ط دار الكتب العلمية، وتدريب الراوي \"١/ ١٦٦\".","vol":"1","page":320},{"text":"اخترناه أولًا هو الصحيح؛ لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ ... \"١.\nوعليه فيكون قول المنتقد متعارضًا مع ما اتفق عليه علماء الحديث، ويكون الطعن مدهشًا حين يُوجه إلى ما اتفق عليه الشيخان، وهو أعلى مراتب الصحيح، قال ابن تيمية: \"والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم؛ ولهذا لا يتفقان على حديث إلا يكون صحيحًا لا ريب فيه، قد اتفق أهل العلم على صحته\"٢.\nالخامس: تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه العلماء المعاصرون للشيخين على صحة الكتابين\nلا يختلف اثنان في أن أعلم أهل الحديث دراية وجرحًا وتعديلًا وخبرة بعلل الحديث وطرقه هم الأئمة: يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو زرعة الرازي، وأحمد بن حنبل، كما أنهم من أعلم أهل الاستقراء والتتبع وجمع الطرق، وقد كان هؤلاء بمثابة الشيوخ والأقران للإمامين البخاري ومسلم؛ لأنهم كانوا معاصرين لهما، وقد عرض الشيخان صحيحيهما -بعد الانتهاء منهما- على هؤلاء وغيرهم من أئمة عصرهما، فأقروهما وشهدوا لهما بالصحة.\nقال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني وغيرهم، فأستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث. قال العقيلي: \"والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة\"٣، وقال ابن تيمية نحوه٤، وقال مكي بن عبد الله: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: \"عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة تركته\"٥، وقال الإمام مسلم: \"ليس كل شيء\n_________\n١ مقدمة ابن الصلاح \"ص١٤\" في النوع الأول.\n٢ مجموع الفتاوى \"١٨/ ١٩ - ٢٠\".\n٣ هدى الساري \"ص٧\" و\"ص٤٨٩\".\n٤ مجموع الفتاوى \"١٨/ ١٩\"و\"١/ ٢٥٦\".\n٥ هدى الساري \"ص٣٤٥\".","vol":"1","page":321},{"text":"صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه\"١، قال سراج الدين البلقيني: \"أراد مسلم بقوله: \"ما أجمعوا عليه\" أربعة: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراساني\"٢.\nوفي صنيع هذين الإمامين فائدة، وهي تواضع أهل العلم مع بعضهم، خاصة وأن الشيخين إمامان لا يباريان في هذا الميدان ... كما أفاد إجماع هؤلاء الأئمة على صحة ما رواه الإمام البخاري سوى الأحاديث الأربعة التي كان القول فيها للإمام البخاري -رحمه الله تعالى- كما قرر العقيلي. وأما بالنسبة للإمام مسلم فقد ترك كل حديث كان عرضة للنقد، أو اطلع الأئمة على علة فيه، حتى صار كل ما بين دفتي كتابه مما خرجه في الأصول مجمعًا على صحته.\nوهكذا كان هؤلاء الأئمة المعاصرون للشيخين بمثابة المراجعين والمنقحين مما يجعلنا نستريح للجزم بصحة ما اتفقا عليه، أو انفرد به أحدهما؛ لإجماع هؤلاء الأئمة على صحة ما جاء في الصحيحين أو أحدهما؛ لأن هؤلاء لا يجتمعون على خطأ.\nفطعون المنتقدين لا تستحق الالتفات إليها أو الاهتمام بها؛ لأنها متعارضة مع تصحيح أسيادهم أئمة الجرح والتعديل والمجتهدين فيه، وخبراء الرواية والدراية والعلل والأسانيد، \"وخاصة إذا علمنا أن من هؤلاء الأعلام المتشدد الذي يطعن بالغلطة والغلطتين والمتوسط المعتدل، وليس فيهم المتساهل، فقول هؤلاء أولى بالأخذ به، ويستدل بشهادتهم وإقرارهم وإستحسانهم على صحة هذه الأحاديث في هذين الكتابين\"١.\nالسادس: تعارض قول المنتقد مع ورود هذه الأحاديث \"المنتقدة\" في المستخرجات سليمة من كل ما أُعلت به\nوهذه فائدة من فوائد المستخرجات على الصحيحين، قال الحافظ ابن حجر:\n_________\n١ صحيح مسلم \"١/ ٣٠٤\"، ك الصلاة في الحديث رقم \"٦٣\".\n٢ محاسن الاصطلاح \"ص٩١\".","vol":"1","page":322},{"text":"\"وكل علة أعل بها حديث في أحد الصحيحين جاءت رواية المستخرج سالمة منها، فهي من فوائده، وذلك كثير جدًّا\".\nوالحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- من أهل الاستقراء والتتبع والتحقيق الدقيق، وله دراية بالصحيح زادت على عشرات السنين، وقوله في هذا الباب حجة معتمدة ... ١.\nفإن اتضح سلامة هذه الأحاديث من العلل الموجهة إليها، وذلك من خلال ورودها في هذه المستخرجات، وبان سلامتها من هذه الطعون، وزال اللبس عنها؛ كان ذلك مؤيدًا لما صرح به الشيخان من صحة كتابيهما، وانتفاء العلل عن أحاديثهما.\nالسابع: كون الشيخين مجتهدين، والمنتقد مقلد\nإن مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث أن البخاري ومسلمًا -رحمهما الله تعالى- كانا من أئمة المجتهدين في الجرح والتعديل وعلوم الحديث، وتمييز الصحيح من المعلول.\nقال الحافظ ابن حجر: \"لا ريب في تقديم البخاري، ثم مسلم على أهل عصرهما، ومن بعدها من أئمة هذا الفن في معرفة الصحيح والمعلل، فإنهم لا يختلفون في أن علي بن المديني كان أعلم أهل أقرانه بعلل الحديث، وعنه أخذ البخاري ذلك حتى كان يقول: ما استصغرت نفسي عن أحد إلا عند علي بن المديني، ومع ذلك، فكان علي بن المديني إذا بلغه ذلك عن البخاري يقول: دعوا قوله، فإنه ما رأى مثل نفسه، وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلم أهل عصره بعلل حديث الزهري، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا ... \"٢.\nبينما من جاء بعدهما، فالغالب عليهم التقليد لهما ولغيرهما من أهل\n_________\n١ مكانة الصحيحين \"ص٣٢٣- ٣٢٤\".\n٢ هدى الساري \"١/ ١١٦\".","vol":"1","page":323},{"text":"عصرهما؛ وذلك لبعد العهد عن الرواة، وعدم المعاصرة للمجرحين والمعدلين، فينقلون كلام المتقدمين ثم يستنبطون منه القول الذي يعتمدونه، وإذا تعارض كلام المجتهد بكلام المقلد، فإن الأخذ بكلام المجتهد هو الأولى؛ لأن كلام المجتهد لا ينتقض بكلام المقلد١.\nومما يلفت النظر، أن نقد المنتقدين انصب على الأسانيد دون المتون، اللهم إلا في مواضع يسيرة. قال القسطلاني: \"إن الدارقطني تتبع على البخاري في أزيد من مائة موضع، ولم يستطع أن يتكلم إلا في الأسانيد بالوصل والإرسال - غير موضع، وهو: \"إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما ... \" فإنه تكلم فيه مما يتعلق بحال المتن، ووجهه: أن الدارقطني يمشي على القواعد الممهدة عندهم فينازعه، من القواعد، وشأن البخاري أرفع من ذلك، فإنه يمشي على اجتهاده، وينظر إلى خصوص المقام وشهادة الوجدان، وإنما القواعد لغير الممارس على حد التحديد للعوام فيما لم يرد به التحديد من الشارع، ورتبتهما أعلى من الكل بعد اختلاف يسير بينهما\"٢ أي: البخاري ومسلم، وذكر الحافظ ابن حجر نحوه٣.\nفإذا عرف كل ما سبق وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما؛ اندفعت كل الانتقادات والطعون الموجَّهة إلى الصحيحين جملة.\n- وذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني أن الأحاديث المنتقدة على الصحيحين تنقسم أقسامًا:\nالقسم الأول منها: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد،\n_________\n١ مكانة الصحيحين \"ص٣٢٤\".\n٢ هدى الساري \"ص٣٤٥\".\n٣ راجع: مكانة الصحيحين \"ص٣٢٥- ٣٢٦\".","vol":"1","page":324},{"text":"فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني؛ لأن الراوي إن كان سمعه، فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه، ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة، فهو منقطع، والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيف لا يعل الصحيح، وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًّا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكًا بينًا، أو صرح بالسماع إن كان مدلسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا، فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابع وعاضد، وما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع ... وربما علل بعض النقاد أحاديث ادُّعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده.\nالقسم الثاني منها: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد، فالجواب عنه إن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنف، ولم يقتصر على أحدهما حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد ... وإن امتنع بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متقاربين في الحفظ والعدد، فيخرج المصنف الطريق الراجحة، ويعرض عن الطريق المرجوحة، أو يشير إليها ... فالتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير قادح؛ إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف، فينبغي الإعراض أيضًا عما هذا سبيله، والله أعلم.\nالقسم الثالث منها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا، أو","vol":"1","page":325},{"text":"أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به إلا أن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر.\nالقسم الرابع منها: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواية، وليس في الصحيح من هذا القبيل غير حديثين ... وتبين أن كلًّا منهما قد توبع.\nالقسم الخامس منها: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحًا، ومنه ما لا يؤثر١.\n_________\n١ مقدمة فتح الباري \"ص٥٧\"، ط بولاق.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثالثًا: أبو داود السجستاني \"٢٠٢-٢٧٥ه</span>ـ\" ١\nهو: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر أبو داود السجستاني أحد حفاظ الإسلام، وأبرز من رحل وطوَّف، وجمع وصنف، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين، والمصريين، والجزريين، والحجازيين، وغيرهم.\nوكان من أكثر الأئمة معرفة بالحديث الشريف وعلله وفقهه، وكان ناقدًا بصيرًا.\nولسعة علمه ودقة تحقيقه، كانت له مكانة متميزة عند الأئمة وأهل العلم، وقد أثنوا عليه ثناء حسنًا مبينين سعة حفظه وخبرته بالعلل وصلاحه وورعه.\n- ومن شيوخه المشهورين:\nالإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن محمد الناقد، وسعيد بن منصور، وأبو الوليد الطيالسي، ومخلد بن خالد، وقتيبة بن سعيد، ومسدد بن مسرهد، ومحمد بن المثنى، وخلق كثيرون.\nوروى عنه كثيرون من العلماء والأئمة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل الذي روى عنه حديثًا واحدا، وكان أبو داود يعتز بذلك كثيرًا٢.\nوممن روى عنه من المشهورين: أبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وزكريا الساجي، ومحمد بن نصر المروزي، وأبو بشر محمد بن أحمد الدولابي، وأبو عوانة الإسفراييني، وأبو بكر أحمد بن محمد بن هارون\n_________\n١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال \"١١/ ٣٥٥- ٣٦٧\"، أخبار أصبهان \"١/ ٣٣٤\"، تاريخ بغداد \"٩/ ٥٥\"، أنساب السمعاني \"٧/ ٤٦\"، المنتظم \"٥/ ٩٧\"، الكامل في التاريخ \"٧/ ٤٢٥\"، اللباب \"٢/ ١٠٥\"، وفيات الأعيان \"٢/ ٤٠٤\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٥٩١\"، العبر \"٢/ ٥٤\"، طبقات السبكي \"٢/ ٢٩٣\"، البداية والنهاية \"١١/ ٥٤\"، تهذيب التهذيب \"٤/ ٢٩٨\"، طبقات الحفاظ للسيوطي \"ص٢٦١\"، طبقات المفسرين \"ص١٩٥\"، شذرات الذهب \"٢/ ١٦٧\"، وغيرها.\n٢ راجع: تاريخ بغداد \"٩/ ٥٥\"، الخلاصة \"ص١٢٧\".","vol":"1","page":327},{"text":"الخلال، وأبو بكر بن داود الأصفهاني، وحرب بن إسماعيل الكرماني، وإسماعيل بن محمد الصفار ...\n- ثناء العلماء عليه:\nقال أبو بكر الخلال١: أبو داود سليمان بن الأشعث، الإمام المقدَّم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم، وبصره بمواضعها أحد في زمانه، رجل ورع مقدم٢.\nوقال أحمد بن محمد بن ياسين الهروي٣: سليمان بن الأشعث أبو داود السجزي، كان أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول الله -ﷺ- وعلمه وعلله وسنده، في أعلى درجة النسك والعفاف والصلاح والورع، كان من فرسان الحديث٤.\nوقال إبراهيم الحربي٥ وأبو بكر الصاغاني٦: أُلين لأبي داود الحديث كما ألين لداود النبي -﵇- الحديد٧.\n_________\n١ هو أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي \"ت٣١١هـ\" له كتب كثيرة، وقد جمع علم الإمام أحمد. انظر ترجمته في: \"تذكرة الحفاظ\" \"٧٨٥\"، و\"المنهج الأحمد\" \"٢/ ٥\"، وطبقات الحنابلة \"٢/ ١٢\"، و\"البداية والنهاية\" \"١١/ ١٤٨\".\n٢ \"تاريخ بغداد\" \"٩/ ٥٧\"، و\"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧٢\"، \"تهذيب ابن عساكر\" \"٦/ ٢٤٤\".\n٣ هو أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد أبو إسحاق \"ت٣٣٤هـ\"، انظر ترجمته في \"شذرات الذهب\" \"٢/ ٣٣٥\".\n٤ \"تاريخ بغداد\" \"٩/ ٥٧\"، و\"مختصر المنذري\" \"١/ ٧\"، وتهذيب التهذيب \" ٤/ ١٧٢\"، و\"تهذيب ابن عساكر\" \"٦/ ٢٤٤\".\n٥ هو إبراهيم بن إسحاق الحربي البغدادي كان حافظًا فقيهًا توفي ببغداد سنة \"٢٨٥\". انظر: \"معجم الأدباء\" \"٣٧١\"، و\"المنهج الأحمد\" \"١/ ١٩٦\"، و\"تاريخ بغداد\" \"٦/ ٢٧\"، و\"طبقات الحنابلة\" \"١/ ٨٦\"، و\"شذرات الذهب\" \"٢/ ١٩٠\"، و\"تذكرة الحفاظ\" \"٥٨٤\".\n٦ هو الحافظ محمد بن إسحاق محدث بغداد الإمام الثقة \"ت٢٧٠هـ\". انظر: \"تاريخ بغداد\" \"١/ ٢٤١\"، و\"تذكرة الحفاظ\" \"٥٧٣\".\n٧ \"البداية والنهاية\" \"١١/ ٥٥\"، \"طبقات الشافعية\" \"٢/ ٢٩٣\"، و\"تذكرة الحفاظ\" \"٥٩١\"، و\"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧٢\"، و\"مختصر المنذري\" \"١/ ٥\"، و\"معالم السنن\" \"١/ ١٢\"، و\"المنهج الأحمد\" \"١/ ١٧٥\".","vol":"1","page":328},{"text":"وقال موسى بن هارون الحافظ١: خلق أبو داود في الدنيا للحديث، وفي الآخرة للجنة، ما رأيت أفضل منه٢.\nوقال علان بن عبد الصمد: كان من فرسان الشأن٣.\nوقال أبو حاتم بن حبان ٤: كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وحفظًا ونسكًا وورعًا وإتقانًا، جمع وصنف وذب عن السنن٥.\nوقال أبو عبد الله بن منده٦: الذين أخرجوا وميزوا الثابت من المعلول، والخطأ من الصواب أربعة: البخاري ومسلم، وبعدهما أبو داود والنسائي٧.\nوقال الحاكم٨: أبو داود إمام أهل الحديث في عصره بلا مدافعة٩.\nوقال محمد بن مخلد١٠: كان أبو داود يفي بمذاكرة مائة ألف حديث، وأقر له أهل زمانه بالحفظ١١.\nوقال ابن ماكولا١٢: هو إمام مشهور.\nوكان إبراهيم الأصبهاني وأبو بكر بن صدقة ١٣ يرفعان من قدره بما لا يذكران أحدًا في زمانه مثله١٤.\n_________\n١ هو الحافظ موسى بن هارون الحمال البغدادي البزار \"ت٢٩٤هـ\"، وانظر: \"تذكرة الحفاظ\" \"٦٦٩\".\n٢ طبقات الشافعية\" \"٢/ ٢٩٣\"، \"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧٢\"، \"تهذيب ابن عساكر\" \"٦/ ٢٤٤\".\n٣ \"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧٢\"، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" \"٢/ ٢٢٤\".\n٤ هو أبو حاتم محمد بن حبان البستي والشافعي، صاحب \"الصحيح\"، و\"الثقات\"، و\"المجروحين\" \"ت٢٥٤هـ\".\n٥ \"تهذيب التهذيب \"٤/ ١٧٢\"، و\"الخلاصة\" للخزرجي \"ص١٢٧\".\n٦ هو أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة الحافظ \"ت٣٩٦هـ\".\n٧ \"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧٢\".\n٨ هو محمد بن عبد الله بن محمد الحاكم النيسابوري صاحب \"المستدرك\"، ولد سنة ٣٣١هـ، وتفقه على مذهب الشافعي \"ت٤٠٥هـ\".\n٩ هو محمد بن مخلد بن حفص، الإمام مسند بغداد، عاش ٩٨ سنة، \"ت٣٣١هـ\"، \"انظر: \"تذكرة الحفاظ ٨٢٨\".\n١٠ تهذيب التهذيب \"٤/ ١٧٢\".\n١١ هو الأمير الحافظ أبو نصر علي بن هبة الله مصنف \"الإكمال\"، ولد سنة \"٤٢٢هـ\" وقتله مماليكه الأتراك سنة ٤٨٦، وقيل: سنة ٤٧٥.\n١٢ \"تهذيب ابن عساكر\" \"٦/ ٢٤٤\".\n١٣ هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة البغدادي \"ت٢٩٣هـ\".\n١٤ \"تهذيب ابن عساكر\" \"٦/ ٢٤٤\"، و\"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧١\".","vol":"1","page":329},{"text":"وقال الذهبي١: وبلغنا أن أبا داود كان من العلماء حتى إن بعض الأئمة قال: كان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودله وسمته، وكان أحمد يشبه في ذلك بوكيع، وكان وكيع يشبه في ذلك بسفيان، وسفيان بمنصور، ومنصور بإبراهيم، وإبراهيم بعلقمة، وعلقمة بعبد الله بن مسعود. وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه النبي -ﷺ- في هديه ودله٢.\nولم يرض السبكي في \"طبقاته\" أن يمضي بالسلسلة إلى نهايتها؛ بل اختار الوقوف عند ابن مسعود٣.\nونقل ابن العماد عن الذهبي أيضًا قوله في أبي داود: كان رأسًا في الحديث، رأسًا في الفقه، ذا جلالة، وحرمة، وصلاح، وورع، حتى أنه كان يشبه بأحمد٤.\nوقال ابن الجوزي٥: كان عالمًا، حافظًا، عارفًا بعلل الحديث، ذا عفاف وورع، وكان يشبه بأحمد بن حنبل٦.\n- ثناء العلماء على سنن أبي داود:\nقال الخطابي: وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم، وأمهات السنن، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه٧، فنال بذلك ثناء الأئمة والعلماء وتقديرهم.\nوقال أبو زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب \"السنن\" لأبي داود عهد الإسلام٨.\n_________\n١ هو الإمام، الحافظ، مؤرخ الإسلام، الناقد: محمد بن عثمان الذهبي، الشافعي، الدمشقي \"ت٧٤٨هـ\".\n٢ \"تذكرة الحفاظ\" \"ص٥٩٢\".\n٣ \"طبقات الشافعية\" \"٢/ ٢٩٦\".\n٤ \"شذرات الذهب\" \"٢/ ١٦٧\".\n٥ هو عبد الرحمن بن علي إمام مشهور كثير التصنيف \"ت٥٩٤هـ\"، وانظر ترجمته بقلمنا في مقدمة \"القصاص والمذكرين\".\n٦ \"المنتظم\" \"٥/ ٩٧\".\n٧ \"معالم السنن\" \"١/ ١٣\".\n٨ \"تهذيب ابن عساكر\" \"٦/ ٢٤٤\".","vol":"1","page":330},{"text":"وقال محمد بن مخلد: لما صنف أبو داود \"السنن\" وقرأه على الناس صار لأهل الحديث كالمصحف يتبعونه، وأقر له أهل زمانه بالحفظ فيه١.\nوقال ابن الأعرابي -وأشار إلى النسخة وهي بين يديه: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة٢.\nوعلق الخطابي على كلمة ابن الأعرابي هذه فقال: \"وهذا -كما قال- لا شك فيه؛ لأن الله تعالى أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء، وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فأخبر سبحانه أنه لم يغادر شيئًا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب، إلا أن البيان على ضربين:\nبيان جلي تناوله الذكر نصًّا، وبيان خفي اشتمل عليه معنى التلاوة ضمنًا، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكلًا إلى النبي -ﷺ- وهو معنى قوله سبحانه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان، وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه\"٣.\nوقال الخطابي أيضًا: \"اعلموا -رحمكم الله- أن كتاب السنن لأبي داود كتاب طريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد رزق القبول من الناس كافة، وصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكل فيه ذود وشرب، وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أهل الأرض. فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتابي محمد بن إسماعيل،\n_________\n١ \"تهذيب الأسماء واللغات\" \"٢/ ٢٢٤\".\n٢ \"معالم السنن\" \"١/ ١٢\".\n٣ \"معالم السنن\" \"١/ ١٢، ١٣\".","vol":"1","page":331},{"text":"ومسلم بن الحجاج، ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبي داود أحسن رصفًا وأكثر فقهًا\"١.\nوقال الخطابي أيضًا: \"اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثي أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم، فالصحيح عندهم ما اتصل سنده وعدلت نقلته، والحسن منه ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع، ثم المقلوب -أعني ما قلب إسناده- ثم المجهول، وكتاب أبي داود خليّ منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكره علته ويخرج من عهدته، وحكى لنا عن أبي داود أنه قال: \"ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه\". وكان تصنيف علماء الحديث -قبل زمان أبي داود- الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت فيه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل\"٢.\nوقال أبو حامد الغزالي عن \"سنن أبي داود\": إنها تكفي المجتهد في أحاديث الأحكام٣.\nوقال ابن القيم: \"لما كان كتاب \"السنن\" لأبي داود -﵀- من\n_________\n١ معالم السنن \"١/ ١٠، ١١\".\n٢ معالم السنن \"١/ ١١\".\n٣ البداية والنهاية \"١١/ ٥٥\"، وانظر: قواعد التحديث \"ص٣٣٢\"، و\"مفتاح السنة\" للخولي \"ص٨٥\".","vol":"1","page":332},{"text":"الإسلام بالموضع الذي خصه الله به؛ بحيث صار حكمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحققون، فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء\"١.\nوقال ابن حجر في أبي داود:\nفاق التصانيف الكبار بجمعه ... الأحكام فيها يبذل المجهودا\nقد كان أقوى ما رأى في بابه ... يأتي به ويحرر التجويدا٢\n- كتابه \"السنن\":\nألف أبو داود كتابه \"السنن\" في وقت مبكر، وعُني بتأليفه وترتيبه عناية بالغة، وأعاد النظر فيه مرات متعددة.\nأما كونه ألفه في وقت مبكر، فيدلنا على ذلك ما ذكره مترجمو أبي داود من أنه روى كتابه \"السنن\" ببغداد ونقله عن أهلها، ويقال: إنه صنفه قديمًا وعرضه على أحمد بن حنبل \"ت٢٤١هـ\"، وذلك قبل مجيئه بغداد، فاستجاده واستحسنه٣.\nوقد عاصر أبو داود السجستاني كبار الأئمة الذين شرعوا في تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها أمثال البخاري ومسلم؛ ولكن هذين الإمامين وإن كانا قد اهتما بالناحية الفقهية، إلا أنهما لم يفردا أحاديث الأحكام بالتأليف، وهي أهم ما يبحث عنه المسلمون، ويحتاجون إليه كثيرًا لاستنباط الأحكام الفقهية التي يسيرون عليها.\n_________\n١ \"تهذيب ابن القيم\" \"١/ ٨\".\n٢ \"ديوان ابن حجر\" \"ص٢٠\".\n٣ \"تاريخ بغداد\" \"٩/ ٥٥\"، و\"تهذيب التهذيب\" \"٤/ ١٧١\"، و\"مختصر سنن أبي داود\" \"١/ ٥\"، و\"جامع الأصول\" \"١/ ١١١\".","vol":"1","page":333},{"text":"ولهذا رأينا بعض العلماء يتقدمون خطوة أخرى، فيعنون بهذه الناحية أكثر من غيرها، ومن هؤلاء الإمام أبو داود الذي ألف كتابه السنن ولم يُعْنَ فيه كثيرًا بغير أحاديث الأحكام كالمغازي والسير والقصص والآداب.\nيقول الخطابي: \"وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما، فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخبارًا وقصصًا ومواعظ وآدابًا، فأما السنن المحضة، فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها، ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة، ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبي داود؛ ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب، فضربت إليه أكباد الإبل، ودامت إليه الرحل\"١.\nوقد جمع أبو داود سننه في عشرين سنة، وانتقاه من خمسمائة ألف حديث، وظل يقرؤه على الناس حوالي أربعين سنة.\nقال أبو داود: \"أقمت بطرطوس عشرين سنة أكتب المسند، فكتبت أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف على أربعة أحاديث لمن وفقه الله\"٢، ثم ذكر الأحاديث.\nوقال أبو داود: كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنه هذا الكتاب -يعني السنن- جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت فيها الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما فيه وهن شديد بينته، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث:\nأحدها: قوله ﷺ: \"الأعمال بالنيات\".\n_________\n١ معالم السنن \"١/ ١١\".\n٢ تهذيب الأسماء واللغات للنووي \"٢/ ٢٢٤\"، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث الأربعة قريبًا.","vol":"1","page":334},{"text":"والثاني: قوله ﷺ: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\".\nوالثالث: قوله ﷺ: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضاه لنفسه\".\nوالرابع: قوله ﷺ: \"الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبَيْنَ ذلك أمور مشتبهات\" ١.\n- شروط أبي داود في سننه:\nبيَّن الخطابي شروط أبي داود في كتابه السنن، وهو أنه جمع فيه الحديث الصحيح والحديث الحسن، وأما الحديث السقيم بأنواعه المختلفة كالموضوع والمقلوب الإسناد، والمجهول الرواة فيرى الخطابي أن سنن أبي داود خلا منها، وهو منه بريء من جملة وجوه، ثم بيَّن الخطابي أنه قد تدعو الحاجة أبا داود إلى شيء من هذا السقيم، فيميزه حتى يعرف الناس علته ويخرج من عهدته٢.\nوحكى ابن الصلاح عن أبي داود نفسه أنه روى في سننه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وأنه بين ما فيه وَهَنٌ شديد.\nوحكى ابن الصلاح عن ابن منده، ما أشار إليه من أن أبا داود لم يخرج عمن جمعوا على تركه، وأنه قد يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره.\nقال الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح \"ت٦٤٢هـ\" في مقدمته ما نصه: ومن مظانه -يعني الحديث الحسن- سنن أبي داود السجستاني -﵀- روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وروينا عنه أيضًا ما معناه أنه ذكر في كل باب أصح ما عرفه في ذلك الباب، وقال: ما كان في كتابي من\n_________\n١ تاريخ بغداد \"٩/ ٥٧\"، كشف الظنون \"٢/ ١٠٠٤\"، وفيات الأعيان \"٢/ ٤٠٤\"، جامع الأصول \"١/ ١١١\"، فتح الباري \"١/ ١٢٩\"، وأورد ابن حجر هذين البيتين:\nعمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية\nاترك الشبهات، وازهد، ودع ما ... ليس يعينك، واعملنَّ بنيَّة\n٢ راجع: معالم السنن \"١/ ٦\".","vol":"1","page":335},{"text":"حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض.\nقال ابن الصلاح: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفنا بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عنده، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به؛ إذ حكى أبو عبد الله بن منده الحافظ أنه سمع محمد بن سعد الباوردي بمصر يقول: كان من مذهب أبي عبد الرحمن النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال١. اهـ.\nوقال السيوطي في التدريب: \"فعلى ما نقل عن أبي داود يحتمل أن يريد بقوله: \"صالح\" الصالح للاعتبار دون الاحتجاج، فيشمل الضعيف أيضًا؛ لكن ذكر ابن كثير أنه روى عنه: \"وما سكت عنه فهو حسن\"، فإن صح ذلك فلا إشكال\"٢. اهـ.\nوقال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة مبينًا شروطه في كتابه السنن: \"إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب، فاعلموا أنه كله كذلك، إلا أن يكون قد رُوي من وجهين أحدهما أقوم إسنادًا، والآخر أقوم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنها تكثر، وإنما أردت قرب منفعته، فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة، فإنما هو من زيادة كلام فيه، وإنما تكون فيه كلمة زائدة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم\n_________\n١ المقدمة \"ص١٨\" في النوع الثاني.\n٢ تدريب الراوي \"١/ ٢٠٧\"، مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":336},{"text":"بعض من يسمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه فاختصرته لذلك، وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره، فإذا لم يكن مسند غير المراسيل، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، فإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، وهو كتاب لا ترد عليك سُنة عن النبي -ﷺ- إلا وهي فيه، ولا أعلم شيئًا بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلًا ألا يكتب من العلم شيئًا بعدما يكتب هذا الكتاب، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري، ومالك والشافعي، فهذه الأحاديث أصولها ... والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئًا من الأحاديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، فالحديث المشهور المتصل الصحيح ليس يقدر أن يرده عليك أحد، وأما الحديث الغريب، فإنه لا يحتج به، ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف إلا فدعه، ولم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، فهذه أربعة آلاف وثمانمائة كلها في الأحكام، فأما أحاديث كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها، فلم أخرجها والسلام عليكم\"١.\nوقال الصنعاني: \"قال أبو داود: ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. قال الزين: أي للاحتجاج\"٢.\n_________\n١ نقلًا عن مقدمة ابن الصلاح \"ص٥٥\".\n٢ توضيح الأفكار \"١/ ١٩٧\".","vol":"1","page":337},{"text":"وقال ابن عبد البر: \"كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره\"١.\nوقال الذهبي فيما نقله عنه السبكي: \"وقد وفَّى بذلك، فإنه بين الضعيف الظاهر، وسكت عن الضعيف المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده، ولا بد؛ بل قد يكون مما فيه الضعف\"٢.\nوزعم الحافظ السلفي أنا ما في سنن أبي داود صحيح؛ لأنه أحد الكتب الخمسة التي \"اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب\"٢.\nفرد عليه ابن الصلاح قائلًا: \"وهذا تساهل؛ لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفًا أو منكرًا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف، وصرح أبو داود فيما قدمنا من روايته عنه بانقسام ما في كتابه إلى صحيح وغيره\"٣.\nفابن الصلاح يرى أن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود حسنة، لا صحيحة كما زعم الحافظ السلفي، والسبب في موقف ابن الصلاح أنه كان يرى أن ليس للمتأخر أن يجرؤ على الحكم بصحة حديث ليس في أحد الصحيحين، أو لم ينص على صحته أحد من أئمة الحديث السابقين.\nوقال الأستاذ أحمد شاكر: \"إن ابن الصلاح يحكم بحسن الأحاديث التي سكت عنها أبو داود، ولعله سكت عن أحاديث في السنن، وضعفها في شيء من أقواله الأخرى كإجاباته للآجري في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، فلا يصح إذن أن يكون ما سكت عنه في \"السنن\" وضعفه في موضع آخر من كلامه حسنًا؛ بل يكون عنده ضعيفًا، وإنما لجأ ابن الصلاح إلى هذا اتباعًا لقاعدته التي سار عليها من أنه لا يجوز للمتأخرين التجاسر على الحكم بصحة حديث لم يوجد في أحد الصحيحين، أو لم ينص أحد من أئمة الحديث على صحته\"٤.\n_________\n١ نقلًا عن: توضيح الأفكار \"١/ ١٩٧\".\n٢ طبقات السبكي \"٢/ ٢٩٣\".\n٣ علوم الحديث \"٣٦، ٣٧\".\n٤ الباعث الحثيث \"ص٤٢\".","vol":"1","page":338},{"text":"وقال في موضع آخر: \"وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب. والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث، وهيهات فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ولا تجد له شبه دليل\"١.\n- ويتضح من كلام أبي داود وغيره مما سبق ما يلي:\nأولًا: أنه اهتم في سننه بجمع ما هو صحيح، وحسن، أو صالح للاحتجاج.\nثانيًا: أنه قد يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى من رأي الرجال.\nثالثًا: أنه يبين الأحاديث التي فيها وهن شديد.\nرابعًا: أن ما سكت عنه فهو صالح عنده.\nخامسًا: أنه يختار من الأحاديث الصحيحة طريقًا أو طريقين ويترك الطرق الأخرى، وربما فعل ذلك تجنبًا للضخامة وكبر الحجم.\nسادسًا: أنه اختصر الحديث الطويل ليُفهم موضع الفقه منه.\nوأما قوله: \"وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء\"، فقد يكون مراده: أنه لم يخرج لمتروك الحديث عنده على ما ظهر له، أو لمتروك مجمع على ترك حديثه إلا وبينه٢.\nوأما الأحاديث التي سكت عنها: فمنها المتفق عليه، ومنها الموجود في أحد الصحيحين، ومنها ما هو على شرط الصحة، ومنها ما هو حسن لذاته، ومنها ما\n_________\n١ الباعث الحثيث \"ص٢٩\". قال الحافظ السيوطي: \"والأحوط في مثل ذلك أن يعبر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التصحيح لاحتمال علة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبر خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله، وكثيرًا ما يكون الحديث ضعيفًا أو واهيًا، والإسناد صحيح مركب عليه ... \". تدريب الراوي \"١/ ١٨٣\".\n٢ راجع: شروط الأئمة الخمسة \"ص٥٤\".","vol":"1","page":339},{"text":"هو حسن لغيره، ومنها ما فيه راوٍ ضعيف، ولكنه محتمل؛ لعدم الاتفاق على ترك حديثه، أو لعدم شدة ضعفه، ولا ينبغي لنا أن نستنبط من سكوت أبي داود الاحتجاج بكل ما سكت عنه.\nقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: \"ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج، ويسكت عنها مثل ابن لهيعة ... فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، وقد يخرج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن دحية، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم\"١.\n- الضعيف في سنن أبي داود:\nصرح أبو داود -رحمة الله تعالى عليه- في سننه بتضعيف بعض الأحاديث، ويرى بعض العلماء أن في السنن أيضًا أحاديث ضعيفة لم يصرح أبو داود بضعفها، إما لأن ضعفها محتمل عنده وليس بشديد، وإما لأنه صرح في غير \"السنن\" بضعفها، كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد شاكر في النص الذي أوردناه قبل قليل.\nفالأحاديث التي صرَّح بضعفها أمرها هين، وكذلك الأحاديث التي سكت عنها وأخرجها الشيخان أو أحدهما فهي صحيحة، أما الأحاديث التي سكت عنها وليست من هذا القبيل ولا ذاك، فإننا نستطيع أن نحكم عليها بالنظر في أسانيدها، فما حكم له سنده بالصحة كان صحيحًا، وما حكم له سنده بالضعف كان ضعيفًا.\nومن الجدير بالذكر أن ننوه هنا بأن المنذري وابن الصلاح وغيرهما ذكروا أن محمد بن إسحاق بن منده الحافظ حكى أن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث\n_________\n١ المنهل العذب المورود، لمحمد خطاب السبكي، نقلًا عن التحفة المرضية للقاضي حسين بن محسن اليماني \"١/ ١٨\".","vol":"1","page":340},{"text":"أقوام لم يجتمع على تركهم، ويحكون عن أبي داود أنه قال: \"ما ذكرت في كتابي حديثًا اجتمع الناس على تركه\"١.\nوهذا الذي يحكونه عن أبي داود أدق من كلمته الواردة في رسالته إلى أهل مكة وهي: \"وليس في كتاب السنن عن رجل متروك الحديث شيء\"؛ إذ قد أخرج عن أبي جَنَاب يحيى بن أبي حية الكلبي٢، ومحمد بن عبد الرحمن البَيْلَمَاني٣، وهما من المتروكين وإن وجد من يزكيهما، فلا يعد أمثالهما من المجتمع على تركهم.\nورَوى عن جابر الجعفي، فقد أخرج له الحديث رقم \"١٠٣٦\"، ونصه: \"إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا، فليجلس، فإن استوى قائمًا، فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو\"، ثم قال عقبه: \"وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث\"٤.\nوقد ترجم الذهبي في \"الميزان\" لجابر هذا، وذكر ما يدل على ضعفه واتهامه٥. وذكر أبو داود في كتابه السنن عمرو بن ثابت٦ وهو رافضي، وقد قرر ذلك أبو داود نفسه، فقال بعد أن أورد الحديث رقم \"٢٨٧\": \"ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل ... \" ثم قال أبو داود: \"وعمرو بن ثابت رافضي، رجل سوء؛ ولكنه كان صدوقًا في الحديث\"٧. وروى أيضًا عن الحارث الأعور٨ الحديث رقم \"٩٠٨\"، وفي الحارث كلام كثير٩.\nوقال ابن كثير في \"البداية والنهاية: \"قال أبو داود: ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا نوح\n_________\n١ \"مختصر المنذري\" \"١/ ٨\"، و\"علوم الحديث\" \"٣٣\"، و\"توجيه النظر\" \"١٥٠\"، و\"قواعد التحديث\" \"٣٣١\".\n٢ انظر: \"الميزان\" \"٤/ ٣٧١\".\n٣ انظر: \"سنن أبي داود\" \"١/ ٣٧٣- ٣٧٤\".\n٥ انظر: \"الميزان\" \"١/ ٣٧٩\".\n٦ انظر ترجمته في \"الميزان\" \"٣/ ٢٤٩\".\n٧ انظر: \"السنن\" \"١/ ٣٣٠\".\n٨ انظر ترجمته في \"الميزان\" \"١/ ٤٣٥\".\n٩ انظر: \"السنن\" \"١/ ٣٣٠\".","vol":"1","page":341},{"text":"ابن قيس، عن يزيد بن كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزراء، عن ابن عباس -﵄- قال: السجل كاتب النبي -ﷺ- وهكذا رواه النسائي ... ورواه أبي جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ... وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير الحافظ المزي فأنكره جدًّا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود. قال شيخنا المزي: وأنا أقوله\"١.\n- لماذا أورد في كتابه الحديث الضعيف؟ ٢\nأورد أبو داود بعض الأحاديث الضعيفة في كتابه للأمور الآتية:\n١- لأن طريقته في التصنيف هي أن يجمع كل الأحاديث التي تتضمن أحكامًا فقهية ذهب إلى القول بها عالم من العلماء.\n٢- لأنه كان يرى أن الحديث الضعيف -إن لم يكن شديد الضعف- أقوى من رأي الرجال ومن القياس \"حكى ابن منده أنه سمع محمد الباوردي يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره أقوى عنده من رأي الرجال\"٣.\nوحكى ابن العربي عن أبي داود أنه قال لابنه: \"إن أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرَ من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء؛ ولكنك يا بني تعرف طريقي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب ما يدفعه\"٤.\n_________\n١ \"البداية والنهاية\" \"٥/ ٣٤٧\"، وانظر: \"تفسير ابن كثير\" \"٣/ ٢٠٠\"، و\"تفسير الطبري\" \"١٧/ ١٠٠\"، و\"الإصابة\" \"٢/ ١٥\"، و\"السنن الكبرى\" للنسائي \"١/ ١٢٦\".\n٢ انظر أسباب ذلك في كتاب \"أبو داود: حياته وسننه\" \"ص٥٦، ٥٧\"، للدكتور/ محمد لطفي الصباغ، المكتب الإسلامي، بيروت، ط \"٢\"، ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م.\n٣ \"علوم الحديث\" \"٣٣، ٣٤\"، و\"توجيه النظر\" \"١٥٠\".\n٤ \"المنهل العذب المورود\" للشيخ محمود خطاب السبكي \"١/ ١٨\".","vol":"1","page":342},{"text":"٣- أما إذا كان الحديث شديد الضعف، فإنما يورده ليدل على عدم تبنِّيه لمضمونه، وكأنه بذلك يرد على الآخرين به قائلًا: ليس لكم دليل بهذا الحديث على رأيكم؛ لأن الحديث شديد الضعف. ومثال ذلك ما جاء في باب النهي عن التلقين١ حيث عقد الباب على حديث ضعيف ولم يورد في الباب غيره، فقد جاء بالحديث رقم \"٩٨\" فقط وهو: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا علي! لا تفتح على الإمام في الصلاة\". قال أبو داود: أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها٢.\nأي: أن الحديث منقطع، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحارث بن عبد الله الأعور نفسه ضعيف عند الجمهور، عرفنا أن الحديث شديد الضعف.\n- منهج أبي داود في سننه:\nرتب أبو داود أحاديثه ترتيبًا فقهيًّا، وصنفها على كتب، تندرج تحتها أبواب، واشتمل على الكتب الفقهية الآتية:\n١- كتاب الطهارة.\n٢- كتاب الصلاة.\n٣- كتاب الزكاة.\n٤- كتاب اللقطة.\n٥- كتاب المناسك \"الحج\".\n٦- كتاب النكاح.\n٧- كتاب الطلاق.\n٨- كتاب الصوم.\n٩- كتاب الجهاد.\n١٠- كتاب الضحايا \"الأضحية\".\n١١- كتاب الصيد.\n١٢- كتاب الوصايا.\n١٣- كتاب الفرائض.\n١٤- كتاب الخراج والإمارة والفيء.\n١٥- كتاب الجنائز.\n١٦- كتاب الأيمان والنذور.\n_________\n١، ٢ انظر: \"السنن\" \"١/ ٣٣٠\".","vol":"1","page":343},{"text":"١٧- كتاب البيوع والإجارات.\n١٨- كتاب الأقضية.\n١٩- كتاب العلم.\n٢٠- كتاب الأشربة.\n٢١- كتاب الأطعمة.\n٢٢- كتاب الطب.\n٢٣- كتاب العتق.\n٢٤- كتاب الحروف والقراءات.\n٢٥- كتاب الحمام.\n٢٦- كتاب اللباس.\n٢٧- كتاب الترجل.\n٢٨- كتاب الخاتم.\n٢٩- كتاب الفتن والملاحم.\n٣٠- كتاب المهدي.\n٣١- كتاب الملاحم.\n٣٢- كتاب الحدود.\n٣٣- كتاب الديات.\n٣٤- كتاب السُّنَّة.\n٣٥- كتاب الأدب.\nومن خلال تأمل كتاب أبي داود يتضح الآتي١:\n١- يبدأ أولًا الأبواب بذكر الأحاديث الصحيحة، وقد يسوق بعدها أحيانًا غير الصحيحة.\n٢- أنه يذكر أكثر من طريق للمتن عندما يريد أن يؤكد حكمًا فقهيًّا، كما في كتاب الصلاة في باب: \"المرأة لا تقطع الصلاة\" ذكر خمسة أحاديث وكلها تبين أن الرسول -ﷺ- كان يصلي وعائشة بينه وبين القبلة معترضة؛ مما يدل على أن المرأة لا تقطع الصلاة٢.\n٣- وأنه يعنَى بالتنبيه على اختلاف الرواة في ألفاظ المتون التي تلتقي في موضوع واحد، ومن ذلك ما جاء أيضًا في باب المرأة لا تقطع الصلاة: \"حدثنا\n_________\n١ راجع كتب السنة الجزء الثاني، د. رفعت فوزي \"مخطوط بالآلة الكاتبة\".\n٢ سنن أبي داود \"١/ ٤٥٦، ٤٥٧\" \"١١٢\"، باب من قال: \"المرأة لا تقطع الصلاة\"، الأحاديث من \"٧١٠\" إلى \"٧١٤\".","vol":"1","page":344},{"text":"عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر \"ح\" قال أبو داود: وحدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد، وهذا لفظه- عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، أنها قالت: كنت أنام وأنا معترضة في قبلة رسول الله -ﷺ- فيصلي رسول الله -ﷺ- وأنا أمامه إذا أراد أن يوتر\". زاد عثمان: \"غمزني\"، ثم اتفقا \"فقال: تَنَحَّيْ\"١.\nففي هذا الحديث ثلاثة تنبيهات:\nالأول: أن عبد العزيز هو ابن محمد \"يعني الدراوردي حتى لا يلتبس بغيره\".\nوالثاني: أن هذا الحديث لفظ عبد العزيز بن محمد وليس لفظ محمد بن بشر.\nوالثالث: أن عثمان بن أبي شيبة زاد في لفظ الحديث عن عبد العزيز كلمة \"غمزني\"؛ وهذا يدل على دقة أبي داود في روايته، وحرصه على نسبة ألفاظ الحديث إلى رواتها، كما هو الحال مع كثير من المحدثين؛ حفاظًا على السُّنة.\n٤- يذكر ما يخدم الناحية الفقهية التي عُنِيَ بها كتابه، ومن ذلك:\nأ- أنه يذكر بعض القواعد التي تتبع عندما يبدو تعارض ظاهر الأحاديث؛ ليلفت نظرنا إلى الفهم الصحيح، ففي الأبواب التي روى فيها أحاديث تقول: إن الصلاة تقطعها أشياء، وأخرى تقول: إن الصلاة لا تقطعها هذه الأشياء٢.\nيذكر عقبها هذه القاعدة: \"إذا تنازع الخبران عن رسول -ﷺ- نُظِرَ إلى ما عمل به أصحابه من بعده\"٣.\nب- ينقل أقوال بعض الأئمة تعقيبًا على بعض الأحاديث، ففي \"باب\n_________\n١ المصدر السابق، حديث رقم \"٧١٤\".\n٢ انظر: سنن أبي داود \"١/ ٤٤٢- ٤٦٠\"، كتاب الصلاة الأبواب: \"١٠٢\" حتى \"١١٥\" التي اشتملت على الأحاديث \"٦٨٥- ٧٢٠\".\n٣ سنن أبي داود \"١/ ٤٦٠\" نهاية الباب رقم \"١١٥\" باب من قال: لا يقطع الصلاة شيء - عقب حديث رقم \"٧٢٠\".","vol":"1","page":345},{"text":"المحرم يموت كيف يصنع به\" بعد أن روى حديث ابن عباس قال: أُتي النبي -ﷺ- برجل وَقَصَتْهُ راحلته، فمات وهو محرم، فقال: \"كفونه في ثوبيه واغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة يلبي\" ١.\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن: \"كفنوه في ثوبيه\" أي: يكفن الميت في ثوبين، \"واغسلوه بماء وسدر\" أي: إن في الغسلات كلها سدرًا، \"ولا تخمروا رأسه\": ولا تقربوه طيبًا، وكان الكفن من جميع المال.\nوفي \"باب الرجل يُكَفِّر قبل أن يحنث\" قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يرخص فيها: الكفارة قبل الحنث٢.\nجـ- يذكر بعض آراء السلف، ويختار منها؛ فقد روى حديث خالد بن الوليد أن رسول الله -ﷺ- نهى عن أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير، وكل ذي ناب من السباع٣.\nثم علق أبو داود عليه بقوله: \"وهو قول مالك\"، ثم قال أيضًا: \"لا بأس بلحوم الخيل، وليس العمل عليه\"، ثم قال أيضًا: \"وهذا منسوخ، فقد أكل لحوم الخيل جماعة من أصحاب النبي -ﷺ- منهم: ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، وكانت قريش في عهد رسول الله -ﷺ- تذبحها\"٤.\nوروى عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله -ﷺ- وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أُمِرْنَا بالحجاب، فقال النبي ﷺ:\n_________\n١ سنن أبي داود \"٣/ ٥٦٠\" \"١٥\"، كتاب الجنائز \"٨٤\"، باب المحرم يموت كيف يصنع به، حديث \"٣٢٣٨\".\n٢ سنن أبي داود \"٣/ ٥٨٥\" \"١٦\"، كتاب الأيمان والنذور \"١٧\"، باب: الرجل يكفر قبل أن يحنث - عقب حديث رقم \"٣٢٧٧\".\n٣ سنن أبي داود \"٤/ ١٥١، ١٥٢\" \"٢١\" كتاب الأطعمة \"٢٦\" باب في أكل لحوم الخيل - حديث رقم \"٣٧٩٠\".\n٤ في الموضع السابق، عقب الحديث المذكور \"٣٧٩٠\".","vol":"1","page":346},{"text":"\"احتجبا منه\"، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى، لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبي ﷺ: \"أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه؟! \" ١.\nقال أبو داود: هذا لأزواج النبي -ﷺ- خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، قد قال النبي -ﷺ- لفاطمة بنت قيس: \"اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده\"٢.\nوفي المستحاضة بعد أن روى ما يفيد أن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتتوضأ قال: \"وهو قول الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومكحول، وإبراهيم، وسالم، والقاسم: إن المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها\"٣.\nكما روى عن ربيعة: \"أنه كان لا يرى على المستحاضة وضوءًا إلا عند كل صلاة إلا أن يصيبها حدث غير الدم\"٤، فتوضأ، ثم ذكر أن ذلك قول مالك، فقال أبو داود: هذا قول مالك يعني ابن أنس٥.\n- شروحه ومختصراته:\nشرح السنن كثير من العلماء، منهم:\n١- الإمام أبو سليمان الخطابي \"ت ٣٢٨م\"، في كتابه \"معالم السنن\" \"مطبوع\".\n٢- وقطب الدين أبو بكر اليمني الشافعي \"ت ٦٥٢هـ\".\n٣ وشهاب الدين الرملي \"ت ٨٤٨هـ\" وغيرهم.\n_________\n١ سنن أبي داود \"٤/ ٣٦١، ٣٦٢\" \"٢٦\" كتاب اللباس \"٣٧\" باب في قوله ﷿: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ [النور: ٣١] حديث رقم \"٤١١٢\".\n٢ الموضع السابق \"٤/ ٣٦٢\" عقب الحديث المذكور رقم \"٤١١٢\".\n٣ سنن أبي داود \"١/ ١٩٤\" \"١\" كتاب الطهارة \"١٠٨\" باب في المرأة التي تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض في آخر تعقيبه على الحديث رقم \"٢٨١\".\n٤ سنن أبي داود \"١/ ٢١٤\" \"١\" كتاب الطهارة \"١١٨\" باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث - رقم \"٣٠٦\".\n٥ الموضع السابق \"١/ ٢١٥\" عقب الحديث المذكور رقم \"٣٠٦\". وقد قال الخطابي: \"وقول ربيعة شاذ، ليس عليه العمل\" هامش سنن أبي داود \"١/ ٢١٤\".","vol":"1","page":347},{"text":"واختصرها الحافظ عبد العظيم المنذري صاحب الترغيب والترهيب المتوفَّى سنة \"٦٥٦هـ\".\nوهذب المختصر ابن قيم الجوزية المتوفَّى \"٧٥١هـ\" ذكر فيه أن الحافظ المنذري قد أحسن في اختصاره، فهذبته نحو ما هذب هو به الأصل، وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها إذ لم يكملها، وتصحيح أحاديثه، والكلام على متون مشكلة لم يفتح معضلها، وقد بسطت الكلام على مواضع لعل الناظر لا يجدها في كتاب سواه١.\n_________\n١ كشف الظنون \"١/ ٤٧٨\"، مفتاح السُّنة \"ص٨٦\".","vol":"1","page":348},{"text":"رابعًا: أبو عيسى الترمذي \"٢٠٩-٢٧٩هـ\" ١\nهو: محمد بن عيسى بن سورة بن موسى الترمذي، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، تلميذ الإمام البخاري، ومشاركه فيما يرويه في عدة من مشايخه \"مثل: قتيبة بن سعيد، وعلي بن حُجْر، وابن بشار، وغيرهم\". سمع منه شيخه البخاري وغيره، وكان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان، طاف البلاد، وسمع خلقا كثيرًا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازيين، وغيرهم؛ ولهذا كله اتسعت معرفته بعلوم الحديث رواية ودراية، ولم يكن راوية للحديث فقط، وإنما جمع إلى ذلك الفقه واستنباط الأحكام الشرعية، والوقوف على الآراء الفقهية المختلفة للأئمة، ونقد بعضها أحيانًا ...\n- شيوخه وتلاميذه:\nأدرك الترمذي كثيرًا من قدماء الشيوخ وسمع منهم، وكان عصره عصر النهضة العلمية العظيمة في علوم الحديث، وهي النهضة التي نرى أن الذي أثارها -أو كانت له اليد الطولى في إحيائها وبعثها- هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي ناصر الحديث \"١٥٠-٢٠٤هـ\"؛ إذ علَّم الناس عامة، وأهل العراق ثم مصر خاصة، معنى الاحتجاج بالسنة، ومعنى العمل بها مع القرآن، وحدد أصول ذلك وحررها، وأقام الحجة على مناظره بوجوب الأخذ بالحديث وأفحمهم، وعن ذلك ترى أن الأئمة أصحاب الكتب الستة نبغوا في الطبقة التالية لعصر الشافعي مباشرة، وإن لم يدركوه رؤية وسماعًا لتقدم موته؛ ولكنهم أدركوا أقرانه\n_________\n١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال \"٢٦/ ٢٥٠- ٢٥٢\"، الأنساب للسمعاني \"٣/ ٤٥\"، وفيات الأعيان \"٤/ ٢٧٨\"، سير أعلام النبلاء \"١٣/ ٢٧٠\"، تهذيب التهذيب \"٩/ ٣٨٧- ٣٨٩\"، التقريب \"٢/ ١٩٨\"، شذرات الذهب لابن العماد \"٢/ ١٧٤- ١٧٥\"، العبر \"١/ ٤٤٢، ٤٤٤\"، \"٢/ ٦٢\"، ميزان الاعتدال \"٣/ ١١٧\" ترجمة رقم \"٨٠٣٥\"، ثقات ابن حبان \"٩/ ١٥٣\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ١٨٧- ١٨٨\"، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي \"٣/ ٨١ - ٨٢\"، مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده \"٢/ ١١\"، كشف الظنون \"١/ ٣٧٥\"، الفهرست لابن النديم \"ص٣٢٥\"، الكامل لابن الأثير \"٧/ ١٦٤- ١٦٥\"، توضيح الأفكار على تنقيح الأنظار \"١/ ١٧٠\".","vol":"1","page":349},{"text":"ومعاصريه ومناظريه وكبار تلاميذه، وهاك بيانًا عن تواريخ مولد كل منهم ووفاته؛ لتظهر المقارنة بينهم واضحة:\nالبخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله، ولد في شوال سنة ١٩٤هـ، ومات يوم السبت غرة شوال سنة ٢٥٦هـ.\nمسلم: مسلم بن الحجاج القشيري أبو الحسين، ولد في سنة ٢٠٤، ومات في ٢٥ رجب سنة ٢٦١هـ.\nالترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى، ولد في سنة ٢٠٩هـ، ومات في ١٣ رجب سنة ٢٧٩هـ.\nأبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، ولد سنة ٢٠٢، ومات في شوال سنة ٢٧٥هـ.\nالنسائي: أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن، ولد سنة ٢١٥هـ، ومات في ١٣ صفر سنة ٣٠٣هـ.\nابن ماجه: محمد بن يزيد بن ماجه أبو عبد الله، ولد سنة ٢٠٩هـ، ومات في ٢٢ رمضان سنة ٢٧٣هـ.\nوقد روى هؤلاء الأئمة الستة عن شيوخ كثيرين، فتفرد بعضهم بالرواية عن بعض الشيوخ، واشترك بعضهم مع غيره في الرواية عن آخرين، واشتركوا جميعًا في الرواية عن تسعة شيوخ فقط وهم:\n١- محمد بن بشار بندار \"١٦٧-٢٥٠هـ\".\n٢- محمد بن المثني أبو موسى \"١٦٧-٢٥٢هـ\".\n٣- زياد بن يحيى الحساني \"ت ٢٥٤هـ\".\n٤- عباس بن عبد العظيم العنبري \"ت ٢٤٦هـ\".\n٥- أبو سعيد الأشج عبد الله بن سعيد الكندي \"ت ٢٥٧هـ\".\n٦- أبو حفص عمرو على الفلاس \"ولد بعد سنة ١٦٠هـ، ومات سنة ٢٤٩هـ\".","vol":"1","page":350},{"text":"٧- يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي \"١٦٦-٢٥٢هـ\".\n٨- محمد بن معمر القيسي البحراني \"ت ٢٥٦هـ\".\n٩- نصر بن على الجهضمي \"ت ٢٥٠هـ\".\nوقد أدرك أبو عيسى الترمذي شيوخًا أقدم من هؤلاء، وسمع منهم، وروى عنهم في كتابه هذا، منهم:\n- عبد الله بن معاوية الجمحي \"ت ٢٤٣هـ\" وقد جاوز المائة.\n- علي بن حجر المروزي \"ت ٢٤٤هـ\" وقد قارب المائة.\n- سويد بن نصر بن سويد المروزي \"ت ٢٤٠هـ\"، عن ٩١ سنة.\n- قتيبة بن سعيد الثقفي، أبو رجاء \"١٥٠-٢٤٠هـ\".\n- أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري المدني \"١٥٠-٢٤٢هـ\".\n- محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب \"ت ٢٤٤هـ\".\n- إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي \"١٧٨-٢٤٤هـ\".\n- إسماعيل بن موسى الفزاري السدي \"ت ٢٤٥هـ\".\nوغير هؤلاء أيضًا، وكثير من شيوخ البخاري والترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث، وتفقه فيه، وسأله واستفاد منه.\nوقد طاف أبو عيسى البلاد، وسمع خلقًا من الخراسانيين، والعراقيين، والحجازين.\nوالرواة عن أبي عيسى الترمذي كثيرون، ذكر بعضهم في تذكرة الحفاظ وفي التهذيب، وأهمهم عندنا ذكرًا المحبوبي راوي كتاب الجامع عنه، ترجم له ابن العماد في شذرات الذهب \"٢/ ٣٧٣\"، قال: \"أبو العباس المحبوبي محمد بن أحمد بن محبوب المروزي، محدث مرو، وشيخها ورئيسها، توفي في رمضان \"٣٤٦هـ\"، وله سبع وتسعون سنة، روى جامع الترمذي عن مؤلفه، وروى عن سعيد بن مسعود صاحب النضر بن شُميل وأمثاله\".","vol":"1","page":351},{"text":"ووصفه السمعاني في الأنساب بأنه: \"شيخ أهل الثروة من التجار بخراسان، وإليه كانت الرحلة\".\nويكفي الترمذي فخرًا أن روى عنه البخاري -وهو شيخه- حديثًا واحدًا، فهذه شهادة من البخاري لتلميذه بالرواية والضبط والإتقان.\n- أقوال العلماء فيه:\nروى الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي عن أبي سعيد: عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الحافظ محدث سمرقند، ومصنف تاريخها \"ت ٤٠٥هـ\"١ قال: محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير أحد الأئمة الذين يُقتدى بهم في علم الحديث، صنف كتاب الجامع، والتواريخ، والعلل، تصنيف رجل عالم متقن، كان يُضرب به المثل في الحفظ٢.\nوبإسناده عن أبي عيسى محمد بن عيسى الحافظ يقول: كنت في طريق مكة، وكنت قد كتبت جزأين من أحاديث شيخ، فمر بنا ذلك الشيخ، فسألت عنه، قالوا: فلان، فذهبت إليه وأنا أظن أن الجزأين معي، وحملت معي في محملي جزأين كنت ظنتت أنهما الجزآن اللذان له، فلما ظفرت به وسألته أجابني إلى ذلك \"وأخذت الجزأين فإذا هما بياض، فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ عليَّ من حفظه ثم ينظر إلَيَّ\". فرأى البياض في يدي، فقال: أما تستحي منى؟! قلت: لا، وقصصت عليه القصة، وقلت: أحفظه كله، فقال: اقرأ، فقرأت جميع ما قرأ عليَّ على الولاء، فلم يصدقني، وقال: استظهرت قبل أن تجيئني! فقلت: حدثني بغيره فقرأ عليَّ أربعين حديثًا من غرائب حديثه، ثم قال: هات اقرأ، فقرأت عليه من أوله إلى آخره كما قرأ، فلما أخطأتُ في حرف! فقال لي: ما رأيت مثلك٣.\n_________\n١ راجع ترجمته في تذكرة الحفاظ \"٣/ ٢٤٩، ٢٥٠\".\n٢ شروط الأئمة الستة \"ص٢٥\" طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ-١٩٨٤م.\n٣ المصدر السابق \"ص٢٥، ٢٦\"، وهي أيضًا في الأنساب للسمعاني، وتذكرة الحفاظ، وتهذيب التهذيب.","vol":"1","page":352},{"text":"ووصفه السمعاني في الأنساب بأنه \"إمام عصره بلا مدافعة، صاحب تصانيف\"، وبأنه \"أحد الأئمة الذين يُقتدَى بهم في علم الحديث\"، ونحو ذلك قال ابن خلكان.\nونقل الذهبي في تذكرة الحفاظ، والصفدي في نكت الهميان، والمزي في التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وقال: \"كان ممن جمع وصنف، وحفظ وذَاكَر\".\nووصفه المزي في التهذيب بأنه \"الحافظ صاحب الجامع وغيره من المصنفات، أحد الأئمة الحفاظ المبرزين، ومن نفع الله به المسلمين\".\nوقال الذهبي في الميزان: \"الحافظ العلم، صاحب الجامع، ثقة مجمع عليه، ولا التفات إلى قول أبي محمد بن حزم فيه في الفرائض من كتاب الإيصال: إنه مجهول١، فإنه ما عرف ولا دَرَى بوجود الجامع ولا العلل له\".\nوقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: \"وأما أبو محمد بن حزم فإنه نادى على نفسه بعدم الاطلاع، فقال في كتاب الفرائض من الإيصال: محمد بن عيسى بن سورة مجهول. ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على حفظه ولا على تصانيفه؛ فإن هذا الرجل قد أطلق هذه العبارة في خلق من المشهورين من الثقات الحافظ؛ كأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم، وغيرهم، والعجب أن الحافظ الفرضي ذكره في كتابه المؤتلف والمختلف ونبَّه على قدره، فكيف فات ابن حزم الوقوف عليه فيه! \".\n_________\n١ ابن حزم هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه المجتهد أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، ولد بقرطبة سنة \"٣٨٤\" ومات في ٢٨ سعبان سنة ٤٥٦هـ، وكتابه \"الإيصال\" ذكره الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ \"٣/ ٣٢٢\" وسماه \"الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام والحلال والحرام والسنة والإجماع\"، وقال: \"أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول\" ووصفه في \"ص ٣٢٦\" بأنه ٢٤ مجلدًا مع أنه ذكر قبل ذلك أن المحلى ٨ مجلدات، والمحلى مطبوع معروف، فالإيصال ثلاثة أضعاف المحلى، وقد ذكر ابن حزم في المحلى الحديث الذي في إسناده الترمذي \"٩/ ٢٩٥، ٢٩٦\" وضعفه؛ ولكن لم يذكر مطعنًا في الترمذي.","vol":"1","page":353},{"text":"وقال العلامة طاش كبرى زاده١ في كتاب مفتاح السعادة: \"وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة، أخذ الحديث عن جماعة من الأئمة، ولقي الصد الأول من المشايخ\".\nوقال ابن العماد الحنبلي٢ في شذرات الذهب: \"كان مبرزًا على الأقران، آية في الحفظ والإتقان\".\nونقل الحاكم أبو أحمد٣ عن شيخه عراك بن مالك قال: \"مات محمد بن إسماعيل البخاري، ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد، بكى حتى عمي، وبقي ضريرًا سنين\".\nوفي التهذيب: \"قال أبو الفضل البيلماني: سمعت نصر بن محمد الشيركوهي يقول: سمعت محمد بن عيسى الترمذي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي\".\nوهذه شهادة عظيمة من شيخه إمام المسلمين وأمير المؤمنين في الحديث في عصره.\nوقال ابن الأثير في تاريخه: \"كان إمامًا حافظًا، له تصانيف حسنة، منها الجامع الكبير، وهو أحسن الكتب\".\n- مصنفاته:\nوصفه العلماء فيما مضى بأنه \"صاحب التصانيف\"، وسموا كتبًا من مؤلفاته، ولكنا لم نرَ منها إلا كتابين: \"الجامع الصحيح\" وكتاب \"الشمائل\" وهو كتاب نفيس\n_________\n١ هو المولى أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كبرى زاده، توفي سنة ٩٦٢هـ.\n٢ هو أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد، ولد في ٨ رجب سنة ١٠٢٣هـ، ومات في ١٦ ذي الحجة سنة ١٠٨٩هـ.\n٣ هو محدث خراسان الإمام الحافظ الجهبذ الحاكم أبو أحمد محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري مات سنة \"٣٧٨\" عن ٩٢ سنة، وله ترجمة في التذكرة \"٣/ ١٧٤- ١٧٦\" وهو غير تلميذه الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك، ذاك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد النيسابوري المعروف بابن البيع وبالحاكم، ولد في ربيع الأول سنة \"٣٢١هـ\" ومات في صفر سنة \"٤٠٥هـ\"، وله ترجمة في التذكرة \"٣/ ٢٢٧- ٢٣٣\".","vol":"1","page":354},{"text":"معروف مشهور، ولعل باقي كتبه فُقِدَ فيما فُقِدَ من نفائس المؤلفات، وكنوز الأئمة العلماء. وفي التهذيب: \"ولأبي عيسى كتاب الزهد، مفرد، لم يقع لنا، وكتاب الأسماء والكنى\". وهذا بيان مؤلفاته، كما ظهر لنا من أقوال العلماء:\n١- الجامع الصحيح.\n٢- الشمائل النبوية.\n٣- العلل١.\n٤- التاريخ٢.\n٥- الزهد.\n٦- الأسماء والكنى.\n٧- كتاب الجرح والتعديل.\nولعل له كتبًا أخرى لم نقف على خبرها بعد.\n- كتابه \"الجامع\" أو \"السنن\":\nاشتهر كتاب الإمام الترمذي \"بالجامع\"، كما يقال له \"السنن\"، وصفه ابن الأثير في \"تاريخه\" بأنه \"أحسن الكتب\".\nوفي كشف الظنون في الكلام عن \"الجامع الصحيح\" للترمذي: \"وهو ثالث الكتب الستة في الحديث، وقد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه، فيقال: جامع الترمذي، ويقال له: السنن أيضًا، والأول أكثر\".\nوقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: \"سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري٣ بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم؛ لأن كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس\".\n_________\n١، ٢ ذكرهما ابن النديم في الفهرست، وكتاب العلل هذا غير \"كتاب العلل\" الذي في آخر الجامع الصحيح.\n٣ هو شيخ الإسلام الهروي الحافظ الإمام الزاهد، صاحب منازل السائرين، سمع جامع أبي عيسى من عبد الجبار بن محمد الجراحي عن المحبوبي عن الترمذي، ولد سنة ٣٩٦هـ، ومات في ذي الحجة سنة ٤٨١هـ، وله ترجمة في تذكرة الحفاظ \"٣/ ٣٥٤-٣٦٠\".","vol":"1","page":355},{"text":"ونقل أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي عن الترمذي أنه قال في شأن كتابه \"الجامع\": \"صنفت هذا الكتاب، فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم\"، وفي رواية: \"عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز والعراق وخراسان، فرضوا به واستحسنوه، ومن كان في بيته، فكأنما النبي في بيته يتكلم\".\nوقال العلامة طاش كبرى في ترجمة الترمذي: \"له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأحسنها ترتيبًا، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيين أنواع الحديث، من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره كتاب العلل، وقد جمع فيه فوائد حسنة، لا يخفى قدرها على مَن وقف عليها\".\nوقد ذكر أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الحق اليوسفي أنواع الأحاديث التي جاءت في كتاب الترمذي، وبيَّن أنها أربعة أقسام:\n١- قسم مقطوع بصحته \"ويشمل الصحيح والحسن\".\n٢- وقسم على شرط أبي داود والنسائي \"أي: ليس فيه وهن شديد\".\n٣- وقسم أخرجه للضدية؛ أي: ذكره مقابل الأحاديث الصحيحة التي أخذ بها الأغلبية، وأبان الترمذي عن علته.\n٤- وقسم أبان عنه في قوله: \"ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء\".\nقال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق اليوسفي١: الجامع -يريد كتاب الترمذي- على أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داود والنسائي -كما بينا- وقسم أخرجه للضدية، وأبان عن علته، وقسم رابع أبان عنه فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، وقال فيها:\n_________\n١ هو: أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي، مات بمكة \"٥٧٤هـ\"، شذرات الذهب \"٤/ ٢٤٨\".","vol":"1","page":356},{"text":"قال الترمذي: صنفت كتابي هذا وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب -يعني الجامع- فكأنما في بيته نبي يتكلم١. انتهى٢.\nقال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي: \"اعلم أن الترمذي خرج في كتابه الحديث الصحيح، والحديث الحسن، وهو ما نزل به عن درجة الصحيح، وكان فيه بعض ضعف، والحديث الغريب، والغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل؛ ولكنه يبين ذلك غالبًا، ولا يسكت عنه، ولا أعلم أنه خرج عن متهم بالكذب -متفق على اتهامه- حديثًا بإسناد منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًّا من طرق أو مختلفًا في إسناده، وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي. نعم قد يخرج عن سيئ الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهن، ويبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه\"٣. اهـ.\nالمهم أن الإمام الترمذي ميز الأحاديث الصحيحة من غيرها، وكما قال المقدسي: \"وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شفى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه\"٤.\nوقال الحافظ أبو الفضل المقدسي: \"وأما أبو عيسى الترمذي -﵀- فكتابه وحده على أربعة أقسام: قسم صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري ومسلمًا، وقسم على شرط الثلاثة دونهما٥ -كما بينا- وقسم أخرجه للضدية وأبان على علته ولم يغفله، وقسم رابع أبان هو عنه فقال: ما أخرجت في كتابي\n_________\n١ نقل هذه القصة الذهبي في تذكرة الحفاظ، وابن حجر في التهذيب، وطاش كبرى زاده في مفتاح السعادة.\n٢ نقلًا عن توضيح الأفكار للصنعاني \"١/ ١٧٠\".\n٣ نقلًا عن تعليقات الشيخ المحدث الكوثري على شروط الأئمة الخمسة للحازمي \"ص٥٤\".\n٤ شروط الأئمة الستة \"ص١٣\".\n٥ يريد: أبا داود، والنسائي، وابن ماجه.","vol":"1","page":357},{"text":"إلا حديثًا قد عمل به الفقهاء، وهذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه الكلام، فإنه شَفَى في تصنيفه، وتكلم على كل حديث بما يقتضيه، وكان من طريقته -رحمة الله عليه- أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه وأخرج من حديثه في الكتب الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق إلى الأول، إلا أن الحكم صحيح، ثم يتبعه بأن يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويعد جماعة فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر، وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة، والله أعلم\"١.\nوقال ابن الوزير في تنقيح الأنظار: \"وفي كلام الذهبي ما يدل على جواز الاعتماد على تصحيح الترمذي وتحسينه؛ لانعقاد الإجماع على ثقته وحفظه في الجملة\"٢. ثم قال: \"وأما قول الذهبي: \"إن العلماء لا يعتمدون على تصحيحه\" فلعله يريد: لا يعتمدون على تصحيحه فيما روى عن \"كثير بن عبد الله\"، كما أن ذلك موجود في بعض النسخ -أي الميزان- وقد قال ابن كثير الحافظ في إرشاده: وقد نوقش الترمذي في تصحيح هذا الحديث\"٣.\nوللقاضي أبي بكر بن العربي في أول شرحه على الترمذي الذي سماه \"عارضة الأحوذي\"٤ فصل نفيس في مدح كتاب الترمذي ووصفه بحلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علمًا، وذلك أقرب إلى\n_________\n١ شروط الأئمة الستة \"ص٢١\"، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢ تنقيح الأنظار وعليه توضيح الأفكار \"١/ ١٧٠\".\n٣ المصدر السابق.\n٤ قال ابن خلكان \"١/ ٦١٩\": \"أما معنى عارضة الأحوذي: فالعارضة القدرة على الكلام، يقال: فلان شديد العارضة: إذا كان ذا قدرة على الكلام، والأحوذي، الخفيف في الشيء لحذقه، وقال الأصمعي: الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها، الذي لا يشذ عليه منها شيء، وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الدال المعجمة وفي آخره ياء مشددة\".","vol":"1","page":358},{"text":"العمل وأسلم: أسند، وصحح، وضعف، وعدد الطرق، وجرح، وعدل، وأسمى، وأكنى١، ووصل، وقطع، وأوضح المعمول به، والمتروك، وبيَّن اختلاف العلماء في الرد والقبول لآثاره، وذكر اختلافهم في تأويله، وكل علم من هذه العلوم أصل في بابه، وفرد في نصابه، فالقارئ له لا يزال في رياض مونقة، وعلوم متفقة متسقة، وهذا شيء لا يعمه إلا العلم الغزير، والتوفيق الكثير، والفراغ والتدبير.\n- منهج الترمذي في \"جامعه\" أو \"سننه\":\nالمتأمل في \"السنن\" أو \"الجامع\" للإمام الترمذي يلاحظ له منهجًا واضحًا يمكن بيانه فيما يلي:\n١- أنه رتبه على الكتب والأبواب الفقهية مثل أبي داود في سننه.\n٢- وأنه أودعه الصحيح والحسن والضعيف مبينًا درجة كل حديث في موضعه من الكتاب مع بيان وجه الضعف.\n٣- اختصر طرق الحديث، فإذا كان في الباب عدة أحاديث، ذكر واحدًا أو أكثر، وأشار إلى ما عدا ذلك فيقول: وفي الباب عن فلان وفلان ...\n٤- يذكر مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار ...\n٥- ثم يذكر الأحاديث المخالفة والمعارضة لما رواه في الباب، ويبين درجتها، أو من أخذ بها من الفقهاء، أو أنها منسوخة، وأحيانًا لا يكتفي بتسجيل الآراء، وإنما يذكر رأيه في المسألة.\nوقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا عمل به بعض الفقهاء سوى حديث: \"فإن شرب في الرابعة فاقتلوه\"، وحديث \"جمع بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر\". اهـ.\n_________\n١ يقال: \"سَمَاه وسَمَّاه وأسماه\" بمعنى. ويقال: كَنَاه وكنَّاه وأكناه\" بمعنى.","vol":"1","page":359},{"text":"قال الحافظ ابن رجب الحنبلي \"ت ٧٩٥هـ\" في شرح علل الترمذي: \"وقد اعترض على الترمذي بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبًا، وليس ذلك بعيب؛ لأنه -﵀- يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكأن قصده -﵀- ذكر العلل؛ ولهذا نجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث، بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له، وأما أبو داود فكانت عنايته بالمتون أكثر؛ ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد؛ فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية\"١.\nوقال ابن الصلاح في مقدمته: \"كتاب أبي عيسى الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في جامعه ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وتختلف النسخ من كتاب الترمذي في قوله: \"هذا حديث حسن\" أو \"هذا حديث حسن صحيح\"، فينبغي أن تصحح أصلك به بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه\"٢.\n٦- واختتم مُصنَّفه بكتاب العلل الذي جمع فيه فوائد حديثية هامة، ومن هذه الفوائد ما يلي:\n١- الكلام عن الرواة والجرح الذي يرد حديثهم مثل: الكذب، والاتهام، والفسق، والبدعة، والغفلة، وسوء الحفظ.\n٢- وحث على بيان عيوب الرواة.\n٣- وبين بعض الرواة الذين تركهم ابن المبارك، وأنه لا تجوز الرواية عنهم.\n٤- وأن الرواية عن المجروحين جائزة بشرط بيان حال الراوي للناس، وحكى\n_________\n١ نقلًا عن تعليقات الشيخ المحدث زاهد الكوثري على شرط الأئمة الخمسة للحازمي \"ص٤٤\".\n٢ المقدمة \"ص١٧، ١٨\".","vol":"1","page":360},{"text":"وفي ذلك قول سفيان الثوري لأصحابه وتلاميذه: اتقوا الكلبي، فقيل له: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرف صدقه من كذبه.\n٥- والتنبيه إلى عدم الاغترار بصلاح الراوي دون البحث عن ضبطه وحفظه.\n٦- وفيه قال الترمذي: إن علامة الحفظ ألا يزاد في الإسناد، أو ينقص فيه، أو يجيء بما يغير المعنى من الألفاظ، فأما من أقام الإسناد وحفظه وغير اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى.\nوهو يجيز بذلك الرواية بالمعنى مستدلًّا بقول واثلة بن الأسقع \"الصحابي\" ﵁: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم. وقول محمد بن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد. وقول ابن عون: كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي يأتون بالحديث على المعاني، وكان القاسم بن محمد ومحمد بن سيرين ورجاء بن حيوة يعيدون الحديث على حروفه.\n٧- وأن أهل العلم ليسوا على درجة واحدة في الحفظ، فهناك من هو أثبت من غيره في حديث بلد معين، أو شيخ معين، أو أعلم بالرجال، أبو بالأحاديث الطوال، أو غير ذلك من أوجه التفاوت.\n٨- وأن القراءة على العالم الحافظ لما يقرأ عليه أو يمسك بأصله فيما يقرأ عليه إذا لم يكن حافظًا، قراءة صحيحة عند أهل الحديث مثل السماع.\n٩- وأن المناولة والإجازة من طرق الرواية الصحيحة.\n١٠- وذكر اختلاف الأئمة في الاحتجاج بالمرسل، ويتبين من كلامه أن المرسل عن ثقة يقبل إرساله.\nوغيرها من المسائل الحديثية الهامة التي صرح بها، أو نبه عليها، أو أشار إليها في كتاب \"العلل\".","vol":"1","page":361},{"text":"- شروط الترمذي في جامعه وسننه:\nيتبين شرط الترمذي من خلال كلامه في كتاب العلل الذي ختم به كتابه، وجعله كالمقدمة له، وهذا الشرط هو أنه جمع فيه أحاديث الأحكام التي عمل بها فقيه أو أخذ بها بعض العلماء.\nقال الترمذي: \"جميع ما في هذا الكتاب من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين:\nحديث ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- جميع بن الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر ولا مطر\"١.\nوحديث النبي -ﷺ- أنه قال: \"إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه ٢ \" ٣.\n_________\n١ رواه مالك في الموطأ \"١٠٩\"، ومسلم في صحيحه \"حديث رقم ٧٠٥\"، وأبو داود \"١٢١٠\"، \"١٢١١\"، والترمذي \"١٨٧\" وغيرهم، من حديث سعيد بن جبير بن ابن عباس، وفي آخره قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته.\n٢ رواه أبو داود في كتاب الحدود، حديث رقم \"٤٤٨٢\"، ورواه الترمذي في الحدود أيضًا حديث رقم \"١٤٤٤\"، وابن ماجه في الحدود أيضًا حديث رقم \"٢٥٧٣\"، وكلهم من حديث معاوية بن أبي سفيان، ورواه أبو داود \"٤٤٨٤\"، والنسائي \"٥٦٧٨\"، وابن ماجه \"٢٥٧٢\" من حديث أبي هريرة بنحوه.\n٣ سنن الترمذي \"٥/ ٧٣٦\".\nولم يسلم العلماء لما ذهب إليه الترمذي في هذا القول. فقال النووي في شرح صحيح مسلم \"٥/ ٢٢٤- ٢٢٥\": \"وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس، فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال\" وذكرها.\nثم قال النووي في شرح مسلم \"٥/ ٢٢٦\": \"وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة عمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد ألا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره، والله أعلم\".\nوقال المقدسي في شروط الأئمة الستة \"ص١٥\" معلقًا على قول الترمذي: هذا شرط واسع، فإن على هذا الأصل كل حديث احتج به محتج أو عمل بموجبه عامل أخرجه سواء صح طريقه أو لم يصح.\nوقال صاحب دراسات اللبيب: هذا القول منه -أي من الترمذي- غريب جدًّا ... هذا الحديث يعني حديث ابن عباس كثرت في تأويله أقوال العلماء ومذاهبهم فيه، ومع هذا التأويلات والمذاهب فيه، وإن كان بعضها بعيدة كيف يطلق عليه أنه لم يعمل به أحد من العلماء ... وإن أراد الترمذي أنه لم يعمل بظاهره من غير تأويل أحد من العلماء فيبطل قوله: كل حديث في كتابي هذا معمول به ما خلا حديثين، فإن كل حديث في كتابه ليس مما لم يئول أصلًا وعمل بظاهره، على أن هذا الحديث عمل بظاهره جماعة من العلماء.","vol":"1","page":362},{"text":"- مقارنة بين جامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي:\nقال أبو جعفر بن الزبير: \"لأبي داود في حصر أحاديث الأحكام واستيفائها ما ليس لغيره، وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه غيره، وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها\". اهـ.\nوقال الحافظ الذهبي: \"انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما\".\nوأفاد الحازمي في شروط الأئمة الخمسة أن أبا داود والنسائي لا يجاوزان الطبقة الثالثة في الأصول، وأن أبا عيسى الترمذي لا يجاوز الطبقة الرابعة١.\nثم قال: \"وفي الحقيقة شرط الترمذي أبلغ من شرط أبي داود؛ لأن الحديث إذا كان ضعيفًا أو مطلعه من حديث أهل الطبقة الرابعة، فإنه يبين ضعفه وينبه عليه، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات، ويكون اعتماده على ما صح عند الجماعة، وعلى الجملة، فكتابه مشتمل على هذا الفن؛ فلهذا جعلنا شرطه دون شرط أبي داود\"٢.\n- شروحه ٣:\nلأهمية جامع الترمذي تناوله كثير من العلماء بالشرح والتعليق، ومنهم:\n١- أبو بكر بن العربي \"ت ٥٤٦هـ\" في شرحه: \"عارضة الأحوذي في شرح الترمذي\". \"مطبوع في ثلاثة عشر جزءًا\".\n٢- الحافظ أبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري \"ت ٧٣٤هـ\" بلغ فيه إلى أقل من ثلثيه في نحو عشرة مجلدات، ولم يتمه، ثم أكمله الحافظ زين الدين بن عبد الرحيم بن حسين العراقي \"ت ٨٠٦هـ\".\n_________\n١ راجع: شروط الأئمة الخمسة \"ص٥٧\" طبعة دار الكتب العلمية - بيروت - ط \"١\"، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٤م.\n٢ المصدر السابق \"ص٥٧\".\n٣ انظر: كشف الظنون \"١/ ٢٨٨\".","vol":"1","page":363},{"text":"٣- سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني \"ت ٨٠٥هـ\" واسم شرحه: \"العرف الشذي على جامع الترمذي\" لم يكمله.\n٤- جلال الدين السيوطي \"ت ٩١١هـ\" واسم شرحه: \"قوت المغتذي على جامع الترمذي\".\n٥- الحافظ زين الدين بن عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي \"ت ٧٩٥هـ\".\n٦- الشيخ أبو الحسن بن عبد الهادي السندي \"ت ١١٣٩هـ\".","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>خامسًا: أحمد بن شعيب النسائي \"٢١٥-٣٠٣ه</span>ـ\" ١\nهو: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي القاضي الحافظ، أحد الأئمة المبرزين، والحفاظ المتقنين، والأعلام المشهورين، وكان ركنًا من أركان الحديث، حاذقًا، متضلعًا، متفننًا، ساد أهل عصره، وبذ علماءهم وتقدمهم، فكان عمدتهم وقدوتهم، طاف البلاد، وسمع بخراسان، والعراق، والحجاز، ومصر، والشام، والجزيرة، من جماعة يطول ذكرهم.\nومن تلاميذه الإمام الطبراني، وأبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر أحمد بن إسحاق السني الحافظ، وخلق كثيرون.\nقال الحاكم: سمعت أبا الحسن الدارقطني غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن الإمام النسائي مقدم على كل من يذكر بعلم الحديث، وبجرح الرواة وتعديلهم في زمانه.\nوقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس صاحب تاريخ مصر أن النسائي كان إمامًا في الحديث، ثقة، ثبتًا، حافظًا، قدم مصر وأقام مدة طويلة فيها ظهرت كنوز خبياته، وانكشف القناع عن رموز خفياته، قدح العلماء زنده فأورى، فانقادوا إليه، وحَظِيَ لديهم بالمنزلة السامية.\nنقل التاج السبكي عن شيخه الحافظ الذهبي ووالده الشيخ الإمام السبكي، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي أحفظ من الإمام مسلم صاحب الصحيح، وأن سننه أقل من السنن حديثًا ضعيفًا بعد الصحيحين.\n_________\n١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال \"١/ ٣٢٨- ٣٤٠\"، وشذرات الذهب \"٢/ ٢٣٩- ٢٤١\"، سير أعلام النبلاء \"١٤/ ١٢٥\"، وفيات الأعيان \"١ / ٧٧\"، الكامل في التاريخ \"٨/ ٩٦\"، المنتظم \"٦/ ١٣١\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٦٩٨\"، العبر \"٢/ ١٢٣\"، الوافي بالوفيات \"٦/ ٤١٦\"، البداية والنهاية \"١١/ ١٢٣\"، العقد الثمين \"٣/ ٤٥\"، تهذيب التهذيب \"١/ ٣٦\"، النجوم الزاهرة \"٣/ ١٨٨\"، طبقات الحفاظ \"ص٣٠٣\"، حسن المحاضرة \"١/ ٣٤٩\"، الرسالة المستطرفة \"١١- ١٢\"، اللباب في تهذيب الأنساب \"٣/ ٣٠٦\"، الأعلام \"١/ ١٧١\".","vol":"1","page":365},{"text":"وقال بعضهم: لم يوضع مثل مصنفه في الإسلام، وأنه أشرف المصنفات كلها.\nوقال ابن منده، وابن السبكي، وأبو علي النيسابوري، وأبو أحمد بن عدي، والخطيب، والدارقطني: كل ما في سنن النسائي صحيح غير تساهل صريح.\nوقال الحافظ أبو علي: للنسائي شرط في الرجال أشد من شرط مسلم، وكذلك كان الحاكم والخطيب يقولان: إنه صحيح، وإن له شرطًا في الرجال أشد من شرط مسلم؛ لذلك كان بعض علماء المغاربة يفضله على البخاري.\n- المجتبَى من السنن الكبرى:\nقال السيد جمال الدين: صنف الإمام النسائي في أول الأمر كتابًا يقال له \"السنن الكبرى\"، وهو كتاب جليل ضخم الحجم لم يكتب مثله في جمع طرق الحديث، وبيان مخرجه.\nوعندما صنف النسائي كتاب \"السنن الكبرى\" \"أهداه إلى أمير الرملة، فقال له الأمير: أكل ما في هذا صحيح؟ قال: لا، قال: فجرد الصحيح منه، فصنع من السنن الكبرى كتابًا أسماه \"المجتنَى\" أو \"المجتبَى\" وكلاهما صحيح، والأخير أشهر. استخلصه من السنن الكبرى من كل حديث حسن لم يتكلم في أصله، ولا في إسناده ورواته بالتعليل أو التجريح، فإذا أطلق المحدثون وقالوا: رواه النسائي، فمرادهم هذا \"المجتبَى\".\nوبناء على ما سبق يكون \"المجتبَى\" من صنيع النسائي نفسه؛ ولكن هناك من يقول: المجتبَى من انتقاء ابن السني.\nوبتحرير هذه المسألة تبين أن هناك فريقين في هذه المسألة، فريق يقول: المجتبى من انتقاء ابن السني، وهو اختصار للسنن الكبرى، ويقف في هذا الجانب الإمام الذهبي \"٨٤٢هـ\" وتبعه على ذلك الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي \"٨٤٢هـ\".","vol":"1","page":366},{"text":"يقول الذهبي في ذلك: والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى من انتخاب أبي بكر بن السني سمعته ملفقًا من جماعة سمعوه من ابن باقا بروايته عن أبي زرعة المقدسي سماعًا لمعظمه، وإجازة لفوت له محدد في الأصل، قال: أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمد الدوني، قال: أنبأنا القاضي أحمد بن الحسين، أنا ابن السني عنه١، وكرر نحو هذا الكلام في غير موضع من كتبه.\nوأما ابن ناصر الدين، فقد تابعه على ذلك، ورأيت عبارته في شذرات الذهب لابن العماد في ترجمة ابن السني إذ قال: قال ابن ناصر الدين: اختصر سنن النسائي، وسماه المجتبَى.\nوأما الجانب الأخر، فيرى أن المجتبَى من صنع النسائي نفسه اختصره من السنن الكبرى، وابن السني مجرد راوية له، ويقف في هذا الجانب فريق كبير جدًّا من الأعلام والمحدثين، وهو المعروف المشهور عند الناس، وهو الصحيح لدلائل عديدة منها:\n١- لم يقدم الذهبي دليلًا على قوله.\n٢ وجود مثبتات على ذلك منها:\nما نقله ابن خير الإشبيلي \"٥٧٥هـ\" بسنده عن أبي محمد بن يربوع قال: قال لي أبو علي الغساني ﵀: كتاب \"الإيمان\" و\"الصلح\" ليسا من المصنف؛ إنما هما من المجتبَى له \"بالباء\" في السنن المسندة لأبي عبد الرحمن النسائي اختصره من كتابه الكبير المصنف، وذلك أن أحد الأمراء سأله عن كتابه في السنن: أكله صحيح؟ فقال: لا. قال: فاكتب لنا الصحيح مجردًا، فصنع المجتبى، فهو المجتبى من السنن، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل، روى هذا الكتاب عن أبي عبد الرحمن ابنه عبد الكريم بن أحمد، ووليد بن\n_________\n١ تاريخ الإسلام \"٩/ ١٧٣\".","vol":"1","page":367},{"text":"القاسم الصوفي، ورواه عن أبي موسى عبد الكريم من أهل الأندلس: أيوب بن الحسين قاضي الثغر وغيره ... ١.\nوأبو علي الغسائي حافظ ثبت قال فيه الذهبي: كان من جهابذة الحفاظ البصراء، بصيرًا بالعربية واللغة والشعر والأنساب، صنف في ذلك كله، ورحل الناس إليه وعولوا في النقل عليه، وتصدر بجامع قرطبة، وأخذ عنه الأعلام، ووصفوه بالجلالة والحفظ والنباهة والتواضع والصيانة، ولد في المحرم سنة \"٤٢٧هـ\"، وتوفي في ليلة الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة \"٤٩٨هـ\"٢.\nوقال محقق سنن النسائي \"المجتبَى\"٣ في مقدمة سنن النسائي بتحقيقه: كما أني وجدت مجلدين من المجتبى قديمين جدًّا كتبت عليهما سماعات بين سنة \"٦٣٠هـ\" و\"٥٦١هـ\" فيها نص ظاهر أنها من تأليف النسائي، وقد جاء في صدر أحدهما: الجزء الحادي والعشرون من السنن المأثور عن رسول الله -ﷺ- تأليف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن بحر النسائي، رواية: أبي بكر أحمد بن إسحاق بن السني عنه.\nرواية القاضي أبي نصر أحمد بن الحسن بن الكسار عنه.\nرواية الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد الدوني عنه.\nرواية أبي الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري عنه.\nرواية الشيخ الإمام زين الدين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن نجاد الحنبلي الواعظ.\nوفيها نص ظاهر على أنها من تأليف النسائي، وابن السني مجرد راوية لها، وإن كان أحد المجلدين قد أكلت أكثره الأَرَضَة، فالآخر ما يزال أكثره صالحًا واضحًا بخط مشرقي جيد يحمل رقم \"٥٦٣٧\" بالخزانة الملكية بالرباط، وعلى ظهر هذه النسخة كتب بخط قديم قدمها: \"قال الطنبي: أخبرني أبو إسحاق الحبال\n_________\n١ انظر: الفهرست \"ص١١٦، ١١٧\".\n٢ انظر: تذكرة الحفاظ، للذهبي \"٤/ ١٢٣٣\".\n٣ من مقدمة محقق سنن النسائي، مكتب تحقيق التراث الإسلامي، طبعة دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":368},{"text":"سأل سائل أبا عبد الرحمن ... بعض الأمراء عن كتابه السنن: أصحيح كله؟ فقال: لا، قال: فاكتب لنا الصحيح مجردًا، فصنع المجتبَى \"بالباء\" من السنن الكبرى، ترك كل حديث أورده في السنن مما تكلم في إسناده بالتعليل، وأبو إسحاق الحبال الذي ينقل عن الطبني هو الحافظ الإمام المتفنن، محدث مصر: إبراهيم بن سعيد بن عبد الله التجيبي، كان من المتشددين في السماع والإجازة، يكتب السماع على الأصول، ورعًا ثبتًا خيرًا، وكان يتعاطى التجارة في الكتب، وحصل عنده من الأصول والأجزاء ما لي عند غيره، وما لا يوصف كثرة، ولد إحدى وتسعين وثلاثمائة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وقد أطال الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته والثناء عليه، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة.\nوكذلك ابن الأثير الذي جرد الأصول الخمسة، وضم إليها الموطأ، جرد المجتبى، وليس السنن الكبرى، وساق إسناده بالمجتبى، وفيه النص الواضح على أن المجتبى من تأليف النسائي ذاته، يقول ابن الأثير: إنه قرأه سنة \"٥٨٦هـ\" على أبي القاسم يعيش بن صدقة الفراتي إمام مدينة السلام الذي قرأه على أبي الحسن علي بن أحمد بن الحسن بن محمويه اليزيدي سنة \"٥٥١هـ\"، والذي قرأه على أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الصوفي الدوني١ سنة \"٥٠٠هـ\" في شهر صفر، والذي قرأه على أبي نصر أحمد بن الحسين الكسار بخانكاه \"دون\" سنة \"٤٣٣هـ\"، والذي قرأه على ابن السني بالدينور سنة \"٣٦٣هـ\" والذي قال: \"حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي -رحمه الله تعالى- بكتاب السنن جميعه ... \".\nوهذا نص واضح قبل الذهبي بما يزيد على قرن ونصف من الزمن، ونص أبي علي الغسائي أسبق من هذا كذلك، ولو كان المجتبَى من صنع ابن السني لاقتضى الأمر من ابن الأثير أن ينص عليه، وأن\n_________\n١ نسبة إلى دون، قرية من أعمال دينور، قال في معجم البلدان \"٢/ ٤٩٠\": \"وهو من آخر من حدث في الدنيا بكتاب أبي عبد الرحمن النسوي بحلق، وإليه كان الرحلة\" أي: أنه أعلى أهل عصره إسنادًا فيه، وقد توفي سنة \"٥٠١هـ\" ووصفه في المعجم بأنه رواية كتب ابن السني.","vol":"1","page":369},{"text":"ينسبه إليه، وقد ذكر هو قصة أمير الرملة عندما سأل النسائي عن المصنف: أصحيح كله؟ قال: لا، قال: فجرد لنا منه الصحيح، فصنع المجتبى، كما أن ابن السني ذاته نص أنه سمع المجتبَى من مصنفه بمصر في أكثر من موضع منه، انظر: المطبوع ٧/ ١٧١\" صدر كتاب الصيد والذبائح، وقد وجدت نسخًا مخطوطة ينص على سماعها من النسائي بمصر في صدر المجتبَى منها نسخة الخزانة العامة بالرباط تحت رقم \"١٨٧٧ك\" و\"٢٤٠٨ك\"، وتجد كذلك الزيلعي، وهو من معاصري الذهبي ينص في غير موضوع من كتابه \"نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية\"، وفي \"تخريج أحاديث الكشاف\" أن \"السنن الصغرى\" و\"الكبرى\" للنسائي؛ بل أصرح من هذا ما قاله رفيقه في الطلب الحافظ الكبير عماد الدين ابن كثير الدمشقي المتوفَّى \"٧٧٤هـ\" في ترجمة النسائي: وقد جمع السنن الكبير، وانتخب ما هو أقل حجمًا منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما١.\nوكذلك الحافظ الكبير أبو الفضل العراقي يرى صحة إهدائها لأمير الرملة في القصة المتقدمة، قال السيوطي: ورأيت بخط الحافظ أبي الفضل العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة، فقال: كل ما فيها صحيح؟ فقال: لا، قال: ميز الصحيح من غيره، فصنف له الصغرى٢.\nإلا أن المجتبَى لم ينتشر إلا من طريق ابن السني، وعنه القاضي أبو الحسن بن الكسار وعنه الدوني، أما الكبرى، فقد انتشرت عن الأندلسيين؛ لأنهم رووا عن النسائي في أخريات أيامه.\n- أنواع الأحاديث في المجتبَى، وشرط النسائي فيه:\nقال النسائي عن الكتابين: كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول؛ أي: معيب ... والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح، وعلى هذا، فكل ما في السنن الصغرى أو المجتبى صحيح في رأي النسائي.\n_________\n١ انظر: البداية والنهاية \"١١/ ١٢٣\".\n٢ انظر: تدريب الرواي للسيوطي \"ص٤٩\".","vol":"1","page":370},{"text":"قال أستاذنا الدكتور/ رفعت فوزي في كتب السُّنة الجزء الثاني:\nولكن الذي درسوا هذا الكتاب رأوا أن فيه تلك الأنواع من الأحاديث:\n١- الصحيح المخرَّج في الصحيحين.\n٢- الصحيح الذي هو على شرطهما، ولم يخرجاه.\n٣- أحاديث معلولة بين علتها النسائي.\nوقد أورد النسائي هذا القسم الأخير في كتابه، كما فعل أبو داود والترمذي؛ لأن قومًا رووه واحتجوا به، فأورده وبيَّن سقمه وعلله١ لنزول الشبهة، وذلك إذا لم يجد طريقًا غيره، فهو أقوى عنده من رأي الرجال.\nولهذا قال بعض النقاد: إن شرط أبي عبد الله النسائي في هذا الكتاب أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه من الرواة، وعقب بعضهم على ذلك بأنه مذهب متسع.\nولكن كيف نفهم هذه العبارة مع ما عرف عن النسائي من تشدده في الرجال حتى قيل: إن شرطه أشد من شرطي البخاري ومسلم؟\nالواقع أن هؤلاء الأئمة ينظرون إلى الأحاديث ورجالها بهدفين، الهدف الثاني هو النظر إلى ما يمكن أن يعمل به في نظر بعض الفقهاء، أو بعض المحدثين، وهذا ما كانوا يتساهلون فيه ويدونونه في كتبهم وسننهم.\nولهذا فقد حكم النسائي على حديث عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر لصهيب: ما لي أرى عليك خاتم الذهب؟ قال: قد رآه من هو خير منك، فلم يعبه، قال: من هو؟ قال: رسول الله ﷺ. حكم على هذا الحديث بأنه منكر، ومع هذا فقد أورده في السنن الكبرى، وفي السنن الصغرى١.\nوأغفل الحكم عليه وترجم له باب \"الرخصة في خاتم الذهب للرجال\" ليشير إلى أن من رخص في ذلك استند إلى هذا الحديث٢.\n_________\n١ سنن النسائي \"٨/ ٩٢، ٩٣\".\n٢ سنن النسائي \"٨/ ١٦٤، ١٦٥\".","vol":"1","page":371},{"text":"وقد كان أبو عبد الرحمن النسائي كذلك، فقد كان يتشدد في الحكم على الرجال، وعلى الأحاديث عندما يكون هدفه وغايته تمييز الصحيح من غيره، ولم يكن يفعل ذلك إلى حد ما عندما يدون كتابًا في السنن، كبيرًا أو صغيرًا؛ ليعرف الناس الأحاديث التي استقى منها الفقهاء الأحكام، أو يمكن أن يستقي الناس منها ذلك.\nعلى أنه يجب ألا تفهم عبارة: \"من لم يجمع على تركه\"، و\"أن مذهبه متسع\" على إطلاقها، فإنه أراد بذلك إجماعًا خاصًّا، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه، ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن، ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري، قال النسائي: لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع على تركه، فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى مثلًا فإنه لا يترك؛ لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد، قال الحافظ ابن حجر: وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين. ويقول النسائي نفسه: لما عزمت على جمع السنن استخرت الله في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء فوقعت الخيرة على تركهم، فتركت جملة من الحديث أعلم أنها عنهم١ ٢.\n- منهج النسائي في المجتبَى:\nاقتصر النسائي على أحاديث الأحكام إلا قليلًا، ورتبها ترتيبًا فقهيًّا، كما فعل أبو داود تقريبًا.\n_________\n١ مقدمة زهر الربى على المجتبى، للسيوطي \"١/ ١٠\".\n٢ كتب السنة، القسم الثاني \"مخطوط بالآلة الكاتبة\".","vol":"1","page":372},{"text":"والنسائي يرتب أبوابه الأول فالأول بحسب ترتيبها في الشرع، بحيث لو جمعت تراجم من الغسل من الجناية مثلا لكانت أشبه شيء حيئنذ بمتون الفقه حيث تجمع المسائل مجردة عن دليلها، وها هي ذي أبواب الغسل من الجنابة: \"ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلها الإناء، باب عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، باب إزالة الأذى عن جسده بعد غسل يديه، باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده، باب تحليل الجنب رأسه، باب ذكر ما يكفي الجنب من إفاضته الماء على رأسه، باب ذكر العمل في الغسل من الحيض، باب ترك الوضوء من بعد الغسل، باب غَسْل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه، باب ترك المنديل بعد الغسل\".\nويمتاز كتاب النسائي عن كتب السنن الأخرى بأنه ليس فيه تعقيبات فقهية، ولا يذكر آراء الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب، ويكرر الحديث الواحد تحت عدة تراجم مثل ما رواه من قوله ﷺ: \"الفطرة خمس ... \" الحديث، فقد روى هذه الحديث بطرق مختلفة تنتهي كلها إلى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وهذا يذكرنا بما كان يفعله الإمام البخاري.\nوالنسائي يبين غريب بعض الألفاظ حينًا١، ويشير إلى الأحاديث الضعيفة والمنكرة أحيانًا، ويحرص على التفريق بين طرق التحمل، وخاصة بين السماع، والقراءة، واختلاف ألفاظ الرواة٢.\n- مقارنة بين \"السنن الكبرى\" و\"المجتبَى\" للنسائي٣:\nالسنن في عرف المحدثين هي: الكتاب الذي يُصنَّف مرتبًا على الأبواب الفقهية: الإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج ... إلخ. وهذا متحقق في الكبرى والصغرى \"المجتبَى\" للنسائي.\n_________\n١ سنن النسائي \"٧/ ٢٥٣\".\n٢ راجع المصدر السابق \"٨/ ٧٣ وما بعدها\".\n٣ من كلمة محقق النسائي، تحقيق مكتب التراث الإسلامي، دار المعرفة، بيروت \"بتصرف\".","vol":"1","page":373},{"text":"وقد سُميت السنن الكبرى \"بديوان النسائي\"، كما جاء هذا الاسم صريحًا في ختام النسخة الموجودة في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم \"٥٩٥٢\" وهي في مجلدين كبيرين، جاء في ختامها ما نصه: \"كمل السطر الثالث وبتمامه كمل ديوان النسائي رحمه الله تعالى\".\nوالديوان هو: مجتمع الصحف المكتوبة١.\nوهذه التسمية صحيحة ودقيقة، فهذا المصنف مجتمع هذه الصحف التي كتبها الإمام النسائي، فهي \"ديوان\".\nأما الصغرى، فقد سميت المجتبَى -بالباء- وبعضهم قال: المجتنَى -بالنون- والمجتبى معناه: المجموع على جهة الاصطفاء كما قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [القلم: ٥٠]، وإجتباء الله تخصيصه إياه بنعم من غير كسب٢، وهذه التسمية للسنن الصغرى صحيحة؛ لأنه اصطفاه من كتابه الكبير، وخص به أمير الرملة دون تعب منه ولا جهد.\n- وتمتاز السنن الكبرى عن الصغرى \"المجتبَى\" بعدة أمور:\n١- يوجد في الكبرى زيادة كتب ليست موجودة في المجتبى منها: كتاب السير، المناقب، النعوت، الطب، الفرائض، الوليمة، التعبير، فضائل القرآن، العلم ... إلخ، ولا تنقص الكبرى عن المجتبى من الكتب سوى الإيمان وشرائعه، والصلح.\n٢- يدخل في الكبرى كتب ألفت مستقلة، ثم ضمها إليها مصنفها، ووضعها في المكان الذي يناسبها مثل كتاب فضائل القرآن، فقد نص الزركشي المتوفَّى \"٧٩٤هـ\" في كتابه البرهان في علوم القرآن أنه ألفه مستقلًّا٣.\n_________\n١ انظر: القاموس المحيط \"٤/ ٢٢٤\"، وانظر: المصباح المنير \"١/ ٢١٩\"، وتهذيب الأسماء واللغات \"٢/ ١ / ١٠٦\".\n٢ انظر: المفردات للراغب الأصبهاني \"ص٨٥\".\n٣ انظر: البرهان \"١/ ٤٣٢\"، والسيوطي في الإتقان \"١/ ١٥١\" وقد طبع بتحقيق د. فاروق حمادة، فانظر مقدمته \"ص٢٥\" وما بعدها.","vol":"1","page":374},{"text":"أما كتابه \"خصائص علي\" فهو مشهور جدًّا أنه ألفه مستقلًّا ثم ضمه إلى الكبرى مع فضائل الصحابة الذي ألفه بعد ذلك.\nومثله كتاب \"التفسير\"، فقد نص الذهبي على أنه مستقل، وقد رُوِيَ مع الكبرى١.\nأما \"اليوم والليلة\" فقد رويت عن طريق أبي محمد الباجي عن ابن الأحمر، وابن سيار مع الكبرى، ومن طريق بقية الرواة مستقلًّا.\n٣- تزيد الكبرى عن المجتبى بعدد الأبواب، ومن ثم بعدد الأحاديث، وعلى سبيل المثال كتاب الصوم نجد فيه أبوابًا كثيرة ليست في المجتبى منها: صيام يوم الأربعاء، تحريم صيام يوم الفطر ويوم النحر، صيام يوم عرفة والفضل في ذلك، إفطار يوم عرفة بعرفة، التأكيد في صوم عاشوراء، صيام ستة أيام من شوال، صيام الحي عن الميت، صيام المحرم، صيام شعبان، اغتسال الصائم، السواك للصائم، القبلة في شهر رمضان، ما يجب على من يجامع امرأته ... إلخ.\nوهكذا تزيد الكبرى عن الصغرى بأربعة وستين بابًا، ويبدو أن هذا الكتاب أكثر الكتب زيادات على المجتبى.\n٤- يستتبع ذلك زيادة في تعليل الأحاديث وذلك حين يوردها مبينًا ما فيها من العلل والوقف والإرسال وغير ذلك غير قليل في الكبرى، وقد تفنن في هذا تفننًا عجيبًا، ومع هذا فقد نجد في المجتبى كلمة موضحة، أو لفظة زائدة في الإسناد، أو في المتن، ولا نجدها في الكبرى، وإن كان هذا قليلًا مع وجود أحاديث في المجتبى ليست في الكبرى.\n٥- من الملاحظ في \"المجتبى\" أنه يستعمل في مطلع إسناده لفظ \"أخبرنا\"\n_________\n١ تفسير القرآن الكريم: ذكره ابن خير الإشبيلي \"ص٥٨\"، ضمن كتب التفسير التي رواها، ورواه عن طريق حمزة بن محمد الكناني، من مقدمة \"عمل اليوم والليلة\" \"ص٣٥\".","vol":"1","page":375},{"text":"وأحيانًا \"أخبرني\"، وهذا مما امتاز به عن بقية الستة، أما في الكبرى فيتوسع حتى إنه يستعمل أحيانًا البلاغات منها قوله: بلغني عن ابن وهب، عن مخرمة بن بُكير، عن أبيه قال: سمعت سليمان بن يسار أنه سمع الحكم بن الزرقي يقول: حدثتني أمي أنهم كانوا مع رسول الله -ﷺ- بمنى، فسمعوا راكبًا يصرخ يقول: ألا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب، قال أبو عبد الرحمن: ما علمت أحدًا بايع تابع مخرمة على هذا الحديث، الحكم الزرقي، والصواب: مسعود بن الحكم.\n٦- في المجتبى زيادة تراجم وأبواب واستنباطات لا توجد في الكبرى كما في ترجمته لكتاب الطهارة في الكبرى: النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند الحاجة، والأمر باستقبال المشرق والمغرب، وساق تحته حديثين عن أبي أيوب الأنصاري، وجعل هذه الترجمة في المجتبى ثلاث تراجم: النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة، الأمر باستقبال المشرق والمغرب عند الحاجة، وأضاف في المجتبى حديثا ليس في الكبرى، ولهذا نظائر كثيرة مبثوثة في ثنايا المجتبى لا سيما الكتب الأولى من: الطهارة، والصلاة، الحج، والصوم ...\n٧- أما رجاله ومنهجه في الانتقاء فهو واحد تقريبًا في الكتابين، وإن كان في الكبرى بعض رجال ليسوا في المجتبى، فهذا تبع لسعة الكتاب وزياداته، ولا يخرجون عن الإطار العام الذي ينتقي به النسائي رجاله.\n- عناية الأمة بالسنن \"المجتبَى\":\nالملاحظ أن كتاب \"السنن الكبرى\" لم ينل العناية الكبيرة التي نالها الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي، وأكثر ما كانت العناية بالمجتبى ضمن إطار الكتب الستة، وفيما يلي أهم الأعمال التي تناولت المجتبَى مع بقية الكتب الستة.\nأ- من ناحية المتن:\n١- التجريد للصحاح والسنن، لرزين العبدري السرقطي، المتوفى بمكة سنة","vol":"1","page":376},{"text":"\"٥٣٥هـ\" جمع في كتابه متون الأصول الستة، وفيه زيادات لم توجد فيها.\n٢- جامع الأصول في أحاديث الرسول لأبي السعادات ابن الأثير الجزري \"ت ٦٠٦هـ\".\n٣- مختصرات جامع الأصول وأهمها: تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الديبع الشيباني \"عبد الرحمن بن علي\" المتوفَّى \"٩٤٤هـ\".\n٤- أنوار الصباح في الجمع بين الكتب الستة الصحاح، لأبي عبد الله محمد بن عتيق به علي التجيبي الغرناطي المتوفَّى في حدود \"٦٤٦هـ\"١.\n٥- الجمع بين الكتب الستة، للحافظ الزاهد عبد الحق الإشبيلي صاحب الأحكام المتوفَّى \"٥٨٢هـ\"٢.\n٦- \"جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن\" يجمع بين الأصول الستة، ومسانيد: أحمد، والبزار، وأبي يعلى، والمعجم للطبراني، لإسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير الدمشقي المتوفَّى \"٧٧٤هـ\"، رتبه على حروف المعجم، ويذكر كل صحابي له رواية، ثم يورد في ترجمته جميع ما وقع له في هذه الكتب، وهو كتاب مشهور.\n٧- \"جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد\" يجمع كتاب \"جامع الأصول المتقدم\" لابن الأثير مع كتاب \"مجمع الزوائد\" للهيثمي، جمع الشيخ محمد بن سليمان الروداني \"نسبة إلى تارودانت مدينة في جنوب المغرب الأقصى\" المتوفى \"١٠٩٤هـ\".\n٨- كتاب \"التاج الجامع للأصول من أحاديث الرسول ﷺ\" للشيخ منصور\n_________\n١ انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي \"٤/ ١٤٣٦\"، والرسالة المستطرفة للكتاني \"ص١٧٥\"، والذيل والتكملة \"٦/ ٤٣٠\".\n٢ انظر: الرسالة المستطرفة، للكتاني \"ص١٨٠\".","vol":"1","page":377},{"text":"علي ناصف، من العلماء المعاصرين، فإنه ضم النسائي وبقية الستة، وأضاف أحيانًا أحاديث من غيرها، وقد اعتمد على الكتب المطبوعة، وبالتالي عول على المجتبى، ونص على ذلك١.\nب- من ناحية الإسناد والرجال:\nينقسم هذا الجانب إلى قسمين: قسم الأطراف، وقسم الرجال، وإن كان قسم الأطراف ينضوي تحت المتون إلا أنه بالإسناد ألصق.\nأما كتب الأطراف، فهي التي يُقتصر فيها على ذكر طرف الحديث الدال على بقيته مع الجمع لأسانيده٢، وأهم الكتب فيه:\n١- الأطراف لأبي الفضل بن طاهر \"محمد بن طاهر بن علي\" \"٤٤٨-٥٠٧هـ\" قال أبو القاسم بن عساكر: جمع أطراف الكتب الستة، فرأيته يخطئ فيها خطأ فاحشًا٣، وابن طاهر هو أول من ضم ابن ماجه إلى الخمسة وعده سادسًا.\n٢- كتاب الإشراف على الأطراف، للحافظ الكبير الإمام أبي القاسم بن عساكر \"٤٩٩-٥٧١هـ\" صاحب تاريخ دمشق، فقد جمع بين أطراف الكتب الأربعة: أبي داود، وجامع الترمذي، والنسائي، وابن ماجه٤.\nواعتمد في أطراف النسائي على رواية ابن حيوية، وهي من الكبرى كما نص ابن حجر في تهذيب التهذيب٥.\n٣- ثم جاء بعده الإمام الحافظ أبو الحجاج المزي \"جمال الدين يوسف\"\n_________\n١ انظر: كتابه \"١/ ١٣\".\n٢ انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني \"ص١٦٧\"، ومقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري \"ص٣٧\".\n٣ انظر ترجمته في: لسان الميزان لابن حجر \"٥/ ٢٠٧\"، وميزان الاعتدال للذهبي \"٣/ ٧٥\"، وابن خلكان \"١/ ٤٨٩\".\n٤ انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري، وتهذيب ابن القيم، ومعالم السنن للخطابي \"٨/ ١٣٢\".\n٥ تهذيب التهذيب \"١/ ١٨٩\".","vol":"1","page":378},{"text":"\"٦٤٥-٧٤٢هـ\"، فألف كتابًا سماه \"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف\" قال في مقدمته: \"إني عزمت على أن أجمع في هذا الكتاب أطراف الكتب الستة التي هي عمدة أهل الإسلام، وعليها مداد غاية الأحكام: صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وصحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري، وسنن أبي داود السجستاني، وجامع أبي عيسى الترمذي، وسنن أبي عبد الرحمن النسائي، وسنن أبي عبد الله بن ماجه، وما يجري مجراها في مقدمة كتاب مسلم، وكتاب المراسيل لأبي داود، وكتاب العلل للترمذي، وهو الذي في آخر الجامع له، وكتاب الشمائل له، وكتاب عمل اليوم والليلة للنسائي معتمدًا في ذلك على كتاب أبي مسعود الدمشقي، وكتاب خلف الواسطي في أحاديث الصحيحين، وعلى كتاب أبي القاسم بن عساكر في كتب السنن، وما تقدم ذكره معه، ورتبته على ترتيب أبي القاسم، فإنه أحسن الكتب ترتيبًا، وكثيرًا ما استدركت على الحافظ أبي القاسم رحمه اله تعالى\".\n٤- الكشاف في معرفة الأطراف١، للحافظ شمس الدين أبي المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي المتوفى سنة \"٧٦٥هـ\".\n٥- أطراف الكتب الخمسة \"البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي\" لأبي العباس أحمد بن ثابت بن محمد الطرقي نسبة إلى طرق، قرية من أعمال أصبهان، ذكرت ياقوت في معجمه٢، ولم يذكر وفاته، وقال الذهبي في الميزان: صدوق كان بعد الخمسمائة، وذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان، كما اقتبس منه في مواضع في فتح الباري.\n٦- ثم العارف بالله العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى بدمشق \"١١٤٣هـ\" في كتابه \"ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث\"، وهو مطبوع متداول، وقد بنى كتابه على المجتبى، ويقول في ذلك: \"وجعلت\n_________\n١ المصدر السابق \"٨/ ١٣٣\".\n٢ انظر: الرسالة المستطرفة للكتاني \"ص١٦٩\"، والميزان \"١/ ١٤٣\"، ومعجم البلدان \"٤/ ٣٠\".","vol":"1","page":379},{"text":"مكان سنن النسائي الكبرى، حيث قل وجودها في هذه الأعصار سننه الصغرى المسماة المجتبى من سنن النبي المختار\"١.\nوقد وضع الحافظ ابن حجر على أطراف المزي حاشية لطيفة سماها: \"النكت الظراف على الأطراف\".\nجمع فيه بعض أوهام المزي٢، وقد سبقه إلى ذلك شيخه الحافظ أبو الفضل العراقي \"والنكت الظراف مطبوع بهامش تحفة الأشراف\".\n- وأما قسم الرجال، فقد صنف فيه بغية الجرح والتعديل، ومن هذه المصنفات:\n١- الكمال في معرفة الرجال، لعبد الغني بن عبد الواحد بن سرور الجماعيلي المقدسي، الحافظ الزاهد \"٥٤١-٦٠٠هـ\"٣، وقد اشتمل كتابه على رجال الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.\n٢- المعجم المشتمل على أسماء الشيوخ النبل، لأبي القاسم ابن عساكر \"٤٩٩-٥٧١هـ\".\n٣- التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد، للحافظ محمد بن عبد الغني بن أبي بكر معنى الدين \"ابن نقطة\" الحنبلي المتوفى \"٦٢٩هـ\" جمع في كتابه كل من علمه روى شيئًا في الكتب الستة، والموطا، وصحيح ابن حبان، وكتب السير، والتاريخ، وغيرها٤.\nوقد ذيل عليه تقي الدين محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المكي المالكي المتوفَّى \"٨٣٢هـ\".\n_________\n١ انظر \"١/ ١٤\".\n٢ وقد اختصر كتاب تحفة الأشراف غير واحد من العلماء: اختصرها الحافظ شمس الدين الذهبي \"ت ٧٤٨هـ\". والحافظ شمس الدين محمد بن علي بن حمزة الدمشقي.\n٣ انظر: الذيل على طبقات الحنابلة، لابن رجب الحنبلي \"٢/ ١٩٠٥\".\n٤ انظر: السُّنة قبل التدوين، لمحمد عجاج الخطيب \"ص٢٧٠\"، ويقول: إنه يوجد بدار الكتب المصرية تحت رقم \"٢٠٨٨٦\".","vol":"1","page":380},{"text":"٤- كتاب \"رجال العشرة\" لأبي إسحاق الصريفيني تقي الدين إبراهيم بن محمد المتوفى \"٦٤١هـ\" أحد الحفاظ الثقات وأوعية العلم الفضلاء، ذكره له السخاوي في الإعلان بالتوبيخ \"ص٦١٧\"، والحافظ في تعجيل المنفعة \"ص١٩\"، وغيرهما.\n٥- الكمال في أسماء الرجال، لابن النجار \"محمد بن محمود البغدادي\" صاحب تاريخ بغداد المتوفى \"٦٤٣هـ\"، وقد جمع فيه رجال الكتب الستة.\n٦- تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ أبي الحجاج المزي، هذَّب فيه كتاب المقدسي المتقدم، ورتب تهذيبه على حروف المعجم، ثم ذكر أسماء النساء، واستدرك عليه -ما فاته- الحافظ علاء الدين مغلطاي \"٦٩٠ -٧٦٢هـ\" وسماه إكمال التهذيب.\nوقد اختصر التهذيب، وأضاف عليه محمد بن علي الحسيني.\n٧- ثم جاء محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي \"٦٢٨-٧٤٨ هـ\" فاختصر تهذيب الكمال وسماه \"تذهيب تهذيب الكمال\"، ثم اختصره في كتاب آخر سماه: \"الكاشف عن رجال الكتب الستة\"، واقتصر فيه على مَن له رواية ووضع لهم رموزًا.\n٨- رجال السنن الأربعة، للهكاري أحمد بن الحسن بن موسى \"ت ٧٦٣هـ\" أحد الحفاظ.\n٩- التذكرة برجال العشرة، لمحمد بن علي بن حمزة الحسيني الدمشقي \"ت ٧٦٥هـ\" جمع فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه الموطأ، ومسند الشافعي، ومسند أحمد، ومسند أبي حنيفة.\n١- وجاء بعد هؤلاء النفر العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني: أحمد بن علي أمير المؤمنين في الحديث، المولود \"٧٧٣هـ\"، والمتوفى \"٨٥٢هـ\" فوضع","vol":"1","page":381},{"text":"كتابه \"تهذيب التهذيب\"، لخص فيه تهذيب الكمال للمزي، وزاد عليه فوائد كثيرة من الذين استدركوا، أو اختصروا الكتاب قبله، خصوصًا مغلطاي، ومن غيرها.\nثم اعتمد عليه الحافظ ابن حجر في تصنيف كتابه \"تقريب التهذيب\" الذي يعتبر ثورة في علم الجرح والتعديل، فجعل الرواة على طبقات، ولخص ما قيل في كل راوٍ من جرح وتعديل في كلمة أو كلمتين، أو كلمات معدودات. قال الحافظ ابن حجر نفسه في مقدمة هذا الكتاب: \"إنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وُصف به بألخص عبارة، وأخلص إشارة ... وباعتبار ما ذكرتُ انحصر لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة\". فهو كما قال السخاوي في \"الجواهر والدرر\" \"ق ١٥٦ / ب\": \"عجيب الوضع\".\n١١- وللإمام الحافظ محدِّث الأندلس أبو محمد عبد الله بن سليمان الأنصاري الحارثي \"ت ٦١٢هـ\" كتاب ذكر فيه شيوخ البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي، نزع فيه منزع أبي نصر الكلاباذي؛ لكنه لم يكمله، وكان كثير الأسفار فضاعت الأصول١.\n١٢- رجال الكتب الستة \"البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسوي، والترمذي، وابن ماجه\" لمحمد بن أحمد بن عيسى بن حجاج اللخمي الإشبيلي \"ت ٦٥٤هـ\" قال عنه ابن عبد الملك المراكشي: معرفًا أحوالهم وتواريخهم، وما ينبغي أن يذكروا به، فجاء من أعظم ما ألف في بابه جدوى وأغزره فوائد، على اختصاره النبيل يكون في خمسة أسفار متوسطة، وأثنى على المؤلف ثناء طيبًا٢.\n١٣- \"شيوخ أبي داود، والترمذي، والنسوي، وغيرهم\" للإمام محمد بن إسماعيل بن خلفون الأونبي المتوفى \"٦٣٦هـ\"، قال المراكشي: أربعة مجلدات٣.\n_________\n١ انظر: تذكرة الحفاظ الذهبي \"٤/ ١٣٩٨\".\n٢ انظر: الذيل والتكملة \"٦/ ١٨، ١٩\".\n٣ انظر: الذيل والتكملة \"٦/ ١٣٠\".","vol":"1","page":382},{"text":"١٤- كتاب \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" للحافظ صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري، وقد ألفه سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، واستمده من كتب الذهبي بشكل رئيسي، ومن تقريب الحافظ ابن حجر، وإكمال ابن ماكولا وغيرها، وطبع وصور مرات عديدة، وهو نافع في بابه على وجازته، يركز على شيوخ المترجم وتلامذته.\n- الدراسات المقصورة على \"سنن النسائي\" وحدها١:\nأ- من ناحية المتن:\n١- شرح \"سنن النسائي\" أبو العباس أحمد بن أبي الوليد بن رشيد المولود \"٤٣٦هـ\" والمتوفى \"٥٦٣هـ\"، ووصف شرحه بأنه حفيل للغاية٢.\n٢- وشرح معاصر له هو: أبو الحسن علي بن عبد الله بن النعمة، ولد بعد التسعين وأربعمائة، وتوفي سنة \"٥٦٧هـ\"، ودفن \"بقرطبة\" وسماه \"الإمعان في شرح مصنف النسائي عبد الرحمن\" قال ابن الأبار: كان عالمًا حافظًا للفقه والتفسير ومعاني الآثار، مقدَّمًا في علم اللسان، فصيحًا مفوهًا، ورعًا فاضلًا، دمث الأخلاق، وقال محمد بن عبد الملك المراكشي: بلغ فيه الغاية من الاحتفال وحشد الأقوال، وما أرى أن أحدًا تقدمه في شرح كتاب حديثي إلى مثله، توسعًا في فنون العلم، وإكثارًا من فوائده، وقد وقفت على أسفار منه مدمجة بخطه٣، وقد ذكره له كثيرون، ومنهم ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفي \"ص٢٩٨\"، والسخاوي في فتح المغيب \"٣/ ٥١\".\nولا نعلم عن المصنَّفَيْنِ السابقين شيئًا، ولا ندري هل كتاب الإمعان شرح السنن الصغرى أو الكبرى.\n٣- شرح الشيخ سراج الدين عمر بن علي الملقن الشافعي المتوفَّى \"٨٠٤ هـ\"،\n_________\n١ من كلمة محقق سنن النسائي \"المجتبى\" طبعة دار المعرفة، بيروت \"بتصرف\".\n٢ انظر السنن الأبين لابن رشيد السبني، المقدمة \"ص١٤\".\n٣ انظر: الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة \"٥/ ١/ ٢٢٩\".","vol":"1","page":383},{"text":"لكنه تناول بالشرح فقط زوائده على الصحيحين، وأبي داود، والترمذي، وغالب الظن أنه زوائد المجتبى.\n٤- \"زهر الرُّبَى على المجتبَى\" لجلال الدين السيوطي المتوفى\" ٩١١هـ\" تعليقة لطيفة حد فيها بعض ألفاظه، ولم يتعرض بشيء للأسانيد، وقد طبعت مع المجتبى مرارًا، ولهذه التعليقة مختصر باسم \"عرف زهر الربى\" لعلي بن سليمان الدمناتي الباجمعاوي المغربي المتوفى \"١٣٠٦هـ\" \"مطبوع بالقاهرة ١٢٩٩هـ\".\n٥- حاشية لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى بالمدينة المنورة \"١١٣٦هـ\"، مطبوعة مع \"زهر الربى\" والسنن، وهي أبسط من تعليق السيوطي في بعض المواضع.\n٦- وهناك مختصر التقط فيه رباعيات النسائي \"الرباعيات من كتاب السنن المأثورة\" في تشستر بيتي \"٣٨٤٩/ ١\" من ٤-٢٤ من القرن السادس الهجري١.\n٧- تأليف لأبي عبد الرحمن محمد بنجابي، ومحمد عبد اللطيف، طبع في دلهي عام \"١٨٩٨م\" مع شرح مجمع من السيوطي والسندي وغيرهما٢.\n٨- روض الربَى عن ترجمة المجتبى، تأليف مولاي وحيد الزمان، طبع في لاهور عام \"١٨٨٦م\" مع ترجمة هدوستانية٣.\n٩- وفي ذيل طبقات الحفاظ لجلال الدين السيوطي \"ص٣٦٥\" أن الحافظ شمس الدين أبا المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الدمشقي \"٧١٥-٧٦٥هـ\" شرع في شرح سنن النسائي.\nب- من ناحية الإسناد والرجال:\n١- فأول من اعتنى برجال النسائي هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن أسد الجهني \"أندلسي\"، وقد تلقى السنن عن تلامذة النسائي الأندلسيين، وله \"تسمية\n_________\n١-٣ انظر: تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين \"ص٤٢٥/ ١\".","vol":"1","page":384},{"text":"شيوخ أبي عبد الرحمن النسائي\"، ذكر ذلك ابن خير الإشبيلي في فهرسته \"ص٢٢١\"، والراجح أن يكون هذا الكتاب مبنيًّا على الكبرى؛ لأنه رواها عن تلامذة المصنف.\n٢- وتبعه على ذلك أبو علي الحسين بن محمد الجياني، المولود \"٤٢٧-٤٩٨هـ\" الحافظ الإمام الثبت، محدث الأندلس، فصنع كتاب شيوخ النسائي، ولا نعلم كيف بنى كتابه هذا.\n٣- رجال النسائي، لأبي محمد الدورقي، قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: رجال الترمذي ورجال النسائي لجماعة من المغاربة منهم الحافظ أبو محمد الدورقي، فإن له في رجال كل منهما كتابًا منفردًا١.\n٤- \"شيوخ النسائي\" في سفر، لأبي بكر محمد بن إسماعيل بن محمد بن خلفون الأونبي الأزدي، المتوفى \"٦٣٦هـ\"، كان أحد حفاظ الرجال المتقنين المصنفين، وذكر له كتابه هذا أبو الحسن الرعيني الإشبيلي المتوفى \"٦٣٦هـ\" في برنامج شيوخ٢.\n_________\n١ انظر: مقدمة السنن الأبين لابن رشيد السبتي.\n٢ انظر \"ص٢١٨\".","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>سادسًا: ابن ماجه \"٢٠٩-٢٧٣ه</span>ـ\"\nهو: أبو عبد الله محمد بن يزيد الرَّبَعِي القزويني. ذكره الحافظ أبو علي الخليل بن عبد الله الخليلي القزويني في رجال قزوين، وقال فيه: \"ثقة كبير، متفق عليه، محتج به، له معرفة بالحديث وحفظٌ، وله مصنفات في السنن، والتفسير، والتاريخ\". وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء \"١٣/ ٢٧٩\": \"الحافظ الكبير، الحجة، المفسر، مصنف \"السنن\"، و\"التاريخ\" و\"التفسير\"، وحافظ قزوين في عصره\". وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: \"أحد الأئمة، حافظ، صنف السنن والتفسير والتاريخ\"١.\n- سنن ابن ماجه: منهجه وشروطه:\nالمتقدمون من أهل الحديث وكثير من محققي المتأخرين عدوا أصول كتب الحديث الخمسة: الصحيحين، وسنن النسائي، وأبي داود، والترمذي، وخالفهم بعض المتأخرين، فعد الأصول ستة، بإضافة ابن ماجه إلى الخمسة المذكورة؛ وذلك لأنهم رأوا كتابه مفيدًا عظيم النفع في الفقه.\nوأول من أضافه إلى الخمسة الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي المتوفَّى سنة \"٥٠٧\" في أطراف الكتب الستة له، وكذلك في كتابه شروط الأئمة الستة، ثم الحافظ عبد الغني المقدسي في كتابه \"الإكمال في أسماء الرجال\" -أي: رجال الكتب الستة- وهو الذي هذبه الحافظ المزي، وتبعهما على ذلك أصحاب الأطراف والرجال، ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث قال بعضهم: ينبغي أن يجعل السادس كتاب الدارمي، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة والشاذة، وإن كانت فيه أحاديث\n_________\n١ راجع ترجمته في: تهذيب الكمال \"٢٧/ ٤٠- ٤٢\"، تهذيب التهذيب \"٩/ ٥٣٠- ٥٣٢\"، تقريب التهذيب \"ص٥١٤\" ترجمة رقم \"٦٤٠٩\"، خلاصة الخزرجي \"٢/ ترجمة رقم ٦٧٧٠\"، شذرات الذهب \"٢/ ٦٤\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٦٣٦\"، سير أعلام النبلاء \"١٣/ ٢٧٧\"، العبر \"٢/ ٥١\"، الوافي بالوفيات \"٥/ ٢٢، وفيات الأعيان \"٤/ ٢٧٩\"، النجوم الزاهرة \"٣/ ٧٠\"، طبقات الحفاظ \"ص٢٨٧- ٢٧٩\"، طبقات المفسرين \"٢/ ٢٧٢\"، البداية والنهاية \"١١/ ٥٢\".","vol":"1","page":387},{"text":"مرسلة وموقوفة، فهو مع ذلك أولى منه، وجعل آخرون الموطأ هو السادس لصحته وجلالته، كرزين السرقسطي المتوفَّى سنة \"٥٣٥هـ\" في كتابه \"تجريد الصحاح\"، وتبعه ابن الأثير في جامع الأصول، وكذا غيره١.\nوكتاب السنن لابن ماجه مصنَّف على الكتب والأبواب، كالسنن الثلاثة السابقة، وقد اشتمل على سبعة وثلاثين كتابًا.\nوقد بدأه ابن ماجه بالمقدمة التي اشتملت على أربعة وعشرين بابًا:\n١- باب اتباع سنة رسول الله ﷺ.\n٢- باب تعظيم حديث رسول الله -ﷺ- والتعظيم على من عارضه.\n٣- باب التوقي في الحديث عن رسول الله ﷺ.\n٤- باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول الله ﷺ.\n٥- باب من حدث عن رسول الله -ﷺ- حديثًا وهو يرى أنه كذب.\n٦- باب اتباع سُنة الخلفاء الراشدين المهديين.\n٧- باب اجتناب البدع والجدل.\n٨- باب اجتناب الرأي والقياس.\n٩- باب في الإيمان.\n١٠- باب في القدر.\n١١- باب في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ.\n١٢- باب في ذكر الخوارج.\n١٣- باب فيما أنكرت الجهمية.\n١٤- باب من سن سنة حسنة أو سيئة.\n١٥- باب من أحيا سنة قد أميتت.\n١٦- باب فضل من تعلم القرآن وعلمه.\n_________\n١ الحديث والمحدثون، لمحمد محمد أبو زهر \"ص٤١٨، ٤١٩\".","vol":"1","page":388},{"text":"١٧- باب فضل العلماء والحث على طلب العلم.\n١٨- باب من بلغ علمًا.\n١٩- باب من كان مفتاحًا للخير.\n٢٠- باب ثواب معلم الناس الخير.\n٢١- باب من كره أن يوطأ عقباه.\n٢٢- باب الوصاة بطلبة العلم.\n٢٣- باب الانتفاع بالعلم والعمل به.\n٢٤- باب من سئل عن علم فكتمه.\nثم رتب كتابه على الكتب الفقهية، كما صنع أصحاب السنن الثلاثة السابقة:\n١- كتاب الطهارة.\n٢- كتاب الصلاة.\n٣- كتاب الأذان والسنة فيها.\n٤- كتاب المساجد والجماعات.\n٥- كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها.\n٦- كتاب الجنائز.\n٧- كتاب الصيام.\n٨- كتاب الزكاة.\n٩- كتاب النكاح.\n١٠- كتاب الطلاق.\n١١- كتاب الكفارات.\n١٢- كتاب التجارات.\n١٣- كتاب الأحكام.\n١٤- كتاب الهبات.\n١٥- كتاب الصدقات.\n١٦- كتاب الرهون.\n١٧- كتاب الشفعة.\n١٨- كتاب اللقطة.\n١٩- كتاب العتق.\n٢٠- كتاب الحدود.\n٢١- كتاب الديات.\n٢٢- كتاب الوصايا.\n٢٣- كتاب الفرائض.\n٢٤- كتاب الجهاد.\n٢٥- كتاب المناسك.\n٢٦- كتاب الأضاحي.\n٢٧- كتاب الذبائح.\n٢٨- كتاب الصيد.","vol":"1","page":389},{"text":"٢٩- كتاب الأطعمة.\n٣٠- كتاب الأشربة.\n٣١- كتاب الطب.\n٣٢- كتاب اللباس.\n٣٣- كتاب الأدب.\n٣٤- كتاب الدعاء.\n٣٥- كتاب تعبير الرؤيا.\n٣٦- كتاب الفتن.\n٣٧- كتاب الزهد.\nوهناك اتفاق من المتخصصين على أن سنن ابن ماجه دون السنن السابقة في الدرجة، ويرجع ذلك إلى كثرة الأحاديث الضعيفة الموجودة فيه إذا قورنت بالأحاديث الضعيفة في السنن السابقة، كما أنه انفرد بإخراج أحاديث عن رواة متهمين بالكذب؛ ولكن ابن ماجه نفسه صرح بأن أبا زرعة الرازي أثنى على سننه، وذكر أن فيه نحوًا من ثلاثين حديثًا ضعيفًا، فقال ابن ماجه فيما نقله الذهبي في السير: \"عرضت هذه السنن على أبي زرعة، فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف أو نحو ذا\"١.\nونقل الحافظ المزي نحوه في تهذيب الكمال نقلًا عن الحافظ أبي القاسم بن عساكر.\nوقال الحافظ الذهبي في السير أيضًا: \"قد كان ابن ماجه حافظًا صادقًا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة \"سننه\" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عَنَى بثلاثين حديثًا: الأحاديث المطروحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة -أي بذاتها- فكثيرة، لعلها نحو الألف\"٢.\nوحصر الشيخ محمد عبد الرشيد النعماني الهندي في كتابه: ما تمس إليه\n_________\n١ سير أعلام النبلاء \"١٣/ ٢٧٨\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"١٣/ ٢٧٨، ٢٧٩\".","vol":"1","page":390},{"text":"الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه١، حصر أحاديث ابن ماجه التي ذكرها ابن الجوزي، في كتابه \"الموضوعات\" حديثًا حديثًا، فبلغت أربعة وثلاثين حديثًا، وذكر ما في أسانيدها من مقال، ثم أورد سبعة أحاديث حكم عليها بعض الحفاظ غير ابن الجوزي بالوضع، وذكر ما قيل في أسانيدها، وقال: \"وفي سنن ابن ماجه أحاديث كثيرة ضعيفة بعضها أشد في الضعف من بعض، ولو جمعها أحد من علماء هذا الشأن لجاء من مجلد لفيف\".\nوقال السيوطي في شرحه على مجتبى النسائي المسمى بزهر الربَى: \"إن كتاب ابن ماجه قد تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تُعرف إلا من جهتهم؛ مثل: حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك، والعلاء بن زيد، وداود بن المحبر، وعبد الوهاب بن الضحاك، وإسماعيل بن زياد الكوفي، وعبد السلام بن يحيى بن أبي الجنوب، وغيرهم\".\nقال: \"وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال: لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما فيه ضعف، فهي حكاية لا تصح لانقطاع سندها، وإن كانت محفوظة، فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة للغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءًا منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منها بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب العلل لأبي حاتم\". اهـ.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"إنه انفرد بأحاديث كثيرة، وهي صحيحة، فالأولى حمل الضعيف على الرجال، وقد ألف الحافظ أحمد بن أبي بكر البوصيري كتابًا في زوائده على الخمسة نبه فيه على غالبها\".\nونقل العلامة علي القاري في \"المرقاة شرح المشكاة\" عن الحافظ ابن حجر قوله: \"السبيل لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن الأربعة، لا سيما سنن ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث\n_________\n١ \"ص٣٨-٤٤\".","vol":"1","page":391},{"text":"من المسانيد؛ لأن هذه لم يشترط جامعوها الصحة والحسن: إنه كان أهلًا للنقل والتصحيح، فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به، وإن لم يكن أهلًا لذلك، فإن وجد أهلًا لتصحيح أو تحسين قلده، وإلا فلا يقدم على الاحتجاج كحاطب ليل، فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر\".\nوجملة أحاديث سنن ابن ماجه \"٤٣٤١\" حديثًا.\nمنها \"٣٠٢\" حديثًا أخرجها الشيخان، وأصحاب السنن الثلاثة السابقة.\nفتكون الزوائد \"١٣٣٩\" حديثًا، منها الصحيح، والحسن، والضعيف وغيره.\nصحيحة الإسناد منها عددها \"٤٢٨\" حديثًا.\nوحسنة الإسناد عددها \"١٩٩\" حديثًا.\nوضعيفة الإسناد عددها \"٦١٣\" حديثًا.\nويبقى \"٩٩\" حديثًا واهية الإسناد، أو منكرة، أو مكذوبة.\nولا يوجد حديث مما أخرجه في الأحكام فيه راوٍ متهم بالوضع أو الكذب؛ وإنما ذلك في الفضائل بلا استثناء.\n- شروحه ١:\n١- شرح محمد بن موسى الدميري المتوفَّى سنة \"٨٠٨هـ\"، يُسمى \"الديباجة\" في خمسة مجلدات، ومات قبل تحريره.\n٢- شرح جلال الدين السيوطي، يسمى \"مصباح الزجاجة على سنن ابن ماجه\".\n٣- شرح إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة \"٨٤١هـ\".\n٤- شرح السندي، وهو مطبوع٢.\n_________\n١ انظر: مقدمة السندي لشرح سنن ابن ماجه، مقدمة السيوطي لشرح سنن النسائي، وشروط الأئمة الستة \"ص١٦، ١٧\"، الرسالة المستطرفة \"ص١٠، ١١\"، توجيه النظر \"ص١٥٣\"، مفتاح السنة \"ص١٠١\"، كشف الظنون \"١/ ٤٧٧\"، قواعد التحديث \"ص٢٣٣\".\n٢ مخطوطة بدار الكتب المصرية \"برقم ١٨٩٤ب\"، \"حديث تيمور ٥٣٨\"، \"حديث س١١\".","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>سابعًا: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل \"١٦٤-٢٤١ه</span>ـ\" ١\nهو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني أبو عبد الله المروزي، ثم البغدادي \"١٦٤- ٢٤١هـ\"، وهو من ولد شيبان بن ذهل، لا من ولد ذهل بن شيبان، يلتقي نسبه بنسب رسول الله -ﷺ- في نزار.\nخُرج به من مرو حملًا، وولد ببغداد، ونشأ بها، ومات بها، وطاف البلاد في طلب العلم، ودخل الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة، والمغرب، والجزائر، والعراق، وفارس، وخراسان، وغيرها.\nومناقبه أكثر من أن تُحصى أو تُستقصى، ويكفي أن الشافعي عده من عجائب الزمن، وعلل ذلك بأنه كان صغيرًا، وكلما قال شيئًا صدقه الكبار.\n- ومن تصانيفه:\n\"المسند\"، وهو بزيادة ابن عبد الله أربعون ألف حديث إلا أربعين حديثًا، و\"التفسير\"، وهو مائة ألف وعشرون ألفًا، وقيل: بل مائة ألف وخمسون ألفًا، و\"الزهد\"، وهو نحو مائة جزء، و\"الناسخ والمنسوخ\"، و\"المقدم والمؤخر في القرآن\" و\"المنسك الكبير\"، و\"المنسك الصغير\"، و\"الصيام والفرائض\"، و\"حديث شعبة\"، و\"فضائل الصحابة\"، و\"فضائل أبي بكر\"، و\"فضائل الحسن والحسين\"، و\"التاريخ\"، و\"الأسماء والكنى\"، و\"الرسالة في الصلاة\"، و\"رسائل في السنة\n_________\n١ راجع ترجمته في: \"تهذيب الكمال \"١/ ٤٣٧- ٤٧٠\"، سير أعلام النبلاء \"١١/ ١٧٧- ٣٥٨\"، طبقات ابن سعد \"٧/ ٣٥٤- ٣٥٥\"، التاريخ الكبير \"٢/ ٥\"، التاريخ الصغير \"٢/ ٣٧٥\"، الجرح والتعديل \"١/ ٢٩٢- ٣١٣\"، \"٢/ ٦٨- ٧٠\"، حلية الأولياء \"٩/ ١٦١- ٢٣٣\"، تاريخ بغداد \"٤/ ٤١٢- ٤٢٣\"، طبقات الحنابلة \"١/ ٤ - ٢٠\"، تهذيب الأسماء واللغات \"١/ ١١٠ - ١١٢\"، وفيات الأعيان \"١/ ٦٣- ٦٥\"، تذكرة الحفاظ \"٢/ ٤٣١\"، العبر \"١/ ٤٣٥\"، تذهيب التهذيب \"١/ ٢٢\"، الوافي بالوفيات \"٦/ ٣٦٣- ٣٦٩\"، طبقات الشافعية للسبكي \"٢/ ٢٧- ٣٧\"، البداية والنهاية \"١٠/ ٣٢٥- ٣٤٣\"، النجوم الزاهرة \"٢/ ٣٠٤ - ٣٠٦\"، طبقات الحفاظ \"ص١٨٦\"، شذرات الذهب \"٢/ ٩٦- ٩٨\"، طبقات المفسرين \"١/ ٧٠\"، التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة \"١/ ٦٩ - ٧١\".","vol":"1","page":393},{"text":"والأشربة\"، و\"جوابات وأسئلة، و\"طاعة الرسول ﷺ\"، و\"الرد على الزنادقة والجهمية وأهل الأهواء في متشابه القرآن\"، وغير ذلك.\nومشايخه أعيان السلف، وأئمة الخلف، وأصحابه خلق كثير لا يحصيهم عدد ولا يحويهم بلد، وقيل: مائة ألف أو يزيدون، وروى الفقه عنه أكثر من مائتي نفس، أكثرهم أئمة أصحاب تصانيف، وروى عنه الحديث أكابر؛ كعبد الرزاق، وابن عُلية، وابن مهدي، ووكيع، وقتيبة، وابن المديني، وخلق غيرهم، وما من مسألة في الفروع والأصول إلا له فيها قول أو أكثر نصًّا أو إيماء.\n- مسند الإمام أحمد:\n\"المسند\" للإمام أحمد بن حنبل أعظم كتب الحديث، وقد شهد المحدثون وغيرهم قديمًا وحديثًا بأنه أجمع المصنفات في الحديث الشريف، وأوعاها لكل ما يحتاج إليه المسلم في أمور الدين والدنيا.\nومن مسماه يتبين أنه جمع الأحاديث المسندة أو المرفوعة إلى رسول الله -ﷺ- وأنه اهتم بجمع أحاديث كل صحابي على حدة، دون أن يهتم بالترتيب الموضوعي أو الفقهي.\nكما أنه جمع بين الصحيح والضعيف بحيث يصعب على أهل عصرنا -سوى القليل من المتخصص منهم- التمييز بين أسانيد هذه الأحاديث، ولم تكن هذه الصعوبة لدى أهل عصره؛ لحفظهم وضبطهم وخبرتهم.\n- عدد أحاديثه:\nاشتمل على أربعين ألفًا بالمكرر١ وثلاثين ألفًا بدون المكرر، وهو كغيره من مصنفات الحديث لم يستوعب أحاديث رسول الله ﷺ.\n_________\n١ قال ذلك الحسيني في كتابه التذكرة في رجال العشرة، كما حكاه السيوطي في التدريب \"١/ ٢١٣\".","vol":"1","page":394},{"text":"قال الحافظ ابن كثير: \"لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته، وقد فاته أحاديث كثيرة جدًّا، بل قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبًا من مائتين\"١.\nوقال عبد الله بن أحمد: خرَّج أبي المسند في سبعمائة ألف حديث٢.\n- أقسام المسند من حيث الرواية:\nالمسند المطبوع ليس كله من رواية الإمام أحمد؛ ولكن أضاف إليه ابنه عبد الله زيادات ليست من رواية أبيه، وكذلك فعل أبو بكر القطيعي راوي المسند عن عبد الله بن أحمد.\nقال الأستاذ المحدث أحمد البنا الشهير بالساعاتي في مقدمة الفتح الرباني: بتتبعي لأحاديث المسند وجدتها تنقسم إلى ستة أقسام:\nقسم رواه أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه سماعًا منه وهو المسمى بمسند الإمام أحمد، وهو كبير جدًّا يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب.\nوقسم سمعه عبد الله من أبيه، ومن غيره، وهو قليل جدًّا.\nوقسم رواه عن غير أبيه، وهو المسمى عند المحدثين بزوائد عبد الله، وهو كثير بالنسبة للأقسام كلها عدا القسم الأول.\nوقسم قرأه \"عبد الله\" على \"أبيه\"، ولم يسمعه منه، وهو قليل.\nوقسم لم يقرأه ولم يسمعه؛ ولكنه وجده في كتاب أبيه بخط يده.\nوقسم رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه -رحمهما الله تعالى- وهو أقل الجميع.\n_________\n١ نقلًا عن: تدريب الراوي \"١/ ٢١٣\"، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٢ التذكرة بمعرفة رجال العشرة \"١/ ٧٠\" لأبي المحاسن محمد بن علي العلوي الحسيني \"٧١٥- ٧٦٥هـ\"، الناشر، مكتبة الخانجي القاهرة، تحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب.","vol":"1","page":395},{"text":"فهذه ستة أقسام، وكل هذه الأقسام من المسند، إلا الثالث فإنه من زوائد عبد الله، والسادس من زوائد القطيعي١.\nسمع المسند من الإمام أحمد أولاده الثلاثة: صالح، وعبد الله، وحنبل.\nقال عثمان بن السباك: حدثنا حنبل قال: جمعنا أحمد بن حنبل: أنا، وصالح، وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه غيرنا، وقال لنا: هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألفًا، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله -ﷺ- فارجعوا إليه، فإن وجدتموه، وإلا فليس بحجة٢.\n- درجة أحاديث المسند:\nللعلماء في درجة أحاديث المسند أقوال:\nالقول الأول: إن ما فيه من الأحاديث حجة، وهو ظاهر عبارة الإمام السابقة التي رواها ابن السباك عن حنبل عن الإمام، وفي معناه ما روى أبو موسى المديني عن الإمام أحمد أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند وإلا فليس بحجة، وما قاله أبو موسى المديني أيضًا في كتابه \"خصائص المسند\"٣ قال: وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من حديث كثير ومسموعات وافرة، فجعله صاحبه إمامًا ومعتمدًا، وعند التنازع ملجأ ومستندًا، قال: ولم يخرج إلا عمن ثبت عنده صدقه وديانته دون من طعن في أمانته. قال: ومن الدليل على أن ما أودعه الإمام أحمد -﵀- مسنده قد احتاط فيه إسنادًا ومتنًا ولم يورد فيه إلا ما صح عنده -ما رواه القطيعي. قال: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا زرعة يحدث عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n_________\n١ مقدمة الفتح الرباني \"ص١٩ وما بعدها\".\n٢ المصدر السابق \"ص٨\".\n٣ السابق \"ص٢٧\".","vol":"1","page":396},{"text":"\"يهلك أمتي هذا الحي من قريش\" قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: \"لو أن الناس اعتزلوهم\". قال عبد الله: قال لي أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث، فإنه خلاف الأحاديث عن النبي -ﷺ- يعني قوله: \"اسمعوا وأطيعوا\". فهذا الحديث مع ثقة رجال إسناده حين شذ لفظه عن المشاهير أمر بالضرب عليه فقال عليه ما قلنا، وفيه نظائر له.\nقال الأستاذ المحدِّث الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا:\nهذا مثال لشدة احتياط الإمام أحمد في المتن، وأما احتياطه في السند، فقد روى القطيعي قال: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا علي بن ثابت الجزري، عن ناصح أبي عبد الله، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة: أن النبي -ﷺ- قال: \"لأن يؤدب الرجل ولده -أو أحدكم ولده- خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع\" قال عبد الله: وهذا الحديث لم يخرجه أبي في مسنده من أجل ناصح؛ لأنه ضعيف في الحديث، وأملاه عليَّ في النوادر١. اهـ.\nالقول الثاني: إن فيه الصحيح والضعيف والموضوع، فقد ذكر ابن الجوزي في الموضوعات تسعة وعشرين حديثًا منه، وحكم عليها بالوضع، وزاد الحافظ العراقي عليه تسعة أحاديث حكم عليها بالوضع وجمعها في جزء، قال العراقي ردًّا على من قال: إن أحمد شرط في مسنده الصحيح: لا نسلم ذلك والذي رواه عنه أبو موسى المديني أنه سئل عن حديث فقال: انظروه فإن كان في المسند، وإلا فليس بحجة، فهذا ليس بصريح في أن كل ما فيه حجة؛ وإنما هو صريح في أن ما ليس فيه ليس بحجة، قال: على أن ثَمَّ أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وليست فيه، منها حديث عائشة في قصة أم زرع، قال: وأما وجود الضعيف فيه فهو محقق؛ بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء، ولعبد الله ابنه فيه زيادات فيها الضعيف والموضوع٢.\n_________\n١ مقدمة الفتح الرباني \"ص٩\".\n٢ تدريب الراوي \"١/ ٢١٢\" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.","vol":"1","page":397},{"text":"وقد صوَّر لنا ابن الجوزي استغراب معاصريه من أن يكون في \"المسند\" ما ليس بصحيح، فقال: كان قد سألني بعض أصحاب الحديث: هل في \"مسند الإمام أحمد\" ما ليس بصحيح؟ فقلت: نعم. فعظم ذلك جماعة ينتسبون إلى المذهب، فحملت أمرهم على أنهم عوام، وأهملت فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان منهم أبو العلاء الهمذاني، يعظمون هذا القول ويردونه، ويُقبحون قول من قاله، فبقيت دَهِشًا متعجبًا، وقلت في نفسي: واعجبًا، صار المنسبون إلى العلم عامة أيضًا! وما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث، ولم يبحثوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإمام أحمد روى المشهور والجيد والرديء، ثم هو قد رد كثيرًا مما روى ولم يقل به، ولم يجعله مذهبًا له، ومن نظر في كتاب \"العلل\" الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في \"المسند\"، وقد طعن فيها أحمد١.\nوقال الحافظ السخاوي في \"شرح الألفية\"٢: والحق أن في مسند أحمد أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها أشد في الضعف من بعض حتى إن ابن الجوزي أدخل كثيرًا منها في موضوعاته؛ ولكن قد تعقبه في بعضها الحافظ العراقي في جزء له، وفي سائرها الحافظ ابن حجر، وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم تلتزم الصحة في جمعها. اهـ.\nالقول الثالث: إن فيه الصحيح والضعيف الذي يقرب من الحسن، ومن ذهب إلى ذلك من الحفاظ: أبو عبد الله الذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن تيمية، والسيوطي، وإليك أقوالهم في ذلك: قال الحافظ السيوطي في خطبة الجامع الكبير ما لفظه: \"وكل ما كان في مسند أحمد فهو مقبول؛ فإن الضعيف الذي فيه يقرب من الحسن\"، وقال الحافظ ابن حجر في كتابه \"تعجيل المنفعة في رجال\n_________\n١ صيد الخاطر \"ص٢٤٥، ٢٤٦\".\n٢ شرح الألفية \"١/ ٨٩\".","vol":"1","page":398},{"text":"الأربعة\": \"ليس في المسند حديث لا أصل له إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها حديث عبد الرحمن بن عوف: \"أنه يدخل الجنة زحفًا\"، والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه، فترك سهوًا، أو ضرب وكتب من تحت الضرب\".\nوقال ابن تيمية في كتابه \"منهاج السُّنَّة\": \"شرط أحمد في المسند ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف قال: ثم زاد عبد الله بن أحمد زيادات على المسند ضمت إليه، وكذلك زاد أبو بكر القطيعي، وفي تلك الزيادات كثير من الأحاديث الموضوعة، فظن مَن لا علم عنده أن ذلك من رواية أحمد في مسنده\"١.\nوقال الحافظ الذهبي: \"ولو أنه -يعني عبد الله بن الإمام أحمد- حرر ترتيب المسند وقربه وهذبه لأتى بأسنى المقاصد، ولعل الله -﵎- أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه، ويبوب عليه، ويتكلم على رجاله، ويرتب هيئته ووضعه، فإنه محتوٍ على أكثر الحديث النبوي، وقل أن يثبت حديث إلا وهو فيه\".\nقال: \"وأما الحسان فما استوعبت فيه؛ بل عامتها -إن شاء الله تعالى- فيه، وأما الغرائب وما فيه لين، فروى من ذلك الأشهر وترك الأكثر مما هو مأثور في السنن الأربعة ومعجم الطبراني الأكبر والأوسط، ومسندي أبي يعلى والبزار، وأمثال ذلك قال ومن سعد مسند الإمام أحمد قل أن تجد فيه خبرًا ساقطًا\"٢.\nقال محمد أبو زهو تحت عنوان: \"الجمع بين أقوال العلماء في مسند أحمد\":\n\"يمكن إرجاع القولين الأولين إلى القول الثالث، وبذلك لا يكون هناك خلاف في درجة أحاديث المسند، فمن حكم على بعض أحاديثه بالوضع نظر إلى ما زاده فيه أبو بكر القطيعي وعبد الله بن الإمام أحمد، والقول بحجية ما فيه من الأحاديث\n_________\n١، ٢ منهاج السُّنة لابن تيمية \"ص٣٧\".","vol":"1","page":399},{"text":"لا ينافي القول بأن فيه الضعيف، فإن الضعيف فيه دائر بين الحسن لذاته والحسن لغيره، وكلاهما مما يحتج به عند العلماء\"١.\nقلت: ولا يغض من قيمة المسند ما جاء فيه من أحاديث ضعيفة؛ فإنها صالحة للترقي إلى درجة الحسن لغيره بما لها من متابعات وشواهد. كما أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يأخذ بالضعيف ويعمل به، ويقدمه على القياس، بشرط ألا يكون ضعفه شديدًا، وألا يكون في الباب غيره، فقد قال لابنه عبد الله: لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه٢.\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية٣: إن تعدد الطرق مع عدم التشاعر والاتفاق في العادة يُوجب العلم بمضمون المنقول، وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول، والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل، ونحو ذلك؛ ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره. قال الإمام أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره.\nوقال شيخ الإسلام أيضًا٤: وقد يروي الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما أحاديث تكون ضعيفة عندهم لاتهام رواتها بسوء الحفظ، ونحو ذلك؛ ليعتبر بها ويستشهد بها، فإنه قد يكون لذلك الحديث ما يشهد أنه محفوظ، وقد يكون له ما يشهد بأنه خطأ، وقد يكون صاحبها كذابًا في الباطن ليس مشهورًا بالكذب؛ بل يروي كثيرًا من الصدق، فيُروى حديثه، وليس كل ما رواه الفاسق يكون كذبًا؛ بل يجب التبيُّن في خبره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فيروى لتُنظر سائر الشواهد هل تدل على الصدق أو الكذب.\n_________\n١ الحديث والمحدثون \"ص٣٧٥\" لمحمد محمد أبو زهو، طبع دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤م.\n٢ خصائص المسند \"ص٢٧\".\n٣ مقدمة أصول التفسير \"ص٣٠\".\n٤ منهاج السُّنَّة \"٤/ ١٥\".","vol":"1","page":400},{"text":"وقال -﵀- أيضًا: وليس كل ما رواه أحمد في \"المسند\" وغيره يكون حجة عنده؛ بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في \"المسند\" ألا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف١.\nوقال الإمام الذهبي عن \"المسند\": فيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلها، ولا يجب الاحتجاج بها٢.\nوكذلك قال الحافظ العراقي فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في \"القول المسدَّد\": إن في \"المسند\" أحاديث ضعيفة كثيرة٣.\nوقال الحافظ ابن حجر: \"ومسند أحمد\" ادَّعى قوم فيه الصحة، وكذا في شيوخه، وصنَّف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفًا، والحق أن أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد، أخرجها، ثم صار يضرب عليها شيئًا فشيئًا، وبقي منها بعده بقية٤.\nومما يجب التنبيه عليه، فإن تحسين الحديث الضعيف بتعدد طرقه وشواهده مذهب درج عليه الأئمة المتقدمون من حفاظ الحديث وخبراء العلل نحو: الإمام أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ويحيى بن معين، وأمثالهم، وارتضاه المتأخرون وساروا عليه وأخذوا به مثل: الحافظ المنذري، والعراقي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير الدمشقي، والزيلعي، وغيرهم.\nوقال الحافظ ابن حجر في نُكَتِه على ابن الصلاح٥: وأما علي بن المديني فقد\n_________\n١ المصدر السابق \"٤/ ٢٧\".\n٢ سير أعلام النبلاء \"١١/ ٣٢٩\".\n٣ القول المسدد في الذب على المسند \"ص٣\".\n٤ تعجيل المنفعة \"ص٦\".\n٥ النكت على ابن الصلاح \"١/ ٤٢٦\".","vol":"1","page":401},{"text":"أكثر من وصف الأحاديث بالصحة والحسن في \"مسنده\"١ وفي \"علله\"، وظاهر عبارته أنه قصد المعنى الاصطلاحي، وكأنه الإمام السابق لهذا الاصطلاح، وعنه أخذ البخاري ويعقوب بن شيبة وغير واحد، وعن البخاري أخذ الترمذي.\nفمن ذلك ما ذكره الترمذي في \"العلل الكبير\"٢ أنه سأل البخاري عن أحاديث التوقيت في المسح على الخفين، فقال: حديث صفوان بن عسَّال صحيح، وحديث أبي بكرة -﵁- حسن.\nوذكر الترمذي في سننه أنه سأل البخاري عن حديث شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن رافع بن خديج -﵁- قال: إن النبي -ﷺ- قال: \"من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته\"، وهو من أفراد شريك عن أبي إسحاق، فقال البخاري: هو حديث حسن٣.\nوقال في \"العلل\"٤ بعد أن أورد حديث عثمان من طريق عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عثمان أن النبي -ﷺ- كان يخلل لحيته. قال محمد -يعني البخاري: أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان.\n_________\n١ وقد نقل الحافظ ابن كثير في \"مسند عمر\" قول علي بن المديني في جملة أحاديث: حديث حسن، أو إسناد حسن، أو صالح الإسناد، أو إسناد جيد، انظرها في \"مسند عمر\" \"١/ ١١١ و١٣٢ و٢٧٧ و٢٨٨ و٣٠٧ و٣٣٣ و٣٥٧ و٥١٢ و٥٢٦ و٥٤٤ و٦٠٥\".\n٢ \"١/ ١٧٥\" وحديث صفوان الذي أشار إليه موجود في شرائط الصحة، وحديث أبي بكرة رواه ابن ماجه \"٥٥٦\" من رواية المهاجر أبي مخلد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه ﵁، والمهاجر قال فيه وهيب: إنه كان غير حافظ، وقال ابن معين: صالح، وقال الساجي: صدوق، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يُكتب حديثه، فهذا على شرط الحسن لذاته.\n٣ سنن الترمذي \"حديث رقم ١٣٦٦\" وتفرد شريك يحول دون الاحتجاج بما تفرد به؛ لكنه اعتضد بحديث عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع -﵁- الذي رواه الترمذي أيضًا في نفس الموضع \"في حديث ١٣٦٦\" فوصفه بالحسن.\n٤ العلل للترمذي \"١/ ١١٢\".","vol":"1","page":402},{"text":"قلت \"أي الترمذي\": إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن.\nوفي الصحيحين أحاديث في أسانيدها رواة تنزل درجتهم عن رتبة أهل الضبط التام، مما يقال في أسانيد رواياتهم بأنها حسنة.\nوقال الإمام الذهبي في \"الموقظة\"١ أعلى مراتب الحسن:\n١- بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.\n٢- وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\n٣- ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\n٤- وابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، وأمثال ذلك.\nوهو قسم متجاذب بن الصحة والحسن، فإن عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح.\nوقال الإمام الحافظ العلامة سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني المتوفَّى سنة ٨٠٥هـ في \"محاسن الاصطلاح\"٢: قد أكثر يعقوب بن شيبة تلميذ علي بن المديني من تحسين الأحاديث في كتابه، وفي مواضع كثيرة يجمع بين الحسن والصحة، وجمع أبو علي الطوسي شيخ أبي حاتم الرازي في كتابه \"الأحكام\" بين الحسن والصحة والغرابة إثر كل حديث، وكان معاصرًا للترمذي.\nهذا، وقد صرح الإمام الذهبي بأن في المسند أحاديث قليلة جدًّا شديدة الضعف، فقال في كلامه عن \"المسند\" في \"السير\": \"وفي أحاديث معدودة شبه موضوعة؛ ولكنها قطرة في بحر\"٣.\nوقد صنفها بعض النقاد في الموضوعات، فبلغت ثمانية وثلاثين حديثًا، ناقش\n_________\n١ الموقظة للذهبي \"ص٣٢\".\n٢ محاسن الاصطلاح \"ص١٠٩\".\n٣ سير أعلام النبلاء \"١١/ ٣٢٩\".","vol":"1","page":403},{"text":"معظمها الإمام الحجة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتاب سماه: \"القول المسدد في الذب عن المسند\"، وقال في خطبة هذا الكتاب النفيس: \"ذكرت في هذه الأوراق ما حضرني من الكلام على الأحاديث التي زعم بعض أهل الحديث أنها موضوعة، وهي في مسند أحمد؛ ذبًّا عن هذا التصنيف العظيم الذي تلقته الأمة بالقبول والتكريم، وجعله أمامهم حجة يرجع إليه ويعول عند الاختلاف عليه\"، ثم سرد الأحاديث التي جمعها العراقي في جزء وحكم عليها بالوضع، وهي تسعة وأضاف إليها خمسة عشر حديثًا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، وهي فيه، وأجاب عنها حديثًا حديثًا.\nقال السيوطي: وقد فاته أحاديث أخر أوردها ابن الجوزي، وهي فيه، وجمعتها في جزء سميته \"الذيل الممهد\"، وعدتها أربعة عشر حديثًا١.\nقال الشوكاني: وقد حقق الحافظ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرًا من الكتب التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها، وليست الأحاديث الزائدة فيه على الصحيحين بأكثر ضعفًا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي.\n- عناية الأمة بمسند الإمام أحمد بن حنبل ﵀:\nاهتم العلماء في كافة الأمصار والأعصار بمسند الإمام أحمد، وضربوا لسماعه أكباد الإبل، فقد حوى معظم الحديث النبوي الشريف، والذي جمعه الإمام وانتقاه ليكون مثابة للناس وإمامًا، كما صرح هو نفسه بذلك، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: لِمَ كرهت وضع الكتب، وقد عملت المسند؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سنة رسول الله -ﷺ- رُجِعَ إليه\"٢، فكان له\n_________\n١ تدريب الراوي \"١/ ٢١٢\" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٢ التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة \"١/ ٧٠\" في الترجمة رقم \"٢٤٠\" لأبي محاسن محمد بن علي العلوي الحسيني \"٧١٥-٧٦٥هـ\"، الناشر مكتبة الخانجي بالطاهرة، تحقيق أ. د. رفعت فوزي عبد المطلب. وانظر: خصائص المسند لأبي موسى المديني \"ص٢٢\" في مقدمة الجزء الأول من المسند، تحقيق الشيخ أحمد شاكر.","vol":"1","page":404},{"text":"ذلك، وقد تجلت عناية علماء الأمة به من خلال حرصهم على سماعه، وقراءته، وحفظه، وشرح غريبه، واختصاره، وترتيبه.\nقال الحافظ أبو موسى المديني: إن مما أنعم الله علينا أن رزقنا سماع كتاب \"المسند\" للإمام الكبير إمام الدين أبي عبد الله أحمد١.\nويصور الحافظ أبو موسى ما كان يجده المحدث في نفسه من غبطة وفخر إذا وقع له جزء من أجزاء هذا \"المسند\" فيقول٢: ولعمري إن مَن كان من قبلنا من الحفاظ يتبجحون بجزء واحد يقع لهم من حديث هذا الإمام الكبير.\nويستشهد أبو موسى المديني لقوله هذا بذكر ما قاله أبو محمد المزني -وهو \"بشهادة المديني\" من الحفاظ الكبار المكثرين- لرجل قدم عليه من بغداد كان أقام بها على كتابة الحديث، إذ سأله أبو محمد المزني، وذلك في سنة ست وخمسين وثلاثمائة، عن فائدته ببغداد، وعن باقي إسناد العراق، فقال في جملة ما ذكر: سمعت \"مسند\" أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- من أبي بكر بن مالك في مائة وخمسين جزءًا، فعجب أبو محمد المزني من ذلك، وقال: مائة وخمسون جزءًا من حديث أحمد بن حنبل! كنا ونحن بالعراق إذا رأينا عند شيخ من شيوخنا جزءًا من حديث أحمد بن حنبل قضينا العجب من ذلك، فكيف في هذا الوقت هذا \"المسند\" الجليل!\nثم ذكر المديني كيف أن الحاكم لم يبدأ بتأليف كتابه \"المستدرك على الصحيحين\" إلا بعد أن أقام في بغداد أشهرًا، وسمع جملة \"المسند\" من أبي بكر مالك القطيعي.\nوسئل الشيخ الإمام الحافظ أبو الحسين علي ابن الشيخ الإمام الحافظ الفقيه محمد اليونيني -رحمهما الله تعالى- فيما رواه ابن الجزري٣: أنت تحفظ الكتب\n_________\n١، ٢ خصائص المسند \"ص٢٠\".\n٣ المصعد الأحمد \"ص٣٢\"، مقدمة الجزء الأول للمسند.","vol":"1","page":405},{"text":"الستة؟ فقال: أحفظها وما أحفظها، فقيل له: كيف هذا؟ فقال: أنا أحفظ \"مسند\" أحمد، وما يفوت \"المسند\" من الكتب الستة إلا قليل، أو قال: وما في الكتب هو في \"المسند\" يعني إلا قليل، وأصله في \"المسند\"، فأنا أحفظها بهذا الوجه.\nوفي كشف الظنون: جمع غريبه أبو عمر محمد بن عبد الواحد المعروف بغلام ثعلب في كتاب، وتوفي سنة \"٣٤٥\"، واختصره الشيخ الإمام سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة \"٨٠٥هـ\" خمس وثمانمائة، وعليه تعليقه للسيوطي في إعرابه سماها: الزبرجد، وقد شرح المسند أبو الحسن بن عبد الهادي السندي، نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة \"١١٣٩هـ\" شرحًا كبيرًا نحوًا من خمسين كراسة كبار، واختصره الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي١.\nوقال الحافظ ابن الجزري: أقام الله تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ أبا بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك كترتيب الأطراف، تعب فيه تعبًا كثيرًا، ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير -رحمه الله تعالى- \"ت ٧٧٤هـ\" أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء لا نظير له في العالم وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه قبل أن يكمله كف بصره ومات، وقال رحمه الله تعالى: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج ينونص حتى ذهب بصري معه، ولعل الله أن يقيض له من يكمله مع أنه سهل. فإن معجم الطبراني الكبير لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة ﵁.\nواسم هذا الكتاب الذي ألفه ابن كثير \"جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم\n_________\n١ كشف الظنون \"٢/ ٢٦٥\".","vol":"1","page":406},{"text":"سنن\"، ويوجد منه في دار الكتب المصرية ثمانية أجزاء١، وقد رتب المسند على الأبواب بعض الحفاظ الأصبهانيين، وكذا الحافظ ناصر الدين بن رزيق وغيره، ورتبه على حروف المعجم الحافظ أبو بكر محمد بن أبي محمد عبد الله المقدسي الحنبلي٢، وقد رتب المسند على الأبواب ترتيبًا متقنًا مهذبًا الشيخ المحدث العلامة أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الشهير بالساعاتي، وجعله سبعة أقسام: قسم التوحيد وأصول الدين، وقسم الفقه، وقسم التفسير، وقسم الترغيب، وقسم الترهيب، وقسم التاريخ، وقسم القيامة وأحوال الآخرة، على هذا الترتيب، وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب، وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يدخل فيه جملة فصول، وفي أكثر تراجم الأبواب ما يدل على مغزى أحاديث الباب، وسمى هذا الكتاب \"الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني\"، ثم شرح كتابه هذا وخرج أحاديثه في كتاب آخر سماه \"بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني\" جعله معه.\nويكفي لتعليل هذه العناية الكبرى التي لقيها هذا \"المسند\" أن نذكر ما قاله فيه ابن الجزري٣ حين وصفه فقال: هو كتاب لم يُروَ على وجه الأرض كتاب في الحديث أعلى منه.\n_________\n١ مقدمة الفتح الرباني، وطبع \"جامع المسانيد والسنن\" في بيروت، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع.\n٢ الرسالة المستطرفة \"١٥، ١٦\".\n٣ المصعد الأحمد \"ص٢٩، ٣٠\".","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>ابن خزيمة</span>\n...\nالفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري\nكانت السمة الغالبة على علماء هذا القرن وما بعده جمع ما تفرق في كتب السابقين، أو اختصار مصنفاتهم، أو تهذيبها، أو ترتيبها، أو شرحها، أو الجمع بينها.\nكما وجد من بين علماء هذا القرن طائفة كبيرة كان لها دور في تدوين الحديث، وبطريقة استقلالية على نمط التدوين في القرن السابق، ومن هؤلاء:\nابن خزيمة:\nهو: الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري \"٢٢٣-٣١١هـ\".\nيذكر أبو عبد الله الحاكم أن مؤلفات ابن خزيمة تزيد على مائة وأربعين، ولا نعلم في الوقت الحاضر إلا كتاب التوحيد الذي طُبع من قبل، وهذا الجزء المتبقي من صحيحه، وكتاب آخر له باسم: \"شأن الدعاء وتفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ\"، ومن عادة ابن خزيمة أنه يحيل كثيرًا إلى مؤلفاته ويذكرها في ثنايا كتبه، كما هو واضح في كتابيه: التوحيد، وصحيحه:\n١- كتاب الأشربة١.\n٢- كتاب الإمامة٢.\n٣- كتاب الأهوال٣.\n٤- كتاب الإيمان٤.\n٥- كتاب الأيمان والنذور٥.\n٦- كتاب البر والصلة٦.\n_________\n١ التوحيد \"ص٢٣٥\".\n٢ التوحيد \"ص٧٨\"، صحيح ابن خزيمة \"١/ ٢٣١، ٢٦٢، ٢٦٣، ٢٧٦\".\n٣ التوحيد \"١٨٤\".\n٤ التوحيد \"ص٣٨، ١١٧، ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٤٩\"، صحيح ابن خزيمة \"١/ ٢١، ١٦٠\".\n٥ التوحيد \"ص٢٣٢\".\n٦ التوحيد \"٢٣٥\".","vol":"1","page":409},{"text":"٧- كتاب البيوع١.\n٨- كتاب التفسير٢.\n٩- كتاب التوبة٣.\n١٠- كتاب التوكل٤.\n١١- كتاب الجنائز٥.\n١٢- كتاب الجهاد٦.\n١٣- كتاب الدعاء٧.\n١٤- كتاب الدعوات٨.\n١٥- كتاب ذكر نعيم الجنة٩.\n١٦- كتاب ذكر نعيم الآخرة١٠.\n١٧- كتاب الصدقات١١.\n١٨- كتاب الصدقات من كتابه الكبير١٢.\n١٩- كتاب صفة نزول القرآن١٣.\n٢٠- كتاب المختصر من كتاب الصلاة١٤.\n٢١- كتاب الصلاة الكبير١٥.\n٢٢- كتاب الصلاة١٦.\n_________\n١ صحيح ابن خزيمة \"١/ ١٠٥\".\n٢ التوحيد \"ص١٣٤\"، صحيح ابن خزيمة \"١/ ٢٢٦\".\n٣ التوحيد \"ص٥١\".\n٤ التوحيد \"ص٩٧\".\n٥ التوحيد \"ص١٢، ٧٩، ٢٤٢\".\n٦ التوحيد \"ص٢٩، ١٥٣، ٢٣٩\". انظر أيضًا: تذكرة الحفاظ \"٧٢٤\".\n٧ التوحيد \"ص٥، ١٠، ٨٠، ١٠٧\".\n٨ التوحيد \"ص٢٥\".\n٩ التوحيد \"ص٧١\".\n١٠ التوحيد \"ص٢٠٧، ٢٠٨\".\n١١ التوحيد \"ص٤٣\".\n١٢ التوحيد ص١٠٤\"\n١٣ التوحيد \"ص٩٨\".\n١٤ التوحيد \"ص٢٢٧\".\n١٥ التوحيد \"ص٢٠٠، ٢٤٩، ٣١٢\".\n١٦ التوحيد \"ص٢٥، ٧٨، ٢٤٥\".","vol":"1","page":410},{"text":"٢٣- كتاب الصيام١.\n٢٤- كتاب الطب والرقى٢.\n٢٥- كتاب الظهار٣.\n٢٦- كتاب الفتن٤.\n٢٧- كتاب القراءة خلف الإمام٥.\n٢٨- فضل علي بن أبي طالب٦.\n٢٩- كتاب القدر٧.\n٣٠- كتاب الكبير٨.\n٣١- كتاب اللباس٩.\n٣٢- كتاب معاني القرآن١٠.\n٣٣- كتاب المناسك١١.\n٣٤- كتاب الورع١٢.\n٣٥- كتاب الوصايا١٣.\nقال الأعظمي: \"وبعد تقصي أسماء هذه الكتب من كتابي ابن خزيمة يعترضني تساؤل: ترى هل ألَّف ابن خزيمة هذه الكتب، وسماها بهذه الأسماء، وكل منها كتاب مستقل قائم بذاته، أم أنها في الواقع أسماء لأجزاء صغيرة تكوِّن -مجتمعة- كتابًا واحدًا كبيرًا، أم البعض منها كتب كبيرة والبعض الآخر أجزاء من كتاب كبير؟\nولعل الاحتمال الأخير هو الأرجح، والذي دفعنا لهذا أننا نرى أسلوب المحدثين في كتبهم على هذه الشاكلة، كل كتاب منها يشتمل على عديد من الكتب، فمثلًا كتاب صحيح البخاري يشتمل على:\n_________\n١ التوحيد \"ص٩\".\n٢ التوحيد \"ص١٠٩\".\n٣ التوحيد \"ص٣٢، ٨٢\".\n٤ التوحيد \"ص٣٢، ١١٥\".\n٥ انظر: السنن الكبرى للبيهقي \"٢/ ١٧٠\".\n٦ التوحيد \"ص٢٣\".\n٧ التوحيد \"ص٤، ٣٨، ٣٩، ٤٠، ٥٥\".\n٨ صحيح ابن خزيمة \"ص١/ ٢٩٠، ٣٤٢\".\n٩ صحيح ابن خزيمة \"١/ ٣٨٢\".\n١٠ التوحيد \"ص١٨٥، ١٩٩، ٢٣٨\"، صحيح ابن خزيمة \"١/ ٢٤٩، ٢٥١\".\n١١ التوحيد \"ص١٥٤\".\n١٢ التوحيد \"ص٢٣٢\".\n١٣ التوحيد \"ص١٣\".","vol":"1","page":411},{"text":"١- كتاب الإيمان.\n٢- كتاب العلم.\n٣- كتاب الوضوء.\n٤- كتاب الغسل.\n٥- كتاب الحيض.\n٦- كتاب التيمم.\n٧- كتاب الصلاة.\nوهلم جرًّا، وابن خزيمة لا بد أنه سلك هذا الطريق، ويتقوى هذا الظن بمقارنة كتاباته بعضها ببعض، فمثلًا:\n١- يقول ابن خزيمة في كتاب التوحيد \"ص٤٢\": \" ... عن سعيد بن يسار أبي الحباب أنه سمع أبا هريرة بهذا الحديث موقوفًا ... خرجت هذا الباب في كتاب الصدقات أول باب من أبواب صدقة التطوع\".\nوالحديث المذكور أعلاه نجده في الورقة \"٢٤٦ب\" من صحيح ابن خزيمة، جماع أبواب صدقة التطوع، باب في فضل الصدقة.\n٢- ذكر ابن خزمية في كتاب التوحيد \"ص٧٨\" شهود الملائكة صلاة العصر وصلاة الفجر، فقال: \"خرجت هذا الباب بتمامه في كتاب الصلاة وكتاب الإمامة\".\nوالحديث المشار إليه موجود بتمامه في كتاب الصلاة من صحيح ابن خزيمة، الحديث رقم \"٣٢١، ٣٢٢\"، وأشار إلى هذا الحديث في كتاب الإمامة، فقال: \"أمليت في أول كتاب الصلاة\".\n٣- وفي كتاب التوحيد \"ص٩\"، ذكر حديثًا في فضائل الصيام، وقال: \"قد أمليت أخبار النبي ﷺ ... بعضه في كتاب الصيام وبعضه في كتاب الجهاد\"، ونجد الحديث ذاته موجودًا في صحيح ابن خزيمة ورقة \"٢١٧ب\".\nإذن من المحتمل أن بعض هذه الكتب التي أوردت أسماءها في قائمة مؤلفات ابن خزيمة أجزاء من كتبه الكبيرة١.\n_________\n١ مقدمة صحيح ابن خزيمة لمحمد مصطفى الأعظمي \"١/ ١٤، ١٥\"، طبع المكتب الإسلامي، بيروت.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الطحاوي:</span>\nهو: أبو جعفر بن أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك، الأزدي، المصري، الطحاوي \"٢٣٩-٣٢١هـ\".\nنشأ في بيت علم وفضل، وكان شافعيًّا، ثم تحول بعد سن العشرين إلى المذهب الحنفي، وكان ذا علم وفقه، عارفًا بالقراءات، واسع المعرفة بطرق الحديث ومتونه وعلله وأحواله ورجاله.\n- من مصنفاته في الحديث وعلومه:\n\"شرح معاني الآثار\": وسبب تأليفه أن بعض أصحاب طلب منه أن يصنف كتابًا في الآثار المأثورة عن رسول الله -ﷺ- في الأحكام التي يتوهم أهل الإلحاد والزندقة أن بعضها ينقض بعضًا لقلة علمهم بناسخها ومنسوخها، فصنف هذا الكتاب وجعله أبوابًا، وذكر في كل باب ما فيه من الناسخ والمنسوخ وتأويل العلماء وشرحه ابن قطلوبغا \"ت ٨٧٩هـ\" في كتاب \"الإيثار برجال معاني الآثار\". وأيضًا شرحه العيني \"ت ٨٥٥هـ\".\nوله أيضًا: \"مشكل الآثار\"، و\"صحيح الآثار\"، و\"سنن الشافعي\"، و\"الرد على كتاب المدلسين\"، و\"جزء في التسوية بين حدثنا وأخبرنا\"، وقد لخصه ابن عبد البر في كتابه \"جامع بيان العلم وفضله\"٢، ونقل العيني بعضها في \"نخب الأفكار\"\n_________\n١ جامع بيان العلم وفضله \"٢/ ١٧٧-١٨٠\" الطبعة الأولى بالمطبعة المنيرية، بمصر.\n٢ نخب الأفكار في تنقيح معاني الآثار \"ق ١/ أ\" مخطوط بدار الكتب تحت رقم \"٥٢٦\" حديث.","vol":"1","page":413},{"text":"عند شرحه لكلمة الآثار في أول الكتاب١، و\"شرح الآثار\" لمحمد بن الحسن، الذي ذكر فيه ما رُوي عن أبي حنيفة من الآثار، و\"المشكاة\".\n_________\n١ كشف الظنون \"٢/ ١٨٣٠\" وله مصنفات أخرى منها في العقيدة: الرسالة المشهورة المسماة \"عقيدة الطحاوي\" أو \"بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة\"، وكتاب في النحل وأحكامها وصفاتها وأجناسها وما ورد فيها من خبر، \"في نحو أربعين جزءًا\". وله في القرآن: \"أحكام القرآن\" \"في نحو عشرين جزءًا\"، ونقل صاحب كشف الظنون عن القاضي عياض في الإكمال أن للطحاوي نوادر في القرآن \"في نحو ألف ورقة\"، ولعل \"أحكام القرآن\" و\"نوادر القرآن\"، و\"تفسير القرآن\" له، لعلها جميعًا أسماء لكتاب واحد.\nوله في الفقه: \"المختصر الكبير\" في الفروع، و\"المختصر الصغير\" في الفروع، و\"اختلاف العلماء\"، و\"الشروط الكبير\" و\"الشروط الأوسط\" و\"الشروط الصغير\" أو \"مختصر الشروط\" و\"شرح الجامع الكبير لمحمد بن الحسن\"، و\"شرح الجامع الصغير\" له أيضًا، و\"النوادر الفقهية\" \"في عشرة أجزاء\"، وجزء في \"حكم أرض مكة\"، وجزء في \"قسم الفيء والغنائم\"، وجزء في \"الرزية\" وجزآن في \"الرد على عيسى بن آبان\"، وجزآن في \"اختلاف الروايات على مذهب الكوفيين\"، وكتاب \"الأشربة\"، و\"المحاضر والسجلات\"، و\"الوصايا والفرائض\"، والخطابات\" في الفروع.\nوله في التاريخ \"التاريخ الكبير\"، و\"أخبار أبي حنيفة وأصحابه\"، أو \"مناقب أبي حنيفة\"، و\"النوادر والحكايات\" \"في نحو عشرين جزءًا\" و\"الرد على أبي عبيد فيما أخطأ فيه في كتاب الأنساب\".\nفهذه هي مصنفات العلامة الطحاوي كما أحصاها المؤرخون، وهي تربو على الثلاثين كتابًا، وللأسف لم يطبع منها إلا القليل.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الدارقطني:</span>\nهو: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ \"ت ٣٨٥هـ\" إمام عصره في الجرح والتعديل، وحسن التأليف، واتساع الرواية.\n- ومن مصنفاته١:\n١- \"الإلزامات على صحيحي البخاري ومسلم\" جمع فيه ما وجده على شرط الشيخين من أحاديث لم يذكرها الشيخان، وألزمهما ذكرها، ورتبه على المسانيد \"مطبوع في مجلد لطيف مع كتابه التالي\" وهو:\n٢- التتبع: انتقد فيه عليهما أحاديث رأى خروجها على شرطيهما، وفي تتبعه على الشيخين نظر، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في هدى الساري، والإمام النووي في شرح صحيح مسلم.\n٣- العلل \"طبع بعضه\".\n٤- السنن: \"وهو مطبوع أكثر من طبعة، وصنيعه فيه يدل على تمكنه من الفقه ومعرفته بالاختلاف في الأحكام.\n٥- الغرائب والأفراد \"مخطوط\".\n٦- أحاديث الصفات، أو الصفات \"مطبوع\".\n٧- أحاديث النزول \"مطبوع\".\n٨- كتاب الأسخياء \"مخطوط\".\n٩- \"عشرون حديثًا من كتاب الصفات\".\n١٠- كتاب الرؤيا \"مطبوع\".\n_________\n١ راجع مصنفات الدارقطني في تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين \"١/ ٥١١-٥١٥\"، وكشف الظنون لحاجي خليفة \"٥٥\".","vol":"1","page":415},{"text":"١١- كتاب غريب الحديث.\n١٢- كتاب الفوائد المنتقاة الحسان لابن معروف.\n١٣- كتاب الفوائد المنتخبة أو المنتقاة.\n١٤- كتاب الفوائد المنتقاة من الغرائب الحسان.\n١٥- ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته من الثقات عند البخاري.\n١٦- أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عند مسلم \"مطبوع\".\n١٧- كتاب أسماء الصحابة التي اتفق فيها البخاري ومسلم، وما انفرد به أحدهما عن الآخر.\n١٨- كتاب رجال البخاري ومسلم.\n١٩- \"بيان ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وما انفرد به أحدهما عن الآخر\" رسالة صغيرة.\n٢٠- ذكر قوم أخرج لهم البخاري ومسلم في صحيحهما، وضعفهم النسائي في كتاب الضعفاء.\n٢١- المؤتلف والمختلف \"مطبوع\".\n٢٢- الأحاديث التي خُولف فيها الإمام مالك.\n٢٣- سؤالات أبي ذر عبد بن أحمد الهروي للدارقطني.\n٢٤- سؤالات الحاكم النيسابوري للدارقطني \"مطبوع\".\n٢٥- سؤالات عبد الغني بن سعيد الأزدي له.\n٢٦- سؤالات حمزة بن يوسف السهمي له \"مطبوع\".","vol":"1","page":416},{"text":"٢٧- سؤالات أبي نعيم له \"مخطوط بدار الكتب المصرية\".\n٢٨- السؤالات لأبي عبد الرحمن السلمي له.\n٢٩- أخبار عمرو بن عبيد.\n٣٠- كتاب في بيان نزول الجبار كل ليلة في رمضان، وليلة النصف من شعبان، ويوم عرفات إلى السماء الدنيا.\n٣١- \"الإخوة والأخوات\" \"مطبوع\".\n٣٢- كتاب فيه أربعون حديثًا من مسند بريد بن عبد الله بن أبي بردة.\n٣٣- الأحاديث الرباعيات.\n٣٤- تصحيف المحدثين، ذكره ابن خير الإشبيلي في فهرسة ما رواه عن شيوخه \"ص٤٨١\".\n٣٥- الْمُدَبَّج\" في المصدر السابق.\n٣٦- \"الجهر بالبسملة في الصلاة\" أشار إليه الفخر الرازي في كتابه أحكام البسملة، والسيوطي في تدريب الراوي \"١/ ٣٣٦\".\n٣٧- حديث أبي إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي النيسابوري عن شيوخه.\n٣٨- المستجاد من الحديث.\n٣٩- الضعفاء والمتروكين \"مطبوع\".\n٤٠- الجرح والتعديل، نسبه له ابن حجر في التهذيب \"٢/ ١٤\"، \"٥/ ٢٦٧، ٢٦٨\".\n٤١- غرائب مالك، ذكره ابن حجر في لسان الميزان \"٤/ ٦٠، ٧٧\".\n٤٢- الذيل على التاريخ الكبير للبخاري، ذكره السخاوي في \"الإعلان بالتوبيخ\" \"ص٢٢٠، ٢٢٢\".","vol":"1","page":417},{"text":"٤٣- ذكر من روى عن الشافعي، ذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء \"ص١٠٣\"١.\nفالدارقطني بهذه المصنفات القيمة المكتبة الإسلامية، وأثرى جانب الحديث خاصة فيها.\n_________\n١ وله أيضًا: \"فضائل الصحابة ومناقبهم\"، و\"القراءات\"، ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد \"١٢/ ٣٤\"، وقال عنه: سمعت بعض من يعتني بعلوم القرآن يقول: \"لم يسبق أبو الحسن إلى طريقته التي سلكها في عقد الأبواب المقدمة من أول القراءات، وصار القراء بعده يسلكون طريقته في تصانيفهم، ويحذون حذوه\".\nفالدارقطني -كما قال ابن الجوزي- \"اجتمع له -مع معرفة الحديث- العلم بالقراءات، والنحو، والفقه، والشعر، مع الأمانة، والعدالة، وصحة العقيدة\" \"التاريخ لابن كثير ١١/ ٣١٧\".","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>الطبراني:</span>\nهو: أبو القاسم سليمان بن أحمد \"ت ٣٦٠هـ\"، إمام كبير، وحافظ جليل، واسع الرواية، كثير الشيوخ.\n- من مصنفاته: المعاجم الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير \"مطبوعة\".\nالمعجم الكبير: جمع فيه مسانيد الصحابة مرتبين على حروف المعجم، ما عدا مسند أبي هريرة، فإنه أفرده في مصنف، يقال: جمع فيه \"٥٢٠.٠٠٠\" خمسمائة وعشرين ألف حديث، وإذا أُطلق المعجم في كلام العلماء فالكبير هو المراد.\nالمعجم الأوسط: صنفه مرتبًا على أسماء شيوخه، وبلغوا نحو ألفي رجل، فأتى عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، ويقال: فيه ثلاثين ألف حديث، وقد تعب في تصنيفه جدًّا، فكان يقول: \"هذا الكتاب روحي\".\nقال الذهبي: \"وفيه كل نفيس: عزيز ومنكر\".\nالمعجم الصغير: جمع فيه نحو ألف وخمسمائة حديث عن ألف شيخ.\n- ومن مصنفاته أيضًا:\nكتاب الدعاء\" \"مطبوع\".\nكتاب \"السنة\".\nكتاب \"حديث الشاميين\" \"مطبوع\".\nكتاب \"الطوالات\" \"طبع مع المعجم الكبير\".\nكتاب \"النوادر\".\nكتاب \"مسند سفيان\".","vol":"1","page":419},{"text":"كتاب \"الأوائل\".\nوكتاب في \"التفسير\".\nكتاب \"مسند شعبة\".\nكتاب \"مسند العبادلة\".\nكتاب \"مسند أبي هريرة\".\nكتاب \"أخبار عمر بن عبد العزيز\".\nكتاب \"عشرة النساء\" \"مطبوع\".\nكتاب \"فضل رمضان\".\nكتاب \"الفرائض\".","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>ابن حبان:</span>\nهو: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، أبو حاتم البستي التميمي الحافظ \"ت ٣٥٤هـ\".\nقال فيه الحاكم: \"كان من أوعية العلم، والفقه، والحديث، واللغة، والوعظ، من عقلاء الرجال\".\nوقال ابن السمعاني: إمام عصره، رحل فيما بين الشاش والإسكندرية.\n- ومن مصنفاته المطبوعة:\nالمسند الصحيح: واسمه الكامل كما سماه ابن حبان: \"المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قَطْع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها\".\nقال الخطيب البغدادي: كان ثقة نبيلًا، وله التصانيف الكثيرة منها: المسند الصحيح المسمى: الأنواع والتقاسيم، قال فيه: لعلنا كتبنا عن ألف شيخ ما بين الشاش والإسكندرية.\nوكتابه هذا على ترتيب مخترع، فلا هو على الأبواب، ولا هو على المسانيد، رتَّبه على خمسة أقسام؛ وهي: الأوامر، والنواهي، والأخبار، والإباحات، وأفعال النبي -ﷺ- ونوَّع كل واحد من هذه الخمسة إلى أنواع؛ لذا كان الكشف في كتابه عسيرًا جدًّا.\nوقد رتبه بعض المتأخرين؛ وهو: علاء الدين علي بن بَلْبَاز الفارسي المتوفَّى سنة \"٩٣٧هـ\" على الأبواب، وسماه: \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\".\nقالوا: وأصح مَن صنَّف في الصحيح المجرد بعد الشيخين ابن خزيمة فابن حبان، وقد نسبوا إليه التساهل في التصحيح، إلا أن تساهله أقل من تساهل الحاكم. قال الحازم: \"ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم\"١.\n_________\n١ وانظر هذه المسألة بالتوضيح في: طبقات الشافعية \"٢/ ١٤١\"، لسان الميزان \"٥/ ١١٢ وما بعدها\"، توجيه النظر \"ص١٤٠، ٣٢٥\"، الرسالة المستطرفة \"ص١٦ وما بعدها\".","vol":"1","page":421},{"text":"ومن مصنفاته المطبوعة أيضًا:\n\"مشاهير علماء الأمصار\"، و\"الثقات\"، و\"معرفة المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين\"، و\"روضة العقلاء ونزهة الفضلاء\".\nوقال شعيب الأرناءوط في مقدمته لكتاب \"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان\" للأمير علاء الدين علي بن بلباز الفارسي \"ت ٧٣٩هـ\" طبع مؤسسة الرسالة \"١/ ٢٨، ٢٩\":\n\"إن الناظر في تآليف ابن حبان يجد أنه لم يكن حاطب ليل، ولا ناقلًا للنصوص من هنا وهناك لجمعها في مكان واحد فحسب؛ وإنما يلحظ من خلال تآليفه عقلًا محققًا، وفكرًا عميقًا، ونظرًا ثاقبًا، كان يشبع المسائل بحثًا وتمحيصًا، ودراسة واستقصاء واستنباطًا، وتصانيفه تشهد على تلك الحدود العظيمة، والمعاناة الشديدة التي بذلها لإخراج مصنفاته تنبض بالأصالة والإبداع، وهذا ما دعا ياقوت إلى القول كما سبق: أخرج من علوم الحديث ما عَجَزَ عنه غيره، وشهد بذلك أيضًا تلميذه الحاكم، فقال: صنَّف فخرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبق إليه\".","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>ابن السكن:</span>\nأبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن، البغدادي، نزيل مصر، والمتوفَّى بها \"٣٥٣ هـ\"، حافظ كبير، وأحد الأئمة، سمع بالعراق، والشام، والجزيرة، وخراسان، وما رواء النهر، وكان ثقة حجة، تُوفي عن تسع وخمسين سنة.\n- من مصنفاته:\n\"الصحيح المنتقى\"، ويُسمى أيضًا: \"السنن الصحاح المأثورة عن النبي ﷺ\"، ألفه على الأبواب الفقهية، وضمنه ما صح عنده من السنن المأثورة مع حذف الأسانيد قال: وما ذكرته في كتابي هذا مجملًا فهو مما أجمعوا على صحته، وما ذكرته بعد ذلك -مما يختاره أحد من الأئمة الذين سميتهم- فقد بينت حجته في قبول ما ذكره، ونسبته إلى اختياره دون غيره، وما ذكرته مما ينفرد به أحد من أهل النقل للحديث بينت علته، ودللت على انفراده دون غيره١.\n_________\n١ كشف الظنون \"١/ ٥١٠\"، الرسالة المستطرفة \"ص٢٠، ٢١\".","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الحاكم النيسابوري \"٣٢١-٤٠٥ه</span>ـ\":\nهو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد، المعروف بالحاكم النيسابوري، أحد الحفاظ الكبار المعدودين، برع في معرفة الحديث وفنونه وصنف التصانيف الكبيرة، وهو ثقة حجة.\n- من مصنفاته:\nالمستدرك على الصحيحين، والعلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات، ومعرفة علوم الحديث، وغيرها من المصنفات التي بلغت \"١٥٠٠\" ألفًا وخمسمائة جزء١.\n_________\n١ تاريخ ابن كثير \"١١/ ٣٥٥\"، مفتاح السُّنَّة \"ص٧١\".","vol":"1","page":423},{"text":"- وأحاديثه في \"المستدرك على الصحيحين\" على قسمين:\nق٠.\nسم أودع فيه الأحاديث التي رأى أنها على شرط الشيخين، أو أحدهما، ولم يخرجاه، وقسم أودع فيه الأحاديث التي يرى أنها صحيحة الإسناد.\nفأما القسم الأول: فهو الذي يقول فيه: \"صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، أو \"صحيح على شرط البخاري \"أو مسلم\" ولم يخرجاه\".\nوأما القسم الثاني: فهو الذي يقول فيه: \"صحيح الإسناد\"، دون أن يذكر أنه على شرطهما، أو على شرط أحدهما، وقد يورد في القسم الثاني ما لم يصح عنده منبهًا عليه.\nوقد عرف الحاكم بالتساهل في الحكم على الأسانيد؛ ولذا لخص الذهبي \"ت ٧٤٨هـ\" المستدرك، وتعقبه في العديد من أحاديثه، وبيَّن أسباب ضعفها؛ ولكنه وافقه في التصحيح على معظمه.\nوزعم أبو سعد الماليني بأنه ليس في المستدرك حديث على شرط الشيخين، وهذا زعم باطل، رد عليه الحافظ الذهبي مبينًا أن في المستدرك جملة كبيرة من الأحاديث على شرط الشيخين، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ويبلغ مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وبقي الربع الأخير الذي فيه المناكير والواهيات، وما حكم عليه بعضهم بالوضع \"مثل ابن الجوزي الذي ذكر في الموضوعات نحو ستين حديثًا\".\nوقد اعتذر الحافظ ابن حجر العسقلاني عن التساهل الواقع في مستدرك الحاكم فقال: إنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه، فعاجلته المنية، ولم يتيسر له تحريره وتنقيحه قال: وقد وجدت قريبًا من نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك: \"إلى هنا انتهى إملاء الحاكم\"١.\n_________\n١ نقلًا عن تدريب الراوي \"١/ ١٣٢\" طبع مؤسسة الرسالة، بيروت.","vol":"1","page":424},{"text":"ثم قال -أي الحافظ ابن حجر: \"وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا طريق الإجازة\" ... ثم قال: \"والتساهل على قدر المملي قليل جدًّا بالنسبة إلى ما بعده\"١.\nوقد علل السخاوي وجود الأحاديث الضعيفة، وعدة موضوعات في المستدرك، بأن الذي حمل الحاكم على ذلك تعصبه لما رُمي به من التشيع، وقد يكون السبب أنه صنفه في أواخر عمره، وحُكي أنه حصل للحاكم تغير في آخر عمره، وأصابته غفلة أثناء تأليفه المستدرك٢.\nوأرى أن الأحاديث التي صححها الحاكم ووافقه على تصحيحها الحافظ الذهبي صحيحة؛ لأن الحاكم إمام في الحديث له مكانته التي لا يعترض عليها معتدل، وكون الذهبي يوافقه على التصحيح، فهذا يجعلنا نطمئن إلى صحة الحديث الذي يوافقه على تصحيحه، ويؤكد لنا الحاكم أنه لم يكن متساهلًا فيه، خاصة وأن الذهبي حجة في هذا الباب، فإن وجد حديث صححه الحاكم، وسكت عنه الذهبي، ولم نجد إمامًا وافق الحاكم على تصحيحه، \"إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به؛ إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه\" كما قال الحافظ ابن الصلاح٣؛ وذلك لأن إمامة الحاكم في علوم الحديث -مع عدم تعقب الحافظ الذهبي عليه بالتضعيف- كفيل بقبول الحديث، خاصة إذا كان هذا الحديث لم يتناوله أحد من الأئمة المعتمدين في الحكم على الحديث الشريف، أما صنيع المنتسبين لعلوم الحديث من المتأخرين فلا يلتفت إليهم، ولا يؤخذ بأحكامهم؛ لضعفهم وقلة تخصصهم وعدم خبرتهم وسوء فهمهم من جهة، ولتسرعهم في الأحكام من جهة أخرى٤.\n_________\n١ المصدر السابق \"١/ ١٣٢\".\n٢ راجع: فتح المغيث \"١/ ٤٠، ٤١\"، مكتبة السنة بالقاهرة - الطبعة الأولى \"١٤١٥هـ-١٩٩٥م\".\n٣ راجع: المقدمة \"ص١١\" في النوع الأول.\n٤ كما صنع الألباني وأمثاله في التجني على المئات الأحاديث النبوية الشريفة.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى السقوط الخلافة العباسية [من عام \"٤٠٠هـ\" حتى عام \"٦٥٦ه</span>ـ\"]\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الجمع بين الصحيحين</span>\n...\nالفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس إلى سقوط الخلافة العباسية \"من عام ٤٠٠هـ حتى عام ٦٥٦هـ\"\nكان القرن الرابع امتدادًا للقرن الثالث من حيث وجود الأئمة والحفاظ الذين كانوا في علوم السُّنة، والذين كانوا يدونون كتبهم من محفوظاتهم ومسموعاتهم عن شيوخهم.\nوبمطلع القرن الخامس أصبح العمل قاصرًا على الجمع، أو الترتيب، أو التهذيب لكتب السابقين، ومن ذلك:\nأ- الجمع بين الصحيحين:\nام بعض العلماء بالجمع بين أحاديث صحيحي البخاري ومسلم في مصنف واحد، ومن العلماء الذين جمعوا بينهما:\n١- إسماعيل بن أحمد، المعروف بابن الفرات \"ت ٤١٤هـ\".\n٢- محمد بن نصر الحميدي الأندلسي \"ت ٤٨٨هـ\". ويقال: إنه زاد عليهما زيادات.\n٣- الحسين بن مسعود البغوي \"ت ٥١٦هـ\".\n٤- محمد بن عبد الحق الإشبيلي \"ت ٥٨٢هـ\".\n٥- أحمد بن محمد القرطبي المعروف بابن أبي حجة \"ت ٦٤٢هـ\".","vol":"1","page":427},{"text":"ب-<span data-type=\"title\" id=toc-72> الجمع بين الكتب الستة </span>\"الصحيحين، والموطأ، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي\":\n١- جمع بينها أحمد بن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي \"ت ٥٣٥هـ\" في كتابه \"تجريد الصحاح\"، لكنه لم يحسن في ترتيبه وتهذيبه، وترك بعضًا من حديث الستة، ولما جاء أبو السعادات المبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي \"٥٤٤ -٦٠٦ هـ\" هذب كتابه، ورتب أبوابه، وأضاف إليه ما\nفاته من الأصول، وشرح غريبه، وبيَّن مشكل إعرابه، وخفيَّ المعنى وحذف أسانيده، ولم يذكر إلا راوي الحديث من صحابي أو تابعي، كما ذكر المخرج له من الستة، ولم يذكر من أقوال التابعين إلا النادر، ورتب أبوابه على حروف المعجم وسماه: \"جامع الأصول لأحاديث الرسول\"١، فجاء كتابًا عظيمًا سهل العسير وقرب البعيد، وهو بدار الكتب المصرية في عشرة أجزاء متوسطة.\nوقام بتحقيقه وعزو أحاديثه عبد القادر الأرناءوط، صدر عن دار الفكر ببيروت في أحد عشر مجلدًا بفهارسه.\n٢- وجمع بينها أيضًا عبد الحق بن عبد الرحمن الإشبيلي، والمعروف بابن الخراط \"ت ٥٨٢هـ\".\n_________\n١ اختصر جامع الأصول كثير من العلماء منهم محمد بن نصر المروزي \"ت ٦٨٢هـ\"، وهبة الله بن عبد الرحيم الحموي \"ت ٧١٨هـ\"، وعبد الرحمن بن علي المعروف بابن الدبيع الشيباني الزبيدي \"ت ٩٤٤هـ\"، وكتابه أحسن المختصرات، وهو مطبوع بمصر.","vol":"1","page":427},{"text":"ج-<span data-type=\"title\" id=toc-73> الجمع بين أحاديث من كتب مختلفة:</span>\n١- \"مصابيح السنة\" للإمام حسين بن مسعود البغوي \"ت ٥١٦هـ\" جمع فيه \"٤٤٨٤\" من الأحاديث الصحاح والحسان، وهو يريد بالصحاح ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وبالحسان ما أخرجه١ أبو داود والترمذي وغيرهما، وما كان فيها من ضعيف أو غريب بيَّنه، ولا يذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، وقد اعتنى العلماء بهذه المصابيح عناية عظيمة، فشرحوها شروحًا كثيرة، وهذبها محمد بن عبد الله الخطيب، وذيل أبوابها، فذكر الصحابي الذي روى الحديث والكتاب الذي أخرجه، وزاد على كل باب من الصحاح والحسان فصلًا ثالثًا عدا بعض الأبواب، وكان ذلك سنة \"٧٣٧هـ\"، وسمى كتابه هذا \"مشكاة المصابيح\"، وقد شرح المشكاة كثيرون منهم القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي سنة \"٦٨٥هـ\".\n_________\n١ هذا اصطلاح خاص به، وإلا ففي السنن الصحيح والحسن والضعيف. انظر: كشف الظنون \"٢/ ٢٧٢\".","vol":"1","page":428},{"text":"٢- جامع المسانيد والألقاب، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي \"ت ٥٩٧هـ\" جمع فيه بين الصحيحين، ومسند أحمد، وجامع الترمذي، وقد رتبه العباس أحمد بن عبد الله المكي المعروف بالمحب الطبري \"ت ٩٦٤هـ\"١.\n٣ - \"بحر الأسانيد\" للإمام الحافظ الحسن بن أحمد السمرقندي \"ت ٤٩١هـ\" فيه مائة ألف حديث رتبة وهذبه، ويقال: إنه لم يقع في الإسلام مثله٢.\n_________\n١ المصدر السابق \"١/ ٢٩٥\".\n٢ المصدر السابق \"١/ ١٤٤\".","vol":"1","page":429},{"text":"د-<span data-type=\"title\" id=toc-74> كتب منتقاة في أحاديث الأحكام والمواعظ، ومنها:</span>\n١- كتاب \"منتقى الأخبار في الأحكام\": للحافظ مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، المعروف بابن تيمية، الحنبلي، في سنة \"٦٥٢هـ\"، انتقاه من: صحيحي البخاري، ومسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، والسنن للنسائي، وأبي داود، وابن ماجه، واستغنى بالعزو إلى هذه الكتب عن الإطالة بذكر الأسانيد، وهو كتاب جليل الفائدة لولا إطلاقه العزو إلى الأئمة دون بيان درجة الحديث.\nوقد بيَّن ذلك محدث اليمن محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة \"١٢٥٠هـ\" في كتابه \"نيل الأوطار\" الذي شرح به منتقى الأخبار، وهو مطبوع بمصر في ثمانية أجزاء.\n٢- السنن الكبرى للبيهقي: أحمد بن حسين المتوفَّى سنة \"٤٥٨هـ\"، وهو مطبوع أكثر من طبعة، في عشرة مجلدات، وزيد في بعض الطبعات مجلد للفهارس.\nقال ابن الصلاح: ما تم كتاب في السُّنة أجمع للأدلة من كتاب \"السنن الكبرى\" للبيهقي، وكأنه لم يترك في سائر أقطار الأرض حديثًا إلا وقد وضعه في كتابه، وقد طبع في الهند، وعمل له في آخره فهرس بأسماء الصحابة والتابعين","vol":"1","page":429},{"text":"ومسانيدهم ومروياتهم، وللبيهقي أيضًا السنن الصغري، قيل: إنه لم يصنف في الإسلام مثلها \"مطبوع حديثًا في أربعة مجلدات\"١.\n٣- الأحكام الصغرى: للحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي، المعروف بابن الخراط \"ت ٥٨٢هـ\" قال فيها: \"جمعت في هذا الكتاب متفرقًا من حديث رسول الله -ﷺ- في لوازم الشرع وأحكامه وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترغيب أخرجتها من كتب الأئمة وهداة الأمة، أبو عبيد الله مالك بن أنس، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، وبقية الكتب الستة، وفيها أحاديث من كتب أخرى\"٢.\n٤- عمدة الأحكام: للإمام الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد، المقدسي، الدمشقي، المتوفى سنة \"٦٠٠هـ\" جمع فيها أحاديث الأحكام التي اتفق عليها البخاري ومسلم، وقد شرحها شرحًا وسطًا ابن دقيق العيد، وقد طبعت بمصر مع الشرح في أربعة أجزاء صغيرة.\n٥- الترغيب والترهيب: للحافظ الحجة عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، المنذري، المتوفى سنة \"٦٥٦هـ\"، وهو من أحسن الكتب في جمع الحديث،\n_________\n١ ومن مصنفات البيهقي أيضًا: \"معرفة السنن والآثار\" \"مطبوع في سبعة مجلدات\"، و\"القراءة خلف الإمام\" \"مطبوع في جزء\"، و\"الأسماء والصفات\" \"مطبوع في مجلدين\"، و\"المعتقد\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"الزهد\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"الخلافيات\" \"مطبوع في ثلاثة مجلدات\"، و\"نصوص الشافعي\" \"مطبوع في مجلدين\"، و\"البعث\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"الترغيب والترهيب\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"الدعوات\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"دلائل النبوة\" \"مطبوع في أربعة مجلدات\"، و\"شعب الإيمان\" \"مطبوع في مجلدين، وطبعته دار الكتب العلمية في تسع مجلدات، منها اثنان للفهارس\"، و\"المدخل إلى السنة\" \"مطبوع في مجلد، وطبعته دار الكتب العلمية في تسع مجلدات، منها اثنان للفهارس\"، و\"المدخل إلى السنة\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"الآداب\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"فضائل الأوقات\" \"مطبوع في مجلد صغير\"، و\"الأربعين الكبرى\" \"مطبوع في مجلد صغير\"، و\"الأربعين الصغرى\" و\"الرؤية\" \"جزء مطبوع\"، و\"مناقب الشافعي\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"مناقب أحمد\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"فضائل الصحابة\" \"مطبوع في مجلد\"، و\"المبسوط في الفروع الشافعية\" \"مطبوع في عشرين مجلدًا\".\n٢ كشف الظنون \"١/ ٤٥\".","vol":"1","page":430},{"text":"هـ-<span data-type=\"title\" id=toc-75> كتب الأطراف:</span>\nاهتم بعض العلماء بعمل ما يُسمى بكتب الأطراف، وطريقتهم فيها أن يذكروا طرفًا من الحديث يدل على بقيته، ثم هم يجمعون أسانيده إما على وجه الاستيعاب، وإما مقيدة بكتب مخصوصة، ومن هذه الكتب:\n١- أطراف الصحيحين: للحافظ إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي، المتوفى سنة \"٤٠٠هـ\".\n٢- وأطراف الصحيحين: لأبي محمد خلف بن محمد الواسطي سنة \"٤٠١هـ\"، قال الحافظ ابن عساكر: وكتاب خلف أحسنهما ترتيبًا ورسمًا وأقلهما خطأ ووهمًا، ويوجد بدار الكتب المصرية في أربعة مجلدات.\n٣- وأطرافهما أيضًا لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني سنة \"٤٣٠هـ\".\n٤- أطراف السنن الأربعة: لأبي القاسم علي بن الحسن، المعروف بابن عساكر الدمشقي \"٥٧١هـ\" في ثلاثة مجلدات مرتبًا على حروف المعجم، واسمه \"الأشراف على معرفة الأطراف\".\n٥- أطراف الكتبة الستة١: لمحمد بن طاهر المقدسي \"ت ٥٠٧هـ\"، ولكثرة أوهامه وترتيبه المختل، لخصه الحافظ شمس الدين محمد بن علي بن الحسين الحسيني الدمشقي \"٧٦٥هـ\"، ورتبه أحسن ترتيب٢.\n_________\n١ وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه.\n٢ كشف الظنون \"١/ ٨٥، ٩٢\".","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>الفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الأول: السنة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١ ه</span>ـ\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>مدخل</span>\n...\nالفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية إلى عصرنا الحاضر\nوفيه خمسة مباحث:\nالمبحث الأول: السُّنَّة من عام ٦٥٦هـ حتى عام ٩١١هـ ـ\nبعد سقوط الخلافة العباسية على أيدي التتار سنة \"٦٥٦هـ\"، وبعد هزيمة التتار على أيدي المصريين في \"عين جالوت\" أصبحت القاهرة عاصمة الخلافة العباسية، وإن كانت السلطة الحقيقة في أيدي المماليك، وقبل نهاية القرن السابع الهجري أصبح الأتراك مسيطرين على جميع المماليك الإسلامية ما عدا البلاد المغربية التي كانت تخضع لبرابرة المغرب، وفي مستهل القرن الثامن الهجري بدأ ظهور العثمانيين في آسيا الصغرى \"وتشمل تركيا الآن\"، وأخذت الدولة العثمانية تتسع رقعتها وتستولي على ما جاورها من الممالك والدويلات حتى فتحوا القسطنطينية في منتصف القرن التاسع الهجري، واتخذوها عاصمة لهم، ثم فتحوا مصر، وأزالوا الخلافة العباسية، ولقبوا ملوكهم بالخلفاء، ومن هذا الوقت انتقلت الخلافة الإسلامية إلى القسطنطينية، وأصبحت مصر ولاية عثمانية، فضاع مركزها السياسي والعلمي.\nوسقطت دولة الأندلس، وانطفأ نور الإسلام في هذه البلاد بعد أن مكث بها نحوًا من ثمانية قرون.\nثم أخذت دول أوربا الغاشمة تعمل جهدها على إضعاف المسلمين منتهزة غفلتهم واختلافهم، فأوقعت بينهم الفتنة حتى مزقت شمل الدولة الإسلامية، وقضت على الخلافة العثمانية، وعبثوا بحقوق المسلمين، وحجروا عليهم واستعبدوهم.\nوانعدمت الرحلة بين العلماء، وانقطع الاتصال العلمي بين سكان البلدان الإسلامية المختلفة بعدما كانت مثابة للناس وآمنًا -وخاصة العلماء- لنشر الدين، واللُّقْيَا، والاستفادة العلمية. وفيما يلي توضيح لمنهج العلماء وطريقتهم في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>أولًا: منهج العلماء في خدمة السُّنَّة في هذه الفترة:</span>\nنتيجة للأحداث التاريخية الخطيرة التي مرت بها الأمة الإسلامية خلال هذه الفترة، ضعفت همم العلماء عن الرحلة إلى الأقطار، فانقرضت الرواية الشفاهية، وحل محلها الإجازة والمكاتبة، اللهم إلا على أيدي أفراد قلائل جدًّا كانوا يرحلون إلى الأقطار، ويجلسون للإملاء، ويكتب عنهم أتباعهم وتلاميذهم الأمالي، ومن هؤلاء:\n- الإمام الكبير أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي الأثري \"٧٢٥-٨٠٦هـ\" حافظ العصر، وصاحب المصنفات النفيسة في الحديث الشريف، ومجالسه للإملاء تزيد على أربعمائة مجلس، قال تلميذه ابن حجر: \"شرع في إملاء الحديث من سنة \"٧٩٦هـ\" فأحيا الله به السُّنَّة بعد أن كانت داثرة، فأملَى أكثر من أربعمائة مجلس غالبها من حفظه متقنة، مهذبة، محررة، كثيرة الفوائد الحديثية\".\nومن مصنفاته: \"المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار\" \"مطبوع\"، و\"إكمال شرح الترمذي\" لابن سيد الناس، و\"طرح التثريب في شرح التقريب\" أكمله بعده ولده ولي الدين العراقي \"مطبوع\"، و\"التقييد والإيضاح\" مطبوع\"، و\"ألفية الحديث وشرحها\" \"مطبوع\"، و\"المستخرج على المستدرك للحاكم\" \"مطبوع\"، وغيرها.","vol":"1","page":434},{"text":"- ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني:\nوهو: شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن حجر الكناني، العسقلاني، أبو الفضل \"ولد بمصر ٧٧٣هـ\"، ونشأ يتيمًا حيث توفي أبوه سنة \"٧٧٩هـ\" في رجب، واهتم أولًا بالأدب والشعر حتى بلغ فيه الغاية، ثم طلب الحديث سنة \"٧٩٤هـ\" فسمع ورحل، وبرع في الحديث، ولقد لازم في الحديث شيخه أبا الفضل العراقي، ولازم في الفقه والعربية شيخه الشمس بن القطان، ولازم في الفقه: الإبناسي، والبلقيني، وابن الملقن.\nواجتهد في حفظ الحديث الشريف ومعرفة العلل حتى صار سيد الحفاظ والمحدثين والمحققين، قال عنه الإمام السيوطي: \"وختم به الفن\"، وقال غيره: انتهت إليه الرحلة والرياسة في الحديث في الدنيا بأجمعها، فلم يكن في عصره حافظ سواه، ألف كتبًا كثيرة، وأملى أكثر من ألف مجلس، وأملى في خانقاه بيبرس نحوًا من عشرين سنة، وباشر القضاء في مصر في عهد الملك الأشرف.\nوتوفي ليلة السبت الموافق الثامن والعشرين من ذي الحجة، سنة \"٨٥٢هـ\"، وله تصانيف جمة وكلها نفيسة؛ لأهميتها الكبيرة وفائدتها العظيمة، ومن هذه التصانيف:\n١- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، بدأ تصنيفه سنة \"٨١٧هـ\"، وانتهى منه في أول يوم من رجب سنة \"٨٤٢هـ\" \"مطبوع\".\n٢- الإصابة في تمييز الصحابة \"مطبوع\".\n٣- لسان الميزان \"مطبوع\".\n٤- تهذيب التهذيب \"مطبوع\".\n٥- تقريب التهذيب \"مطبوع\".\n٦- تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة \"مطبوع\".\n٧- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة \"مطبوع\".","vol":"1","page":435},{"text":"٨- شرح نخبة الفكر \"مطبوع\".\n٩- تبصير المنتبه بتحرير المشتبه \"مطبوع\".\n١٠- تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس \"مطبوع\".\n١١- القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد \"مطبوع\".\n١٢- تغليق التعليق \"مطبوع\".\n١٣- الوقوف على ما في صحيح مسلم من الموقوف \"مطبوع\".\n١٤- ردع المجرم عن سب المسلم \"مطبوع\".\n١٥- النكت على ابن الصلاح \"مطبوع\".\n١٦- تخريج أحاديث الرافعي والهداية والكشاف \"مطبوع\".\n١٧- تسديد القوس على مسند الفردوس \"مطبوع\".\n١٨- نزاهة الألباب في الألقاب \"مطبوع\".\n١٩- التشويق إلى وصل التعليق.\n٢٠- المقترب في المضطرب.\n- ومنهم: تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، وهو: الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي القاهري الشافعي١ \"ولد في ربيع الأول ٨٣١هـ\"، وتوفي بالمدينة يوم الجمعة ١٧ من ذي القعدة سنة \"٩٠٢هـ\". جَدَّ في الرحلة، واهتم بملازمة شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني، وسمع منه الكثير من الحديث، وكان أكثر الآخذين عنه والمستفيدين منه، حتى حمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره.\n_________\n١ راجع ترجمته في: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع \"٨/ ٢- ٣٢\"، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع \"٢/ ١٨٤\"، الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة \"١/ ٥٣، ٥٤\"، شذرات الذهب في أخبار من ذهب \"٨/ ١٥- ١٧\"، فهرس الفهارس \"٢/ ٣٣٥- ٣٣٨\"، تاريخ النور السافر عن أخبار القرن العاشر \"ص١٨- ٢٣\"، ونظم العقيان في أعيان الأعيان، للسيوطي \"ص١٥٢، ١٥٣\"، وثبت أبي جعفر أحمد بن علي البلوي \"ص٣٧٥\"، وغيرها.","vol":"1","page":436},{"text":"قال الشوكاني في \"البدر الطالع\"١: \"وبالجملة فهو من الأئمة الكبار، حتى قال تلميذه جار الله بن فهد: ... والله العظيم لم أرَ في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته، أو شاهده، وهو عارف بفنه، منصف في تراجمه، ورحم الله جدي حيث قال في ترجمته: إنه انفرد بفنه، وطار اسمه في الآفاق به، وكثرت مصنفاته فيه وفي غيره، وكثير منها طار شرقًا وغربًا، شامًا ويمنًا، ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن، وكذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولى في المعرفة بأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح والتعديل، وإليه يُشار في ذلك، وقد قال بعض العلماء: لم يأتِ بعد الحافظ الذهبي مثله، سلك هذا المسلك، وبعده مات فن الحديث، وأسف الناس على فقده، ولم يخلف بعده مثله\".\nوقد سمع الكثير جدًّا على المسندين والشام والحجاز، وانتقى وخرَّج لنفسه ولغيره.\nوقال السخاوي في كتابه \"فتح المغيث\": \"أمليت بمكة وبعدة أماكن من القاهرة وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة والأعمال بالنيات\".\nوقد بدأ السخاوي التصنيف قبل بلوغه التاسعة عشر من عمره. ذكر أبو جعفر البلوي في \"ثبته\"٢ أن علي بن عياد البكري أخبره أن السخاوي كتب له إجازة عامة وأحاله على فهرسته، وأخبر أن له مائة وستين تأليفًا، وأن بينه وبين النبي -ﷺ- عشرة رجال في الحديث.\nونص السخاوي في \"الضوء اللامع\"٣ أن ذلك كان سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، وظل يواصل التصنيف حتى بلغت مصنفاته عند وفاته نيفًا وأربعمائة، كما ذكر الكتاني في \"فهرس الفهارس\"٤.\n_________\n١ البدر الطالع \"٢/ ١٨٥\".\n٢ \"ص٣٧٥\".\n٣ \"٥/ ٢٧٣\".\n٤ \"٢/ ٣٣٥\".","vol":"1","page":437},{"text":"ومن مصنفاته المطبوعة: \"الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، و\"الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ\"، و\"المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة\"، و\"فتح المغيث شرح ألفية الحديث\"، و\"القول البديع في أحكام الصلاة على الحبيب الشفيع، و\"التحفة اللطيفة في أخبار المدينة الشريفة، و\"الابتهاج بأذكار المسافر والحاج\"، و\"تخريج أحاديث العادلين\"، و\"الفخر المتوالي فيمن انتسب للنبي -ﷺ- من الخدم والموالي\".\n- ومنهم: الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن سابق الدين، الخضيري، السيوطي \"٨٤٩-٩١١هـ\" \"الإمام، والحافظ، والمحدث، والمؤرخ، والأديب، والمفسر....\".\nلما حج السيوطي شرب من ماء زمزم ليصل في الفقه إلى رتبة الحافظ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر العسقلاني، وكان يقول: \"لو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها لقدرت على ذلك من فضل الله\".\nولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس، وخلا بنفسه في روضة المقياس على النيل منزويًا عن الناس، فألف أكثر كتبه، وكان الأغنياء والأمراء يزورونه ويعرضون عليه الأموال والهدايا فيردها، وطلبه السلطان مرارًا فلم يحضر إليه، وأرسل إليه هدايا فردها، وبقي على ذلك إلى أن مات.\nوقد أحصيت مصنفاته في أحد الفهارس فبلغت \"٧٢٥\" مؤلفًا، منها الكتاب الضخم، ومنها الرسالة الصغيرة.\n- ومنهم: أبو عبد الله ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي السعدي الصالحي \"٥٦٩هـ-٦٤٣هـ\" سمع من الدمشقيين، والبغداديين، والأصفهانيين، والنيسابوريين، والهرويين، وكتب عن أكثر من خمسمائة شيخ، وكتب، وصنف، وصحح، وجرح، ووثق وعدل.","vol":"1","page":438},{"text":"قال تلميذه عمر بن الحاجب: \"شيخنا أبو عبد الله، شيخ وقته، ونسيج وحده في الرواية، مجتهدًا في العبادة\".\nوقال الحافظ المزي: \"الضياء أعلم بالحديث والرجال من الحافظ عبد الغني\".\nروى عنه الحافظ ابن نقطة، وابن النجار، والبرزالي، وعمر بن الحاجب، وتوفي سنة \"٦٤٣هـ\"، وله مصنفات في أكثر العلوم، وأجلها مصنفات في علم الحديث، ومنها كتابه المشهور \"الأحاديث المختارة\" التي صحح فيها ما لم يُسبق إلى تصحيحه وسُلِّم له قوله فيها.\nوذكر ابن تيمية والزركشي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان.\n- ومنهم الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل عماد الدين بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي \"ت ٧٧٤هـ\" كانت له الرياسة في التفسير، والحديث، والتاريخ.\nومن مصنفاته: جامع المسانيد، وعلوم الحديث، والتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل، والاجتهاد في طلب الجهاد، والبداية والنهاية، وتفسير القرآن العظيم.\nومن الملاحظ أن هذه الفترة المشار إليها لم تكن طريقة الرواية بالمشافهة والإملاء منتشرة فيها مثل العصور الأولى، ولم يهتم بها إلا القلائل من أمثال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الحافظ زين الدين العراقي، وكان جل علماء الحديث في هذا الدور يعكفون على كتب الأولين بالجمع، والشرح، والاختصار، والتخريج، ونحو ذلك، ثم انعدمت العناية بالحديث وعكف بعض العلماء على الفروع إلا قلائل في مختلف الأقطار.","vol":"1","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>ثانيًا: طريقة العلماء في خدمة الحديث الشريف في هذه الفترة</span>\nعكف علماء الحديث في هذه الفترة على كتب السابقين، فتناولوها بالترتيب، والانتقاء، والتخريج، والتهذيب، والجمع بين الكتب، وعمل الأطراف، وإخراج الزوائد، وإليك توضيح ذلك:\nأولًا: تخريج أحاديث بعض المصنفات والمؤلفات المختلفة\nمعظم العلماء لم يهتموا بتخريج الأحاديث التي تشتمل عليها مصنفاتهم في التفسير، أو العقيدة، أو الفقه، أو التصوف، ونحوها، وأيضًا لم يهتموا ببيان درجتها من صحة أو ضعف، فاهتم بعض العلماء في هذه الفترة بجمع أحاديث بعض هذه المصنفات في مصنف مستقل وبيَّن درجتها، ومن أمثلة ذلك:\n١- تخريج أحاديث تفسير الكشاف: للحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي نسبة إلى زيلع \"ميناء على ساحل البحر الأحمر\"، الحنفي، المتوفى بالقاهرة سنة \"٧٦٢هـ\"، استوعب ما في الكشاف من الأحاديث المرفوعة التي يذكرها الزمخشري على سبيل الإشارة، ولم يتعرض غالبًا للآثار الموقوفة، وهو غير الزيلعي عثمان بن علي بن محمد شارح الكنز في فقه الحنفية المتوفى سنة \"٧٤٣هـ\". كان جمال الدين الزيلعي هذا مرافقًا لزين الدين العراقي في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريج أحاديثها، فالعراقي خرج أحاديث الإحياء للغزالي، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في كل باب، والزيلعي خرج أحاديث الكشاف وأحاديث الهداية في فقه الحنفية.\n٢- الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: للحافظ ابن حجر العسقلاني، لخصه من تخريج الزيلعي، وزاد عليه ما أغفله من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة، وهذا الكتاب مطبوع مع آخر جزء من الكشاف.\n٣- تخريج أحاديث المختصر: لابن الحاجب في الأصول لابن حجر، وابن الملقن، ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي المتوفى سنة \"٧٢٤هـ\".","vol":"1","page":440},{"text":"٤- تخريج أحاديث الهداية في فقه الحنفية: لجمال الدين الزيلعي المتقدم سماه \"نصب الراية لأحاديث الهداية\" وهو مطبوع بمصر، ومنه استمد كثير ممن جاء بعده من شُرَّاح الهداية، كما استمد منه الحافظ ابن حجر في تاريخه كثيرًا، وهو شاهد على تبحر جمال الدين الزيلعي في الحديث، وأسماء الرجال وسعة نظره في فروع الحديث، وللحافظ ابن حجر \"الدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية\" مطبوع بدهلي سنة \"١٣٥٠هـ\".\n٥- تخريج أحاديث الإحياء للغزالي: لزين الدين العراقي، وله عليها تخريجان: كبير وصغير، والأخير هو المتداول المطبوع من كتاب الإحياء بمصر.\n٦- تخريج أحاديث الأذكار للنووي، والأربعين له، وأحاديث المصابيح، والمشكاة: للحافظ ابن حجر، ولم يكمل تخريج الأذكار، وسمى تخريج المصابيح والمشكاة \"هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة\".\n٧- تخريج أحاديث \"الشفاء للقاضي عياض\": للحافظ السيوطي سماه \"مناهل الصفا في تخريج أحاديث الشفا\".\n٨- تخريج أحاديث \"منهاج الأصول للبيضاوي\": لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي \"٧٢٧-٧٧١هـ\".\nكما خرَّجه أحاديثه أيضًا ابن الملقن الحافظ والمحدث عمر بن علي أبو الحسن بن أحمد بن محمد الأنصاري الشافعي، الملقب بسراج الدين، الأندلسي الأصلي ثم المصري \"٧٢٣-٨٠٤هـ\"، والحافظ زين الدين العراقي \"٧٢٥-٨٠٦هـ\".\nهذا وكتب التخاريج كثيرة جدًّا، وهي رمز صادق لأعمال المحدثين وجهودهم في الكشف عن قيمة الأحاديث المتناثرة في كتب العلوم المختلفة حتى لا يغتر الناس بما يجدونه منها؛ بل ينبغي لهم الرجوع إلى تلك التخاريج ليعلموا الصحيح منها من العليل١.\n_________\n١ الرسالة المستطرفة \"ص١٣٩، ١٤٠\".","vol":"1","page":441},{"text":"ثانيًا: تخريج أحاديث اشتهرت على الألسنة\nيدور على ألسنة الناس في كل زمان أحاديث يذكرونها على سبيل الأمثال والحكم، بعضها صحيح، وبعضها ضعيف، وبعضها موضوع مكذوب، وأكثر ما يروج هذا على ألسنة العامة، ومن لا علم عندهم من الخاصة، ولم يهمل هذا النوع من الأحاديث أهل الحديث وحفاظ الأمة، فصنفوا فيها كتبًا، وبينوا درجتها، ومن ذلك كتاب: \"المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة\" للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي \"٨٣١-٩٠٢هـ\"، وقد اختصر المقاصد تلميذ السخاوي عبد الرحمن بن الديبع الشيباني وسمى مختصره: \"تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الحديث\".\nثالثًا: كتب الأطراف\nوهي الكتب التي تهتم بذكر طرف من الحديث يدل على بقيته، وغالبًا تكون مقيدة بكتب مخصوصة، ومنها:\n١- كتاب \"إتحاف المهرة بأطراف العشرة\" للحافظ ابن حجر العسقلاني، والعشرة هي: الموطأ، مسند الشافعي، مسند أحمد، مسند الدارمي، صحيح ابن خزيمة، منتقى ابن الجارود، صحيح ابن حبان، مستدرك الحاكم، مستخرج أبي عوانة، شرح معاني الآثار، سنن الدارقطني، وإنما زاد العدد واحدًا؛ لأن صحيح ابن خزيمة لم يوجد منه سوى قدر ربعه.\n٢- أطراف مسند الإمام أحمد لابن حجر أيضًا، أفرده من \"كتاب إتحاف المهرة\"، ويسمى \"أطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي\".\n٣- أطراف الأحاديث المختارة للضياء المقدسي لابن حجر العسقلاني.\n٤- أطراف مسند الفرودس لابن حجر العسقلاني أيضًا.\n٥- أطراف صحيح ابن حبان لأبي الفضل العراقي.\n٦- أطراف المسانيد العشرة لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن أبي بكر الكناني البوصيري الشافعي نزيل القاهرة، المتوفى سنة \"٨٤٠هـ\"، ويريد بالمسانيد","vol":"1","page":442},{"text":"العشرة: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، ومسند مسدد بن مسرهد، ومسند محمد بن يحيى بن عمر العدني، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي١.\nرابعًا: كتب الزوائد\nلا يوجد مصنف في الحديث الشريف استوعب جميع الأحاديث النبوية، مهما كانت ضخامة المصنف أو كبر حجمه؛ وإنما جمع كل مصنف في كتابه ما تيسر له، أو ما رآه على شرطه، فجاء المتأخرون وأخرجوا الأحاديث الزائدة في كتاب على آخر في مصنفات خاصة لهم، وسموا ذلك بكتب الزوائد، ومن أشهر هذه الكتب ما يأتي:\n١- كتاب زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الخمسة.\n٢- كتاب إتحاف المهرة بزوائد المسانيد العشرة \"أي: على الكتب الستة\" والمسانيد العشرة هي: مسند أبي داود الطيالسي، والحميدي، ومسدد، وابن أبي عمر، وإسحاق بن راهويه، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن منيع، وعبد بن حميد، والحارث بن محمد بن أبي أسامة، وأبي يعلى الموصلي.\n٣- كتاب زوائد السنن الكبرى للبيهقي، على الكتب الستة أيضًا، ويسمى فوائد المنتقى لزوائد البيهقي.\nوهذه الكتب الثلاثة للحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم البوصيري المتوفَّى سنة \"٨٤٠هـ\".\n٤- كتاب المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية للحافظ ابن حجر\n_________\n١ الرسالة المستطرفة \"ص١٢٦، ١٢٧\".","vol":"1","page":443},{"text":"\"٧٧٣-٨٥٢هـ\" على الكتب الستة، والمسانيد الثمانية هي: مسند ابن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر الحميدي، ومسند مسدد، ومسند الطيالسي، ومسند ابن منيع، ومسند ابن أبي شيبة، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث.\nوله أيضًا زوائد مسند البزار، ومسند أحمد على الكتب الستة.\n٥- كتاب \"زوائد مسند أحمد على الكتب الستة\" وكتاب \"زوائد مسند البزار على الكتب الستة\" ويسمى \"البحر الزخار في زوائد مسند البزار\"، وكتاب \"زوائد مسند أبي يعلى الموصلي على الكتب الستة\"، وكتاب \"زوائد المعجم الكبير للطبراني على الكتب الستة\"، واسمه \"البدر المنير في زوائد المعجم الكبير\"، وكتاب \"زوائد المعجم الأوسط والأصغر\" للطبراني على الكتب الستة واسمه \"مجمع البحرين في زوائد المعجمين\"، وهذه الكتب كلها للحافظ نور الدين أبي الحسين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي \"بالمثلثة\" المصري المتوفى سنة \"٨٠٧هـ\"، وهو رفيق أبي الفضل العراقي في سماع الحديث وصهره وتلميذه، ثم إنه جمع هذه الكتب كلها في كتاب عظيم سماه \"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد\" مع حذف الأسانيد والتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف، فهو كتاب نفيس \"مطبوع\"، وللهيثمي أيضًا كتاب زوائد صحيح ابن حبان على الصحيحين في مجلد سماه \"مورد الظمآن إلى زوائد ابن حبان\"، وكتب الزوائد كثيرة جدًّا، وفي هذا القدر كفاية١.\nخامسًا: الجوامع\nوهي الجمع بين عدة مصنفات حديثية في مصنف واحد، ومنها:\n١- كتاب \"جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن\" للحافظ إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المعروف بابن كثير \"ت ٧٧٤هـ\" جمع فيه بين الصحيحين،\n_________\n١ كشف الظنون \"١/ ٣٨\"، \"٢/ ٢٣٠\"، والرسالة المستطرفة \"ص١٢٨، ١٢٩\".","vol":"1","page":444},{"text":"وسنن النسائي، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، ومسانيد: أحمد، والبزار، وأبي يعلى، والمعجم الكبير للطبراني.\n٢- جمع الجوامع للحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفَّى سنة \"٩١١هـ\" جمع فيه بين الكتب الستة وغيرها، وقد قصد في كتابه هذا جميع الأحاديث النبوية بأسرها، وقال المناوي: إنه مات قبل أن يتمه، ولقد اشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، وقد هذب ترتيبه علاء الدين علي بن حسام الهندي \"ت ٩٧٥هـ\" في كتابه \"كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال\"، ثم اختصر كنز العمال في كتاب أسماه \"منتخب كنز العمال\"، وقد طبع المنتخب مع مسند أحمد بمصر، كما طبع كنز العمال بالهند، وقد اختصر السيوطي كتابه هذا، وسمى المختصر \"الجامع الصغير في حديث البشير النذير\"١.\n- كتب جامعة لأحاديث الأحكام: من ذلك ما يأتي:\n١- كتاب \"الإلمام في أحاديث الأحكام\" لابن دقيق العيد المتوفى سنة \"٧٠٢هـ\"، جمع فيه متون الأحكام مع حذف الأسانيد، وشرحه في كتابه الإمام، لكن لم يكمل شرحه، ويقال: إن شرحه هذا لم يؤلف أعظم منه في بابه لما فيه من الاستنباطات والفوائد٢.\n٢- كتاب \"تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد\" للحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي \"٧٢٥-٨٠٦هـ\"، جمع فيه أحاديث الأحكام لابنه أبي زرعة، قال في خطبته: \"وبعد، فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث ألا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يُستغنى بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار.\n_________\n١ انظر: كشف الظنون \"١/ ٢٨٨\"، والرسالة المستطرفة \"ص١٣٧\"، ومفتاح السُّنة \"ص١١٢\".\n٢ انظر: كشف الظنون \"١/ ١١٣\".","vol":"1","page":445},{"text":"ولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها رأيت أن أجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عد من أصح الأسانيد، إما مطلقًا على قول من عممه، أو مقيدًا بصحابي تلك الترجمة\".\nثم أخذ يبين طريقته في نقله عن الكتب وعزوه إليها، وهو كتاب عظيم في بابه، وقد شرح تقريب الأسانيد هذا مؤلفه نفسه، وقد بدأ الشرح بمقدمة في تراجم رجال إسناده، وضم إليهم من وقع له ذكر في أثناء الكتاب لعموم الفائدة حتى ترجم لولده أبي زرعة الذي ألف الكتاب من أجله، قال: \"تقدم في خطبة هذا الشرح أني أترجم كل من ذكر فيه، فلم أرَ أن أخل بذكر من ألف له الكتاب، ولم أرَ إدخاله في رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ، فرأيت أن أذكره هنا، وأبين وقوع أحاديث الكتاب له عالية لاحتمال أن يطول عمره فيحدث به\".\nثم أخذ في ذكر ترجمته، ولكنه لم يكمل هذا الشرح، بل شرح منه عدة مواضع، وقد أكمله ابنه أبو زرعة المذكور المتوفى سنة \"٨٢٦هـ\"، واسم هذا الشرح: \"طرح التثريب في شرح التقريب\" \"مطبوع\"، وهو كتاب حافل بالفوائد والأبحاث، جرى فيه مؤلفه على البحث العلمي الحر دون تعصب لمذهب من المذاهب وإن كان مذهبه، مما رفع من شأن هذا الكتاب، أضف إلى ذلك ما شحنه به من النكت الفقهية والفوائد الحديثية.\n٣- كتاب \"بلوغ المرام من أحاديث الأحكام\" لخاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة \"٨٥٢هـ\"، اشتمل على ألف وأربعمائة حديث في الأحكام \"مطبوع\"، وقد شرحه خلق كثير منهم القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي، ومنهم محمد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة \"١١٨٢هـ\" في كتاب سماه \"سبل السلام\" \"مطبوع\"، ومنهم الفاضل صديق خان سنة \"١٣٠٧هـ\" في كتاب سماه \"فتح العلام\" \"مطبوع\".\nهذه هي أهم أعمال العلماء فيما يتعلق بجمع الحديث وترتيبه في هذا الدور،","vol":"1","page":446},{"text":"وما وراء ذلك فشروح ومختصرات لبعض كتب الحديث، ومع ذلك فهي لا تتجاوز في الغالب أهل القرن الحادي عشر الهجري وبعض الثاني عشر، أما فيما بعد ذلك إلى عصرنا فقد فترت الهمم حتى عن قراءة كتب الحديث فضلًا عن القيام بأعمال التدوين١.\n_________\n١ راجع: الحديث والمحدثون، لمحمد أبو زهو \"ص٤٤٣-٤٥٢\".","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السُّنَّة بعد عام \"٩١١هـ\" حتى آخر القرن الرابع عشر الهجري</span>\nتعتبر هذه الفترة امتدادًا للفترة السابقة من حيث عكوف العلماء على كتب السابقين، للانتقاء منها، أو اختصارها، أو تهذيبها، أو الجمع بينها، أو تخريجها، أو عمل الأطراف والفهارس لها، أو إخراج الزوائد، أو شرحها، ونحو ذلك.\n- ومن أمثلة تخريج أحاديث بعض الكتب العلمية:\n١- تخريج أحاديث البيضاوي، للشيخ عبد الرءوف المناوي.\n٢- تخريج أحاديث البيضاوي، للشيخ محمد همات زاده بن حسن همات زاده، المحدث المتوفى سنة \"١١٧٥هـ\" كتاب سماه \"تحفة الراوي في تخريج أحاديث البيضاوي\".\n٣- تخريج أحاديث شرح معاني الآثار للطحاوي، لبعض العلماء، سماه الحاوي في بيان آثار الطحاوي، عزا فيه كل حديث إلى الكتب المشهورة وبيَّن الصحيح من الضعيف.\n- أمثلة في تخريج أحاديث اشتهرت على ألسنة الناس:\n١- \"تسهيل السبل إلى كشف الالتباس، عما دار من الأحاديث بين الناس\" للشيخ عز الدين محمد بن أحمد الخليلي المتوفى سنة \"١٠٧٥هـ\".\n٢- \"كشف الخفاء ومزيل الإلباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس\" للحافظ إسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة \"١١٦٢هـ\"، وهو كتاب كثير الفوائد لخص فيه المقاصد الحسنة للسخاوي، وضم إليه كثيرًا مما في الكتب الأخرى.","vol":"1","page":449},{"text":"- أمثلة في شروح بعض كتب الحديث الشريف:\n١- المسوى شرح الموطأ: لولى الله الدهلوي \"١١١٤-١١٧٦هـ\".\n٢- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: لأبي العلي محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري \"١٢٨٣-١٣٥٣هـ\".\n٣- بذل المجهود في حل سنن أبي داود: لخليل أحمد السهارنفوري، بالهند \"ت ١٣٤٦هـ\".\n٤- فيض الباري على صحيح البخاري: للشيخ أحمد أنور الكشميري الديوبندي \"١٣٥٢هـ\".\n٥- فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد \"للبخاري\": لفضل الله الجيلاني.\n- أمثلة في الجوامع العامة:\nالتاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ، للشيخ منصور على ناصف الحسيني، من علماء الأزهر الشريف، وعليه: غاية المأمول شرح التاج الجامع للأصول، جمع فيه أحاديث الصحيحين، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي. صدر طبعة منه سنة ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م، عن دار إحياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع.\n- ومن أمثلة الاختصارات لبعض الكتب:\nخلاصة تذهيب التهذيب: للخزرجي صفي الدين أحمد بن عبد الله الأنصاري \"ت ٩٢٣هـ\".\n- ومن أمثلة الشروح لبعض المصنفات في علوم الحديث:\n١- \"توضيح الأفكار\" للصنعاني الأمير محمد بن إسماعيل الحسني","vol":"1","page":450},{"text":"\"ت ١١٨٢هـ\"، وهو شرح لكتاب \"تنقيح الأنظار\" لابن الوزير أبي عبد الله السيد محمد بن إبراهيم \"ت ٨٤٠هـ\".\n- ومن المصنفات في الموضوعات:\nتذكر الموضوعات: لمحمد طاهر بن علي الهندي الفتني \"ت ٩٨٦هـ\"، وفي ذيلها: الموضوعات والضعفاء له.\n- ومن المصنفات في الرواة:\nشذرات الذهب في أخبار من ذهب: لأبي الفلاح عبد الرحمن بن العمادي الحنبلي \"ت ١٠٨٩هـ\".","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثالث: دور أشهر الممالك التي كان لها أثر ملموس في خدمة السُّنَّة في هذا العصر</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-83> دور مصر في العناية بالسُّنَّة وعلومها:</span>\nفي هذه الفترة من الزمان -أي: بعد سقوط بغداد- كانت مصر محكومة لدولتي المماليك البحرية والبرجية، ويحدثنا التاريخ عما كان عليه هؤلاء السلاطين من حب للعلم وتقدير للعلماء، ومن أجل ذلك شيدوا الجامعات والمدارس الحديثية، واستقدموا لهذا الغرض العلماء من الأقطار البعيدة، وحبسوا الأموال الطائلة على تلك المؤسسات الدينية والعلمية، وها هي آثارهم الخالدة ماثلة للعِيَان، تحدث عما كان للقوم من عناية بعلوم الشريعة والسُّنَّة.\nهذا ولم يقف الأمر عند حد المعاونة بالمال أو السلطان؛ بل لقد انغمر السلاطين في حلبة الدروس مع المتعلمين وتتلمذوا للعلماء، وأئمة الحديث، وتحملوا السنة بأسانيدها الصحيحة حتى صار بعضهم حافظًا يتلقى عنه الحديث، ويسمع منه الصحيح، فهذا هو \"الظاهر برقوق\" يتفقه على الإمام أكمل الدين \"البابرتي\"، ويشارك المحدثين في رواية الصحيحين، ويستقدم المسندين أمثال \"ابن أبي المجد\" من الأقطار النائية، رغبة منه في إعلاء الإسناد لدى المتعلمين بمصر، لسماعهم الحديث من أصحاب الأسانيد العالية، وهذا هو \"المؤيد\" يروي الصحيح عن السراج \"البلقيني\" حتى أن الحافظ ابن حجر يسمع الحديث من \"المؤيد\"، ويترجم له في عداد مشايخه في \"المعجم المفهرس\"، وقد استقدم \"المؤيد\" إلى مصر العلامة \"شمس الدين الديري\" المحدِّث العظيم صاحب كتاب \"المسائل الشريفة في أدلة مذهب الإمام أبي حنيفة\"، وهذا هو \"الظاهر جقمق\" يسمع الصحيح من ابن الجزري، ويستقدم كبار المسندين إلى مصر ليتلقى عنهم المتعلمون مروياتهم في","vol":"1","page":453},{"text":"السُّنَّة من الصحاح والمسانيد، ويجعل من القلعة المصرية مجمعًا علميًّا للعلماء، وناديًا يؤمه طلاب الحديث يتلقون المرويات عن الحفاظ المتقنين والمحدثين النابهين، وبهذه العناية من السلاطين والأمراء كان مصر دار حديث وفقه وأدب طيلة هذه القرون الثلاثة الأولى من هذا الدور، وكانت أسعد بلاد الإسلام حظًّا بالحديث وعلومه، وها هي كتب التاريخ قد اكتظت بتراجم لرجال نبهاء، وفطاحل علماء، انجبتهم مصر في تلك القرون الذهبية، وكانت لهم مؤلفات كثيرة جدًّا في علوم شتى، بحيث يعدون بحق مفخرة الإسلام، وإن مآثرهم المحفوظة في خزانات العالم ومكتباته لمما يشهد لمصر بالمجد التالد والشرف الرفيع.\nاستمرت النهصة العلمية بمصر -على ما وصفنا- إلى أوائل القرن العاشر الهجري؛ إذ بانقراض دولة المماليك البرجية في أوائل هذا القرن، أخذ النشاط العلمي يتضائل ويضمحل، وطفق يرحل شيئًا فشيئًا إلى بلاد أخرى، ألا وهي البلاد الهندية التي أفسحت صدرها للحديث وعلومه، وسهرت على خدمته، فكانت أسعد بلاد المسلمين بعلوم السُّنَّة إلى يومنا هذا١.\nولا يمكن إغفال دور الأزهر الشريف في خدمة السُّنَّة حيث الكليات والأقسام المتخصصة التي تخرج فيها الكثيرون من مصر والعالم العربي والإسلامي، فضلًا عن الدراسات العليا التي منحت -ولا زالت تمنح- الكثيرين درجتي الماجستير والدكتوراه \"العالمية\" في الحديث الشريف وعلومه، ما بين الدراسات التحليلية والتحقيقات العلمية، ولم يقتصر هذا الدور على أبناء مصر وحدها، بل شمل العالم العربي والإسلامي عامة.\n_________\n١ الحديث والمحدثون، لمحمد أبو زهو \"ص٤٣٩، ٤٤٠\".","vol":"1","page":454},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-84> دور علماء الهند في العناية بالسُّنَّة:</span>\nكان للبلاد الهندية حظ كبير في خدمة السُّنَّة بعد أن كان الهنود قبل منتصف القرن العاشر الهجري منصرفين إلى العلوم النظرية، والأحكام الفقهية المجردة، فمن هذا الوقت أخذوا يعكفون على دراسة الحديث وعلومه، ويعنون برواية السُّنة وبحث الروايات، وانتقاد الأسانيد، ولو ذهبنا نستعرض ما لهؤلاء الأعلام من همة عظيمة في علوم الحديث -في الوقت الذي قعدت فيه الهمم عن خدمة السُّنة- لوقع ذلك موقع الإعجاب والشكر البليغ، فكم لعلماء الهند من شروح ممتعة، وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات كبيرة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أيادٍ بيضاء في نقد الرجال، وبيان علل الحديث، وشرح الآثار، وكم لهم من مؤلفات في شتى فنون الحديث وما يتصل به١.\nومما هو جدير بالتقدير والإعجاب أن هؤلاء القوم لم تفتتهم المدنية الغربية عن دينهم؛ بل إنها زادتهم تمسكًا به وتعصبًا له، فكثيرًا ما ألفوا الكتب في الرد على القساوسة والمستشرقين، وكثيرًا ما كانت تقام مجالس للمناظرة أمام الحكام الإنجليز فينتصر حق المسلمين على باطل المستشرقين، وكثيرًا ما كان يفر هؤلاء القُسس من مجالس المناظرة قبل أن تتم فصولها يجرون أذيال الخيبة، ويتعثرون في أثواب الهزيمة.\nهذا ومما يدل على حرص هؤلاء القوم على السُّنَّة وحدبهم على نشر علومها أن بعض المبعوثين منهم إلى جامعات أوربا كان يشتغل بطبع كتب الحديث، وها هو \"الدكتور السيد معظم حسين\" الذي كان يتلقى دروسه بجامعة أكسفورد بإنجلترا يأخذ في طبع كتاب \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم أبي عبد الله النيسابوري، ويعتني بتصحيحه، ويقدم له مقدمة عظيمة يذكر فيها ترجمة المؤلف، ونُبْذَة قيمة عن تاريخ تدوين الحديث، ونشأة علم المصطلح، وقد رحل في سبيل نشر هذا الكتاب إلى بلدان عديدة من أوربا، وتردد على مكتباتها العامة في عواصمها المختلفة، وقابل ما كتبه على نسخ خطية كثيرة كان منها ما هو محفوظ في مكتبة المتحف البريطاني بلندن، كما رحل إلى عدة مكتبات في بلاد الشرق؛ كمصر، والشام، وإستانبول، ثم طبع الكتاب وأخرجه للناس في غاية من الضبط والإتقان، إنها لهمة عالية من هؤلاء القوم، فلله درهم وبورك جهادهم٢.\n_________\n١ عن مقالات العلامة المرحوم الشيخ محمد زاهد الكوثري \"ص٧١\" وما بعدها بتصرف.\n٢ \"الحديث والمحدثون\" لمحمد أبو زهو \"ص٤٤١، ٤٤٢\".","vol":"1","page":455},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-85> دور المملكة العربية السعودية في خدمة السُّنَّة:</span>\nقامت المملكة العربية السعودية بجهد ملحوظ في نشر الكتب الإسلامية عامة، وكتب السُّنَّة خاصة، وتوزيعها كهدايا للعلماء والمتخصصين، ولها جهود أخرى في خدمة السُّنَّة، وأكبر شاهد على ذلك إنشاء مركز السُّنَّة في المدينة المنورة الذي نشر بعض أمهات الكتب نحو كتاب \"إتحاف المهرة\" لابن حجر العسقلاني، وأيضًا نشر \"مسند الإمام أحمد بن حنبل\" محققًا في خمسين جزءًا، بالإضافة إلى الجهود الكبيرة التي قامت -وتقوم بها- جامعة أم القرى الإسلامية بمكة المكرمة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فإن لهما دورًا كبيرًا في خدمة العلوم الإسلامية عامة والحديث الشريف وعلومه خاصة؛ حيث تخرج فيهما -ولا زال يتخرج- العديد من أبناء الأمة الإسلامية الذين تخصصوا في مختلف علوم الدين الحنيف، وخاصة علوم الحديث الشريف، هذا بالإضافة إلى الجهود القائمة على تحقيق ودراسة الكثير من كتب التراث المتخصصة في الحديث الشريف وعلومه على وجه الخصوص.","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السُّنَّة في العصر الحاضر</span>\nهناك جهود فردية، وأخرى جماعية، وجهود قام بها علماء متخصصون، وأخرى قام بها غير المتخصصين، ويمكن القول بأن هذه الجهود تناولت عدة جوانب، وكلها تخدم السُّنَّة المطهرة، ويمكن حصر هذه الجهود فيما يلي:\n١- جهود اتجهت إلى الدلالة على الأحاديث من طريق بعض ألفاظها، ومن ذلك: \"المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي عن الكتب الستة، وعن مسند الدارمي، وموطأ مالك، ومسند أحمد بن حنبل\" رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين.\n٢- جهود اتجهت إلى فهرسة كتب الحديث الشريف، عن طريق حصر أطراف الأحاديث وترتيبها أبجديًّا، ومنها: فهارس لصحيح البخاري، وفهارس لصحيح مسلم، وفهارس مصنف عبد الرزاق، وفهارس مصنف ابن أبي شيبة، وغيرها.\nوهناك فهارس لعدة مصنفات مجتمعة مثل: \"موسوعة أطراف الحديث\"، حاول فيها مصنفها حصر أطراف الأحاديث الموجودة في \"١٥٠\" كتابًا منها كتب الحديث الشريف، وأخرى في التفسير وغيرها، وهي محاولة متواضعة جدًّا تحتاج إلى مزيد من الدقة في الحصر والترتيب والعزو.\n٣- جهود اتجهت إلى الجمع بين عدة مصنفات حديثية مثل \"المسند الجامع\" جاء في اثنين وعشرين مجلدًا، منها مجلدان للفهارس، وهو من إعداد لجنة عددها خمسة، جمعوا فيه بين أحاديث الكتب الستة \"صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه\"، ومؤلفات أصحابها، بالإضافة إلى موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وصحيح ابن خزيمة، وسنن الدارمي، ومسانيد الحميدي، ومسند عبد بن حميد.","vol":"1","page":457},{"text":"وصدرت الطبعة الأولى منه سنة \"١٤١٣هـ-١٩٩٣م\"، ونشرته دار الجيل، ببيروت، والشركة المتحدة بالكويت. وهو عمل جيد، ولكن يؤخذ على مصنفيه العزو إلى صفحات طبعات خاصة لبعض هذه المصنفات ليست في حوزة كثير من الباحثين، مثل صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وكان ينبغي عليهم إثبات أرقام الأحاديث في هذه المصنفات التي جمعوا بين أحاديثها.\n٤- وهناك جهود اتجهت لعمل موسوعات للأحاديث الصحيحة، وكذلك في الأحاديث الضعيفة، كما فعل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني؛ حيث صنف سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، والسلسلتان لم تُكتملا.\nويؤخذ عليه في السلسلة الصحيحة حشوها بالتخريجات المسرفة التي ترهق القارئ، ولا تضيف لخدمة الحديث الصحيح شيئًا، فضلًا عن الأوهام الكثيرة التي تعقبها العديد من الباحثين والمشتغلين بالحديث الشريف.\nويؤخذ عليه في السلسلة الضعيفة -بالإضافة إلى الإسراف غير المقبول علميًّا في التخريجات- التجاوزات الكثيرة في الأحكام على أحاديث كثيرة بالضعف أو الوضع، وهي لا تقل عن درجة الحسن، أو على الأقل تتقوى، وتصير حسنة لغيرها بما لها من متابعات وشواهد، بالإضافة إلى أن جل هذا العمل مصنف في كتب الموضوعات ونحوها. وقد تعقبه على هذه السلسلة وسائر أعماله الكثير من أهل العلم المتخصصين والباحثين والمشتغلين بالحديث الشريف، الأمر الذي يجعلنا نؤكد على أهمية إعادة النظر في كل أعماله بلا استثناء، ومع هذا فجهوده لا تنكر في الكشف عن صحة كثير من الأحاديث وضعف كثير منها.\nوذلك باستثناء تمزيق بعض الحديث من الأصول كأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ حيث أفرد ما رآه صحيحًا منها في مصنفات وما رآه ضعيفًا منها في مصنفات أخرى، فقد جانبه الصواب في ذلك؛ لأن كثيرًا من الأحاديث","vol":"1","page":458},{"text":"الضعيفة فيها تتقوى بشواهد، ومتابعات، وعمل لبعض الصحابة، أو للصحابة كلهم بها، وقد تصدى بعض الباحثين لهذا العمل.\n٥- جهود اتجهت لحصر زوائد بعض كتب الحديث الشريف مثل: \"زوائد السنن على الصحيحين\" \"سنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي\" جمع وترتيب: صالح أحمد الشامي، صدر عام \"١٤١٨هـ-١٩٩٨م\" عن دار القلم بدمشق، ودار النفائس بالرياض.\nومثل: زوائد سنن النسائي على صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، نال بها باحث درجة الماجستير بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.\n٦- جهود اتجهت لتحقيق وتخريج أحاديث بعض المصنفات الحديثية، وبيان درجة ما فيها من أحاديث مثل: \"مسند الإمام أحمد\" عمل لجنة بإشراف شعيب الأرناءوط، صدر عن مؤسسة الرسالة ببيروت \"في خمسين مجلدًا\"، و\"شرح مشكل الآثار\" للطحاوي، قام بتحقيقه وعزو أحاديثه والحكم عليها: شعيب الأرناءوط، صدر في \"ستة عشر مجلدًا\"، منها جزء للفهارس، طبع مؤسسة الرسالة \"١٤١٥هـ-١٩٩٤م\"، و\"مسند أبي يعلى\" الإمام الحافظ أحمد بن علي بن المثنى التميمي \"٢١٠-٣٠٧هـ\"، صدر عن دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى من سنة \"١٤٠٤هـ-١٩٨٤م\"، و\"جامع الأصول في أحاديث الرسول\" للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري \"٥٤٤-٦٠٦هـ\"، صدر عن دار الفكر، ببيروت، في أحد عشر مجلدًا.\n٧- جهود اتجهت لتحقيق بعض المصنفات الحديثية، والاكتفاء بإخراج النص المخطوط إلى مطبوع؛ ليسهل الاطلاع عليه والاستفادة منه، مثل \"المعجم الأوسط\" للطبراني، صدر في عشرة مجلدات بالإضافة إلى مجلد للفهارس، وصدرت الطبعة الأولى منه \"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م\" عن مكتبة المعارف بالرياض.","vol":"1","page":459},{"text":"و\"إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة\"١ للإمام أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني \"٧٧٣ -٨٥٢هـ\"، و\"إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة\" للإمام أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري \"ت ٨٤٠هـ\" حققته لجنة عددها أربعة، وصدر عن مكتبة الرشد بالرياض، و\"السنن الكبرى\" للإمام أحمد بن شعيب النسائي \"ت ٣٠٣هـ\"، صدر عن دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الأولى، سنة \"١٤١١هـ-١٩٩١م\"، و\"السنن الكبرى\" للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي \"ت ٤٥٨هـ\"، صدر عن دار الكتب العلمية، ببيروت، الطبعة الأولى سنة \"١٤١٤هـ-١٩٩٤م\". و\"المصنف في الأحاديث والآثار\" للحافظ عبد الله بن محمد بن أبي شيبة \"ت ٢٣٥هـ\"، صدر عن الدار السلفية بالهند، الطبعة الثانية سنة \"١٣٩٩هـ-١٩٧٩م\"، و\"المصنف\" لعبد الرزاق للحافظ أبي بكر عبد الرزاق همام الصنعاني \"١٢٦-٢١١هـ\"، صدر عن المكتب الإسلامي، ببيروت، الطبعة الثانية \"١٤٠٣هـ-١٩٨٣\"، وغيرها.\nوهذه المصنفات على الرغم من الجهود الكبيرة في إخراج نصوصها المخطوطة إلى مطبوعة، إلا أنها في حاجة إلى تحقيق يتبين من خلاله درجة الأحاديث والآثار.\n٨- وهناك جهود اتجهت لتحقيق بعض المصنفات الحديثية وتخريج أحاديثها مثل: كتاب \"لمحات الأنوار ونفحات الأزهار، وري الظمآن لمعرفة ما ورد من الآثار في ثواب قارئ القرآن\" للإمام محمد بن عبد الواحد بن إبراهيم الغافقي \"٥٤٩-٦١٩هـ\" تحقيق أستاذنا الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، وصدر عن دار البشائر الإسلامية \"١٤١٨هـ-١٩٩٧م\" في ثلاثة مجلدات كبيرة.\n٩- وهناك جهود اتجهت إلى تحقيق بعض المصنفات الخاصة بالرواة مثل:\n_________\n١ المسانيد العشرة هي: مسند أبي داود الطيالسي، ومسند الحميدي، ومسند مسدد، ومسند ابن أبي عمر، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند أحمد بن منيع، ومسند عبد بن حميد، ومسند الحارث بن محمد بن أبي أسامة، ومسند أبي يعلى الموصلي.","vol":"1","page":460},{"text":"\"تهذيب الكمال في أسماء الرجال\" للحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي \"٦٥٤-٧٤٢هـ\"، تحقيق د/ بشار عواد معروف، صدرت الطبعة الأولى منه سنة \"١٤١٣هـ-١٩٢٢م\"، في \"٣٥\" مجلدًا، مؤسسة الرسالة، ببيروت.\nوكتاب \"التذكرة بمعرفة رجال العشرة\" لأبي المحاسن محمد بن علي العلوي الحسيني \"٧١٥-٧٦٥هـ\" تحقيق: أستاذنا الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، صدرت الطبعة الأولى في أربعة مجلدات، عن مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة \"١٤١٨هـ-١٩٩٧م\".\n٨- وهناك جهود اتجهت لخدمة السُّنَّة عن طريق الكمبيوتر، فهناك الأسطوانات التي تحمل الموسوعات الحديثية الضخمة، والتي اشتملت على عشرات المصنفات في الحديث وعلومه، وهذه الجهود التي أعدتها مؤسسات خاصة عديدة في بعض البلاد العربية وغيرها، لا شك أنها قربت السُّنَّة لقطاع كبير من الناس، ولكنه لا ينبغي التعويل عليها كلية واعتبارها عمدة للتحقيق والتخريج؛ لعدم الدقة في نقل النصوص، بالإضافة إلى أخطاء الكمبيوتر المعروفة.","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>قائمة بأسماء المصادر والمراجع:</span>\n١- القرآن الكريم.\n٢- إبراهيم النخعي: أ. د/ محمد عبد الهادي سراج - رسالة ماجستير بكلية دار العلوم - جامعة القاهرة.\n٣- أبو هريرة راوية الإسلام: لمحمد عجاج الخطيب - العدد \"٢٣\" من سلسلة أعلام العرب - طبع وزارة الثقافة المصرية.\n٤- الاتجاهات الفقهية عند المحدثين في القرن الثالث الهجري: أ. د/ عبد المجيد محمود - مكتبة الخانجي \"١٤٠٠هـ-١٩٨٠م\".\n٥- إتحاف ذوي الرسوخ بمن رُمي بالتدليس من الشيوخ: للشيخ حماد بن محمد الأنصاري - مكتبة الملا - الكويت.\n٦- الإجابة لإيراد ما استدركته السيدة عائشة ﵂ على الصحابة: للإمام بدر الدين الزركشي \"٧٤٥-٧٩٤هـ\" تحقيق أ. د/ رفعت فوزي - مكتبة الخانجي بالقاهرة - الطبعة الأولى \"١٤٢١هـ-٢٠٠١م\".\n٧- الإحكام في أصول الأحكام: لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم \"ت ٤٥٦هـ\" - طبع دار الآفاق الجديدة - بيروت - ط الأولى \"١٤٠٠هـ-١٩٨٠م\".\n٨- اختصار علوم الحديث: لابن كثير \"٧٠١-٧٧٤هـ\" - \"وعليه الباعث الحثيث لأحمد شاكر\" - طبع دار إحياء التراث العربي - بيروت.\n٩- أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني: عبد الكريم بن محمد - طبعة ليدن \"١٩١٢م\".\n١٠- الأدب المفرد: للإمام البخاري \"١٩٤-٢٥٦هـ\" الطبعة السلفية بالقاهرة.","vol":"1","page":463},{"text":"١١- إرشاد الساري لشرح صحيح الإمام البخاري \"وبهامشه صحيح مسلم بشرح النووي\": لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني \"ت ٩٢٣هـ\" طبع دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان \"١٣٢٣هـ\".\n١٢- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني \"ت ١٢٥٥هـ\" - طبع دار المعرفة - بيروت \"١٣٩٩هـ-١٩٧٩م\".\n١٣- الإرشاد في معرفة علماء البلاد: للخليلي - مكتبة الرشد - الرياض.\n١٤- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: لمحمد ناصر الدين الألباني - طبع المكتب الإسلامي - بيروت - الطبعة الأولى \"١٣٩٩هـ-١٩٧٩م\".\n١٥- الأسامي والكنى: للإمام أحمد بن حنبل - تحقيق/ عبد الله الجديع - طبع الأقصى - الكويت - ط الأولى \"١٤٠٦هـ\".\n١٦- الاستذكار: للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي \"٣٦٨-٤٦٣هـ\" تحقيق الأستاذ/ علي نجدي ناصف - مطابع الأهرام التجارية.\n١٧- الاستيعاب: لابن عبد البر أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي المالكي \"٣٦٣-٤٦٣ هـ\" مطبوع على هامش الإصابة - الطبعة الأولى \"١٣٢٨هـ\" - مكتبة المثنى - لبنان.\n١٨- أسد الغابة في معرفة الصحابة: لعز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري \"٥٥٥-٦٣٠هـ\" - تحقيق/ محمد إبراهيم البنا، ومحمد أحمد عاشور - مطبعة الشعب.\n١٩- أسماء المدلسين: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"٧٧٣-٨٥٢هـ\" - تحقيق د/ محمد زينهم محمد عزب - دار الصحوة للنشر - ط الأولى \"١٤٠٧هـ-١٩٨٦م\".","vol":"1","page":464},{"text":"٢٠- الإصابة في تمييز الصحابة: للحافظ ابن حجر العسقلاني - طبع إحياء التراث العربي - الطبعة الأولى \"١٣٢٨هـ\".\n٢١- الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: للحازمي الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن موسى بن حازم الهمداني \"ت ٥٨٤هـ\" - تحقيق/ راتب حاكمي - مطبعة الأندلس - حمص - الطبعة الأولى \"١٣٨٦هـ-١٩٦٦م\".\n٢٢- الأعلام: لخير الدين الزركلي - دار العلم - بيروت - لبنان - الطبعة السادسة \"١٩٨٤م\".\n٢٣- إعلام الموقعين عن رب العالمين: لابن القيم أبي عبد الله محمد بن أبي بكر \"٧٥١هـ\" - إدارة الطباعة المنيرية.\n٢٤- أعلام النساء: لعمر رضا كحالة - طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت - وطبع دار الحديث- القاهرة.\n٢٥- الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب: للأمير الحافظ ابن ماكولا \"ت ٤٧٥هـ\" - تحقيق/ الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني - طبع - بيروت - لبنان.\n٢٦- الإلزامات والتتبع: للدارقطني \"٣٠٦-٣٨٥هـ\" - تحقيق/ أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي - طبع دار الكتب العلمية - بيروت - الطبعة الثانية \"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م\".\n٢٧- الأم: للإمام الشافعي - بتحقيق أ. د/ رفعت فوزي - دار الوفاء بمصر.\n٢٨- الإمام البخاري وصحيحه: للدكتور/ عبد الغني عبد الخالق - دار المنارة للنشر - السعودية - جُدَّة - الطبعة الأولى \"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م\".\n٢٩- الأموال: لأبي عبيد القاسم بن سلام - بتحقيق/ محمد حامد الفقي - القاهرة \"١٣٥٣هـ-١٩٣٤م\".","vol":"1","page":465},{"text":"٣٠- الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: مالك والشافعي وأبي حنيفة- لابن عبد البر- مطبعة المعاهد بمصر- الناشر: مكتبة القدس.\n٣١- الأنساب: للإمام أبي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني \"٥٠٦-٥٦٢هـ\" تحقيق/ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني- طبعة الهند \"١٣٨٢-١٤٠١هـ\".\n٣٢- أنساب الأشراف: للبلاذري أحمد بن يحيى- تحقيق: د/ حميد الله- القاهرة \"١٩٥٩م\".\n٣٣- البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح: لأبي البقاء الأحمدى الشافعي- مخطوط بدار الكتب المصرية.\n٣٤- الباعث الحثيث \"في اختيار علوم الحديث لابن كثير\": لأحمد محمد شاكر- طبع دار إحياء التراث العربي- بيروت.\n٣٥- البداية والنهاية: لابن كثير الدمشقي \"ت ٧٧٤هـ\"- طبع دار الفكر العربي- ط الثانية \"١٣٨٧ هـ\".\n٣٦- بذل المجهود في حل أبي داود: تأليف خليل أحمد السهارنفوري \"رئيس الجامعة الشهيرة بمظاهر العلوم في سهارنفور بالهند\" طبع دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.\n٣٧- البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح ومُسَّ بضرب من التجريح: للحافظ أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين العراقي \"م ٨٢٦هـ\"- تحقيق/ كمال يوسف الحوت- طبع دار الجنان- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى \"١٤١٠هـ-١٩٩٠م\".\n٣٨- بيان الوهم والإيهام: للحافظ ابن القطان الفاسي أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك \"ت ٦٢٨هـ\"- طبع دار طيبة- السعودية- ط الأولى \"١٤١٨هـ-١٩٩٧م\".","vol":"1","page":466},{"text":"٣٩- بين الإمامين مسلم والدارقطني: الدكتور/ ربيع بن هادي عمير المدخلي- طبع المكتبة السلفية- الهند.\n٤٠- تاريخ ابن معين \"رواية الدقاق يزيد بن الهيثم\"- تحقيق/ أحمد محمد نور سيف- جامعة أم القرى.\n٤١- تاريخ الأدب العربي: تأليف بروكلمان- ترجمة: الدكتور عبد الحليم النجار- طبعة دار المعارف بالقاهرة \"١٩٦٢م\".\n٤٢- تاريخ أسماء الثقات ممن نقل عنهم العلم: لابن شاهين الحافظ أبي حفص عمر بن أحمد بن عثمان \"٢٩٧-٣٨٥هـ\" طبع: دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان \"١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م\" تحقيق الدكتور/ عبد المعطي أمين قلعجي.\n٤٣- تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام: للحافظ الذهبي- طبعة القاهرة \"١٩٤٨- ١٩٥٠م\".\n٤٤- تاريخ بغداد: للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي \"ت ٤٦٣ هـ\"- طبع المكتبة السلفية- المدينة المنورة- الطبعة الأولى \"١٣٤٩هـ- ١٩٣١م\".\n٤٥- تاريخ التراث العربي: لفؤاد سزكين- طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب \"١٩٧٧م\".\n٤٦- تاريخ الثقات: للعجلي- دار الكتب العلمية - بيروت.\n٤٧- تاريخ جرجان: للسهمي \"ت ٤٢٧هـ\" - طبع عالم الكتب- بيروت- الطبعة الأولى \"١٤٠١هـ - ١٩٨٧م\".\n٤٨- تاريخ الخلفاء: للإمام السيوطي \"٩١١هـ\"- مطبعة السعادة بمصر، الطبعة الأولى \"١٣٧١هـ-١٩٥٢م\".","vol":"1","page":467},{"text":"٤٩- تاريخ دمشق: لأبي زرعة الدمشقي- تحقيق/ شكر الله قوجاني- مجمع اللغة العربية- دمشق.\n٥٠- تاريخ الرسل والملوك: للطبري \"٢٢٤- ٣١٠هـ\"- تحقيق/ محمد أبو الفضل إبراهيم- طبع دار المعارف- الطبعة الثانية.\n٥١- التاريخ الصغير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري \"١٩٤- ٢٥٦هـ\" دار الوعي- حلب- مكتبة دار التراث- تحقيق/ إبراهيم زايد- وطبعة دار الكتب العلمية- ببيروت.\n٥٢- تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي \"٢٨٠هـ\" عن يحيى بن معين: تحقيق/ الدكتور أحمد محمد نور سيف- طبع دار المأمون للتراث.\n٥٣- التاريخ الكبير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري \"١٩٤- ٢٥٦هـ\"- طبع دار الكتب العلمية- مصورة عن الطبعة الهندية \"١٣٦١- ١٣٦٢هـ\".\n٥٤- تاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر الإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي \"ت ٥٧١هـ\"- طبعة دار صادر- بيروت.\n٥٥- تجريد أسماء الصحابة: لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي \"٧٤٨هـ\"- تصحيح: صالحة شرف الدين - طبع الهند \"١٣٨٩هـ\".\n٥٦- تحذير الخواص من أكاذيب القصاص: جلال الدين السيوطي- تحقيق/ محمد الصباغ- المكتب الإسلامي- بيروت \"١٣٩٢هـ-١٩٧٢م\".\n٥٧- تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف: للإمام الحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي \"٦٥٤- ٧٤٢هـ\"- تحقيق/ عبد الصمد شرف الدين- طبع الدار القيمة بالهند.\n٥٨- تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل: لأبي زرعة العراقي أحمد بن أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي- بتحقيقنا- الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة- الطبعة الأولى \"١٤٢٠هـ-٢٠٠٠م\".","vol":"1","page":468},{"text":"٥٩- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: للحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي \"٨٤٩- ٩١١هـ\"- طبع مؤسسة الرسالة- بيروت- تحقيق الدكتور/ عزت علي عطية، وموسى محمد علي.\n٦٠- تذكرة الحفاظ: للإمام أبي عبد الله شمس الدين الذهبي \"٧٤٨هـ- ١٣٤٧م\"- طبع دار إحياء التراث العربي- بيروت.\n٦١- التذكرة بمعرفة رجال الكتب العشرة- لأبي المحاسن محمد بن علي الحسيني \"٧١٥- ٧٦٥هـ\"، بتحقيق أ. د/ رفعت فوزي- مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n٦٢- التراتيب الإدارية: للكتاني عبد الحي- الرباط \"١٣٤٧هـ\".\n٦٣- ترتيب القاموس المحيط: طبع عيسى الحلبي- ط الثانية.\n٦٤- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة مذهب مالك: لأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي \"٥٤٤هـ-١١٤٩م\"، تحقيق د/ أحمد بكير محمود - مكتبة الحياة- بيروت - لبنان.\n٦٥- تعجيل المنفعة بزوائد الأئمة الأربعة: للحافظ ابن حجر العسقلاني- طبع دار المحاسن- القاهرة- تحقيق/ السيد عبد الله هاشم يماني المدني.\n٦٦- التعديل والتجريج: للباجي- طبع دار اللواء- الرياض.\n٦٧- التعريف بأمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري \"ت ٢٥٦هـ\"- المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- لجنة إحياء كتب السنة- مطبعة الشعب \"١٣٨٧هـ\".\n٦٨- تغليق التعليق على صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"ت ٨٥٢هـ\"- تحقيق/ سعيد عبد الرحمن موسى القزقي- طبع المكتب الإسلامي- الطبعة الأولى \"١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م\".","vol":"1","page":469},{"text":"٦٩- تقريب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"ت ٨٥٢هـ\"- تحقيق: محمد عوامة- طبع دار الرشيد- سوريا- ط أولى \"١٤٠٦هـ\"، وطبعة دار المعرفة بيروت- بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.\n٧٠- تقريب النواوي \"بشرح تدريب الراوي\"- طبع دار الكتب الحديثة- القاهرة- ط الثانية \"١٣٨٥هـ- ١٩٦٦م\".\n٧١- تقييد العلم: لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي \"٤٦٣هـ\"- تحقيق د/ يوسف العش، دمشق- الطبعة الأولى \"١٩٤٩م\".\n٧٢- التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح: للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي \"٧٢٥- ٨٠٦هـ\"- تصحيح وتعليق: محمد راغب الطباخ- المطبعة العلمية- حلب- ط أولى \"١٣٥٠هـ\".\n٧٣- التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"ت ٨٥٢هـ\"، طبعة المدينة المنورة- الحجاز \"١٣٨٤هـ- ١٩٦٤م\"، وطبعة مؤسسة قرطبة \"١٤١٦هـ-١٩٩٥م\".\n٧٤- تلخيص صحيح مسلم: للإمام أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي \"٥٩٨هـ - ٦٥٦ هـ\"- تحقيق: للأستاذ الدكتور/ رفعت فوزي عبد المطلب، وأحمد محمود الخولي- طبع دار السلام- ط الثانية \"١٤١٤هـ- ١٩٩٣م\".\n٧٥- تلقيح فهوم الأثر: لابن الجوزي- مكتبة الآداب بالقاهرة.\n٧٦- تهذيب سنن أبي داود: لابن قيم الجوزية، \"مع مختصر سنن أبي داود للمنذري\"، مكتبة السنة المحمدية بالقاهرة.\n٧٧- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي \"٣٦٨-٤٦٣هـ\"- تحقيق: سعيد أحمد أعراب- طبع الهند- الطبعة الأولى \"١٤٠١هـ-١٩٨١م\".","vol":"1","page":470},{"text":"٧٨- تنبيه المسلم إلى تعدي الألباني على صحيح مسلم: لمحمود سعيد ممدوح- الطبعة الأولى \"١٤٠٨هـ-١٩٨٧م\"، \"بدون ذكر الناشر أو المطبعة\".\n٧٩- التنقيح: لابن عبد الهادي \"٧٠٥-٧٤٤هـ\"- على كتاب التحقيق في اختلاف الحديث لابن الجوزي \"٥١٠- ٥٩٧هـ\"- تحقيق / محمد حامد الفقي - مطبعة السنة المحمدية- الطبعة الأولى \"١٣٧٣هـ- ١٩٥٤م\".\n٨٠- تنوير الحوالك \"على موطأ الإمام مالك\": للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي \"٨٤٩- ٩١١هـ\"- مطبعة دار إحياء الكتب العربية- مصر \"١٣٤٣هـ\".\n٨١- تهذيب الأسماء واللغات: لأبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي \"ت ٦٧٦هـ\" طبع دار الكتب العلمية- بيروت.\n٨٢- تهذيب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"٨٥٢هـ\"- طبع دار صادر- بيروت- مصورة عن الطبعة الأولى- بالهند \"١٣٢٦هـ\".\n٨٣- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للحافظ المزي \"٦٥٤- ٧٤٢هـ\"- طبع مؤسسة الرسالة- بيروت- الطبعة الأولى.\n٨٤- توجيه النظر إلى أصول الأثر: لطاهر بن صالح الجزائري \"٣٣٨هـ\"- طبع دار المعرفة- بيروت.\n٨٥- توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته: أ. د/ رفعت فوزي عبد المطلب- مكتبة الخانجي بالقاهرة- الطبعة الأولى \"١٤٠٠هـ-١٩٨١م\".\n٨٦- التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر: للحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي \"٨٣١- ٩٠٢هـ\" تحقيق/ حسين بن إسماعيل- مكتبة التوعية الإسلامية.","vol":"1","page":471},{"text":"٨٧- توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني \"١١٨٢هـ\"، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد- مكتبة الخانجي \"١٣٦٦هـ\".\n٨٨- الثقات: للإمام محمد بن حبان بن أحمد بن أبي حاتم التميمي البستي \"٣٥٤هـ-٩٦٥م\"- الطبعة الأولى- بالهند.\n٨٩- جامع الأصول: لابن الأثير- طبعة دار الفكر للطباعة والنشر- بتحقيق/ عبد القادر الأرناءوط، ط ٢ \"١٤٠٣هـ-١٩٨٣م\".\n٩٠- جامع بيان العلم وفضله: للإمام أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي \"٣٦٨- ٤٦٣هـ\"- إدارة الطباعة المنيرية- مصر، ودار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، والمطبعة السلفية، الطبعة الثانية \"١٣٨٨هـ-١٩٦٨م\".\n٩١- جامع التحصيل في أحكام المراسيل: للحافظ صلاح الدين أبي سعيد خليل العلائي \"٦٩٤- ٧٦١هـ\" تحقيق/ حمدي عبد المجيد السلفي- الطبعة الأولى \"١٣٩٨هـ- ١٩٧٨م\"- الدار العربية- العراق- الطبعة الثانية عالم الكتب- بيروت- الطبعة الثالثة- دار الكتب الإسلامية- القاهرة.\n٩٢- الجامع الصحيح: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري \"١٩٤- ٢٥٦هـ\" وعليه فتح الباري لابن حجر العسقلاني- المطبعة السلفية- الطبعة الأولى \"١٤٠٠هـ\" ترقيم/ محمد فؤاد عبد الباقي، وطبعة السلفية المرقمة بدون شرح، وطبعة الشعب.\n٩٣- الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير: للإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي \"٨٤٩- ٩١١هـ\" طبع دار الفكر- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى \"١٤٠١هـ- ١٩٨١م\".\n٩٤- الجامع الكبير: للإمام السيوطي- مخطوط بدار الكتب المصرية.","vol":"1","page":472},{"text":"٩٥- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي \"٣٩٢- ٤٦٣هـ\" تحقيق الدكتور/ محمد الطحان- مطبعة المعارف- الرياض \"١٤٠٣هـ\".\n٩٦- الجرح والتعديل: لأبي لبابة حسين- منشورات دار اللواء للنشر والتوزيع- الرياض- ط. الأولى \"١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م\".\n٩٧- الجرح والتعديل: للإمام أبي محمد بن عبد الرحمن الرازي الحافظ ابن الإمام أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر \"٢٤٠- ٣٢٧هـ\"- طبعة دار الكتب العلمية- بيروت- مصورة عن الطبعة الأولى بالهند.\n٩٨- الجمع بين رجال الصحيحين: لابن القيسراني- طبع الهند.\n٩٩- جمهرة أنساب العرب: لأبي محمد علي بن سعيد بن حزم الأندلسي \"ت ٤٥٦هـ\" تحقيق: اليفي بروفنسال- طبعة دار المعارف- مصر.\n١٠٠- جمهرة نسب قريش وأخبارها: تحقيق/ محمود محمد شاكر- القاهرة \"١٣٨١هـ\".\n١٠١- جوامع السيرة: لابن حزم الأندلسي \"ت ٤٥٦هـ\"- تحقيق: ناصر الدين الأسدي بالقاهرة \"١٩٥٦م\"، وطبعة كراتشي، مكتبة التراث الإسلامي بالقاهرة.\n١٠٢- حاشية الأجهوري على شرح الزرقاني على المنظومة البيقونية: لعطية الأجهوري- مطبعة مصطفى الحلبي- القاهرة \"١٣٦٨هـ\".\n١٠٣- الحديث والمحدثون: لمحمد محمد أبو زهو- طبع دار الكتاب العربي- بيروت.\n١٠٤- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني- مطبعة السعادة، ومكتبة الخانجي.\n١٠٥- خصائص المسند \"مسند الإمام أحمد\": لأبي موسى المديني- تحقيق/ أحمد شاكر.","vol":"1","page":473},{"text":"١٠٥- خطط تقي الدين المقريزي: طبعة بولاق \"١٢٧٠هـ\".\n١٠٦- خلاصة تهذيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للإمام صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي الأنصاري \"ت ٩٢٣هـ\"- مكتبة المطبوعات الإسلامية- بيروت- الطبعة الثانية \"١٣٩١هـ- ١٩٧١م\".\n١٠٧- دراسات في السنة: للدكتور/ إسماعيل سالم عبد العال- دار الجامعة للطباعة والنشر- مكتبة الملك فيصل الإسلامية بالهرم.\n١٠٨- دور المرأة في خدمة الحديث في القرون الثلاثة الأولى: رسالة ماجستير لآمال قِرْدَاش بنت الحسين، العدد رقم \"٧٠\" من كتاب الأمة.\n١٠٩- دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث: للدكتور/ امتياز أحمد، بجامعة كراتشي، ونقله إلى العربية د/ عبد المعطى أمين قلعجي- الطبعة الأولى \"١٩٩٠م\" دار الوفاء.\n١١٠- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب: لابن فرحون إبراهيم بن علي- القاهرة \"١٣٢٩هـ\".\n١١١- ذكر أسماء التابعين: للدارقطني- تحقيق/ كمال يوسف الحوت- طبع مؤسسة الكتب الثقافية- بيروت- ط أولى \"١٤٠٦هـ\".\n١١٢- رجال صحيح البخاري: للإمام أبي نصر أحمد بن الحسين البخاري الكلاباذي \"٣٢٣- ٣٩٨هـ\"- تحقيق/ عبد الله الليثي- طبع دار المعرفة- بيروت- لبنان.\n١١٣- رجال صحيح مسلم: للإمام أبي بكر أحمد بن منجويه الأصبهاني \"٣٤٧ - ٤٢٨هـ\"- تحقيق/ عبد الله الليثي- طبع دار المعرفة- بيروت- لبنان.\n١١٤- الرسالة للإمام الشافعي- تحقيق: أحمد محمد شاكر- القاهرة \"١٩٣٨م\".\n١١٥- الرفع والتكميل في الجرح والتعديل: لأبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي \"١٢٦٤- ١٣٠٤هـ\" تحقيق/ عبد الفتاح أبو غدة- مكتبة المطبوعات الإسلامية- حلب.","vol":"1","page":474},{"text":"١١٦- الروض الداني إلى المعجم الصغير للطبراني- تحقيق/ محمد شكور الحاج أمرير- طبع المكتب الإسلامي- بيروت، ودار عمان: عمان- الطبعة الأولى \"١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م\".\n١١٧- الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة: ليحيى العامري اليمني- طبعة الهند \"١٣٠٣هـ\".\n١١٨- زاد المعاد في هدى خير العباد: لابن قيم الجوزية- المطبعة المصرية.\n١١٩- زهر الربى على المجتبَى: للسيوطي- \"وهو مطبوع بهامش سنن النسائي: المجتبى\" \"راجع: سنن النسائي\".\n١٢٠- سنة الرسول ﷺ: لمحمد الحافظ التيجاني، مجمع البحوث الإسلامية، الكتاب السابع \"١٣٨٩هـ- ١٩٦٩م\".\n١٢١- السُّنة قبل التدوين: د/ محمد عجاج الخطيب- الطبعة الأولى- مكتبة وهبة بالقاهرة \"١٣٨٣هـ-١٩٦٣م\".\n١٢٢- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: د/ مصطفى السباعي.\n١٢٣- سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني بن ماجه \"٢٠٧- ٢٥٧هـ\"- تحقيق/ محمد فؤاد عبد الباقي- مطبعة الحلبي.\n١٢٤- سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي \"٢٠٢- ٢٧٥هـ\". ومعه معالم السنن للخطابي \"٣١٩- ٣٨٨هـ\"- تحقيق/ عزت الدعاس، وعادل السيد- طبع دار الحديث- حمص- سورية- ط الأولى \"١٣٩٣هـ- ١٩٧٣م\".\n١٢٥- سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة \"٢٠٩- ٢٩٧هـ\"- طبع مصطفى الحلبي- الطبعة الأولى \"١٣٨٢هـ- ١٩٦٢م\".","vol":"1","page":475},{"text":"١٢٦- سنن الدارقطني \"٣٠٦- ٣٨٥هـ\" وبذيله التعليق المغني على الدارقطني: لأبي الطيب محمد شميس الحق العظيم آبادي- تحقيق/ السيد عبد الله هاشم يماني- المدينة المنورة- الحجاز \"١٣٨٦هـ- ١٩٦٦م\".\n١٢٧- سنن الدارمي: لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي \"ت ٢٥٥هـ\"- تحقيق/ السيد عبد الله هاشم يماني المدني- المدينة المنورة \"١٣٨٦هـ- ١٩٦٦م\" شركة الطباعة الفنية بالدراسة- طبع دار إحياء التراث، ودار الريان للتراث- ط الأولى \"١٤٠٧هـ-١٩٨٧م\"، وطبعة دار المعرفة- بيروت- ط. \"١\" \"١٤١١هـ-١٩٩١م\".\n١٢٨- سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي: تحقيق/ عبد الفتاح أبو غدة- الطبعة الأولى المفهرسة- بيروت \"١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م\".\n١٢٩- السنن الكبرى: للإمام النسائي- تحقيق: د/ عبد الغفار سليمان البنداري وسيد حسن- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- ط الأولى \"١٤١١هـ- ١٩٩١م\".\n١٣٠- السنن الكبرى: للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي \"ت ٤٥٨هـ\"- وفي ذيله الجوهر النقي: لعلاء الدين بن علي بن عثمان المارديني الشهير بابن التركماني \"ت ٧٤٥هـ\"- طبع الهند- حيدر آباد الدكن- الطبعة الأولى \"١٣٤٦هـ\".\n١٣١- سير أعلام النبلاء: للإمام الحافظ شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي \"٧٤٨هـ- ١٣٧٤م\"- طبع مؤسسة الرسالة- بيروت- الطبعة الثالثة \"١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م\".\n١٣٢- سيرة الإمام البخاري: تأليف/ عبد السلام المباركفوري- طبع الدار السلفية بالهند- الطبعة الثانية \"١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م\".","vol":"1","page":476},{"text":"١٣٣- السيرة النبوية: لابن هشام- دار الجيل.\n١٣٤- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: للإمام أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي \"١٠٨٩هـ\"- طبع دار الفكر.\n١٣٥- شرح السنة: للإمام أبي محمد الحسين بن سعود الفراء البغوي \"٤٣٦- ٥١٦هـ\"- تحقيق/ شعيب الأرناءوط ومحمد زهير الشاويش- طبع المكتب الإسلامي- بيروت.\n١٣٦- شرح صحيح مسلم: للإمام النووي- دار القلم- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى \"١٤٠٧هـ-١٩٨٧م\".\n١٣٧- شرح العقيدة الطحاوية: طبع المكتب الإسلامي- بيروت.\n١٣٨- شرح علل الترمذي: لابن رجب الحنبلي- تحقيق الدكتور/ صبحي السامرائي- طبع عالم الكتب- بيروت- وتحقيق الدكتور/ همام سعيد- مكتبة المنار بالأردن- الطبعة الأولى \"١٤٠٧هـ\".\n١٣٩- شرح معاني الآثار: للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الطحاوي \"٢٢٩- ٣٢١هـ\"- تحقيق/ سيد جاد الحق- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- ط. الأولى \"١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م\".\n١٤٠- شرح المواهب اللدنية: للزرقاني- المطبعة الأزهرية \"١٣٢٥هـ\".\n١٤١- شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الحديث: للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني \"٧٧٣- ٨٥٢هـ\"، مطبعة مصطفى الحلبي بالقاهرة.\n١٤٢- شرف أصحاب الحديث: للخطيب البغدادي- تحقيق: محمد سعيد خطيب- مطبعة جامعة أنقرة \"١٩٧١م\".\n١٤٣- شروط الأئمة الخمسة: للحافظ أبي بكر محمد بن موسى الحازمي- دار الكتب العلمية- بيروت - لبنان.","vol":"1","page":477},{"text":"١٤٤- شروط الأئمة الستة: للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي- دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.\n١٤٥- صحيح مسلم: للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري \"٢٠٦- ٢٦١هـ\" طبع دار إحياء الكتب العربية- الطبعة الأولى \"١٣٧٥هـ- ١٩٥٥م\"- ترقيم/ محمد فؤاد عبد الباقي.\n١٤٦- صحيح ابن حبان: للإمام محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي \"٣٥٤هـ\"- تحقيق/ كمال يوسف الحوت- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- ط. الأولى \"١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م\".\n١٤٧- صحيح ابن خزيمة: للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري \"٢٢٣- ٣١١هـ\" تحقيق الدكتور/ محمد مصطفى الأعظمي- طبع المكتب الإسلامي- بيروت.\n١٤٨- صحيفة همام بن منبه: بتحقيق أ. د/ رفعت فوزي، الناشر: مكتبة الخانجي بالقاهرة.\n١٤٩- صفة الصفوة: لابن الجوزي \"٥١٠- ٥٩٧م\"، طبعة حيدر آباد \"١٣٥٥هـ\".\n١٥٠- صفة الفتوى والمفتي والمستفتي: لأحمد بن حمدان الحراني الحنبلي \"٦٠٣- ٦٩٥هـ\"- طبعة المكتب الإسلامي- بيروت.\n١٥١- صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط: لأبي عمرو بن الصلاح \"ت ٦٤٣هـ\"- تحقيق/ موفق بن عبد الله بن عبد القادر - طبع دار الغرب الإسلامي- لبنان.\n١٥٢- الضعفاء الكبير: لأبي جعفر محمد بن موسى بن حماد العقيلي المكي- تحقيق/ عبد المعطي قلعجي- طبعة دار الكتب العلمية- بيروت- الطبعة الأولى \"١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م\".","vol":"1","page":478},{"text":"١٥٣- الضعفاء والمتروكين: لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي \"ت ٣٠٣هـ\"- طبع دار المعرفة- بيروت.\n١٥٤- الطبقات: للإمام أبي عمرو خليفة بن خياط العصفري \"ت ٢٤٠هـ\"- \"رواية أبي عمران موسى بن زكريا التستري\"- تحقيق الدكتور/ أكرم ضياء العمري- طبع دار طيبة- الرياض.\n١٥٥- طبقات الحفاظ: للسيوطي \"٨٤٩- ٩١١هـ\"- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- ط. الأولى \"١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م\".\n١٥٦- طبقات الحنابلة: للقاضي أبي الحسن محمد بن أبي يعلى- مطبعة السنة المحمدية \"١٣٧١هـ- ١٩٥٢م\".\n١٥٧- طبقات الشافعية الكبرى- لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي \"٧٢٧- ٧٧١هـ\"- طبعة الحلبي- الطبعة الأولى \"١٣٨٣هـ - ١٩٦٤م\"- تحقيق/ عبد الفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.\n١٥٨- الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد كاتب الواقدي- طبع دار صادر- بيروت، وطبع دار التحرير- القاهرة \"١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م\"، وطبعة الخانجي بالقاهرة \"٢٠٠١م\".\n١٥٩- طرح التثريب في شرح التقريب: لعبد الرحيم بن الحسين العراقي \"٨٠٦هـ\" بالاشتراك مع ولده أبي زرعة العراقي \"٨٢٦هـ\"- مطبعة جمعية النشر الأزهرية \"١٣٥٣هـ\"، ومطبعة دار المعارف- حلب- سوريا.\n١٦٠- العبر في خبر من غبر: للإمام الحافظ الذهبي- تحقيق/ صلاح الدين المنجد، وفؤاد السيد الكوبي- طبع \"١٩٦٠م\".\n١٦١- العقد الفريد: لأحمد بن محمد بن عبد ربه- تحقيق: محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة بالقاهرة- الطبعة الثانية \"١٣٧٢هـ-١٩٥٣م\".","vol":"1","page":479},{"text":"١٦٢- العلل: للإمام الترمذي أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة \"٢٠٦- ٢٧٩هـ\"- آخر الجزء الخامس من السنن \"راجع: سنن الترمذي\".\n١٦٣- علل الحديث: للإمام أبي محمد بن عبد الرحمن الرازي الحافظ ابن الإمام أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر \"٢٤٠- ٣٢٧هـ\"- مكتبة المثنى ببغداد \"١٣٤٣هـ\".\n١٦٤- العلل ومعرفة الرجال: للإمام أحمد بن حنبل- تحقيق/ طلعت قوج بيكت، وإسماعيل أوغى- طبع أنقرة.\n١٦٥- العلم: لأبي خيثمة: زهير بن حرب \"٢٣٤هـ\"- بتحقيق/ الألباني- المطبعة العمومية- دمشق.\n١٦٦- علوم الحديث: لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري الشهير بابن الصلاح \"٥٧٧- ٦٤٣هـ\"- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان \"١٣٩٨هـ- ١٩٧٨م\".\n١٦٧- عمدة القاري بشرح صحيح البخاري: للإمام بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني \"٧٦٢- ٨٥٥هـ\"- طبع دار الفكر \"١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م\"- طبع الحلبي- ط. الأولى \"١٣٩٢هـ-١٩٧٢م\".\n١٦٨- عمل اليوم والليلة- للإمام أحمد بن شعيب النسائي \"ت ٣٠٣هـ\"- تحقيق الدكتور/ فاروق حمادة- طبع مؤسسة الرسالة- بيروت- ط. الثالثة \"١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م\".\n١٦٩- عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: لفتح الدين أبي الفتح محمد بن عبد الله بن محمد \"ابن سيد الناس\" الشافعي \"٧٣٤هـ\"- مكتبة القدسي \"١٣٥٦هـ\".\n١٧٠- غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأحاديث المقطوعة- للحافظ أبي الحسين يحيى بن علي بن عبد الله القرشي الشهير","vol":"1","page":480},{"text":"برشيد الدين العطار \"٥٨٤-٦٦٢هـ\"، تحقيق/ محمد خرشافي- دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى \"١٤١٧هـ-١٩٩٦م\"، توزيع مكتبة عباس أحمد الباز- مكة المكرمة.\n١٧١- غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام: لمحمد بن داود بن محمد اليازني \"٩٢٥هـ- ١٥١٩م\".\n١٧٢- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"٧٧٣- ٨٥٢هـ\"- ترقيم/ محمد فؤاد عبد الباقي- المطبعة السلفية- بالقاهرة- وطبعة دار الريان للتراث- بالقاهرة- الطبعة الثانية \"١٩٨٧م\".\n١٧٣- فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ زين الدين أبي الفرج بن رجب الحنبلي \"٧٣٦- ٧٩٥هـ\"- الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية بالمدينة المنورة- الطبعة الأولى \"١٤١٧هـ-١٩٩٦م\"- مؤسسة الرسالة.\n١٧٤- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث: للإمام الحافظ زين الدين الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي \"٧٢٥- ٨٠٦هـ\" مطبعة وكالة النخلة- القاهرة - ط. الأولى- ومكتبة السنة.\n١٧٥- فتح المغيث شرح ألفية الحديث: للإمام شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي \"٩٠٢هـ\"، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة- الطبعة الثانية \"١٣٨٨هـ-١٩٦٨م\"، والطبعة الهندية \"١٩٥٢م\".\n١٧٦- الفهرست في أخبار العلماء المصنفين من القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم: لمحمد بن إسحاق النديم، المعروف بأبي يعقوب الوراق- تحقيق/ رضا تجدد.\n١٧٧- \"فهرسة ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضرب من ضروب العلم وأنواع المعارف\": لأبي بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأموي الإشبيلي \"٥٠٢- ٥٧٥هـ\".","vol":"1","page":481},{"text":"١٧٨- فيض الباري على صحيح البخاري: للشيخ/ محمد أنور الكشميري \"١٣٥٢هـ\"- مطبعة حجازي- القاهرة- ط. الأولى \"١٣٥٧هـ\".\n١٧٩- فيض القدير شرح الجامع الصغير- لمحمد عبد الرءوف المناوي، طبع دار المعرفة- بيروت- ط \"٢\"، \"١٣٩١هـ-١٩٧٢م\"، وطبع المكتبة التجارية بمصر.\n١٨٠- قواعد في علوم الحديث: لظفر أحمد العثماني التهانوي- تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة- دار السلام للطبع والنشر- الطبعة السادسة \"١٤١٧هـ-١٩٩٦م\"- القاهرة.\n١٨١- الكاشف: للذهبي- طبع دار الكتب العلمية- بيروت.\n١٨٢- الكامل في التاريخ: لابن الأثير الجزري علي بن محمد عز الدين- المطبعة المنيرية بالقاهرة \"١٣٤٨هـ\".\n١٨٣- الكامل في ضعف الرجال: للإمام أبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني \"٢٧٧- ٣٦٥هـ\" طبع دار الفكر بيروت- لبنان \"١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م\".\n١٨٤- كتب السنة دراسة توثيقية - الجزء الأول: أ. د/ رفعت فوزي عبد المطلب- مكتبة الخانجي- ط. الأولى \"١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م\" \"والجزء الثاني مخطوط بالآلة الكاتبة\".\n١٨٥- كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة: للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي \"٧٣٥- ٨٠٧هـ\"- تحقيق/ حبيب الرحمن الأعظمي- طبع مؤسسة الرسالة- ط. الأولى \"١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م\".\n١٨٦- كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: لإسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي \"ت ١١٦٢هـ\"- تحقيق/ أحمد القلاش- مكتبة التراث الإسلامي- حلب.","vol":"1","page":482},{"text":"١٨٧- كشف الظنون من أسامي الكتب والفنون: لملا كاتب الجلبي مصطفى بن عبد الله المعروف بحاجي خليفة \"ت ١٠٦٧هـ\"- طبع دار الفكر- بيروت.\n١٨٨- الكفاية في علم الرواية: لأحمد بن علي الخطيب البغدادي \"٤٦٣هـ\"- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- وطبع دار الكتاب الحديثة بالقاهرة \"١٤١٠هـ-١٩٩٠م\"، وطبعة الهند، وطبعة دار الكتاب ببيروت- الطبعة السادسة \"١٩٨٦م\" بتحقيق أ. د/ أحمد عمر هاشم.\n١٨٩- الكمال في أسماء الرجال: للإمام ولي الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب- مات بعد سنة \"٧٣٧هـ\".\n١٩٠- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: للعلامة علاء الدين علي المنتقى به حسام الدين الهندي البرهان فوري \"ت ٩٧٥هـ\"- مكتبة التراث الإسلامي- حلب.\n١٩١- الكنى: للإمام البخاري- وهو الجزء التاسع من كتاب التاريخ الكبير \"مطبوع من المجلد الثامن\"- طبع الهند.\n١٩٢- الكنى والأسماء: للإمام مسلم بن الحجاج- تحقيق/ عبد الرحيم محمد أحمد القشيري- الجامعة الإسلامية- المدينة المنورة- الطبعة الأولى \"١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م\".\n١٩٣- الكنى والأسماء: لأبي بشر محمد بن أحمد بن حماد الدولابي \"٢٢٤-٣١٠هـ\"- طبع دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- الطبعة الثانية \"١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م\".\n١٩٤- اللباب في تهذيب الأسماء: لابن الأثير- طبع دار صادر- بيروت \"١٤٠٠هـ- ١٩٨٠م\".\n١٩٥- لسان العرب: للإمام أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري \"٦٣٠- ٧١١هـ\"- دار المعارف- القاهرة.","vol":"1","page":483},{"text":"١٩٦- لسان الميزان: للحافظ ابن حجر العسقلاني- طبع دائرة المعارف العثمانية- بالهند \"١٣٢٩هـ\".\n١٩٧- مباحث في علم الجرح والتعديل: لقاسم علي سعد- طبع دار البشائر الإسلامية- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى \"١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م\".\n١٩٨- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي \"ت ٨٠٧هـ\"- طبع دار الكتاب العربي- بيروت- لبنان- الطبعة الثالثة \"١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م\".\n١٩٩- المجموع \"شرح المهذب للشيرازي\": للإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي- تحقيق/ محمد نجيب المطيعي- مكتبة الإرشاد- جُدَّة- السعودية.\n٢٠٠- مجموع فتاوى ابن تيمية \"جمع وترتيب\" عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، وابنه محمد- طبع السعودية- ط. الثانية \"١٣٩٨هـ\"- مصورة عن الطبعة الأولى.\n٢٠١- محاسن الاصطلاح \"مع مقدمة ابن الصلاح\": لسراج الدين البلقيني- تحقيق/ عائشة عبد الرحمن \"بنت الشاطئ\"- مطبعة دار الكتب \"١٩٧٤م\"- الهيئة المصرية العامة للكتاب- مركز تحقيق التراث.\n٢٠٢- المحدث الفاصل بين الراوي والواعي: للرامهرموزي- تحقيق/ محمد عجاج الخطيب- طبع دار الفكر- بيروت- ط. الأولى \"١٩٧١م\"، والنسخة المخطوطة \"نسخة كوبريللي رقم ٣٩٧ في إستانبول\".\n٢٠٣- المحلى: لأبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم \"ت ٤٥٦هـ\"- طبع دار الفكر.\n٢٠٤- مختصر سنن أبي داود: للإمام عبد العظيم بن عبد القوي، زكي الدين، أبي محمد، المنذري \"٥٨١- ٦٥٦هـ\"، مكتبة السنة المحمدية، بالقاهرة.","vol":"1","page":484},{"text":"٢٠٥- مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول: لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل \"أبو شامة\" \"١٣٢٨هـ\".\n٢٠٦- المدخل إلى توثيق السنة وبيان مكانتها في بناء المجتمع الإسلامي: أ. د/ رفعت فوزي عبد المطلب- مطبعة السعادة- مكتبة الخانجي- الطبعة الأولى \"١٣٩٨هـ- ١٩٧٨م\".\n٢٠٧- المدخل إلى الصحيح: لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري \"ت ٤٠٥هـ\"- تحقيق/ ربيع المدخلي- طبع مؤسسة الرسالة- الطبعة الأولى \"١٤٠٤هـ\".\n٢٠٨- المدخل إلى معرفة الصحيحين: لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري \"ت ٤٠٥هـ\"- رسالة ماجستير لإبراهيم بن علي بن محمد الكليب- جامعة الإمام محمد بن سعود- كلية أصول الدين بالرياض- قسم السنة وعلومها.\n٢٠٩- المدخل في أصول الحديث: للحاكم \"ت ٤٠٥هـ\" المطبعة العلمية- حلب \"١٣٥١هـ\".\n٢١٠- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: للإمام علي بن سلطان محمد القاري المعروف بملا علي القاري \"ت ١٠١٤هـ\"- طبعة دار إحياء التراث العربي- بيروت \"١٣٠٩هـ\".\n٢١١- مروج الذهب: لأبي الحسن علي بن حسين بن علي المسعودي- تحقيق/ محمد محيي الدين عبد الحميد- الطبعة الثالثة بالقاهرة \"١٣٧٧هـ-١٩٥٨م\".\n٢١٢- مرويات الإمام البخاري في غير الصحيح: جمع وترتيب ودراسة \"رسالة ماجستير\"- د/ علي عبد الباسط مزيد- كلية دار العلوم- جامعة القاهرة.\n٢١٣- المستدرك على الصحيحين في الحديث: لأبي عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري \"ت: صفر ٤٠٥هـ\" وفي ذيله تلخيص المستدرك: للإمام الذهبي \"ت ٧٤٨هـ\"- طبع دار الفكر- بيروت \"١٣٩٨هـ- ١٩٨٧م\".","vol":"1","page":485},{"text":"٢١٤- مسند الإمام أحمد بن حنبل: طبع المكتب الإسلامي- بيروت- ط. الرابعة \"١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م\" بالإضافة إلى الأجزاء التي حققها الأستاذ/ أحمد محمد شاكر، بالقاهرة.\n٢١٥- المسند: للإمام أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي \"ت ٢١٩هـ\" - طبع عالم الكتب- بيروت- ومكتبة المتنبي- بالقاهرة.\n٢١٦- مسند الإمام الشافعي: أبي عبد الله محمد بن إدريس \"١٥٠- ٢٠٤هـ\" دار الريان للتراث.\n٢١٧- المسند: لأبي داود الطيالسي سليمان بن داود بن الجارود الفارسي البصري \"ت ٢٠٤هـ\"- طبع دار المعرفة- بيروت- لبنان.\n٢١٨- مسند أبي يعلى الموصلي: للإمام أحمد بن علي بن المثنى التميمي \"٢١٠- ٣٠٧هـ\"- تحقيق: حسين سليم أسد- طبع دار المأمون للتراث- دمشق- ط. الأولى \"١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م\".\n٢١٩- مشاهير علماء الأمصار: للإمام محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي \"٣٥٤هـ\"- طبع بيروت- لبنان.\n٢٢٠- المشتبه في الرجال أسمائهم وأنسابهم: لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي \"٧٤٨هـ\"- تحقيق: علي محمد البجاوي- طبع دار إحياء الكتب العربية \"الحلبي\"- ط. الأولى \"١٩٦٢م\".\n٢٢١- مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: للشهاب أحمد بن بكر البوصيري \"٧٦٢-٨٤٠هـ\" تحقيق: موسى محمد علي- والدكتور/ عزت علي عطية- مطبعة حسان- القاهرة- الناشر دار الكتب الحديثة بالقاهرة.\n٢٢٢- المصنف: لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني \"١٢٦- ٢١١هـ\"، ومعه كتاب الجامع: للإمام معمر بن راشد الأزدي، رواية الإمام/ عبد الرازق الصنعاني- تحقيق/ حبيب الرحمن الأعظمي- طبع المكتب الإسلامي- بيروت- الطبعة الثانية \"١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م\".","vol":"1","page":486},{"text":"٢٢٣- المصنف في الأحاديث والآثار: لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان أبي بكر بن أبي شيبة الكوفي العبسي \"ت ٢٣٥هـ\"- تحقيق/ مختار أحمد الندوي- الهند- الطبعة الأولى \"١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م\"، وطبع مطبعة العلوم الشرقية- بالهند- الطبعة الأولى \"١٣٤٩هـ- ١٩٧١م\".\n٢٢٤- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: لابن حجر العسقلاني \"٧٧٣- ٨٥٢هـ\" بتحقيق/ حبيب الرحمن الأعظمي.\n٢٢٥- معالم السنن للخطابي \"٣١٩- ٣٨٨هـ\" على هامش سنن أبي داود- طبعة دار الحديث: حمص- سوريا \"١٣٩٣-١٩٧٣م\".\n٢٢٦- المعجم الأوسط: للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني \"٢٦٠- ٣٦٠هـ\"- تحقيق/محمود الطحان- مكتبة المعارف بالرياض- الطبعة الأولى \"١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م\".\n٢٢٧- المعجم الكبير: للطبراني \"٢٦٠- ٣٦٠هـ\" مطبعة الدار العربية- ببغداد- الطبعة الأولى- تحقيق/ حمدي عبد المجيد السلفي.\n٢٢٨- المعجم المشتمل على ذكر أسماء الشيوخ النبل: لابن عساكر- تحقيق/ سكينة الشهابي- طبع دار الفكر- سوريا.\n٢٢٩- المعجم المفرس لألفاظ الحديث النبوي: تأليف لفيف من المستشرقين- مطبعة بريل في مدينة ليدن \"١٩٣٦م\".\n٢٣٠- المعجم المفرس لألفاظ القرآن الكريم: للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي- طبع دار الشعب.\n٢٣١- المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية- الطبعة الثالثة.\n٢٣٢- معرفة السنن والآثار: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي \"٣٨٤- ٤٥٨هـ\"- تحقيق: السيد أحمد صقر، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية- القاهرة.","vol":"1","page":487},{"text":"٢٣٣- المعرفة والتاريخ: لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي \"٢٧٧هـ\"- تحقيق/ أكرم العمري- طبع مؤسسة الرسالة- بيروت.\n٢٣٤- معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث: للعجلي- تحقيق/ عبد العظيم البستوي- مكتبة الدار- المدينة المنورة- الطبعة الأولى \"١٤٠٥هـ-١٩٨٥م\".\n٢٣٥- معرفة علوم الحديث: للإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري \"٣٢١- ٤٠٥هـ\" مطبعة دار المعارف العثمانية- بالهند- الطبعة الثانية \"١٣٨٥هـ\"، وطبعة دار الكتب العلمية ببيروت، الطبعة الثانية \"١٩٧٧م\".\n٢٣٦- المغني: لأبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة \"ت ٦٢٠هـ\"- \"على مختصر الإمام أبي القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، ويليه الشرح الكبير على متن المقنع\": لأبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي- طبع دار الكتب العلمية- بيروت.\n٢٣٧- مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة: للإمام جلال الدين السيوطي \"٨١٩هـ\"، المكتبة السلفية بالقاهرة.\n٢٣٨- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم- للإمام أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي \"٥٧٨- ٦٥٦هـ\"- طبعة دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب بدمشق \"بيروت\"- الطبعة الأولى \"١٤١٧هـ-١٩٩٦م\". مقدمة ابن الصلاح. راجع: علوم الحديث \"سبق\".\n٢٣٩- مكانة الصحيحين: للدكتور/ خليل إبراهيم ملا خاطر- المطبعة العربية الحديثة- العباسية- الطبعة الأولى- \"١٤٠٢هـ\".\n٢٤٠- الملل والنحل: لأحمد الشهرستاني- طبعة القاهرة \"١٣٨١هـ-١٩٦١م\".\n٢٤١- من اتهم بالبدعة وهو موثق: للإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي \"ت ٧٤٨هـ\"- طبع عمان.","vol":"1","page":488},{"text":"٢٤٢- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: لابن الجوزي \"٥١٠- ٥٩٧هـ\"- طبع دائرة المعارف العثمانية بالهند \"١٣٥٨هـ\".\n٢٤٣- منهج الإمام مسلم في ترتيب كتابه الصحيح ودحض شبهات حوله: للدكتور/ ربيع بن هادي المدخلي- مكتبة المنار- المدينة المنورة.\n٢٤٤- المنهل العذب المورود- للشيخ محمود خطاب السبكي.\n٢٤٥- موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي- تحقيق/ محمد عبد الرزاق حمزة- المطبعة السلفية- القاهرة.\n٢٤٦- الموضوعات: لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي \"٥١٠- ٥٩٧هـ\" طبعة المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.\n٢٤٧- الموطأ: للإمام مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي \"٩٣- ١٧٩هـ\" تحقيق/ محمد فؤاد عبد الباقي- طبع دار إحياء الكتب العربية \"الحلبي\".\n٢٤٨- المؤتلف والمختلف: لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي \"ت ٣٨٥هـ\"- تحقيق الدكتور/ موفق بن عبد الله بن عبد القادر- طبع دار الغرب الإسلامي- بيروت- لبنان- الطبعة الأولى \"١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م\".\n٢٤٩- ميزان الاعتدال في نقد الرجال: للذهبي \"ت ٧٤٨هـ\"- تحقيق/ علي محمد البجاوي- طبع دار المعرفة - بيروت، وطبع دار إحياء الكتب العربية الطبعة الأولى \"١٣٨٢هـ - ١٩٦٣م\".\n٢٥٠- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: لجمال الدين أبي المحاسن يوسف الأتابكي بن تغري بردي \"ت ٨٧٤هـ\"- طبع دار الكتب \"١٩٢٩- ١٩٥٦م\".\n٢٥١- نخبة الفكر: للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني \"٨٥٢هـ\"- تعليق: محمد الصباغ- مكتبة الغزالي - دمشق.","vol":"1","page":489},{"text":"٢٥٢- نشأة علوم الحديث ومصطلحه: للدكتور/ محمد عجاج الخطيب- رسالة دكتوراه بكلية دار العلوم.\n٢٥٣- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية: للحافظ جمال الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي \"ت ٧٦٢هـ\"- طبعة المكتب الإسلامي- بيروت- الطبعة الثانية \"١٣٩٣هـ\".\n٢٥٤- النكت على كتاب ابن الصلاح: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"٨٥٢هـ\" الطبعة الأولى \"١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م\"- المجلس العلمي لإحياء التراث الإسلامي- المدينة المنورة- الطبعة الأولى.\n٢٥٥- النكت الظراف على الأطراف: للحافظ ابن حجر العسقلاني \"٨٥٢هـ\" على تحفة الأشراف للمزي \"٧٤٢هـ\"- تحقيق/ عبد الصمد شرف الدين- طبعة الدار القيمة - بالهند.\n٢٥٦- النهاية في غريب الحديث والأثر: لمجد الدين أبي السعادات المبارك محمد الجزري بن الأثير \"٥٤٤- ٦٠٦هـ\"- تحقيق/ طاهر أحمد الزاوي، ومحمود محمد الطناحي- طبع دار إحياء الكتب العربية- الحلبي- الطبعة الأولى- \"١٣٨٣هـ- ١٩٦٣م\".\n٢٥٧- هدى الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري: العسقلاني \"٧٧٣- ٨٥٢هـ\" طبعة بولاق.\n٢٥٨- الوافي بالوفيات: للصفدي- سلسلة النشرات الإسلامية- بجمعية المستشرقين الألمانية.\n٢٥٩- وفيات الأعيان: لابن خلكان- تحقيق/ إحسان عباس- طبع بيروت.\n٢٦٠- لامع الدراري على جامع البخاري: طبع كراتشي- باكستان، والمكتبة الإمدادية- باب العمرة- مكة المكرمة.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفهرس:</span>\nالموضوع الصفحة\nالمقدمة ٧\nالتمهيد\nالفصل الأول: منكرو السُّنَّة والرد عليهم ١٣\nالمبحث الأول: مزاعم منكري السُّنَّة قديمًا والرد عليها ١٣\nالمبحث الثاني: منكرو السُّنَّة حديثًا، وتفنيد مزاعمهم ٢٣\nالفصل الثاني: مكانة السُّنَّة في التشريع الإسلامي ٢٩\nالباب الأول: مناهج المحدثين في القرن الأول الهجري\nالفصل الأول: مظاهر اهتمام الصحابة بالسُّنَّة ٣٧\nالفصل الثاني: كتابة السُّنَّة في العهد النبوي ٣٩\nالفصل الثالث: أشهر الصحف والكتابات في العهد النبوي ٤٥\nالفصل الرابع: الكتاب الذي كتبه رسول الله -ﷺ- لعمرو بن حزم ٥١\nالفصل الخامس: بواعث كتابة الحديث الشريف في القرن الأول الهجري ٥٩\nالفصل السادس: مظاهر احتياط الصحابة في قبول الحديث الشريف ٦٣\nالفصل السابع: منهج الصحابة في رواية الحديث الشريف ٧٥\nالفصل الثامن: الصحابة المكثرون لرواية الحديث الشريف ٩١\nالفصل التاسع: أسباب تفاوت الصحابة في رواية الحديث الشريف ١٧٣\nالفصل العاشر: دور أمهات المؤمنين في خدمة الحديث الشريف ١٧٤","vol":"1","page":491},{"text":"الفصل الحادي عشر: أسباب تفاوت أمهات المؤمنين في الرواية ٢٠٥\nالباب الثاني: مناهج المحدثين في القرن الثاني الهجري\nالفصل الأول: المستجدات في هذا العصر ٢٠٧\nالفصل الثاني: التدوين الشامل للسُّنة في هذا العصر، ومنهج العلماء في التصنيف ٢٠٩\nالفصل الثالث: جهود التابعين في توثيق السُّنَّة وحفظها وتدوينها في النصف الأول من القرن الثاني الهجري ٢١٣\nالفصل الرابع: أشهر الصحف والكتابات في القرن الثاني الهجري ٢١٧\nالفصل الخامس: ضوابط الرواية عند التابعين ٢٢١\nالفصل السادس: التصنيف في القرن الثاني وبداية الثالث الهجريين ٢٢٣\nالفصل السابع: الأئمة الأربعة، وأثرهم في علوم الحديث ٢٢٧\nالباب الثالث: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري وحتى عصرنا الحاضر\nالفصل الأول: مناهج المحدثين في القرن الثالث الهجري ٢٤٩\nالمبحث الأول: أهم المشكلات التي واجهت المحدثين في القرن الثالث الهجري ٢٤٩\nالمبحث الثاني: تدوين الحديث وعلومه في القرن الثالث الهجري ٢٥٥\nالمبحث الثالث: مناهج العلماء في تدوين الحديث في القرن الثالث الهجري ٢٥٧\nالمبحث الرابع: أئمة القرن الثالث الهجري، ومناهجهم، وفيه: الإمام البخاري، والإمام مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد بن حنبل ٢٦١","vol":"1","page":492},{"text":"الفصل الثاني: مناهج المحدثين في القرن الرابع الهجري ٤٠٩\nالفصل الثالث: منهج التصنيف في القرن الخامس وحتى سقوط الخلافة العباسية ٤٢٧\nالفصل الرابع: منهج التصنيف من سقوط الخلافة العباسية حتى عصرنا الحاضر ٤٣٣\nالمبحث الأول: السُّنَّة من عام \"٦٥٦هـ\" حتى عام \"٩١١هـ\" ٤٣٣\nالمبحث الثاني: دور العلماء في خدمة السُّنة بعد عام \"٩١١هـ\" وحتى آخر القرن الرابع عشر الهجري ٤٤٩\nالمبحث الثالث: دور أشهر الممالك التي كان لها أثر ملموس في خدمة السنة في هذا العصر ٤٥٣\nالمبحث الرابع: جهود علماء المسلمين في خدمة السنة في العصر الحاضر ٤٥٧\nالمصادر والمراجع ٤٦٣\nالفهرس العام للموضوعات ٤٩١","vol":"1","page":493}]}